صِفَاتُ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ

صِفَاتُ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ

((صِفَاتُ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ))

إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ.

وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ, وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ.

أَمَّا بَعْدُ:

فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.

أَمَّا بَعْدُ:

((نِعْمَةُ الْإِيمَانِ))

فَالْحَمْدُ لِلهِ الَّذِي غَرَسَ شَجَرَةَ الْإِيمَانِ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ الْأَخْيَارِ، وَسَقَاهَا وَغَذَّاهَا بِالْعُلُومِ النَّافِعَةِ، وَالْمَعَارِفِ الصَّادِقَةِ، وَاللَّهَجِ بِذِكْرِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَجَعَلَهَا تُؤْتِي أُكُلَهَا وَبَرَكَتَهَا كُلَّ حِينٍ مِنَ الْخَيْرَاتِ وَالنِّعَمِ الْغِزَارِ.

إِنَّ الْإِيمَانَ هُوَ أَجَلُّ نِعَمِ اللهِ عَلَى الْعَبْدِ؛ حَيْثُ يَقُولُ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-: {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (7) فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [الحجرات: 7- 8].

وَلَكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ، وَحَسَّنَهُ وَقَرَّبَهُ مِنْكُمْ، وَأَدْخَلَهُ فِي قُلُوبِكُمْ حَتَّى اخْتَرْتُمُوهُ، وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ بِاللهِ، وَالْخُرُوجَ عَنْ طَاعَتِهِ مِمَّا يَدْخُلُ فِي كَبَائِرِ الْإِثْمِ وَالْمَعَاصِي الَّتِي لَا تَتَجَاوَزُ حُدُودَ الصَّغَائِرِ؛ أُولَئِكَ الْمُؤْمِنُونَ الْمُحَبَّبُ إِلَيْهِمُ الْإِيمَانُ الْمُزَيَّنُ فِي قُلُوبِهِمْ هُمُ الْمُهْتَدُونَ إِلَى مَحَاسِنِ الْأَعْمَالِ وَمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ.

وَهَذَا الْخَيْرُ الَّذِي حَصَلَ لَكُمْ فَضْلًا مِنَ اللهِ وَنِعْمَةً عَلَيْكُمْ، وَاللهُ عَلِيمٌ بِكُمْ وَبِمَا فِي قُلُوبِكُمْ، حَكِيمٌ فِي تَدْبِيرِ أُمُورِ خَلْقِهِ.

إِنَّ أَكْبَرَ الْمِنَنِ: أَنْ يُحَبِّبَ اللهُ الْإِيمَانَ لِلْعَبْدِ، وَيُزَيِّنَهُ فِي قَلْبِهِ، وَيُذِيقَهُ حَلَاوَتَهُ، وَتَنْقَادَ جَوَارِحُهُ لِلْعَمَلِ بِشَرَائِعِ الْإِسْلَامِ، وَيُبَغِّضَ اللهُ إِلَيْهِ أَصْنَافَ الْمُحَرَّمَاتِ.

((قَدْ يَقُولُ قَائِلٌ: مَا ارْتِبَاطُ قَوْلِهِ: {وَلَٰكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ} بِقَوْلِهِ: {وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ ۚ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ

وَالْجَوَابُ: أَنَّكُمْ تُطِيعُونَهُ -أَيِ: الرَّسُولَ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- فِيمَا يُخَالِفُكُمْ فِيهِ؛ لِأَنَّ اللهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ، فَتُقَدِّمُونَ طَاعَةَ النَّبِيِّ ﷺ فِيمَا يُخَالِفُكُمْ فِيهِ؛ لِأَنَّ اللهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ، وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ.

{وَلَٰكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ} أَيْ: جَعَلَهُ مَحْبُوبًا فِي قُلُوبِكُمْ، {وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ}؛ بِحَيْثُ لَا تَتْرُكُونَهُ بَعْدَ أَنْ تَقُومُوا بِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ فِعْلَ الْإِنْسَانِ الشَّيْءَ لِلْمَحَبَّةِ قَدْ يَكُونُ مَحَبَّةً عَارِضَةً؛ لَكِنْ إِذَا زُيِّنَ لَهُ الشَّيْءُ ثَبَتَ فِي الْمَحَبَّةِ وَدَامَتْ؛ وَلِهَذَا قَالَ: {حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ}، وَهَذَا فِي الْقَلْبِ، {وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ} أَيْضًا فِي الْقَلْبِ؛ لَكِنْ إِذَا زُيِّنَ الشَّيْءُ الْمَحْبُوبُ لِلْإِنْسَانِ فَإِنَّهُ يَسْتَمِرُّ عَلَيْهِ، وَيَثْبُتُ عَلَيْهِ.

{وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ}: كَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ الَّذِي هُوَ مُقَابِلُ الْإِيمَانِ، وَالْفُسُوقَ الَّذِي هُوَ مُقَابِلُ الِاسْتِقَامَةِ، وَالْعِصْيَانَ الَّذِي هُوَ مُقَابِلُ الْإِذْعَانِ، وَهَذَا تَدَرُّجٌ مِنَ الْأَعْلَى إِلَى مَا دُونَ؛ فَالْكُفْرُ أَعْظَمُ مِنَ الْفِسْقِ، وَالْفِسْقُ أَعْظَمُ مِنَ الْعِصْيَانِ.

فَالْكُفْرُ هُوَ الْخُرُوجُ مِنَ الْإِسْلَامِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَأَمَّا الْفِسْقُ فَهُوَ دُونَ الْكُفْرِ؛ لَكِنَّهُ فِعْلُ كَبِيرَةٍ؛ كَأَنْ يَفْعَلَ الْإِنْسَانُ كَبِيرَةً مِنَ الْكَبَائِرِ وَلَمْ يَتُبْ مِنْهَا؛ كَالزِّنَا، وَشُرْبِ الْخَمْرِ، وَالسَّرِقَةِ، وَالْقَذْفِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.

وَالْعِصْيَانُ: هُوَ الصَّغَائِرُ الَّتِي تُكَفَّرُ بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ مُكَفِّرَاتٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ مَا اجْتُنِبَتِ الْكَبَائِرُ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي ((صَحِيحِهِ)).

{أُولَٰئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ}: أُولَئِكَ الْمُشَارُ إِلَيْهِم مَنْ حَبَّبَ اللهُ إِلَيْهِمُ الْإِيمَانَ، وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِهِمْ، وَكَرَّهَ إِلَيْهِمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ {هُمُ الرَّاشِدُونَ} يَعْنِي: الَّذِينَ سَلَكُوا طَرِيقَ الرُّشْدِ، وَالرُّشْدُ فِي الْأَصْلِ: حُسْنُ التَّصَرُّفِ، وَهُوَ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ بِحَسَبِهِ، فَالرُّشْدُ فِي الْمَالِ: أَنْ يُحْسِنَ الْإِنْسَانُ التَّصَرُّفَ فِيهِ، وَلَا يَبْذُلَهُ فِي غَيْرِ فَائِدَةٍ، وَالرُّشْدُ فِي الدِّينِ: هُوَ الِاسْتِقَامَةُ عَلَى دِينِ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ-.

فَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ حَبَّبَ اللهُ إِلَيْهِمُ الْإِيمَانَ، وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِهِمْ، وَكَرَّهَ إِلَيْهِمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ؛ أُولَٰئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ، وَهُنَا تَجِدُ هَذِهِ الْأَفْعَالَ كُلَّهَا مُضَافَةً إِلَى اللهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ بَعْدَهَا: {فَضْلًا مِنَ اللهِ} يَعْنِي: أَنَّ اللهَ أَفْضَلَ عَلَيْكُمْ فَضْلًا، أَيْ: تَفَضُّلًا مِنْهُ، وَلَيْسَ بِكَسْبِكُمْ، وَلَكِنَّهُ مِنَ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ-، وَلِكَيْ يُعْلَمَ أَنَّ اللهَ -تَعَالَى- أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ، وَأَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ الْإِيمَانَ فِي الشَّخْصِ، فَمَنْ عَلِمَ اللهُ مِنْهُ حُسْنَ النِّيَّةِ، وَحُسْنَ الْقَصْدِ وَالْإِخْلَاصِ؛ حَبَّبَ إِلَيْهِ الْإِيمَانَ، وَزَيَّنَهُ فِي قَلْبِهِ، وَكَرَّهَ إِلَيْهِ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ، وَمَنْ لَمْ يَعْلَمِ اللهُ مِنْهُ ذَلِكَ فَإِنَّ اللهَ -تَعَالَى- يَقُولُ: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ} [الصف: 5]، وَيَقُولُ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ-: {فَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ} [المائدة: 49]، فَالذُّنُوبُ سَبَبٌ لِلْمُخَالَفَةِ وَالْعِصْيَانِ، فَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ تَفَضَّلَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَأَنْعَمَ عَلَيْهِمْ نِعْمَةَ الدِّينِ هُمُ الَّذِينَ وُفِّقُوا لِلْحَقِّ.

قَالَ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ-: {فَضْلًا مِنَ اللهِ وَنِعْمَةً} يَعْنِي: إِنْعَامًا مِنْهُ عَلَيْهِمْ، وَالنِّعْمَةُ نِعْمَتَانِ: نِعْمَةٌ فِي الدُّنْيَا، وَنِعْمَةٌ فِي الْآخِرَةِ، فَنِعْمَةُ الدُّنْيَا مُتَّصِلَةٌ بِنِعْمَةِ الْآخِرَةِ فِي حَقِّهِمْ)).

((عَقِيدَتُنَا فِي الْإِيمَانِ))

الْإِيمَانُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ؛ قَوْلُ الْقَلْبِ وَاللِّسَانِ، وَعَمَلُ الْقَلْبِ وَاللِّسَانِ وَالْجَوَارِحِ، وَيَزِيدُ بِالطَّاعَةِ، وَيَنْقُصُ بِالْمَعْصِيَةِ، وَيَتَفَاضَلُ أَهْلُهُ فِيهِ.

الْإِيمَانُ: هُوَ الْإِقْرَارُ بِالشَّيْءِ عَنْ تَصْدِيقٍ بِهِ، لَيْسَ هُوَ مُطْلَقَ التَّصْدِيقِ؛ لِأَنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ يُعَرِّفُ الْإِيمَانَ بِأَنَّهُ التَّصْدِيقُ؛ وَعَلَيْهِ فَالْإِيمَانُ يَتَضَمَّنُ مَعْنًى زَائِدًا عَلَى مُجَرَّدِ التَّصْدِيقِ؛ وَهُوَ: الْإِقْرَارُ وَالِاعْتِرَافُ الْمُسْتَلْزِمُ لِلْقَبُولِ وَالْإِذْعَانِ لِلْأَحْكَامِ.

الْإِيمَانُ: نُطْقٌ بِاللِّسَانِ، وَاعْتِقَادٌ بِالْجَنَانِ، وَعَمَلٌ بِالْجَوَارِحِ وَالْأَرْكَانِ، يَزِيدُ بِالطَّاعَةِ، وَيَنْقُصُ بِالْمَعْصِيَةِ، وَيَتَفَاضَلُ أَهْلُهُ فِيهِ.

وَالدَّلِيلُ عَلَى كَوْنِ الْإِيمَانِ قَوْلًا وَعَمَلًا: قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَٰكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ} [الحجرات:7].

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {فَآَمِنُواْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ} [الأعراف: 158] [التغابن: 8].

وَهَذَا مَعْنَى الشَّهَادَتَيْنِ اللَّتَيْنِ لَا يَدْخُلُ الْعَبْدُ فِي الدِّينِ إِلَّا بِهِمَا، وَهِيَ مِنْ عَمَلِ الْقَلْبِ اعْتِقَادًا، وَمِنْ عَمَلِ اللِّسَانِ نُطْقًا، وَلَا تَنْفَعُ إِلَّا بِتَوَاطُئِهِمَا.

وَقَدْ سَمَّى اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- بَعْضَ الْأَعْمَالِ إِيمَانًا، فَقَالَ تَعَالَى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} [البقرة:143].

يَعْنِي: صَلَاتَكُمْ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ قَبْلَ تَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ، سَمَّى الصَّلَاةَ كُلَّهَا إِيمَانًا، وَالصَّلَاةُ جَامِعَةٌ لِعَمَلِ الْقَلْبِ، وَاللِّسَانِ، وَالْجَوَارِحِ.

وَقَدْ قَالَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} أَيْ: وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ صَلَاتَكُمُ الَّتِي صَلَّيْتُمُوهَا قَبْلَ تَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ إِلَى مَكَّةَ؛ صَلَّيْتُمُوهَا إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ.

وَكَذَلِكَ جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ الْجِهَادَ، وَقِيَامَ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَصِيَامَ رَمَضَانَ وَقِيَامَهُ، وَأَدَاءَ الْخُمُسِ مِنَ الْمَغْنَمِ؛ جَعَلَ هَذِهِ وَغَيْرَهَا مِنَ الْإِيمَانِ.

أَدَاءُ الْخُمُسِ وَرَدَ فِي حَدِيثِ وَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ، وَفِيهِ: ((فَأَمَرَهُمْ بِأَرْبَعٍ، وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ: أَمَرَهُمْ بِالْإِيمَانِ بِاللهِ وَحْدَهُ، قَالَ: ((أَتَدْرُونَ مَا الْإِيمَانُ بِاللهِ وَحْدَهُ؟)).

 قَالُوا: ((اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ)).

قَالَ: ((شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصِيَامُ رَمَضَانَ، وَأَنْ تُعْطُوا مِنَ الْمَغْنَمِ الْخُمُسَ)). وَالْحَدِيثُ فِي ((الصَّحِيحَيْنِ)) مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-.

وَالدَّلِيلُ عَلَى زِيَادَةِ الْإِيمَانِ وَنُقْصَانِهِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {لِيَزْدَادُوا إيمَانًا مَعَ إيمَانِهِمْ} [الفتح: 4].

 وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَزِدْنَاهُمْ هُدًى} [الكهف: 13].

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَيَزِيدُ اللهُ الذّينَ اهْتَدُوا هُدًى} [مريم: 76].

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى} [محمد: 17].

{وَيَزْدَادَ الذِّينَ آمَنُوا إيمَانًا} [المدثر: 31].

{فَأمَّا الذِّينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إيمَانًا} [التوبة: 124].

{فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إيمَانًا} [آل عمران: 173].

{وَمَا زَادَهُمْ إلَّا إيمَانًا وَتَسْلِيمًا} [الأحزاب:22]، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.

وَمَا دَامَ يَزِيدُ فَإِنَّهُ يَنْقُصُ؛ فَهَذِهِ الْآيَاتُ كُلُّهَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ إِيمَانَ الْعَبْدِ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ، وَهَذَا أَنْتَ تُحِسُّهُ فِي نَفْسِكَ، فَتُحِسُّ فِي نَفْسِكَ -أَحْيَانًا- أَنَّ إِيمَانَكَ كَأَنَّمَا هُوَ فِي السَّمَاوَاتِ، وَأَحْيَانًا يَنْحَطُّ الْإِيمَانُ جِدًّا -نَسْأَلُ اللهَ أَنْ يَرْزُقَنَا حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ وَبَرْدَ الْيَقِينِ-.

وَأَمَّا السُّنَّةُ؛ فَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِحَنْظَلَةَ الْأُسَيِّدِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، وَكَانَ مِنْ كُتَّابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَقَدِ اشْتَكَى لِلنَّبِيِّ ﷺ زِيَادَةَ الْإِيمَانِ وَنُقْصَانَهُ، فَاشْتَكَى نُقْصَانَ الْإِيمَانِ، فَقَالَ: ((إِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِكَ عَافَسْنَا الْأَزْوَاجَ، وَالْأَوْلَادَ، وَالضَّيْعَاتِ، وَنَسِينَا كَثِيرًا)).

((عَافَسْنَا)) أَيْ: حَاوَلْنَا ذَلِكَ، وَلَاعَبْنَا نِسَاءَنَا، وَأَطْفَالَنَا، وَاشْتَغَلْنَا بِمَعَاشِنَا، فَيُلْهِينَا ذَلِكَ عَنِ الذِّكْرِ، فَتَنْحَطُّ حَالُنَا عَمَّا كُنَّا عَلَيْهِ بَيْنَ يَدَيْكَ فِي مَجَالِسِ الْعِلْمِ وَمَجَالِسِ التَّذْكِيرِ، فَيَقُولُ: نَكُونُ عِنْدَكَ عَلَى حَالٍ، فَإِذَا انْصَرَفْنَا انْحَطَطْنَا نَوْعًا مَا عَنْ تِلْكَ الْحَالِ، وَاشْتَكَى مِنْ ذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا قَالَ ذَلِكَ لِأَبِي بَكْرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، وَرَمَى نَفْسَهُ بِالنِّفَاقِ؛ فَإِنَّهُ لَمَّا لَقِيَهُ فَقَالَ: ((كَيْفَ أَصْبَحْتَ؟)).

قَالَ: ((أَصْبَحْتُ مُنَافِقًا)).

قَالَ: ((سُبْحَانَ اللهِ! انْظُرْ مَا تَقُولُ)).

قَالَ: ((إِنَّا نَكُونُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى حَالٍ، فَإِذَا انْصَرَفْنَا، وَعَافَسْنَا الزَّوْجَاتِ وَالضَّيْعَاتِ وَالْأَوْلَادَ نَسِينَا كَثِيرًا)).

فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: ((أَمَا إِنِّي لَأَجِدُ فِي نَفْسِي مِثْلَ الَّذِي تَقُولُ))، وَلَمْ يَرْمِ نَفْسَهُ بِالنِّفَاقِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، ثُمَّ ذَهَبَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَاشْتَكَيَا إِلَيْهِ.

فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((لَوْ أَنَّكُمْ تَكُونُونَ فِي كُلِّ حَالَةٍ كَحَالَتِكُمْ عِنْدِي لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلَائِكَةُ فِي الطُّرُقَاتِ وَعَلَى فُرُشِكُمْ)).

إِذَنِ؛ الْإِيمَانُ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ، لَا يَكُونُ الْمَرْءُ فِي الصَّلَاةِ كَمَا يَكُونُ خَارِجَ الصَّلَاةِ، وَلَا فِي مَجَالِسِ الْعِلْمِ وَالتَّذْكِيرِ وَالتِّلَاوَةِ كَمَا يَكُونُ خَارِجَهَا، لَا شَكَّ أَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ، وَلَا يَكُونُ فِي حَالِ حَجِّهِ بَيْتَ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- مُنِيبًا مُخْبِتًا بِنَفَقَةٍ طَيِّبَةٍ صَالِحَةٍ كَحَالِهِ عِنْدَمَا يَكُونُ مُقِيمًا فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ بَيْنَ أَهْلِهِ، فَإِنَّ الْحَالَ تَخْتَلِفُ لَا شَكَّ؛ فَالْإِيمَانُ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ.

الْإِيمَانُ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ، وَيَتَفَاضَلُ أَهْلُهُ فِيهِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى تَفَاضُلِ أَهْلِهِ فِيهِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَالسّابِقُونَ السّابِقُونَ * أولَئِكَ المُقَرَّبُونَ} [الواقعة: 10-11]، إِلَى أَنْ قَالَ: {وَأصْحَابُ اليَمِينِ مَا أصْحَابُ اليَمِينِ} [الواقعة: 27].

وَقَالَ تَعَالَى: {فَأمَّا إنْ كَانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ * وَأمَّا إنْ كَانَ مِنْ أًصحَابِ اليَمِينِ * فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أصْحَابِ اليَمِينِ} [الواقعة: 88-91].

فَفَرْقٌ بَيْنَهُمْ -بَيْنَ الْمُقَرَّبِينَ وَبَيْنَ أَصْحَابِ الْيَمِينِ-.

وَقَالَ تَعَالَى: {فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإذْنِ اللهِ} [ فاطر: 32].

كَذَلِكَ فِي حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ: ((أَنَّ اللهَ يُخْرِجُ مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ وَزْنُ دِينَارٍ مِنْ إِيمَانٍ، ثُمَّ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ وَزْنُ نِصْفِ دِينَارٍ مِنْ إِيمَانٍ)).

وَفِي رِوَايَةٍ: ((يُخْرِجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مِنَ الْخَيْرِ مَا يَزِنُ شَعِيرَةً، ثُمَّ يُخْرِجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مِنَ الْخَيْرِ مَا يَزِنُ بُرَّةً، ثُمَّ يُخْرِجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مِنَ الْخَيْرِ مَا يَزِنُ ذَرَّةً)).

فَأَهْلُ الْإِيمَانِ يَتَفَاضَلُونَ فِيهِ، لَيْسُوا سَوَاءً، وَإِنَّمَا هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، فَمِنْهُمْ مَنْ إِيمَانُهُ فِي الثُّرَيَّا، وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ -نَسْأَلُ اللهَ أَنْ يَرْزُقَنَا حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ وَبَرْدَ الْيَقِينِ-.

وَالْإِيمَانُ يَشْمَلُ الدِّينَ كُلَّهُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ؛ فَفِي حَدِيثِ وَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ: قَالَ ﷺ: ((آمُرُكُمْ بِالْإِيمَانِ بِاللهِ وَحْدَهُ)).

قَالَ: ((أَتَدْرُونَ مَا الْإِيمَانُ بِاللهِ وَحْدَهُ؟)).

 قَالُوا: ((اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ)).

قَالَ: ((شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَأَنْ تُؤَدُّوا مِنَ الْمَغْنَمِ الْخُمُسَ)). وَالْحَدِيثُ -كَمَا مَرَّ- فِي ((الصَّحِيحَيْنِ)).

الْإِسْلَامُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ يَشْمَلُ الدِّينَ كُلَّهُ، فَعِنْدَ الْإِطْلَاقِ لِلَفْظِ (الْإِسْلَامِ) يَدْخُلُ الْإِيمَانُ، وَيَدْخُلُ الْإِحْسَانُ، يَدْخُلُ الدِّينُ كُلُّهُ، وَكَذَلِكَ الْإِيمَانُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ يَشْمَلُ الْإِسْلَامَ، وَيَشْمَلُ الْإِحْسَانَ، وَيَشْمَلُ الدِّينَ كُلَّهُ.

وَأَمَّا عِنْدَ التَّفْصِيلِ؛ فَالْإِسْلَامُ يُعَرَّفُ بِالْأَرْكَانِ الْخَمْسَةِ: ((شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ، وَحَجِّ الْبَيْتِ لِمَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا)).

هَذَا عِنْدَ التَّفْصِيلِ.

الْإِيْمَانُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ يَشْمَلُ الدِّينَ كُلَّهُ، وَأَمَّا عِنْدَ التَّفْصِيلِ فَهُوَ: ((أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ))؛ فَهُوَ سِتَّةُ أَرْكَانٍ عِنْدَ التَّفْصِيلِ.

وَالدَّلِيلُ: حَدِيثُ جِبْرِيلَ الَّذِي أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ عُمَرَ، وَأَخْرَجَ نَحْوَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ فَإِنَّ جِبْرِيلَ لَمَّا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ وَقَالَ: ((أَخْبِرْنِي عَنِ الْإِيمَانِ)؛ قَالَ:  ((أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ)).

الْأَرْكَانُ السِّتَّةُ الَّتِي هِيَ أَرْكَانُ الْإِيمَانِ دَلِيلُهَا مِنَ الْقُرْآنِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {لَيْسَ البِرُّ أنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ وَلَكِنَّ البِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ} [البقرة:177]. هَذِهِ خَمْسَةٌ، وَأَمَّا سَادِسُهَا فَقَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّا كُلَّ شَيءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [القمر:49].

((حَقِيقَةُ الْإِيمَانِ وَجُمْلَةٌ مِنْ شُعَبِهِ وَخِصَالِهِ))

لَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} [البقرة: 177].

(({لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ} أَيْ: لَيْسَ هَذَا هُوَ الْبِرَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْعِبَادِ، فَيَكُونُ كَثْرَةُ الْبَحْثِ فِيهِ وَالْجِدَالِ مِنَ الْعَنَاءِ الَّذِي لَيْسَ تَحْتَهُ إِلَّا الشِّقَاقُ وَالْخِلَافُ، وَهَذَا نَظِيرُ قَوْلِهِ ﷺ: ((لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ))، وَنَحْوَ ذَلِكَ.

{وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ} أَيْ: بِأَنَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ مَوْصُوفٌ بِكُلِّ صِفَةِ كَمَالٍ، مُنَزَّهٌ عَنْ كُلِّ نَقْصٍ، {وَالْيَوْمِ الآخِرِ}: وَهُوَ كُلُّ مَا أَخْبَرَ اللَّهُ بِهِ فِي كِتَابِهِ، أَوْ أَخْبَرَ بِهِ الرَّسُولُ مِمَّا يَكُونُ بَعْدَ الْمَوْتِ، {وَالْمَلائِكَةِ} الَّذِينَ وَصَفَهُمُ اللَّهُ لَنَا فِي كِتَابِهِ، وَوَصَفَهُمْ رَسُولُهُ ﷺ، {وَالْكِتَابِ} أَيْ: جِنْسِ الْكُتُبِ الَّتِي أَنْزَلَهَا اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ، وَأَعْظَمُهَا الْقُرْآنُ، فَيُؤْمِنُ بِمَا تَضَمَّنَهُ مِنَ الْأَخْبَارِ وَالْأَحْكَامِ، وَالنَّبِيِّينَ عُمُومًا؛ وخُصُوصًا خَاتَمَهُمْ وَأَفْضَلَهُمْ مُحَمَّدًا ﷺ.

{وَآتَى الْمَالَ}: وَهُوَ كُلُّ مَا يَتَمَوَّلُهُ الْإِنْسَانُ مِنْ مَالٍ؛ قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا، أَيْ: أَعْطَى الْمَالَ {عَلَى حُبِّهِ} أَيْ: حُبِّ الْمَالِ، بَيَّنَ بِهِ أَنَّ الْمَالَ مَحْبُوبٌ لِلنُّفُوسِ، فَلَا يَكَادُ يُخْرِجُهُ الْعَبْدُ، فَمَنْ أَخْرَجَهُ مَعَ حُبِّهِ لَهُ تَقَرُّبًا إِلَى اللَّهِ -تَعَالَى-؛ كَانَ هَذَا بُرْهَانًا لِإِيمَانِهِ، وَمِنْ إِيتَاءِ الْمَالِ عَلَى حُبِّهِ: أَنْ يَتَصَدَّقَ وَهُوَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ، يَأْمُلُ الْغِنَى، وَيَخْشَى الْفَقْرَ، وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَتِ الصَّدَقَةُ عَنْ قِلَّةٍ كَانَتْ أَفْضَلَ؛ لِأَنَّهُ فِي هَذِهِ الْحَالِ يُحِبُّ إِمْسَاكَهُ؛ لِمَا يَتَوَهَّمُهُ مِنَ الْعُدْمِ وَالْفَقْرِ، وَكَذَلِكَ إِخْرَاجُ النَّفِيسِ مِنَ الْمَالِ وَمَا يُحِبُّهُ مِنْ مَالِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ فَكُلُّ هَؤُلَاءِ مِمَّنْ آتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ}.

ثُمَّ ذَكَرَ المُنْفَقَ عَلَيْهِمْ، وَهُمْ أَوْلَى النَّاسِ بِبِرِّكَ وَإِحْسَانِكَ مِنَ الْأَقَارِبِ الَّذِينَ تَتَوَجَّعُ لِمُصَابِهِمْ، وَتَفْرَحُ بِسُرُورِهِمْ، الَّذِينَ يَتَنَاصَرُونَ وَيَتَعَاقَلُونَ؛ فَمِنْ أَحْسَنِ الْبِرِّ وَأَوْفَقِهِ: تَعَاهُدُ الْأَقَارِبِ بِالْإِحْسَانِ الْمَالِيِّ وَالْقَوْلِيِّ عَلَى حَسَبِ قُرْبِهِمْ وَحَاجَتِهِمْ.

وَمِنَ الْيَتَامَى الَّذِينَ لَا كَاسِبَ لَهُمْ، وَلَيْسَ لَهُمْ قُوَّةٌ يَسْتَغْنُونَ بِهَا، وَهَذَا مِنْ رَحْمَتِهِ تَعَالَى بِالْعِبَادِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّهُ -تَعَالَى- أَرْحَمُ بِهِمْ مِنَ الْوَالِدِ بِوَلَدِهِ، فَاللَّهُ قَدْ أَوْصَى الْعِبَادَ وَفَرَضَ عَلَيْهِمْ فِي أَمْوَالِهِمُ الْإِحْسَانَ إِلَى مَنْ فُقِدَ آبَاؤُهُمْ؛ لِيَصِيرُوا كَمَنْ لَمْ يَفْقِدْ وَالِدَيْهِ، وَلِأَنَّ الْجَزَاءَ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ؛ فَمَنْ رَحِمَ يَتِيمَ غَيْرِهِ رُحِمَ يَتِيمُهُ.

{وَالْمَسَاكِينَ}: وَهُمُ الَّذِينَ أَسْكَنَتْهُمُ الْحَاجَةُ، وَأَذَلَّهُمُ الْفَقْرُ، فَلَهُمْ حَقٌّ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ بِمَا يَدْفَعُ مَسْكَنَتَهُمْ، أَوْ يُخَفِّفُهَا، بِمَا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ وَبِمَا يَتَيَسَّرُ، {وَابْنَ السَّبِيلِ}: وَهُوَ الْغَرِيبُ الْمُنْقَطِعُ بِهِ فِي غَيْرِ بَلَدِهِ، فَحَثَّ اللَّهُ عِبَادَهُ عَلَى إِعْطَائِهِ مِنَ الْمَالِ مَا يُعِينُهُ عَلَى سَفَرِهِ؛ لِكَوْنِهِ مَظِنَّةَ الْحَاجَةِ وَكَثْرَةِ الْمَصَارِفِ.

فَعَلَى مَنْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِوَطَنِهِ وَرَاحَتِهِ، وَخَوَّلَهُ مِنْ نِعْمَتِهِ أَنْ يَرْحَمَ أَخَاهُ الْغَرِيبَ الَّذِي بِهَذِهِ الصِّفَةِ عَلَى حَسَبِ اسْتِطَاعَتِهِ؛ وَلَوْ بِتَزْوِيدِهِ، أَوْ إِعْطَائِهِ آلَةً لِسَفَرِهِ، أَوْ دَفْعِ مَا يَنُوبُهُ مِنَ الْمَظَالِمِ وَغَيْرِهَا.

{وَالسَّائِلِينَ} أَيِ: الَّذِينَ تَعْرِضُ لَهُمْ حَاجَةٌ مِنَ الْحَوَائِجِ تُوجِبُ السُّؤَالَ؛ كَمَنِ ابْتُلِيَ بِأَرْشِ جِنَايَةٍ، أَوْ ضَرِيبَةٍ عَلَيْهِ مِنْ وُلَاةِ الْأُمُورِ، أَوْ يَسْأَلُ النَّاسَ لِتَعْمِيرِ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ؛ كَالْمَسَاجِدِ، وَالْمَدَارِسِ، وَالْقَنَاطِرِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَهَذَا لَهُ حَقٌّ وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا.

{وَفِي الرِّقَابِ}: فَيَدْخُلُ فِيهِ الْعِتْقُ، وَالْإِعَانَةُ عَلَيْهِ، وَبَذْلُ مَالٍ لِلْمُكَاتَبِ لِيُوَفِّيَ سَيِّدَهُ، وَفِدَاءُ الْأَسْرَى عِنْدَ الْكُفَّارِ أَوْ عِنْدَ الظَّلَمَةِ.

{وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ}: اللَّهُ -تَعَالَى- يَقْرِنُ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ؛ لِكَوْنِهِمَا أَفْضَلَ الْعِبَادَاتِ وَأَكْمَلَ الْقُرُبَاتِ، عِبَادَاتٍ قَلْبِيَّةٍ وَبَدَنِيَّةٍ وَمَالِيَّةٍ، وَبِهِمَا يُوزَنُ الْإِيمَانُ، وَيُعْرَفُ مَا مَعَ صَاحِبِهِ مِنَ الْإِيقَانِ.

{وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا} وَالْعَهْدُ: هُوَ الِالْتِزَامُ بِإِلْزَامِ اللَّهِ أَوْ إِلْزَامِ الْعَبْدِ لِنَفْسِهِ، فَدَخَلَ فِي ذَلِكَ حُقُوقُ اللَّهِ كُلُّهَا؛ لِكَوْنِ اللَّهِ أَلْزَمَ بِهَا عِبَادَهُ وَالْتَزَمُوهَا، وَدَخَلُوا تَحْتَ عُهْدَتِهَا، وَوَجَبَ عَلَيْهِمْ أَدَاؤُهَا، وَحُقُوقُ الْعِبَادِ الَّتِي أَوْجَبَهَا اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وَالْحُقُوقُ الَّتِي الْتَزَمَهَا الْعَبْدُ؛ كَالْأَيْمَانِ، وَالنُّذُورِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ.

{وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ} أَيِ: الْفَقْرِ؛ لِأَنَّ الْفَقِيرَ يَحْتَاجُ إِلَى الصَّبْرِ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ؛ لِكَوْنِهِ يَحْصُلُ لَهُ مِنَ الْآلَامِ الْقَلْبِيَّةِ وَالْبَدَنِيَّةِ الْمُسْتَمِرَّةِ مَا لَا يَحْصُلُ لِغَيْرِهِ، فَإِنْ تَنَعَّمَ الْأَغْنِيَاءُ بِمَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ تَأَلَّمَ، وَإِنْ جَاعَ أَوْ جَاعَتْ عِيَالُهُ تَأَلَّمَ، وَإِنْ أَكَلَ طَعَامًا غَيْرَ مُوَافِقٍ لِهَوَاهُ تَأَلَّمَ، وَإِنْ عُرِّيَ أَوْ كَادَ تَأَلَّمَ، وَإِنْ نَظَرَ إِلَى مَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَمَا يَتَوَهَّمُهُ مِنَ الْمُسْتَقْبَلِ الَّذِي يَسْتَعِدُّ لَهُ تَأَلَّمَ، وَإِنْ أَصَابَهُ الْبَرْدُ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى دَفْعِهِ تَأَلَّمَ؛ فَكُلُّ هَذِهِ وَنَحْوِهَا مَصَائِبُ يُؤْمَرُ بِالصَّبْرِ عَلَيْهَا، وَالِاحْتِسَابِ، وَرَجَاءِ الثَّوَابِ مِنَ اللَّهِ عَلَيْهَا.

{وَالضَّرَّاءِ} أَيِ: الْمَرَضِ عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهِ؛ مِنْ حُمَّى، وَقُرُوحٍ، وَرِيَاحٍ، وَوَجَعِ عُضْوٍ؛ حَتَّى الضِّرْسِ، وَالْإِصْبَعِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ يُحْتَاجُ إِلَى الصَّبْرِ عَلَى ذَلِكَ; لِأَنَّ النَّفْسَ تَضْعُفُ، وَالْبَدَنَ يَأْلَمُ، وَذَلِكَ فِي غَايَةِ الْمَشَقَّةِ عَلَى النُّفُوسِ؛ خُصُوصًا مَعَ تَطَاوُلِ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يُؤْمَرُ بِالصَّبْرِ احْتِسَابًا لِثَوَابِ اللَّهِ -تَعَالَى-.

{وَحِينَ الْبَأْسِ} أَيْ: وَقْتَ الْقِتَالِ لِلْأَعْدَاءِ الْمَأْمُورِ بِقِتَالِهِمْ؛ لِأَنَّ الْجِلَادَ يَشُقُّ غَايَةَ الْمَشَقَّةِ عَلَى النَّفْسِ، وَيَجْزَعُ الْإِنْسَانُ مِنَ الْقَتْلِ، أَوِ الْجِرَاحِ، أَوِ الْأَسْرِ، فَاحْتِيجَ إِلَى الصَّبْرِ فِي ذَلِكَ احْتِسَابًا وَرَجَاءً لِثَوَابِ اللَّهِ -تَعَالَى- الَّذِي مِنْهُ النَّصْرُ وَالْمَعُونَةُ الَّتِي وَعَدَهَا الصَّابِرِينَ.

{أُولَئِكَ} أَيِ: الْمُتَّصِفُونَ بِمَا ذَكَرَ مِنَ الْعَقَائِدِ الْحَسَنَةِ، وَالْأَعْمَالِ الَّتِي هِيَ آثَارُ الْإِيمَانِ وَبُرْهَانُهُ وَنُورُهُ، وَالْأَخْلَاقِ الَّتِي هِيَ جَمَالُ الْإِنْسَانِ وَحَقِيقَةُ الْإِنْسَانِيَّةِ؛ فَأُولَئِكَ هُمُ {الَّذِينَ صَدَقُوا} فِي إِيمَانِهِمْ؛ لِأَنَّ أَعْمَالَهُمْ صَدَّقَتْ إِيمَانَهُمْ، {وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ}؛ لِأَنَّهُمْ تَرَكُوا الْمَحْظُورَ، وَفَعَلُوا الْمَأْمُورَ; لِأَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى كُلِّ خِصَالِ الْخَيْرِ تَضَمُّنًا وَلُزُومًا؛ لِأَنَّ الْوَفَاءَ بِالْعَهْدِ يَدْخُلُ فِيهِ الدِّينُ كُلُّهُ، وَلِأَنَّ الْعِبَادَاتِ الْمَنْصُوصَ عَلَيْهَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَكْبَرُ الْعِبَادَاتِ، وَمَنْ قَامَ بِهَا كَانَ بِمَا سِوَاهَا أَقْوَمَ؛ فَهَؤُلَاءِ هُمُ الْأَبْرَارُ الصَّادِقُونَ الْمُتَّقُونَ.

وَقَدْ عُلِمَ مَا رَتَّبَ اللَّهُ عَلَى هَذِهِ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ مِنَ الثَّوَابِ الدُّنْيَوِيِّ وَالْأُخْرَوِيِّ مِمَّا لَا يُمْكِنُ تَفْصِيلُهُ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْضِعِ)).

الْإِيمَانُ: اعْتِقَادٌ وَقَوْلٌ وَعَمَلٌ؛ عَقْدُ الْقَلْبِ، وَلَفْظُ اللِّسَانِ، وَعَمَلُ الْجَوَارِحِ.

فِي ((الصَّحِيحَيْنِ)) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً، أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً، فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ». وَهَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ.

وَرَوَى الْإِمَامُ ابْنُ بَطَّةَ عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ -رَحِمَهُ اللهُ- أَنَّهُ قَالَ: ((إِنَّ أَحَقَّ مَا بَدَأَ بِهِ الْعَبْدُ مِنَ الْكَلَامِ: أَنْ يَحْمَدَ اللهَ، وَيُثْنِيَ عَلَيْهِ؛ فَالْحَمْدُ للهِ نَحْمَدُهُ وَنُثْنِي عَلَيْهِ بِمَا اصْطَنَعَ عِنْدَنَا؛ أَنْ هَدَانَا لِلْإِسْلَامِ، وَعَلَّمَنَا الْقُرْآنَ، وَمَنَّ عَلَيْنَا بِمُحَمَّدٍ ﷺ.

وَأَنَّ دِينَ اللهِ الَّذِي بَعَثَ بِهِ نَبِيَّهُ ﷺ هُوَ الْإِيمَانُ، وَالْإِيمَانُ هُوَ الْإِسْلَامُ، وَبِهِ أُرْسِلَ الْمُرْسَلُونَ قَبْلَهُ، فَقَالَ تَعَالَى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 25].

وَهُوَ: الْإِيمَانُ بِاللهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَالْمَلَائِكَةِ، وَالْكِتَابِ، وَالنَّبِيِّينَ، وَالتَّصْدِيقُ وَالْإِقْرَارُ بِمَا جَاءَ مِنَ اللهِ، وَالتَّسْلِيمُ لِقَضَائِهِ وَحُكْمِهِ، وَالرِّضَا بِقَدَرِهِ، وَهَذَا هُوَ الْإِيمَانُ.

وَمَنْ كَانَ كَذَلِكَ فَقَدِ اسْتَكْمَلَ الْإِيمَانَ، وَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا حَرَّمَ اللهُ مَالَهُ وَدَمَهُ، وَوَجَبَ لَهُ مَا يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْأَحْكَامِ؛ وَلَكِنْ لَا يَسْتَوْجِبُ ثَوَابَهُ، وَلَا يَنَالُ الْكَرَامَةَ إِلَّا بِالْعَمَلِ فِيهِ، وَاسْتِيجَادُ ثَوَابِ الْإِيمَانِ عَمَلٌ بِهِ، وَالْعَمَلُ بِهِ: اتِّبَاعُ طَاعَةِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- فِي أَدَاءِ الْفَرَائِضِ، وَاجْتِنَابِ الْمَحَارِمِ، وَالِاقْتِدَاءِ بِالصَّالِحِينَ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ، وَحَجِّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا، وَالْمُحَافَظَةِ عَلَى إِتْيَانِ الْجُمُعَةِ، وَالْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَالِاغْتِسَالِ مِنَ الْجَنَابَةِ، وَإِسْبَاغِ الطَّهُورِ، وَحُسْنِ الْوُضُوءِ لِلصَّلَاةِ، وَالتَّنْظِيفِ، وَبِرِّ الْوَالِدَيْنِ، وَصِلَةِ الرَّحِمِ، وَصِلَةِ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ، وَحُسْنِ الْخُلُقِ مَعَ الْخُطَّاءِ، وَاصْطِنَاعِ الْمَعْرُوفِ إِلَى الْأَقْرِبَاءِ، وَمَعْرِفَةِ كُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ؛ مِنْ وَالِدٍ، فَوَالِدَةٍ، فَوَلَدِهِ، فَذِي قَرَابَةٍ، فَيَتِيمٍ مِسْكِينٍ، فَابْنِ سَبِيلٍ، فَسَائِلٍ، فَغَارِمٍ، فَمُكَاتَبٍ، فَجَارٍ، فَصَاحِبٍ، فَمَا مَلَكَتِ الْيَمِينُ.

وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَالْحُبِّ فِي اللهِ -تَعَالَى-، وَالْبُغْضِ فِي اللهِ، وَمُوَالَاةِ أَوْلِيَائِهِ، وَمُعَادَاةِ أَعْدَائِهِ.

وَالْحُكْمِ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ، وَطَاعَةِ وُلَاةِ الْأَمْرِ، وَالْغَضَبِ وَالرِّضَا، وَوَفَاءٍ بِالْعَهْدِ، وَصِدْقِ الْحَدِيثِ، وَوَفَاءٍ بِالنُّذُورِ، وَإِنْجَازِ الْمَوْعُودِ، وَحِفْظِ الْأَمَانَةِ مِنْ كِتْمَانِ السِّرِّ أَوِ الْمَالِ، وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ إِلَى أَهْلِهَا، وَكِتَابِ الدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ بِشَهَادَةِ ذَوَيْ عَدْلٍ، وَالِاسْتِشْهَادِ عَلَى الْمُبَايَعَةِ، وَإِجَابَةِ الدَّاعِي لِلشَّهَادَةِ، وَكِتَابَةٍ بِالْعَدْلِ كَمَا عَلَّمَ اللهُ، وَقِيَامِ الشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا بِالْقِسْطِ وَلَوْ عَلَى النَّفْسِ وَالْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ، وَوَفَاءِ الْكَيْلِ وَالْمِيزَانِ بِالْقِسْطِ.

وَذِكْرِ اللهِ -تَعَالَى- عِنْدَ عَزَائِمِ الْأُمُورِ، وَذِكْرِ اللهِ -تَعَالَى- عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَحِفْظِ النَّفْسِ، وَغَضِّ الْبَصَرِ، وَحِفْظِ الْفَرْجِ، وَحِفْظِ الْأَرْكَانِ كُلِّهَا عَنِ الْحَرَامِ، وَكَظْمِ الْغَيْظِ، وَدَفْعِ السَّيِّئَةِ بِالْحَسَنَةِ، وَالصَّبْرِ عَلَى الْمَصَائِبِ، وَالْقَصْدِ فِي الرِّضَا وَالْغَضَبِ، وَالِاقْتِصَادِ فِي الْمَشْيِ وَالْعَمَلِ.

وَالتَّوْبَةِ إِلَى اللهِ -تَعَالَى- مِنْ قَرِيبٍ، وَالِاسْتِغْفَارِ لِلذُّنُوبِ، وَمَعْرِفَةِ الْحَقِّ وَأَهْلِهِ، وَمَعْرِفَةِ الْعَدْلِ إِذَا رَأَى عَامِلَهُ، وَمَعْرِفَةِ الْجَوْرِ إِذَا رَأَى عَامِلَهُ كَيْمَا يَعْرِفُهُ الْإِنْسَانُ مِنْ نَفْسِهِ إِنْ هُوَ عَمِلَ بِهِ، وَمُحَافَظَةٍ عَلَى حُدُودِ اللهِ، وَرَدِّ مَا يُتَوَرَّعُ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَى أُولِي الْأَمْرِ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ، وَتَرْكِ مَا يَرِيبُ إِلَى مَا لَا يَرِيبُ.

وَاسْتِئْذَانٍ فِي الْبُيُوتِ؛ فَلَا يَدْخُلُ الْبَيْتَ حَتَّى يَسْتَأْذِنَ وَيُسَلِّمَ عَلَى أَهْلِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَنْظُرَ فِي الْبَيْتِ أَوْ يَسْتَمِعَ فِيهِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فِيهَا أَحَدًا فَلَا يَدْخُلُ بِغَيْرِ إِذْنِ أَهْلِهَا، فَإِنْ قِيلَ: ارْجِعُوا؛ فَالرُّجُوعُ أَزْكَى، وَإِنْ أَذِنُوا فَقَدْ حَلَّ الدُّخُولُ، وَأَمَّا الْبُيُوتُ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا سُكَّانٌ، وَفِيهَا الْمَنَافِعُ لِعَابِرِي السَّبِيلِ أَوْ لِغَيْرِهِمْ يَسْكُنُ فِيهَا وَيَتَمَتَّعُ فِيهَا؛ فَلَيْسَ فِيهَا اسْتِئْذَانٌ، وَاسْتِئْذَانِ مَا مَلَكَتِ الْيَمِينُ؛ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا، وَمَنْ لَمْ يَبْلُغِ الْحُلُمَ مِنْ حُرْمَةِ أَهْلِ الْبَيْتِ ثَلَاثَةَ أَحْيَانٍ مِنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، أَوْ آخِرِ اللَّيْلِ قَبْلَ الْفَجْرِ، وَعِنْدَ الْقَيْلُولَةِ إِذَا خَلَا رَبُّ الْبَيْتِ بِأَهْلِهِ، وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إِذَا أَوَى رَبُّ الْبَيْتِ وَأَهْلُهُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ، وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْ حُرْمَةِ أَهْلِ الْبَيْتِ الْحُلُمَ فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ مِنَ الِاسْتِئْذَانِ كُلَّ هَذِهِ الْأَحْيَانِ.

وَاجْتِنَابِ قَتْلِ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، وَاجْتِنَابِ أَكْلِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ، وَاجْتِنَابِ أَكْلِ أَمْوَالِ الْيَتَامَى ظُلْمًا، وَاجْتِنَابِ شُرْبِ الْخَمْرِ، وَاجْتِنَابِ شُرْبِ الْحَرَامِ مِنَ الْأَشْرِبَةِ وَالطَّعَامِ، وَاجْتِنَابِ أَكْلِ الرِّبَا وَالسُّحْتِ، وَاجْتِنَابِ أَكْلِ الْقِمَارِ وَالرِّشْوَةِ وَالْغَصْبِ، واجْتِنَابِ النَّجْشِ وَالظُّلْمِ، وَاجْتِنَابِ كَسْبِ الْمَالِ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَاجْتِنَابِ التَّبْذِيرِ وَالنَّفَقَةِ فِي غَيْرِ حَقٍّ، وَاجْتِنَابِ التَّطْفِيفِ فِي الْوَزْنِ وَالْكَيْلِ، وَاجْتِنَابِ نَقْصِ الْمِكْيَالِ وَالْمِيزَانِ.

وَاجْتِنَابِ نَكْثِ الصَّفْقَةِ وَخَلْعِ الْأَئِمَّةِ، وَاجْتِنَابِ القَدَرِ وَالْمَعْصِيَةِ، وَاجْتِنَابِ الْيَمِينِ الْآثِمَةِ، وَاجْتِنَابِ بِرِّ الْيَمِينِ بِالْمَعْصِيَةِ، وَاجْتِنَابِ الْكَذِبِ وَالتَّزَيُّدِ فِي الْحَدِيثِ، وَاجْتِنَابِ شَهَادَةِ الزُّورِ، وَاجْتِنَابِ قَوْلِ الْبُهْتَانِ، وَاجْتِنَابِ قَذْفِ الْمُحْصَنَةِ، وَاجْتِنَابِ الْهَمْزِ وَاللَّمْزِ، وَاجْتِنَابِ التَّنَابُزِ بِالْأَلْقَابِ، وَاجْتِنَابِ النَّمِيمَةِ وَالِاغْتِيَابِ، وَاجْتِنَابِ التَّجَسُّسِ، وَاجْتِنَابِ سُوءِ الظَّنِّ بِالصَّالِحِينَ وَالصَّالِحَاتِ.

وَاجْتِنَابِ الْإِصْرَارِ عَلَى الذّنْبِ وَالتَّهَاوُنِ بِهِ، وَاتِّقَاءِ الْإِمْسَاكِ عَنِ الْحَقِّ وَالتَّمَادِي فِي الْغَيِّ، وَالتَّقْصِيرِ عَنِ الرُّشْدِ، وَاتِّقَاءِ الْكِبْرِ وَالْفَخْرِ وَالْخيَلَاءِ، وَاتِّقَاءِ الْفُجُورِ وَالْمُبَارَاةِ بِالشَّرِّ، وَاتِّقَاءِ الْإِعْجَابُ بِالنَّفْسِ، وَاتِّقَاءِ الْفَرَحِ وَالْمَرَحِ، وَالتَّنَزُّهِ مِنْ لَفْظِ السُّوءِ، وَالتَّنَزُّهِ عَنِ الْفُحْشِ وَقَوْلِ الْخَنَا، وَالتَّنَزُّهِ مِنْ سُوءِ الظَّنِّ، وَالتَّنَزُّهِ مِنَ الْبَوْلِ وَالْقَذَرِ كُلِّهِ.

فَهَذِهِ صِفَةُ دِينِ اللهِ، وَهُوَ الْإِيمَانُ وَمَا شَرَعَ اللهُ فِيهِ مِنَ الْإِقْرَارِ بِمَا جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللهِ، وَبَيَّنَ مِنْ حَلَالِهِ، وَحَرَامِهِ، وَسُنَنِهِ، وَفَرَائِضِهِ، فَقَدْ سَمَّى لَكُمْ مَا يَنْتَفِعُ بِهِ ذَوُو الْأَلْبَابِ مِنَ النَّاسِ، وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ.

وَيَجْمَعُ كُلَّ ذَلِكَ التَّقْوَى؛ فَاتَّقُوا اللهَ، وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِهِ، وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ، أَسْأَلُ اللهَ أَنْ يُوَفِّقَنَا وَإِيَّاكُمْ لِمَا نَبْلُغُ بِهِ رِضْوَانَهُ وَجَنَّتَهُ».

قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ بَطَّةَ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ هَذَا الْأَثَرَ الْجَامِعَ الشَّامِلَ: ((فَهَذِهِ -إِخْوَانِي رَحِمَكُمُ اللهُ- شَرَائِعُ الْإِيمَانِ وَشُعَبُهُ، وَأَخْلَاقُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ مَنْ كَمُلَتْ فِيهِمْ كَانُوا عَلَى حَقَائِقِ الْإِيمَانِ، وَبَصَائِرِ الْهُدَى، وَأَمَارَاتِ التَّقْوَى، فَكُلَّمَا قَوِيَ إِيمَانُ الْعَبْدِ وَازْدَادَ بَصِيرَةً فِي دِينِهِ وَقُوَّةً فِي يَقِينِهِ تَزَيَّدَتْ هَذِهِ الْأَخْلَاقُ وَمَا شَاكَلَهَا فِيهِ، وَلَاحَتْ أَعْلَامُهَا وَأَمَارَاتُهَا فِي قَوْلِهِ وَفِعْلِهِ؛ فَكُلُّهَا قَدْ نَطَقَ بِهَا الْكِتَابُ، وَجَاءَتْ بِهَا السُّنَّةُ، وَشَهِدَ بِصِحَّتِهَا الْعَقْلُ الَّذِي أَعْلَى اللهُ رُتْبَتَهُ، وَرَفَعَ مَنْزِلَتَهُ، وَأَفْلَجَ حُجَّتَهُ.

وَعَلَى قَدْرِ نُقْصَانِ الْإِيمَانِ فِي الْعَبْدِ وَضَعْفِ يَقِينِهِ يَقِلُّ وِجْدَانُ هَذِهِ الْأَخْلَاقِ فِيهِ، وَتُعْدَمُ مِنْ أَفْعَالِهِ وَسَجَايَاهُ، وَفَّقَنَا اللهُ وَإِيَّاكُمْ لِمُوجِبَاتِ الرِّضَا وَالْعَافِيَةِ فِي الدَّارَيْنِ مِنْ جَمِيعِ الْبَلَاءِ)).

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا، وَخِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِمْ)). أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي ((الشُّعَبِ))، وَابْنُ حِبَّانَ، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ.

وَكُلُّ مَا ذُكِرَ فِي الْأَثَرِ إِنَّمَا هُوَ مِنْ أَنْوَاعِ الْعِبَادَةِ للهِ -تَعَالَى- وَحْدَهُ؛ فَفِيمَا رَوَاهُ الْآجُرِّيُّ فِي ((الشَّرِيعَةِ))، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي ((الْإِيمَانِ))، وَاللَّالَكَائِيُّ فِي ((أُصُولِ الِاعْتِقَادِ))، وَرَوَاهُ -أَيْضًا- ابْنُ بَطَّةَ فِي ((الْإِبَانَةِ الْكُبْرَى)) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّهُ قَالَ: ((الْإِيمَانُ نَزِهٌ؛ فَمَنْ زَنَى فَارَقَهُ الْإِيمَانُ، فَإِنْ لَامَ نَفْسَهُ وَرَاجَعَ رَاجَعَهُ الْإِيمَانُ))؛ فَسُبْحَانَ مَنْ طَهَّرَنَا وَنَزَّهَنَا بِالْإِيمَانِ بِهِ -عَزَّ وَجَلَّ- )).

وَرَوَى أَبُو نُعَيْمٍ فِي ((الْحِلْيَةِ)) عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ أَنَّهُ قَالَ: ((مَنْ عَصَى اللهَ فَهُوَ مُنْتِنٌ؛ لِأَنَّ الْمَعْصِيَةَ نَتَنٌ)).

وَقَوْلُ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ -رَحِمَهُ اللهُ- -الَّذِي مَرَّ ذِكْرُهُ-: ((وَيَجْمَعُ كُلَّ ذَلِكَ التَّقْوَى)) فَسَّرَهُ مِنْ قَبْلُ وَفَصَّلَهُ قَوْلُ التَّابِعِيِّ الْجَلِيلِ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ الْهُذَلِيِّ؛ حَيْثُ قَالَ فِيمَا رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي ((الْحِلْيَةِ)): ((أَمَّا بَعْدُ: فَإِنِّي أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللهِ الَّتِي حِفْظُهَا سَعَادَةٌ لِمَنْ حَفِظَهَا، وَإِضَاعَتُهَا شَقَاوَةٌ لِمَنْ ضَيَّعَهَا، وَرَأْسُ التَّقْوَى الصَّبْرُ، وَتَحْقِيقُهَا الْعَمَلُ، وَكَمَالُهَا الْوَرَعُ، وَتَقْوَى اللهِ شَرْطُهُ الَّذِي اشْتَرَطَ، وَحَقُّهُ الَّذِي افْتَرَضَ، وَالْوَفَاءُ بِعَهْدِ اللهِ: أَنْ تُجْعَلَ لَهُ، وَلَا تُجْعَلَ لِمَنْ دُونَهُ؛ فَإِنَّمَا يُطَاعُ مَنْ دُونَهُ بِطَاعَتِهِ، وَإِنَّمَا تُقَدَّمُ الْأُمُورُ وَتُؤَخَّرُ بِطَاعَتِهِ، وَأَنْ يُنْقَضَ كُلُّ عَهْدٍ لِلْوَفَاءِ بِعَهْدِهِ، وَلَا يُنْقَضَ عَهْدُهُ لِلْوَفَاءِ بِعَهْدِ غَيْرِهِ)).

الْإِيمَانُ: قَوْلٌ وَعَمَلٌ؛ فَالْعَمَلُ مِنْ مَاهِيَّةِ الْإِيمَانِ..

وَلمَّا تَهَاوَنَ الْمُسْلِمُونَ بِهَذَا الْأَصْلِ الْأَصِيلِ، وَوَقَعَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ فِي الْإِرْجَاءِ؛ عَمَّ نَتْنُ الْمَعْصِيَةِ الْأَرْجَاءَ، وَاسْتَشْرَى هَذَا الشَّرُّ فِي جَمِيعِ الْأَجْوَاءِ؛ فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَجْعَلَ الْمُؤْمِنُ بِنُصْبِ عَيْنِ بَصِيرَتِهِ أَنَّ عَمَلَهُ مِنْ إِيمَانِهِ، وَأَنَّهُ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَعْمَلَ الصَّالِحَاتِ، وَأَنْ يَجْتَنِبَ السَّيِّئَاتِ وَالْمُنْكَرَاتِ.

((الْإِيمَانُ أَعْلَى الْخِصَالِ وَأَشْرَفُ الْمَرَاتِبِ))

الْإِيمَانُ هُوَ أَعْلَى الْخِصَالِ، وَأَشْرَفُ الْمَرَاتِبِ، وَأَكْمَلُ الْمَنَاقِبِ؛ بَلْ لَا يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ فَضِيلَةٌ وَلَا ثَوَابٌ إِلَّا بِالْإِيمَانِ وَحُقُوقِهِ؛ وَلِذَلِكَ أَثْنَى اللهُ بِهِ عَلَى خِيَارِ خَلْقِهِ وَالْمُصْطَفَيْنِ مِنْ عِبَادِهِ، فَقَالَ فِي كُلٍّ مِنْ نُوحٍ، وَإِبْرَاهِيمَ، وَمُوسَى، وَهَارُونَ، وَإِلْيَاسَ، وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ: {إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ}.

فَعَلَّلَ مَا حَصَلَ لَهُمْ مِنَ الْخَيْرَاتِ وَزَوَالِ الشُّرُورِ بِإِيمَانِهِمْ، وَقَدْ عَلَّقَ اللهُ الْفَلَاحَ وَدُخُولَ الْجِنَانِ عَلَى الْإِيمَانِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ} [المؤمنون: 1].

ثُمَّ ذَكَرَ صِفَاتِهِمُ النَّاشِئَةَ عَنْ إِيمَانِهِمْ، ثُمَّ قَالَ: {أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [المؤمنون: 10-11].

وَقَالَ تَعَالَى: {وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [البقرة: 223].

وَقَالَ: {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} [يونس: 62-63].

وَقَالَ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا} [الحج: 38].

وَقَالَ سُبْحَانَهُ: {وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ} [الأنفال: 19].

وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ نُصُوصِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى فَضْلِهِ وَفَضْلِ أَهْلِهِ، وَأَنَّ الْخَيْرَ كُلَّهُ فِيهِ.

فَعَلَى الْعَبْدِ الَّذِي يُرِيدُ نَجَاةَ نَفْسِهِ، وَيَقْصِدُ كَمَالَهَا وَفَلَاحَهَا أَنْ يَسْعَى غَايَةَ جَهْدِهِ، وَيَبْذُلَ مَقْدُورَهُ فِي هَذَا الْوَصْفِ؛ وَهُوَ الْإِيمَانُ عِلْمًا وَمَعْرِفَةً وَعَمَلًا وَحَالًا وَوَصْفًا، وَهُوَ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً، أَعْلَاهَا قَوْلُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ». وَالْحَدِيثُ فِي ((الصَّحِيحَيْنِ))، وَالْعَدَدُ الْمَذْكُورُ هَا هُنَا فِي لَفْظِ مُسْلِمٍ.

فَوَصَفَهُ بِأَقْوَالِ اللِّسَانِ الَّتِي يُحِبُّهَا اللهُ وَرَسُولُهُ، وَذَكَرَ أَعْلَاهَا بِالْإِحْسَانِ إِلَى عِبَادِ اللهِ أَيِّ إِحْسَانٍ كَانَ؛ حَتَّى إِمَاطَةَ الْأَذَى عَنْ طَرِيقِهِمْ، وَبِأَعْمَالِ الْقُلُوبِ الَّتِي أَصْلُهَا الْحَيَاءُ؛ فَإِنَّ مَنِ اتَّصَفَ بِالْحَيَاءِ مِنَ اللهِ فَقَدِ انْصَبَغَ قَلْبُهُ بِمَعْرِفَةِ اللهِ وَحُبِّهِ، وَخَوْفِهِ وَرَجَائِهِ، وَالتَّحَبُّبِ إِلَيْهِ مَهْمَا أَمْكَنَ.

وَحَقِيقَةُ هَذَا: أَنَّ الْإِيمَانَ اسْمٌ جَامِعٌ لِلشَّرَائِعِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ، وَلِأَقْوَالِ اللِّسَانِ وَأَقْوَالِ الْقَلْبِ، وَأَعْمَالِ الْقُلُوبِ وَأَعْمَالِ الْجَوَارِحِ، وَأَنَّ مَنْ قَامَ بِهَذِهِ الْأُمُورِ، وَنَصَحَ فِيهَا، وَأَحْسَنَ؛ كَانَ أَكْمَلَ إِيمَانًا، وَأَنَّ مَنْ نَقَصَ مَعَهَا مَعْرِفَةً وَعِلْمًا وَعَمَلًا وَحَالًا صَالِحًا؛ نَقَصَ مِنْ إِيمَانِهِ بِقَدْرِ ذَلِكَ.

((أَكْمَلُ النَّاسِ فِي الْإِيمَانِ))

النَّاسُ فِي الْإِيمَانِ دَرَجَاتٌ مُتَفَاوِتَةٌ، فَأَكْمَلُهُمْ مَنْ وَصَلَ فِي عُلُومِ الْإِيمَانِ: إِلَى عِلْمِ الْيَقِينِ وَحَقِّ الْيَقِينِ، وَفِي أَعْمَالِهِ: مَنْ وَفَّى مَرْتَبَةَ الْإِحْسَانِ، وَعَبَدَ اللهَ عَلَى وَجْهِ الْحُضُورِ وَالْمُرَاقَبَةِ، وَفِي أَحْوَالِ الْإِيمَانِ: مَنْ كَانَتْ آدَابُهُ وَأَخْلَاقُهُ صِبْغَةً لِقَلْبِهِ، وَحَالًا غَيْرَ حَائِلَةٍ؛ بَلْ إِنْ عَرَضَ لَهُ مَا يُشَوِّشُ عَلَيْهِ إِيمَانَهُ بَادَرَ بِالْحَالِ لِإِزَالَتِهِ، وَرَجَعَ إِلَى نَعْتِهِ وَوَصْفِهِ صِبْغَةَ اللهِ، وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً! وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا».

فَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ إِيمَانُهُ عِنْدَ الْمُعَارَضَاتِ -كَالشَّهَوَاتِ، وَالْإِرَادَاتِ السَّيِّئَةِ، وَإِتْيَانِ الْأَمْرِ مُخَالِفًا لِمُرَادِ النَّفْسِ-؛ كَانَ هَذَا الْمُؤْمِنَ حَقًّا؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [الحجرات: 15].

وَلِهَذَا كَانَ مِنْ كَمَالِ الْإِيمَانِ أَنْ تَصِلَ مَنْ قَطَعَكَ، وَتُعْطِيَ مَنْ حَرَمَكَ، وَتَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَكَ؛ وَلِهَذَا -أَيْضًا- كَانَ إِخْرَاجُ مَحْبُوبِ النَّفْسِ -وَهُوَ الْمَالُ- للهِ تَعَالَى دَلِيلًا عَلَى الْإِيمَانِ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ».

وَلِهَذَا -أَيْضًا- كَانَ الصَّبْرُ مِنَ الْإِيمَانِ كَالرَّأْسِ مِنَ الْجَسَدِ.

((صِفَاتُ الْمُؤْمِنِينَ وَعَلَامَاتُهُمْ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ))

عِبَادَ اللهِ! الْوَاجِبُ عَلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ أَنْ يَتَدَبَّرُوا كِتَابَ اللهِ وَيَتَعَقَّلُوهُ، وَهُوَ الْقُرْآنُ، وَيَتَعَلَّمُوا سُنَّةَ رَسُولِهِ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-، وَيَسْتَقِيمُوا عَلَيْهِمَا؛ فَفِي كِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- بَيَانُ الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي الَّتِي جَاءَ بِهَا نَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ ﷺ، وَفِيهَا بَيَانُ الْأَخْلَاقِ الَّتِي مَدَحَهَا -سُبْحَانَهُ- وَأَثْنَى عَلَيْهَا مِنْ أَخْلَاقِ الْمُؤْمِنِينَ وَأَخْلَاقِ الْمُؤْمِنَاتِ وَصِفَاتِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ، وَمَنْ تَدَبَّرَ كِتَابَ اللهِ وَتَعَقَّلَهُ وَجَدَ ذَلِكَ، وَمَنْ تَدَبَّرَ السُّنَّةَ -وَهِيَ سِيرَةُ الرَّسُولِ ﷺ وَأَحَادِيثُهُ-، مَنْ تَدَبَّرَهَا وَجَدَ ذَلِكَ وَعَرَفَ ذَلِكَ، وَمِنْ ذَلِكَ: مَا أَوْضَحَهُ اللهُ -سُبْحَانَهُ- فِي آخِرِ سُورَةِ الْفُرْقَانِ؛ حَيْثُ قَالَ -سُبْحَانَهُ-: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (63) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (64) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (65) إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (66) وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (67) وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (69) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (70) وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا (71) وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا (72) وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا (73) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (74) أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا (75) خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (76) قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا} [الفرقان: 63-77].

((الْعُبُودِيَّةُ لِلَّهِ نَوْعَانِ: عُبُودِيَّةٌ لِرُبُوبِيَّتِهِ، فَهَذِهِ يَشْتَرِكُ فِيهَا سَائِرُ الْخَلْقِ؛ مُسْلِمُهُمْ وَكَافِرُهُمْ، بَرُّهُمْ وَفَاجِرُهُمْ، فَكُلُّهُمْ عَبِيدٌ لِلَّهِ مَرْبُوبُونَ مُدَبَّرُونَ: {إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا}.

وَعُبُودِيَّةٌ لِأُلُوهِيَّتِهِ وَعِبَادَتِهِ وَرَحْمَتِهِ، وَهِيَ عُبُودِيَّةُ أَنْبِيَائِهِ وَأَوْلِيَائِهِ، وَهِيَ الْمُرَادُ هُنَا؛ وَلِهَذَا أَضَافَهَا إِلَى اسْمِهِ (الرَّحْمَنِ)؛ إِشَارَةً إِلَى أَنَّهُمْ إِنَّمَا وَصَلُوا إِلَى هَذِهِ الْحَالِ بِسَبَبِ رَحْمَتِهِ، فَذَكَرَ أَنَّ صِفَاتِهِمْ أَكْمَلُ الصِّفَاتِ، وَنُعُوتَهُمْ أَفْضَلُ النُّعُوتِ، فَوَصَفَهُمْ بِأَنَّهُمْ {يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا} أَيْ: سَاكِنِينَ مُتَوَاضِعِينَ لِلَّهِ وَالْخَلْقِ، فَهَذَا وَصْفٌ لَهُمْ بِالْوَقَارِ وَالسَّكِينَةِ وَالتَّوَاضُعِ لِلَّهِ وَلِعِبَادِهِ.

{وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ} أَيْ: خِطَابَ جَهْلٍ؛ بِدَلِيلِ إِضَافَةِ الْفِعْلِ وَإِسْنَادِهِ لِهَذَا الْوَصْفِ؛ {قَالُوا سَلامًا} أَيْ: خَاطَبُوهُمْ خِطَابًا يَسْلَمُونَ فِيهِ مِنَ الْإِثْمِ، وَيَسْلَمُونَ مِنْ مُقَابَلَةِ الْجَاهِلِ بِجَهْلِهِ، وَهَذَا مَدْحٌ لَهُمْ بِالْحِلْمِ الْكَثِيرِ، وَمُقَابَلَةِ الْمُسِيءِ بِالْإِحْسَانِ، وَالْعَفْوِ عَنِ الْجَاهِلِ، وَرَزَانَةِ الْعَقْلِ الَّذِي أَوْصَلَهُمْ إِلَى هَذِهِ الْحَالِ.

{وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا} أَيْ: يُكْثِرُونَ مِنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ، مُخْلِصِينَ فِيهَا لِرَبِّهِمْ، مُتَذَلِّلِينَ لَهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}.

{وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ} أَيِ: ادْفَعْهُ عَنَّا بِالْعِصْمَةِ مِنْ أَسْبَابِهِ، وَمَغْفِرَةِ مَا وَقَعَ مِنَّا مِمَّا هُوَ مُقْتَضٍ لِلْعَذَابِ، {إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا} أَيْ: مُلَازِمًا لِأَهْلِهَا بِمَنْزِلَةِ مُلَازَمَةِ الْغَرِيمِ لِغَرِيمِهِ.

{إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا}: وَهَذَا مِنْهُمْ عَلَى وَجْهِ التَّضَرُّعِ لِرَبِّهِمْ، وَبَيَانِ شِدَّةِ حَاجَتِهِمْ إِلَيْهِ، وَأَنَّهُمْ لَيْسَ فِي طَاقَتِهِمُ احْتِمَالُ هَذَا الْعَذَابِ، وَلِيَتَذَكَّرُوا مِنَّةَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ؛ فَإِنَّ صَرْفَ الشِّدَّةِ بِحَسَبِ شِدَّتِهَا وَفَظَاعَتِهَا يَعْظُمُ وَقْعُهَا، وَيَشْتَدُّ الْفَرَحُ بِصَرْفِهَا.

{وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا} النَّفَقَاتِ الْوَاجِبَةَ وَالْمُسْتَحَبَّةَ {لَمْ يُسْرِفُوا} بِأَنْ يَزِيدُوا عَلَى الْحَدِّ فَيَدْخُلُوا فِي قِسْمِ التَّبْذِيرِ، {وَلَمْ يَقْتُرُوا} فَيَدْخُلُوا فِي بَابِ الْبُخْلِ وَالشُّحِّ، وَإِهْمَالِ الْحُقُوقِ الْوَاجِبَةِ، {وَكَانَ} إِنْفَاقُهُمْ {بَيْنَ ذَلِكَ} بَيْنَ الْإِسْرَافِ وَالتَّقْتِيرِ {قَوَامًا} يَبْذُلُونَ فِي الْوَاجِبَاتِ مِنَ الزَّكَوَاتِ وَالْكَفَّارَاتِ وَالنَّفَقَاتِ الْوَاجِبَةِ، وَفِيمَا يَنْبَغِي عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَنْبَغِي مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ وَلَا ضِرَارٍ، وَهَذَا مِنْ عَدْلِهِمْ وَاقْتِصَادِهِمْ.

{وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ}، بَلْ يَعْبُدُونَهُ وَحْدَهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ، مُقْبِلِينَ عَلَيْهِ مُعْرِضِينَ عَمَّا سِوَاهُ.

{وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ}: وَهِيَ نَفْسُ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ الْمُعَاهَدِ؛ {إِلا بِالْحَقِّ}؛ كَقَتْلِ النَّفْسِ بِالنَّفْسِ، وَقَتْلِ الزَّانِي الْمُحْصَنِ، وَالْكَافِرِ الَّذِي يَحِلُّ قَتْلُهُ.

 {وَلا يَزْنُونَ}، بَلْ يَحْفَظُونَ فُرُوجَهُمْ إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ، {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ} أَيِ: الشِّرْكَ بِاللَّهِ، أَوْ قَتْلَ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ بِغَيْرِ حَقٍّ، أَوِ الزِّنَى؛ فَسَوْفَ يَلْقَى أَثَامًا، ثُمَّ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: {يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ} أَيْ: فِي الْعَذَابِ {مُهَانًا}، فَالْوَعِيدُ بِالْخُلُودِ لِمَنْ فَعَلَهَا كُلَّهَا ثَابِتٌ لَا شَكَّ فِيهِ، وَكَذَلِكَ لِمَنْ أَشْرَكَ بِاللَّهِ، وَكَذَلِكَ الْوَعِيدُ بِالْعَذَابِ الشَّدِيدِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ؛ لِكَوْنِهَا إِمَّا شِرْكٌ، وَإِمَّا مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ.

وَأَمَّا خُلُودُ الْقَاتِلِ وَالزَّانِي فِي الْعَذَابِ فَإِنَّهُ لَا يَتَنَاوَلُهُ الْخُلُودُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ دَلَّتِ النُّصُوصُ الْقُرْآنِيَّةُ وَالسُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ أَنَّ جَمِيعَ الْمُؤْمِنِينَ سَيَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ، وَلَا يَخْلُدُ فِيهَا مُؤْمِنٌ وَلَوْ فَعَلَ مِنَ الْمَعَاصِي مَا فَعَلَ، وَنَصَّ -تَعَالَى- عَلَى هَذِهِ الثَّلَاثَةِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؛ فَالشِّرْكُ فِيهِ فَسَادُ الْأَدْيَانِ، وَالْقَتْلُ فِيهِ فَسَادُ الْأَبْدَانِ، وَالزِّنَا فِيهِ فَسَادُ الْأَعْرَاضِ.

{إِلَّا مَنْ تَابَ} عَنْ هَذِهِ الْمَعَاصِي وَغَيْرِهَا بِأَنْ أَقْلَعَ عَنْهَا فِي الْحَالِ، وَنَدِمَ عَلَى مَا مَضَى لَهُ مِنْ فِعْلِهَا، وَعَزَمَ عَزْمًا جَازِمًا أَلَّا يَعُودَ، {وَآمَنَ} بِاللَّهِ إِيمَانًا صَحِيحًا يَقْتَضِي تَرْكَ الْمَعَاصِي، وَفِعْلَ الطَّاعَاتِ، {وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا} مِمَّا أَمَرَ بِهِ الشَّارِعُ إِذَا قَصَدَ بِهِ وَجْهَ اللَّهِ؛ {فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ} أَيْ: تَتَبَدَّلُ أَفْعَالُهُمْ وَأَقْوَالُهُمُ الَّتِي كَانَتْ مُسْتَعِدَّةً لِعَمَلِ السَّيِّئَاتِ تَتَبَدَّلُ حَسَنَاتٍ، فَيَتَبَدَّلُ شِرْكُهُمْ إِيمَانًا، وَمَعْصِيَتُهُمْ طَاعَةً، وَتَتَبَدَّلُ نَفْسُ السَّيِّئَاتِ الَّتِي عَمِلُوهَا، ثُمَّ أَحْدَثُوا عَنْ كُلِّ ذَنْبٍ مِنْهَا تَوْبَةً وَإِنَابَةً وَطَاعَةً؛ تَبَدَّلُ حَسَنَاتٍ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْآيَةِ، وَوَرَدَ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ الرَّجُلِ الَّذِي حَاسَبَهُ اللَّهُ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِ، فَعَدَّدَهَا عَلَيْهِ، ثُمَّ أَبْدَلَ مَكَانَ كُلِّ سَيِّئَةٍ حَسَنَةً، فَقَالَ: يَا رَبِّ إِنَّ لِي سَيِّئَاتٍ لَا أَرَاهَا هَاهُنَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

{وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا} لِمَنْ تَابَ، يَغْفِرُ الذُّنُوبَ الْعَظِيمَةَ {رَحِيمًا} بِعِبَادِهِ؛ حَيْثُ دَعَاهُمْ إِلَى التَّوْبَةِ بَعْدَ مُبَارَزَتِهِ بِالْعَظَائِمِ، ثُمَّ وَفَّقَهُمْ لَهَا، ثُمَّ قَبِلَهَا مِنْهُمْ.

{وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا} أَيْ: فَلْيَعْلَمْ أَنَّ تَوْبَتَهُ فِي غَايَةِ الْكَمَالِ؛ لِأَنَّهَا رُجُوعٌ إِلَى الطَّرِيقِ الْمُوصِلِ إِلَى اللَّهِ الَّذِي هُوَ عَيْنُ سَعَادَةِ الْعَبْدِ وَفَلَاحِهِ؛ فَلْيُخْلِصْ فِيهَا، وَلْيُخَلِّصْهَا مِنْ شَوَائِبِ الْأَغْرَاضِ الْفَاسِدَةِ؛ فَالْمَقْصُودُ مِنْ هَذَا: الْحَثُّ عَلَى تَكْمِيلِ التَّوْبَةِ، وَإِيقَاعِهَا عَلَى أَفْضَلِ الْوُجُوهِ وَأَجَلِّهَا؛ لِيَقْدَمَ عَلَى مَنْ تَابَ إِلَيْهِ فَيُوَفِّيَهُ أَجْرَهُ بِحَسَبِ كَمَالِهَا.

{وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ} أَيْ: لَا يَحْضُرُونَ الزُّورَ، أَيِ: الْقَوْلَ وَالْفِعْلَ الْمُحَرَّمَ، فَيَجْتَنِبُونَ جَمِيعَ الْمَجَالِسِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى الْأَقْوَالِ الْمُحَرَّمَةِ أَوِ الْأَفْعَالِ الْمُحَرَّمَةِ؛ كَالْخَوْضِ فِي آيَاتِ اللَّهِ، وَالْجِدَالِ الْبَاطِلِ، وَالْغِيبَةِ، وَالنَّمِيمَةِ، وَالسَّبِّ، وَالْقَذْفِ، وَالِاسْتِهْزَاءِ، وَالْغِنَاءِ الْمُحَرَّمِ، وَشُرْبِ الْخَمْرِ، وَفُرُشِ الْحَرِيرِ، وَالصُّوَرِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَإِذَا كَانُوا لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ فَمِنْ بَابِ أَوْلَى وَأَحْرَى أَلَّا يَقُولُوهُ وَيَفْعَلُوهُ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ دَاخِلَةٌ فِي قَوْلِ الزُّورِ، تَدْخُلُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِالْأَوْلَوِيَّةِ.

{وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ}: وَهُوَ الْكَلَامُ الَّذِي لَا خَيْرَ فِيهِ، وَلَا فِيهِ فَائِدَةٌ دِينِيَّةٌ وَلَا دُنْيَوِيَّةٌ؛ كَكَلَامِ السُّفَهَاءِ وَنَحْوِهِمْ؛ {مَرُّوا كِرَامًا} أَيْ: نَزَّهُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَكْرَمُوهَا عَنِ الْخَوْضِ فِيهِ، وَرَأَوْا أَنَّ الْخَوْضَ فِيهِ -وَإِنْ كَانَ لَا إِثْمَ فِيهِ- فَإِنَّهُ سَفَهٌ وَنَقْصٌ لِلْإِنْسَانِيَّةِ وَالْمُرُوءَةِ، فَرَبَؤُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْهُ.

وَفِي قَوْلِهِ: {وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ} إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُمْ لَا يَقْصِدُونَ حُضُورَهُ وَلَا سَمَاعَهُ، وَلَكِنْ عِنْدَ الْمُصَادَفَةِ الَّتِي مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ يُكْرِمُونَ أَنْفُسَهُمْ عَنْهُ.

{وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ} الَّتِي أَمَرَهُمْ بِاسْتِمَاعِهَا وَالِاهْتِدَاءِ بِهَا؛ {لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا} أَيْ: لَمْ يُقَابِلُوهَا بِالْإِعْرَاضِ عَنْهَا، وَالصَّمَمِ عَنْ سَمَاعِهَا، وَصَرْفِ النَّظَرِ وَالْقُلُوبِ عَنْهَا، كَمَا يَفْعَلُهُ مَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِهَا وَلَمْ يُصَدِّقْ، وَإِنَّمَا حَالُهُمْ فِيهَا وَعِنْدَ سَمَاعِهَا كَمَا قَالَ تَعَالَى: {إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ}، يُقَابِلُونَهَا بِالْقَبُولِ وَالِافْتِقَارِ إِلَيْهَا، وَالِانْقِيَادِ وَالتَّسْلِيمِ لَهَا، وَتَجِدُ عِنْدَهُمْ آذَانًا سَامِعَةً، وَقُلُوبًا وَاعِيَةً؛ فَيَزْدَادُ بِهَا إِيمَانُهُمْ، وَيَتِمُّ بِهَا إِيقَانُهُمْ، وَتُحْدِثُ لَهُمْ نَشَاطًا، وَيَفْرَحُونَ بِهَا سُرُورًا وَاغْتِبَاطًا.

{وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا} أَيْ: قُرَنَائِنَا مِنْ أَصْحَابٍ وَأَقْرَانٍ وَزَوْجَاتٍ، {وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ} أَيْ: تَقَرُّ بِهِمْ أَعْيُنُنَا، وَإِذَا اسْتَقْرَأْنَا حَالَهُمْ وَصِفَاتِهِمْ عَرَفْنَا مِنْ هِمَمِهِمْ وَعُلُوِّ مَرْتَبَتِهِمْ أَنَّهُمْ لَا تَقَرُّ أَعْيُنُهُمْ حَتَّى يَرَوْهُمْ مُطِيعِينَ لِرَبِّهِمْ، عَالِمِينَ عَامِلِينَ، وَهَذَا كَمَا أَنَّهُ دُعَاءٌ لِأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ فِي صَلَاحِهِمْ فَإِنَّهُ دُعَاءٌ لِأَنْفُسِهِمْ؛ لِأَنَّ نَفْعَهُ يَعُودُ عَلَيْهِمْ؛ وَلِهَذَا جَعَلُوا ذَلِكَ هِبَةً لَهُمْ فَقَالُوا: هَبْ لَنَا؛ بَلْ دُعَاؤُهُمْ يَعُودُ إِلَى نَفْعِ عُمُومِ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّ بِصَلَاحِ مَنْ ذُكِرَ يَكُونُ سَبَبًا لِصَلَاحِ كَثِيرٍ مِمَّنْ يَتَعَلَّقُ بِهِمْ وَيَنْتَفِعُ بِهِمْ.

{وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} أَيْ: أَوْصِلْنَا يَا رَبَّنَا إِلَى هَذِهِ الدَّرَجَةِ الْعَالِيَةِ؛ دَرَجَةِ الصِّدِّيقِينَ وَالْكُمَّلِ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، وَهِيَ دَرَجَةُ الْإِمَامَةِ فِي الدِّينِ، وَأَنْ يَكُونُوا قُدْوَةً لِلْمُتَّقِينَ فِي أَقْوَالِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ، يُقْتَدَى بِأَفْعَالِهِمْ، وَيُطْمَئَنُّ لِأَقْوَالِهِمْ، وَيَسِيرُ أَهْلُ الْخَيْرِ خَلْفَهُمْ فَيَهْدُونَ وَيَهْتَدُونَ.

وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الدُّعَاءَ بِبُلُوغِ شَيْءٍ دُعَاءٌ بِمَا لَا يَتِمُّ إِلَّا بِهِ، وَهَذِهِ الدَّرَجَةُ -دَرَجَةُ الْإِمَامَةِ فِي الدِّينِ- لَا تَتِمُّ إِلَّا بِالصَّبْرِ وَالْيَقِينِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ}، فَهَذَا الدُّعَاءُ يَسْتَلْزِمُ مِنَ الْأَعْمَالِ وَالصَّبْرِ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ، وَعَنْ مَعْصِيَتِهِ، وَعَلَى أَقْدَارِهِ الْمُؤْلِمَةِ، وَمِنَ الْعِلْمِ التَّامِّ الَّذِي يُوصِلُ صَاحِبَهُ إِلَى دَرَجَةِ الْيَقِينِ خَيْرًا كَثِيرًا وَعَطَاءً جَزِيلًا، وَأَنْ يَكُونُوا فِي أَعْلَى مَا يُمْكِنُ مِنْ دَرَجَاتِ الْخَلْقِ بَعْدَ الرُّسُلِ.

وَلِهَذَا لَمَّا كَانَتْ هِمَمُهُمْ وَمَطَالِبُهُمْ عَالِيَةً كَانَ الْجَزَاءُ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ، فَجَازَاهُمْ بِالْمَنَازِلِ الْعَالِيَاتِ، فَقَالَ: {أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا} أَيِ: الْمَنَازِلَ الرَّفِيعَةَ، وَالْمَسَاكِنَ الْأَنِيقَةَ الْجَامِعَةَ لِكُلِّ مَا يُشْتَهَى وَتَلَذُّهُ الْأَعْيُنُ؛ وَذَلِكَ بِسَبَبِ صَبْرِهِمْ نَالُوا مَا نَالُوا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ}؛ وَلِهَذَا قَالَ هُنَا: {وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلامًا} مِنْ رَبِّهِمْ، وَمِنْ مَلَائِكَتِهِ الْكِرَامِ، وَمِنْ بَعْضٍ عَلَى بَعْضٍ، وَيَسْلَمُونَ مِنْ جَمِيعِ الْمُنَغِّصَاتِ وَالْمُكَدِّرَاتِ.

وَالْحَاصِلُ: أَنَّ اللَّهَ وَصَفَهُمْ بِالْوَقَارِ وَالسَّكِينَةِ، وَالتَّوَاضُعِ لَهُ وَلِعِبَادِهِ، وَحُسْنِ الْأَدَبِ، وَالْحِلْمِ، وَسِعَةِ الْخُلُقِ، وَالْعَفْوِ عَنِ الْجَاهِلِينَ، وَالْإِعْرَاضِ عَنْهُمْ، وَمُقَابَلَةِ إِسَاءَتِهِمْ بِالْإِحْسَانِ، وَقِيَامِ اللَّيْلِ وَالْإِخْلَاصِ فِيهِ، وَالْخَوْفِ مِنَ النَّارِ، وَالتَّضَرُّعِ لِرَبِّهِمْ أَنْ يُنْجِيَهُمْ مِنْهَا، وَإِخْرَاجِ الْوَاجِبِ وَالْمُسْتَحَبِّ فِي النَّفَقَاتِ، وَالِاقْتِصَادِ فِي ذَلِكَ -وَإِذَا كَانُوا مُقْتَصِدِينَ فِي الْإِنْفَاقِ الَّذِي جَرَتِ الْعَادَةُ بِالتَّفْرِيطِ فِيهِ أَوِ الْإِفْرَاطِ؛ فَاقْتِصَادُهُمْ وَتَوَسُّطُهُمْ فِي غَيْرِهِ مِنْ بَابِ أَوْلَى-، وَالسَّلَامَةِ مِنْ كَبَائِرِ الذُّنُوبِ، وَالِاتِّصَافِ بِالْإِخْلَاصِ لِلَّهِ فِي عِبَادَتِهِ.

وَالْعِفَّةِ عَنِ الدِّمَاءِ وَالْأَعْرَاضِ، وَالتَّوْبَةِ عِنْدَ صُدُورِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَأَنَّهُمْ لَا يَحْضُرُونَ مَجَالِسَ الْمُنْكَرِ وَالْفُسُوقِ الْقَوْلِيَّةِ وَالْفِعْلِيَّةِ، وَلَا يَفْعَلُونَهَا بِأَنْفُسِهِمْ، وَأَنَّهُمْ يَتَنَزَّهُونَ مِنَ اللَّغْوِ وَالْأَفْعَالِ الرَّدِيَّةِ الَّتِي لَا خَيْرَ فِيهَا، وَذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ مُرُوءَتَهُمْ، وَإِنْسَانِيَّتَهُمْ، وَكَمَالَهُمْ، وَرِفْعَةَ أَنْفُسِهِمْ عَنْ كُلِّ خَسِيسٍ قَوْلِيٍّ وَفِعْلِيِّ.

وَأَنَّهُمْ يُقَابِلُونَ آيَاتِ اللَّهِ بِالْقَبُولِ لَهَا، وَالتَّفَهُّمِ لِمَعَانِيهَا، وَالْعَمَلِ بِهَا، وَالِاجْتِهَادِ فِي تَنْفِيذِ أَحْكَامِهَا، وَأَنَّهُمْ يَدْعُونَ اللَّهَ -تَعَالَى- بِأَكْمَلِ الدُّعَاءِ، فِي الدُّعَاءِ الَّذِي يَنْتَفِعُونَ بِهِ، وَيَنْتَفِعُ بِهِ مَنْ يَتَعَلَّقُ بِهِمْ، وَيَنْتَفِعُ بِهِ الْمُسْلِمُونَ مِنْ صَلَاحِ أَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّتِهِمْ، وَمِنْ لَوَازِمَ ذَلِكَ: سَعْيُهُمْ فِي تَعْلِيمِهِمْ، وَوَعْظِهِمْ، وَنُصْحِهِمْ؛ لِأَنَّ مَنْ حَرَصَ عَلَى شَيْءٍ وَدَعَا اللَّهَ فِيهِ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مُتَسَبِّبًا فِيهِ، وَأَنَّهُمْ دَعَوُا اللَّهَ بِبُلُوغِ أَعْلَى الدَّرَجَاتِ الْمُمْكِنَةِ لَهُمْ، وَهِيَ دَرَجَةُ الْإِمَامَةِ وَالصِّدِّيقِيَّةِ.

فَلِلَّهِ! مَا أَعْلَى هَذِهِ الصِّفَاتِ، وَأَرْفَعَ هَذِهِ الْهِمَمَ، وَأَجَلَّ هَذِهِ الْمَطَالِبَ، وَأَزْكَى تِلْكَ النُّفُوسَ، وَأَطْهَرَ تِلْكَ الْقُلُوبَ، وَأَصْفَى هَؤُلَاءِ الصَّفْوَةَ، وَأَتْقَى هَؤُلَاءِ السَّادَةَ.

وَلِلَّهِ! فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَنِعْمَتُهُ وَرَحْمَتُهُ الَّتِي جَلَّلَتْهُمْ، وَلُطْفُهُ الَّذِي أَوْصَلَهُمْ إِلَى هَذِهِ الْمَنَازِلِ.

وَلِلَّهِ! مِنَّةُ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ أَنْ بَيَّنَ لَهُمْ أَوْصَافَهُمْ، وَنَعَتَ لَهُمْ هَيْئَاتِهِمْ، وَبَيَّنَ لَهُمْ هِمَمَهُمْ، وَأَوْضَحَ لَهُمْ أُجُورَهُمْ؛ لِيَشْتَاقُوا إِلَى الِاتِّصَافِ بِأَوْصَافِهِمْ، وَيَبْذُلُوا جُهْدَهُمْ فِي ذَلِكَ، وَيَسْأَلُوا الَّذِي مَنَّ عَلَيْهِمْ وَأَكْرَمَهُمُ، الَّذِي فَضْلُهُ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ، وَفِي كُلِّ وَقْتٍ وَأَوَانٍ أَنْ يَهْدِيَهُمْ كَمَا هَدَاهُمْ، وَيَتَوَلَّاهُمْ بِتَرْبِيَتِهِ الْخَاصَّةِ كَمَا تَوَلَّاهُمْ.

فَاللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ، وَإِلَيْكَ الْمُشْتَكَى، وَأَنْتَ الْمُسْتَعَانُ، وَبِكَ الْمُسْتَغَاثُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِكَ، لَا نَمْلِكُ لِأَنْفُسِنَا نَفْعًا وَلَا ضَرًّا، وَلَا نَقْدِرُ عَلَى مِثْقَالِ ذَرَّةٍ مِنَ الْخَيْرِ إِنْ لَمْ تُيَسِّرْ ذَلِكَ لَنَا؛ فَإِنَّا ضُعَفَاءُ عَاجِزُونَ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، نَشْهَدُ أَنَّكَ إِنْ وَكَلْتَنَا إِلَى أَنْفُسِنَا طَرْفَةَ عَيْنٍ وَكَلْتَنَا إِلَى ضَعْفٍ وَعَجْزٍ وَخَطِيئَةٍ، فَلَا نَثِقُ يَا رَبَّنَا إِلَّا بِرَحْمَتِكَ الَّتِي بِهَا خَلَقْتَنَا، وَرَزَقْتَنَا، وَأَنْعَمْتَ عَلَيْنَا بِمَا أَنْعَمْتَ مِنَ النِّعَمِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ، وَصَرَفْتَ عَنَّا مِنَ النِّقَمِ؛ فَارْحَمْنَا رَحْمَةً تُغْنِينَا بِهَا عَنْ رَحْمَةِ مَنْ سِوَاكَ، فَلَا خَابَ مَنْ سَأَلَكَ وَرَجَاكَ)).

كُلُّ هَذَا مِنْ صِفَاتِ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، وَهُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَالْكَمَالِ.

هَذِهِ مِنْ صِفَاتِ أَهْلِ الْإِيمَانِ الْكَامِلِ مِنَ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ؛ أَهْلِ السَّعَادَةِ وَالنَّجَاةِ.

وَفِي الْقُرْآنِ آيَاتٌ كَثِيرَاتٌ بَيَّنَ اللهُ فِيهَا -سُبْحَانَهُ- صِفَاتِ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَأَخْلَاقَهُمْ، وَمِنْ ذَلِكَ: مَا فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ حَيْثُ يَقُولُ -سُبْحَانَهُ-: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} [البقرة: 177].

وَفِي مَوَاضِعَ أُخْرَى ذَكَرَ صِفَاتِ الْمُؤْمِنِينَ وَأَخْلَاقَهُمْ، وَمَنْ نَظَرَ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ وَتَعَقَّلَهُ وَجَدَ ذَلِكَ، قَالَ تَعَالَى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 71].

((لَمَّا ذَكَرَ أَنَّ الْمُنَافِقِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ؛ ذَكَرَ أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ، وَوَصَفَهُمْ بِضِدِّ مَا وَصَفَ بِهِ الْمُنَافِقِينَ، فَقَالَ: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ} أَيْ: ذُكُورُهُمْ وَإِنَاثُهُمْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ فِي الْمَحَبَّةِ وَالْمُوَالَاةِ، وَالِانْتِمَاءِ وَالنُّصْرَةِ.

{يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ} وَهُوَ: اسْمٌ جَامِعٌ لِكُلِّ مَا عُرِفَ حُسْنُهُ؛ مِنَ الْعَقَائِدِ الْحَسَنَةِ، وَالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، وَالْأَخْلَاقِ الْفَاضِلَةِ، وَأَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ فِي أَمْرِهِمْ أَنْفُسُهُمْ، {وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} وَهُوَ: كُلُّ مَا خَالَفَ الْمَعْرُوفَ وَنَاقَضَهُ مِنَ الْعَقَائِدِ الْبَاطِلَةِ، وَالْأَعْمَالِ الْخَبِيثَةِ، وَالْأَخْلَاقِ الرَّذِيلَةِ.

{وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} أَيْ: لَا يَزَالُونَ مُلَازِمِينَ لِطَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ عَلَى الدَّوَامِ.

{أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ} أَيْ: يُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَتِهِ، وَيَشْمَلُهُمْ بِإِحْسَانِهِ.

{إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} أَيْ: قَوِيٌّ قَاهِرٌ، وَمَعَ قُوَّتِهِ فَهُوَ حَكِيمٌ، يَضَعُ كُلَّ شَيْءٍ مَوْضِعَهُ اللَّائِقَ بِهِ، الَّذِي يُحْمَدُ عَلَى مَا خَلَقَهُ وَأَمَرَ بِهِ)).

فَهَذِهِ الْآيَةُ مِنْ أَجْمَعِ الْآيَاتِ فِي بَيَانِ صِفَاتِ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَأَخْلَاقِهِمُ الْعَظِيمَةِ، وَمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ.

ومِنْ عَلَامَاتِ الْإِيمَانِ: مَا ذَكَرَهُ اللهُ بِقَوْلِهِ: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [الأنفال: 2-4].

فَوَصَفَ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّهُمُ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ، أَيْ: خَضَعَتْ وَخَشَعَتْ وَذَلَّتْ لِعَظَمَتِهِ، وَانْكَسَرَتْ لِكِبْرِيَائِهِ؛ فَتَرَكَتْ مَعَاصِيَهُ، وَخَافَتْ عِقَابَهُ، وَاطْمَأَنَّتْ بِذِكْرِهِ، {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد: 28].

وَإِنَّهُمْ إِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا، أَيِ: ازْدَادُوا بِهَا عِلْمًا وَبَصِيرَةً، وَرَغْبَةً فِي الْخَيْرِ، وَرَهْبَةً مِنَ الشَّرِّ؛ فَنَمَا الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِهِمْ، وَكَانَ إِيمَانًا نَاشِئًا عَنْ أَعْظَمِ الْأَدِلَّةِ وَالْبَيَانَاتِ، كَمَا قَالُوا: {رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [آل عمران: 16].

وَقَالُوا: {رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا} [آل عمران: 193].

وَكَمَا قَالَ مُؤْمِنُو الْجِنِّ: {وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ} [الجن: 13].

فَبِحَسَبِ إِيمَانِ الْعَبْدِ يَزْدَادُ إِيمَانُهُ عِنْدَ تِلَاوَةِ كِتَابِ اللهِ وَالْحِكْمَةِ، وَهَذَا أَعْلَى مَا يَكُونُ مِنَ الْإِيمَانِ؛ فَإِنَّهُ إِيمَانٌ عَنْ أَكْبَرِ الْبَرَاهِينِ، وَإِيمَانٌ عَلَى بَصِيرَةٍ، لَا كَإِيمَانِ ضُعَفَاءِ الْمُؤْمِنِينَ النَّاشِئِ عَنِ الْعَادَاتِ وَالتَّقَالِيدِ، الَّذِي هُوَ عُرْضَةٌ لِلْعَوارِضِ وَالْعَوَائِقِ.

وَأَمَّا هَذَا الْإِيمَانُ؛ فَهُوَ إِيمَانٌ لَا تُزَعْزِعُهُ الشُّبُهَاتُ، وَلَا تُعَارِضُهُ الْخَيَالَاتُ، بَلْ يَزْدَادُ مَعَ صَاحِبِهِ مَدَى الْأَوْقَاتِ.

وَوَصَفَهُمْ بِتَحْقِيقِ التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ؛ فَأَعْظَمُ النَّاسِ إِيمَانًا أَعْظَمُهُمْ تَوَكُّلًا عَلَى اللهِ؛ خُصُوصًا التَّوَكُّلُ الْعَالِي الَّذِي هُوَ: الِاعْتِمَادُ التَّامُّ عَلَى اللهِ فِي تَحْصِيلِ مَحَابِّهِ وَمَرَاضِيهِ، وَدَفْعِ مَسَاخِطِهِ؛ وَلِهَذَا يَجْعَلُ اللهُ التَّوَكُّلَ مُلَازِمًا لِلْإِيمَانِ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْآيَاتِ؛ كَقَوْلِهِ: {وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [المائدة: 23].

فَالْمُؤْمِنُ حَقًّا تَجِدُهُ قَائِمًا بِمَا أَمَرَ اللهُ بِهِ مِنَ الْأَسْبَابِ، مُعْتَمِدًا عَلَى مُسَبِّبِهَا وَمُصَرِّفِهَا، وَاثِقًا بِرَبِّهِ، لَا يُقْلِقُهُ تَشَوُّشُهَا، وَيُحْزِنُهُ إِتْيَانُهَا عَلَى غَيْرِ مُرَادِهِ، قَدْ هَدَى اللهُ قَلْبَهُ فَاطْمَأَنَّ إِلَى رَبِّهِ وَرَضِيَ بِهِ، وَفَوَّضَ إِلَيْهِ أَمْرَهُ، {وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ}.

قَدْ تَحَقَّقَ قَوْلَهُ تَعَالَى: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} [الحج: 70].

{لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ} [الحديد: 23].

قَدْ رَضِيَ بِكِفَايَةِ رَبِّهِ، وَسَلَّمَ إِلَيْهِ أَمْرَهُ، {وَمَنْ يَتَوَكَّلُ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ}.

وَوَصَفَ الْمُؤْمِنِينَ حَقًّا فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِأَنَّهُمُ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ، أَيْ: يُقِيمُونَهَا بِقِيَامِ مُكَمِّلَاتِهَا ظَاهِرًا وَبَاطِنًا.

وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ؛ فَالصَّلَاةُ فِيهَا الْإِخْلَاصُ لِلْمَعْبُودِ، وَالزَّكَاةُ فِيهَا الْإِحْسَانُ إِلَى عِبَادِ اللهِ -تَعَالَى-.

فَبِحَسَبِ إِيمَانِ الْعَبْدِ يَكُونُ قِيَامُهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ اللَّتَيْنِ هُمَا أُمُّ الْعِبَادَاتِ وَأَجَلُّهَا، وَأَعْلَاهَا وَأَعْظَمُهَا نَفْعًا وَثَمَرَاتٍ، وَكَذَلِكَ وَصَفَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ فِي قَوْلِهِ: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ} [المؤمنون: 1-10].

فَهَذِهِ الْأَوْصَافُ الْعَظِيمَةُ بِهَا يَكْمُلُ الْإِيمَانُ وَيَتَحَقَّقُ، وَهُوَ مِيزَانٌ لِلْخُلُقِ، فَالْمُؤْمِنُونَ الْمُفْلِحُونَ أَهْلُ الْفِرْدَوْسِ هُمُ الَّذِينَ أَقَامُوا الصَّلَاةَ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا بِحُقُوقِهَا، وَخُشُوعِهَا الَّذِي هُوَ لُبُّهَا.

وَآتَوُا الزَّكَاةَ الْمَأْمُورَ بِهَا.

وَحَفِظُوا أَلْسِنَتَهُمْ مِنَ الْكَلَامِ السَّيِّئِ وَالْفُحْشِ، وَمِنَ اللَّغْوِ وَالْكَلَامِ الْبَاطِلِ؛ وَلِهَذَا نَبَّهَ بِالْأَدْنَى الَّذِي هُوَ اللَّغْوُ عَلَى مَا هُوَ أَوْلَى مِنْهُ، فَإِخْبَارُ اللهِ أَنَّهُمْ عَنِ اللَّغْوِ -الَّذِي هُوَ الْكَلَامُ الَّذِي لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ- مُعْرِضُونَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ تَرَكُوا الْكَلَامَ الْمُحَرَّمَ، وَحَفِظُوا فُرُوجَهُمْ عَنِ الْحَرَامِ للهِ -تَعَالَى-.

وَتَمَامُ حِفْظِهَا: حِفْظُ الْبَصَرِ، وَعَدَمُ قُرْبَانِ الْفَوَاحِشِ وَمُقَدِّمَاتِهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ} [النور:30].

وَوَصَفَهُمْ بِمُرَاعَاةِ عُهُودِهِمْ وَأَمَانَاتِهِمْ، وَهَذَا عَامٌّ لِلْعُهُودِ وَالْأَمَانَاتِ الَّتِي بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَبِّهِمْ؛ فَإِنَّهُمْ قَدْ عَقَدُوا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَبِّهِمْ عَقْدَ الطَّاعَةِ وَالسَّمْعِ وَالِالْتِزَامِ؛ وَلِهَذَا ذَكَّرَهُمُ اللهُ بِهَذَا الْعَهْدِ فِي قَوْلِهِ: {وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} [المائدة: 7].

وَالْعُهُودُ وَالْأَمَانَاتُ الَّتِي بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْخَلْقِ أَلَّا يَنْقُضُوهَا، وَأَنْ يُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا؛ وَلِهَذَا ذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ عَلَامَةَ الْإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ مُؤْتَمَنًا عَلَى الدِّمَاءِ وَالْأَمْوَالِ، فَقَالَ: «الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ)). وَالْحَدِيثُ فِي ((الصَّحِيحَيْنِ)).

((وَالْمُؤْمِنُ مَنْ أَمِنَهُ النَّاسُ عَلَى دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ». أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَه.

وَقَالَ ﷺ: «لَا يُؤْمِنُ مَنْ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ». وَهُوَ فِي ((الصَّحِيحَيْنِ)).

وَوَصَفَ الْمُنَافِقَ بِضِدِّ ذَلِكَ.

وَوَصَفَ الْمُؤْمِنِينَ بِالْإِيمَانِ بِجَمِيعِ الْحَقِّ الَّذِي نَزَّلَ اللهُ، وَبِالرُّسُلِ الَّذِينَ أَرْسَلَهُمُ اللهُ، فَقَالَ: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [البقرة: 285].

فَالْمُؤْمِنُ لَمَّا كَانَ وَصْفُهُ أَنَّهُ مَتَطَلِّبٌ لِرِضْوَانِ اللهِ، مُتَّبِعٌ هُدَاهُ أَيْنَمَا كَانَ؛ آمَنَ بِجَمِيعِ الْإِلَهِيَّةِ وَالرُّسُلِ، وَالْتَزَمَ الدُّخُولَ فِي طَاعَةِ اللهِ وَطَاعَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَسَأَلَ اللهَ أَنْ يَغْفِرَ لَهُ مَا قَصَّرَ فِيهِ، وَأَنْ يَتَجَاوَزَ عَنْهُ إِذَا أَقْدَمَ عَلَيْهِ.

وَمِنْ صِفَاتِ الْمُؤْمِنِينَ: أَنَّهُمْ يُحَكِّمُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِمْ: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65].

{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النور: 62].

{إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [النور: 51].

{فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء: 59].

فَالْمُؤْمِنُ أَخْلَصَ دِينَهُ للهِ، وَاجْتَهَدَ فِي الِاقْتِدَاءِ بِرَسُولِ اللهِ، وَلَمْ يُقَدِّمْ عَلَى قَوْلِهِ وَحُكْمِهِ قَوْلَ غَيْرِهِ وَلَا حُكْمَهُ، بَلْ إِذَا تَبَيَّنَتْ لَهُ سُنَّةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ لَمْ يَعْدِلْ عَنْهَا إِلَى غَيْرِهَا، وَبِحَسَبِ تَحْقِيقِهِ لِهَذَيْنِ الْأَصْلَيْنِ يَتَحَقَّقُ إِيمَانُهُ، وَيَقْوَى يَقِينُهُ وَعِرْفَانُهُ.

وَمِنْ صِفَاتِ الْمُؤْمِنِينَ: أَنَّهُمْ مُتَحَابُّونَ مُتَوَالُونَ مُتَرَاحِمُونَ مُتَعَاطِفُونَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [التوبة:71].

وَقَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا} [المائدة: 55].

وَقَالَ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [الحشر:10].

وَكَمَا فِي ((الصَّحِيحَيْنِ)) عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ».

وَكُلَّمَا ازْدَادَ الِاتِّصَالُ بِقَرَابَةٍ أَوْ جِوَارٍ أَوْ حَقٍّ مِنَ الْحُقُوقِ ازْدَادَ هَذَا الْمَعْنَى، وَتَأَكَّدَ الْإِحْسَانُ إِلَيْهِ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ». وَالْحَدِيثُ فِي ((الصَّحِيحَيْنِ)) مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-.

وَعِنْدَ مُسْلِمٍ فِي ((صَحِيحِهِ)) مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا».

وَعِنْدَ مُسْلِمٍ -أَيْضًا- فِي ((الصَّحِيحِ)) مِنْ رِوَايَةِ تَمِيمٍ بْنِ أَوْسٍ الدَّارِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: ((الدِّينُ النَّصِيحَةُ)).

قُلْنَا: ((لِمَنْ يَا رَسُولَ اللهِ؟)).

قَالَ: ((للهِ، وَلِكِتَابِهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَعَامَّتِهِمْ)).

فَالْمُؤْمِنُونَ يَدِينُونَ اللهَ بِالنَّصِيحَةِ لَهُ فِي عُبُودِيَّتِهِ، وَلِكِتَابِهِ فِي تَعَلُّمِهِ، وَتَفَهُّمِهِ، وَالْعَمَلِ بِهِ، وَالدَّعْوَةِ لِذَلِكَ، وَلِرَسُولِهِ فِي الِاجْتِهَادِ فِي مُتَابَعَتِهِ فِي أَقْوَالِهِ، وَأَفْعَالِهِ، وَجَمِيعِ أَحْوَالِهِ، وَيَجْتَهِدُونَ -أَيْضًا- بِأَنْ يَدِينُوا للهِ -تَعَالَى- بِالنَّصِيحَةِ لِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ بِإِرْشَادِهِمْ إِلَى مَصَالِحِهِمُ الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ، وَمُعَاوَنَتِهِمْ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى، وَكَفِّهِمْ عَنِ الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ بِحَسَبِ الْقُدْرَةِ، كَمَا قَالَ -تَعَالَى- فِي الْآيَةِ السَّابِقَةِ فِي وَصْفِهِمْ أَنَّهُمْ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ، وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ.

وَمِنْ صِفَاتِهِمُ الْحَمِيدَةِ وَمَنَاقِبِهِمُ السَّدِيدَةِ: مَا قَالَهُ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا للهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللهُ مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ».

فَجَعَلَ تَحْقِيقَ الْإِيمَانِ وَوُجْدَ حَلَاوَتِهِ بِكَوْنِ الْمَحَبَّةِ للهِ وَرَسُولِهِ، وَتَقْدِيمِهَا عَلَى سَائِرِ الْمَحَابِّ، وَجَعَلَ الْمَحَابَّ تَبَعًا لَهَا، فَيُحِبُّ الْمَرْءَ لِمَا قَامَ بِهِ وَاتَّصَفَ بِهِ مِنْ مَحَابِّ اللهِ -تَعَالَى-، وَمَا مَنَّ اللهُ بِهِ مِنَ الْأَخْلَاقِ الْفَاضِلَةِ، فَكُلَّمَا قَوِيَتْ فِيهِ ازْدَادَتْ مَحَبَّتُهُ لَهُ، فَتَكُونُ مَحَبَّةُ الْمُؤْمِنِ دَائِرَةً مَعَ مَحَبَّةِ اللهِ، فَيُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ، وَيُحِبُّ مَنْ يُحِبُّهُ مِنَ الْأَعْمَالِ وَالْأَشْخَاصِ، وَتَكُونُ كَرَاهَتُهُ لِلْكُفْرِ الْمُضَادِّ لِلْإِيمَانِ أَعْظَمَ مِنْ كَرَاهَتِهِ لِلنَّارِ الَّتِي سَيُقْذَفُ فِيهَا.

وَمِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي ((صَحِيحِهِ)) مِنْ رِوَايَةِ الْعَبَّاسِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: «ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ ﷺ نَبِيًّا».

وَفِي ((صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ)): ((قَالَ هِرَقْلُ لِأَبِي سُفْيَانَ: وَسَأَلْتُكَ: أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ؟ فَذَكَرْتَ أَنَّهُمْ يَزِيدُونَ، وَكَذَلِكَ أَمْرُ الْإِيمَانِ حَتَّى يَتِمَّ، وَسَأَلْتُكَ: أَيَرْتَدُّ أَحَدٌ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ؟ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا، وَكَذَلِكَ الْإِيمَانُ حِينَ تُخَالِطُ بَشَاشَتُهُ الْقُلُوبَ)).

وَقَدْ أَخْرَجَ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «يَا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يَدْخُلِ الْإِيمَانُ قَلْبَهُ! لَا تَغْتَابُوا الْمُسْلِمِينَ، وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ؛ فَإِنَّهُ مَنْ يَتَّبِعْ عَوْرَةَ أَخِيهِ يَتَّبِعِ اللهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ يَتَّبِعِ اللهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ وَلَوْ فِي جَوْفِ بَيْتِهِ».

وَمِنْ عَلَامَاتِ الْمُؤْمِنِينَ: أَنَّ اللهَ قَدْ شَرَحَ صُدُورَهُمْ لِلْإِسْلَامِ؛ فَانْقَادُوا لِشَرَائِعِه طَوْعًا وَاخْتِيَارًا وَمَحَبَّةً، قَدِ اطْمَأَنَّتْ لِذَلِكَ نُفُوسُهُمْ، وَصَارُوا عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ أَمْرِهِمْ، فَهُمْ يَمْشُونَ بِنُورِهِمْ بَيْنَ النَّاسِ، قَالَ تَعَالَى: {أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ} [الزمر: 22].

وَقَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ}.

فَتَحْقِيقُ الْإِيمَانِ عَلَامَتُهُ: سُهُولَةُ الْعِبَادَاتِ، وَالتَّلَذُّذُ بِالْمَشَقَّاتِ فِي رِضَى رَبِّ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتِ، وَالتَّصْدِيقُ التَّامُّ بِالْجَزَاءِ، وَالْعَمَلُ بِمُقْتَضَى هَذَا الْيَقِينِ.

وَكَذَلِكَ قَالَ الْحَسَنُ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((لَيْسَ الْإِيمَانُ بِالتَّحَلِّي وَلَا بِالتَّمَنِّي، وَلَكِنْ مَا وَقَرَ فِي الْقَلْبِ وَصَدَّقَتْهُ الْأَعْمَالُ)).

وَلِهَذَا مِنْ أَجَلِّ عَلَامَاتِ الْمُؤْمِنِينَ: أَنَّ الْإِيمَانَ يَصِلُ بِهِمْ إِلَى حَدِّ الْيَقِينِ وَالصِّدِّيقِينَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ} [الحديد: 19].

وَلَمَّا ذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ ارْتِفَاعَ غُرَفِ الْجَنَّةِ وَعُلُوَّهَا الْعَظِيمَ قَالُوا: ((يَا رَسُولَ اللهِ! تِلْكَ مَنَازِلُ الْأَنْبِيَاءِ لَا يَبْلُغُهَا غَيْرُهُمْ؟)).

فَقَالَ: «بَلَى، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! رِجَالٌ آمَنُوا بِاللهِ، وَصَدَّقُوا الْمُرْسَلِينَ». وَالْحَدِيثُ فِي ((الصَّحِيحَيْنِ)) مِنْ رِوَايَةِ أَبِي سَعِيدٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-.

وَلِهَذَا كَانَتِ الصِّدِّيقِيَّةُ الَّتِي أَثْنَى بِهَا عَلَى خَوَاصِّ خَلْقِهِ تَكْمِيلَ مَرَاتِبِ الْإِيمَانِ عِلْمًا، وَعَمَلًا، وَدَعْوَةً.

وَكَمَا أَنَّ مِنْ تَحْقِيقِ الْإِيمَانِ أَنْ تَكُونَ الْأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ مُصَدِّقَةً لَهُ؛ فَمِنْ تَحْقِيقِهِ -أَيْضًا-: أَنْ يَكُونَ الْمُؤْمِنُ مُتَنَزِّهًا عَنِ الْإِثْمِ وَالْفُسُوقِ وَأَنْوَاعِ الْمَعَاصِي الدَّاخِلَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ} [الأنعام: 82].

وَقَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [البقرة: 278].

وَمِنْ مُوجِبَاتِ الْإِيمَانِ: صَرْفُ الْأَمْوَالِ فِي مَصَارِفِهَا الشَّرْعِيَّةِ، وَوَضْعُهَا مَوَاضِعَهَا، وَإِقَامَةُ الْحُدُودِ الَّتِي حَدَّ اللهُ وَرَسُولُهُ، قَالَ تَعَالَى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ} [الأنفال: 41].

وَقَالَ تَعَالَى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} [النور: 2].

وَقَالَ تَعَالَى: {وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} [النور: 3]؛ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ النُّصُوصِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى وَصْفِ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَنَّ الْعَبْدَ لَا يَسْتَحِقُّ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ حَتَّى يَتَّصِفَ بِهَا.

وَفِي الْجُمْلَةِ؛ فَكُلَّمَا قَالَ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا! افْعَلُوا كَذَا، أَوِ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا! اتْرُكُوا كَذَا؛ كَانَ امْتِثَالُ ذَلِكَ الْأَمْرِ وَاجْتِنَابُ ذَلِكَ النَّهْيِ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ الْإِيمَانِ وَمُوجِبَاتِهِ الَّذِي لَا يَتِمُّ إِلَّا بِهَا؛ فَبِهَذَا وَنَحْوِهِ تَعْرِفُ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ الَّذِي جَعَلَهُ اللهُ عُنْوَانَ السَّعَادَةِ، وَمَادَّةَ الْفَلَاحِ، وَسَبَبَ الْفَوْزِ بِكُلِّ مَطْلُوبٍ، وَالنَّجَاةِ مِنْ كُلِّ مَرْهُوبٍ.

فَنَسْأَلُهُ -تَعَالَى- إِيمَانًا كَامِلًا يَهْدِي بِهِ قُلُوبَنَا إِلَى مَعْرِفَتِهِ وَمَحَبَّتِهِ، وَالْإِنَابَةِ إِلَيْهِ فِي كُلِّ أَمْرٍ، وَأَلْسِنَتَنَا إِلَى ذِكْرِهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، وَجَوَارِحَنَا إِلَى طَاعَتِهِ.

قَالَ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ} [يونس: 9].

وَمِنْ صِفَاتِ الْمُؤْمِنِينَ الْجَمِيلَةِ الْجَلِيلَةِ: أَنَّ اللهَ يَهْدِيهِمْ إِلَى الْحَقِّ فِي الْمَوَاطِنِ الْمُشْتَبِهَاتِ، وَلِلصَّوَابِ فِي مَحَالِّ الْمَتَاهَاتِ الَّتِي لَا تَحْتَمِلُهَا عُقُولُ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ، وَيَزْدَادُونَ إِيمَانًا وَيَقِينًا فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي يَزْدَادُ بِهَا غَيْرُهُمْ رَيْبًا وَشَكًّا، قَالَ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا} [البقرة: 26].

وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ}  -إِلَى أَنْ قَالَ-: {وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الحج: 54].

وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ} [المدثر: 31].

وَقَالَ تَعَالَى: {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا} [آل عمران: 7].

فَمَا مَعَهُمْ مِنَ الْإِيمَانِ وَالْيَقِينِ يَهْدِيهِمْ إِلَى الْحَقَائِقِ، وَأَقْوَمِ الطَّرَائِقِ، وَأَرْشَدِ الْأُمُورِ، وَأَصْلَحِ الْأَحْوَالِ؛ وَلِهَذَا كَانَ الْقُرْآنُ تَذْكِرَةً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ.

وَقَالَ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ} [المؤمنون: 57-58].

{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}.

فَلَمَّا مَشَوْا بِنُورِ إِيمَانِهِمْ فِي ظُلُمَاتِ الْجَهَالَاتِ وَالشُّرُورِ؛ تَوَلَّاهُمْ مَوْلَاهُمْ -{اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ}. {وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ}-؛ مَشَوْا فِي نُورِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ {يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا} [الحديد: 12].

وَلَمَّا كَانَتْ تِجَارَتُهُمْ أَجَلَّ التِّجَارَاتِ؛ كَانَ رِبْحُهَا النَّعِيمَ الْمُقِيمَ فِي غُرَفِ الْجِنَانِ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ...} [الصف: 10-11].

وَمِنْ صِفَاتِهِمْ: أَنَّ اللهَ يُنْزِلَ فِي قُلُوبِهِمُ السَّكِينَةَ وَالطُّمَأْنِينَةَ فِي مَوَاضِعِ الْحَرَجِ وَالْقَلَقِ، قَالَ تَعَالَى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ} [الفتح: 4].

((جُمْلَةٌ جَامِعَةٌ مِنْ ثَمَرَاتِ الْإِيمَانِ))

اعْلَمْ أَنَّ خَيْرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ مِنْ ثَمَرَاتِ الْإِيمَانِ الصَّحِيحِ، وَبِهِ يَحْيَا الْعَبْدُ حَيَاةً طَيِّبَةً فِي الدَّارَيْنِ، وَبِهِ يَنْجُو مِنَ الْمَكَارِهِ وَالشُّرُورِ، وَبِهِ تَخِفُّ الشَّدَائِدُ، وَتُدْرَكُ جَمِيعُ الْمَطَالِبِ، وَلْنُشِرْ إِلَى هَذِهِ الثَّمَرَاتِ عَلَى وَجْهِ التَّفْصِيلِ؛ فَإِنَّ مَعْرِفَةَ فَوَائِدِ الْإِيمَانِ وَثَمَرَاتِهِ مِنْ أَكْبَرِ الدَّوَاعِي إِلَى التَّزَوُّدِ مِنْهُ.

* فَمِنْ ثَمَرَاتِ الْإِيمَانِ: أَنَّهُ سَبَبُ رِضَا اللهِ الَّذِي هُوَ أَكْبَرُ شَيْءٍ، فَمَا نَالَ أَحَدٌ رِضَا اللهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ إِلَّا بِالْإِيمَانِ وَثَمَرَاتِهِ؛ بَلْ صَرَّحَ اللهُ بِهِ فِي كِتَابِهِ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ، وَإِذَا رَضِيَ اللهُ عَنِ الْعَبْدِ قَبِلَ الْيَسِيرَ مِنْ عَمَلِهِ وَنَمَّاهُ، وَغَفَرَ الْكَثِيرَ مِنْ زَلَلِهِ وَمَحَاهُ.

* وَمِنْ ثَمَرَاتِ الْإِيمَانِ: أَنَّ ثَوَابَ الْآخِرَةِ، وَدُخُولَ الْجَنَّةِ، وَالتَّنَعُّمَ بِنَعِيمِهَا، وَالنَّجَاةَ مِنَ النَّارِ وَعِقَابِهَا إِنَّمَا يَكُونُ بِالْإِيمَانِ، فَأَهْلُ الْإِيمَانِ هُمْ أَهْلُ الثَّوَابِ الْمُطْلَقِ، وَهُمُ النَّاجُونَ مِنْ جَمِيعِ الشُّرُورِ.

* وَمِنْ ثَمَرَاتِ الْإِيمَانِ: أَنَّ اللهَ يَدْفَعُ وَيُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا شُرُورَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَيَدْفَعُ عَنْهُمْ كَيْدَ شَيَاطِينِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: {إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [النحل: 99].

وَلَمَّا ذَكَرَ إِنْجَاءَهُ ذَا النُّونِ قَالَ: {وَكَذَٰلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ} [الأنبياء: 88]؛ أَيْ: مِنَ الشَّدَائِدِ وَالْمَكَارِهِ إِذَا وَقَعُوا فِيهَا.

وَالْإِيمَانُ بِنَفْسِهِ وَطَبِيعَتِهِ يَدْفَعُ الْإِقْدَامَ عَلَى الْمَعَاصِي، وَإِذَا وَقَعَتْ مِنَ الْعَبْدِ دَفَعَ عُقُوبَاتِهَا بِالْمُبَادَرَةِ إِلَى التَّوْبَةِ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ)).. إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ، وَهُوَ فِي ((الصَّحِيحَيْنِ)).

فَبَيَّنَ أَنَّ الْإِيمَانَ يَدْفَعُ وُقُوعَ الْفَوَاحِشِ، وَقَالَ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ} [الأعراف: 201].

وَمِنْ ثَمَرَاتِ الْإِيمَانِ: أَنَّ اللهَ وَعَدَ الْمُؤْمِنِينَ الْقَائِمِينَ بِالْإِيمَانِ حَقِيقَةً بِالنَّصْرِ، وَأَحَقَّهُ عَلَى نَفْسِهِ، فَمَنْ قَامَ بِالْإِيمَانِ وَلَوَازِمِهِ وَمُتَمِّمَاتِهِ فَلَهُ النَّصْرُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَإِنَّمَا يَنْتَصِرُ أَعْدَاءُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِمْ إِذَا ضَيَّعُوا الْإِيمَانَ، وَضَيَّعُوا حُقُوقَهُ وَوَاجِبَاتِهِ الْمُتَنَوِّعَةَ.

* وَمِنْ ثَمَرَاتِ الْإِيمَانِ: أَنَّ الْهِدَايَةَ مِنَ اللهِ لِلْعِلْمِ وَالْعَمَلِ وَلِمَعْرِفَةِ الْحَقِّ وَسُلُوكِهِ هِيَ بِحَسَبِ الْإِيمَانِ وَالْقِيَامِ بِحُقُوقِهِ، قَالَ تَعَالَى: {يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ} [المائدة: 16].

وَمَعْلُومٌ أَنَّ اتِّبَاعَ رِضْوَانِ اللهِ -الَّذِي هُوَ حَقِيقَةُ الْإِخْلَاصِ- هُوَ رُوحُ الْإِيمَانِ، وَسَاقُهُ الَّذِي يَقُومُ عَلَيْهِ.

وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ} [التغابن: 11].

فَهَذِهِ هِدَايَةٌ عَمَلِيَّةٌ؛ هِدَايَةُ تَوْفِيقٍ وَإِعَانَةٍ عَلَى الْقِيَامِ بِوَظِيفَةِ الصَّبْرِ عِنْدَ حُلُولِ الْمَصَائِبِ إِذَا عَلِمَ أَنَّهَا مِنْ عِنْدِ اللهِ، فَرَضِيَ وَسَلِمَ وَانْقَادَ.

* وَمِنْ ثَمَرَاتِ الْإِيمَانِ: أَنَّ الْإِيمَانَ يَدْعُو إِلَى الزِّيَادَةِ مِنْ عُلُومِهِ وَأَعْمَالِهِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ؛ فَالْمُؤْمِنُ بِحَسَبِ إِيمَانِهِ لَا يَزَالُ يَطْلُبُ الزِّيَادَةَ مِنَ الْعُلُومِ النَّافِعَةِ، وَمِنَ الْأَعْمَالِ النَّافِعَةِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَبِحَسَبِ قُوَّةِ إِيمَانِهِ يَزِيدُ إِيمَانُهُ وَرَغْبَتُهُ وَعَمَلُهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا} [الحجرات: 15].

{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [الأنفال: 2].

{فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} [التوبة: 124].

* وَمِنْ ثَمَرَاتِ الْإِيمَانِ: أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ بِاللهِ وَبِكَمَالِهِ وَعَظَمَتِهِ وَكِبْرِيَائِهِ وَمَجْدِهِ أَعْظَمُ النَّاسِ يَقِينًا وَطُمَأْنِينَةً، وَتَوَكُّلًا عَلَى اللهِ، وَثِقَةً بِوَعْدِهِ الصَّادِقِ، وَرَجَاءً لِرَحْمَتِهِ، وَخَوْفًا مِنْ عِقَابِهِ، وَأَعْظَمُهُمْ إِجْلَالًا للهِ وَمُرَاقَبَةً، وَأَعْظَمُهُمْ إِخْلَاصًا وَصِدْقًا، وَهَذَا هُوَ صَلَاحُ الْقُلُوبِ، لَا سَبِيلَ إِلَيْهِ إِلَّا بِالْإِيمَانِ.

* وَمِن ثَمَرَاتِ الْإِيمَانِ: أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ لِلْعَبْدِ أَنْ يَقُومَ بِالْإِخْلَاصِ للهِ وَلِعِبَادِ اللهِ، وَنَصِيحَتِهِمْ عَلَى الْوَجْهِ إِلَّا بِالْإِيمَانِ؛ فَإِنَّ الْمُؤْمِنَ تَحْمِلُهُ عُبُودِيَّةُ اللهِ، وَطَلَبُ التَّقَرُّبِ إِلَى اللهِ، وَرَجَاءُ ثَوَابِهِ، وَالْخَشْيَةُ مِنْ عِقَابِهِ عَلَى الْقِيَامِ بِالْوَاجِبَاتِ الَّتِي للهِ، وَالَّتِي لِعِبَادِ اللهِ.

* وَمِنْ ثَمَرَاتِ الْإِيمَانِ: أَنَّ الْمُعَامَلَاتِ بَيْنَ الْخَلْقِ لَا تَتِمُّ وَتَقُومُ إِلَّا عَلَى الصِّدْقِ وَالنُّصْحِ، وَعَدَمِ الْغِشِّ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، وَهَلْ يَقُومُ بِهَا عَلَى الْحَقِيقَةِ إِلَّا الْمُؤْمِنُونَ؟!!

* وَمِنْ ثَمَرَاتِ الْإِيمَانِ: أَنَّ الْإِيمَانَ أَكْبَرُ عَوْنٍ عَلَى تَحَمُّلِ الْمَشَقَّاتِ، وَالْقِيَامِ بِأَعْبَاءِ الطَّاعَاتِ، وَتَرْكِ الْفَوَاحِشِ الَّتِي فِي النُّفُوسِ دَاعٍ قَوِيٌّ إِلَى فِعْلِهَا، فَلَا تَتِمُّ هَذِهِ الْأُمُورُ إِلَّا بِقُوَّةِ الْإِيمَانِ.

* وَمِنْ ثَمَرَاتِ الْإِيمَانِ: أَنَّ الْعَبْدَ لَا بُدَّ أَنْ يُصَابَ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ، وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ، وَهُوَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَجْزَعَ وَيَضْعُفَ صَبْرُهُ، فَيَفُوتُهُ الْخَيْرُ وَالثَّوَابُ، وَيَسْتَحِقُّ عَلَى ذَلِكَ الْعِقَابَ، وَمُصِيبَتُهُ لَمْ تُقْلِعْ وَلَمْ تَخِفَّ، بَلِ الْجَزَعُ يَزِيدُهَا.

وَإِمَّا أَنْ يَصْبِرَ فَيَحْظَى بِثَوَابِهَا، وَالصَّبْرُ لَا يَقُومُ إِلَّا عَلَى الْإِيمَانِ، وَأَمَّا الصَّبْرُ الَّذِي لَا يَقُومُ عَلَى الْإِيمَانِ -كَالتَّجَلُّدِ وَنَحْوِهِ-؛ فَمَا أَقَلَّ فَائِدَتَهُ!! وَمَا أَسْرَعَ مَا يُعْقِبُهُ الْجَزَعُ!!

فَالْمُؤْمِنُونَ أَعْظَمُ النَّاسِ صَبْرًا وَيَقِينًا وَثَبَاتًا فِي مَوَاضِعِ الشِّدَّةِ.

* وَمِنْ ثَمَرَاتِ الْإِيمَانِ: أَنَّ الْإِيمَانَ يُوجِبُ لِلْعَبْدِ قُوَّةَ التَّوَكُّلِ عَلَى اللهِ؛ لِعِلْمِهِ وَإِيمَانِهِ أَنَّ الْأُمُورَ كُلَّهَا رَاجِعَةٌ إِلَى اللهِ، وَمُنْدَرِجَةٌ فِي قَضَائِهِ وَقَدَرِهِ، وَأَنَّ مَنِ اعْتَمَدَ عَلَى اللهِ كَفَاهُ، وَمَنْ تَوَكَّلَ عَلَى اللهِ فَقَدْ تَوَكَّلَ عَلَى الْقَوِيِّ الْعَزِيزِ الْقَهَّارِ، وَمَعَ أَنَّهُ يُوجِبُ قُوَّةَ التَّوَكُّلِ -يَعْنِي: الْإِيمَانَ- فَإِنَّهُ يُوجِبُ السَّعْيَ وَالْجِدَّ فِي كُلِّ سَبَبٍ نَافِعٍ؛ لِأَنَّ الْأَسْبَابَ النَّافِعَةَ نَوْعَانِ: دِينِيَّةٌ وَدُنْيَوِيَّةٌ.

فَالْأَسْبَابُ الدِّينِيَّةُ: هِيَ إِيمَانٌ، وَهِيَ مِنْ لَوَازِمِ الْإِيمَانِ.

وَالْأَسْبَابُ الدُّنْيَوِيَّةُ قِسْمَانِ: سَبَبٌ مُعِينٌ عَلَى الدِّينِ، وَيَحْتَاجُ إِلَيْهِ الدِّينُ، فَهُوَ -أَيْضًا- مِنَ الدِّينِ؛ كَالسَّعْيِ فِي الْقُوَّةِ الْمَعْنَوِيَّةِ وَالْمَادِّيَّةِ الَّتِي فِيهَا قُوَّةُ الْمُؤْمِنِينَ.

وَسَبَبٌ لَمْ يُوضَعْ فِي الْأَصْلِ مُعِينًا عَلَى الدِّينِ؛ وَلَكِنَّ الْمُؤْمِنَ لِقُوَّةِ إِيمَانِهِ، وَرَغْبَتِهِ فِيمَا عِنْدَ اللهِ مِنَ الْخَيْرِ يَسْلُكُ إِلَى رَبِّهِ، وَيَنْفُذُ إِلَيْهِ مَعَ كُلِّ سَبَبٍ وَطَرِيقٍ، فَيَسْتَخْرِجُ مِنَ الْمُبَاحَاتِ بِنِيَّتِهِ وَصِدْقِ مَعْرِفَتِهِ وَلُطْفِ عِلْمِهِ بَابًا يَكُونُ بِهِ مُعِينًا عَلَى الْخَيْرِ، مُجِمًّا لِلنَّفْسِ، مُسَاعِدًا لَهَا عَلَى الْقِيَامِ بِحُقُوقِ اللهِ وَحُقُوقِ عِبَادِهِ الْوَاجِبَةِ وَالْمُسْتَحَبَّةِ، فَيَكُونُ هَذَا الْمُبَاحُ حَسَنًا فِي حَقِّهِ، عِبَادَةً للهِ؛ لِمَا صَحِبَهُ مِنَ النِّيَّةِ الصَّادِقَةِ.

حَتَّى إِنَّ بَعْضَ الْمُؤْمِنِينَ الصَّادِقِينَ فِي إِيمَانِهِمْ وَمَعْرِفَتِهِمْ رُبَّمَا نَوَى فِي نَوْمِهِ وَرَاحَاتِهِ وَلَذَّاتِهِ التَّقَوِّيَ عَلَى الْخَيْرِ، وَتَرْبِيَةَ الْبَدَنِ لِفِعْلِ الْعِبَادَاتِ، وَتَقْوِيَتَهُ عَلَى الْخَيْرِ، وَكَذَلِكَ فِي أَدْوِيَتِهِ وَعِلَاجَاتِهِ الَّتِي يَحْتَاجُهَا؛ وَرُبَّمَا نَوَى فِي اشْتِغَالِهِ فِي الْمُبَاحَاتِ أَوْ بَعْضِهَا الِاشْتِغَالَ عَنِ الشَّرِّ، وَرُبَّمَا نَوَى بِذَلِكَ جَذْبَ مَنْ خَالَطَهُ وَعَاشَرَهُ بِمِثْلِ هَذِهِ الْأُمُورِ عَلَى فِعْلِ خَيْرٍ أَوِ انْكِفَافٍ عَنْ شَرٍّ.

وَرُبَّمَا نَوَى بِمُعَاشَرَتِهِ الْحَسَنَةِ إِدْخَالَ السُّرُورِ وَالِانْبِسَاطِ عَلَى قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهَ مِنَ الْإِيمَانِ وَلَوَازِمِهِ.

وَلَمَّا كَانَ الْإِيمَانُ بِهَذَا الْوَصْفِ قَالَ -تَعَالَى- فِي عِدَّةِ آيَاتٍ مِنْ كِتَابِهِ: {وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [المائدة: 23].

* وَمِنْ ثَمَرَاتِ الْإِيمَانِ: أَنَّ الْإِيمَانَ يُشَجِّعُ الْعَبْدَ، وَيَزِيدُ الشُّجَاعَ شَجَاعَةً؛ فَإِنَّهُ لِاعْتِمَادِهِ عَلَى اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ، وَلِقُوَّةِ رَجَائِهِ وَطَمَعِهِ فِيمَا عِنْدَهُ تَهُونُ عَلَيْهِ الْمَشَقَّاتُ، وَيُقْدِمُ عَلَى الْمُخَاوِفِ وَاثِقًا بِرَبِّهِ، رَاجِيًا لَهُ، رَاهِبًا مِنْ نُزُولِهِ مِنْ عَيْنِ رَبِّهِ؛ لِخَوْفِهِ مِنَ الْمَخْلُوقِينَ -أَيْ: بِسَبَبِ خَوْفِهِ مِنَ الْمَخْلُوقِينَ؛ لِأَنَّهُ إِنْ خَافَ مِنَ الْمَخْلُوقِينَ نَزَلَ مِنْ عَيْنِ رَبِّهِ-.

وَمِنَ الْأَسْبَابِ لِقُوَّةِ الشَّجَاعَةِ: أَنَّ الْمُؤْمِنَ يَعْرِفُ رَبَّهُ حَقًّا، وَيَعْرِفُ الْخَلْقَ حَقًّا، فَيَعْرِفُ أَنَّ اللهَ -تَعَالَى- هُوَ النَّافِعُ الضَّارُّ -وَهَذَا مِنَ الْإِخْبَارِ عَنِ اللهِ، لَيْسَ مِنْ بَابِ تَسْمِيَتِهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى--، الْمُعْطِي الْمَانِعُ -هَذَا كَذَلِكَ مِنْ بَابِ الْإِخْبَارِ عَنِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-- الَّذِي لَا يَأْتِي بِالْحَسَنَاتِ إِلَّا هُوَ، وَلَا يَدْفَعُ السَّيِّئَاتِ إِلَّا هُوَ، وَأَنَّهُ الْغَنِيُّ مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ، وَأَنَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنَ الْوَالِدَةِ بِوَلَدِهَا، وَأَلْطَفُ بِهِ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ، وَأَنَّ الْخَلْقَ بِخِلَافِ ذَلِكَ كُلِّهِ؛ وَلَا رَيْبَ أَنَّ هَذَا دَاعٍ قَوِيٌّ عَظِيمٌ يَدْعُو إِلَى قُوَّةِ الشَّجَاعَةِ، وَقَصْرِ خَوْفِ الْعَبْدِ وَرَجَائِهِ عَلَى رَبِّهِ، وَأَنْ يَنْتَزِعَ مِنْ قَلْبِهِ خَوْفَ الْخَلْقِ وَرَجَاءَهُمْ وَهَيْبَتَهُمْ.

وَمِنْ آثَارِ الْإِيمَانِ وَثَمَرَاتِهِ: أَنَّ الْإِيمَانَ هُوَ السَّبَبُ الْأَعْظَمُ لِتَعَلُّقِ الْقَلْبِ بِاللهِ فِي جَمِيعِ مَطَالِبِهِ الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ، وَالْإِيمَانُ الْقَوِيُّ يَدْعُو إِلَى هَذَا الْمَطْلَبِ الَّذِي هُوَ أَعْلَى الْأُمُورِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَهُوَ غَايَةُ سَعَادَةِ الْعَبْدِ، وَفِي مُقَابَلَةِ هَذَا يَدْعُو إِلَى التَّحَرُّرِ مِنْ رِقِّ الْقَلْبِ لِلْمَخْلُوقِينَ، وَمِنَ التَّعَلُّقِ بِهِمْ، وَمَنْ تَعَلَّقَ بِالْخَالِقِ دُونَ الْمَخْلُوقِ فِي كُلِّ أَحْوَالِهِ؛ حَصَلَتْ لَهُ الْحَيَاةُ الطَّيِّبَةُ، وَالرَّاحَةُ الْحَاضِرَةُ، وَالتَّوْحِيدُ الْكَامِلُ، كَمَا أَنَّ مَنْ عَكَسَ الْقَضِيَّةَ نَقَصَ إِيمَانُهُ وَتَوْحِيدُهُ، وَانْفَتَحَتْ عَلَيْهِ الْهُمُومُ وَالْغُمُومُ وَالْحَسَرَاتُ.

وَلَا رَيْبَ أَنَّ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ تَبَعٌ لِقُوَّةِ الْإِيمَانِ وَضَعْفِهِ، وَصِدْقِهِ وَكَذِبِهِ، وَتَحَقُّقِهِ حَقِيقَةً، أَوْ دَعْوَاهُ وَالْقَلْبُ خَالٍ مِنْهُ.

* مِنْ ثَمَرَاتِ الْإِيمَانِ: أَنَّ الْإِيمَانَ يَدْعُو إِلَى حُسْنِ الْخُلُقِ مَعَ جَمِيعِ طَبَقَاتِ النَّاسِ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا)).

وَجِمَاعُ حُسْنِ الْخُلُقِ: أَنْ يَتَحَمَّلَ الْعَبْدُ الْأَذَى مِنْهُمْ، وَيَبْذُلَ إِلَيْهِمْ مَا اسْتَطَاعَ مِنَ الْمَعْرُوفِ الْقَوْلِيِّ وَالْبَدَنِيِّ وَالْمَالِيِّ، وَأَنْ يُخَالِقَهُمْ بِحَسَبِ أَحْوَالِهِمْ بِمَا يُحِبُّونَ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ مَحْذُورٌ شَرْعِيٌّ، وَأَنْ يَدْفَعَ السَّيِّئَةَ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، وَلَا يَقُومُ بِهَذَا الْأَمْرِ إِلَّا الْمُؤْمِنُونَ الْكُمَّلُ، قَالَ تَعَالَى: {وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} [فصلت: 35].

وَإِذَا ضَعُفَ الْإِيمَانُ أَوْ نَقُصَ أَوِ انْحَرَفَ؛ أَثَّرَ ذَلِكَ فِي أَخْلَاقِ الْعَبْدِ انْحِرَافًا بِحَسَبِ بُعْدِهِ عَنِ الْإِيمَانِ.

إِذَنْ؛ مَا تَرَاهُ مِنْ سُوءِ الْخُلُقِ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ إِنَّمَا سَبَبُهُ ضَعْفُ إِيمَانِهِمْ، كُلَّمَا ازْدَادَ الْمَرْءُ إِيمَانًا حَسُنَ خُلُقُهُ.

* مِنْ آثَارِ الْإِيمَانِ وَثَمَرَاتِهِ: أَنَّ الْإِيمَانَ الْكَامِلَ يَمْنَعُ مِنْ دُخُولِ النَّارِ بِالْكُلِّيَّةِ، كَمَا مَنَعَ صَاحِبَهُ فِي الدُّنْيَا مِنْ عَمَلِ الْمَعَاصِي، وَمِنَ الْإِصْرَارِ عَلَى مَا وَقَعَ مِنْهُ مِنْهَا، وَالْإِيمَانُ النَّاقِصُ يَمْنَعُ الْخُلُودَ فِي النَّارِ وَإِنْ دَخَلَهَا، كَمَا تَوَاتَرَتْ بِذَلِكَ النُّصُوصُ بِأَنَّهُ ((يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ)). وَالْحَدِيثُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

* وَمِنْ ثَمَرَاتِ الْإِيمَانِ: أَنَّ الْإِيمَانَ يُوجِبُ لِصَاحِبِهِ أَنْ يَكُونَ مُعْتَبَرًا عِنْدَ الْخَلْقِ أَمِينًا، وَيُوجِبُ لِلْعَبْدِ الْعِفَّةَ عَنْ دِمَاءِ النَّاسِ، وَأَمْوَالِهِمْ، وَأَعْرَاضِهِمْ؛ وَفِي الْحَدِيثِ: ((الْمُؤْمِنُ مَنْ أَمِنَهُ النَّاسُ عَلَى دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ)).

وَأَيُّ شَرَفٍ دُنْيَوِيٍّ أَبْلَغُ مِنْ هَذَا الشَّرَفِ الَّذِي يَبْلُغُ بِصَاحِبِهِ أَنْ يَكُونَ مِنَ الطَّبَقَةِ الْعَالِيَةِ مِنَ النَّاسِ؛ لِقُوَّةِ إِيمَانِهِ، وَتَمَامِ أَمَانَتِهِ، وَيَكُونَ مَحَلَّ الثِّقَةِ عِنْدَهُمْ، وَإِلَيْهِ الْمَرْجِعُ فِي أُمُورِهِمْ، وَهَذَا مِنْ ثَمَرَاتِ الْإِيمَانِ الْجَلِيلَةِ الْحَاضِرَةِ.

* مِنْ ثَمَرَاتِ الْإِيمَانِ: أَنَّ قَوِيَّ الْإِيمَانِ يَجِدُ فِي قَلْبِهِ مِنْ ذَوْقِ حَلَاوَتِهِ، وَلَذَّةِ طَعْمِهِ، وَاسْتِحْلَاءِ آثَارَهِ، وَالتَّلَذُّذِ بِخِدْمَةِ رَبِّهِ، وَأَدَاءِ حُقُوقِهِ وَحُقُوقِ عِبَادِهِ -الَّتِي هِيَ مُوجَبُ الْإِيمَانِ وَأَثَرُهُ-؛ يَجِدُ مَا يُزْرِي بِلَذَّاتِ الدُّنْيَا كُلِّهَا بِأَسْرِهَا؛ فَإِنَّهُ مَسْرُورٌ وَقْتَ قِيَامِهِ بِوَاجِبَاتِ الْإِيمَانِ وَمُسْتَحَبَّاتِهِ، وَمَسْرُورٌ بِمَا يَرْجُوهُ وَيُؤَمِّلُهُ مِنْ رَبِّهِ مِنْ ثَوَابِهِ وَجَزَائِهِ الْعَاجِلِ وَالْآجِلِ، وَمَسْرُورٌ بِأَنَّهُ رَبِحَ وَقْتَهُ الَّذِي هُوَ زَهْرَةُ عُمُرِهِ وَأَصْلُ مَكْسَبِهِ، وَمَحْشُوُّ قَلْبِهِ -أَيْضًا- مِنْ لَذَّةِ مَعْرِفَتِهِ بِرَبِّهِ، وَمَعْرِفَتِهِ بِكَمَالِهِ وَكَمَالِ بِرِّهِ، وَسَعَةِ جُودِهِ وَإِحْسَانِهِ، وَلَذَّةِ مَحَبَّتِهِ وَالْإِنَابَةِ إِلَيْهِ النَّاشِئَةِ عَنْ مَعْرِفَتِهِ بِأَوْصَافِهِ، وَعَنْ مُشَاهَدَةِ إِحْسَانِهِ وَمِنَنِهِ.

فَالْمُؤْمِنُ يَتَقَلَّبُ فِي لَذَّاتِ الْإِيمَانِ وَحَلَاوَتِهِ الْمُتَنَوِّعَةِ؛ وَلِهَذَا كَانَ الْإِيمَانُ مُسَلِّيًا عَنِ الْمُصِيبَاتِ، مُهَوِّنًا لِلطَّاعَاتِ، وَمَانِعًا مِنْ وُقُوعِ الْمُخَالَفَاتِ، جَاعِلًا إِرَادَةَ الْعَبْدِ وَهَوَاهُ تَبَعًا لِمَا يُحِبُّهُ اللهُ وَيَرْضَاهُ.

* وَمن ثَمَرَاتِ الْإِيمَانِ: أَنَّ الْإِيمَانَ هُوَ السَّبَبُ الْوَحِيدُ لِلْقِيَامِ بِذِرْوَةِ سَنَامِ الدِّينِ، وَهُوَ: الْجِهَادُ الْبَدَنِيُّ، وَالْمَالِيُّ، وَالْقَوْلِيُّ، جِهَادُ الْكُفَّارِ بِالسَّيْفِ وَالسِّنَانِ، وَجِهَادُ الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ وَالْمُنْحَرِفِينَ فِي أُصُولِ الدِّينِ وَفُرُوعِهِ بِالْحِكْمَةِ وَالْحُجَّةِ وَالْبُرْهَانِ، فَكُلَّمَا قَوِيَ إِيمَانُ الْعَبْدِ عِلْمًا وَمَعْرِفَةً، وَإِرَادَةً وَعَزِيمَةً؛ قَوِيَ جِهَادُهُ، وَقَامَ بِكُلِّ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ بِحَسَبِ حَالِهِ وَمَرْتَبَتِهِ، فَنَالَ الدَّرَجَةَ الْعَالِيَةَ وَالْمَنْزِلَةَ الرَّفِيعَةَ، وَإِذَا ضَعُفَ الْإِيمَانُ تَرَكَ الْعَبْدُ مَقْدُورَهُ مِنَ الْجِهَادِ الْقَوْلِيِّ بِالْعِلْمِ وَالْحُجَّةِ وَالنَّصِيحَةِ، وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَضَعُفَ جِهَادُهُ الْبَدَنِيُّ؛ لِعَدَمِ الْحَامِلِ لَهُ عَلَى ذَلِكَ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [الحجرات: 15].

فَصَادِقُ الْإِيمَانِ يَحْمِلُهُ صِدْقُهُ عَلَى الْقِيَامِ بِهَذِهِ الْمَرْتَبَةِ الَّتِي هِيَ مَرْتَبَةُ الطَّبَقَتَيْنِ الْعَالِيَتَيْنِ بَعْدَ النَّبِيِّينَ: طَبَقَةِ الصِّدِّيقِينَ الْمُجَاهِدِينَ بِالْعِلْمِ وَالْحُجَّةِ وَالتَّعْلِيمِ وَالنَّصِيحَةِ، وَطَبَقَةِ الشُّهَدَاءِ الَّذِينَ قَاتَلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ، ثُمَّ قُتِلُوا، أَوْ مَاتُوا مِنْ دُونِ قَتْلٍ.

وَهَذَا كُلُّهُ مِنْ ثَمَرَاتِ الْإِيمَانِ، وَمِنْ تَمَامِهِ وَكَمَالِهِ..

وَبِالْجُمْلَةِ؛ فَخَيْرُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ كُلُّهُ فَرْعٌ عَنِ الْإِيمَانِ، وَمُتَرَتِّبٌ عَلَيْهِ، وَالْهَلَاكُ وَالنَّقْصُ إِنَّمَا يَكُونُ بِفَقْدِ الْإِيمَانِ أَوْ نَقْصِهِ، وَاللهُ الْمُسْتَعَانُ.

((كَمْ حَصَّلْتَ مِنْ ثَمَرَاتِ الْإِيمَانِ؟!!))

تَأَمَّلْ فِي هَذِهِ الثَّمَرَاتِ، وَاجْتَهِدْ فِي أَنْ تَصْدُقَ مَعَ رَبِّكَ، وَأَنْ تَصْدُقَ مَعَ قَلْبِكَ، وَأَنْ تَصْدُقَ مَعَ نَفْسِكَ؛ لِتُقَرِّرَ بِنَفْسِكَ لِنَفْسِكَ مَعَ نَفْسِكَ: مَاذَا حَصَّلْتَ مِنْ تِلْكَ الثَّمَرَاتِ؟!!

مَا الَّذِي حَصَّلْتَهُ مِنْ تِلْكَ الثَّمَرَاتِ الْمَذْكُورَةِ، وَهِيَ ثَمَرَاتُ الْإِيمَانِ؟!!

تَأَمَّلْ فِيهَا، وَكُلَّمَا مَرَرْتَ بِثَمَرَةٍ مِنْ تِلْكَ الثَّمَرَاتِ؛ سَلْ نَفْسَكَ بِصِدْقٍ: هَذِهِ الثَّمَرَةُ حَصَّلْتُهَا، أَمْ لَمْ أُحَصِّلْهَا؟!!

فَإِنْ لَمْ تَكُنْ قَدْ حَصَّلْتَ تِلْكَ الثَّمَرَاتِ؛ فَابْكِ عَلَى نَفْسِكَ! فَابْكِ عَلَى نَفْسِكَ؛ فَأَنْتَ أَوْلَى بِالْبُكَاءِ عَلَيْهَا!!

وَإِذَا كُنْتَ قَدْ حَصَّلْتَ بَعْضًا، وَفَقَدْتَ بَعْضًا؛ فَاحْرِصْ عَلَى الْمَوْجُودِ، وَابْذُلِ الْمَجْهُودَ لِتَحْصِيلِ الْمَفْقُودِ!

كُنْ عَمَلِيًّا!

دَعْكَ مِنَ التَّسْوِيفِ! وَدَعْكَ مِنَ الْكَسَلِ؛ فَفِي أَذْكَارِ الصَّبَاحِ وَالْمَسَاءِ دُعَاءٌ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ بِأَنْ يُعِيذَ الْعَبْدَ مِنَ الْكَسَلِ فِي كُلِّ صَبَاحٍ وَمَسَاءٍ، يَسْتَعِيذُ الْإِنْسَانُ بِرَبِّهِ مِنَ الْكَسَلِ فِي الصَّبَاحِ وَفِي الْمَسَاءِ، إِلَى جِوَارِ مَا يَسْتَعِيذُ بِرَبِّهِ مِنْهُ مِمَّا ذَكَرَ الرَّسُولُ ﷺ.

لَا تُسَوِّفْ؛ فَإِنَّ أَخْطَرَ شَيْءٍ عَلَى الْمُؤْمِنِ هُوَ: (السِّينُ وَسَوْفَ)، التَّسْوِيفُ، لَا تُسَوِّفْ؛ فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا يَأْتِي بَعْدُ؛ الصَّحِيحُ يَمْرَضُ، وَالْغَنِيُّ يَفْتَقِرُ، الْحَالُّ يَرْتَحِلُ، الْحَيُّ يَمُوتُ؛ فَمَاذَا تَنْتَظِرُ؟!!

فَاتَّقِ اللهَ رَبَّكَ!

وَاللهَ -عَزَّ وَجَلَّ- أَسْأَلُ أَنْ يَقِيَنِي وَإِيَّاكُمْ شُرُورَ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، وَأَنْ يَمُنَّ عَلَيْنَا بِالْإِيمَانِ الْكَامِلِ؛ إِنَّهُ -تَعَالَى- عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.

نَسْأَلُ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- أَنْ يَمُنَّ عَلَيْنَا بِالْإِيمَانِ الْحَقِّ، وَبِالثَّبَاتِ عَلَيْهِ، وَأَنْ يَقْبِضَنَا -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- عَلَيْهِ، وَأَنْ يَحْشُرَنَا فِي زُمْرَةِ مَنْ دَلَّ عَلَيْهِ وَهَدَى إِلَيْهِ.

المصدر: صِفَاتُ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ

التعليقات


خطب مفرغة قد تعجبك


  حُرْمَةُ التَّكْفِيرِ وَالدِّمَاءِ بِغَيْرِ مُوجِبٍ وَخُطُورَةُ الفَتْوَى بِغَيْرِ عِلْمٍ
  مِنْ سُنَنِ اللهِ تَعَالَى الْكَوْنِيَّةِ: إِجْرَاءُ الْمُسَبَّبَاتِ عَلَى الْأَسْبَابِ
  شَعْبَانُ وَحَصَادُ الْعَامِ
  صِلَةُ الرَّحِمِ وَأَثَرُهَا عَلَى الْفَرْدِ وَالْمُجْتَمَعِ
  الزَّارِعُ الْمُجِدُّ
  مَرَاحِلُ وَسِمَاتُ بِنَاءِ الشَّخْصِيَّةِ فِي السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ
  مظاهر التوحيد في عبادة الحج
  الإسلام رحمة في السلم والحرب
  دَوْرُ الشَّبَابِ فِي بِنَاءِ الْأُمَّةِ الْمِصْرِيَّةِ وَالْإِسْلَامِيَّةِ
  التَّاجِرُ الْأَمِينُ
  • شارك

نبذة عن الموقع

موقع تفريغات العلامة رسلان ، موقع يحتوي على العشرات من الخطب والمحاضرات والمقاطع المفرغة لفضيلة الشيخ العلامة أبي عبدالله محمد بن سعيد رسلان-حفظه الله- . كما يعلن القائمون على صفحة وموقع تفريغات العلامة رسلان -حفظه الله- أن التفريغات للخطب ليست هي الشكل النهائي عند الطباعة، ولكن نحن نفرغ خطب الشيخ حفظه الله ونجتهد في نشرها ليستفيد منها طلاب العلم والدعاة على منهاج النبوة في كل أنحاء الدنيا، ونؤكد على أنَّ الخطب غير مُخرَّجة بشكل كامل كما يحدث في خطب الشيخ العلامة رسلان المطبوعة وليست الكتب المنشورة على الصفحة والموقع هي النسخة النهائية لكتب الشيخ التي تُطبع...وهذه الكتب ما هي إلا تفريغ لخطب الشيخ، غير أنَّ كتب الشيخ التي تُطبع تُراجع من الشيخ -حفظه الله- وتُخرج. والتفريغ عملٌ بشريٌ، ونحن نجتهد في مراجعة التفريغات مراجعة جيدة، فإذا وقع خطأ أو شكل الخطب كما نخرجها -إنما نُحاسب نحن عليها والخطأ يُنسب لنا وليس للشيخ -حفظه الله-.

الحقوق محفوظة لكل مسلم موقع تفريغات العلامة رسلان