مَفْهُومُ التَّنْمِيَةِ الشَّامِلَةِ

مَفْهُومُ التَّنْمِيَةِ الشَّامِلَةِ

((مَفْهُومُ التَّنْمِيَةِ الشَّامِلَةِ))

إنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّـه مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّـهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّـهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ.

أَمَّا بَعْدُ:

فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّـهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.

أَمَّا بَعْدُ:

((مُهِمَّةُ الْإِعْمَارِ وَالتَّنْمِيَةِ فِي الْأَرْضِ))

فَإِنَّ اللهَ -عَزَّ وَجَلَّ- خَلَقَ الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ، وَكَرَّمَهُ وَسَخَّرَ لَهُ مَا خَلَقَهُ، وَأَنَاطَ بِهِ مُهِمَّةَ عِمَارَةِ هَذِهِ الْأَرْضِ الَّتِي اسْتَخْلَفَهُ فِيهَا، قَالَ تَعَالَى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة: 30]، وَهَذَا الْخَلِيفَةُ هُوَ آدَمُ، وَبَنُو آدَمَ.

لَقَدْ خَلَقَ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- لِلْإِنْسَانِ كُلَّ أَسْبَابِ الْحَيَاةِ؛ فَذَلَّلَ لَهُ الْأَرْضَ وَمَهَّدَهَا، وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا، وَجَعَلَهَا صَالِحَةً لِقِيَامِ حَيَاةٍ كَرِيمَةٍ تَسَعُ الْإِنْسَانِيَّةَ كُلَّهَا؛ حَيْثُ يَقُولُ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-: {وَالأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ} [الرحمن: 10].

(({وَالأَرْضَ وَضَعَهَا} اللَّهُ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ مِنَ الْكَثَافَةِ، وَالِاسْتِقْرَارِ، وَاخْتِلَافِ أَوْصَافِهَا وَأَحْوَالِهَا {لِلأَنَامِ} أَيْ: لِلْخَلْقِ؛ لِكَيْ يَسْتَقِرُّوا عَلَيْهَا، وَتَكُونَ لَهُمْ مِهَادًا وَفِرَاشًا يَبْنُونَ بِهَا، وَيَحْرُثُونَ، وَيَغْرِسُونَ، وَيَحْفِرُونَ، وَيَسْلُكُونَ سُبُلَهَا فِجَاجًا، وَيَنْتَفِعُونَ بِمَعَادِنِهَا وَجَمِيعِ مَا فِيهَا مِمَّا تَدْعُو إِلَيْهِ حَاجَتُهُمْ؛ بَلْ ضَرُورَتُهُمْ)).

وَقَالَ -سُبْحَانَهُ-: {وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ} [الذاريات: 48].

(({وَالأَرْضَ فَرَشْنَاهَا} أَيْ: جَعَلْنَاهَا فِرَاشًا لِلْخَلْقِ يَتَمَكَّنُونَ فِيهَا مِنْ كُلِّ مَا تَتَعَلَّقُ بِهِ مَصَالِحُهُمْ؛ مِنْ مَسَاكِنَ، وَغِرَاسٍ، وَزَرْعٍ، وَحَرْثٍ وَجُلُوسٍ، وَسُلُوكٍ لِلسُّبُلِ الْمُوَصِّلَةِ إِلَى مَقَاصِدِهِمْ وَمَآرِبِهِمْ، وَلَمَّا كَانَ الْفِرَاشُ قَدْ يَكُونُ صَالِحًا لِلِانْتِفَاعِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَقَدْ يَكُونُ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ؛ أَخْبَرَ -تَعَالَى- أَنَّهُ مَهَّدَهَا أَحْسَنَ مِهَادٍ عَلَى أَكْمَلِ الْوُجُوهِ وَأَحْسَنِهَا، وَأَثْنَى عَلَى نَفْسِهِ بِذَلِكَ، فَقَالَ: {فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ} الَّذِي مَهَّدَ لِعِبَادِهِ مَا اقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ وَرَحْمَتُهُ)).

وَقَالَ -جَلَّ شَأْنُهُ-: {وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَٰلِكَ دَحَاهَا (30) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (31) وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (32) مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ} [النازعات: 30-33].

(({وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ} أَيْ: بَعْدَ خَلْقِ السَّمَاءِ {دَحَاهَا} أَيْ: أَوْدَعَ فِيهَا مَنَافِعَهَا.

وَفَسَّرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: {أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا} أَيْ: ثَبَّتَهَا بِالْأَرْضِ، فَدَحَى الْأَرْضَ بَعْدَ خَلْقِ السَّمَاءِ، كَمَا هُوَ نَصُّ هَذِهِ الْآيَاتِ الْكَرِيمَةِ، وَأَمَّا خَلْقُ نَفْسِ الْأَرْضِ؛ فَمُتَقَدِّمٌ عَلَى خَلْقِ السَّمَاءِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ..} إِلَى أَنْ قَالَ: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ}، فَالَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ الْعِظَامَ وَمَا فِيهَا مِنَ الْأَنْوَارِ وَالْأَجْرَامِ، وَالْأَرْضَ الْغَبْرَاءَ الْكَثِيفَةَ وَمَا فِيهَا مِنْ ضَرُورِيَّاتِ الْخَلْقِ وَمَنَافِعِهِمْ لَا بُدَّ أَنْ يَبْعَثَ الْخَلْقَ الْمُكَلَّفِينَ فَيُجَازِيَهُمْ بِأَعْمَالِهِمْ، فَمَنْ أَحْسَنَ فَلَهُ الْحُسْنَى، وَمَنْ أَسَاءَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ)).

وَقَالَ تَعَالَى: {هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} [هود: 61] أَيْ: جَعَلَكُمْ فِيهَا لِتَعْمُرُوهَا، وَمَكَّنَكُمْ بِمَا آتَاكُمْ مِنْ عِمَارَتِهَا.

(({هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ} أَيِ: ابْتَدَأَ خَلْقَكُمْ مِنْهَا؛ مِنَ الْأَرْضِ الَّتِي خَلَقَ مِنْهَا أَبَاكُمْ آدَمَ، {وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} أَيْ: جَعَلَكُمْ فِيهَا عُمَّارًا تُعَمِّرُونَهَا وَتَسْتَغِلُّونَهَا)).

(({هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ} أَيْ: خَلَقَكُمْ فِيهَا {وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} أَيِ: اسْتَخْلَفَكُمْ فِيهَا، وَأَنْعَمَ عَلَيْكُمْ بِالنِّعَمِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ، وَمَكَّنَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَبْنُونَ، وَتَغْرِسُونَ، وَتَزْرَعُونَ، وَتَحْرُثُونَ مَا شِئْتُمْ، وَتَنْتَفِعُونَ بِمَنَافِعِهَا، وَتَسْتَغِلُّونَ مَصَالِحَهَا، فَكَمَا أَنَّهُ لَا شَرِيكَ لَهُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ؛ فَلَا تُشْرِكُوا بِهِ فِي عِبَادَتِهِ)).

وَقَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً} [لقمان: 20].

 وَهَذَا التَّسْخِيرُ يَحْمِلُ فِي طِيَّاتِهِ كُلَّ مَظَاهِرِ التَّكْرِيمِ لِهَذَا الْإِنْسَانِ الَّذِي اسْتَخْلَفَهُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- فِي الْأَرْضِ لِعِمَارَتِهَا، وَعِمَارَتُهَا بِعِبَادَةِ رَبِّنَا -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- فِيهَا، وَبِالْقِيَامِ عَلَى مَا يُصْلِحُهَا.

وَقَدْ زَوَّدَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- هَذَا الْإِنْسَانَ بِكُلِّ وَسَائِلِ الِاسْتِخْلَافِ فِي الْأَرْضِ، وَسَلَّحَهُ بِكُلِّ أَدَوَاتِ الْمَعْرِفَةِ، وَالْقُدْرَةِ عَلَى قِيَادَةِ دِفَّةِ هَذِهِ الْحَيَاةِ، وَإِدَارَةِ دَوَالِيبِ الْعَمَلِ فِيهَا، وَلِكَيْ لَا يَضِلَّ وَلَا يَشْقَى بَعَثَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- إِلَيْهِ الْمُرْسَلِينَ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِمُ الْكُتُبَ فِيهَا الشَّرَائِعُ وَالْحَقُّ الْمُبِينُ، وَعَلَّمَهُمْ أُصُولَ التَّعَايُشِ وَمَبَادِئَ التَّعَامُلِ، وَلَفَتَ أَنْظَارَهُمْ إِلَى ضَرُورَةِ الِالْتِزَامِ بِآدَابِ الشَّرَائِعِ وَالْأَدْيَانِ، وَلَمْ يُبِحْ لِأَحَدٍ أَنْ يَخْرُجَ عَنْ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ طَائِعًا مُخْتَارًا، وَأَشْعَرَهُمْ عِظَمَ الْمَسْؤُولِيَّةِ عَنِ الْإِخْلَالِ وَالتَّقْصِيرِ، فَقَالَ رَبُّنَا -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ- فِي الْكِتَابِ الْعَزِيزِ: {وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [التوبة: 105].

((مَفْهُومُ التَّنْمِيَةِ فِي الْإِسْلَامِ))

عِبَادَ اللهِ! لَطَالَمَا كَانَ الْإِسْلَامُ سَبَّاقًا دَوْمًا إِلَى كُلِّ الْأُصُولِ وَالْقَوَاعِدِ الَّتِي مِنْ شَأْنِهَا تَطْوِيرُ وَتَحْسِينُ الْحَيَاةِ بِشَكْلٍ عَامٍّ، وَمَفْهُومُ التَّنْمِيَةِ مِنَ الْمَفَاهِيمِ الْأَسَاسِيَّةِ فِي الدِّينِ الْإِسْلَامِيِّ وَالَّتِي عُرِفَتْ بِأَسْمَاءٍ مُرَادِفَةٍ أُخْرَى؛ مِثْلَ (التَّعْمِيرِ)، (الْحَيَاةِ الطَّيِّبَةِ)، وَ(الْعِمَارَةِ).

إِنَّ مَفْهُومَ التَّنْمِيَةِ فِي الْإِسْلَامِ يَعْنِي الْعَمَلَ بِمَنْهَجِ اللهِ فِي كُلِّ مَجَالَاتِ الْحَيَاةِ، وَذَلِكَ بِهَدَفِ الْوُصُولِ إِلَى حَالَةٍ مِنَ الْكِفَايَةِ وَالْكَفَاءَةِ فِي الْمُجْتَمَعِ الْإِسْلَامِيِّ.        وَيُمْكِنُ تَعْرِيفُهَا مِنْ مَنْظُورٍ إِسْلَامِيٍّ بِأَنَّهَا: مَجْمُوعَةُ الْجُهُودِ الْمُتَنَوِّعَةِ وَالْمُنَسَّقَةِ الَّتِي تُؤَهِّلُ الْمُجْتَمَعَ الْمُسْلِمَ لِلْقِيَامِ بِأَمْرِ اللهِ -تَعَالَى-، وَيُمْكِنُ الْقَوْلُ أَنَّ مَفْهُومَ التَّنْمِيَةِ وَفْقَ التَّصَوُّرِ الْإِسْلَامِيِّ يُمَثِّلُ ظَاهِرَةً جُزْئِيَّةً مِنْ عَمَلِيَّةِ الِاسْتِخْلَافِ فِي الْأَرْضِ وَعِمَارَتِهَا الَّتِي بَيَّنَهَا اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- بِقَوْلِهِ: {هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} [هود: 61].

وَهُوَ يُعَبِّرُ عَنِ الزِّيَادَةِ وَالنَّمَاءِ الْمُرْتَبِطِ بِالطَّهَارَةِ وَالْبَرَكَةِ وَالْأَجْرِ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ، مَعَ عَدَمِ تَجَاهُلِ الْحَيَاةِ الْكَرِيمَةِ الطَّيِّبَةِ فِي الدُّنْيَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا} [القصص: 77].

وَلِهَذَا نَجِدُ فَرِيضَةَ الزَّكَاةِ -وَالَّتِي تَعْنِي: الطُّهْرَ، وَالشَّرَفَ، وَالنَّمَاءَ، وَالزِّيَادَةَ وَالْبَرَكَةَ- أَحَدَ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ، فَسَمَّى اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- الْإِخْرَاجَ مِنَ الْمَالِ زَكَاةً، مَعَ أَنَّهُ نَقْصٌ بِالْمِعْيَارِ الْمَادِّيِّ الْبَحْتِ، فِي حِينِ يَنْمُو بِالْبَرَكَةِ أَوْ بِالْأَجْرِ وَالثَّوَابِ، وَعَكْسُهُ الرِّبَا الَّذِي قَالَ اللهُ -تَعَالَى- فِيهِ: {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ} [البقرة: 276]، مَعَ أَنَّهُ زِيَادَةٌ فِي الْمَالِ وَنُمُوٌّ لَهُ فِي الظَّاهِرِ.

وَهَذَا التَّصَوُّرُ لِمَفْهُومِ التَّنْمِيَةِ هُوَ مَا يُمَيِّزُ الْمَنْهَجَ الْإِسْلَامِيَّ عَنِ الْمَفَاهِيمِ الْوَضْعِيَّةِ الَّتِي تُرَكِّزُ فِي الْغَالِبِ عَلَى الْبُعْدِ الْمَادِّيِّ الدُّنْيَوِيِّ مِنْ خِلَالِ قِيَاسِ التَّنْمِيَةِ فِي الْمُجْتَمَعَاتِ بِمُؤَشِّرَاتٍ مَادِّيَّةٍ فِي مُجْمَلِهَا.

وَهَذِهِ جُمْلَةٌ مِنَ الْمُرَادِفَاتِ اللُّغَوِيَّةِ لِكَلِمَةِ التَّنْمِيَةِ فِي الْمَنْظُورِ الْإِسْلَامِيِّ؛ فَالْإِسْلَامُ سَبَقَ كُلَّ فِكْرٍ مُتَقَدِّمٍ فِي مُعَالَجَةِ قَضَايَا التَّنْمِيَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُصْطَلَحُ (التَّنْمِيَةِ) مَوْجُودًا بِلَفْظِهِ فَقَدْ وُجِدَ بِأَلْفَاظٍ عَدِيدَةٍ مُتَرَادِفَةٍ فِي كَثِيرٍ مِنْ نُصُوصِهِ الْقُرْآنِيَّةِ وَالسُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ وَكِتَابَاتِ عُلَمَائِهِ؛ مِثْلَ (التَّعْمِيرِ)، وَ(الْعِمَارَةِ)، وَ(الْحَيَاةِ الطَّيِّبَةِ)، وَ(التَّثْمِيرِ).

التَّزْكِيَةُ: وَتَأْتِي بِمَعْنَى النَّمَاءِ وَالزِّيَادَةِ، وَالصَّلَاحِ، وَالطُّهْرِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ -عَزَّ وَجَلَّ-: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا} [التوبة: 103].

((قَالَ -تَعَالَى- لِرَسُولِهِ وَمَنْ قَامَ مَقَامَهُ، آمِرًا لَهُ بِمَا يُطَهِّرُ الْمُؤْمِنِينَ، وَيُتَمِّمُ إِيمَانَهُمْ: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً}: وَهِيَ الزَّكَاةُ الْمَفْرُوضَةُ، {تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} أَيْ: تُطَهِّرُهُمْ مِنَ الذُّنُوبِ وَالْأَخْلَاقِ الرَّذِيلَةِ.

{وَتُزَكِّيهِمْ} أَيْ: تُنَمِّيهِمْ، وَتَزِيدُ فِي أَخْلَاقِهِمُ الْحَسَنَةِ، وَأَعْمَالِهِمُ الصَّالِحَةِ، وَتَزِيدُ فِي ثَوَابِهِمُ الدُّنْيَوِيِّ وَالْأُخْرَوِيِّ، وَتُنَمِّي أَمْوَالَهُمْ)).

الْإِنْبَاتُ: وَيَأْتِي بِمَعْنَى التَّنْشِئَةِ، وَالظُّهُورِ، وَالِارْتِفَاعِ، وَهِيَ مَعَانٍ دَلَّتْ عَلَيْهَا كَلِمَةُ (التَّنْمِيَةِ)، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ} [النمل: 60].

(({فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ} أَيْ: بَسَاتِينَ {ذَاتَ بَهْجَةٍ} أَيْ: حُسْنِ مَنْظَرٍ؛ مِنْ كَثْرَةِ أَشْجَارِهَا، وَتَنَوُّعِهَا، وَحُسْنِ ثِمَارِهَا)).

التَّكْثِيرُ: وَيَأْتِي بِمَعْنَى الزِّيَادَةِ وَالتَّسَابُقِ فِي الْكَثْرَةِ، وَهِيَ دَالَّةٌ عَلَى بَعْضِ مَعْنَى كَلِمَةِ (التَّنْمِيَةِ)، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَاذْكُرُوا إِذْ كُنتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ} [الأعراف: 86].

(({وَاذْكُرُوا} نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ {إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلا فَكَثَّرَكُمْ} أَيْ: نَمَّاكُمْ بِمَا أَنْعَمَ عَلَيْكُمْ مِنَ الزَّوْجَاتِ، وَالنَّسْلِ، وَالصِّحَّةِ، وَأَنَّهُ مَا ابْتَلَاكُمْ بِوَبَاءٍ أَوْ أَمْرَاضٍ مِنَ الْأَمْرَاضِ الْمُقَلِّلَةِ لَكُمْ، وَلَا سَلَّطَ عَلَيْكُمْ عَدُوًّا يَجْتَاحُكُمْ، وَلَا فَرَّقَكُمْ فِي الْأَرْضِ، بَلْ أَنْعَمَ عَلَيْكُمْ بِاجْتِمَاعِكُمْ، وَإِدْرَارِ الْأَرْزَاقِ، وَكَثْرَةِ النَّسْلِ)).

كَمَا أَشَارَ بَعْضُ الْبَاحِثِينَ إِلَى مُرَادِفَاتٍ أُخْرَى لِكَلِمَةِ (التَّنْمِيَةِ) فِي الْمَنْهَجِ الْإِسْلَامِيِّ؛ مِثْلَ: (التَّرْبِيَةِ)، (التَّثْمِيرِ)، (التَّنْشِئَةِ)، (الْبِنَاءِ)، (الْبَرَكَةِ).

 

 

 

 

 

 

((مَجَالَاتُ التَّنْمِيَةِ فِي الْإِسْلَامِ))

إِنَّ الْمَفْهُومَ الْإِسْلَامِيَّ لِلتَّنْمِيَةِ لَهُ خَصَائِصُ (الشُّمُولِيَّةِ، وَالتَّوَازُنِ)؛ بِحَيْثُ يَشْمَلُ الْجَوَانِبَ الْمَادِّيَّةَ وَالرُّوحِيَّةَ مَعًا، وَيُلَبِّي حَاجَةَ الْفَرْدِ وَالْمُجْتَمَعِ فِي تَنَاسُقٍ تَامٍّ وَتَوَافُقٍ وَتَعَاوُنٍ بَيْنَ أَفْرَادِ الْمُجْتَمَعِ.. التَّنْمِيَةُ مَفْهُومٌ شَامِلٌ وَمُرَكَّبٌ لِجَوَانِبَ عَدِيدَةٍ؛ دِينِيَّةٍ، وَبَشَرِيَّةٍ، وَعِلْمِيَّةٍ، وَاقْتِصَادِيَّةٍ، وَاجْتِمَاعِيَّةٍ، وَثَقَافِيَّةٍ، وَبِيئِيَّةٍ، وَأَخْلَاقِيَّةٍ.

((تَنْمِيَةُ الْعَامِلِ الْبَشَرِيِّ))

إِنَّ مِنْ أَهَمِّ مَجَالَاتِ التَّنْمِيَةِ الَّتِي أَوْلَاهَا الْإِسْلَامُ اهْتِمَامًا بَالِغًا: تَنْمِيَةَ الْمَوْرِدِ الْبَشَرِيِّ؛ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ فِي ظِلِّ الْإِسْلَامِ قُوَّةٌ حَيَوِيَّةٌ وَنَشَاطٌ مُتَوَقِّدٌ، وَتُعَدُّ الْمَوَارِدُ الْبَشَرِيَّةُ مِنَ الْمَقَايِيسِ الْأَسَاسِيَّةِ الَّتِي تُقَاسُ بِهَا ثَرْوَةُ الْأُمَمِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ هَذِهِ الْمَوَارِدَ عَلَى رَأْسِ الْأُصُولِ الْمُؤَثِّرَةِ فِي الْوَضْعِ الْحَضَارِيِّ وَالِاقْتِصَادِيِّ وَالِاجْتِمَاعِيِّ لِلدُّوَلِ؛ إِذِ الْعُنْصُرُ الْبَشَرِيُّ وَدَرَجَةُ كَفَاءَتِهِ هُوَ الْعَامِلُ الْحَاسِمُ لِتَحْقِيقِ التَّقَدُّمِ؛ فَلَا بُدَّ -إِذَنْ- مِنْ تَنْمِيَةِ الْعَامِلِ الْبَشَرِيِّ، وَبِنَائِهِ فِي الْمُجْتَمَعَاتِ الْإِسْلَامِيَّةِ عَقَدِيًّا، وَعِلْمِيًّا، وَجَسَدِيًّا، وَنَفْسِيًّا.. تَنْمِيَةُ الْفَرْدِ عَقَائِدِيًّا وَخُلُقِيًّا وَعِلْمِيًّا مِنْ خِلَالِ تَنْشِئَتِهِ التَّنْشِئَةَ الصَّحِيحَةَ، وَتَرْبِيَتِهِ عَلَى الْمَبَادِئِ الْإِسْلَامِيَّةِ؛ لِيُصْبِحَ لَهُ دَوْرُهُ الْفَعَّالُ فِي الْمُجْتَمَعِ الْمُسْلِمِ.

مِنْ أَعْظَمِ مَحَاوِرِ تَنْمِيَةِ الْعَامِلِ الْبَشَرِيِّ فِي الْمُجْتَمَعَاتِ الْإِسْلَامِيَّةِ: تَرْبِيَةُ الْمُسْلِمِ وَتَنْشِئَتُهُ عَلَى التَّوْحِيدِ، وَتَحَمُّلِ تَكَالِيفِ الْإِسْلَامِ الْعَظِيمِ؛ فَإِنَّ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- خَلَقَنَا لِنَعْبُدَهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَلِأَجْلِ هَذِهِ الْغَايَةِ أَرْسَلَ اللهُ الْمُرْسَلِينَ، وَنَبَّأَ النَّبِيِّينَ، وَأَنْزَلَ الْكُتُبَ، وَلِأَجْلِ تَحْقِيقِ هَذِهِ الْغَايَةِ قَامَتِ الْمَعْرَكَةُ بَيْنَ جُنْدِ الرَّحْمَنِ وَجُنْدِ الشَّيْطَانِ؛ فَلِأَجْلِ تَوْحِيدِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- وَلِأَجْلِ إِخْلَاصِ الْعِبَادَةِ لِوَجْهِهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- كَانَ هَذَا كُلُّهُ.

التَّوْحِيدُ أَوَّلُ مَا أَمَرَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ بِهِ مِنَ الْوَاجِبَاتِ، وَأَوَّلُ أَوَامِرِ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، تَوَجَّهَ بِهَا اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- فِي أَوَّلِ أَمْرٍ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ، أَوَّلُ أَمْرٍ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ} [البقرة: 21].

هَذَا أَوَّلُ أَمْرٍ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ أَمَرَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ بِهِ، وَأَرْسَلَ لِأَجْلِهِ الرُّسُلَ، وَأَنْزَلَ لِأَجْلِهِ الْكُتُبَ، وَلَا يَقْبَلُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- مِنْ أَحَدٍ أَخَلَّ بِهِ عَمَلًا.

التَّوْحِيدُ يَحْصُلُ لِصَاحِبِهِ الْهُدَى الْكَامِلُ وَالْأَمْنُ التَّامُّ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ.

أَخْبَرَ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- أَنَّ الْإِنْسَانَ حِينَ يَعْمَلُ بِمُقْتَضَى عِلْمِهِ بِالتَّوْحِيدِ؛ فَإِنَّ نَفْسَهُ تَكُونُ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ؛ لِأَنَّهَا تَتَّجِهُ كُلُّهَا وِجْهَةً وَاحِدَةً فِي جَمِيعِ تَصَرُّفَاتِهَا: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} [المنافقون:8].

فَتِلْكَ حَصِيلَةُ التَّوْحِيدِ؛ تَجْمَعُ النَّفْسَ الْبَشَرِيَّةَ فِي وِحْدَةٍ وَاحِدَةٍ وَاتِّجَاهٍ وَاحِدٍ إِلَى اللهِ تَعَالَى وَحْدَهُ، قَالَ تَعَالَى: {حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ} [الحج: 31].

مِنْ فَضَائِلِ التَّوْحِيدِ: أَنَّ اللهَ تَكَفَّلَ لِأَهْلِهِ بِالْفَتْحِ وَالنَّصْرِ فِي الدُّنْيَا، وَالْعِزِّ وَالشَّرَفِ وَحُصُولِ الْهِدَايَةِ، وَالتَّيْسِيرِ لِلْيُسْرَى، وَإِصْلَاحِ الْأَحْوَالِ، وَالتَّسْدِيدِ فِي الْأَقْوَالِ وَالْأَعْمَالِ، فَتَجِدُ الْمُوَحِّدَ مُسَدَّدًا فِي قَوْلِهِ وَفِعْلِهِ، لَا تَتَأَتَّى مِنْهُ دَنِيَّةٌ، وَلَا يَخْرُجُ مِنْهُ لَفْظُ سُوءٍ، وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى الْمِنْهَاجِ يَسْعَى حَثِيثًا إِلَى الْغَايَةِ مُسْتَبْشِرًا بِرِضْوَانِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ مَنَاطَ التَّكْلِيفِ فِي الْإِسْلَامِ: الْبُلُوغُ مَعَ الرُّشْدِ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ؛ وَلَكِنْ عَلَى أَوْلِيَاءِ الْأُمُورِ أَنْ يُرَاعُوا أَبْنَاءَهُمْ فِي صِغَرِهِمْ، وَيُرَبُّوهُمْ عَلَى تَحَمُّلِ تَكَالِيفِ الْإِسْلَامِ؛ حَتَّى تَسْهُلَ عَلَى نُفُوسِهِمْ، وَيَنْشَئُوا عَلَى حُبِّهَا، وَيُدَاوِمُوا عَلَيْهَا.

وَقَدْ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: ((مُرُوا أَبْنَاءَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرِ سِنِينَ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَغَيْرُهُ.

وَلِلتِّرْمِذِيِّ: «عَلِّمُوا الصَّبِيَّ الصَّلَاةَ ابْنَ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُ عَلَيْهَا ابْنَ عَشْرٍ».

وَقَدْ كَانَ الرَّسُولُ ﷺ وَالصَّحَابَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- يَقُومُونَ بِتَرْبِيَةِ النَّاشِئَةِ عَلَى الْأَدَبِ الْكَرِيمِ، وَعَلَى الْتِزَامِ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ الْعَظِيمِ؛ فَقَدْ رَأَى الرَّسُولُ ﷺ رَبِيبَهُ فِي حَجْرِهِ عُمَرَ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-.. رَآهُ تَطِيشُ يَدُهُ فِي الصَّحْفَةِ أَثْنَاءَ الطَّعَامِ -وَكَانَ يَأْكُلُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ-، فَقَالَ لَهُ الرَّسُولُ ﷺ -مُعَلِّمًا، وَمُهَذِّبًا، وَمُؤَدِّبًا-: ((يَا غُلَامُ! سَمِّ اللهَ، وَكُلْ بِيَمِينِكَ، وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ)).

وَيَبْقَى أَثَرُ هَذَا التَّأْدِيبِ فِي نَفْسِ الْغُلَامِ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ حَيَاتَهُ كُلَّهَا، اسْتَمِعْ إِلَيْهِ وَهُوَ يَقُولُ بَعْدُ: ((فَمَا زَالَتْ تِلْكَ طِعْمَتِي بَعْدُ)). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ.

أَيْ: فَمَا زَالَتْ تِلْكَ هَيْئَةَ أَكْلَتِي بَعْدُ، عَلَى حَسَبِ مَا عَلَّمَهُ إِيَّاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ.

وَرَوَى الْبُخَارِيُّ فِي ((صَحِيحِهِ)) عَنِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- قَالَتْ: ((كُنَّا نُصَوِّمُ صِبْيَانَنَا، وَنَجْعَلُ لَهُمُ اللُّعْبَةَ مِنَ الْعِهْنِ -أَيْ: مِنَ الصُّوفِ-، فَإِذَا بَكَى أَحَدُهُمْ عَلَى الطَّعَامِ؛ أَعْطَيْنَاهُ ذَلِكَ -تَعْنِي: اللُّعْبَةَ- حَتَّى يَكُونَ عِنْدَ الْإِفْطَارِ)).

فَهَكَذَا تَرْبِيَةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَكَذَلِكَ رَبَّى الصَّحَابَةُ الْكِرَامُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- أَبْنَاءَهُمْ، فَخَرَجَتْ أَجْيَالٌ مُسْلِمَةٌ تَنْشُرُ الْخَيْرَ فِي رُبُوعِ الْأَرْضِ، وَعَاشَتْ بِالْإِسْلَامِ وَلِلْإِسْلَامِ.

وَاهْتَمَّ الْإِسْلَامُ بِتَنْمِيَةِ الْمُسْلِمِ عِلْمِيًّا؛ مِنْ عُلُومٍ شَرْعِيَّةٍ وَمَادِّيَّةٍ؛ فَقَدْ مَدَحَ اللهُ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- الْعِلْمَ وَأَهْلَهُ، وَحَثَّ عِبَادَهُ عَلَى الْعِلْمِ وَالتَّزَوُّدِ مِنْهُ، وَكَذَلِكَ السُّنَّةُ الْمُطَهَّرَةُ.

فَالْعِلْمُ مِنْ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، وَهُوَ مِنْ أَفْضَلِ وَأَجَلِّ الْعِبَادَاتِ؛ عِبَادَاتِ التَّطَوُّعِ؛ لِأَنَّهُ نَوْعٌ مِنَ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ؛ فَإِنَّ دِينَ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ- إِنَّمَا قَامَ بِأَمْرَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: الْعِلْمُ وَالْبُرْهَانُ.

وَالثَّانِي: الْقِتَالُ وَالسِّنَانُ.

فَلَا بُدَّ مِنْ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَقُومَ دِينُ اللهِ وَيَظْهَرَ إِلَّا بِهِمَا جَمِيعًا، وَالْأَوَّلُ مِنْهُمَا مُقَدَّمٌ عَلَى الثَّانِي؛ وَلِهَذَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَا يُغِيرُ عَلَى قَوْمٍ حَتَّى تَبْلُغَهُمُ الدَّعْوَةُ إِلَى اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ-، فَيَكُونَ الْعِلْمُ قَدْ سَبَقَ الْقِتَالَ.

قَالَ تَعَالَى: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ} [الزمر: 9].

فَالِاسْتِفْهَامُ هُنَا لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ مُقَابِلٍ؛ أَمَّنْ هُوَ قَائِمٌ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ؛ أَيْ: كَمَنْ لَيْسَ كَذَلِكَ؟! وَالطَّرَفُ الثَّانِي الْمُفَضَّلُ عَلَيْهِ مَحْذُوفٌ؛ لِلْعِلْمِ بِهِ.

فَهَلْ يَسْتَوِي مَنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا أَوْ قَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ، وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ؛ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ هُوَ مُسْتَكْبِرٌ عَنْ طَاعَةِ اللهِ؟!

الْجَوَابُ: لَا يَسْتَوِيَانِ؛ فَهَذَا الَّذِي هُوَ قَانِتٌ يَرْجُو ثَوَابَ اللهَ، وَيَحْذَرُ الْآخِرَةَ؛ هَلْ فِعْلُهُ ذَلِكَ عَنْ عِلْمٍ أَوْ عَنْ جَهْلٍ؟

الْجَوَابُ: عَنْ عِلْمٍ؛ وَلِذَلِكَ قَالَ: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ}  [الزمر: 9].

لَا يَسْتَوِي الَّذِي يَعْلَمُ وَالَّذِي لَا يَعْلَمُ، كَمَا لَا يَسْتَوِي الْحَيُّ وَالْمَيِّتُ، وَالسَّمِيعُ وَالْأَصَمُّ، وَالْبَصِيرُ وَالْأَعْمَى.

الْعِلْمُ نُورٌ يَهْتَدِي بِهِ الْإِنْسَانُ، وَيَخْرُجُ بِهِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ، الْعِلْمُ يَرْفَعُ اللهُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ خَلْقِهِ؛ {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [المجادلة: 11].

وَلِهَذَا نَجِدُ أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ مَحَلُّ الثَّنَاءِ، كُلَّمَا ذُكِرُوا أُثْنِيَ عَلَيْهِمْ، وَهَذَا رَفْعٌ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا، أَمَّا فِي الْآخِرَةِ؛ فَإِنَّهُمْ يَرْتَفِعُونَ دَرَجَاتٍ بِحَسَبِ مَا قَامُوا بِهِ مِنَ الدَّعْوَةِ إِلَى اللهِ، وَالْعَمَلِ بِمَا عَمِلُوا.

إِنَّ الْعَابِدَ حَقًّا هُوَ الَّذِي يَعْبُدُ رَبَّهُ عَلَى بَصِيرَةٍ، وَيَتَبَيَّنُ لَهُ الْحَقُّ، وَهَذِهِ سَبِيلُ النَّبِيِّ ﷺ: {قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [يوسف: 108].

فَالْإِنْسَانُ الَّذِي يَتَطَهَّرُ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ عَلَى طَرِيقٍ شَرْعِيٍّ؛ هَلْ هُوَ كَالَّذِي يَتَطَهَّرُ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ رَأَى أَبَاهُ أَوْ أُمَّهُ يَتَطَهَّرَان؟!

أَيُّهُمَا أَبْلَغُ فِي تَحْقِيقِ الْعِبَادَةِ؛ رَجُلٌ يَتَطَهَّرُ لِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّ اللهَ أَمَرَ بِالطَّهَارَةِ، وَأَنَّهَا هِيَ طَهَارَةُ النَّبِيِّ ﷺ، فَيَتَطَهَّرُ امْتِثَالًا لِأَمْرِ اللهِ، وَاتِّبَاعًا لِسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، أَمْ رَجُلٌ آخَرُ يَتَطَهَّرُ لِأَنَّ هَذَا هُوَ الْمُعْتَادُ عِنْدَهُ؟

بِلَا شَكٍّ أَنَّ الْأَوَّلَ هُوَ الَّذِي يَعْبُدُ اللهَ عَلَى بَصِيرَةٍ.

فَهَلْ يَسْتَوِي هَذَا وَذَاكَ؟! وَإِنْ كَانَ فِعْلُ كُلِّ مِنْهُمَا وَاحِدًا؛ لَكِنْ هَذَا عَنْ عِلْمٍ وَبَصِيرَةٍ يَرْجُو اللهَ -عَزَّ وَجَلَّ-، وَيَحْذَرُ الْآخِرَةَ، وَيَشْعُرُ بِأَنَّهُ مُتَّبِعٌ لِلرَّسُولِ ﷺ.

بِالْعِلْمِ يَعْبُدُ الْإِنْسَانُ رَبَّهُ عَلَى بَصِيرَةٍ، فَيَتَعَلَّقُ قَلْبُهُ بِالْعِبَادَةِ، وَيَتَنَوَّرُ قَلْبُهُ بِهَا، وَيَكُونُ فَاعِلًا لَهَا عَلَى أَنَّهَا عِبَادَةٌ، لَا عَلَى أَنَّهَا عَادَةٌ؛ وَلِهَذَا إِذَا صَلَّى الْإِنْسَانُ عَلَى هَذَا النَّحْوِ فَإِنَّهُ مَضْمُونٌ لَهُ مَا أَخْبَرَ اللهُ بِهِ مِنْ أَنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ.

((إِنَّ الْعِلْمَ الشَّرْعِيَّ هُوَ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ الثَّنَاءُ، وَيَكُونُ الْحَمْدُ لِفَاعِلِهِ؛ وَلَكِنِّي مَعَ ذَلِكَ لَا أُنْكِرُ أَنْ تَكُونَ لِلْعُلُومِ الْأُخْرَى فَائِدَةٌ؛ وَلَكِنَّهَا فَائِدَةٌ ذَاتُ حَدَّيْنِ: إِنْ أَعَانَتْ عَلَى طَاعَةِ اللهِ، وَعَلَى نَصْرِ دِينِ اللهِ، وَانْتَفَعَ بِهَا عِبَادُ اللهِ؛ فَيَكُونُ ذَلِكَ خَيْرًا وَمَصْلَحَةً.

وَقَدْ يَكُونُ تَعَلُّمُهَا وَاجِبًا فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ إِذَا كَانَ ذَلِكَ دَاخِلًا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ} [الأنفال: 60].

وَقَدْ ذَكَرَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ تَعَلُّمَ الصِّنَاعَاتِ فَرْضُ كِفَايَةٍ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّاسَ لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ أَنْ يَطْبُخُوا بِهَا، وَيَشْرَبُوا بِهَا، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي يَنْتَفِعُونَ بِهَا)).

وَمِنَ الْجَوَانِبِ الَّتِي حَثَّ الْإِسْلَامُ عَلَى الِاهْتِمَامِ بِهَا لِتَنْمِيَةِ الْعَامِلِ الْبَشَرِيِّ: صِحَّةُ الْإِنْسَانِ؛ فَفِي نُصُوصِ الْكِتَابِ الْعَظِيمِ مَا يَدُلُّ عَلَى فَضْلِ الصِّحَّةِ وَفَضْلِ الْعَافِيَةِ، وَجَلَالِ ذَلِكَ؛ لِجَمِيلِ أَثَرِهِ، وَلِعَظِيمِ قَدْرِهِ فِي دِينِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ عِنْدَ الْعَبْدِ الْمُؤْمِنِ الْمُسْلِمِ.

لَمَّا جَعَلَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ طَالُوتَ مَلِكًا مَبْعُوثًا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي زَمَانِ دَاوُدَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-؛ قَالَ الْقَوْمُ: إِنَّهُ لَمْ يَتَمَيَّزْ عَلَيْنَا بِكَثِيرِ مَالٍ، ولا بِشَيْءٍ، فَقَالَ تعالى: { إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ} [البَقَرَة: 247].

فجَعَلَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ الْمَيْزَةَ مَحْفُوظَةً لَدَيْهِ بِأَنْ آتَاهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ، وَبَسْطَةً فِي الْجِسْمِ.

وَفِي فَضْلِ الْعَافِيَةِ فِي سُنَّةِ النَّبِيِّ ﷺ يَقُولُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ، وَالْفَرَاغُ)).

وَقَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأَعْرَاف: 31].

وَكُلُوا وَاشْرَبُوا مَا أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ، وَلَا تُسْرِفُوا بِتَجَاوُزِ الْحَدِّ فِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ إِلَى مَا يُؤْذِي أَوْ يَضُرُّ.

إِنَّ اللهَ -تَعَالَى- لَا يُحِبُّ مَنْ أَسْرَفَ فِي الْمَأْكُولِ، وَالْمَشْرُوبِ، وَالْمَلْبُوسِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْإِسْرَافَ يُوصِلُ إِلَى الْوُقُوعِ فِي الْمَضَارِّ وَالْمَهَالِكِ، أَوِ الظُّلْمِ وَالتَّحْرِيفِ فِي الدِّينِ.

وَمَنْ جَعَلَ نَفْسَهُ بِإِرَادَتِهِ فِي زُمْرَةِ الَّذِينَ لَا يُحِبُّهُمُ اللهُ؛ فَقَدْ جَعَلَهَا عُرْضَةً لِنِقْمَتِهِ، وَعَذَابِهِ الشَّدِيدِ.

وَالنَّبِيُّ ﷺ عَلَّمَنَا آدَابَ الطَّعَامِ، وَمِنْهَا: أَنْ يُمْسِكَ عَنِ الْأَكْلِ قَبْلَ الشِّبَعِ؛ اقْتِدَاءً بِرَسُولِ اللهِ ﷺ؛ حَتَّى لَا يَقَعَ فِي التُّخَمَةِ الْمُهْلِكَةِ، وَالْبِطَنَةِ الْمُذْهِبَةِ لِلْفِطْنَةِ.

فَعَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- قَالَتْ: «مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ ﷺ مُنْذُ قَدِمَ المَدِينَةَ مِنْ طَعَامِ بُرٍّ ثَلَاثَ لَيَالٍ تِبَاعًا حَتَّى قُبِضَ». وَالْحَدِيثُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَأَوْلَى الْإِسْلَامُ اهْتِمَامًا كَبِيرًا بِصِحَّةِ الْمُسْلِمِ النَّفْسِيَّةِ مُنْذُ نُعُومَةِ أَظْفَارِهِ، يَقُولُ النَّفْسِيُّونَ الْمُحْدَثُون: ((إِنَّهُ لَا عُصَابَ فِي الْكِبَرِ إِلَّا بِعُصَابٍ فِي الصِّغَرِ)) يَعْنِي: الْإِنسَانُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُصَابَ بِالْمَرَضِ النَّفْسِيِّ فِي كِبَرِهِ إِلَّا إِذَا كَانَتْ أُصُولُ هَذَا الْمَرَضِ النَّفْسِيِّ قَدْ تَحَصَّلَ عَلَيْهَا فِي صِغَرِهِ.

وَحَدَّدَهَا زَعِيمُ هَؤُلَاءِ (سِيجْمُونْدُ فُرُويِد) بِسِتِّ سَنَوَاتٍ، فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ السِّتَّ سَنَوَاتٍ الْأُولَى خَطِيرَةٌ جِدًّا فِي حَيَاةِ أَيِّ طِفْلٍ.

عِنْدَمَا تَأْتِي القَسْوَةُ، وَيَأْتِي الضَّرْبُ فِي هَذِهِ السِّنِّ الْبَاكِرَةِ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ بِمَفْهُومِ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ ﷺ: «مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ».

لَمْ يَأْتِ الضَّرْبُ عَلَى تَرْكِ الصَّلَاةِ -وَلَا شَكَّ أَنَّهُ لَيْسَ هُنَاكَ شَيْءٌ فِي دِينِ اللَّهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- مِنَ الْأُمُورِ الْعَمَلِيَّةِ أَعْظَمَ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ الْكَبِيرِ، وَهُوَ الصَّلَاة-.

وَتَرْكُ الصَّلَاةِ هُوَ أَكْبَرُ كَبِيرٍ يُمْكِنُ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ الْإِنْسَانُ مِنَ الْأُمُورِ الْعَمَلِيَّةِ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَتَيْنِ هُمَا أَمْرٌ قَلْبِيٌّ يُقِرُّ بِهِ الْقَلْبُ، وَيَنْطِقُ بِهِ اللِّسَانُ.

وَأَمَّا تَرْكُ الصَّلَاةِ؛ فَهُوَ أَمْرٌ يَتَعَلَّقُ بِالْجَسَدِ، لَيْسَ هُنَاكَ خَطَأٌ يُمْكِنُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ الطِّفْلُ - وَهُوَ دُونَ العَاشِرَةِ- أَكْبَرَ مِنْ تَرْكِ الصَّلَاةِ، وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يَأْمُرِ الرَّسُولُ ﷺ بِالضَّرْبِ عَلَى تَرْكِ الصَّلَاةِ إِلَّا عِنْدَ بُلُوغِ الْعَشْرِ.

يَقُولُ ﷺ: ((مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ)): مُجَرَّدُ أَمْرٍ، مَعَ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ مِنَ التَّرْكِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ.

وَلَكِنَّ الضَّرْبَ هَاهُنَا عَلَى تَرْكِ الصَّلَاةِ مَمْنُوعٌ بِنَصِّ حَدِيثِ الرَّسُولِ ﷺ: ((مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ))، ثُمَّ: ((وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ)).

يَأْتِي هَذَا الرَّجُلُ -وَهُوَ ضَالٌّ مُنْحَرِفٌ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ (سِيجْمُونْدُ فُرُويِد)- يَقُولُ: ((إِنَّهُ لَا عُصَابَ فِي الْكِبَرِ إِلَّا بِعُصَابٍ فِي الصِّغَرِ))، وَيُحَدِّدُ السِّتَّ سَنَواتٍ الأُولَى.     

نَقُولُ لَهُ: إِنْ كُنْتَ قَدِ اهْتَدَيْتَ لِهَذَا، وَكَانَ صَحِيحًا بِالْفِطْرَةِ أَوْ بِوَسَائِلِ الْعِلْمِ الحَدِيثِ؛ فَاعْلَمْ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا ﷺ قَدْ قَالَ ذَلِكَ مُنْذُ مَا يَزِيدُ عَلَى أَلْفٍ وَأَرْبَعِمِئَةِ سَنَةٍ ﷺ.       

إِذَنْ؛ النَّبِيُّ ﷺ عِنْدمَا يُحَدِّدُ أَمْثَالَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ؛ إِنَّمَا يَحْمِي الْإِنْسَانَ مِنْ أَنْ يَتَحَصَّلَ عَلَى الْبَوَادِرِ الَّتِي تُؤَدِّي بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى الْمَرَضِ النَّفْسِيِّ.

وَإِذَنْ؛ فَهَذِهِ الْقَسْوَةُ الْمُفْرَطُ فِيهَا، وَهَذِهِ السُّلُوكِيَّاتُ الْخَاطِئَةُ تُؤَثِّرُ عَلَى النَّفْسِيَّاتِ الْغَضَّةِ الطَّرِيَّةِ، ثُمَّ يَتَأَتَّى بَعْدَ ذَلِكَ الْمَرَضُ النَّفْسِيُّ.

وَإِذَنْ؛ فَأَمْرَاضُنَا النَّفْسِيَّةُ إِنَّمَا هِيَ سُلُوكِيَّاتٌ خَاطِئَةٌ.

وَمِنْ سُبُلِ تَنْمِيَةِ الْعَامِلِ الْبَشَرِيِّ: الِاهْتِمَامُ بِتَرْبِيَتِهِ عَلَى الْأَخْلَاقِ الْفَاضِلَةِ وَالْمُثُلِ الْعَالِيَةِ.. ((إِنَّ مِنْ نِعْمَةِ اللهِ عَلَى الْعَبْدِ: أَنْ يَكُونَ فِي كَفَالَةِ الصَّالِحِينَ الْأَخْيَارِ؛ فَإِنَّ الْمُرَبِّيَ وَالْكَافِلَ لَهُ الْأَثَرُ الْأَعْظَمُ فِي حَيَاةِ الْمَكْفُولِ، وَأَخْلَاقِهِ وَآدَابِهِ؛ وَلِهَذَا أَمَرَ اللهُ الْمُرَبِّينَ بِالتَّرْبِيَةِ الطَّيِّبَةِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى الْحَثِّ عَلَى الْأَخْلَاقِ الْجَمِيلَةِ، وَالتَّرْهِيبِ مِنْ مَسَاوِئِ الْأَخْلَاقِ)).

وَمِثَالُ ذَلِكَ: مَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرَانَ -عَلَيْهَا السَّلَامُ-؛ ((فَقَدْ كَانَتْ أُمُّهَا -زَوْجَةُ عِمْرَانَ، وَهُوَ مِنْ أَكَابِرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَرُؤَسَائِهِمْ، وَذَوِي الْمَقَامَاتِ الْعَالِيَةِ عِنْدَهُمْ- نَذَرَتْ حِينَ ظَهَرَ حَمْلُهَا أَنْ تُحَرِّرَ مَا فِي بَطْنِهَا لِبَيْتِ الْمَقْدِسِ، يَكُونُ خَادِمًا لِبَيْتِ اللهِ، مُعَدًّا لِعِبَادَةِ اللهِ؛ ظَنًّا أَنَّ الَّذِي فِي بَطْنِهَا ذَكَرٌ.

فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ -مُعْتَذِرَةً إِلَى اللهِ، شَاكِيَةً إِلَيْهِ الْحَالَ-: {رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَىٰ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنثَى} أَيْ: أَنَّ الذَّكَرَ الَّذِي لَهُ الْقُوَّةُ وَالْقُدْرَةُ عَلَى مَا يُرَادُ مِنْهُ مِنَ الْقِيَامِ بِخِدْمَةِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ.

{وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} [ آل عمران: 36 ].

فَحَصَّنْتُهَا بِاللهِ مِنْ عَدُوِّهَا هِيَ وَذُرِّيَّتَهَا، وَكَانَ هَذَا أَوَّلَ حِفْظٍ وَحِمَايَةٍ مِنَ اللهِ لَهَا؛ وَلِهَذَا اسْتَجَابَ اللهُ لَهَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا: {فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ} أَيْ: إِنَّ اللهَ جَبَرَ أُمَّهَا، وَصَارَ لَهَا عِنْدَ رَبِّهَا مِنَ الْقَبُولِ أَعْظَمَ مِمَّا لِلذُّكُورِ {وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا} [ آل عمران: 37 ].

فَجَمَعَ اللهُ لَهَا بَيْنَ التَّرْبِيَةِ الْجَسَدِيَّةِ وَالتَّرْبِيَةِ الرُّوحِيَّةِ؛ حَيْثُ قَدَّرَ أَنْ يَكُونَ كَافِلُهَا أَعْظَمَ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ؛ فَإِنَّ أُمَّهَا لَمَّا جَاءَتْ بِهَا لِأَهْلِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ تَنَازَعُوا أَيُّهُمْ يَكْفُلُهَا؛ لِأَنَّهَا ابْنَةُ رَئِيسِهِمْ، فَاقْتَرَعُوا وَأَلْقَوْا أَقْلَامَهُمْ، فَأَصَابَتِ الْقُرْعَةُ زَكَرِيَّا؛ رَحْمَةً بِهِ وَبِمَرْيَمَ.

فَكَفَّلَهَا أَحْسَنَ كَفَالَةٍ، وَأَعَانَهُ عَلَى كَفَالَتِهَا بِكَرَامَةٍ عَظِيمَةٍ مِنْهُ، فَكَانَتْ قَدْ نَشَأَتْ نَشْأَةَ الصَّالِحَاتِ الصِّدِّيقَاتِ، وَعَكَفَتْ عَلَى عِبَادَةِ رَبِّهَا، وَلَزِمَتْ مِحْرَابَهَا)). 

الْمُسْلِمُ الْفَائِقُ.. الْمُسْلِمُ الْمُمْتَازُ الَّذِي يُرِيدُهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ كَيْفًا لَا كَمًّا؛ لِأَنَّ الْغُثَاءَ لَا قِيمَةَ لَهُ فِي الْمُنْتَهَى، وَإِنَّمَا هُمُ الَّذِينَ إِذَا رَفَعُوا الْأَكُفَّ إِلَى السَّمَاءِ فُتِحَتْ لَهُمْ أَبْوَابُهَا، وَإِذَا مَا اسْتَنْصَرُوا اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ نَصَرَهُمْ وَأَعْطَاهُمْ، وَإِذَا مَا طَلَبُوا مِنَ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَبَّاهُمْ، وَأَجْزَلَ لَهُمُ الْعَطَاءَ مِنَّةً وَفَضْلًا.

وَهَذَا وَاحِدٌ مِنْهُمْ: مُحَمَّدُ بْنُ وَاسِعٍ -رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ-، كَانَ يُسَمَّى زَيْنَ الْقُرَّاءِ؛ لِأَنَّ قِرَاءَتَهُ بِتِلَاوَتِهِ لِلْقُرْآنِ كَانَتْ تَنْفُذُ إِلَى الْقُلُوبِ.. إِلَى الْأَرْوَاحِ مِنْ غَيْرِ حِجَابٍ وَلَا بَوَّابٍ، وَلَمْ يَكُنْ هُنَالِكَ بَيْنَ قِرَاءَتِهِ وَالْقُلُوبِ مِنْ حَاجِزِ شَحْمٍ وَلَا لَحْمٍ وَلَا عِظَامٍ، وَإِنَّمَا يُخَاطِبُ الْقُلُوبَ كِفَاحًا.

مُحَمَّدُ بْنُ وَاسِعٍ كَانَ فِي الْجَيْشِ هُنَالِكَ فِي الشَّمَالِ مَعَ الْكُفَّارِ يُجَاهِدُ جِلَادًا فِي سَبِيلِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَذَلِكَ الْقَائِدُ الْمُسْلِمُ الْبَطَلُ قُتَيْبَةُ بْنُ مُسْلِمٍ -رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ- عَلَى رَأْسِ الْجَيْشِ، وَهُوَ أَمِيرُهُ، يَقُولُ: أَيْنَ مُحَمَّدُ بْنُ وَاسِعٍ؟ لَقَدْ دَنَتْ سَاعَةُ الصِّفْرِ، وَسَوْفَ نَبْدَأُ الْآنَ فِي الْأَمْرِ الْأَكْبَرِ، وَقَدْ لَا نَعُودُ وَلَا يَعُودُ مِنَّا أَحَدٌ، وَإِنَّمَا نَحْنُ ذَاهِبُونَ إِلَى اللهِ، رَاجِعُونَ إِلَى اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، إِلَى رَبِّنَا آيِبُونَ.

يَقُولُ: أَيْنَ مُحَمَّدُ بْنُ وَاسِعٍ؟ فَقَدْ جَدَّ الْجِدُّ، وَاشْتَدَّ الْأَمْرُ، وَدَنَتِ السَّاعَةُ الَّتِي فِيهَا اللِّقَاءُ.

يُقَالُ لَهُ: إِنَّهُ هُنَالِكَ مُتَّكِئٌ عَلَى رُمْحِهِ، يُشِيرُ إِلَى السَّمَاءِ بِأُصْبَعِهِ يَدْعُو رَبَّهُ.

يَقُولُ: لَأُصْبَعُ مُحَمَّدِ بْنِ وَاسِعٍ فِي الْجَيْشِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ مِئَةِ أَلْفِ سَيْفٍ شَهِيرٍ بِأَيْدِي مِئَةِ أَلْفِ شَابٍّ طَرِيرٍ.

إِنَّهَا النَّمَاذِجُ الْفَائِقَةُ..

أُمَّةٌ تُرِيدُ الْفَائِقِينَ، تُرِيدُ مَنْ كَانَ فَائِقًا آخِذًا بِمَنْهَجِ الْعِبَادَةِ عَلَى وَجْهِهِ.

((التَّنْمِيَةُ الِاقْتِصَادِيَّةُ))

إِنَّ مِنْ أَهَمِّ الْمَجَالَاتِ الَّتِي اهْتَمَّ الْإِسْلَامُ بِتَنْمِيَتِهَا: الْمَجَالَ الِاقْتِصَادِيَّ، إِنَّ الِاقْتِصَادَ الْقَوِيَّ مِنْ أَهَمِّ دَعَائِمِ الدَّوْلَةِ وَرَكَائِزِهَا الْأَسَاسِيَّةِ الَّتِي لَا تَقُومُ وَلَا تُبْنَى إِلَّا بِهَا.

إِنَّ الْأُمَمَ الَّتِي لَا تَمْلِكُ وَلَا تُنْتِجُ قُوتَهَا وَغِذَاءَهَا وَكِسَاءَهَا وَدَوَاءَهَا وَسِلَاحَهَا لَا تَمْلِكُ أَمْرَهَا، وَلَا إِرَادَتَهَا، وَلَا كَلِمَتَهَا، وَلَا عِزَّتَهَا، وَلَا كَرَامَتَهَا؛ فَالتَّنْمِيَةُ الِاقْتِصَادِيَّةُ أَمْرٌ مَحْمُودٌ شَرْعًا.

وَمِنْ مَظَاهِرِ حَثِّ الْإِسْلَامِ عَلَى التَّنْمِيَةِ الِاقْتِصَادِيَّةِ: أَنَّهُ نَظَّمَ الْمُعَامَلَاتِ بَيْنَ الْخَلْقِ تَنْظِيمًا شَدِيدًا، وَأَقَامَهَا عَلَى الصِّدْقِ وَالْأَمَانَةِ، وَأَحَلَّ اللهُ لِلنَّاسِ الْبَيْعَ وَالتِّجَارَةَ إِلَّا مَا حَرَّمَهُ اللهُ وَرَسُولُهُ، ((قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [ البقرة: 275 ].

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [آل عمران: 130].

وَقَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ ۚ وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء: 29].

اشْتَمَلَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ الْكَرِيمَاتُ عَلَى أَحْكَامٍ جَمَّةٍ وَفَوَائِدَ مُهِمَّةٍ، مِنْهَا: أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْبُيُوعِ وَالْمُعَامَلَاتِ وَالتِّجَارَاتِ كُلِّهَا الْحِلُّ وَالْإِطْلَاقُ، كَمَا هُوَ صَرِيحُ هَذِهِ الْآيَاتِ، لَا فَرْقَ بَيْنَ تِجَارَةِ الْإِدَارَةِ الَّتِي يُدِيرُهَا التُّجَّارُ بَيْنَهُمْ، هَذَا يَأْخُذُ الْعِوَضَ، وَهَذَا يُعْطِي الْمُعَوَّضَ، وَلَا بَيْنَ التِّجَارَةِ فِي الدُّيُونِ الْحَالِّ ثَمَنُهَا، الْمُؤَجَّلِ مُثَمَّنُهَا؛ كَالسَّلَمِ، وَبَيْعِ السِّلَعِ بِأَثْمَانٍ مُؤَجَّلَةٍ؛ لِعُمُومِ قَوْلِهِ: {إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ} [البقرة: 282].

وَلَا بَيْنَ تِجَارَةِ التَّرَبُّصِ وَالِانْتِظَارِ؛ بِأَنْ يَشْتَرِيَ السِّلَعَ فِي أَوْقَاتِ رُخْصِهَا، وَيَنْتَظِرَ بِهَا الْفُرَصَ مِنْ مَوَاسِمَ وَغَيْرِهَا، وَلَا بَيْنَ التِّجَارَةِ بِالتَّصْدِيرِ وَالتَّوْرِيدِ مِنْ مَحَلٍّ إِلَى آخَرَ، وَلَا بَيْنَ التِّجَارَةِ وَالتَّكَسُّبِ أَفْرَادًا وَمُشْتَرِكِينَ؛ فَكُلُّ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ وَمَا يَتْبَعُهَا قَدْ أَبَاحَهَا الشَّارِعُ وَأَطْلَقَهَا لِعِبَادِهِ؛ رَحْمَةً بِهِمْ، وَقِيَامًا لِمَصَالِحِهِمْ، وَدَفْعًا لِلْأَضْرَارِ عَنْهُمْ، وَكُلُّهَا جَائِزَةٌ بِمَا يَقْتَرِنُ بِهَا وَيَتْبَعُهَا مِنْ شُرُوطٍ وَوَثَائِقَ وَنَحْوِهَا إِذَا سَلِمَتْ مِنَ الْمَحَاذِيرِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي نَبَّهَ اللهُ عَلَيْهَا وَرَسُولُهُ.

يَدْخُلُ فِي هَذَا الْعُمُومِ جَمِيعُ أَجْنَاسِ الْمَبِيعَاتِ، وَأَنْوَاعِهَا، وَأَفْرَادِهَا؛ مِنْ عَقَارَاتٍ، وَحَيَوَانَاتٍ، وَأَمْتِعَةٍ، وَأَطْعِمَةٍ، وَأَوَانٍ، وَأَشْرِبَةٍ، وَأَكْسِيَةٍ وَفُرُشٍ، وَغَيْرِهَا، وَكُلُّهَا لَا بُدَّ أَنْ تَقْتَرِنَ بِهَذَا الشَّرْطِ الَّذِي ذَكَرَهُ اللهُ، وَهُوَ التَّرَاضِي بَيْنَ الْمُتَعَاوِضَيْنِ، الرِّضَا الصَّادِرُ عَنْ مَعْرِفَةٍ، وَأَمَّا السَّفِيهُ، وَالْمَجْنُونُ، وَمَنْ لَا يُعْتَبَرُ كَلَامُهُ؛ فَوَلِيُّهُ يَقُومُ مَقَامَهُ فِي مُعَامَلَاتِهِ)) .

وَمِنَ الْأُصُولِ -أَيْضًا- الَّتِي أَسَّسَهَا الْإِسْلَامُ الْعَظِيمُ فِي حَيَاةِ النَّاسِ الِاقْتِصَادِيَّةِ: الْوَفَاءُ بِالْعُقُودِ؛ قَالَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة: 1].

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ صَدَّقُوا اللهَ وَاتَّبَعُوا رَسُولَهُ! نَفِّذُوا ارْتِبَاطَاتِكُمُ الَّتِي عَقَدْتُمُوهَا مَعَ رَبِّكُمْ بِسَبَبِ إِيمَانِكُمْ، وَالْعُقُودَ الَّتِي عَقَدْتُمُوهَا مَعَ أَنْفُسِكُمْ بِسَبَبِ حَلِفِكُمْ وَنَذْرِكُمْ عَلَى أَلَّا تَفْعَلُوا فِعْلًا أَوْ تَكُفُّوا عَنْ فِعْلٍ، وَالْعُقُودَ الَّتِي عَقَدَهَا بَعْضُكُمْ مَعَ بَعْضٍ بِإِرَادَتِهِ وَاخْتِيَارِهِ؛ مِن بَيْعٍ، وَإِجَارَةٍ، وَرَهْنٍ، وَشَرِكَةٍ، وَمُضَارَبَةٍ، وَزَوَاجٍ، وَنَحْوِهَا؛ فَالْتَزِمُوا بِهَا، وَبِالْعُقُودِ الَّتِي تَعْقِدُهَا الدَّوْلَةُ الْمُسْلِمَةُ مَعَ غَيْرِهَا مِنَ الدُّوَلِ فِي السِّلْمِ وَالْحَرْبِ.

وَمِنَ الْأُصُولِ الْوَاجِبِ الْتِزَامُهَا فِي الْمُعَامَلَاتِ الِاقْتِصَادِيَّةِ: الصِّدْقُ وَالْأَمَانَةُ؛ فَقَدْ رَغَّبَ النَّبِيُّ ﷺ التُّجَّارَ فِي الصِّدْقِ، وَرَهَّبَهُمْ مِنَ الْكَذِبِ، وَمِنَ الْحَلِفِ وَإِنْ كَانُوا صَادِقِينَ؛ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «التَّاجِرُ الصَّدُوقُ الْأَمِينُ مَعَ النَّبِيِّينَ، وَالصِّدِّيقِينَ، وَالشُّهَدَاءِ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: «حَدِيثٌ حَسَنٌ»، وَقَالَ الْأَلْبَانيُّ: «صَحِيحٌ لِغَيْرِهِ».

وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَلَفْظُهُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «التَّاجِرُ الْأَمِينُ الصَّدُوقُ الْمُسْلِمُ مَعَ الشُّهَدَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».

وَعِنْدَ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا؛ بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَذَبَا وَكَتَمَا؛ مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا)).

وَمِنْ أَعْظَمِ الْأُصُولِ الْوَاجِبِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ الْأَخْذُ بِهَا فِي مُعَامَلَاتِهِمُ الْمَالِيَّةِ: السَّمَاحَةُ؛ فَالنَّبِيُّ ﷺ رَغَّبَ فِي السَّمَاحَةِ فِي البَيْعِ وَالشِّرَاءِ، وَحُسْنِ التَّقَاضِي وَالْقَضَاءِ؛ فَعَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللهِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «رَحِمَ اللهُ رَجُلًا سَمْحًا إِذَا بَاعَ، سَمْحًا إِذَا اشْتَرَى، سَمْحًا إِذَا اقْتَضَى». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ كَانَ هَيِّنًا لَيِّنًا قَرِيبًا؛ حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ». رَوَاهُ الحَاكِمُ، وَقَالَ: ((صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ))، وَهُوَ صَحِيحٌ لِغَيْرِهِ.

وَمِنْ مَظَاهِرِ اهْتِمَامِ الْإِسْلَامِ بِالتَّنْمِيَةِ الِاقْتِصَادِيَّةِ: بَيَانُ سُبُلِ الِارْتِقَاءِ بِهَذِهِ التَّنْمِيَةِ، وَالْحَثُّ عَلَيْهَا، وَمِنْ ذَلِكَ: حَثُّ الْإِسْلَامِ عَلَى الْعَمَلِ، وَالْجِدِّ وَالِاجْتِهَادِ فِيهِ، قَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللهِ} [الجمعة: ١٠].

يَعْنِي: فَإِذَا فُرِغَ مِنْ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ؛ فَتَفَرَّقُوا فِي الْأَرْضِ لِلتِّجَارَةِ، وَالتَّصَرُّفِ فِي حَوَائِجِكُمْ، وَمَطَالِبِ حَيَاتِكُمْ، وَمَصَالِحِ دُنْيَاكُمْ، وَاطْلُبُوا رِزْقَ اللهِ بِأَنَاةٍ وَرِفْقٍ مَعَ صَبْرٍ وَكَدْحٍ، وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا فِي جَمِيعِ أَحْوَالِكُمْ؛ رَغْبَةً فِي الْفَوْزِ بِخَيْرَيِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.

وَالنَّبِيُّ ﷺ بَيَّنَ لِلْأُمَّةِ ضَرُورَةَ الْعَمَلِ، عَامِلِينَ بِقَاعِدَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ، هُمَا: التَّوَكُّلُ عَلَى اللهِ، وَالْأَخْذُ بِالْأَسْبَابِ؛ فَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- -فِيمَا أَخْرَجَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَغَيْرُهُمْ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ- عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: «أَمَا إِنَّكُمْ لَوْ تَوَكَّلْتُم عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ؛ لَرَزَقَكُمُ اللَّهُ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ، تَغْدُو خِمَاصًا، وَتَعُودُ بِطَانًا».

وَمِنْ مَظَاهِرِ اهْتِمَامِ الْإِسْلَامِ بِالتَّنْمِيَةِ الِاقْتِصَادِيَّةِ: حَثُّ الْإِسْلَامِ عَلَى التَّخْطِيطِ الزِّرَاعِيِّ وَالتَّمْوِينِيِّ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ (43) قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ (44) وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُم بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ (45) يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (46) قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تَأْكُلُونَ (47) ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ (48) ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ} [يوسف: 43-49].

وَقَالَ مَلِكُ مِصْرَ: إِنِّي رَأَيْتُ فِي مَنَامِي سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ، وَسَبْعَ بَقَرَاتٍ فِي غَايَةِ الْهُزَالِ، فَابْتَلَعَتِ الْعِجَافُ السِّمَانَ، وَدَخَلْنَ فِي بُطُونِهِنَّ، وَلَمْ يُرَ مِنْهُنَّ شَيْءٌ، وَلَمْ يَتَبَيَّنْ عَلَى الْهَزِيلَاتِ مِنْهَا شَيْءٌ، وَرَأَيْتُ سَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ قَدِ انْعَقَدَ حَبُّهَا، وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ أُخَرَ يَابِسَاتٍ قَدِ اسْتُحْصِدَتْ، فَالْتَوَتِ الْيَابِسَاتُ عَلَى الْخُضْرِ حَتَّى عَلَوْنَ عَلَيْهَا، وَلَمْ يَبْقَ مِنْ قُدْرَتِهَا شَيْءٌ.

يَا أَيُّهَا السَّادَةُ وَالْكُبَرَاءُ! يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ! أَخْبِرُونِي بِتَأْوِيلِ رُؤْيَايَ الْخَطِيرَةِ، وَعَبِّرُوهَا لِي، وَاذْكُرُوا بُعْدَهَا الْوَاقِعِيَّ فِي هَذَا الْكَوْنِ إِنْ كُنْتُمْ تُحْسِنُونَ عِلْمَ الْعِبَارَةِ وَتَفْسِيرَ رُمُوزِ الْأَحْلَامِ.

قَالَ الْمَلَأُ مِنَ السَّحَرَةِ وَالْكَهَنَةِ وَالْمُعَبِّرِينَ مُجِيبِينَ الْمَلِكَ: رُؤْيَاكَ هَذِهِ أَخْلَاطٌ مُشْتَبِهَةٌ، وَمَنَامَاتٌ مُتَدَاخِلَةٌ بَاطِلَةٌ، وَمَا نَحْنُ بِتَفْسِيرِ الْمَنَامَاتِ بِعَالِمِينَ.

وَقَالَ السَّاقِي الَّذِي نَجَا مِنَ الْقَتْلِ بَعْدَ هَلَاكِ صَاحِبِهِ الْخَبَّازِ، وَتَذَكَّرَ قَوْلَ يُوسُفَ بَعْدَ مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ مِنَ الزَّمَنِ: {اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ} [يوسف: 42]؛ قَالَ: أَنَا أُخْبِرُكُمْ بِتَأْوِيلِ هَذِهِ الرُّؤْيَا؛ إِذْ أَسْتَفْتِي فِيهَا السَّجِينَ الْعِبْرَانِيَّ الَّذِي كُنْتُ مُصَاحِبًا لَهُ فِي سِجْنِ رَئِيسِ الشُّرْطَةِ، فَأَرْسِلْنِي أَيُّهَا الْمَلِكُ إِلَى السِّجْنِ؛ فَفِيهِ رَجُلٌ عَالِمٌ يُعَبِّرُ الرُّؤْيَا، فَأَرْسَلَهُ، فَأَتَى السِّجْنَ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَيْهِ قَالَ لَهُ: يَا يُوسُفُ! أَيُّهَا الْعَظِيمُ الصِّدْقِ فِي كَلَامِكَ، وَتَأْوِيلِكَ، وَسُلُوكِكَ، وَتَصَرُّفَاتِكَ، وَصُحْبَتِكَ؛ فَسِّرْ لَنَا رُؤْيَا مَا رَأَى: سَبْعُ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعُ بَقَرَاتٍ هَزِيلَاتٍ، وَرَأَى سَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ؛ فَإِنَّ الْمَلِكَ رَأَى هَذِهِ الرُّؤْيَا؛ لَعَلِّي أَرْجِعُ بِتَأْوِيلِ هَذِهِ الرُّؤْيَا إِلَى الْمَلِكِ وَجَمَاعَتِهِ لِيَعْلَمُوا تَأْوِيلَ مَا سَأَلْتُكَ عَنْهُ، وَلِيَعْلَمُوا مَكَانَتَكَ وَفَضْلَكَ.

لَمْ يَشْتَرِطْ شَيْئًا، وَإِنَّمَا مَضَى فِي تَعْبِيرِ الرُّؤْيَا، كَانَ مِنَ الْمُمْكِنِ لَوْ كَانَ سِوَاهُ لَقَالَ: لَا أُعَبِّرُ لَكُمُ الرُّؤْيَا حَتَّى أَخْرُجَ مِنْ هَذَا الْحَبْسِ، أَوْ حَتَّى يُرَدَّ إِلَيَّ حَقِّي، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا أَفَادَهُمْ، وَأَرَادَ نَفْعَهُمْ.

قَالَ يُوسُفُ مُعَبِّرًا لِتِلْكَ الرُّؤْيَا الَّتِي تُشِيرُ إِلَى الْوَضْعِ الزِّرَاعِيِّ وَالِاقْتِصَادِيِّ وَالْمَالِيِّ خِلَالَ الْخَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً الْقَادِمَةِ بِمَا فِيهَا مِنْ رَخَاءٍ، ثُمَّ قَحْطٍ، ثُمَّ غَوْثٍ: ازْرَعُوا سَبْعَ سِنِينَ بِجِدٍّ وَاجْتِهَادٍ مِنْ غَيْرِ فُتُورٍ عَلَى عَادَتِكُمُ الْمُسْتَمِرَّةِ فِي الزِّرَاعَةِ، فَمَا حَصَدْتُمْ مِنَ الْحِنْطَةِ فَاتْرُكُوهُ فِي سُنْبُلِهِ؛ لِئَلَّا يَفْسُدَ، وَيَقَعَ فِيهِ السُّوسُ، وَاحْفَظُوا أَكْثَرَهُ لِوَقْتِ الْحَاجَةِ؛ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَهُ مِنَ الْحُبُوبِ.

ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ الدَّأَبِ فِي الزِّرَاعَةِ -زِرَاعَةِ الْأَقْوَاتِ وَادِّخَارِهَا- طُوَالَ السِّنِينَ السَّبْعِ الْمُخْصِبَةِ.. يَأْتِي سَبْعُ سِنِينَ مُجْدِبَةٌ، تَكُونُ مُمْحِلَةً شَدِيدَةً عَلَى النَّاسِ، يَأْكُلُ النَّاسُ وَتَأْكُلُ مَوَاشِيهِمْ فِيهَا مَا زَرَعْتُمْ وَادَّخَرْتُمْ لَهُنَّ مِنَ الطَّعَامِ فِي سَنَوَاتِ الْخِصْبِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَحْفَظُونَهُ وَتَدَّخِرُونَهُ؛ احْتِيَاطًا لِلطَّوَارِئِ الْمُلْجِئَةِ الَّتِي قَدْ يُسْمَحُ فِيهَا بِالْأَخْذِ مِنَ الِاحْتِيَاطِيِّ بِمَقَادِيرِ الضَّرُورَةِ.

{ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ}، لَيْسَ فِي الرُّؤْيَا الَّتِي رَآهَا الْمَلِكُ أَدْنَى إِشَارَةٍ إِلَى عَامِ الْغَوْثِ هَذَا، فَهَذَا التَّأْوِيلُ عَلَّمَهُ اللهُ إِيَّاهُ، فِيهَا سَبْعٌ مِنَ السَّنَوَاتِ -كَمَا أَوَّلَ- يَكُونُ فِيهَا الْخِصْبُ، ثُمَّ سَبْعٌ مِنَ السَّنَوَاتِ يَكُونُ فِيهَا الْجَدْبُ، وَلَيْسَ فِي الرُّؤْيَا أَدْنَى إِشَارَةٍ إِلَى عَامِ الْغَوْثِ هَذَا.

ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ هَذِهِ السِّنِينَ الْمُجْدِبَةِ عَامٌ تَرْجِعُ فِيهِ تَصَارِيفُ الْكَوْنِ إِلَى مِثْلِ مَا كَانَتْ عَلَيْهِ قَبْلَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَفِيهِ تَنْزِلُ الْأَمْطَارُ النَّافِعَةُ الَّتِي يُنْبِتُ اللهُ بِهَا الزُّرُوعَ، وَفِيهَا يَعْصِرُونَ مَا شَأْنُهُ أَنْ يُعْصَرَ مِنْ نَحْوِ الْعِنَبِ، وَالزَّيْتُونِ، وَالْقَصَبِ، وَتَكْثُرُ النِّعَمُ عَلَى النَّاسِ.

لَمْ يَكْتَفِ يُوسُفُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- بِتَعْبِيرِ الرُّؤْيَا، بَلْ بَادَرَ فَوَضَعَ لَهُمْ خُطَّةَ عَمَلٍ لِمُوَاجَهَةِ سَنَوَاتِ الْقَحْطِ وَالْجَفَافِ، وَهِيَ خُطَّةٌ اقْتِصَادِيَّةٌ تَتَنَاوَلُ الْحَيَاةَ الزِّرَاعِيَّةَ وَالتَّمْوِينِيَّةَ لِلْأُمَّةِ خِلَالَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً تَأْتِي عَلَى اسْتِقْلَالٍ.

وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَفِي يَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ، فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَلَّا تَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَغْرِسْهَا». وَالْحَدِيثُ صَحِيحٌ، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ.

وَ«فَسِيلَةٌ»: هِيَ النَّخْلَةُ الصَّغِيرَةُ.

هَذَا فِيهِ مُبَالَغَةٌ فِي الْحَثِّ عَلَى غَرْسِ الْأَشْجَارِ، وَحَفْرِ الْأَنْهَارِ؛ لِتَبْقَى هَذِهِ الدَّارُ عَامِرَةً إِلَى آخِرِ أَمَدِهَا الْمَحْدُودِ الْمَعْلُومِ عِنْدَ خَالِقِهَا، فَكَمَا غَرَسَ لَكَ غَيْرُكَ فَانْتَفَعْتَ بِهِ فَاغْرِسْ أَنْتَ لِمَنْ يَجِيءُ بَعْدَكَ لِيَنْتَفِعَ بِهِ؛ وَإِنْ لَمْ يَبْقَ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا صُبَابَةٌ، وَذَلِكَ بِهَذَا الْقَصْدِ لَا يُنَافِي الزُّهْدَ وَالتَّقَلُّلَ مِنَ الدُّنْيَا.

وَالنَّبِيُّ ﷺ ذَكَرَ أَحَادِيثَ فِي اسْتِثْمَارِ الْأَرْضِ وَزَرْعِهَا، وَالْحَثِّ عَلَى ذَلِكَ، وَلَا أَدَلَّ عَلَى الْحَضِّ عَلَى الِاسْتِثْمَارِ مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الْكَرِيمَةِ، كَمَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي مَعَنَا؛ فَإِنَّ فِيهِ تَرْغِيبًا عَظِيمًا عَلَى اغْتِنَامِ آخِرِ فُرْصَةٍ مِنَ الْحَيَاةِ فِي سَبِيلِ زَرْعِ مَا يَنْتَفِعُ بِهِ النَّاسُ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَيُجْرَى لَهُ أَجْرُهُ، وَتُكْتَبُ لَهُ صَدَقَتُهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.

قَوْلُهُ: «فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَلَّا تَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَغْرِسْهَا»، وَهَذَا -كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ- يَتَطَلَّبُ زَمَانًا مَمْدُودًا؛ لِكَيْ يَتَحَصَّلَ الْمَرْءُ عَلَى نَتِيجَتِهِ وعَائِدِهِ؛ لِأَنَّ النَّخْلَةَ يَسْتَمِرُّ نُمُوُّهَا حَتَّى إِثْمَارِهَا سَنَوَاتٍ، وَمَعَ ذَلِكَ فَالنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: «إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَفِي يَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ، فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَلَّا تَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَغْرِسْهَا».

مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَنْتَفِعْ بِهَا يَقِينًا حِينَئِذٍ، وَلَكِنَّهُ ﷺ يَحُثُّ عَلَى غَرْسِ الْأَشْجَارِ، وَحَفْرِ الْأَنْهَارِ، وَعَلى الْعَمَلِ الصَّالِحِ النَّافِعِ بِصِفَةٍ عَامَّةٍ؛ وَإِنْ ظَهَرَتْ نَتَائِجُهُ وَعَوَاقِبُهُ عَلَى الْمَدَى الْبَعِيدِ، وَكَانَتْ نَتَائِجُهُ وَثِمَارُهُ بَطِيئَةً جِدًّا.

فِي هَذَا الْحَدِيثِ: التَّرْغِيبُ الْعَظِيمُ فِي اغْتِنَامِ آخِرِ فُرْصَةٍ مِنَ الْحَيَاةِ فِي سَبِيلِ زَرْعِ مَا يَنْتَفِعُ بِهِ النَّاسُ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَيُجْرَى لَهُ أَجْرُهُ، وَتُكْتَبُ لَهُ صَدَقَتُهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَالْحَثُّ عَلَى الطَّاعَةِ إِلَى آخِرِ لَحْظَةٍ مِنَ الْحَيَاةِ.

وَمِنْ مَظَاهِرِ اهْتِمَامِ الْإِسْلَامِ بِالتَّنْمِيَةِ الِاقْتِصَادِيَّةِ: تَشْجِيعُ الْإِسْلَامِ عَلَى الصِّنَاعَةِ، وَالْإِتْقَانِ فِيهَا؛ فَالْمُتَأَمِّلُ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ يَجِدُ أَنَّهُ فِي كَثِيرٍ مِنْ آيَاتِهِ يَدْعُو إِلَى إِتْقَانِ جَمِيعِ الْأَعْمَالِ الْمَشْرُوعَةِ؛ فَإِنَّهُ لَمْ تَتَقَدَّمْ أُمَّةٌ إِلَّا بِتَفَانِيهَا فِي صِنَاعَاتِهَا وَحِرَفِهَا وَمِهَنِهَا الْمُخْتَلِفَةِ، وَقَدْ أَشَارَ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ إِلَى صِنَاعَةِ الْحَدِيدِ؛ حَيْثُ يَقُولُ -سُبْحَانَهُ-: {وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحديد: 25].

(({وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ} مِنْ آلَاتِ الْحَرْبِ؛ كَالسِّلَاحِ، وَالدُّرُوعِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، {وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} وَهُوَ مَا يُشَاهَدُ مِنْ نَفْعِهِ فِي أَنْوَاعِ الصِّنَاعَاتِ وَالْحِرَفِ، وَالْأَوَانِي وَآلَاتِ الْحَرْثِ؛ حَتَّى إِنَّهُ قَلَّ أَنْ يُوجَدَ شَيْءٌ إِلَّا وَهُوَ يَحْتَاجُ إِلَى الْحَدِيدِ)).

كَمَا أَشَارَ الْقُرْآنُ إِلَى صِنَاعَةِ الْمَلَابِسِ، وَالْأَثَاثِ، وَالْجُلُودِ، فَقَالَ -سُبْحَانَهُ-: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (80) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ (81)} [النحل: 80-81].

كَمَا أَنَّ هَذِهِ الصِّنَاعَاتِ وَالْحِرَفَ مِهْنَةُ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ؛ فَقَدْ كَانُوا فِيهَا خَيْرَ أُنْمُوذَجٍ لِلْإِجَادَةِ وَالْإِتْقَانِ، وَقَدْ جَاءَتْ آيَاتٌ فِي الْقُرْآنِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ كَانُوا يَعْمَلُونَ فِي عَدَدٍ مِنَ الْحِرَفِ وَالصِّنَاعَاتِ الْيَدَوِيَّةِ؛ فَقَدْ قَالَ -تَعَالَى- لِنُوحٍ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-: {وَاصْنَعْ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا} [هود: 37].

وَاصْنَعِ السَّفِينَةَ بِمَرْأَى مِنَّا مَحْفُوظًا بِكَلَاءَتِنَا وَعِنَايَتِنَا، وَبِوَحْيِنَا فِي خُطَّةِ الْعَمَلِ، وَبِنَاءِ السَّفِينَةِ، وَطَرِيقَةِ التَّنْفِيذِ.

وَثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ -كَمَا عِنْدَ مُسْلِمٍ - عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ((أَنَّ نَبِيَّ اللهِ زَكَرِيَّا كَانَ نَجَّارًا)) .

وَمِنْ ذَلِكَ: قَوْلُهُ -تَعَالَى- عَنْ دَاوُدَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-: {وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ * أَنْ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [سبأ: 10-11].

{وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ} فَكَانَ فِي يَدِهِ كَالْعَجِينِ، يَعْمَلُ مِنْهُ مَا يَشَاءُ مِنْ غَيْرِ نَارٍ وَلَا ضَرْبِ مِطْرَقَةٍ.

وَأَمَرْنَاهُ أَنِ اعْمَلْ يَا دَاوُدُ دُرُوعًا وَاسِعَاتٍ سَاتِرَاتٍ!

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ! إِنَّهُ لَا يَكْفِي الْفَرْدَ أَنْ يُؤَدِّيَ الْعَمَلَ صَحِيحًا، بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَعَ صِحَّتِهِ مُتْقَنًا؛ فَهَل يَعِي ذَلِكَ الْمُسْلِمُونَ، وَيَسْعَوْنَ إِلَى جَعْلِهِ مِيزَةً لِشَخْصِيَّاتِهِمْ، وَخُلُقًا يَتَّصِفُونَ بِهِ فِي حَيَاتِهِمْ، وَمَبْدَأً يَنْطَلِقُونَ مِنْهُ فِي مُؤَسَّسَاتِ الْعِلْمِ وَمَيَادِينِ الْعَمَلِ وَأَسْوَاقِ الصِّنَاعَةِ؛ لِيَصِلُوا بِهِ إِلَى الْإِنْجَازِ، وَيُحَقِّقُوا بِسَبَبِهِ النَّجَاحَ؟!!

إِنَّ إِتْقَانَ الْعَمَلِ وَالتَّمَيُّزَ فِيهِ وَالْقِيَامَ بِهِ عَلَى أَكْمَلِ وَجْهٍ مِنْ أَهَمِّ الْقِيَمِ الَّتِي دَعَا إِلَيْهَا الْإِسْلَامُ، وَحَثَّ عَلَيْهَا، وَرَغَّبَ فِيهَا، وَلَا أَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ مِنْ أَنَّ اللهَ -تَعَالَى- خَلَقَ هَذَا الْكَوْنَ بِإِتْقَانٍ وَإِبْدَاعٍ؛ لِيَسِيرَ النَّاسُ عَلَى هَذَا النَّهْجِ الْإِلَهِيِّ فِي أَعْمَالِهِمْ؛ حَيْثُ يَقُولُ تَعَالَى: {وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ} [النمل: 88].

وَتَرَى الْجِبَالَ -أَيُّهَا الرَّائِي- تَظُنُّهَا مُتَمَاسِكَةً لَا حَرَكَةَ لِذَرَّاتِهَا، وَلَا سَيْرَ لَهَا فِي جُمْلَتِهَا، وَهِيَ فِي وَاقِعِ حَالِهَا تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ الَّذِي تَتَحَرَّكُ ذَرَّاتُهُ تَحَرُّكًا دَاخِلِيًّا، وَيَسِيرُ فِي جُمْلَتِهِ مِنْ مَوْقِعٍ إِلَى مَوْقِعٍ فِي السَّمَاءِ، وَكَذَلِكَ حَالُ الْجِبَالِ وَسَائِرِ مَا فِي الْأَرْضِ؛ إِذْ ذَرَّاتُ كُلِّ شَيْءٍ تَتَحَرَّكُ حَرَكَاتٍ فِي دَوَائِرَ وَأَقْفَالٍ مُقْفَلَةٍ.

وَجُمْلَةُ الْأَرْضِ مَعَ جِبَالِهَا تَمُرُّ سَائِرَةً فِي دَوْرَةٍ يَوْمِيَّةٍ حَوْلَ نَفْسِهَا، وَفِي دَوْرَةٍ سَنَوِيَّةٍ حَوْلَ الشَّمْسِ.

صَنَعَ اللهُ ذَلِكَ صُنْعَ الَّذِي أَحْكَمَ صُنْعَهُ، وَجَعَلَهُ مُطَابِقًا لِلْمَقْصُودِ مِنْهُ.

وَدِينُنَا الْحَنِيفُ لَا يَطْلُبُ مِنَ النَّاسِ مُجَرَّدَ الْعَمَلِ، إِنَّمَا يَطْلُبُ إِتْقَانَهُ وَإِحْسَانَهُ، يَقُولُ -سُبْحَانَهُ-: {وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} [القصص: 77].

وَقَالَ ﷺ: ((إِنَّ اللهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ)).

إِنَّ دِينَنَا دِينُ الْإِتْقَانِ فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَلَقَدْ عُنِيَ عِنَايَةً بَالِغَةً بِذَلِكَ؛ سَوَاءٌ فِي مَجَالِ الصِّنَاعَةِ، أَمْ فِي مَجَالِ الْحِرَفِ وَالْمِهَنِ؛ ذَلِكَ أَنَّ الْأُمَمَ لَا يُمْكِنُ أَنْ تَنْهَضَ أَوْ تَتَقَدَّمَ بِلَا إِتْقَانٍ، وَدَوْرُنَا أَنْ نَجْعَلَ الْإِتْقَانَ ثَقَافَةَ الْمُجْتَمَعِ بِأَسْرِهِ؛ بِحَيْثُ يَصِيرُ الْإِتْقَانُ هُوَ الْأَصْلَ فِي حَيَاتِنَا، وَمَا عَدَاهُ هُوَ الشَّاذُّ الَّذِي لَا يُقَاسُ عَلَيْهِ، وَلَا يُمْكِنُ الْقَبُولُ بِهِ.

((التَّنْمِيَةُ الِاجْتِمَاعِيَّةُ))

إِنَّ الْمُجْتَمَعَ الْمُسْلِمَ إِذَا الْتَزَمَ بِمَنْهَجِ الْإِسْلَامِ عَقِيدَةً، وَعِبَادَةً، وَخُلُقًا وَسُلُوكًا وَفْقًا لِمَا جَاءَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، وَاقْتِدَاءً بِالصُّورَةِ الَّتِي طُبِّقَ بِهَا الْإِسْلَامُ فِي عَهْدِ الرَّسُولِ ﷺ، وَالْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِنْ بَعْدِهِ؛ فَإِنَّهُ يَجِدُ التَّكَامُلَ الِاجْتِمَاعِيَّ وَاقِعًا فِي الْمُجْتَمَعِ؛ بِحَيْثُ تَتَحَقَّقُ فِيهِ جَمِيعُ مَضَامِينِهِ؛ ذَلِكَ أَنَّ الْإِسْلَامَ قَدِ اهْتَمَّ بِبِنَاءِ الْمُجْتَمَعِ الْمُتَكَامِلِ، وَحَشَدَ فِي سَبِيلِ ذَلِكَ جُمْلَةً مِنَ النُّصُوصِ وَالْأَحْكَامِ؛ لِإِخْرَاجِ الصُّورَةِ الَّتِي وَصَفَ بِهَا الرَّسُولُ ﷺ ذَلِكَ الْمُجْتَمَعَ بِقَوْلِهِ: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ كَمَثَلِ الْجَسَدِ الْوَاحِدِ»، وَقَوْلِهِ ﷺ: «إِنَّ الْمُؤْمِنَ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا».

وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْبُنْيَانَ وَأَنَّ الْجَسَدَ شَيْءٌ وَاحِدٌ مُتَمَاسِكٌ، لَيْسَ فِيهِ تَفَرُّقٌ؛ لِأَنَّ الْبُنْيَانَ إِذَا تَفَرَّقَ سَقَطَ، كَذَلِكَ الْجِسْمُ، إِذَا تَفَرَّقَ فَقَدَ الْحَيَاةَ؛ فَلَا بُدَّ مِنَ الِاجْتِمَاعِ، وَأَنْ نَكُونَ أُمَّةً وَاحِدَةً أَسَاسُهَا التَّوْحِيدُ، وَمَنْهَجُهَا دَعْوَةُ الرَّسُولِ ﷺ، وَمَسَارُهَا عَلَى دِينِ الْإِسْلَامِ الْعَظِيمِ. 

إِنَّ التَّنْمِيَةَ الِاجْتِمَاعِيَّةَ تَبْدَأُ بِالتَّرَابُطِ الْأُسَرِيِّ؛ فَقَدْ أَكَّدَ الْإِسْلَامُ عَلَى قُوَّةِ الْعَلَاقَاتِ الْأُسَرِيَّةِ، فَبَنَى الْإِسْلَامُ الْأُسْرَةَ عَلَى الْمِيثَاقِ الْغَلِيظِ -وَهُوَ الزَّوَاجُ- الَّذِي يَحْفَظُ الْأُسْرَةَ مِنَ التَّفَكُّكِ وَالِانْهِيَارِ، فَقَالَ رَبُّنَا  -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: {وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآَتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (20) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا} [النساء: 20-21].

{وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا}: وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ عَهْدًا شَدِيدًا مُؤَكَّدًا، وَهِيَ كَلِمَةُ النِّكَاحِ الَّتِي تُسْتَحَلُّ بِهَا فُرُوجُ النِّسَاءِ.

إِنَّ الشَّرْعَ الْأَغَرَّ قَدْ حَدَّدَ الْعَلَاقَاتِ بَيْنَ الْإِنْسَانِ وَأَخِيهِ، وَحَدَّدَ الْعَلَاقَةَ بَيْنَ الْإِنْسَانِ وَمُجْتَمَعِهِ، فَإِذَا لَمْ يَعْرِفِ الْإِنْسَانُ دِينَ رَبِّهِ؛ فَإِنَّهُ -حِينَئِذٍ- لَا يُمْكِنُ أَنْ يُؤَدِّيَ حَقَّهُ عَلَيْهِ، وَلا يُمْكِنُ أَنْ يَعْرِفَ وَاجِبَهُ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ جَاهِلًا مُتَخَبِّطًا.

وَالنَّبِيُّ ﷺ رَاعَى حُقُوقَ الْمُجْتَمَعِ الْمُسْلِمِ كَمَا عَلَّمَهُ اللهُ -تَعَالَى-.

الْإِسْلَامُ رَاعَى حُقُوقَ الْوَالِدَيْنِ، وَالزَّوْجَةِ، وَالْوَلَدِ، وَالْأَرْحَامِ وَالْأَقَارِبِ، وَالْجِيرَانِ، وَسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ، الْحُقُوقَ الَّتِي لَوِ اجْتَهَدَ الْمُسْلِمُونَ فِي أَدَائِهَا وَالْوَفَاءِ بِهَا؛ أَثْمَرَ ذَلِكَ مُجْتَمَعًا قَوِيًّا مُتَرَابِطًا مُتَمَاسِكًا.

رَاعَى حُقُوقَ الْوَالِدَيْنِ، فَجَعَلَ حَقَّ الْأَبَوَيْنِ يَلِي حَقَّ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- وَحَقَّ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي الْفَرْضِيَّةِ وَالْوُجُوبِ، قَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَاعْبُدُوا اللهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا}.

وَقَالَ تَعَالَى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} [الإسراء: 23-24].

وَرَاعَى الْإِسْلَامُ حَقَّ الزَّوْجَةِ وَالْوَلَدِ؛ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، إِنَّ لِبَدَنِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، إِنَّ لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، إِنَّ لِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، إِنَّ لِزَوْرِكَ -أَيْ: لِضِيفَانِكَ وَزَائِرِيكَ- عَلَيْكَ حَقًّا؛ فَآتِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ)).

وَعَنِ الْمِقْدَامِ، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: ((مَا أَطْعَمْتَ نَفْسَكَ فَهُوَ صَدَقَةٌ، وَمَا أَطْعَمْتَ وَلَدَكَ وَزَوْجَتَكَ وَخَادِمَكَ فَهُوَ صَدَقَةٌ)).

وَأَوْلَى الْإِسْلَامُ رِعَايَةً تَامَّةً كَامِلَةً بِالْأَرْحَامِ، قَالَ رَبُّنَا -جَلَّ وَعَلَا-: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ} [النساء: 1].

يَا أَيُّهَا النَّاسُ! احْذَرُوا أَمْرَ رَبِّكُمْ أَنْ تُخَالِفُوهُ فِيمَا أَمَرَكُمْ بِهِ وَنَهَاكُمْ عَنْهُ، الَّذِي خَلَقَ السُّلَالَةَ الْإِنْسَانِيَّةَ كُلَّهَا مُشْتَقَّةً مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ، وَهُوَ آدَمُ أَبُو الْبَشَرِ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-، وَخَلَقَ مِنْ آدَمَ زَوْجَهُ حَوَّاءَ، وَنَشَرَ مِنْ ظَهْرِ آدَمَ وَحَوَّاءَ بِالتَّلَازُمِ رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً كَثِيرَاتٍ.

وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي يَسْأَلُهُ بِهِ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، وَاتَّقُوا الْأَرْحَامَ أَنْ تَقْطَعُوهَا فَلَا تَصِلُوهَا.

وَالنَّبِيُّ ﷺ يَأْمُرُ بِصِلَةِ الرَّحِمِ، وَيُرَغِّبُ فِيهَا، وَيُخْبِرُ أَنَّ صِلَةَ الرَّحِمِ تُقَرِّبُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَتُبَاعِدُ مِنَ النَّارِ؛1فَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ، أَنَّ أَعْرَابِيًّا عَرَضَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فِي مَسِيرِهِ، فَقَالَ: أَخْبِرْنِي مَا يُقَرِّبُنِي مِنَ الْجَنَّةِ، وَيُبَاعِدُنِي مِنَ النَّارِ؟

قَالَ: «تَعْبُدُ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَتَصِلُ الرَّحِمَ». وَالْحَدِيثُ فِي «الصَّحِيحَيْنِ».

«تَصِلُ الرَّحِمَ» أَيْ: تُحْسِنُ إِلَى أَقَارِبِكَ، وَتُوَاسِي ذَوِي الْقَرَابَةِ فِي الْخَيْرَاتِ.

بِصِلَةِ الرَّحِمِ تَصْلُحُ الْمُجْتَمَعَاتُ، وَيَحْصُلُ التَّآلُفُ بَيْنَ الْأَقَارِبِ فِي النَّسَبِ، وَكَذَلِكَ الْأَقَارِبُ بِالْجِوَارِ، وَالْأَصْحَابُ؛ فَالْمُجْتَمَعُ لَا يَكُونُ سَعِيدًا إِلَّا إِذَا كَانَ بَيْنَ أَهْلِهِ التَّوَاصُلُ، وَالتَّوَادُّ، وَالتَّرَاحُمُ، وَالْمَحَبَّةُ الشَّرْعِيَّةُ.

وَأَمَّا الْقَطِيعَةُ؛ فَكُلُّهَا شَرٌّ، وَالِانْتِقَامُ لِلنَّفْسِ كَذَلِكَ يَجُرُّ إِلَى شَرٍّ كَبِيرٍ، وَالصَّبْرُ وَالتَّرَاضِي ثَمَرَاتُهُ طَيِّبَةٌ، وَعَوَاقِبُهُ حَمِيدَةٌ.

وَقَدْ قِيلَ: اصْبِرْ وَصَابِرْ تُدْرِكِ الْمَكَارِمَ.

وَرَاعَى دِينُنَا حَقَّ الْجِيرَانِ؛ فَالْجَارُ لَهُ حَقٌّ بِإِطْلَاقٍ؛ سَوَاءٌ كَانَ مُسْلِمًا أَمْ كَانَ كَافِرًا، سَوَاءٌ كَانَ طَائِعًا أَمْ كَانَ عَاصِيًا، سَوَاءٌ كَانَ عَالِمًا أَمْ كَانَ جَاهِلًا، سَوَاءٌ كَانَ مُصَالِحًا أَمْ كَانَ مُخَاصِمًا.

الْجَارُ -مُطْلَقُ الْجَارِ- لَهُ حَقٌّ؛ لِأَنَّ النُّصُوصَ وَرَدَتْ مُطْلَقَةً مِنْ غَيْرِ قَيْدٍ، وَهَذَا نَبِيُّكُمْ ﷺ يَقُولُ قَوْلًا مُرْسَلًا عَامًّا مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ قَيْدٍ: ((مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ)).

قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ -كَمَا فِي ((الصَّحِيحَيْنِ))-: ((وَاللهِ لَا يُؤْمِنُ، وَاللهِ لَا يُؤْمِنُ، وَاللهِ لَا يُؤْمِنُ)) ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.

قَالَ الْأَصْحَابُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ-: مَنْ يَا رَسُولَ اللهِ؟

قَالَ: ((الَّذِي لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ)).

قَالُوا -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ-: وَمَا بَوَائِقُهُ يَا رَسُولَ اللهِ؟

قَالَ: ((شَرُّهُ)).

وَرَاعَى الْإِسْلَامُ حُقُوقَ إِخْوَانِنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، قال ﷺ: ((حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ: إِذَا لَقِيتَهُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، وَإِذَا دَعَاكَ فَأَجِبْهُ، وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ، وَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللَّهَ فَشَمِّتْهُ، وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ، وَإِذَا مَاتَ فَاتَّبِعْهُ)).

وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا، الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يَخْذُلُهُ، وَلَا يَحْقِرُهُ، بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ، كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ؛ دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ)).

وَحُقُوقُ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ كَثِيرَةٌ؛ وَلَكِنْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى الْجَامِعُ لِهَذِهِ الْحُقُوقِ كُلِّهَا قَوْلَ الرَّسُولِ ﷺ: ((الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ))؛ فَإِنَّهُ مَتَى قَامَ بِمُقْتَضَى هَذِهِ الْأُخُوَّةِ؛ اجْتَهَدَ أَنْ يَتَحَرَّى لَهُ الْخَيْرَ كُلَّهُ، وَأَنْ يَجْتَنِبَ كُلَّ مَا يَضُرُّهُ.

وَمِنْ مَظَاهِرِ اهْتِمَامِ الْإِسْلَامِ بِالتَّنْمِيَةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ: حَثُّهُ عَلَى السَّعْيِ فِي تَحْقِيقِ التَّكَافُلِ الْمُجْتَمَعِيِّ؛ فَإِنَّ دِينَنَا الْعَظِيمَ حَرِيصٌ عَلَى تَحْقِيقِ التَّكَافُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ، حَاضٌّ عَلَى أَلَّا يَكُونَ بَيْنَنَا جَائِعٌ، وَلَا مَحْرُومٌ، وَلَا عَارٍ، وَلَا مُشَرَّدٌ، وَلَا مُحْتَاجٌ، وَقَدْ أَمَرَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ بِالْإِحْسَانِ فِي عَلَاقَةِ الْمُسْلِمِ بِأُسْرَتِهِ وَمُجْتَمَعِهِ: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى} [النساء: 36].

{وَبِذِي الْقُرْبَى} أَيْ: وَبِذِي الْقُرْبَى إِحْسَانًا، أَحْسِنُوا إِلَى الْوَالِدَيْنِ، وَإِلَى ذِي الْقُرْبَى، {وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء: 36].

فَأَمَرَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ بِالْإِحْسَانِ؛ إِحْسَانِ الْمَرْءِ فِي أُسْرَتِهِ، وَإِحْسَانِ الْمَرْءِ فِي مُجْتَمَعِهِ.

وَقَالَ تَعَالَى: {وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ} [البقرة: 177].

وَأَعْطَى الْمَالَ عَلَى شِدَّةِ حُبِّهِ لَهُ الْفُقَرَاءَ مِنْ أَهْلِ قَرَابَتِهِ، وَالْيَتَامَى الَّذِينَ تُوُفِّيَ آبَاؤُهُمْ وَلَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ، وَالْمَسَاكِينَ الَّذِينَ يَدُلُّ ظَاهِرُهُمْ عَلَى أَنَّهُمْ ذَوُو حَاجَةٍ، وَالْمُسَافِرَ الْمُنْقَطِعَ عَنْ أَهْلِهِ، وَالطَّالِبِينَ الْمُسْتَطْعِمِينَ، وَأَعْطَى الْمَالَ فِي مُعَاوَنَةِ الْمُكَاتَبِينَ حَتَّى يَفُكُّوا رِقَابَهُمْ، أَوْ فِي فَكِّ الْأَسْرَى مِنْ أَيْدِي الْعَدُوِّ بِفِدَائِهِمْ.

وَقَالَ تَعَالَى: {وَأَن تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَّكُمْ} [البقرة: 280].

وَفِي ((الصَّحِيحَيْنِ)) مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: ((سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي ظِلِّهِ))، ذَكَرَ مِنْهُمْ: ((وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا؛ حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا صَنَعَتْ يَمِينُهُ)).

وَمِنْ مَظَاهِرِ حِرْصِ الْإِسْلَامِ عَلَى التَّنْمِيَةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ: حَثُّ الْإِسْلَامِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى حُبِّ الْخَيْرِ لِلنَّاسِ، وَالِاجْتِهَادِ لِنَفْعِهِمْ، جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ؟ وَأَيُّ الْأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ؟

فَقَالَ ﷺ: «أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى اللهِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ، وَأَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ- سُرُورٌ تُدْخِلُهُ عَلَى مُسْلِمٍ؛ تَكْشِفُ عَنْهُ كُرْبَةً، أَوْ تَقْضِي عَنْهُ دَيْنًا، أَوْ تَطْرُدُ عَنْهُ جُوعًا».

وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يُسْلِمُهُ، مَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً؛ فَرَّجَ اللهُ عَنْهُ بِهَا كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ».

وَشَتَّانَ مَا بَيْنَ كُرْبَةِ الدُّنْيَا وَكُرْبَةِ الْآخِرَةِ، فَهَذَا عَطَاءٌ مِنْ صَاحِبِ الْعَطَاءِ وَالْفَضْلِ: «فَرَّجَ اللهُ عَنْهُ بِهَا كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ.

((التَّنْمِيَةُ الْأَخْلَاقِيَّةُ))

إِنَّ الِاهْتِمَامَ بِتَنْمِيَةِ الْقِيَمِ الْأَخْلَاقِيَّةِ فِي الْمُجْتَمَعِ يُعَدُّ عَامِلاً أَسَاسِيًّا وَهَامًّا لِبِنَاءِ الْمُجْتَمَعَاتِ الْقَوِيَّةِ؛ فَالْأَخْلَاقُ هِيَ أَسَاسُ بِنَاءِ الْأُمَمِ وَالْمُجْتَمَعَاتِ، وَقَدِ اهْتَمَّ الْإِسْلَامُ بِتَرْسِيخِ الْقِيَمِ الْأَخْلَاقِيَّةِ فِي الْمُجْتَمَعَاتِ الْإِسْلَامِيَّةِ، وَحَرِصَ عَلَى تَنْمِيَتِهَا، وَلَيْسَ أَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ مِنْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَصَرَ مَقْصِدَ إِرْسَالِهِ ﷺ فِي إِتْمَامِ صَالِحِ الْأَخْلَاقِ؛ فَقَدْ سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ أَكْثَرِ شَيْءٍ يُدْخِلُ النَّاسَ الْجَنَّةَ، فَقَالَ: ((تَقْوَى اللهِ، وَحُسْنُ الْخُلُقِ)).

وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ حُسْنِ الْخُلُقِ عَلَى الْقِمَّةِ الْعَالِيَةِ وَعَلَى ذِرْوَةِ السَّنَامِ، وَمَدَحَهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ بِذَلِكَ، وَأَثْبَتَهُ لَهُ، فَقَالَ اللهُ -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ- فِي حَقِّ نَبِيِّهِ ﷺ: {وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4] ﷺ.

إِنَّ كِتَابَ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- فِيهِ الْأَمْرُ بِالتَّقْوَى، وَفِيهِ النَّهْيُ عَنِ الرَّذَائِلِ، وَالْحَثُّ عَلَى الْفَضَائِلِ، وَفِيهِ التَّخْوِيفُ بِالنَّارِ، وَالتَّرْغِيبُ فِي الْجَنَّةِ، وَفِي مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَمَحَاسِنِ الْأَعْمَالِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَفْهَمُهُ كُلُّ أَحَدٍ، فَهَذَا عَطَاءُ الْقُرْآنِ الْمَجِيدِ لِكُلِّ مَنْ سَمِعَهُ أَوْ تَلَاهُ.

قَالَ رَبُّنَا -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا} [الإسراء: 9].

إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ الْقَرِيبَ مِنْكُمُ الَّذِي يُتْلَى عَلَيْكُمْ لَهُ وَظَائِفُ كُبْرَى، مِنْهَا: أَنَّهُ يَدُلُّ وَيُرْشِدُ إِلَى الطَّرِيقَةِ الَّتِي هِيَ أَقْرَبُ إِلَى الِاعْتِدَالِ الْكَامِلِ فِي كُلِّ سُلُوكٍ بَشَرِيٍّ، وَيُبَشِّرُ الْقُرْآنُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا صَحِيحًا صَادِقًا الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ بِأَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا يَنَالُونَهُ فِي الْجَنَّةِ.

وَقَدْ أَوْلَتِ السُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ اهْتِمَامًا كَبِيرًا بِحُسْنِ الْخُلُقِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ الْمَثَلُ الْكَامِلُ، النَّبِيُّ ﷺ الْمَثَلُ الْمَضْرُوبُ عَلَمًا عَلَى الْأَخْلَاقِ، وَكَمَالِ الْقِيَمِ، وَشِيَمِ التَّصَوُّرِ الصَّحِيحِ لِمَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ مَنْ يُرِيدُهُمُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ خُلَفَاءَ فِي الْأَرْضِ، يَحْمِلُونَ الْهِدَايَةَ وَالسَّعَادَةَ وَالنُّورَ، وَعَلَى رَأْسِهِمْ مُحَمَّدٌ ﷺ.

عَنْ أَبِي ذَرٍّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «اتَّقِ اللهَ حَيْثُمَا كُنْتَ، وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ». أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالْحَاكِمُ، وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ.

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا، وَخِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِمْ خُلُقًا». أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَاللَّفْظُ لَهُ، وَأَحْمَدُ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ.

عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَنَا زَعِيمٌ -الزَّعِيمُ هَاهُنَا: الضَّامِنُ- بِبَيْتٍ فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ -رَبَضُ الْجَنَّةِ: مَا حَوْلَهَا خَارِجًا عَنْهَا، تَشْبِيهًا بِالْأَبْنِيَةِ الَّتِي تَكُونُ حَوْلَ الْمَدِينَةِ وَتَحْتَ الْقِلَاعِ- لِمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ -أَيِ: الْجَدَلَ- وَإِنْ كَانَ مُحِقًّا، وَبِبَيْتٍ فِي وَسَطِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْكَذِبَ وَإِنْ كَانَ مَازِحًا، وَبِبَيْتٍ فِي أَعْلَى الْجَنَّةِ لِمَنْ حَسُنَ خُلُقُهُ». أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَاللَّفْظُ لَهُ، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ.

إِنَّ التَّحَلِّيَ بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ صِمَامُ أَمَانِ الْمُجْتَمَعَاتِ مِنَ الِانْحِلَالِ وَالْفَوْضَى وَالضَّيَاعِ، وَبِزَوَالِهَا تَسْقُطُ الْأُمَمُ؛ فَكَمْ مِنْ حَضَارَاتٍ انْهَارَتْ بِتَرَدِّي أَخْلَاقِهَا؟! وَقَدْ ذَكَرَ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ نَمَاذِجَ لِأُمَمٍ هَلَكَتْ بِسَبَبِ بُعْدِهَا عَنِ الْأَخْلَاقِ؛ حَيْثُ يَقُولُ -سُبْحَانَهُ-: {وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ ۖ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ} [الذاريات: 46].

وَكَذَلِكَ مَا فَعَلَ اللهُ بِقَوْمِ نُوحٍ حِينَ كَذَّبُوا نُوحًا -عَلَيْهِ السَّلَامُ-، وَفَسَقُوا عَنْ أَمْرِ اللهِ، فَأَرْسَلَ اللهُ عَلَيْهِمُ السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ بِالْمَاءِ الْمُنْهَمِرِ، فَأَغْرَقَهُمُ اللهُ تَعَالَى [عَنْ آخِرِهِمْ]، وَلَمْ يُبْقِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا، وَهَذِهِ عَادَةُ اللهِ وَسُنَّتُهُ فِيمَنْ عَصَاهُ.

((التَّنْمِيَةُ الْعَسْكَرِيَّةُ))

إِنَّ مِنْ أَهَمِّ الْمَجَالَاتِ الَّتِي اهْتَمَّ الْإِسْلَامُ بِتَنْمِيَتِهَا: الْمَجَالَ الْعَسْكَرِيَّ؛ حِفَاظًا عَلَى دِينِ الْأُمَّةِ وَعَقِيدَتِهَا، وَصِيَانَةً لِبَيْضَتِهَا وَثَرْوَتِهَا، ((وَمِنْ مُنْطَلَقِ اهْتِمَامِ الدِّينِ الْإِسْلَامِيِّ بِالْمَجَالِ الْعَسْكَرِيِّ، وَمَا يَخْدُمُ الْأُمَّةَ الْإِسْلَامِيَّةَ فِي ثَبَاتِهَا وَإِقَامَتِهَا، وَمَا يُسَاعِدُ الدَّوْلَةَ فِي صَدِّ الِاعْتِدَاءِ وَالْعُدْوَانِ عَلَيْهَا، فَتَكُونُ مُدَافِعَةً عَنْ دِينِهَا وَذَاتِهَا وَكَيَانِهَا؛ فَقَدْ أَوْلَى الْإِسْلَامُ عِنَايَةً فَائِقَةً وَاهْتِمَامًا بَالِغًا بِإِنْشَاءِ الْقُوَّةِ الْعَسْكَرِيَّةِ وَتَنْمِيَتِهَا؛ لِتَقُومَ بِدَوْرِهَا فِي ذَلِكَ، فِي هَذَا الْإِطَارِ الْوَاسِعِ فِي مَجَالِهِ أَتَى الْأَمْرُ بِالنَّصِّ الْقُرْآنِيِّ بِإِعْدَادِ الْعُدَّةِ وَبِنَاءِ الْقُوَّةِ حَسَبَ الطَّاقَةِ وَالِاسْتِطَاعَةِ؛ حَيْثُ قَالَ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ} [الأنفال: 60])).

وَأَعِدُّوا يَا مَعْشَرَ الْمُؤْمِنِينَ لِقِتَالِ الْكَافِرِينَ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ جَمِيعِ أَنْوَاعِ الْأَسْلِحَةِ وَالْآلَاتِ الَّتِي تَكُونُ لَكُمْ قُوَّةً فِي الْحَرْبِ عَلَى قِتَالِ عَدُوِّكُمْ.

وَأَعِدُّوا مَا تَسْتَطِيعُونَ مِنَ الْخَيْلِ الْمَرْبُوطَةِ الْمُجَهَّزَةِ لِلْهُجُومِ وَالِانْقِضَاضِ عَلَى الْعَدُوِّ بَعْدَ إِثْخَانِهِ وَتَدْمِيرِهِ بِقُوَّةِ الرَّمْيِ، تُخَوِّفُونَ بِتِلْكَ الْقُوَّةِ الْمُرْهِبَةِ وَذَلِكَ الرِّبَاطِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ، وَتُرْهِبُونَ آخَرِينَ مِنْ غَيْرِ الْأَعْدَاءِ الظَّاهِرِينَ، وَهُمُ الْمُنَافِقُونَ، لَا تَظْهَرُ لَكُمْ عَدَاوَتُهُمُ الْآنَ؛ لَكِنَّ اللهَ يَعْلَمُهُمْ.

وَإِعْدَادُ الْقُوَّةِ الْعَسْكَرِيَّةِ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِالْإِنْفَاقِ الْمَالِيِّ؛ فَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ، وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ أَجْرُهُ فِي الْآخِرَةِ، وَيُعَجَّلْ لَكُمْ عِوَضُهُ فِي الدُّنْيَا؛ بَرَكَةً فِي رِزْقِكُمْ، وَنَمَاءً فِي أَمْوَالِكُمْ، وَأَنْتُمْ لَا تُنْقَصُونَ مِنْ ثَوَابِ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا.

وَآيَةٌ أُخْرَى تُبَيِّنُ لَنَا أَثَرَ الْقُوَّةِ فِي الْحَيَاةِ الْإِنْسَانِيَّةِ فِي الْمَجَالِ الْعَسْكَرِيِّ؛ حَيْثُ حَكَى اللهُ -تَعَالَى- عَلَى لِسَانِ قَوْمِ مَلِكَةِ سَبَأٍ جَانِبَ الْقُوَّةِ وَالْوَصْفِ بِهَا، فَقَالَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: {قَالُوا نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَوَإِظْهَارُهُمْ لِهَذِهِ الْقُوَّةِ فِي مَعْنَى الْعِزَّةِ وَالْهَيْبَةِ؛ لِتَحْقِيقِ الْغَلَبَةِ عَلَى غَيْرِهِمْ عِنْدَ الْمُقَابَلَةِ وَالنِّزَالِ.

وَقَالَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ} [الصف: 4].

إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يَصُفُّونَ أَنْفُسَهُمْ عِنْدَ الْقِتَالِ فِي سَبِيلِ اللهِ صَفًّا فِي خُطَّةٍ مَرْسُومَةٍ مُوَحَّدَةٍ جَامِعَةٍ لِلْقُوَى، وَيَثْبُتُونَ فِي الْجِهَادِ، وَيُنَفِّذُونَ أَوَامِرَ قِيَادَتِهِمُ الْحَرْبِيَّةِ الْوَاحِدَةِ كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مُحْكَمٌ مُتَنَاسِقٌ قَدْ رُصَّ بَعْضُهُ إِلَى بَعْضٍ، فَلَيْسَ فِيهِ فُرْجَةٌ وَلَا خَلَلٌ.

وَقَدْ تَقْضِي الْخُطَّةُ الْحَكِيمَةُ الَّتِي تَضَعُهَا الْقِيَادَةُ أَنْ يُقَاتِلَ بَعْضُ الْمُقَاتِلِينَ، وَيَتَرَبَّصَ بَعْضُهُمْ، وَيَكُونَ قِسْمٌ مِنْهُمْ فِي الْكَمَائِنِ، وَأَنْ يُدَاهِمُوا الْعَدُوَّ مِنْ عِدَّةِ جِهَاتٍ مُخْتَلِفَاتِ الشَّكْلِ مُتَنَوِّعَاتِ السِّلَاحِ.

وَلَيْسَ مَعْنَى وِحْدَةِ صَفِّ الْمُقَاتِلِينَ أَنْ يُوَاجِهُوا عَدُوَّهُمْ عَلَى طَرِيقَةِ الصَّفِّ الْمُتَرَاصِّ كَتِفًا بِكَتِفٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ قَدْ يُمَكِّنُ الْعَدُوَّ مِنْ حَصْدِهِمْ بِالْأَسْلِحَةِ النَّارِيَّةِ الْحَدِيثَةِ بِسُرْعَةٍ خَاطِفَةٍ.

وَفِي الْآيَةِ: الْحَثُّ عَلَى الْقِتَالِ فِي سَبِيلِ اللهِ؛ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا، وَأَنْ يُوَاجِهَ جُنُودُ الْإِسْلَامِ أَعْدَاءَهُ صَفًّا سَوِيًّا رَاسِخًا كَالْبُنْيَانِ الَّذِي تَتَعَاوَنُ لَبِنَاتُهُ، وَتَتَضَامُّ وَتَتَمَاسَكُ، وَتُؤَدِّي كُلُّ لَبِنَةٍ دَوْرَهَا، وَتَسُدُّ ثَغْرَتَهَا؛ لِأَنَّ الْبُنْيَانَ كُلَّهُ يَنْهَارُ إِذَا تَخَلَّتْ مِنْهُ لَبِنَةٌ عَنْ مَكَانِهَا؛ تَقَدَّمَتْ أَوْ تَأَخَّرَتْ، أَوْ تَخَلَّتْ عَنْ أَنْ تُمْسِكَ بِأُخْتِهَا تَحْتَهَا أَوْ فَوْقَهَا أَوْ عَلَى جَانِبَيْهَا سَوَاءٌ.

((رَكَائِزُ التَّنْمِيَةِ فِي الْإِسْلَامِ))

((إِنَّ مَفْهُومَ التَّنْمِيَةِ لَيْسَ بِجَدِيدٍ عَلَى الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ؛ فَقَدْ حَفِلَ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ وَالسُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ الْمُطَهَّرَةُ بِالْعَدِيدِ مِنَ النُّصُوصِ الَّتِي تُمَثِّلُ الرَّكَائِزَ الْأَسَاسِيَّةَ لِلتَّنْمِيَةِ، وَتَضَعُ الضَّوَابِطَ الَّتِي تَحْكُمُ عَلَاقَةَ الْإِنْسَانِ بِالْأَرْضِ؛ بَلْ بِالْكَوْنِ كُلِّهِ؛ مِنْ أَجْلِ ضَمَانِ اسْتِمْرَارِيَّتِهَا صَالِحَةً لِلْحَيَاةِ إِلَى أَنْ يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ.

وَمِنَ الْجَدِيرِ بِالذِّكْرِ: أَنَّ مَفْهُومَ التَّنْمِيَةِ فِي الْإِسْلَامِ أَكْثَرُ شُمُولًا، فَالنَّظْرَةُ الْإِسْلَامِيَّةُ الشَّامِلَةُ لِلتَّنْمِيَةِ تُوجِبُ أَلَّا تَتِمَّ هَذِهِ التَّنْمِيَةُ بِمَعْزِلٍ عَنِ الضَّوَابِطِ الدِّينِيَّةِ وَالْأَخْلَاقِيَّةِ، وَفِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ فَإِنَّ هَذِهِ النَّظْرَةَ تُعْنَى بِالنَّوَاحِي الْمَادِّيَّةِ جَنْبًا إِلَى جَنْبٍ مَعَ النَّوَاحِي الْعَقَدِيَّةِ، والرُّوحِيَّةِ، وَالْخُلُقِيَّةِ، فَلَا تَقْتَصِرُ التَّنْمِيَةُ عَلَى الْأَنْشِطَةِ الْمُرْتَبِطَةِ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَحْدَهَا، وَإِنَّمَا تَمْتَدُّ إِلَى الْحَيَاةِ الْآخِرَةِ بِشَكْلٍ يَضْمَنُ تَحْقِيقَ التَّوَافُقِ بَيْنَ الْحَيَاتَيْنِ، وَيَجْعَلُ صَلَاحِيَةَ الْأُولَى جِسْرَ عُبُورٍ إِلَى النَّعِيمِ فِي الْحَيَاةِ الْآخِرَةِ.

وَالْقُرْآنُ الْكَرِيمُ أَعْظَمُ الْكُنُوزِ الَّتِي أَنْزَلَهَا اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- عَلَى الْبَشَرِ، وَهُنَاكَ الْعَدِيدُ مِنَ الْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ الَّتِي تَحُثُّ عَلَى عِمَارَةِ الْأَرْضِ وَتَنْمِيَةِ مَوَارِدِهَا؛ مِنْ أَجْلِ تَوْحِيدِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، وَتَيْسِيرِ الْحَيَاةِ وَتَرْقِيَتِهَا،   قَالَ تَعَالَى: {هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ إنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ} [هود: 61]، وَنَهَى رَبُّنَا -جَلَّ وَعَلَا- عَنِ الْفَسَادِ وَالْإِفْسَادِ فِي الْأَرْضِ الَّذِي يُضَادُّ عِمَارَةَ الْأَرْضِ وَتَنْمِيَةَ مَوَارِدِهَا، قَالَ رَبُّنَا -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: {وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} [المائدة: 64].

وَقَالَ تَعَالَى: {وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا ۗ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۖ قَدْ جَاءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ ۖ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [الأعراف: 85].

وَقَالَ تَعَالَى: {وإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ} [البقرة: 205].

{وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ۖ وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} [القصص: 77].

أَمَّا الْأَحَادِيثُ النَّبَوِيَّةُ الشَّرِيفَةُ وَتَعَالِيمُ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ؛ فَقَدْ ذَخَرَتْ بِالْعَدِيدِ مِنَ النُّصُوصِ الَّتِي تَحُثُّ عَلَى التَّنْمِيَةِ، وَالْتِمَاسِ سُبُلِ تَرْقِيَةِ الْحَيَاةِ، فَحَثَّتِ السُّنَّةُ الْمُطَهَّرَةُ عَلَى الْعَمَلِ، وَتَحْقِيقِ التَّنْمِيَةِ بِمُخْتَلَفِ صُوَرِهَا، مَعَ الِاسْتِفَادَةِ مِمَّا فِي الْأَرْضِ مِنْ مَوَارِدَ وَمُقَدَّرَاتٍ وَفْقَ ضَوَابِطَ مُحَدَّدَةٍ مِنْ غَيْرِ إِفْرَاطٍ وَلَا تَفْرِيطٍ، وَمِنْ أَقْوَالِ الرَّسُولِ مُحَمَّدٍ ﷺ فِي ذَلِكَ: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَاَل: قَالَ رَسُولُ اللهِ : قَالَ رَسُولُ اللهِ : «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا، أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا، فَيَأْكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ أَوْ إِنْسَانٌ أَوْ بَهِيمَةٌ إِلَّا كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ».

وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالْكٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَفِي يَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ، فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَلَّا يَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَغْرِسْهَا)))).

إِنَّ التَّنْمِيَةَ فِي الْإِسْلَامِ هِيَ جُزْءٌ لَا يَتَجَزَّأُ مِنَ الْمَنْهَجِ الْإِسْلَامِيِّ، مُنْطَلِقَةً مِنْ قِيَمِ الْإِسْلَامِ الْمُسْتَوْحَاةِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَهِيَ أَمَانَةٌ نَاطَهَا الْإِسْلَامُ الْعَظِيمُ بِأَعْنَاقِ الْمُسْلِمِينَ أَفْرَادًا وَأُمَمًا، وَلَهَا رَكَائِزُ تُبْنَى عَلَيْهَا، وَدَعَائِمُ لَا تَقُومُ إِلَّا بِهَا، وَلَهَا سُبُلٌ يَجِبُ أَنْ تُسْلَكَ، وَطُرُقٌ يَنْبَغِي أَنْ تُلْتَمَسَ.

((مِنْ رَكَائِزِ التَّنْمِيَةِ فِي الْإِسْلَامِ: طَاعَةُ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- ))

إِنَّ مِنْ أَهَمِّ الرَّكَائِزِ الْأَسَاسِيَّةِ لِتَحْقِيقِ التَّنْمِيَةِ فِي رُبُوعِ الْعَالَمِ الْإِسْلَامِيِّ: طَاعَةَ أَوَامِرِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- فِي كَافَّةِ الْأُمُورِ؛ لِأَنَّ الْأَوَامِرَ الَّتِي أَمَرَ بِهَا الْخَالِقُ هِيَ الَّتِي تُحَقِّقُ التَّنْمِيَةَ، وَالِالْتِزَامَ بِالْمَنْهَجِ الْإِسْلَامِيِّ كِتَابًا وَسُنَّةً بِاعْتِبَارِهِ الْمَنْهَجَ الشَّامِلَ لِلْحَيَاةِ الَّذِي يُنَظِّمُ السُّلُوكَ الْإِنْسَانِيَّ عِلْمًا وَعَمَلًا وَخُلُقًا، وَيُوَضِّحُ الْحُقُوقَ وَالْوَاجِبَاتِ الَّتِي تَمَسُّ الْمُجْتَمَعَ عَلَى مُسْتَوَى الْفَرْدِ وَالْجَمَاعَةِ.

إِنَّ الْإِيمَانَ وَالتَّقْوَى مِنْ أَعْظَمِ الْأَسْبَابِ لِحَلِّ الْمُشْكِلَةِ التَّنْمَوِيَّةِ؛ كَيْفَ ذَلِكَ؟

يَقُولُ الْحَقُّ -سُبْحَانَهُ-: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ} [الأعراف: 96].

((ذَكَرَ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى لَوْ آمَنُوا بِقُلُوبِهِمْ إِيمَانًا صَادِقًا صَدَّقَتْهُ الْأَعْمَالُ، وَاسْتَعْمَلُوا تَقْوَى اللَّهِ -تَعَالَى- ظَاهِرًا وَبَاطِنًا بِتَرْكِ جَمِيعِ مَا حَرَّمَ اللَّهُ؛ لَفَتَحَ عَلَيْهِمْ بَرَكَاتِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فَأَرْسَلَ السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا، وَأَنْبَتَ لَهُمْ مِنَ الْأَرْضِ مَا بِهِ يَعِيشُونَ وَتَعِيشُ بَهَائِمُهُمْ فِي أَخْصَبِ عَيْشٍ وَأَغْزَرِ رِزْقٍ مِنْ غَيْرِ عَنَاءٍ وَلَا تَعَبٍ، وَلَا كَدٍّ وَلَا نَصَبٍ)).

((مِنْ رَكَائِزِ التَّنْمِيَةِ: الْعَامِلُ الْبَشَرِيُّ))

مِنَ الْمَعْرُوفِ أَنَّ النَّظْرَةَ الْإِسْلَامِيَّةَ لِلتَّنْمِيَةِ وَالْعُمْرَانِ هِيَ نَظْرَةٌ شَامِلَةٌ لِجَمِيعِ نَوَاحِي الْحَيَاةِ الْمَادِّيَّةِ، وَالرُّوحِيَّةِ، وَالْخُلُقِيَّةِ؛ حَيْثُ رَكَّزَ الْإِسْلَامُ عَلَى الْإِنْسَانِ كَمِحْوَرِ لِلْعَمَلِيَّةِ التَّنْمَوِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ الْكَائِنُ الْوَحِيدُ الْقَادِرُ بِمَا قَدَّرَهُ رَبُّهُ -جَلَّ وَعَلَا- وَسَخَّرَهُ لَهُ عَلَى الْإِصْلَاحِ، وَالتَّغْيِيرِ، وَالْبِنَاءِ، وَكَذَلِكَ التَّطْوِيرِ، وَذَلِكَ بِسَبَبِ الْمِيزَاتِ الَّتِي خَصَّهُ اللهُ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- بِهَا دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ الْأُخْرَى، مِنْ ضِمْنِهَا الْعَقْلُ وَالتَّفْكِيرُ؛ فَقَدْ مَيَّزَ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- الْإِنْسَانَ عَنْ سَائِرِ الْمَخْلُوقَاتِ بِالْعَقْلِ الَّذِي هُوَ مَنَاطُ التَّكْلِيفِ، وَأَسَاسُ الْفِكْرِ وَالتَّأَمُّلِ وَالتَّدَبُّرِ، وَلَقَدْ نَعَى اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- عَلَى مَنْ أَهْمَلُوا هَذِهِ النِّعَمَ وَلَمْ يُعْطُوهَا حَقَّهَا، فَقَالَ -سُبْحَانَهُ-: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ ۖ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا} [الأعراف: 179].

وَقَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [البقرة: 44].

فَكَانُوا -أَيِ: الْيَهُودُ- يَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَيَنْسَوْنَ أَنْفُسَهُمْ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ -أَيِ: التَّوْرَاةَ-، فَاسْتَفْهَمَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ اسْتِفْهَامَ تَوْبِيخٍ، وَالْغَرَضُ الْبَلَاغِيُّ مِنْهُ: التَّقْرِيرُ، يَقُولُ رَبُّنَا -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ-: {أَفَلَا تَعْقِلُونَ}.

فَيُقَرِّرُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ أَنَّ مَنْ كَانَتْ هَذِهِ صِفَتَهُ، وَمَنْ كَانَتْ هَذِهِ حِلْيَتَهُ؛ فَهُوَ مِنْ غَيْرِ أُولِي النُّهَى، وَمِنْ غَيْرِ أَصْحَابِ الْعُقُولِ، أَفَلَا يَعْقِلُونَ؟!!

وَكَانُوا يَأْمُرُونَ النَّاسَ بِاتِّبَاعِ التَّوْرَاةِ وَمَا جَاءَ بِهَا مِنَ التَّعَالِيمِ وَهُمْ يُخَالِفُونَ، وَكَانُوا يَنْهَوْنَ النَّاسَ عَنْ مُوَاقَعَةِ الْفَوَاحِشِ وَفِيهَا يَقَعُونَ!!

فَهَذِهِ صِفَتُهُمُ الَّتِي وَصَفَهُمْ بِهَا رَبُّنَا -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ- فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ}.

وَقَالَ رَبُّنَا -جَلَّ وَعَلَا-: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ} [الأنعام: 50].

قُلْ يَا رَسُولَ اللهِ: هَلْ يَسْتَوِي الْجَاهِلُ بِحَقَائِقِ الدِّينِ الرَّبَّانِيَّةِ، وَالْعَالِمُ بِحَقَائِقِ الدِّينِ الرَّبَّانِيَّةِ؟!! أَفَقَدْتُمْ مَا وَهَبْنَاكُمْ مِنْ عَقْلٍ فَلَا تَتَفَكَّرُونَ أَنَّهُمَا لَا يَسْتَوِيَانِ؟!!

وَقَالَ رَبُّنَا -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ-: {قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ} [آل عمران: 118].       

إِنَّ الْعَامِلَ الْبَشَرِيَّ مِنْ أَهَمِّ مَفَاتِيحِ الْعَمَلِيَّةِ التَّنْمَوِيَّةِ، وَكَذَلِكَ الْعُمْرَانِيَّةِ؛  فَالتَّنْمِيَةُ تَتَطَلَّبُ الْحُضُورَ الْإِنْسَانِيَّ الْفَاعِلَ فِي الْحَيَاةِ، وَلَيْسَ مُجَرَّدَ الْوُجُودِ فِيهَا، فَهِيَ تَتَطَلَّبُ أَنْ يَكُونَ الْإِنْسَانُ فَاعِلًا وَمُؤَثِّرًا فِي الْحَيَاةِ، وَأَنْ يَضَعَ بَصْمَتَهُ فِي كَافَّةِ الْمَجَالَاتِ عَلَى حَسَبِ عِلْمِهِ وَتَخَصُّصِهِ وَمَوَاهِبِهِ.

مِنْ أَهَمِّ مُرْتَكَزَاتِ الْإِسْلَامِ التَّنْمَوِيَّةِ: الِاسْتِخْدَامُ الْأَمْثَلُ لِلْمَوَارِدِ الْبَشَرِيَّةِ، وَيَشْمَلُ ذَلِكَ الْعِنَايَةَ وَالِاهْتِمَامَ بِالْعُقُولِ الْبَشَرِيَّةِ، وَإِعْطَاءَهَا فُرْصَتَهَا لِتَحْقِيقِ التَّنْمِيَةِ فِي مُخْتَلَفِ الْمَجَالَاتِ.

لَقَدِ اهْتَمَّ دِينُنَا الْحَنِيفُ بِإِعْدَادِ الْإِنْسَانِ مِنْ أَجْلِ الْإِعْمَارِ وَالتَّنْمِيَةِ؛ فَقَدْ جَاءَ الْإِسْلَامُ مِنْ أَجْلِ سَعَادَةِ الْإِنْسَانِ وَحَيَاتِهِ الْكَرِيمَةِ، لَا فِي الْآخِرَةِ وَحْدَهَا، بَلْ فِي الدُّنْيَا قَبْلَ ذَلِكَ؛ وَلِذَا فَإِنَّ مِمَّا يَهْدُفُ إِلَيْهِ الدِّينُ: هُوَ دَفْعُ الْإِنْسَانِ؛ لِكَيْ يَجْعَلَ مِنْ إِيمَانِهِ وَاعْتِقَادِهِ مُنْطَلَقًا نَحْوَ سَعْيِهِ فِي الْحَيَاةِ وَبِنَائِهِ لَهَا وَفْقَ قَوَاعِدَ وَأُسُسٍ سَلِيمَةٍ تَقُومُ عَلَى الْعَقِيدَةِ الصَّحِيحَةِ، وَالْفَضَائِلِ وَالْأَخْلَاقِ، وَالْعَمَلِ الَّذِي يَعْمُرُ الْأَرْضَ، وَيُنْتِجُ الطَّيِّبَاتِ، وَيُحَقِّقُ الْحَيَاةَ الْكَرِيمَةَ لِلْإِنْسَانِ؛ بَلْ مِنْ أَجْمَلِ مَا نَقْرَأُ: حَدِيثٌ عَجِيبٌ لَنْ نَعْثُرَ عَلَيْهِ فِي قَوَامِيسِ الِاقْتِصَادِ وَالْخِبْرَةِ الدَّوْلِيَّةِ؛ فَهُوَ مِنَ الْوَحْيِ الْمَعْصُومِ، يَقُولُ نَبِيُّنَا ﷺ: «إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَفِي يَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ، فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَلَّا تَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَغْرِسْهَا». وَالْحَدِيثُ صَحِيحٌ، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ.

وَمِنْ ثَمَّ مَنْ سَعَى فِي الْأَرْضِ وَاجْتَهَدَ؛ نَالَ جَزَاءَهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَعَمَّ عَلَيْهِ الرَّخَاءُ، وَمَنِ امْتَنَعَ عَنِ السَّعْيِ وَالْعَمَلِ؛ فَلَيْسَ مِنْ حَقِّهِ أَنْ يَلُومَ الْفَقْرَ وَالتَّخَلُّفَ، بَلْ يَلُومُ نَفْسَهُ أَوَّلًا، وَقَالَ ﷺ: ((لَأَنْ يَحْتَطِبَ أَحَدُكُمْ حُزْمَةً عَلَى ظَهْرِهِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ أَحَدًا فَيُعْطِيَهُ أَوْ يَمْنَعَهُ)). وَهَذَا الْحَدِيثُ فِي ((الصَّحِيحَيْنِ)) .

كَمَا دَعَا الْإِسْلَامُ إِلَى تَعْمِيرِ الْأَرْضِ، وَالِاسْتِفَادَةِ مِنْ خَيْرَاتِهَا، يَقُولُ تَعَالَى: {هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ إنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ} [هود: 61].

قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ -رَحِمَهُ اللهُ- فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ: «{اسْتَعَمَرَكُمْ فِيهَا} أَيْ: جَعَلَكُمْ فِيهَا عُمَّارًا تَعْمُرُونَهَا وَتَسْتَغِلُّونَهَا».

وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((أَيْ: جَعَلَكُمْ عُمَّارَهَا وَسُكَّانَهَا)).

وَلَيْسَ هُنَاكَ أَدَقُّ مِنْ مَفْهُومِ التَّعْمِيرِ لِلتَّعْبِيرِ عَنِ التَّنْمِيَةِ فِي مَفْهُومِهَا الْإِسْلَامِيِّ؛ إِذْ لَيْسَ الْمَقْصُودُ مِنْ ذَلِكَ هُوَ التَّعْمِيرَ الْمَادِّيَّ الْحِسِّيَّ، بَلِ التَّعْمِيرُ بِمَعْنَى التَّطْوِيرِ وَالتَّنْمِيَةِ.

 إِنَّ التَّنْمِيَةَ الشَّامِلَةَ تَتَحَقَّقُ بِاسْتِثْمَارِ الطَّاقَاتِ الْبَشَرِيَّةِ؛ وَخَاصَّةً الشَّبَابَ مِنْ حَيْثُ إِعْدَادُهُمْ، وَتَنْمِيَةُ مَهَارَاتِهِمْ، وَحُسْنُ تَأْهِيلِهِمْ، وَالدَّفْعُ بِهِمْ فِي مَجَالَاتِ الْعَمَلِ الْمُخْتَلِفَةِ، وَلَقَدْ أَوْلَى النَّبِيُّ ﷺ الشَّبَابَ اهْتِمَامًا كَبِيرًا؛ فَقَدْ جَعَلَ نَبِيُّنَا ﷺ مَنْزِلَةَ الشَّابِّ الْمُسْتَقِيمِ الَّذِي يَخْدُمُ دِينَهُ وَوَطَنَهُ تَالِيَةً لِمَنْزِلَةِ الْإِمَامِ الْعَادِلِ فِي السَّبْعَةِ الَّذِينَ يُظِلُّهُمُ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا- فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ، قَالَ ﷺ: ((سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: الإِمَامُ العَادِلُ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ، وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ، اجْتَمَعَا عَلَيْهِ، وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ، فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ، أَخْفَى؛ حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَقَدْ حَثَّنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى اغْتِنَامِ هَذِهِ الْمَرْحَلَةِ الْمُهِمَّةِ مِنْ مَرَاحِلِ الْعُمُرِ بِالْعَمَلِ وَالْعَطَاءِ، وَالتَّزَوُّدِ مِنْ عَمَلِ الْخَيْرِ لِأَنْفُسِنَا وَدِينِنَا وَمُجْتَمَعِنَا؛ لِتَحْقِيقِ سَعَادَتِنَا وَمَا فِيهِ خَيْرُنَا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، قَالَ ﷺ: ((اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغُلِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ)). أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي ((الشُّعَبِ)) بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ.

وَبَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ الشَّبَابَ نِعْمَةٌ كَغَيْرِهَا مِنَ النِّعَمِ، وَأَنَّ الْعَبْدَ سَيُسْأَلُ عَنْهَا أَمَامَ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا- يَوْمَ الْقِيَامَةِ، قَالَ ﷺ: ((لَا تَزُولُ قَدَمَا ابْنِ آدَمَ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ خَمْسٍ؛ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ، وَعَنْ شَبَابِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ، وَمَاذَا عَمِلَ فِيمَا عَلِمَ)). أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ.

لَقَدْ مَنَحَ النَّبِيُّ ﷺ الشَّبَابَ الثِّقَةَ، وَحَمَّلَهُمُ الْمَسْؤُولِيَّةَ؛ فَمِمَّا لَا يَخْفَى: أَنَّ سِيرَةَ النَّبِيِّ ﷺ الْعَطِرَةَ وَأَيَّامَهُ النَّضِرَةَ شَاهِدَةٌ عَلَى اهْتِمَامِهِ ﷺ بِالشَّبَابِ، وَرِعَايَتِهِمْ، وَتَعْلِيمِهِمْ، وَتَوْجِيهِهِمْ، وَحِرْصِهِ عَلَى الْحِوَارِ مَعَهُمْ، وَتَأْهِيلِهِمْ لِلْقِيَادَةِ، فَتَرَاهُ ﷺ يُدْنِيهِمْ وَيُقَرِّبُهُمْ مِنْ مَجْلِسِهِ؛ حَتَّى يَكْتَسِبُوا الْعِلْمَ وَالْخِبْرَةَ وَالْحِكْمَةَ، وَحَتَّى يَكُونُوا عَلَى إِدْرَاكٍ كَامِلٍ وَوَعْيٍ حَقِيقِيٍّ بِالْأَحْدَاثِ مِنْ حَوْلِهِمْ، ثُمَّ يَمْنَحُهُمْ ﷺ الثِّقَةَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَيُكَلِّفُهُمْ بِتَحَمُّلِ الْمَسْئُولِيَّةِ.

فَفِي غَزْوَةِ بَدْرٍ اسْتَشَارَ النَّبِيُّ ﷺ الصَّحَابَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ-، فَتَكَلَّمَ مِنْ شَبَابِ الْمُهَاجِرِينَ الْمِقْدَادُ بْنُ عَمْرٍو -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَائِلًا: ((يَا رَسُولَ اللهِ؛ امْضِ لِمَا أَرَاكَ اللهُ فَنَحْنُ مَعَكَ، وَاللهِ لَا نَقُولُ لَكَ كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى: اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ، وَلَكِنِ اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا مَعَكُمَا مُقَاتِلُونَ)). أَخْرَجَهُ ابْنُ هِشَامٍ فِي ((السِّيرَةِ)) بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَبِنَحْوِهِ الْبُخَارِيُّ فِي ((الصَّحِيحِ)).

وَمِنْ شَبَابِ الْأَنْصَارِ تَكَلَّمَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَائِلًا: ((وَاللَّهِ لَكَأَنَّكَ تُرِيدُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ)).

قَالَ: ((أَجَلْ)).

قَالَ: ((فَقَدْ آمَنَّا بِكَ وَصَدَّقْنَاكَ، وَشَهِدْنَا أَنَّ مَا جِئْتَ بِهِ هُوَ الْحَقُّ، وَأَعْطَيْنَاكَ عَلَى ذَلِكَ عُهُودَنَا وَمَوَاثِيقَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ؛ فَامْضِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَا أَرَدْتَ فَنحْنُ مَعَكَ؛ فَوَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَوِ اسْتَعْرَضْتَ بِنَا هَذَا الْبَحْرَ فَخُضْتَهُ لَخُضْنَاهُ مَعَكَ.. مَا تَخَلَّفَ مِنَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ، وَمَا نَكْرَهُ أَنْ تَلْقَى بِنَا عَدُوَّنَا غَدًا، إنَّا لَصُبُرٌ فِي الْحَرْبِ، صُدُقٌ فِي اللِّقَاءِ، لَعَلَّ اللَّهَ يُرِيكَ مِنَّا مَا تَقَرُّ بِهِ عَيْنُكَ؛ فَسِرْ بِنَا عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ)).

فَسُرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَوْلِ سَعْدٍ، وَنَشَّطَهُ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: ((سِيرُوا وَأَبْشِرُوا)). أَخْرَجَهُ ابْنُ هِشَامٍ فِي ((السِّيرَةِ)) بِسَنَدٍ صَحِيحٍ.

((مِنْ رَكَائِزِ التَّنْمِيَةِ: الْعِلْمُ))

إِنَّ مِنْ أَهَمِّ مُرْتَكَزَاتِ التَّنْمِيَةِ: الْعِلْمَ؛ فَقَدْ أَمَرَ اللهُ -تَعَالَى- الْإِنْسَانَ أَنْ يَأْخُذَ بِأَسْبَابِ الْعِلْمِ؛ لِيَعْمُرَ الْأَرْضَ، وَيَسْتَثْمِرَ الْمَوَارِدَ الطَّبِيعِيَّةَ الَّتِي خَلَقَهَا اللهُ -سُبْحَانَهُ- فِي الْكَوْنِ، فَيُحَقِّقَ التَّنْمِيَةَ الشَّامِلَةَ الَّتِي تَعُودُ بِالنَّفْعِ عَلَى الْفَرْدِ وَالْمُجْتَمَعِ؛ حَيْثُ يَقُولُ تَعَالَى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ ۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ ۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ (32) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ ۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ} [إبراهيم: 32-33].

((يُخْبِرُ -تَعَالَى- أَنَّهُ وَحْدَهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ عَلَى اتِّسَاعِهِمَا وَعِظَمِهِمَا، {وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً}: وَهُوَ الْمَطَرُ الَّذِي يُنْزِلُهُ اللَّهُ مِنَ السَّحَابِ، فَأَخْرَجَ بِذَلِكَ الْمَاءِ {مِنَ الثَّمَرَاتِ} الْمُخْتَلِفَةِ الْأَنْوَاعِ {رِزْقًا لَكُمْ}، وَرِزْقًا لِأَنْعَامِكُمْ، {وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ} أَيِ: السُّفُنَ وَالْمَرَاكِبَ؛ {لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ}، فَهُوَ الَّذِي يَسَّرَ لَكُمْ صَنْعَتَهَا، وَأَقْدَرَكُمْ عَلَيْهَا، وَحَفِظَهَا عَلَى تَيَّارِ الْمَاءِ لِتَحْمِلَكُمْ وَتَحْمِلَ تِجَارَاتِكُمْ وَأَمْتِعَتَكُمْ إِلَى بَلَدٍ تَقْصِدُونَهُ، {وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ}؛ لِتَسْقِيَ حُرُوثَكُمْ وَأَشْجَارَكُمْ، وَتَشْرَبُوا مِنْهَا.

{وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ} لَا يَفْتُرَانِ، وَلَا يَنِيَانِ، يَسْعَيَانِ لِمَصَالِحِكُمْ مِنْ حِسَابِ أَزْمِنَتِكُمْ، وَمَصَالِحِ أَبْدَانِكُمْ، وَحَيَوَانَاتِكُمْ، وَزُرُوعِكُمْ وَثِمَارِكُمْ، {وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ} لِتَسْكُنُوا فِيهِ {وَالنَّهَارَ} مُبْصِرًا لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ)).

وَقَالَ -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ-: {أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً} [لقمان: 20].

((يَمْتَنُّ -تَعَالَى- عَلَى عِبَادِهِ بِنِعَمِهِ، وَيَدْعُوهُمْ إِلَى شُكْرِهَا وَرُؤْيَتِهَا، وَعَدَمِ الْغَفْلَةِ عَنْهَا، فَقَالَ: {أَلَمْ تَرَوْا} أَيْ: تُشَاهِدُوا وَتُبْصِرُوا بِأَبْصَارِكُمْ وَقُلُوبِكُمْ، {أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ} مِنَ الشَّمْسِ، وَالْقَمَرِ، وَالنُّجُومِ، كُلُّهَا مُسَخَّرَاتٌ لِنَفْعِ الْعِبَادِ {وَمَا فِي الأَرْضِ} مِنَ الْحَيَوَانَاتِ، وَالْأَشْجَارِ وَالزُّرُوعِ، وَالْأَنْهَارِ، وَالْمَعَادِنِ، وَنَحْوِهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا}.

{وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ} أَيْ: عَمَّكُمْ وَغَمَرَكُمْ نِعَمَهُ الظَّاهِرَةَ وَالْبَاطِنَةَ الَّتِي نَعْلَمُ بِهَا، وَالَّتِي تَخْفَى عَلَيْنَا، نِعَمَ الدُّنْيَا، وَنِعَمَ الدِّينِ، حُصُولَ الْمَنَافِعِ، وَدَفْعَ الْمَضَارِّ، فَوَظِيفَتُكُمْ أَنْ تَقُومُوا بِشُكْرِ هَذِهِ النِّعَمِ بِمَحَبَّةِ الْمُنْعِمِ وَالْخُضُوعِ لَهُ، وَصَرْفِهَا فِي الِاسْتِعَانَةِ عَلَى طَاعَتِهِ، وَأَنْ لَا يُسْتَعَانَ بِشَيْءٍ مِنْهَا عَلَى مَعْصِيَتِهِ)).

وقال -عَزَّ وَجَلَّ-: {وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ} [الجاثية: 13].

((يَقُولُ -تَعَالَى ذِكْرُهُ-: {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ} مِنْ شَمْسٍ، وَقَمَرٍ، وَنُجُومٍ {وَمَا فِي الْأَرْضِ} مِنْ دَابَّةٍ، وَشَجَرٍ، وَجَبَلٍ، وَجَمَادٍ، وَسُفُنٍ لِمَنَافِعِكُمْ وَمَصَالِحِكُمْ {جَمِيعًا مِنْهُ}: يَقُولُ -تَعَالَى ذِكْرُهُ-: جَمِيعُ مَا ذَكَرْتُ لَكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ مِنْ هَذِهِ النِّعَمِ نِعَمٌ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ أَنْعَمَ بِهَا عَلَيْكُمْ، وَفَضْلٌ مِنْهُ تَفَضَّلَ بِهِ عَلَيْكُمْ؛ فَإِيَّاهُ فَاحْمَدُوا، لَا غَيْرَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَشْرَكْهُ فِي إِنْعَامِ هَذِهِ النِّعَمِ عَلَيْكُمْ شَرِيكٌ، بَلْ تَفَرَّدَ بِإِنْعَامِهَا عَلَيْكُمْ، وَجَمِيعُهَا مِنْهُ وَمِنْ نِعَمِهِ؛ فَلَا تَجْعَلُوا لَهُ فِي شُكْرِكُمْ لَهُ شَرِيكًا، بَلْ أَفْرِدُوهُ بِالشُّكْرِ وَالْعِبَادَةِ، وَأَخْلِصُوا لَهُ الْأُلُوهَةَ؛ فَإِنَّهُ لَا إِلَهَ لَكُمْ سِوَاهُ)).

إِنَّ دِينَ الْإِسْلَامِ الْعَظِيمِ يَحُضُّ الْمُسْلِمِينَ عَلَى التَّرَقِّي فِي الْعُلُومِ، وَفِي النَّظَرِ فِي آفَاقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَعَلَى النَّظَرِ فِي الْأَنْفُسِ؛ بَلْ وَعَلَى النَّظَرِ فِيمَا تَحْتَ الثَّرَى، وَهُوَ مَا وَصَلَ إِلَيْهِ مَنْ وَصَلَ مِمَّنْ نَظَرُوا فِي أَمْثَالِ هَذَا الْأَمْرِ الَّذِي حَدَّدَهُ الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ، وَهُوَ مَا تَحْتَ الثَّرَى، فَاسْتَخْرَجُوا الْمَعَادِنَ، وَاسْتَخْرَجُوا تِلْكَ الْمَادَّةَ الَّتِي صَارَتْ طَاقَةً لَا يَسْتَغْنِي عَنْهَا الْعَالَمُ الْيَوْمَ.

وَكُلُّ ذَلِكَ أَشَارَ إِلَيْهِ الْقُرْآنُ إِشَارَةً مُجْمَلَةً {وَمَا تَحْتَ الثَّرَى} [طه: 6].

فَالْمُسْلِمُونَ لَمَّا أَخَذُوا بِتَعَالِيمِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ؛ تَقَدَّمُوا حَتَّى مَلَكُوا الْعَالَمَ الْقَدِيمَ كُلَّهُ.

قَالَ الْعَلَّامَةُ السَّعْدِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((فَهَذَا الدِّينُ الْإِسْلَامِيُّ يَحُثُّ عَلَى الرُّقِيِّ الصَّحِيحِ وَالْقُوَّةِ مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ، عَكْسَ مَا افْتَرَاهُ أَعْدَاؤُهُ أَنَّهُ -أَيِ: الْإِسْلَامَ- مُخَدِّرٌ مُفَتِّرٌ، وَهُمْ يَعْلَمُونَ كَذِبَهُمْ وَافْتِرَاءَهُمْ عَلَيْهِ، وَلَكِنَّ الْمُبَاهَتَاتِ وَالْمُكَابَرَاتِ سَهَّلَتْ عَلَيْهِمْ، وَظَنُّوا مِنْ جَهْلِهِمْ أَنَّهَا تَرُوجُ عَلَى الْعُقَلَاءِ.

وَكُلُّ عَاقِلٍ يَعْلَمُ كَذِبَهُمْ وَافْتِرَاءَهُمْ، وَإِنَّمَا يَغْتَرُّ بِهِمُ الْجَاهِلُونَ الضَّالُّونَ الَّذِينَ لَا يَعْرِفُونَ عَنِ الْإِسْلَامِ لَا قَلِيلًا وَلَا كَثِيرًا.

بَلْ يُصَوِّرُ لَهُمْ هَؤُلَاءِ الْأَعْدَاءُ الْإِسْلَامَ بِصُوَرٍ شَنِيعَةٍ؛ لِيُرَوِّجُوا مَا يَقُولُونَهُ مِنَ الْبَاطِلِ؛ وَإِلَّا فَمَنْ عَرَفَ الْإِسْلَامَ مَعْرِفَةً صَحِيحَةً؛ عَرَفَ أَنَّهُ لَا تَسْتَقِيمُ أُمُورُ الْبَشَرِ دِينِيُّهَا وَدُنْيَوِيُّهَا إِلَّا بِهِ، وَأَنَّ تَعَالِيمَهُ الْحَكِيمَةَ أَكْبَرُ بُرْهَانٍ عَلَى أَنَّهُ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ، عَالِمٍ بِالْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، رَحِيمٍ بِعِبَادِهِ؛ حَيْثُ شَرَعَ لَهُمْ هَذَا الدِّينَ)). انْتَهَى كَلَامُ السَّعْدِيِّ -رَحِمَهُ اللهُ-.

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ! طِيبُوا نَفْسًا بِهَذَا الدِّينِ الْخَاتَمِ الَّذِي رَضِيَهُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- لَكُمْ، وَالَّذِي أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْكُمْ بِهِ.

إِنَّ دِينَ الْإِسْلَامِ الْعَظِيمِ يَأْمُرُنَا أَنْ نَعْبُدَ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، وَأَنْ نَجْتَهِدَ فِي النَّظَرِ فِي الْآفَاقِ، وَفِي الْأَنْفُسِ، وَفِيمَا بَثَّ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- فِي تَضَاعِيفِ هَذَا الْكَوْنِ مِنَ الْآيَاتِ؛ لِكَيْ نَضَعَ أَيْدِيَنَا عَلَى الْأَسْرَارِ الَّتِي تَرْتَقِي بِهَا الْحَيَاةُ.

فَجَعَلَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- كُلَّ مَا يُؤَدِّي إِلَى تَرْقِيَةِ الْإِنْسَانِ فِيمَا هُوَ مَخْلُوقٌ لَهُ.. جَعَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ عِبَادَةً للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

فَهَذَا الدِّينُ الْعَظِيمُ هُوَ دِينُ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- الَّذِي أَكْمَلَهُ وَرَضِيَهُ لِخَلْقِهِ فِي أَرْضِهِ، وَهُوَ يَحْمِلُ فِي آيَاتِهِ وَتَضَاعِيفِهِ الْبَرَاهِينَ الدَّالَّةَ عَلَى صِدْقِ مَنْ أَتَى بِهِ مِنْ لَدُنْ رَبِّهِ.

((مِنْ رَكَائِزِ التَّنْمِيَةِ: الْعَمَلُ))

إِنَّ تَحْقِيقَ التَّنْمِيَةِ الشَّامِلَةِ يَتَطَلَّبُ عَمَلًا نَافِعًا جَادًّا يَشْمَلُ جَمِيعَ مَجَالَاتِ الْحَيَاةِ؛ زِرَاعَةً؛ حَيْثُ يَقُولُ نَبِيُّنَا ﷺ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا إِلَّا كَانَ مَا أُكِلَ مِنْهُ لَهُ صَدَقَةً، وَمَا سُرِقَ مِنْهُ صَدَقَةً، ولا يَرْزَؤُهُ أَحَدٌ إِلَّا كَانَ لَهُ صَدَقَةً». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: «فَلَا يَغْرِسُ الْمُسْلِمُ غَرْسًا فَيَأْكُلُ مِنْهُ إِنْسَانٌ وَلَا دَابَّةٌ وَلَا طَيْرٌ إِلَّا كَانَ لَهُ صَدَقَةً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ))، أَوْ تِجَارَةً؛ حَيْثُ يَقُولُ نَبِيُّنَا ﷺ: «التَّاجِرُ الصَّدُوقُ الْأَمِينُ مَعَ النَّبِيِّينَ، وَالصِّدِّيقِينَ، وَالشُّهَدَاءِ»، أَوْ حِرْفَةً وَصَنْعَةً؛ حَيْثُ يَقُولُ الْحَقُّ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- عَنْ نَبِيِّهِ دَاوُدَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-: {وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ * أَنْ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [سبأ: 10-11].

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((لَأَنْ يَحْتَطِبَ أَحَدُكُمْ حُزْمَةً عَلَى ظَهْرِهِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ أَحَدًا فَيُعْطِيَهُ أَوْ يَمْنَعَهُ)). وَهَذَا الْحَدِيثُ فِي ((الصَّحِيحَيْنِ)).

وَعَنِ الْمِقْدَامِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- -كَمَا أَخْرَجَ ذَلِكَ الْبُخَارِيُّ فِي ((الصَّحِيحِ))- عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ عَمَلِ يَدِهِ، وَإِنَّ نَبِيَّ اللهِ دَاوُدَ كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ)).

((دِينُ الْإِسْلَامِ الْعَظِيمِ هُوَ دِينُ الْحَرَكَةِ النَّافِعَةِ، وَالنَّشَاطِ الْمُتَوَثِّبِ، وَالْعَمَلِ الدَّؤُوبِ، يَحُثُّ الْإِسْلَامُ عَلَى ذَلِكَ، وَيَأْمُرُ بِهِ، وَيَجْعَلُهُ نَوْعًا مِنَ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، وَيَعُدُّهُ قِسْمًا مِنَ الْعِبَادَاتِ.

الْإِسْلَامُ يَكْرَهُ الْكَسَلَ وَالْخُمُولَ، وَيَكْرَهُ الِاتِّكَالَ عَلَى الْغَيْرِ، قَالَ تَعَالَى: {وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ} [النجم: 39])).

وَقَالَ رَبُّنَا -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ-: {وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ} [المزمل: 20].

مُسَافِرُونَ يُسَافِرُونَ لِلتِّجَارَةِ؛ لِيَسْتَغْنُوا عَنِ الْخَلْقِ، وَيَتَكَفَّفُوا عَنِ النَّاسِ.

وَقَالَ تَعَالَى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ} [البقرة: 198].

أَخْبَرَ -تَعَالَى- أَنَّ ابْتِغَاءَ فَضْلِ اللهِ بِالتَّكَسُّبِ فِي مَوَاسِمِ الْحَجِّ وَغَيْرِهِ لَيْسَ فِيهِ حَرَجٌ إِذَا لَمْ يَشْغَلْ عَمَّا يَجِبُ إِذَا كَانَ الْمَقْصُودُ هُوَ الْحَجَّ، وَكَانَ الْكَسْبُ حَلَالًا مَنْسُوبًا إِلَى فَضْلِ اللَّهِ، لَا مَنْسُوبًا إِلَى حِذْقِ الْعَبْدِ، وَالْوُقُوفِ مَعَ السَّبَبِ، وَنِسْيَانِ الْمُسَبِّبِ؛ فَإِنَّ هَذَا هُوَ الْحَرَجُ بِعَيْنِهِ.

وَاللهُ -جَلَّ وَعَلَا- جَعَلَ اللَّيْلَ لِرَاحَةِ الْبَشَرِ، وَالنَّهَارَ  لِطَلَبِ الرِّزْقِ، وَتَحْصِيلِ أَسْبَابِ الْمَعَاشِ، قَالَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (10) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (11)} [النبأ: 10-11].

وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ سِتْرًا وَغِطَاءً، وَقَطْعًا لِلْحَرَكَةِ، وَتَحْصِيلًا لِلرَّاحَةِ، وَجَعَلْنَا النَّهَارَ وَقْتًا لِطَلَبِ الْعَيْشِ وَالرِّزْقِ، وَتَحْصِيلِ أَسْبَابِ الْمَعَاشِ وَالْحَيَاةِ.

((هَذَا الدِّينُ الْإِسْلَامِيُّ يَحُثُّ عَلَى الرُّقِيِّ الصَّحِيحِ وَالْقُوَّةِ مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ)).

إِنَّ الْإِسْلَامَ يَدْعُو الْمُؤْمِنِينَ بِهِ إِلَى الْعَمَلِ، وَيَحُثُّهُمْ عَلَى السَّعْيِ وَالتَّكَسُّبِ، فَهُوَ دِينٌ يُؤَكِّدُ عَلَى الْحَرَكَةِ وَالْحَيَوِيَّةِ، وَيَذُمُّ الْكَسَلَ وَالْخُمُولَ وَالِاتِّكَالِيَّةَ؛ إِذْ لَا مَكَانَ فِيهِ لِلِاسْتِرْخَاءِ وَالْبَطَالَةِ، وَالِاعْتِمَادِ عَلَى الْآخَرِينَ وَاسْتِجْدَائِهِمْ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُمْ.

فَالْإِسْلَامُ دِينُ عِبَادَةٍ وَعَمَلٍ، يَحُثُّ الْجَمِيعَ عَلَى الْإِنْتَاجِ وَالْإِبْدَاعِ، وَيَهِيبُ بِفِئَاتِ الْمُجْتَمَعِ كَافَّةً أَنْ تَنْهَضَ وَتَعْمَلَ بِإِتْقَانٍ، وَيَقُومَ كُلٌّ بِدَوْرِهِ الَّذِي أَقَامَهُ اللهُ فِيهِ؛ لِنَفْعِ الْأُمَّةِ وَإِفَادَتِهَا.

((مِنْ رَكَائِزِ التَّنْمِيَةِ الشَّامِلَةِ: الْأَمْنُ))

لَا شَكَّ أَنَّ تَحْقِيقَ الْأَمْنِ مِنْ أَهَمِّ أُسُسِ التَّنْمِيَةِ الشَّامِلَةِ؛ حَيْثُ رَبَطَ الْحَقُّ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- بَيْنَ الْأَمْنِ وَالرِّزْقِ بِرِبَاطٍ وَثِيقٍ، فَقَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَىٰ إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِّزْقًا مِّن لَّدُنَّا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [القصص: 57].

وَقَالَ -عَزَّ وَجَلَّ-: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آَمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آَمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [البقرة: 126].

وَامْتَنَّ اللهُ عَلَى أَهْلِ حَرَمِهِ الْآمِنِ بِالْأَمْنِ، فَقَالَ تَعَالَى: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آَمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ} [العنكبوت: 67] أَيْ: أَجَهِلَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ قِيمَةَ النِّعْمَةِ الَّتِي هُمْ فِيهَا، وَلَمْ يُدْرِكُوا وَيُشَاهِدُوا أَنَّا جَعَلْنَا بَلَدَهُمْ مَكَّةَ حَرَمًا آمِنًا يَأْمَنُونَ فِيهَا عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَعَلَى أَمْوَالِهِمْ، وَعَلَى أَعْرَاضِهِمْ وَالْحَالُ أَنَّ النَّاسَ مِنْ حَوْلِهِمْ يَقْتُلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَيَعْتَدِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ؟!!

وَقَدْ كَانَ الْعَرَبُ حَوْلَ مَكَّةَ يَغْزُو بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَيَتَغَاوَرُونَ وَيَتَنَاهَبُونَ، يُغِيرُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَيَنْهَبُ بَعْضُهُمْ مَالَ غَيْرِهِ، وَأَهْلُ مَكَّةَ مُسْتَقِرُّونَ فِيهَا آمِنُونَ، لَا يُعْتَدَى عَلَيْهِمْ مَعَ قِلَّتِهِمْ وَكَثْرَةِ غَيْرِهِمْ، فَذَكَّرَهُمُ اللهُ تَعَالَى بِهَذِهِ النِّعْمَةِ الْخَاصَّةِ بِهِمْ -بِنِعْمَةِ الْأَمْنِ-.

وَالِاسْتِفْهَامُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ} لِلتَّعَجُّبِ مِنْ حَالِهِمْ، وَلِلتَّوْبِيخِ لَهُمْ عَلَى هَذَا الْجُحُودِ وَالْكُفْرِ لِنِعَمِ اللهِ -تَعَالَى-.

أَفَبَعْدَ هَذِهِ النِّعْمَةِ الْجَلِيلَةِ يُؤْمِنُونَ بِالْأَصْنَامِ، وَبِنِعْمَةِ اللهِ الَّتِي تَسْتَدْعِي اسْتِجَابَتَهُمْ لِلْحَقِّ يَكْفُرُونَ؟!!.

وَكَانَ أَمْنُ أَهْلِ مَكَّةَ بِالْبَيْتِ الْحَرَامِ، وَقَدْ مَدَحَهُ اللهُ -تَعَالَى- مَدْحًا عَظِيمًا، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: {وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آَمِنًا} [آل عمران: 97]، وَقَالَ تَعَالَى: {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا} [البقرة: 125].

فَجَعَلَهُ اللهُ مَرْجِعًا لِلنَّاسِ، يَرْجِعُونَ إِلَيْهِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، وَمَلَاذًا وَحِصْنًا لَهُمْ مِنْ كُلِّ خَوْفٍ؛ فَهُوَ مَوْضِعُ أَمْنِهِمْ وَاطْمِئْنَانِهِمْ.

وَقَالَ تَعَالَى: {فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (3) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (4)} [قريش: 3-4].

وَذَكَرَ -تَعَالَى- مِنَّتَهُ عَلَى سَبَأٍ، فَقَالَ: {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آَمِنِينَ} [سبأ: 18].

وَقَالَ تَعَالَى: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} [النحل: 112].

عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مِحْصَنٍ الْأَنْصَارِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، أَنَّ رَسُولَ اللَّـهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ؛ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا».

فَتَأَمَّلْ هَذَا الْحَدِيثَ الشَّرِيفَ؛ فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْ حَازَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ الثَّلَاثَةَ؛ فَكَأَنَّهُ مَلَكَ الدُّنْيَا بِأَسْرِهَا.

أَوَّلًا: الْأَمْنُ فِي النَّفْسِ، وَالْمَالِ، وَالْأَهْلِ، وَالْعِيَالِ، وَالدَّارِ.

ثَانِيًا: الصِّحَّةُ وَالْعَافِيَةُ فِي الْجَسَدِ.

ثَالِثًا: تَوَفُّرُ قُوتِ الْيَوْمِ.

فَبَدَأَ النَّبِيُّ ﷺ بِنِعْمَةِ الْأَمْنِ؛ لِأَنَّهُ لَا لَذَّةَ وَلَا تَمَتُّعَ بِنِعْمَةِ الْعَافِيَةِ وَلَا بِنِعْمَةِ الطَّعَامِ إِلَّا بِوُجُودِ نِعْمَةِ الْأَمْنِ وَالْأَمَانِ.

فَقَوْلُهُ ﷺ: ((مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ)) أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ ((آمِنًا)) غَيْرَ خَائِفٍ مِنْ عَدُوٍّ ((فِي سِرْبِهِ)) أَيْ: فِي نَفْسِهِ، وَقِيلَ: السِّرْبُ: الْجَمَاعَةُ، وَالْمَعْنَى: فِي أَهْلِهِ وَعِيَالِهِ، وَقِيلَ: بِفَتْحِ السِّينِ، أَيْ: فِي مَسْلَكِهِ وَطَرِيقِهِ، وَقِيلَ: بِفَتْحَتَيْنِ، أَيْ: فِي بَيْتِهِ.

قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: ((يُقَالُ: فُلَانٌ آمِنٌ فِي سِرْبِهِ بِالْكَسْرِ-، أَيْ: فِي نَفْسِهِ)).

فَبَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ عِظَمَ قَدْرِ هَذِهِ النِّعْمَةِ الْجَلِيلَةِ، وَهِيَ أَنْ يُصْبِحَ الْمَرْءُ آمِنًا فِي نَفْسِهِ، وَفِي أَهْلِهِ وَعِيَالِهِ، وَفِي مَسْلَكِهِ وَطَرِيقِهِ، ثُمَّ رَتَّبَ عَلَى هَذِهِ النِّعْمَةِ الْعَظِيمَةِ مَا ذَكَرَ بَعْدُ ﷺ مِنْ عَافِيَةِ الْجَسَدِ، وَمِنْ نِعْمَةِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ.

وَمَنْ آتَاهُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- هَذِهِ الْأُمُورَ الثَّلَاثَةَ؛ فَكَأَنَّمَا مَلَكَ الدُّنْيَا بِأَسْرِهَا.

إِنَّ الْحَيَاةَ لَا تَقُومُ وَلَا يَتَحَقَّقُ الرَّخَاءُ وَلَا تَتَقَدَّمُ الْأُمَمُ إِلَّا بِالْأَمْنِ.. إِنَّ الْأَمْنَ وَالِاسْتِقْرَارَ نِعْمَةٌ عَظِيمٌ نَفْعُهَا، كَرِيمٌ مَآلُهَا،  وَبِاللَّهِ ثُمَّ بِالْأَمْنِ يُحَجُّ الْبَيْتُ الْعَتِيقُ، وَتُعَمَّرُ الْمَسَاجِدُ، وَيُرْفَعُ الْأَذَانُ مِنْ فَوْقِ الْمَنَارَاتِ، وَيَأْمَنُ النَّاسُ عَلَى دِمَائِهِمْ، وَأَمْوَالِهِمْ، وَأَعْرَاضِهِمْ، وَتَأْمَنُ السُّبُلُ.

بِاللَّهِ ثُمَّ بِالْأَمْنِ تُرَدُّ الْمَظَالِمُ لِأَهْلِهَا، فَيُنْتَصَرُ لِلْمَظْلُومِ، وَيُرْدَعُ الظَّالِمُ، وَتُقَامُ الشَّعَائِرُ، وَيَرْتَفِعُ شَأْنُ التَّوْحِيدِ مِنْ فَوْقِ الْمَنَابِرِ، وَيَجْلِسُ الْعُلَمَاءُ لِلْإِفَادَةِ، وَيَرْحَلُ الطُّلَّابُ لِلِاسْتِفَادَةِ، وَتُحَرَّرُ الْمَسَائِلُ، وَتُعْرَفُ الدَّلَائِلُ، وَيُزَارُ الْمَرْضَى، وَيُحْتَرَمُ الْمَوْتَى، وَيُرْحَمُ الصَّغِيرُ وَيُدَلَّلُ، وَيُحْتَرَمُ الْكَبِيرُ وَيُبَجَّلُ، وَتُوصَلُ الْأَرْحَامُ، وَتُعْرَفُ الْأَحْكَامُ، وَيُؤْمَرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَيُنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ، وَيُكَرَّمُ الْكَرِيمُ، وَيُعَاقَبُ اللَّئِيمُ.

وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَبِالْأَمْنِ اسْتِقَامَةُ أَمْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَبِالْأَمْنِ صَلَاحُ الْمَعَاشِ وَالْمَعَادِ، وَالْحَالِ وَالْمَآلِ.

((مِنْ رَكَائِزِ التَّنْمِيَةِ: احْتِرَامُ النِّظَامِ الْعَامِّ وَطَاعَةُ وُلَاةِ الْأُمُورِ))

إِنَّ التَّنْمِيَةَ الشَّامِلَةَ هِيَ الَّتِي تَعُمُّ أَبْنَاءَ الْوَطَنِ وَرُبُوعَهُ؛ مُدُنَهُ وَقُرَاهُ، حَضَرَهُ وَبَدْوَهُ، عَوَاصِمَهُ وَحُدُودَهُ.. عَلَى أَنَّنَا نُؤَكِّدُ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ تَتَحَقَّقَ التَّنْمِيَةُ الشَّامِلَةُ بِدُونِ نِظَامٍ عَامٍّ يَضْبِطُ لِلنَّاسِ حَيَاتَهُمْ وَفْقَ قَوَاعِدَ وَأُصُولٍ مُسْتَنْبَطَةٍ مِنْ كِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ تَحْفَظُ الْمُجْتَمَعَ مِنَ الْفَوْضَى.

إِنَّ النِّظَامَ مَبْدَأٌ دَعَا إِلَيْهِ الْإِسْلَامُ الْعَظِيمُ، وَأَمَرَ أَتْبَاعَهُ بِأَنْ يَجْعَلُوهُ سُلُوكًا يُمَارِسُونَهُ فِي حَيَاتِهِمُ الْيَوْمِيَّةِ؛ حَتَّى يَكُونَ الْمُجْتَمَعُ الْمُسْلِمُ مُجْتَمَعًا مُنَظَّمًا يَتَحَمَّلُ كُلُّ فَرْدٍ فِيهِ مَسْئُولِيَّتَهُ؛ حَتَّى تَتَحَقَّقَ الْمَصْلَحَةُ الْعَامَّةُ الَّتِي يَحْصُدُ ثِمَارَهَا الْمُجْتَمَعُ كُلُّهُ.

إِنَّ الْمَنْظُومَةَ الْإِسْلَامِيَّةَ فِي الْحُكْمِ.. فِي جَمِيعِ الْمَجَالَاتِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى عِبَارَةٍ وَاحِدَةٍ: أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ كَبِيرٌ يُطَاعُ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ، فَقَامَتْ أَحْزَابُ الشَّيْطَانِ فِي الشَّرْقِ وَالْغَرْبِ وَالدَّاخِلِ لِهَدْمِ هَذَا الْأَصْلِ، وَتَسْوِيَةِ النَّاسِ جَمِيعًا، وَالنَّاسُ سَوَاءٌ فِي الْخِلْقَةِ، كُلُّهُمْ عَبِيدٌ للهِ، كُلُّهُمْ عِنْدَ اللهِ سَوَاءٌ؛ وَلَكِنْ فَضَّلَ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ؛ فَمَا عَالِمٌ كَجَاهِلٍ، وَمَا كَرِيمٌ كَبَخِيلٍ، وَمَا شُجَاعٌ كَجَبَانٍ، رَفَعَ اللهُ بَعْضَنَا فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ.

الْمَبْدَأُ الْأَصْلُ: كَبِيرٌ يُطَاعُ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ؛ أَبٌ فِي بَيْتِهِ يُطَاعُ؛ حَتَّى فِي الْمَدْرَسَةِ.. فِي حُجْرَةِ الدَّرْسِ كَبِيرٌ يُطَاعُ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ، فِي الْكُتَّابِ كَبِيرٌ يُطَاعُ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ، فِي الْمَسْجِدِ كَبِيرٌ يُطَاعُ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ، إِمَامٌ مَنْ سَاوَاهُ لَمْ يَكُنْ مُحْسِنًا، وَمَنْ سَبَقَهُ كَانَ مُسِيئًا مُبْطِلًا.

كَبِيرٌ يُطَاعُ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ، فَإِذَا عَصَى اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ، وَكَذَا نِظَامُ الْحُكْمِ فِي أَصْلِهِ: إِمَامٌ لَهُ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ، فَإِنْ أَمَرَ بِمَعْصِيَةٍ؛ فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ فِيمَا أَمَرَ بِهِ مِنَ الْمَعْصِيَةِ، وَلَهُ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ فِيمَا دُونَ ذَلِكَ مِمَّا لَيْسَ بِمَعْصِيَةٍ.

عَنِ العِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، قَالَ: ((وَعَظَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا بَعْدَ صَلَاةِ الغَدَاةِ مَوْعِظَةً بَلِيغَةً)).. ((وَعَظَنَا مَوْعِظَةً بَلِيغَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ -أَيْ: سَالَتْ مَدَامِعُهَا-، وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ -أَيْ: ضَاقَتْ مِنَ الْخَوْفِ وَالْفَزَعِ-)).

فَقُلْنَا: ((يَا رَسُولَ اللهِ؛ كَأَنَّهَا مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ))؛ لِأَنَّ الْمُوَدِّعَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُوصِيَ أَهْلَهُ وَمَنْ يَخْلُفُهُ مِنْ بَعْدِهِ؛ أَوْجَزَ وَأَبْلَغَ؛ حَتَّى يَكُونَ أَكْثَرَ اسْتِقْرَارًا فِي النُّفُوسِ، وَحَتَّى يَكُونَ دَاعِيَةً إِلَى التَّنْفِيذِ.

((كَأَنَّهَا مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ؛ فَأَوْصِنَا)).

فَقَالَ ﷺ: «أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ)).

((عَلَيْكُمْ بِتَقْوَى اللهِ)): فَضَبَطَ الْعَلَاقَةَ بَيْنَ الْعَبْدِ وَرَبِّهِ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا عَمِلَ بِأَوَامِرِ اللهِ عَلَى نُورٍ مِنَ اللهِ، يَرْجُو رِضْوَانَ اللهِ، وَاجْتَنَبَ مَنْهِيَّاتِ اللهِ عَلَى نُورٍ مِنَ اللهِ، يَخَافُ عَذَابَ اللهِ؛ كَانَ مِنَ الْمُتَّقِينَ.

وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ؛ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ يَكُونُ قَدْ أَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ، وَصَارَ عَبْدًا للهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- كَمَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ.

فَضَبَطَ النَّبِيُّ ﷺ كُلَّ الْأُمُورِ الَّتِي فِيهَا عَلَاقَةٌ بِاللهِ -جَلَّ وَعَلَا-، وَهَذَا كُلُّهُ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.

ثُمَّ بَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ الْقَاعِدَةَ الَّتِي إِذَا مَا أَخَذَ بِهَا الْمُجْتَمَعُ الْمُسْلِمُ؛ عَاشَ فِي تَوَاؤُمٍ وَسَلَامٍ، وَبَعُدَ عَنْهُ شَبَحُ الْفَوْضَى وَالِانْقِسَامِ، وَمَتَى مَا خُولِفَتِ الْقَاعِدَةُ دَبَّتِ الْفَوْضَى فِي أَرْجَاءِ الْمُجْتَمَعِ الْمُسْلِمِ، وَانْتُهِكَتِ الْأَعْرَاضُ، وَسُلِبَتِ الْأَمْوَالُ، وَأُزْهِقَتِ الْأَرْوَاحُ، وَقُطِّعَتِ الطُّرُقُ، فَلَا جُمُعَةَ وَلَا جَمَاعَةَ؛ مِنْ أَثَرِ هَذِهِ الْفَوْضَى الَّتِي تَعُمُّ الدِّيَارَ.

فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللهِ -عَلَيكُمْ بِتَقْوَى اللهِ-، وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ؛ وَإِنْ تَأَمَّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ)).

فَأَمَرَ بِطَاعَةِ وُلَاةِ الْأُمُورِ مِمَّنْ وَلَّاهُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-؛ وَلَوْ كَانَ مُتَغَلِّبًا؛ وَلَكِنْ طَاعَتُهُ فِي الْمَعْرُوفِ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ)).

وَإِذَا ابْتُلِيَ الْمُسْلِمُونَ بِإِمَامٍ جَائِرٍ؛ فَإِنَّ الصَّبْرَ عَلَى جَوْرِهِ هُوَ سَبِيلُ الْمُؤْمِنِينَ، وَطَرِيقَةُ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ؛ لِأَنَّ الْخُرُوجَ عَلَيْهِ يُوجِبُ مِنَ الظُّلْمِ وَالْفَسَادِ أَكْثَرَ مِنْ ظُلْمِهِ.

فَيُصْبَرُ عَلَيْهِ كَمَا يُصْبَرُ عِنْدَ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ عَلَى ظُلْمِ الْمَأْمُورِ وَالْمَنْهِيِّ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى عَنْ لُقْمَانَ: {يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [لقمان: 17].

وَهَذَا الْحَقُّ لِلْإِمَامِ بِالنُّصُوصِ الْمُتَوَاتِرَةِ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، ومِنْهَا:

- حَدِيثُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ((مَنْ رَأَى مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا يَكْرَهُهُ فَلْيَصْبِرْ؛ فَإِنَّهُ مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ شِبْرًا فَمَاتَ؛ فَمِيتَةٌ جَاهِلِيَّةٌ)). أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ.

وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ: ((مَنْ كَرِهَ مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا فَلْيَصْبِرْ عَلَيْهِ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ خَرَجَ مِنَ السُّلْطَانِ شِبْرًا فَمَاتَ عَلَيْهِ إِلَّا مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً)).

وَمِنَ الْأَحَادِيثِ كَذَلِكَ: حَدِيثُ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: ((إِنَّهَا سَتَكُونُ بَعْدِي أَثَرَةٌ وَأُمُورٌ تُنْكِرُونَهَا)).

قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! فَمَا تَأْمُرُنَا؟

قَالَﷺ: ((تُؤَدُّونَ الْحَقَّ الَّذِي عَلَيْكُمْ، وَتَسْأَلُونَ اللهَ الَّذِي لَكُمْ)). أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ.

وَقَوْلُ النَّبِيِّﷺ: ((أَثَرَةٌ)): هِيَ الِانْفِرَادُ بِالشَّيْءِ عَمَّنْ لَهُ فِيهِ حَقٌّ، وَتَعَلُّقٌ بِالْأَمْوَالِ.

وَقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: ((وَأُمُورٌ تُنْكِرُونَهَا)) أَيْ: مِنْ أُمُورِ الدِّينِ؛ إِمَّا بِالتَّقْصِيرِ فِيهَا، وَإِمَّا بِإِحْدَاثِ الْبِدَعِ.

قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ: ((فِيهِ الْحَثُّ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَإِنْ كَانَ الْمُتَوَلِّي ظَالِمًا عَسُوفًا؛ فَيُعْطَى حَقُّهُ مِنَ الطَّاعَةِ، وَلَا يُخْرَجُ عَلَيْهِ وَلَا يُخْلَعُ، بَلْ يُتَضَرَّعُ إِلَى اللهِ تَعَالَى فِي كَشْفِ أَذَاهُ، وَدَفْعِ شَرِّهِ وَإِصْلَاحِهِ)).

وَنَهَى الشَّرْعُ الْمُطَهَّرُ عَنْ سَبِّ الْأُمَرَاءِ وَإِهَانَتِهِمْ، قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: ((نَهَانَا كُبَرَاؤُنَا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، قَالَ: ((لَا تَسُبُّوا أُمَرَاءَكُمْ، وَلَا تَغُشُّوهُمْ، وَلَا تُبْغِضُوهُمْ، وَاتَّقُوا اللهَ وَاصْبِرُوا؛ فَإِنَّ الْأَمْرَ قَرِيبٌ)). أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي عَاصِمٍ فِي ((السُّنَّةِ))، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي ((شُعَبِ الْإِيمَانِ))، وَغَيْرُهُمَا بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ.

هَذَا النَّهْيُ لَيْسَ تَعْظِيمًا لِذَوَاتِ الْأُمَرَاءِ -النَّهْيُ عَنْ سَبِّهِمْ، عَنِ الْخُرُوجِ عَلَيْهِمْ، عَنِ الطَّعْنِ فِيهِمْ، عَنْ شَتْمِهِمْ، عَنْ إِهَانَتِهِمْ- النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ لَيْسَ تَعْظِيمًا لِذَوَاتِ الْأُمَرَاءِ، وَإِنَّمَا هُوَ لِعِظَمِ الْمَسْئُولِيَّةِ الَّتِي وُكِلَتْ إِلَيْهِمْ فِي الشَّرْعِ، وَالَّتِي لَا يُقَامُ بِهَا عَلَى الْوَجْهِ الْمَطْلُوبِ مَعَ وُجُودِ سَبِّهِمْ وَالْوَقِيعَةِ فِيهِمْ؛ لِأَنَّ سَبَّهُمْ يُفْضِي إِلَى عَدَمِ طَاعَتِهِمْ بِالْمَعْرُوفِ، وَإِلَى إِيغَارِ صُدُورِ الْعَامَّةِ عَلَيْهِمْ مِمَّا يَفْتَحُ مَجَالًا لِلْفَوْضَى الَّتِي لَا تَعُودُ عَلَى النَّاسِ إِلَّا بِالشَّرِّ الْمُسْتَطِيرِ، كَمَا أَنَّ نَتِيجَتَهُ وَثَمَرَتَهُ سَبُّهُمْ، وَالْخُرُوجُ عَلَيْهِمْ، وَقِتَالُهُمْ، وَتِلْكَ هِيَ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى، وَالْمُصِيبَةُ الْعُظْمَى.

قَالَ شَيْخُ الْإسْلَامِ-رَحِمَهُ اللهُ-: ((وَلَعَلَّهُ لَا يُعْرَفُ طَائِفَةٌ خَرَجَتْ عَلَى ذِي سُلْطَانٍ إِلَّا وَكَانَ فِي خُرُوجِهَا مِنَ الْفَسَادِ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنَ الْفَسَادِ الَّذِي أَزَالَتْهُ)).

فَالنَّبِيُّ ﷺ رَاعَى حُقُوقَ الْمُجْتَمَعِ الْمُسْلِمِ كَمَا عَلَّمَهُ اللهُ -تَعَالَى-، وَعَلَّمَنَا النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ هَذَا الْمُجْتَمَعَ لَا يَصْلُحُ وَالنَّاسُ فِيهِ فَوْضَى لَا سَرَاةَ لَهُمْ.

((سَبِيلُ التَّنْمِيَةِ الشَّامِلَةِ لِلْأُمَّةِ: الْعِلْمُ وَالْعَمَلُ))

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ! إِنَّ سَبِيلَ النَّجَاةِ الْعِلْمُ، وَالْعَمَلُ بِهِ؛ لِأَنَّ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- لَهُ فِي هَذَا الْكَوْنِ سُنَنًا ثَوَابِتَ لَا تَتَخَلَّفُ، وَتَتَدَافَعُ أَمْوَاجُ الْبَشَرِ وَالْأَحْيَاءِ يَطْوِيهَا الْمَوْتُ وَتَبْتَلِعُهَا الْأَرْضُ، وَهَذِهِ السُّنَنُ شَاخِصَةٌ إِلَيْهِمْ لَا تَرِيمُ عَنْهُمْ، وَلَا تَنْفَكُّ عَنْ عَمَلِهَا فِيهِمْ بِإِذْنِ رَبِّهَا أَبَدًا.

فَنُصْرَةُ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ- وَرَحْمَتُهُ الَّتِي هِيَ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ لَيْسَتْ قَرِيبًا إِلَّا مِنَ الْمُحْسِنِينَ، وَرَحْمَتُهُ وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ؛ وَلَكِنَّهَا لَيْسَتْ قَرِيبًا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، فَمَنْ أَرَادَ أَنْ تَكُونَ رَحْمَةُ اللهِ وَنُصْرَتُهُ قَرِيبًا مِنْهُ؛ فَعَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ، سُنَّةٌ رَبَّانِيَّةٌ إِلَهِيَّةٌ لَا تَتَخَلَّفُ.

وَنَحْنُ إِذْ نَنْظُرُ فِي مَاضِي هَذِهِ الْأُمَّةِ وَحَاضِرِهَا لَا نَمْلِكُ إِلَّا الْعَجَبَ الْعَجِيبَ وَالدَّهَشَ الْغَرِيبَ؛ سَلَفٌ عَمَالِقَةٌ وَخَلَفٌ كَالْأَقْزَامِ، وَمَاضٍ أَشَدُّ إِضَاءَةً مِنَ الشَّمْسِ فِي رَائِعَةِ الضُّحَى، وَحَاضِرٌ يَنْدَى لَهُ الْجَبِينُ، وَتَسْتَحِي الْأَقْلَامُ!!

وَهَذَا التَّنَاقُضُ الْعَجِيبُ بَيْنَ مَاضِي الْأُمَّةِ وَحَاضِرِهَا سَبَبُهُ إِهْمَالُ سُنَّةٍ مِنْ سُنَنِ اللهِ فِي الْكَوْنِ، وَهِيَ فَصْلُ مَا بَيْنَ الْأَسْبَابِ وَمُسَبِّبَاتِهَا فِي الْوَقْتِ الَّذِي رَبَطَ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- فِيهِ بَيْنَ النَّتَائِجِ وَمُقَدِّمَاتِهَا، فَنَتَجَ عَنْ هَذَا الْفَصْلِ الْبَاطِلِ نَتَائِجُ عَجِيبَةٌ، مِنْهَا: أَنْ تَرَى الْبَطَالَةَ الْفَارِغَةَ مَعَ التَّوَاكُلِ الْكَاذِبِ سَبَبًا لِاسْتِمْطَارِ الرِّزْقِ مِنَ السَّمَاءِ!!

وَمِنْهَا: أَنْ تَرَى الشِّرْكَ الْأَحْمَقَ مَعَ النَّظَرِ إِلَى سَعَةِ الرَّحْمَةِ سَبَبًا لِدُخُولِ جَنَّةِ الرِّضْوَانِ!!

وَمِنْهَا: أَنْ تَرَى الْعِلْمَ الدُّنْيَوِيَّ مِنْ غَيْرِ يَقِينٍ صَادِقٍ سَبَبًا لِلنَّصْرِ عَلَى الْأَعْدَاءِ!!

وَمَا هَكَذَا كَانَ مَنْ سَلَفَ مِنْ أَصْحَابِ الْجِدِّ وَالْعَزْمِ وَالتَّصْمِيمِ وَالْإِبَاءِ، لَا بُدَّ إِذَنْ مِنَ النَّظَرِ فِي أَسْبَابِ تَخَلُّفِ الْأُمَّةِ، لَا.. بَلْ لَا بُدَّ مِنَ النَّظَرِ فِي الشَّرَائِطِ الَّتِي تَكُونُ بِهَا الْأُمَّةُ أُمَّةً، فَإِذَا تَوَفَّرَتْ هَذِهِ الشَّرَائِطُ، وَأَصْبَحَتِ الْأُمَّةُ أُمَّةً بِحَقٍّ؛ نُظِرَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي أَسْبَابِ تَخَلُّفِهَا أَوْ دَوَافِعِ رُقِيِّهَا وَتَرَقِّيهَا، وَقَدْ قَرَّرَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ أَيَّ أُمَّةٍ يَنْبَغِي أَنْ يَتَوَفَّرَ فِيهَا شَرْطَانِ:

الْأَوَّلُ: فِكْرَةٌ تَقُومُ عَلَيْهَا الْأُمَّةُ، وَمِحْوَرٌ تَدُورُ حَوْلَهُ، وَقُطْبٌ تَسْبَحُ فِي فَلَكِهِ، بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ كَوْنِ هَذِهِ الْفِكْرَةِ صَحِيحَةً أَوْ خَاطِئَةً، قَدْ تَكُونُ فِكْرَةً وَثَنِيَّةً، فِكْرَةً إِلْحَادِيَّةً؛ كَالشُّيُوعِيَّةِ -مَثَلًا-، عِنْدَمَا قَرَّرَ (مَارْكِس) وَ(أَنْجِلْز)) مَا قَرَّرَاهُ كَانَتْ هُنَالِكَ فِكْرَةٌ، فَهَذَا هُوَ الشَّرْطُ الْأَوَّلُ لِنُشُوءِ تِلْكَ الْأُمَّةِ الشُّيُوعِيَّةِ بِكُلِّ مَا حَمَلَتْهُ لِلْعَالَمِ مِنَ الشُّرُورِ، وَمَا وَقَعَ عَلَى الْعَالَمِ مِنْهَا؛ مِنْ ظُلْمٍ وَغُرُورٍ.

فَهَذَا هُوَ الشَّرْطُ الْأَوَّلُ: فِكْرَةٌ تَقُومُ عَلَيْهَا الْأُمَّةُ؛ سَوَاءٌ كَانَتْ هَذِهِ الْفِكْرَةُ صَحِيحَةً أَوْ خَاطِئَةً.

وَالثَّانِي مِنَ الشَّرْطَيْنِ: رِجَالٌ يَحْمِلُونَ الْفِكْرَةَ، فَتَخْتَلِطُ بِلُحُومِهِمْ، وَتَجْرِي بِهَا دِمَاؤُهُمْ كَأَنَّهَا جُزْءٌ مِنَ الْقَلْبِ، وَتَنْطِقُ بِهَا أَلْسِنَتُهُمْ وَجَوَارِحُهُمْ كَأَنَّهَا بَعْضٌ مِنَ الْعَقْلِ.

وَقَدْ قَامَ (لِينِين) وَمَنْ مَعَهُ بِحَمْلِ الْفِكْرَةِ، فَصَنَعُوا مَا صَنَعُوا مِنَ الشُّرُورِ، وَأَتَوْا مَا أَتَوْا بِهِ مِنَ الْآثَامِ، وَتَسَلَّطُوا عَلَى الْجُمْهُورِيَّاتِ أَوِ الدُّوَلِ الْإِسْلَامِيَّةِ فَحَرَفُوهُمْ عَنِ الْحَقِّ إِلَى الشُّيُوعِيَّةِ، ثَبَتَ مَنْ ثَبَتَ، وَانْحَرَفَ مَنِ انْحَرَفَ، وَتَوَفَّرَ الشَّرْطَانِ، فَقَامَتْ أُمَّةٌ تَحْمِلُ فِي بَاطِنِهَا عَوَامِلَ هَدْمِهَا؛ لِأَنَّهَا أُمَّةٌ ظَالِمَةٌ وَثَنِيَّةٌ مُلْحِدَةٌ كَافِرَةٌ.

فَإِذَا نَظَرْنَا إِلَى الْأُمَّةِ الْمُسْلِمَةِ؛ وَجَدْنَا أَنَّ الْمِحْوَرَ الَّذِي تَدُورُ حَوْلَهُ وَالْقُطْبَ الَّذِي تَسْبَحُ فِي فَلَكِهِ هُوَ التَّوْحِيدُ.

التَّوْحِيدُ الَّذِي هُوَ دِينُ الْأَنْبِيَاءِ وَمَنْهَجُ الرُّسُلِ مُنْذُ أَنْ أَرْسَلَ اللهُ الرُّسُلَ، وَمُنْذُ كَوْنِ الْأَنْبِيَاءِ، وَمَا أَشْرَقَ عَلَى الْعَالَمِ مُنْذُ خَلَقَ اللهُ الْعَالَمَ شَمْسُ تَوْحِيدٍ أَجْلَى مِمَّا تَجَلَّى فِي صَدْرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ؛ إِذْ قَيَّدَ اللهُ لِهَذَا التَّوْحِيدِ رِجَالًا يَحْمِلُونَهُ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ بَعْدَ أَنِ اخْتَلَطَ بِقُلُوبِهِمْ إِلَى مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا، يَنْشُرُونَ نُورَهُ فِي الْآفَاقِ؛ لِيُخْرِجُوا الْعِبَادَ مِنْ عِبَادَةِ الْعِبَادِ إِلَى عِبَادَةِ اللهِ رَبِّ الْعِبَادِ، وَمِنْ جَوْرِ الْأَدْيَانِ إِلَى سَمَاحَةِ الْإِسْلَامِ، وَمِنْ ضِيقِ الدُّنْيَا إِلَى سَعَةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.

إِنْ كَانَتِ الْأُمَّةُ الْمُسْلِمَةُ الْيَوْمَ مُوَحِّدَةً حَقًّا، وَكَانَ رِجَالُهَا يَحْمِلُونَ هَذَا التَّوْحِيدَ يَقِينًا وَصِدْقًا؛ فَهِيَ أُمَّةٌ حَقِيقِيَّةٌ، لَا أُمَّةٌ مِنْ قَوَارِيرَ؛ وَعِنْدَ ذَلِكَ يَحِقُّ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ عَنْ أَسْبَابِ تَخَلُّفِهَا وَضَعْفِهَا.

مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ تَأَخُّرِ الْمُسْلِمِينَ: الْجَهْلُ الَّذِي يَجْعَلُ فِيهِمْ مَنْ لَا يُمَيِّزُ بَيْنَ الْخَمْرِ وَالْخَلِّ، فَيَتَقَبَّلُ السَّفْسَطَةَ قَضِيَّةً مُسَلَّمَةً، وَلَا يَعْرِفُ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهَا.

وَمِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ تَأَخُّرِ الْمُسْلِمِينَ: الْعِلْمُ النَّاقِصُ الَّذِي هُوَ أَشَدُّ خَطَرًا مِنَ الْجَهْلِ الْبَسِيطِ؛ لِأَنَّ الْجَاهِلَ إِذَا قَيَّدَ اللهُ لَهُ مُرْشِدًا عَالِمًا؛ أَطَاعَهُ، وَلَمْ يَتَفَلْسَفْ عَلَيْهِ، وَأَمَّا صَاحِبُ الْعِلْمِ النَّاقِصِ؛ فَهُوَ لَا يَدْرِي وَلَا يَقْتَنِعُ بِأَنَّهُ لَا يَدْرِي، وَكَمَا قِيلَ: ((ابْتِلَاؤُكُمْ بِمَجْنُونٍ خَيْرٌ مِنَ ابْتِلَائِكُمْ بِشِبْهِ عَالِمٍ!!)).

فَانْظُرْ -هَدَانِي اللهُ وَإِيَّاكَ سَبِيلَ الرَّشَادِ- كَيْفَ كَانَ الْجَهْلُ أَوَّلَ مَا يُعْقَدُ عَلَيْهِ الْخِنْصَرُ فِي أَسْبَابِ تَأَخُّرِ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ لَا تَكْتَفِي بِذَلِكَ، وَإِنَّمَا عَلَيْكَ أَنْ تُثَنِّيَ بِمَا هُوَ مُتَّصِلٌ بِالْجَهْلِ بِسَبَبٍ وَثِيقٍ، وَهُوَ الْعِلْمُ النَّاقِصُ!!

فَتَدُورُ الْمَسْأَلَةُ عَلَى نَفْيِ الْجَهْلِ، وَتَعَلُّمِ الْعِلْمِ النَّافِعِ، وَالْعِلْمُ النَّافِعُ مَا عَرَّفَ الْعَبْدَ بِرَبِّهِ وَدَلَّهُ عَلَيْهِ حَتَّى عَرَفَهُ وَوَحَّدَهُ، وَأَنِسَ بِهِ، وَاسْتَحْيَا مِنْ قُرْبِهِ، وَعَبَدَهُ كَأَنَّهُ يَرَاهُ؛ وَلِهَذَا قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ: ((إِنَّ أَوَّلَ عِلْمٍ يُرْفَعُ مِنَ النَّاسِ الْخُشُوعُ)).

وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: ((إِنَّ أَقْوَامًا يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ؛ وَلَكِنْ إِذَا وَقَعَ فِي الْقَلْبِ فَرَسَخَ فِيهِ نَفَعَ)) .

وَقَالَ الْحَسَنُ: ((الْعِلْمُ عِلْمَانِ: فَعِلْمٌ عَلَى اللِّسَانِ، فَذَاكَ حُجَّةُ اللهِ عَلَى ابْنِ آدَمَ، وَعِلْمٌ فِي الْقَلْبِ، فَذَاكَ الْعِلْمُ النَّافِعُ)) .

وَكَانَ سَلَفُنَا يَقُولُونَ: ((إِنَّ الْعُلَمَاءَ ثَلَاثَةٌ: عَالِمٌ بِاللهِ عَالِمٌ بِأَمْرِ اللهِ، وَعَالِمٌ بِاللهِ لَيْسَ بِعَالِمٍ بِأَمْرِ اللهِ، وَعَالِمٌ بِأَمْرِ اللهِ لَيْسَ بِعَالِمٍ بِاللهِ، وَأَكْمَلُهُمُ الْأَوَّلُ، وَهُوَ الَّذِي يَخْشَى اللهَ، وَيَعْرِفُ أَحْكَامَهُ)) .

فَالشَّأْنُ كُلُّهُ فِي أَنَّ الْعَبْدَ يَسْتَدِلُّ بِالْعِلْمِ عَلَى رَبِّهِ، فَيَعْرِفُهُ بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، فَإِذَا عَرَفَهُ -إِذَا عَرَفَ رَبَّهُ- فَقَدْ وَجَدَهُ مِنْهُ قَرِيبًا، وَمَتَى وَجَدَهُ مِنْهُ قَرِيبًا قَرَّبَهُ إِلَيْهِ، وَأَجَابَ دُعَاءَهُ.

كَانَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ -رَحِمَهُ اللهُ- يَقُولُ عَنْ مَعْرُوفٍ الْكَرْخِيِّ: ((مَعَهُ أَصْلُ الْعِلْمِ؛ خَشْيَةُ اللهِ)) .

فَأَصْلُ الْعِلْمِ: الْعِلْمُ بِاللهِ الَّذِي يُوجِبُ خَشْيَةَ اللهِ، وَمَحَبَّةَ اللهِ، وَالْقُرْبَ مِنْهُ، وَالْأُنْسَ بِهِ، وَالشَّوْقَ إِلَيْهِ، ثُمَّ يَتْلُوهُ الْعِلْمُ بِأَحْكَامِ اللهِ، وَمَا يُحِبُّهُ اللهُ وَيَرْضَاهُ مِنَ الْعَبْدِ؛ مِنْ قَوْلٍ، أَوْ عَمَلٍ، أَوْ حَالٍ، أَوِ اعْتِقَادٍ.

فَمَنْ تَحَقَّقَ بِهَذَيْنِ الْعِلْمَيْنِ؛ كَانَ عِلْمُهُ عِلْمًا نَافِعًا، وَحصَلَ لَهُ الْعِلْمُ النَّافِعُ، وَالْقَلْبُ الْخَاشِعُ، وَالنَّفْسُ الْقَانِعَةُ، وَالدُّعَاءُ الْمَسْمُوعُ، وَمَنْ فَاتَهُ هَذَا الْعِلْمُ النَّافِعُ؛ وَقَعَ فِي الْأَرْبَعِ الَّتِي اسْتَعَاذَ مِنْهَا النَّبِيُّ ﷺ، وَصَارَ عِلْمُهُ وَبَالًا وَحُجَّةً عَلَيْهِ، فَلَمْ يَنْتَفِعْ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَخْشَعْ قَلْبُهُ لِرَبِّهِ، وَلَمْ تَشْبَعْ نَفْسُهُ مِنَ الدُّنْيَا، بَلِ ازْدَادَ عَلَيْهَا حِرْصًا وَلَهَا طَلَبًا، وَلَمْ يُسْمَعْ دُعَاؤُهُ؛ لِعَدَمِ امْتِثَالِهِ لِأَوَامِرِ رَبِّهِ، وَعَدَمِ اجْتِنَابِهِ لِمَا يُسْخِطُهُ وَيَكْرَهُهُ.

هَذَا إِنْ كَانَ عِلْمُهُ عِلْمًا يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِهِ، وَهُوَ الْمُتَلَقَّى مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، فَإِنْ كَانَ مُتَلَقًّى مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ؛ فَهُوَ غَيْرُ نَافِعٍ فِي نَفْسِهِ، وَلَا يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِهِ، بَلْ ضَرَرُهُ أَكْثَرُ مِنْ نَفْعِهِ، وَعَلَامَةُ هَذَا الْعِلْمِ الَّذِي لَا يَنْفَعُ: أَنْ يُكْسِبَ صَاحِبَهُ الزَّهْوَ وَالْفَخْرَ وَالْخُيَلَاءَ، وَطَلَبَ الْعُلُوِّ وَالرِّفْعَةِ فِي الدُّنْيَا، وَالْمُنَافَسَةِ فِيهَا، وَطَلَبَ مُبَاهَاةِ الْعُلَمَاءِ، وَمُمَارَاةِ السُّفَهَاءِ، وَصَرْفِ وُجُوهِ النَّاسِ إِلَيْهِ، وَرُبَّمَا ادَّعَى بَعْضُ أَصْحَابِ هَذِهِ الْعُلُومِ مَعْرِفَةَ اللهِ، وَطَلَبَهُ، وَالْإِعْرَاضَ عَمَّا سِوَاهُ، وَلَيْسَ غَرَضُهُمْ بِذَلِكَ إِلَّا طَلَبَ التَّقَدُّمِ فِي قُلُوبِ النَّاسِ مِنَ الْمُلُوكِ وَغَيْرِهِمْ، وَإِحْسَانَ ظَنِّهِمْ بِهِمْ، وَكَثْرَةَ أَتْبَاعِهِمْ، وَالتَّعَاظُمَ بِذَلِكَ عَلَى النَّاسِ.

وَعَلَامَةُ ذَلِكَ: إِظْهَارُ دَعْوَى الْوَلَايَةِ كَمَا كَانَ يَدَّعِيهَا أَهْلُ الْكِتَابِ، وَكَمَا ادَّعَاهَا الْقَرَامِطَةُ، وَالْبَاطِنِيَّةُ، وَنَحْوُهُمْ، هَذَا بِخِلَافِ مَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ مِنَ احْتِقَارِ نُفُوسِهِمْ وَازْدِرَائِهَا بَاطِنًا وَظَاهِرًا.

قَالَ عُمَرُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: ((مَنْ قَالَ إِنَّهُ عَالِمٌ؛ فَهُوَ جَاهِلٌ)).

قَالَ الْفَارُوقُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: ((مَنْ قَالَ إِنَّهُ عَالِمٌ؛ فَهُوَ جَاهِلٌ)).

مِنْ عَلَامَاتِ ذَلِكَ: عَدَمُ قَبُولِ الْحَقِّ وَالِانْقِيَادِ إِلَيْهِ، وَالتَّكَبُّرُ عَلَى مَنْ يَقُولُ الْحَقَّ؛ خُصُوصًا إِذَا كَانَ دُونَهُمْ فِي أَعْيُنِ النَّاسِ، وَالْإِصْرَارُ عَلَى الْبَاطِلِ خَشْيَةَ تَفَرُّقِ قُلُوبِ النَّاسِ عَنْهُمْ بِإِظْهَارِ الرُّجُوعِ إِلَى الْحَقِّ.

إِنَّ الْعِلْمَ الصَّحِيحَ هُوَ الَّذِي يُورِثُ الْخَشْيَةَ، وَلَا يُورِثُ الْخَشْيَةَ سِوَى الْعِلْمِ الصَّحِيحِ.

وَالْعِلْمُ الصَّحِيحُ: قَالَ اللهُ، قَالَ رَسُولُهُ، قَالَ الصَّحَابَةُ.

الْعِلْمُ الصَّحِيحُ: الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ بِفَهْمِ الصَّحَابَةِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ، وَأَمَّا مَا يُرَادُ بَثُّهُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ بِحُجَّةِ أَنَّهُ هُوَ الْعِلْمُ الصَّحِيحُ؛ فَهُوَ مَحْضُ الزَّيْغِ، دَعْوَةٌ إِلَى الْإِرْجَاءِ؛ حَتَّى إِنَّهُ لَيُقَرَّرُ عَلَى أَبْنَاءِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ مَنِ اعْتَقَدَ فِي قَلْبِهِ ((لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ))؛ وَإِنْ لَمْ يَنْطِقْ بِهَا بِلِسَانِهِ؛ فَهُوَ مُؤْمِنٌ عِنْدَ اللهِ، وَلَا يَضُرُّهُ نَطَقَ بِـ ((لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ)) أَمْ لَمْ يَنْطِقْ بِهَا! فَضْلًا عَنِ الْعَمَلِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ!!

وَلَنْ تُفْلِحَ الْأُمَّةُ وَلَنْ تَصِلَ إِلَى غَرَضِهَا وَلَنْ تُحَصِّلَ مَقْصُودَهَا إِلَّا بِالْعَوْدَةِ إِلَى كِتَابِ رَبِّهَا وَسُنَّةِ نَبِيِّهَا ﷺ بِفَهْمِ سَلَفِهَا الصَّالِحِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ -رَحِمَهُمُ اللهُ تَعَالَى أَجْمَعِينَ-.

فَهَذِهِ سَبِيلُ النَّجَاةِ، لَا سَبِيلَ لِلنَّجَاةِ سِوَاهَا، وَأَمَّا التَّخَبُّطُ، وَأَمَّا هَذَا الْهَرَجُ الَّذِي تُعَانِي مِنْهُ الْأُمَّةُ؛ فَهَذَا هُوَ الْمَضِيقُ الَّذِي لَا مَخْرَجَ لَهُ، وَالْمَأْزِقُ الَّذِي لَا نَجَاةَ مِنْهُ إِلَّا بِأَنْ تَكُونَ الْأُمَّةُ عَلَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ بِلَا تَخَالُفٍ وَلَا تَدَابُرٍ، وَلَا شَحْنَاءَ وَلَا بَغْضَاءَ.

فَاللَّهُمَّ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَيَا أَكْرَمَ الْأَكْرَمِينَ، وَيَا ذَا الْقُوَّةِ الْمَتِينُ؛ فَهِّمْنَا حَقِيقَةَ الدِّينِ، وَارْزُقْنَا حَلَاوَةَ الْيَقِينِ، إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.

وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ.

المصدر

مَفْهُومُ التَّنْمِيَةِ الشَّامِلَةِ

التعليقات


خطب مفرغة قد تعجبك


  الرد على الملحدين:تحديد الصلة بين المدنية الحديثة والإسلام، وبيان أن العلم الحديث قرآني في موضوعه
  ماذا لو حكم الإخوان مصر؟
  مَاذَا بَعْدَ الْحَجِّ؟
  تَنْظِيمُ النَّسْلِ بِشُرُوطِهِ قَضِيَّةُ أَخْذٍ بِالْأَسْبَابِ الشَّرْعِيَّةِ
  الْقِيَمُ الْمُجْتَمَعِيَّةُ
  حب الوطن الإسلامي، وفضل الدفاع عنه، ومنزلة الشهادة في سبيل الله
  رَمَضَانُ شَهْرُ الْإِيمَانِ وَصِنَاعَةِ الرِّجَالِ
  مَعِيَّةُ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ- وَأَثَرُهَا فِي تَحْقِيقِ السَّلَامِ النَّفْسِيِّ
  الْحَيَاءُ مِنَ اللهِ وَمِنَ الْخَلْقِ وَمِنَ النَّفْسِ شِيمَةُ الْكِرَامِ وَفِطْرَةٌ إِنْسَانِيَّةٌ سَوِيَّةٌ
  الْمُوَاسَاةُ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ
  • شارك

نبذة عن الموقع

موقع تفريغات العلامة رسلان ، موقع يحتوي على العشرات من الخطب والمحاضرات والمقاطع المفرغة لفضيلة الشيخ العلامة أبي عبدالله محمد بن سعيد رسلان-حفظه الله- . كما يعلن القائمون على صفحة وموقع تفريغات العلامة رسلان -حفظه الله- أن التفريغات للخطب ليست هي الشكل النهائي عند الطباعة، ولكن نحن نفرغ خطب الشيخ حفظه الله ونجتهد في نشرها ليستفيد منها طلاب العلم والدعاة على منهاج النبوة في كل أنحاء الدنيا، ونؤكد على أنَّ الخطب غير مُخرَّجة بشكل كامل كما يحدث في خطب الشيخ العلامة رسلان المطبوعة وليست الكتب المنشورة على الصفحة والموقع هي النسخة النهائية لكتب الشيخ التي تُطبع...وهذه الكتب ما هي إلا تفريغ لخطب الشيخ، غير أنَّ كتب الشيخ التي تُطبع تُراجع من الشيخ -حفظه الله- وتُخرج. والتفريغ عملٌ بشريٌ، ونحن نجتهد في مراجعة التفريغات مراجعة جيدة، فإذا وقع خطأ أو شكل الخطب كما نخرجها -إنما نُحاسب نحن عليها والخطأ يُنسب لنا وليس للشيخ -حفظه الله-.

الحقوق محفوظة لكل مسلم موقع تفريغات العلامة رسلان