الرِّشْوَةُ وَأَثَرُهَا فِي إِفْسَادِ الْمُجْتَمَعِ

الرِّشْوَةُ وَأَثَرُهَا فِي إِفْسَادِ الْمُجْتَمَعِ

((الرِّشْوَةُ وَأَثَرُهَا فِي إِفْسَادِ الْمُجْتَمَعِ))

إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ.

أَمَّا بَعْدُ:

فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.

أَمَّا بَعْدُ:

((اللهُ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا))

فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((إِنَّ اللهَ -تَعَالَى- طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا، وَإِنَّ اللهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، فَقَالَ: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا} [المؤمنون: 51]، وَقَالَ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} [البقرة: 172]، ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ: يَا رَبِّ يَا رَبِّ! وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟!)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

((إِنَّ اللهَ -تَعَالَى- طَيِّبٌ)): كَلِمَةُ (طَيِّبٌ) بِمَعْنَى: طَاهِرٌ مُنَزَّهٌ عَنِ النَّقَائِصِ، لَا يَلْحَقُهُ -جَلَّ وَعَلَا- شَيْءٌ مِنَ الْعَيْبِ وَالنَّقْصِ، فَهُوَ -سُبْحَانَهُ- طَيِّبٌ فِي ذَاتِهِ، وَفِي أَسْمَائِهِ وَفِي صِفَاتِهِ، وَفِي أَحْكَامِهِ وَفِي أَفْعَالِهِ، وَفِي كُلِّ مَا يَصْدُرُ مِنْهُ لَيْسَ فِيهِ رَدِيءٌ بِأَيِّ وَجْهٍ.

((إِنَّ اللهَ -تَعَالَى- طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا))، فَهُوَ -سُبْحَانَهُ- لَا يَقْبَلُ إِلَّا الطَّيِّبَ مِنَ الْأَقْوَالِ وَالْأَعْمَالِ وَغَيْرِهَا، وَكُلُّ رَدِيءٍ وَكُلُّ خَبِيثٍ فَهُوَ مَرْدُودٌ عِنْدَ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ-، فَلَا يَقْبَلُ اللهُ إِلَّا الطَّيِّبَ، وَمِنْ ذَلِكَ الصَّدَقَةُ بِالْمَالِ الْخَبِيثِ لَا يَقْبَلُهَا اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ-؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا.

فَالطَّيِّبُ مِنَ الْأَعْمَالِ مَا كَانَ خَالِصًا للهِ، مُوَافِقًا لِلشَّرِيعَةِ، وَالطَّيِّبُ مِنَ الْأَمْوَالِ مَا اكْتُسِبَ مِنْ طَرِيقٍ حَلَالٍ، وَأَمَّا مَا اكْتُسِبَ عَنْ طَرِيقٍ مُحَرَّمٍ فَهُوَ خَبِيثٌ.

((وَإِنَّ اللهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ)): تَعْلِيَةً لِشَأْنِ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَنَّهُمْ أَهْلٌ أَنْ يُوَجَّهَ إِلَيْهِمْ مَا أَمَرَ بِهِ الرُّسُلَ، فَقَالَ -جَلَّ وَعَلَا- فِي أَمْرِ الْمُرْسَلِينَ: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا} [المؤمنون: 51]، فَأَمَرَ الرُّسُلَ أَنْ يَأْكُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ، وَهِيَ الَّتِي أَحَلَّهَا اللهُ -تَعَالَى-، وَاكْتُسِبَتْ مِنْ طَرِيقٍ شَرْعِيٍّ، فَإِنْ لَمْ يُحِلَّهَا اللهُ كَالْمَيْتَةِ فَإِنَّهَا لَا تُؤْكَلُ، وَإِنْ أَحَلَّهَا اللهُ وَلَكِنِ اكْتُسِبَتْ مِنْ طَرِيقٍ مُحَرَّمٍ فَإِنَّهَا لَا تُؤْكَلُ.

{وَاعْمَلُوا صَالِحًا}، أَيِ: اعْمَلُوا عَمَلًا صَالِحًا، فَأَمَرَهُمْ بِالْأَكْلِ الَّذِي بِهِ قِوَامُ الْبَدَنِ، ثُمَّ أَمَرَهُمْ بِالْعَمَلِ الَّذِي يَكُونُ نَتِيجَةً لِلْأَكْلِ، لَكِنَّهُ قَالَ: {وَاعْمَلُوا صَالِحًا}، وَصَالِحُ الْعَمَلِ هُوَ مَا جَمَعَ بَيْنَ الْإِخْلَاصِ وَالْمُتَابَعَةِ.

وَقَالَ -تَعَالَى- فِي أَمْرِ الْمُؤْمِنِينَ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} [البقرة: 172]، كَمَا قَالَ لِلرُّسُلِ: {كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ}، فَأَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ؛ إِذِ الْمُؤْمِنُونَ مَأْمُورُونَ بِالْأَكْلِ مِنَ الطَّيِّبَاتِ، وَالْمُرْسَلُونَ كَذَلِكَ مَأْمُورُونَ بِالْأَكْلِ مِنَ الطَّيِّبَاتِ.

((ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ: يَا رَبِّ يَا رَبِّ!)) يَعْنِي: ضَرَبَ النَّبِيُّ ﷺ مَثَلًا لِهَذَا بِالرَّجُلِ يُطِيلُ السَّفَرَ، وَالسَّفَرُ مِنْ أَسْبَابِ إِجَابَةِ الدُّعَاءِ، لَا سِيَّمَا إِذَا أَطَالَهُ الْمُسَافِرُ.

((أَشْعَثَ أَغْبَرَ)) يَعْنِي: أَشْعَثَ فِي شَعْرِهِ، أَغْبَرَ فِي ثَوْبِهِ مِنَ التُّرَابِ، أَيْ: أَنَّهُ لَا يَهْتَمُّ بِنَفْسِهِ، بَلْ أَهَمُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ الدُّعَاءُ.

((يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ)): وَمَدُّ الْيَدَيْنِ إِلَى السَّمَاءِ مِنْ أَسْبَابِ إِجَابَةِ الدُّعَاءِ، كَمَا فِي الْحَدِيثِ: ((إِنَّ اللهَ حَيِّيٌّ كَرِيمٌ يَسْتَحْيِيِ مِنْ عَبْدِهِ إِذَا رَفَعَ يَدَيْهِ إِلَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا)) أَيْ: خَالِيَتَيْنِ. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ.

((يَا رَبِّ يَا رَبِّ)): نِدَاءٌ بِوَصْفِ الرُّبُوبِيَّةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ وَسِيلَةٌ لِإِجَابَةِ الدُّعَاءِ؛ إِذْ إِنَّ إِجَابَةَ الدُّعَاءِ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ الرُّبُوبِيَّةِ.

((وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ)) يَعْنِي: طَعَامُهُ الَّذِي يَأْكُلُهُ حَرَامٌ، أَيْ: حَرَامٌ لِذَاتِهِ أَوْ لِكَسْبِهِ.

((وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ)) يَعْنِي: شَرَابُهُ الَّذِي يَشْرَبُهُ حَرَامٌ، إِمَّا لِذَاتِهِ أَوْ لِكَسْبِهِ.

((وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ)) يَعْنِي: أَنَّهُ تَغَذَّى بِالْحَرامِ الْحَاصِلِ مِنْ فِعْلِ غَيْرِهِ.

((فَأَنَّى)): اسْمُ اسْتِفْهَامٍ، وَالْمُرَادُ بِهِ الِاسْتِبْعَادُ، ((يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ)) يَعْنِي: يَبْعُدُ أَنْ يُسْتَجَابَ لِهَذَا، مَعَ أَنَّ أَسْبَابَ الْإِجَابَةِ مَوْجُودَةٌ، وَهَذَا لِلتَّحْذِيرِ مِنْ أَكْلِ الْحَرَامِ، وَشُرْبِهِ، وَلُبْسِهِ، وَالتَّغَذِّي بِهِ.

وَالْمَقْصُودُ مِنَ الْحَدِيثِ: تَنْفِيرُ النَّاسِ مِنَ الْحَرَامِ مَأْكَلًا وَمَشْرَبًا وَمَلْبَسًا وَانْتِفَاعًا، وَالتَّرْغِيبُ فِي اخْتِيَارِ أَكْلِ الْحَلَالِ كُلِّهِ.

((الْحَلَالُ طَيِّبٌ وَالْحَرَامُ خَبِيثٌ))

قَالَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-: {قُل لَّا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ ۚ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}  [المائدة: 100].

وَقَدْ أَفَادَ كَلَامُ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ لَا لِقَاءَ بَيْنَ الْحَلَالِ الطَّيِّبِ وَالْحَرَامِ الْخَبِيثِ؛ فَالْحَلَالُ طَيِّبٌ يَطِيبُ بِهِ صَاحِبُهُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، عَقْلًا وَرُوحًا، وَجَنَانًا وَجَوَارِحًا، وَالْخَبِيثُ بِعَكْسِ ذَلِكَ.

وَالْحَرَامُ ضَارٌّ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.

وَالْحَلَالُ مُرْضٍ للهِ وَلِرَسُولِهِ.

وَالْحَرَامُ مُسْخِطٌ للهِ -تَعَالَى- وَرَسُولِهِ ﷺ.

الْحَلَالُ تَزْكُو بِهِ الْأَعْمَالُ وَالْأَقْوَالُ.

وَالْحَرَامُ تَخْبُثُ بِهِ الْأَقْوَالُ وَالْأَعْمَالُ.

وَالْحَلَالُ عِزٌّ لِأَهْلِهِ.

وَالْحَرَامُ ذُلٌّ عَلَى أَهْلِهِ.

وَالْحَلَالُ وَظِيفَةُ الْأَبْطَالِ.

وَالْحَرَامُ وَظِيفَةُ الْأَنْذَالِ.

وَالْحَلَالُ يَجْلِبُ الْحَسَنَاتِ.

وَالْحَرَامُ يُكْسِبُ السَّيِّئَاتِ.

الْحَلَالُ مُوصِلٌ إِلَى أَعْلَى الدَّرَجَاتِ.

وَالْحَرَامُ مُرْدٍ بِصَاحِبِهِ إِلَى أَسْفَلِ الدَّرَكَاتِ.

وَالْحَلَالُ أَمَانٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.

وَالْحَرَامُ خِزْيٌ وَعَارٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.

فَحَيَّهَلًا بِالْحَلَالِ الطَّيِّبِ الْمُبَارَكِ النَّافِعِ الصَّالِحِ!

وَلَا حَيَّ اللهُ الْحَرَامَ الْخَبِيثَ الْفَاسِدَ الْمَمْحُوقَ الْمُضِرَّ الْمُؤْذِيَ!

((الرِّشْوَةُ مِنْ أَشْنَعِ صُوَرِ الْحَرَامِ))

وَالرِّشْوَةُ مِنَ الْحَرَامِ الَّذِي حَرَّمَهُ اللهُ -تَعَالَى- وَرَسُولُهُ ﷺ؛ فَالرِّشْوَةُ وَاحِدَةٌ مِنْ أَخْطَرِ الْآفَاتِ الَّتِي تُصِيبُ بِنْيَةَ الْمُجْتَمَعِ، وَتُفْسِدُ مَنْظُومَةَ الْقِيَمِ، وَتُهَدِّدُ الْعَدَالَةَ وَتَكَافُؤَ الْفُرَصِ، كَمَا تُؤَدِّي إِلَى تَقْوِيضِ ثِقَةِ الْمُوَاطِنِ فِي مُؤَسَّسَاتِ الدَّوْلَةِ.

وَتُمَثِّلُ الرِّشْوَةُ سُلُوكًا مُنْحَرِفًا يَتَنَافَى مَعَ مَبَادِئِ الدِّينِ، وَيَنْعَكِسُ سَلْبًا عَلَى الِاقْتِصَادِ وَالْأَخْلَاقِ الْعَامَّةِ.

إِنَّ الرِّشْوَةَ صُورَةٌ مِنْ أَشْنَعِ صُوَرِ أَكْلِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 188].

((حُرْمَةُ الرِّشْوَةِ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ))

وَقَدْ حَرَّمَتِ الشَّرِيعَةُ الْغَرَّاءُ الرِّشْوَةَ؛ إِذْ هِيَ عَدْوُّ النَّزَاهَةِ، وَضَرْبٌ مِنْ ضُرُوبِ الْفَسَادِ فِي الْمُجْتَمَعِ.

وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا ضَيَاعُ الْحُقُوقِ، وَتَعْطِيلُ مَصَالِحِ الْخَلْقِ إِنْ لَمْ يَدْفَعُوا، وَمِنْ ثَمَّ تُؤَدِّي إِلَى تَدْمِيرِ أَخْلَاقِ الْأَفْرَادِ.

ضَرْبٌ مِنْ ضُرُوبِ أَكْلِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ.

قَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ} [النساء: 29].

الرِّشْوَةُ كَبِيرَةٌ مِنَ الْكَبَائِرِ، وَخِيَانَةٌ لِلْأَمَانَةِ الَّتِي وُسِّدَتْ لِصَاحِبِهَا، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} [الأنفال: 27].

قَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي ((الزَّوَاجِرِ)): ((الْكَبِيرَةُ الرَّابِعَةُ وَالْخَامِسَةُ وَالسَّادِسَةُ وَالسَّابِعَةُ وَالثَّامِنَةُ وَالْعِشْرُونَ بَعْدَ الْأَرْبَعِ مِائَةٍ: أَخْذُ الرِّشْوَةِ وَلَوْ بِحَقٍّ، وَإِعْطَاؤُهَا بِبَاطِلٍ، وَالسَّعْيُ فِيهَا بَيْنَ الرَّاشِي وَالْمُرْتَشِي، وَأَخْذُ مَالٍ عَلَى تَوْلِيَةِ الْحُكْمِ وَدَفْعُهُ حَيْثُ لَمْ يَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَلَمْ يَلْزَمْهُ الْبَذْلُ، قَوْلُهُ تَعَالَى: {بِالْبَاطِلِ}: يَشْمَلُ سَائِرَ وُجُوهِ الْبَاطِلِ وَيَجْمَعُهَا فِي كُلِّ مَا نَهَى الشَّارِعُ عَنْهُ)).

وَالْأَحَادِيثُ صَرِيحَةٌ فِي أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ؛ لِمَا فِيهَا مِنَ الْوَعِيدِ الشَّدِيدِ، وَاللَّعْنَةِ لِلرَّاشِي وَالْمُرْتَشِي وَلِلسَّفِيرِ بَيْنَهُمَا.

وَكُلُّ مَنْ يَتَعَامَلُ بِالرِّشَا أَوْ يَكُونُ وَسِيطًا فِيهَا مَلْعُونٌ عَلَى لِسَانِ رَسُولِ اللهِ ﷺ.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((لَعَنَ اللهُ الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِي فِي الْحُكْمِ)). أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَه، وَابْنُ حِبَّانَ، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ.

وَفِي زِيَادَةٍ عِنْدَ الْحَاكِمِ: ((وَالرَّائِشَ)) أَيْ: بَيْنَهُمَا.

مَعْنَاهُ: الَّذِي يَسْعَى بَيْنَ الرَّاشِي وَالْمُرْتَشِي، يَسْتَزِيدُ لِهَذَا وَيَنْتَقِصُ لِهَذَا.

رَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي ((سُنَنِهِ)) عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((مَنْ شَفَعَ لِرَجُلٍ شَفَاعَةً فَأَهْدَى لَهُ عَلَيْهَا هَدِيَّةً فَقَدْ أَتَى بَابًا كَبِيرًا مِنْ أَبْوَابِ الرِّبَا)). وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ.

وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: ((السُّحْتُ: أَنْ تَطْلُبَ لِأَخِيكَ الْحَاجَةَ فَتُقْضَى، فَيُهْدِي إِلَيْكَ هَدِيَّةً، فَتَقْبَلُهَا مِنْهُ)).

وَعَنْ عَلْقَمَةَ وَمَسْرُوقٍ أَنَّهُمَا سَأَلَا ابْنَ مَسْعُودٍ عَنِ الرِّشْوَةِ فَقَالَ: ((هِيَ مِنَ السُّحْتِ)).

((هَدَايَا الْعُمَّالِ وَالْمُوَظَّفِينَ رِشْوَةٌ مُحَرَّمَةٌ))

وَهَدَايَا الْعُمَّالِ وَالْمُوَظَّفِينَ رِشْوَةٌ مُحَرَّمَةٌ شَرْعًا.

وَالنَّبِيُّ ﷺ حَذَّرَ أَنْ يَأْخُذَ الْمَرْءُ شَيْئًا فِي أَثْنَاءِ الْعَمَلِ -يَعْنِي: فِي أَثْنَاءِ الْعَمَلِ كُلِّهِ، لَا فِي أَثْنَاءِ أَدَائِهِ-؛ لِأَنَّهُ مُسْتَأْجَرٌ، قَدْ يَأْتِيهِ صَاحِبُ الْحَاجَةِ فِي بَيْتِهِ لَا فِي عَمَلِهِ، فَيُعْطِيهِ، فَوَاللهِ! لَتَخْتَلِفَنَّ النَّظْرَةُ إِلَيْهِ وَلَوْ كَانَ غَيْرَ صَاحِبِ حَقٍّ.

وَهَذَا عِنْدَ سَلَفِنَا الصَّالِحِينَ؛ فَإِنَّ قَاضِيًا مِنَ الْقُضَاةِ الْوَرِعِينَ وَلِيَ الْقَضَاءَ -وَكَانَ لِلْقَضَاءِ كَارِهًا-، وَجَاءَ يَوْمًا إِلَى الْخَلِيفَةِ فَزِعًا يَقُولُ: ((أَقِلْنِي مِنَ الْقَضَاءِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَقِلْنِي مِنَ الْقَضَاءِ!)).

قَالَ: ((وَيْحَكَ! مَا دَهَاكَ؟!)).

قَالَ: ((إِنَّهُ لَيَتَرَدَّدُ عَلَيَّ خَصْمَانِ مُنْذُ شُهُورٍ فِي قَضِيَّةٍ لَا أَرَى وَجْهَ الصَّوَابِ فِيهَا، فَأَنَا أَؤُجِّلُهَا، يَجْلِسَانِ بَيْنَ يَدَيَّ عَلَى اسْتِوَاءٍ وَسَوَاءٍ)).

ثُمَّ إِنَّ أَحَدَ الْخَصْمَيْنِ أَرَادَ أَنْ يَصْنَعَ شَيْئًا؛ لِيَكْسِرَ بِهِ جُمُودَ الْقَاضِي فِي الْحُكْمِ، فَسَأَلَ الْحَاجِبَ: ((أَيُّ التَّمْرِ أَحَبُّ إِلَى الْقَاضِي؟)).

قَالَ: ((الْبَرْنِيُّ)). وَهُوَ تَمْرٌ جَيِّدٌ، وَلَمْ يَكُنْ بِأَوَانِهِ وَلَا فِي مَكَانِهِ.

فَاحْتَالَ ذَلِكَ الْخَصْمُ حَتَّى اسْتَجْلَبَ شَيْئًا كَثِيرًا مِنْ تَمْرٍ بَرْنِيٍّ جَيَّدٍ، ثُمَّ دَفَعَهُ عَنْ طَرِيقِ الْحَاجِبِ أَوْ وَلَدِ الْقَاضِي إِلَى الْقَاضِي، فَاسْتَمْلَحَهُ، ثُمَّ جَاءَ فَزِعًا بَعْدُ مِنْ مَجْلِسِ الْقَضَاءِ إِلَى الْخَلِيفَةِ مِنْ أَجْلِ أَنْ يَسْتَقِيلَ الْقَضَاءَ.

فَقَالَ: ((وَيْحَكَ!)).

قَالَ: ((وَاللهِ! لَمَّا أَهْدَى إِلَيَّ، وَكَانَا قَبْلُ عِنْدِي مُسْتَوِيَيْنِ، فَوَاللهِ! لَمَّا أَهْدَى إِلَيَّ مَا اسْتَوَيَا فِي عَيْنِي، فَأَقِلْنِي مِنَ الْقَضَاءِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ))، فَأَقَالَهُ)).

الْمُوَظَّفُ الَّذِي يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ، هِيَ لَا تَحِلُّ لَهُ.. الْهَدِيَّةُ لَا تَحِلُّ لِهَذَا الْمُوَظَّفِ، فَهَلَّا جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ وَبَيْتِ أُمِّهِ لِنَنْظُرَ يُهْدَى إِلَيْهِ أَمْ لَا، كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ.

إِنَّهُ -وَاللهِ- لِيَخْرُجُ مِنْ وَظِيفَتِهِ فَمَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهِ أَحَدٌ، وَلَا خَادِمُهُ، وَلَا يَحْتَرِمُهُ، وَلَا يُقَدِّرُهُ، إِلَّا إِذَا كَانَ صَالِحًا.

فَنَحْنُ الْآنَ فِي الْهَدِيَّةِ، فِي أَدَاءِ الْأَمَانَةِ، فِي أَنْ تَكُونَ آتِيًا بِمَا كُلِّفْتَ بِهِ وَتَعَاقَدْتَ عَلَيْهِ.

((عَوَاقِبُ الرِّشْوَةِ وَأَكْلِ الْحَرَامِ دُنْيَا وَآخِرَةً))

إِنَّ لِلرِّشْوَةِ عَلَى صَاحِبِهَا آثَارًا سَيِّئَةً وَعَوَاقِبَ وَخِيمَةً؛ فَهُوَ أَوَّلُ مَنْ يَصْطَلِي بِنَارِهَا فِي الدُّنْيَا والْآخِرَةِ.

* وَمِنْ ذَلِكَ: اللَّعْنُ وَهُوَ الطَّرْدُ وَالْإِبْعَادُ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ -تَعَالَى-، قَالَ ﷺ: ((لَعَنَ اللهُ الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِي فِي الْحُكْمِ)). أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ.

وَفِي زِيَادَةٍ عِنْدَ الْحَاكِمِ: ((وَالرَّائِشَ)) أَيْ: بَيْنَهُمَا.

وَالرِّشْوَةُ مِنَ الْحَرَامِ الَّذِي حَرَّمَهُ اللهُ -تَعَالَى- وَرَسُولُهُ ﷺ، وَصُورَةٌ مِنْ أَشْنَعِ صُوَرِ أَكْلِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ..

وأَكْلُ الْحَرَامِ مِنْ أَعْظَمِ الذُّنُوبِ وَأَكْبَرِ الْمَعَاصِي، وَالذُّنُوبُ وَالْمَعَاصِي عَوَاقِبُهَا كَثِيرَةٌ تَعُمُّ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ.

* وَمِنَ الْعُقُوبَاتِ عَلَى الْمُسْلِمِ بِسَبَبِ ذُنُوبِهِ: حِرْمَانُهُ مِنَ الرِّزْقِ.

وَالْحِرْمَانُ مِنَ الرِّزْقِ عَلَى قِسْمَيْنِ:

- إِمَّا حِرْمَانٌ مِنَ الرِّزْقِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَذَلِكَ بِتَعْسِيرِهِ وَتَضْيِيقِهِ عَلَى الْعَبْدِ وَأَخْذِهِ مِنْهُ، وَهَذَا خِذْلَانٌ مِنَ اللهِ لِلْعَبْدِ.

- وَإِمَّا بِحِرْمَانِهِ مِنَ الْحَلَالِ، فَكُلَّمَا سَعَى فِي نَيْلِهِ وَجَدَ الْأَبْوَابَ مُغْلَقَةً، وَالطُّرُقَ إِلَى الْحَلَالِ مُوصَدَةً، وَالْأَمْوَالَ وَالْأُمُورَ الْمُوصِلَةَ إِلَى ذَلِكَ مُتَعَذِّرَةً، وَبِالْمُقَابِلِ يَجِدُ أَبْوَابَ الْحَرَامِ مُفَتَّحَةً، فَهَذَا بِسَبَبِ ذُنُوبِ الْعَبْدِ، خُصُوصًا الْخَفِيَّةَ، فَلَا يَفْرَحُ الْعَبْدُ بِهَذَا الْفَتْحِ؛ فَقَدْ قَالَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ (44) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا ۚ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام: 44-45].

وَأَمَّا دَلِيلُ حِرْمَانِ الرِّزْقِ بِسَبَبِ الذُّنُوبِ؛ فَقَدْ جَاءَ عَنْ ثَوْبَانَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((إِنَّ الْعَبْدَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بِالذَّنْبِ يُصِيبُهُ)). أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَه، وَأَحْمَدُ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَالْحَاكِمُ، وَالطَّحَاوِيُّ فِي ((الْمُشْكِلِ))، وَغَيْرُهُمْ، وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ.

وَعَوَاقِبُ الْكَسْبِ الْحَرَامِ فِي الدُّنْيَا وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى كَسْبِ الْحَرَامِ مِنْ أُمُورٍ كَثِيرَةٌ جِدًّا.

* مِنْهَا: ضَعْفُ مُرَاقَبَةِ الْمُسْلِمِ رَبَّهُ.

قَالَ الشِّنْقِيطِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ اللهَ -تَعَالَى- لَمْ يُنْزِلْ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ وَاعِظًا أَكْبَرَ وَلَا زَاجِرًا أَعْظَمَ مِنْ مَوْعِظَةِ الْمُرَاقَبَةِ وَالْعِلْمِ، وَهِيَ أَنْ يُلَاحِظَ الْإِنْسَانُ أَنَّ رَبَّهُ -جَلَّ وَعَلَا- رَقِيبٌ عَلَيْهِ، عَلِيمٌ بِكُلِّ مَا يُخْفِي وَمَا يُعْلِنُ)).

* وَمِنْهَا: إِفْسَادُ الْقَلْبِ؛ بِقَدْرِ التَّغَذِّي بِالْحَرَامِ أَكْلًا أَوْ شُرْبًا، سَمَاعًا أَوْ رُؤْيَةً، أَوْ تَفَكُّرًا وَغَيْرَ ذَلِكَ.

* وَمِنْ عَوَاقِبِ الْكَسْبِ الْحَرَامِ: تَلَوُّثُ الْعَقْلِ، وَإِضْعَافُ نُورِهِ، بِحَيْثُ يَضْعُفُ الْعَقْلُ عَنْ إِدْرَاكِ الضَّارِّ بِضَرَرِهِ وَشَرَرِهِ، وَعَارِهِ وَنَارِهِ، وَيَضْعُفُ عَنْ إِدْرَاكِ النَّافِعِ بِبَرَكَتِهِ وَنَفْعِهِ، وَجَمَالِهِ وَسَلَامَتِهِ وَسَعَادَتِهِ.

* وَمِنْ عَوَاقِبِ الْحَرَامِ: تَدْنِيسُ النَّفْسِ بِالْخَبَائِثِ وَالْقَاذُورَاتِ، وَلَا فَلَاحَ لِلنَّفْسِ بَعْدَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّ اللهَ -تَعَالَى- يَقُولُ: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا} [الشمس: 7-10].

* وَمِنْ عَوَاقِبِ الْحَرَامِ: مَحْقُ الْكَسْبِ، وَأَخْذُ الْبَرَكَةِ مِنْهُ فِي أَيِّ مَجَالٍ كَانَ الِانْتِفَاعُ بِهِ، سَوَاءً كَانَ فِي الْمَأْكَلِ أَمِ الْمَشْرَبِ، أَمِ الْمَلْبَسِ أَمِ الْمَنْكَحِ، أَمِ الْمَرْكَبِ أَمِ التَّدَاوِي، أَمِ الْإِنْفَاقِ أَمِ الِادِّخَارِ، أَمِ التَّوْرِيثِ أَمِ الْهَدِيَّةِ وَالْعَطِيَّةِ، أَوِ التَّبَرُّعِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَالْمَالُ الْحَرَامُ كَالسُّمِّ النَّاقِعِ.

* وَمِنْ عَوَاقِبِ الْحَرَامِ: أَنَّ مُكْتَسِبِي الْحَرَامِ مَطْعُونٌ فِي أَمَانَاتِهِمْ وَصِدْقِهِمْ وَعَدَالَتِهِمْ بِقَدْرِ مَا اكْتَسَبُوا مِنَ الْحَرَامِ.

* وَمِنْ عَوَاقِبِ الْحَرَامِ: أَنَّ مُكْتَسِبَ الْحَرَامِ يُبْتَلَى بِسُوءِ الْأَخْلَاقِ؛ مِنْ سَبٍّ وَشَتْمٍ وَلَعْنٍ، وَكَذِبٍ، وَأَيْمَانٍ فَاجِرَةٍ، وَقِلَّةِ صَبْرٍ وَكَثْرَةِ تَضَجُّرٍ، وَسُوءِ تَصَرُّفٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ.

* وَمِنْ عَوَاقِبِ كَسْبِ الْحَرَامِ: حِرْمَانُ الْكَاسِبِ مِنْ هِدَايَةِ اللهِ التَّامَّةِ، وَتَوْفِيقِهِ الشَّامِلِ، وَنَصْرِهِ الْكَامِلِ، وَتَأْيِيدِهِ وَحِفْظِهِ وَدِفَاعِهِ فِي الْحَلِّ وَالتَّرْحَالِ، وَفِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَفِي الْحَضَرِ وَالْأَسْفَارِ.

* وَمِنْهَا: تَسْلِيطُ الشَّيْطَانِ عَلَيْهِ، فَيَصِيرُ أَسِيرًا بَيْنَ يَدَيْ عَدُوِّهِ، فَيُهِينُهُ عَدُوُّهُ وَيُذِلُّهُ، وَيَخْذُلُهُ وَيَتَلَاعَبُ بِهِ، وَهَذَا كُلُّهُ بِقَدْرِ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْحَرَامِ.

* وَمِنْ عَوَاقِبِ الْحَرَامِ: الْحَيْلُولَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَوَدَّةِ النَّاسِ لَهُ، وَحُّبِهِ وَنُصْرَتِهِ وَإِرْشَادِهِ وَإِصْلَاحِهِ فِيمَا يَنْفَعُهُ فِي دِينِهِ أَوَّلًا وَفِي دُنْيَاهُ ثَانِيًا، وَبِالْمُقَابِلِ يُبْدِلُهُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- مَنْ يَسْتَغِلُّهُ مِنْ أَهْلِ الشَّرِّ لِلشَّرِّ، فَتَكُونُ الْغَلَبَةُ عَلَيْهِ لِهَذَا الصِّنْفِ، يَهْوِي بِهِ فِي مَهَاوِي الْخِدَاعِ وَالْحِيَلِ وَالْمَكْرِ.

* وَمِنْ عَوَاقِبِ الْحَرَامِ: الْحِرْمَانُ مِنْ إِجَابَةِ الدُّعَاءِ؛ فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((إِنَّ اللهَ -تَعَالَى- طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا، وَإِنَّ اللهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، فَقَالَ: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا} [المؤمنون: 51]، وَقَالَ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} [البقرة: 172]، ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ: يَا رَبِّ يَا رَبِّ! وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟!)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

قَوْلُهُ ﷺ: ((فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ)): هَذِهِ جُمْلَةٌ اسْتِفْهَامِيَّةٌ، وَهِيَ خَبَرٌ عَنْ ذَلِكَ الرَّجُلِ الْمَذْكُورِ، الْأَشْعَثِ الْأَغْبَرِ، أَيْ: أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ الْمُتَّصِفَ بِأَسْبَابِ الْإِجَابَةِ مِنْ إِطَالَةِ السَّفَرِ، حَاجًّا مُجَاهِدًا، مُتَشَعِّثًا مُغْبَرًّا فِي سَبِيلِ اللهِ، مَادًّا يَدَيْهِ بِتَذَلُّلٍ وَخُضُوعٍ، مُنَادِيًا بِأَعْظَمِ الْأَسْمَاءِ ((يَا رَبِّ يَا رَبِّ!)) لَا يُسْتَجَابُ لَهُ، وَحَالُهُ مُخَالَطَةُ الْحَرَامِ فِي طَعَامِهِ وَشَرَابِهِ وَمَلْبَسِهِ؛ ذَلِكَ لِأَنَّ مُخَالَطَةَ الْحَرَامِ مِنْ أَعْظَمِ مَوَانِعِ إِجَابَةِ الدُّعَاءِ، فَإِجَابَةُ مِثْلِ هَذَا مُسْتَبْعَدَةُ الْوُقُوعِ، مَعَ مَا قَامَ بِهِ مِنْ صِفَاتٍ تُوجِبُ الْإِجَابَةَ، فَكَيْفَ حَالُ مَنْ هُوَ مُنْهَمِكٌ فِي الْمَلَذَّاتِ الْمُحَرَّمَةِ، وَالْمَعَاصِي الْمُوبِقَةِ الْمُهْلِكَةِ، وَفِي مَظَالِمِ الْعِبَادِ، ثُمَّ يُنَادِي وَيَدْعُو رَبَّهُ؟!

فَالْحَاصِلُ: أَنَّ تَنَاوُلَ الْحَرَامِ مَانِعٌ مِنْ إِجَابَةِ الدُّعَاءِ غَالِبًا.

وَأَمَّا عَوَاقِبُ كَسْبِ الْحَرَامِ فِي الْآخِرَةِ فَهِيَ أَشَدُّ مِنْ عَوَاقِبِهِ فِي الدُّنْيَا..

وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْهَا إِلَّا دُخُولُ سَاحَةِ الْحِسَابِ لِيُحَاسَبَ عَلَى الْمَالِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ، وَفِيمَا أَنْفَقَهُ؛ لَكَفَى بِهَذَا عَذَابًا، فَكَيْفَ بِمَا يَسْبِقُ هَذَا الْحِسَابَ مِنْ عَذَابٍ فِي الْقَبْرِ، وَحَمْلٍ لِلْحَرَامِ فِي عَرَصَاتِ الْقِيَامَةِ، وَهَذَا مُؤْذِنٌ بِالْخِزْيِ وَالْفَضِيحَةِ عَلَى رُؤُوسِ الْخَلَائِقِ، مَعَ مَا فِي هَذَا الْحَمْلِ مِنَ التَّعَبِ وَالْعَنَاءِ وَاشْتِدَادِ الْكَرْبِ، وَغَوْصِهِ فِي الْعَرَقِ، وَاحْتِرَاقِ الْأَحْشَاءِ مِنْ شِدَّةِ الْعَطَشِ، وَامْتِلَاءِ الْقُلُوبِ مِنَ الْخَوْفِ وَالرُّعْبِ وَالذُّعْرِ.

وَكَيْفَ يَكُونُ حَالُ الْمُكْتَسِبِ لِلْحَرَامِ إِذَا كَانَ الْمَالُ قَدْ أَخَذَهُ مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ ظُلْمًا وَبَغْيًا وَعُدْوَانًا؟!!

فَهُوَ أَسِيرٌ بَيْنَ أَصْحَابِ الْحُقُوقِ، مُشْتَكًى بِهِ إِلَى رَبِّهِ، مَأْخُوذٌ بِذَنْبِهِ وَتَعَدِّيهِ، فَمَاذَا عَسَى أَنْ يَصْنَعَ؟! وَمَنْ يُرْضِي هَؤُلَاءِ عَنْهُ؟! وَمَاذَا يَكْفِيهُمْ مِنْهُ غَيْرُ حَسَنَاتِهِ الَّتِي لَا يَمْلِكُ سِوَاهَا، وَلَا فَقْرَ لَهُ إِلَّا إِلَيْهَا، وَلَا نَجَاةَ لَهُ إِلَّا بِبَقَائِهَا؟!

نَسْأَلُ اللهَ -تَعَالَى- أَنْ يَمُنَّ عَلَيْنَا بِالْحَلَالِ الطَّيِّبِ، وَأَنْ يُجَنِّبَنَا الْحَرَامَ الْخَبِيثَ.

وَصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ أَجمَعِينَ.

***

***

***

((إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا))

الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ هُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ صَلَاةً وَسَلَامًا دَائِمَيْنِ مُتَلَازِمَيْنِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

أَمَّا بَعْدُ:

((دِينُ الْعَمَلِ وَالِاجْتِهَادِ))

فَإِنَّ ((دِينَ الْإِسْلَامِ الْعَظِيمَ هُوَ دِينُ الْحَرَكَةِ النَّافِعَةِ، وَالنَّشَاطِ الْمُتَوَثِّبِ، وَالْعَمَلِ الدَّءُوبِ، يَحُثُّ الْإِسْلَامُ عَلَى ذَلِكَ وَيَأْمُرُ بِهِ، وَيَجْعَلُهُ نَوْعًا مِنَ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، وَيَعُدُّهُ قِسْمًا مِنَ الْعِبَادَاتِ.

الْإِسْلَامُ يَكْرَهُ الْكَسَلَ وَالْخُمُولَ، وَيَكْرَهُ الِاتِّكَالَ عَلَى الْغَيْرِ، قَالَ تَعَالَى: {وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} [النجم: 39])).

وَقَالَ سُبْحَانَهُ-: {إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا} [الكهف: 30].

لَا نُهْمِلُ أَجْرَ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا حَسَنًا؛ طَاعَةً لَنَا، وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِنَا، وَطَلَبًا لِلثَّوَابِ الَّذِي وَعَدْنَا بِهِ.

وَقَالَ -عَزَّ وَجَلَّ-:  {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ} [الزلزلة: 7].

فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا ظَاهِرًا أَوْ بَاطِنًا مِنْ عَمَلٍ قَلْبِيٍّ أَوْ نَفْسِيٍّ أَوْ جَسَدِيٍّ يَكْسِبُهُ بِإِرَادَتِهِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا يَرَى كِتَابَ أَعْمَالِهِ بِالْخَوَاطِرِ وَالنِّيَّاتِ، وَيَنَالُ ثَوَابَ عَمَلِهِ الَّذِي عَمِلَهُ فِي الدُّنْيَا خَيْرًا بَاقِيًا وَسَعَادَةً خَالِدَةً وَثَوَابًا حَسَنًا.

((تَوَكُّلُ الطُّلَّابِ الْحَقُّ عَلَى رَبِّهِمْ -جَلَّ وَعَلَا- ))

إِنَّ الْأُمَّةَ قَدْ عَقَدَتْ مَنَاطَ رَجَائِهَا عَلَى شَبَابِهَا، وَأَسْلَمَتْ زِمَامَ قِيَادِهَا إِلَيْهِمْ، فَأَصْبَحُوا مَأْمُونِينَ عَلَى أَمَانَةٍ جَلِيلَةٍ مِنْ أَجْلِ إِخْرَاجِ الْأُمَّةِ مِمَّا هِيَ فِيهِ مِنْ تَخَلُّفِهَا، وَبُعْدِهَا عَنِ الرَّكْبِ الَّذِي أَصْبَحَ قَائِدًا الْبَشَرِيَّةَ إِلَى وَهْدَةٍ فِي حَضِيضٍ هَابِطٍ إِلَى أَسْفَلَ سَافِليِنَ مِنْ لَذَّاتٍ وَشَهَوَاتٍ أُطْلِقَتْ مِنْ عِقَالِهَا بِحَيْثُ لَا يَحْبِسُهَا حَابِسٌ وَلَا يَرُدُّهَا رَادٌّ.

إِنَّ الْأُمَّةَ الْيَوْمَ تَعْقِدُ رَجَاءَهَا -بِأَمْرِ رَبِّهَا جَلَّتْ قُدْرَتُهُ- عَلَى شَبَابِهَا الَّذِي يُؤْمِنُ بِرَبِّهِ -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ-؛ مِنْ أَجْلِ أَنْ يَعُودَ الْأَمْرُ مُصَحَّحًا إِلَى سَبِيلِهِ السَّوِيِّ وَطَرِيقِهِ الْمَرْضِّي، بَعِيدًا عَنْ عَسَفِ الشَّهَوَاتِ، وَتَخبُّطِ اللَّذَّاتِ، وَبَعِيدًا عَنِ الْخَبْطِ فِي أَوْدِيَةِ الضَّلَالَاتِ، وَرُجُوعًا إِلَى النَّهْجِ الْأَحْمَدِ وَالصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ.

فَعَلَى الطُّلَّابِ أَنْ يَتَعَلَّمُوا الْعَقِيدَةَ الصَّحِيحَةَ، وَأَنْ يَسْتَقِيمُوا عَلَيْهَا، وَأَنْ يُجَانِبُوا فِتَنَ الشُّبُهَاتِ وَالشَّهَوَاتِ، وَأَنْ يَجْتَهِدُوا فِي دِرَاسَتِهِمْ؛ مُتَوَكِّلِينَ عَلَى اللهِ التَّوَكُّلَ الْحَقَّ؛ فَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُمْ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخطَّابِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: «أَمَا إِنَّكُمْ لَوْ تَوَكَّلْتُم عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ، لَرَزَقَكُمُ اللَّهُ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ، تَغْدُو خِمَاصًا، وَتَعُودُ بِطَانًا».

فَبَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ فِي هَذَا الْحَدِيثِ قَاعِدَتَيْنِ كَبِيرَتَيْنِ فِي أَصْلِ هَذَا الدِّينِ:

* الْأُولَى: هِيَ قَاعِدَةُ التَّوَكُّلِ.

* وَالثَّانِيَةُ: قَاعِدَةُ الْأَخْذِ بِالْأَسْبَابِ.

وَالْحَدِيثُ يُفْهَمُ فَهْمًا مَضْبُوطًا، وَلَا عُذْرَ لِأَحَدٍ فِي فَهْمِهِ عَلَى هَذَا النَّحْوِ الْمَغْلُوطِ؛ لِأَنَّ الْحَدِيثَ بِنَفْسِهِ فِيهِ الدَّلَالَةُ عَلَى وُجُوبِ الْأَخْذِ بِالْأَسْبَابِ، فَإِنَّ الطَّيْرَ فِي الْوُكُنَاتِ وَفِي الْأَعْشَاشِ لَا تَبْقَى فِي أَعْشَاشِهَا، وَإِنَّمَا تُبَكِّرُ فِي الذَّهَابِ لِالْتِقَاطِ رِزْقِهَا.

يَقُولُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَوْ تَوَكَّلْتُم عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ، لَرَزَقَكُمُ اللَّهُ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ، تَغْدُو...»: وَالْغُدُوُّ: هُوَ الْخُرُوجُ فِي بُكْرَةِ النَّهَارِ، فَتَغْدُو هَذِهِ الطُّيُورُ مِنْ أَعْشَاشِهَا وَوُكُنَاتِهَا مِنْ أَجْلِ الْتِقَاطِ رِزقِهَا، مُبَكِّرَةً مَعَ خُيُوطِ الْفَجْرِ الْأَوَّلِ، سَاعِيَةً فِي أَرْضِ اللهِ، لَكِنَّهَا لَا تَحْمَلُ لِرِزْقِهَا هَمًّا، وَاللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- يَرْزُقُهَا كَمَا رَزَقَهَا الْحَيَاةَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْيَا أَحَدٌ مِنْ غَيْرِ رِزْقٍ.

فَالنَّبِيُّ ﷺ يُبَيِّنُ لَنَا أَنَّ الطُّيُورَ تَغْدُو مُبَكِّرَةً مِنْ أَعْشَاشِهَا، تَطْلُبُ رِزْقَهَا، تَلْتَقِطُهُ فِي جَنَبَاتِ الْأَرْضِ، لَا تَحْمِلُ لَهُ هَمَّا، «خِمَاصًا»: جَمْعُ خَمِيصٍ، وَهَذَهِ الْحَوَاصِلُ الْخُمْصُ قَدْ الْتَزَقَتْ لُحُومُهَا بِبَعْضِهَا، بِحَيْثُ إِنَّهَا لَا تَحْوِي شَيْئًا، «تَغْدُو خِمَاصًا، وَتَعُودُ بِطَانًا»: وَقَدْ امْتَلَأَتْ بُطُونُهَا وَحَوَاصِلُهَا، مِنْ أَيْنَ؟!!

مِنْ رِزْقِ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا-.

هَلْ قَدَّرَتْ لِذَلِكَ تَقْدِيرًا؟!!

هَلْ وَضَعَتْ لَهُ خُطَّةً لِلْعَمَلِ مِنْ أَجْلِ اكْتِسَابِهِ؟!!

إِنَّمَا أَخَذَتْ بِالْأَسْبَابِ.

فَلَا بُدَّ مِنَ الْأَخْذِ بِالْأَسْبَابِ مَعَ التَّوَكُّلِ عَلَى رَبِّ الْأَسْبَابِ، بِحَيْثُ إِنَّ الْإِنْسَانَ يَخْرُجُ مِنْ قَيْدِ الرُّبُوبِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ فِيهِ مَدْخَلٌ، وَيَدْخُلُ فِي أَسْرِ الْعُبُودِيَّةِ، فَهَذَا هُوَ التَّوَكُّلُ، أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنَ الرُّبُوبِيَّةِ، لَا يَدَّعِي رِزْقًا، وَلَا يَدَّعِي حَوْلًا وَلَا حِيلَةً؛ لِأَنَّ اللهَ هُوَ خَالِقُهُ وَهُوَ رَازِقُهُ، وَهُوَ مَالِكُ أَمْرِهِ، وَنَاصِيتُهُ بِيَدِهِ.

وَهُوَ يَفْعَلُ بِهِ مَا يَشَاءُ عَلَى مُقْتَضَى حِكْمَتِهِ، وَلَا رَادَّ لِقَضَائِهِ فِيهِ، وَلَا رَادَّ لِحُكْمِهِ فِيهِ، يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ وَيَحْكُمُ بِمَا يُرِيدُ، وَأَمَّا الْأَخْذُ بِالْأَسْبَابِ فَهَذَا مَوْكُولٌ إِلَى الْعَبْدِ، وَلَا يُعَوِّلُ الْمَرْءُ عَلَى السَّبَبِ؛ لِأَنَّ النَّاسَ يَأْخُذُونَ كَثِيرًا بِالْأَسْبَابِ وَلَا يُحَصِّلُونَ شَيْئًا مِنَ النَّتَائِجِ.

وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي ((صَحِيحِهِ)) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ الْمُؤْمِن الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ، احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللهِ، وَلَا تَعْجِزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ؛ فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ؛ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ؛ فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ)).

((الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ)): يُرِيدُ بِالْقُوَّةِ هَاهُنَا: عَزِيمَةَ النَّفْسِ، وَقُدْرَتَهَا عَلَى أَنْ تُصَرِّفَ الْجَسَدَ مَعَهَا إِلَى طَاعَةِ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا-، وَلَيْسَ الْمُرَادُ -بِالدَّرَجَةِ الْأُولَى- مَا يَتَعَلَّقُ بِقُوَّةِ الْبِنْيَةِ، وَسَلَامَةِ الْجَسَدِ وَالصِّحَّةِ؛ فَإِنَّ هَذَا قَدْ يَكُونُ ابْتِلَاءً مِنَ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، يُخْفِقُ وَيَفْشَلُ فِيهِ مَنْ آتَاهُ اللهُ الْقُوَّةَ وَالصِّحَّةَ، فَيُصَرِّفُهَا فِي ظُلْمِ النَّاسِ، وَفِعْلِ السَّيِّئَاتِ.

وَلَكِنْ ((الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ)) يُرِيدُ عَزِيمَةَ النَّفْسِ الَّتِي تَدْعُو إِلَى طَلَبِ الْعِلْمِ النَّافِعِ، وَتَحُثُّ عَلَى الْعَمَلِ الصَّالِحِ، وَتَجْعَلُ الْإِنْسَانَ عَابِدًا لِرَبِّهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- كَمَا يُرِيدُهُ سَيِّدُهُ وَمَوْلَاهُ.

((الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ))، وَحَتَّى لَا يَتَصَوَّرَ إِنْسَانٌ أَنَّ الْمُؤْمِنَ الضَّعِيفَ -الَّذِي عِنْدَهُ أَصْلُ الْإِيمَانِ وَحَقِيقَةُ الْإِسْلَامِ؛ وَلَكِنَّهُ لَا يَنْبَعِثُ إِلَى فِعْلِ الطَّاعَاتِ، وَلَا يُوَاظِبُ عَلَى طَلَبِ الْخَيْرَاتِ، وَيَقَعُ مِنْهُ بَعْضُ التَّقْصِيرِ فِي بَعْضِ الْأُمُورِ عِنْدَ الْمُلِمَّاتِ- حَتَّى لَا يَتَصَوَّرَ أَحَدٌ أَنَّ هَذَا لَا خَيْرَ فِيهِ؛ قَالَ الرَّسُولُ ﷺ: ((وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ))؛ أَيْ: فِي الْمُؤْمِنِ الْقَوِيِّ خَيْرٌ، وَفِي الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ -أَيْضًا- خَيْرٌ.

وَهَذِهِ الْخَيْرِيَّةُ الْمُشْتَرَكَةُ بَيْنَهُمَا؛ إِنَّمَا تَعُودُ إِلَى أَصْلِ الْإِيمَانِ، فَهُوَ مُؤْمِنٌ؛ وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا فِي الْإِتْيَانِ بِمَا يَنْفَعُهُ فِي آخِرَتِهِ؛ مِنْ طَلَبِ الْعِلْمِ، وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ، وَالِانْبِعَاثِ فِي الْخَيْرَاتِ، وَتَمَامِ الْمُلَازَمَةِ لِلطَّاعَاتِ.

((الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ)).

((احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ)): وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ هِيَ مِنْ جَوَامِعِ كَلِمِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَهِيَ أَسَاسٌ وَقَاعِدَةٌ لِلْمُسْلِمِ، لَوْ أَنَّهُ الْتَزَمَ بِهَا؛ لَأَصْلَحَ اللهُ حَالَهُ فِي أُمُورِ الدُّنْيَا وَأُمُورِ الْآخِرَةِ.

((احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ)): لَا تُبَدِّدْ طَاقَتَكَ، وَلَا تُهْدِرْ وَقْتَكَ، وَلَا تُسْرِفْ فِي اسْتِعْمَالِ مَالِكَ، وَإِنَّمَا يَنْبَغِي عَلَيْكَ أَنْ تَكُونَ حَرِيصًا عَلَى مَا يَنْفَعُكَ.

((بَيْنَ شُكْرِ النِّعْمَةِ وَالرِّضَا فِي الْمِحْنَةِ))

مَنْ وَفَّقَهُ اللهُ لِلتَّفَوُّقِ فَلْيَحْمَدِ اللهَ؛ فَإِنَّ الْفَضْلَ أَوَّلًا وَآخِرًا للهِ -تَعَالَى-، قَالَ -سُبْحَانَهُ-: {وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ} [النحل: 53].

وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَكُلُّ ذَلِكَ مِنَ اللهِ..

جَمِيعُ النِّعَمِ مِنَ اللهِ -تَعَالَى-، سَوَاءٌ الْمَادِّيَّةُ: كَالرِّزْقِ، وَالسَّلَامَةِ، وَالصِّحَّةِ، أَوِ الْمَعْنَوِيَّةِ: كَالْأَمَانِ، وَالْجَاهِ وَالْمَنْصِبِ، وَنَحْوِهَا.

((اللهُ الْمُنْفَرِدُ بِالْعَطَاءِ وَالْإِحْسَانِ، {وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ}: ظَاهِرَةٍ وَبَاطِنَةٍ {فَمِنَ اللَّهِ}: لَا أَحَدَ يَشْرَكُهُ فِيهَا)).

وَقَالَ تَعَالَى: {وَإِذ تَأَذَّنَ رَبُّكُم لَئِن شَكَرتُم لَأَزيدَنَّكُم} [إبراهيم: 7].

وَاذْكُرُوا حِينَ أَعْلَمَكُمْ رَبُّكُمْ إِعْلَامًا بَلِيغًا فَقَالَ: أُقْسِمُ لَكُمْ! لَئِنْ شَكَرْتُمْ مَا أَعْطَيْنَاكُمْ مِنْ نِعَمٍ لَأَزِيدَنَّكُمْ نِعْمَةً إِلَى نِعْمَةٍ، وَلَأُضَاعِفَنَّ لَكُمْ مَا آتَيْتُكْمْ.

وَإِلَى كُلِّ ابْنٍ لَمْ يُوَفَّقْ! اعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ النَّتِيجَةَ لَيْسَتْ نِهَايَةَ الْحَيَاةِ، وَإِنَّمَا هِيَ مَحَطَّةٌ مِنْ مَحَطَّاتِ الْعُمُرِ، قَدْ يَمْنَعُ اللهُ الْعَبْدَ مِنْ بَعْضِ مَا يُرِيدُ لِحِكْمَةٍ يَعْلَمُهَا -سُبْحَانَهُ-، فَيَكُونُ الْخَيْرُ فِيمَا اخْتَارَهُ اللهُ، قَالَ تَعَالَى: {وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 216].

وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا مِمَّا تَرَوْنَ فِيهِ لِأَنْفُسِكُمْ سُوءًا أَوْ ضَرَرًا أَوْ أَذًى، وَقَدْ يَكُونُ فِي حَقِيقَةِ حَالِهِ خَيْرًا لَكُمْ، وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا مِمَّا تَرَوْنَ فِيهِ لِأَنْفُسِكُمْ نِعْمَةً أَوْ مَنْفَعَةً أَوْ لَذَّةً وَقَدْ يَكُونُ فِي حَقِيقَةِ حَالِهِ شَرًّا أَوْ سَبَبًا لِوُقُوعِ الشَّرِّ أَوِ السُّوءِ بِهِ.

{وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}: وَعِلْمُهُ -سُبْحَانَهُ- عِلْمُ إِحَاطَةٍ لِلْمَاضِي وَالْحَاضِرِ وَالْمُسْتَقْبَلِ وَبِالظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ، وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ مِنْ هَذَا الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا جِدًّا.

وَقَالَ -سُبْحَانَهُ-: {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} [الشرح: 5-6].

إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا كَثِيرًا كَذَلِكَ؛ فَكُنْ عَلَى أَمَلٍ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَتَلَقَّ الْأَحْدَاثَ الْحَاضِرَةَ الْمُؤْلِمَةَ بِالرِّضَا وَالتَّسْلِيمِ، وَبِنَفْسٍ مُنْشَرِحَةٍ مَشْحُونَةٍ بِالْأَمَلِ فِيمَا سَيَأْتِي، صَابِرَةٍ عَلَى الْعُسْرِ الْوَاقِعِ.

فَالنَّفْسُ الْمَشْحُونَةُ بِأَمَلِ الْيُسْرِ الْقَادِمِ يَضْمُرُ لَدَيْهَا أَلَمُ الْعُسْرِ الْقَائِمِ، وَمُنْتَظِرُ الْفَجْرِ الْقَرِيبِ لَا يَشْعُرُ بِظُلْمَةِ اللَّيْلِ الْقَاتِمِ.

وَعَلَى كُلِّ طَالِبٍ أَنْ يَرْضَى بِقَدَرِ اللهِ وَاخْتِيَارِهِ -جَلَّ وَعَلَا-، قَالَ تَعَالَى: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [القمر: 49]

وَلِلْإِيمَانِ بِالْقَدَرِ ثَمَرَاتٌ جَلِيلَةٌ، مِنْهَا:

الطُّمَأْنِينَةُ وَالرَّاحَةُ النَّفْسِيَّةُ بِمَا يَجْرِي عَلَيْهِ مِنْ أَقْدَارِ اللهِ -تَعَالَى-، فَلَا يَقْلَقُ بِفَوَاتِ مَحْبُوبٍ، أَوْ حُصُولِ مَكْرُوهٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ بِقَدَرِ اللهِ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَهُوَ كَائِنٌ لَا مَحَالَةَ، وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: {مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22) لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} [الحديد: 22- 23].

وَيَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ: «عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ، صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((وَاعْلَمْ أَنَّ مَا أَخْطَأكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، وَمَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا)).

فَالْمُؤْمِنُ يَرَى ذَلِكَ فِي كُلِّ حِينٍ وَحَالٍ، وَفِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ، فَيَبُوءُ للهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- بِنِعْمَتِهِ عَلَيْهِ شَاكِرًا رَبَّهُ -جَلَّ وَعَلَا-، وَإِذَا وَقَعَ فِي ذَنْبٍ اسْتَغْفَرَ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، وَلَمْ يَحْتَجَّ بِالْقَدَرِ.

وَإِنَّمَا يُذْكَرُ الْقَدَرُ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ، لَا يُذْكَرُ الْقَدَرُ عِنْدَ الْمَعْصِيَةِ.

فَإِذَا وقَعَ عَلَى الْعَبْدِ مَا يَكْرَهُهُ مِنَ الْأَقْدَارِ غَيْرِ الْمُوَاتِيَةِ؛ فَإِنَّهُ -حِينَئِذٍ- يَفْزَعُ إِلَى رَبِّهِ حَامِدًا، وَشَاكِرًا، وَمُنِيبًا، وَمُخْبِتًا، وَخَاشِعًا، وَيَسْأَلُ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- أَنْ يُعَوِّضَهُ خَيْرًا فِيمَا أَصَابَهُ بِهِ، وَأَنْ يُثَبِّتَهُ عَلَى الْإِيمَانِ الْحَقِّ.

يَا مَنْ أَثْقَلَتْكَ الْهُمُومُ، وَكَدَّرَتْ خَاطِرَكَ أَعْبَاءُ الْحَيَاةِ، وَلَاحَتْ فِي عَيْنَيْكَ غُيُومُ الْيَأْسِ الْقَاتِمَةُ! إِنَّ الْمَلْجَأَ وَالْمَلَاذَ وَالنَّجَاةَ وَالْفَلَاحَ فِي الْفِرَارِ إِلَى اللهِ -جَلَّ جَلَالُهُ-، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، الْوَدُودِ الْكَرِيمِ، التَّوَّابِ الرَّزَّاقِ!

أَيُّهَا الْمُسْلِمُ! اعْلَمْ أَنَّهُ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللهِ إِلَّا إِلَيْهِ!

أَلَا فَاعْلَمْ أَنَّ عِلَاجَ الْيَأْسِ وَالْهَمِّ فِي بَثِّ الْأَمَلِ؛ الْأَمَلُ الَّذِي يُولَدُ مِنْ رَحِمِ الْأَلَمِ، الْأَمَلُ الَّذِي يُزْهِرُ فِي قَلْبِ الْيَأْسِ، الْأَمَلُ الَّذِي يُضِيءُ كَقِنْدِيلٍ فِي عَتْمَةِ الرُّوحِ.

الْأَمَلُ لَيْسَ مُجَرَّدَ كَلِمَةٍ عَابِرَةٍ، بَلْ إِنَّ الْأَمَلَ فِعْلٌ..

الْأَمَلُ سَعْيٌ..

الْأَمَلُ إِيمَانٌ بِأَنَّ الْغَدَ يَحْمِلُ فِي طَيَّاتِهِ فُرَصًا جَدِيدَةً لِلنَّجَاحِ، وَأَشِعَّةَ شَمْسٍ دَافِئَةً تُنِيرُ الْقُلُوبَ، وَابْتِسَامَاتٍ صَادِقَةً تُزِيلُ الْهُمُومَ..

الْأَمَلُ هُوَ أَنْ نَرَى فِي كُلِّ عَثْرَةٍ دَرْسًا، وَفِي كُلِّ سُقُوطٍ نُهُوضًا، وَفِي كُلِّ ضِيقٍ فَرَجًا؛ {فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [الصافات: 87]؟!

فَلْنَعْلَمْ جَمِيعًا أَنَّ الْحَيَاةَ لَيْسَتْ دَائِمًا سَهْلَةً مُرِيحَةً، قَدْ تَعْصِفُ بِنَا الرِّيَاحُ، وَتَشْتَدُّ بِنَا الْأَمْوَاجُ، وَقَدْ نَضِلُّ الطَّرِيقَ فِي الظَّلَامِ؛ وَلَكِنْ لَا تَسْتَسْلِمُوا لِهَمَسَاتِ الْيَأْسِ، وَلَا تُصَدِّقُوا وُعُودَ الْمَوْتِ الْكَاذِبَةَ!

ابْحَثُوا عَنْ بَصِيصِ النُّورِ فِي أَعْمَاقِكُمْ!

تَمَسَّكُوا بِخُيُوطِ الْأَمَلِ اللَّائِحَةِ، وَاسْمَحُوا لِلْحَيَاةِ أَنْ تُبْدِيَ جَمَالَهَا الْمُتَجَدِّدَ!

عِبَادَ اللهِ! إِنَّ الْخَلَاصَ فِي حَبَّةِ أَمَلٍ بَاسِمَةٍ نَزْرَعُهَا فِي قُلُوبِنَا، وَنَسْقِيهَا بِالْإِتْقَانِ وَالْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ؛ لِتُزْهِرَ حَيَاةٌ جَدِيدَةٌ مُشْرِقَةٌ، مَلِيئَةٌ بِالْبَهْجَةِ وَالسُّرُورِ وَالْأُنْسِ وَالْحُبُورِ.

فَلْنَحْتَضِنْ حَبَّةَ الْأَمَلِ، وَلْنُعْلِنْهَا بِلِسَانٍ مُفْعَمٍ بِالْأَمَلِ: نَعَمْ لِلْحَيَاةِ الطَّيِّبَةِ.

اللهم أَحْيِنَا مُسْلِمِينَ، وَتَوَفَّنَا مُؤْمِنِينَ، وَأَلْحِقْنَا بِالصَّالِحِينَ.

اللهم يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ وَيَا أَكْرَمَ الْأَكْرَمِينَ اهْدِ الشَّبَابَ الْحَائِرَ الْمِسْكِينَ، اللهم اهْدِ الشَّبَابَ الْحَائِرَ الْمِسْكِينَ، اللهم اهْدِ الشَّبَابَ الْحَائِرَ الْمِسْكِينَ، اللهم خُذْ بِنَوَاصِيِهِمْ إِلَى صِرَاطِكَ الْمُسْتَقِيمِ، اللهمّ خُذْ بِنَوَاصِيهِمْ إِلَى صِرَاطِكَ الْمُسْتَقِيمِ.

وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ.

المصدر: الرِّشْوَةُ وَأَثَرُهَا فِي إِفْسَادِ الْمُجْتَمَعِ

 

التعليقات


خطب مفرغة قد تعجبك


  حب الوطن الإسلامي، وفضل الدفاع عنه، ومنزلة الشهادة في سبيل الله
  وَاذْكُرُوا اللهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ
  مصر بين حاضر الكفايات وماضي المجاعات
  حَقُّ الْوَطَنِ وَالْمُشَارَكَةُ فِي بِنَائِهِ
  عقائد الكفر تغزو الشباب
  رَمَضَانُ شَهْرُ الْبِرِّ وَالصِّلَةِ وَالتَّعَرُّضِ لِرَحَمَاتِ اللهِ
  الْآدَابُ الْعَامَّةُ وَأَثَرُهَا فِي رُقِيِّ الْأُمَمِ
  النِّفَاقُ... عَلَامَاتُهُ، وَخُطُورَتُهُ
  إلى أهل ليبيا الحبيبة
  رَمَضَانُ شَهْرُ الْمُرَاقَبَةِ الذَّاتِيَّةِ وَصِنَاعَةِ الضَّمِيرِ الْحَيِّ
  • شارك

نبذة عن الموقع

موقع تفريغات العلامة رسلان ، موقع يحتوي على العشرات من الخطب والمحاضرات والمقاطع المفرغة لفضيلة الشيخ العلامة أبي عبدالله محمد بن سعيد رسلان-حفظه الله- . كما يعلن القائمون على صفحة وموقع تفريغات العلامة رسلان -حفظه الله- أن التفريغات للخطب ليست هي الشكل النهائي عند الطباعة، ولكن نحن نفرغ خطب الشيخ حفظه الله ونجتهد في نشرها ليستفيد منها طلاب العلم والدعاة على منهاج النبوة في كل أنحاء الدنيا، ونؤكد على أنَّ الخطب غير مُخرَّجة بشكل كامل كما يحدث في خطب الشيخ العلامة رسلان المطبوعة وليست الكتب المنشورة على الصفحة والموقع هي النسخة النهائية لكتب الشيخ التي تُطبع...وهذه الكتب ما هي إلا تفريغ لخطب الشيخ، غير أنَّ كتب الشيخ التي تُطبع تُراجع من الشيخ -حفظه الله- وتُخرج. والتفريغ عملٌ بشريٌ، ونحن نجتهد في مراجعة التفريغات مراجعة جيدة، فإذا وقع خطأ أو شكل الخطب كما نخرجها -إنما نُحاسب نحن عليها والخطأ يُنسب لنا وليس للشيخ -حفظه الله-.

الحقوق محفوظة لكل مسلم موقع تفريغات العلامة رسلان