فَضْلُ الشَّهَادَةِ وَوَاجِبُنَا نَحْوَ أُسَرِ الشُّهَدَاءِ

فَضْلُ الشَّهَادَةِ وَوَاجِبُنَا نَحْوَ أُسَرِ الشُّهَدَاءِ

((فَضْلُ الشَّهَادَةِ وَوَاجِبُنَا نَحْوَ أُسَرِ الشُّهَدَاءِ))

إِنَّ الْحَمْدَ لِلهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا الْحَمْدَ وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ.

أَمَّا بَعْدُ:

فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.

أَمَّا بَعْدُ:

((الْجِهَادُ مِنْ سُبُلِ إِعْمَارِ الْأَرْضِ))

فَإِنَّ اللهَ -عَزَّ وَجَلَّ- خَلَقَ الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ، وَكَرَّمَهُ وَسَخَّرَ لَهُ مَا خَلَقَهُ، وَأَنَاطَ بِهِ مُهِمَّةَ عِمَارَةِ هَذِهِ الْأَرْضِ الَّتِي اسْتَخْلَفَهُ فِيْها، قَالَ تَعَالَى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة: 30]، وَهَذَا الْخَلِيفَةُ هُو آدَمُ وَبَنُو آدَمَ.

وَقَالَ تَعَالَى: {هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} [هود: 61]؛ أَيْ: جَعَلَكُمْ فِيهَا لِتَعْمُرُوهَا، وَمَكَّنَكُمْ بِمَا آتَاكُمْ مِنْ عِمَارَتِهَا.

وَقَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً} [لقمان: 20].

وَهَذَا التَّسْخِيرُ يَحْمِلُ فِي طِيَّاتِهِ كُلَّ مَظَاهِرِ التَّكْرِيمِ لِهَذَا الْإِنْسَانِ الَّذِي اسْتَخْلَفَهُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- فِي الْأَرْضِ لِعِمَارَتِهَا، وَعِمَارَتُهَا بِعِبَادَةِ رَبِّنَا -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- فِيهَا، وَبِالْقِيَامِ عَلَى مَا يُصْلِحُهَا.

وَقَدْ زَوَّدَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- هَذَا الْإِنْسَانَ بِكُلِّ وَسَائِلِ الِاسْتِخْلَافِ فِي الْأَرْضِ، وَسَلَّحَهُ بِكُلِّ أَدَوَاتِ الْمَعْرِفَةِ وَالْقُدْرَةِ عَلَى قِيَادَةِ دِفَّةِ هَذِهِ الْحَيَاةِ، وَإِدَارَةِ دَوَالِيبِ الْعَمَلِ فِيهَا، وَلِكَيْ لَا يَضِلَّ وَلَا يَشْقَى بَعَثَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- إِلَيْهِ الْمُرْسَلِينَ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِمُ الْكُتُبَ، فِيهَا الشَّرَائِعُ وَالْحَقُّ الْمُبِينُ، وَعَلَّمَهُمْ أُصُولَ التَّعَايُشِ وَمَبَادِئَ التَّعَامُلِ، وَلَفَتَ أَنْظَارَهُمْ إِلَى ضَرُورَةِ الِالْتِزَامِ بِآدَابِ الشَّرَائِعِ وَالْأَدْيَانِ، وَلَم يُبِحْ لِأَحَدٍ أَنْ يَخْرُجَ عَنْ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ طَائِعًا مُخْتَارًا، وَأَشْعَرَهُمْ عِظَمَ الْمَسْؤُولِيَّةِ عَنِ الْإِخْلَالِ وَالتَّقْصِيرِ، فَقَالَ رَبُّنَا -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ- فِي الْكِتَابِ الْعَزِيز: {وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [التوبة: 105].

وَشَرَعَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ لَنَا حِفْظَ النَّفْسِ، وَيَحُوطُهَا اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ بِسِيَاجٍ، فَيَجْعَلُ الْقِصَاصَ وَالدِّيَاتِ؛ مِنْ أَجْلِ أَيِّ اعْتِدَاءٍ عَلَى النَّفْسِ.

وَاحْتِرَامُ دِمَاءِ النَّاسِ، وَاحْتِرَامُ أَمْوَالِهِمْ أَمْرٌ قَرَّرَتْهُ شَرِيعَةُ الإِسْلَامِ، وَحُرْمَةُ الدِّمَاءِ وَالأَمْوَالِ مِمَّا اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ شَرَائِعُ اللهِ كُلُّهَا، وَأَكْمَلُهَا شَرِيعَةُ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ.

قَالَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-: {مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} [المائدة: 32].

عِبَادَ اللهِ! إِنَّ الْجِهَادَ شُرِعَ لِحِمَايَةِ دَعْوَةِ الْحَقِّ الْقَائِمَةِ عَلَى الْإِقْنَاعِ وَالْعَدْلِ، وَرَدِّ الظُّلْمِ الْمُوَجَّهِ إِلَى حَامِلِيهَا بِإِنْقَاذِ الْبَشَرِيَّةِ مِنْ ضَلَالِهَا وَكُفْرَانِهَا.

{أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللهُ ۗ وَلَوْلَا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا ۗ وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40) الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ ۗ وَلِلهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} [الحج: 39-41].

لَقَدْ شُرِعَ الْجِهَادُ لِدَفْعِ الْفِتْنَةِ الَّتِي تَمْنَعُ النَّاسَ مِنْ سَمَاعِ صَوْتِ الْحَقِّ، وَتُشَوِّهُ الْحَقَائِقَ لِتَصُدَّ النَّاسَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ؛ فَإِنَّ الْقِتَالَ إِنَّمَا هُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ، لَا فِي سَبِيلِ اكْتِسَابِ الْأَمْجَادِ، وَلَا لِلِاسْتِعْلَاءِ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ، وَلَا فِي سَبِيلِ مَغْنَمٍ، وَلَا فِي سَبِيلِ سِيَادَةِ جِنْسٍ عَلَى جِنْسٍ.

{وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (190) وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ ۖ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ ۗ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (191) فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (192) وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ ۖ فَإِنِ انتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (193)} [البقرة: 190-193].

وَشُرِعَ الْجِهَادُ لِلْقَضَاءِ عَلَى سُلْطَةِ الْعَنَاصِرِ الْفَاسِدَةِ فِي ذَاتِهَا، وَالْمُفْسِدَةِ لِغَيْرِهَا؛ حَيْثُ تَحْمِلُ السِّلَاحَ فِي وَجْهِ الْحَقِّ، وَفِي طَرِيقِ الْعَدْلِ، وَتُخْرِجُ النَّاسَ مِنْ أَوْطَانِهِمْ وَدِيَارِهِمْ، وَتَسْلُبُ مِنْهُمْ مُمْتَلَكَاتِهِمْ، وَتَهْدِمُهَا عَلَيْهِمْ؛ ظُلْمًا وَعُدْوَانًا.

وَلِذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي الْجِهَادِ قَتْلُ الْأَبْرِيَاءِ؛ مِنَ الْأَطْفَالِ، وَالنِّسَاءِ، وَالشُّيُوخِ، وَالْعُبَّادِ، وَالَّذِينَ لَمْ يُشَارِكُوا فِي الْمَعْرَكَةِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ كَانَ يُوصِي قُوَّادَهُ بِذَلِكَ إِذَا أَرْسَلَهُمْ فِي سَرِيَّةٍ يَغْزُونَ بِهَا، وَيُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ.

الْجِهَادُ يَحْتَرِمُ الْعُهُودَ وَالْمَوَاثِيقَ، وَيُحَرِّمُ الْغَدْرَ، وَيُحَرِّمُ الْخِيَانَةَ.

((وُجُوبُ التَّعَاوُنِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْجِهَادِ))

قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ وَاتَّقُوا اللهَۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [المائدة: 2].

فَالْبِرُّ: اسْمٌ جَامِعٌ لِكُلِّ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ وَرَسُولُهُ، وأَحَبَّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ؛ مِنَ التَّحَقُّقِ بِعَقَائِدِ الدِّينِ وَأَخْلَاقِهِ، وَالْعَمَلِ بِآدَابِهِ وَأَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ؛ مِنَ الشَّرَائِعِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ، وَمِنَ الْقِيَامِ بِحُقُوقِ اللهِ وَحُقُوقِ عِبَادِهِ، وَمِنَ التَّعَاوُنِ عَلَى الْجِهَادِ فِي سَبِيلِهِ إِجْمَالًا وَتَفْصِيلًا، فَكُلُّ هَذَا دَاخِلٌ فِي التَّعَاوُنِ عَلَى الْبِرِّ.

وَمِنَ التَّعَاوُنِ عَلَى التَّقْوَى: التَّعَاوُنُ عَلَى اجْتِنَابِ وَتَوَقِّي مَا نَهَى اللهُ وَرَسُولُهُ عَنْهُ؛ مِنَ الْفَوَاحِشِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ، وَمِنَ الْإِثْمِ وَالْبَغْيِ بِغَيْرِ الْحَقِّ، وَالْقَوْلِ عَلَى اللهِ بِلَا عِلْمٍ؛ بَلْ عَلَى تَرْكِ الْكُفْرِ وَالْفُسُوقِ وَالْعِصْيَانِ.

وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ: التَّعَاوُنُ عَلَى جَمِيعِ الْوَسَائِلِ وَالْأَسْبَابِ الَّتِي يُتَّقَى بِهَا ضَرَرُ الْأَعْدَاءِ؛ مِنَ الِاسْتِعْدَادِ بِالْأَسْلِحَةِ الْمُنَاسِبَةِ لِلْوَقْتِ، وَتَعَلُّمِ الصَّنَائِعِ الْمُعِينَةِ عَلَى ذَلِكَ، وَالسَّعْيِ فِي تَكْمِيلِ الْقُوَّةِ الْمَعْنَوِيَّةِ وَالْمَادِّيَّةِ الْمُعِينَةِ عَلَى ذَلِكَ، قَالَ تَعَالَى: {وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ} [الأنفال: 60]، وَقَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ} [النساء: 71].

فَيَدْخُلُ فِي هَذَا: الِاسْتِعْدَادُ بِكُلِّ الْمُسْتَطَاعِ؛ مِنْ قُوَّةٍ عَقْلِيَّةٍ وَسِيَاسِيَّةٍ وَصِنَاعِيَّةٍ، وَتَعَلُّمُ الْآدَابِ الْعَسْكَرِيَّةِ، وَالنِّظَامِ النَّافِعِ، وَالرَّمْيِ وَالرُّكُوبِ، وَيَدْخُلُ فِي هَذَا: التَّحَرُّزُ مِنَ الْأَعْدَاءِ بِكُلِّ وَسِيلَةٍ يُدْرِكُهَا الْمُسْلِمُونَ، وَاتِّخَاذُ الْحُصُونِ الْوَاقِيَةِ.

وَقَدْ أَمَرَ اللهُ وَرَسُولُهُ بِجِهَادِ الْكُفَّارِ الْمُعْتَدِينَ -فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ وَأَحَادِيثَ مُتَنَوِّعَةٍ- بِالنَّفْسِ وَالْمَالِ وَالرَّأْيِ، وَفِي حَالِ الِاجْتِمَاعِ، وَفِي كُلِّ الْأَحْوَالِ، وَالْأَمْرُ بِذَلِكَ أَمْرٌ بِهِ وَبِكُلِّ أَمْرٍ يُعِينُ عَلَيْهِ وَيُقَوِّيهِ وَيُقَوِّمُهُ.

وَأَخْبَرَ بِمَا لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِهِ مِنَ الْأَجْرِ وَالثَّوَابِ الْعَاجِلِ وَالْآجِلِ، وَمَا يَدْفَعُ اللهُ بِهِ مِنْ أَصْنَافِ الشُّرُورِ، وَمَا يَحْصُلُ بِهِ مِنَ الْعِزِّ وَالتَّمْكِينِ وَالرِّفْعَةِ، وَمَا فِي تَرْكِهِ وَالزُّهْدِ فِيهِ مِنَ الذُّلِّ وَالضَّرَرِ الْعَظِيمِ، وَتَوَعَّدَ النَّاكِلِينَ عَنْهُ بِالْخِذْلَانِ، وَالسُّقُوطِ الْحِسِّيِّ وَالْمَعْنَوِيِّ، وَبَيَّنَ لَهُمُ الطُّرُقَ الَّتِي يَسْلُكُونَهَا فِي تَقْوِيَةِ مَعْنَوِيَّتِهِمْ؛ فَإِنَّهُ حَثَّهُمْ عَلَى التَّآلُفِ وَالِاجْتِمَاعِ، وَنَهَاهُمْ عَنِ التَّبَاغُضِ وَالتَّعَادِي وَالِافْتِرَاقِ.

وَذَلِكَ أَنَّ حَقِيقَةَ الْجِهَادِ هُوَ الْجِدُّ وَالِاجْتِهَادُ فِي كُلِّ أَمْرٍ يُقَوِّي الْمُسْلِمِينَ، وَيُصْلِحُهُمْ، وَيَلُمُّ شَعَثَهُمْ، وَيَضُمُّ مُتَفَرِّقَهُمْ، وَيَدْفَعُ عَنْهُمْ عُدْوَانَ الْأَعْدَاءِ، أَوْ يُخَفِّفُهُ بِكُلِّ طَرِيقٍ وَوَسِيلَةٍ.

((أَنْوَاعُ الْجِهَادِ وَسُبُلُهُ وَثَمَرَاتُهُ))

الْجِهَادُ نَوْعَانِ: جِهَادٌ يُقْصَدُ بِهِ صَلَاحُ الْمُسْلِمِينَ وَإِصْلَاحُهُمْ فِي عَقَائِدِهِمْ، وَأَخْلَاقِهِمْ، وَآدَابِهِمْ، وَجَمِيعِ شُؤُونِهِمُ الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ، وَفِي تَرْبِيَتِهِمُ الْعِلْمِيَّةِ وَالْعَمَلِيَّةِ، وَهَذَا النَّوْعُ هُوَ أَصْلُ الْجِهَادِ وَقِوَامُهُ، وَعَلَيْهِ يَتَأَسَّسُ النَّوْعُ الثَّانِي، وَهُوَ جِهَادٌ يُقْصَدُ بِهِ دَفْعُ الْمُعْتَدِينَ عَلَى الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ؛ مِنَ الْكُفَّارِ، وَالْمُنَافِقِينَ، وَالْمُلْحِدِينَ، وَجَمِيعِ أَعْدَاءِ الدِّينِ، وَمُقَاوَمَتِهِمْ.

وَهَذَا نَوْعَانِ:

* جِهَادٌ بِالْحُجَّةِ وَالْبُرْهَانِ وَاللِّسَانِ.

* وَجِهَادٌ بِالسِّلَاحِ الْمُنَاسِبِ فِي كُلِّ وَقْتٍ وَزَمَانٍ.

هَذَا مُجْمَلُ أَنْوَاعِهِ عَلَى وَجْهِ التَّأْصِيلِ.

أَمَّا التَّفْصِيلُ:

الْجِهَادُ الْمُتَعَلِّقُ بِالْمُسْلِمِينَ بِقِيَامِ الْأُلْفَةِ وَاتِّفَاقِ الْكَلِمَةِ، قَالَ تَعَالَى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا} [آل عمران: 103].

وَقَالَ تَعَالَى: {هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (62) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ۚ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَٰكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ} الأنفال: 62-63].

وَقَالَ: {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ۖ فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللهِ ۚ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا ۖ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (9) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ} [الحجرات: 9-10].

وَقَالَ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ -الَّذِي أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ--: ((لَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَكُونُوا عِبادَ اللهِ إِخْوَانًا، الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِم؛ لَا يَظلِمُهُ، وَلَا يَكْذِبُهُ، وَلا يَخْذُلُهُ، وَلَا يَحْقِرُهُ، التَّقْوَى هَاهُنَا -ويُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ-، بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِر أَخَاهُ الْمُسْلِمَ، كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ؛ دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ)).

وَقَالَ ﷺ -فِيمَا أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ مِنْ رِوَايَةِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ--: ((مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ الْوَاحِدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ؛ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالْحُمَّى وَالسَّهَرِ)). إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ الْعَظِيمِ؛ فَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الْجِهَادِ: السَّعْيَ فِي تَحْقِيقِ هَذَا الْأَصْلِ؛ فِي تَأْلِيفِ قُلُوبِ الْمُسْلِمِينَ، وَاجْتِمَاعِهِمْ عَلَى دِينِهِمْ وَمَصَالِحِهِمُ الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ، فِي جَمْعِ أَفْرَادِهِمْ وَشُعُوبِهِمْ، وَفِي رَبْطِ الصَّدَاقَةِ وَالْمُعَاهَدَاتِ بَيْنَ حُكُومَاتِهِمْ بِكُلِّ وَسِيلَةٍ.

وَمِنْ أَنْفَعِ الْأُمُورِ: أَنْ يَتَصَدَّى لِهَذَا الْأَمْرِ -أَيِ: الَّذِي يَكُونُ فِيهِ الْمُسْلِمُونَ مَجْمُوعِينَ؛ شُعُوبًا وَحُكُومَاتٍ- جَمِيعُ طَبَقَاتِ الْمُسْلِمِينَ؛ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَالْأُمَرَاءِ وَالْكُبَرَاءِ، وَسَائِرِ الْأَفْرَادِ مِنْهُمْ، كُلُّ أَحَدٍ يَجِدُّ بِحَسَبِ إِمْكَانِهِ.

فَمَتَى كَانَتْ غَايَةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةً -وَهِيَ (الْوَحْدَةُ الْإِسْلَامِيَّةُ)-، وَسَلَكُوا السُّبُلَ الْمُوصِلَةَ إِلَيْهَا، وَدَافَعُوا جَمِيعَ الْمَوَانِعِ الْمُعَوِّقَةِ وَالْحَائِلَةِ دُونَهَا؛ فَلَا بُدَّ أَنْ يَصِلُوا إِلَى النَّجَاحِ وَالْفَلَاحِ.

وَمِمَّا يُعِينُ عَلَى هَذَا -أَيْ: عَلَى جَمْعِ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى يَكُونُوا عَلَى وَحْدَةٍ وَاحِدَةٍ-: الْإِخْلَاصُ، وَحُسْنُ الْقَصْدِ فِيمَا عِنْدَ اللهِ مِنَ الْخَيْرِ وَالثَّوَابِ، وَأَنْ يَعْلَمُوا أَنَّ كُلَّ سَعْيٍ فِي هَذَا الْأَمْرِ مِنَ الْجِهَادِ وَفِي سَبِيلِ اللهِ، وَمِمَّا يُقَرِّبُ إِلَيْهِ وَإِلَى ثَوَابِهِ، وَأَنْ يَعْلَمُوا أَنَّ الْمَصْلَحَةَ فِي ذَلِكَ مُشْتَرَكَةٌ؛ فَالْمَصَالِحُ الْكُلِّيَّاتُ الْعَامَّةُ تُقَدَّمُ عَلَى الْمَصَالِحِ الْجُزْئِيَّاتِ الْخَاصَّةِ، وَلِهَذَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِمْ أَلَّا يَجْعَلُوا الِاخْتِلَافَ فِي الْمَذَاهِبِ أَوِ الْأَنْسَابِ أَوِ الْأَوْطَانِ دَاعِيًا إِلَى التَّفَرُّقِ وَالِاخْتِلَافِ؛ فَالرَّبُّ وَاحِدٌ، وَالدِّينُ وَاحِدٌ، وَالطَّرِيقُ لِإِصْلَاحِ الدِّينِ وَصَلَاحِ جَمِيعِ طَبَقَاتِ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدٌ، وَالرَّسُولُ الْمُرْشِدُ لِلْعِبَادِ وَاحِدٌ، فَلِهَذَا يَتَعَيَّنُ أَنْ تَكُونَ الْغَايَةُ الْمَقْصُودَةُ وَاحِدَةً.

فَالْوَاجِبُ عَلَى جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ السَّعْيُ التَّامُّ لِتَحْقِيقِ الْأُخُوَّةِ الدِّينِيَّةِ وَالرَّابِطَةِ الْإِيمَانِيَّةِ؛ فَمَتَى عَلِمُوا وَتَحَقَّقُوا ذَلِكَ، وَسَعَى كُلٌّ مِنْهُمْ بِحَسَبِ مَقْدُورِهِ، وَاسْتَعَانُوا بِاللهِ، وَتَوَكَّلُوا عَلَيْهِ، وَسَلَكُوا طُرُقَ الْمَنَافِعِ وَأَبْوَابَهَا، وَلَمْ يُخْلِدُوا إِلَى الْكَسَلِ وَالْخَوَرِ وَالْيَأْسِ؛ نَجَحُوا وَأَفْلَحُوا؛ فَإِنَّ الْكَسَلَ وَالْخَوَرَ وَالْيَأْسَ مِنْ أَعْظَمِ مَوَانِعِ الْخَيْرِ، فَإِنَّهَا مُنَافِيَةٌ لِلدِّينِ وَلِلْجِهَادِ الْحَقِيقِيِّ.

فَمَنِ اسْتَوْلَى عَلَيْهِ الْكَسَلُ وَالْخَوَرُ؛ لَمْ يَنْهَضْ لِمَكْرُمَةٍ، وَمَنْ أَيِسَ مِنْ تَحْصِيلِ مَطَالِبِهِ؛ انْشَلَّتْ حَرَكَاتُهُ، وَمَاتَ وَهُوَ حَيٌّ!!

وَهَلْ أَخَّرَ الْمُسْلِمِينَ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ إِلَّا تَفَرُّقُهُمْ، وَالتَّعَادِي بَيْنَهُمْ، وَخَوَرُهُمْ، وَتَقَاعُدُهُمْ عَنْ مَصَالِحِهِمْ وَالْقِيَامِ بِشُؤُونِهِمْ؛ حَتَّى صَارُوا عَالَةً عَلَى غَيْرِهِمْ؟!!

وَدِينُهُمْ قَدْ حَذَّرَهُمْ عَنْ هَذَا أَشَدَّ التَّحْذِيرِ، وَحَثَّهُمْ عَلَى أَنْ يَكُونُوا فِي مُقَدِّمَةِ الْأُمَمِ فِي الْقُوَّةِ وَالشَّجَاعَةِ، وَالصَّبْرِ وَالْمُصَابَرَةِ وَالْمُثَابَرَةِ عَلَى الْخَيْرِ، وَالطَّمَعِ فِي إِدْرَاكِهِ، وَقُوَّةِ الثِّقَةِ بِاللهِ فِي تَحْقِيقِ مَطَالِبِهِمْ، وَدَفْعِ مَضَارِّهِمْ، وَكَمَالِ التَّصْدِيقِ بِوَعْدِ اللهِ لَهُمْ بِالنَّصْرِ إِذَا نَصَرُوهُ، وَبِالنَّجَاحِ إِذَا سَلَكُوا سُبُلَهُ، وَبِالْإِعَانَةِ وَالتَّسْدِيدِ إِذَا كَمُلَ اعْتِمَادُهُمْ عَلَيْهِ: {إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ ۖ وَتَرْجُونَ مِنَ اللهِ مَا لَا يَرْجُونَ} [النساء: 104].

إِنَّ هَذَا الْمَقْصُودَ الْعَظِيمَ مِنْ أَعْظَمِ أَلْوَانِ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ، فَهَذَا مِنَ الْجِهَادِ، وَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ؛ أَنْ يَكُونَ الْمُسْلِمُونَ وِحْدَةً وَاحِدَةً، وَأَنْ يَجْتَمِعُوا قَلْبًا وَقَالَبًا.

إِنَّ هَذَا التَّوْحِيدَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ لَنْ يَكُونَ إِلَّا عَلَى كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ، فَتَوْحِيدُ صُفُوفِهِمْ لَنْ يَكُونَ إِلَّا بِتَوْحِيدِهِمْ رَبَّهُمْ، فَإِذَا وَحَّدُوا اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- تَوْحِيدًا صَحِيحًا بَرِيئًا مِنَ الشِّرْكِ، وَالشَّكِّ، وَالشُّبْهَةِ، وَالْبِدْعَةِ؛ فَلَا شَكَّ -إِنْ شَاءَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-- أَنَّ صُفُوفَهُمْ سَتَكُونُ وَاحِدَةً؛ لِأَنَّ وِجْهَتَهُمْ صَارَتْ وَاحِدَةً، وَلِأَنَّ قُلُوبَهُمْ صَارَتْ عَلَى طَرِيقَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهِيَ تَوْحِيدُ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

فَهَذِهِ هِيَ الْوَسِيلَةُ لِلْوُصُولِ إِلَى هَذَا اللَّوْنِ مِنْ أَلْوَانِ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَهُوَ الْجِهَادُ مِنْ أَجْلِ تَوْحِيدِ كَلِمَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَنْ يَكُونَ الْمُسْلِمُونَ جَمِيعًا عَلَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ؛ شُعُوبًا وَحُكُومَاتٍ.

* الْفَرْقُ الْعَظِيمُ بَيْنَ رِجَالِ الدِّينِ، وَالْمُخَذِّلِينَ الْمُرْجِفِينَ:

قَالَ تَعَالَى: {مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا} [الأحزاب: 23].

هَذَا نَعْتُ رِجَالِ الدِّينِ؛ الصِّدْقُ الْكَامِلُ فِيمَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ؛ مِنَ الْقِيَامِ بِدِينِهِ، وَإِنْهَاضِ أَهْلِهِ، وَنَصْرِهِ بِكُلِّ مَا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ؛ مِنْ مَقَالٍ، وَمَالٍ، وَبَدَنٍ، وَظَاهِرٍ وَبَاطِنٍ.

وَمِنْ وَصْفِهِم: الثَّبَاتُ التَّامُّ عَلَى الشَّجَاعَةِ وَالصَّبْرِ، وَالْمُضِيُّ فِي كُلِّ وَسِيلَةٍ بِهَا نَصْرُ الدِّينِ، فَمِنْهُمُ الْبَاذِلُ لِنَفْسِهِ، وَمِنْهُمُ الْبَاذِلُ لِمَالِهِ، وَمِنْهُمُ الْحَاثُّ لِإِخْوَانِهِ عَلَى الْقِيَامِ بِكُلِّ مُسْتَطَاعٍ مِنْ شُؤُونِ الدِّينِ، وَالسَّاعِي بَيْنَهُمْ بِالنَّصِيحَةِ وَالتَّأْلِيفِ وَالِاجْتِمَاعِ، وَمِنْهُمُ الْمُنَشِّطُ بِقَوْلِهِ وَجَاهِهِ وَحَالِهِ، وَمِنْهُمُ الْفَذُّ الْجَامِعُ لِذَلِكَ كُلِّهِ.

فَهَؤُلَاءِ رِجَالُ الدِّينِ وَخِيَارُ الْمُسْلِمِينَ، بِهِمْ قَامَ الدِّينُ وَبِهِ قَامُوا، وَهُمُ الْجِبَالُ الرَّوَاسِي فِي إِيمَانِهِمْ وَصَبْرِهِمْ وَجِهَادِهِمْ، لَا يَرُدُّهُمْ عَنْ هَذَا الْمَطْلَبِ رَادٌّ، وَلَا يَصُدُّهُمْ عَنْ سُلُوكِ سَبِيلِهِ صَادٌّ، تَتَوَالَى عَلَيْهِمُ الْمَصَائِبُ وَالْكَوَارِثُ، فَيَتَلَقَّوْنَهَا بِقُلُوبٍ ثَابِتَةٍ، وَصُدُورٍ مُنْشَرِحَةٍ؛ لِعِلْمِهِمْ بِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ مِنَ الْخَيْرِ وَالثَّوَابِ، وَالْفَلَاحِ وَالنَّجَاحِ.

وَأَمَّا الْآخَرُونَ -وَهُمُ الْجُبَنَاءُ الْمُرْجِفُونَ-؛ فَبِعَكْسِ حَالِ هَؤُلَاءِ، لَا تَرَى مِنْهُمْ إِعَانَةً قَوْلِيَّةً وَلَا فِعْلِيَّةً وَلَا جِدِّيَّةً، قَدْ مَلَكَهُمُ الْبُخْلُ وَالْجُبْنُ وَالْيَأْسُ، وَفِيهِمُ السَّاعِي بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ بِإِيقَاعِ الْعَدَاوَاتِ وَالْفِتَنِ وَالتَّفْرِيقِ، فَهَذِهِ الطَّائِفَةُ أَضَرُّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْعَدُوِّ الظَّاهِرِ الْمُحَارِبِ؛ بَلْ هُمْ سِلَاحُ الْأَعْدَاءِ عَلَى الْحَقِيقَةِ.

قَالَ -تَعَالَى- فِيهِمْ وَفِي أَشْبَاهِهِمْ: {لَوْ خَرَجُوا فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ} [التوبة: 47]؛ أَيْ: يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ؛ تَغْرِيرًا أَوِ اغْتِرَارًا.

فَعَلَى الْمُسْلِمِينَ الْحَذَرُ مِنْ هَؤُلَاءِ الْمُفْسِدِينَ؛ فَإِنَّ ضَرَرَهُمْ كَبِيرٌ، وَشَرَّهُمْ خَطِيرٌ، وَمَا أَكْثَرَهُمْ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ الَّتِي اضْطُرَ فِيهَا الْمُسْلِمُونَ إِلَى التَّعَلُّقِ بِكُلِّ صَلَاحٍ وَإِصْلَاحٍ، وَإِلَى مَنْ يُعِينُهُمْ وَيُنَشِّطُهُمْ!!

فَهَؤُلَاءِ الْمُفْسِدُونَ يُثَبِّطُونَ عَنِ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَمُقَاوَمَةِ الْأَعْدَاءِ، وَيُخَدِّرُونَ أَعْصَابَ الْمُسْلِمِينَ، وَيُؤَيِّسُونَهُمْ مِنْ مُجَارَاةِ الْأُمَمِ فِي أَسْبَابِ الرُّقِيِّ، وَيُوهِمُونَهُمْ أَنَّ كُلَّ عَمَلٍ يَعْمَلُونَهُ لَا يُفِيدُ شَيْئًا، وَلَا يُجْدِي نَفْعًا!!

فَهَؤُلَاءِ لَا خَيْرَ فِيهِمْ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ؛ لَا دِينَ صَحِيحَ، وَلَا شَهَامَةَ دِينِيَّةَ، وَلَا قَوْمِيَّةً وَلَا وَطَنِيَّةً، لَا دِينَ صَحِيحَ، وَلَا عَقْلَ رَجِيحَ؛ فَلْيَعْلَمْ هَؤُلَاءِ وَمَنْ يَسْتَجِيبُ لَهُمْ أَنَّ اللهَ لَمْ يُكَلِّفِ النَّاسَ إِلَّا وُسْعَهُمْ وَطَاقَتَهُمْ، وَأَنَّ لِلْمُؤْمِنِينَ بِرَسُولِ اللهِ أُسْوَةً حَسَنَةً؛ فَقَدْ كَانَ لَهُ ﷺ حَالَانِ فِي الدَّعْوَةِ وَالْجِهَادِ: أُمِرَ فِي كُلِّ حَالٍ بِمَا يَلِيقُ بِهَا وَيُنَاسِبُهَا، أُمِرَ فِي حَالِ ضَعْفِ الْمُسْلِمِينَ وَتَسَلُّطِ الْأَعْدَاءِ بِالْمُدَافَعَةِ، وَالِاقْتِصَارِ عَلَى الدَّعْوَةِ إِلَى الدِّينِ، وَأَنْ يَكُفَّ عَنْ قِتَالِ الْيَدِ؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الضَّرَرِ الْمُرْبِي -أَيِ: الزَّائِدِ- عَلَى الْمَصْلَحَةِ.

وَأُمِرَ فِي الْحَالَةِ الْأُخْرَى أَنْ يَسْتَدْفِعَ شُرُورَ الْأَعْدَاءِ بِكُلِّ أَنْوَاعِ الْقُوَّةِ، وَأَنْ يُسَالِمَ مَنْ تَقْتَضِي الْمَصْلَحَةُ مُسَالَمَتَهُ، وَيُقَاوِمَ الْمُعْتَدِينَ الَّذِينَ تَقْتَضِي الْمَصْلَحَةُ -بَلِ الضَّرُورَةُ- مُحَارَبَتَهُمْ؛ فَعَلَى الْمُسْلِمِينَ الِاقْتِدَاءُ بِنَبِيِّهِمْ فِي ذَلِكَ، وَهُوَ عَيْنُ الصَّلَاحِ وَالْفَلَاحِ.

* وُجُوبُ الِاسْتِعْدَادِ لِلْأَعْدَاءِ بِكُلِّ قُوَّةٍ، وَأَخْذِ الْحَذَرِ مِنْهُمْ:

قَالَ تَعَالَى: {وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ} [الأنفال: 60].

وَقَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انفِرُوا جَمِيعًا} [النساء: 71].

تَضَمَّنَتْ هَاتَانِ الْآيَتَانِ جَمِيعَ مَا يَلْزَمُ الْمُسْلِمِينَ فِي مُدَافَعَةِ الْأَعْدَاءِ وَمُقَاوَمَتِهِمْ، وَذَلِكَ بِالِاسْتِعْدَادِ الْمُسْتَطَاعِ؛ مِنْ قُوَّةٍ عَقْلِيَّةٍ، وَسِيَاسِيَّةٍ، وَمَعْنَوِيَّةٍ، وَمَادِّيَّةٍ، فَدَخَلَ فِي ذَلِكَ: تَعَلُّمُ أَنْوَاعِ الْفُنُونِ الْحَرْبِيَّةِ، وَالنِّظَامِ السِّيَاسِيِّ وَالْعَسْكَرِيِّ، وَالِاسْتِعْدَادُ بِالْقُوَّادِ الْمُحَنَّكِينَ الْمُدَرَّبِينَ، وَصِنَاعَةُ الْأَسْلِحَةِ، وَتَعَلُّمُ الرَّمْيِ وَالرُّكُوبِ بِمَا يُنَاسِبُ الزَّمَانَ، وَبِأَخْذِ الْحَذَرِ مِنَ الْأَعْدَاءِ بِالتَّحَرُّزِ وَالتَّحَصُّنِ، وَأَخْذِ الْوِقَايَةِ مِنْ شَرِّهِمْ، وَمَعْرِفَةِ مَدَاخِلِهِمْ وَمَخَارِجِهِمْ، وَمَقَاصِدِهِمْ وَسِيَاسَاتِهِمْ، وَعَمَلُ الْأَسْبَابِ وَالِاحْتِيَاطَاتِ لِلْوِقَايَةِ مِنْ شَرِّهِمْ وَضَرَرِهِمْ، وَأَنْ نَكُونَ مِنْهُمْ دَائِمًا عَلَى حَذَرٍ فِي وَقْتِ السِّلْمِ؛ فَضْلًا عَنْ وَقْتِ الْحَرْبِ، فَإِنَّ جَهْلَ الْمُسْلِمِينَ بِشَيْءٍ مِنَ الْمَذْكُورَاتِ نَقْصٌ كَبِيرٌ فِيهِمْ، وَقُوَّةٌ لِعَدُوِّهِمْ، وَإِغْرَاءٌ لَهُ بِهِمْ.

فَعَلَى الْمُسْلِمِينَ الْأَخْذُ بِكُلِّ مَعْنًى مِنْ مَعَانِي الْحَذَرِ، وَبِكُلِّ وَسِيلَةٍ مِنْ وَسَائِلِ الْقُوَّةِ وَالِاسْتِعْدَادِ، عَسَى اللهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا؛ فَإِنَّ جَهْلَ الْمُسْلِمِينَ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَكَسَلَهُمْ عَنِ الْعَمَلِ ضَرَرُهُ كَبِيرٌ، وَبِذَلِكَ يَكُونُونَ عَالَةً عَلَى غَيْرِهِمْ، وَهَذَا عُنْوَانُ الذُّلِّ؛ فَإِنَّ للهِ سُنَنًا كَوْنِيَّةً جَعَلَهَا وَسَائِلَ لِلْعِزِّ وَالرُّقِيِّ، مَنْ سَلَكَهَا نَجَحَ، وَدِينُ الْإِسْلَامِ يَحُثُّ عَلَيْهَا غَايَةَ الْحَثِّ.

* الْوُجُوبُ يَتَعَلَّقُ بِقَدْرِ الْقُدْرَةِ وَالِاسْتِطَاعَةِ:

قَالَ تَعَالَى: {فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16].

وَقَالَ ﷺ: ((إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ)).

فَاللهُ -تَعَالَى- أَمَرَ بِالْجِهَادِ بِالنَّفْسِ وَالْمَالِ، وَبِالْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ، وَبِالْمُبَاشَرَةِ وَإِعَانَةِ الْمُبَاشِرِينَ، وَبِالدَّعْوَةِ وَالتَّحْرِيضِ وَالتَّشْجِيعِ، وَقَدْ صَحَّ عَنْهُ ﷺ -يَعْنِي: مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي ((صَحِيحِهِ)) مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-- أَنَّهُ قَالَ: ((مَنْ لَمْ يَغْزُ وَلَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بِالْغَزْوِ؛ مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنَ النِّفَاقِ)).

فَكُلُّ مَنْ فِي قَلْبِهِ إِيمَانٌ؛ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ لَهُ نَصِيبٌ مِنْ هَذَا الْجِهَادِ، وَكُلُّ أَحَدٍ فُرِضَ عَلَيْهِ أَنْ يَقُومَ بِمَا يَسْتَطِيعُهُ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا.

فَأَهْلُ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ وَالرِّيَاسَةِ -مِنَ الْمُلُوكِ وَالْأُمَرَاءِ وَالْوُزَرَاءِ وَرِجَالِ الدُّوَلِ الْإِسْلَامِيَّةِ- عَلَيْهِمْ أَنْ يَسْعُوا أَحَثَّ السَّعْيِ لِتَحْصِيلِ الْقُوَّتَيْنِ: الْقُوَّةِ الْمَعْنَوِيَّةِ، وَالْقُوَّةِ الْمَادِّيَّةِ، وَذَلِكَ بِالسَّعْيِ لِإِزَالَةِ الْمَوَانِعِ وَالْحَوَاجِزِ الَّتِي حَالَتْ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَبَيْنَ اتِّفَاقِهِمْ وَاجْتِمَاعِ كَلِمَتِهِمْ، وَأَنْ يَفْهَمُوا الْعَوَامِلَ الَّتِي فَرَّقَتْهُمْ، وَالْأَغْرَاضَ الْمُتَبَايِنَةَ الَّتِي شَتَّتَتْهُمْ، وَأَنَّ الْأَيْدِيَ الْأَجْنَبِيَّةَ تَتَوَسَّلُ بِذَلِكَ لِتَحْصِيلِ أَغْرَاضِهِمْ، فَمَتَى فَهِمُوهَا، وَعَمِلُوا عَلَى إِزَالَتِهَا بِجِدٍّ وَاجْتِهَادٍ؛ فَلَهُمْ نَصِيبٌ وَافِرٌ مِنَ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ -مَعَ أَنَّهُمْ لَمْ يَحْمِلُوا سَيْفًا، وَلَمْ يَرْمُوا بِنَبْلٍ، وَلَا شَهَرُوا سِلَاحًا فِي وَجْهِ عَدُوٍّ، وَإِنَّمَا جِهَادُهُمْ هَذَا الَّذِي مَرَّ-.

وَعَلَى أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ بَيَانِ فَضْلِ الْجِهَادِ وَوُجُوبِهِ، وَتَبْيِينِ مَنَافِعِهِ الضَّرُورِيَّةِ، وَحَضِّ النَّاسِ عَلَيْهِ، وَالْوَعْظِ الْعَامِّ وَالْخَاصِّ أَعْظَمُ مِمَّا عَلَى غَيْرِهِمْ.

وَعَلَيْهِمْ أَنْ يُبَيِّنُوا لِلنَّاسِ أَنَّ جَمِيعَ حَرَكَاتِهِمْ وَأَقْوَالِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ وَنَفَقَاتِهِمُ الْمُقَوِّيَةِ لِلدِّينِ، الْمُعِينَةِ لِلْمُسْلِمِينَ فِي دَفْعِ اعْتِدَاءِ الْمُعْتَدِي؛ كُلُّ ذَلِكَ دَاخِلٌ فِي الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ، فَمَتَى عَرَفَ الْمُؤْمِنُونَ مَوْضُوعَ الْجِهَادِ، وَأَنَّهُ اسْمٌ جَامِعٌ لِسُلُوكِ كُلِّ سَبَبٍ وَوَسِيلَةٍ فِي إِعْلَاءِ كَلِمَةِ الدِّينِ، وَفِي مُقَاوَمَةِ الْأَعْدَاءِ، وَالْحَذَرِ وَالتَّحَرُّزِ مِنْهُمْ.. مَتَى عَلِمُوا ذَلِكَ؛ نَشَطُوا لِلْقِيَامِ بِهِ، وَأَخْلَصُوا للهِ فِيهِ، وَالْعَمَلُ الْخَالِصُ نَفْعُهُ كَبِيرٌ، وَأَجْرُهُ عَظِيمٌ.

وَكَذَلِكَ يَجِبُ عَلَى كُلِّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُبْدِيَ مَجْهُودَهُ فِي نَصْرِ الْمُسْلِمِينَ بِمَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ؛ مِنْ قَوْلٍ وَفِعْلٍ، وَدِعَايَةٍ وَحَضٍّ لِإِخْوَانِهِ عَلَيْهِ، وَكُلُّ أَحَدٍ عَلَيْهِ مِنَ الْقِيَامِ بِوَظِيفَتِهِ الْخَاصَّةِ مَا لَيْسَ عَلَى الْآخَرِ؛ فَالْمُلُوكُ وَالْأُمَرَاءُ وَقُوَّادُ الْجُيُوشِ عَلَيْهِمْ مِنَ الْوَاجِبَاتِ بِحَسَبِ مَرَاتِبِهِمْ وَمَقَامَاتِهِمْ، وَالْجُيُوشُ الْعَامِلَةُ عَلَيْهَا النُّهُوضُ بِوَظِيفَتِهَا، وَالْتِزَامُ الْقُوَّةِ وَالشَّجَاعَةِ وَالصَّبْرِ، وَعَلَى أَهْلِ الْأَمْوَالِ بَذْلُ مَا يَحْتَاجُ الْمُسْلِمُونَ إِلَيْهِ فِي الْمَنَافِعِ الْكُلِّيَّةِ، وَعَلَى أَهْلِ الصَّنَائِعِ النُّصْحُ وَالْجِدُّ فِي تَعْلِيمِ الصِّنَاعَاتِ النَّافِعَةِ لِلْجِهَادِ.

فَمَتَى قَامَ كُلُّ أَحَدٍ بِوَظِيفَتِهِ؛ لَمْ يَزَالُوا فِي رُقِيٍّ وَصُعُودٍ فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ، وَعِزِّهِمْ وَشَرَفِهِمْ.

* وُجُوبُ الِاجْتِهَادِ فِي فِعْلِ الْأَسْبَابِ النَّافِعَةِ، مَعَ التَّوَكُّلِ عَلَى اللهِ، وَالِاسْتِعَانَةِ بِهِ:

قَدْ أَمَرَ اللهُ فِي عِدَّةِ آيَاتٍ بِالْقِيَامِ بِجَمِيعِ الْأَسْبَابِ النَّافِعَةِ، وَالسَّعْيِ فِي كُلِّ وَسِيلَةٍ فِيهَا صَلَاحُ الْأَحْوَالِ، كَمَا أَمَرَ فِي عِدَّةِ آيَاتٍ بِالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، وَالِاعْتِمَادِ عَلَى حَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ.

فَبِالْقِيَامِ بِهَذَيْنِ الْأَصْلَيْنِ الْعَظِيمَيْنِ تَقُومُ الْأُمُورُ كُلُّهَا، وَتَتِمُّ وَتَكْمُلُ، وَالنَّقْصُ وَالْقُصُورُ إِنَّمَا يَجِيءُ مِنَ الْإِخْلَالِ بِهِمَا أَوْ بِأَحَدِهِمَا، فَالتَّوَكُّلُ الَّذِي لَا يَصْحَبُهُ جِدٌّ وَاجْتِهَادٌ لَيْسَ بِتَوَكُّلٍ، وَإِنَّمَا هُوَ إِخْلَادٌ إِلَى الْكَسَلِ، وَتَقَاعُدٌ عَنِ الْأُمُورِ النَّافِعَةِ، كَمَا أَنَّ الْعَمَلَ بِالْأَسْبَابِ مِنْ دُونِ اعْتِمَادٍ وَتَوَكُّلٍ عَلَى مُسَبِّبِهَا، وَاسْتِعَانَةٍ بِهِ.. مَآلُهُ الْخَسَارُ، وَالزَّهْوُ وَالْإِعْجَابُ بِالنَّفْسِ، وَالْخِذْلَانُ.

فَالْجَمْعُ بَيْنَ التَّوَكُّلِ عَلَى اللهِ، وَبَيْنَ الِاجْتِهَادِ فِي فِعْلِ الْأَسْبَابِ.. هُوَ الَّذِي حَثَّ عَلَيْهِ الدِّينُ، وَهُوَ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ سَيِّدُ الْمُرْسَلِينَ ﷺ، وَبِهِمَا -أَيْ: بِالتَّوَكُّلِ وَالْأَخْذِ بِالْأَسْبَابِ- يَتَحَقَّقُ الْإِيمَانُ، وَتَقْوَى دَعَائِمُ الدِّينِ، وَبِهِمَا تَقْوَى مَعْنَوِيَّةُ الْمُسْلِمِينَ؛ حَيْثُ اعْتَمَدُوا عَلَى رَبِّ الْعِبَادِ، وَأَدَّوْا مَا فِي مَقْدُورِهِمْ مِنْ جِدٍّ وَاجْتِهَادٍ.

((الْجِهَادُ الْحَقِيقِيُّ سَبِيلُ عِزِّ الْمُسْلِمِينَ))

الْيَوْمَ وَإِنْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ مُصَابِينَ بِضَعْفٍ شَدِيدٍ، وَالْأَعْدَاءُ يَتَرَبَّصُونَ بِهِمُ الدَّوَائِرَ، وَهَذِهِ الْحَالَةُ قَدْ أَوْجَدَتْ فِي الْمُسْلِمِينَ أُنَاسًا ضَعِيفِي الْإِيمَانِ، ضَعِيفِي الرَّأْيِ وَالْقُوَّةِ وَالشَّجَاعَةِ، قَدْ مَلَكَهُمُ الْيَأْسُ وَالْخَوَرُ، يَتَشَاءَمُونَ بِأَنَّ الْأَمَلَ فِي رِفْعَةِ الْإِسْلَامِ قَدْ ضَاعَ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ يَتَنَقَّلُونَ مِنْ ضَعْفٍ إِلَى ضَعْفٍ؛ فَهَؤُلَاءِ قَدْ غَلِطُوا أَشَدَّ الْغَلَطِ؛ فَإِنَّ هَذَا الضَّعْفَ عَارِضٌ لَهُ أَسْبَابٌ، وَبِالسَّعْيِ فِي زَوَالِ أَسْبَابِهِ تَعُودُ صِحَّةُ الْإِسْلَامِ كَمَا كَانَتْ، وَتَعُودُ إِلَيْهِ قُوَّتُهُ الَّتِي فَقَدَهَا مُنْذُ أَجْيَالٍ.

مَا ضَعُفَ الْمُسْلِمُونَ إِلَّا لِأَنَّهُمْ خَالَفُوا كِتَابَ رَبِّهِمْ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ ﷺ، وَتَنَكَّبُوا السُّنَنَ الْكَوْنِيَّةَ الَّتِي جَعَلَهَا اللهُ بِحِكْمَتِهِ مَادَّةً لِحَيَاةِ الْأُمَمِ، وَرُقِيِّهَا فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ، فَإِذَا رَجَعُوا إِلَى مَا مَهَّدَهُ لَهُمْ دِينُهُمْ، وَإِلَى تَعَالِيمِهِ النَّافِعَةِ وَإِرْشَادَاتِهِ الْعَالِيَةِ؛ فَلَا بُدَّ أَنْ يَصِلُوا إِلَى الْغَايَةِ كُلِّهَا أَوْ بَعْضِهَا.

وَهَذَا الْمَذْهَبُ الْمَهِينُ -مَذْهَبُ التَّشَاؤُمِ- لَا يَرْتَضِيهِ الْإِسْلَامُ؛ بَلْ يُحَذِّرُ عَنْهُ أَشَدَّ التَّحْذِيرِ، وَيُبَيِّنُ لِلنَّاسِ أَنَّ النَّجَاحَ مَأْمُولٌ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إِذَا عَمِلُوا بِتَقْوَى اللهِ وَبِالْأَسْبَابِ الَّتِي أَرْشَدَهُمُ اللهُ إِلَيْهَا، وَاقْتَدَوْا بِنَبِيِّهِمْ فِيهَا، وَصَبَرُوا؛ فَلَا بُدَّ أَنْ يُفْلِحُوا وَيَنْجَحُوا.

فَلْيَتَّقِ اللهَ هَؤُلَاءِ الْمُتَشَائِمُونَ، وَلْيَعْلَمُوا أَنَّ الْمُسْلِمِينَ أَقْرَبُ الْأُمَمِ إِلَى النَّجَاحِ الْحَقِيقِيِّ وَالرُّقِيِّ الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّ دِينَهُمْ كُلَّهُ عُرُوجٌ وَصُعُودٌ فِي عَقَائِدِهِ وَآدَابِهِ، وَأَخْلَاقِهِ وَمَقَاصِدِهِ وَأَسْبَابِهِ، وَجَمْعِهِ بَيْنَ مَصَالِحِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنَافِعِ الرُّوحِ وَالْجَسَدِ.

وَيُقَابِلُ هَؤُلَاءِ طَائِفَةٌ يُؤَمِّلُونَ الْآمَالَ بِلَا قُوَّةٍ وَلَا أَعْمَالٍ، وَيَقُولُونَ وَلَا يَفْعَلُونَ، فَتَرَاهُمْ يَتَحَدَّثُونَ بِمَجْدِ الْإِسْلَامِ وَرِفْعَتِهِ، وَأَنَّ الرَّجَاءَ وَالطَّمَعَ فِي ذَلِكَ غَيْرُ بَعِيدٍ؛ وَلَكِنَّهَا أَقْوَالٌ بِلَا أَفْعَالٍ، وَلَا يَصْحَبُهَا سَعْيٌ؛ لَا قَوِيٌّ وَلَا ضَعِيفٌ، وَلَا يُقَدِّمُونَ لِدِينِهِمْ مَنْفَعَةً بَدَنِيَّةً وَلَا مَالِيَّةً، وَلَا يُسَاعِدُونَ عَلَى مَصْلَحَةٍ عَامَّةٍ كُلِّيَّةٍ، وَهَذَا كُلُّهُ غُرُورٌ وَاغْتِرَارٌ، وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أَنْوَاعٌ مِنَ الشُّرُورِ وَالْمَضَارِّ.

وَأَمَّا رِجَالُ الدِّينِ الَّذِينَ هُمْ غُرَّةُ الْمُسْلِمِينَ، وَهُمْ رِجَالُ الدُّنْيَا وَالدِّينِ؛ فَهُمُ الَّذِينَ أَبْدَوْا جِدَّهُمْ وَاجْتِهَادَهُمْ، وَقَرَنُوا بَيْنَ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ، وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأَقْوَالِهِمْ وَدَعَايَاتِهِمْ، وَإِنْهَاضِ إِخْوَانِهِمْ، وَتَبَرَّءُوا مِنْ مَذْهَبِ الْمُتَشَائِمِينَ، وَمِنْ أَهْلِ الْأَقْوَالِ الْخَالِيَةِ مِنَ الْأَعْمَالِ، قَدْ نَهَضُوا بِأُمَّتِهِمْ، وَقَصَدُوا فِي سَعْيِهِمُ الْغَايَاتِ الْحَمِيدَةَ، وَسَلَكُوا طَرِيقَ الْمَجْدِ؛ فَهَؤُلَاءِ الرِّجَالُ الَّذِينَ يُنَاطُ بِهِمُ الْأَمَلُ، وَتُدْرَكُ الْمَطَالِبُ الْعَالِيَةُ بِمَسَاعِيهِمُ الْمَشْكُورَةِ، وَأَعْمَالِهِمُ الْمَبْرُورَةِ.

((مَنْزِلَةُ الشَّهَادَةِ وَثَمَرَاتُهَا))

لَقَدِ اقْتَضَتْ سُنَّةُ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ- أَنْ يَصْطَفِيَ مِنْ عِبَادِهِ مَنْ يَشَاءُ، فَيَرْفَعُ دَرَجَاتِهِمْ، وَيُعْلِي مِنْ شَأْنِهِمْ، وَيَمُدُّهُمْ بِعَطَايَاهُ، وَلَا شَكَّ أَنَّ مَقَامَ الشَّهَادَةِ مِنْ أَعْلَى مَقَامَاتِ الِاصْطِفَاءِ وَالِاجْتِبَاءِ الَّتِي يَمْتَنُّ اللهُ -تَعَالَى- بِهَا عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ؛ حَيْثُ يَقُولُ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَمَن يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا} [النساء: 69].

وَمَنْ يُطِعِ اللهَ دَوَامًا فِي أَدَاءِ الْفَرَائِضِ وَاجْتِنَابِ النَّوَاهِي، وَيُطِعِ الرَّسُولَ فِي السُّنَنِ الَّتِي سَنَّهَا؛ فَأُولَئِكَ الْفُضَلَاءُ ذَوُو الْمَنْزِلَةِ الرَّفِيعَةِ، الْمُطِيعُونَ للهِ وَرَسُولِهِ فِي صُحْبَةِ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ بِالْهِدَايَةِ وَالتَّوْفِيقِ فِي الدُّنْيَا، وَبِدُخُولِ الْجَنَّةِ فِي الْآخِرَةِ فِي مَنَازِلِ الْفِرْدَوْسِ الْأَعْلَى؛ مِنَ النَّبِيِّينَ الَّذِينَ أَنْبَأَهُمُ اللهُ وَاخْتَارَهُمْ؛ لِيُخْبِرُوا عَنْهُ -تَعَالَى-، وَيُبَلِّغُوا شَرْعَهُ.

وَمَعَ كَثِيرِي الصِّدْقِ فِي إِيمَانِهِمْ وَأَقْوَالِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ مِنْ أَتْبَاعِ الرُّسُلِ الَّذِينَ صَدَّقُوا بِكُلِّ الدِّينِ.

وَمَعَ الشُّهَدَاءِ الَّذِينَ شَهِدُوا الْحَقَّ، وَعَلِمُوهُ كَعِلْمِ الْمُعَايَنَةِ وَالْمُشَاهَدَةِ، وَاسْتُشْهِدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ، وَبَذَلُوا أَرْوَاحَهُمْ لِإِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللهِ، وَمَعَ الصَّالِحِينَ الَّذِينَ صَلَحَتْ أَحْوَالُهُمْ، وَحَسُنَتْ أَعْمَالُهُمْ.

وَنِعْمَتُ الصُّحْبَةُ صُحْبَةُ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللهُ -تَعَالَى- مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ فِي مَنَازِلِ الْفِرْدَوْسِ الْأَعْلَى فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ.

وَالشَّهِيدُ: هُوَ الَّذِي قُتِلَ بَاذِلًا دَمَهُ وَنَفْسَهُ مِنْ أَجْلِ اللهِ، يُعَوِّضُهُ اللهُ بِهَذِهِ الْحَيَاةِ الْفَانِيَةِ حَيَاةً أَبَدِيَّةً لَا نِهَايَةَ لَهَا، وَيَكُونُ ذَلِكَ فِي الْبَرْزَخِ -أَيْ قَبْلَ الْقِيَامَةِ-، وَفِي الْجَنَّةِ بَعْدَ الْقِيَامَةِ.

وَقَالَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَلَا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتٌ ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَٰكِن لَّا تَشْعُرُونَ} [البقرة: 154].

لَمَّا ذَكَرَ -تَعَالَى- الْأَمْرَ بِالِاسْتِعَانَةِ بِالصَّبْرِ عَلَى جَمِيعِ الْأَحْوَالِ؛ ذَكَرَ نَمُوذَجًا مِمَّا يُسْتَعَانُ بِالصَّبْرِ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ، وَهُوَ أَفْضَلُ الطَّاعَاتِ الْبَدَنِيَّةِ، وَأَشَقُّهَا عَلَى النُّفُوسِ؛ لِمَشَقَّتِهَا فِي نَفْسِهِ، وَلِكَوْنِهِ مُؤَدِّيًا لِلْقَتْلِ وَعَدَمِ الْحَيَاةِ، الَّتِي إِنَّمَا يَرْغَبُ الرَّاغِبُونَ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا؛ لِحُصُولِ الْحَيَاةِ وَلَوَازِمِهَا، فَكُلُّ مَا يَتَصَرَّفُونَ بِهِ؛ فَإِنَّهُ سَعْيٌ لَهَا، وَدَفْعٌ لِمَا يُضَادُّهَا.

وَمِنَ الْمَعْلُومِ: أَنَّ الْمَحْبُوبَ لَا يَتْرُكُهُ الْعَاقِلُ إِلَّا لِمَحْبُوبٍ أَعْلَى مِنْهُ وَأَعْظَمُ، فَأَخْبَرَ -تَعَالَى- أَنَّ مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِهِ؛ بِأَنْ قَاتَلَ فِي سَبِيلِ اللهِ، لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا، وَدِينُهُ الظَّاهِرُ، لَا لِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَغْرَاضِ؛ فَإِنَّهُ لَمْ تَفُتْهُ الْحَيَاةُ الْمَحْبُوبَةُ، بَلْ حَصَلَتْ لَهُ حَيَاةٌ أَعْظَمُ وَأَكْمَلُ مِمَّا تَظُنُّونَ وَتَحْسِبُونَ.

فَالشُّهَدَاءُ.. {أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (170) ۞ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِين} [آل عمران: 169-171].

فَهَلْ أَعْظَمُ مِنْ هَذِهِ الْحَيَاةِ الْمُتَضَمِّنَةِ لِلْقُرْبِ مِنَ اللهِ، وَتَمَتُّعِهِمْ بِرِزْقِهِ الْبَدَنِيِّ فِي الْمَأْكُولَاتِ وَالْمَشْرُوبَاتِ اللَّذِيذَةِ، وَالرِّزْقِ الرُّوحِيِّ، وَهُوَ الْفَرَحُ، وَهُوَ الِاسْتِبْشَارُ، وَزَوَالُ كُلِّ خَوْفٍ وَحُزْنٍ، وَهَذِهِ حَيَاةٌ بَرْزَخِيَّةٌ أَكْمَلُ مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا؛ بَلْ قَدْ أَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ: أَنَّ أَرْوَاحَ الشُّهَدَاءِ فِي أَجْوَافِ طَيْرٍ خُضْرٍ، تَرِدُ أَنْهَارَ الْجَنَّةِ، وَتَأْكُلُ مِنْ ثِمَارِهَا، وَتَأْوِي إِلَى قَنَادِيلَ مُعَلَّقَةٍ بِالْعَرْشِ.

وَقَالَ تَعَالَى: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (170) ۞ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِين} [آل عمران: 169-171].

فَيُخْبِرُ اللهُ -تَعَالَى- عَنِ الشُّهَدَاءِ بِأَنَّهُمْ وَإِنْ قُتِلُوا فِي هَذِهِ الدَّارِ؛ فَإِنَّ أَرْوَاحَهُمْ حَيَّةٌ مَرْزُوقَةٌ فِي دَارِ الْقَرَارِ.

وَقَالَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (4) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (5) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ} [محمد: 6].

وَقَدِ اشْتَرَى اللهُ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- مِنَ الْمُؤْمِنِينَ نُفُوسَهُمْ؛ لِنَفَاسَتِهَا لَدَيْهِ؛ إِحْسَانًا مِنْهُ وَفَضْلًا، وَكَتَبَ ذَلِكَ الْعَقْدَ الْكَرِيمَ فِي كِتَابِهِ الْعَظِيمِ؛ فَهُوَ يُقْرَأُ أَبَدًا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَيُتْلَى، قَالَ -تَعَالَى- مُبَيِّنًا لُزُومَ هَذَا الْعَقْدِ أَزَلًا فِي مُحْكَمِ الْقُرْآنِ: {إِنَّ اللهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ۚ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ۖ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ ۚ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ ۚ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ ۚ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 111].

قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ -رَحِمَهُ اللهُ- فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ: «يُخْبِرُ -تَعَالَى- أَنَّهُ عَاوَضَ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ إِذَا بَذَلُوهَا فِي سَبِيلِهِ بِالْجَنَّةِ، وَهَذَا مِنْ فَضْلِهِ وَكَرَمِهِ وَإِحْسَانِهِ؛ فَإِنَّهُ قَبِلَ الْعِوَضَ عَمَّا يَمْلِكُهُ بِمَا تَفَضَّلَ بِهِ عَلَى عَبِيدِهِ الْمُطِيعِينَ لَهُ.

لِهَذَا قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَقَتَادَةُ: ((بَايَعَهُمُ اللهُ فَأْغَلَى ثَمَنَهُمْ)))).

وَقَالَ تَعَالَى: {وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ} [الزمر: 69].

فَقَرَنَ -تَعَالَى- ذِكْرَ الشُّهَدَاءِ مَعَ النَّبِيِّينَ؛ تَكْرِيمًا لَهُمْ، وَبَيَانًا لِعُلُوِّ مَنْزِلَتِهِمْ.

وَقَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ} [آل عمران: 140].

قَالَ السُّهَيْلِيُّ: «وَفِيهِ فَضْلٌ عَظِيمٌ لِلشُّهَدَاءِ، وَتَنْبِيهٌ عَلَى حُبِّ اللهِ إِيَّاهُمْ؛ حَيْثُ قَالَ: {وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ}، وَلَا يُقَالُ: اتَّخَذْتُ، وَلَا اتَّخَذَ؛ إِلَّا فِي مُصْطَفًى مَحْبُوبٍ، قَالَ -تَعَالَى-: {مَا اتَّخَذَ اللهُ مِن وَلَدٍ} [المؤمنون: 91]، وَقَالَ -تَعَالَى-: {مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلا وَلَدًا} [الجن: 3]، فَالِاتِّخَاذُ إِنَّمَا هُوَ اقْتِنَاءٌ وَاجْتِبَاءٌ)).

وَلَقَدْ خَصَّ اللهُ -تَعَالَى- وَرَسُولُهُ ﷺ الشُّهَدَاءَ بِمَنَاقِبَ عَدِيدَةٍ؛ فَمِنْهَا:

* شَرَفُ مَكَانِهِمْ وَجِوَارِهِمْ، وَعَظِيمُ أَجْرِهِمْ وَنَعِيمِهِمْ، قَالَ تَعَالَى: {وَالشُّهَدَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ} [الحديد: 19].

وَالشُّهَدَاءُ هُمُ الَّذِينَ قَاتَلُوا فِي سَبِيلِ إِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللهِ، وَبَذَلُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ فَقُتِلُوا؛ لَهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ أَجْرٌ جَزِيلٌ، وَنُورٌ عَظِيمٌ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، وَهُمْ فِي ذَلِكَ يَتَفَاوَتُونَ بِحَسَبِ مَا كَانُوا فِي الدَّارِ الدُّنْيَا فِي أَعْمَالِهِمْ.

فَهَذِهِ الْمَكَانَةُ لِلشُّهَدَاءِ خَاصَّةً، وَلَا أَدَّلَ عَلَى عِظَمِ هَذَا الشَّرَفِ وَالْمَكَانَةِ مِنْ حِرْصِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى الشَّهَادَةِ فِي سَبِيلِ اللهِ -تَعَالَى-؛ لِيُكْتَبَ لَهُ أَجْرُ هَذِهِ الدَّرَجَةِ الْعَالِيَةِ؛ فَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((لَوْ لَا أَنْ يَشُقَّ عَلَى المُسلِمِينَ؛ مَا قَعَدْتُ خِلَافَ سَرِيَّةٍ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي أَغْزُو فِي سَبِيلِ اللهِ فَأُقْتَلَ، ثُمَّ أَغْزُو فَأُقْتَلَ، ثُمَّ أَغْزُو فَأُقْتَلَ)). أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي ((صَحِيحِهِ)).

لَقَدْ بَيَّنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَضْلَ الشَّهَادَةِ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَبَيَّنَ عَظِيمَ قَدْرِ الشَّهِيدِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَا يَجِدُ الشَّهِيدُ مِنْ مَسِّ الْقَتْلِ إِلَّا كَمَا يَجِدُ أَحَدُكُمْ مِنْ مَسِّ الْقَرْصَةِ)). أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ.

وَعَنْ أَنَسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ((مَا أَحَدٌ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ يُحِبُّ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا وَإِنَّ لَهُ مَا عَلَى الْأَرْضِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا الشَّهِيدَ؛ فَإِنَّهُ يَتَمَنَّى أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا فَيُقْتَلَ عَشْرَ مَرَّاتٍ؛ لِمَا يَرَى مِنَ الْكَرَامَةِ)).

وَفِي رِوَايَةٍ: ((لِمَا يَرَى مِنْ فَضْلِ الشَّهَادَةِ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَعَنْهُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((يُؤْتَى بِالرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَيَقُولُ اللهُ لَهُ: يَا ابْنَ آدَمَ! كَيْفَ وَجَدْتَ مَنْزِلَكَ؟

فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ! خَيْرَ مَنْزِلٍ.

فَيَقُولُ: سَلْ وَتَمَنَّهْ.

فَيَقُولُ: وَمَا أَسْأَلُكَ وَأَتَمَنَّى؟!! أَسْأَلُكَ أَنْ تَرُدَّنِي إِلَى الدُّنْيَا، فَأُقْتَلَ فِي سَبِيلِكَ عَشْرَ مَرَّاتٍ؛ لِمَا يَرَى مِنْ فَضْلِ الشَّهَادَةِ)). أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، وَالْحَاكِمُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ.

وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: أَنَّ أُمَّ الرُّبَيِّعِ بِنْتَ الْبَرَاءِ -وَهِيَ أُمُّ حَارِثَةَ بْنِ سُرَاقَةَ- أَتَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَقَالَتْ: ((يَا نَبِيَّ اللهِ! أَلَا تُحَدِّثُنِي عَنْ حَارِثَةَ؟ -وَكَانَ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ، أَصَابَهُ سَهْمٌ غَرْبٌ؛ أَيْ: لَا يُدْرَى رَامِيهِ- فَإِنْ كَانَ فِي الْجَنَّةِ صَبَرْتُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ؛ اجْتَهَدْتُ عَلَيْهِ فِي الْبُكَاءِ)).

قَالَ: ((يَا أُمَّ حَارِثَةَ! إِنَّهَا جِنَانٌ فِي الْجَنَّةِ، وَإِنَّ ابْنَكِ أَصَابَ الْفِرْدَوْسَ الْأَعْلَى)). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

* وَالشَّهِيدُ تُكَفَّرُ عَنْهُ خَطَايَاهُ؛ إِلَّا الدَّيْنَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «يُغْفَرُ لِلشَّهِيدِ كُلُّ ذَنْبٍ إِلَّا الدَّيْنَ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

فَالشَّهَادَةُ فِي سَبِيلِ اللهِ تُكَفِّرُ جَمِيعَ مَا عَلَى الْعَبْدِ مِنَ الذُّنُوبِ الَّتِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ -جَلَّ وَعَلَا-.

وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَامَ فِيهِمْ، فَذَكَرَ ((أَنَّ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالْإِيمَانَ بِاللهِ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ))، فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: ((يَا رَسُولَ اللهِ! أَرَأَيْتَ إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللهِ؛ تُكَفَّرُ عَنِّي خَطَايَايَ؟

فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((نَعَمْ، إِنْ قُتِلْتَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَأَنْتَ صَابِرٌ مُحْتَسِبٌ، مُقْبِلٌ غَيْرُ مُدْبِرٍ))، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((كَيْفَ قُلْتَ؟)).

قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللهِ؛ أَتُكَفَّرُ عَنِّي خَطَايَايَ؟

فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((نَعَمْ، إِنْ قُتِلْتَ وَأَنْتَ صَابِرٌ مُحْتَسِبٌ، مُقْبِلٌ غَيْرُ مُدْبِرٍ؛ إِلَّا الدَّيْنَ؛ فَإِنَّ جَبْرَائِيلَ قَالَ لِي ذَلِكَ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي ((صَحِيحِهِ)).

* وَمِنَ الْفَضَائِلِ وَالْمَنَاقِبِ: أَنَّ رِيحَ دَمِ الشَّهِيدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رِيحُ الْمِسْكِ؛ ((فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((مَا مِنْ مَكْلُومٍ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِ اللهِ إِلَّا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَكَلْمُهُ يَدْمَى، اللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ، وَالرِّيحُ رِيحُ الْمِسْكِ)).

((مَا مِنْ مَكْلُومٍ)): مَجْرُوحٍ، ((يُكْلَمُ)): يُجْرَحُ، ((فِي سَبِيلِ اللهِ)) يَعْنِي: بِنِيَّةٍ خَالِصَةٍ للهِ، وَبَذْلِ النَّفْسِ؛ لِإِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللهِ.

((إِلَّا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَكَلْمُهُ يَدْمَى)) أَيْ: وَجُرْحُهُ يَثْعُبُ مِنْهُ الدَّمُ، وَيَسِيلُ كَهَيْئَتِهِ حِينَ جُرِحَ.

((اللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ، وَالرِّيحُ رِيحُ الْمِسْكِ)): اللَّوْنُ أَحْمَرُ كَلَوْنِ الدَّمِ؛ وَلَكِنَّ الرِّيحَ رِيحُ الْمِسْكِ، وَلَيْسَ بِرِيحِ دَمٍ.

أَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُ مَا مِنْ مَكْلُومٍ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِ اللهِ.. بِأَنْ كَانَ مُخْلِصًا للهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، بَاذِلًا نَفْسَهُ لِرَبِّهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، طَائِعًا رَاجِيًا مِنَ اللهِ ثَوَابَهُ، خَائِفًا مِنْ عِقَابِهِ؛ إِلَّا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَجُرْحُهُ يَدْمَى -يَسِيلُ مِنْهُ الدَّمُ- كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ جُرِحَ، اللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ، وَالرِّيحُ رِيحُ الْمِسْكِ.

وَهَذَا فِيهِ فَضِيلَةُ مَنْ يُجْرَحُ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَأَنَّ رَائِحَةَ دَمِهِ تَنْتَشِرُ فِي الْمَوْقِفِ، فَيَشُمُّهَا النَّاسُ جَمِيعًا، كَأَنَّهَا رَائِحَةُ الْمِسْكِ.

فَيُشْتَرَطُ لِذَلِكَ أَنْ يَكُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ؛ فَمَا مَعْنَى فِي سَبِيلِ اللهِ؟

أَنْ يَكُونَ مُخْلِصًا للهِ فِي الْعَمَلِ الَّذِي أَوْجَبَ جُرْحَهُ، وَأَنْ يَكُونَ عَمَلُهُ صَوَابًا عَلَى مَا شَرَعَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ.

فَإِذَا كَانَتِ النِّيَّةُ مَدْخُولَةً، أَوْ كَانَ الْعَمَلُ عَلَى غَيْرِ صَوَابٍ عَلَى السُّنَّةِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ كَلْمُهُ كَذَلِكَ؛ وَلِهَذَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ((وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِهِ)).

يُعْلَمُ مِنْ هَذَا: أَنَّ الَّذِينَ يَقْتُلُونَ أَنْفُسَهُمْ بِمَا يُسَمُّونَهُ بِالْعَمَلِيَّاتِ الِاسْتِشْهَادِيَّةِ -وَهِيَ لَيْسَتْ بِاسْتِشْهَادِيَّةٍ، وَإِنَّمَا هِيَ عَمَلِيَّاتٌ انْتِحَارِيَّةٌ، وَكَذَلِكَ مَا يَأْتِي بِهِ الْخَوَارِجُ الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ؛ بِإِزْهَاقِ الْأَرْوَاحِ الْبَرِيئَةِ، وَسَفْكِ الدِّمَاءِ الْمَعْصُومَةِ، وَإِتْلَافِ الْأَمْوَالِ الْمُحَرَّمَةِ عَلَى غَيْرِ بَصِيرَةٍ وَلَا هُدًى-؛ يُؤْخَذُ مِنْ هَذَا: أَنَّ عَمَلَهُمْ بَاطِلٌ، وَهُوَ مُوجِبٌ لِغَضَبِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، وَلَيْسَ بِمُوجِبٍ لِرِضَاهُ -كَمَا زَعَمُوا-.

وَلِهَذَا فَلْيَتَّقُوا اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- فِي أَنْفُسِهِمْ، وَلْيَتَّقِ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- الَّذِينَ يُفْتُونَهُمْ بِجَوَازِ مَا عَمِلُوا مِنَ الْإِفْسَادِ، وَلْيَعْلَمُوا أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِخَافٍ عَلَى اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- الَّذِي لَا تَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ.

قَالَ ﷺ: ((إِلَّا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَكَلْمُهُ يَدْمَى)): يَنْزِلُ مِنْهُ الدَّمُ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ جُرِحَ.

فَمَا السَّبَبُ فِي تَغَيُّرِ رَائِحَةِ الدَّمِ -وَإِنْ كَانَ اللَّوْنُ لَوْنَ دَمٍ-؟

السَّبَبُ طِيبُ النِّيَّةِ، فَكَمَا طَيَّبَ نِيَّتَهُ؛ طَيَّبَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- رَائِحَةَ دَمِهِ، فَقَدْ بَذَلَ نَفْسَهُ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَامْتَثَلَ الْأَمْرَ، وَكَانَتْ نِيَّتُهُ طَيِّبَةً، فَطَيَّبَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- رَائِحَةَ الدَّمِ، وَتِلْكَ الرَّائِحَةُ الْحَسَنَةُ يَسْتَدِلُّ بِهَا مَنْ شَمَّهَا عَلَى حُسْنِ عَمَلِ صَاحِبِهَا، وَطِيبِ نِيَّتِهِ، وَإِخْلَاصِهِ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

يُرِيدُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- أَنْ يُظْهِرَ شَرَفَ مَنْ جَاهَدَ فِي سَبِيلِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَجَعَلَ الدَّمَ بِلَوْنِهِ، وَجَعَلَ الرَّائِحَةَ رَائِحَةَ الْمِسْكِ، يَعْلَمُ ذَلِكَ أَهْلُ الْمَوْقِفِ)).

وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: «جِيءَ بِأَبِي يَوْمَ أُحُدٍ قَدْ مُثِّلَ بِهِ؛ حَتَّى وُضِعَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَقَدْ سُجِّيَ ثَوْبًا، فَذَهَبْتُ أُرِيدُ أَنْ أَكْشِفَ عَنْهُ، فَنَهَانِي قَوْمِي، ثُمَّ ذَهَبْتُ أَكْشِفُ عَنْهُ، فَنَهَانِي قَوْمِي، فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَرُفِعَ، فَسَمِعَ صَوْتَ صَائِحَةٍ، فَقَالَ: ((مَنْ هَذِهِ؟)).

فَقَالُوا: ابْنَةُ عَمْرٍو، أَوْ أُخْتُ عَمْرٍو.

قَالَ: ((فَلِمَ تَبْكِي؟ أَوْ: لَا تَبْكِي، فَمَا زَالَتِ الْمَلَائِكَةُ تُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا حَتَّى رُفِعَ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ أَتَيَانِي، فَصَعِدَا بِي الشَّجَرَةَ، وَأَدْخَلَانِي دَارًا هِيَ أَحْسَنُ وَأَفْضَلُ، لَمْ أَرَ قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهَا، قَالَ: أَمَّا هَذِهِ الدَّارُ فَدَارُ الشُّهَدَاءِ)). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

وَعَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: ((إِنَّ أَرْوَاحَ الشُّهَدَاءِ فِي أَجْوَافِ طَيْرٍ خُضْرٍ، تَعْلُقُ -أَيْ: تَرْعَى- مِنْ ثَمَرِ الْجَنَّةِ، أَوْ قَالَ: مِنْ شَجَرِ الْجَنَّةِ)). أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ.

وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: ((الشَّهِيدُ يَشْفَعُ فِي سَبْعِينَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ)). أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ حِبَّانَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ لِغَيْرِهِ.

وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((إِنَّ لِلشَّهِيدِ عِنْدَ اللهِ سَبْعَ خِصَالٍ: أَنْ يُغفَرَ لَه فِي أَوَّلِ دُفْعَةٍ مِنْ دَمِهِ، وَيُرَى مَقْعَدَهُ مِنَ الْجنَّةِ، وَيُحَلَّى حُلَّةَ الْإِيمَانِ، وَيُجَارَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَيَأْمَنَ مِنَ الْفَزَعِ الْأَكْبَرِ، وَيُوضَعَ عَلَى رَأْسِه تَاجُ الْوَقَارِ؛ الْيَاقُوتَةُ مِنْهَا خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَيُزَوَّجُ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ زَوْجَةً مِنَ الْحُورِ الْعِينِ، وَيُشَفَّعُ فِي سَبْعِينَ إِنْسَانًا مِنْ أَقَارِبِهِ)). أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ.

وَعَنْ رَاشِدِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ: أَنَّ رَجُلًا قَالَ: ((يَا رَسُولَ اللهِ! مَا بَالُ الْمُؤْمِنِينَ يُفْتَنُونَ فِي قُبُورِهِمْ إِلَّا الشَّهِيدَ؟)).

قَالَ: ((كَفَى بِبَارِقَةِ السُّيُوفِ عَلَى رَأْسِهِ فِتْنَةً)). أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ.

وَعَنْ أَنَسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، أَنَّ رَجُلًا أَسْوَدَ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ، فَقَالَ: ((يَا رَسُولَ اللهِ! إِنِّي رَجُلٌ أَسْوَدُ، مُنْتِنُ الرِّيحِ، قَبِيحُ الْوَجْهِ، لَا مَالَ لِي، فَإِنْ أَنَا قَاتَلْتُ هَؤُلَاءِ حَتَّى أُقْتَلَ؛ فَأَيْنَ أَنَا؟

قَالَ: ((فِي الْجَنَّةِ)).

فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ ﷺ، فَقَالَ: ((قَدْ بَيَّضَ اللهُ وَجْهَكَ، وَطَيَّبَ رِيحَكَ، وَأَكْثَرَ مَالَكَ))، وَقَالَ لِهَذَا أَوْ لِغَيْرِهِ: ((فَقَدْ رَأَيْتُ زَوْجَتَهُ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ نَازَعَتْهُ جُبَّةً لَهُ مِنْ صُوفٍ، تَدْخُلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ جُبَّتِهِ)). أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ.

* وَمِنْ إِكْرَامِ اللهِ لِأَجْسَادِهِمُ الَّتِي بَذَلُوهَا لِأَجْلِهِ: إِبْقَاؤُهَا كَمَا هِيَ؛ فَلَا تَأْكُلُ الْأَرْضُ أَجْسَادَهُمْ.

فِي حَدِيثِ جَابِرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: عِنْدَمَا دُفِنَ أَبُوهُ مَعَ آخَرَ، وَكَانَا قَدْ قُتِلَا فِي مَعْرَكَةِ أُحُدٍ، قَالَ جَابِرٌ: «...ثُمَّ لَمْ تَطِبْ نَفْسِي أَنْ أَتْرُكَهُ مَعَ الْآخَرِ، فَاسْتَخْرَجْتُهُ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، فَإِذَا هُوَ كَيَوْمِ وَضَعْتُهُ، لَمْ يَتَغَيَّرْ مِنْهُ شَيْءٌ سِوَى شَيْءٍ يَسِيرٍ فِي أُذُنِهِ)).

وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ، قَالَ: «لَمَّا أَرَادَ مُعَاوِيَةُ أَنْ يُجْرِيَ الْكِظَامَةَ قَالَ: قِيلَ: ((مَنْ كَانَ لَهُ قَتِيلٌ فَلْيَأْتِ قَتِيلَهُ -يَعْنَي: قَتْلَى أُحُدٍ-، قَالَ: فَأَخْرَجْنَاهُمْ رِطَابًا يَتَثَنَّوْنَ، قَالَ: فَأَصَابَتِ الْمِسْحَاةُ إِصْبَعَ رَجُلٍ مِنْهُمْ، فَانْفَطَرَتْ دَمًا».

قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: ((وَلَا يُنْكِرُ بَعْدَ هَذَا مُنْكِرٌ أَبَدًا)).

نَسْأَلُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ أَنْ يَمُنَّ عَلَيْنَا بِالشَّهَادَةِ فِي سَبِيلِهِ، وَأَنْ يُحْسِنَ خِتَامَنَا أَجْمَعِينَ.

((جِهَادُ الصَّحَابَةِ بَيْنَ الْقِيَمِ وَالْفُتُوحَاتِ))

((إِنَّ شَجَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَبَسَالَتَهُمْ بَلَغَتَا حَدًّا كَبِيرًا، وَقَدْ أَكْسَبَتْهُمْ هَذِهِ الرُّوحُ الْعَالِيَةُ إِقْدَامًا حَقَّرَ أَمَامَهُمْ كِبْرِيَاءَ الْأُمَمِ الَّتِي عَاشَتْ مَعَ التَّارِيخِ دَهْرًا تَصُولُ وَتَجُولُ لَا يُوقِفُهَا شَيْءٌ، إِنَّ الِاسْتِهْتَارَ بِالْخَطَرِ وَالطَّيَرَانَ إِلَى الْمَوْتِ لَيْسَا فُرُوسِيَّةً احْتَقَرَهَا الرِّجَالُ الْمُقَاتِلُونَ وَحْدَهُمْ، بَلْ هِيَ قُوَّةٌ غَامِرَةٌ قَاهِرَةٌ تَعَدَّتِ الرِّجَالَ إِلَى الْأَطْفَالِ، فَأَصْبَحَتِ الْأُمَّةُ كُلُّهَا أُمَّةَ كِفَاحٍ غَالٍ عَزِيزٍ)).

لَقَدْ كَانَتِ التَّوْصِيَّاتُ الَّتِي يَتَزَوَّدُ بِهَا الْجَيْشُ مِنَ الْقَائِدِ الْأَعْلَى لِلْقُوَّاتِ الْإِسْلَامِيَّةِ.. تُعَدُّ مِنْ أَعْظَمِ وَأَرْقَى قَوَانِينِ حَرْبِ الْفُرُوسِيَّةِ الْمُشَرِّفَةِ عَلَى مَدَى التَّارِيخِ الْإِنْسَانِيِّ كُلِّهِ، فَلَمْ تَعْرِفْ أُمَّةٌ مِنَ الْأُمَمِ السَّابِقَةِ وَاللَّاحِقَةِ مِثْلَ تِلْكَ الْآدَابِ الْحَرْبِيَّةِ الَّتِي كَانَ الْمُسْلِمُونَ يُطَبِّقُونَهَا فِي حُرُوبِهِمْ ضِدَّ أَعْدَائِهِمْ، وَالَّتِي تُعَدُّ بِحَقٍّ وَثِيقَةً فِعْلِيَّةً تَطْبِيقِيَّةً لِحُقُوقِ الْإِنْسَانِ عَلَى أَرْضِ الْوَاقِعِ، لَا عَلَى وَاقِعِ الْحِبْرِ وَالْوَرَقِ، وَأَرْفُفِ الْمُنَظَّمَاتِ وَالْهَيْئَاتِ!!

لَقَدْ كَانَ الْجُنْدِيُّ الْمُسْلِمُ يَسِيرُ بِانْضِبَاطٍ عَجِيبٍ مُطَبِّقًا الْأَوَامِرَ وَالتَّعْلِيمَاتِ الصَّادِرَةَ إِلَيْهِ مِنْ قَادَتِهِ بِصُورَةٍ تِلْقَائِيَّةٍ عَفْوِيَّةٍ؛ لِأَنَّهُ يَعْتَبِرُ ذَلِكَ جُزْءًا حَيَوِيًّا مِنْ دِينِهِ الَّذِي يَسْعَى وَيَحْرِصُ كُلَّ الْحِرْصِ عَلَى تَقْدِيمِ الصُّورَةِ الصَّحِيحَةِ عَنْهُ، وَهَكَذَا كَانَ كُلُّ جُنْدِيٍّ مِنْ جُنُودِ الْإِسْلَامِ الْأَوَائِلِ عِبَارَةً عَنْ قُدْوَةٍ صَالِحَةٍ تُمَثِّلُ الْإِسْلَامَ أَصْدَقَ تَمْثِيلٍ فِي كُلِّ مَكَانٍ حَلَّ بِهِ.

لَقَدْ أَدْهَشَتِ النَّتَائِجُ السَّرِيعَةُ الْإِيجَابِيَّةُ لِحَرَكَةِ الْفُتُوحِ الْإِسْلَامِيَّةِ جَمِيعَ الْمُحَلِّلِينَ عَلَى اخْتِلَافِ مَشَارِبِهِمْ وَدِيَانَاتِهِمْ؛ لَكِنَّ الْمُحَلِّلَ الْمُنْصِفَ سَتَزُولُ دَهْشَتُهُ حَتْمًا عِنْدَمَا يَقْرَأُ تِلْكَ التَّعَالِيمَ وَالْوَصَايَا النَّبَوِيَّةَ لِقُوَّادِ وَجُنُودِ السَّرَايَا وَالْبُعُوثِ، وَالَّتِي هِيَ نَوَاةُ حَرَكَةِ الْفُتُوحِ الْإِسْلَامِيَّةِ، أَصْبَحَ الَّذِينَ شَارَكُوا بِالْأَمْسِ فِي السَّرَايَا وَالْبُعُوثِ مُشَارِكِينَ الْيَوْمَ عَلَى رَأْسِ تِلْكَ الْجُيُوشِ الْفَاتِحَةِ، مُقْتَدِينَ النَّهْجَ نَفْسَهُ، سَائِرِينَ عَلَى الطَّرِيقِ نَفْسِهِ الَّذِي خَطَّهُ لَهُمْ قَائِدُ الْأُمَّةِ ﷺ؛ حَتَّى تِلْكَ الْأَوَامِرُ وَالتَّعْلِيمَاتُ النَّبَوِيَّةُ صَارَتْ تَتَكَرَّرُ عَلَى أَلْسِنَةِ الْخُلَفَاءِ وَقَادَةِ جُيُوشِ الْفَتْحِ فِيمَا بَعْدُ.

لَقَدْ كَانَ تَطْبِيقُ صَحَابَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَ-رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- لِهَذَا الدُّسْتُورِ الْحَرْبِيِّ مِنْ أَعْظَمِ الْأَسْبَابِ الَّتِي حَبَّبَتِ الْإِسْلَامَ إِلَى نُفُوسِ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ، فَدَخَلُوا فِيهِ طَائِعِينَ مُخْتَارِينَ مُسْتَبْشِرِينَ؛ لِأَنَّهُمْ رَأَوْا حَقِيقَةَ الْإِسْلَامِ مُتَمَثِّلَةً فِي سُلُوكِ أُولَئِكَ الْأَصْحَابِ الْكِرَامِ الَّذِينَ رَبَّاهُمُ الْقُرْآنُ، وَأَدَّبَهُمُ الرَّسُولُ ﷺ.

إِنَّ تَقَدُّمَ الْمُسْلِمِينَ لِمُلَاقَاةِ عَدُوِّهِمُ الْمُتَفَوِّقِ عَلَيْهِمْ فِي الْعَدَدِ وَالْعَتَادِ لَأَمْرٌ يُثِيرُ الدَّهْشَةَ فِعْلًا، وَهُوَ إِنْ دَلَّ عَلَى شَيْءٍ؛ فَإِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى مَا كَانَ يَتَمَتَّعُ بِهِ أُولَئِكَ الْقَوْمُ مِنْ إِيمَانٍ عَظِيمٍ وَقَوِيٍّ، ذَلِكَ الْإِيمَانُ الَّذِي جَعَلَهُمْ يَسْتَصْغِرُونَ مَعَهُ عَدُوَّهُمْ؛ حَتَّى انْقَلَبَتْ مَوَازِينُ الْمَعْارِكِ، فَأَصْبَحَ وَقُودًا أَشْعَلَ نَارَ الشَّجَاعَةِ وَالْإِقْدَامِ فِي نُفُوسِهِمْ، وَأَوْقَدَ الْحَمَاسَةَ فِي قُلُوبِهِمْ، وَأَيْقَظَ كَوَامِنَ قُوَاهُمُ الْبَشَرِيَّةَ الْمَكْنُونَةَ.

لَقَدْ كَانَ الْإِيمَانُ الَّذِي يَتَّقِدُ فِي جَوَارِحِ أُولَئِكَ الْقَوْمِ يَجْعَلُهُمْ أُنَاسًا آخَرِينَ، فَتَرَاهُمْ يَطِيرُونَ فِي سَاحَاتِ الْوَغَى إِلَى الْمَوْتِ طَيَرَانًا، وَيَنْقَضُّونَ عَلَى أَعْدَائِهِمْ وَكَأَنَّهُمْ عُقْبَانٌ تُلَاحِقُ فَرَائِسَهَا؛ وَكَيْفَ لَا وَهُمْ يَتَحَسَّسُونَ الْجَنَّةَ وَنَعِيمَهَا، وَكَأَنَّهُمْ يَرَوْنَهَا أَمَامَهُمْ رَأْيَ الْعَيْنِ، فَيَنْدَفِعُونَ إِلَيْهَا، جَارِفِينَ أَمَامَهُمْ سُدُودَ الْأَعْدَاءِ، جَاعِلِينَ مِنْهَا طُرُقًا مُمَهَّدَةً لِلدُّخُولِ إِلَى جَنَّاتِ النَّعِيمِ؟!!

فالنَّبِيُّ ﷺ وَضَعَ أَصْحَابَهُ.. كُلًّا فِيمَا يُحْسِنُهُ، فَكَانُوا -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- عِنْدَ حُسْنِ الظَّنِّ بِهِمْ، وَفَتَحُوا الْعَالَمَ الْقَدِيمَ كُلَّهُ، وَتَتَالَتِ الْفُتُوحُ عَلَى أَيْدِي التَّابِعِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ، ثُمَّ جَاءَ خَلَفٌ طَالِحٌ، فَضَيَّعَ الْأَمْجَادَ السَّالِفَةَ، وَسَلَّمَ الْبُلْدَانَ سِلْعَةً رَخِيصَةً بِالْخِيَانَةِ مَرَّةً، وَبِالتَّوَاطُؤِ مَرَّةً، وَبِالتَّآمُرِ مَرَّاتٍ، وَبِالتَّخَاذُلِ وَالتَّهَاوُنِ، وَعَدَمِ التَّمَسُّكِ بِدِينِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-؛ حَتَّى وَصَلْنَا إِلَى مَا وَصَلْنَا إِلَيْهِ، وَاللهُ -تَعَالَى- الْمُسْتَعَانُ، وَعَلَيْهِ التُّكْلَانُ، وَهُوَ حَسْبُنَا وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.

((أَنْوَاعٌ مِنَ الشُّهَدَاءِ مِنْ أُمَّةِ النَّبِيِّ ﷺ))

عِبَادَ اللهِ! لَمَّا كَانَ الْإِسْلَامُ دِينَ الْمُرُوءَةِ وَالشَّهَامَةِ، وَالْعِفَّةِ، وَحِفْظِ الْأَنْفُسِ وَالْأَعْرَاضِ وَالْأَمْوَالِ وَالْحُقُوقِ؛ جَعَلَ مَنْ مَاتَ فِي سَبِيلِ الدِّفَاعِ عَنْ ذَلِكَ شَهِيدًا؛ فَقَدْ سَأَلَ النَّبِيُّ ﷺ أَصْحَابَهُ يَوْمًا عَنِ الشَّهِيدِ: ((مَا تَعُدُّونَ الشَّهِيدَ فِيكُمْ؟)).

فَقَالُوا: الَّذِي يَمُوتُ مُجَاهِدًا فِي سَبِيلِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-.

يَمُوتُ فِي سَاحَةِ الْوَغَى، فِي سَاحَةِ الْقِتَالِ.

فَقَالَ ﷺ: ((إِنَّ شُهَدَاءَ أُمَّتِي إِذَنْ لَقَلِيلٌ)).

ثُمَّ بَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْوَاعًا مِنَ الشُّهَدَاءِ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَلَيْسُوا مِمَّنْ مَاتَ فِي الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَلَا فِي سَاحَةِ الْمَعْرَكَةِ.

شَهِيدُ الْمَعْرَكَةِ.. وَمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-؛ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا؛ هَذَا شَهِيدُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ؛ هَذَا يُكَفَّنُ فِي ثِيَابِهِ، لَا يُغَسَّلُ، وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَيَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَجُرْحُهُ يَخْرُجُ مِنْهُ رِيحُ الْمِسْكِ؛ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ، مَعَ أَنَّ اللَّوْنَ لَوْنُ الدَّمِ.

هَذَا شَهِيدُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.

وَأَمَّا شُهَدَاءُ الْآخِرَةِ -لَا شُهَدَاءُ الدُّنْيَا-؛ فَلَا تَجْرِي عَلَيْهِمْ أَحْكَامُ شَهَادَةِ الْقَتْلِ فِي الْمَعَارِكِ جِهَادًا فِي سَبِيلِ اللهِ.

الَّذِي يُدَافِعُ عَنْ مَالِهِ، عَنْ عِرْضِهِ، يُدَافِعُ عَنْ دَمِهِ؛ هَذَا إِذَا مَاتَ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَأَمَّا مَنِ اعْتَدَى عَلَيْهِ؛ فَهَذَا قَاتِلٌ، يُحَاسِبُهُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- حِسَابَ الْقَاتِلِينَ الْمُعْتَدِينَ.

وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((الْمَبْطُونُ شَهِيدٌ))، مَنْ قَتَلَهُ بَطْنُهُ فَهُوَ شَهِيدٌ؛ يَعْنِي: الَّذِي يُصَابُ فِي كَبِدِهِ فَيَمُوتُ بِهِ، أَوْ فِي كُلْيَتَيْهِ فَيَمُوتُ بِذَلِكَ، الَّذِي يَأْتِيهِ سَرَطَانٌ فِي الْأَمْعَاءِ، أَوْ فِي الْمُسْتَقِيمِ، أَوْ فِي الْمَثَانَةِ، أَوْ فِي الْبُرُوسْتَاتَا، أَوْ مَا أَشْبَهَ، يَعْنِي: مَا كَانَ مِنْ أَمْرٍ يَكُونُ مُؤَدِّيًا إِلَى الْمَوْتِ فِي الْبَطْنِ، فَإِنَّ مَنْ صَبَرَ عَلَى ذَلِكَ؛ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، وَاحْتِسَابًا عِنْدَ اللهِ مَا لَهُ مِنَ الْأَجْرِ الْحَسَنِ؛ فَهُوَ شَهِيدٌ.

فِي التَّقْسِيمِ الطِّبِيِّ التَّشْرِيحِيِّ الْحَدِيثِ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْبَطْنِ وَالْحَوْضِ؛ وَلَكِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مَعْهُودًا عِنْدَ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَالْقُرْآنُ عَرَبِيٌّ، فَمَهْمَا كَانَ مِنْ دَاءٍ فِي الْحَوْضِ مِنْ شَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْتُ بَعْضَهُ، فَأَدَّى إِلَى الْوَفَاةِ؛ فَهُوَ -أَيْضًا- دَاخِلٌ فِي قَوْلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ: ((الْمَبْطُونُ شَهِيدٌ)).

قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((صَاحِبُ السِّلِّ شَهِيدٌ))؛ السِّلُّ: هُوَ السُّلُّ، يَعْنِي: الْمَسْلُولُ الَّذِي يُصِيبُهُ السُّلُّ غَالِبًا فِي رِئَتَيْهِ، فَإِنَّهُ إِذَا مَاتَ بِذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ يَكُونُ -أَيْضًا- شَهِيدًا، كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ.

 ((وَمَنْ مَاتَ مَطْعُونًا -أَيْ: بِالطَّاعُونِ- فَهُوَ شَهِيدٌ)).

وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((صَاحِبُ الْهَدْمِ شَهِيدٌ))؛ يَعْنِي: الَّذِي يَسْقُطُ عَلَيْهِ جِدَارٌ، يَسْقُطُ عَلَيْهِ السَّقْفُ، يُهْدَمُ عَلَيْهِ الْبَيْتُ، فَيَمُوتُ؛ هُوَ شَهِيدٌ، قَالَ ﷺ: ((صَاحِبُ الْهَدْمِ شَهِيدٌ)).

وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((الْغَرِقُ شَهِيدٌ))، وَ((الْحَرِقُ شَهِيدٌ)) يَعْنِي: مَنْ مَاتَ غَرَقًا؛ فَهُوَ شَهِيدٌ أَيْضًا، وَمَنْ مَاتَ مَحْرُوقًا؛ فَهُوَ شَهِيدٌ أَيْضًا.

فَبَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْوَاعًا مِنَ الشُّهَدَاءِ، وَذَكَرَ لَوْنًا مِنَ الشَّهَادَةِ، كَانَ الصَّحَابَةُ أَنْفُسُهُمْ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- لَا يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مِنَ الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّهُمْ لَمَّا سُئِلُوا عَنِ الشَّهِيدِ قَالُوا: الَّذِي يَمُوتُ فِي الْمَعْرَكَةِ، فَقَالَ: ((إِذَنْ شُهَدَاءُ أُمَّتِي قَلِيلٌ)).

* ذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ -أَيْضًا- مِنْ أَنْوَاعِ الشُّهَدَاءِ الْمَرْأَةَ تَمُوتُ فِي نِفَاسِهَا، ((فَتَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَجُرُّهَا وَلِيدُهَا بِسَرَرِهِ؛ حَتَّى يُدْخِلَهَا الْجَنَّةَ)) السَّرَرُ: هُوَ الْحَبْلُ السُّرِّيُّ.

فَتَصَوَّرْ هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَالْمَرْأَةُ تَمُوتُ فِي أَثْنَاءِ الْوَضْعِ، أَوْ تَمُوتُ فِي أَثْنَاءِ النِّفَاسِ -يَعْنِي: قَبْلَ أَنْ تَطْهُرَ مِنْ نِفَاسِهَا-؛ فَهَذِهِ.. يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ: ((إِنَّ وَلَدَهَا يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ جَارًّا لَهَا بِسَرَرِهِ -يَعْنِي: بِالْحَبْلِ السُّرِّيِّ-؛ حَتَّى يُدْخِلَهَا الْجَنَّةَ)).

كُلُّ هَؤُلَاءِ أَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ لَهُمْ مَقَامًا عِنْدَ اللهِ؛ بِشَرْطِ أَنْ يَمُوتُوا عَلَى التَّوْحِيدِ، وَالصَّبْرِ عَلَى مَقَادِيرِ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ، مُتَّبِعِينَ لِلنَّبِيِّ الْكَرِيمِ ﷺ.

كَمَا لَا يُحْرَمُ فَضْلَ الشَّهَادَةِ مَنْ سَأَلَهَا بِصِدْقِ نِيَّةٍ وَإِخْلَاصِ طَوِيَّةٍ، أَخْرَجَ مُسْلِمٌ فِي ((صَحِيحِهِ)) بِسَنَدِهِ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: ((مَنْ سَأَلَ اللهَ الشَّهَادَةَ بِصِدْقٍ؛ بَلَّغَهُ اللهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ؛ وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ)).

((وَاجِبُنَا نَحْوَ أُسَرِ الشُّهَدَاءِ))

إِنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ قَدْ ضَحَّوْا بِأَرْوَاحِهِمْ، وَخَلَّفُوا وَرَاءَهُمْ أُسَرًا وَأَطْفَالًا، وَإِنَّ لَهُمْ عَلَيْنَا حُقُوقًا، وَمِنْهَا: النَّظَرُ إِلَيْهِمْ نَظَرَ الْإِجْلَالِ وَالْإِكْبَارِ، وَالِاعْتِرَافُ بِالْفَضْلِ؛ فَقَدْ قَالَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: {هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ}.

وَقَالَ ﷺ: ((مَنْ صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَا تُكَافِئُونَهُ، فَادْعُوا لَهُ حَتَّى تَرَوْا أَنَّكُمْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ».

وَمِنْ حُقُوقِ أَبْنَاءِ الشُّهَدَاءِ: أَلَّا نُشْعِرَهُمْ بِمَرَارَةِ فَقْدِ الْأَبِ، وَيَكُونُ ذَلِكَ بِتَعَهُّدِهِمْ، وَتَفَقُّدِ أَحْوَالِهِمْ، وَالِاهْتِمَامِ بِشُؤُونِهِمْ، وَالدُّعَاءِ لَهُمْ، وَالْبَشَاشَةِ فِي وُجُوهِهِمْ، وَحُسْنِ مُعَامَلَتِهِمْ؛ فَفِي غَزْوَةِ مُؤْتَةَ أَوْ وَقْعَةِ مُؤْتَةَ قُتِلَ الْقُوَّادُ الثَّلَاثَةُ الَّذِينَ عَيَّنَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى التَّوَالِي، وَهُمْ: زَيْدٌ، وَجَعْفَرٌ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ.

قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-: ((أَمْهَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ آلَ جَعْفَرٍ ثَلَاثًا أَنْ يَأْتِيَهُمْ، ثُمَّ أَتَاهُمْ، فَقَالَ: ((لَا تَبْكُوا عَلَى أَخِي بَعْدَ الْيَوْمِ، ادْعُوا إِلَيَّ ابْنَيْ أَخِي)).

قَالَ: فَجِيءَ بِنَا كَأَنَّا أَفْرُخٌ!

فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((ادْعُوا لِيَ الْحَلَّاقَ))، فَجِيءَ بِالْحَلَّاقِ، فَحَلَقَ رُؤُوسَنَا، ثُمَّ قَالَ ﷺ: ((أَمَّا مُحَمَّدٌ -مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ-؛ فَشَبِيهُ عَمِّنَا أَبِي طَالِبٍ، وَأَمَّا عَبْدُ اللهِ؛ فَشَبِيهُ خَلْقِي وَخُلُقِي)).

عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ يَقُولُ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: ((أَنْتَ شَبِيهُ خَلْقِي وَخُلُقِي)).

ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((اللهم اخْلُفْ جَعْفًرا فِي أَهْلِهِ، وَبَارِكْ لِعَبْدِ اللهِ فِي صَفْقَةِ يَمِينِهِ))، قَالَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.

قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-: ((فَجَاءَتْ أُمُّنَا -وَهِيَ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ الْخَثْعَمِيَّةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا--، فَذَكَرَتْ لَهُ يُتْمَنَا)).

فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((الْعَيْلَةَ تَخَافِينَ عَلَيْهِمْ وَأَنَا وَلِيُّهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ؟!!)). أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ.

وَالْعَيْلَةُ -بِفَتْحِ الْعَيْنِ-: الْفَقْرُ.

وَرَوَى الشَّيْخَانِ فِي ((صَحِيحَيْهِمَا)) عَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- قَالَتْ: ((لَمَّا جَاءَ قَتْلُ ابْنِ حَارِثَةَ، وَجَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَعَبْدِ اللهِ بْنِ رَوَاحَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ-؛ جَلَسَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُعْرَفُ فِيهِ الْحُزْنُ، قَالَتْ عَائِشَةُ: ((وَأَنَا أَطَّلِعُ مِنْ صَائِرِ الْبَابِ -تَعْنِي: مِنْ شِقِّ الْبَابِ-، فَأَتَاهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: أَيْ رَسُولَ اللهِ! إِنَّ نِسَاءَ جَعْفَرٍ.. وَذَكَرَ بُكَاءَهُنَّ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَنْهَاهُنَّ، فَذَهَبَ الرَّجُلُ ثُمَّ أَتَى، فَقَالَ: قَدْ نَهَيْتُهُنَّ، وَذَكَرَ أَنَّهُ لَمْ يُطِعْنَهُ، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَيْضًا، فَذَهَبَ ثُمَّ أَتَى، فَقَالَ: وَاللهِ لَقَدْ غَلَبْنَنَا، فَزَعَمْتُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: ((فَاحْثُ فِي أَفْوَاهِهِنَّ مِنَ التُّرَابِ)).

ضَمِيرُ الْمُتَكَلِّمِ فِي قَوْلِ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا-: ((فَزَعَمْتُ)) لِلرَّجُلِ الَّذِي أَرْسَلَهُ الرَّسُولُ؛ يَعْنِي: أَنَّهُ قَالَ هَذَا نَقْلًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَالنَّبِيُّ لَمْ يَقُلْهُ ﷺ، قَالَ: ((وَاللهِ! لَقَدْ غَلَبْنَنَا، فَلَمْ يَنْتَهِينَ عَنِ الْبُكَاءِ، فَزَعَمْتُ لَهُمْ؛ فَقُلْتُ لَهُمْ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: ((فَاحْثُ فِي أَفْوَاهِهِنَّ مِنَ التُّرَابِ))، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ: أَرْغَمَ اللهُ أَنْفَكَ، فَوَاللهِ مَا أَنْتَ تَفْعَلُ، وَمَا تَرَكْتَ رَسُولَ اللهِ ﷺ مِنَ الْعَنَاءِ -الْعَنَاءُ (بِفَتْحِ الْعَيْنِ): التَّعَبُ-، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِأَهْلِهِ: ((اصْنَعُوا لِآلِ جَعْفَرٍ طَعَامًا؛ فَقَدْ أَتَاهُمْ مَا يَشْغَلُهُمْ، أَوْ أَمْرٌ يَشْغَلُهُمْ)). أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَه بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ.

كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَتَفَقَّدُ آلَ جَعْفَرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، وَيَهْتَمُّ لِشُؤُونِهِمْ.

وَمِنْ حُقُوقِ أُسَرِ الشُّهَدَاءِ عَلَيْنَا: الِاهْتِمَامُ بِصِحَّتِهِمْ، وَالِاطْمِئْنَانُ عَلَيْهِمْ، وَعِلَاجُهُمْ إِذَا مَرِضُوا؛ فَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ فِي ((صَحِيحِهِ))، وَأَحْمَدُ فِي ((مُسْنَدِهِ)) -وَاللَّفْظُ لَهُ- عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِأَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ: ((مَا شَأْنُ أَجْسَامِ بَنِي أَخِي ضَارِعَةَ -أَيْ: نَحِيفَةً-؟ أَتُصِيبُهُمْ حَاجَةٌ -أَيْ: فَاقَةٌ-؟)).

قَالَتْ: ((لَا، وَلَكِنْ تُسْرِعُ إِلَيْهِمُ الْعَيْنُ؛ أَفَنَرْقِيهِمْ؟))؛ تَسْأَلُ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ رَسُولَ اللهِ ﷺ.

قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((وَبِمَاذَا؟))؛ يَسْتَفْسِرُ عَنِ الرُّقْيَةِ الَّتِي تَرْقِي بِهَا.

قَالَتْ: ((فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ))؛ أَيِ: الرُّقَى الَّتِي تَرْقِي بِهَا أَبْنَاءَهَا.

فَقَالَ ﷺ: ((ارْقِيهِمْ)).

* وَمِنْ حُقُوقِ أُسَرِ الشُّهَدَاءِ: تَوْفِيرُ الْحَيَاةِ الْكَرِيمَةِ الْمُسْتَقِرَّةِ لَهُمْ، وَرِعَايَتُهُمْ وَكَفَالَتُهُمْ؛ فَعِنْدَ ابْنِ خُزَيْمَةَ، وَالنَّسَائِيِّ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا، أَوْ جَهَّزَ حَاجًّا، أَوْ خَلَفَهُ فِي أَهْلِهِ، أَوْ فَطَّرَ صَائِمًا؛ كَانَ لَهُ مِثْلُ أُجُورِهِمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ». وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ.

إِنَّ فِي السَّعْيِ عَلَى الْيَتِيمِ أَجْرًا، وَفِي الْإِحْسَانِ إِلَيْهِ أَجْرًا، وَقَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ فِي الْجَنَّةِ كَهَاتَيْنِ»، وَجَمَعَ بَيْنَ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى؛ يَعْنِي: أَنَّهُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْجَنَّةِ، وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ الثَّوَابِ وَالْأَجْرِ.. أَنْ يُحْشَرَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْجَنَّةِ بِسَبَبِ عَمَلٍ صَالِحٍ قَدَّمَهُ فِي الدُّنْيَا.

وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ فِي ((الصَّحِيحِ)) عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ فِي الْجَنَّةِ هَكَذَا»، وَقَالَ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى.

قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ -رَحِمَهُ اللهُ-: «حُقَّ عَلَى مَنْ سَمِعَ هَذَا الْحَدِيثَ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ؛ لِيَكُونَ رَفِيقَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْجَنَّةِ، وَلَا مَنْزِلَةَ فِي الْآخِرَةِ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ».

فَكَفَالَةُ الْيَتِيمِ جَزَاؤُهَا عَظِيمٌ جِدًّا؛ فَلْيَحْرِصِ الْإِنْسَانُ عَلَى أَنْ يُصِيبَ مِنْ ذَلِكَ مَا تَقَرُّ بِهِ عَيْنُهُ فِي الْآخِرَةِ.

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «السَّاعِي عَلَى الْأَرْمَلَةِ وَالْمَسَاكِينِ كَالْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَكَالَّذِي يَصُومُ النَّهَارَ وَيَقُومُ اللَّيْلَ». أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي «الصَّحِيحِ»، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي «صَحِيحِهِ».

«السَّاعِي»: الَّذِي يَذْهَبُ وَيَجِيءُ فِي تَحْصِيلِ مَا يَنْفَعُ الْأَرْمَلَةَ وَالْمِسْكِينَ.

«الْأَرْمَلَةُ»: الَّتِي مَاتَ عَنْهَا زَوْجُهَا، سُمِّيَتْ أَرْمَلَةً؛ لِمَا يَحْصُلُ لَهَا مِنَ الْإِرْمَالِ، وَالْإِرِمَالُ: الْفَقْرُ وَذَهَابُ الزَّادِ؛ لِفَقْدِ الزَّوْجِ، يُقَالُ: أَرْمَلَ الرَّجُلُ؛ إِذَا فَنِيَ زَادُهُ.

«الْمَسَاكِينُ»: جَمْعُ مِسْكِينٍ: وَهُوَ الَّذِي لَا شَيْءَ لَهُ، وَقِيلَ: هُوَ الَّذِي لَهُ بَعْضُ شَيْءٍ.

مِنْ مَزَايَا دِينِ الْإِسْلَامِ: كَثْرَةُ الْأُجُورِ عَلَى الْعَمَلِ الْقَلِيلِ، فَهَذَا السَّاعِي عَلَى الْأَرْمَلَةِ؛ أَيِ: الْمَرْأَةِ الَّتِي بِجَانِبِهِ، سَوَاءٌ فَقَدَتِ الزَّوْجَ، أَمْ أَنَّهَا فِي جَانِبِ وَلِيِّ أَمْرِهَا، وَهُوَ يَسْعَى عَلَيْهَا؛ لِيُؤَمِّنَ حَاجَاتِهَا الضَّرُورِيَّةَ، مُحْتَسِبًا الْأَجْرَ عِنْدَ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِ الْقُرُبَاتِ.

وَالسَّاعِي عَلَى الْمِسْكِينِ؛ سَوَاءٌ مِنْ قَرَابَتِهِ، أَوْ مِنْ غَيْرِ قَرَابَتِهِ، يَسْعَى لِيُؤَمِّنَ قُوتَهُ الضَّرُورِيَّ، وَيَكْفِيَهِ مُؤْنَةَ الْعَيْشِ؛ مِنْ مَأْكَلٍ وَمَشْرَبٍ وَمَسْكَنٍ بِقَدْرِ مَا يَسْتَطِيعُ.

وَكَذَلِكَ يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ: الْأَيْتَامُ، وَهُمْ أَحْوَجُ الْأَصْنَافِ إِلَى الْعِنَايَةِ بِهِمْ، وَالْيَتِيمُ: هُوَ مَنْ فَقَدَ أَبَاهُ مِنْ بَنِي آدَمَ؛ لِأَنَّ الْأَبَ هُوَ الْمُتَكَفِّلُ بِالْإِنْفَاقِ عَلَى الْوَلَدِ؛ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى، وَهُوَ الْمُرَبِّي التَّرْبِيَةَ الدِّينِيَّةَ، فَيَكُونُ أَحْرَصَ عَلَى وَلَدِهِ مِنْ حِرْصِهِ عَلَى نَفْسِهِ.

فَالسَّاعِي عَلَيْهِ -عَلَى الْيَتِيمِ- كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَفَضْلُ الْجِهَادِ مَعْلُومٌ فِي شَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ، بِأَنَّ اللهَ -عَزَّ وَجَلَّ- يُبَوِّئُ الْمُجَاهِدَ الْمَنَازِلَ الْعَالِيَةَ فِي الْجَنَّةِ، وَفِي الْحَدِيثِ: «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ مِئَةَ دَرَجَةٍ أَعَدَّهَا اللهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِهِ، كُلُّ دَرَجَتَيْنِ مَا بَيْنَهُمَا كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ».

فَالسَّاعِي عَلَى الْأَرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ وَالْفَقِيرِ.. كَأَنَّهُ مُجَاهِدٌ فِي سَبِيلِ اللهِ.

فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْعَظِيمِ: بَيَانُ أَنَّ السَّعْيَ عَلَى الْأَرْمَلَةِ وَالْيَتِيمِ وَالْمَسَاكِينِ، وَالْإِنْفَاقَ عَلَيْهِمْ، وَالْقِيَامَ عَلَى أُمُورِهِمْ جِهَادٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَكَالَّذِي يَصُومُ النَّهَارَ، وَيَقُومُ اللَّيْلَ.

وَفِيهِ: أَنَّ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ يَتَحَصَّلُ الْمَرْءُ مِنْهُ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ الْحَسَنَاتِ، وَعَلَى الْإِنْسَانِ أَلَّا يَحْقِرَنَّ مِنَ الْمَعْرُوفِ شَيْئا.

وَيَنْبَغِي عَلَيهِ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي تَوْصِيلِ الْخَيْرَاتِ إِلَى الْمُسْلِمِينَ؛ مِنَ الْأَرَامِلِ، وَالْمَسَاكِينِ، وَالْأَيْتَامِ، وَالْمُعْوِزِينَ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ أَعْظَمِ وُجُوهِ الْبِرِّ وَالْقُرَبِ وَالطَّاعَاتِ؛ حَتَّى جَعَلَهُ ﷺ كَالْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَصِيَامِ النَّهَارِ، وَقِيَامِ اللَّيْلِ.

* إِنَّ اللهَ -جَلَّ وَعَلَا- يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ، وَمِنْ صَلَاحِ الْآبَاءِ مَا يَعُودُ عَلَى أَبْنَائِهِمْ، قَالَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: {وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلاَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا} [الكهف: 82].

يَقُولُ -تَعَالَى- ذِكْرُهُ مُخْبِرًا عَنْ قَوْلِ صَاحِبِ مُوسَى: وَأَمَّا الْجِدَارُ الَّذِي عَدَّلْتُ مَيْلَهُ حَتَّى صَارَ مُسْتَوِيًا؛ فَهُوَ مِلْكُ غُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ، وَكَانَ تَحْتَ الْجِدَارِ مَالٌ مَدْفُونٌ مُخَبَّأٌ لَهُمَا، وَكَانَ أَبُوهُمَا رَجُلًا صَالِحًا مِنَ الْأَتْقِيَاءِ، فَأَرَادَ رَبُّكَ بِسَبَبِ صَلَاحِ وَالِدِهِمَا أَنْ يَبْلُغَا قُوَّتَهُمَا وَكَمَالَ عَقْلِهِمَا، وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا إِذَا بَلَغَا وَعَقَلَا وَقَوِيَا؛ رَحْمَةً وَعَطَاءً مِنْ رَبِّكَ لَهُمَا.

((شَهِيدُ الْحَقِّ وَشُهَدَاءُ الْبَاطِلِ وَالْجَمَاعَاتِ الضَّالَّةِ))

عِبَادَ اللهِ! عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يُحِبَّ بَلَدَهُ الْإِسْلَامِيَّ، وَأَنْ يُدَافِعَ عَنْهُ، وَأَنْ يَمُوتَ دُونَهُ؛ فَإِنَّ مَنْ مَاتَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَالْأَرْضُ مَالٌ، فَمَنْ مَاتَ دُونَ مَالِهِ فَهُو شَهِيدٌ.

أَمَّا قَتِيلُ الْبَاطِلِ -الَّذِي يَسْفِكُ دِمَاءَ الْأَبْرِيَاءِ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَيُرَوِّعُ أَبْنَاءَ الْوَطَنِ، وَيُهَدِّدُ أَمْنَهُمْ وَأَمَانَهُمْ، وَيَسْعَى إِلَى نَشْرِ الْفَسَادِ وَالْفَوْضَى فِي الْأَرْضِ، وَيُرَوِّعُ الْآمِنِينَ بِعَمَلِيَّاتٍ انْتِحَارِيَّةٍ، وَتَفْجِيرَاتٍ إِرْهَابِيَّةٍ لَا يُقِرُّهَا دِينٌ، وَلَا يَقْبَلُهَا عَقْلٌ-؛ فَإِنَّهُ لَا يُعَدُّ شَهِيدًا، وَوَصْفُهُ بِالشَّهِيدِ ادِّعَاءٌ كَاذِبٌ لَا صِحَّةَ لَهُ، وَتَحْرِيفٌ لِلْكَلِمِ عَنْ مَوَاضِعِهِ.

وَاللهُ -جَلَّ وَعَلَا- أَمَرَ بِجِهَادِ الكُفَّارِ تَحْتَ وِلَايَةٍ مِنْ وِلَايَاتِ المُسْلِمِينَ، أَمَّا التَّفْجِيرُ وَالتَّدْمِيرُ، وَالقَتْلُ وَالتَّخْرِيبُ، وَالتَّفْزِيعُ وَالتَّرْوِيعُ؛ فَهَذَا مِمَّا يَنْهَى عَنْهُ الإِسْلَامُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَبِّبُ شَرًّا عَلَى المُسْلِمِينَ وَحْدَهُمْ، وَإِنَّمَا يَسُوقُ الشَّرَّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ قَبْلَ غَيْرِهِمْ، وَهُوَ مَضَرَّةٌ مَحْضَةٌ بِدُونِ فَائِدَةٍ.

وَاللهُ -جَلَّ وَعَلَا- حَرَّمَ الِاعْتِدَاءَ عَلَى الأَنْفُسِ المَعْصُومَةِ وَالأَمْوَالِ المُحْتَرَمَةِ، وَحَرَّمَ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِهِ -جَلَّ وَعَلَا-، وَجَعَلَهُ بَيْنَ عِبَادِهِ مُحَرَّمًا، وَنَهَاهُمْ -تَعَالَى- أَنْ يَتَظَالَمُوا.

مَوْضُوعُ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ: هُوَ اسْمٌ جَامِعٌ لِسُلُوكِ كُلِّ سَبَبٍ وَوَسِيلَةٍ فِي إِعْلَاءِ كَلِمَةِ الدِّينِ، وَفِي مُقَاوَمَةِ الْأَعْدَاءِ، وَالْحَذَرِ وَالتَّحَرُّزِ مِنْهُمْ.

آخَرُونَ قَصَرُوهُ عَلَى حَمْلِ السِّلَاحِ لِإِحْدَاثِ الْفَوْضَى فِي بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ، يُكَفِّرُونَ جُيُوشَهُمْ، وَكَذَلِكَ وُلَاةَ أُمُورِهِمْ؛ بَلْ يُكَفِّرُونَ عُمُومَ شُعُوبِهِمْ، ثُمَّ يُشْهِرُونَ السِّلَاحَ فِي وُجُوهِ هَؤُلَاءِ الْمُرْتَدِّينَ، وَيَقُولُونَ: بِهَذَا يُعِزُّ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- الْمُسْلِمِينَ، وَيَرْفَعُ كَلِمَةَ الدِّينِ!!

وَهَذَا لَا شَكَّ يَجْزِمُ كُلُّ عَاقِلٍ بِأَنَّهُ عَلَى النَّقِيضِ مِمَّا يَقُولُونَ؛ بَلْ إِنَّهُ لَا يُحَارَبُ الدِّينُ بِمِثْلِ هَذَا الَّذِي يَصْنَعُونَ، وَلَا يُحَادَدُ الدِّينُ بِمِثْلِ هَذَا الَّذِي يَأْتُونَ؛ لِأَنَّهُمْ يُوهِنُونَ قُوَى الْمُسْلِمِينَ، وَيَجْعَلُونَ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ دَابَّةً بِعَقَارِبِهَا بَيْنَ جُنُوبِهِمْ، وَفِي مُعَامَلَاتِهِمْ.

إِذَنْ؛ فَلَمْ يَفْهَمُوا مَوْضُوعَ الْجِهَادِ عَلَى وَجْهِهِ.

فَاللهم بِأَسْمَائِكَ الْحُسْنَى وَصِفَاتِكَ الْمُثْلَى نَسْأَلُكَ الشَّهَادَةَ فِي سَبِيلِكَ فِي غَيْرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ وَلَا فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ.

وَصَلَّى اللَّـهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ.

 

المصدر: فَضْلُ الشَّهَادَةِ وَوَاجِبُنَا نَحْوَ أُسَرِ الشُّهَدَاءِ

التعليقات


خطب مفرغة قد تعجبك


  مصر وحرب الاستنزاف الإرهابية
  الإسلام رحمة في السلم والحرب
  الْآدَابُ وَالْحُقُوقُ الْعَامَّةُ لِلْمُجْتَمَعِ وَأَثَرُهَا فِي رُقِيِّهِ وَبِنَاءِ حَضَارَتِهِ
  أَفْضَلُ أَيَّامِ الدُّنْيَا
  ((دُرُوسٌ وَعِظَاتٌ مِنْ تَفْسِيرِ الْآيَاتِ)) ​((الدَّرْسُ السَّادِسُ: احْذَرُوا عَوَاقِبَ الذُّنُوبِ!))
  فَضْلُ تَعْلِيمِ الْعِلْمِ
  كَيْفَ نَسْتَمْطِرُ الرَّحَمَاتِ الرَّبَّانِيَّةَ؟
  الْجَوَانِبُ الْإِيمَانِيَّةُ وَالْأَخْلَاقِيَّةُ فِي الصَّوْمِ
  فِقْهُ التَّعَامُلِ مَعَ الرِّيَاحِ وَالْأَمْطَارِ
  الْإِيمَانُ وَالْعِلْمُ
  • شارك

نبذة عن الموقع

موقع تفريغات العلامة رسلان ، موقع يحتوي على العشرات من الخطب والمحاضرات والمقاطع المفرغة لفضيلة الشيخ العلامة أبي عبدالله محمد بن سعيد رسلان-حفظه الله- . كما يعلن القائمون على صفحة وموقع تفريغات العلامة رسلان -حفظه الله- أن التفريغات للخطب ليست هي الشكل النهائي عند الطباعة، ولكن نحن نفرغ خطب الشيخ حفظه الله ونجتهد في نشرها ليستفيد منها طلاب العلم والدعاة على منهاج النبوة في كل أنحاء الدنيا، ونؤكد على أنَّ الخطب غير مُخرَّجة بشكل كامل كما يحدث في خطب الشيخ العلامة رسلان المطبوعة وليست الكتب المنشورة على الصفحة والموقع هي النسخة النهائية لكتب الشيخ التي تُطبع...وهذه الكتب ما هي إلا تفريغ لخطب الشيخ، غير أنَّ كتب الشيخ التي تُطبع تُراجع من الشيخ -حفظه الله- وتُخرج. والتفريغ عملٌ بشريٌ، ونحن نجتهد في مراجعة التفريغات مراجعة جيدة، فإذا وقع خطأ أو شكل الخطب كما نخرجها -إنما نُحاسب نحن عليها والخطأ يُنسب لنا وليس للشيخ -حفظه الله-.

الحقوق محفوظة لكل مسلم موقع تفريغات العلامة رسلان