اللهَ اللهَ فِي أُمَّهَاتِكُمْ!!

اللهَ اللهَ فِي أُمَّهَاتِكُمْ!!

((اللهَ اللهَ فِي أُمَّهَاتِكُمْ!!))

إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَلَّا إِلهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ.

أَمَّا بَعْدُ:

فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.

أَمَّا بَعْدُ:

((وَصِيَّةُ اللهِ بِالْإِحْسَانِ لِلْوَالِدَيْنِ))

فَقَدْ أَمَرَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- الْإِنْسَانَ وَوَصَّاهُ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا؛ أَيْ: بِبِرِّهِمَا وَالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمَا بِالْقَوْلِ وَالْعَمَلِ، وَأَنْ يُحَافِظَ عَلَى ذَلِكَ، وَلَا يَعُقَّهُمَا وَيُسِيءَ إِلَيْهِمَا فِي قَوْلِهِ وَعَمَلِهِ.

قَالَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-:{وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا} [العنكبوت: ٨].

وَأَمَرْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ أَنْ يَبَرَّهُمَا، وَيُحْسِنَ إِلَيْهِمَا، وَيُطِيعَ أَمْرَهُمَا فِي الْمَعْرُوفِ.

عِبَادَ اللهِ! إِنَّ مِنْ لُطْفِ اللهِ -تَعَالَى- بِعِبَادِهِ وَشُكْرِهِ لِلْوَالِدَيْنِ أَنْ وَصَّى الْأَوْلَادَ وَعَهِدَ إِلَيْهِمْ أَنْ يُحْسِنُوا إِلَى وَالِدِيهِمْ بِالْقَوْلِ اللَّطِيفِ، وَالْكَلَامِ اللَّيِّنِ، وَبَذْلِ الْمَالِ وَالنَّفَقَةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهِ الْإِحْسَانِ.

قَالَ رَبُّنَا -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: {وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا} [الأحقاف:15].

وَأَمَرْنَا الْإِنْسَانَ بِأَنْ يُحْسِنَ إِلَى وَالِدَيْهِ إِحْسَانًا عَظِيمًا، وَيَبَرَّهُمَا بِصُنُوفِ الْبِرِّ فِي حَيَاتِهِمَا وَبَعْدَ مَمَاتِهِمَا.

 ((حَنَانُ الْأُمِّ وَشَفَقَتُهَا فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ))

وَصَفَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- الْأُمَّ فِي الْقُرْآنِ بِالرَّحْمَةِ وَالشَّفَقَةِ، وَالرِّضَا وَالصَّبْرِ عَلَى تَحَمُّلِ الْمَشَاقِّ مِنْ أَجْلِ أَبْنَائِهَا؛ فَقَالَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: {وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا ۖ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا ۖ وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا} [الأحقاف: 15].

{وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا ۖ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ} مُدَّةَ حَمْلِهِ حَمْلًا ذَا مَشَقَّةٍ، وَهِيَ رَاضِيَةٌ صَابِرَةٌ، حَرِيصَةٌ عَلَى سَلَامَتِهِ، وَوَضَعَتْهُ حِينَ وِلَادَتِهِ وَضْعًا ذَا مَشَقَّةٍ وَهِيَ رَاضِيَةٌ فَرِحَةٌ بِهِ وَلِيدًا لَهَا.

وَقَالَ تَعَالَى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ۖ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ} [البقرة: 233].

وَالْأُمَّهَاتُ سَوَاءٌ أَكُنَّ أَزْوَاجًا لِآبَاءِ الْأَوْلَادِ، أَوْ كُنَّ مُطَلَّقَاتٍ مِنْهُنَّ، يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ فِي حُكْمِ اللهِ الَّذِي نَدَبَ إِلَيْهِ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ شَهْرًا لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ.

فَلَيْسَ مِنْ شَأْنِ الْوَالِدَاتِ ذَوَاتِ الْحَنَانِ وَالشَّفَقَةِ عَلَى أَطْفَالِهِنَّ، وَهُنَّ مُؤْمِنَاتٌ بِرَبِّهِنَّ، أَنْ يَتْرُكْنَ إِرْضَاعَ أَوْلَادِهِنَّ دُونَ ضَرُورَةٍ أَوْ حَاجَةٍ شَدِيدَةٍ.

قَالَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ: {وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا} [القصص: 10].

وَأَصْبَحَ عُمْقُ قَلْبِ أُمِّ مُوسَى -بَعْدَ إِلْقَاءِ وَلِيدِهَا فِي تَابُوتِهِ فِي النِّيلِ- خَفِيفًا طَائِشًا غَيْرَ ذِي وَزْنٍ ثَقِيلٍ يُثَبِّتُهُ، وَبِخِفَّتِهِ وَطَيْشِهِ صَارَ مُؤَهَّلًا لِأَنْ يَتَأَثَّرَ بِآلَامِ نَفْسِهَا مِنْ أَجْلِ وَلَدِهَا.

 ((عِظَمُ حَقِّ الْأُمِّ وَتَقْدِيمُهُ عَلَى حَقِّ الْأَبِ))

إِنَّ مِنَ الْوَاجِبَاتِ الْعَظِيمَةِ بِرَّ الْوَالِدَيْنِ، غَيْرَ أَنَّ لِلْأُمِّ مِنَ الْبِرِّ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِ الْبِرِّ، وَذَلِكَ لِمَا تَحَمَّلَتْهُ مِنَ الْمَشَاقِّ مِنْ بِدَايَةِ الْحَمْلِ إِلَى مَا لَا نِهَايَةَ لَهُ؛ مُدَّةَ حَيَاتِهَا فِي الْحَمْلِ وَالْوِلَادَةِ، وَفِي الرَّضَاعَةِ، وَفِي التَّرْبِيَةِ، كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ لِلْعُقَلَاءِ؛ فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: أَتَى رَجُلٌ نَبِيَّ اللهِ ﷺ فَقَالَ: مَا تَأْمُرُنِي؟

فَقَالَ: «بِرَّ أُمَّكَ».

ثُمَّ عَادَ فقَالَ: «بِرَّ أُمَّكَ».

ثُمَّ عَادَ فقَالَ «بِرَّ أُمَّكَ».

ثُمَّ عَادَ فقَالَ «بِرَّ أُمَّكَ».

ثُمَّ عَادَ الرَّابِعَةَ فَقَالَ «بِرَّ أَبَاكَ». وَالْحَدِيثُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَعَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَنْ أَبَرُّ؟

قَالَ: «أُمَّكَ».

قُلْتُ: مَنْ أَبَرُّ؟

قَالَ: «أُمَّكَ».

قُلْتُ: مَنْ أَبَرُّ؟

قَالَ: «أُمَّكَ».

قُلْتُ: مَنْ أَبَرُّ؟

قَالَ: «أَبَاكَ، ثُمَّ الْأَقْرَبَ فَالْأَقْرَبَ». وَالْحَدِيثُ حَسَنٌ، أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي ((الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ))، وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ -أَيْضًا- فِي ((الْمُسْنَدِ))، وَأَبُو دَاودَ، وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ.

وَ«الْبِرُّ»: هُوَ الْإِحْسَانُ، وَهِيَ كَلِمَةٌ جَامِعَةٌ لِكُلِّ أَنْوَاعِ الْخَيْرِ.

فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْعَظِيمِ: تَقْدِيمُ رِضَا الْأُمِّ عَلَى رِضَا الْأَبِ، والْأُمُّ تَفْضُلُ عَلَى الْأَبِ فِي الْبِرِّ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ؛ لِأَنَّهَا تَحْمِلُ تَعَبَ الْحَمْلِ، وَمَشَقَّةَ الْوَضْعِ، وَمِحْنَةَ الرَّضَاعِ، ثُمَّ تُشَارِكُ الْأَبَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي التَّرْبِيَةِ.

النَّبِيُّ ﷺ قَدْ كَرَّرَ ذِكْرَ الْأُمِّ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ: مَنْ أَبَرُّ؟ قَالَ: «أَمَّكَ».

وَكَرَّرَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، قَالَ «ثُمَّ أَبَاكَ، ثُمَّ الْأَقْرَبَ فَالْأَقْرَبَ»؛ أَيْ: مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ؛ فَحَقُّ الْوَالِدَةِ عَلَى الْوَالِدِ فِي الزِّيَادَةِ مَعْلُومٌ مِنْ سِيَاقِ الْحَدِيثِ.

وَقَدْ قَالَ الْعُلَمَاءُ: إِنَّ ذَلِكَ لِأَنَّ مَا أَدَّتْهُ لَا يَكُونُ مَنْظُورًا؛ مِمَّا وَجَدَتْهُ مِنْ أَلَمِ الْحَمْلِ وَالْوَضْعِ، وَمَا كَانَ مِنَ التَّرْبِيَةِ وَالرِّعَايَةِ فِي الصِّغَرِ.

فَكُلُّ ذَلِكَ لَا يُدْرِكُهُ الْمَرْءُ إِذَا عَلَتْ بِهِ السِّنُونَ، وَإِنَّمَا يَرَى الرِّعَايَةَ مِنْ أَبِيهِ قَائِمًا، وَيَرَى الْإِنْفَاقَ عَلَيْهِ سَارِيًا، فَقَدْ يُفَرِّطُ فِي حَقِّ الْأُمِّ حِينَئِذٍ، فَدَلَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى هَذَا الْأَمْرِ بِهَذِهِ الصُّورَةِ.

وَشَيْءٌ آخَرُ: لِأَنَّهَا ضَعِيفَةٌ لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهَا، وَلَقَدْ يَكُفُّ الرَّجُلُ أَذَاهُ عَنْ أَبِيهِ خَوْفًا مِنْ قُوَّتِهِ وَتَوَقِّيًا لِبَطْشِهِ.

وَأَمَّا الْأُمُّ.. فَلِضَعْفِهَا، وَلِأُنُوثَتِهَا، وَلِرِقَّتِهَا؛ فَإِنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَعْتَدِيَ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ مَا ضَابِطٍ مَا يَضْبِطُهُ، وَلَا كَافٍّ يَكُفُّهُ، فَنَبَّهَ الرَّسُولُ ﷺ عَلَى هَذَا الْأَمْرِ بِهَذِهِ الصُّورَةِ.

وَشَيْءٌ آخَرُ؛ هُوَ: أَنَّ الرَّجُلَ قَدْ يَسْتَحْيِي مِنْ عُقُوقِ أَبِيهِ فِي مَحْضَرٍ مِنَ النَّاسِ؛ خَوْفَ الْمَلَامَةِ مِنْهُمْ، وَحَيَاءً مِنْ مُوَاقَعَةِ هَذَا الْأَمْرِ الَّذِي تَسْتَفْظِعُهُ النُّفُوسُ السَّوِيَّةُ، وَلَا تَقْبَلُهُ الْأَرْوَاحُ الْمُسْتَقِيمَةُ.

وَلَمَّا كَانَتِ الْأُمُّ فِي سِتْرٍ تَحُفُّهَا جُدْرَانُهَا، وَيُمْكِنُ أَنْ يَعُقَّهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَرَاهَا أَحَدٌ وَلَا أَنْ يَلُومَهُ، نَبَّهَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى هَذَا الْأَمْرِ الْعَظِيمِ بِهَذِهِ الصُّورَةِ.

وَشَيْءٌ آخَرُ؛ وَهُوَ: أَنَّ الْمَرْأَةَ لَمَّا كَانَتْ ضَعِيفَةً، وَكَانَتْ لِأُنُوثَتِهَا رَقِيقَةً، وَقَدْ تَكُونُ سَرِيعَةَ الْغَضَبِ، فَإِذَا مَا عَقَّهَا لَمْ تَتَمَاسَكْ، وَلَمْ تَتَجَلَّدْ، وَأَسْرَعَتْ فِي الدُّعَاءِ عَلَى ابْنِهَا الَّذِي عَقَّهَا أَوْ أَسَاءَ إِلَيْهَا.

فَرَاعَى النَّبِيُّ ﷺ هَذِهِ الطَّبِيعَةَ، وَأَمَرَ الْوَلَدَ بِأَنْ يُحْسِنَ صَحَابَتَهَا مَرَّةً وَمَرَّةً وَمَرَّةً؛ حَتَّى لَا يُلْجِئَهَا إِلَى الدُّعَاءِ عَلَيْهِ، فَتُصَادِفَ بِقَدَرِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- وَقْتًا يَسْتَجِيبُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- فِيهِ دُعَاءَ مَنْ دَعَاهُ، وَيَكُونُ قَدْ ظَلَمَهَا وَأَسَاءَ إِلَيْهَا، فَيُسْتَجَابُ لَهَا فِيهِ، وَحِينَئِذٍ لَا يَنْفَعُهُ نَدَمٌ، وَلَا يَكُفُّ عَنْهُ مَا أَصَابَهُ شَيْءٌ مِنْ حَوْلٍ وَلَا حِيلَةٍ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ الْعَظِيمِ.

 ((بِرُّ الْأُمِّ سَبَبٌ لِمَغْفِرَةِ الذُّنُوبِ))

عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ أَتَاهُ رَجَلٌ فَقَالَ: إِنِّي خَطَبْتُ امْرَأَةً فَأَبَتْ أَنْ تَنْكِحَنِي، وَخَطَبَهَا غَيْرِي فَأَحَبَّتْ أَنْ تَنْكِحَهُ، فَغِرْتُ عَلَيْهَا فَقَتَلْتُهَا، فَهَلْ لِي مِنْ تَوْبَةٍ؟

قَالَ: «أُمُّكَ حَيَّةٌ»؟

قَالَ: لَا.

قَالَ: «تُبْ إِلَى اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ-، وَتَقَرَّبْ إِلَيْهِ مَا اسْتَطَعْتَ».

قَالَ: فَذَهَبْتُ، فَسَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ: لِمَ سَأَلْتَهُ عَنْ حَيَاةِ أُمِّهِ؟

فَقَالَ: «إِنِّي لَا أَعْلَمُ عَمَلًا أَقْرَبَ إِلَى اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ- مِنْ بِرِّ الْوَالِدَةِ».

هَذَا الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي «شُعَبِ الْإِيمَانِ»، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ، صَحَّحَهُ الشَّيْخُ الْأَلْبَانِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ- كَمَا فِي «صَحِيحِ الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ»، وَكَمَا فِي «السِّلْسِلَةِ الصَّحِيحَةِ».

قَالَ: «إِنِّي خَطَبْتُ امْرَأَةً»؛ أَيْ: دَعَوْتُهَا إِلَى الزَّوَاجِ.

«فَأَبَتْ أَنْ تَنْكِحَنِي»؛ أَيْ: لَمْ تَقْبَلِ الْخِطْبَةَ وَأَنْكَرَتْ.

«وَخَطَبَهَا غَيْرِي فَأَحَبَّتْ أَنْ تَنْكِحَهُ، فَغِرْتُ»؛ أَيْ: كَرِهْتُ مُشَارَكَةَ الْغَيْرِ فِيمَنْ أَحْبَبْتُهَا، وَالْغَيْرَةُ هِيَ الْأَنَفَةُ وَالْمَحَبَّةُ، وَفِيهِ بَيَانُ خُطُورَةِ الْغَيْرَةِ؛ فَقَدْ أَدَّتْ إِلَى الْقَتْلِ بِغَيْرِ حَقٍّ.

«فَغِرْتُ عَلَيْهَا فَقَتَلْتُهَا، فَهَلْ لِي مِنْ تَوْبَةٍ؟»: خَطَبَ امْرَأَةً فَلَمْ تَقْبَلْهُ، ثُمَّ خَطَبَهَا غَيْرُهُ فَقَبِلَتْهُ، فَغَارَ عَلَيْهَا فَقَتَلَهَا، «فَهَلْ لِي مِنْ تَوْبَةٍ»: فِيهِ عَدَمُ الْيَأْسِ مِنَ التَّوْبَةِ مَهْمَا كَانَ الذَّنْبُ.

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لِلرَّجُلِ الْقَاتِلِ: «أُمُّكَ حَيَّةٌ؟».

فَأَجَابَ: لَا، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: «تُبْ إِلَى اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ-، وَتَقَرَّبْ إِلَيْهِ مَا اسْتَطَعْتَ».

«قَالَ: أُمُّكَ حَيَّةٌ»: بِحَذْفِ أَدَاةِ الِاسْتِفْهَامِ؛ أَيْ: هَلْ أُمُّكَ حَيَّةٌ حَتَّى تَتَقَرَّبَ إِلَى اللهِ بِبِرِّهَا؟ أَوْ: أَأُمُّكَ حَيَّةٌ؟

«فَذَهَبْتُ»: الذَّاهِبُ هُنَا عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ الرَّاوِي لِهَذَا الْأَثَرِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-.

«فَسَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ: لِمَ سَأَلْتَهُ عَنْ حَيَاةِ أُمِّهِ؟»؛ أَيْ: لِمَ سَأَلْتَ الرَّجُلَ الْقَاتِلَ عَنْ حَيَاةِ أُمِّهِ؟

وَهَذِهِ شِدَّةُ انْتِبَاهٍ مِنْ عَطَاءٍ لِسُؤَالِ السَّائِلِ، فَسَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ: لِمَ سَأَلْتَهُ عَنْ حَيَاةِ أُمِّهِ؟

فَقَالَ: «إِنِّي لَا أَعْلَمُ عَمَلًا أَقْرَبَ إِلَى اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ- مِنْ بِرِّ الْوَالِدَةِ».

إِنَّ بِرَّ الْأُمِّ يُقَرِّبُ الْإِنْسَانَ الْعَاصِيَ إِلَى اللهِ -تَعَالَى- أَكْثَرَ مِنَ الطَّاعَاتِ الْأُخْرَى، حَتَّى قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-: «إِنِّي لَا أَعْلَمُ عَمَلًا أَقْرَبَ إِلَى اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ- مِنْ بِرِّ الْوَالِدَةِ»، فَنَصَحَ الْقَاتِلَ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي بِرِّ أُمِّهِ؛ لِكَيْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُ مَا أَسْلَفَ مِنْ جَرِيمَةِ الْقَتْلِ.

عِبَادَ اللهِ! هَذَا الْحَدِيثُ الْعَظِيمُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ بَابَ التَّوْبَةِ مَفْتُوحٌ لِلْمُذْنِبِ إِذَا وَقَعَ فِي ذَنْبٍ مِنَ الذُّنُوبِ وَهُوَ عَلَى قَيْدِ الْحَيَاةِ وَرَغِبَ فِي التَّوْبَةِ؛ فَإِنَّ اللهَ يَقْبَلُ تَوْبَتَهُ إِذَا تَوَفَّرَتْ شُرُوطُهَا الَّتِي هِيَ: تَرْكُ الذَّنْبِ، وَالْعَزْمُ عَلَى عَدَمِ الْعَوْدِ إِلَيْهِ، وَالنَّدَمُ عَلَى فِعْلِهِ، فَإِنَّ تَوْبَتَهُ تُقْبَلُ مَهْمَا كَانَ جُرْمُهُ.

فَأَعْظَمُ الذُّنُوبِ عَلَى الْإِطْلَاقِ: الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-؛ فَإِذَا وَقَعَ الْمُسْلِمُ فِي الشِّرْكِ أَوِ ارْتَدَّ عَنْ إِسْلَامِهِ وَأَرَادَ أَنْ يَتُوبَ، فَإِنَّهُ يُرْشَدُ إِلَى التَّوْبَةِ، وَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ، وَلَا يُحْجَبُ عَنِ التَّوْبَةِ مُذْنِبٌ صَادِقٌ فِي تَوْبَتِهِ.

رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي ((الْمُسْنَدِ)) بِسَنَدِهِ عَنْ أُمِّنَا أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَة-رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، قَالَ: ((أُرِيتُ فِي الْمَنَامِ فِي الرُّؤْيَا أَنِّي كُنْتُ فِي الْجَنَّةِ، فَسَمِعْتُ رَجُلًا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟)).

قَالُوا: هُوَ حَارِثَةُ بْنُ النُّعْمَانِ.

فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعَائِشَةَ: ((كَذَاكَ الْبِرُّ، كَذَاكَ الْبِرُّ)).

وَكَانَ بَارًّا بِأُمِّهِ، فَأُرِيَهُ النَّبِيُّ ﷺ وَسَمِعَ تِلَاوَتَهُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، لَمَّا قَبَضَهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ أُرِيَهُ النَّبِيُّ ﷺ فِي الرُّؤْيَا، وَسَمِعَ تِلَاوَتَهُ فِي الْجَنَّةِ لِبِرِّهِ بِأُمِّهِ، وَكَانَ أَبَرَّ النَّاسِ بِأُمِّهِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-.

 ((لِينُ الْكَلَامِ وَحُسْنُهُ مَعَ الْوَالِدَيْنِ))

لَقَدْ أَمَرَنَا رَبُّنَا -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- بِأَنْ نَقُولَ لِلنَّاسِ حُسْنًا، وَأَوْلَى النَّاسِ بِذَلِكَ الْوَالِدَانِ، قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ -رَحِمَهُ اللهُ-: «قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا}؛ أَيْ: كَلِّمُوهُمْ طَيِّبًا، وَلِينُوا لَهُمْ جَانِبًا، وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ بِالْمَعْرُوفِ، كَمَا قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا}.

فَالْحَسَنُ مِنَ الْقَوْلِ: يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ، وَيَحْلُمُ وَيَعْفُو وَيَصْفَحُ، وَيَقُولُ لِلنَّاسِ حُسْنًا كَمَا قَالَ اللهُ؛ وَهُوَ كُلُّ خُلُقٍ حَسَنٍ رَضِيَهُ اللهُ».

وَبَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ الْقَوْلَ الطَّيِّبَ الْحَسَنَ لَا يَذْهَبُ سُدًى، وَلَا يَضِيعُ بَدَدًا، بَلْ صَاحِبُهُ مَأْجُورٌ عَلَيْهِ مُثَابٌ عَلَى قَوْلِهِ؛ فَفِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ: «وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ».

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ! إِنَّ بِرَّ الْوَالِدَيْنِ وَاجِبٌ عَلَى الِابْنِ، وَخُصُوصًا الْأُمَّ؛ لِمَا لَهَا مِنْ عَظِيمِ الْحُقُوقِ، وَلَا يُهْضَمُ حَقُّ الْوَالِدِ بِحَالٍ، وَأَنْ يَقُولَ لَهُمَا قَوْلًا لَيِّنًا، وَذَلِكَ مِنْ أَقْوَى أَسْبَابِ دُخُولِ الْجَنَّةِ؛ فَعَنْ طَيْسَلَةَ بْنِ مَيَّاسٍ قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّجَدَاتِ، فَأَصَبْتُ ذُنُوبًا لَا أَرَاهَا إِلَّا مِنَ الْكَبَائِرِ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِابْنِ عُمَرَ، قَالَ: «مَا هِيَ»؟

قُلْتُ: كَذَا وَكَذَا.

قَالَ: «لَيْسَتْ هَذِهِ مِنَ الْكَبَائِرِ؛ هُنَّ تِسْعٌ: الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَقَتْلُ نَسَمَةٍ، وَالْفِرَارُ مِنَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَةِ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ اليَتِيمِ، وَإِلْحَادٌ فِي الْمَسْجِدِ، وَالَّذِي يَسْتَسْخِرُ، وَبُكَاءُ الْوَالِدَيْنِ مِنَ الْعُقُوقِ».

قَالَ لِي ابْنُ عُمَرَ: «أَتَفْرَقُ مِنَ النَّارِ، وَتُحِبُّ أَنْ تَدْخُلَ الْجَنَّةَ؟».

قُلْتُ: إِي وَاللَّهِ.

قَالَ: «أَحَيٌّ وَالِدَاكَ»؟

قُلْتُ: عِنْدِي أُمِّي.

قَالَ: «فَوَاللَّهِ لَوْ أَلَنْتَ لَهَا الْكَلَامَ، وَأَطْعَمْتَهَا الطَّعَامَ، لَتَدْخُلَنَّ الْجَنَّةَ مَا اجْتَنَبْتَ الْكَبَائِرَ». وَالْحَدِيثُ صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ فِي «التَّفْسِيرِ»، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ، والْبَيْهَقِيُّ فِي «الشُّعَبِ»، وَقَدِ اسْتَوْفَى الْكَلَامَ عَنْهُ الشَّيْخُ الْأَلْبَانِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ- كَمَا فِي «السِّلْسِلَةِ الصَّحِيحَةِ».

«كُنْتُ مَعَ النَّجَدَاتِ»؛ النَّجَدَاتُ: أَصْحَابُ نَجْدَةَ بْنِ عَامِرٍ الْحَنَفِيِّ الْخَارِجِيِّ، هُمْ قَوْمٌ مِنَ الْحَرُورِيَّةِ، يُكَفِّرُونَ بِالْكَبِيرَةِ، وَيُخَلِّدُونَ بِهَا فِي النَّارِ، كَانَ مَعَهُمْ.

قَالَ: «فَأَصَبْتُ ذُنُوبًا لَا أَرَاهَا إِلَّا مِنَ الْكَبَائِرِ»: لَعَلَّ هَذِهِ الرُّؤْيَةَ دَعَا إِلَيْهَا أَنَّهُ صَحِبَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يَتَشَدَّدُونَ فِي دِينِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَأَتَى بِأُمُورٍ لَمَّا ذَكَرَهَا لِابْنِ عُمَرَ قَالَ: مَا هِيَ مِنَ الْكَبَائِرِ! وَلَكِنَّهُ كَانَ يَرَاهَا مِنَ الْكَبَائِرِ.

وَ«الْكَبَائِرُ»: هِيَ الذُّنُوبُ الَّتِي وَرَدَ فِيهَا حَدٌّ أَوْ وَعِيدٌ شَدِيدٌ.

قَالَ: «الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ»؛ أَنْ يَعْبُدَ مَعَ اللهِ -تَعَالَى- غَيْرَهُ، أَوْ يَتَّخِذَ مَعْبُودًا سِوَاهُ، وَهُوَ أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ.

«وَقَتْلُ نَسَمَةٍ»؛ النَّسَمَةُ: النَّفْسُ وَالرُّوحُ.

«وَالْفِرَارُ مِنَ الزَّحْفِ»: الْفِرَارُ مِنَ الْجَيْشِ يَزْحَفُونَ إِلَى الْعَدُوِّ، يَزْحَفُونَ: يَعْنِي يَمْشُونَ، وَالْفِرَارُ مِنَ الزَّحْفِ: يَعْنِي القِتَالَ في سَبِيلِ اللهِ تَعَالَى.

«وَقَذْفُ الْمُحْصَنَةِ»: اتِّهَامُ الْعَفِيفَةِ بِالزِّنَا.

«وَإِلْحَادٌ فِي الْمَسْجِدِ»: التَّجَاوُزُ عَنْ حُدُودِ اللهِ، وَاخْتِيَارُ سَبِيلِ الشِّرْكِ وَالْبِدْعَةِ فِيهِ.

«وَالَّذِي يَسْتَسْخِرُ»؛ الِاسْتِسْخَارُ: مِنَ السُّخْرِيَةِ؛ وَهُوَ الِاسْتِهْزَاءُ مِنْ إِنْسَانٍ، وَالضَّحِكُ عَلَيْهِ، وَإِضْحَاكُ النَّاسِ مِنْهُ، وَالَّذِي يَسْتَسْخِرُ أَيْ يَسْتَدْعِي السُّخْرِيَةَ تُنَزَّلُ عَلَى عِبَادِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-.

قَوْلُهُ: «أَتَفْرَقُ»؛ الْفَرَقُ: الْخَوْفُ وَالْفَزَعُ؛ أَتَخَافُ مِنَ النَّارِ وَتَفْزَعُ مِنْهَا وَتُحِبُّ أَنْ تَدْخُلَ الْجَنَّةَ؟

قُلْتُ: إِي وَاللَّهِ.

قَالَ: «أَحَيٌّ وَالِدَاكَ»؟

قُلْتُ: عِنْدِي أُمِّي.

«فَوَاللَّهِ لَوْ أَلَنْتَ لَهَا الْكَلَامَ»؛ أَلَنْتَ: أَيْ خَفَضْتَ صَوْتَكَ، وَكَلَّمْتَهَا بِاللُّطْفِ وَعُذُوبَةِ اللِّسَانِ، «وَأَطْعَمْتَهَا الطَّعَامَ»؛ أَيْ: هَيَّأْتَ لَهَا الطَّعَامَ، وَأَدْخَلْتَ إِلَيْهَا الطَّعَامَ، وَمَا تَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنَ الْمَأْكَلِ وَالْمَلْبَسِ وَالدَّرَاهِمِ وَغَيْرِهَا مَمَّا لَا بُدَّ مِنْهُ فِي مَعِيشَتِهَا عَلَى قَدْرِ وُسْعِكَ.

فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْعَظِيمِ: بَيَانُ عِظَمِ عُقُوقِ الْوَالِدَيْنِ، وَأَنَّهُ مِنَ كَبَائِرِ الذُّنُوبِ، وَإِذَا بَكَيَا مِنْ شِدَّةِ الْعُقُوقِ فَهُوَ أَشَدُّ وَأَنْكَى!

فَاللَّهُمَّ ارْزُقْنَا الْبِرَّ بِأَبَوَيْنَا.

اللَّهُمَّ عَافِنَا وَعَافِ آبَاءَنَا، عَافِنَا وَعَافِ أُمَّهَاتِنَا.

اللَّهُمَّ ارْحَمْنَا وَارْحَمْ آبَاءَنَا، ارْحَمْنَا وَارْحَمْ أُمَّهَاتِنَا.

وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ أَجمَعِينَ.

الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ

الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَشْهَدُ أَلَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، هُوَ يَتَوَلَّى الصَالِحِينَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ، صَلَاةً وَسَلَامًا دَائِمَيْنِ مُتَلَازِمَيْنِ إِلَى يَومِ الدِّينِ.

أَمَّا بَعْدُ:

((لَنْ تُوَفِّيَ أُمَّكَ حَقَّهَا!!))

فَإِنَّ الْوَلَدَ مَهْمَا أَسْدَى مِنْ مَعْرُوفٍ وَقَدَّمَ مِنْ جَمِيلٍ لِوَالِدَيْهِ أَوْ أَحَدِهِمَا، فَإِنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُوَفِّيَ حَقَّهُمَا؛ وَلَكِنَّ الْأَمْرَ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «سَدِّدُوا، وَقَارِبُوا، وَأَبْشِرُوا».

عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ أَنَّهُ شَهِدَ ابْنَ عُمَرَ، وَرَجُلٌ يَمَانِيٌّ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ حَمَلَ أُمَّهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ يَقُولُ:

إِنِّي لَهَا بَعِيرُهَا الْمُذَلَّلْ

 

 

إِنْ أُذْعِرَتْ رِكَابُهَا لَمْ أُذْعَرْ

ثُمَّ قَالَ: يَا ابْنَ عُمَرَ، أَتَرَانِي جَزَيْتُهَا؟

قَالَ: «لَا، وَلَا بِزَفْرَةٍ وَاحِدَةٍ».

ثُمَّ طَافَ ابْنُ عُمَرَ فَأَتَى الْمَقَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: يا ابْنَ أَبِي مُوسَى، «إِنَّ كُلَّ رَكْعَتَيْنِ تُكَفِّرَانِ مَا أَمَامَهُمَا» وَالْحَدِيثُ حَدِيثٌ صَحِيحٌ، أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي ((الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ))، وَابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي «مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ»، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي «الشُّعَبِ».

قَالَ: «سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ أَنَّهُ شَهِدَ ابْنَ عُمَرَ، وَرَجُلٌ يَمَانِيٌّ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ الْحَرَامِ»، يَحْمِلُ أُمَّهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ وَيَطُوفُ بِهَا، فَقَالَ أَثْنَاءَ طَوَافِهِ بِهَا: «إِنِّي لَهَا بَعِيرُهَا الْمُذَلَّلْ»؛ أَيِ: السَّهْلُ الْمُرَوَّضُ الَّذِي لَا يَنْفِرُ وَلَا يُهَمْلِجُ، وَإِنَّمَا يَمْشِي فِي سَكِينَةٍ وَوَقَارٍ.

«إِنْ أُذْعِرَتْ»؛ الذُّعْرُ: الْخَوْفُ وَالْفَزَعُ.

«إِنْ أُذْعِرَتْ رِكَابُهَا»؛ أَيْ: إِنْ نَفَرَتْ دَابَّتُهَا الَّتِي تَرْكَبُهَا لَمْ أُذْعَرْ.

بَعْدَ هَذَا الْبَيْتِ بَيْتٌ آخَرُ هُوَ:

حَمَلْتُهَا أَكْثَرَ مِمَّا حَمَلَتْ

 

 

فَهَلْ تُرَى جَازَيْتُهَا يَا ابْنَ عُمَرْ؟

قَوْلهُ: «لَمْ أُذْعَرْ» كِنَايَةٌ عَنْ شِدَّةِ الطَّاعَةِ وَالْحِرْصِ عَلَى الْبِرِّ، مَعَ عَدَمِ التَّأَفُّفِ وَالتَّضَجُّرِ مِنْ خِدْمَتِهَا.

قَالَ: «يَا ابْنَ عُمَرَ، أَتَرَانِي جَزَيْتُهَا؟»؛ يَعْنِي: بِهَذَا الْبِرِّ الْعَظِيمِ، وَهُوَ يَحْمِلُهَا عَلَى ظَهْرِهِ وَيَطُوفُ بِهَا.

قَالَ ابْنُ عُمَرَ: «لَا، وَلَا بِزَفْرَةٍ وَاحِدَةٍ»؛ الزَّفْرَةُ: الْمَرَّةُ مِنَ الزَّفِيرِ، وَهُوَ تَرَدُّدُ النَّفَسِ حَتَّى تَخْتَلِفَ الْأَضْلَاعُ، وَهَذَا يَعْرِضُ لِلْمَرْأَةِ عِنْدَ الْوَضْعِ وَالْوِلَادَةِ.

قَوْلُهُ: «كُلُّ رَكْعَتَيْنِ تُكَفِّرَانِ مَا أَمَامَهُمَا»؛ أَيْ: مِنَ الذُّنُوبِ وَالْآثَامِ.

فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْعَظِيمِ: الْحَثُّ عَلَى خِدْمَةِ الْأُمِّ مَهْمَا بَلَغَتِ الْمَشَقَّةُ، وَعِظَمُ حَقِّ الْوَالِدَيْنِ عَلَى الْأَوْلَادِ.

 ((أَوْلَى النَّاسِ بِالرَّحْمَةِ الْأَبَوَانِ))

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّهُ مَنْ لَا يَرْحَمْ لَا يُرْحَمْ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

إِنَّ مِنْ جُمْلَةِ الْآدَابِ الَّتِي يَتَحَلَّى بِهَا الْمُسْلِمُ أَدَبَ التَّوَاضُعِ وَلِينِ الْجَانِبِ وَالرِّفْقِ وَالرَّحْمَةِ.

وَهَذَا مَنْهَجُ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ؛ أَيْ أَنَّهُمْ أَهْلُ رِفْقٍ وَرَحْمَةٍ وَشَفَقَةٍ وَتَرْبِيَةٍ وَمَحَبَّةٍ لِمُسْتَحِقِّيهَا، لَا سِيَّمَا الضَّعِيفُ كَالصِّغَارِ وَنَحْوِهِمْ.

مَنْ لَا يَرْحَمِ النَّاسَ بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ لَا يُثَبْ بِالرَّحْمَةِ مِنْ قِبَلِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.

إِنَّ مِنْ فَضَائِلِ الْإِسْلَامِ وَمَحَاسِنِهِ: الرَّحْمَةَ فِي قُلُوبِ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ.

وَكُلَّمَا كَانَ الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ عِنْدَهُ شَيْءٌ مِنَ الْعِلْمِ يَعْمَلُ بِهِ، فَالْخَيْرُ عِنْدَهُ أَكْثَرُ.

فَمِنْ جُمْلَةِ مَحَاسِنِ الْإِسْلَامِ وَفَضَائِلِهِ: وُجُودُ الرَّحْمَةِ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ.

وَأَوْلَى النَّاسِ بِالرَّحْمَةِ: الضَّعِيفُ، وَالصِّبْيَانُ مِنَ الضُّعَفَاءِ، وَمَنْ أَلْصَقُ النَّاسِ بِالْآخَرِينَ، كَآبَائِهِمْ وَأُمَّهَاتِهِمْ؛ حَتَّى يَحْصُلَ التَّمَاسُكُ فِي الْأُسْرَةِ وَالْمَحَبَّةُ وَالِاحْتِرَامُ وَالْبِرُّ، بِسَبَبِ مَا يُقَدِّمُهُ الْأَبَوَانِ لِأَبْنَائِهِمْ ذُكُورًا وَإِنَاثًا.

 ((بَيْنَ الِابْنِ وَأُمِّهِ!!))

مَهْمَا عَلَتْ بِالْمَرْءِ السِّنُونَ، وَاخْتَلَفَ عَلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، يَبْقَى حِيَالَ أُمِّهِ طِفْلًا غَرِيرًا، تُزِيلُ وَحْشَتَهُ، وَتُبَدِّدُ غُرْبَتَهُ، وَتَكْشِفُ كُرْبَتَهُ، فَإِذَا ذَهَبَتْ وَغَيَّبَ ثَرَى الْأَرْضِ رُفَاتَهَا، فَأَيْنَ يَجِدُ الْمَرْءُ إِذَا قَسَتْ عَلَيْهِ الْحَيَاةُ مَنْ يَحْنُو بِصِدْقٍ وَحُبٍّ عَلَيْهِ؟!!

وَإِلَى مَنْ مِنَ النَّاسِ يَلْجَأُ الْمَرْءُ إِذَا سَعَتْ جُيُوشُ الْهُمُومِ إِلَيْهِ؟!!

يَا مَلَاكَ الْحُبِّ يَا رُوحَ السَّلَامِ=شَاهِدُ السَّعْدِ عَلَى وَجْهِكَ لَاحَ

طَابَ لِي بَيْنَ أَمَانِيكِ الْمَنَامُ=وَعَلَى نَجْوَاكِ شَاهَدْتُ الصَّبَاحَ

أَنْتِ لِي أَوْفَى حَبِيبْ=مِنْ بَعِيدٍ أَوْ قَرِيبْ

أَنْتِ أُمِّي..

مَنْ يُوَاسِينِي إِذَا عَزَّ مُعِينِي؟

قَلْبُ أُمِّي..

مَنْ يُنَاجِينِي إِذَا طَالَ حَنِينِي؟

طَيْفُ أُمِّي..

كُلَّمَا أَظْلَمَ فِي عَيْنِي الْفَضَاءُ=أَرْسَلَتْ عَيْنَاكِ نُورَ الْأَمَلِ

فَسَرَتْ رُوحِي إِلَى بَابِ الرَّجَاءِ=ثُمَّ حَيَّتْ طَلْعَةَ الْمُسْتَقْبَلِ

كُنْتُ فِي رَوْضِكِ غَضًّا فَسَقَانِي=عَطْفُكِ الْفَيَّاضُ بِالْكَفِّ النَّدِيَّهْ

فَإِذَا أَيْنَعَ فِي ظِلِّ الْحَنَانِ=فَهْوَ مِنِّي لَكِ يَا أُمِّي هَدِيَّهْ

أَنْتِ لِي أَوْفَى حَبِيبْ=مِنْ بَعِيدٍ أَوْ قَرِيبْ

أَنْتِ أُمِّي...

لَكِنْ.. أَيْنَ أُمِّي؟!!

أُمَّاهُ لَيْتَكِ لَمْ تَغِيبِي خَلْفَ سُورٍ مِنْ حِجَارْ

لَا بَابَ فِيهِ لِكَيْ أَدُقَّ وَلَا نَوَافِذَ فِي الْجِدَارْ

كَيْفَ انْطَلَقْتِ عَلَى طَرِيقٍ لَا يَعُودُ السَّائِرُونْ

مِنْ ظُلْمَةٍ صَفْرَاءَ فِيهِ كَأَنَّهَا غَسَقُ الْبِحَارْ

وَلَا شَيْءَ إِلَّا الْمَوْتَ يَدْعُو وَيَصْرُخُ فِيمَا يَزُولْ

خَرِيفٌ شِتَاءٌ أَصِيلٌ أُفُولْ

وَبَاقٍ هُوَ اللَّيْلُ بَعْدَ انْطِفَاءِ الْبُرُوقْ

وَبَاقٍ هُوَ الْمَوْتُ أَبْقَى وَأَخْلَدُ مِنْ كُلِّ مَا فِي الْحَيَاهْ

فَيَا قَبْرَهَا افْتَحْ ذِرَاعَيْكَ إِنِّي لَآتٍ بِلَا ضَجَّةٍ دُونَ آهْ!!

اللَّهُمَّ ارْحَمْنَا وَارْحَمْ آبَاءَنَا، وَارْحَمْنَا وَارْحَمْ أُمَّهَاتِنَا، وَارْحَمْنَا وَارْحَمْ أُمَّهَاتِنَا.

اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا، وَاغْفِرْ لِآبَائِنَا، وَاغْفِرْ لِأُمَّهَاتِنَا.

وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ أَجمَعِينَ.

 

المصدر:اللهَ اللهَ فِي أُمَّهَاتِكُمْ!!

التعليقات


خطب مفرغة قد تعجبك


  الاستعداد لرمضان
  الِانْتِحَارُ.. الْأَسْبَابُ وَسُبُلُ الْوِقَايَةِ
  الْأَسْبَابُ الظَّاهِرَةُ وَالْبَاطِنَةُ لِرَفْعِ الْبَلَاءِ وَوُجُوبُ طَاعَةِ وَلِيِّ الْأَمْرِ
  نَبْذُ الْإِسْلَامِ لِلْعُنْفِ وَالْعُنْصُرِيَّةِ وَالْكَرَاهِيَةِ
  عُلُوُّ الْهِمَّةِ سَبِيلُ الْأُمَمِ الْمُتَحَضِّرَةِ
  وللظالمين أمثالُها
  الْبِنَاءُ الِاقْتِصَادِيُّ السَّدِيدُ وَأَثَرُهُ فِي اسْتِقْرَارِ الْمُجْتَمَعِ
  كَيْفَ نَسْتَمْطِرُ الرَّحَمَاتِ الرَّبَّانِيَّةَ؟
  قُوا أنفسَكم وأهليكم نارًا
  الرد على الملحدين:تحديد الصلة بين المدنية الحديثة والإسلام، وبيان أن العلم الحديث قرآني في موضوعه
  • شارك

نبذة عن الموقع

موقع تفريغات العلامة رسلان ، موقع يحتوي على العشرات من الخطب والمحاضرات والمقاطع المفرغة لفضيلة الشيخ العلامة أبي عبدالله محمد بن سعيد رسلان-حفظه الله- . كما يعلن القائمون على صفحة وموقع تفريغات العلامة رسلان -حفظه الله- أن التفريغات للخطب ليست هي الشكل النهائي عند الطباعة، ولكن نحن نفرغ خطب الشيخ حفظه الله ونجتهد في نشرها ليستفيد منها طلاب العلم والدعاة على منهاج النبوة في كل أنحاء الدنيا، ونؤكد على أنَّ الخطب غير مُخرَّجة بشكل كامل كما يحدث في خطب الشيخ العلامة رسلان المطبوعة وليست الكتب المنشورة على الصفحة والموقع هي النسخة النهائية لكتب الشيخ التي تُطبع...وهذه الكتب ما هي إلا تفريغ لخطب الشيخ، غير أنَّ كتب الشيخ التي تُطبع تُراجع من الشيخ -حفظه الله- وتُخرج. والتفريغ عملٌ بشريٌ، ونحن نجتهد في مراجعة التفريغات مراجعة جيدة، فإذا وقع خطأ أو شكل الخطب كما نخرجها -إنما نُحاسب نحن عليها والخطأ يُنسب لنا وليس للشيخ -حفظه الله-.

الحقوق محفوظة لكل مسلم موقع تفريغات العلامة رسلان