مَظَاهِرُ الْكِبْرِ وَالِاسْتِعْلَاءِ وَالصَّدِّ عَنْ دِينِ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ-

مَظَاهِرُ الْكِبْرِ وَالِاسْتِعْلَاءِ وَالصَّدِّ عَنْ دِينِ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ-

((مَظَاهِرُ الْكِبْرِ وَالِاسْتِعْلَاءِ

وَالصَّدِّ عَنْ دِينِ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ-))

إنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ.

وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ.

أَمَّا بَعْدُ:

فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.

أَمَّا بَعْدُ:

«الْأَمْرُ بِالتَّوَاضُعِ وَحْيٌ إِلَهِيٌّ»

فَفِي «الصَّحِيحِ» قَالَ ﷺ: «وَأَوْحِيَ إليَّ أَنْ تَوَاضَعُوا حَتَّى لَا يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ، وَلَا يَبْغِي أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

((وَالتَّوَاضُعُ الْمَحْمُودُ نَوْعَانِ:

* الْأَوَّلُ: تَوَاضُعُ الْعَبْدِ عِنْدَ أَمْرِ اللهِ امْتِثَالًا، وَعِنْدَ نَهْيِهِ اجْتِنَابًا، فَإِنَّ النَّفْسَ لِطَلَبِ الرَّاحَةِ تَتَلَكَّأُ فِي أَمْرِهِ، فَيَبْدُو مِنْهَا إِبَاءٌ وَشِرَادٌ هَرَبًا مِنَ الْعُبُودِيَّةِ، وَتَثْبُتُ عِنْدَ نَهْيِهِ طَلَبًا لِلظَّفَرِ بِمَا مَنَعَ مِنْهُ، فَإِذَا وَضَعَ الْعَبْدُ نَفْسُهُ لِأَمْرِ اللهِ وَنَهْيِهِ فَقَدْ تَوَاضَعَ لِلْعُبُودِيَّةِ.

* وَالنَّوْعُ الثَّانِي: تَوَاضُعُهُ لِعَظَمَةِ الرَّبِّ وَجَلَالِهِ، وَخُضُوعِهِ لِعِزَّتِهِ وَكِبْرِيَائِهِ، فَكُلَّمَا شَمَخَتْ نَفْسُهُ ذَكَرَ عَظَمَةَ الرَّبِّ وَتَفَرُّدَهُ بِذَلِكَ وَغَضَبَهُ الشَّدِيدَ عَلَى مَنْ نَازَعَهُ ذَلِكَ، فَتَوَاضَعَتْ إِلَيْهِ نَفْسُهُ، وَانْكَسَرَ لِعَظَمَةِ اللهِ قَلْبُهُ، وَاطْمَأنَّ لِهَيْبَتِهِ، وَأَخْبَتَ لِسُلْطَانِهِ، فَهَذَا غَايَةُ التَّوَاضُعِ، وَهُوَ يَسْتَلْزِمُ الْأَوَّلَ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ، وَالْمُتَوَاضِعُ حَقِيقَةً مَنْ رُزِقَ الْأَمْرَيْنِ».

قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ -رَحِمَهُ اللهُ-: «الْفَرْقُ بَيْنَ التَّوَاضُعِ وَالْمَهَانَةِ أَنَّ التَّوَاضُعَ يَتَوَلَّدُ مِنْ بَيْنِ الْعِلْمِ بِاللَّهِ -سُبْحَانَهُ- وَمَعْرِفَة أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَنُعُوتِ جَلَالِهِ وَتَعْظِيمِهِ وَمَحَبَّتِهِ وَإِجْلَالِهِ، وَمِنْ مَعْرفَتِهِ بِنَفْسِهِ وَتَفَاصِيلِهَا وَعُيُوبِ عَمَلِهَا وَآفَاتِهَا، فَيَتَوَلَّدُ مِنْ بَيْنِ ذَلِكَ كُلِّهِ خُلُقٌ هُوَ التَّوَاضُعُ، وَهُوَ انْكِسَارُ الْقْلَبِ لِلهِ وَخَفْضِ جَنَاحِ الذُّلِّ وَالرَّحْمَةِ بِعِبَادِهِ، فَلَا يَرَى لَهُ عَلَى أَحَدٍ فَضْلًا، وَلَا يَرَى لَهُ عِنْد أَحَدٍ حَقًّا، بَلْ يَرَى الْفَضْلَ لِلنَّاسِ عَلَيْهِ وَالْحُقُوقَ لَهُمْ قِبَلَهُ، وَهَذَا خُلُقٌ إِنَّمَا يُعْطِيهِ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- مَنْ يُحِبُّهُ وَيُكْرِمُهُ وَيُقَرِّبُهُ.

وَأَمَّا الْمَهَانَةُ: فَهِيَ الدَّنَاءَةُ وَالْخِسَّةُ وَبَذْلُ النَّفْسِ وَابْتِذَالُهَا فِي نَيْلِ حُظُوظِهَا وَشَهَوَاتِهَا، كَتَوَاضُعِ السُّفَّلِ فِي نَيْلِ شَهَوَاتِهِمْ، وَتَوَاضُعِ الْمَفْعُولِ بِهِ للْفَاعِلِ، وَتَوَاضُعِ طَالِبِ كُلِّ حَظٍّ لِمَنْ يَرْجُو نَيْلَ حَظِّهِ مِنْهُ، فَهَذَا كُلُّهُ ضَعَةٌ لَا تَوَاضُعَ، وَاللهُ -سُبْحَانَهُ- يُحِبُّ التَّوَاضُعَ وَيُبْغِضُ الضَّعَةَ وَالْمَهَانَةَ، وَفِي «الصَّحِيحِ» عَنْهُ: «وَأَوْحِيَ إليَّ أَنْ تَوَاضَعُوا حَتَّى لَا يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ، وَلَا يَبْغِي أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ»)).

((النَّبِيُّ ﷺ الْأُسْوَةُ فِي التَّوَاضُعِ))

عِبَادَ اللهِ! لَمَّا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَكْمَلَ النَّاسِ خُلُقًا وَأَحْسَنَهُمْ أَخْلَاقًا؛ كَانَ أَوْلَى النَّاسِ بِالْحُبِّ وَالْقُرْبِ مِنْهُ مَنْ بَلَغَ فِي حُسْنِ الْخُلُقِ مَبْلَغًا مَرْضِيًّا، وَتَسَنَّمَ مِنْ حُسْنِ الْخُلُقِ مَكَانًا عَلِيًّا.

عَنْ جَابِرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَيَّ وَأَقرَبِكُمْ مِنِّي مَجلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَحَاسِنَكُمْ أَخْلَاقًا، وَإِنَّ أَبغَضَكُمْ إِلَيَّ وَأَبعَدَكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ: الثَّرْثَارُونَ، وَالْمُتَشَدِّقُونَ، وَالْمُتَفَيْهِقُونَ».

قَالُوا: يَا رَسُولَ اللّٰهِ! قَدْ عَلِمْنَا الثَّرْثَارُونَ وَالْمُتَشَدِّقُونَ، فَمَا الْمُتَفَيْهِقُونَ؟

قَالَ: «الْمُتَكَبِّرُونَ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: «حَدِيثٌ حَسَنٌ»، وَحَسَّنَهُ الْأَلْبَانِيُّ فِي ((الصَّحِيحَةِ)).

قَالَ النَّوَوِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ-: «الثَّرْثَارُ: كَثِيرُ الْكَلَامِ تَكَلُّفًا، الْمُتَشَدِّقُ: الْمُتَطَاوِلُ عَلَى النَّاسِ بِكَلَامِهِ، وَيَتَكَلَّمُ بِمِلْءِ فِيهِ تَفَاصُحًا وَتَعْظِيمًا لِكَلَامِهِ، الْمُتَفَيْهِقُ: مِنَ الْفَهْقِ وَهُوَ الِامْتِلَاءُ، وَهُوَ الَّذِي يَمْلَأُ فَمَهُ بِالْكَلَامِ، وَيَتَوَسَّعُ فِيهِ وَيُغْرِبُ بِهِ تَكَبُّرًا وَارْتِفَاعًا وَإِظْهَارًا لِلْفَضِيلَةِ عَلَى غَيْرِهِ».

إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَلَّمَ الدُّنْيَا كُلَّهَا كَيْفَ يَكُونُ الْإِخْبَاتُ وَالْخُشُوعُ وَالتَّوَاضُعُ لِلهِ -جَلَّ وَعَلَا-، فَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: «لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ؛ فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، فَقُولُوا: عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ ﷺ » .

وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُرَاجِعُ مَنْ أَخَذَتْهُ الْهَيْبَةُ -وَحُقَّ لَهُ أَنْ تَأْخَذَهُ- مَنْ أَخَذَتْهُ الْهَيْبَةُ إِذَا حَضَرَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَارْتَعَدَتْ فَرَائِصُهُ، فَكَانَ يَقُولُ لَهُ: «يَا أَخَ الْعَرَبِ! هَوِّنْ عَلَيْكَ، إِنَّمَا أَنَا ابْنُ امْرَأَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ كَانَتْ تَأْكُلُ الْقَدِيدَ بِمَكَّةَ ﷺ ».

لَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ مِثَالًا لِلتَّوَاضُعِ شَاخِصًا، مِثَالًا لِلْبُعْدِ عَنِ الْكِبْرِ وَالْعُجْبِ مَاثِلًا وَقَائِمًا -صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ-، وَإِذَا كانَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ قَالَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ»؛ فَإِنَّ مَا أَتَى بِهِ النَّبِيُّ ﷺ يَنْبَغِي أَنْ يُلْتَزَمَ؛ لِأَنَّ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ جَعَلَهُ حُجَّةً عَلَى خَلْقِهِ فِي أَرْضِهِ، وَهُوَ خَاتَمُ الْمُرْسَلِينَ -صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ-.

كَانَ النَّبِيُّ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ مِثَالًا لِلْعَبْدِ الْقَانِتِ الْمُنِيبِ: «لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ؛ فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، فَقُولُوا: عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ ﷺ ».

فَحَقَّقَ الْعُبُودِيَّةَ لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، سُلُوكًا وَتَطْبِيقًا وَعَمَلًا، وَكَانَ لِلهِ مُتَوَاضِعًا.

نَحَرَ بِيَدِهِ الشَّرِيفَةِ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ بَدَنَةً، نَحَرَهَا بِيَدِهِ الشَّرِيفَةِ، وَكَانَ يُمْكِنُ أَنْ يُنِيبَ وَأَنْ يُوَكِّلَ، وَلَكِنْ نَحَرَ بِيَدِهِ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ، قَالَ الْعُلَمَاءُ: كَأَنَّمَا كَانَتْ إِشَارَةً إِلَى عُمُرِهِ الشَّرِيفِ؛ إِذْ عَاشَ ثَلَاثَةً وَسِتِّينَ عَامًا ﷺ، وَوَكَّلَ عَلِيًّا -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- في نَحْرِ تَمَامِ الْمِائَةِ، ثُمَّ أَكَلَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ هَدْيِهِ كَمَا يَأْكُلُ الْحَجِيجُ، مُتَوَاضِعًا لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

فِي الْخَنْدَقِ لَمَّا كَانَ بِهِ مِنَ الْجُوعِ مَا وَصَفَ جَابِرٌ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، حَتَّى إِنَّهُ مِنْ شَفَقَتِهِ عَلَيْهِ ذَهَبَ إِلَى امْرَأَتِهِ، فَوَصَفَ الْخَمْصَ الَّذِي نَزَلَ بِالنِّبِيِّ ﷺ، وَعِنْدَهَا بَعْضٌ مِن دَقِيقٍ، وَعِنْدَهُ عَنَاقٌ، فَذَبَحَ وَأَعَدَّ، وَجَعَلَ اللَّحْمَ فِي الْبُرْمَةِ يَهْدِرُ بِاللَّحْمِ مَاؤُهُ عَلَى نَارِهِ فِي بُرْمَتِهِ، وَالْمَرْأَةُ قَدْ سَجَّرَتِ التَّنُّورَ تَصْنَعُ خُبْزًا، وَقَالَتْ لَهُ: ((يَا جَابِرُ! إيَّاكَ أَنْ تَفْضَحَنِي بِرَسُولِ اللهِ ﷺ)).

مَاذَا تَعْنِي -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا-؟

تُرِيدُ أَنَّ الطَّعَامَ قَلِيلٌ، إِنَّ اللَّحْمَ وَالْخُبْزَ لَا يُغْنِيَانِ مِنَ الْجُوعِ شَيْئًا، فَأَسِرَّ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ بِالدَّعْوَةِ، وَإِيَّاكَ أَنْ تَجْعَلَ الدَّعْوةَ عَامَّةً؛ فَإِنَّ الطَّعَامَ لَا يَكْفِي!!

قَالَ: ((يَا رَسُولَ اللهِ! عِنْدَنَا كَذَا وَكَذَا، وَإِنَّا لَنَدْعُوكَ إِلَى طَعَامِنَا)).

قَالَ النَّبِيُّ ﷺ آمِرًا جَابِرًا -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: ((اجْعَلُوا الْأَمْرَ عَلَى حَالِهِ، اجْعَلُوا الْبُرْمَةَ عَلَى حَالِهَا، وَكَذَا الْعَجِينُ حَتَّى آتِيَ ﷺ)).

ثُمَّ قَالَ: «يَا أَهْلَ الْخَنْدَقِ! إنَّ أَخَاكُمْ جَابِرًا قَدْ صَنَعَ لَكُمْ طَعَامًا فَحَيَّهَلَا! »».

فَدَعَا النَّاسَ كُلَّهُمْ، ثُمَّ جَاءَ النَّبِيُّ ﷺ فَبَصَقَ فِي الْبُرْمَةِ وَالْعَجِينِ، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «ادْخُلُوا وَلَا تَضَاغَطُوا».

الْمَكَانُ ضَيِّقٌ وَلَا يَتَّسِعُ لَهُم جَمِيعًا -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ-، ((فَادْخُلُوا وَلَا تَضَاغَطُوا))، فَلَيْدْخُلْ مِنْكُمْ بِقَدْرِ مَا يَتَّسِعُ الْمَكَانُ لَهُمْ.

مَنِ الَّذِي كَانَ عَلَى الطَّعَامِ؟!!

رَسُولُ اللهِ ﷺ، كَانَ يَكْسِرُ الْخُبْزَ بِيَدِهِ الشَّرِيفَةِ وَيَجْعَلُ عَلَيْهِ اللَّحْمَ، وَيُخَمِّرُ الْبُرْمَةَ -صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ-، وَيُقَدِّمُ لَهُمُ الطَّعَامَ حَتَّى أَشْبَعَهُمْ ذَلِكَ الطَّعَامُ جَمِيعًا، وَهِيَ بَرَكَةٌ مِنَ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

كَانَ النَّبِيُّ ﷺ سَيِّدَ الْمُتَوَاضِعِينَ..

النَّبِيُّ ﷺ مِنْ تَوَاضُعِهِ لِرَبِّهِ؛ لَمَّا كانَ فِي بِنَاءِ مَسْجِدِهِ كَانَ يَحْمِلُ اللَّبِنَ عَلَى عَاتِقِهِ ﷺ، وَمَا سُلَيْمَانُ بِأَكْرَمَ عَلَى اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ مِنْ خَلِيلِهِ مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِمَا وَعَلَى سَائِرِ الْأَنْبَيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ-، فَإِنَّ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- سَخَّرَ الْجِنَّ لِسُلَيْمَانَ يَبْنُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ، وَلَوْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَعَا رَبَّهُ أَنَّ يَكُونَ الْمَسْجِدُ مَبْنِيًّا بِقُدْرَةٍ، لَا بِأَسْبَابٍ؛ لَآتَاهُ اللهُ مَا دَعَا وَمَا طَلَبَ، لَو أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَعَا رَبَّهُ أَنْ يُسَخِّرَ الْجِنَّ لَهُ مِنْ أَجْلِ بِنَاءِ مَسْجِدِهِ لَكَانَ، لَكِنَّهُ أَبَى إِلَّا أَنْ يُبْنَى الْمَسْجِدُ عَلَى سَوَاعِدِ الثُّلَّةِ الصَّالِحَةِ مِنَ الْقِلَّةِ الْمُؤْمِنَةِ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ، وَمَا عَلَى ظَهْرِهَا سِوَاهُمْ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ-، وَقَائِدُهُمْ وَإِمَامُهُمْ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ- يَحْمِلُ التُّرَابَ عَلَى كَتِفِهِ!

رَسُولُ اللهِ ﷺ يَحْمِلُ التُّرَابَ فِي بِنَاءِ الْمَسْجِدِ عَلَى كَتِفِهِ وَيَحْمِلُ اللَّبِنَ عَلَى كَتِفِهِ؛ تَوَاضُعًا لِلهِ، وَمُشَارَكَةً فِي تَحْصِيلِ الْأَجْرِ لِلهِ -صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ-.

النَّبِيُّ ﷺ كَانَ يُسَابِقُ عَائِشَةَ، فَيَسْبِقُهَا وَتَسْبِقُهُ .

نَبِيُّكُمْ ﷺ كَانَ في بَيْتِهِ يَخِيطُ ثَوْبَهُ، وَيَخْصِفُ نَعْلَهُ، وَيَقْضِي حَاجَةَ نَفْسِهِ ﷺ ، كَانَ فِي بَيْتِهِ فِي حَاجَةِ أَهْلِهِ ﷺ .

إِنَّ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- يَكْرَهُ سَفَاسِفَ الْأُمُورِ، يُحِبُّ مَعَالِيَ الْأَخْلَاقِ، فَعَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يُقْبِلَ عَلَى نَفْسِهِ مُفَتِّشًا فِيهَا؛ أَيْنَ أَنَا؟!!

وَمَنْ أَنَا؟!!

وَإِلَى أَيْنَ أَسِيرُ؟!!

عَلَيْكَ أَنْ تَسْأَلَ نَفْسَكَ مَنْ أَنْتَ!

مَنْ تَكُونُ!

أَأَنْتَ عَبْدٌ لِلهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- كَمَا يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ؟!!

أَوْ عَلَى الْأَقَلِّ هَلْ أَنْتَ آخِذٌ مِنَ التَّعَالِيمِ عَلَى قَدْرِ الْوُسْعِ وَالطَّاقَةِ أَمْ هُوَ التَّقْصِيرُ وَالتَّفْرِيطُ وَالِاسْتِهَانَةُ؟!!

هَذِهِ الْأُمُورُ كُلُّهَا مِمَّا كَانَ أَصْحَابُ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ يَأْتُونَ بِهَا عَلَى الْوَجْهِ الْعَمَلِيِّ؛ فَكَانَ عُمَرُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- يَخْلُو إِلَى نَفْسِهِ وَيُحَاسِبُهَا عَلَى مَا فَعَلَتْ وَعَلَى مَا قَالَتْ وَعَلَى مَا انْتَوَتْ، وَيُعَاقِبُ نَفْسَهُ؛ يَضْرِبُ عَلَى فَخِذِهِ بِكَفِّهِ، وَكَانَ يَقُولُ: ((وَيْحَكَ يَا عُمَرُ! كُنْتَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ تُدْعَى عُمَيْرًا فَصِرْتَ عُمَرًا، وَكُنْتَ تَرْعَى لِلْخَطَّابِ غَنَمَهُ فَصِرْتَ أَمِيرًا لِلْمُؤمِنِينَ -يَعْنِي: يَرْعَى أُمَّةَ الرَّسُولِ ﷺ-!!)) .

يُذَكِّرُ نَفْسَهُ، وَكَانَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- يَعْرِفُ قَدْرَ نَفْسِهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَطْلَبِ رَبِّهِ، عِنْدَمَا حَمَلُوهُ عَلَى بِرْذَوْنٍ، فَهَمْلَجَ بِهِ وَلَمْ يَسْتَقِرَّ، فَكُلَّمَا أَرَادَ مِنْهُ أَنْ يَمْشِيَ مَشْيًا مُسْتَقِيمًا؛ ازْدَادَ فِي عُجْبِهِ وَتَبَخْتُرِهِ، فَنَزَلَ فَقَالَ: إِنَّمَا حَمَلْتُمُونِي عَلَى شَيْطَانٍ! فَأَتَوْهُ بِدَابَّةٍ سَلِسَةٍ تَكُونُ طَوْعَ قِيادِهِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-.

«التَّرْهِيبُ مِنَ الْكِبْرِ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ»

عِبَادَ اللهِ! لَا شَكَّ أَنَّ الْقَلْبَ هُوَ أَهَمُّ مَا يَنْبَغِي أَنْ يَلْتَفِتَ إِلَيْهِ الْعَبْدُ فِي مَعْرِفَةِ عِلَلِهِ وَآفَاتِهِ، وَتَطْهِيرِهِ مِمَّا يَعْرِضُ لَهُ مِنَ الْأَمْرَاضِ الَّتِي تُلِمُّ بِهِ وَتُصِيبُهُ.

وَالْأَدِلَّةُ فِي كِتَابِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- وَفِي سُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ عَلَى شَرَفِ الْقَلْبِ وَوُجُوبِ الْعِنَايَةِ بِهِ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَى وَأَظْهَرُ مِنْ أَنْ تُسْتَقْصَى.

يَقُولُ رَبُّنَا -جَلَّ وَعَلَا-: {فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [الحج: 46].

فَجَعَلَ الْعَمَى غَيْرَ نَازِلٍ بِالْأَبْصَارِ وَإِنَّمَا يَأْتِي الْعَمَى -نَسْأَلُ اللهَ السَّلَامَةَ وَالْعَافِيَةَ- مِنَ الْقُلُوبِ أَوَّلَ مَا يَأْتِي.

وَالرَّسُولُ ﷺ يُخْبِرُنَا أَنَّ فِي الْجَسَدِ قِطْعَةً مِنَ اللَّحْمِ.. يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ: ((أَلَا إِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً -وَالْمُضْغَةُ: هِيَ الْقِطْعَةُ مِنَ اللَّحْمِ- إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ)) .

وَالرَّسُولُ ﷺ يُحَذِّرُ الْأُمَّةَ مِنْ أَنْ تَنْسَاقَ وَرَاءَ الْأَهْوَاءِ، وَأَنْ تَأْخُذَ بِأَيْدِيهَا الشَّهَوَاتُ؛ فَيُدْرِكَهَا الْبَوَارُ وَتَقَعَ فِي الْهَلَاكِ.

وَالرَّسُولُ ﷺ يُخْبِرُ أَنَّ الْخُشُوعَ إِنَّمَا يَكُونُ فِي الْقَلْبِ، وَأَنَّهُ إِذَا خَشَعَ قَلْبُ الْعَبْدِ خَشَعَتْ جَوَارِحُهُ.

وَمِنَ الْآفَاتِ الَّتِي تُحِيطُ بِالْقَلْبِ، وَتُفْسِدُ الْعَمَلَ، وَتُبَغِّضُ الْإِنْسَانَ إِلَى رَبِّ الْعِزَّةِ آفَةُ الْكِبْرِ.

وَالْكِبْرُ دَاءٌ خَفِيٌّ يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ الْقَلْبُ، وَهَذَا الْكِبْرُ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ مَعْنَاهُ: التَّعَظُّمُ، فَمَهْمَا تَعَظَّمَتْ نَفْسُ الْإِنْسَانِ فِي عَيْنِ ذَاتِهِ فَهُوَ مُتَكَبِّرٌ.

وَأَمَّا مَعْنَاهُ فِي الدِّينِ؛ فَفِيهِ تَعْرِيفُ الْأَمِينِ ﷺ، وَلَا نُرِيدُ تَعْرِيفًا بَعْدَهُ، يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ: ((الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ، وَغَمْطُ النَّاسِ)) .

وَ((بَطَرُ الْحَقِّ)): دَفْعُهُ عَلَى قَائِلِهِ؛ اسْتِصْغَارًا لِشَأْنِهِ، وَاحْتِقَارًا لِقَدْرِهِ، إِمَّا لِصِغَرِ سِنِّهِ، وَإِمَّا لِوَضَاعَةِ شَأْنِهِ، وَإِمَّا لِقِلَّةِ ذَاتِ يَدِهِ -يَعْنِي: لِفَقْرِهِ-، فَيَنْظُرُ إِلَيْهِ الْمُتَكَبِّرُ النَّظَرَ الشَّذَرَ -يَعْنِي: بِمُؤَخَّرِ الْعَيْنِ-؛ احْتِقَارًا وَازْدِرَاءً، وَلَا يَتَقَبَّلُ مِنْهُ الْحَقَّ، بَلْ يَدْفَعُهُ فِي وَجْهِهِ وَيَرُدُّهُ عَلَيْهِ.

((وَغَمْطُ النَّاسِ)): احْتِقَارُهُمْ؛ إِمَّا هَذَا الِاحْتِقَارُ يَقَعُ عَلَيْهِمْ بِالْفِعَالِ أَوْ بِالْمَقَالِ أَوْ بِالْحَرَكَاتِ أَوْ بِالسَّكَنَاتِ، يَتَكَبَّرُ عَلَيْهِمْ فِي مِشْيَتِهِ، يَتَكَبَّرُ عَلَيْهِمْ وَيُحْتَقِرُهُمْ فِي النَّظَرِ إِلَيْهِمْ، أَوْ فِي الْحَدِيثِ إِلَيْهِمْ، أَوْ فِي عَدَمِ الْجُلُوسِ مَعَهُمْ.

وَقَدْ وَرَدَ فِي ذَمِّ الْكِبْرِ الْآيَاتُ الْكَثِيرَةُ وَالْأَحَادِيثُ الْعَظِيمَةُ الْمُتَوَاتِرَةُ؛ فَفِي ذَلِكَ يَقُولُ رَبُّنَا -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: {سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ} [الأعراف: 146].

لَا يُقْبِلُونَ عَلَى آيَاتِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ؛ لَا عَلَى الْآيَاتِ الْمَتْلُوَّةِ الْمَقْرُوءَةِ، وَلَا عَلَى الْآيَاتِ الْمُبْصَرَةِ الْمَنْظُورَةِ، فَهُمْ لَا يَتَأَمَّلُونَ فِي آيَاتِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- فِي كِتَابِهِ الْعَظِيمِ، وَلَا يَنْظُرُونَ فِي آيَاتِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الْمَبْثُوثَةِ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَالَّتِي تَأْخُذُ بِيَدِ الْقَلْبِ مِنْ أَجْلِ التَّسْلِيمِ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ؛ تَعْظِيمًا لِقَدْرِهِ، وَمَعْرِفَةً لِعَظِيمِ سُلْطَانِهِ -سُبْحَانَهُ-.

وَيَقُولُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: {كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ} [غافر: 34-35].

فَالْإِنْسَانُ إِذَا مَا تَكَبَّرَ وَإِذَا مَا تَجَبَّرَ؛ طَبَعَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ عَلَى قَلْبِهِ، وَإِذَا طُبِعَ عَلَى قَلْبِ الْعَبْدِ فَإِنَّهُ لَا يُفْتَحُ لِشَيْءٍ مِنَ الْخَيْرِ، وَإِنَّمَا يَصِيرُ قَلْبًا أَغْلَفَ، وَالْقَلْبُ الْأَغْلَفُ هُوَ الَّذِي لَهُ غُلَافٌ، فَلَا يَنْفُذُ إِلَيْهِ خَيْرٌ بِحَالٍ أَبَدًا.

وَيَقُولُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: {وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ} [إبراهيم: 15].

وَقَالَ رَبُّنَا -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ-: {وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (18) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ} [لقمان: 18-19].

ضَعْ في ذَاكِرَتِكَ أَيُّهَا المُتَلَقِّي آيَاتِ كِتَابِ اللهِ، ضَع نَصَيِحَةَ لُقْمَانَ لابْنِهِ، وَهُوَ يَنْصَحُهُ نُصْحًا مَقْرُونًا بِمَا يُثِيرُ الرَّغْبَةَ وَالرَّهْبَةَ..

وَلَا تَتَكَبَّرْ؛ فَتُحَقِّرَ النَّاسَ، وَتُعْرِضَ بِوَجْهِكَ عَنْهُمْ إِذَا كَلَّمُوكَ كَمَا يَفْعَلُ أَهْلُ الْكِبْرِ.

وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مُخْتَالًا مُتَبَخْتِرًا فِي مِشْيَتِكَ، إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فِي مَشْيِهِ، مُسْتَكْبِرٍ عَلَى النَّاسِ بِإِعْرَاضِهِ عَنْهُمْ، مُبَالِغٍ فِي الْفَخْرِ عَلَى النَّاسِ بِنَفْسِهِ، أَوْ بِمَا آتَاهُ اللهُ مِنْ قُوَّةٍ، أَوْ مَالٍ، أَوْ نَسَبٍ، أَوْ جَاهٍ، أَوْ ذَكَاءٍ، أَوْ جَمَالِ وَجْهٍ وَحُسْنِ طَلْعَةٍ.

وَمَنْ لَا يُحِبُّهُ اللهُ؛ فَإِنَّهُ يُعَرِّضُ نَفْسَهُ لِعِقَابِهِ.

وَلَا تُعْرِضْ بِوَجْهِكَ عَن النَّاسِ تَكَبُّرًا، وَلَا تَمْشِ فَوْقَ الأَرْضِ مُخْتَالًا مُتَكَبِّرًا، إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فِي مِشْيَتِهِ، فَخُورٍ بِمَا أُوتِيَ مِن نِعَمٍ لَا يَشْكُرُ اللهَ عَلَيْهَا، بَلْ يُبْغِضُهُ، وَتَوَسَّطْ فِي مَشْيِكَ بَيْنَ الإِسْرَاعِ وَالدَّبِيبِ مَشْيًا يُظْهِرُ الوَقَارَ، وَاخْفِضْ مِن صَوْتِكَ، لَا تَرْفَعْهُ رَفْعًا يُؤذِي، إِنَّ أَقْبَحَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الحَمِيرِ بِارْتِفَاعِ أَصْوَاتِهَا.

وقال -جَلَّ وَعَلَا-: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} [غافر: 60]؛ يَعْنِي: أَذِلَةً صَاغِرِينَ.

وَالنَّبِيُّ ﷺ يُخْبِرُنَا أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَنْزِلَ شَيْءٌ مِنْهُ بِقَلْبِ عَبْدٍ مُسْلِمٍ، وَلَا ذَرَّةٍ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ -وَهُوَ مِنْ أَفْرَادِهِ، يَرْوِيهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ-: ((لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ)) .

وَالنَّبِيُّ ﷺ يُخْبِرُنَا عَنْ رَبِّنَا -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- لِمَاذَا يَكُونُ ذَلِكَ كَذَلِكَ، وَلِمَاذَا لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مُسْتَكْبِرٌ، وَلَا يُفْلِحُ الْمُسْتَكْبِرُونَ لَا فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ، وَلَا يُحِبُّهُمُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ فِيمَا يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ: ((الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي، فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا أَلْقَيْتُهُ فِي جَهَنَّمَ وَلَا أُبَالِي))؛ لِأَنَّهُ يُنَازِعُ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- فِي صِفَةٍ اخْتَصَّ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ بِهَا نَفْسَهُ.

وَقَالَ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَى صِحَّتِهِ: ((لَا يَنْظُرُ اللهُ إِلَى رَجُلٍ يَجُرُّ إِزَارَهُ بَطَرًا)) » .

وَالْإِزَارُ: هُوَ أَسْفَلُ الثَّوْبِ الَّذِي يُوَارِي الْعَوْرَةَ، وَهُوَ نِصْفُ مَا يَلْبَسُهُ الْحَاجُّ وَالْمُعْتَمِرُ.

وَمَنْ لَمْ يَنْظُرِ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ إِلَيْهِ لَا يَرْحَمُهُ، وَأَمَّا مَنْ نَظَرَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ إِلَيْهِ فَإِنَّهُ يَرْحَمُهُ.

((حَقِيقَةُ الْكِبْرِ وَخُطُورَتُهُ))

أَخْرَجَ مُسْلِمٌ فِي ((صَحِيحِهِ)) بِسَنَدِهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ)).

فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا، وَأَنْ تَكُونَ نَعْلُهُ حَسَنَةً.

فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ، وَغَمْطُ النَّاسِ)).

هَذَا الْأَمْرُ الَّذِي حَذَّرَ مِنْهُ النَّبِيُّ ﷺ، وَعَرَّفَهُ، وَحَدَّدَهُ؛ عَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يَعْرِفَهُ، وَأَنْ يَحْذَرَهُ؛ لِأَنَّ اللهَ لَا يُسَامِحُ فِي شَيْءٍ مِنْهُ، مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ؛ لَنْ يُدْخِلَهُ اللهُ الْجَنَّةَ، وَ((مِثْقَالُ ذَرَّةٍ)): شَيْءٌ يَسِيرٌ، شَيْءٌ قَلِيلٌ، شَيْءٌ لَا وَزْنَ لَهُ؛ وَلَكِنَّهُ إِنْ دَخَلَ الْقَلْبَ أَفْسَدَهُ، وَاسْتَحَقَّ صَاحِبُهُ النَّارَ.

((لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ)).

اسْتَشْكَلَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ الْأَمْرَ، فَقَالَ: ((يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّ أَحَدَنَا يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا، وَأَنْ تَكُونَ نَعْلُهُ حَسَنَةً))، فَظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ مِنَ الْكِبْرِ.

فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ مُفَسِّرًا، وَمُوَضِّحًا، وَمُبَيِّنًا: ((إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ))؛ يَعْنِي: هَذَا لَيْسَ مِنَ الْكِبْرِ فِي شَيْءٍ، إِلَّا إِنْ قُصِدَ بِهِ أَنْ يَعْلُوَ النَّاسُ بِهِ النَّاسَ، فَمَنْ قَصَدَ ذَلِكَ مِنَ النَّاسِ؛ فَقَدِ اسْتَكْبَرَ بِهِ، وَأَمَّا أَنْ يَتَّخِذَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ يُحِبُّهُ، وَيُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ظَاهِرُهُ جَمِيلًا مَقْبُولًا فِي غَيْرِ مَا إِسْرَافٍ، وَلَا مَخِيلَةٍ، وَلَا كِبْرِيَاءَ، وَلَا عُجْبٍ؛ فَهَذَا لَا شَيْءَ فِيهِ: ((إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ)).

((الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ، وَغَمْطُ النَّاسِ)).

((بَطَرُ الْحَقِّ)): دَفْعُهُ، وَرَدُّهُ عَلَى مَنْ جَاءَ بِهِ؛ إِمَّا لِاخْتِلَافِ مَذْهَبِهِ، وَإِمَّا لِصِغَرِ سِنِّهِ، وَإِمَّا لِحَقَارَةِ أَصْلِهِ، وَإِمَّا لِفَقْرِهِ، الْمُهِمُّ أَنَّهُ يُرَدُّ عَلَيْهِ الْحَقُّ الَّذِي جَاءَ بِهِ.

رَدَّ الْمُشْرِكُونَ الْحَقَّ الَّذِي جَاءَ بِهِ الْمَأْمُونُ ﷺ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ كَانَ فَقِيرًا، وَلِأَنَّهُ ﷺ كَانَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَشْيَاخِهِمْ صَغِيرًا {وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} [الزخرف]، لَيْسَ إِلَّا هَذَا؟! هُوَ ابْنُ أَبِي كَبْشَةَ!!

يَقُولُونَ ذَلِكَ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ، وَهُمُ الَّذِينَ وَصَفُوهُ بِالصَّادِقِ الْأَمِينِ، فَرَدُّوا الْحَقَّ عَلَيْهِ.

رَدُّ الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ مُهْلِكٌ، وَالنَّاسُ فِي رَدِّ الْحَقِّ طَبَقَاتٌ:

* مِنْهُمْ مَنْ يَسْتَكْبِرُ عَلَى الْحَقِّ بَعْدَ أَنْ يَعْرِفَهُ.

أَبُو جَهْلٍ وَقَدْ حَارَبَ الرَّسُولَ ﷺ حَرْبَهُ، فَلَمَّا مَكَّنَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- مِنْهُ فِي بَدْرٍ -وَكَانَ بَيْنَ الْحَيَاةِ وَالْمَوْتِ-؛ جَاءَ ابْنُ مَسْعُودٍ، فَلَمَّا رَآهُ مُجَنْدَلًا وَفِيهِ حَيَاةٌ؛ قَالَ: ((عَدُوُّ اللهِ أَبُو جَهْلٍ))، وَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ فِي بَدَنِهِ قِلَّةٌ، لَمَّا رَآهُ الْأَصْحَابُ يَوْمًا يُرِيدُ أَنْ يَأْتِيَ بِسِوَاكٍ مِنْ شَجَرَةِ أَرَاكٍ، فَانْكَشَفَتْ رِجْلُهُ، انْكَشَفَتْ سَاقُهُ، فَضَحِكَ الْأَصْحَابُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((تَضْحَكُونَ مِنْ دِقَّةِ سَاقَيْهِ، وَحُمُوشَةِ رِجْلَيْهِ؟! وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! إِنَّهُمَا لَأَثْقَلُ فِي الْمِيزَانِ مِنْ أُحُدٍ)).

فَلَمَّا وَجَدَ أَبَا جَهْلٍ فِي تِلْكَ الْحَالِ؛ صَعِدَ عَلَى صَدْرِهِ، وَاسْتَلَّ سَيْفَهُ -سَيْفَ نَفْسِهِ-، وَأَرَادَ أَنْ يَحْتَزَّ عُنُقَهُ؛ لِيَأْتِيَ بِرَأْسِهِ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، لَمَّا أَنْ قَعَدَ عَلَى صَدْرِ أَبِي جَهْلٍ؛ قَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ: ((لَقَدِ ارْتَقَيْتَ مُرْتَقًى صَعْبًا يَا رُوَيْعِيَ الْغَنَمِ!!)).

كِبْرُهُ لَا يُفَارِقُهُ؛ حَتَّى فِي تِلْكَ الْحَالِ!!

كَانَ الْوَاجِبُ أَنْ يَقُولَ: أَنَا الْآنَ أَشْهَدُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، لَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ، وَأَعَزَّهُ، وَأَعَزَّ دِينَهُ...؛ وَلَكِنْ كِبْرُهُ لَا يُفَارِقُهُ إِلَّا بِطُلُوعِ رُوحِهِ!! ((لَقَدِ ارْتَقَيْتَ مُرْتَقًى صَعْبًا يَا رُوَيْعِيَ الْغَنَمِ!!))، ثُمَّ لَمْ يَرْتَضِ لِنَفْسِهِ أَنْ يُذْبَحَ بِسَيْفِ ابْنِ مَسْعُودٍ، فَقَالَ: ((أَدُلُّكَ عَلَى مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ؛ خُذْ سَيْفِي فَاحْتَزَّ بِهِ رَقَبَتِي!!))، فَكَانَ، وَجَاءَ بِرَأْسِهِ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ.

((الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ، وَغَمْطُ النَّاسِ)).

إِذَا تَبَيَّنَ لَكَ الْحَقُّ؛ فَيَنْبَغِي عَلَيْكَ أَنْ تَتَّبِعَهُ، لَا تَنْظُرْ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ الْآبَاءُ، وَلَا الْأَجْدَادُ، وَلَا مَا نَشَأْتَ عَلَيْهِ فِي بِيئَتِكَ، وَلَا مَا تَعَارَفَ عَلَيْهِ النَّاسُ؛ فَإِنَّ النَّاسَ قَدْ يُجْمِعُونَ عَلَى الْخَطَأِ وَالْبَاطِلِ، لَا عَلَى الصَّوَابِ؛ فَالنَّبِيُّ ﷺ بَعَثَهُ اللهُ فِي قَوْمٍ مُشْرِكِينَ، يَعْبُدُونَ الْأَوْثَانَ، وَيُقَدِّسُونَ الْأَصْنَامَ، وَيَكْفُرُونَ بِاللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَيُشْرِكُونَ بِهِ، وَكَانُوا مُطْبِقِينَ عَلَى ذَلِكَ؛ فَهَلْ نَقُولُ: إِنَّ الرَّأْيَ الْعَامَّ هُوَ الَّذِي عَلَى صَوَابٍ؟!!

كَانَ الرَّأْيُ الْعَامُّ عَلَى الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ!!

وَأَمَّا الْحُنَفَاءُ؛ فَكَانُوا قِلَّةً، وَأَمَّا الَّذِينَ تَعَلَّمُوا عِلْمَ الْكِتَابِ السَّابِقِ -كَوَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ-؛ فَكَانُوا لَا يُعَدُّونَ عَلَى أَصَابِعِ الْيَدِ الْوَاحِدَةِ مِنْ قِلَّتِهِمْ.

فَهَلْ قَالَ الرَّسُولُ ﷺ لِهَؤُلَاءِ لَمَّا أَتَوْا بِحُجَّتِهِمْ: نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا -أَيْ: مَا وَجَدْنَا- عَلَيْهِ آبَاءَنَا؟! هَلَ سَلَّمَ لَهُمْ؟! كَانَ آبَاؤُهُمْ مُشْرِكِينَ، كَانُوا جَهَلَةً كَافِرِينَ.

فَيَنْبَغِي عَلَيْكَ أَنْ تَتَجَرَّدَ، وَقَدْ دَعَاهُمُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ إِلَى ذَلِكَ، نَبِيُّكُمْ رَسُولُ اللهِ، خَاتَمُ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ، هُوَ الصَّادِقُ الْأَمِينُ؛ لَمَّا أَنْ حَارَبُوهُ، وَأَرَادُوا قَتْلَهُ؛ كَانَتْ أَمَانَاتُهُمْ عِنْدَهُ، يَأْتَمِنُونَهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، وَيَثِقُونَ فِي عَقْلِهِ؛ وَلَكِنْ لَا يُسَلِّمُونَ لَهُ فِي دِينِهِ، يَقُولُونَ: يَعِيبُ آلِهَتَنَا وَدِينَ آبَائِنَا، وَيُسَفِّهُ حُلُومَنَا وَحُلُومَ آبَائِنَا وَأَجْدَادِنَا!!

كِبْرٌ فِي الْقُلُوبِ، وَالرَّسُولُ ﷺ عِنْدَهُمْ هُوَ الصَّادِقُ الْأَمِينُ، مَا كَانَ لِيَدَعَ الْكَذِبَ عَلَى النَّاسِ وَيَكْذِبَ عَلَى رَبِّ النَّاسِ، كَمَا قَالَ أَبُو جَهْلٍ: ذَلِكَ رَجُلٌ كُنَّا نَدْعُوهُ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ بِمَا أَتَى بِهِ بِالصَّادِقِ الْأَمِينِ، وَهُوَ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ ﷺ.

النَّبِيُّ ﷺ لَمَّا أَتَاهُمْ بِمَا أَتَاهُمْ بِهِ كَذَّبُوهُ؛ لِلْعَصَبِيَّةِ.. أَنَتْبَعُ هَذَا؟! أَنَسِيرُ وَرَاءَهُ؟! مَا هَذَا الَّذِي جَاءَ بِهِ؟! إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ تِلْكَ الْمُوَاضَعَاتِ فِي عِنَادِهِمْ، وَكِبْرِهِمْ، وَكُفْرِهِمْ.

نَصَحَهُمُ اللهُ؛ لِأَنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصِلَ إِلَى الْحَقِّ إِلَّا إِذَا اتَّبَعْتَ هَذِهِ النَّصِيحَةَ: {قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ} [سبأ: 46]، هَذَا مُحَمَّدٌ ﷺ!! تَقُولُونَ: مَجْنُونٌ!! لَقَدْ ظَلَّ فِيكُمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَبْلَ أَنْ يَدْعُوَكُمْ إِلَى تَوْحِيدِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَهُوَ الْحَكِيمُ فِيكُمْ، وَهُوَ الصَّادِقُ وَالْأَمِينُ؛ فَمَا الَّذِي جَدَّ؟!!

النَّبِيُّ ﷺ.. عَانَدُوهُ، وَحَارَبُوهُ، فَاحْذَرْ أَنْ تَتَوَرَّطَ فِي الْكِبْرِ؛ فَإِنَّ اللهَ لَا يُدْخِلُ أَحَدًا الْجَنَّةَ وَفِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ.

((الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ)): إِيَّاكَ أَنْ تَدْفَعَ الْحَقَّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ، إِذَا تَبَيَّنَ لَكَ الْحَقُّ -مِنْ: قَالَ اللهُ، قَالَ رَسُولُهُ، قَالَ الصَّحَابَةُ-، إِذَا رَدَدْتَهُ؛ فَأَنْتَ عَلَى خَطَرٍ كَبِيرٍ، لَا تَرُدُّهُ إِلَّا كِبْرًا!!

((الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ، وَغَمْطُ النَّاسِ)): احْتِقَارُهُمْ، وَالنَّظَرُ إِلَيْهِمْ بِمُؤَخَّرِ الْعَيْنِ، وَعَدُّهُمْ هَبَاءً لَا قِيمَةَ لَهُمْ، وَمَا يَعْلَمُ التَّقِيَّ مِنْ غَيْرِهِ إِلَّا اللهُ، وَالْمِيزَانُ الَّذِي بِهِ الْإِكْرَامُ عِنْدَ اللهِ: تَقْوَى اللهِ؛ فَالرَّسُولُ ﷺ.. يَنْصَحُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ الَّذِينَ كَذَّبُوهُ، وَكَفَرُوا بِهِ، وَعَانَدُوهُ {قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى}: دَعُوكُمْ مِنَ الْجَمْعِ، لَا تُفَكِّرُوا فِي جَمَاعَةٍ؛ فَإِنَّ التَّفْكِيرَ الْجَمَاعِيَّ تَفْكِيرٌ كَتَفْكِيرِ الْقَطِيعِ.

وَأَنْتَ تَجِدُ الْقَطِيعَ يَسِيرُ لَا يَدْرِي إِلَى أَيْنَ يَسِيرُ!! وَإِنَّمَا حَيْثُ يَقُودُهُ قَائِدُهُ، مِنَ الْأَنْعَامِ، مِنَ التُّيُوسِ، أَوْ مِنَ الْحَمِيرِ، أَوِ الْبِغَالِ!! هُوَ قَطِيعٌ يَسِيرُ!!

لَا تُفَكِّرْ تَفْكِيرًا جَمَاعِيًّا؛ لِأَنَّ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ قَدْ نَهَاكَ عَنْ ذَلِكَ: {قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا}.

ابْتَعِدْ قَلِيلًا كَيْ تَرَى أَكْثَرَ، يَعْنِي: إِنْ كُنْتَ مُنْغَمِسًا فِي شَيْءٍ؛ فَلَنْ تَرَى سِوَاهُ، فَإِذَا ابْتَعَدْتَ عَنْهُ قَلِيلًا؛ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَرَاهُ.

هَذِهِ الْوَرَقَةُ فِيهَا كَلَامٌ مَكْتُوبٌ، لَوْ أَنِّي جَعَلْتُهَا هَكَذَا مُلْصَقَةً بِعَيْنَيَّ؛ فَأَنَا لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْرَأَهَا، وَلَوِ ابْتَعَدْتُ عَنْهَا قَلِيلًا؛ رَأَيْتُهَا رُؤْيَةً حَسَنَةً؛ فَابْتَعِدْ قَلِيلًا كَيْ تَرَى أَفْضَلَ، أَمَّا أَنْ تَكُونَ مُنْغَمِسًا، تُقَادُ كَمَا يُقَادُ الْقَطِيعُ؛ هَذَا حَرَامٌ، هَذَا لَا يَجُوزُ، تَدْمِيرٌ لِلْأُمَّةِ، وَعَبَثٌ بِمُقَدَّرَاتِهَا وَبِمُسْتَقْبَلِهَا.

الْحَقُّ فِي: قَالَ اللهُ، قَالَ رَسُولُهُ، قَالَ الصَّحَابَةُ.

هَذَا هُوَ الْحَقُّ، وَهَذَا هُوَ الْعِلْمُ، وَهَذَا هُوَ الدِّينُ، وَهَذِهِ هِيَ الْعِصْمَةُ؛ لِأَنَّ اللهَ جَعَلَ الْعِصْمَةَ فِي الْوَحْيِ الْمَعْصُومِ.

((مِنْ مَظَاهِرِ الْكِبْرِ:

الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ وَعَدَمُ الْخُضُوعِ لِلْحَقِّ))

لَقَدْ ذَكَرَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- أَنَّ الْمُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ بِمَعَاصِي اللهِ, إِذَا أُمِرَ بِتَقْوَى اللهِ تَكَبَّرَ وَأَنِفَ؛ قَالَ تَعَالَى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (204) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (205) وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ} [البقرة: 204-206].

وَبَعْضُ النَّاسِ مِنَ الْمُنَافِقِينَ مِمَّنْ تَسْتَحْسِنُ -أَيُّهَا السَّامِعُ- كَلَامَهُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِأَمْرِ الدُّنْيَا وَشُؤُونِهَا، وَيَسْتَوْلِي عَلَى جُلَسَائِهِ فِي الْمَجْلِسِ بِزُخْرُفِ الْقَوْلِ، وَالْكَلَامِ الْمُنَمَّقِ الْمُجَوَّدِ الَّذِي يُوهِمُ أَنَّهُ صِدْقٌ، وَيَحْلِفُ وَيَقُولُ مُؤَكِّدًا دَعَاوَاهُ الْعَرِيضَةَ: اللهُ شَاهِدٌ عَلَى أَنِّي صَادِقٌ، وَأَنَّ سَرِيرَتِي مُطَابِقَةٌ لِعَلَانِيَتِي! وَهُوَ أَشَدُّ الْخُصُومَةِ بِالْبَاطِلِ، وَأَكْثَرُ الْمُخَاصِمِينَ جَدَلًا، وَأَغْلَبُهُمْ لِأَقْرَانِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ.

وَإِذَا تَوَلَّى مُدْبِرًا مُنْصَرِفًا إِلَى شُؤُونِهِ وَأَعْمَالِهِ مَشَى فِي الْأَرْضِ بِهِمَّةٍ وَنَشَاطٍ وَاجْتِهَادٍ؛ لِيُحَقِّقَ مَا يَهْوَى وَيَشْتَهِي، وَمَا يَطْلُبُ لِنَفْسِهِ مِنْ مَطَالِبِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا؛ كَالْمَالِ، وَالنِّسَاءِ، وَالْجَاهِ وَالسُّلْطَانِ، وَالْعُلُوِّ فِي الْأَرْضِ.

فَإِذَا اعْتَرَضَتْهُ عَقَبَاتٌ فِي سُبُلِهِ لَا تُجْتَازُ إِلَّا بِالْإِفْسَادِ فِي الْأَرْضِ؛ بِتَضْلِيلِ النَّاسِ، وَصَدِّهِمْ عَنْ صِرَاطِ اللهِ الْمُسْتَقِيمِ، وَنَشْرِ الْفَاحِشَةِ فِيهِمْ، وَإِهْلَاكِ الثَّرْوَةِ النَّبَاتِيَّةِ وَالثَّرْوَةِ الْحَيَوَانِيَّةِ الَّتِي تَتَكَاثَرُ عَنْ طَرِيقِ التَّنَاسُلِ، أَوْ بِإِهْلَاكِ النَّاسِ بِقَتْلِ الرِّجَالِ، وَذَبْحِ الذَّرَارِيِّ، وَتَعْقِيمِ النِّسَاءِ؛ فَعَلَ ذَلِكَ طَاغِيًا بَاغِيًا دُونَ تَحَسُّسٍ بِعَاطِفَةٍ إِنْسَانِيَّةٍ، وَالله لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ.

وَإِذَا قِيلَ لِهَذَا الْمُنَافِقِ الْمُفْسِدِ: اتَّقِ اللهَ، وَاتَّقِ عِقَابَهُ عَلَى إِفْسَادِكَ فِي الْأَرْضِ، وَإِهْلَاكِ الزَّرْعِ وَالنَّسْلِ؛ حَمَلَتْهُ الْقُوَّةُ الْغَالِبَةُ وَحَمِيَّةُ الْجَاهِلِيَّةِ عَلَى فِعْلِ الْإِثْمِ غَيْرَ مُكْتَرِثٍ بِمَا يَجْنِيهِ مِنْ إِفْسَادٍ فِي الْأَرْضِ، وَغَيْرَ عَابِئٍ بِالْعَوَاقِبِ الْوَخِيمَةِ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْآثِمِينَ.

وَإِذَا أَخَذَتْهُ عِزَّتُهُ الْحَمْقَاءُ بَعِيدًا عَنِ الْمَوَاطِنِ الْوَاقِيَةِ لَهُ مِنْ عَذَابِ اللهِ، مُكَبَّلًا بِسَلَاسِلِ الْإِثْمِ؛ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ الْحَقِيقِيَّةُ الَّتِي هِيَ للهِ فَأَلْقَتْهُ فِي جَهَنَّمَ بِجَرِيرَةِ الْإِثْمِ الَّذِي ارْتَكَبَهُ، فَكَافِيَةٌ لَهُ جَهَنَّمُ جَزَاءً وَعَذَابًا، وَلَبِئْسَ الْمَكَانُ الْمُمَهَّدُ الْمُوَطَّأُ.

وَهُنَاكَ مَنْ يَتَكَبَّرُ عَلَى أَمْرِ رسولِ اللهِ ﷺ فَيَلْقَى جَزَاءَ تَكَبُّرِهِ وَعِنَادِهِ؛ فَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ فِي ((صَحِيحِهِ)) مِنْ رِوَايَةِ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ أَنَّ رَجُلًا أَكَلَ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِشِمَالِهِ، فَقَالَ: ((كُلْ بِيَمِينِكَ)).

قَالَ: لَا أَسْتَطِيعُ.

قَالَ: ((لَا اسْتَطَعْتَ))، مَا مَنَعَهُ إِلَّا الْكِبْرُ.

قَالَ: فَمَا رَفَعَهَا إِلَى فِيهِ)).

يَبِسَتْ يَدُهُ، وَلَمْ يَسْتَطِعْ رَفْعَهَا إِلَى فِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ؛ عُقُوبَةً لَهُ.

فَهَذِهِ عُقُوبَةٌ عَاجِلَةٌ.

وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ خَالَفَ سُنَّةَ الرَّسُولِ ﷺ تَكَبُّرًا؛ مُعَرَّضٌ لِلْعُقُوبَةِ فِي الدُّنْيَا.

((مِنْ مَظَاهِرِ الْكِبْرِ:

تَصْعِيرُ الْخَدِّ وَالِاخْتِيَالُ فِي الْمَشْيِ))

مِنْ مَظَاهِرِ الْكِبْرِ الَّتِي نَهَى اللهُ عَنْهَا، وَحَذَّرَ مِنْهَا: تَصْعِيرُ الْخَدِّ لِلنَّاسِ، وَالِاخْتِيَالُ فِي الْمَشْيِ؛ فَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ}؛ أَيْ: لَا تُمِلْهُ، وَتَعْبَسْ بِوَجْهِكَ للنَّاسَ؛ تَكَبُّرًا عَلَيْهِمْ وَتَعَاظُمًا.

{وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا أَيْ: بَطَرًا، فَخْرًا بِالنِّعَمِ، نَاسِيًا الْمُنْعِمَ، مُعْجَبًا بِنَفْسِكَ، {إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ} فِي نَفْسِهِ وَهَيْئَتِهِ وَتَعَاظُمِهِ {فَخُورٍ} بِقَوْلِهِ.

((مِنْ مَظَاهِرِ الْكِبْرِ:

الِاخْتِيَالُ بِنِعَمِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-))

لَقَدْ أَخْبَرَ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- فِي كِتَابِهِ عَنْ قَارُونَ، وَكُفْرِهِ بِنِعْمَةِ رَبِّهِ، فَقَالَ حِكَايَةً عَنْهُ: {إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي}؛ أَيْ: إِنَّمَا أَدْرَكْتُ هَذِهِ الْأَمْوَالَ بِكَسْبِي وَمَعْرِفَتِي بِوُجُوهِ الْمَكَاسِبِ وَحِذْقِي، أَوْ عَلَى عِلْمٍ مِنَ اللهِ بِحَالِي, يَعْلَمُ أَنِّي أَهْلًا لِذَلِكَ.

فَقَالَ رَبُّنَا -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- -مُبَيِّنًا أَنَّ عَطَاءَهُ لَيْسَ دَلِيلًا عَلَى حُسْنِ حَالَةِ الْمُعْطَى-: {أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا}؛ فَمَا الْمَانِعُ مِنْ إِهْلَاكِ قُرُونٍ أُخْرَى مَعَ مُضِيِّ عَادَتِنَا وَسُنَّتِنَا بِإِهْلَاكِ مَنْ هُوَ مِثْلُهُ وَأَعْظَمُ مِنْهُ إِذَا فَعَلَ مَا يُوجِبُ الْهَلَاكَ؟!!

الْإِنْسَانُ يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَيَغْتَرُّ بِاللهِ -جَلَّ وَعَلَا-، يُؤْتِيهِ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ نِعَمَهُ، فيَمُنُّ عَلَيْهِ بِالصِّحَّةِ وَالْعَافِيَةِ، وَيَمُنُّ عَلَيْهِ بِالْوَلَدِ وَيُوَسِّعُ عَلَيْهِ رِزْقَهُ، وَيُؤْتِيهِ مَا أَحَبَّ، وَهُوَ مُقِيمٌ عَلَى مَعْصِيَةِ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ-؛ فَيَرَى ذَلِكَ إِنَّمَا كَانَ بِمَلْكِهِ: {إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي} [القصص: 78]، وَحِينَئِذٍ يَأْخُذُهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ.

وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ لِلهِ أَقْوَامًا اخْتَصَّهُمْ بِالنِّعَمِ لِمَنَافِعِ الْعِبَادِ، يُقِرُّهُمْ فِيهَا مَا بَذَلُوهَا، فَإِذَا مَنَعُوهَا نَزَعَهَا مِنْهُمْ فَحَوَّلَهَا إِلَى غَيْرِهِمْ». وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ لِغَيْرِهِ.

لَيْسَ أَحَدٌ بِمُسْتَحِقٍّ لِنِعْمَةٍ يُوَصِّلُهَا اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا هُوَ مَحْضُ جُودٍ لَا بَذْلُ مَجْهُودٍ، وَاللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- هُوَ الَّذِي يُعْطِي، وَهُوَ الَّذِي يُؤْتِي الْبِرَّ مَنْ يَشَاءُ بِرَحْمَتِهِ، فَيَجْعَلُ ذَلِكَ الْخَيْرَ عِنْدَ أَقْوَامٍ، فَإِنْ شَكَرُوا نِعْمَةَ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- عَلَيْهِمْ؛ زَادَهُمُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- إِنْعَامًا، وَثَبَّتَ النِّعَمَ لَدَيْهِمْ.

وَإِذَا مَا جَحَدُوهَا فَلَمْ يَبْذُلُوهَا فِي حَوَائِجِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَمْ يُرَاعُوا أَنَّ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- لَمْ يَخْتَصَّهُمْ بِتِلْكَ النِّعَمِ لِأُمُورٍ جَعَلَهَا اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- مُتَعَلِّقَةً بَالْمُسْتَضْعَفِينَ فِي أَرْضِهِ، إِذَا لَمْ يُرَاعُوا ذَلِكَ وَظَنُّوا أَنَّهَا إِنَّمَا كَانَتْ بِاسْتِحْقَاقٍ عِنْدَهُمْ؛ فَشَأْنُهُمْ كَشَأْنِ ذَلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي ظَنَّ أَنَّ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- إِنَّمَا آتَاهُ وَأَعْطَاهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدَهُ، وَأَنَّهُ بِقُدُرَاتِهِ قَدْ تَحَصَّلَ عَلَى مَا تَحَصَّلَ عَلَيْهِ، فَنَزَعَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- عَنْهُ النِّعْمَةَ، وَخَسَفَ بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ، فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ فِيهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.

((مِنْ مَظَاهِرِ الْكِبْرِ:

التَّرَفُّعُ عَنْ مُجَالَسَةِ الْفُقَرَاءِ احْتِقَارًا لَهُمْ))

لَقَدْ أَمَرَ اللهُ نَبِيَّهُ ﷺ أَلَّا يَطْرُدَ عَنْهُ وَعَنْ مُجَالَسَتِهِ أَهْلَ الْعِبَادَةِ وَالْإِخْلَاصِ -رِغَبْةً فِي مُجَالَسَةِ غَيْرِهِمْ- مِنَ الْمُلَازِمِينَ لِدُعَاءِ رَبِّهِمْ دُعَاءَ الْعِبَادَةِ بِالذِّكْرِ وَالصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا, وَدُعَاءَ الْمَسْأَلَةِ, فِي أَوَّلِ النَّهَارِ وَآخِرِهِ, وَهُمَ قَاصِدُونَ بِذَلِكَ وَجْهَ اللهِ, لَيْسَ لَهُمْ مِنَ الْأَغْرَاضِ سِوَى ذَلِكَ الْفَرْضِ الْجَلِيلِ.

فَهَؤُلَاءِ لَيْسُوا مُسْتَحِقِّينَ لِلطَّرْدِ وَالْإِعْرَاضِ عَنْهُمْ, بَلْ مُسْتَحِقُّونَ لِمُوَالَاةِ النَّبِيِّ ﷺ إِيَّاهُمْ وَمَحَبَّتِهِمْ, وَإِدْنَائِهِمْ وَتَقْرِيبِهِمْ؛ لِأَنَّهُمُ الصَّفْوَةُ مِنَ الْخَلْقِ وَإِنْ كَانُوا فُقَرَاءَ, وَالْأَعِزَّاءُ -فِي الْحَقِيقَةِ- وَإِنْ كَانُوا عِنْدَ النَّاسِ أَذِلَّاءَ، قَالَ تَعَالَى: {وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنعام: 52].

وَلَا تَطْرُدْ يَا رَسُولَ اللهِ هَؤُلَاءِ الضُّعَفَاءَ عَنْكَ، الَّذِينَ سَارَعُوا إِلَى الْإِيمَانِ بِكَ، وَلَا تُبْعِدْهُمْ عَنْ مَجْلِسِكَ -أَمَلًا فِي إِسْلَامِ رُؤُسَاءِ الْمُشْرِكِينَ وَسَادَتِهِمُ الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا مِنْهُمْ- لِأَجْلِ ضَعْفِهِمْ وَفَقْرِهِمْ، الَّذِينَ يُوَاظِبُونَ عَلَى عِبَادَةِ رَبِّهِمْ، لَا سِيَّمَا صَلَاتَيِ الصُّبْحُ وَالْعَصْرُ، يَطْلُبُونَ بِعِبَادَتِهِمْ رِضَا اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ- عَنْهُمْ.

مَا عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ مِنْ حِسَابِ النَّاسِ مِنْ شَيْءٍ إِذَا كَفَرُوا، بَلْ كُلُّ وَاحِدٍ يُحَاسَبُ عَنْ نَفْسِهِ، فَلَا تَطْرُدِ الْفُقَرَاءَ وَالضُّعَفَاءَ طَمَعًا بِإِيمَانِ الْكُبَرَاءِ وَالْأَغْنِيَاءِ، لِتَتَخَلَّصَ مِنْ مَسْؤُولِيَّةِ مُحَاسَبَتِكَ عَلَى عَدَمِ إِيمَانِهِمْ؛ إِذْ لَا تَتَحَمَّلُ مِنْ حِسَابِهِمْ شَيْئًا، وَأَنْتَ مَسْؤُولٌ عَنْ تَبْلِيغِ دِينِ اللهِ لِجَمِيعِ طَبَقَاتِ النَّاسِ عَلَى سَوَاءٍ؛ فُقَرَائِهِمْ وَأَغْنِيَائِهِمْ، ضُعَفَائِهِمْ وَسَادَتِهِمْ.

فَإِذَا طَرَدْتَ الْفُقَرَاءَ وَالضُّعَفَاءَ اسْتِجَابَةً لِطَلَبِ الْأَغْنِيَاءِ وَالْكُبَرَاءِ؛ فَإِنَّكَ تُعَرِّضُ نَفْسَكَ لِلْمُحَاسَبَةِ عَلَى إِبْعَادِهِمْ عَنْ مَجَالِسِ الْعِلْمِ الدِّينِيِّ، وَإِنَّ أَغْنِيَاءَ الْمُشْرِكِينَ وَكُبَرَاءَهُمُ الَّذِينَ تُرِيدُ إِرْضَاءَهُمْ لِيُسْلِمُوا لَا يَحْمِلُونَ عَنْكَ مِنْ مَسْؤُولِيَّةِ الْحِسَابِ شَيْئًا، بَلْ سَتُدَانُ وَحْدَكَ بِطَرْدِ الْفُقَرَاءِ وَالضُّعَفَاءِ، وَعَدَمِ تَزْكِيَتِهِمْ وَتَعْلِيمِهِمْ، فَطَرْدُ الْفُقَرَاءِ وَالضُّعَفَاءِ عَنْ مَجَالِسِ الْعِلْمِ وَمَوَاطِنِ الْهِدَايَةِ ظُلْمٌ، فَإِذَا طَرَدْتَهُمْ كُنْتَ مِنَ الظَّالِمِينَ الَّذِينَ يَضَعُونَ الشَّيْءَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ.

وَقَالَ رَبُّنَا -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- حِكَايَةً عَنْ قَوْمِ نُوحٍ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-: {فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَىٰ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ} [هود: 27].

طَلَبَ قَوْمُ نُوحٍ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- مِنْهُ أَنْ يَطْرُدَ مَنْ كَانَ مَعَهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اسْتِكْبَارًا مِنْهُمْ، وَاسْتِنْكَافًا عَلَى الْحَقِّ وَعَلَى الْخَلْقِ، فَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ لَيْسَ بِهِ ضَلَالٌ، وَإِنَّمَا بِهِ تَزُولُ الضَّلَالَةُ عَنِ الْخَلْقِ، وَأَنَّهُ رَسُولٌ أَمِينٌ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَبَرَاهِينَ وَاضِحَةٍ، وَأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ لَا يَحِلُّ طَرْدُهُمْ، بَلْ حَقُّهُمُ الْإِكْرَامُ وَالِاحْتِرَامُ، وَأَنَّهُ لَا يَدَّعِي لَهُمْ طَوْرًا يُزَاحِمُ فِيهِ الرَّبَّ.

وَقَالَ -عَزَّ وَجَلَّ-: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} [الكهف: 28].

وَاحْبِسْ -يَا رَسُولَ اللهِ، وَيَا كُلَّ دَاعٍ إِلَى اللهِ- نَفْسَكَ؛ صَابِرًا عَلَى تَحَمُّلِ مَشَقَّاتِ التَّعْلِيمِ وَالتَّرْبِيَةِ وَالتَّزْكِيَةِ، مُصَاحِبًا وَمُلَازِمًا الَّذِينَ يَعْبُدُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ {بِالْغَدَاةِ}: مَا بَيْنَ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَطُلُوعِ الشَّمْسِ، {وَالْعَشِيِّ}: مَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعَصْرِ وَغُرُوبِ الشَّمْسِ، {يُرِيدُونَ} بِعِبَادَتِهِمْ وَجْهَ اللهِ، لَا يُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا.

وَلَا تَصْرِفْ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ إِلَى غَيْرِهِمْ، تَطْلُبُ مُجَالَسَةَ الْأَغْنِيَاءِ وَالْأَشْرَافِ، وَصُحْبَةَ أَهْلِ الدُّنْيَا.

{وَلَا تُطِعْ} مُثَبِّطًا لَكَ عَنْ عَمَلِكَ، أَوْ مُسْتَدْرِجًا إِيَّاكَ إِلَى مَزَالِقِ الْأَهْوَاءِ وَالشَّهَوَاتِ مَنْ وَجَدْنَا قَلْبَهُ غَافِلًا عَنْ ذِكْرِنَا، وَاتَّبَعَ فِي طَلَبِ الشَّهَوَاتِ هَوَاهُ، وَكَانَ أَمْرُهُ مُتَفَلِّتًا عَلَى غَيْرِ هُدًى؛ فَكَانَتْ حَيَاتُهُ وَطَاقَاتُهُ مُبَدَّدَةً ذَاهِبَةً سَرَفًا وَتَضْيِيعًا.

وَمِنْ صُوَرِ الْكِبْرِ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ: قَصْرُ الدَّعْوَةِ عِنْدَ الْوَلَائِمِ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ دُونَ الْفُقَرَاءِ؛ اسْتِصْغَارًا لِشَأْنِهِمْ، وَالسُّنَّةُ أَنْ نَدْعُوَ إِلَى الْوَلِيمَةِ الصَّالِحِينَ فُقَرَاءَ كَانُوا أَوْ أَغْنِيَاءَ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ: ((لَا تُصَاحِبْ إِلَّا مُؤْمِنًا، وَلَا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلَّا تَقِيٌّ)).

فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَخُصَّ بِالدَّعْوَةِ الْأَغْنِيَاءَ دُونَ الْفُقَرَاءِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: ((شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ، يُدْعَى لَهَا الْأَغْنِيَاءُ وَيُمْنَعُهَا الْمَسَاكِينُ، وَمَنْ لَمْ يُجِبِ الدَّعْوَةَ فَقَدْ عَصَى اللهَ وَرَسُولَهُ ﷺ)).


((مِنْ مَظَاهِرِ الْكِبْرِ:

التَّرَفُّعُ عَنْ إِلْقَاءِ السَّلَامِ))

إِنَّ إِلْقَاءَ السَّلَامِ لَهُ فَضْلٌ عَظِيمٌ؛ فَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-: أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ: أَيُّ الْإِسْلَامِ خَيْرٌ؟

فَقَالَ: ((تُطْعِمُ الطَّعَامَ, وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ؛ لَا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا, وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا, أَوَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ)). أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.

وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلَامٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((أَيُّهَا النَّاسُ! أَفْشُوا السَّلَامَ, وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ, وَصَلُّوا وَالنَّاسُ نِيَامٌ؛ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ)). أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ, وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ.

فَهَذِهِ بَعْضُ النُّصُوصِ فِي فَضْلِ هَذَا الْأَدَبِ الْعَظِيمِ الَّذِي جَعَلَهُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- شِعَارًا لِهَذَا الدِّينِ الْكَرِيمِ.

وَإِنَّ مِنْ مَظَاهِرِ الْكِبْرِ: التَّرَفُّعَ عَنْ إِلْقَاءِ السَّلَامِ عَلَى مَنْ هُوَ أَدْنَى مِنْهُ مَنْزِلَةً احْتِقَارًا لِشَأْنِهِ؛ وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُسَلِّمُ عَلَى الصِّبْيَانِ؛ فَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّهُ مَرَّ عَلَى صِبْيَانٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ, وَقَالَ: ((كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَفْعَلُهُ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.


((مِنْ مَظَاهِرِ الْكِبْرِ:

اللَّدَدُ فِي الْخُصُومَةِ وَالْفُجُورُ فِيهَا))

لَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ ﷺ الْمُسْلِمِينَ عَنِ التَّبَاغُضِ بَيْنَهُمْ فِي غَيْرِ اللهِ -تَعَالَى-، بَلْ عَلَى أَهْوَاءِ النُّفُوسِ، فَهَذَا لَا يَجُوزُ، وَنَهَى عَنِ الْحَسَدِ وَتَمَنِّي الشَّرِّ، وَأَمَرَهُمْ ﷺ أَنْ يَكُونُوا مُتَوَاصِلِينَ مُتَرَاحِمِينَ.

فَأَمَرَنَا النَّبِيُّ ﷺ بِالْهُدَى والرَّشَادِ، وَنَهَانَا عَنْ كُلِّ خُلُقٍ مَذْمُومٍ.

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا، وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ».

لَا يُبْغِضْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، لَا تَشْتَغِلُوا بِأَسْبَابِ الْعَدَاوَةِ؛ إِذِ الْعَدَاوَةُ وَالْمَحَبَّةُ مِمَّا لَا اخْتِيَارَ فِيهِ، فَإِنَّ الْبُغْضَ مِنْ نِفَارِ النَّفْسِ عَمَّا يُرْغَبُ عَنْهُ، وَأَوَّلُهُ الْكَرَاهَةُ وَأَوْسَطُهُ النُّفْرَةُ وَآخِرُهُ الْعَدَاوَةُ، كَمَا أَنَّ الْحُبَّ مِنَ انْجِذَابِ النَّفْسِ إِلَى مَا يُرْغَبُ فِيهِ.

«وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا»: كُونُوا مُتَوَاصِلِينَ مُتَرَاحِمِينَ.

وَفِي قَوْلِهِ ﷺ: «عِبَادَ اللهِ» -بِحَذْفِ حَرْفِ النِّدَاءِ- إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّكُمْ عَبِيدٌ لِلهِ، وَمِلَّتُكُمْ وَاحِدَةٌ، وَالتَّحَاسُدُ وَالتَّقَاطُعُ وَالتَّدَابُرُ مُنَافٍ لِحَالِكُمْ، فَحَقُّكُمْ أَنْ تَتَوَحَّدُوا، وَأَنْ تَتَآخَوْا، وَأْنَ تَتَعَامَلُوا مُعَامَلَةَ الْإِخْوَةِ، وَأَنْ تَتَعَاشَرُوا بِمَوَدَّةٍ وَمَحَبَّةٍ، وَأَنْ تَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالنَّصِيحَةِ.

«وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ»؛ أَيْ: بِأَيَّامِهَا، وَإِنَّمَا جَازَ الْهَجْرُ فِي ثَلَاثٍ وَمَا دُونَهُ؛ لِمَا جُبِلَ عَلَيْهِ الْآدَمِيُّ مِنَ الْغَضَبِ فَسُومِحَ بِذَلِكَ الْقَدْرِ؛ لِيَرْجِعَ مِنْ ذَلِكَ الْغَضَبِ، وَلِيَزُولَ ذَلِكَ الْعَرَضُ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَهْجُرَ فَوْقَ تِلْكَ الْمُدَّةِ.

وَهَذا فِيمَا يَكُونُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ عَتْبٍ وَمَوْجِدَةٍ أَوْ تَقْصِيرٍ يَقَعُ فِي حُقُوقِ الْعِشْرَةِ وَالصُّحْبَةِ دُونَ مَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ فِي جَانِبِ الدِّينِ؛ فَإِنَّ هِجْرَةَ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ وَالْبِدَعِ وَاجِبَةٌ عَلَى مَرِّ الْأَوْقَاتِ مَا لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ التَّوْبَةُ وَالرُّجُوعُ إِلَى الْحَقِّ.

الرَّسُولُ ﷺ لَمْ يُرَخِّصْ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ)). ثُمَّ يُبَيِّنُ النَّبِيُّ ﷺ أَمْرًا نَفْسِيًّا يَعْتَرِي النَّاسَ عِنْدَمَا لَا يَكْسِرُونَ حِدَّةَ الْبَشَرِيَّةِ الْمُوغِلَةِ فِي الطِّينِيَّةِ فِيهِمْ، فَيَتَرَفَّعُ الْأَخُ عَلَى أَخِيهِ، عِنْدَمَا يَلْقَاهُ وَهُوَ لَهُ مُخَاصِمٌ، فَيَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ: ((يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هَذَا وَيُعْرِضُ هَذَا، وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ)).

وَيَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ كَمَا فِي ((الصَّحِيحَيْنِ)), مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-: ((أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ، وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ)).

فَهَذِهِ صِفَاتُ الْمُنَافِقِينَ، وَهُوَ النِّفَاقُ الْعَمَلِيُّ؛ مَنْ أَتَى بِهَذِهِ الْخِصَالِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا؛ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ؛ وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْ هَذِهِ الْخِصَالِ فَفِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا؛ حَتَّى يَتَخَلَّصَ مِنْهَا بِتَوْبَةٍ نَصُوحٍ.

((وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ))؛ لَا يَطْوِي أَمْرًا، وَإِنَّمَا يُذِيعُ الْأَكَاذِيبَ وَيَنْشُرُهَا بِخَصْلَةِ النِّفَاقِ الَّتِي اسْتَحْوَذَتْ عَلَى قَلْبِهِ.

((وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ))؛ وَلَا كَذَلِكَ الْمُؤْمِنُ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَعْتِبُ وَيَنْتَظِرُ الْأَوْبَةَ كَمَا هُوَ فِي شَأْنِ كُلِّ كَرِيمِ النَّفْسِ؛ يَنْتَظِرُ الْأَوْبَةَ، وَيَعْلَمُ أَنَّ الْجَفْوَةَ إِنَّمَا هِيَ إِلَى أَمَدٍ مَعْلُومٍ.

وَأَمَّا الْفُجُورُ فِي الْخُصُومَةِ؛ فَمِنْ شَأْنِ الْمُنَافِقِينَ.

أَعَاذَنَا اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- مِنْهُمْ وَمِنْ خِصَالِهِمْ.

((الْكِبْرُ سَبَبُ كُفْرِ وَتَكْذِيبِ الْمُشْرِكِينَ))

إِنَّ الْكِبْرَ سَبَبٌ فِي كُفْرِ وَتَكْذِيبِ الْمُكَذِّبِينَ فِي الْأُمَمِ السَّابِقَةِ؛ قَالَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- حِكَايَةً عَنْ نُوحٍ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-: {وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا} [نوح: 7].

وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ إِلَى الْإِيمَانِ بِكَ؛ لِيَكُونَ سَبَبًا فِي غُفْرَانِكَ ذُنُوبَهُمْ, وَضَعُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ; كَي لَا يَسْمَعُوا دَعْوَةَ الْحَقِّ, وَتَغَطَّوْا بِثِيَابِهِمْ كَي لَا يَرَوْنِي, وَأَقَامُوا عَلَى كُفْرِهِمْ, وَاسْتَكْبَرُوا عَنْ قَبُولِ الْإِيمَانِ اسْتِكْبَارًا شَدِيدًا.

وَقَالَ تَعَالَى عَنْ قَوْمِ هُودٍ: {فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (15) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ} [فصلت: 15-16].

فَأَمَّا عَادٌ قَوْمُ هُودٍ فَتَعَالَوْا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ، وَقَالُوا عِنْدَمَا هَدَّدَهُمْ بِالْعَذَابِ: مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً؟!! نَحْنُ نَقْدِرُ عَلَى دَفْعِ الْعَذَابِ عَنَّا بِفَضْلِ قُوَّتِنَا، فَرَدَّ اللهُ عَلَيْهِمْ: أَعَمِيَتْ أَبْصَارُهُمْ، وَلَمْ يَرَوْا رُؤْيَةً فِكْرِيَّةً تُشْبِهُ الرُّؤْيَةَ الْبَصَرِيَّةَ أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَبَطْشًا، وَأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى تَعْذِيبِهِمْ وَإِهْلَاكِهِمْ؛ عُقُوبَةً لَهُمْ عَلَى اسْتِكْبَارِهِمْ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ، وَكَانُوا بِآيَاتِنَا الْكَوْنِيَّةِ وَالْإِعْجَازِيَّةِ وَالْبَيَانِيَّةِ الْمُنَزَّلَةِ، وَالْجَزَائِيَّةِ الْعِقَابِيَّةِ كَانُوا يُنْكِرُونَ مَعَ عِلْمِهِمْ بِأَنَّهَا حَقٌّ.

فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا عَاصِفًا، شَدِيدَةَ الْبُرُودَةِ وَالصَّوْتِ فِي أَيَّامٍ نَكِدَاتٍ مَشْؤُومَاتٍ؛ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الذُّلِّ وَالْهَوَانِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَلَعَذَابُ الْآخِرِةِ الَّذِي سَوْفَ يُلَاقُونَهُ أَشَدَّ إِهْانَةً وَإِيلَامًا لِأَجْسَادِهِمْ وَلِنُفُوسِهِمْ، وَهُمْ لَا يُمْنَعُونَ مِنَ الْعَذَابِ؛ إِذْ لَا حُكْمَ إِلَّا للهِ، وَلَا رَادَّ لِقَضَائِهِ عَنِ التَّنْفِيذِ.

وَقَالَ -عَزَّ وَجَلَّ- عَنْ قَوْمِ صَالِحٍ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-: {قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آَمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (75) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آَمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ} [الأعراف: 75-76].

قَالَ كُبَرَاءُ الْقَوْمِ مِنْ ثَمُودَ وَذَوُو الْوَجَاهَةِ فِيهِمُ الَّذِينَ تَعَظَّمُوا عَنِ الْإِيمَانِ بِصَالِحٍ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-، قَالُوا لِلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ قَوْمِهِمُ الَّذِينَ آمَنُوا بِصَالِحٍ: أَتَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ أَرْسَلَ صَالِحًا إِلَيْنَا وَإِلَيْكُمْ، وَهَلْ لَدَيْكُمْ أَدِلَّةٌ قَوِيَّةٌ تُثْبِتُ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ حَقًّا؟!!

قَالَ الضُّعَفَاءُ الَّذِينَ آمَنُوا: لَا تُجَادِلُونَا فِي شَخْصِ النَّبِيِّ الرَّسُولِ صَالِحٍ، وَلَكِنْ نَحْنُ مُسْتَعِدُّونَ لِمُجَادَلَتِكُمْ حَوْلَ مَا أُرْسِلَ بِهِ، فَمَا جَاءَ بِهِ كَافٍ لِإِثْبَاتِ أَنَّهُ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ، إِنَّا بِمَا أَرْسَلَ اللهُ بِهِ صَالِحًا مِنَ الدِّينِ وَالْهُدَى وَالْحَقِّ مُصَدِّقُونَ.

قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا عَنْ أَمْرِ اللهِ وَالْإِيمَانِ بِهِ وَبِرَسُولِهِ بِإِصْرَارٍ وَعِنَادٍ: إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ مِنْ نُبُوَّةِ صَالِحٍ وَمَا يَدْعُو إِلَيْهِ جَاحِدُونَ مُنْكِرُونَ.

وَقَالَ تَعَالَى عَنْ قَوْمِ شُعَيْبٍ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-: {قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا} [الأعراف: 88].

قَالَ الْجَمَاعَةُ مِنْ أَشْرَافِ قَوْمِ شُعَيْبٍ الَّذِينَ تَكَبَّرُوا عَنِ الْإِيمَانِ بِاللهِ وِبِرَسُولِهِ، وَتَعَظَّمُوا عَنِ اتِّبَاعِ شُعَيْبٍ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-: لَا بُدَّ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ؛ إِمَّا إِخْرَاجُكَ وَمَنْ تَبِعَكَ عَلَى دِينِكَ مِنْ بَلَدِنَا، أَوْ لَتَرْجُعُنَّ عَنْ دِينِكُمُ الْجَدِيدِ، وَلَتَدْخُلُنَّ فِي دِينِنَا وَمِلَّتِنَا وَمَا نَحْنُ عَلَيْهِ.

وَقَدْ حَمَلَ الْكِبْرُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى تَكْذِيبِ أَنْبِيَائِهِمْ وَقَتْلِهِمْ بَعْضِهِمْ، قَالَ تَعَالَى: {أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ} [البقرة: 87].

أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ -يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ- رَسُولٌ لَا يُوَافِقُ مَا تَمِيلُ إِلَيْهِ نُفُوسُكُمْ مِنْ مَطَالِبَ وَحَاجَاتٍ أَوْ مُتَعٍ وَلَذَّاتٍ وَشَهَوَاتٍ؛ تَعَاظَمْتُمْ عَنِ الْإِيمَانِ بِهِ، وَاسْتَكْبَرْتُمْ عَنْ إِجَابَةِ دَعْوَتِهِ، فَبَادَرْتُمْ فَرِيقًا مِنَ الرُّسُلِ بِالتَّكْذِيبِ فَقَطْ، حَيْثُ لَا تَقْدِرُونَ عَلَى قَتْلِهِمْ، وَأَقْبَلْتُمْ عَلَى فَرِيقٍ مِنْهُمْ بِالْقَتْلِ حَيْثُ تَقْدِرُونَ عَلَى قَتْلِهِمْ؟!!

وَلَقَدْ كَانَ الْكِبْرُ وَالِاسْتِعْلَاءُ سَبَبًا فِي عَدَمِ دُخُولِ كَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فِي الْإِسْلَامِ، قَالَ تَعَالَى: {إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (35) وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آَلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ} [الصافات: 35-36].

إِنَّ أُولَئِكَ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا إِذَا قِيلَ لَهُمْ: تَعَالَوْا إِلَى عِبَادَةِ اللهِ وَحْدَهُ، لَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا.. كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ ذَلِكَ؛ يَسْتَكْبِرُونَ فَلَا يَسْتَجِيبُونَ لِدَعْوَةِ الْحَقِّ الرَّبَّانِيَّةِ، وَيَقُولُونَ: أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتَنَا لِقَوْلِ رَجُلٍ شَاعِرٍ مَجْنُونٍ يَدَّعِي أَنَّهُ رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ؟!!

لَقَدْ كَانَ أَعْظَمُ مَقَامَاتِ دَعْوَةِ نَبِيِّنَا ﷺ: دَعْوَتَهُ إِلَى التَّوْحِيدِ الْخَالِصِ، وَالنَّهْيَ عَنْ ضِدِّهِ؛ دَعَا النَّاسَ لِهَذَا، وَقَرَّرَهُ اللهُ فِي كِتَابِهِ، وَصَرَّفَهُ بِطُرُقٍ كَثِيرَةٍ وَاضِحَةٍ تُبَيِّنُ وُجُوبَ التَّوْحِيدِ وَحُسْنَهُ، وَتُعَيِّنُهُ طَرِيقًا إِلَى اللهِ وَإِلَى دَارِ كَرَامَتِهِ، وَقَرَّرَ إِبْطَالَ الشِّرْكِ وَالْمَذَاهِبِ الضَّارَّةِ بِطُرُقٍ كَثِيرَةٍ احْتَوَى عَلَيْهَا الْقُرْآنُ، وَهِيَ أَغْلَبُ السُّوَرِ الْمَكِّيَّةِ.

فَاسْتَجَابَ لَهُ فِي هَذَا الْوَاحِدُ بَعْدَ الْوَاحِدِ عَلَى شِدَّةٍ عَظِيمَةٍ مِنْ قَوْمِهِ، وَقَاوَمَهُ قَوْمُهُ وَغَيْرُهُمْ، وَبَغَوْا لَهُ الْغَوَائِلَ، وَحَرِصُوا عَلَى إِطْفَاءِ دَعْوَتِهِ بِجَهْدِهِمْ وَقَوْلِهِمْ وَفِعْلِهِمْ، وَهُوَ يُجَادِلُهُمْ وَيَتَحَدَّاهُمْ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ، وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ الصَّادِقُ الْأَمِينُ، وَلَكِنَّهُمْ يُكَابِرُونَ وَيَجْحَدُونَ آيَاتِ اللهِ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ} [الأنعام: 33].

وَكَذَلِكَ مَنَعَ الْكِبْرُ الْيَهُودَ أَنْ يُؤْمِنُوا بِالنَّبِيِّ ﷺ رَغْمَ تَيَقُّنِهِمْ مِنْ صِدْقِهِ فِي نُبُوَّتِهِ؛ قَالَ تَعَالَى: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [البقرة: 146].

الَّذِينَ أَعْطَيْنَاهُمُ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ مِنْ عُلَمَاءِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى يَعْرِفُونَ مُحَمَّدًا ﷺ مَعْرِفَةً جَلِيَّةً بِالْوَصْفِ الْمُعَيِّنِ الَّذِي يَجِدُونَهُ عِنْدَهُمْ، لَا يَشْتَبِهُ عَلَيْهِمْ، كَمَا لَا تَشْتَبِهُ عَلَيْهِمْ أَبْنَاؤُهُمْ مِنْ أَبْنَاءِ غَيْرِهِمْ.

وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْ عُلَمَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ لَيُخْفُونَ صِفَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ؛ حَسَدًا وَعِنَادًا، وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّ صِفَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ مَكْتُوبَةً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، وَالتَّيِ مِنْ جُمْلَتِهَا أَنَّهُ ﷺ يُصَلِّي إِلَى الْقِبْلَتَيْنِ، وَيَعْلَمُونَ أَنَّ كِتْمَانَهُمْ إِثْمٌ، وَيَعْلَمُونَ نَتَائِجَ ذَلِكَ الْإِثْمِ، وَلَكِنَّهُمْ فِي غَيٍّ دَائِمٍ وَضَلَالٍ مُسْتَمِرٍّ.


((عَاقِبَةُ الْكِبْرِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ))

إِنَّ عَاقِبَةَ الْمُسْتَكْبِرِينَ وَخِيمَةٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ؛ أَفْرَادًا كَانُوا أَوْ أُمَمًا، فَهَلَاكُ الْأُمَمِ وَالْقُرَى الَّتِي عَتَتْ وَاسْتَكْبَرَتْ سُنَّةٌ مَاضِيَةٌ فِي خَلْقِ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ-، قَالَ اللهُ -تَعَالَى- حِكَايَةً عَنْ فِرْعَوْنَ: {وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ (38) وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ (39) فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ} [القصص: 38-40].

وَقَالَ فِرْعَوْنُ لِوُزَرَائِهِ وَمُسْتَشَارِيهِ: يَا أَيُّهَا السَّادَةُ الْكُبَرَاءُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي يَسْتَحِقُّ الْعِبَادَةَ، فَاتَّخِذْ يَا وَزِيرِي هَامَانُ وَسَائِلَكَ؛ يُوقِدُ الْعُمَّالُ النَّارَ عَلَى اللَّبِنِ مِنَ الطِّينِ، حَتَّى يَشْتَدَّ وَيَصِيرَ آجُرًّا، وَأْمُرِ الْبَنَّائِينَ بَعْدَ تَهْيِئَةِ الْآجُرِّ اللَّازِمِ أَنْ يَبْنُوا لِي قَصْرًا عَالِيًا أَصْعَدُ فِيهِ؛ لِأَنْظُرَ فِي أَجْوَاءِ السَّمَاءِ الْعُلْيَا إِلَى إِلَهِ مُوسَى، وَأَقِفَ عَلَى حَالِهِ، وَإِنِّي لَأَظُنُّ مُوسَى مِنَ الْكَاذِبِينَ فِي زَعْمِهِ أَنَّ لِلْخَلْقِ إِلَهًا غَيْرِي، وَأَنَّ اللهَ أَرْسَلَهُ.

وَتَعَاظَمَ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ فِي أَرْضِ مِصْرَ تَعَاظُمًا شَدِيدًا، وَامْتَنَعَ عَنِ الْإِيمَانِ وَقَبُولِ الْحَقِّ، وَلَمْ يَقْبَلُوا أَنْ يُؤْمِنُوا بِالْبَعْثِ، وَظَنُّوا ظَنًّا تَوَهُّمِيًّا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا بَعْدَ مَمَاتِهِمْ لَا يُرْجَعُونَ لِلْحِسَابِ وَفَصْلِ الْقَضَاءِ وَتَحْقِيقِ الْجَزَاءِ.

فَجَعَلْنَا فِي نَفْسِ فِرْعَوْنَ غَيْظًا يَدْفَعُهُ لِاتِّبَاعِ مُوسَى وَقَوْمِهِ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِجَيْشٍ قَوِيٍّ لِمُقَاتَلَتِهِمْ، وَاسْتَدْرَجْنَاهُمْ حَتَّى دَخَلُوا مُلَاحِقِينَ الْإِسْرَائِيلِيِّنَ مِنْ مَكَانِ الْفَلْقِ فِي الْبَحْرِ الَّذِي فَلَقَهُ اللهُ لَهُمْ، فَلَمَّا اكْتَمَلَ دُخُولُهُمْ جَمِيعًا فِي الطَّرِيقِ الَّذِي عَبَرَ مِنْهُ مُوسَى وَهَارُونُ وَقَوْمُهُمَا؛ ضَمَمْنَا عَلَى فِرْعَوْنَ وَجُنُودِهِ فِلْقَتَيِ الْبَحْرِ، وَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ، فَطَرَحْنَاهُمْ وَأَبْعَدْنَاهُمْ مِنَ الْحَيَاةِ كَمَا يُطْرَحُ الشَّيْءُ الْمُحْتَقَرُ الْمَكْرُوهُ.

فَانْظُرْ نَظَرًا تَفَكُّرِيًّا أَيُّهَا الصَّالِحُ لِلنَّظَرِ التَّفَكُّرِيِّ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ فِرْعَوْنَ وَجُنُودِهِ الظَّالِمِينَ ظُلْمًا مِنْ دَرَكَةِ الْكُفْرِ حَتَّى صَارُوا إِلَى الْهَلَاكِ.

وَاللهُ -جَلَّ وَعَلَا- أَخَذَ كُلًّا مِنْ هَؤُلَاءِ الْأُمَمِ الْمُكَذِّبَةِ عَلَى قَدْرِ ذَنْبِهِ، وَبِعُقُوبَةٍ مُنَاسِبَةٍ لَهُ، قَالَ اللهُ -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ-: {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآَخِرَ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (36) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (37) وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمَ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (38) وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ (39) فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [العنكبوت: 36 - 40].

وَأَرْسَلْنَا إِلَى أَهْلِ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ نَسَبًا وَلُغَةً وَمَوْطِنًا شُعَيْبًا -عَلَيْهِ السَّلَامُ-، فَقَالَ عَقِبَ إِرْسَالِهِ إِلَى أَهْلِ مَدْيَنَ مُبَاشَرَةً: يَا قَوْمُ! اعْبُدُوا اللهَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ؛ بِطَاعَتِهِ فِي فِعْلِ مَا أَمَرَ بِفِعْلِهِ، وَتَرْكِ مَا نَهَى عَنْهُ، وَبِدُعَائِهِ، وَالتَّقَرُّبِ إِلَيْهِ بِمَحَابِّهِ، وَتَوَقَّعُوا لِقَاءَ رَبِّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِلْحِسَابِ وَفَصْلِ الْقَضَاءِ وَتَنْفِيذِ الْجَزَاءِ، فَأَمِّلُوا ثَوَابَهُ، وَاخْشَوْا عِقَابَهُ، وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ أَشَدَّ الْفَسَادِ بِالْعُدْوَانِ عَلَى عِبَادِ اللهِ، وَتَطْفِيفِ الْمِكْيَالِ وَالْمِيزَانِ، وَبَخْسِ النَّاسِ أَشْيَاءَهُمْ، وَإِفْسَادِ أَخْلَاقِ النَّاسِ وَسُلُوكِهِمْ، وَإِفْسَادِ أَفْكَارِهِمْ وَمَفْهُومَاتِهِمْ، وَإِفْسَادِ الْعُمْرَانِ الْحَضَارِيِّ فِي الْمُدُنِ وَالْقُرَى، وَإِفْسَادِ النَّبَاتِ وَالْجَوِّ.

فَكَذَّبَ أَهْلُ مَدْيَنْ شُعَيْبًا فِي بَلَاغَاتِهِ وَإِنْذَارِاتِهِ بِعَذَابِ اللهِ لَهُمْ إِذَا لَمْ يُؤْمِنُوا وَلَمْ يُطِيعُوا اللهَ فِي أَوَامِرِهِ وَنَوَاهِيهِ، وَلَمْ يُقْلِعُوا عَنْ إِفْسَادِهِمُ الشَّدِيدِ فِي الْأَرْضِ، وَقَبَضَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ جَوَانِبِ أَفْرَادِهِمْ وَجَمَاعَاتِهِمْ الزَّلْزَلَةُ الشَّدِيدَةُ الَّتِي رَجَفَتْ مِنْهَا قُلُوبُهُمْ بِسَبَبِ صَيْحَةِ جِبْرِيلَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-، فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ لَاصِقِينَ بِالْأَرْضِ عَلَى رُكَبِهِمْ وَوُجُوهِهِمْ، مُلَازِمِينَ أَمْكِنَتَهُمْ مِنْ شِدَّةِ الْهَوْلِ مَيِّتِينَ.

وَضَعُوا فِي ذَاكِرَتِكُمْ -أَيُّهَا الْمُكَذِّبُونَ رَسُولَ رَبِّكُمْ مُحَمَّدًا- كَيْفَ أَهْلَكْنَا عَادًا قَوْمَ هُودٍ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-، وَثَمُودَ قَوْمَ صَالِحٍ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-، وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ بِوُضُوحٍ يَا أَهْلَ مَكَّةَ مِنْ مَنَازِلِهِمْ بِالْحِجْرِ وَالْيَمَنِ أَنَّ اللهَ دَمَّرَهَا عَلَيْهِمْ، وَأَهْلَكَهُمْ إِهْلَاكًا مُقْتَرِنًا بِتَعْذِيبٍ؛ لِأَنَّهُمْ أَصَرُّوا عَلَى كُفْرِهِمْ، مُتَأَثِّرِينَ بِمَا زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ؛ إِذْ حَسَّنَ لَهُمْ أَعْمَالَهُمُ الْإِجْرَامِيَّةَ وَالشِّرْكِيَّةَ الْمُتَنَوِّعَةَ، فَصَدَّهُمْ عَنْ سَبِيلِ الْحَقِّ وَصِرَاطِ اللهِ الْمُسْتَقِيمِ بِالْأَهْوَاءِ وَالشَّهَوَاتِ.

وَكَانُوا عَالِمِينَ بِالْحَقِّ الَّذِي جَاءَتُهُمْ بِهِ رُسُلُ رَبِّهِمْ، مُدْرِكِينَ لَهُ بِبَصَرٍ فِكْرِيٍّ قَوِيٍّ، لَكِنَّهُمْ كَانُوا رَافِضِينَ اتِّبَاعَ الْحَقِّ جُحُودًا، فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ.

وَضَعُوا فِي ذَاكِرِتِكُمْ -أَيُّهَا الْمُشْرِكُونَ الْمُكَذِّبُونَ رَسُولَ رَبِّكُمْ مُحَمَّدًا- هَؤُلَاءِ الْبُغَاةَ الْجَبَابِرَةَ الثَّلَاثَةَ؛ الْأَوَّلُ: قَارُونُ الَّذِي كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى، فَجَعَلَ نَفْسَهُ خَادِمًا لِلْقَصْرِ الْفِرْعَوْنِيِّ مُقَابِلَ تَمْكِينِهِ مِنْ تَحْصِيلِ ثَرْوَةٍ عَظِيمَةٍ، فَبَغَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْتِزَازًا بِمَا آتَاهُ اللهُ مِنْ أَمْوَالٍ وَمَكَانَةٍ عِنْدَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأِه، وَالثَّانِي: فِرْعَوْنُ الَّذِي كَانَ طَاغِيَةً جَبَّارًا عَنِيدًا مُسْتَعْبِدًا بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَالثَّالِثُ: هَامَانُ الَّذِي كَانَ الْوَزِيرَ الْأَوَّلَ فِي الْقَصْرِ الْفِرْعَوْنِيِّ، وَالْمُنَفِّذَ لِرَغَبَاتِ فِرْعَوْنَ مَهْمَا كَانَ فِيهَا مِنْ ظُلْمٍ وَعُدْوَانٍ وَإِفْسَادٍ فِي الْأَرْضِ.

وَنُقْسِمُ مُؤَكِّدِينَ أَنَّ مُوسَى -عَلَيْهِ السَّلَامُ- جَاءَهُمْ بِالدَّلَالَاتِ الْفِكْرِيَّةِ وَالْإِعْجِازِيَّةِ الْوَاضِحَاتِ، فَبَالَغُوا فِي كِبْرِهِمْ عَنِ اتِّبَاعِ الْحَقِّ، وَالِاسْتِجَابَةِ لِدَعْوَةِ مُوسَى الْبُرْهَانِيَّةِ، وَتَمَادَوْا فِي اضْطِهَادِهَا مُعْتَزِّينَ بِمَا لَدَيْهِمْ مِنْ قُوًى قِتَالِيَّةٍ مُتَفَوِّقَةٍ وَجُنُودٍ مُدَجَّجِينَ بِالْأَسْلِحَةِ فِي عُمُومِ أَرْضِ مِصْرَ الَّتِي لَهُمْ سُلْطَانٌ عَلَيْهَا، وَمَا كَانَتْ قُوَاهُمْ مُتَفَوِّقَةً فِي الْوَاقِعِ حِينَ قَضَى اللهُ عَلَيْهِمْ بِأَنْ يُهْلِكَهُمْ.

فَكُلُّ فَرِيقٍ مِنَ الْمُهْلَكِينَ السَّابِقِينَ قَبَضْنَا عَلَيْهِمْ قَبْضَ إِهْلَاكٍ بِسَبَبِ ذَنْبِهِ الشَّنِيعِ الَّذِي اقْتَرَفَهُ، فَمِنْهُمُ الَّذِينَ رُمُوا بِالْحَصَى الصِّغَارِ وَهُمْ قَوْمُ لُوطٍ فِي أَرْضِ سَدُومَ، وَمِنْهُمْ مَنْ عَذَّبْنَا وَأَهْلَكْنَاهُ بِالصَّرْخَةِ الشَّدِيدَةِ وَهُمْ ثَمُودُ قَوْمُ صَالِحٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ عَذَّبْنَاهُ وَأَهْلَكْنَاهُ بِالْخَسْفِ فَغَاصَ فِي الْأَرْضِ هُوَ وَدَارُهُ وَمَالُهُ كَقَارُونَ وَأَصْحَابِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ عَذَّبْنَاهُ وَأَهْلَكْنَاهُ بِالْإِغْرَاقِ وَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَفِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ.

وَمَا كَانَ اللهُ مِنَ الْأَزَلِ إِلَى الْأَبَدِ لِيَظْلِمَهُمْ بِالْهَلَاكِ، وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ بِالْإِشْرَاكِ وَارْتِكَابِ الْجَرَائِمِ الْعُظْمَى.

* لَقَدْ أَعَدَّ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- عُقُوبَاتٍ دُنْيَوِيَّةً وَعِنْدَ الْمَوْتِ وَفِي الْبَرْزَخِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لِلْمُسْتَكْبِرِينَ عَلَى أَمْرِ اللهِ وَتَوْحِيدِهِ وَعِبَادَتِهِ؛ فَقَدْ أَخْبَرَ -تَعَالَى- عَنْ عِقَابِ مَنْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ؛ فَلَمْ يُؤْمِنْ بِهَا -مَعَ أَنَّهَا آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ- وَاسْتَكْبَرَ عَنْهَا, فَلَمْ يَنْقَدْ لِأَحْكَامِهَا, بَلْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى أَنَّهُمْ آيِسُونَ مِنْ كُلِّ خَيْرٍ, فَلَا تُفْتَحُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ لِأَرْوَاحِهِمْ إِذَا مَاتُوا وَصَعِدَتْ تُرِيدُ الْعُرُوجَ إِلَى اللهِ, فَتَسْتَأْذِنُ فَلَا يُؤْذَنُ لَهَا.

كَمَا لَمْ تَصْعَدْ فِي الدُّنْيَا إِلَى الْإِيمَانِ بِاللهِ وَمَعْرِفَتِهِ وَمَحَبَّتِهِ؛ كَذَلِكَ لَا تَصْعَدُ بَعْدَ الْمَوْتِ؛ فَإِنَّ الْجَزَاءَ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ، قَالَ رَبُّنَا -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: {إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ} [الأعراف: 40].

إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا رُسُلَنَا الَّذِينَ بَلَّغُوهُمْ آيَاتِنَا، وَتَكَبَّرُوا مُمْتَنِعِينَ عَنِ الْإِيمَانِ بِهَا وَالِانْقِيَادِ لَهَا؛ لَهُمْ جَزَاءَانِ:

الْجَزَاءُ الْأَوَّلُ: لَا تُفَتَّحُ لِأَرْوَاحِهِمْ إِذَا خَرَجَتْ مِنْ أَجْسَادِهِمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَلَا يَصْعَدُ لَهُمْ إِلَى اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ- فِي وَقْتِ حَاجَتِهِمْ قَوْلٌ وَلَا عَمَلٌ.

وَالْجَزَاءُ الثَّانِي: لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَدْخُلَ الْجَمَلُ فِي ثَقْبِ الْإِبْرَةِ، فَكَمَا أَنَّ وُلُوجَ الْجَمَلِ مَعَ عِظَمِ جِسْمِهِ فِي ثَقْبِ الْإِبْرَةِ الضَّيِّقَ مُحَالٌ فَكَذَلِكَ دُخُولُ الْكُفَّارِ الْجَنَّةَ مُحَالٌ.

وَكَذَلِكَ الْجَزَاءُ الَّذِي نَجْزِيهِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا؛ نَجْزِي سَائِرَ الْكَافِرِينَ كُفْرًا إِرَادِيًّا مَعَ عِلْمِهِمْ بِالْحَقِّ الَّذِي جَاءَ بِهِ الْمُرْسَلُونَ.

فَكُلُّ الْمُجْرِمِينَ لَا تُفَتَّحُ لِأَرْوَاحِهِمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ بَعْدَ قَبْضِهَا، وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يَوْمَ الدِّينِ أَمْرًا مِنْ عِنْدِ اللهِ مُبْرَمًا مَقْطُوعًا، وَقَدْ عَلَّقَهُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- بِانْتِهَاءِ الْغَايَةِ إِلَى دُخُولِ الْجَمَلِ فِي ثَقْبِ الْإِبْرَةِ، فَكَمَا أَنَّ ذَلِكَ مُسْتَحِيلٌ فَكَذَلِكَ دُخُولُ هَؤُلَاءِ الْجَنَّةَ.

وَقَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا * يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا * وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا} [الفرقان: 21-23].

وَقَالَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ وَلَا يُؤَمِّلُونَ لِقَاءَنَا، فَلَا يَرْغَبُونَ فِي ثَوَابِنَا، وَلَا يَخَافُونَ مِنْ عِقَابِنَا؛ قَالُوا: هَلَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ لِتُبَلِّغَنَا مُبَاشَرَةً وَحْيَ اللهِ، أَوْ نَرَى رَبَّنَا رُؤْيَةً بَصَرِيَّةً فَيُكَلِّمَنَا مُبَاشِرَةً دُونَ وَسَاطَةِ رَسُولٍ مِنَ الْبَشَرِ أَوِ الْمَلَائِكِةِ.

لَقَدْ عَظُمَ الْكِبْرُ وَاشْتَدَّ وَقَوِيَ فِي أَنْفُسِهِمْ، وَجَاوَزُوا الْحَدَّ فِي الطُّغْيَانِ وَالْكُفْرِ تَجَاوُزًا بَالِغًا، وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا.

وَيَوْمَ يَرَى الْكُفَّارُ الْمَلَائِكَةَ عِنْدَ الْمَوْتِ وَفِي الْبَرْزَخِ، وَحِينَمَا يُبْعَثُونَ وَيُسَاقُونَ إِلَى مَوْقِفِ الْحِسَابِ، وَحِينَمَا يُكَبُّونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ وَيَسْتَقِرُّونَ فِيهَا، لَا بُشْرَى فِي كُلِّ هَذِهِ الْمَرَاحِلِ الَّتِي يَرَوْنَ فِيهَا الْمَلَائِكَةَ، بَلْ لَهُمْ أَحْزَانٌ وَمَخَاوِفُ وَآلَامٌ، وَيَقُولُونَ مُسْتَعِيذِينَ عِنْدَمَا يُشَاهِدُونَ مَا يُثِيرُ الْهَلَعَ فِي قُلُوبِهِمْ: مَنْعًا مَمْنُوعًا.

وَعَمَدْنَا إِلَى مَا عَمِلَ الْكُفَّارُ مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ وَالْخَيْرِ الَّتِي عَمِلُوهَا فِي حَالِ الْكُفْرِ؛ كَصِلَةِ الرَّحِمِ، وَإِغَاثَةِ الْمَلْهُوفِ، وَقِرَى الضَّيْفِ، فَجَعَلْنَاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَاطِلًا لَا ثَوَابَ لَهُ، مِثْلَ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ الْكُوَّةِ مَعَ ضَوْءِ الشَّمْسِ شَبِيهًا بِالْغُبَارِ وَهُوَ الْهَبَاءُ، مُتَفَرِّقًا ذَاهِبًا كُلَّ مَذْهَبٍ لَا يَتَأَتَّى جَمْعُهُ.

وَأَخْبَرَ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- أَنَّ الْمُسْتَكْبِرِينَ عَنِ الْإِيمَانِ بِآيَاتِهِ لَهُمْ مَثْوَى الْحَسْرَةِ وَالنَّدَمِ, وَمَنْزِلُ الشَّقَاءِ وَالْأَلَمِ, وَمَحَلُّ الْهُمُومِ وَالْغُمُومِ, وَأَنَّهُمْ فِي الْعَذَابِ الدَّائِمِ الْمُلَازِمِ، قَالَ رَبُّنَا -جَلَّ وَعَلَا-: {فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ} [النحل: 29].

وَيُقَالُ لِلْمُسْتَكْبِرِينَ عَنْ عِبَادَةِ رَبِّهِمْ: ادْخُلُوا عَلَى حَسَبِ دَرَكَاتِكُمْ أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا لَا تَخْرُجُونَ مِنْهَا، فَلَبِئْسَ مَقَرُّ الْمُتَعَاظِمِينَ عَنِ الْإِيمَانِ بِاللهِ وَعَنْ عِبَادَتِهِ وَحْدَهُ وَطَاعَتِهِ -جَلَّ وَعَلَا-.

وَقَالَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: {وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [الأعراف: 36].

وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا الْكَوْنِيَّةِ وَالْبَيَانِيَّةِ وَالْإِعْجَازِيَّةِ، وَاسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ، وَامْتَنَعُوا عَنِ الْإِيمَانِ بِهَا؛ أُولَئِكَ الْبُعَدَاءُ عَنْ رَحْمَةِ الله -تَعَالَى-، أَصْحَابُ النَّارِ الْمُلَازِمُونَ لَهَا، الْمُخَالِطُونَ لِأَلْوَانِ عَذَابِهَا، هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ لَا يَخْرُجُونَ مِنْهَا أَبَدًا.

وَقَالَ تَعَالَى: {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [القصص: 83].

تِلْكَ الْجِنَّةُ الْبَعِيدَةُ الْمَكَانِ وَالْمَكَانَةِ، الْمُرْتَفِعَةُ الْمَنْزِلَةِ؛ نَجْعَلُ نَعِيمَهَا مُسْتَقْبَلًا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ اسْتِكْبَارًا عَنِ الْإِيمَانِ وَلَا اسْتِطَالَةً عَلَى النَّاسِ، بِتَحْقِيقِ حُظُوظِ أَنْفُسِهِمْ مِنَ الدُّنْيَا، وَلَا الَّذِينَ يَدْعُونَ إِلَى عِبَادَةِ غَيْرِ اللهِ، وَيَنْشُرُونَ الْفَاحِشَةَ، وَيَطْرُحُونَ الشُّبُهَاتِ، وَيُفْسِدُونَ الْأَخْلَاقَ وَالْقِيَمَ وَالْآدَابَ، وَالْعَاقِبَةُ الْحَسَنَةُ الْمَحْمُودَةُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ لِمَنِ اتَّقَى عِقَابَ اللهِ بِأَدَاءِ أَوَامِرِهِ وَاجْتِنَابِ نَوَاهِيهِ.

وَمِنْ عَوَاقِبِ الْكِبْرِ الْوَخِيمَةِ: أَنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ، قَالَ تَعَالَى: {إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ} [النحل: 23].

إِنَّ اللهَ -عَزَّ وَجَلَّ- لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ عَنِ اتِّبَاعِ الْحَقِّ، وَمَنْ جَعَلَ نَفْسَهُ بِإِرَادَتِهِ فِي زُمْرَةِ الَّذِينَ لَا يُحِبُّهُمُ اللهُ -سُبْحَانَهُ- فَقَدْ جَعَلَهَا عُرْضَةً لِنِقَمِهِ وَنِقْمَتِهِ وَعَذَابِهِ الشَّدِيدِ.

وَقَالَ -عَزَّ وَجَلَّ-: {وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ } [الحديد: 23].

وَاللهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ ((مُتَكَبِّرٍ)) بِمَا أُوتِيَ مِنَ الدُّنْيَا، ((فَخُورٍ)) بِذَلِكَ الَّذِي أُوتِيَ مِنَ الدُّنْيَا عَلَى النَّاسِ.

عِبَادَ اللهِ! هَؤُلَاءِ الْمُتَكَبِّرُونَ فِي الْآخِرَةِ يُحْشَرُونَ أَمْثَالَ الذَّرِّ، يَطَؤُهُمُ النَّاسُ بِأَقْدَامِهِمْ، وَلَهُمْ فِي النَّارِ نَارٌ مَحْدُودَةٌ يُقَالُ لَهَا: بُولَسُ، وَهِيَ نَارُ الْأَنْيَارِ.

وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَفْتَخِرُونَ بِآبَائِهِمْ وَأَحْسَابِهِمْ وَأَجْدَادِهِمُ الَّذِينَ مَاتُوا، الْوَاحِدُ مِنْهُمْ فِي دَعْوَاهُ كَالْجُعَلِ: وَهُوَ الْجِعْرَانُ.. وَهُوَ الْخُنْفُسَةُ -كَمَا تَعْلَمُونَ- كَالْجُعَلِ يُدَهْدِهُ الْخُرْءَ بِفِيهِ، مَنْ يَكُونُونَ؟!!

((دَوَاءُ الْكِبْرِ وَكَيْفِيَّةُ الْقِيَامِ بِذَلِكَ عَمَلِيًّا))

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ! النَّبِيُّ ﷺ يَلْفِتُنَا فِي أَوَّلِ مَا يَلْفِتُنَا إِلَيْهِ إِلَى قُلُوبِنَا؛ مِنْ أَجْلِ أَنْ نُطَهِّرَهَا مِنْ آفَاتِهَا، وَأَنْ نَجْتَهِدَ فِي السَّعْيِ فِي كَشْفِ الْأَسْبَابِ الَّتِي يَشْفِيهَا اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ بِهَا مِنْ أَمْرَاضِهَا.

لِذَلِكَ كَانَ وَاجِبًا عَلَى الْعَبْدِ أَنْ يَلْتَفِتَ إِلَى قَلْبِهِ، وَأَنْ يَبْحَثَ فِي بَوَاعِثِهِ، وَأَنْ يُفَتِّشَ فِي نِيَّتِهِ، وَإِذَا مَا وَقَعَتْ يَدُهُ عَلَى مَرَضٍ يَعْتَادُ قَلْبَهُ فَعَلَيْهِ أَنْ يَطْلُبَ الْعِلَاجَ؛ لِأَنَّ النَّاسَ اهْتَمُّوا بِأَمْرَاضِ الْجَسَدِ وَلَمْ يَهْتَمُّوا بِدَاءِ الْقُلُوبِ، مَعَ أَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا مَرِضَ جَسَدُهُ فَمَاتَ فَلَعَلَّهُ أَنْ يَسْتَرِيحَ مِنْ هَمِّ الْحَيَاةِ وَمِنْ عَنَائِهَا بِدُخُولِ جَنَّةِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، وَالتَّحَصُّلِ عَلَى النَّعِيمِ الْمُقِيمِ.

أَمَّا الْقَلْبُ فَإِذَا مَا مَرِضَ، وَأَلَّمَتْ بِهِ الْآفَاتُ، وَنَزَلَتْ بِسَاحَتِهِ الْأَدْوَاءُ وَالْعِلَلُ، فَفَسَدَ عَلَى صَاحِبِهِ؛ فَإِنَّهُ عِنْدَئِذٍ يَخْسَرُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ.

وَإِنَّ مِنَ الْأَخْلَاقِ الَّتِي حَذَّرَ مِنْهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بَعْدَ تَحْذِيرِ رَبِّنَا -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- مِنْهَا هَذَا الْخُلُقَ الذَّمِيمَ الَّذِي هُوَ خُلُقُ الْكِبْرِ؛ الَّذِي هُوَ دَفْعُ الْحَقِّ فِي وَجْهِ الْقَائِلِ، وَأَيْضًا هُوَ: احْتِقَارُ الْخَلْقِ وَغَمْطُهِمْ، وَالنَّظَرُ إِلَيْهِمْ بِنَظَرِ الِاحْتِقَارِ وَالِاسْتِعْلَاءِ وَالِاسْتِعْظَامِ، فَهَذَا الْخُلُقُ الْمَذْمُومُ ذَمَّهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَذَمَّهُ النَّبِيُّ الْكَرِيمُ ﷺ.

وَقَدْ بَيَّنَ لَنَا الْعُلَمَاءُ -عَلَيْهِمُ الرَّحْمَةُ- أَنَّ الْإِنْسَانَ يَتَكَبَّرُ بِأَسْبَابٍ، هَذِهِ الْأَسْبَابُ تَنْقَسِمُ فِي الْبَدْءِ إِلَى أَمْرَيْنِ كَبِيرَيْنِ:

* إِمَّا أَمْرٍ دُنْيَوِيٍّ.

* وَإِمَّا أَمْرٍ دِينِيٍّ.

فَالْأَمْرُ الدِّينِيُّ: يَنْقَسِمُ إِلَى أَمْرَيْنِ؛ إِلَى الْعِلْمِ، وَالْعَمَلِ.

وَأَمَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِالدُّنْيَوِيِّ؛ فَهُوَ النَّسَبُ وَالْجَمَالُ، وَالْقُوَّةُ، وَالْمَالُ، وَكَثْرَةُ الْأَنْصَارِ.

فَهَذِهِ سَبْعَةُ أَسْبَابٍ؛ سَبَبَانِ دِينِيَّانِ، وَهُمَا الْعِلْمُ وَالْعَمَلُ، فَيَتَكَبَّرُ الْإِنْسَانُ بِعِلْمِهِ، وَيَتَكَبَّرُ الْعَابِدُ بِعِبَادَتِهِ وَعَمَلِهِ.

وَخَمْسَةُ أَسْبَابٍ تَتَعَلَّقُ بِالدُّنْيَا، وَهِيَ: النَّسَبُ، وَالْجَمَالُ، وَالْقُوَّةُ، وَالْمَالُ، وَكَثْرَةُ الْأَنْصَارِ.

وَالْعُلَمَاءُ -رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِمْ- بَيَّنُوا لَنَا أَنَّ الطَّرِيقَ لِمُعَالَجَةِ الْكِبْرِ وَاكْتِسَابِ التَّوَاضُعِ أَنْ يَدُورَ أَمْرُ الْمُعَالَجَةِ عَلَى مِحْوَرَيْنِ:

* الْمِحْوَرُ الْأَوَّلُ: وَهُوَ الْأَصْلُ؛ أَنْ يَقْتَلِعَ الْإِنْسَانُ شَجَرَةَ الْكِبْرِ بِجُذُورِهَا مِنَ الْقَلْبِ؛ لِأَنَّ الشَّجَرَةَ إِذَا اقْتُلِعَتْ مِنْ أَصْلِهَا مِنْ جُذُورِهَا، وَاجْتُثَّتْ مِنْ تَحْتِ الْأَرْضِ -لَا مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ- فَاقْتُلِعَتْ اقْتِلَاعًا؛ فَلَا بُدَّ أَنْ تَجِفَّ؛ يَجِفُّ وَرَقُهَا، وَتَجِفُّ أَغْصَانُهَا، وَتَصِيرُ بَعْدَ ذَلِكَ حَطَبًا لِلنَّارِ.

* الْمِحْوَرُ الثَّانِي: أَنْ تَدْفَعَ الْعَارِضَ مِنَ الْكِبْرِ الَّذِي يَعْرِضُ بِسَبَبٍ مِنَ الْأَسْبَابِ الْمُتَقَدِّمَةِ.

وَاسْتِئْصَالُ أَصْلِ الْكِبْرِ مِنَ الْقَلْبِ يَتَفَرَّعُ إِلَى فَرْعَيْنِ:

الْأَوَّلُ: عِلْميٌّ.

وَالثَّانِي: عَمَلِيٌّ.

فَأَمَّا الْعِلْمِيُّ؛ فَأَنْ يَتَأَمَّلَ الْإِنْسَانُ فِي أَصْلِهِ وَفِي مَسِيرَةِ حَيَاتِهِ وَفِي نِهَايَتِهِ، فَأَمَّا أَصْلُهُ: فَمَعْلُومٌ أَنَّ الْإِنْسَانَ إِنَّمَا خُلِقَ مِنْ نُطْفَةٍ مَذِرَةٍ، ثُمَّ كَانَ مَا كَانَ مِنْ أَمْرِ خِلْقَتِهِ فِي رَحِمِ أُمِّهِ، لَا لَهُ سِنٌّ تَقْطَعُ، وَلَا لَهُ يَدٌ تَدْفَعُ، وَإِنَّمَا هُوَ ضَعِيفٌ ضَعِيفٌ، ثُمَّ دَفَعَتْهُ أُمُّهُ مِنَ الرَّحِمِ بَعْدَمَا دُفِعَ مِنْ مَجْرَى الْبَوْلِ مِنْ أَبِيهِ نُطْفَةً مَذِرَةً، فَاسْتَقَرَّ فِي الرَّحِمِ بَعْدَ حِينٍ، فَهَذِهِ بِدَايَتُهُ.

وَأَمَّا خَلْقُهُ السَّابِقُ: فَقَدْ كَانَ تُرَابًا تَطَؤُهُ الْأَقْدَامُ؛ وَجَدُّهُ الْأَبْعَدُ الْبَعِيدُ الَّذِي هُوَ آدَمُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- قَدْ خُلِقَ مِنْ تُرَابٍ -كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ-.

فَهَذَا الْإِنْسَانُ فِي أَصْلِ خِلْقَتِهِ وَفِي مُبْتَدَاهُ.

وَأَمَّا فِي حَيَاتِهِ وَفِي مَسِيرَتِهَا: فَالْحَيَاةُ لَا سُرُورَ فِيهَا وَلَا سَعَادَةَ وَلَا فَرَحَ، وَإِنَّمَا هُوَ الْحُزْنُ وَالطَّرَحُ.

الْحَيَاةُ مَشْحُونَةٌ بِالْآلَامِ، الْحَيَاةُ مَشْحُونَةٌ بِالْأَحْزَانِ، وَالْفَرَحُ فِيهَا وَالسُّرُورُ إِنَّمَا هُوَ بَرْقٌ خُلَّبٌ لَا يُنْشِئُ بَعْدَ ذَلِكَ سَحَابًا ثِقَالًا يَنْزِلُ مِنْهَا غَيْثٌ يَنْفَعُ النَّاسَ فِي أُمُورِ دِينِهِمْ وَفِي حَيَوَاتِهِمْ.

الْحَيَاةُ تَجِدُ السَّعَادَةَ فِيهَا إِنَّمَا هِيَ عَلَامَةٌ وَمِثَالٌ؛ لِكَيْ تَعْلَمَ كَيْفَ تَكُونُ السَّعَادَةُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي دَارِ الْقَرَارِ.

وَأَمَّا الْمُنْتَهَى: فَمَعْلُومٌ أَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا مَا مَاتَ، وَتَصَلَّبَتْ أَعْضَاؤُهُ بِذَلِكَ التَّصَلُّبِ الرِّمَمِيِّ، يَعُودُ كَمَا كَانَ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ صَلْصَالًا مُتَيَبِّسًا مُتَحَجِّرًا فَكَذَلِكَ يَصِيرُ، ثُمَّ يُحْمَلُ عَلَى أَكْتَافِ أَعَزِّ أَحِبَّائِهِ وَأَعَزِّ الْخَلْقِ إِلَيْهِ وَأَحَبِّهِمْ إِلَى نَفْسِهِ، يَحْمِلُونَهُ.. هُمُ الَّذِينَ يَحْمِلُونَهُ مِنْ أَجْلِ أَنْ يُغَيِّبُوهَ فِي التُّرَابِ، مِنْ أَجْلِ أَنْ يُسْلِمُوهُ إِلَى الدُّودِ، وَأَنْ يُسْلِمُوهَ إِلَى الْهَوَامِّ وَإِلَى الْحَشَرَاتِ، وَرُبَّمَا إِلَى الْعَذَابِ، وَلَنْ يَسْتَطِيعُوا أَنْ يَنْفَعُوهُ بِشَيْءٍ، وَلَنْ يَدْخُلَ مَعَهُ إِلَّا عَمَلُهُ.

إِذَا مَا تَأَمَّلَ الْإِنْسَانُ فِي أَمْثَالِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، وَعَرَفَ رَبَّهُ، وَعَرَفَ نَفْسَهُ، وَعَرَفَ أَنَّ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَأَنَّ اللهَ لَا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ، وَأَنَّ النَّاسَ إِنَّمَا يَتَنَازَعُونَ وَيَتَنَافَسُونَ فِي أُمُورٍ لَا قِيمَةَ لَهَا فِي حَقِيقَةِ الْأَمْرِ، وَأَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ الدُّنْيَا الَّتِي يَتَنَازَعُ فِيهَا الْخَلْقُ لَا قِيمَةَ لَهَا فِي حَقِيقَةِ الْأَمْرِ إِلَّا إِذَا مَا كَانَتْ مَصْرُوفَةً للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ..

إِذَا عَرَفَ الْإِنْسَانُ قَدْرَ نَفْسِهِ، وَعَرَفَ الْإِنْسَانُ قَدْرَ رَبِّهِ؛ ذَلَّ وَخَشَعَ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَأَنَابَ، وَرَزَقَهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ التَّوَاضُعَ.

وَأَمَّا الْعِلَاجُ الْعَمَلِيُّ: فَهُوَ التَّوَاضُعُ للهِ بِالْفِعْلِ، وَلِسَائِرِ الْخَلْقِ بِالْمُوَاظَبَةِ عَلَى أَخْلَاقِ الْمُتَوَاضِعِينَ، وَهَذَا يَحُوزُهُ الْإِنْسَانُ إِذَا عَرَفَ أَخْلَاقَ النَّبِيِّ ﷺ، فَهُوَ الْمِثَالُ، وَهُوَ النَّمُوذَجُ، وَهُوَ الْأُسْوَةُ، وَهُوَ الْقُدْوَةُ، وَالْإِنْسَانُ يَتَأَسَّى بِنَبِيِّهِ ﷺ، مَنْصِبُهُ أَعْلَى الْمَنَاصِبِ قَاطِبَةً، لَا مَنْصِبَ يَعْلُو مَنْصِبَ مُحَمَّدٍ ﷺ، لَا مِنْ مَلَكٍ مُقَرَّبٍ وَلَا مِنْ رَسُولٍ مُرْسَلٍ، وَإِنَّمَا مُحَمَّدٌ ﷺ سَيِّدُ خَلْقِ اللهِ وَسَيِّدُ الْكَائِنَاتِ ﷺ، وَمَعَ ذَلِكَ يَحْلِبُ الشَّاةَ، وَيَخْصِفُ النَّعْلَ، وَيَرْقَعُ الثَّوْبَ، وَتَأْخُذُ الْوَاحِدَةُ مِنَ الْإِمَاءِ مِنَ الْجَوَارِي فِي الْمَدِينَةِ بِيَدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ لِيَقْضِيَ لَهَا حَاجَتَهَا، فِي أَيِّ سَبِيلٍ شَاءَتْ مَضَى مَعَهَا.

وَكَانَ يَجْلِسُ حَيْثُ يَنْتَهِي بِهِ الْمَجْلِسُ، لَا يَقُومُ لَهُ أَحَدٌ وَهُوَ مَنْ هُوَ ﷺ، وَإِذَا جَاءَ الْجَائِي الْغَرِيبُ -الَّذِي لَمْ تَتَنَوَّرْ بَصِيرَتُهُ بَعْدُ بِمَعْرِفَةِ اللهِ وَمَعْرِفَةِ نَبِيِّهِ ﷺ- لَمْ يَعْرِفِ النَّبِيَّ ﷺ مِنَ الْجُلُوسِ، مَعَ أَنَّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ مِنَ الْآيَاتِ الظَّاهِرَةِ الْبَاهِرَةِ وَالْعَلَامَاتِ الْمُضِيئَةِ النَّيِّرَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ ﷺ.

لَوْ لَمْ تَكُنْ فِيهِ آيَاتٌ مَبَيِّنَةٌ = لَكَانَ مَظْهَرُهُ يُنْبِيكَ بِالْخَبَرِ ﷺ.

فَإِذَا مَا تَخَلَّقَ الْإِنْسَانُ بِأَخْلَاقِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَدْ أَتَى بِالدَّوَاءِ الْعَمَلِيِّ الَّذِي بِهِ يَنْفِي أَصْلَ الْكِبْرِ، وَالَّذِي بِهِ يُحْشَى قَلْبُهُ تَوَاضُعًا للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

هَذَا الْمَقَامُ الْأَوَّلُ؛ اجْتِثَاثُ شَجَرَةِ الْكِبْرِ مِنْ أَصْلِهَا مِنَ الْقَلْبِ، وَهَذَا يَدُورُ عَلَى مِحْوَرَيْنِ؛ مِحْوَرٌ عِلْمِيٌّ، وَمِحْوَرٌ عَمَلِيٌّ -وَهَذَا قَدْ مَضَى بِفَضْلِ اللهِ-.

وَالْمَقَامُ الثَّانِي فِيمَا يَعْرِضُ مِنَ التَّكَبُّرِ بِالْأَسْبَابِ السَّبْعَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ؛ يَعْنِي: الَّذِي يَكُونُ بِهِ التَّكَبُّرُ مِنَ الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ: الْعِلْمُ وَالْعَمَلُ، وَالْأُمُورُ الدُّنْيَوِيَّةُ: النَّسَبُ، وَالْجَمَالُ، وَالْقُوَّةُ، وَالْمَالُ، وَكَثْرَةُ الْأَنْصَارِ.

* أَمَّا النَّسَبُ؛ فَمَنْ يَعْتَرِيهِ الْكِبْرُ مِنْ جِهَةِ النَّسَبِ فَلْيُدَاوِ قَلْبَهُ بِمَعْرِفَةِ أَنَّ هَذَا جَهْلٌ؛ لِأَنَّهُ تَعَزَّزَ بِكَمَالِ الْغَيْرِ، وَبِمَعْرِفَةِ الْإِنْسَانِ لِنَسَبِهِ الْحَقِيقِيِّ، فَأَمَّا أَبُوهُ الْقَرِيبُ فَنُطْفَةٌ قَذِرَةٌ، وَأَمَّا جَدُّهُ الْبَعِيدُ فَتُرَابٌ، وَاللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- عَرَّفَكَ نَسَبَكَ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، وَعَرَّفَ النَّاسَ جَمِيعًا أَنْسَابَهُمْ فِي الْقُرْآنِ الْمَجِيدِ، فَقَالَ: {وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (7) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ} [السجدة: 7-8].

* وَأَمَّا الْجَمَالُ؛ فَعَلَى الْمَرْءِ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى بَاطِنِهِ نَظَرَ الْعُقَلَاءِ، فَإِنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَكُونُ إِنْسَانًا بِجَمَالِ مَظْهَرِهِ.

فَالرَّجُلُ عَلَيْهِ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى بَاطِنِهِ نَظَرَ الْعُقَلَاءِ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَى ظَاهِرِهِ نَظَرَ الْبَهَائِمِ، وَمَهْمَا نَظَرَ إِلَى بَاطِنِهِ رَأَى مِنَ الْقَبَائِحِ مَا يُكَدِّرُ عَلَيْهِ تَعَزُّزَهُ بِالْجَمَالِ، وَالْمَرْءُ مَخْلُوقٌ وَكُلُّهُ أَقْذَارٌ؛ يَعْنِي: مَا تَحْوِيهِ الْبَطْنُ، وَمَا تَحْوِيهِ الْمَعِدَةُ، وَمَا يَحْتَوِيهِ الصَّدْرُ؛ فَبَأَيِّ شَيْءٍ يَتَكَبَّرُ، أَيُّ جَمَالٍ هُنَا يَكُونُ قَائِمًا بِنَفْسٍ تَصْبُو إِلَى الرِّفْعَةِ وَتَتَعَظَّمُ عَلَى أَمْثَالِهَا وَنُظَرَائِهَا؟!!

ثُمَّ هُوَ إِذَا مَا مَاتَ صَارَ جِيفَةً، أَقْذَرَ مِنْ سَائِرِ الْأَقْذَارِ، وَجَمَالُهُ لَا بَقَاءَ لَهُ، حَتَّى إِذَا مَا كَبُرَ الْإِنْسَانُ حِينًا لَا بُدَّ أَنْ يَتَغَضَّنَ وَجْهُهُ، وَأَنْ يَنْحَنِيَ ظَهْرُهُ، وَأَنْ يَشِيبَ شَعْرُهُ، وَأَنْ تَنْحَلَّ قُوَّتُهُ، وَأَنْ تَذْهَبَ نَضَارَةُ بَشَرَتِهِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ؛ فَأَيُّ جَمَالٍ يَبْقَى إِذَنْ؟!!

فَكُلُّ ذَلِكَ تَعَلُّقٌ بِزَائِلٍ لَا يَدُومُ.

نَسْأَلُ اللهَ أَنْ يُجَمِّلَ بَاطِنَنَا بِالتَّوْحِيدِ وَظَاهِرَنَا بِاتِّبَاعِ سُنَّةِ النَّبِيِّ الْكَرِيمِ.

* وَأَمَّا السَّبَبُ الثَّالِثُ الَّذِي هُوَ الْكِبْرُ بِالْقُوَّةِ، فَالْإِنْسَانُ لَنْ يَكُونَ أَقْوَى مِنْ حِمَارٍ وَلَا مِنْ بَقَرَةٍ وَلَا مِنْ فِيلٍ وَلَا جَمَلٍ؛ فَأَيُّ افْتِخَارٍ بِصِفَةٍ يَسْبِقُ الْإِنْسَانَ فِيهَا الْبَهَائِمُ؟!!

* وَأَمَّا السَّبَبُ الرَّابِعُ وَالسَّبَبُ الْخَامِسُ: الْغِنَى وَكَثْرَةُ الْمَالِ، فَهَذَا فِي مَعْنَاهُ كَثْرَةُ الْأَتْبَاعِ وَالْأَنْصَارِ، وَالتَّكَبُّرُ بِالْمَنَاصِبِ وَالْوَلَايَاتِ.

هَذَا أَمْرٌ ظَاهِرٌ خَارِجٌ؛ يَعْنِي يَتَكَبَّرُ فِيهِ الْإِنْسَانُ بِأَمْرٍ خَارِجٍ عَنْ ذَاتِهِ، لَيْسَ أَمْرًا بَاطِنِيًّا دَاخِلِيًّا، فَإِذَا مَا زَالَ؛ يَعْنِي: إِذَا تَعَزَّزَ الْإِنْسَانُ وَتَكَبَّرَ بِمَنْصِبٍ حَلَّ فِيهِ، فَإِذَا عُزِلَ مِنَ الْمَنْصِبِ كَيْفَ يَكُونُ الْحَالُ؟!! لَا بُدَّ أَنْ يَأْتِيَهُ الذُّلُّ مِنْ أَقْطَارِهِ!!

وَكَذَلِكَ الْمَالُ لَوْ عَدَى عَلَيْهِ عَادٍ فَذَهَبَ بِهِ، أَوْ أَتَاهُ سَارِقٌ فَأَخَذَهُ؛ فَبَأَيِّ شَيْءٍ يَتَكَبَّرُ حِينَئِذٍ؟!!

لَا يَجِدُ شَيْئًا يَتَكَبَّرُ بِهِ.

إِذَنْ؛ هَذَا -أَيْضًا- لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ سَبَبًا مِنْ أَسْبَابِ الْكِبْرِ.

الْكِبْرُ بِالْعِلْمِ وَهُوَ أَعْظَمُ الْآفَاتِ، وَعِلَاجُ الْكِبْرِ بِالْعِلْمِ يَدُورُ عَلَى مِحْوَرَيْنِ:

* الْأَوَّلُ: أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ حُجَّةَ اللهِ عَلَى أَهْلِ الْعِلْمِ أَكْبَرُ.

الثَّانِي: أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ الْكِبْرَ لَا يَلِيقُ إِلَّا بِاللهِ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-، وَأَنَّهُ إِذَا تَكَبَّرَ صَارَ مَمْقُوتًا عِنْدَ اللهِ بَغِيضًا، وَسَقَطَ عِنْدَ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ مَقَامُهُ، وَسَقَطَ هُوَ مِنْ عَيْنِ اللهِ كُلِّيًّةً.

وَأَمَّا التَّكَبُّرُ بِالْوَرَعِ وَالْعِبَادَةِ؛ فَالْإِنْسَانُ إِذَا تَكَبَّرَ بِهَذَا الْأَمْرِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى خَلْقِ اللهِ، وَيَعْلَمَ أَنَّ هَؤُلَاءِ لَعَلَّ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ اللهِ مِنْ حُسْنِ الْبَاطِنِ وَالْجَمَالِ الَّذِي أَخْفَاهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ فِي الْقُلُوبِ وَالْأَرْوَاحِ وَلَمْ يُبْدِهِ عَلَى الْجَوَارِحِ لِأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ.. لَعَلَّ اللهَ -جَلَّ وَعَلَا- جَعَلَ فِي هَؤُلَاءِ الْبُسَطَاءِ مِنَ الْخَيْرِ الْبَاطِنِ الْكَامِنِ فِي قُلُوبِهِمْ مَا لَمْ يُعْطَ هُوَ عُشْرَ مِعْشَارِهِ.

الْإِنْسَانُ فِي النِّهَايَةِ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا بَدْءًا وَمُنْتَهًى وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ؛ فَعَلَى الْمَرْءِ أَنْ يَتَوَاضَعَ لِرَبِّهِ، وَأَنْ يَتَطَامَنَ لِخَالِقِهِ، وَأَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ، وَالْعِزُّ فِي الذُّلِّ -الْعِزُّ فِي الْحَيَاةِ بِالذُّلِّ للهِ -جَلَّ وَعَلَا--، وَالْحُرِّيَّةُ الْحَقِيقِيَّةُ فِي الْعُبُودِيَّةِ لِلْخَالِقِ الْأَعْلَى -جَلَّ وَعَلَا-.

((مِنْ مَظَاهِرِ الصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ))

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ! إِنَّ مِنْ أَجْلَى مَظَاهِرِ الصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ: خُطَبَاءَ الْفِتْنَةِ، وَمِنَ الْمَعْلُومِ الْمُقَرَّرِ أَنَّ الْعِلْمَ إِنَّمَا يَشرُفُ مِنْ أَجْلِ الْعَمَلِ بِهِ؛ لِأَجْلِ مَا يُحْدِثُهُ فِي النَّفْسِ وَالرُّوحِ وَالضَّمْيرِ مِنْ أَثَرٍ، وَمَا يَنْعَكِسُ بِهِ عَلَى الْحَيَاةِ مِنْ سُلُوكٍ وَعَمَلٍ.

وَكُلُّ عِلْمٍ لَا يُثْمِرُ عَمَلًا فَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى الْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَبَيْنَ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ فَجْوَةٌ -إِنْ وُجِدَتْ- لَا تُرْدَمُ إِلَّا بِالنِّفَاقِ.

وَإِنَّ مِمَّا تَمَيَّزَ بِهِ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ، كَوْنَهُمْ قَرَنُوا بَيْنَ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ؛ فَعَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ قَالَ: «حَدَّثَنَا الَّذِينَ كَانُوا يُقْرِئُونَنَا الْقُرْآنَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَ-رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- أَنَّهُمْ تَعَلَّمُوا الْقُرْآنَ عَشْرَ آيَاتٍ عَشْرَ آيَاتٍ، لَا يَتَجَاوَزُوهُنَّ حَتَّى يَفْقَهُوهُنَّ، ويَعْمَلُوا بِهِنَّ، قَالُوا: فَتَعَلَّمْنَا الْعِلْمَ وَالعَمَلَ جَمِيعًا».

وَهَذِهِ عَلَامَةٌ فَارِقَةٌ بَيْنَنَا وَبَيْنَ أَصْحَابِ نَبِيِّنَا ﷺ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَتَعَلَّمُوا الْعِلْمَ لِلتَّرَفِ الْفِكْرِيِّ، وَلَا لِلْمَتَاعِ الْعَقْلِيِّ، وَلَا لِيُمَارُوا بِهِ الْعُلَمَاءَ، وَلَا لِيُجَارُوا بِهِ السُّفَهَاءَ، وَلَا لَيَرْتَفِعُوا بِهِ عَلَى أَكْتَافِ الْخَلْقِ، وَإنَّمَا تَعَلَّمُوا الْعِلْمَ لِلْعَمَلِ، وَبِهَذَا وَأَمْثَالِهِ مِنَ الْأُصُولِ النَّافِعَةِ وَالْقَوَاعِدِ الْجَامِعَةِ كَانُوا سَابِقِينَ، بِحَيْثُ لَا يُدْرَكُونَ وَلَا يُلْحَقُونَ.

وَالْعِلْمُ مَا أَوْرَثَكَ الْخَشْيَةَ، وَكُلُّ عِلْمٍ لَمْ يُثْمِرْ خَشْيَةً فَلَيْسَ بِعِلْمٍ فِي الْحَقِيقَةِ، فَإِنَّ الْعِلْمَ لَيْسَ بِكَثْرَةِ الرِّوَايَةِ وَالْكُتُبِ، وَإِنَّمَا الْعِلْمُ مَا أَفَادَ الْخَشْيَةَ وَالْعَمَلَ.

وَقَدْ كَانَ سَلَفُنَا -رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِمْ- أَوْعَى الْخَلْقِ بِهَذَا الْأَمْرِ، وَكَانُوا أَعْظَمَ النَّاسِ تَحَقُّقًا بِهِ، فَكَانُوا سَابِقِينَ بِحَيْثُ لَا يُدْرَكُونَ وَلَا يُلْحَقُونَ.

إِنَّ مِنْ مَظَاهِرِ الصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ- تَنَاقُضَ الْأَقْوَالِ وَالْأَعْمَالِ؛ فَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((مَرَرْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي بِرِجَالٍ تُقْرَضُ شِفَاهُهُمْ بِمَقَارِيضَ مِنَ النَّارِ، فَقُلْتُ: مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيلُ؟))

فَقَالَ: هَؤُلَاءِ خُطَبَاءُ مِنْ أُمَّتِكَ، يَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَيَنْسَوْنَ أَنْفُسَهُمْ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا يَعْقِلُونَ)).

هَذَا الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي ((مُسْنَدِهِ))، وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي ((الصَّمْتِ)) بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ.

وَعِنْدَ ابْنِ أَبِي الدُّنْيَا -أَيْضًا- عَنْ أَنَسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- -بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ لِغَيْرِهِ- أَنَّ جِبْرِيلَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- قَالَ: هَؤُلَاءِ خُطَبَاءُ مِنْ أُمَّتِكَ، يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ.

وَعِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ: ((هَؤُلَاءِ خُطَبَاءُ مِنْ أُمَّتِكَ، يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ، وَيَقْرَءُونَ كِتَابَ اللهِ وَلَا يَعْمَلُونَ بِهِ)).

فِي مَشْهَدٍ مِنْ مَشَاهِدِ الْإِسْرَاءِ رَأَى النَّبِيُّ ﷺ حَالَةً عَجِيبَةً، فَاسْتَفْهَمَ عَنْهَا جِبْرِيلَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-، فَأَخْبَرَ الْمُصْطَفَى ﷺ بِمَا هُنَاكَ، وَوَضَّحَ لَهُ هَذَا الْأَمْرَ الَّذِي يَدَعُ الْحَلِيمَ حَيْرَانَ؛ لِأَنَّ الَّذِي رَآهُ الْمُصْطَفَى الْمُخْتَارُ ﷺ أَمْرٌ مُفْظِعٌ حَقًّا!!

((أَقْوَامٌ تُقْرَضُ شِفَاهُهُمْ بِمَقَارِيضَ مِنْ نَارٍ))، وَفِي رِوَايَةٍ: ((بِمَقَارِيضَ مِنْ حَدِيدٍ))، وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُصْنَعُ بِهِمْ ذَلِكَ فِي الْبَرْزَخِ بَعْدَ مَمَاتِهِمْ إِلَى أَنْ يُقِيمَ اللهُ السَّاعَةَ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَعِقَابٌ شَدِيدٌ.

هَؤُلَاءِ لَمَّا حَلَّاهُمْ جِبْرِيلُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- لِلْمُصْطَفَى الْمُخْتَارِ ﷺ كَانَ مِنْ شَأْنِهِمْ أَنَّهُمْ أَقْوَامٌ انْتَدَبُوا أَنْفُسَهُمْ لِهِدَايَةِ النَّاسِ، وَلِلدَّلَالَةِ عَلَى سَوَاءِ الطَّرِيقِ.

وَهَؤُلَاءِ لَمْ يَكْتَفُوا بِالدَّلَالَةِ الصَّامِتَةِ وَلَا بِالدَّلَالَةِ الْهَامِسَةِ، وَإِنَّمَا هُمْ جَهِيرُوا الصَّوْتِ فِي أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ.

هَؤُلَاءِ خُطَبَاءُ مِنْ أُمَّتِكَ.. وَهَؤُلَاءِ الْخُطَبَاءُ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ مِنْ صِفَاتِهِمْ: أَنَّهُمْ يَقُولُونَ شَيْئًا وَيَفْعَلُونَ سِوَاهُ.

وَإِذَنْ؛ فَقَدْ قَعَدُوا عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ وَعَلَى صِرَاطِهَا، يَدْعُونَ النَّاسَ إِلَى الْجَنَّةِ بِأَقْوَالِهِمْ، وَيَصُدُّونَهُمْ عَنْهَا بِأَفْعَالِهِمْ!!

هَؤُلَاءِ أَقْوَامٌ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ، وَآتَاهُمُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ الْقُرْآنَ فَهُمْ لَا يَعْمَلُونَ بِهِ، وَلَا يُعَوِّلُونَ عَلَيْهِ، وَلَا يَلْتَفِتُونَ إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا شَأْنُهُمْ أَنَّهُمْ يَنْتَصِبُونَ فِي الْأُمَّةِ بِجَهَارَةِ صَوْتٍ، وَدَلَالَةٍ عَالِيَةِ الزَّعِيقِ عَلَى شَيْءٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ فِي حَقِيقَةِ الْأَمْرِ وَلَا تُقِرُّهُ قُلُوبُهُمْ عَلَى وَجْهٍ سَوِيٍّ مُسْتَقِيمٍ.

آتَاهُمُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ الْقُرْآنَ، فَهُمْ لَا يَأْخُذُونَ بِهِ، وَصِفَاتُهُمُ الَّتِي وَصَفَهُمْ بِهَا جِبْرِيلُ وَالَّتِي اسْتَوْجَبُوا بِهَا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ فِي الْبَرْزَخِ مِنْ بَعْدِ مَمَاتِهِمْ إِلَى أَنْ يُقِيمَ اللهُ السَّاعَةَ، صِفَاتُهُمْ قَدْ شَارَكُوا فِيهَا الْيَهُودَ؛ لِأَنَّ اللهَ -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ- أَنْزَلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ قَوْلَهُ: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [البقرة: 44].

فَكَانُوا -أَيِ: الْيَهُودُ- يَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَيَنْسَوْنَ أَنْفُسَهُمْ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ -أَيِ: التَّوْرَاةَ- فَاسْتَفْهَمَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ اسْتِفْهَامَ تَوْبِيخٍ، وَالْغَرَضُ الْبَلَاغِيُّ مِنْهُ: التَّقْرِيرُ، يَقُولُ رَبُّنَا -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ-: {أَفَلَا تَعْقِلُونَ}.

فَيُقَرِّرُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ أَنَّ مَنْ كَانَتْ هَذِهِ صِفْتَهُ، وَمَنْ كَانَتْ هَذِهِ حِلْيَتَهُ فَهُوَ مِنْ غَيْرِ أُولِي النُّهَى، وَمِنْ غَيْرِ أَصْحَابِ الْعُقُولِ، أَفَلَا يَعْقِلُونَ؟!!

وَكَانُوا يَأْمُرُونَ النَّاسَ بِاتِّبَاعِ التَّوْرَاةِ وَمَا جَاءَ بِهَا مِنَ التَّعَالِيمِ وَهُمْ يُخَالِفُونَ، وَكَانُوا يَنْهَوْنَ النَّاسَ عَنْ مُوَاقَعَةِ الْفَوَاحِشِ وَفِيهَا يَقَعُونَ!!

فَهَذِهِ صِفَتُهُمُ الَّتِي وَصَفَهُمْ بِهَا رَبُّنَا -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ- فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ}.

وَمِنْ مَشَابِهِ هَؤُلَاءِ الْمَلْعُونِينَ أَقْوَامٌ فِي أُمَّةِ النَّبِيِّ الْأَمِينِ ﷺ -نَسْأَلُ اللهَ جَلَّتْ قُدْرَتُهُ أَلَّا يَجْعَلَنَا مِنْهُمْ، وَأَنْ يُجَنِّبَنَا صِفَاتِهِمْ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَأَنْ يَرْزُقَنَا الْإِخْلَاصَ أَجْمَعِينَ-.

فَهَذِهِ الْمَرَائِي الْمُجْتَزَأَةُ مِمَّا رَأَى رَسُولُ اللهِ ﷺ تَدُلُّ عَلَى عَظِيمِ شَأْنِ الْكَلِمَةِ فِي دِينِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

خُطَبَاءُ الْفِتْنَةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ، وَالَّذِينَ لَا يُجِيدُونَ إِلَّا الْإِثَارَةَ وَالتَّهْيِيجَ!!

صَانِعُو الْفِتَنِ الَّذِينَ يَصْنَعُونَهَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ، وَالَّذِينَ يَطْبُخُونَهَا فِي مَطْبَخِ إِبْلِيسَ، ثُمَّ يَعْرِضُونَهَا شَرَابًا سَائِغًا وَطَعَامًا مُسْتَسَاغًا لِكُلِّ مَنْ كَانَ حَامِضَ النَّفْسِ لَا يَسْتَسِيغُ إِلَّا الْعَفَنَ -نَسْأَلُ اللهَ السَّلَامَةَ وَالْعَافِيَةَ-.

كَلِمَةٌ مُنْضَبِطَةٌ بِقَانُونِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ كِتَابًا وَسُنَّةً، إِذَا خَرَجَتِ الْكَلِمَةُ فَلَنْ تَعُودَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ.

{حَتَّىٰ يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ} [الأعراف: 40]؛ إِغْرَاقٌ مِنْ بَعْدِ إِغْرَاقٍ فِي بَيَانِ هَذَا الْمُسْتَحِيلِ.

كَلِمَةٌ تَخْرُجُ مِنْ فِي أَخْرَقَ لَا يَعِي مَا يَقُولُ؛ لِأَنَّ لِسَانَهُ لَيْسَ مِنْ وَرَاءِ قَلْبِهِ، وَإِنَّمَا قَلْبُهُ مِنْ وَرَاءِ لِسَانِهِ، فَلَا يَعْرِضُ مَا يَقُولُ عَلَى قَلْبِهِ، وَإِنَّمَا يُخْرِجُ كَلَامَهُ كَمَا شَاءَ لَهُ هَوَاهُ، ثُمَّ لَا يُبَالِي!!

((وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا، يَهْوِي بِهَا فِي النَّارِ أَبْعَدَ مِمَّا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ)) .

((وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَكْتُبُ اللهُ عَلَيْهِ بِهَا سَخَطَهُ إِلَى يَوْمِ يَلْقَاهُ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَكْتُبُ اللهُ لَهُ بِهَا رِضْوَانَهُ إِلَى يَوْمِ يَلْقَاهُ)) .

كَلِمَةٌ عَظِيمَةٌ؛ لِأَنَّ بِالْكَلِمَةِ يَدْخُلُ الْإِنْسَانُ دِينَ الْإِسْلَامِ، وَبِالْكَلِمَةِ يَخْرُجُ الْإِنْسَانُ مِنَ الدِّينِ، وَبِالْكَلِمَةِ يَسْتَوْجِبُ الْإِنْسَانُ حَدًّا فِي ظَهْرِهِ، وَبِالْكَلِمَةِ يُمْكِنُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَتَوَرَّطَ فِي شَهَادَةِ الزُّورِ الَّتِي تُغْضِبُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ، وَتُغْضِبُ النَّبِيَّ الْكَرِيمَ ﷺ.

النَّاسُ لَا يَدْخُلُونَ الْإِسْلَامَ ظَاهِرًا إِلَّا بِالنُّطْقِ بِالشَّهَادَتَيْنِ، فَبِالْكَلِمَةِ -وَبِالْكَلِمَةِ وَحْدَهَا- بَدْءًا يَثْبُتُ عَقْدُ الْإِسْلَامِ الْعَظِيمِ.

وَبِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ يَخْرُجُ الْإِنْسَانُ مِنَ الدِّينِ -نَسْأَلُ اللهَ التَّثْبِيتَ وَالْعَافِيَةَ-.

{وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ۚ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ۚ إِن نَّعْفُ عَن طَائِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ} [التوبة: 65-66].

بِكَلِمَةٍ قَالُوهَا، قَالُوا: لَوْ كَانَ نَبِيًّا لَأَخْبَرَهُ رَبُّهُ وَأَوْحَى إِلَيْهِ عَنْ مَكَانِ نَاقَتِهِ إِخْبَارًا، وَلَكِنْ مَا دَامَ قَدْ وَدَعَهُ، مَا دَامَ تَرَكَهُ، فَلَيْسَ بِنَبِيٍّ يَأْتِيهِ الْوَحْيُ مِنَ السَّمَاءِ.

وَنُقِلَتْ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، فَلَمَّا نَبَّأَهُمْ أَنْكَرُوا {يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ} [التوبة: 74] -نَسْأَلُ اللهَ السَّلَامَةَ وَالْعَافِيَةَ-.

* كَذَلِكَ مِنْ أَكْثَرِ مَنْ يَصُدُّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ: الْخَوَارِجُ؛ فَهَؤُلَاءِ الضُّلَّالُ خَطَرٌ كَبِيرٌ عَلَى هَذِهِ الْأُمَةِ، وَمَا أُتِيَتْ فِي هَذَا الْعَصْرِ إِلَّا مِنْ قِبَلِ هَذِهِ الْمُسُوخِ الشَائِهَةِ.

عَنْ عَلِيٍّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: ((يَأْتِي فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ؛ حُدَثَاءُ الْأَسْنَانِ، سُفَهَاءُ الْأَحْلَامِ، يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ الْبَرِّيَّةِ، يَمْرُقُونَ مِنَ الْإِسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، لَا يُجَاوِزُ إِيمَانُهُمْ حَنَاجِرَهُمْ، فَأَيْنَمَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ؛ فَإِنَّ قَتْلَهُمْ أَجْرٌ لِمَنْ قَتَلَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)).

وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: ((يَخْرُجُ فِيكُمْ قَوْمٌ تَحْقِرُونَ صَلَاتَكُمْ مَعَ صَلَاتِهِمْ، وَصِيَامَكُمْ مَعَ صِيَامِهِمْ، وَعْمَلَكُمْ مَعَ عْمَلِهِمْ، وَيَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ..)) الْحَدِيثَ.

قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((سَمِعْتُ مَالِكًا -رَحِمَهُ اللهُ- يَقُولُ: ((إِنَّ أَقْوَامًا ابْتَغَوْا الْعِبَادَةَ وَأَضَاعُوا الْعِلْمَ, فَخَرَجُوا عَلَى أُمَّةِ مُحَمْدٍ ﷺ بِأَسْيَافِهِمْ، وَلَوْ اتَّبَعُوا الْعِلْمَ لَحَجَزَهُمْ عَنْ ذَلِكَ)) .

وَقَالَ الْآجُرِّيُّ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((وَقَدْ ذَكَرْتُ مِنْ التَّحْذِيرِ مِنْ مَذْهَبِ الْخَوَارِجِ مَا فِيهِ بَلَاغٌ لِمَنْ عَصَمَهُ اللهُ -تَعَالَى- عَنْ مَذَاهِبِ الْخَوَارِجِ، وَلَم يَرَ رَأْيَهُمْ، فَصَبَرَ عَلَى جَوْرِ الْأَئِمَّةِ وَحَيْفِ الْأُمَرَاءِ، وَلَمْ يَخْرُجْ عَلَيْهِمْ بِسَيْفِهِ، وَسَأَلَ اللهَ -تَعَالَى- كَشْفَ الظُّلْمِ عَنْهُ وَعَنِ الْمُسْلِمِينَ، وَصَلَّى خَلْفَهُمُ الْجُمُعَةَ وَالْعِيدَيْنِ، وَدَعَا لِلْوُلَاةِ بِالصَّلَاحِ، وَحَجَّ مَعَهُمْ، وَجَاهَدَ مَعَهُمْ كُلَّ عَدُوٍّ لِلْمُسْلِمِينَ.

وَإِنْ أَمَرُوهُ بِطَاعَةٍ فَأَمْكَنَهُ أَطَاعَهُمْ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ اعْتَذَرَ إِلَيْهِمْ، وَإِنْ أَمَرُوهُ بِمَعْصِيَةٍ لَمْ يُطِعْهُمْ، وإِنْ دَارَتِ الْفِتَنُ بَيْنَهُمْ لَزِمَ بَيْتَهُ، وَكَفَّ لِسَانَهُ وَيَدَهُ، وَلَمْ يَهْوَ مَا هُمْ فِيهِ، وَلَمْ يُعِنْ عَلَى فِتْنَةٍ، فَمَنْ كَانَ هَذَا وَصْفَهُ كَانَ عَلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ إِنْ شَاءَ اللهُ)).

وَقَالَ اللَّالَكَائِيُّ مُقَرِّرًا عَقِيدَةَ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَنَاقِلًا هُنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ -رَحِمَهُ اللهُ- قَوْلَهُ: ((وَمَنْ خَرَجَ عَلَى إِمَامٍ مِنْ أَئِمَةِ الْمُسْلِمِينَ, وَقَدْ كَانَ الْنَّاسُ اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ، وَأَقَرُّوا لَهُ بِالْخِلَافَةِ بِأَيِّ وَجْهٍ كَانَ؛ بِالرِّضَا أَوْ بِالْغَلَبَةِ, فَقَدْ شَقَّ هَذَا الْخَارِجُ عَصَا الْمُسْلِمِينَ، وَخَالَفَ الْآثَارَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَإِنْ مَاتَ الْخَارِجُ عَلَيْهِ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَةً.

وَلَا يَحِلُّ قِتَالُ السُّلْطَانِ، وَلَا الْخُرُوجُ عَلَيْهِ لِأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَهُو مُبْتَدِعٌ عَلَى غَيْرِ السُّنَّةِ وَالطَّرِيقِ)) .

فَاتَّقُوا اللهَ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ!

اتَّقُوا اللهَ فِي دِينِكُمْ!

وَاتَّقُوا اللهَ فِي وَطَنِكُمْ!

اتَّقُوا اللهَ فِي وَطَنِكُمْ فَإِنَّهُ يُرْفَعُ فِيهِ الْأَذَانُ, وَتُقَامُ فِيهِ الصَّلَوَاتُ وَالْجَمَاعَاتُ, وَتُؤَدَّى فِيهِ الْقُرُبَاتُ, وَيُجْهَرُ فِيهِ بِالشَّهَادَتَيْنِ, وَتُؤَدَّى فِيهِ الزَّكَوَاتُ, وَيُقَامُ فِيهِ مِنْ أَمْرِ اللهِ مَا لَا يُحْصِيهِ إِلَّا اللهُ!

فَاتَّقُوا اللهَ فِي أَمْنِهِ!

اتَّقُوا اللهَ فِي سَلَامَتِهِ!

احْذَرُوا وُقُوعَ الْفَوْضَى فِيهَ؛ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ وَلَا فِي مُسْلِمٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً!

نَسْأَلُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ أَنْ يَهْدِيَهُمْ أَوْ أَنْ يُطَهِّرَ الْأَرْضَ مِنْهُمْ؛ فَإِنَّهُمْ رِجْسٌ, نَسْأَلُ اللهَ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَهُمْ وَشَرَّهُمْ عَنِ الْمُسْلِمِينَ فِي بِقَاعِ الْأَرْضِ كُلِّهَا، إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.

((رِسَالَةٌ إِلَى الْمُتَكَبِّرِينَ!!))

قَالَ ﷺ: ((لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

وَكَمَا أَنَّ مَنْ تَوَاضَعَ رَفَعَهُ اللهُ، فَكَذَلِكَ مَنْ تَكَبَّرَ عَنْ الِانْقِيَادِ لِلْحَقِّ أَذَلَّهُ اللهُ، وَوَضَعَهُ، وَصَغَّرَهُ، وَحَقَّرَهُ.

وَأَنَا -يَعْلَمُ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-- لَا أَعْلَمُ لِمَاذَا يَتَكَبَّرُ مُتَكَبِّرٌ، وَبِأَيِّ شَيْءٍ، وَأَوَّلُهُ نُطْفَةٌ مَذِرَةٌ، وَآخِرُهُ جِيفَةٌ قَذِرَةٌ، وَهُوَ مَا بَيْنَهُمَا يَحْمِلُ الْعَذِرَةَ؟!!

بِأَيِّ شَيْءٍ يَتَكَبَّرُ مَنْ يَتَكَبَّرُ؟!!

يَا هَذَا! تَطَامَنْ وَتَوَاضَعْ للهِ أَيُّهَا الْعَبْدُ الذَّلِيلُ قَبْلَ أَنْ يَقْصِمَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَيُذِلَّكَ، حَتَّى تَصِيرَ آيَةً بَيْنَ الْعَالَمِينَ!!

أَسْأَلُ اللهَ -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ- أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَنَا، وَأَنْ يُحَسِّنَ أَفْعَالَنَا وَأَعْمَالَنَا، إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.

وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ.

 

المصدر: مَظَاهِرُ الْكِبْرِ وَالِاسْتِعْلَاءِ وَالصَّدِّ عَنْ دِينِ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ-

التعليقات


خطب مفرغة قد تعجبك


  «محمد أسد» وحقيقة الإسلام
  الْجيْشُ الْمِصْرِيُّ الْأَبِيُّ وَشَيْخُ الْحَدَّادِيَّةِ
  صِلُوا أَرْحَامَكُمْ
  مِنْ سُنَنِ اللهِ تَعَالَى الْكَوْنِيَّةِ: إِجْرَاءُ الْمُسَبَّبَاتِ عَلَى الْأَسْبَابِ
  ضَوَابِطُ الْأَسْوَاقِ وَآدَابُهَا
  حُسْنُ الْخَاتِمَةِ
  فَرِيضَةُ الزَّكَاةِ وَأَثَرُهَا فِي التَّكَافُلِ وَالتَّوَازُنِ الْمُجْتَمَعِيِّ
  كَيْفَ نَسْتَمْطِرُ الرَّحَمَاتِ الرَّبَّانِيَّةَ؟
  الزَّكَاةُ وَالصَّدَقَاتُ وَدَوْرُهُمَا فِي التَّنْمِيَةِ الْمُجْتَمَعِيَّةِ
  الْحَقُّ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ وَتَطْبِيقَاتُهُ فِي حَيَاتِنَا
  • شارك

نبذة عن الموقع

موقع تفريغات العلامة رسلان ، موقع يحتوي على العشرات من الخطب والمحاضرات والمقاطع المفرغة لفضيلة الشيخ العلامة أبي عبدالله محمد بن سعيد رسلان-حفظه الله- . كما يعلن القائمون على صفحة وموقع تفريغات العلامة رسلان -حفظه الله- أن التفريغات للخطب ليست هي الشكل النهائي عند الطباعة، ولكن نحن نفرغ خطب الشيخ حفظه الله ونجتهد في نشرها ليستفيد منها طلاب العلم والدعاة على منهاج النبوة في كل أنحاء الدنيا، ونؤكد على أنَّ الخطب غير مُخرَّجة بشكل كامل كما يحدث في خطب الشيخ العلامة رسلان المطبوعة وليست الكتب المنشورة على الصفحة والموقع هي النسخة النهائية لكتب الشيخ التي تُطبع...وهذه الكتب ما هي إلا تفريغ لخطب الشيخ، غير أنَّ كتب الشيخ التي تُطبع تُراجع من الشيخ -حفظه الله- وتُخرج. والتفريغ عملٌ بشريٌ، ونحن نجتهد في مراجعة التفريغات مراجعة جيدة، فإذا وقع خطأ أو شكل الخطب كما نخرجها -إنما نُحاسب نحن عليها والخطأ يُنسب لنا وليس للشيخ -حفظه الله-.

الحقوق محفوظة لكل مسلم موقع تفريغات العلامة رسلان