التَّكَافُلُ الْمُجْتَمَعِيُّ وَاجِبُ الْوَقْتِ

التَّكَافُلُ الْمُجْتَمَعِيُّ وَاجِبُ الْوَقْتِ

((التَّكَافُلُ الْمُجْتَمَعِيُّ وَاجِبُ الْوَقْتِ))

إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّـهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّـهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّـهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ.

أَمَّا بَعْدُ:

فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.

أَمَّا بَعْدُ:

((مَكَانَةُ التَّكَافُلِ الْمُجْتَمَعِيِّ وَالْقَائِمِينَ بِهِ فِي الْإِسْلَامِ))

فَالْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَا تَخْلُو مِنَ الْمُنَغِّصَاتِ وَالْمُكَدِّرَاتِ؛ فَأَحْوَالُهَا مُتَبَدِّلَةٌ، وَتَصَارِيفُهَا مُتَغَيِّرَةٌ، إِذَا أَضْحَكَتْ أَبْكَتْ، وَإِذَا أَفْرَحَتْ أَحْزَنَتْ، فَالْأَفْرَاحُ لَا تَدُومُ فِيهَا وَلَا الْأَحْزَانُ، وَدَوَامُ الْحَالِ فِي الدُّنْيَا مِنَ الْمُحَالِ.

هِيَ الْأُمُورُ كَمَا شَاهَدْتَهَا دُوَلُ   =   مَنْ سَرَّهُ زَمَنٌ سَاءَتْهُ أَزْمَانُ

وَالْإِنْسَانُ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا عُرْضَةٌ لِلرَّزَايَا وَالْكُرُبَاتِ وَالْبَلَايَا وَالنَّكَبَاتِ، لَا يَسْلَمُ مِنْهَا غَنِيٌّ بِغِنَاهُ، وَلَا قَوِيٌّ بِقُوَاهُ.

وَلَقَدْ هَيَّأَ رَبُّنَا -جَلَّ جَلَالُهُ وَتَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ- أُنَاسًا ذَوِي قُلُوبٍ رَحِيمَةٍ، وَنُفُوسٍ كَرِيمَةٍ يَتَجَشَّمُونَ الْمَصَاعِبَ، وَيَتَحَمَّلُونَ الْمَتَاعِبَ، وَيُشَمِّرُونَ عِنْدَ كُلِّ نَازِلَةٍ، يَقْضُونَ حَوَائِجَ الْمُحْتَاجِينَ، وَيُعِينُونَ الْمَسَاكِينَ وَالْبَائِسِينَ، يَعِيشُونَ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لِإِخْوَانِهِمْ أَكْثَرَ مِمَّا يَعِيشُونَ لِأَنْفُسِهِمْ؛ فَهَؤُلَاءِ مِنْ صَفْوَةِ الْبَشَرِ، يَحْيَوْنَ نُجَبَاءَ، وَيَمُوتُونَ عُظَمَاءَ، شَغَلَتْهُمْ هُمُومُ النَّاسِ عَنْ هُمُومِهِمْ، وَمُعَانَاةُ غَيْرِهِمْ عَنْ مُعَانَاتِهِمْ.

عَنِ ابْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: ((يَا رَسُولَ اللهِ! أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ؟ وَأَيُّ الْأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ؟)).

فَقَالَ ﷺ: ((أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى اللهِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ، وَأَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللهِ سُرُورٌ تُدْخِلُهُ عَلَى مُسْلِمٍ، تَكْشِفُ عَنْهُ كُرْبَةً، أَوْ تَقْضِي عَنْهُ دَيْنًا، أَوْ تَطْرُدُ عَنْهُ جُوعًا، وَلَأَنْ أَمْشِيَ مَعَ أَخٍ لِي فِي حَاجَةٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَعْتَكِفَ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ -يَعْنِي: مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ- شَهْرًا، وَمَنْ كَفَّ غَضَبَهُ سَتَرَ اللهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ كَظَمَ غَيْظَهُ وَلَوْ شَاءَ أَنْ يُمْضِيَهُ أَمْضَاهُ مَلَأَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا- قَلْبَهُ أَمْنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ مَشَى مَعَ أَخِيهِ فِي حَاجَةٍ حَتَّى يَقْضِيَهَا لَهُ ثَبَّتَ اللهُ -تَعَالَى- قَدَمَيْهِ يَوْمَ تَزُولُ الْأَقْدَامُ)). أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي ((الْمَعَاجِمِ الثَّلَاثَةِ))، وَالْأَصْبَهَانِيُّ، وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ.

إِنَّ الْمُسْلِمَ الَّذِي يَعُدُّ الْمُسْلِمِينَ كُلَّهُمْ إِخْوَانًا لَهُ لَنْ يَتَوَانَى لَحْظَةً عَنْ مُدَاوَاةِ جِرَاحَاتِهِمْ، وَالسَّعْيِ فِي تَفْرِيجِ كُرُبَاتِهِمْ، وَقَضَاءِ حَاجَاتِهِمْ.

إِنَّ هَذَا لَمِنْ أَجَلِّ الْقُرُبَاتِ، وَأَعْظَمِ الطَّاعَاتِ، وَأَفْضَلِ الْأَعْمَالِ الْمُنْجِيَاتِ، يَدْفَعُ الْمُسْلِمَ إِلَى ذَلِكَ إِيمَانُهُ الصَّادِقُ، وَشُعُورُهُ النَّابِضُ بِحُقُوقِ الْأُخُوَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ.

((التَّكَافُلُ الْمُجْتَمَعِيُّ مِنْ مَحَاسِنِ شَرِيعَتِنَا الْكَامِلَةِ))

لَقَدْ أَكْرَمَنَا اللهُ -جَلَّ وَعَلَا- وَشَرَّفَنَا تَشْرِيفًا حِينَ أَنْزَلَ عَلَيْنَا أَحْسَنَ الْكُتُبِ، وَأَرْسَلَ إِلَيْنَا صَفْوَةَ الرُّسُلِ، وَمَنَّ عَلَيْنَا بِأَفْضَلِ الشَّرِيعَةِ، وَهَدَانَا لِأَقْوَمِ طَرِيقَةٍ، حَتَّى صَارَتْ أُمَّتُنَا كَمَا وَصَفَهَا رَبُّنَا -جَلَّ وَعَلَا-: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران: 110].

وَقَدْ أَكْمَلَ اللهُ لَنَا الدِّينَ، وَأَتَمَّ عَلَيْنَا النِّعْمَةَ، وَرَضِيَ لَنَا الْإِسْلَامَ دِينًا، وَلَمَّا كَانَتْ شَرِيعَةُ الْإِسْلَامِ خَاتِمَةَ الشَّرَائِعِ وَنَاسِخَةً لَهَا اسْتَلْزَمَ ذَلِكَ أَنْ تَكُونَ قَوَاعِدُهَا وَأَحْكَامُهَا وَمَبَادِئُهَا عَلَى نَحْوٍ يُحَقِّقُ لِلْأُمَّةِ رَغَائِبَهَا، وَيُلَبِّي لَهَا مَطَالِبَهَا، وَيَجْلِبُ لَهَا مَصَالِحَهَا فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ، وَيَفِي بِحَاجَاتِ الْبَشَرِ كُلِّهِمْ وَلَا يَضِيقُ بِهَا وَلَا يَتَخَلَّفُ عَنْ أَيِّ مُسْتَوًى مَرْمُوقٍ يَبْلُغُهُ رُقِيُّ الْبَشَرِ؛ لِأَنَّ الشَّرِيعَةَ مَا جَاءَتْ إِلَّا لِتُحَقِّقَ مَصَالِحَ الْعِبَادِ فِي الْعَاجِلِ وَالْآجِلِ، وَتَدْفَعُ عَنْهُمُ الْأَضْرَارَ وَالْمَفَاسِدَ، وَهَذَا مُقْتَضَى الرَّحْمَةِ الَّتِي أَرْسَلَ اللهُ بِهَا خَاتَمَ الْأَنْبِيَاءِ وَصَفْوَةَ الْمُرْسَلِينَ ﷺ.

قَالَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107].

وَقَدْ جَاءَتْ شَرِيعَتُنَا الْغَرَّاءُ لِتَحْقِيقِ مَصَالِحِ الْعِبَادِ، وَمِنْهَا الضَّرُورِيَّاتُ الْخَمْسُ؛ وَهِيَ: حِفْظُ الدِّينِ، وَالنَّفْسِ، وَالْعَقْلِ، وَالنَّسْلِ، وَالْمَالِ.

وَمِنْ مَحَاسِنِ الشَّرِيعَةِ الْمُطَهَّرَةِ: التَّكَافُلُ الْمُجْتَمَعِيُّ؛ فَقَدْ دَعَا الْإِسْلَامُ إِلَى الْبِرِّ وَالْإِحْسَانِ، وَعَمَلِ الْمَعْرُوفِ، وَمُسَاعَدَةِ الْفُقَرَاءِ، وَإِغَاثَةِ الْمَلْهُوفِ، وَعِيَادَةِ الْمَرِيضِ، وَالتَّصَدُّقِ عَلَى الْمُحْتَاجِينَ، وَالْعَطْفِ عَلَى الْيَتِيمِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْأَخْلَاقِ وَالْقِيَمِ الَّتِي تُؤَسِّسُ لِنِظَامٍ اجْتِمَاعِيٍّ مُتَوَازِنٍ.

إِنَّ التَّكَافُلَ الْمُجْتَمَعِيَّ قِيمَةٌ إِسْلَامِيَّةٌ نَبِيلَةٌ، بِهَا يَعُمُّ التَّآلُفُ وَالتَّرَاحُمُ بَيْنَ النَّاسِ، وَفِي ظِلِّهَا يَتَحَقَّقُ اسْتِقْرَارُ الْأَوْطَانِ وَتَمَاسُكُهَا، وَالْمُجْتَمَعَاتُ الرَّاقِيَةُ مُتَرَابِطَةٌ مُتَعَاوِنَةٌ يَشُدُّ بَعْضُهَا بَعْضًا، كَمَا بَيَّنَ ذَلِكَ نَبِيُّنَا ﷺ بِقَوْلِهِ: ((مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى)).

وَبَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ ((أَنَّ الْمُسْلِمَ لِلْمُسْلِمِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا -وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ ﷺ-)).

((الحث عَلَى التَّكَافُلِ الْمُجْتَمَعِيِّ في القرآن والسنة))

لَقَدْ حَثَّنَا الشَّرْعُ الْحَنِيفُ عَلَى التَّكَافُلِ الْمُجْتَمَعِيِّ مِنْ خِلَالِ الدَّعْوَةِ إِلَى الْمُسَابَقَةِ فِي الْخَيْرَاتِ؛ بِقَضَاءِ حَوَائِجِ النَّاسِ، وَالسَّعْيِ إِلَى تَفْرِيجِ كُرُبَاتِهِمْ، فِي إِخَاءٍ صَادِقٍ وَعَطَاءٍ كَرِيمٍ، وَتَعَاوُنٍ عَلَى مَا يَنْفَعُ النَّاسَ، حَيْثُ يَقُولُ الْحَقُّ -سُبْحَانَهُ-: {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} [البقرة: 148].

((الْأَمْرُ بِالِاسْتِبَاقِ إِلَى الْخَيْرَاتِ قَدْرٌ زَائِدٌ عَلَى الْأَمْرِ بِفِعْلِ الْخَيْرَاتِ؛ فَإِنَّ الِاسْتِبَاقَ إِلَيْهَا يَتَضَمَّنُ فِعْلَهَا وَتَكْمِيلَهَا وَإِيقَاعَهَا عَلَى أَكْمَلِ الْأَحْوَالِ، وَالْمُبَادَرَةَ إِلَيْهَا، وَمَنْ سَبَقَ فِي الدُّنْيَا إِلَى الْخَيْرَاتِ فَهُوَ السَّابِقُ فِي الْآخِرَةِ إِلَى الْجَنَّاتِ، فَالسَّابِقُونَ أَعْلَى الْخَلْقِ دَرَجَةً، وَالْخَيْرَاتُ تَشْمَلُ جَمِيعَ الْفَرَائِضِ وَالنَّوَافِلِ؛ مِنْ صَلَاةٍ، وَصِيَامٍ، وَزَكَوَاتٍ، وَحَجٍّ وَعُمْرَةٍ، وَجِهَادٍ، وَنَفْعٍ مُتَعَدٍّ وَقَاصِرٍ)).

وَيَقُولُ -سُبْحَانَهُ-: {وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران: 133-134].

((أَمَرَ -تَعَالَى- الَّذِينَ آمَنُوا بِالْمُسَارَعَةِ إِلَى مَغْفِرَتِهِ وَإِدْرَاكِ جَنَّتِهِ الَّتِي عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، فَكَيْفَ بِطُولِهَا الَّتِي أَعَدَّهَا اللَّهُ لِلْمُتَّقِينَ، فَهُمْ أَهْلُهَا وَأَعْمَالُ التَّقْوَى هِيَ الْمُوَصِّلَةُ إِلَيْهَا.

ثُمَّ وَصَفَ الْمُتَّقِينَ وَأَعْمَالَهُمْ فَقَالَ: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ} أَيْ: فِي حَالِ عُسْرِهِمْ وَيُسْرِهِمْ، إِنْ أَيْسَرُوا أَكْثَرُوا مِنَ النَّفَقَةِ، وَإِنْ أَعْسَرُوا لَمْ يَحْتَقِرُوا مِنَ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا وَلَوْ قَلَّ.

{وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ} أَيْ: إِذَا حَصَلَ لَهُمْ مِنْ غَيْرِهِمْ أَذِيَّةٌ تُوجِبُ غَيْظَهُمْ -وَهُوَ امْتِلَاءُ قُلُوبِهِمْ مِنَ الْحَنَقِ الْمُوجِبِ لِلِانْتِقَامِ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ- هَؤُلَاءِ لَا يَعْمَلُونَ بِمُقْتَضَى الطِّبَاعِ الْبَشَرِيَّةِ، بَلْ يَكْظِمُونَ مَا فِي الْقُلُوبِ مِنَ الْغَيْظِ، وَيَصْبِرُونَ عَنْ مُقَابَلَةِ الْمُسِيءِ إِلَيْهِمْ.

{وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ}: يَدْخُلُ فِي الْعَفْوِ عَنِ النَّاسِ الْعَفْوُ عَنْ كُلِّ مَنْ أَسَاءَ إِلَيْكَ بِقَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ، وَالْعَفْوُ أَبْلَغُ مِنَ الْكَظْمِ؛ لِأَنَّ الْعَفْوَ تَرْكُ الْمُؤَاخَذَةِ مَعَ السَّمَاحَةِ عَنِ الْمُسِيءِ، وَهَذَا إِنَّمَا يَكُونُ مِمَّنْ تَحَلَّى بِالْأَخْلَاقِ الْجَمِيلَةِ، وَتَخَلَّى عَنِ الْأَخْلَاقِ الرَّذِيلَةِ، وَمِمَّنْ تَاجَرَ مَعَ اللَّهِ، وَعَفَا عَنْ عِبَادِ اللَّهِ رَحْمَةً بِهِمْ، وَإِحْسَانًا إِلَيْهِمْ، وَكَرَاهَةً لِحُصُولِ الشَّرِّ عَلَيْهِمْ، وَلِيَعْفُوَ اللَّهُ عَنْهُ، وَيَكُونَ أَجْرُهُ عَلَى رَبِّهِ الْكَرِيمِ، لَا عَلَى الْعَبْدِ الْفَقِيرِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ}.

ثُمَّ ذَكَرَ حَالَةً أَعَمَّ مِنْ غَيْرِهَا وَأَحْسَنَ وَأَعْلَى وَأَجَلَّ وَهِيَ الْإِحْسَانُ، فَقَالَ تَعَالَى : {وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}، وَالْإِحْسَانُ نَوْعَانِ: الْإِحْسَانُ فِي عِبَادَةِ الْخَالِقِ، وَالْإِحْسَانُ إِلَى الْمَخْلُوقِ.

فَالْإِحْسَانُ فِي عِبَادَةِ الْخَالِقِ فَسَّرَهَا النَّبِيُّ ﷺ بِقَوْلِهِ: ((أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ)).

وَأَمَّا الْإِحْسَانُ إِلَى الْمَخْلُوقِ فَهُوَ إِيصَالُ النَّفْعِ الدِّينِيِّ وَالدُّنْيَوِيِّ إِلَيْهِمْ، وَدَفْعُ الشَّرِّ الدِّينِيِّ وَالدُّنْيَوِيِّ عَنْهُمْ، فَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ أَمْرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ، وَنَهْيُهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَتَعْلِيمُ جَاهِلِهِمْ، وَوَعْظُ غَافِلِهِمْ، وَالنَّصِيحَةُ لِعَامَّتِهِمْ وَخَاصَّتِهِمْ، وَالسَّعْيُ فِي جَمْعِ كَلِمَتِهِمْ، وَإِيصَالُ الصَّدَقَاتِ وَالنَّفَقَاتِ الْوَاجِبَةِ وَالْمُسْتَحَبَّةِ إِلَيْهِمْ عَلَى اخْتِلَافِ أَحْوَالِهِمْ وَتَبَايُنِ أَوْصَافِهِمْ، فَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ بَذْلُ النَّدَى، وَكَفُّ الْأَذَى، وَاحْتِمَالُ الْأَذَى، كَمَا وَصَفَ اللَّهُ بِهِ الْمُتَّقِينَ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ، فَمَنْ قَامَ بِهَذِهِ الْأُمُورِ فَقَدْ قَامَ بِحَقِّ اللَّهِ وَحَقِّ عَبِيدِهِ)).

وَيَقُولُ -جَلَّ وَعَلَا-: {لَّا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 114].

((لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِمَّا يَتَنَاجَى بِهِ النَّاسُ وَيَتَخَاطَبُونَ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ خَيْرٌ، فَإِمَّا لَا فَائِدَةَ فِيهِ كَفُضُولِ الْكَلَامِ الْمُبَاحِ، وَإِمَّا شَرٌّ وَمَضَرَّةٌ مَحْضَةٌ كَالْكَلَامِ الْمُحَرَّمِ بِجَمِيعِ أَنْوَاعِهِ.

ثُمَّ اسْتَثْنَى -تَعَالَى- فَقَالَ: {إِلا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ} مِنْ مَالٍ أَوْ عِلْمٍ أَوْ أَيِّ نَفْعٍ كَانَ، بَلْ لَعَلَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ الْعِبَادَاتُ الْقَاصِرَةُ كَالتَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ وَنَحْوِهِ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((إِنَّ بِكُلِّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةً، وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْيٌ عَنِ الْمُنْكَرِ صَدَقَةٌ، وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ..)) الْحَدِيثَ.

{أَوْ مَعْرُوفٍ}: وَهُوَ الْإِحْسَانُ وَالطَّاعَةُ وَكُلُّ مَا عُرِفَ فِي الشَّرْعِ وَالْعَقْلِ حُسْنُهُ، وَإِذَا أُطْلِقَ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُقْرَنَ بِالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ دَخَلَ فِيهِ النَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ تَرْكَ الْمَنْهِيَّاتِ مِنَ الْمَعْرُوفِ، وَأَيْضًا لَا يَتِمُّ فِعْلُ الْخَيْرِ إِلَّا بِتَرْكِ الشَّرِّ، وَأَمَّا عِنْدَ الِاقْتِرَانِ فَيُفَسَّرُ الْمَعْرُوفُ بِفِعْلِ الْمَأْمُورِ، وَالْمُنْكَرُ بِتَرْكِ الْمَنْهِيِّ.

{أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ}: وَالْإِصْلَاحُ لَا يَكُونُ إِلَّا بَيْنَ مُتَنَازِعِينَ مُتَخَاصِمِينَ، وَالنِّزَاعُ وَالْخِصَامُ وَالتَّغَاضُبُ يُوجِبُ مِنَ الشَّرِّ وَالْفُرْقَةِ مَا لَا يُمْكِنُ حَصْرُهُ، فَلِذَلِكَ حَثَّ الشَّارِعُ عَلَى الْإِصْلَاحِ بَيْنَ النَّاسِ فِي الدِّمَاءِ وَالْأَمْوَالِ وَالْأَعْرَاضِ، بَلْ وَفِي الْأَدْيَانِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا}، وَقَالَ تَعَالَى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ...} الْآيَةَ، وَقَالَ تَعَالَى: {وَالصُّلْحُ خَيْرٌ}.

وَالسَّاعِي فِي الْإِصْلَاحِ بَيْنَ النَّاسِ أَفْضَلُ مِنَ الْقَانِتِ بِالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالصَّدَقَةِ، وَالْمُصْلِحُ لَا بُدَّ أَنْ يُصْلِحَ اللَّهُ سَعْيَهُ وَعَمَلَهُ.

كَمَا أَنَّ السَّاعِيَ فِي الْإِفْسَادِ لَا يُصْلِحُ اللَّهُ عَمَلَهُ وَلَا يُتِمُّ لَهُ مَقْصُودَهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ}.

 فَهَذِهِ الْأَشْيَاءُ حَيْثُمَا فُعِلَتْ فَهِيَ خَيْرٌ، كَمَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ الِاسْتِثْنَاءُ.

وَلَكِنَّ كَمَالَ الْأَجْرِ وَتَمَامَهُ بِحَسْبِ النِّيَّةِ وَالْإِخْلَاصِ، وَلِهَذَا قَالَ: {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا}، فَلِهَذَا يَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أَنْ يَقْصِدَ وَجْهَ اللَّهِ -تَعَالَى- وَيُخْلِصَ الْعَمَلَ لِلَّهِ فِي كُلِّ وَقْتٍ وَفِي كُلِّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ الْخَيْرِ؛ لِيَحْصُلَ لَهُ بِذَلِكَ الْأَجْرُ الْعَظِيمُ، وَلِيَتَعَوَّدَ الْإِخْلَاصَ فَيَكُونَ مِنَ الْمُخْلِصِينَ، وَلِيَتِمَّ لَهُ الْأَجْرُ، سَوَاءٌ تَمَّ مَقْصُودُهُ أَمْ لَا لِأَنَّ النِّيَّةَ حَصَلَتْ وَاقْتَرَنَ بِهَا مَا يُمْكِنُ مِنَ الْعَمَلِ)).

وَقَدْ دَعَانَا نَبِيُّنَا ﷺ إِلَى التَّكَافُلِ الْمُجْتَمَعِيِّ وَحَثَّنَا عَلَيْهِ، حَيْثُ يَقُولُ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: ((بَيْنَمَا نَحْنُ فِي سَفَرٍ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ جَاءَ رَجُلٌ عَلَى رَاحِلَةٍ لَهُ، فَجَعَلَ يَصْرِفُ بَصَرَهُ يَمِينًا وَشِمَالًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((مَنْ كَانَ مَعَهُ فَضْلُ ظَهْرٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا ظَهْرَ لَهُ، وَمَنْ كَانَ لَهُ فَضْلُ زَادٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا زَادَ لَهُ)). فَذَكَرَ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ مَا ذَكَرَ؛ حَتَّى رَأَيْنَا أَنَّهُ لَا حَقَّ لِأَحَدٍ مِنَّا فِي فَضْلٍ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

((هَذَا الْحَدِيثُ فِي قِصَّةِ الرَّجُلِ الَّذِي جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ عَلَى رَحْلٍ لَهُ، فَجَعَلَ يَلْتَفِتُ يَمِينًا وَشِمَالًا، وَكَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَهِمَ أَنَّ الرَّجُلَ مُحْتَاجٌ، فَقَالَ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-: ((مَنْ كَانَ لَهُ فَضْلُ ظَهْرٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا ظَهْرَ لَهُ، وَمَنْ كَانَ لَهُ فَضْلٌ مِنْ زَادٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا زَادَ لَهُ)).

وَذَكَرَ أَنْوَاعًا، وَلَمْ يُبَادِرْ فَيَقُولُ: مَنْ كَانَ لَهُ فَضْلُ زَادٍ مَثَلًا-؛ لِئَلَّا يَخْجَلَ الرَّجُلُ، بَلْ قَالَ: ((مَنْ كَانَ لَهُ فَضْلُ ظَهْرٍ))، وَالرَّجُلُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى الظَّهْرِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ؛ لَكِنْ هَذَا مِنْ حُسْنِ خِطَابِ النَّبِيِّ ﷺ.

يَقُولُ الرَّاوِي: ((حَتَّى رَأَيْنَا أَنَّهُ لَا حَقَّ لِأَحَدٍ مِنَّا فِي فَضْلٍ)) يَعْنِي: أَنَّ الْإِنْسَانَ يَبْذُلُ كُلَّ مَا عِنْدَهُ حَتَّى لَا يَبْقَى مَعَهُ فَضْلٌ، يَعْنِي: مِنَ الطَّعَامِ، وَالشَّرَابِ، وَالرَّحْلِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَهَذَا كُلُّهُ مِنْ بَابِ الْإِيثَارِ)).

«مَنْ كَانَ عِنْدَهُ فَضْلُ زَادٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا زَادَ لَهُ، مَنْ كَانَ عِنْدَهُ فَضْلُ ظَهْرٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا ظَهْرَ لَهُ، مَنْ كَانَ عِنْدَهُ فَضْلُ ثَوْبٍ، فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا ثَوْبَ لَهُ»، فَمَا زَالَ يُعَدِّدُ مِنْ أَصْنَافِ الفَضْلِ حَتَّى ظَنَّ الصَّحَابَةُ أَنَّهُ لَا حَقَّ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ فِي الْفَضْلِ، يَعْنِي: فِي الزِّيَادَةِ عَمَّا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ مِنْ ثِيَابٍ، أَوْ طَعَامٍ، أَوْ شَرَابٍ، أَوْ مَرْكُوبٍ، أَوْ مَا أَشْبَهَ.

فَذَلِكَ فِي الْمُوَاسَاةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ.

وَيَضْرِبُ لَنَا ﷺ أَرْوَعَ الْأَمْثِلَةِ فِي التَّكَافُلِ الْمُجْتَمَعِيِّ بِالْأَشْعَرِيِّينَ، حَيْثُ يَقُولُ ﷺ: «إِنَّ الْأَشْعَرِيِّينَ إِذَا أَرْمَلُوا فِي الْغَزْوِ أَوْ قَلَّ طَعَامُ عِيَالِهِمْ بِالْمَدِينَةِ جَمَعُوا مَا كَانَ عِنْدَهُمْ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ اقْتَسَمُوهُ بَيْنَهُمْ فِي إِنَاءٍ وَاحِدٍ بِالسَّوِيَّةِ؛ فَهُمْ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُمْ»)).

 ((أَرْمَلُوا)): فَرَغَ زَادُهُمْ، أَوْ قَارَبَ الْفَرَاغَ.

((أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- وَأَصْحَابُهُ الَّذِينَ هُمْ مِنَ الْأَشْعَرِيِّينَ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ كَانُوا يَتَسَاعَدُونَ فِي أُمُورِهِمْ، فَإِذَا أَتَاهُمْ شَيْءٌ مِنَ الْمَالِ جَمَعُوهُ، ثُمَّ اقْتَسَمُوهُ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ.

قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((فَهُمْ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُمْ)). قَالَ ذَلِكَ تَشْجِيعًا لِمَا يَفْعَلُونَهُ.

وَهَذَا الْحَدِيثُ أَصْلٌ فِي الْجَمْعِيَّاتِ التَّعَاوُنِيَّةِ الَّتِي يَفْعَلُهَا بَعْضُ النَّاسِ الْيَوْمَ، تَجْتَمِعُ الْقَبِيلَةُ عَلَى أَنْ يَضَعُوا صُنْدُوقًا يَجْمَعُونَ فِيهِ مَا يُرِيدُ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- مِنَ الْمَالِ؛ إِمَّا بِالنِّسْبَةِ، وَإِمَّا بِالِاجْتِهَادِ وَالتَّرْشِيحِ، فَيَكُونُ -مَثَلًا- عَلَى  كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَدْفَعَ اثْنَيْنِ فِي الْمِائَةِ مِنْ رَاتِبِهِ، أَوْ مِنْ كَسْبِهِ، أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَيَكُونُ هَذَا الصُّنْدُوقُ مُعَدًّا لِلْحَوَائِجِ وَالنَّكْبَاتِ الَّتِي تَحْصُلُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ.

فَهَذَا أَصْلُهُ حَدِيثُ أَبِي مُوسَى -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، فَإِذَا جَمَعَ النَّاسُ صُنْدُوقًا عَلَى هَذَا النَّحْوِ لِيَتَسَاعَدُوا فِيهِ عَلَى نَكْبَاتِ الزَّمَانِ مِنَ الْحَوَادِثِ وَغَيْرِهَا؛ فَإِنَّ لِذَلِكَ أَصْلًا فِي السُّنَّةِ، وَهُوَ مِنَ الْأُمُورِ الْمَشْرُوعَةِ.

ثُمَّ إِنَّ هَذَا الْمَالَ الَّذِي يُوضَعُ فِي الصُّنْدُوقِ لَيْسَ فِيهِ زَكَاةٌ مَهْمَا بَلَغَ مِنَ الْقَدْرِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ مَالِكٌ، وَمِنْ شُرُوطِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ: أَنْ يَكُونَ الْمَالُ لَهُ مَالِكٌ، وَهَذَا الصُّنْدُوقُ لَيْسَ لَهُ مَالِكٌ؛ بَلْ مَنْ حَصَلَ عَلَيْهِ حَادِثٌ فَإِنَّهُ يُسَاعَدُ مِنْهُ، وَأَصْحَابُهُ الَّذِينَ وَضَعُوا هَذِهِ النُّقُودَ فِي هَذَا الصُّنْدُوقِ فَإِنَّهُمْ لَا يَمْلِكُونَ أَخْذَهَا؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ أَخْرَجُوهَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ لِمَالِ مَنْ؟ لَا لِأَحَدٍ، وَإِنَّمَا هُوَ لِلْمُسَاعَدَةِ، وَعَلَى هَذَا فَلَا يَكُونُ فِيهَا زَكَاةٌ)).

لَقَدِ اسْتَحَقَّ هَؤُلَاءِ الْكِرَامُ ثَنَاءَ نَبِیِّنَا ﷺ وَمَحَبَّتَهُ حِينَ اسْتَحْضَرُوا رُوحَ التَّعَاوُنِ وَالْأُخُوَّةِ الْمَمْزُوجَةِ بِفَضِيلَةِ الْمَحَبَّةِ وَالْإِيثَارِ.

((الزَّكَاةُ أَعْظَمُ سُبُلِ التَّكَافُلِ الْمُجْتَمَعِيِّ))

عِبَادَ اللهِ! إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ سُبُلِ تَحْقِيقِ التَّكَافُلِ الْمُجْتَمَعِيِّ: الزَّكَاةَ؛ فَمِنْ فَوَائِدِ الزَّكَاةِ: أَنَّهَا تَجْعَلُ الْمُجْتَمَعَ الْإِسْلَامِيَّ كَأَنَّهُ أُسْرَةٌ وَاحِدَةٌ، يُضْفِي فِيهِ الْقَادِرُ عَلَى الْعَاجِزِ، وَالْغَنِيُّ عَلَى الْمُعْسِر، فَتُصْبِحُ حِينَئِذٍ أُخُوَّةُ الْإِسْلَامِ ظَاهِرَةً، وَيُصْبِحُ الْإِنْسَانُ يَشْعُرُ بِأَنَّ لَهُ إِخْوَةً يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُحْسِنَ إِلَيْهِمْ كَمَا أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْهِ، {وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللهُ} [القصص: 77]، فَتُصْبِحُ الْأُمَّةُ الْإِسْلَامِيَّةُ وَكَأَنَّهَا أُسْرَةٌ وَاحِدَةٌ، وَهَذَا مَا يُعْرَفُ عِنْدَ الْمُعَاصِرِينَ بِالتَّكَافُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ.

وَالزَّكَاةُ هِيَ خَيْرُ مَا يَكُونُ لِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ يُؤَدِّي بِهَا فَرِيضَةً وَيَنْفَعُ إِخْوَانَهُ.

وَمِنْ ثَمَرَاتِ الزَّكَاةِ وَفَوَائِدِهَا: أَنَّ الزَّكَاةَ تُطْفِئُ حَرَارَةَ ثَوْرَةِ الْفُقَرَاءِ؛ لِأَنَّ الْفَقِيرَ قَدْ يَغِيظُهُ أَنْ يَجِدَ هَذَا الرَّجُلَ يَرْكَبُ مَا شَاءَ مِنَ الْمَرَاكِبِ، وَيَسْكُنُ مَا شَاءَ مِنَ الْقُصُورِ، وَيَأْكُلُ مَا يَشْتَهِي مِنَ الطَّعَامِ.

وَأَمَّا هَذَا الْفَقِيرُ؛ فَلَا يَرْكَبُ إِلَّا رِجْلَيْهِ، وَلَا يَنَامُ إِلَّا عَلَى الْأَسْمَالِ وَمَا أَشْبَهَ؛ لَا شَكَّ أَنَّهُ يَجِدُ فِي نَفْسِهِ شَيْئًا، فَإِذَا جَادَ الْأَغْنِيَاءُ عَلَى الْفُقَرَاءِ؛ كَسَرُوا ثَوْرَتَهُمْ، وَهَدَّأُوا غَضْبَتَهُمْ، وَقَالُوا لَنَا إِخْوَةٌ يَعْرِفُونَنَا فِي الشِّدَّةِ، فَيَأْلَفُونَ الْأَغْنِيَاءَ وَيُحِبُّونَهُمْ.

وَمِنْ ثَمَرَاتِ الزَّكَاةِ: أَنَّهَا تَمْنَعُ الْجَرَائِمَ الْمَالِيَّةَ، كَالسَّرِقَاتِ وَالنَّهْبِ وَالسَّطْوِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْفُقَرَاءَ يَأْتِيهِمْ مَا يَسُدُّ شَيْئًا مِنْ حَاجَتِهِمْ، وَيَعْذِرُونَ الْأَغْنِيَاءَ لِكَوْنِهِمْ يُعْطُونَهُمْ مِنْ مَالِهِمْ، يُعْطُونَ رُبُوعَ الْعُشْرِ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْعُرُوضِ، وَالْعُشْرَ أَوْ نِصْفَهُ فِي الْحُبُوبِ وَالثِّمَارِ.

وَفِي الْمَوَاشِي يُعْطُونَهُمْ نِسْبَةً كَبِيرَةً، فَيَرَوْنَ أَنَّهُمْ مُحْسِنُونَ إِلَيْهِمْ فَلَا يَعْتَدُونَ عَلَيْهِمْ.

الزَّكَاةُ -عِبَادَ اللهِ- مِنْ مَحَاسِنِ الْإِسْلَامِ الَّذِي جَاءَ بِالْمُسَاوَاةِ، وَالتَّرَاحُمِ، وَالتَّعَاطُفِ، وَالتَّعَاوُنِ، وَقَطْعِ دَابِرِ كُلِّ شَرٍّ يُهَدِّدُ الْفَضِيلَةَ وَالْأَمْنَ وَالرَّخَاءَ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مُقَوِّمَاتِ الْبَقَاءِ لِصَلَاحِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، مِمَّا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا مِنَ الْفَوَائِدِ الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ لِلْإِسْلَامِ وَالْمُزَكِّي وَالْمُزَكَّى عَلَيْهِ وَلِلْمُجْتَمَعِ كُلِّهِ.

فَهِيَ تُطَهِّرُ الْمُزَكِّيَ وَتُنَمِّي مَالَهُ، وَتَنْزِلُ بِسَبَبِهَا الْبَرَكَةُ فِيهِ، وَيَنْفَعُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- بِهَا الْمُسْلِمِينَ.

فَقَدْ جَعَلَهَا اللهُ طُهْرَةً  لِصَاحِبِهَا مِنْ رَذَائِلَ نَفْسِيَّةٍ كَثِيرَةٍ، وَتَنْمِيَةً حِسِّيَّةً وَمَعْنَوِيَّةً مِنْ آفَةِ النَّقْصِ، وَجَعَلَهَا رَبُّنَا مُسَاوَاةً بَيْنَ خَلْقِهِ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- وَخَوَّلَهُمْ مِنْ مَالٍ، وَجَعَلَهَا اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- إِعَانَةً مِنَ الْأَغْنِيَاءِ لِإِخْوَانِهِمُ الْفُقَرَاءِ الَّذِينَ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى مَا يُقِيمُ أَوَدَهُمْ مِنْ مَالٍ، وَلَيْسَتْ لَهُمْ قُوَّةٌ عَلَى عَمَلٍ.

جَعَلَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- فِي الزَّكَاةِ تَحْقِيقًا لِلسَّلَامِ وَالْأَمْنِ الَّذِي لَا يَسْتَقِرُّ بِوُجُودِ طَائِفَةٍ جَائِعَةٍ تَرَى الْمَالَ وهي مَحْرُومَةٌ مِنْهُ، وَجَعَلَهَا اللهُ تَأْلِيفًا لِلْقُلُوبِ، وَجَمْعًا لِلْكَلِمَةِ؛ يَجُودُ الْأَغْنِيَاءُ عَلَى الْفُقَرَاءِ بِنَصِيبٍ مِنْ أَمْوَالِهِمْ بِسَبَبِ الزَّكَاةِ وَالصَّدَقَةِ، فَيُؤْتِيهِمُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- الْمَحَبَّةَ، وَيَجْعَلُ الْمُجْتَمَعَ الْمُسْلِمَ مُجْتَمَعًا مُتَوَادًّا مُتَحَابًّا، لَا حِقْدَ فِيهِ وَلَا أَثَرَةَ.

هَذِهِ الْفَرِيضَةُ الْكَرِيمَةُ من فرائض الله -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- تُعْلِمُ:

أَنَّ الْإِسْلَامَ هُوَ دِينُ  الْعَدَالَةِ الْحَقِيقِيَّةِ، الَّذِي يَكْفُلُ لِلْفَقِيرِ الْعَاجِزِ الْعَيْشَ الْكَرِيمَ  وَالْقُوتَ الْحَلَالَ، وَيَجْعَلُ لِلْغَنِيِّ الْقَادِرِ مَزِيَّةَ التَّمَلُّكِ مُقَابِلَ سَعْيِهِ وَبَذْلِهِ وَمَجْهُودِهِ.

وَهَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ الْمُسْتَقِيمُ الَّذِي بِهِ عِمَارَةُ الأرض، وَصَلَاحُ الدِّينِ  وَالدُّنْيَا؛ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ يُنْكِرُ الشُّيُوعِيَّةَ المُتَطَرِّفَةَ، وَالِاشْتِرَاكِيَّةَ الْمُجْحِفَةَ، وَالرَّأْسُمَالِيَّةَ الشَّحِيحَةَ الْمُمْسِكَةَ.

وَهُوَ وَسَطٌ بَيْنَ الْمِلَلِ وَبَيْنَ الْأَدْيَانِ، وَقَدْ أَثْبَتَتِ الْأَيَّامُ وَأَظْهَرَتِ الْوَقَائِعُ مَخَازِيَ هَذِهِ النُّظُمِ الْأَرْضِيَّةِ، وَقَدِ انْهَارَ مِنْهَا مَا انْهَارَ، وَيَنْهَارُ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْهَا مَا سَوْفَ يَنْهَارُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ مُقَوِّمَاتُ الِاسْتِقْرَارِ وَالِاسْتِمْرَارِ، بِخِلَافِ نِظَامِ الزَّكَاةِ وَنِظَامِ الصَّدَقَةِ فِي الْإِسْلَامِ الْعَظِيمِ الَّذِي يُعَمِّرُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- بِهِ الدِّيَارَ، وَيُذْهِبُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- بِهِ الْأَحْقَادَ مِنَ النُّفُوسِ، وَيَجْعَلُ الْمُجْتَمَعَ الْمُسْلِمَ وِحْدَةً وَاحِدَةً.

فَالْحَمْدُ للهِ عَلَى نِعْمَةِ الْإِسْلَامِ الْعَظِيمِ.

((الصَّدَقَاتُ سَبِيلُ تَحْقِيقِ التَّكَافُلِ الْمُجْتَمَعِيِّ))

إِنَّ مِنَ الْوَسَائِلِ الْعَظِيمَةِ لِتَحْقِيقِ التَّكَافُلِ الْمُجْتَمَعِيِّ: الصَّدَقَاتِ، وَالصَّدَقَةُ مُسْتَحَبَّةٌ، وَتُشْرَعُ فِي كُلِّ وَقْتٍ؛ لِإِطْلَاقِ الْحَثِّ عَلَيْهَا فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَلِلتَّرْغِيبِ فِيهَا، قَالَ رَبُّنَا -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ-: {إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ} [الحديد: 18].

((إِنَّ الْمُتَصَدِّقِينَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ، وَأَنْفَقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ نَفَقَاتٍ طَيِّبَةً بِهَا نُفُوسُهُمُ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللهِ -تَعَالَى- يُضَاعَفُ لَهُمْ ثَوَابُ ذَلِكَ، وَلَهُمْ فَوْقَ ذَلِكَ ثَوَابُ جَزِيلٌ، وَهُوَ الْجَنَّةُ)).

 (({إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ}: بِالتَّشْدِيدِ، أَيِ: الَّذِينَ أَكْثَرُوا مِنَ الصَّدَقَاتِ الشَّرْعِيَّةِ، وَالنَّفَقَاتِ المَرْضِيَّةِ، {وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا} بِأَنْ قَدَّمُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فِي طُرُقِ الْخَيْرَاتِ مَا يَكُونُ ذُخْرًا لَهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ {يُضَاعَفُ لَهُمْ}: الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ مِئَةِ ضِعْفٍ، إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ، {وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ}: وَهُوَ مَا أَعَدَّهُ اللَّهُ لَهُمْ فِي الْجَنَّةِ مِمَّا لَا تَعْلَمُهُ النُّفُوسُ)).

إِنَّ الْإِسْلَامَ دِينُ الْبَذْلِ وَالْعَطَاءِ، أَمَرَ بِالصَّدَقَةِ، وَجَعَلَهَا مِنْ أَجَلِّ الطَّاعَاتِ وَأَعْظَمِ الْقُرُبَاتِ، وَوَعَدَ الْمُتَصَدِّقِينَ بِالْأَجْرِ الْعَظِيمِ؛ حَيْثُ يَقُولُ -عَزَّ وَجَلَّ-: {آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ۖ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ} [الحديد: 7].

وَقَالَ تَعَالَى: {وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ} [البقرة: 177].

وَأَعْطَى الْمَالَ عَلَى شِدَّةِ حُبِّهِ لَهُ الْفُقَرَاءَ مِنْ أَهْلِ قَرَابَتِهِ، وَالْيَتَامَى الَّذِينَ تُوُفِّيَ آبَاؤُهُمْ وَلَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ، وَالْمَسَاكِينَ الَّذِينَ يَدُلُّ ظَاهِرُهُمْ عَلَى أَنَّهُمْ ذَوُو حَاجَةٍ، وَالْمُسَافِرَ الْمُنْقَطِعَ عَنْ أَهْلِهِ، وَالطَّالِبِينَ الْمُسْتَطْعِمِينَ، وَأَعْطَى الْمَالَ فِي مُعَاوَنَةِ الْمُكَاتَبِينَ؛ حَتَّى يَفُكُّوا رِقَابَهُمْ، أَوْ فِي فَكِّ الْأَسْرَى مِنْ أَيْدِي الْعَدُوِّ بِفِدَائِهِمْ.

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ، وَلَا يَقْبَلُ اللهُ إِلَّا الطَّيِّبَ؛ فَإِنَّ اللهَ يَتَقَبَّلُهَا بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهَا كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ؛ حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الْجَبَلِ)). وَفِي لَفْظِ مُسْلِمٍ: ((حَتَّى تَكُونَ أَعْظَمَ مِنَ الْجَبَلِ كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ أَوْ فَصِيلَهُ)).

لَقَدْ شُرِعَتِ الصَّدَقَةُ طُهْرَةً لِلنَّفْسِ مِنَ الْأَخْلَاقِ الرَّذِيلَةِ، وَدَفْعًا لِلشُّحِّ وَالْبُخْلِ وَقَسْوَةِ الْقَلْبِ؛ حَيْثُ يَقُولُ تَعَالَى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا} [التوبة: 103].

((قَالَ -تَعَالَى- لِرَسُولِهِ وَمَنْ قَامَ مَقَامَهُ آمِرًا لَهُ بِمَا يُطَهِّرُ الْمُؤْمِنِينَ وَيُتَمِّمُ إِيمَانَهُمْ: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً}: وَهِيَ الزَّكَاةُ الْمَفْرُوضَةُ، {تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} أَيْ: تُطَهِّرُهُمْ مِنَ الذُّنُوبِ وَالْأَخْلَاقِ الرَّذِيلَةِ.

{وَتُزَكِّيهِمْ} أَيْ: تُنَمِّيهِمْ، وَتُزِيدُ فِي أَخْلَاقِهِمُ الْحَسَنَةِ وَأَعْمَالِهِمُ الصَّالِحَةِ، وَتُزِيدُ فِي ثَوَابِهِمُ الدُّنْيَوِيِّ وَالْأُخْرَوِيِّ، وَتُنَمِّي أَمْوَالَهُمْ)).

وَالصَّدَقَةُ تُلِينُ الْقَلْبَ وَتُذْهِبُ قَسْوَتَهُ؛ فعنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: أَنَّ رَجُلًا شَكَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ قَسْوَةَ قَلْبِهِ، فَقَالَ لَهُ: ((إِنْ أَرَدْتَ أَنْ يَلِينَ قَلْبُكَ فَأَطْعِمِ الْمِسْكِينَ، وَامْسَحْ رَأْسَ الْيَتِيمِ)). أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ.

فَضَائِلُ الصَّدَقَةِ كَثِيرَةٌ جِدًّا، وَهَلْ خَطَرَ عَلَى قَلْبِ الْمُسْلِمِ أَنَّ الصَّدَقَةَ مِنْ مَسَائِلِ الِاعْتِقَادِ؟!!

نَعَمْ، إِنَّ الْأَمْرَ لَكَذَلِكَ..

عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ: ((الطُّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ، وَالْحَمْدُ للهِ تَمْلَأُ الْمِيزَانَ، وَسُبْحَانَ اللهِ وَاللهُ أَكْبَرُ تَمْلَآنِ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَالصَّلَاةُ نُورٌ، وَالصَّوْمُ جُنَّةٌ، وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ، وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

قَالَ النَّوَوِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((وَسُمِّيَتْ صَدَقَةً؛ لِأَنَّهَا دَلِيلٌ لِتَصْدِيقِ صَاحِبِهَا، وَصِحَّةِ إِيمَانِهِ بِظَاهِرِهِ وَبَاطِنِهِ)).

وَتَذَكَّرْ -أَيُّهَا الْمُتَصَدِّقُ- أَنَّ أَوَّلَ مُسْتَفِيدٍ مِنْ صَدَقَتِكَ هُوَ أَنْتَ، قَالَ تَعَالَى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [التوبة: 103].

وَهَذَا وَحْدَهُ كَافٍ فِي كَوْنِ الْمُتَصَدِّقِ يَبْحَثُ عَنِ الْفَقِيرِ بِنَفْسِهِ، قَالَ الشَّعْبِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((مَنْ لَمْ يَرَ نَفْسَهُ إِلَى ثَوَابِ الصَّدَقَةِ أَحْوَجَ مِنَ الْفَقِيرِ إِلَى صَدَقَتِهِ؛ فَقَدْ أَبْطَلَ صَدَقَتَهُ، وَضُرِبَ بِهَا وَجْهُهُ)).

قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((مِنْ دَقِيقِ نِعَمِ اللهِ عَلَى الْعَبْدِ الَّتِي لَا يَكَادُ يُفْطَنُ لَهَا: أَنَّهُ يُغْلِقُ عَلَيْهِ بَابَهُ، فَيُرْسِلُ اللهُ إِلَيْهِ مَنْ يَطْرُقُ عَلَيْهِ الْبَابَ يَسْأَلُهُ شَيْئًا مِنَ الْقُوتِ؛ لِيُعَرِّفَهُ نِعْمَتَهُ عَلَيْهِ)).

وَوُجُودُ مَنْ يَقْبَلُ الصَّدَقَةَ مِنَ الْمَسَاكِينِ مَنٌّ مِنَ اللهِ -تَعَالَى- عَلَى الْأَغْنِيَاءِ، وَفُرْصَةٌ يَنْبَغِي أَلَّا تُفَوَّتَ، وَقَدْ أَرْشَدَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى اغْتِنَامِ الْفُرَصِ، وَحَذَّرَ مِنْ تَفْوِيتِهَا، فَقَالَ ﷺ: ((تَصَدَّقُوا؛ فَإِنَّهُ يَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ يَمْشِي الرَّجُلُ بِصَدَقَتِهِ فَلَا يَجِدُ مَنْ يَقْبَلُهَا، يَقُولُ الرَّجُلُ: لَوْ جِئْتَ بِهَا بِالْأَمْسِ لَقَبِلْتُهَا، فَأَمَّا الْيَوْمَ فَلَا حَاجَةَ لِي بِهَا!!)). رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.

وَاحْذَرْ -أَيُّهَا الْمُتَصَدِّقُ- أَنْ تَسْتَكْثِرَ مَا أَعْطَيْتَ وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا، {وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ} [المدثر: 6]، فَالْمِنَّةُ للهِ وَحْدَهُ؛ حَيْثُ حَرَّكَ قَلْبَكَ لِلْبَذْلِ.

إِنَّ الصَّدَقَةَ حِصْنٌ حَصِينٌ لِلْمُجْتَمَعِ الْمُسْلِمِ؛ فَقَدْ شَرَعَ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- الصَّدَقَةَ لِغَايَاتٍ نَبِيلَةٍ وَحِكَمٍ جَلِيلَةٍ تَتَحَقَّقُ بِهَا الْمَصَالِحُ، وَتَتَآلَفُ بِهَا الْقُلُوبُ، وَتُقْضَى بِهَا الْحَوَائِجُ، وَيُسْتَعَانُ بِهَا عَلَى النَّوَائِبِ، وَهِيَ صُورَةٌ مِنْ صُوَرِ الْأَمْنِ وَالْأَمَانِ لِلْفَرْدِ وَالْمُجْتَمَعِ، يَقُولُ نَبِيُّنَا ﷺ: ((مَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً؛ فَرَّجَ اللهُ عَنْهُ بِهَا كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ.

الصَّدَقَةُ تَجْعَلُ الْمُجْتَمَعَ الْمُسْلِمَ كَالْأُسْرَةِ الْوَاحِدَةِ، يَرْحَمُ الْقَوِيُّ الضَّعِيفَ، وَيَعْطِفُ الْقَادِرُ عَلَى الْعَاجِزِ، وَيُحْسِنُ الْغَنِيُّ إِلَى الْمُعْسِرِ، فَيَشْعُرُ صَاحِبُ الْمَالِ بِالرَّغْبَةِ فِي الْإِحْسَانِ؛ لِأَنَّ اللهَ أَحْسَنَ إِلَيْهِ، قَالَ تَعَالَى: {وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ} [القصص: 77].

الصَّدَقَةُ حِصْنٌ حَصِينٌ، وَسَدٌّ مَنِيعٌ، وَحِمًى مَتِينٌ لِلْمُجْتَمَعِ مِنْ جَرَائِمِ السَّطْوِ وَالْإِجْرَامِ، وَقَدْ رَبَطَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا- بَيْنَ عَدَمِ الْإِنْفَاقِ وَالتَّهْلُكَةِ فِي قَوْلِهِ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ۛ وَأَحْسِنُوا ۛ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [البقرة: 195].

((يَأْمُرُ -تَعَالَى- عِبَادَهُ بِالنَّفَقَةِ فِي سَبِيلِهِ، وَهُوَ إِخْرَاجُ الْأَمْوَالِ فِي الطُّرُقِ الْمُوصِلَةِ إِلَى اللَّهِ، وَهِيَ كُلُّ طُرُقِ الْخَيْرِ؛ مِنْ صَدَقَةٍ عَلَى مِسْكِينٍ، أَوْ قَرِيبٍ، أَوْ إِنْفَاقٍ عَلَى مَنْ تَجِبُ مُؤْنَتُهُ، وَأَعْظَمُ ذَلِكَ وَأَوَّلُ مَا دَخَلَ فِي ذَلِكَ: الْإِنْفَاقُ فِي الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؛ فَإِنَّ النَّفَقَةَ فِيهِ جِهَادٌ بِالْمَالِ، وَهُوَ فَرْضٌ كَالْجِهَادِ بِالْبَدَنِ، وَفِيهَا مِنَ الْمَصَالِحِ الْعَظِيمَةِ: الْإِعَانَةُ عَلَى تَقْوِيَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَعَلَى تَوْهِيَةِ الشِّرْكِ وَأَهْلِهِ، وَعَلَى إِقَامَةِ دِينِ اللَّهِ وَإِعْزَازِهِ.

فَالْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَقُومُ إِلَّا عَلَى سَاقِ النَّفَقَةِ؛ فَالنَّفَقَةُ لَهُ كَالرُّوحِ لِلْجَسَدِ، لَا يُمْكِنُ وُجُودُهُ بِدُونِهَا، وَفِي تَرْكِ الْإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِبْطَالٌ لِلْجِهَادِ، وَتَسْلِيطٌ لِلْأَعْدَاءِ، وَشِدَّةُ تَكَالُبِهِمْ؛ فَيَكُونُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} كَالتَّعْلِيلِ لِذَلِكَ.

وَالْإِلْقَاءُ بِالْيَدِ إِلَى التَّهْلُكَةِ يَرْجِعُ إِلَى أَمْرَيْنِ: تَرْكِ مَا أُمِرَ بِهِ الْعَبْدُ إِذَا كَانَ تَرْكُهُ مُوجِبًا أَوْ مُقَارِبًا لِهَلَاكِ الْبَدَنِ أَوِ الرُّوحِ، وَفِعْلِ مَا هُوَ سَبَبٌ مُوصِلٌ إِلَى تَلَفِ النَّفْسِ أَوِ الرُّوحِ، فَيَدْخُلُ تَحْتَ ذَلِكَ أُمُورٌ كَثِيرَةٌ؛ فَمِنْ ذَلِكَ: تَرْكُ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ النَّفَقَةِ فِيهِ الْمُوجِبُ لِتَسَلُّطِ الْأَعْدَاءِ، وَمِنْ ذَلِكَ: تَغْرِيرُ الْإِنْسَانِ بِنَفْسِهِ فِي مُقَاتَلَةٍ، أَوْ سَفَرٍ مَخُوفٍ، أَوْ مَحَلِّ مَسْبَعَةٍ أَوْ حَيَّاتٍ، أَوْ يَصْعَدُ شَجَرًا أَوْ بُنْيَانًا خَطَرًا، أَوْ يَدْخُلُ تَحْتَ شَيْءٍ فِيهِ خَطَرٌ، وَنَحْوُ ذَلِكَ، فَهَذَا وَنَحْوُهُ مِمَّنْ أَلْقَى بِيَدِهِ إِلَى التَّهْلُكَةِ.

وَمِنَ الْإِلْقَاءِ بِالْيَدِ إِلَى التَّهْلُكَةِ: الْإِقَامَةُ عَلَى مَعَاصِي اللَّهِ، وَالْيَأْسُ مِنَ التَّوْبَةِ، وَمِنْهَا: تَرْكُ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْفَرَائِضِ الَّتِي فِي تَرْكِهَا هَلَاكٌ لِلرُّوحِ وَالدِّينِ.

وَلَمَّا كَانَتِ النَّفَقَةُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ نَوْعًا مِنْ أَنْوَاعِ الْإِحْسَانِ؛ أَمَرَ بِالْإِحْسَانِ عُمُومًا، فَقَالَ: {وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}: وَهَذَا يَشْمَلُ جَمِيعَ أَنْوَاعِ الْإِحْسَانِ)).

 إِنَّ دَفْعَ الْمَرَضِ وَعِلَاجَ الْفُقَرَاءِ وَإِعَانَةَ الْمَرْضَى مِنْ أَوْلَى الْأَوْلَوِيَّاتِ فِي الصَّدَقَاتِ، لَمَّا مَرِضَتْ بِنْتُ رَسُولِ اللهِ ﷺ؛ أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ زَوْجَهَا عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنْ يَبْقَى عِنْدَهَا لِيُمَرِّضَهَا، وَتَخَلَّفَ عَنْ مَعْرَكَةِ بَدْرٍ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: ((إِنَّ لَكَ أَجْرَ رَجُلٍ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا وَسَهْمَهُ)). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

فَمَا أَحْوَجَنَا إِلَى فَهْمِ مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ الَّتِي جَاءَتْ لِإِسْعَادِ الْبَشَرِيَّةِ، وَرَفْعِ الْحَرَجِ، وَبَثِّ رُوحِ التَّكَافُلِ وَالتَّعَاوُنِ عَلَى كُلِّ مَا فِيهِ مَصْلَحَةُ الْبِلَادِ وَالْعِبَادِ، فَيَتَحَمَّلُ كُلُّ مُسْلِمٍ مَسْؤُولِيَّتَهُ الدِّينِيَّةَ وَالْوَطَنِيَّةَ، فَيُعْطِي مِمَّا عِنْدَهُ مِنْ عِلْمٍ، أَوْ مَالٍ، أَوْ نُصْحٍ، أَوْ جُهْدٍ بِمَا يُسْهِمُ فِي دَفْعِ الْفَقْرِ، وَالسَّعْيِ لِتَحْقِيقِ التَّكَافُلِ الْمُجْتَمَعِيِّ؛ إِرْضَاءً للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَخِدْمَةً لِلدِّينِ وَالْوَطَنِ؛ حَيْثُ يَقُولُ سُبْحَانَهُ: {الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 274].

((الَّذِينَ يُخْرِجُونَ أَمْوَالَهُمْ مَرْضَاةً للهِ لَيْلًا وَنَهَارًا، مُسِرِّينَ وَمُعْلِنِينَ؛ فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ، وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ فِيمَا يَسْتَقْبِلُونَهُ مِنْ أَمْرِ الْآخِرَةِ، وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ عَلَى مَا فَاتَهُمْ مِنْ حُظُوظِ الدُّنْيَا.

ذَلِكَ التَّشْرِيعُ الْإِلَهِيُّ الْحَكِيمُ هُوَ مِنْهَاجُ الْإِسْلَامِ فِي الْإِنْفَاقِ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ سَدِّ حَاجَةِ الْفُقَرَاءِ فِي كَرَامَةٍ وَعِزَّةٍ، وَتَطْهِيرِ مَالِ الْأَغْنِيَاءِ، وَتَحْقِيقِ التَّعَاوُنِ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى؛ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللهِ دُونَ قَهْرٍ أَوْ إِكْرَاهٍ)).

((هَذَا مَدْحٌ مِنْهُ -تَعَالَى- لِلْمُنْفِقِينَ فِي سَبِيلِهِ وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِهِ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ، وَالْأَحْوَالِ مِنْ سِرٍّ وَجَهَارٍ؛ حَتَّى إِنَّ النَّفَقَةَ عَلَى الْأَهْلِ تَدْخُلُ فِي ذَلِكَ أَيْضًا، كَمَا ثَبَتَ فِي ((الصَّحِيحَيْنِ)) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- حِينَ عَادَهُ مَرِيضًا عَامَ الْفَتْحِ -وَفِي رِوَايَةٍ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ-: ((وَإِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا ازْدَدْتَ بِهَا دَرَجَةً وَرِفْعَةً؛ حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فِي امْرَأَتِكَ)).

وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: ((إِنَّ الْمُسْلِمَ إِذَا أَنْفَقَ عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةً يَحْتَسِبُهَا كَانَتْ لَهُ صَدَقَةً)). أَخْرَجَاهُ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ بِهِ.

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ((هُمُ الَّذِينَ يَعْلِفُونَ الْخَيْلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ)). رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، ثُمَّ قَالَ: ((وَكَذَا رُوِيَ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَمَكْحُولٍ)).

{فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ} أَيْ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى مَا فَعَلُوا مِنَ الْإِنْفَاقِ فِي الطَّاعَاتِ {وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ})).

الصَّدَقَةُ دَلَّتْ نُصُوصُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَلَى فَضْلِهَا وَعَظِيمِ قَدْرِهَا فِي دِينِ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا-؛ فَنَسْأَلُ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- أَنْ يَقِيَنَا شُحَّ أَنْفُسِنَا، وَأَنْ يَرْزُقَنَا رِزْقًا حَلَالًا طَيِّبًا مُبَارَكًا مُوَسَّعًا فِيهِ، لَا حُرْمَةَ فِيهِ وَلَا شُبْهَةَ؛ إِنَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْكَرِيمُ، وَالْجَوَادُ الْبَرُّ الرَّحِيمُ.

((التَّكَافُلُ الْمُجْتَمَعِيُّ وَاجِبُ الْوَقْتِ))

مِمَّا لَا شَكَّ فِيهِ أَنَّ التَّكَافُلَ الْمُجْتَمَعِيَّ وَاجِبٌ مِنْ وَاجِبَاتِ الْوَقْتِ، حَيْثُ يَسْتَقْبِلُ النَّاسُ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ شَهْرَ رَمَضَانَ ضَيْفًا مُبَارَكًا يَمُنُّ اللهُ عَلَى عِبَادِهِ فِيهِ بِالْخَيْرِ وَالْبَرَكَاتِ وَالنَّفَحَاتِ، وَيُشَمِّرُ الْجَمِيعُ فِيهِ عَنْ سَاعِدِ الْجِدِّ فِي الطَّاعَةِ وَالِاجْتِهَادِ فِي الْعِبَادَةِ، وَمِنْ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ الَّذِي تُسْتَقْبَلُ بِهَا هَذَا الشَّهْرُ الْمُبَارَكُ: التَّوْبَةُ، وَالتَّكَافُلُ الْمُجْتَمَعِيُّ؛ بِإِطْعَامِ الْجَائِعِ، وَكِسَاءِ الْعَارِي، وَإِعَانَةِ الْمُحْتَاجِ؛ حَتَّى يَطْمَئِنَّ النَّاسُ، وَتَتَفَرَّغَ قُلُوبُهُمْ لِاسْتِقْبَالِ نَفَحَاتِ وَبَرَكَاتِ الشَّهْرِ الْمُبَارَكِ.

وَقَدْ وَعَدَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- أَهْلَ الْفَضْلِ وَالْخَيْرِ وَالْإِنْفَاقِ الْجَزَاءَ الْجَزِيلَ وَالْأُجُورَ الْمُضَاعَفَةَ، حَيْثُ يَقُولُ الْحَقُّ -سُبْحَانَهُ-: {مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ ۗ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (261) الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى ۙ لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 261-262].

((هَذَا حَثٌّ عَظِيمٌ مِنَ اللَّهِ لِعِبَادِهِ فِي إِنْفَاقِ أَمْوَالِهِمْ فِي سَبِيلِهِ، وَهُوَ طَرِيقُهُ الْمُوصِلُ إِلَيْهِ، فَيَدْخُلُ فِي هَذَا إِنْفَاقُهُ فِي تَرْقِيَةِ الْعُلُومِ النَّافِعَةِ، وَفِي الِاسْتِعْدَادِ لِلْجِهَادِ فِي سَبِيلِهِ، وَفِي تَجَهُّزِ الْمُجَاهِدِينَ وَتَجْهِيزِهِمْ، وَفِي جَمِيعِ الْمَشَارِيعِ الْخَيْرِيَّةِ النَّافِعَةِ لِلْمُسْلِمِينَ، وَيَلِي ذَلِكَ الْإِنْفَاقُ عَلَى الْمُحْتَاجِينَ وَالْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ.

وَقَدْ يَجْتَمِعُ الْأَمْرَانِ، فَيَكُونُ فِي النَّفَقَةِ دَفْعُ الْحَاجَاتِ وَالْإِعَانَةُ عَلَى الْخَيْرِ وَالطَّاعَاتِ، فَهَذِهِ النَّفَقَاتُ مُضَاعَفَةٌ هَذِهِ الْمُضَاعَفَةَ بِسَبْعِ مِئَةٍ إِلَى أَضْعَافٍ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَلِهَذَا قَالَ: {وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ} وَذَلِكَ بِحَسَبِ مَا يَقُومُ بِقَلْبِ الْمُنْفِقِ مِنَ الْإِيمَانِ وَالْإِخْلَاصِ التَّامِّ، وَفِي ثَمَرَاتِ نَفَقَتِهِ وَنَفْعِهَا؛ فَإِنَّ بَعْضَ طُرُقِ الْخَيْرَاتِ يَتَرَتَّبُ عَلَى الْإِنْفَاقِ فِيهَا مَنَافِعُ مُتَسَلْسِلَةٌ، وَمَصَالِحُ مُتَنَوِّعَةٌ، فَكَانَ الْجَزَاءُ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ.

ثُمَّ -أَيْضًا- ذَكَرَ ثَوَابًا آخَرَ لِلْمُنْفِقِينَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِهِ نَفَقَةً صَادِرَةً، مُسْتَوْفِيَةً لِشُرُوطِهَا، مُنْتَفِيَةً مَوَانِعُهَا، فَلَا يُتْبِعُونَ الْمُنْفَقَ عَلَيْهِ مَنًّا مِنْهُمْ عَلَيْهِ، وَتَعْدَادًا لِلنِّعَمِ، وَأَذِيَّةً لَهُ قَوْلِيَّةً أَوْ فِعْلِيَّةً، فَهَؤُلَاءِ {لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ} بِحَسَبِ مَا يَعْلَمُهُ مِنْهُمْ، وَبِحَسَبِ نَفَقَاتِهِمْ وَنَفْعِهَا، وَبِفَضْلِهِ الَّذِي لَا تَنَالُهُ وَلَا تَصِلُ إِلَيْهِ صَدَقَاتُهُمْ.

{وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} فَنَفَى عَنْهُمُ الْمَكْرُوهَ الْمَاضِيَ بِنَفْيِ الْحُزْنِ، وَالْمُسْتَقْبَلَ بِنَفْيِ الْخَوْفِ عَلَيْهِمْ، فَقَدْ حَصَلَ لَهُمُ الْمَحْبُوبُ، وَانْدَفَعَ عَنْهُمُ الْمَكْرُوهُ)).

وَيَقُولُ -سُبْحَانَهُ-: {آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ۖ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ} [الحديد: 7].

((يَأْمُرُ -تَعَالَى- عِبَادَهُ بِالْإِيمَانِ بِهِ وَبِرَسُولِهِ وَبِمَا جَاءَ بِهِ، وَبِالنَّفَقَةِ فِي سَبِيلِهِ مِنَ الْأَمْوَالِ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ فِي أَيْدِيهِمْ وَاسْتَخْلَفَهُمْ عَلَيْهَا؛ لِيَنْظُرَ كَيْفَ يَعْمَلُونَ، ثُمَّ لَمَّا أَمَرَهُمْ بِذَلِكَ رَغَّبَهُمْ وَحَثَّهُمْ عَلَيْهِ بِذِكْرِ مَا رَتَّبَ عَلَيْهِ مِنَ الثَّوَابِ، فَقَالَ: {فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا} أَيْ: جَمَعُوا بَيْنَ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَالنَّفَقَةِ فِي سَبِيلِهِ {لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ}، أَعْظَمُهُ وَأَجَلُّهُ رِضَا رَبِّهِمْ، وَالْفَوْزُ بِدَارِ كَرَامَتِهِ، وَمَا فِيهَا مِنَ النَّعِيمِ الْمُقِيمِ الَّذِي أَعَدَّهُ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدِينَ)).

وَيَقُولُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الْأَرْضِ ۖ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلَّا أَن تُغْمِضُوا فِيهِ ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} [البقرة: 267].

((يَحُثُّ الْبَارِي عِبَادَهُ عَلَى الْإِنْفَاقِ مِمَّا كَسَبُوا فِي التِّجَارَاتِ، وَمِمَّا أَخْرَجَ لَهُمْ مِنَ الْأَرْضِ مِنَ الْحُبُوبِ وَالثِّمَارِ، وَهَذَا يَشْمَلُ زَكَاةَ النَّقْدَيْنِ وَالْعُرُوضِ كُلِّهَا الْمُعَدَّةِ لِلْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَالْخَارِجِ مِنَ الْأَرْضِ مِنَ الْحُبُوبِ وَالثِّمَارِ، وَيَدْخُلُ فِي عُمُومِهَا الْفَرْضُ وَالنَّفْلُ.

وَأَمَرَ -تَعَالَى- أَنْ يَقْصِدُوا الطَّيِّبَ مِنْهَا، وَلَا يَقْصِدُوا الْخَبِيثَ، وَهُوَ الرَّدِيءُ الدُّونُ، يَجْعَلُونَهُ لِلَّهِ، وَلَوْ بَذَلَهُ لَهُمْ مَنْ لَهُمْ حَقٌّ عَلَيْهِ لَمْ يَرْتَضُوهُ وَلَمْ يَقْبَلُوهُ إِلَّا عَلَى وَجْهِ الْمُغَاضَاةِ وَالْإِغْمَاضِ.

فَالْوَاجِبُ إِخْرَاجُ الْوَسَطِ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، وَالْكَمَالُ إِخْرَاجُ الْعَالِي، وَالْمَمْنُوعُ إِخْرَاجُ الرَّدِيءِ؛ فَإِنَّ هَذَا لَا يُجْزِئُ عَنِ الْوَاجِبِ، وَلَا يَحْصُلُ فِيهِ الثَّوَابُ التَّامُّ فِي الْمَنْدُوبِ.

{وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} فَهُوَ غَنِيٌّ عَنْ جَمِيعِ الْمَخْلُوقِينَ، وَهُوَ الْغَنِيُّ عَنْ نَفَقَاتِ الْمُنْفِقِينَ، وَعَنْ طَاعَاتِ الطَّائِعِينَ، وَإِنَّمَا أَمَرَهُمْ بِهَا وَحَثَّهُمْ عَلَيْهَا؛ لِنَفْعِهِمْ وَمَحْضِ فَضْلِهِ وَكَرَمِهِ عَلَيْهِمْ)).

وَقَدْ كَانَ الرَّسُولُ ﷺ يُخْبِرُ النَّاسَ مِنْ أَصْحَابٍ وَمَنْ يَلِي، يُخْبِرُهُمْ أَنَّهُ مَا مِنْ يَوْمٍ جَدِيدٍ إِلَّا وَاللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- يَجْعَلُ مَلَكَيْنِ هُنَالِكَ قَائِمَيْنِ، يَقُولُ أَحَدُهُمَا: «اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَيَقُولُ الْآخَرُ: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا» .

اللَّهُمَّ أَصْلِحْ أَحْوَالَنَا، وَارْزُقْنَا الْجُودَ وَالْكَرَمَ؛ وَأَنْت الْجَوَادُ الْكَرِيمُ.

وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

المصدر: التَّكَافُلُ الْمُجْتَمَعِيُّ وَاجِبُ الْوَقْتِ

التعليقات


خطب مفرغة قد تعجبك


  إِتْقَانُ الصَّنَائِعِ وَالْحِرَفِ وَالْمِهَنِ سَبِيلُ الْأُمَمِ الْمُتَقَدِّمَةِ
  الصَّلَابَةُ فِي مُوَاجَهَةِ الْجَوَائِحِ وَالْأَزْمَاتِ
  مَفْهُومُ الْعِرْضِ وَالشَّرَفِ
  مَعِيَّةُ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ- وَأَثَرُهَا فِي تَحْقِيقِ السَّلَامِ النَّفْسِيِّ
  هؤلاء يساندون التكفير والإرهاب
  الْأَسْبَابُ الظَّاهِرَةُ وَالْبَاطِنَةُ لِرَفْعِ الْبَلَاءِ وَوُجُوبُ طَاعَةِ وَلِيِّ الْأَمْرِ
  مَظَاهِرُ الْإِيجَابِيَّةِ فِي الْإِسْلَامِ
  الإسلام رحمة في السلم والحرب
  حقيقة ما يحدث في مصر
  حِمَايَةُ الْأَوْطَانِ بَيْنَ فَرْضِ الْعَيْنِ وَفَرْضِ الْكِفَايَةِ
  • شارك

نبذة عن الموقع

موقع تفريغات العلامة رسلان ، موقع يحتوي على العشرات من الخطب والمحاضرات والمقاطع المفرغة لفضيلة الشيخ العلامة أبي عبدالله محمد بن سعيد رسلان-حفظه الله- . كما يعلن القائمون على صفحة وموقع تفريغات العلامة رسلان -حفظه الله- أن التفريغات للخطب ليست هي الشكل النهائي عند الطباعة، ولكن نحن نفرغ خطب الشيخ حفظه الله ونجتهد في نشرها ليستفيد منها طلاب العلم والدعاة على منهاج النبوة في كل أنحاء الدنيا، ونؤكد على أنَّ الخطب غير مُخرَّجة بشكل كامل كما يحدث في خطب الشيخ العلامة رسلان المطبوعة وليست الكتب المنشورة على الصفحة والموقع هي النسخة النهائية لكتب الشيخ التي تُطبع...وهذه الكتب ما هي إلا تفريغ لخطب الشيخ، غير أنَّ كتب الشيخ التي تُطبع تُراجع من الشيخ -حفظه الله- وتُخرج. والتفريغ عملٌ بشريٌ، ونحن نجتهد في مراجعة التفريغات مراجعة جيدة، فإذا وقع خطأ أو شكل الخطب كما نخرجها -إنما نُحاسب نحن عليها والخطأ يُنسب لنا وليس للشيخ -حفظه الله-.

الحقوق محفوظة لكل مسلم موقع تفريغات العلامة رسلان