السَّمَاحَةُ عَقِيدَةً وَسُلُوكًا

السَّمَاحَةُ عَقِيدَةً وَسُلُوكًا

((السَّمَاحَةُ عَقِيدَةً وَسُلُوكًا))

إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ.

أَمَّا بَعْدُ:

فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.

أَمَّا بَعْدُ:

((الْإِسْلَامُ دِينُ السَّمَاحَةِ وَالْيُسْرِ))

فَإِنَّ دِينَ الْإِسْلَامِ الْعَظِيمِ دِينُ السَّمَاحَةِ وَالْيُسْرِ كُلِّهِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185].

وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ -فِي الْحَدِيثِ الَّذِي أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي ((صَحِيحِهِ)) مِنْ طَرِيقِ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- يَرْفَعُهُ-: «إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ»؛ أَيْ: دِينُ الْإِسْلَامِ ذُو يُسْرٍ، مَوْصُوفٌ بِالْيُسْرِ وَصَاحِبُ يُسْرٍ.

أَوْ سُمِّيَ الدِّينُ يُسْرًا، فَهُوَ يُسْرٌ كُلُّهُ؛ مُبَالَغَةً بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَدْيَانِ قَبْلَهُ؛ لِأَنَّ اللهَ رَفَعَ عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ الْإِصْرَ الَّذِي كَانَ عَلَى مَنْ قَبْلَهُمْ.

وَمِنْ أَوْضَحِ الْأَمْثِلَةِ: أَنَّ تَوْبَةَ السَّابِقِينَ مِنَ الْأُمَمِ قَبْلَنَا كَانَتْ بِقَتْلِ أَنْفُسِهِمْ، وَتَوْبَةُ هَذِهِ الْأُمَّةِ بِالْإِقْلَاعِ وَالْعَزْمِ وَالنَّدَمِ، وَلَمْ يَفْرِضْ عَلَيْنَا رَبُّنَا -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- أَنْ نَقْتُلَ أَنْفُسَنَا؛ بَلْ حَظَرَ عَلَيْنَا وَمَنَعَنَا أَنْ يَفْعَلَ أَحَدٌ مِنَّا ذَلِكَ.

الْأَفْضَلُ الْأَرْفَقُ فِي شَرِيعَةِ الْيُسْرِ وَالسَّمَاحَةِ، شَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ الَّتِي لَا يَقْدُرُهَا كَثِيرٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَدْرَهَا، وَوَاللهِ مَا مِنْ سَعَادَةٍ كَانَتْ وَلَا تَكُونُ إِلَّا فِي اتِّبَاعِ النَّبِيِّ الْمَأْمُونِ ﷺ.

قَالَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- فِي خِتَامِ آيَاتِ الصِّيَامِ: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [البقرة: 185]؛ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ هُوَ دِينُ الْيُسْرِ وَرَفْعِ الْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ، وَالْآيَةُ تَدُلُّ دَلَالَةً وَاضِحَةً عَلَى أَنَّ اللهَ -سُبْحَانَهُ- لَا يَطْلُبُ مِنْ عِبَادِهِ إِلَّا مَا يُطِيقُونَهُ وَيَسْتَطِيعُونَهُ مِمَّا هُوَ يَسِيرٌ عَلَيْهِمْ غَيْرُ شَاقٍّ.

وَقَالَ اللهُ تَعَالَى: {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [المائدة: 6].

وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ۚ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ} [الحج: 78].

((فَاللهُ -سُبْحَانَهُ- لَا يُكَلِّفُ عِبَادَهُ إِلَّا مَا يُطِيقُونَ، وَلَا يُلْزِمُهُمْ بِشَيْءٍ يَشُقُّ عَلَيْهِمْ إِلَّا جَعَلَ اللهُ لَهُمْ فَرَجًا وَمَخْرَجًا.

صَحَّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- أَنَّهُ قَالَ: ((إِنَّمَا ذَلِكَ سِمَةُ الْإِسْلَامِ، وَمَا جَعَلَ اللهُ فِيهِ مِنَ التَّوْبَةِ وَالْكَفَّارَاتِ)) .

فَلَيْسَ هُنَاكَ ضِيقٌ إِلَّا وَمِنْهُ مَخْرَجٌ وَمَخْلَصٌ، فَمِنْهُ مَا يَكُونُ بِالتَّوْبَةِ، وَمِنْهُ مَا يَكُونُ بِرَدِّ الْمَظَالِمِ، فَلَيْسَ فِي دِينِ الْإِسْلَامِ مَا لَا سَبِيلَ إِلَى الْخَلَاصِ مِنْ عُقُوبَتِهِ.

وَلَقَدْ كَانَتِ الشَّدَائِدُ وَالْعَزَائِمُ فِي الْأُمَمِ، فَأَعْطَى اللهُ هَذِهِ الْأُمَّةَ مِنَ الْمُسَامَحَةِ وَاللِّينِ مَا لَمْ يُعْطِ أَحَدًا قَبْلَهَا؛ رَحْمَةً مِنْه -تَعَالَى- وَفَضْلًا، فَأَعْظَمُ حَرَجٍ رُفِعَ: الْمُؤَاخَذَةُ بِمَا تُبْدِي أَنْفُسُنَا وَمَا تُخْفِيهِ، وَمَا يَقْتَرِنُ بِهِ مِنْ إِصْرٍ وُضِعَ عَنَّا، وَتَوْبَتُنَا تَكُونُ بِالنَّدَمِ، وَالْعَزْمِ عَلَى تَرْكِ الْعَوْدِ، وَالِاسْتِغْفَارِ بِالْقَلْبِ وَاللِّسَانِ، وَرَدِّ الْمَظَالِمِ إِلَى أَصْحَابِهَا، أَمَّا مَنْ قَبْلَنَا؛ فَقَدْ قِيلَ لَهُمْ: {فَتُوبُوا إِلَىٰ بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ}[البقرة: 54].

قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: ((وَلَوْ ذَهَبْتُ إِلَى تَعْدِيدِ نِعَمِ اللهِ فِي رَفْعِ الْحَرَجِ لَطَالَ الْمَرَامُ)).

وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ الْجَصَّاصُ: ((وَلَمَّا كَانَ الْحَرَجُ هُوَ الضِّيقَ، وَنَفَى اللهُ عَنْ نَفْسِهِ إِرَادَةَ الْحَرَجِ بِنَا؛ سَاغَ الِاسْتِدْلَالُ بِظَاهِرِهِ فِي نَفْيِ الضِّيقِ وَإِثْبَاتِ التَّوْسِعَةِ، فَيَكُونُ الْقَائِلُ بِمَا يُوجِبُ الْحَرَجَ وَالضِّيقَ مَحْجُوجًا بِظَاهِرِ هَذِهِ الْآيَةِ)).

((وَذَلِكَ عَامٌّ مُضْطَرِدٌ؛ لِأَنَّ اللهَ -تَعَالَى- لَمْ يَشْرَعْ حُكْمًا إِلَّا وَأَوْسَعَ الطَّرِيقَ إِلَيْهِ وَيَسَّرَهُ؛ حَتَّى لَمْ يَبْقَ دُونَهُ حَرَجٌ وَلَا عُسْرٌ » .

وَقَدْ قَالَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ۗ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ ۖ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا ۚ أَنتَ مَوْلَانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} [البقرة: 286].

وَقَالَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى} [الأعلى: 8].

وَقَالَ -سُبْحَانَهُ-: {يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ ۚ وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا} [النساء: 28].

وَقَالَ تَعَالَى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا ۚ سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا} [الطلاق: 7].

وَقَالَ -تَعَالَى- فِي الْأَعْرَافِ: {لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [الأعراف: 42].

إِنَّ مَبْنَى الشَّرِيعَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ عَلَى السَّمَاحَةِ وَالْيُسْرِ، وَالْإِسْلَامُ هُوَ دِينُ السَّمَاحَةِ؛ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- قَالَ: قِيلَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ: أَيُّ الْأَدْيَانِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ؟

قَالَ: ((الْحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ)). وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالبُخَارِيُّ فِي ((الْأَدَبِ المُفْرَدِ)).

وَالْحَدِيثُ نَصٌّ فِي أَنَّ الْإِسْلَامَ حَنِيفِيَّةٌ سَمْحَةٌ.

إِنَّ مَدَارَ الشَّرِيعَةِ عَلَى نَفْيِ الْحَرَجِ وَإِثْبَاتِ التَّيْسِيرِ، قَالَ تَعَالَى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185].

وَقَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ} [الحج: 78].

وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي ((الصَّحِيحِ)) بِسَنَدِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ؛ فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَأَبْشِرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالْغُدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ، وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ)).

وَعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا بَعَثَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ فِي بَعْضِ أَمْرِهِ؛ قَالَ: ((بَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا، وَيَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

وَعَنْهُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمَّا بَعَثَهُ وَمُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ؛ قَالَ: ((يَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرَا، وَبَشِّرَا وَلَا تُنَفِّرَا، وَتَطَاوَعَا وَلَا تَخْتَلِفَا)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا، وَسَكِّنُوا وَلَا تُنَفِّرُوا)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

لَقَدْ بَعَثَ اللهُ -تَعَالَى- رَسُولَهُ ﷺ بِنَبْذِ الْغُلُوِّ وَالتَّنَطُّعِ وَالتَّطَرُّفِ؛ لِأَنَّ اللهَ جَعَلَ هَذِهِ الْأُمَّةَ أُمَّةً وَسَطًا بَيْنَ الْأُمَمِ؛ فِي عَقِيدَتِهَا، وَعِبَادَتِهَا، وَأَخْلَاقِهَا، وَمُعَامَلَاتِهَا، وَالْوَسَطُ: الْعَدْلُ الْخِيَارُ، فَلَا إِفْرَاطَ وَلَا تَفْرِيطَ، وَلَا غُلُوَّ وَلَا جَفَاءَ.

وَقَدْ عَابَ اللهُ -تَعَالَى- عَلَى مَنْ قَبْلَنَا الْغُلُوَّ فِي الدِّينِ، فَقَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ} [المائدة: 77].

وَبَعَثَ اللهُ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا ﷺ بِرَفْعِ الْآصَارِ وَالْأَغْلَالِ الَّتِي كَانَتْ عَلَى مَنْ قَبْلَنَا.. بَعَثَهُ ﷺ بِشَرِيعَةٍ سَمْحَةٍ:

* مِنْ قَوَاعِدِهَا: رَفْعُ الْحَرَجِ.

* وَمِنْ قَوَاعِدِهَا: أَنَّ الْمَشَقَّةَ تَجْلِبُ التَّيْسِيرَ.

* وَمِنْ قَوَاعِدِهَا: لَا وَاجِبَ بِلَا اقْتِدَارٍ، وَلَا مُحَرَّمَ مَعَ اضْطِرَارٍ.

* وَمِنْ قَوَاعِدِهَا: أَنَّ الضَّرَرَ يُزَالُ، فَلَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ.

((وَنَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ ﷺ مَا خُيِّرَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا، فَإِنْ كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ)). كَمَا فِي ((الصَّحِيحَيْنِ)).

وَقَالَ أَبُو مُوسَى -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا بَعَثَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- فِي بَعْضِ أَمْرِهِ؛ قَالَ: ((بَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا، وَيَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

لَقَدْ بُنِيَتْ هَذِهِ الشَّرِيعَةُ السَّامِيَةُ السَّمْحَاءُ عَلَى السَّمَاحَةِ وَالْيُسْرِ، وَإِرْضَاءِ النُّفُوسِ بِطَيِّبَاتِ الْحَيَاةِ وَمَلَاذِّهَا الْمُبَاحَةِ لَهَا، وَتَكْرَهُ هَذِهِ الشَّرِيعَةُ التَّعَنُّتَ وَالشِّدَّةَ وَالْمَشَقَّةَ عَلَى النَّفْسِ، وَتَكْرَهُ حِرْمَانَ النَّفْسِ مِنْ خَيْرَاتِ هَذِهِ الدُّنْيَا الَّتِي أَبَاحَهَا اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-.

فَشَرِيعَةُ اللهِ وَسَطٌ بَيْنَ الْغُلُوِّ وَالْجَفَاءِ، وَالِانْهِمَاكِ فِي الْعِبَادَةِ انْقِطَاعًا، وَالْغَفْلَةِ وَاللَّهْوِ؛ فَهِيَ تَضَعُ الْأُمُورَ فِي مَوَاضِعِهَا.

عِبَادَةٌ للهِ وَطَاعَةٌ للهِ، مَعَ إِعْطَاءِ النَّفْسِ حُظُوظَهَا مِنَ الْمُبَاحَاتِ الْمُعِينَةِ عَلَى اسْتِمْرَارِ الْعِبَادَةِ، فَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((اكْلَفُوا مِنَ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ؛ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا)) . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

فَلَمَّا جَاءَ النَّفَرُ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ يَحْمِلُهُمْ حُبُّ الْخَيْرِ وَالرَّغْبَةُ فِيهِ إِلَى أَبْيَاتِ النَّبِيِّ ﷺ؛ لِكَيْ يَسْأَلُوا عَنْ عَمَلِ النَّبِيِّ ﷺ فِي السِّرِّ الَّذِي لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ سِوَى أَزْوَاجِهِ، فَلَمَّا أَعْلَمْنَهُمْ بِذَلِكَ الْعَمَلِ -الَّذِي يَكُونُ فِي بُيُوتِ النَّبِيِّ ﷺ، وَلَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ-، لَمَّا أَعْلَمْنَهُمْ بِهِ اسْتَقَلُّوهُ، وَذَلِكَ مِنْ نَشَاطِهِمْ عَلَى الْخَيْرِ، وَمِنْ جَدِّهِمْ فِيهِ.

فَقَالُوا: وَأَيْنَ نَحْنُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ؛ قَدْ غَفَرَ اللهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ؟! فَهُوَ ﷺ -فِي ظَنِّهِمْ- غَيْرُ مُحْتَاجٍ إِلَى الِاجْتِهَادِ فِي الْعِبَادَةِ، فَعَوَّلَ بَعْضُهُمْ عَلَى تَرْكِ النِّسَاءِ؛ لِيَتَفَرَّغَ لِلْعِبَادَةِ، وَعَوَّلَ بَعْضُهُمْ عَلَى تَرْكِ أَكْلِ اللَّحْمِ؛ زَهَادَةً فِي مَلَاذِّ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَصَمَّمَ بَعْضُهُمْ عَلَى أَنَّهُ سَيَقُومُ اللَّيْلَ كُلَّهُ، تَهَجُّدًا أَوْ عِبَادَةً.

فَبَلَغَتْ مَقَالَتُهُمْ مَنْ هُوَ أَعْظَمُهُمْ تَقْوَى، وَأَشَدُّهُمْ خَشْيَةً، وَأَكْثَرُهُمْ عِلْمًا، وَأَعْرَفُ مِنْهُمْ بِالْأَحْوَالِ وَالشَّرَائِعِ ﷺ.

فَخَطَبَ النَّاسَ، وَحَمِدَ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَجَعَلَ الْوَعْظَ وَالْإِرْشَادَ عَامًّا؛ جَرْيًا عَلَى عَادَتِهِ الْكَرِيمَةِ فِي مُعَالَجَةِ مَا يَسْتَجِدُّ مِنَ الْأَحْوَالِ.

فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ يُعْطِي كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَيَعْبُدُ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، وَيَتَنَاوَلُ مَلَاذَّ الْحَيَاةِ الْمُبَاحَةَ، فَهُوَ يَنَامُ وَيُصَلِّي، وَيَصُومُ وَيُفْطِرُ، وَيَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِهِ السَّامِيَةِ؛ فَلَيْسَ مِنْ أَتْبَاعِهِ، وَإِنَّمَا سَلَكَ سَبِيلَ الْمُبْتَدِعِينَ.

 ((النَّبِيُّ ﷺ الْأُسْوَةُ الْحَسَنَةُ فِي السَّمَاحَةِ))

لَقَدْ كَانَ إِمَامُ الْأَنْبِيَاءِ ﷺ فِي ((حُسْنِ الْخُلُقِ)) عَلَى الْقِمَّةِ الشَّامِخَةِ، وَفَوْقَ الْغَايَةِ وَالْمُنْتَهَى، فَكَانَ كَمَا قَالَ عَنْهُ رَبُّهُ -عَزَّ وَجَلَّ-: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4].

إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ رَبُّهُ: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}، وَقَالَ: ((إِنَّمَا أَنَا رَحْمَةٌ مُهْدَاةٌ)) ﷺ.

عَنْ جَابِرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، أَنَّهُ غَزَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قِبَلَ نَجْدٍ، فَلَمَّا قَفَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؛ قَفَلَ مَعَهُ -أَيْ: رَجَعَ مَعَهُ-، فَأَدْرَكَتْهُمُ الْقَائِلَةُ فِي وَادٍ كَثِيرِ الْعِضَاهِ -وَالْعِضَاهُ: نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ الشَّجَرِ-، فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَتَفَرَّقَ النَّاسُ فِي الْعِضَاهِ، يَسْتَظِلُّونَ بِالشَّجَرِ، وَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَحْتَ سَمُرَةٍ؛ فَعَلَّقَ بِهَا سَيْفَهُ.

قَالَ جَابِرٌ: فَنِمْنَا نَوْمَةً، ثُمَّ إِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْعُونَا، فَجِئْنَاهُ، فَإِذَا عِنْدَهُ أَعْرَابِيٌّ جَالِسٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ((إِنَّ هَذَا اخْتَرَطَ سَيْفِي وَأَنَا نَائِمٌ، فَاسْتَيْقَظْتُ وَهُوَ فِي يَدِهِ صَلْتًا، فَقَالَ لِي: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قُلْتُ: اللَّهُ)).

فَهَا هُوَ جَالِسٌ، ثُمَّ لَمْ يُعَاقِبْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، قَالَ: ((كُنْتُ أَمْشِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَلَيْهِ بُرْدٌ نَجْرَانِيٌّ غَلِيظُ الْحَاشِيَةِ، فَأَدْرَكَهُ أَعْرَابِيٌّ، فَجَبَذَهُ بِرِدَائِهِ جَبْذَةً شَدِيدَةٍ، نَظَرْتُ إِلَى صَفْحَةِ عُنُقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ أَثَّرَتْ بِهَا حَاشِيَةُ الرِّدَاءِ مِنْ شِدَّةِ جَبْذَتِهِ.

ثُمَ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ! مُرْ لِي مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي عِنْدَكَ، فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَضَحِكَ، ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

جَبَذَهُ: جَذَبَهُ.

وَعَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- قَالَتْ: ((مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ شَيْئًا قَطُّ بِيَدِهِ، وَلَا امْرَأَةً وَلَا خَادِمًا؛ إِلَّا أَنْ يُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَمَا نِيلَ مِنْهُ شِيْءٌ قَطُّ فَيَنْتَقِمَ مِنْ صَاحِبِهِ؛ إِلَّا أَنْ يُنْتَهَكَ شَيْءٌ مِنْ مَحَارِمِ اللهِ فَيَنْتَقِمَ لِلهِ -عَزَّ وَجَلَّ-)). أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: ((مَا رُزِقَ عَبْدٌ خَيْرًا لَهُ وَلَا أَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ)). أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ، وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ.

وَعَن عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: ((كَأنِّي أَنْظُرُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يَحْكِي نَبِيًّا مِنَ الأَنْبِيَاءِ؛ ضَرَبَهُ قَوْمُهُ فَأَدْمَوْهُ، وَهُوَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

 ((السَّمَاحَةُ فِي الْإِسْلَامِ مَنْهَجٌ وَحَيَاةٌ))

السَّمَاحَةُ فِي الْإِسْلَامِ مَنْهَجٌ وَحَيَاةٌ، قَالَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286].

لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا تَوَافَرَتْ لَدَيْهَا شُرُوطُ التَّكْلِيفِ إِلَّا مَا يَكُونُ فِي إِمْكَانِهَا وَحُدُودِ اسْتِطَاعَتِهَا مِنْ غَيْرِ حَرَجٍ وَلَا ضِيقٍ؛ بِحَيْثُ لَا تَسْتَطِيعُ الْأَمْرَ إِلَّا بِمَشَقَّةٍ وَجَهْدٍ.

فَعَلَى مِقْدَارِ الْهِبَةِ تَكُونُ دَرَجَةُ التَّكْلِيفِ وَالْمَسْؤُولِيَّةِ، وَتَتَفَاوَتُ دَرَجَاتُ مَسْؤُولِيَّاتِ الْمُكَلَّفِينَ بِحَسَبِ هِبَاتِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَهُمْ؛ لِتَحْقِيقِ كَمَالِ الْعَدْلِ الرَّبَّانِيِّ.

وَقَالَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185].

يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ التَّسْهِيلَ فِي جَمِيعِ التَّكَالِيفِ الدِّينِيَّةِ، وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ.

وَقَالَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-: {يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ ۚ وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا} [النساء: 28].

وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((إِنَّ اللهَ -عَزَّ وَجَلَّ- عَفُوٌّ يُحِبُّ الْعَفْوَ، {وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [النور: 22])). قِطْعَةٌ مِنْ حَدِيثٍ رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَحَسَّنَهُ بِشَوَاهِدِهِ الْأَلْبَانِيُّ كَمَا فِي ((السِّلْسِلَةِ الصَّحِيحَةِ)).

قَالَ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-: {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} [الشورى: 40]، يَجْزِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا وَثَوَابًا كَثِيرًا.

وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! كَمْ نَعْفُو عَنِ الْخَادِمِ؟ فَصَمَتَ، ثُمَّ أَعَادَ عَلَيْهِ الْكَلَامَ فَصَمَتَ، فَلَمَّا كَانَ فِي الثَّالِثَةِ قَالَ: ((اعْفُ عَنْهُ -يَعْنِي الْخَادِمَ- فِي كُلِّ يَوْمٍ سَبْعِينَ مَرَّةً)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ.

وَقَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ} [المؤمنون: 96].

«وَهَذَا مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ الَّتِي أَمَرَ اللهُ رَسُولَهُ بِهَا؛ فَقَالَ: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ}؛ أَيْ: إِذَا أَسَاءَ إِلَيْكَ أَعْدَاؤُكَ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ؛ فَلَا تُقَابِلْهُمْ بِالْإِسَاءَةِ، مَعَ أَنَّهُ يَجُوزُ مُعَاقَبَةُ الْمُسِيءِ بِمِثْلِ إسَاءَتِهِ، وَلَكِنِ ادْفَعْ إِسَاءَتَهُمْ إِلَيْكَ بِالْإِحْسَانِ مِنْكَ إِلَيْهِمْ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ فَضْلٌ مِنْكَ عَلَى الْمُسِيءِ.

وَمِنْ مَصَالِحِ ذَلِكَ: أَنَّهُ تَخِفُّ الْإِسَاءَةُ عَنْكَ فِي الْحَالِ وَفِي الِاسْتِقْبَالِ، وَأَنَّهُ أَدْعَى لِجَلْبِ الْمُسِيءِ إِلَى الْحَقِّ، وَأَقْرْبُ إِلَى نَدَمِهِ وَأَسَفِهِ، وَرُجُوعِهِ بِالتَّوْبَةِ عَمَّا فَعَلَ، وَيَتَّصِفُ الْعَافِي بِصِفَةِ الْإِحْسَانِ، وَيَقْهَرُ بِذَلِكَ عَدُوَّهُ الشَّيْطَانَ، وَيَسْتَوْجِبُ الثَّوَابَ مِنَ الرَّبِّ.

قَالَ تَعَالَى: {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ}.

وَقَالَ تَعَالَى: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا}؛ أَيْ: وَمَا يُوَفَّقُ لِهَذَا الْخُلُقِ الْجَمِيلِ {إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ}.

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ}؛ أَيْ: بِمَا يَقُولُونَ مِنَ الْأَقْوَالِ الْمُتَضَمِّنَةِ لِلْكُفْرِ وَالتَّكْذِيبِ بِالْحَقِّ، قَدْ أَحَاطَ عِلْمُنَا بِذَلِكَ، وَقَدْ حَلُمْنَا عَنْهُمْ، وَأَمْهَلْنَاهُمْ، وَصَبَرْنَا عَلَيْهِمْ، وَالْحَقُّ لَنَا، وَتَكْذِيبُهُمْ لَنَا، فَأَنْتَ -يَا مُحَمَّدُ- يَنْبَغِي لَكَ أَنْ تَصْبِرَ عَلَى مَا يَقُولُونَ، وَتُقَابِلَهُمْ بِالْإِحْسَانِ، هَذِهِ وَظِيفَةُ الْعَبْدِ فِي مُقَابَلَةِ الْمُسِيءِ مِنَ الْبَشَرِ».

إِنَّ الصَّفْحَ، وَالتَّسَامُحَ، وَالصَّبْرَ، وَالْوَفَاءَ، وَالْبَذْلَ.. كُلُّ أُولَئِكَ خِصَالٌ مَحْمُودَةٌ، وَشِيَاتٌ مَرْمُوقَةٌ، كُلُّ أُولَئِكَ غَايَاتٌ تَتَقَطَّعُ دُونَ بُلُوغِهَا الْأَعْنَاقُ.

 ((السَّمَاحَةُ فِي دَعْوَةِ الْخَلْقِ إِلَى اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-)

إِنَّ السَّمَاحَةَ سُلُوكٌ نَبِيلٌ يَنْبَغِي أَنْ يُطَبِّقَهُ الْمُسْلِمُ فِي جَمِيعِ مَنَاحِي الْحَيَاةِ، وَمِنْ ذَلِكَ: السَّمَاحَةُ فِي الدَّعْوَةِ إِلَى اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، إِنَّ الدَّعْوَةَ إِلَى اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ أَشْرَفُ وَأَكْرَمُ مَقَامَاتِ التَّعَبُّدِ لِلهِ.

هِيَ أَكْرَمُ مَقَامٍ يَقُومُهُ عَبْدٌ لِرَبِّهِ؛ أَنْ يَكُونَ دَاعِيًا إِلَيْهِ، دَالًّا عَلَيْهِ، مُرْشِدًا إِلَى صِرَاطِهِ، مُتَّبِعًا لِسَبِيلِ نَبِيِّهِ، مُقِيمًا عَلَى ذَلِكَ، مُخْلِصًا فِيهِ، آتِيًا بِهِ عَلَى النَّحْوِ الَّذِي يُرْضِيهِ.

قَالَ تَعَالَى: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [فصلت: 33].

هَذَا اسْتِفْهَامٌ الْغَرَضُ مِنْهُ النَّفْيُ، {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ}؛ أَيْ: لَا أَحَدَ.

{وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ}: مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللهِ، لَا إِلَى نَفْسِهِ، وَلَا إِلَى مَنْهَجِهِ، وَلَا إِلَى طَرِيقَتِهِ، وَلَكِنْ إِلَى اللهِ.

{وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا}: فَالْتَزَمَ مَا يَدْعُو إِلَيْهِ، وَعَمِلَ بِهِ.

{وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ}: فَأَسْلَمَ الزِّمَامَ لِلَّهِ وَحْدَهُ بِالشَّرْعِ الْأَغَرِّ، بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، لَا يَبْتَدِعُ، وَلَا يَتَزَيَّدُ، وَلَا يَجِدُ حَظَّ نَفْسِهِ، بَلْ يَجْعَلُ ذَلِكَ تَحْتَ مَوَاطِئِ أَقْدَامِهِ، يَدْعُو إِلَى اللهِ مُخْلِصًا، إِلَى اللهِ خَالِصًا، لِلَّهِ وَحْدَهُ، فَلَا أَحَدَ هُوَ أَحْسَنُ مِنْهُ قَوْلًا، وَلَا أَكْرَمُ عَلَى اللهِ مِنْهُ فِعْلًا، وَلَا أَعْظَمُ عِنْدَ اللهِ مِنْهُ دَعْوَةً.

وَكُلُّ مُكَلَّفٍ وَجَبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، كَمَا قَالَ رَبُّنَا -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- فِي كِتَابِهِ الْعَظِيمِ: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي} [يوسف: 108].

فَمَنِ اتَّبَعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ؛ دَعَا إِلَى اللهِ، وَأَتْبَاعُ النَّبِيِّ ﷺ دُعَاةٌ إِلَى اللهِ، كُلٌّ بِحَسَبِهِ، عَلَى حَسَبِ عِلْمِهِ، لَا يَتَزَيَّدُ، وَإِلَّا كَانَ دَاعِيًا إِلَى غَيْرِ رَبِّهِ، وَإِلَى غَيْرِ صِرَاطِهِ، وَإِلَى غَيْرِ دِينِهِ، قَائِلًا عَلَى اللهِ بِلَا عِلْمٍ، وَإِنَّمَا يَدْعُو إِلَى اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ عَلَى قَدْرِ عِلْمِهِ وَعَلَى قَدْرِ طَاقَتِهِ، فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَفِي كُلِّ مَجَالٍ.

إِنَّ مِنْ مَظَاهِرِ سَمَاحَةِ الْإِسْلَامِ فِي الدَّعْوَةِ إِلَى اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: الدَّعْوَةَ بِالْحِكْمَةِ وَالْعِلْمِ، وَالرِّفْقِ وَاللِّينِ، قَالَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: {ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل: 125].

ادْعُ يَا رَسُولَ اللهِ أَنْتَ وَمَنِ اتَّبَعَكَ إِلَى دِينِ الْإِسْلَامِ الْعَظِيمِ بِالْحِكْمَةِ، وَهِيَ وَضْعُ كُلِّ شَيْءٍ فِي مَوْضِعِهِ الَّذِي يُوجِبُهُ الْعَقْلُ، وَتَكْشِفُهُ التَّجْرِبَةُ، وَتَتَحَقَّقُ بِهِ الْغَايَةُ الْمَقْصُودَةُ، وَبِالنُّصْحِ الْمَقْرُونِ بِمَا يُثِيرُ الرَّغْبَةَ أَوِ الرَّهْبَةَ؛ لِلِانْتِفَاعِ بِالنُّصْحِ وَاتِّبَاعِ مَا هَدَى إِلَيْهِ فِعْلًا أَوْ تَرْكًا.

{وَجَادِلْهُم}: بِالطَّرِيقَةِ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ أَدَبًا وَتَهْذِيبًا وَقَوْلًا وَفِكْرًا، وَتَابِعْ دَعْوَةَ مَنْ لَمْ تُثْبِتِ التَّجْرِبَةُ الطَّوِيلَةُ أَنَّهُمْ مَيْئُوسٌ مِنَ اسْتِجَابَتِهِمْ، إِنَّ رَبَّكَ هُوَ وَحْدَهُ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ ضَلَالًا غَيْرَ مُقْتَرِنٍ بِاسْتِعْدَادٍ مِنْ عُمْقِ نَفْسِهِ بِالِاسْتِجَابَةِ لِدَعْوَةِ الْحَقِّ بَعْدَ حِينٍ، وَهُوَ وَحْدَهُ أَعْلَمُ بِمَنْ لَدَيْهِ اسْتِعْدَادٌ لِأَنْ يَكُونَ مُسْتَقْبَلًا مِنَ الْمُهْتَدِينَ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ.

 ((السَّمَاحَةُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ))

إِنَّ مِنْ أَسْمَى الْعَلَاقَاتِ الَّتِي يَنْبَغِي أَنْ تَقُومَ عَلَى السَّمَاحَةِ وَالْمَوَدَّةِ: الْعَلَاقَةَ الزَّوْجِيَّةَ، فَهِيَ مِنْ أَسْمَى الْعَلَاقَاتِ الْإِنْسَانِيَّةِ، وَهِيَ آيَةٌ مِنْ آيَاتِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، قَالَ تَعَالَى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الروم: 21].

وَمِنْ آيَاتِهِ الدَّالَّةِ عَلَى عَظَمَتِهِ وَكَمَالِ قُدْرَتِهِ: أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ جِنْسِكُمْ -أَيُّهَا الرِّجَالُ- أَزْوَاجًا؛ لِتَمِيلُوا إِلَيْهِنَّ وَتَأْلَفُوهُنَّ، وَتُصِيبُوا مِنْهُنَّ مُتْعَةً وَلَذَّةً، وَجَعَلَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ نَوْعًا مِنَ الْحُبِّ الْهَادِئِ الثَّابِتِ، وَعَاطِفَةً نَفْسِيَّةً تَدْفَعُكُمْ إِلَى الْعَطَاءِ وَالْمُسَاعَدَةِ، وَمُشَارَكَةِ الْمَعْطُوفِ فِي آلَامِهِ وَآمَالِهِ.

إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعَلَامَاتٍ مُتَعَدِّدَاتٍ جَلِيلَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ تَفْكِيرًا عَمِيقًا مُتَأَنِّيًا فِيمَا خَلَقَ اللهُ بَيْنَ الْأَزْوَاجِ مِنْ مَوَدَّةٍ وَرَحْمَةٍ وَسَكَنٍ نَفْسِيٍّ.

إِنَّ بَابَ عِشْرَةِ النِّسَاءِ بَابٌ عَظِيمٌ تَجِبُ الْعِنَايَةُ بِهِ؛ لِأَنَّ تَطْبِيقَهُ مِنْ أَخْلَاقِ الْإِسْلَامِ، وَلِأَنَّ تَطْبِيقَهُ تَدُومُ بِهِ الْمَوَدَّةُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، وَلِأَنَّ تَطْبِيقَهُ يَحْيَا بِهِ الزَّوْجَانِ حَيَاةً سَعِيدَةً.

 ((اعْلَمْ أَنَّ مُعَامَلَتَكَ لِزَوْجَتِكَ؛ يَجِبُ أَنْ تُقَدِّرَ كَأَنَّ رَجُلًا زَوْجًا لِابْنَتِكَ؛ كَيْفَ يُعَامِلُهَا؟

فَهَلْ تَرْضَى أَنْ يُعَامِلَهَا بِالْجَفَاءِ وَالْقَسْوَةِ؟

الْجَوَابُ: لَا.

إِذَنْ؛ لَا تَرْضَ أَنْ تُعَامِلَ بِنْتَ النَّاسِ بِمَا لَا تَرْضَى أَنْ تُعَامَلَ بِهِ ابْنَتُكَ، وَهَذِهِ قَاعِدَةٌ يَنْبَغِي أَنْ يَعْرِفَهَا كُلُّ إِنْسَانٍ.

وَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ -رَحِمَهُ اللهُ- فِي ((الْمُسْنَدِ)): ((أَنَّ  فَتًى شَابًّا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ, فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! ائْذَنْ لِي بِالزِّنَى!

فَأَقْبَلَ الْقَوْمُ عَلَيْهِ فَزَجَرُوهُ وَقَالُوا: مَهْ مَهْ, فَقَالَ: «ادْنُهْ»، فَدَنَا حَتَّى جَلَسَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَتُحِبُّهُ لِأُمِّكَ؟».

قَالَ: لَا.

قَالَ: «وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأُمَّهَاتِهِمْ, أَفَتُحِبُّهُ لِابْنَتِكَ؟».

قَالَ: لَا.

قَالَ: «وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِبَنَاتِهِمْ, أَفَتُحِبُّهُ لِأُخْتِكَ؟».

قَالَ: لَا.

قَالَ: «وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأَخَوَاتِهِمْ, أَفَتُحِبُّهُ لِعَمَّتِكَ؟».

قَالَ: لَا.

قَالَ: «وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِعَمَّاتِهِمْ, أَفَتُحِبُّهُ لِخَالَتِكَ؟».

قَالَ: لَا.

قَالَ: «وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِخَالَاتِهِمْ».

قَالَ: فَوَضَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدَهُ عَلَى صَدْرِهِ, وَقَالَ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ ذَنْبَهُ، وَطَهِّرْ قَلْبَهُ، وَحَصِّنْ فَرْجَهُ»,... الْحَدِيثَ.

فَهَذَا مِقْيَاسٌ عَقْلِيٌّ وَاضِحٌ جِدًّا، فَكَمَا أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَرْضَى أَنْ تَكُونَ ابْنَتُهُ تَحْتَ رَجُلٍ يُقَصِّرُ فِي حَقِّهَا وَيُهِينُهَا، وَيَجْعَلُهَا كَالْأَمَةِ يَجْلِدُهَا جَلْدَ الْعَبْدِ؛ فَكَذَلِكَ يَجِبُ أَنْ يُعَامِلَ زَوْجَتَهُ بِهَذَا، لَا بِالصَّلَفِ وَالِاسْتِخْدَامِ الْخَارِجِ عَنِ الْعَادَةِ.

وَعَلَى الزَّوْجَةِ -أَيْضًا- أَنْ تُعَامِلَ زَوْجَهَا مُعَامَلَةً طَيِّبَةً، أَطْيَبَ مِنْ مُعَامَلَتِهِ لَهَا؛ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ فِي كِتَابِهِ: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} [البقرة: 228].

وَلِأَنَّ اللهَ -تَعَالَى- سَمَّى الزَّوْجَ سَيِّدًا، فَقَالَ -عَزَّ وَجَلَّ- فِي سُورَةِ يُوسُفَ: {وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ} [يوسف: 25].

وَلِأَنَّ النَّبِيَّﷺ سَمَّى الزَّوْجَةَ أَسِيرَةً، فَقَالَ: «اتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ؛ فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ» .

«وَعَوَان»: جَمْعُ عَانِيَةٍ، وَهِيَ الْأَسِيرَةُ.

فَعَلَى كُلِّ حَالٍ؛ الْوَاجِبُ عَلَى الْإِنْسَانِ إِذَا كَانَ يُحِبُّ أَنْ يَحْيَا حَيَاةً سَعِيدَةً مُطْمَئِنَّةً هَادِئَةً؛ أَنْ يُعَاشِرَ زَوْجَتَهُ بِالْمَعْرُوفِ، وَكَذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ لِلزَّوْجَةِ مَعَ زَوْجِهَا؛ وَإِلَّا ضَاعَتِ الْأُمُورُ، وَصَارَتِ الْحَيَاةُ شَقَاءً، ثُمَّ هَذَا -أَيْضًا- يُؤَثِّرُ عَلَى الْأَوْلَادِ؛ فَالْأَوْلَادُ إِذَا رَأَوُا الْمَشَاكِلَ بَيْنَ أُمِّهِمْ وَأَبِيهِمْ؛ سَوْفَ يَتَأَلَّمُونَ وَيَنْزَعِجُونَ، وَإِذَا رَأَوُا الْأُلْفَةَ فَسَيُسَرُّونَ؛ فَعَلَيْكَ -أَيُّهَا الْأَخُ الْحَبِيبُ- بِالْمُعَاشَرَةِ بِالْمَعْرُوفِ.

قَالَ تَعَالَى: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء: 19]، وَهَذَا أَمْرٌ، وَالْأَصْلُ فِي الْأَمْرِ الْوُجُوبُ.

وَقَالَ تَعَالَى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 228].

فَأَثْبَتَ أَنَّ عَلَيْهِنَّ عِشْرَةً، فَيَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ.. كُلٌّ مِنْهُمَا أَنْ يُعَاشِرَ الْآخَرَ بِالْمَعْرُوفِ.

وَيَنْبَغِي لِلْإِنْسَانِ فِي مُعَاشَرَتِهِ لِزَوْجَتِهِ بِالْمَعْرُوفِ أَلَّا يَقْصِدَ السَّعَادَةَ الدُّنْيَوِيَّةَ وَالْأُنْسَ وَالْمُتْعَةَ فَقَطْ، بَلْ يَنْوِي مَعَ ذَلِكَ التَّقَرُّبَ إِلَى اللهِ تَعَالَى بِفِعْلِ مَا يَجِبُ، وَهَذَا أَمْرٌ نَغْفُلُ عَنْهُ كَثِيرًا، فَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ فِي مُعَاشَرَتِهِ لِزَوْجَتِهِ بِالْمَعْرُوفِ؛ قَصْدُهُ أَنْ تَدُومَ الْعِشْرَةُ بَيْنَهُمَا عَلَى الْوَجْهِ الْأَكْمَلِ، وَيَغِيبُ عَنْ ذِهْنِهِ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ تَقَرُّبًا إِلَى اللهِ -تَعَالَى-، وَهَذَا كَثِيرًا مَا نَنْسَاهُ، تُنْسِينَا إِيَّاهُ الشَّيَاطِينُ.

وَعَلَى هَذَا فَيَنْبَغِي أَنْ تَنْوِيَ بِهَذَا أَنَّكَ قَائِمٌ بِأَمْرِ اللهِ: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِفَهَذَا أَمْرٌ، وَأَنْتَ إِذَا عَاشَرْتَ بِالْمَعْرُوفِ؛ فَإِنَّكَ تَكُونُ مُمْتَثِلًا لِهَذَا الْأَمْرِ الْإِلَهِيِّ الْكَرِيمِ، وَإِذَا نَوَيْتَ ذَلِكَ؛ حَصَلَ لَكَ الْأَمْرُ الثَّانِي، وَهُوَ دَوَامُ الْعِشْرَةِ الطَّيِّبَةِ، وَالْمُعَامَلَةِ الطَّيِّبَةِ، وَكَذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ لِلزَّوْجَةِ.

وَيَنْبَغِي لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَصْبِرَ عَلَى الزَّوْجَةِ؛ وَلَوْ رَأَى مِنْهَا مَا يَكْرَهُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} [النساء: 19].

مَا أَبْلَغَ الْقُرْآنَ! لَمْ يَقُلْ -جَلَّ وَعَلَا-: فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوهُنَّ، بَلْ قَالَ: {فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا} أَيَّ شَيْءٍ يَكُونُ، فَقَدْ يَكْرَهُ الْإِنْسَانُ أَنْ يَذْهَبَ إِلَى بَيْتِ صَاحِبِهِ، وَيَجْعَلُ اللهُ فِي هَذَا الذَّهَابِ خَيْرًا كَثِيرًا، وَقَدْ يَكْرَهُ الْإِنْسَانُ أَنْ يَشْتَرِيَ شَيْئًا، وَيَشْتَرِي هَذَا الشَّيْءَ وَهُوَ كَارِهٌ، فَيَجْعَلُ اللهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا.

وَكَذَلِكَ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «لَا يَفْرَكُ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً، إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا؛ رَضِيَ مِنْهَا خُلُقًا آخَرَ».

 وَنَبَّهَ الرَّسُولُ ﷺ عَلَى هَذَا بِقَوْلِهِ: «لَا يَجْلِدُ أَحَدُكُمُ امْرَأَتَهُ جَلْدَ الْعَبْدِ، ثُمَّ يُضَاجِعُهَا».

وَالْمَرْأَةُ -كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ- نَاقِصَةُ عَقْلٍ وَدِينٍ، وَقَرِيبَةُ الْعَاطِفَةِ، كَلِمَةٌ مِنْكَ تُبْعِدُهَا عَنْكَ بُعْدَ الثُّرَيَّا، وَكَلِمَةٌ تُدْنِيهَا مِنْكَ حَتَّى تَكُونَ إِلَى جَنْبِكَ؛ فَلِهَذَا يَنْبَغِي لِلْإِنْسَانِ أَنْ يُرَاعِيَ هَذِهِ الْأَحْوَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ زَوْجَتِهِ.

يَنْبَغِي لِلْإِنْسَانِ أَلَّا يَغْضَبَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ قُصُورٌ؛ حَتَّى الْإِنْسَانُ فِي نَفْسِهِ مُقَصِّرٌ، وَلَيْسَ صَحِيحًا أَنَّهُ كَامِلٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، فَهِيَ أَيْضًا أَوْلَى بِالتَّقْصِير.

وَأَيْضًا: يَجِبُ عَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يَقِيسَ الْمَسَاوِئَ بِالْمَحَاسِنِ، عَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يُقَدِّرَ الْأُمُورَ؛ حَتَّى يَكُونَ سَيْرُهُ مَعَ أَهْلِهِ عَلَى الْوَجْهِ الْأَكْمَلِ، وَالْإِنْسَانُ إِذَا عَوَّدَ نَفْسَهُ حُسْنَ الْأَخْلَاقِ انْضَبَطَ، وَبِذَلِكَ يَسْتَرِيحُ)).

قَالَ ﷺ: «إِنَّمَا النِّسَاءُ شَقَائِقُ الرِّجَالِ» . أَخرَجَهُ النَّسَائِيُّ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ.

وَقَالَ ﷺ: «اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا؛ فَإِنَّهُنَّ خُلِقْنَ مِنْ ضِلَعٍ، وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلَعِ أَعْلَاهُ، فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ، وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ؛ فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

قَالَ النَّوَوِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ- : «وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مُلَاطَفَةُ النِّسَاءِ، وَالْإِحسَانُ إِلَيْهِنَّ, وَالصَّبْرُ عَلَى عِوَجِ أَخْلَاقِهِنَّ, وَاحْتِمَالُ ضَعْفِ عُقُولِهِنَّ, وَكَرَاهِيَةُ طَلَاقِهِنَّ بِلَا سَبَبٍ, وَأنَّهُ لَا يُطْمَعُ بِاسْتِقَامَتِهَا، وَاللهُ أَعْلَمُ».

وَالنَّبِيُّ ﷺ كَانَ حَسَنَ الْعِشْرَةِ مَعَ أَزْوَاجِهِ, وَهُوَ الْقَائِلُ ﷺ: «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي».

وَقَالَ ﷺ: «أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا، وَخِيَارُهُمْ خِيَارُهُمْ لِنِسَائِهِمْ» .  رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ الْأَلبَانِيُّ.

وَكَانَ ﷺ فِي الْبَيْتِ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ؛ فَعَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: «سَأَلْتُ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا-؛ مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَصْنَعُ فِي بَيْتِهِ؟

قَالَتْ: «كَانَ يَكُونُ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ تَعْنِي: خِدْمَةَ أَهْلِهِ-, فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ؛ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ». أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ.

وَفِي الْحَدِيثِ: التَّرْغِيبُ فِي التَّواضُعِ، وَتَرْكِ التَّكَبُّرِ, وَفِيهِ: خِدْمَةُ الرَّجُلِ أَهْلَهُ.

قَالَ ابنُ بَطَّالٍ : «مِنْ أَخْلَاقِ الْأَنْبِيَاءِ: التَّوَاضُعُ, وَالْبُعْدُ عَنِ التَّنَعُّمِ, وَامْتِهَانُ النَّفْسِ؛ لِيُسْتَنَّ بِهِمْ, وَلِئَلَّا يَخْلُدُوا إِلَى الرَّفَاهِيَةِ الْمَذْمُومَةِ».

وَعَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا-: «أَنَّهَا سُئِلَتْ؛ مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْمَلُ فِي بَيْتِهِ؟

قَالَتْ: «كَانَ بَشَرًا مِنَ الْبَشَرِ؛ يَفْلِي ثَوْبَهُ, وَيَحْلُبُ شَاتَهُ, وَيَخْدُمُ نَفْسَهُ». أَخْرَجَهُ أَحمَدُ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ.

وَالنَّبِيُّ ﷺ مَهْمَا قُدِّمَ إِلَيْهِ مِنْ طَعَامٍ؛ لَمْ يَذُمَّهُ, فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: «مَا عَابَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ طَعَامًا قَطُّ، إِنِ اشْتَهَاهُ أَكَلَهُ، وَإِلَّا تَرَكَهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَمَا ضَرَبَ النَّبِيُّ ﷺ امْرَأةً قَطُّ؛ فَعَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: «مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ شَيْئًا بِيَدِهِ قَطُّ, وَلَا امْرَأَةً وَلَا خَادِمًا؛ إِلَّا أَنْ يُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللهِ, وَمَا نِيلَ مِنْهُ شَيْءٌ قَطُّ فَيَنْتَقِمُ مِنْ صَاحِبِهِ؛ إِلَّا أَنْ يُنْتَهَكَ شَيْءٌ مِنْ مَحَارِمِ اللهِ، فَيَنْتَقِمُ لِلَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ-». رَوَاهُ مُسلِمٌ.

وَمِنْ رَحْمَةِ النَّبِيِّ ﷺ بِأَزْوَاجِهِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُنَّ-: أَنَّهُ أَمَرَ سَائِقَ إِبِلِهِنَّ أَنْ يَرْفُقَ بِهِنَّ؛ فَعَن أَنَسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَتَى عَلَى أَزْوَاجِهِ وَسَوَّاقٌ يَسُوقُ بِهِنَّ يُقَالُ لَهُ: أَنْجَشَةُ، فَقَالَ: «وَيْحَكَ يَا أَنْجَشَةُ! رُوَيْدًا سَوْقَكَ بِالْقَوَارِيرِ».

وَعَنهُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: كَان لِرَسُولِ اللهِ ﷺ حَادٍ حَسَنُ الصَّوتِ, فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «رُوَيدًا يَا أَنجَشَةُ، لَا تَكْسِرِ القَوَارِيرَ»؛ يَعنِي: ضَعَفَةَ النِّسَاءِ. رَوَاهُ مُسلِمٌ.

 ((السَّمَاحَةُ بَيْنَ الْجِيرَانِ))

إِنَّ مِنَ أَحَقِّ مَنْ يَنْبَغِي التَّعَامَلُ مَعَهُمْ بِالسَّمَاحَةِ وَالْوُدِّ: الْجِيرَانَ، قَالَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنبِ} [النساء: 36].

إِنَّ الْجَارَ لَهُ حَقٌّ بِإِطْلَاقٍ؛ سَوَاءٌ كَانَ مُسْلِمًا أَمْ كَانَ كَافِرًا، سَوَاءٌ كَانَ طَائِعًا أَمْ كَانَ عَاصِيًا، سَوَاءٌ كَانَ عَالِمًا أَمْ كَانَ جَاهِلًا، سَوَاءٌ كَانَ مُصَالِحًا أَمْ كَانَ مُخَاصِمًا.

الْجَارُ مُطْلَقُ الْجَارِ لَهُ حَقٌّ؛ لِأَنَّ النُّصُوصَ وَرَدَتْ مُطْلَقَةً مِنْ غَيْرِ قَيْدٍ، وَهَذَا نَبِيُّكُمْ ﷺ يَقُولُ قَوْلًا مُرْسَلًا، عَامًّا مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ قَيْدٍ: ((مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ)).

قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ -كَمَا فِي ((الصَّحِيحَيْنِ))-: ((وَاللهِ لَا يُؤْمِنُ، وَاللهِ لَا يُؤْمِنُ، وَاللهِ لَا يُؤْمِنُ)) ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.

قَالَ الْأَصْحَابُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ-: مَنْ يَا رَسُولَ اللهِ؟

قَالَ: ((الَّذِي لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ)).

قَالُوا -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ-: وَمَا بَوَائِقُهُ يَا رَسُولَ اللهِ؟

قَالَ: ((شَرُّهُ)).

وَأَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الْأَمْرِ الْعَظِيمِ الَّذِي يُؤْتِيهِ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ الْعَبْدَ فِي الدُّنْيَا، ((فَأَرْبَعٌ مِنَ الْهَنَاءِ: الْجَارُ الصَّالِحُ، وَالْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ، وَالْبَيْتُ الْوَاسِعُ، وَالْمَرْكَبُ الْهَنِيءُ، وَأَرْبَعٌ مِنَ الشَّقَاءِ: الْمَرْأَةُ السُّوءُ، وَالدَّارُ الضَّيِّقَةُ، وَالْجَارُ السُّوءُ، وَالْمَرْكَبُ السُّوءُ)).

فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الشَّقَاءِ: أَنْ تُرْزَقَ جَارًا شَقِيًّا، كُلَّ حِينٍ يُؤْذِيكَ بِصَوْتِ الْمِذْيَاعِ وَالتِّلْفَازِ!!

فَعَلَى الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ خَاصَّةً أَنْ يَجْتَهِدُوا جَمِيعًا فِي الْبُعْدِ عَنْ أَذِيَّةِ الْجَارِ؛ لِأَنَّهَا مِنَ الْكَبَائِرِ الْعَظِيمَةِ فِي دِينِ اللهِ -تَعَالَى-.

فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، قَالَ: قِيلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّ فُلَانَةَ تَقُومُ اللَّيْلَ، وَتَصُومُ النَّهَارَ، وَتَفْعَلُ وَتَصَّدَّقُ، وَتُؤذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ((لَا خَيْرَ فِيهَا، هِيَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ)).

قالوا: وَفُلانَةُ تُصَلِّي الْمَكْتُوبَةَ، وَتَصَّدَّقُ بِأَثْوَارٍ، وَلا تُؤْذِي أَحَدًا.

فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ((هِيَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ)).

أَثْوَار: جَمْعُ ثَوْرٍ؛ وَهِيَ قِطْعَةٌ مِنَ الْأَقِطِ، وَهُوَ لَبَنٌ جَامِدٌ مُتَحَجِّرٌ -الجُبْنُ الْمُجَفَّفُ-.

فَعَلَى الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ أَنْ يَجْتَهِدُوا فِي الْبُعْدِ عَنْ أَذِيَّةِ الْجِيرَانِ، وَعَلَيْهِمْ أَنْ يَعْلَمُوا أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ مِنَ الْكَبَائِرِ، وَأَنَّهُ مِحْنَةٌ كَبِيرَةٌ جِدًّا؛ لِأَنَّ الرَّجُلَ الَّذِي جَاءَ إِلَى الرَّسُولِ ﷺ، فَقَالَ: ((يَا رَسُولَ اللهِ! كَيْفَ لِي أَنْ أَعْلَمَ إِذَا أَحْسَنْتُ أَنِّي أَحْسَنْتُ، وَإِذَا أَسَأْتُ أَنِّي أَسَأْتُ؟)).

فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((إِذَا قَالَ جِيرَانُكَ: أَحْسَنْتَ؛ فَقَدْ أَحْسَنْتَ، وَإِذَا قَالَ جِيرَانُكَ: أَسَأْتَ؛ فَقَدْ أَسَأْتَ)). حَتَّى وَلَوْ كَانَ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْمِلَّةِ.

وَقَدْ كَانَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ جَارٌ يَهُودِيٌّ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَفَقَّدُهُ فِي مَرَضِهِ؛ لِيَعْرِضَ عَلَيْهِ الْإِسْلَامَ، فَلَمَّا قَالَ لَهُ: ((أَسْلِمْ))، وَأَسْلَمَ؛ خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ يَقُولُ: ((الْحَمْدُ للهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ بِي مِنَ النَّارِ)) .

فَلْنَجْتَهِدِ اجْتِهَادًا كَبِيرًا فِي الْبُعْدِ عَنْ أَذِيَّةِ الْجِيرَانِ.

عِبَادَ اللهِ! إِنَّ الْأَمْرَ جِدٌّ لَا هَزْلَ فِيهِ، وَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَعَلَ هَذَا الْأَمْرَ عَلَى هَذَا النَّحْوِ، وَفَهِمَهُ مَنْ فَهِمَهُ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاحِ، فَكَانُوا مُوَفَّقِينَ غَايَةَ التَّوْفِيقِ.

حَقُّ الْجَارِ حَقٌّ لَازِمٌ أَحَقَّهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ، لَيْسَ مِنَّةً مِنْكَ وَلَا تَفَضُّلًا، إِذَا مَا وَصَلْتَ جَارَكَ فَهَذَا لَيْسَ مِنَّةً مِنْكَ، بَلْ هُوَ مُعَلَّقٌ عَلَى رَقَبَتِكَ، هُوَ أَمْرٌ لَا بُدَّ مِنْ رِعَايَتِهِ، وَلَا بُدَّ مِنْ حِيَاطَتِهِ، وَلَا بُدَّ مِنَ الِالْتِفَاتِ إِلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لَازِمٌ وَعَظِيمٌ.

 ((السَّمَاحَةُ بَيْنَ الْإِخْوَةِ وَالْأَصْدِقَاءِ))

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ! مِمَّنْ يَنْبَغِي الرِّفْقُ بِهِمْ وَالسَّمَاحَةُ فِي مُعَامَلَتِهِمُ: الْإِخْوَةُ وَالْأَصْدِقَاءُ وَالزُّمَلَاءُ؛ فَقَدْ وَطَّدَ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ الْعَلَاقَةَ بَيْنَ عُمُومِ النَّاسِ، وَبَيْنَ الْإِخْوَةِ وَالْأَصْحَابِ، قَالَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [لحجرات: 13].

يَا أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ آدَمَ وَحَوَّاءَ، فَالْمَجْمُوعَةُ الْبَشَرِيَّةُ كُلُّهَا تَلْتَقِي عَلَى أَصْلٍ وَاحِدٍ، وَبَيْنَ النَّاسِ أُخُوَّةٌ إِنْسَانِيَّةٌ عَامَّةٌ، وَجَعَلْنَاكُمْ جُمُوعًا عَظِيمَةً وَقَبَائِلَ مُتَعَدِّدَةً؛ لِيَعْرِفَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فِي قُرْبِ النَّسَبِ وَبُعْدِهِ، لَا لِلتَّفَاخُرِ بِالْأَنْسَابِ وَالتَّعَالِي بِالْأَحْسَابِ، إِنَّ أَرْفَعَكُمْ مَنْزِلَةً عِنْدَ اللهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ أَتْقَاكُمْ لَهُ.

إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ عِلْمًا كَامِلًا شَامِلًا بِظَوَاهِرِكُمْ، وَيَعْلَمُ أَنْسَابَكُمْ، خَبِيرٌ عَلَى سَبِيلِ الشُّهُودِ وَالْحُضُورِ بِبَوَاطِنِكُمْ، لَا تَخْفَى عَلَيْهِ أَسْرَارُكُمْ؛ فَاجْعَلُوا التَّقْوَى زَادَكُمْ إِلَى مَعَادِكُمْ.

وَاللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ يُرِيدُ الْمُجْتَمَعَ الْمُسْلِمَ كَالْجَسَدِ الْوَاحِدِ ، قَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 10].

((إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فِي الِالْتِقَاءِ الْفِكْرِيِّ عَلَى عَقِيدَةٍ عِلْمِيَّةٍ وَاحِدَةٍ، وَفِي الْتِقَاءِ الْقُلُوبِ عَلَى عَاطِفَةٍ دِينِيَّةٍ وَأَهْدَافٍ غَائِيَّةٍ وَاحِدَةٍ، وَفِي الْتِقَائِهِمْ عَلَى أَحْكَامٍ تَشْرِيعِيَّةٍ وَقِيادَةٍ وَاحِدَةٍ)) .

وَنَصَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى ذَلِكَ صَرَاحَةً، قَالَ: ((مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ؛ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى)) .

يَقُولُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- عَنْ نَبِيِّهِ ﷺ: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} [آل عمران: 159].

فَبِسَبَبِ رَحْمَةٍ عَظِيمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَّقَكَ اللهُ لِلرِّفْقِ وَالتَّلَطُّفِ بِأَصْحَابِكَ، وَأَلْقَى فِي قَلْبِكَ دَاعِيَةَ الرَّحْمَةِ وَالْعَطْفِ؛ فَسَهُلَتْ لَهُمْ أَخْلَاقُكَ، وَلِنْتَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ فِي أَقْوَالِكَ وَأَعْمَالِكَ، فَاجْتَمَعُوا عَلَيْكَ، وَلَوْ كُنْتَ جَافِيًا مُتَجَهِّمَ الْوَجْهِ، سَيِّءَ الْخُلُقِ، قَلِيلَ الِاحْتِمَالِ، قَاسِيَ الْقَلْبِ، خَالِيًا مِنْ عَاطِفَةِ الرَّحْمَةِ؛ لَنَفَرُوا عَنْكَ، وَتَفَرَّقُوا حَتَّى لَا يَبْقَى أَحَدٌ مِنْهُمْ عِنْدَكَ.

فَتَجَاوَزْ عَنْ زَلَّاتِهِمْ، وَاسْأَلِ اللهَ السَّتْرَ لِذُنُوبِهِمْ، وَاسْتَخْرِجْ آرَاءَهُمْ، وَاعْلَمْ مَا عِنْدَهُمْ فِيمَا لَمْ يَنْزِلْ فِيهِ وَحْيٌ؛ تَطْيِيبًا لِقُلُوبِهِمْ، فَإِذَا وَصَلَتْ إِرَادَتُكَ إِلَى مُسْتَوَى الْعَزْمِ عَلَى الْأَمْرِ بَعْدَ الشُّورَى وَاسْتِعْرَاضِ مُخْتَلَفِ الْآرَاءِ، وَتَرْجِيحِ الرَّأْيِ الْأَكْثَرِ نَفْعًا وَسَدَادًا لِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ؛ فَاعْمَلْ عَلَى تَنْفِيذِ مَا عَزَمْتَ عَلَيْهِ مُتَوَكِّلًا عَلَيْهِ وَحْدَهُ، وَاللهُ سَيَمُدُّكَ بِمَعُونَتِهِ وَتَسْدِيدِهِ، وَيَدْفَعُ عَنْكَ الْأَعْرَاضَ وَالْمَوَانِعَ، وَيُحَقِّقُ لَكَ النَّتَائِجَ الَّتِي تَرْجُوهَا؛ لِأَنَّهُ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ عَلَيْهِ، مَعَ قِيَامِهِمْ بِكُلِّ مَا تَقْتَضِيهِ حَاجَاتُ التَّنْفِيذِ مِنْ أَسْبَابٍ رَبَطَ اللهُ بِهَا النَّتَائِجَ فِي نِظَامِ كَوْنِهِ.

فَإِذَا كَانَ هَذَا شَأْنَ النَّبِيِّ ﷺ مَعَ أَصْحَابِهِ فِيمَا لَوْ تَعَامَلَ مَعَهُمْ بِالْغِلْظَةِ، وَمَا يَنْشَأُ عَنْهُ مِنَ انْفِضَاضِ أَصْحَابِهِ؛ فَكَيْفَ لَوْ تَعَامَلَ بِذَلِكَ مَنْ هُوَ دُونَهُ مَعَ مَنْ هُوَ دُونَهُمْ؟!!

وَأَنْتَ تَرَى -حَفِظَكَ اللهُ- بُعْدَ النَّاسِ عَنِ الدِّينِ.

فَالرِّفْقَ الرِّفْقَ!

وَاللِّينَ اللِّينَ! إِلَّا فِي مَوْضِعِ الشِّدَّةِ، فَيَتَوَجَّبُ عَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يَأْتِيَ بِالشِّدَّةِ فِي مَوَاضِعِهَا.

فَالرِّفْقَ الرِّفْقَ.. وَاللِّينَ اللِّينَ؛ حَتَّى تُبَلِّغَ دِينَ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

عِبَادَ اللهِ! إِنَّ الرِّفْقَ سَبَبُ كُلِّ خَيْرٍ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَشْمَلَ حَيَاةَ الْمُسْلِمِ، فَمَنْ يُحْرَمِ الرِّفْقَ يُحْرَمْ خَيْرَيِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.

النَّبِيُّ ﷺ إِذَا غَابَ عَنْهُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ سَأَلَ عَنْهُ، فَإِنْ كَانَ مَرِيضًا عَادَهُ، وَإِنْ كَانَ مُسَافِرًا دَعَا لَهُ، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ مَاتَ اسْتَغْفَرَ لَهُ وَصَلَّى عَلَى قَبْرِهِ رُبَّمَا، كَمَا فَعَلَ مَعَ بَعْضِ مَنْ مَاتَ مِنْ أَصْحَابِهِ.

وَكَانَ يَسْتَفْسِرُ عَنْ أَحْوَالِ أُمَّتِهِ، وَمَا وَقَعَ لَهُمْ مِنْ خَيْرٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَكَانَ لَا يُقَبِّحُ الْحَسَنَ، وَإِنَّمَا كَانَ يُثْنِي عَلَيْهِ بِالثَّنَاءِ الْحَسَنِ، وَيُقَبِّحُ الْقَبِيحَ وَيُوَهِّنُهُ، وَذَلِكَ لِاعْتِدَالِ أَمْرِهِ، وَعَدَمِ إِسْرَافِهِ فِي إِلْقَاءِ الْأَحْكَامِ، غَيْرَ مُتَنَاقِضٍ فِيمَا يَقُولُ وَفِيمَا يَفْعَلُ، وَكَانَ مُنْتَبِهًا لِكُلِّ أَمْرٍ فِيهِمْ، فَكَانَ لَا يُثْقِلُ عَلَيْهِمْ بِالتَّكْلِيفِ أَوِ الْمَوْعِظَةِ، فَإِذَا وَعَظَهُمْ تَخَوَّلَهُمْ فِي الْمَوْعِظَةِ حَتَّى لَا يَمَلُّوا.

وَكَانَ مِنْ هَدْيِ النَّبِيِّ ﷺ عِيَادَةُ مِنْ مَرِضَ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَفِي ((الصَّحِيحَيْنِ)) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- قَالَ: ((مَرِضْتُ، فَأَتَانِي النَّبِيُّ ﷺ يَعُودُنِي، وَأَبُو بَكْرٍ، وَهُمَا مَاشِيَانِ، فَوَجَدَانِي أُغْمِيَ عَلَيَّ،  فَتَوَضَّأَ النَّبِيُّ ﷺ، ثُمَّ صَبَّ وَضُوءَهُ عَلَيَّ فَأَفَقْتُ)).

وَكَانَ رَسُولُنَا الْكَرِيمُ ﷺ يَشْهَدُ الْجَنَائِزَ؛ فَفِي ((الصَّحِيحَيْنِ)) -أَيْضًا-، عَنْ عَلِيٍّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: ((كُنَّا فِي جِنَازَةٍ فِي بَقِيعِ الْغَرْقَدِ، وَهُوَ مَدْفَنُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، فَأَتَانَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَعَدَ، وَقَعَدْنَا حَوْلَهُ، وَمَعَهُ مَخْصَرَةٌ -وَهِيَ عَصَا لَطِيفَةٌ، أَوْ عُكَّازٌ-، فَنَكَسَ -أَيْ: فَخَفَضَ رَأْسَهُ وَطَأْطَأَهُ إِلَى الْأَرْضِ عَلَى هَيْئَةِ الْمَهْمُومِ- وَجَعَلَ يَنْكُتُ -أَيْ: يَخُطُّ خَطًّا يَسِيرًا مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ بِمَخْصَرَتِهِ-، ثُمَّ قَالَ: ((مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَمَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ)).

وَكَانَ ﷺ يَقْضِي حَاجَةَ الْعَبِيدِ؛ فَمِنْ تَوَاضُعِ النَّبِيِّ ﷺ لِلْعَبِيدِ: مَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: ((كَانَتِ الْأَمَةُ مِنْ إِمَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ تَأْخُذُ بِيَدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَتَنْطَلِقُ بِهِ حَيْثُ شَاءَتْ)).

وَرَوَى مُسْلِمٌ فِي ((صَحِيحِهِ)) عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: ((بَيْنَا أَنَا أُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ؛ إِذْ عَطَسَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ -يَعْنِي: وَهُمْ فِي الصَّلَاةِ-.

قَالَ: فَقُلْتُ: يَرْحَمُكَ اللهُ! قَالَ: فَرَمَانِي الْقَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ, فَقُلْتُ: وَاثُكْلَ أُمِّيَاهُ! مَا شَأْنُكُمْ تَنْظُرُونَ إِلَيَّ؟!.

كُلُّ هَذَا وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ..

فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَ بِأَيْدِيهِمْ عَلَى أَفْخَاذِهِمْ, فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ يُصَمِّتُونَنِي لَكِنِّي سَكَتُّ.

فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ -بِأَبِي هُوَ وَأُمِّي- مَا رَأَيْتُ مُعَلِّمًا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ أَحْسَنَ تَعْلِيمًا مِنْهُ؛ فَوَاللهِ مَا قَهَرَنِي وَلَا ضَرَبَنِي وَلَا شَتَمَنِي, قَالَ: ((إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ, إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ))، أَوْ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ.

قَالَ النَّوَوِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((قَوْلُ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: ((فَبِأَبِي هُوَ وَأُمِّي! مَا أُرِيتُ مُعَلِّمًا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ أَحْسَنَ تَعْلِيمًا مِنْهُ))..

فِيهِ: بَيَانُ مَا كَانَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ عَظِيمِ الْخُلُقِ الَّذِي شَهِدَ اللهُ -تَعَالَى- لَهُ بِهِ، وَرِفْقِهِ بِالْجَاهِلِ، وَرَأْفَتِهِ بِأُمَّتِهِ، وَشَفَقَتِهِ عَلَيْهِمْ.

وَفِيهِ: التَّخَلُّقُ بِخُلُقِهِ ﷺ فِي الرِّفْقِ بِالْجَاهِلِ، وَحُسْنِ تَعْلِيمِهِ، وَاللُّطْفِ بِهِ، وَتَقْرِيبِ الصَّوَابِ إِلَى فَهْمِهِ)).

وَهَذِهِ نَمَاذِجُ مُضِيئَةٌ فِي السَّمَاحَةِ فِي الْمُعَامَلَاتِ مِنْ سِيَرِ سَلَفِنَا الصَّالِحِينَ؛ فَقَدْ شَتَمَ رَجُلٌ عُمَرَ بْنَ ذَرٍّ -رَحِمَهُ اللهُ-، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: «يَا هَذَا! إِنِّي قَدْ أَمَتُّ مُشَاتَمَةَ الرِّجَالِ صَغِيرًا، فَلَنْ أُحْيِيَهَا كَبِيرًا، وَأَنَا لَا أُكَافِئُ مَنْ عَصَى اللهَ فِيَّ بِأَكْثَرَ مِنْ أَنْ أُطِيعَ اللهَ فِيهِ».

وَجَاءَ رَجُلٌ إِلَى عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-، فَقَالَ: إِنَّ فُلَانًا شَتَمَكَ!

فَقَالَ: اذْهَبْ بِنَا إِلَيْهِ.

فَأَخَذَ بِيَدِهِ حَتَّى صَارَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ، وَالرَّجُلُ الَّذِي نَقَلَ يَظُنُّ أَنَّهُ مَا ذَهَبَ إِلَّا مِنْ أَجْلِ الْمُعَاقَبَةِ، فَلَمَّا صَارَ عِنْدَهُ؛ أَقْبَلَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ، فَقَالَ: «يَا أَخِي! إِنْ كُنْتَ صَادِقًا فَغَفَرَ اللهُ لِي، وَإِنْ كُنْتَ كَاذِبًا فَغَفَرَ اللهُ لَكَ».

وَهَذَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ لَا تَغِيبُ عَنْهُ أَسْبَابُ انْفِعَالِهِ حَالَ انْفِعَالِهِ لَحْظَةً وَاحِدَةً فِي مَجْلِسِ الْعِلْمِ، وَهُوَ فِيهِ رَأْسٌ.. عُبَيْدُ اللهِ بْنُ الْحَسَنِ الْعَنْبَرِيُّ؛ يُسْأَلُ فِي مَجْلِسِ الْعِلْمِ سُؤَالًا، وَوَرَدَتِ الْمَسْأَلَةُ، فَأَخْطَأَ حِينَ الْجَوَابِ، وَغَلِطَ فِي الْإِجَابَةِ، فَكَانَ مَاذَا؟!!

لَا شَيْءَ، وَمَنِ الَّذِي لَا يَغْلَطُ؟! خَطِئَ الْمَسْأَلَةَ بَعْدَ الْمَسْأَلَةِ، لَا يُدْرِكُ فِيهَا صَوَابًا، وَلَا يَفْتَحُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ إِلَى الْإِجَابَةِ فِيهَا بَابًا، فَكَانَ مَاذَا؟!!

لَا شَيْءَ.

فَلَمَّا بُيِّنَ لَهُ غَلَطُهُ؛ نَكَّسَ رَأْسَهُ سَاعَةً، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَالَ: «إِذَنْ؛ أَعُودُ إِلَى الْحَقِّ وَأَنَا صَاغِرٌ، وَلَأَنْ أَكُونَ ذَنَبًا فِي الْحَقِّ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَكُونَ رَأْسًا فِي الْبَاطِلِ».

 

((السَّمَاحَةُ فِي الطُّرُقِ وَالْمُوَصِّلَاتِ الْعَامَّةِ))

عِبَادَ اللهِ! مَا أَحْوَجَ الْمُسْلِمِينَ فِي هَذَا الْوَقْتِ مِنْ تَارِيخِهِمْ إِلَى مَعْرِفَةِ الْآدَابِ الَّتِي دَلَّهُمْ عَلَيْهَا دِينُهُمْ, وَأَرْشَدَتْهُمْ إِلَيْهَا سُنَّةُ نَبِيِّهِمْ ﷺ.

وَمِنْ هَذِهِ الْآدَابِ الْعَظِيمَةِ: آدَابُ الطَّرِيقِ، وَمِنْهَا: السَّمَاحَةُ فِي مُعَامَلَةِ الْمَارَّةِ، وَكَفُّ الْأَذَى عَنْهُمْ، وَاحْتِمَالُ الْأَذَى مِنْهُمْ، وَالرِّفْقُ بِهِمْ، قَالَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: {وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا} [الفرقان: 63].

وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الْمُؤَهَّلُونَ لِأَنْ يَكُونُوا أَئِمَّةَ الْمُتَّقِينَ لَهُمْ صِفَاتٌ؛ مِنْهَا: الَّذِينَ يَمْشُونَ لِقَضَاءِ شُؤُونِ حَيَاتِهِمُ الدُّنْيَا عَلَى الْأَرْضِ بِالسَّكِينَةِ وَالْوَقَارِ وَالرِّفْقِ وَالرَّوِيَّةِ، مُتَوَاضِعِينَ غَيْرَ بَطِرِينَ وَلَا مُتَكَبِّرِينَ، وَلَا يَكِدُّونَ لِمَطَالِبِ الدُّنْيَا بِسَعْيٍ يَسْتَهْلِكُ كُلَّ طَاقَاتِهِمْ وَأَوْقَاتِهِمْ.

وَمِنْ صِفَاتِهِمْ: أَنَّهُمْ إِذَا خَاطَبَهُمُ السُّفَهَاءُ بِالشَّتَائِمِ وَالْأَلْفَاظِ الْقَبِيحَةِ مُسْتَثِيرِينَ غَضَبَهُمْ؛ قَالُوا لَهُمْ: سَلَامًا، وَفَارَقُوا مَجَالِسَ الْجَاهِلِينَ.

عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ((إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ بِالطُّرُقَاتِ)).

 فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! مَا لَنَا مِنْ مَجَالِسِنَا بُدٌّ، نَتَحَدَّثُ فِيهَا.

فَقَالَ: ((فَإِذَا أَبَيْتُمْ إِلَّا الْمَجْلِسَ؛ فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ)).

قَالُوا: وَمَا حَقُّ الطَّرِيقِ يَا رَسُولَ اللهِ؟

قَالَ: ((غَضُّ الْبَصَرِ, وَكَفُّ الْأَذَى, وَرَدُّ السَّلَامِ, وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ, وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

فَبَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ فِي هَذَا الْحَدِيثِ حَقَّ الطَّرِيقِ.

وَأَمَّا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ؛ فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((لَقَدْ رَأَيْتُ رَجُلًا يَتَقَلَّبُ فِي الْجَنَّةِ فِي شَجَرَةٍ قَطَعَهَا مِنْ ظَهْرِ الطَّرِيقِ كَانَتْ تُؤْذِي النَّاسَ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَالنَّبِيُّ ﷺ قَيَّدَ بِقَوْلِهِ: ((كَانَتْ تُؤْذِي النَّاسَ))؛ فَلَا يَذْهَبَنَّ أَحَدٌ إِلَى شَجَرَةٍ لَهَا ظِلٌّ يَفِيءُ إِلَيْهِ النَّاسُ, ثُمَّ يَقُولُ: لَئِنْ قَطَعْتُ هَذِهِ فَلَأَتَحَصَّلَنَّ عَلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ الرَّسُولُ!! بَلْ إِنَّهُ يَكُونُ آثِمًا.

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ؛ لَا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا, وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا, أَوَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ)). أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.

وَيَنْبَغِي التَّعَامُلُ بِرِفْقٍ مَعَ كِبَارِ السِّنِّ وَالضُّعَفَاءِ فِي الشَّوَارِعِ وَالْمُوَصِّلَاتِ الْعَامَّةِ؛ فَقَدْ جَعَلَ اللهُ -تَعَالَى- الْخَيْرَ فِي الرِّفقِ، كَمَا قَالَ ﷺ: «مَنْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنَ الرِّفْقِ؛ فَقَدْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنَ الْخَيْرِ، وَمَنْ حُرِمَ حَظَّهُ مِنَ الرِّفْقِ؛ فَقَدْ حُرِمَ حَظَّهُ مِنَ الْخَيْرِ، أَثْقَلُ شَيْءٍ فِي مِيزَانِ الْمُؤْمِنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُسْنُ الْخُلُقِ، وَإِنَّ اللَّهَ لَيُبْغِضُ الْفَاحِشَ الْبَذِيَّ». أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَه، وَصَحَّحَهُ لِغَيْرِهِ الْأَلْبَانِيُّ فِي «صَحِيحِ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ».

وَمَفْهُومُ ذَلِكَ: أَنَّ الشَّرَّ فِي الْعُنْفِ، وَهُوَ -فَضْلًا عَمَّا يَجُرُّ إِلَيْهِ مِنَ الْمُخَالَفَاتِ الشَّرْعِيَّةِ- يُدَمِّرُ صِحَّةَ الْإِنْسَانِ، وَيُبَدِّدُ طَاقَةَ عَقْلِهِ وَبَدَنِهِ، وَيُشَوِّشُ عَلَيْهِ فِكْرَهُ، وَيَقْطَعُ مَوْصُولَ صِلَتِهِ بِالْخَلْقِ مِنْ حَوْلِهِ؛ وَكُلُّ ذَلِكَ بِسَبَبِ الشِّدَّةِ وَالْغِلْظَةِ، وَأَمَّا الرِّفْقُ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَأْتِي مِنْهُ إِلَّا الْخَيْرُ.

قَالَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: {وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران: 134].

 ((وَالْإِحْسَانُ نَوْعَانِ:

  • 1- الْإِحْسَانُ فِي عِبَادَةِ الْخَالِقِ.
  • 2- وَالْإِحْسَانُ إِلَى الْمَخْلُوقِ.

*فَالْإِحْسَانُ فِي عِبَادَةِ الْخَالِقِ فَسَّرَهَا النَّبِيُّ ﷺ -كَمَا فِي ((الصَّحِيحِ)) -؛ فَقَالَ: ((أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُن تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ)).

*وَأَمَّا الْإِحْسَانُ إِلَى الْمَخْلُوقِ: فَهُوَ إِيصَالُ النَّفْعِ الدِّينِيِّ وَالدُّنْيَوِيِّ إِلَيْهِمْ، وَدَفْعُ الشَّرِّ الدِّينِيِّ وَالدُّنْيَوِيِّ عَنْهُمْ، فَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ أَمْرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ، وَنَهْيُهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَتَعْلِيمُ جَاهِلِهِمْ، وَوَعْظُ غَافِلِهِمْ، وَالنَّصِيحَةُ لِعَامَّتِهِمْ وَخَاصَّتِهِمْ.

وَالسَّعْيُ فِي جَمْعِ كَلِمَتِهِمْ، وَإِيصَالُ الصَّدَقَاتِ وَالنَّفَقَاتِ الْوَاجِبَةِ وَالْمُسْتَحَبَّةِ إِلَيْهِمْ، عَلَى اخْتِلَافِ أَحْوَالِهِمْ، وَتَبَايُنِ أَوْصَافِهِمْ، فَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ: بَذْلُ النَّدَى، وَكَفُّ الْأَذَى، وَاحْتِمَالُ الْأَذَى، كَمَا وَصَفَ اللهُ بِهِ الْمُتَّقِينَ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ.

فَمَنْ قَامَ بِهَذِهِ الْأُمُورِ؛ فَقَدْ قَامَ بِحَقِّ اللهِ وَحَقِّ عِبَادِهِ».

 ((سَمَاحَةُ النَّفْسِ بِالْمَالِ))

((إِنَّ الْعَبْدَ بِحَسَبِ إِنْفَاقِهِ لِلْمَحْبُوبَاتِ يَكُونُ بِرُّهُ، وَأَنَّهُ يَنْقُصُ مِنْ بِرِّهِ بِحَسَبِ مَا نَقَصَ مِنْ ذَلِكَ)) ، وَإِنْفَاقُهُ أَمْوَالَهُ النَّفِيسَةَ الَّتِي تُحِبُّهَا نَفْسُهُ دَلِيلٌ عَلَى إِيمَانِهِ الصَّادِقِ، وَبِرِّ قَلْبِهِ، وَيَقِينِ تَقْوَاهُ، أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: ((كَانَ أَبُو طَلْحَةَ أَكْثَرَ أَنْصَارِيٍّ بِالْمَدِينَةِ نَخْلًا، وَكَانَ أَحَبُّ أَمْوَالِهِ إِلَيْهِ بَيْرُحَاءَ، وَكَانَتْ مُسْتَقْبِلَةَ الْمَسْجِدِ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدْخُلُهَا، وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ، فَلَمَّا نَزَلَتْ: {لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَقَامَ أَبُو طَلْحَةَ فَقَالَ: ((يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّ اللهَ يَقُولُ: {لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ}، وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي إِلَيَّ بَيْرُحَاءُ، وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ لِلهِ أَرْجُو بِرَّهَا وَذُخْرَهَا عِنْدَ اللهِ؛ فَضَعْهَا يَا رَسُولَ اللهِ حَيْثُ أَرَاكَ اللهُ!!)).

قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((ذَلِكَ مَالٌ رَايِحٌ، ذَلِكَ مَالٌ رَايِحٌ -أَيْ: أَنَّ أَجْرَهَا يَرُوحُ وَيَغْدُو عَلَيْكَ-، وَقَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الْأَقْرَبِينَ)).

فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: ((أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللهِ!!)).

فَقَسَّمَهَا أَبُو طَلْحَةَ فِي أَقَارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ.

قَالَ ﷺ: ((وَاللهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ)) . كَمَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.

فَالْغَنِيُّ يَضَعُ أَمْوَالَهُ فِي خِدْمَةِ الْمُجْتَمَعِ، وَسَدِّ الثَّغْرَاتِ الَّتِي تَظْهَرُ فِي بِنَائِهِ الِاقْتِصَادِيِّ بِسَبَبِ التَّفَاوُتِ فِي تَوْزِيعِ الثَّرْوَةِ، فَيُخْرِجُ زَكَاةَ أَمْوَالِهِ فَرِيضَةً مِنَ اللهِ، وَيُوَاسِي الْمُحْتَاجِينَ بِأَمْوَالِهِ؛ حَتَّى إِنَّهُمْ لَيَفْرَحُونَ إِذَا كَثُرَتْ ثَرْوَتُهُ؛ إِذْ تَعُودُ عَلَيْهِمْ بِالْخَيْرِ وَالْمُوَاسَاةِ.

كَانَ أَغْنِيَاءُ الصَّحَابَةِ يَعْرِفُونَ أَنَّهُمْ مُسْتَخْلَفُونَ عَلَى الْمَالِ الَّذِي اكْتَسَبُوهُ، فَإِذَا وَجَدُوا ثُغْرَةً تَعْجِزُ الدَّوْلَةُ عَنْ سَدِّهَا، أَوْ لَا تَنْتَبِهُ لَهَا؛ بَذَلُوا أَمْوَالَهُمْ فِي سَدِّهَا.

وَقَدْ ثَبَتَ فِي التَّارِيخِ أَنَّ عُثْمَانَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- تَصَدَّقَ بِقَافِلَةٍ ضَخْمَةٍ، بِأَلْفِ بَعِيرٍ تَحْمِلُ الْبُرَّ وَالزَّيْتَ وَالزَّبِيبَ.. تَصَدَّقَ بِهَا جَمِيعِهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ عِنْدَمَا حَلَّتِ الضَّائِقَةُ الِاقْتِصَادِيَّةُ بِالْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ فِي خِلَافَةِ الصِّدِّيقِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، وَقَدْ عَرَضَ عَلَيْهِ التُّجَّارُ خَمْسَةَ أَضْعَافِ ثَمَنِهَا رِبْحًا، فَقَالَ: ((أُعْطِيتُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ!!)).

فَقَالَ التُّجَّارُ: ((مَنِ الَّذِي أَعْطَاكَ وَمَا سَبَقَنَا إِلَيْكَ أَحَدٌ، وَنَحْنُ تُجَّارُ الْمَدِينَةِ؟!!)).

قَالَ: ((إِنَّ اللهَ أَعْطَانِي عَشْرَةَ أَمْثَالِهَا)).

ثُمَّ قَسَّمَهَا بَيْنَ الْفُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ!!

وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ فِي سِيَرِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ سَلَفِنَا الصَّالِحِينَ؛ لِذَلِكَ لَمْ تَظْهَرِ الرُّوحُ الطَّبَقِيَّةُ، وَلَمْ يَحْدُثِ الصِّرَاعُ الطَّبَقِيُّ، وَلَمْ يَتَكَتَّلِ النَّاسُ وَفْقَ مَصَالِحِهِمْ الِاقْتِصَادِيَّةِ لِحَرْبِ مَنْ فَوْقَهُمْ أَوْ تَحْتَهُمْ.

 ((السَّمَاحَةُ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَالِاقْتِضَاءِ))

النَّبِيُّ ﷺ رَغَّبَ فِي السَّمَاحَةِ فِي البَيْعِ وَالشِّرَاءِ، وَحُسْنِ التَّقَاضِي وَالقَضَاءِ؛ فَعَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللهِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «رَحِمَ اللهُ رَجُلًا سَمْحًا إِذَا بَاعَ، سَمْحًا إِذَا اشْتَرَى، سَمْحًا إِذَا اقْتَضَى». رَوَاهُ البُخَارِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَاللَّفْظُ لَهُ.

قَالَ الْحَافِظُ -رَحِمَهُ اللهُ- فِي شَرْحِهِ: ((فِيهِ: الْحَضُّ عَلَى السَّمَاحَةِ فِي الْمُعَامَلَةِ، وَاسْتِعْمَالُ مَعَالِي الْأَخْلَاقِ، وَتَرْكُ الْمُشَاحَّةِ، وَفِيهِ: الْحَضُّ عَلَى تَرْكِ التَّضْيِيقِ عَلَى النَّاسِ فِي الْمُطَالَبَةِ، وَفِيهِ: الْحَضُّ عَلَى أَخْذِ الْعَفْوِ مِنْهُمْ)).

وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «غَفَرَ اللهُ لِرَجُلٍ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانَ سَهْلًا إِذَا بَاعَ، سَهْلًا إِذَا اشْتَرَى، سَهْلًا إِذَا اقْتَضَى».

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ كَانَ هَيِّنًا لَيِّنًا قَرِيبًا؛ حَرَّمَهُ اللهُ عَلَى النَّارِ». رَوَاهُ الحَاكِمُ، وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، وَهُوَ صَحِيحٌ لِغَيْرِهِ.

وَقَدْ رَغَّبَ النَّبِيُّ ﷺ فِي كُلِّ مَا يُحَقِّقُ السَّمَاحَةَ وَالْيُسْرَ، وَيُوَطِّدُ الْعَلَاقَاتِ الطَّيِّبَةَ بَيْنَ النَّاسِ؛ كَإِنْظَارِ الْمُوسِرِ، وَالْعَفْوِ عَنِ الْمُعْسِرِ؛ قَالَ تَعَالَى: {وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} [البقرة: 280].

وَعَنْ حُذَيْفَةَ -كَمَا فِي ((الصَّحِيحَيْنِ)) - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((تَلَقَّتِ الْمَلَائِكَةُ رُوحَ رَجُلٍ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَقَالُوا: أَعَمِلْتَ مِنَ الْخَيْرِ شَيْئًا؟

قَالَ: كُنْتُ آمُرُ فِتْيَانِي أَنْ يُنْظِرُوا وَيَتَجَاوَزُوا عَنِ الْمُوسِرِ)).

وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ لَهُمْ: ((أَنْظِرُوا الْمُوسِرَ، وَتَجَاوَزُوا عَنِ الْمُعْسِرِ)).

وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ -هُوَ-: ((كُنْتُ أُنْظِرُ الْمُوسِرَ، وَأَتَجَاوَزُ عَنِ الْمُعْسِرِ)).

قَالَ: ((فَتَجَاوَزَ اللهُ عَنْهُ)).

قَالَ الْحَافِظُ -رَحِمَهُ اللهُ- : ((فَإِذَا أَعْسَرَ الْمَدْيُونُ وَجَبَ إِنْظَارُهُ، وَلَا سَبِيلَ إِلَى ضَرْبِهِ وَلَا إِلَى حَبْسِهِ، وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَحْدِيدِ الْمُوسِرِ وَالْمُعْسِرِ، وَأَرْجَحُ ذَلِكَ أَنَّ هَذَا التَّحْدِيدَ إِنَّمَا يَعُودُ إِلَى الْعُرْفِ، فَمَنْ كَانَ حَالُهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مِثْلِهِ يُعَدُّ يَسَارًا فَهُوَ مُوسِرٌ، وَعَكْسُهُ بِعَسْكِهِ)).

فَهَذَا الَّذِي اعْتَمَدَهُ الْحَافِظُ فِي ((الْفَتْحِ))، وَبِنَحْوِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ مِنْ قَبْلُ -رَحِمَ اللهُ عُلَمَاءَنَا مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ أَجْمَعِينَ-.

 ((سَمَاحَةُ الْإِسْلَامِ مَعَ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ))

إِنَّ سَمَاحَةَ الْإِسْلَامِ لَمْ تَقِفْ عِنْدَ حَدِّ تَعَامُلِ الْمُسْلِمِينَ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ، بَلْ هِيَ مَنْهَجُ حَيَاةٍ شَامِلٌ يَسَعُ النَّاسَ جَمِيعًا؛ فَقَدْ حَفِظَ الْإِسْلَامُ لِغَيْرِ الْمُسْلِمِينَ حُقُوقَهُمْ مَا دَامُوا لَمْ يُنَاصِبُوا الْمُسْلِمِينَ الْعِدَاءَ, وَلَمْ يَتَسَلَّطُوا عَلَيْهِمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْأَذَى؛ فَهُمْ عَلَى عَهْدِهِمْ وَذِمَّتِهِمْ, كَمَا قَالَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا- فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ: {إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} [التوبة: 4].

وَقَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا} [الإسراء: 34].

بَلْ أَمَرَ رَبُّنَا -جَلَّ وَعَلَا- بِحُسْنِ الْخُلُقِ مَعَ عُمُومِ النَّاسِ، فَقَالَ -عَزَّ مِنْ قَائِلٍ-: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} [البقرة: 83].

وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْتَ, وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا, وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ)).

((وَخَالِقِ النَّاسَ -أَيِ: النَّاسَ عُمُومًا- بِخُلُقٍ حَسَنٍ)). أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: ((هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ)).

وَأَمَرَنَا رَبُّنَا -جَلَّ وَعَلَا- أَنْ نُحْسِنَ إِلَى مَنْ أَحْسَنَ إِلَيْنَا, وَأَبَاحَ لَنَا أَنْ نَبَرَّ وَنَصِلَ مَنْ يَصِلُنَا مِنْ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الممتحنة: 8].

قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((إِنَّ اللهَ -سُبْحَانَهُ- لَمَّا نَهَى فِي أَوَّلِ السُّورَةِ عَنِ اتِّخَاذِ الْمُسْلِمِينَ الْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ، وَقَطَعَ الْمَوَدَّةَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُمْ؛ تَوَهَّمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ بِرَّهُمْ وَالْإِحْسَانَ إِلَيْهِمْ مِنَ الْمُوَالَاةِ وَالْمَوَدَّةِ، فَبَيَّنَ اللهُ -سُبْحَانَهُ- أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنَ الْمُوَالَاةِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا، وَأَنَّهُ لَمْ يَنْهَ عَنْ ذَلِكَ، بَلْ هُوَ مِنَ الْإِحْسَانِ الَّذِي يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ، وَكَتَبَهُ -أَيِ: الْإِحْسَانَ- عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، وَإِنَّمَا الْمَنْهِيُّ عَنْهُ: تَوَلِّي الْكُفَّارِ، وَالْإِلْقَاءُ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ)).

وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ فِي ((الْمُسْنَدِ))، وَالْبُخَارِيُّ فِي ((الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ))، وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ: أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- ذُبِحَتْ لَهُ شَاةٌ، فَجَعَلَ يَقُولُ لِغُلَامِهِ: ((أَهْدَيْتَ لِجَارِنَا الْيَهُودِيِّ؟ أَهْدَيْتَ لِجَارِنَا الْيَهُودِيِّ؟ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: ((مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ)).

وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي ((الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ)) بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو وَغُلَامُهُ يَسْلُخُ شَاةً، فَقَالَ: ((يَا غُلَامُ! إِذَا فَرَغْتَ فَابْدَأْ بِجَارِنَا الْيَهُودِيِّ)).

فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: آلْيَهُودِيَّ أَصْلَحَكَ اللهُ؟!!

قَالَ: ((إِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يُوصِي بِالْجَارِ حَتَّى خَشِينَا أَوْ رُؤِّينَا أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ)).

 ((مِنْ أَعْظَمِ مَظَاهِرِ السَّمَاحَةِ:

السَّمَاحَةُ بِالْكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ))

((لَقَدْ أَمَرَ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- بِالْإِحْسَانِ إِلَى النَّاسِ عُمُومًا، فَقَالَ: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا}؛ وَمِنَ الْقَوْلِ الْحَسَنِ: أَمْرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ، وَنَهْيُهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَتَعْلِيمُهُمُ الْعِلْمَ، وَبَذْلُ السَّلَامِ، وَالْبَشَاشَةُ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ كُلِّ كَلَامٍ طَيِّبٍ)) .

فِي الْمِيثَاقِ الَّذِي أَخَذَ اللهُ -تَعَالَى- عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} [البقرة: 83].

قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ -رَحِمَهُ اللهُ-: «قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا}؛ أَيْ: كَلِّمُوهُمْ طَيِّبًا، وَلِينُوا لَهُمْ جَانِبًا، وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ: الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ بِالْمَعْرُوفِ، كَمَا قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا}.

فَالْحَسَنُ مِنَ الْقَوْلِ: يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ، وَيَحْلُمُ وَيَعْفُو وَيَصْفَحُ، وَيَقُولُ لِلنَّاسِ حُسْنًا كَمَا قَالَ اللهُ، وَهُوَ كُلُّ خُلُقٍ حَسَنٍ رَضِيَهُ اللهُ».

وَبَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ الْقَوْلَ الطَّيِّبَ الْحَسَنَ لَا يَذْهَبُ سُدًى، وَلَا يَضِيعُ بَدَدًا، بَلْ صَاحِبُهُ مَأْجُورٌ عَلَيْهِ، مُثَابٌ عَلَى قَوْلِهِ؛ فَفِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ: «وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ».

وَالْقَوْلُ السَّدِيدُ مِمَّا حَضَّ الْقُرْآنُ عَلَى الِالْتِزَامِ بِهِ، فَقَالَ تَعَالَى: {وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا} [النساء: 9].

وَقَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 70-71].

قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ -رَحِمَهُ اللهُ-: «يَقُولُ -تَعَالَى- آمِرًا عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ بِتَقْوَاهُ، وَأَنْ يَعْبُدُوهُ عِبَادَةَ مَنْ كَأَنَّهُ يَرَاهُ، وَأَنْ يَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا؛ أَيْ: مُسْتَقِيمًا لَا اعْوِجَاجَ فِيهِ وَلَا انْحِرَافَ.

وَوَعَدَهُمْ أَنَّهُمْ إِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ؛ أَثَابَهُمْ عَلَيْهِ بِأَنْ يُصْلِحَ لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ؛ أَيْ: يُوَفِّقَهُمْ لِلْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، وَأَنْ يَغْفِرَ لَهُمُ الذُّنُوبَ الْمَاضِيَةَ، وَمَا قَدْ يَقَعُ مِنْهُمْ فِي الْمُسْتَقْبَلِ؛ يُلْهِمُهُمُ التَّوْبَةَ مِنْهَا.

قَالَ عِكْرِمَةُ: الْقَوْلُ السَّدِيدُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ.

وَقَالَ غَيْرُهُ: السَّدِيدُ: الصِّدْقُ.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هُوَ السَّدَادُ.

وَقَالَ غَيْرُهُ: هُوَ الصَّوَابُ.

وَالْكُلُّ حَقٌّ».

وَقَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [الإسراء: 53].

«وَهَذَا مِنْ لُطْفِهِ -تَعَالَى- بِعِبَادِهِ؛ حَيْثُ أَمَرَهُمْ بِأَحْسَنِ الْأَخْلَاقِ وَالْأَعْمَالِ وَالْأَقْوَالِ الْمُوجِبَةِ لِلسَّعَادَةِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.

فَقَالَ -جَلَّ مِنْ قَائِلٍ-: {وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}؛ وَهَذَا أَمْرٌ بِكُلِّ كَلَامٍ يُقَرِّبُ إِلَى اللهِ؛ مِنْ قِرَاءَةٍ، وَذِكْرٍ، وَعِلْمٍ، وَأَمْرٍ بِمَعْرُوفٍ، وَنَهْيٍ عَنْ مُنْكَرٍ، وَكَلَامٍ حَسَنٍ لَطِيفٍ مَعَ الْخَلْقِ عَلَى اخْتِلَافِ مَرَاتِبِهِمْ وَمَنَازِلِهِمْ، وَأَنَّهُ إِذَا دَارَ الْأَمْرُ بَيْنَ أَمْرَيْنِ حَسَنَيْنِ؛ فَإِنَّهُ يُؤْمَرُ بِإِيثَارِ أَحْسَنِهِمَا إِنْ لَمْ يُمْكِنِ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا.

وَالْقَوْلُ الْحَسَنُ دَاعٍ لِكُلِّ خُلُقٍ جَمِيلٍ وَعَمَلٍ صَالِحٍ؛ فَإِنَّ مَنْ مَلَكَ لِسَانَهُ مَلَكَ جَمِيعَ أَمْرِهِ ».

وَيَنْبَغِي الِابْتِعَادُ عَنْ كُلِّ لَغْوٍ وَزُورٍ، قَالَ تَعَالَى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُون} [المؤمنون: 1-3].

قَدْ فَازَ الْمُصَدِّقُونَ بِاللهِ وَبِرَسُولِهِ، الْعَامِلُونَ بِشَرْعِهِ بِمَا يُرِيدُونَ -أَيْ: فَازُوا بِمَا يُرِيدُونَ-، وَظَفِرُوا بِنَعِيمِ الْآخِرَةِ الْأَبَدِيِّ، وَهُمُ الْمَوْصُوفُونَ بِالْأَوْصَافِ الْآتِيَةِ؛ وَذَكَرَ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- مِنْهَا: الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ مُتَذَلِّلُونَ خَاضِعُونَ، جَمَعُوا بَيْنَ أَفْعَالِ الْقَلْبِ -كَالْخَوْفِ وَالرَّهْبَةِ- وَأَفْعَالِ الْجَوَارِحِ؛ كَالسُّكُونِ وَتَرْكِ الِالْتِفَاتِ.

وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ كُلِّ بَاطِلٍ وَمَا لَا يُعْتَدُّ بِهِ مِنَ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ مُعْرِضُونَ.

وَقَالَ رَبُّنَا -جَلَّ وَعَلَا-: {وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ} [القصص: 55].

ذَكَرَ اللهُ أَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقُرْآنِ وَبِمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِهِ يُؤْتَوْنَ ثَوَابَ عَمَلِهِمْ مَرَّتَيْنِ؛ عَلَى إِيمَانِهِمْ بِالْكِتَابِ الْأَوَّلِ، وَعَلَى إِيمَانِهِمْ بِالْكِتَابِ الْآخِرِ، بِسَبَبِ تَحَلِّيهِمْ بِأَرْبَعِ صِفَاتٍ؛ مِنْهَا: أَنَّهُمْ إِذَا سَمِعُوا الطَّعْنَ فِي الدِّينِ، وَالِاسْتِهْزَاءَ بِالْمُؤْمِنِينَ، وَالْقَوْلَ الْقَبِيحَ مِنَ الْجَاهِلِينَ؛ أَعْرَضُوا عَنْهُ تَكَرُّمًا وَتَنَزُّهًا، وَقَالُوا لِأَصْحَابِ اللَّغْوِ: لَنَا أَعْمَالُنَا، وَنُحَاسَبُ عَلَيْهَا، وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَتُحَاسَبُونَ عَلَيْهَا.

أَمَانٌ مِنَّا عَلَيْكُمْ، وَمُفَارَقَةٌ لَكُمْ وَلِمَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ لَغْوٍ تَعْصُونَ بِهِ رَبَّكُمْ، وَتَظْلِمُونَ بِهِ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ.

لَا نُرِيدُ مُشَارَكَةَ الْجَاهِلِينَ السُّفَهَاءِ فِي جَهْلِهِمْ وَسَفَهِهِمْ.

لَقَدْ ضَرَبَ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- الْمَثَلَ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ لِلْكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ وَالْكَلِمَةِ الْخَبِيثَةِ؛ فَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ كَالشَّجَرَةِ الطَّيِّبَةِ، أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ، تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا، وَالْكَلِمَةُ الْخَبِيثَةُ كَالشَّجَرَةِ الْخَبِيثَةِ، اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ.

قَالَ تَعَالَى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (25) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ (26) يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ} [إبراهيم: 24-27].

قَالَ الشَّيْخُ السَّعْدِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ- : «يَقُولُ تَعَالَى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً}: وَهِيَ شَهَادَةُ أَلَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَفُرُوعُهَا، { كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ}: وَهِيَ النَّخْلَةُ، {أَصْلُهَا ثَابِتٌ}: فِي الْأَرْضِ، {وَفَرْعُهَا}: مُنْتَشِرٌ {فِي السَّمَاءِ}: وَهِيَ كَثِيرَةُ النَّفْعِ دَائِمًا.

{تُؤْتِي أُكُلَهَا}؛ أَيْ: ثَمَرَتَهَا، {كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا}: فَكَذَلِكَ شَجَرَةُ الْإِيمَانِ؛ أَصْلُهَا ثَابِتٌ فِي قَلْبِ الْمُؤْمِنِ عِلْمًا وَاعْتِقَادًا، وَفَرْعُهَا مِنَ الْكَلِمِ الطَّيِّبِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ وَالْأَخْلَاقِ الْمَرْضِيَّةِ وَالْآدَابِ الْحَسَنَةِ فِي السَّمَاءِ دَائِمًا، يَصْعَدُ إِلَى اللهِ مِنْهُ مِنَ الْأَعْمَالِ وَالْأَقْوَالِ الَّتِي تُخْرِجُهَا شَجَرَةُ الْإِيمَانِ مَا يَنْتَفِعُ بِهِ الْمُؤْمِنُ، وَيَنْتَفِعُ بِهِ غَيْرُهُ.

 {وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ}: مَا أَمَرَهُمْ بِهِ وَنَهَاهُمْ عَنْهُ؛ فَإِنَّ فِي ضَرْبِ الْأَمْثَالِ تَقْرِيبًا لِلْمَعَانِي الْمَعْقُولَةِ مِنَ الْأَمْثَالِ الْمَحْسُوسَةِ، وَيَتَبَيَّنُ الْمَعْنَى الَّذِي أَرَادَهُ اللهُ غَايَةَ الْبَيَانِ، وَيَتَّضِحُ غَايَةَ الْوُضُوحِ، وَهَذَا مِنْ رَحْمَتِهِ وَحُسْنِ تَعْلِيمِهِ، فَلِلهِ أَتَمُّ الْحَمْدِ وَأَكْمَلُهُ وَأَعَمُّهُ.

فَهَذِهِ صِفَةُ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ، وَثَبَاتِهَا فِي قَلْبِ الْمُؤْمِنِ.

ثُمَّ ذَكَرَ ضِدَّهَا، وَهِيَ كَلِمَةُ الْكُفْرِ وَفُرُوعُهَا، فَقَالَ: {وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ}: الْمَأْكَلَ وَالْمَطْعَمَ، وَهِيَ شَجَرَةُ الْحَنْظَلِ وَنَحْوُهَا.

{اجْتُثَّتْ}: هَذِهِ الشَّجَرَةُ {مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ}؛ أَيْ: مِنْ ثُبُوتٍ، فَلَا عُرُوقَ تُمْسِكُهَا، وَلَا ثَمَرَةَ صَالِحَةً تُنْتِجُهَا، بَلْ إِنْ وُجِدَ فِيهَا ثَمَرَةٌ فَهِيَ ثَمَرَةٌ خَبِيثَةٌ، كَذَلِكَ كَلِمَةُ الْكُفْرِ وَالْمَعَاصِي، لَيْسَ لَهَا ثُبُوتٌ نَافِعٌ فِي الْقَلْبِ، وَلَا تُثْمِرُ إِلَّا كُلَّ قَوْلٍ خَبِيثٍ وَعَمَلٍ خَبِيثٍ يَسْتَضِرُّ بِهِ صَاحِبُهُ وَلَا يَنْتَفِعُ، وَلَا يَصْعَدُ إِلَى اللهِ مِنْهُ عَمَلٌ صَالِحٌ، وَلَا يَنْفَعُ نَفْسَهُ، وَلَا يَنْتَفِعُ بِهِ غَيْرُهُ.

{يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ}: يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّهُ يُثَبِّتُ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ؛ أَيِ: الَّذِينَ قَامُوا بِمَا عَلَيْهِمْ مِنَ الْإِيمَانِ الْقَلْبِيِّ التَّامِّ، الَّذِي يَسْتَلْزِمُ أَعْمَالَ الْجَوَارِحِ وَيُثْمِرُهَا:

فَيُثَبِّتُهُمُ اللهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا عِنْدَ وُرُودِ الشُّبُهَاتِ بِالْهِدَايَةِ إِلَى الْيَقِينِ، وَعِنْدَ عُرُوضِ الشَّهَوَاتِ بِالْإِرَادَةِ الْجَازِمَةِ عَلَى تَقْدِيمِ مَا يُحِبُّهُ اللهُ عَلَى هَوَى النَّفْسِ وَمُرَادِهَا.

وَفِي الْآخِرَةِ عِنْدَ الْمَوْتِ بِالثَّبَاتِ عَلَى الدِّينِ الْإِسْلَامِيِّ وَالْخَاتِمَةِ الْحَسَنَةِ.

وَفِي الْقَبْرِ عِنْدَ سُؤَالِ الْمَلَكَيْنِ لِلْجَوَابِ الصَّحِيحِ إِذَا قِيلَ لِلْمَيِّتِ: مَنْ رَبُّكَ؟ وَمَا دِينُكَ؟ وَمَنْ نَبِيُّكَ؟ هَدَاهُمْ لِلْجَوَابِ الصَّحِيحِ بِأَنْ يَقُولَ الْمُؤْمِنُ: ((اللهُ رَبِّي، وَالْإِسْلَامُ دِينِي، وَمُحَمَّدٌ نَبِيِّي)).

{وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ}: عَنِ الصَّوَابِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَا ظَلَمَهُمُ اللهُ، وَلَكِنَّهُمْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ».

وَقَدْ بَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْرَ الْكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ وَالْكَلِمَةِ الْخَبِيثَةِ، فَقَالَ ﷺ: «إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا؛ يَرْفَعُهُ اللهُ بِهَا دَرَجَاتٍ، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا؛ يَهْوِي بِهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ». أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ.

وَقَالَ ﷺ فِيمَا رَوَاهُ عَنْهُ أَبُو هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: «إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مَا يَتَبَيَّنُ فِيهَا؛ يَزِلُّ بِهَا إِلَى النَّارِ أَبْعَدَ مِمَّا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ بَيَانٌ شَافٍ لِشَأْنِ الْكَلِمَةِ، وَأَيْنَ تَبْلُغُ بِصَاحِبِهَا مِنْ دَرَجَاتِ الرِّضْوَانِ فِي الْجِنَانِ إِنْ كَانَتْ طَيِّبَةً، وَكَيْفَ تَهْوِي بِقَائِلِهَا دَرَكَاتٍ فِي الشَّقَاءِ وَالنَّارِ إِنْ كَانَتْ غَيْرَ طَيِّبَةٍ.

وَيَجِبُ الِابْتِعَادُ عَنْ كُلِّ أَلْوَانِ الْفُحْشِ فِي الْقَوْلِ، قَالَ ﷺ: ((إِنَّ اللهَ -تَعَالَى- يُبْغِضُ الْفَاحِشَ الْبَذِيءَ)) .

فَالْفَاحِشُ الْبَذِيءُ مَبْغُوضٌ مِنَ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ-؛ فَعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((إنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ فَاحِشٍ مُتَفَحِّشٍ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَحَسَّنَهُ الْأَلْبَانِيُّ فِي ((صَحِيحِ الْجَامِعِ)).

وَالْفَاحِشُ: ذُو الْفُحْشِ فِي كَلَامِهِ وَفَعَالِهِ.

وَالْمُتَفَحِّشُ: الَّذِي يَتَكَلَّفُ ذَلِكَ وَيَتَعَمَّدُهُ.

لَقَدْ بَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ الْقَوْلَ الطَّيِّبَ الْحَسَنَ لَا يَذْهَبُ سُدًى، وَلَا يَضِيعُ بَدَدًا، بَلْ صَاحِبُهُ مَأْجُورٌ عَلَيْهِ، مُثَابٌ عَلَى قَوْلِهِ؛ فَفِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ: «وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ».

 ((شَرِيعَةُ التَّيْسِيرِ وَالسَّمَاحَةِ وَالتَّبْشِيرِ))

((فِي ((الصَّحِيحَيْنِ)) عَنْ أَنَسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا، وَبَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا)).

وَمَا أَجَلَّ هَذَا الْحَدِيثَ وَأَنْفَعَهُ وَأَجْمَعَهُ لِكُلِّ خَيْرٍ! وَهُوَ يَجْمَعُ جَمِيعَ الْأَسْبَابِ الَّتِي تُنَشِّطُ الْعَامِلِينَ، وَتَبْعَثُ عَزَائِمَهُمْ عَلَى الْخَيْرِ، وَذَلِكَ أَنَّ الدَّاعِيَ إِلَى الْخَيْرِ لَا تَتِمُّ لَهُ الدَّعْوَةُ وَلَا تَحْصُلُ ثَمَرَاتُهَا الْمَطْلُوبَةُ مِنْهَا إِلَّا بِتَرْغِيبِ الْمَدْعُوِّينَ، وَتَذْكِيرِهِمْ بِالْأَسْبَابِ الْمُرَغِّبَةِ، وَإِبْعَادِ الْأَسْبَابِ الْمُثَبِّطَةِ حَسَبِ الْإِمْكَانِ، وَهِيَ كُلُّهَا مُجْتَمِعَةٌ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْجَلِيلِ؛ فَإِنَّ التَّيْسِيرَ لِأَعْمَالِ الْخَيْرِ، وَتَهْوِينَهَا عَلَى الْعَامِلِينَ، وَالِاقْتِنَاعَ بِمَا تَيَسَّرَ وَسَمَحَتْ بِهِ هِمَمُهُمْ وَعَزَائِمُهُمْ، وأَمْرَ كُلِّ عَبْدِ وَدَعَوْتَهُ بِمَا يُنَاسِبُ حَالَهُ وَتَقْتَضِيهِ نَفْسُهُ وَطَبِيعَتُهُ؛ لَا رَيْبَ أَنَّ فِي ذَلِكَ مِنَ النَّفْعِ وَسُهُولَةِ الْإِجَابَةِ إِلَيْهِ مَا فِيهِ؛ خُصُوصًا إِذَا ضُمَّ إِلَى التَّيْسِيرِ: التَّبْشِيرُ بِخَيْرِهِ وَثَمَرَاتِهِ الْعَاجِلَةِ وَالْآجِلَةِ، وَنَفْعِهِ اللَّازِمِ وَالْمُتَعَدِّي، فَسُلُوكُ طُرُقِ التَّيْسِيرِ وَالسُّهُولَةِ، وَتَبْشِيرُ الْعَامِلِينَ، وَتَرْغِيبُهُمْ لَا رَيْبَ فِي نَفْعِهِ.

وَأَمَّا سُلُوكُ الطَّرِيقِ الْمُضَادَّة لِهَذَا؛ مِنَ التَّعْسِيرِ، وَتَصْعِيبِ الْأُمُورِ عَلَى النَّاسِ، وَعَدَمِ قَبُولِ مَا جَاءَ مِنْهُمْ حَتَّى يَكْمُلَ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ؛ فَإِنَّهُ أَعْظَمُ مُنَفِّرٍ عَنِ الْخَيْرِ، وَأَعْظَمُ مُثَبِّطٍ وَمُكَسِّلٍ عَنِ الْخَيْرِ، وَالْوَاقِعُ وَالتَّجْرِبَةُ خَيْرُ شَاهِدٍ لِهَذَا.

أَلَا تَرَى أَنَّ الصَّلَاةَ وَهِيَ أَعْظَمُ شَرَائِعِ الدِّينِ، وَهِيَ الْعَمَلُ الَّذِي يَشْتَرِكُ فِيهِ جَمِيعُ الْمُسْلِمِينَ؛ قَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ فِيهَا بِمَا يَكُونُ سَهْلًا؛ حَتَّى عَلَى الْعَاجِزِينَ؟! حَيْثُ قَالَ: ((أَيُّهَا النَّاسُ! أَيُّكُمْ أَمَّ النَّاسَ فَلْيُخَفِّفْ؛ فَإِنَّ فِيهِمُ الصَّغِيرَ وَالْكَبِيرَ وَالْمَرِيضَ وَالضَّعِيفَ وَذَا الْحَاجَةِ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

 وَقَالَ لِإِمَامٍ أَمَرَهُ بِإِحْكَامِ الصَّلَاةِ: ((وَاقْتَدِ بِأَضْعَفِهِمْ)). أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَه بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ.

وَقَالَ أَنَسٌ كَمَا فِي ((الصَّحِيحَيْنِ)) : ((مَا صَلَّيْتُ وَرَاءَ إِمَامٍ قَطُّ أَخَفَّ صَلَاةً وَلَا أَتَمَّ صَلَاةً مِنَ النَّبِيِّ ﷺ )).

فَالتَّخْفِيفُ الَّذِي تَتِمُّ بِهِ الصَّلَاةُ، وَلَا يَحْصُلُ مِنْهُ إِخْلَالٌ بِشَيْءٍ مِنْ أُمُورِهَا؛ لَا شَكَّ فِي نَفْعِهِ، وَتَرْغِيبِهِ لِلْمُصَلِّي وَلِمَنْ يُصَلِّي خَلْفَهُ وَيَقْتَدِي بِهِ.

وَكَانَ ﷺ يَتَخَوَّلُ أَصْحَابَهُ بِالْمَوْعِظَةِ؛ مَخَافَةَ السَّآمَةِ عَلَيْهِمْ.

وَقَالَ ﷺ مُنْكِرًا عَلَى الْمُتَبَتِّلِينَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ اسْتِغْرَاقَ زَمَانِهِمْ بِالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالْخُشُونَةِ: ((أَمَّا أَنَا فَأُصَلِّي وَأَنَامُ، وَأَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَآكُلُ اللَّحْمَ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ؛ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَقَالَ ﷺ: ((إِنَّ لِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، فَآتِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ)) .

وَلَمَّا بَالَ الْأَعْرَابِيُّ الْجَاهِلُ فِي الْمَسْجِدِ، وَانْتَهَرَهُ النَّاسُ؛ زَجَرَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَتَرَكَهُ حَتَّى قَضَى بَوْلَهُ، ثُمَّ دَعَاهُ وَعَلَّمَهُ بِلُطْفٍ وَرِفْقٍ وَحُنُوٍّ، وَقَالَ: ((إِنَّ هَذِهِ الْمَسَاجِدَ لَا تَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنْ هَذَا الْقَذَرِ، إِنَّمَا بُنِيَتْ لِلصَّلَاةِ، وَالْقِرَاءَةِ، وَالذِّكْرِ، وَالْعِبَادَةِ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَلَمَّا أَغْلَظَ لَهُ بَعْضُ الْأَعْرَابِ الْجَافِينَ بِالْقَوْلِ، وَهَمَّ الصَّحَابَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- بِهِ؛ قَالَ ﷺ: ((دَعُوهُ))، ثُمَّ أَلَانَ لَهُ الْقَوْلَ، وَبَذَلَ لَهُ شَيْئًا مِنَ الْمَعْرُوفِ، فَانْقَادَ إِلَى الْحَقِّ، وَحَصَلَ الْمَقْصُودُ مِنْهُ.

وَهَكَذَا شَرِيعَتُهُ كُلُّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى السُّهُولَةِ وَالْيُسْرِ فِي ذَاتِهَا، وَأَحْكَامِهَا، وَشَرَائِعِهَا، وَفِي دَعْوَتِهَا لِلْخَلْقِ وَالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ».

فَلَا تُفَرِّطْ وَلَا تُفْرِطْ وَكُنْ وَسَطًا = وَمِثْلَ مَا أَمَرَ الرَّحْمَنُ فَاسْتَقِمِ

سَدِّدْ وَقَارِبْ وَأَبْشِرْ وَاسْتَعِنْ بِغُدُوٍّ = وَالرَّوَاحِ وَأَدْلِجْ قَاصِدًا وَدُمِ

فَمِثْلَ مَا خَانَتِ الْكَسْلَانَ هِمَّتُهُ = فَطَالَمَا حُرِمَ الْمُنْبَتُّ بِالسَّأَمِ

 ((فَارِقٌ بَيْنَ السَّمَاحَةِ وَالتَّوَاضُعِ وَبَيْنَ الْمَهَانَةِ))

عِبَادَ اللهِ! فَارِقٌ كَبِيرٌ بَيْنَ التَّسَامُحِ النَّاشِئِ عَنْ قُوَّةٍ وَالِاسْتِجْدَاءِ الَّذِي يَكُونُ مِنْ ضَعْفٍ، السَّيْفُ أَصْدَقُ أَنْبِاءً مِنَ الكُتُبِ.. نعم؛ إِنَّ الْحَقَّ مِنْ غَيْرِ قُوَّةٍ يَتِيمٌ لَطِيمٌ، الْحَقُّ مِنْ غَيْرِ قُوَّةٍ يَتِيمٌ لَطِيمٌ.

السَّيْفُ أَصْدَقُ أَنْباءً مِنَ الكُتُبِ  =   فِي حَدِّهِ الْحَدُّ بَيْنِ الْجِدِّ وَاللَّعِبِ

فَارِقٌ بَيْنَ التَّوَاضُعِ للهِ وَلِعِبَادِهِ وَالتَّسَامُحِ مَعَهُمْ وَبَيْنَ الْمَهَانَةِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «وَأُوحِيَ إليَّ أَنْ تَوَاضَعُوا؛ حَتَّى لَا يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ، وَلَا يَبْغِيَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

((التَّوَاضُعُ المَحْمُودُ نَوْعَان:

*الأَوَّلُ: تَوَاضُعُ الْعَبْدِ عِنْدَ أَمْرِ اللهِ امْتِثَالًا، وَعِنْدَ نَهْيِهِ اجْتِنَابًا؛ فَإِنَّ النَّفْسَ لِطَلَبِ الرَّاحَةِ تَتَلَكَّأُ فِي أَمْرِهِ، فَيَبْدُو مِنْهَا إِبَاءٌ وَشِرَادٌ هَرَبًا مِنَ الْعُبُودِيَّةِ، وَتَثْبُتُ عِنْدَ نَهْيِهِ طَلَبًا لِلظَّفَرِ بِمَا  مَنَعَ مِنْهُ، فَإِذَا تَوَاضَعَ العَبْدُ نَفْسُهُ لأَمْرِ اللهِ وَنَهْيِهِ؛ فَقَدْ تَوَاضَعَ لِلْعُبُودِيَّةِ.

*والنَّوْعُ الثَّانِي: تَوَاضُعُهُ لِعَظَمَةِ الرَّبِّ وَجَلَالِهِ، وَخُضُوعُهُ لِعِزَّتِهِ وَكِبْرِيَائِهِ، فَكُلَّمَا شَمَخَتْ نَفْسُهُ ذَكَرَ عَظَمَةَ الرَّبِّ وَتَفَرُّدَهُ بِذَلِكَ، وَغَضَبَهُ الشَّدِيدَ على مَنْ نَازَعَهُ ذَلِكَ، فَتَوَاضَعَتْ إِلَيْهِ نَفْسُهُ، وَانْكَسَرَ لِعَظَمَةِ اللهِ قَلْبُهُ، وَاطْمَأنَّ لِهَيْبَتِهِ، وَأَخْبَتَ لِسُلْطَانِهِ، فَهَذَا غَايَةُ التَّوَاضُعِ، وَهُوَ يَسْتَلْزِمُ الْأَوَّلَ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ، وَالْمُتَوَاضِعُ حَقِيقَةً مَنْ رُزِقَ الْأَمْرَيْنِ».

قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ -رَحِمَهُ اللهُ- : «الْفَرْقُ بَيْنَ التَّوَاضُعِ وَالْمَهَانَةِ: أَنَّ التَّوَاضُعَ يَتَوَلَّدُ مِنْ بَيْنِ الْعِلْمِ بِاللَّهِ -سُبْحَانَهُ-، وَمَعْرِفَةِ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، وَنُعُوتِ جَلَالِهِ، وَتَعْظِيمِهِ وَمَحَبَّتِهِ وَإِجْلَالِهِ، وَمِنْ مَعْرفَتِهِ بِنَفْسِهِ وَتَفَاصِيلِهَا، وَعُيُوبِ عَمَلِهَا وَآفَاتِهَا، فَيَتَوَلَّدُ مِنْ بَيْنِ ذَلِكَ كُلِّهِ خُلُقٌ، هُوَ التَّوَاضُعُ، وَهُوَ انْكِسَارُ الْقْلَبِ للهِ، وَخَفْضُ جَنَاحِ الذُّلِّ وَالرَّحْمَةِ بِعِبَادِهِ، فَلَا يَرَى لَهُ عَلَى أَحَدٍ فَضْلًا، وَلَا يَرَى لَهُ عِنْدَ أَحَدٍ حَقًّا، بَلْ يَرَى الْفَضْلَ لِلنَّاسِ عَلَيْهِ، وَالحُقُوقَ لَهُمْ قِبَلَهُ، وَهَذَا خُلُقٌ إِنَّمَا يُعْطِيهِ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- مَنْ يُحِبُّهُ وَيُكْرِمُهُ وَيُقَرِّبُهُ.

وَأَمَّا الْمَهَانَةُ: فَهِيَ الدَّنَاءَةُ وَالْخِسَّةُ، وَبَذْلُ النَّفْسِ وَابْتِذَالُهَا فِي نَيْلِ حُظُوظِهَا وَشَهَوَاتِهَا؛ كَتَوَاضُعِ السُّفَّلِ فِي نَيْلِ شَهَوَاتِهِم، وَتَوَاضُعِ الْمَفْعُولِ بِهِ للْفَاعِلِ، وَتَوَاضُعِ طَالِبِ كُلِّ حَظٍّ لِمَنْ يَرْجُو نَيْلَ حَظِّهِ مِنْهُ، فَهَذَا كُلُّهُ ضَعَةٌ لَا تَوَاضُعَ، وَاللهُ -سُبْحَانَهُ- يُحِبُّ التَّوَاضُعَ، وَيُبْغِضُ الضَّعَةَ وَالْمَهَانَةَ)).

قَالَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-:  {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} [الأعراف: 199].

خُذْ يَا رَسُولَ اللهِ وَيَا كُلَّ دَاعٍ إِلَى سَبِيلِ اللهِ مِنْ أُمَّتِهِ الْعَفْوَ عَمَّنْ أَسَاءَ إِلَيْكَ، وَلَا تَأْخُذِ التَّشَفِّيَ لِنَفْسِكَ بِالِانْتِقَامِ، وَمُعَاقَبَةِ الْمُسِيءِ عَلَى إِسَاءَتِهِ، وَلْيَكُنْ هَمُّكَ أَنْ تَأْمُرَ بِالْعَطَاءِ، وَمُسَاعَدَةِ ذَوِي الْحَاجَاتِ، وَفِعْلِ الْخَيْرِ مَعَ كُلِّ النَّاسِ.

وَقَابِلِ الَّذِينَ يَجْهَلُونَ عَلَيْكَ وَيَتَسَافَهُونَ بِالسِّبَابِ وَالشَّتَائِمِ وَقَبَائِحِ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ بَعْدَ الْعَفْوِ عَنْ إِسَاءَتِهِمْ إِذَا تَمَادَوْا فِي السَّفَاهَةِ بمجرد الْإِعْرَاضِ عَنْهُمْ بِإِعْطَاءِ جَانِبِ وَجْهِكَ وَجِسْمِكَ دُونَ إِدَارَةِ الظَّهْرِ لَهُمْ أَوْ مُوَاجَهَتِهِمْ.

 ((الِاصْطِفَافُ الْوَطَنِيُّ وَاجِبُ الْوَقْتِ))

أَيُّهَا الْمِصْرِيُّونَ! إِنَّ الْغَرْبَ وَحُلَفَاءَهُ فِي دَاخِلِ مِصْرَ وَخَارِجِهَا لَمْ يَنَامُوا عَنْكُمْ وَإِنْ نِمْتُمْ، وَلَمْ يَغْفُلُوا عَنْكُمْ وَقَدْ غَفَلْتُمْ، وَلَنْ يَكُفُّوا عَنْكُمْ حَتَّى تَسْكُنُوا الْخِيَامَ، وَتَفْتَرِشُوا التُّرَابَ، وَتَلْتَحِفُوا السَّمَاءَ مُهَاجِرِينَ عَلَى حُدُودِ بَلَدِكُمْ كَمَا صُنِعَ بِأَهْلِ سُورِيَّا وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ!!

أَيُّهَا الْمِصْرِيُّونَ! إِنَّ الْمَصْلَحَةَ الْعُلْيَا تَفْرِضُ عَلَيْكُمُ الْآنَ أَنْ تَتْرُكُوا خِلَافَاتِكُمُ الصَّغِيرَةَ، وَتَرْتَفِعُوا فَوْقَ نِزَاعَاتِكُمُ الْقَلِيلَةِ، وَتَصْطَفُّوا خَلْفَ قِيَادَتِكُمُ الْبَصِيرَةِ.

وَلَا يُجَادِلُ إِلَّا مُكَابِرٌ فِي هَذِهِ الْحَقِيقَةِ، وَهِيَ: أَنَّ الْمِصْرِيِّينَ فِي هَذَا الظَّرْفِ التَّارِيخِيِّ الْعَصِيبِ الَّذِي تَمُرُّ بِهِ مِصْرُ؛ لَنْ يَجِدُوا أَفْضَلَ وَلَا أَبْصَرَ وَلَا أَقْدَرَ عَلَى مُوَاجَهَةِ التَّحَدِّيَاتِ، وَمُجَابَهَةِ الصِّعَابِ مِنْ قِيَادَتِهِمُ الَّتِي قَدَّرَ اللهُ أَنْ تَحْمِلَ الْأَمَانَةَ، وَتَطَّلِعَ بِأَعْبَائِهَا فِي هَذِهِ الْفَتْرَةِ الَّتِي هِيَ أَدَقُّ وَأَخْطَرُ الْفَتَرَاتِ فِي تَارِيخِ مِصْرَ الْمُعَاصِرِ.

لَيْسَ يُطْلَبُ مِنْكُمْ -أَيُّهَا الْمِصْرِيُّونَ- سِوَى الثِّقَةِ فِي قِيَادَتِكُمْ، وَالْاصْطِفَافِ خَلْفَهَا صَفًّا وَاحِدًا مُتَمَاسِكًا، وَالْحِفَاظِ عَلَى سَفِينَةِ الْوَطَنِ الَّتِي تَعْوِي حَوْلَهَا الْعَوَاصِفُ، وَتَتَلَاطَمُ بِجَنَبَاتِهَا الْأَمْوَاجُ، وَوَيْلٌ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَخْرِقَ السَّفِينَةَ لِيُغْرِقَ أَهْلَهَا، وَيْلٌ لَهُ، ثُمَّ وَيْلٌ لَهُ..

أَيُّهَا الْمِصْرِيُّونَ! إِنَّ مَا عِنْدَ اللهِ لَا يُنَالُ إِلَّا بِطَاعَتِهِ، وَمَا نَزَلَ بَلَاءٌ إِلَّا بِذَنْبٍ، وَلَا رُفِعَ إِلَّا بِتَوْبَةٍ؛ فَلْنَتُبْ إِلَى اللهِ مِنْ ذُنُوبِنَا، وَلْنَسْتَقِمْ عَلَى أَمْرِ رَبِّنَا، وَلْنَتَّبِعْ هَدْيَ نَبِيِّنَا، وَمِنْ هَدْيِهِ ﷺ: أَنْ نَحْتَرِمَ وُلَاةَ أُمُورِنَا، وَأَنْ نُمْسِكَ أَلْسِنَتَنَا عَنْهُمْ، وَأَنْ نَجْتَهِدَ فِي الدُّعَاءِ لَهُمْ، وَأَنْ نُطِيعَهُمْ فِي الْمَعْرُوفِ، وَأَلَّا نَخْرُجَ عَلَيْهِمْ.

اتَّقُوا اللهَ فِي دِينِكُمْ، وَاتَّقُوا اللهَ فِي بَلَدِكُمْ، وَاتَّقُوا اللهَ فِي مُسْتَقْبَلِ أَوْلَادِكُمْ وَحَفَدَتِكُمْ، وَلَا تُضَيِّعُوا الْمَوْجُودَ لِوَهْمِ تَحْصِيلِ الْمَفْقُودِ، وَلَا تَتَّبِعُوا السَّرَابَ الَّذِي يَقُودُ إِلَى الْخَرَابِ، وَأَحْسِنُوا يُحْسِنِ اللهُ إِلَيْكُمْ.

أَيُّهَا الْمِصْرِيُّونَ! تَحَمَّلُوا مَسْئُولِيَّتَكُمْ، وَأَدُّوا أَمَانَتَكُمْ، وَاصْبِرُوا وَصَابِرُوا، وَدَعُوا خِلَافَاتِكُمْ جَانِبًا، وَاجْعَلُوهَا تَحْتَ مَوَاطِئِ أَقْدَامِكُمْ، فَالْأَمْرُ جِدٌّ، وَالظَّرْفُ دَقِيقٌ، وَالْمَخَاطِرُ جَمَّةٌ، وَالطَّرِيقُ وَعْرٌ مَخُوفٌ، وَاللهُ يَرْعَاكُمْ، وَيُسَدِّدُ خُطَاكُمْ، وَيُسَلِّمُكُمْ وَيُسَلِّمُ بَلَدَكُمْ مِنْ كُلِّ سُوءٍ.

إِنَّ مِصْرَ فِي هَذَا الْعَصْرِ هِيَ حَائِطُ الصَّدِّ لِلْإِلْحَادِ وَالزَّيْغِ وَالتَّكْفِيرِ وَالْإِرْهَابِ وَالْعُنْفِ، وَوَرَاءَ مِصْرَ فِي هَذَا الْعَصْرِ -كَمَا كَانَ فِي عُصُورٍ خَلَتْ- أَقْطَارٌ وَدُوَلٌ إِسْلَامِيَّةٌ، جَعَلَ اللهُ ثَبَاتَهَا عَلَى الدِّينِ، وَتَمَاسُكَ بُنْيَانِهَا، وَاسْتِقْرَارَ أَهْلِهَا؛ جَعَلَ اللهُ ذَلِكَ رَهْنًا بِثَبَاتِ مِصْرَ وَتَمَاسُكِهَا وَاسْتِقْرَارِهَا.

اصْبِرُوا أَيُّهَا الْمِصْرِيُّونَ عَلَى الْمُعَانَاةِ مَعَ حِفْظِ الْأَرْوَاحِ وَالْأَعْرَاضِ، فَهُوَ خَيْرٌ مِنَ الصَّبْرِ عَلَى الْمُعَانَاةِ مَعَ ضَيَاعِهِمَا.

وَاللهُ يَتَوَلَّاكُمْ، وَيَجْمَعُ شَمْلَكُمْ، وَيُوَحِّدُ كَلِمَتَكُمْ عَلَى الدَّعْوَةِ إِلَى التَّوْحِيدِ وَالِاتِّبَاعِ، وَهُوَ تَعَالَى الْهَادِي إِلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ.

اللهم احْفَظْ مِصْرَ قِيَادَةً وَشَعْبًا، وَجَيْشًا وَأَمْنًا، وَدِيَارًا وَأَرْضًا وَنَهْرًا، وَأَنْتَ الْحَفِيظُ الْعَزِيزُ.

اللهم احْفَظْ مِصْرَ وَجَمِيعَ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْفِتَنِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَأَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِ أَبْنَائِهَا، وَوَحِّدْ صَفَّهُمْ، وَسَدِّدْ وُلَاةَ أُمُورِهِمْ، وَوَفِّقْهُمْ لِمَا فِيهِ خَيْرُ الْبِلَادِ وَالْعِبَادِ.

وَصَلَّى اللَّـهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ.

 

المصدر: السَّمَاحَةُ عَقِيدَةً وَسُلُوكًا

التعليقات


خطب مفرغة قد تعجبك


  اسْتِقْبَالُ رَمَضَانَ
  الْإِيمَانُ وَالْعِلْمُ
  مَظَاهِرُ الْإِيجَابِيَّةِ فِي الْإِسْلَامِ
  الْأَسْبَابُ الظَّاهِرَةُ وَالْبَاطِنَةُ لِرَفْعِ الْبَلَاءِ وَوُجُوبُ طَاعَةِ وَلِيِّ الْأَمْرِ
  أُمَّةُ اقْرَأْ.. أُمَّةُ أَتْقِنْ..بَيْنَ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ وَعُلَمَاءِ الْفِتْنَةِ
  خِدْمَةُ الْمُجْتَمَعِ بَيْنَ الْعَمَلِ التَّطَوُّعِيِّ وَالْوَاجِبِ الْكِفَائِيِّ وَالْعَيْنِيِّ
  الْمَفْهُومُ الْأَوْسَعُ لِلصَّدَقَةِ
  أَمَانَةُ الْكَلِمَةِ
  حقيقة ما يحدث في مصر
  الرد على الملحدين:مقدمة عن الإلحاد والأسباب التي دعت إلى انتشاره في العصر الحديث
  • شارك

نبذة عن الموقع

موقع تفريغات العلامة رسلان ، موقع يحتوي على العشرات من الخطب والمحاضرات والمقاطع المفرغة لفضيلة الشيخ العلامة أبي عبدالله محمد بن سعيد رسلان-حفظه الله- . كما يعلن القائمون على صفحة وموقع تفريغات العلامة رسلان -حفظه الله- أن التفريغات للخطب ليست هي الشكل النهائي عند الطباعة، ولكن نحن نفرغ خطب الشيخ حفظه الله ونجتهد في نشرها ليستفيد منها طلاب العلم والدعاة على منهاج النبوة في كل أنحاء الدنيا، ونؤكد على أنَّ الخطب غير مُخرَّجة بشكل كامل كما يحدث في خطب الشيخ العلامة رسلان المطبوعة وليست الكتب المنشورة على الصفحة والموقع هي النسخة النهائية لكتب الشيخ التي تُطبع...وهذه الكتب ما هي إلا تفريغ لخطب الشيخ، غير أنَّ كتب الشيخ التي تُطبع تُراجع من الشيخ -حفظه الله- وتُخرج. والتفريغ عملٌ بشريٌ، ونحن نجتهد في مراجعة التفريغات مراجعة جيدة، فإذا وقع خطأ أو شكل الخطب كما نخرجها -إنما نُحاسب نحن عليها والخطأ يُنسب لنا وليس للشيخ -حفظه الله-.

الحقوق محفوظة لكل مسلم موقع تفريغات العلامة رسلان