تفريغ مقطع : حَوْلَ زِلْزَالِ تُرْكِيَا وَسُورِيَّا

 ((حَوْلَ زِلْزَالِ تُرْكِيَا وَسُورِيَّا))

الْحَمْدُ للهِ وَحْدَهُ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ.

أَمَّا بَعْدُ:

((ثَبَاتُ الْأَرْضِ وَاسْتِقْرَارُهَا مِنْ نِعَمِ اللهِ الْعَظِيمَةِ))

فَمِنْ نِعَمِ اللهِ -تَعَالَى- الْعَظِيمَةِ عَلَى عِبَادِهِ وَالَّتِي يَغْفُلُ عَنْهَا كَثِيرٌ مِنَ الْخَلْقِ: نِعْمَةُ ثَبَاتِ الْأَرْضِ وَاسْتِقْرَارِهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً} [غافر: 64].

وَقَالَ تَعَالَى: {أَمَّن جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا ۗ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [النمل: 61].

فَهُوَ -سُبْحَانَهُ- جَعَلَ الْأَرْضَ قَارَّةً سَاكِنَةً لَا تَمِيدُ وَلَا تَتَحَرَّكُ بِأَهْلِهَا وَلَا تَرْجُفُ بِهِمْ؛ فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ كَذَلِكَ لَمَا طَابَ عَلَيْهَا الْعَيْشُ وَالْحَيَاةُ، بَلْ جَعَلَهَا اللهُ -تَعَالَى- مِنْ فَضْلِهِ وَرَحْمَتِهِ مِهَادًا بِسَاطًا ثَابِتَةً لَا تَتَزَلْزَلُ وَلَا تَتَحَرَّكُ، كَمَا قَالَ -سُبْحَانَهُ-: {وَأَلْقَىٰ فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [النحل: 15].

((الزَّلَازِلُ تَذْكِيرٌ بِنِعْمَةِ اللهِ بِثَبَاتِ الْأَرْضِ))

وَالزَّلَازِلُ الَّتِي يَبْتَلِي اللهُ بِهَا عِبَادَهُ فِيهَا تَذْكِيرٌ بِنِعْمَةِ اللهِ بِثَبَاتِ الْأَرْضِ وَبَسْطِهَا وَتَسْوِيَتِهَا وَتَمْهِيدِهَا لِاسْتِقْرَارِ الْخَلَائِقِ عَلَى ظَهْرِهَا، وَالتَّمَكُّنِ مِنْ حَرْثِهَا وَغَرْسِهَا، وَالْبُنْيَانِ عَلَيْهَا، وَالِانْتِفَاعِ بِمَا فِيهَا مِنْ خَيْرَاتٍ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (6) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا} [النبأ: 6-7].

((الزَّلَازِلُ بَيْنَ الْعُقُوبَةِ والِابْتِلَاءِ))

وَالزَّلَازِلُ تُصِيبُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْكَافِرِينَ..

وَمَا يَقَعُ لِبَعْضِ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الزَّلَازِلِ الْمُدَمِّرَةِ وَنَحْوِهَا قَدْ يَكُونُ مِنَ الِابْتِلَاءَاتِ الَّتِي يُكَفِّرُ اللهُ -تَعَالَى- بِهَا السَّيِّئَاتِ، وَيَرْفَعُ اللهُ بِهَا الدَّرَجَاتِ.

وَقَدْ يَكُونُ عُقُوبَةً عَلَى الْمَعَاصِي.

وَقَدْ يَكُونُ ابْتِلَاءً لِقَوْمٍ، وَعُقُوبَةً لِآخَرِينَ.

قَالَ تَعَالَى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 155].

وَقَالَ تَعَالَى: {وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً} [الأنبياء: 35].

وَفِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي ((صَحِيحِهِ)) عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: ((عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ؛ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ)).

((الزَّلَازِلُ وَالتَّوْبَةُ وَالْعَوْدَةُ إِلَى اللهِ))

وَمِنْ رَحْمَةِ اللهِ -تَعَالَى- بِالزَّلَازِلِ مَا يَصْطَفِي بِسَبَبِهَا مِنَ الشُّهَدَاءِ كَمَا فِي ((الصَّحِيحَيْنِ)): ((الشُّهَدَاءُ خَمْسَةٌ؛ الْمَطْعُونُ، وَالْمَبْطُونُ، وَالْغَرِيقُ، وَصَاحِبُ الْهَدْمِ، وَالشَّهِيدُ فِي سَبِيلِ اللهِ)).

وَلَمَّا رَجَفَتِ الْكُوفَةُ عَلَى عَهْدِ ابْنِ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّ رَبَّكُمْ يَسْتَعْتِبُكُمْ فَأَعْتِبُوهُ)) أَيِ: ارْجِعُوا عَنِ الذُّنُوبِ بِالتَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ وَالْإِنَابَةِ.

وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ -رَحِمَهُ اللهُ- أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى أَهْلِ الْأَمْصَارِ: ((إِنَّ هَذِهِ الرَّجْفَةَ شَيْءٌ يُعَاتِبُ اللهُ بِهِ الْعِبَادَ، وَقَدْ كُنْتُ كَتَبْتُ إِلَى أَهْلِ بَلَدِ كَذَا وَكَذَا أَنْ يَخْرُجُوا يَوْمَ كَذَا وَكَذَا؛ فَمَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَتَصَدَّقَ فَلْيَفْعَلْ؛ فَإِنَّ اللهَ -تَعَالَى- يَقُولُ: {قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ} [الأعلى: 14])).

((زَلَازِلُ دَوْلَتَيْنِ كَرِيمَتَيْنِ تُرْكِيَا وَسُورِيَّا))

وَمِمَّا جَرَتْ بِهِ مَقَادِيرُ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا- مَا أَصَابَ دَوْلَتَيْنِ كَرِيمَتَيْنِ وَشَعْبَيْنِ عَزِيزَيْنِ مِنَ الزَّلَازِلِ وَتَوَابِعِهَا، وَهُمَا (تُرْكِيَا) وَ(سُورِيَّا) -حَفِظَهُمَا اللهُ تَعَالَى-، وَنَجَّى أَهْلَيْهِمَا، وَرَحِمَ أَمْوَاتَهُمَا، وَشَفَى جِرَاحَ الْمُصَابِينَ فِيهِمَا، وَعَوَّضَ مَنْ تَضَرَّرَ مِنْ سُكَّانِهِمَا خَيْرًا، وَأَعَانَ مَنْ فِيهِمَا عَلَى تَجَاوُزِ الْمِحْنَةِ، وَتَخَطِّي الْعَقَبَةِ بِرَحْمَتِهِ وَمَنِّهِ وَجُودِهِ وَكَرَمِهِ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.

وَقَدْ أَخْبَرَنَا رَسُولُنَا ﷺ أَنَّ أُمَّتَنَا أُمَّةٌ مَرْحُومَةٌ، وَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالْحَاكِمُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي مُوسَى -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((أُمَّتِي هَذِهِ أُمَّةٌ مَرْحُومَةٌ، لَيْسَ عَلَيْهَا عَذَابٌ فِي الْآخِرَةِ، عَذَابُهَا فِي الدُّنْيَا الْفِتَنُ وَالزَّلَازِلُ وَالْقَتْلُ)).

((نَصِيحَةٌ غَالِيَةٌ وَمُوَاسَاةٌ لِلْمُتَضَرِّرِينَ مِنَ الزِّلْزَالِ))

وَالَّذِي يَجِبُ عَلَى مَنْ لَحِقَهُ ضَرَرٌ مِنْ جَرَّاءِ الزَّلَازِلِ أَوْ غَيْرِهَا مِنَ الْكَوَارِثِ أَوِ الْمَصَائِبِ أَنْ يَتَحَلَّى بِالصَّبْرِ، وَأَلَّا يُظْهِرَ جَزَعًا وَلَا فَزَعًا، وَكَذَلِكَ عَلَيْهِ أَلَّا يُظْهِرَ اعْتِرَاضًا عَلَى قَضَاءِ اللهِ، بَلْ يَرْضَى بِقَدَرِهِ -سُبْحَانَهُ-، وَيَعْتَقِدُ اعْتِقَادًا جَازِمًا أَنَّ اللهَ -سُبْحَانَهُ- قَدْ قَدَّرَ لَهُ الْخَيْرَ وَإِنْ ظَهَرَ لَهُ خِلَافُ ذَلِكَ، فَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ} [البقرة: 216].

وَقَالَ -سُبْحَانَهُ-: {فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} [النساء: 19].

وَقَالَ تَعَالَى: {مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22) لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} [الحديد: 22-23].

وَقَالَ تَعَالَى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} [البقرة: 155-157].

فَنَقُولُ كَمَا عَلَّمَنَا الرَّسُولُ ﷺ: ((إِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، اللهم أْجُرْنَا فِي مُصِيبَتِنَا وَأَخْلِفْ لَنَا خَيْرًا مِنْهَا)).

وَنَسْأَلُ اللهَ -تَعَالَى- بِأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى وَصِفَاتِهِ الْمُثْلَى أَنْ يَرْفَعَ الْبَلَاءَ وَالْمِحْنَةَ، وَيُفَرِّجَ الْكَرْبَ وَالشِّدَّةَ عَنْ إِخْوَانِنَا السُّورِيِّينَ وَالْأَتْرَاكِ، وَيَحْفَظَهُمْ بِحِفْظِهِ الْجَمِيلِ، وَيَجْعَلَ عَاقِبَةَ أَمْرِهِمْ رَشَدًا.

وَصَلَّى اللهُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.

التعليقات


مقاطع قد تعجبك


  الدرس الوحيد الذي تعلمناه من التاريخ... هو أننا لا نتعلم من التاريخ
  جهل الخوارج قديما وحديثا
  فُرْصَةٌ لِلْمُحَاسَبَةِ
  وصايا للأبناء
  لو لم تذنبوا لذهب الله بكم
  الرد على شبهة وجود قبر النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في مسجده...
  ‫كونوا كما أرادكم الله
  قانون لا ينبغي أن يغيب عنك أبدًا
  لعن الله المرأة تلبس لبسة الرجال
  تعرف على تاريخ اليهود في القدس وقصة الهيكل
  عقوبةُ أهل الدَّعْوَى في العلمِ والقرآن
  إعلام النفاق إعلام الخزى والعار هم من يصنعون التطرف والإرهاب ..!
  ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن
  الاعتراف بالخطأ بطولة
  لقد أفسَدُوا على المسلمينَ دينَهُم
  • شارك

نبذة عن الموقع

موقع تفريغات العلامة رسلان ، موقع يحتوي على العشرات من الخطب والمحاضرات والمقاطع المفرغة لفضيلة الشيخ العلامة أبي عبدالله محمد بن سعيد رسلان-حفظه الله- . كما يعلن القائمون على صفحة وموقع تفريغات العلامة رسلان -حفظه الله- أن التفريغات للخطب ليست هي الشكل النهائي عند الطباعة، ولكن نحن نفرغ خطب الشيخ حفظه الله ونجتهد في نشرها ليستفيد منها طلاب العلم والدعاة على منهاج النبوة في كل أنحاء الدنيا، ونؤكد على أنَّ الخطب غير مُخرَّجة بشكل كامل كما يحدث في خطب الشيخ العلامة رسلان المطبوعة وليست الكتب المنشورة على الصفحة والموقع هي النسخة النهائية لكتب الشيخ التي تُطبع...وهذه الكتب ما هي إلا تفريغ لخطب الشيخ، غير أنَّ كتب الشيخ التي تُطبع تُراجع من الشيخ -حفظه الله- وتُخرج. والتفريغ عملٌ بشريٌ، ونحن نجتهد في مراجعة التفريغات مراجعة جيدة، فإذا وقع خطأ أو شكل الخطب كما نخرجها -إنما نُحاسب نحن عليها والخطأ يُنسب لنا وليس للشيخ -حفظه الله-.

الحقوق محفوظة لكل مسلم موقع تفريغات العلامة رسلان