عَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ.. فَضَائِلُ وَبَشَائِرُ وَالْعِنَايَةُ بِالنَّظَافَةِ

عَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ.. فَضَائِلُ وَبَشَائِرُ وَالْعِنَايَةُ بِالنَّظَافَةِ

((عَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ.. فَضَائِلُ وَبَشَائِرُ

وَالْعِنَايَةُ بِالنَّظَافَةِ))

إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّـهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّـهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ.

أَمَّا بَعْدُ:

فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّـهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.

أَمَّا بَعْدُ:

((التَّفَاضُلُ بَيْنَ الْأَيَّامِ وَاللَّيَالِي))

فَاللهُ -تَعَالَى- يَصْطَفِي مِنْ خَلْقِهِ مَا يَشَاءُ، {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ} [القصص: 68]؛ فَاصْطَفَى مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ، وَاخْتَارَ مِنَ الْكَلَامِ ذِكْرَهُ، وَمِنَ الْأَرْضِ بُيُوتَهُ، وَاجْتَبَى مِنَ الشُّهُورِ رَمَضَانَ وَالْأَشْهُرَ الْحَرَامَ.

وَقَدْ كَانَتِ الْجَاهِلِيَّةُ تَزِيدُ فِي الْأَيَّامِ وَتُؤَخِّرُ؛ اتِّبَاعًا لِهَوَاهُمْ؛ فَكَانَ صِيَامُهُمْ فِي غَيْرِ مِيعَادِهِ، وَحَجُّهُمْ فِي غَيْرِ زَمَانِهِ، وَتَفَضَّلَ اللهُ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ بِبِعْثَةِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ، وَقَدِ اسْتَدَارَ الزَّمَانُ كَمَا كَانَ، وَوَقَعَتْ حَجَّتُهُ ﷺ فِي ذِي الْحِجَّةِ، وَقَالَ فِي خُطْبَتِهِ: ((إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ)). كَمَا فِي ((الصَّحِيحَيْنِ)).

فَاسْتَوْفَى الْعَدَدُ، وَصَحَّ الْحِسَابُ، وَعَادَ الْأَمْرُ عَلَى مَا سَبَقَ مِنْ كِتَابِ اللهِ الْأَوَّلِ.

وَالتَّفَاضُلُ بَيْنَ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ دَاعٍ لِاغْتِنَامِ الْخَيْرِ فِيهَا، وَنَبِيُّنَا ﷺ حَثَّ عَلَى اغْتِنَامِهَا، وَالدُّنْيَا زَائِلَةٌ لَا مَحَالَةَ، فَقَالَ ﷺ: ((اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغُلِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ)). رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَالْحَاكِمُ، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ.

((فَضَائِلُ الْعَشْرِ الْأُوَلِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ))

وَقَدْ أَظَلَّتْنَا عَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ، أَقْسَمَ اللهُ -تَعَالَى- بِلَيَالِيهَا، فَقَالَ: {وَالْفَجْرِ (1) وَلَيَالٍ عَشْرٍ} [الفجر: 1-2].

وَهِيَ مِنْ أَيَّامِ اللهِ الْحُرُمِ، وَخَاتِمَةُ الْأَشْهُرِ الْمَعْلُومَاتِ الَّتِي قَالَ اللهُ فِيهَا: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ} [البقرة: 197].

نَهَارُهَا أَفْضَلُ مِنْ نَهَارِ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، قَالَ ﷺ: ((أَفْضَلُ أَيَّامِ الدُّنْيَا أَيَّامُ الْعَشْرِ)).

وَفَضِيلَةُ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ؛ لِمَكَانِ اجْتِمَاعِ أُمَّهَاتِ الْعِبَادَةِ فِيهَا؛ مِنَ الصَّلَاةِ، وَالصِّيَامِ، وَالصَّدَقَةِ، وَالْحَجِّ، وَلَا يَتَأَتَّى ذَلِكَ فِي غَيْرِهَا.

وَكُلُّ عَمَلٍ صَالِحٍ فِي أَيَّامِ الْعَشْرِ الْأُوَلِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ -تَعَالَى- مِنْ نَفْسِ الْعَمَلِ إِذَا وَقَعَ فِي غَيْرِهَا.

قَالَ ﷺ: ((مَا الْعَمَلُ فِي أَيَّامٍ أَفْضَلَ مِنْهَا فِي هَذِهِ)).

قَالُوا: ((وَلَا الْجِهَادُ؟)).

قَالَ: ((وَلَا الْجِهَادُ إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ يُخَاطِرُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ)). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

قَالَ ابْنُ رَجَبٍ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((وَقَدْ دَلَّ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ الْعَمَلَ فِي أَيَّامِ الْعَشْرِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ الْعَمَلِ فِي أَيَّامِ الدُّنْيَا، مِنْ غَيْرِ اسْتِثْنَاءِ شَيْءٍ مِنْهَا)).

وَقَدْ كَانَ السَّلَفُ -رَحِمَهُمُ اللهُ- يَجْتَهِدُونَ فِي الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ فِي هَذِهِ الْعَشْرِ، كَانَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ -رَحِمَهُ اللهُ- إِذَا دَخَلَتْ عَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ اجْتَهَدَ اجْتِهَادًا حَتَّى مَا يَكَادُ يُقْدَرُ عَلَيْهِ.

لَقَدْ أَظَلَّتْنَا أَيَّامٌ عَظِيمَةٌ، وَمَوَاسِمُ لِلْخَيْرِ كَرِيمَةٌ، تُضَاعَفُ فِيهَا الْحَسَنَاتُ، وَتُكَفَّرُ فِيهَا السَّيِّئَاتُ، وَتُقَالُ فِيهَا الْعَثَرَاتُ، وَتُجَابُ فِيهَا الدَّعَوَاتُ، وَإِنَّ رَبَّكُمْ -جَلَّ وَعَلَا- قَدِ اخْتَارَ الزَّمَانَ، وَإِنَّ مِنْ أَحَبِّ الزَّمَانِ إِلَى اللهِ الْأَشْهُرَ الْحُرُمَ.

وَقَدِ اخْتَارَ اللهُ -سُبْحَانَهُ- الْعَشْرَ الْأُوَلَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ لِتَكُونَ أَفْضَلَ أَيَّامِ الدُّنْيَا؛ إِذْ أَقْسَمَ بِهَا اللهُ -تَعَالَى- فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ -فَعَزَّ مُقْسِمًا وَعَزَّ قَائِلًا-: {وَالْفَجْرِ (1) وَلَيَالٍ عَشْرٍ} [الفجر: 1-2].

وَهِيَ عَلَى الصَّحِيحِ: لَيَالِي عَشْرِ رَمَضَانَ، أَوْ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ، وَاللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- الْعَظِيمُ لَا يُقْسِمُ إِلَّا بِعَظِيمٍ.

وَسَمَّاهَا -جَلَّ وَعَلَا- الْأَيَّامَ الْمَعْلُومَاتِ، فَقَالَ -سُبْحَانَهُ-: {لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ} [الحج: 28].

وَشَهِدَ لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِأَنَّهَا أَفْضَلُ أَيَّامِ الدُّنْيَا؛ فَعَنْ جَابِرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((أَفْضَلُ أَيَّامِ الدُّنْيَا أَيَّامُ الْعَشْرِ)).

وَحَثَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى الْعَمَلِ الصَّالِحِ فِيهَا وَاغْتِنَامِهَا، وَالْإِكْثَارِ مِنَ الطَّاعَاتِ فِي لَيَالِيهَا وَأَيَّامِهَا؛ فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَحَبُّ إِلَى اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ- مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ)) يَعْنِي: أَيَّامَ الْعَشْرِ.

قَالُوا: ((يَا رَسُولَ اللهِ! وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ؟)).

قَالَ: ((وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ، إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ)). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبَيْهِقِيِّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((مَا مِنْ عَمَلٍ أَزْكَى عِنْدَ اللهِ وَلَا أَعْظَمَ أَجْرًا مِنْ خَيْرٍ يَعْمَلُهُ فِي عَشْرِ الْأَضْحَى)).

قِيلَ: ((وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ؟)).

قَالَ: ((وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ، إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ)).

قَالَ: ((فَكَانَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ -رَحِمَهُ اللهُ- إِذَا دَخَلَ أَيَّامُ الْعَشْرِ اجْتَهَدَ اجْتِهَادًا شَدِيدًا حَتَّى مَا كَادَ يُقْدَرُ عَلَيْهِ)).

وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ فِيهَا أَفْضَلُ مِنْ أَيَّامِ الْعَشْرِ)).

قِيلَ: ((وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ؟)).

قَالَ: ((وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ، إِلَّا مَنْ عَثَرَ جَوَادُهُ، وَأُهْرِيقَ دَمُهُ)). رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ.

وَعَنْ جَابِرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: ((أَفْضَلُ أَيَّامِ الدُّنْيَا الْعَشْرُ)) يَعْنِي: عَشْرَ           ذِي الْحِجَّةِ.

قِيلَ: ((وَلَا مِثْلُهُنَّ فِي سَبِيلِ اللهِ؟)).

قَالَ: ((وَلَا مِثْلُهُنَّ فِي سَبِيلِ اللهِ، إِلَّا رَجُلٌ عَفَّرَ وَجْهَهُ بِالتُّرَابِ)). الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبَزَّارُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَأَبُو يَعْلَى بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَلَفْظُهُ قَالَ: ((مَا مِنْ أَيَّامٍ أَفْضَلُ عِنْدَ اللهِ مِنْ أَيَّامِ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ)).

قَالَ: فَقَالَ رَجُلٌ: ((يَا رَسُولَ اللهِ! هُنَّ أَفْضَلُ أَمْ عِدَّتُهُنَّ جِهَادًا فِي سَبِيلِ اللهِ؟)).

قَالَ: ((هُنَّ أَفْضَلُ مِنْ عِدَّتِهِنَّ جِهَادًا فِي سَبِيلِ اللهِ، إِلَّا عَفِيرًا يُعَفِّرُ وَجْهَهُ فِي التُّرَابِ)). الْحَدِيثَ، وَقَدْ رَوَاهُ -أَيْضًا- ابْنُ حِبَّانَ فِي ((صَحِيحِهِ)).

((نِعْمَةُ إِدْرَاكِ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ))

إِنَّ إِدْرَاكَ هَذِهِ الْعَشْرِ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ مِنْ نِعَمِ اللهِ -تَعَالَى- عَلَى عَبْدِهِ؛ لِأَنَّهُ يُدْرِكُ مَوْسِمًا مِنْ مَوَاسِمِ الطَّاعَةِ الَّتِي تَكُونُ عَوْنًا لِلْمُسْلِمِ -بِتَوْفِيقِ اللهِ- عَلَى تَحْصِيلِ الثَّوَابِ، وَاغْتِنَامِ الْأَجْرِ.

فَعَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَسْتَشْعِرَ هَذِهِ النِّعْمَةَ، وَأَنْ يَسْتَحْضِرَ عِظَمَ أَجْرِ الْعَمَلِ فِيهَا، وَيَغْتَنِمَ الْأَوْقَاتَ، وَأَنْ يُظْهِرَ لِهَذِهِ الْعَشْرِ مَزِيَّةً عَلَى غَيْرِهَا بِمَزِيدِ الطَّاعَةِ وَالْإِقْبَالِ عَلَى اللهِ -جَلَّ وَعَلَا-.

وَكَانَ هَذَا شَأْنَ سَلَفِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، كَمَا قَالَ أَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((كَانُوا يُعَظِّمُونَ ثَلَاثَ عَشَرَاتٍ: الْعَشْرَ الْأَخِيرَ مِنْ رَمَضَانَ، وَالْعَشْرَ الْأَوَّلَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَالْعَشْرَ الْأَوَّلَ مِنَ الْمُحَرَّمِ)).

((جُمْلَةٌ مِنْ طَاعَاتِ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ))

وَفِي الْعَشْرِ أَعْمَالٌ فَاضِلَةٌ وَطَاعَاتٌ كَثِيرَةٌ، وَمِنْ ذَلِكَ:

* الْإِكْثَارُ مِنْ نَوَافِلِ الصَّلَاةِ.

* وَالصَّدَقَةُ.

* وَسَائِرُ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، كَبِرِّ الْوَالِدَيْنِ، وَصِلَةِ الْأَرْحَامِ، وَالتَّوْبَةِ النَّصُوحِ، وَحُسْنِ الْإِنَابَةِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ.

* وَمِنْهَا: الْإِكْثَارُ مِنْ ذِكْرِ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا-، وَتَكْبِيرِهِ، وَتِلَاوَةِ كِتَابِهِ -سُبْحَانَهُ-.

* وَمِنْهَا: الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ، وَهُمَا مِنْ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ.

* وَمِنْهَا: الْحِرْصُ عَلَى الْأُضْحِيَّةِ، وَعَدَمُ التَّهَاوُنِ فِيهَا؛ لِعِظَمِ أَجْرِهَا عِنْدَ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا-.

* وَمِنْ أَحَبِّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- سُرُورٌ تُدْخِلُهُ عَلَى مُسْلِمٍ؛ بِصِلَةٍ، أَوْ صَدَقَةٍ، أَوْ قَضَاءِ حَاجَةٍ، فَكَيْفَ لَوْ كَانَ ذَلِكَ فِي هَذِهِ الْعَشْرِ؟!

* وَمِنَ الْبِرِّ تَفَقُّدُ أَهْلِ الْحَاجِّ، وَالْإِحْسَانُ إِلَيْهِمْ، وَرِعَايَةُ أَطْفَالِهِمْ، ((فَمَنْ جَهَّزَ حَاجًّا أَوْ خَلَفَهُ فِي أَهْلِهِ كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ)). رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي ((صَحِيحِهِ))، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ.

وَمَعْنَى ((خَلَفَهُ)) أَيْ: قَامَ مَقَامَهُ بَعْدَهُ، وَصَارَ خَلَفًا لَهُ بِرِعَايَةِ أُمُورِهِ فِي أَهْلِهِ.

وَمِنْ فَضَائِلِ الْعَشْرِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَرَ بِذِكْرِ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا- فِيهَا كَثِيرًا، كَالتَّسْبِيحِ، وَالتَّحْمِيدِ، وَالتَّهْلِيلِ، وَالتَّكْبِيرِ؛ فَعَنِ ابْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ((مَا مِنْ أَيَّامٍ أَعْظَمُ عِنْدَ اللهِ وَلَا أَحَبُّ إِلَى اللهِ الْعَمَلُ فِيهِنَّ مِنْ أَيَّامِ الْعَشْرِ، فَأَكْثِرُوا فِيهِنَّ مِنَ التَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ)).

((وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ وَأَبُو هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- يَخْرُجَانِ إِلَى السُّوقِ فِي أَيَّامِ الْعَشْرِ، فَيُكَبِّرَانِ وَيُكَبِّرُ النَّاسُ بِتَكْبِيرِهِمَا)).

((أَيَّامٌ عَظِيمَةٌ مُبَارَكَةٌ فِي الْعَشْرِ))

وَفِي الْعَشْرِ الْمُبَارَكَةِ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ، وَيَوْمُ عَرَفَةَ، وَكَذَلِكَ فِيهِ لَيْلَةُ مُزْدَلِفَةَ.

* وَيَوْمُ عَرَفَةَ الَّذِي أَنْزَلَ اللهُ -تَعَالَى- فِيهِ قَوْلَهُ: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3].

وَيَوْمُ عَرَفَةَ هُوَ الْيَوْمُ الَّذِي أَقْسَمَ اللهُ بِهِ -سُبْحَانَهُ- مَعَ يَوْمِ النَّحْرِ، فَقَالَ تَعَالَى: {وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ} [الفجر: 3].

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-: ((الْوَتْرُ: يَوْمُ عَرَفَةَ، وَالشَّفْعُ: يَوْمُ الذَّبْحِ)) يَعْنِي: يَوْمَ النَّحْرِ.

وَعَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا-، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَإِنَّهُ لَيَدْنُو ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمُ الْمَلَائِكَةَ فَيَقُولُ: مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

وَلَمَّا سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ قَالَ: ((يُكَفِّرُ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ وَالْبَاقِيَةَ)). أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-.

فَاحْرِصْ عَلَى أَنْ تَغْرُبَ سَيِّئَاتُكَ يَوْمَ عَرَفَةَ مَعَ غُرُوبِ شَمْسِهِ.

* وَفِيهَا -أَيْ: فِي الْعَشْرِ- يَوْمُ النَّحْرِ، أَفْضَلُ أَيَّامِ الْمَنَاسِكِ وَأَظْهَرُهَا وَأَكْثَرُهَا جَمْعًا، وَهُوَ يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ.

قَالَ -سُبْحَانَهُ-: {وَأَذَانٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ} [التوبة: 3].

وَهُوَ أَعْظَمُ الْأَيَّامِ عِنْدَ اللهِ -تَعَالَى-، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((إِنَّ أَعْظَمَ الْأَيَّامِ عِنْدَ اللهِ يَوْمُ النَّحْرِ، ثُمَّ يَوْمُ الْقَرِّ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ.

وَهُوَ أَحَدُ عِيدَيِ الْمُسْلِمِينَ، يَوْمُ فَرَحٍ وَسُرُورٍ بِأَدَاءِ رُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ، وَقَدْ يَغْفُلُ النَّاسُ مَعَ سُرُورِهِمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ، فَكَانَ الذِّكْرُ فِي أَيَّامِهَا فَاضِلًا، قَالَ -سُبْحَانَهُ-: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ} [البقرة: 203]: وَهِيَ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ.

وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرٍ للهِ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

قَالَ ابْنُ حَجَرٍ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((وَقَدْ ثَبَتَتِ الْفَضِيلَةُ لِأَيَّامِ الْعَشْرِ، فَتَثَبْتُ بِذَلِكَ الْفَضِيلَةُ لِأَيَّامِ التَّشْرِيقِ)).

((الْأُضْحِيَّةُ وَأَحْكَامُهَا))

وَفِي أَيَّامِ النَّحْرِ وَالتَّشْرِيقِ عِبَادَةٌ مَالِيَّةٌ بَدَنِيَّةٌ، هِيَ مِنْ أَحَبِّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللهِ -جَلَّ وَعَلَا-، قَرَنَهَا اللهُ -سُبْحَانَهُ- بِالصَّلَاةِ فَقَالَ: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} [الكوثر: 2].

وَقَدْ حَثَّ اللهُ عَلَى الْإِخْلَاصِ فِي النَّحْرِ، وَأَنْ يَكُونَ الْقَصْدُ وَجْهَ اللهِ وَحْدَهُ، لَا فَخْرَ وَلَا رِيَاءَ وَلَا سُمْعَةَ، وَلَا مُجَرَّدَ عَادَةٍ، فَقَالَ -سُبْحَانَهُ-: {لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنكُمْ} [الحج: 37].

((وَضَحَّى النَّبِيُّ ﷺ بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ، ذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَ ((الْأَمْلَحُ)): الْأَسْوَدُ الَّذِي يَعْلُو شَعْرَهُ بَيَاضٌ.

وَ ((الْأَقْرَنُ)): ذُو الْقُرُونِ.

وَيَوْمُ النَّحْرِ -وَهُوَ الْيَوْمُ الْعَاشِرُ- أَعْظَمُ الْأَيَّامِ عِنْدَ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا-؛ لِمَا رَوَى عَبْدُ اللهِ بْنُ قُرْطٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((أَعْظَمُ الْأَيَّامِ عِنْدَ اللهِ يَوْمُ النَّحْرِ، ثُمَّ يَوْمُ الْقَرِّ)).

وَ ((يَوْمُ الْقَرِّ)): هُوَ الْيَوْمُ الْحَادِيَ عَشَرَ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّ النَّاسَ يَسْتَقِرُّونَ فِيهِ بِـ(مِنًى).

وَيَوْمُ النَّحْرِ فِيهِ مُعْظَمُ مَنَاسِكِ الْحَجِّ؛ مِنَ النَّحْرِ، وَالتَّحْلِيقِ، وَالطَّوَافِ بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ، وَالسَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَرَمْيِ الْجَمْرَةِ الْكُبْرَى.

وَمِمَّا يُسَنُّ فِعْلُهُ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ الْعَشْرَةِ الْمُبَارَكَةِ التَّقَرُّبُ إِلَى اللهِ بِذَبْحِ الْأَضَاحِي وَالْهَدَايَا، وَشُكْرُ اللهِ عَلَى الْمِنَحِ وَالْعَطَايَا، حَيْثُ أَمَرَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا- نَبِيَّهُ ﷺ بِذَلِكَ فَقَالَ: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} [الكوثر: 2].

وَقِيلَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ: ((أَيُّ الْحَجُّ أَفْضَلُ؟)).

فَقَالَ: ((الْعَجُّ وَالثَّجُّ)). أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-.

وَ ((الْعَجُّ)): رَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ.

وَ ((الثَّجُّ)): نَحْرُ الْهَدْيِ وَإِرَاقَةُ الدِّمَاءِ.

قَالَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-: {لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنكُمْ} [الحج: 37].

وَإِذَا رُؤِيَ هِلَالُ ذِي الْحِجَّةِ تَأَكَّدَ لِمَنْ يُرِيدُ أَنْ يُضَحِّيَ أَلَّا يَأْخُذَ شَيْئًا مِنْ شَعْرِهِ وَلَا ظُفُرِهِ وَلَا جِلْدِهِ بِحَلْقٍ أَوْ غَيْرِهِ؛ فَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا-، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((إِذَا رَأَيْتُمْ هِلَالَ ذِي الْحِجَّةِ وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ فَلْيُمْسِكْ عَنْ شَعْرِهِ وَأَظْفَارِهِ حَتَّى يُضَحِّيَ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي ((صَحِيحِهِ)).

وَفِي رِوَايَةٍ: ((فَلَا يَمَسَّ مِنْ شَعْرِهِ وَبَشَرَتِهِ شَيْئًا)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ إِذَا دَخَلَتِ الْعَشْرُ وَأَرَادَ الْإِنْسَانُ أَنْ يُضَحِّيَ فَإِنَّهُ لَا يَأْخُذُ مِنْ شَعْرِهِ وَلَا مِنْ أَظْفَارِهِ وَلَا مِنْ بَشَرَتِهِ شَيْئًا إِلَى أَنْ يَذْبَحَ أُضْحِيَّتَهُ، فَإِنْ كَانَ لَهُ أَكْثَرُ مِنْ أُضْحِيَّةٍ جَازَ لَهُ الْأَخْذُ بَعْدَ ذَبْحِ الْأُولَى.

وَأَظْهَرُ قَوْلَيْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ ذَلِكَ لِلتَّحْرِيمِ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ فِي النَّهْيِ، فَإِنْ تَعَمَّدَ وَأَخَذَ فَعَلَيْهِ التَّوْبَةُ وَالِاسْتِغْفَارُ، وَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ إِجْمَاعًا، وَلَا يُؤَثِّرُ ذَلِكَ الَّذِي أَخَذَهُ عَلَى أُضْحِيَّتِهِ.

وَهَذَا النَّهْيُ يَخُصُّ صَاحِبَ الْأُضْحِيَةِ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ: ((وَأَرَادَ أَنْ يُضَحِّيَ))، فَلَا يَعُمُّ زَوْجَتَهُ وَلَا أَوْلَادَهُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُشْرِكَهُمْ مَعَهُ فِي الثَّوَابِ.

وَمَنْ ضَحَّى عَنْ غَيْرِهِ بِوَصِيَّةٍ أَوْ وَكَالَةٍ فَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ أَخْذُ شَيْءٍ مِنْ شَعْرِهِ أَوْ ظُفُرِهِ أَوْ بَشَرَتِهِ؛ لِأَنَّ الْأُضْحِيَّةَ لَيْسَتْ لَهُ.

وَمَنْ أَخَذَ مِنْ شَعْرِهِ الْمُبَاحِ أَخْذِهِ أَوْ ظُفُرِهِ أَوَّلَ الْعَشْرِ لِعَدَمِ إِرَادَتِهِ الْأُضْحِيَّةَ ثُمَّ أَرَادَهَا فِي أَثْنَاءِ الْعَشْرِ أَمْسَكَ مِنْ حِينَ الْإِرَادَةِ.

وَمَنِ احْتَاجَ إِلَى أَخْذِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ لِتَضَرُّرِهِ بِبَقَائِهِ، كَانْكِسَارِ ظُفُرٍ، أَوْ جُرْحٍ عَلَيْهِ شَعْرٌ يَتَعَيَّنُ أَخْذُهُ فَلَا بَأْسَ؛ لِأَنَّ الْمُضَحِّيَ لَيْسَ بِأَعْظَمَ مِنَ الْمُحْرِمِ الَّذِي أُبِيحَ لَهُ الْحَلْقُ إِذَا كَانَ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ، لَكِنَّ الْمُحْرِمَ عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ، وَأَمَّا الْمُضَحِّي فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ.

وَلَا يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تُوَكِّلَ أَحَدًا عَلَى أُضْحِيَتِهَا لِتَأْخُذَ هِيَ مِنْ شَعْرِهَا، كَمَا تَفْهَمُهُ بَعْضُ النِّسَاءِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ مُتَعَلِّقٌ بِالْمُضَحِّي نَفْسِهِ، سَوَاءٌ وَكَّلَ غَيْرَهُ أَمْ لَا، وَأَمَّا الْوَكِيلُ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ نَهْيٌ.

وَلَا حَرَجَ فِي غَسْلِ الرَّجُلِ رَأْسَهُ وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةِ أَيَّامَ الْعَشْرِ؛ لِأَنَّهُ ﷺ إِنَّمَا نَهَى عَنِ الْأَخْذِ، وَلِأَنَّ الْمُحْرِمَ أُذِنَ لَهُ أَنْ يَغْسِلَ رَأْسَهُ.

وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُضَحِّيَ ثُمَّ عَزَمَ عَلَى الْحَجِّ فَإِنَّهُ لَا يَأْخُذُ مِنْ أَشْعَارِهِ وَأَظْفَارِهِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ؛ لِأَنَّ هَذَا سُنَّةٌ عِنْدَ الْحَاجَةِ، فَيُرَجَّحُ جَانِبُ التَّرْكِ، لَكِنْ إِنْ كَانَ مُتَمَتِّعًا قَصَّرَ مِنْ شَعْرِهِ إِذَا فَرَغَ مِنْ عُمْرَتِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ نُسُكٌ عَلَى أَرْجَحِ الْأَقْوَالِ، وَكَذَا إِذَا رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ يَوْمَ الْعِيدِ.

وَالْخَيْرُ يَتَتَابَعُ فِي الْعَشْرِ بِذَبْحِ الْأَضَاحِي يَوْمَ الْعِيدِ وَأَيَّامَ التَّشْرِيقِ.

وَقَدْ ضَحَّى النَّبِيُّ ﷺ بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ، ذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ، وَسَمَّى وَكَبَّرَ.

وَأَفْضَلُ الْأَضَاحِي أَغْلَاهَا ثَمَنًا، وَأَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا، وَتُجْزِئُ شَاةٌ وَاحِدَةٌ عَنِ الرَّجُلِ وَعَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ.

وَيَحْرُمُ عَلَى مَنْ يُضَحِّي أَنْ يَأْخُذَ فِي الْعَشْرِ شَيْئًا مِنْ شَعْرِهِ أَوْ أَظْفَارِهِ أَوْ بَشَرَتِهِ إِلَى أَنْ يُضَحِّيَ.

فَطِيبُوا بِهَا نَفْسًا، وَكُلُوا وَأَطْعِمُوا وَتَصَدَّقُوا وَتَحَرَّوْا بِصَدَقَاتِكُمْ فُقَرَاءَكُمْ، وَبِهَدَايَاكُمْ مِنْهَا أَرْحَامَكُمْ وَجِيرَانَكُمْ.

وَصُونُوا أَعْيَادَكُمْ عَمَّا يُغْضِبُ رَبَّكُمْ، وَشَارِكُوا الْحَجِيجَ فِي الدُّعَاءِ وَالتَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ.

وَمَنْ أَقَامَ فِي بَلَدِهِ وَسَبَقَهُ الْحُجَّاجُ إِلَى الْمَشَاعِرِ شُرِعَ لَهُ صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ، قَالَ ﷺ: ((صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

فَاغْتَنِمُوا -عِبَادَ اللهِ- مَوَاسِمَ الْعِبَادَةِ قَبْلَ فَوَاتِهَا؛ فَالْحَيَاةُ مَغْنَمٌ، وَالْأَيَّامُ مَعْدُودَةٌ، وَالْأَعْمَارُ قَصِيرَةٌ.

 ((اجْتِمَاعُ أُمَّهَاتِ الْعِبَادَةِ فِي عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ))

فِي هَذِهِ الْعَشْرِ الْمُبَارَكَةِ تَجْتَمِعُ أَرْكَانُ الْإِسْلَامِ؛ إِذْ يُشْرَعُ فِيهَا الصِّيَامُ؛ لِأَنَّهُ دَاخِلٌ فِي الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا النَّبِيُّ ﷺ حِينَ قَالَ: ((مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَحَبُّ إِلَى اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ- مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ)) يَعْنِي: أَيَّامَ الْعَشْرِ.

وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((مَا مِنْ عَبْدٍ يَصُومُ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللهِ إِلَّا بَاعَدَ اللهُ بِذَلِكَ الْيَوْمِ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا)).

وَكَذَا الصَّدَقَةُ، وَالصَّلَاةُ، وَالْحَجُّ، وَكُلُّ عَمَلٍ صَالِحٍ مَبْرُورٍ يَقُومُ بِهِ الْمُسْلِمُ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ الْفَاضِلَةِ.

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَحَبُّ إِلَى اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ- مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ)) يَعْنِي: أَيَّامَ الْعَشْرِ.

قَالَ النَّوَوِيُّ: ((وَمِنَ الصَّوْمِ المَسْنُونِ صَوْمُ الْأَيَّامِ التِّسْعَةِ مِنْ أَوَّلِ ذِي الْحِجَّةِ؛ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا)).

وَقَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: ((وَأَيَّامُ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ كُلُّهَا شَرِيفَةٌ مُفَضَّلَةٌ، يُضَاعَفُ الْعَمَلُ فِيهَا، وَيُسْتَحَبُّ الِاجْتِهَادُ فِي الْعِبَادَةِ فِيهَا لِهَذَا الْحَدِيثِ)).

وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى اسْتِحْبَابِ صَوْمِ الْأَيَّامِ الثَّمَانِيَةِ مِنْ أَوَّلِ ذِي الْحِجَّةِ قَبْلَ يَوْمِ عَرَفَةَ؛ لِهَذَا الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-.

وَأَخْرَجَ ابْنُ حِبَّانَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ جَابِرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((مَا مِنْ أَيَّامٍ أَفْضَلُ عِنْدَ اللهِ مِنْ أَيَّامِ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ)).

قَالَ: فَقَالَ رَجُلٌ: ((يَا رَسُولَ اللهِ! هُنَّ أَفْضَلُ أَمْ عِدَّتُهُنَّ جِهَادًا فِي سَبِيلِ اللهِ؟)).

قَالَ: ((هُنَّ أَفْضَلُ مِنْ عِدَّتِهِنَّ جِهَادًا فِي سَبِيلِ اللهِ)).

((وَمَا مِنْ يَوْمٍ أَفْضَلُ عِنْدَ اللهِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، يَنْزِلُ اللهُ -تَعَالَى- إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيُبَاهِي بِأَهْلِ الْأَرْضِ أَهْلَ السَّمَاءِ، فَيَقُولُ: انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي شُعْثًا غُبْرًا ضَاحِينَ، جَاءُوا مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ، يَرْجُونَ رَحْمَتِي، وَلَمْ يَرَوْا عَذَابِي)).

فَلَمْ يُرَ يَوْمٌ أَكْثَرَ عِتْقًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ.

وَقَدْ بَيَّنَ الْعُلَمَاءُ فَضْلَ الصِّيَامِ وَغَيْرِهِ مِنَ الطَّاعَاتِ فِي الْعَشْرِ الْأُوَلِ مِنْ شَهْرِ ذِي الْحِجَّةِ فِي شَرْحِهِمْ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-.

قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: ((ثَبَتَتِ الْفَضِيلَةُ لِأَيَّامِ الْعَشْرِ بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى فَضْلِ صِيَامِ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ؛ لِانْدِرَاجِ الصَّوْمِ فِي الْعَمَلِ الصَّالِحِ، وَاسْتُشْكِلَ بِتَحْرِيمِ الصَّوْمِ يَوْمَ الْعِيدِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْغَالِبِ، وَلَا يَرُدُّ عَلَى ذَلِكَ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُمَا عَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- قَالَتْ: ((مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ صَائِمًا الْعَشْرَ قَطُّ))؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ كَانَ يَتْرُكُ الْعَمَلَ وَهُوَ يُحِبُّ أَنْ يَعْمَلَهُ خَشْيَةَ أَنْ يُفْرَضَ عَلَى أُمَّتِهِ.

وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ السَّبَبَ فِي امْتِيَازِ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ لِمَكَانِ اجْتِمَاعِ أُمَّهَاتِ الْعِبَادَةِ فِيهِ؛ وَهِيَ الصَّلَاةُ، وَالصِّيَامُ، وَالصَّدَقَةُ، وَالْحَجُّ، وَلَا يَتَأَتَّى ذَلِكَ فِي غَيْرِهِ، وَعَلَى هَذَا هَلْ يَخْتَصُّ الْفَضْلُ بِالْحَاجِّ أَوْ يَعُمُّ الْمُقِيمَ؟

فِيهِ احْتِمَالٌ)).

وَقَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ فَضِيلَةُ الْعَشْرِ الْأُوَلِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَأَنَّهُ -كَذَلِكَ- مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ شَهْرٌ حَرَامٌ، مِنْ إِنَّهُ -أَيِ: الْعَشْرُ- أَوَّلُ شَهْرٍ حَرَامٍ بَيْنَ شَهْرَيْنِ حَرَامَيْنِ، فِيهِ أَيَّامُ الْإِحْرَامِ مِنَ الْحَاجِّ، وَأَيَّامُ رَفْعِ الْأَصْوَاتِ بِالتَّلْبِيَةِ، وَفِيهِ قَصْدُ النَّاسِ بَيْتَ اللهِ الْحَرَامَ لِلْحَجِّ، الَّذِي جَعَلَ اللهُ فِيهِ لِمَنْ شَهِدَهُ مَنَافِعَ، {لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ} [الحج: 28].

 

وَذَكَرَ الْمَنَافِعَ بِلَفْظِ الْجَمْعِ لِلْمُنَكَّرِ: {مَنَافِعَ}؛ وَهَذَا يَشْتَمِلُ عَلَى مَنَافِعَ غَيْرِ مَحْصُورَةٍ؛ فَإِنَّ الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ إِذَا شَهِدَ بِمَنْفَعَةٍ فَهِيَ الَّتِي لَا تَتَعَقَّبُهَا مَضَرَّةٌ، وَهَذَا لَا يَكْمُلُ إِلَّا بِدُخُولِ الْجَنَّةِ -إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى-.

 وَأَعْمَالُ الْحَاجِّ لَهُمْ، وَأَمَّا غَيْرُ الْحَاجِّ فَإِنَّ أَعْمَالَهُمْ فِي سَبِيلِ الْبِرِّ الَّتِي يُمْكِنُهُمْ سُلُوكُهَا، رَاجِينَ أَنْ يُلْحَقَهُمُ اللهُ بِثَوَابِ الْحَاجِّ وَالْمُعْتَمِرِينَ، وَهَذَا يَتَّضِحُ بِأَنَّ صِيَامَ يَوْمِ عَرَفَةَ يَعْدِلُ عَامَيْنِ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ صِيَامُهُ لِمَنْ كَانَ حَاجًّا، فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ عَمَلَ الْحَاجِّ غَيْرُ عَمَلٍ مَنْ لَيْسَ بِحَاجٍّ)).

قَالَ ابْنُ رَجَبٍ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((وَقَدْ دَلَّ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ الْعَمَلَ فِي أَيَّامِهِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ الْعَمَلِ فِي أَيَّامِ الدُّنْيَا مِنْ غَيْرِ اسْتِثْنَاءِ شَيْءٍ مِنْهَا، وَإِذَا كَانَ أَحَبَّ إِلَى اللهِ فَهُوَ أَفْضَلُ عِنْدَهُ، وَإِذَا كَانَ الْعَمَلُ فِي أَيَّامِ الْعَشْرِ أَفْضَلَ وَأَحَبَّ إِلَى اللهِ مِنَ الْعَمَلِ فِي غَيْرِهِ مِنْ أَيَّامِ السَّنَةِ كُلِّهَا صَارَ الْعَمَلُ فِيهِ وَإِنْ كَانَ مَفْضُولًا أَفْضَلَ مِنَ الْعَمَلِ فِي غَيْرِهِ وَإِنْ كَانَ فَاضِلًا.

وَلِهَذَا قَالُوا: ((يَا رَسُولَ اللهِ! وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ؟))، قَالَ: ((وَلَا الْجَهَادُ))، ثُمَّ اسْتَثْنَى جِهَادًا وَاحِدًا هُوَ أَفْضَلُ الْجِهَادِ، وَأَمَّا بَقِيَّةُ أَنْوَاعِ الْجِهَادِ فَإِنَّ الْعَمَلَ فِي عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ أَفْضَلُ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ- مِنْهَا، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْأَعْمَالِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعَمَلَ الْمَفْضُولَ فِي الْوَقْتِ الْفَاضِلِ يَلْتَحِقُ بِالْفَاضِلِ فِي غَيْرِهِ، وَيَزِيدُ عَلَيْهِ؛ لِمُضَاعَفَةِ ثَوَابِهِ وَأَجْرِهِ)).

الْعَمَلُ الصَّالِحُ يَشْمَلُ الصَّلَاةَ، وَالصَّدَقَةَ، وَالصِّيَامَ، وَالذِّكْرَ، وَالتَّكْبِيرَ، وَقِرَاءَةَ الْقُرْآنِ، وَبِرَّ الْوَالِدَيْنِ، وَصِلَةَ الْأَرْحَامِ، وَالْإِحْسَانَ إِلَى الْخَلْقِ، وَحُسْنَ الْجِوَارِ، وَغَيْرَ ذَلِكَ، يَشْمَلُ كُلَّ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى فَضِيلَةِ الْعَمَلِ الصَّالِحِ فِي أَيَّامِ الْعَشْرِ الْأُوَلِ مِنْ شَهْرِ ذِي الْحِجَّةِ مِنْ صِيَامٍ وَغَيْرِهِ.

نَسْأَلُ اللهَ أَنْ يُوَفِّقَنَا لِلْعَمَلِ بِمَا يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ، وَأَنْ يُحْسِنَ خِتَامَنَا أَجْمَعِينَ.

وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ.

***

((الْعِنَايَةُ بِالنَّظَافَةِ))

الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ هُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ صَلَاةً وَسَلَامًا دَائِمَيْنِ مُتَلَازِمَيْنِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

أَمَّا بَعْدُ:

((شَأْنُ النَّظَافَةِ فِي الْإِسْلَامِ))

فَقَدْ أَمَرَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا- بِطَهَارَةِ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ مِنْ كُلِّ مَا يُسْتَقْبَحُ وَيَشِينُ، فَقَالَ تَعَالَى: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (4) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ} [المدثر: 4-5].

وَ (الرُّجْزُ): إِمَّا الْأَصْنَامُ وَالْأَوْثَانُ الَّتِي عُبِدَتْ مَعَ اللهِ، فَجَاءَ الْأَمْرُ بِالتَّبَرُّؤِ مِنْهَا وَالتَّخَلِّي عَنْهَا، وَإِمَّا الذُّنُوبُ وَالْمَعَاصِي.

وَقَدْ أَعْلَى الْإِسْلَامُ مِنْ شَأْنِ النَّظَافَةِ كَمَظْهَرٍ حَضَارِيٍّ وَسُلُوكٍ رَاقٍ، حَتَّى عَدَّهَا النَّبِيُّ ﷺ شُعْبَةً مِنْ شُعَبِ الْإِيمَانِ، فَقَالَ ﷺ: ((الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ أَوْ: بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً، أَعْلَاهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

((النَّظَافَةُ مَنْهَجٌ إِسْلَامِيٌّ))

وَلَقَدْ تَوَارَثَ الصَّحَابَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- هَذَا الْمَنْهَجَ النَّبَوِيَّ، وَأَصْبَحَ ثَقَافَةً إِنْسَانِيَّةً إِسْلَامِيَّةً يَتَعَامَلُونَ بِهَا، وَيَحُثُّونَ النَّاسَ عَلَيْهَا، وَيُرَغِّبُونَهُمْ فِي الْقِيَامِ بِهَا، وَلَمَّا قَدِمَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- الْبَصْرَةَ قَالَ لَهُمْ: ((إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بَعَثَنِي إِلَيْكُمْ لِأُعَلِّمَكُمْ سُنَّتَكُمْ، وَإِنْظَافَكُمْ طُرُقَكُمْ)). أَخْرَجَهُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي ((تَارِيخِ دِمْشَقَ)).

((حِفَاظُ الْإِسْلَامِ عَلَى الصِّحَّةِ بِالنَّظَافَةِ))

وَلَا شَكَّ أَنَّ حِرْصَ الْإِسْلَامِ عَلَى نَظَافَةِ الْبِيئَةِ الْمُحِيطَةِ بِالْإِنْسَانِ هَدَفُهُ أَنْ تَكُونَ الْبِيئَةُ الَّتِي يَعِيشُ الْإِنْسَانُ فِيهَا خَالِيَةً مِنَ الْأَمْرَاضِ الَّتِي تُؤَثِّرُ عَلَى صِحَّتِهِ، الَّتِي هِيَ نِعْمَةٌ مِنْ أَجَلِّ نِعَمِ اللهِ -تَعَالَى- عَلَى الْعَبْدِ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَاضَ إِذَا انْتَشَرَتْ فِي مُجْتَمَعٍ لَا يَقْتَصِرُ ضَرَرُهَا عَلَى شَخْصٍ دُونَ آخَرَ، وَإِنَّمَا تُؤَثِّرُ فِي حَيَاةِ النَّاسِ جَمِيعًا، فَمَنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ أَضْرَارَ التَّلَوُّثِ لَيْسَتْ قَاصِرَةً عَلَى الْإِنْسَانِ وَحْدَهُ، بَلْ تَتَعَدَّاهُ إِلَى جَمِيعِ الْمَخْلُوقَاتِ، لِذَا جَاءَ النَّهْيُ عَنِ التَّلَوُّثِ بِجَمِيعِ صُوَرِهِ؛ حِفَاظًا عَلَى الْفَرْدِ وَالْمُجْتَمَعِ وَسَائِرِ الْمَخْلُوقَاتِ.

((حِرْصُ الْإِسْلَامِ عَلَى الطَّهَارَةِ الْمَعْنَوِيَّةِ))

وَكَمَا كَانَ الْإِسْلَامُ حَرِيصًا عَلَى الطَّهَارَةِ الْحِسِّيَّةِ بِكُلِّ صُوَرِهَا كَانَ حَرِيصًا عَلَى الطَّهَارَةِ الْمَعْنَوِيَّةِ بِكُلِّ مَعَانِيهَا، كَطَهَارَةِ الْعَقِيدَةِ مِنْ كُلِّ انْحِرَافٍ، وَمِنْ كُلِّ الْخُرَافَاتِ الَّتِي تُلْصَقُ بِهَا، وَطَهَارَةِ الْأَخْلَاقِ مِنَ الرَّذَائِلِ وَالْمُنْكَرَاتِ، وَطَهَارَةِ اللِّسَانِ مِنْ كُلِّ الْقَبَائِحِ وَالْآثَامِ، وَطَهَارَةِ الْفِكْرِ مِنَ التَّطَرُّفِ وَالِانْحِرَافِ، وَكَذَلِكَ طَهَارَةِ الْقُلُوبِ مِنَ الْغِلِّ وَالْحِقْدِ وَالْكَرَاهِيَةِ وَالْحَسَدِ؛ لِأَنَّ كُلَّ هَذِهِ الصِّفَاتِ لَا تَلِيقُ بِالْمُسْلِمِ الَّذِي يُرِيدُ النَّجَاةَ فِي دُنْيَاهُ وَعُقْبَاهُ.

فَيَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ الْعَمَلُ عَلَى طَهَارَةِ ظَاهِرِهِ وَإِصْلَاحِ بَاطِنِهِ، فَيَنْتَفِعُ فِي دِينِهِ وَآخِرَتِهِ كَمَا يَنْتَفِعُ فِي دُنْيَاهُ.

((الْإِسْلَامُ دِينُ طَهَارَةِ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ))

وَدِينُ الْإِسْلَامِ الْعَظِيمِ هُوَ دِينُ الطَّهَارَةِ وَالنَّظَافَةِ، دِينُ طَهَارَةِ الْبَاطِنِ وَالظَّاهِرِ عَلَى السَّوَاءِ، دِينُ الْعِفَّةِ وَدِينُ الْعَفَافِ، يَنْفِي الْفَاحِشَةَ وَيُحَارِبُهَا، وَيَسُدُّ الْمَسَالِكَ الَّتِي تُؤَدِّي إِلَيْهَا.

{قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} [الأعراف: 33].

أَمَرَ اللهُ -تَعَالَى- بِطَهَارَةِ الْقُلُوبِ وَالْأَرْوَاحِ وَالْأَنْفُسِ، وَأَمَرَ -تَعَالَى- بِطَهَارَةِ الْأَبْدَانِ وَالثِّيَابِ وَالْأَمْكِنَةِ.

قَالَ رَبُّنَا -جَلَّ وَعَلَا- عَنِ الْمَسْجِدِ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ: {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا ۚ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ} [التوبة: 108].

{فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا}: طَهَارَةَ الْبَاطِنِ مِنَ الْكُفْرِ وَالنِّفَاقِ وَالْمَعَاصِي، وَطَهارَةَ الظَّاهِرِ مِنَ الْأَحْدَاثِ وَالْأَنْجَاسِ بِالْمَاءِ؛ لِأَنَّهُمْ مُؤْمِنُونَ صَادِقُو الْإِيمَانِ، حَرِيصُونَ عَلَى أَنْ يَظْفَرُوا بِمَحَبَّةِ اللهِ لَهُمْ، وَاللهُ يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ، وَمَنْ أَحَبَّهُ اللهُ ضَاعَفَ لَهُ الثَّوَابَ عَلَى أَعْمَالِهِ، وَزَادَهُ مِنْهُ قُرْبًا، وَغَمَرَهُ بِفُيُوضِ إِحْسَانِهِ.

أَخْرَجَ مُسْلِمٌ فِي ((صَحِيحِهِ)) بِسَنَدِهِ عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((الطُّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ)) أَيْ: نِصْفُهُ.

وَعَنْ عَلِيٍّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- -كَمَا فِي الْحَدِيثِ الْحَسَنِ الَّذِي أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَه، وَغَيْرُهُمْ- قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الطُّهُورُ، وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ، وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ)).

خِصَالُ الْإِيمَانِ عَلَى قِسْمَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا يُطَهِّرُ الظَّاهِرَ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُطَهِّرُ الْبَاطِنَ، فَالْأَعْمَالُ وَالْأَقْوَالُ كُلُّهَا تُطَهِّرُ الْقَلْبَ وَتُزَكِّيهِ، وَأَمَّا الطَّهَارَةُ بِالْمَاءِ فَهِيَ تَخْتَصُّ بِتَطْهِيرِ الْجَسَدِ وَتَنْظِيفِهِ، فَصَارَتِ الطَّهَارَةُ بِالْمَاءِ شَطْرَ الْإِيمَانِ عَلَى هَذَا الِاعْتِبَارِ، ((الطُّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ)).

((الْمُسْلِمُ الْحَقُّ نَظِيفٌ طَاهِرٌ))

إِنَّ الْإِسْلَامَ أَرَادَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَكُونُوا شَامَةً فِي النَّاسِ، مُتَمَيِّزِينَ فِي زِيِّهِمْ وَهَيْآتِهِمْ وَتَصَرُّفَاتِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ؛ حَتَّى يَكُونُوا قُدْوَةً حَسَنَةً تَجْعَلُهُمْ جَدِيرِينَ بِحَمْلِ رِسَالَتِهِمُ الْعُظْمَى إِلَى النَّاسِ.

فِي حَدِيثِ الصَّحَابِيِّ الْجَلِيلِ ابْنِ الْحَنْظَلِيَّةِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِأَصْحَابِهِ -وَكَانُوا فِي سَفَرٍ قَادِمِينَ عَلَى إِخْوَانِهِمْ-: ((إِنَّكُمْ قَادِمُونَ عَلَى إِخْوَانِكُمْ؛ فَأَصْلِحُوا رِحَالَكُمْ، وَأَحْسِنُوا لِبَاسَكُمْ، حَتَّى تَكُونُوا كَأَنَّكُمْ شَامَةٌ فِي النَّاسِ؛ فَإِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْفُحْشَ وَلَا التَّفَحُّشَ)). أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَقَدْ ضُعِّفَ الْحَدِيثُ، وَلَكِنَّهُ مُحْتَمِلٌ لِلتَّحْسِينِ بِشَوَاهِدِهِ، بَلْ قَدْ حُسِّنَ.

وَ((الرِّحَالُ)): مَا يُوضَعُ عَلَى ظَهْرِ الْبَعِيرِ عِنْدَ رُكُوبِهِ، وَ((الْفُحْشُ وَالتَّفَحُّشُ)): كُلُّ مَا يَشْتَدُّ قُبْحُهُ.

فَعَدَّ الرَّسُولُ ﷺ الْهَيْئَةَ الرَّدِيئَةَ، وَالْحَالَةَ الزَّرِيَّةَ، وَإِهْمَالَ الْعِنَايَةِ بِالْمَظْهَرِ، وَالتَّبَذُّلَ فِي اللِّبَاسِ أَوِ الْمَرَافِقِ الْمَفْرُوشَةِ.. عَدَّ ذَلِكَ فُحْشًا وَتَفَحُّشًا، وَهُوَ مَمَّا يَكْرَهُهُ الْإِسْلَامُ الْحَنِيفُ وَيَنْهَى عَنْهُ.

إِنَّ الْمُسْلِمَ الْحَقَّ لَا يُهْمِلُ نَفْسَهُ، وَلَا يَنْسَى ذَاتَهُ مَعَ التَّكَالِيفِ الْعُلْيَا الَّتِي يَحْمِلُهَا فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ؛ إِذْ لَا يَنْفَصِلُ فِي نَفْسِهِ مَظْهَرُ الْإِنْسَانِ عَنْ مَخْبَرِهِ، فَإِنَّ الشَّكْلَ الْمُرَتَّبَ الْحَسَنَ أَلْيَقُ بِالْمُحْتَوَى الْجَلِيلِ وَالْجَوْهَرِ النَّبِيلِ.

فَالْمُسْلِمُ الْحَقُّ الْوَاعِي الْحَصِيفُ هُوَ الَّذِي يُوَازِنُ بَيْنَ جِسْمِهِ وَعَقْلِهِ وَرُوحِهِ، فَيُعْطِي لِكُلٍّ حَقَّهُ، وَلَا يُغَالِي فِي جَانِبٍ مِنْ هَذِهِ الْجَوَانِبِ عَلَى حِسَابِ جَانِبٍ، مُسْتَهْدِيًا بِهَدْيِ رَسُولِ اللهِ ﷺ الْمُتَوَازِنِ الْحَكِيمِ.

وَمِنْ مَظَاهِرِ حَثِّ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى النَّظَافَةِ: حَثُّه ﷺ عَلَى نَظَافَةِ الْجِسْمِ وَالثِّيَابِ؛ فالنَّبِيُّ ﷺ دَلَّنَا عَلَى أَنَّ الْمُسْلِمَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ نَظِيفَ الْجِسْمِ وَالثِّيَابِ، يَغْتَسِلُ الْمُسْلِمُ الَّذِي يُرِيدُ الْإِسْلَامَ شَامَةً بَيْنَ النَّاسِ؛ لِكَيْ يَكُونَ نَظِيفَ الْجَسَدِ، نَظِيفَ الثَّوْبِ، كَمَا أَنَّهُ نَظِيفُ الْقَلْبِ وَالرُّوحِ وَالضَّمِيرِ.

وَالنَّبِيُّ ﷺ أَمَرَنَا بِهَذَا الْأَمْرِ: ((اغْتَسِلُوا يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَاغْسِلُوا رُؤُوسَكُمْ وَإِنْ لَمْ تَكُونُوا جُنُبًا، وَأَصِيبُوا مِنَ الطِّيبِ)). أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي ((صَحِيحِهِ)).

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ((حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَغْتَسِلَ فِي كُلِّ سَبْعَةِ أَيَّامٍ يَوْمًا؛ يَغْسِلُ فِيهِ رَأْسَهُ وَجَسَدَهُ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ» .

يَقُولُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَغْتَسِلَ فِي كُلِّ سَبْعَةِ أَيَّامٍ يَوْمًا)).

لَيْسَ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَغْتَسِلُ إِلَّا كُلَّ سَبْعَةِ أَيَّامٍ، فَهَذَا أَقْصَى الْمُدَّةِ، كَمَا وَقَّتَ فِي أَخْذِ الظُّفُرِ، وَكَذَلِكَ فِي أَخْذِ الشَّعْرِ مِنَ الْعَانَةِ وَالْإِبْطِ.. كَمَا وَقَّتَ فِي ذَلِكَ أَرْبَعِينَ عَلَى أَنَّهُ أَقْصَى الْمُدَّةِ، كَمَا أَخْبَرَ أَنَسٌ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَذَلِكَ أَقْصَى الْمُدَّةِ، لَا أَنَّكَ تَتْرُكُ إِلَى الْأَرْبَعِينَ، بَلِ السُّنَّةُ أَنْ تَفْعَلَ ذَلِك فِي كُلِّ أُسْبُوعٍ مَرَّةً، قَالَ: ((يَغْتَسِلُ فِيهِ -أَيْ: فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ-، وَيَغْسِلُ رَأْسَهُ وَجَسَدَهُ)). كَمَا فِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ.

((الْمُسْلِمُ الْحَقُّ نَظِيفٌ فِي ثَوْبِهِ وَجَوْرَبِهِ، يَتَفَقَّدُ ثِيَابَهُ وَجَوْرَبَهُ بَيْنَ الْحِينِ وَالْحِينِ؛ لَا يَرْضَى أَنْ تَفُوحَ مِنْ أَرْدَانِهِ أَوْ قَدَمَيْهِ رَائِحَةٌ مُنَفِّرَةٌ، وَيَسْتَعِينُ عَلَى ذَلِكَ بِالطِّيبِ -أَيْضًا-.

وَيَتَعَهَّدُ الْمُسْلِمُ الْوَاعِي فَمَهُ، فَلَا يَشُمُّ أَحَدٌ مِنْهُ رَائِحَةً مُؤْذِيَةً كَرِيهَةً، وَذَلِكَ بِتَنْظِيفِ أَسْنَانِهِ كُلَّ يَوْمٍ بِالسِّوَاكِ مَرَّاتٍ، وَبِغَيْرِهِ مِنَ الْمُطَهِّرَاتِ وَالْمُنَظِّفَاتِ.

يَتَفَقَّدُ فَمَهُ وَيَعْرِضُهُ عَلَى الْمُخْتَصِّ بِعِلَاجِهِ إِنِ احْتَاجَ إِلَى ذَلِكَ، وَإِلَى مَنْ لَيْسَ مُخْتَصًّا بِأَسْنَانِهِ مِمَّنْ لَهُ اخْتِصَاصٌ بِالْفَمِ وَالْحَنْجَرَةِ وَالْأَمْرَاضِ الْبَطْنِيَّةِ -أَيْضًا-؛ لِأَنَّ تَغَيُّرَ رَائِحَةِ الْفَمِ قَدْ يَكُونُ نَاشِئًا مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ أَوْ مِنْ بَعْضِهَا؛ فَإِنِ احْتَاجَ الْأَمْرُ إِلَى ذَلِكَ عَرَضَ نَفْسَهُ عَلَى مَنْ يَخْتَصُّ بِذَلِكَ؛ حَتَّى يَبْقَى فَمُهُ نَقِيًّا مُعَطَّرَ الْأَنْفَاسِ.

عَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا-: ((أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ لَا يَرْقُدُ لَيْلًا وَلَا نَهَارًا فَيَسْتَيْقِظُ إِلَّا تَسَوَّكَ قَبْلَ أَنْ يَتَوَضَّأَ)). أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ.

وَتَبْلُغُ عِنَايَةُ الرَّسُولِ الْكَرِيمِ بِنَظَافَةِ الْفَمِ حَدًّا يَجْعَلُهُ يَقُولُ: ((لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَسُئِلَتْ عَائِشَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا-: ((عَنْ أَيِّ شَيْءٍ يَبْدَأُ بِهِ الرَّسُولُ الْكَرِيمُ ﷺ إِذَا دَخَلَ بَيْتَهُ؟)).

فَقَالَتْ: ((السِّوَاكُ)). أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.

وَقَالَ ﷺ: ((إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ؛ الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

فَعَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَكُونُوا شَامَاتٍ بَيْنَ النَّاسِ بِقَصْدٍ، لَا إِفْرَاطَ فِيهِ وَلَا تَفْرِيطَ، وَأَنْ يُقْبِلُوا عَلَى اللهِ؛ لِأَنَّ جَمَالَ الْأَنْفُسِ وَاسْتِقَامَةَ الْفِطْرَةِ تَنْضَحُ عَلَى الْوُجُوهِ، وَتَظْهَرُ عَلَى الْأَجْسَادِ.

وَقَدْ كَانَ عَطَاءٌ -رَحِمَهُ اللهُ- أَسْوَدَ كَاللَّيْلِ الْبَهِيمِ، وَكَانَ أَعْوَرَ أَشَلَّ أَعْرَجَ مُفَلْفَلَ شَعْرِ الرَّأْسِ، وَمَعَ ذَلِكَ يَقُولُ وَاصِفُوهُ: ((كُنْتَ إِذَا نَظَرْتَ فِي وَجْهِهِ رَأَيْتَ كَأَنَّ الشَّمْسَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ -رَحِمَهُ اللهُ- )).

((النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ -كَمَا فِي ((الصَّحِيحَيْنِ))-: ((خَمْسٌ مِنَ الْفِطْرَةِ: الْخِتَانُ، وَحَلْقُ الْعَانَةِ، وَنَتْفُ الْإِبْطِ، وَتَقْلِيمُ الْأَظَافِرِ، وَقَصُّ الشَّارِبِ)).

رِعَايَةُ جَمَالِ الْفِطْرَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ مِمَّا يُحَبِّبُ فِي هَذَا الدِّينِ، وَيُرَغِّبُ فِيهِ كُلَّ ذِي طَبْعٍ رَاقٍ وَذَوْقٍ سَلِيمٍ.

عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْعِنَايَةَ بِالْمَظْهَرِ لَا تَنْزَلِقُ بِالْمُسْلِمِ الْحَقِّ الصَّادِقِ إِلَى الْمُغَالَاةِ فِي التَّزَيُّنِ وَالْإِفْرَاطِ فِي التَّأَنُّقِ إِلَى حَدٍّ يَخْتَلُّ فِيهِ التَّوَازُنُ الَّذِي أَقَامَ الْإِسْلَامُ عَلَيْهِ تَشْرِيعَاتِهِ جَمِيعًا)).

((الْأَمْرُ بِالنَّظَافَةِ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ))

وَقَدْ حَضَّ اللهُ -تَعَالَى- عَلَى طَهَارَةِ وَنَظَافَةِ الْمَلْبَسِ، قَالَ تَعَالَى: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} [المدثر: 4].

وَرَأَى النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا عَلَيْهِ ثِيَابٌ لَيْسَتْ بِنَظِيفَةٍ، فَقَالَ مُسْتَنْكِرًا: ((أَمَا كَانَ هَذَا يَجِدُ مَا يَغْسِلُ بِهِ ثَوْبَهُ)). أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ.

وَلَقَدْ حَثَّ عَلَى الِاغْتِسَالِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَفِي الْعِيدَيْنِ، وَأَمَرَ بِالسِّوَاكِ، وَحَثَّ عَلَى اهْتِمَامِ الْإِنْسَانِ بِهَيْئَتِهِ وَمَظْهَرِهِ، وَهَذَا مِنْ مَحَاسِنِ مَا دَعَتْ إِلَيْهِ الشَّرِيعَةُ الْإِسْلَامِيَّةُ.

عَنْ جَابِرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: ((أَتَانَا رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَرَأَى رَجُلًا شَعِثًا قَدْ تَفَرَّقَ شَعْرُهُ، فَقَالَ: ((أَمَا كَانَ هَذَا يَجِدُ مَا يُسَكِّنُ بِهِ شَعْرَهُ)). أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ.

وَأَمَرَ ﷺ بِالتَّطَيُّبِ، ((عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ الْغُسْلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَيَلْبَسُ مِنْ صَالِحِ ثِيَابِهِ، وَإِنْ كَانَ لَهُ طِيبٌ مَسَّ مِنْهُ)). أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ.

((لَا يَغْتَسِلُ رَجُلٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، ثُمَّ يَمَسُّ مِنْ دُهْنِهِ أَوْ طِيبِ أَهْلِهِ، ثُمَّ يَأْتِي الْمَسْجِدَ، وَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَ اثْنَيْنِ، ثُمَّ يُنْصِتُ إِذَا تَكَلَّمَ الْإِمَامُ إِلَّا غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى)). أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ.

وَنَهَى النَّبِيُّ ﷺ مَنْ أَكَلَ ثُومًا أَوْ بَصَلًا عَنْ حُضُورِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ، عَلَى الرَّغْمِ مِنْ عِظَمِ أَجْرِهَا، وَكَبِيرِ ثَوَابِهَا، ((مَنْ أَكَلَ ثُومًا أَوْ بَصَلًا فَلْيَعْتَزِلْنَا -أَوْ قَالَ: فَلْيَعْتَزِلْ مَسْجِدَنَا، وَلْيَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ)).

لَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَسْتَنْجِيَ الْمُسْلِمُ بِيَمِينِهِ؛ لِأَنَّ يَمِينَهُ إِنَّمَا هِيَ لِطَعَامِهِ وَشَرَابِهِ، وَمُصَافَحَتِهِ، وَتَنَاوُلِهِ، وَمُنَاوَلَتِهِ، وَأَمَّا يُسْرَاهُ فَهِيَ شَيْءٌ آخَرُ.

نَسْأَلُ اللهَ أَنْ يُطَهِّرَ ظَاهِرَنَا وَبَاطِنَنَا، إِنَّهُ -تَعَالَى- عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.

وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ.

((عِنَايَةُ النَّبِيِّ ﷺ بِنَظَافَةِ الْمَسَاجِدِ وَالْبُيُوتِ))

إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِتَنْظِيفِ الْمَسَاجِدِ وَأَفْنِيَةِ الْبُيُوتِ، وَأَمَرَ بِتَطْهِيرِهَا.

عَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- قَالَتْ: ((أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ فِي الدُّورِ، وَأَنْ تُنَظَّفَ وَتُطَيَّبَ)).

وَكَانَتِ امْرَأَةٌ تَقُمُّ الْمَسْجِدَ، فَفَقَدَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَسَأَلَ عَنْهَا، فَقَالُوا: ((مَاتَتْ)).

فَقَالَ ﷺ: ((أَفَلَا كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي؟)).

فَدَلُّوهُ عَلَى قَبْرِهَا، فَصَلَّى عَلَيْهَا النَّبِيُّ ﷺ )).

((عِنَايَةُ الْإِسْلَامِ بِنَظَافَةِ الْبِيئَةِ))

وَلَمْ يَقِفِ الْأَمْرُ بِالنَّظَافَةِ عِنْدَ حَدِّ الْأَمْرِ بِالنَّظَافَةِ الشَّخْصِيَّةِ، أَوْ نَظَافَةِ الْمَسَاجِدِ وَالْبُيُوتِ، بَلْ وَصَلَ الْأَمْرُ إِلَى التَّوْجِيهِ بِتَنْظِيفِ الْبِيئَةِ الَّتِي يَعِيشُ فِيهَا الْإِنْسَانُ وَيَتَفَاعَلُ مَعَهَا، قَدْ تَكُونُ هَذِهِ الْبِيئَةُ طَرِيقَهُ الَّذِي يَسِيرُ فِيهِ، أَوْ مَدْرَسَتَهُ، أَوْ جَامِعَتَهُ الَّتِي يَتَعَلَّمُ فِيهَا، أَوْ مَكَانًا عَامًّا يَقْضِي مِنْ خِلَالِهِ مَصَالِحَهُ، أَوْ يَتَنَزَّهُ فِيهِ.

وَقَدْ عُنِيَ الْإِسْلَامُ عِنَايَةً خَاصَّةً بِتَنْظِيفِ الطُّرُقِ وَالْأَمَاكِنِ الْعَامَّةِ، وَإِزَالَةِ الْأَذَى عَنْهَا، وَجَعَلَهَا بَابًا وَاسِعًا مِنْ أَبْوَابِ الْخَيْرِ؛ فَإِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ، وَإِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الْأَمَاكِنِ الْعَامَّةِ صَدَقَةٌ.

أَخْرَجَ مُسْلِمٌ فِي ((صَحِيحِهِ)) عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: ((إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ)).

وَقَدْ أَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ سَبَبٍ مِنْ أَسْبَابِ اللَّعْنِ، وَأَمَرَ بِأَنْ يُجْتَنَبَ، ((اتَّقُوا الْمَلَاعِنَ الثَّلَاثَ؛ الْبَرَازَ فِي الْمَوَارِدِ، وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ، وَالظِّلِّ)).

وَفِي الْحَدِيثِ: دَلَالَةٌ وَاضِحَةٌ عَلَى أَنَّ تَلْوِيثَ الطُّرُقِ بِإِلْقَاءِ الْقُمَامَةِ وَنَحْوِهَا مِنْ سَائِرِ الْمُلَوِّثَاتِ وَالْقَاذُورَاتِ يُعَاقَبُ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ، وَأَنَّ إِزَالَةَ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ الَّتِي تُدْخِلُ الْعَبْدَ الْجَنَّةَ.

((تَرْبِيَةُ الْأَجْيَالِ عَلَى ثَقَافَةِ النَّظَافَةِ))

فَالنَّظَافَةُ سُلُوكٌ قَوِيمٌ يَنْبَغِي أَنْ نَأْخُذَ أَنْفُسَنَا بِهِ، وَأَنْ نُعَوِّدَ أَبْنَاءَنَا عَلَيْهِ، وَأَنْ نُرَبِّيَهُمْ عَلَيْهِ، وَعَلَى خِدْمَةِ مُجْتَمَعِهِمْ، وَخِدْمَةِ وَطَنِهِمْ مُنْذُ الصِّغَرِ، وَعَلَى مُرَاعَاةِ الذَّوْقِ الْعَامِّ وَالْآدَابِ الْعَامَّةِ، وَاحْتِرَامِ حُقُوقِ الْآخَرِينَ، وَعَدَمِ إِيذَائِهِمْ بِأَيِّ لَوْنٍ مِنْ أَلْوَانِ الْأَذَى.

وَأَخْطَرُ وَأَشَدُّ أَنْوَاعِ الْأَذَى هُوَ مَا يُمْكِنُ أَنْ يُصِيبَ النَّاسَ فِي صِحَّتِهِمْ، أَوْ يُلَوِّثَ مِيَاهَهُمْ؛ فَإِلْقَاءُ الْمُخَلَّفَاتِ صُلْبَةً أَوْ سَائِلَةً فِي النَّهْرِ أَوِ الْمَجَارِي الْمَائِيَّةِ مِنْ أَشَدِّ أَلْوَانِ الْأَذَى الْعَامِّ، الَّذِي يَنْبَغِي الْبُعْدُ عَنْهُ وَعَدَمُ الْوُقُوعِ فِيهِ.

((ثَقَافَةُ النَّظَافَةِ عِنْدَ الْمِصْرِيِّينَ مُنْذُ فَجْرِ التَّارِيخِ))

وَالشَّعْبُ الْمِصْرِيُّ أَوْلَى شُعُوبِ الْأَرْضِ بِالتَّمَسُّكِ بِهَذَا السُّلُوكِ الْحَضَارِيِّ، وَهَذِهِ التَّعَالِيمِ الْإِسْلَامِيَّةِ الْعَظِيمَةِ؛ لِأَنَّهُ شَعْبٌ عَرِيقٌ فِي الْحَضَارَةِ الَّتِي تَدْعُو إِلَى الْجَمَالِ، وَالْبُعْدِ عَنْ كُلِّ مَا يُؤْذِي وَيُنَفِّرُ وَلَا يُقِرُّهُ الذَّوْقُ وَلَا الطَّبْعُ السَّلِيمُ، ((إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ)).

لَقَدْ كَانَتْ ثَقَافَةُ الْمُجْتَمَعِ الْمِصْرِيِّ قَائِمَةً عَلَى النَّظَافَةِ، وَعَدَمِ تَلْوِيثِ الْمِيَاهِ مِنْ فَجْرِ التَّارِيخِ؛ فَقَدْ أَثْبَتَ التَّارِيخُ أَنَّ حِفَاظَ الْمِصْرِيِّ الْقَدِيمِ عَلَى نِعْمَةِ مِيَاهِ نَهْرِ النِّيلِ، وَعَدَمِ تَلْوِيثِهَا، مَعَ اعْتِبَارِ تَلْوِيثِهَا جَرِيمَةً مِنَ الْجَرَائِمِ الْكُبْرَى، كَانَ يَكْتُبُ ضِمْنَ وَصَايَاهُ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ كَذَا وَكَذَا مِنَ الْجَرَائِمِ وَالْمَآثِمِ، وَأَنَّهُ لَمْ يُلوِّثْ مِيَاهَ النَّهْرِ!

فَكَانَ الْمِصْرِيُّ الْقَدِيمُ يَعْتَبِرُ تَلْوِيثَ مِيَاهِ النَّهْرِ جَرِيمَةً نَكْرَاءَ وَخَطِيئَةً شَنْعَاءَ.

((النَّهْيُ عَنْ تَلْوِيثِ الطُّرُقِ وَالْمِيَاهِ))

وَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: ((اتَّقُوا اللَّاعِنَيْنِ)).

قَالُوا: ((وَمَا اللَّاعِنَانِ يَا رَسُولَ اللهِ؟)).

قَالَ: ((الَّذِي يَتَخَلَّى فِي طُرُقِ النَّاسِ، أَوْ فِي ظِلِّهِمْ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

((اتَّقُوا الْمَلَاعِنَ الثَّلَاثَ؛ الْبَرَازَ -وَهَذِهِ اللَّفْظَةُ كِنَايَةٌ عَنِ الْغَائِطِ- الْبَرَازَ فِي الْمَوَارِدِ، وَقَارِعَةِ الطُّرُقِ، وَالظِّلِّ)). وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ.

((اتَّقُوا الْمَلَاعِنَ الثَّلَاثَ)).

قِيلَ: ((وَمَا الْمَلَاعِنُ الثَّلَاثُ يَا رَسُولَ اللهِ؟)).

قَالَ: ((أَنْ يَقْعُدَ أَحَدُكُمْ فِي ظِلٍّ يُسْتَظَلُّ بِهِ، وَيَقْعُدُ -أَيْ: يَقْضِي حَاجَتَهُ-، أَوْ فِي طَرِيقٍ، أَوْ فِي نَقْعِ مَاءٍ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَهُوَ حَسَنٌ لِغَيْرِهِ.

وَعَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أُسَيْدٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: ((مَنْ آذَى الْمُسْلِمِينَ فِي طُرُقِهِمْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ لَعْنَتُهُمْ)). رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي ((الْكَبِيرِ)) بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ.

((وَنَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُبَالَ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ)). كَمَا رَوَى ذَلِكَ مُسْلِمٌ فِي ((صَحِيحِهِ)).

وَقَالَ ﷺ: ((لَا يُنْقَعُ بَوْلٌ فِي طَسْتٍ فِي بَيْتٍ؛ فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا تَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ بَوْلٌ مُنْتَقَعٌ، وَلَا تَبُولَنَّ فِي مُغْتَسَلِكَ -أَيْ: فِي الْمَكَانِ الَّذِي تَغْتَسِلُ فِيهِ-)). أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي ((الْأَوْسَطِ)) بِسَنَدٍ حَسَنٍ.

نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يُتَبَوَّلَ أَوْ يُتَغَوَّطَ فِي الْمَوَارِدِ، وَفِي الطُّرُقَاتِ، وَفِي الظِّلَالِ، وَفِي مَقِيلِ النَّاسِ الَّذِي يَفْزَعُونَ إِلَيْهِ عِنْدَ الْحَرِّ، يُرِيحُونَ الْأَجْسَادَ الْمَكْدُودَةَ، وَالْأَبْدَانَ الْمُتْعَبَة، وَالْأَرْوَاحَ الْمُنْهَكَةَ، وَيَتَمَتَّعُونَ بِالظِّلِّ الظَّلِيلِ وَالْمَاءِ الْعَذْبِ النَّمِيرِ مِنْ وَهَجِ الشَّمْسِ وَمِنْ شِدَّةِ حَرِّهَا، فَمَاذَا يَجِدُونَ؟! بَوْلًا وَغَائِطًا، قِلَّةُ ذَوْقٍ، وَانْعِدَامُ أَدَبٍ، وَلَيْسَ مِنَ الدِّينِ فِي شَيْءٍ.

إِنَّ دِينَنَا هُوَ دِينُ الْمَشَاعِرِ، دِينُ الذَّوْقِ، دِينُ الْأَحَاسِيسِ.

وَأَمَّا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَخْبَرَ أَنَّهُ: ((رَأَى رَجُلًا يَتَقَلَّبُ فِي الْجَنَّةِ فِي شَجَرَةٍ قَطَعَهَا مِنْ ظَهْرِ الطَّرِيقِ كَانَتْ تُؤْذِي النَّاسَ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

((النَّهْيُ عَنِ التَّلَوُّثِ السَّمْعِيِّ وَالضَّجِيجِ))

وَأَمَّا التَّلَوُّثُ السَّمْعِيُّ؛ فَإِنَّ اللهَ -جَلَّ وَعَلَا- نَهَى عَنْهُ، قَالَ تَعَالَى: {وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ}، ثُمَّ أَتْبَعَهَا وَشَفَعَهَا بِالتَّنْفِيرِ الْعَظِيمِ الَّذِي يَجْعَلُ النَّفْسَ الصَّالِحَةَ وَالْعَقْلَ السَّوِيَّ لَا يُرِيدُ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَسِيرُ عَلَى سَنَنِ الْحَيَوَانَاتِ، {وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ ۚ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ} [لقمان: 19].

وَيَلْحَقُ بِالصَّوْتِ الْإِنْسَانِيِّ مَا يَتَحَكَّمُ فِيهِ الْإِنْسَانُ مِنْ أَصْوَاتِ تِلْكَ الْمُسْتَحْدَثَاتِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَتَحَكَّمُ فِيهَا، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ مَسْؤُولًا عَنْهَا.

فَنَسْأَلُ اللهَ أَنْ يُفَهِّمَنَا حَقِيقَةَ الدِّينِ، وَأَنْ يَقْبِضَنَا جَمِيعًا عَلَى الْإِسْلَامِ الْعَظِيمِ.

وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ.

المصدر: 

عَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ.. فَضَائِلُ وَبَشَائِرُ وَالْعِنَايَةُ بِالنَّظَافَةِ

التعليقات


خطب مفرغة قد تعجبك


  تَفْرِيغُ مُحَاضَرَاتِ سِلْسِلَة: «الرَّدُّ عَلَى الْمُلْحِدِينَ»
  السَّمَاحَةُ عَقِيدَةً وَسُلُوكًا
  الْحَمْدُ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ
  قِيمَةُ الِاحْتِرَامِ
  سَيْنَاءُ الْمُبَارَكَةُ
  النُّصُوصُ الشَّرْعِيَّةُ بَيْنَ الْفَهْمِ الصَّحِيحِ وَسُوءِ التَّأْوِيلِ
  الرد على الملحدين:مبحث عن الطبيعة ما هي؟ وما هي مفاهيمها؟ وما حقيقة تأثيرها؟
  فَرِيضَةُ الزَّكَاةِ وَأَثَرُهَا فِي التَّكَافُلِ وَالتَّوَازُنِ الْمُجْتَمَعِيِّ
  الرد على الملحدين:دليل العناية، وبيان ما يتعلق بهداية بعض الحيوان
  فِقْهُ التَّعَامُلِ مَعَ الرِّيَاحِ وَالْأَمْطَارِ
  • شارك

نبذة عن الموقع

موقع تفريغات العلامة رسلان ، موقع يحتوي على العشرات من الخطب والمحاضرات والمقاطع المفرغة لفضيلة الشيخ العلامة أبي عبدالله محمد بن سعيد رسلان-حفظه الله- . كما يعلن القائمون على صفحة وموقع تفريغات العلامة رسلان -حفظه الله- أن التفريغات للخطب ليست هي الشكل النهائي عند الطباعة، ولكن نحن نفرغ خطب الشيخ حفظه الله ونجتهد في نشرها ليستفيد منها طلاب العلم والدعاة على منهاج النبوة في كل أنحاء الدنيا، ونؤكد على أنَّ الخطب غير مُخرَّجة بشكل كامل كما يحدث في خطب الشيخ العلامة رسلان المطبوعة وليست الكتب المنشورة على الصفحة والموقع هي النسخة النهائية لكتب الشيخ التي تُطبع...وهذه الكتب ما هي إلا تفريغ لخطب الشيخ، غير أنَّ كتب الشيخ التي تُطبع تُراجع من الشيخ -حفظه الله- وتُخرج. والتفريغ عملٌ بشريٌ، ونحن نجتهد في مراجعة التفريغات مراجعة جيدة، فإذا وقع خطأ أو شكل الخطب كما نخرجها -إنما نُحاسب نحن عليها والخطأ يُنسب لنا وليس للشيخ -حفظه الله-.

الحقوق محفوظة لكل مسلم موقع تفريغات العلامة رسلان