((أَنْزِلُوا النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ!))
إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ.
أَمَّا بَعْدُ:
فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.
أَمَّا بَعْدُ:
((أَنْزِلُوا النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ!))
فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُنْزِلُ النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ..
نُنْزِلُ النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ.. ذَلِكَ فِي جَمِيعِ الْمُعَامَلَاتِ، وَجَمِيعِ الْمُخَاطَبَاتِ، وَالتَّعَلُّمِ وَالتَّعْلِيمِ..
((أَنْزِلُوا النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
هَذَا حَدِيثٌ ضَعِيفٌ.
نَحْنُ نَنُصُّ عَلَى ضَعْفِ هَذَا الْحَدِيثِ، نَقُولُ: هَذَا حَدِيثٌ ضَعِيفٌ؛ إِذَنْ لَا تُؤْخَذُ الْأَحْكَامُ مِنْهُ، وَلَكِنْ قَدْ يَشْهَدُ لِمَعْنَى الْحَدِيثِ غَيْرُهُ مِنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي قَدْ تَكُونُ فِي ((الصَّحِيحَيْنِ)).
فَهَلْ هَذَا الْمَعْنَى: ((أَنْزِلُوا النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ)) هَلْ هَذَا مِنَ الْحِكْمَةِ؟ الْحَدِيثُ ضَعِيفٌ؛ إِذَنْ لَيْسَ مِنْ كَلَامِ الرَّسُولِ، لَا يُقْطَعُ بِأَنَّهُ مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ ﷺ.
تَبْقَى مَعْنَى هَذِهِ الْجُمْلَةِ: ((أَنْزِلُوا النَّاسِ مَنَازِلَهُمْ))، هَلْ هَذِهِ الْكَلِمَةُ مِنَ الْحِكْمَةِ، هَلْ تَشْهَدُ لَهَا النُّصُوصُ أَوْ لَا تَشْهَدُ لَهَا النُّصُوصُ؟
إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُنْزِلُ النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِصَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ: ((انْزِلْ يَا أَبَا وَهْبٍ!)).
وَكَانَ لَمَّا يَزَلْ كَافِرًا بَعْدُ، لَمْ يَكُنْ قَدْ أَسْلَمَ بَعْدُ.
النَّبِيُّ ﷺ قَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ: ((يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ يُحِبُّ الْفَخْرَ، فَاجْعَلْ لَهْ شَيْئًا)).
فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ))، بَعْدَ أَنْ قَالَ: ((مَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَهُوَ آمِنٌ، مَنْ أَغْلَقَ عَلَيْهِ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ))، ثُمَّ قَالَ ﷺ: ((مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ)).
قَالَتْ امْرَأَتُهُ: ((وَيْحَكَ! مَا تُغْنِي عَنَّا دَارُكَ؟!)).
هَلْ تَأْتِي قُرَيْشٌ كُلُّهَا بِقَضِّهَا وَقَضِيضِهَا وَعُدَّتِهَا وَعَتَادِهَا لِكَيْ تَدْخُلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ؟!
((وَلَكِنِ اجْعَلْ لَهُ شَيْئًا)).
فَذَكَرَهُ الرَّسُولُ ﷺ بِتِلْكَ الْجُمْلَةِ، ((وَمَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ)).
مَا الَّذِي يَجْعَلُ الْإِنْسَانَ يَذْهَبُ إِلَى دَارِ أَبِي سُفْيَانَ وَهُوَ لَوْ بَقِيَ فِي دَارِهِ وَأَغْلَقَ عَلَيْهِ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ؟ لِمَاذَا يَتْرُكُ دَارَهُ لِيَذْهَبَ إِلَى دَارِ أَبِي سُفْيَانَ؟!
وَكَذَلِكَ مَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَهُوَ آمِنٌ.
((وَلَكِنْ إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ يُحِبُّ الْفَخْرَ فَاجْعَلْ لَهُ شَيْئًا)).
فَهَذِهِ قَاعِدَةٌ عَظِيمَةٌ فِي الدَّعْوَةِ إِلَى اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-.. عِنْدَ الدَّعْوَةِ إِلَى اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- نَسْتَعْمِلُ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ؛ فَنُنْزِلُ النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ، ((أَقِيلُوا ذَوِي الْهَيْئَاتِ عَثْرَاتِهِمْ إِلَّا الْحُدُودَ)).
إِذَنْ؛ هَذَا الْمَعْنَى تَشْهَدُ لَهُ النُّصُوصُ، وَهُوَ مِنْ قَوْلِ الْحِكْمَةِ، لَا نَقْطَعُ بِأَنَّهُ مِنْ كَلَامِ الرَّسُولِ ﷺ؛ لِضَعْفِ الْحَدِيثِ.
(( ((أَنْزِلُوا النَّاسِ مَنَازِلَهُمْ))، يَا لَهُ مِنْ كَلَامٍ حَكِيمٍ، فِيهِ الْحَثُّ عَلَى مُرَاعَاةِ الْحِكْمَةِ؛ فَإِنَّ الْحِكْمَةَ وَضْعُ الْأَشْيَاءِ مَوَاضِعَهَا، وَتَنْزِيلُهَا مَنَازِلَهَا، وَاللهُ -تَعَالَى- حَكِيمٌ فِي خَلْقِهِ وَتَقْدِيرِهِ، وَحَكِيمٌ فِي شَرْعِهِ وَأَمْرِهِ وَنَهْيِهِ، وَقَدْ أَمَرَ عِبَادَهُ بِالْحِكْمَةِ وَمُرَاعَاتِهَا فِي كُلِّ شَيْءٍ.
نُنْزِلُ النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ.. ذَلِكَ فِي جَمِيعِ الْمُعَامَلَاتِ، وَجَمِيعِ الْمُخَاطَبَاتِ، وَالتَّعَلُّمِ وَالتَّعْلِيمِ.
فَمِنْ ذَلِكَ: أَنَّ النَّاسَ قِسْمَانِ:
* قِسْمٌ لَهُمْ حَقٌّ خَاصٌّ، كَالْوَالِدَيْنِ، وَالْأَوْلَادِ، وَالْأَقَارِبِ، وَالْجِيرَانِ، وَالْأَصْحَابِ، وَالْعُلَمَاءِ، وَالْمُحْسِنِينَ بِحَسَبِ إِحْسَانِهِمُ الْعَامِّ وَالْخَاصِّ.
فَهَذَا الْقِسْمُ تَنْزِيلُهُمْ مَنَازِلَهُمْ: الْقِيَامُ بِحُقُوقِهِمُ الْمَعْرُوفَةِ شَرْعًا وَعُرْفًا، مِنَ الْبِرِّ وَالصِّلَةِ، وَالْإِحْسَانِ، وَالتَّوْقِيرِ، وَالْوَفَاءِ، وَالْمُوَاسَاةِ، وَجَمِيعِ مَا لَهُمْ مِنَ الْحُقُوقِ.
فَهَؤُلَاءِ يُمَيَّزُونَ عَنْ غَيْرِهِمْ بِهَذِهِ الْحُقُوقِ الْخَاصَّةِ.
* وَقِسْمٌ لَيْسَ لَهُمْ مَزِيَّةُ اخْتِصَاصٍ بِحَقٍّ خَاصٍّ، وَإِنَّمَا لَهُمْ حَقُّ الْإِسْلَامِ وَحَقُّ الْإِنْسَانِيَّةِ.
فَهَؤُلَاءِ حَقُّهُمُ الْمُشْتَرَكُ: أَنْ تَمْنَعَ عَنْهُمُ الْأَذَى وَالضَّرَرَ بِقَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ، وَأَنْ تُحِبَّ لِلْمُسْلِمِينَ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ مِنَ الْخَيْرِ، وَتَكْرَهَ لَهُمْ مَا تَكْرَهُ لَهَا مِنَ الشَّرِّ.
بَلْ يَجِبُ مَنْعُ الْأَذَى عَنْ جَمِيعِ نَوْعِ الْإِنْسَانِ، وَإِيصَالُ مَا تَقْدِرُ عَلَيْهِ لَهُمْ مِنَ الْإِحْسَانِ)).
النَّبِيُّ ﷺ فِي قَوْلِهِ: ((الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ))، ذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ سَلَامَةَ الْمُسْلِمِينَ.. لِمَ؟!
لِأَنَّ الْغَالِبَ الْعَامَّ أَنَّ الْمُسْلِمَ يَحْيَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، فَلَمْ يَذْكُرِ النَّبِيُّ ﷺ غَيْرَ الْمُسْلِمِينَ، وَهُمْ دَاخِلُونَ فِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَصَّصَ الْمُسْلِمِينَ بِالذِّكْرِ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ الْمُسْلِمَ يَحْيَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَلَكِنْ لَوْ كَانَ -أَيْضًا- مِنْ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَسْلَمُوا مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، غَيْرَ الْمُسْلِمِينَ يَسْلَمُونَ مِنَ الْمُسْلِمِ مِنْ لِسَانِهِ وَمِنْ يَدِهِ؛ لَا يَعْتَدِي عَلَيْهِمْ، لَا يَمُسُّهُمْ بِسُوءٍ، لَا يَأْخُذُ أَمْوَالَهُمْ بِغَيْرِ حَقٍّ، لَا يَسْتَبِيحُ أَعْرَاضَهُمْ، وَلَا يَعْتَدِي عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَلَا عَلَى أَبْشَارِهِمْ وَلَا عَلَى نِسَائِهِمْ وَأَعْرَاضِهِمْ، هَذَا لَا يَجُوزُ، هَذَا كُلُّهُ حَرَّمَهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ عَلَى الْمُسْلِمِ.
((الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ))، فَخَصَّ اللِّسَانَ وَالْيَدَ بِالذِّكْرِ مَعَ أَنَّ الْأَذَى يُمْكِنُ أَنْ يَصِلَ إِلَى الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرِ الْمُسْلِمِينَ بِغَيْرِ اللِّسَانِ، وَكَذَلِكَ بِغَيْرِ الْيَدِ، فَيُمْكِنُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يُوصِلَ الْأَذَى بِغَيْرِ الْيَدِ وَاللِّسَانِ، وَلَكِنْ خَصَّ النَّبِيُّ ﷺ اللِّسَانَ بِالذِّكْرِ؛ لِأَنَّهُ أَوْسَعُ الْأَعْضَاءِ إِيصَالًا لِلْأَذَى، فَيَسْتَطِيعُ اللِّسَانُ أَنْ يَنَالَ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ جَمِيعًا، يَسْتَطِيعُ اللِّسَانُ أَنْ يَسُبَّ أُمَّةً بِمَجْمُوعِهَا، يَسْتَطِيعُ اللِّسَانُ أَنْ يَسُبَّ الْأَحْيَاءَ وَأَنْ يَسُبَّ الْأَمْوَاتَ، وَأَنْ يَصِلَ الْأَذَى بِاللِّسَانِ إِلَى كُلِّ إِنْسَانٍ.
فَالنَّبِيُّ ﷺ خَصَّ اللِّسَانَ بِالذِّكْرِ؛ لِاتِّسَاعِ ضَرَرِهِ وَشُمُولِهِ وَعُمْقِ أَثَرِ ذَلِكَ فِي النَّاسِ؛ لِأَنَّ جِرَاحَاتِ السِّنَانِ لَهَا الْتِئَامٌ وَلَا يَلْتَامُ مَا جَرَحَ اللِّسَانُ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ الْقَدِيمُ:
جِرَاحَاتُ السِّنَانِ لَهَا الْتِئَامٌ = وَلَا يَلْتَامُ مَا جَرَحَ اللِّسَانُ
الْإِنْسَانُ قَدْ يُجْرَحُ فِي جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ جَسَدِهِ، هَذَا الْجُرْحُ مَعَ الْوَقْتِ يَبْرَأُ وَيَلْتَئِمُ، وَأَمَّا جُرْحُ اللِّسَانِ فَإِنَّهُ لَا يَلْتَئِمُ.
جِرَاحَاتُ السِّنَانِ لَهَا الْتِئَامٌ = وَلَا يَلْتَامُ مَا جَرَحَ اللِّسَانُ
فَخَصَّهُ الرَّسُولُ ﷺ بِالذِّكْرِ.
وَالْيَدُ فِي الْجُمْلَةِ وَالْعَادَةِ هِيَ الَّتِي يَتَوَصَّلُ بِهَا الْأَذَى لِلْغَيْرِ، فَذَكَرَهَا الرَّسُولُ ﷺ.
إِذَنْ؛ يَنْبَغِي عَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يَكُفَّ شَرَّهُ عَنِ النَّاسِ.
الْمُسْلِمُ الْحَقُّ هُوَ الَّذِي يَسْلَمُ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ؛ لَا يُعَيِّرُ النَّاسَ، وَلَا يَتَنَقَّصُهُمْ، وَلَا يَتَنَاوَلُ أَعْرَاضَهُمْ، لَا يَنِمُّ بَيْنَهُمْ، وَلَا يَكْذِبُ عَلَيْهِمْ، وَلَا يَسْعَى بَيْنَهُمْ بِالْخَدِيعَةِ مِنْ أَجْلِ أَنْ يَأْخُذَ أَمْوَالَهُمْ.
عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَتَّقِيَ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- فِي الْمُسْلِمِينَ، وَلْيَعْلَمْ أَنَّ الْمُسْلِمَ كَمَا قَالَ الرَّسُولُ ﷺ: ((إِنَّ الْمُسْلِمَ لِلْمُسْلِمِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا -وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ- ﷺ )).
إِذَنْ؛ لَا بُدَّ أَنْ تُحِبَّ لِلْمُسْلِمِينَ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ مِنَ الْخَيْرِ، وَأَنْ تَكْرَهُ لِلُمْسِلِمِينَ مَا تَكْرَهُ لِنَفْسِكَ مِنَ الشَّرِّ، بَلْ يَجِبُ مَنْعُ الْأَذَى عَنْ جَمِيعِ نَوْعِ الْإِنْسَانِ، وَيَجِبُ إِيصَالُ مَا تَقْدِرُ عَلَيْهِ لَهُمْ مِنَ الْإِحْسَانِ.
((كَيْفَ نُنْزِلُ النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ؟))
((وَمِمَّا يَدْخُلُ فِي هَذَا -فِي إِنْزَالِ النَّاسِ مَنَازِلَهُمْ-: أَنْ يُعَاشِرَ الْخَلْقَ بِحَسَبِ مَنَازِلِهْمْ.
فَالْكَبِيرُ لَهُ التَّوْقِيرُ وَالِاحْتِرَامُ.
وَالصَّغِيرُ يُعَامَلُ بِالرَّحْمَةِ وَالرِّقَّةِ الْمُنَاسِبَةِ لِحَالِهِ.
وَالنَّظِيرُ يُعَامِلُهُ الْمَرْءُ بِمَا يُحِبُّ أَنْ يُعَامِلَهُ النَّظِيرُ بِهِ.
وَلِلْأُمَّ حَقٌّ خَاصٌّ بِهَا، وَلِلزَّوْجَةِ حَقٌّ آخَرُ.
وَيُعَامِلُ مَنْ يُدِلُّ عَلَيْهِ وَيَثِقُ بِهِ وَيَتَوَسَّعُ مَعَهُ، مَا لَا يُعَامِلُ بِهِ مَنْ لَا يَثِقُ بِهِ وَلَا يُدِلُّ عَلَيْهِ.
وَيَتَكَلَّمُ مَعَ الْمُلُوكِ وَأَرْبَابِ الرِّئَاسَةِ بِالْكَلَامِ اللَّيِّنِ الْمُنَاسِبِ لِمَرَاتِبِهِمْ، وَلِهَذَا قَالَ -تَعَالَى- لِمُوسَى وَهَارُونَ: {اذْهَبَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ (43) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ} [طه:٤٣-٤٤].
وَيُعَامِلُ الْعُلَمَاءَ بِالتَّوْقِيرِ وَالْإِجْلَالِ وَالتَّعَلُّمِ، وَالتَّوَاضُعِ لَهُمْ، وَإِظْهَارِ الِافْتِقَارِ وَالْحَاجَةِ إِلَى عِلْمِهِمُ النَّافِعِ، وَكَثْرةِ الدُّعَاءِ لَهُمْ، خُصُوصًا وَقْتَ تَعْلِيمِهِمْ وَفَتْوَاهُمُ الْخَاصَّةِ وَالْعَامَّةِ.
وَمِنْ ذَلِكَ: أَمْرُ الصِّغَارَ بِالْخَيْرِ، وَنَهْيُهُمْ عَنِ الشَّرِّ بِالرِّفْقِ وَالتَّرْغِيبِ، وَبَذْلُ مَا يُنَاسِبُ مِنَ الدُّنْيَا لِتَنْشِيطِهِمْ وَتَوْجِيهِهِمْ إِلَى الْخَيْرِ، وَاجْتِنَابُ الْعُنْفِ الْقَوْلِيِّ وَالْفِعْلِيِّ.
وَلِهَذَا قَالَ ﷺ: ((مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ لِسَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا لِعَشْرٍ)). أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ.
لَيْسَ فِي الدِّينِ أَمْرٌ هُوَ أَكْبَرُ مِنْ أَمْرِ الصَّلَاةِ بَعْدَ تَوْحِيدِ الرَّبِّ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، فَالصَّلَاةُ أَكْبَرُ مَأْمُورٍ بَعْدَ التَّوْحِيدِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَالنَّبِيُّ ﷺ لَمْ يَأْذَنْ بِالْعِقَابِ بِالضَّرْبِ لِتَارِكِهَا مِنَ الصِّغَارِ حَتَّى يَبْلُغَ الْعَشْرَ، وَلَمَّا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، وَلَيْسَ هُنَالِكَ مَا هُوَ أَكْبَرُ مِنَ الصَّلَاةِ وَلَمْ يُؤْذَنْ بِالضَّرْبِ عَلَى الْإِسَاءَةِ فِيهِ، دَلَّ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الضَّرْبُ دُونَ الْعَشْرِ عَلَى أَمْرٍ مِنَ الْأُمُورِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ الْأَمْرُ بِالضَّرْبِ لَا يَكُونُ إِلَّا عِنْدَ الْعَشْرِ مِنَ السَّنَوَاتِ عَلَى تَرْكِ الصَّلَاةِ، فَكُلُّ أَمْرٍ هُوَ دُونَ الصَّلَاةِ مَهْمَا وَقَعَتِ الْإِسَاءَةُ وَالْمُخَالَفَةُ فَالَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْعِقَابُ بِغَيْرِ الضَّرْبِ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ مَفْهُومُ هَذَا الْحَدِيثِ.
وَكَذَلِكَ سَلَكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَعَ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ -مِنَ الْعَطَاءِ الدُّنْيَوِيِّ الْكَثِيرِ- مَا يَحْصُلُ بِهِ التَّأْلِيفُ، وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ الْمَصَالِحِ، وَلَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ مَعَ مَنْ هُوَ مَعْرُوفٌ بِالْإِيمَانِ الصَّادِقِ؛ تَنْزِيلًا لِلنَّاسِ مَنَازِلَهُمْ.
كَانَ النَّبِيُّ ﷺ -أَحْيَانًا- يَدَعُ الرَّجُلَ مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ وَالْخَيْرِ فَلَا يُعْطِيهِ، وَيُعْطِي مَنْ هُوَ دُونَهُ، وَالْأَوَّلُ أَحَبُّ إِلَيْهِ، فَيَكُونُ أَكْثَرَ إِيمَانًا وَأَكْثَرَ مَحَبَّةً، وَمَعَ ذَلِكَ لَا يُعْطِيهِ، وَيُعْطِي النَّبِيُّ ﷺ مَنْ دُونَهُ؛ لِيَتَأَلَّفَ قَلْبَهُ، وَيَدَعُ الْأَوَّلَ لِإِيمَانِهِ، كَمَا فَعَلَ الرَّسُولُ ﷺ مَعَ الْأَنْصَارِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ-؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَزَّعَ كَثِيرًا مِنَ الْغَنَائِمِ عَلَى الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ، فَكَانَ يُعْطِي عَطَاءَ مَنْ لَا يَخْشَى الْفَقْرَ، وَتَرَكَ الْأَنْصَارَ فَلَمْ يُعْطِهِمْ شَيْئًا، وَحِينَئِذٍ وَجَدَ الْأَنْصَارُ فِي قُلُوبِهِمْ، فَحُمِلَ ذَلِكَ إِلَى الرَّسُولِ ﷺ، فَأَمَرَ بِجَمْعِهِمْ فِي مَكَانٍ، فَجُمِعُوا لَهُ، وَدَخَلَ عَلَيْهِمُ النَّبِيُّ ﷺ، فَذَكَّرَهُمْ أَوَّلًا بِمِنَّةِ اللهِ عَلَيْهِمْ بِإِرْسَالِهِ إِلَيْهِمْ.
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: ((لَمَّا أَعْطَى رَسُولُ اللَّه ﷺ مَا أَعْطَى مِنْ تِلْكَ الْعَطَايَا فِي قُرَيْشٍ وَقَبَائِلِ الْعَرَبِ، وَلَمْ يَكُنْ فِي الْأَنْصَارِ مِنْهَا شَيْءٌ، وَجَدَ هَذَا الْحَيُّ مِنْ الْأَنْصَارِ فِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى كَثُرَتْ فِيهِمْ الْقَالَةُ، حَتَّى قَالَ قَائِلُهُمْ: لَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَوْمَهُ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ فَقَالَ: ((يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ هَذَا الْحَيَّ قَدْ وَجَدُوا عَلَيْكَ فِي أَنْفُسِهِمْ لِمَا صَنَعْتَ فِي هَذَا الْفَيْءِ الَّذِي أَصَبْتَ، قَسَمْتَ فِي قَوْمِكَ، وَأَعْطَيْتَ عَطَايَا عِظَامًا فِي قَبَائِلِ الْعَرَبِ، وَلَمْ يَكُنْ فِي هَذَا الْحَيِّ مِنَ الْأَنْصَارِ شَيْءٌ)).
قَالَ: ((فَأَيْنَ أَنْتَ مِنْ ذَلِكَ يَا سَعْدُ؟)).
قَالَ: ((يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا أَنَا إِلَّا امْرُؤٌ مِنْ قَوْمِي، وَمَا أَنَا)).
قَالَ: ((فَاجْمَعْ لِي قَوْمَكَ فِي هَذِهِ الْحَظِيرَةِ)).
قَالَ: فَخَرَجَ سَعْدٌ فَجَمَعَ النَّاسَ فِي تِلْكَ الْحَظِيرَةِ، قَالَ: فَجَاءَ رِجَالٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ فَتَرَكَهُمْ فَدَخَلُوا، وَجَاءَ آخَرُونَ فَرَدَّهُمْ، فَلَمَّا اجْتَمَعُوا أَتَاهُ سَعْدٌ فَقَالَ: ((قَدِ اجْتَمَعَ لَكَ هَذَا الْحَيُّ مِنْ الْأَنْصَارِ)).
قَالَ: ((فَأَتَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِالَّذِي هُوَ لَهُ أَهْلٌ، ثُمَّ قَالَ: ((يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ! مَا قَالَةٌ بَلَغَتْنِي عَنْكُمْ وَجِدَةٌ وَجَدْتُمُوهَا فِي أَنْفُسِكُمْ، أَلَمْ آتِكُمْ ضُلَّالًا فَهَدَاكُمْ اللَّهُ، وَعَالَةً فَأَغْنَاكُمْ اللَّهُ، وَأَعْدَاءً فَأَلَّفَ اللَّهُ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ؟!)).
قَالُوا: ((بَلِ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ وَأَفْضَلُ)).
قَالَ: ((أَلَا تُجِيبُونَنِي يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ؟)).
قَالُوا: ((وَبِمَاذَا نُجِيبُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ الْمَنُّ وَالْفَضْلُ)).
قَالَ: ((أَمَا -وَاللَّهِ- لَوْ شِئْتُمْ لَقُلْتُمْ فَلَصَدَقْتُمْ وَصُدِّقْتُمْ، أَتَيْتَنَا مُكَذَّبًا فَصَدَّقْنَاكَ، وَمَخْذُولًا فَنَصَرْنَاكَ، وَطَرِيدًا فَآوَيْنَاكَ، وَعَائِلًا فَأَغْنَيْنَاكَ، أَوَجَدْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ فِي لُعَاعَةٍ مِنَ الدُّنْيَا تَأَلَّفْتُ بِهَا قَوْمًا لِيُسْلِمُوا، وَوَكَلْتُكُمْ إِلَى إِسْلَامِكُمْ، أَفَلَا تَرْضَوْنَ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالشَّاةِ وَالْبَعِيرِ وَتَرْجِعُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي رِحَالِكُمْ، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ! لَوْلَا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنَ الْأَنْصَارِ، وَلَوْ سَلَكَ النَّاسُ شِعْبًا وَسَلَكَتِ الْأَنْصَارُ شِعْبًا لَسَلَكْتُ شِعْبَ الْأَنْصَارِ، اللَّهُمَّ ارْحَمِ الْأَنْصَارَ وَأَبْنَاءَ الْأَنْصَارِ وَأَبْنَاءَ أَبْنَاءِ الْأَنْصَارِ)).
قَالَ: ((فَبَكَى الْقَوْمُ حَتَّى أَخْضَلُوا لِحَاهُمْ، وَقَالُوا: رَضِينَا بِرَسُولِ اللَّهِ قِسْمًا وَحَظًّا))، ثُمَّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَتَفَرَّقْنَا)). أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ.
إِذَنْ؛ قَدْ يَدَعُ النَّبِيُّ ﷺ الرَّجُلَ لِإِيمَانِهِ، وَيُعْطِي مَنْ هُوَ أَقْلُّ إِيمَانًا مِنْهُ؛ تَأْلِيفًا لِقَلْبِهِ.
وَكَذَلِكَ مُخَاطَبَةُ الزَّوْجَةِ وَالْأَوْلَادِ الصِّغَارِ بِالْخِطَابِ اللَّائِقِ بِهِمُ الَّذِي فِيهِ بَسْطُهُمْ، وَإِدْخَالُ السُّرُورِ عَلَيْهِمْ.
وَكَذَلِكَ مِنْ تَنْزِيلِ النَّاسِ مَنَازِلَهُمْ: أَنْ تُجْعَلَ الْوَظَائِفُ الدِّينِيَّةُ وَالدُّنْيَوِيَّةُ وَالْمُمْتَزِجَةُ مِنَ الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ مِنْهُمَا لِلْأَكْفَاءِ الْمُتَمَيِّزِينَ، الَّذِينَ يَفْضُلُونَ غَيْرَهُمْ فِي وِلَايَةِ تِلْكَ الْوَظِيفَةِ.
إِذَنْ؛ فَالْمِعْيَارُ هَاهُنَا الْكَفَاءَةُ.
فَمَعْلُومٌ أَنَّ وِلَايَةَ الْمُلْكِ: أَنَّ الْوَاجِبَ فِيهَا خُصُوصًا -وَفِي غَيْرِهَا عُمُومًا- مُشَاوَرَةُ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ فِي تَوْلِيَةِ مَنْ يَصْلُحُ لَهَا مِمَّنْ جَمَعَ بَيْنَ الْقُوَّةِ وَالشَّجَاعَةِ وَالْحِلْمِ، وَمَعْرِفَةِ السِّيَاسَةِ الدَّاخِلِيَّةِ وَالْخَارِجِيَّةِ، وَمَنْ لَهُ الْقُوَّةُ الْكَافِيَةُ لِتَنْفِيذِ الْعَدْلِ، وَإِيصَالِ الْحُقُوقِ إِلَى أَهْلِهَا، وَرَدْعِ الظَّلَمَةِ وَالْمُجْرِمِينَ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا يَدْخُلُ فِي الْوِلَايَةِ.
وَكَذَلِكَ وِلَايَةُ الْقَضَاءِ: يُخْتَارُ لَهَا الْأَعْلَمُ بِالشَّرْعِ وَبِالْوَاقِعِ، الْأَفْضَلُ فِي دِينِهِ وَعَقْلِهِ وَصِفَاتِهِ الْحَمِيدَةِ.
وَكَذَلِكَ وِلَايَةُ الْإِمَامَةِ فِي الْمَسَاجِدِ فِي الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ: يُخْتَارُ لَهَا الْأَعْلَمُ بِأَحْكَامِ الْعِبَادَاتِ الْأَتْقَى، ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ.
وَكَذَلِكَ وِلَايَةُ قِيَادَةِ الْجُيُوشِ: يُخْتَارُ لَهَا أَهْلُ الْقُوَّةِ وَالشَّجَاعَةِ وَالرَّأْيِ وَالنُّصْحِ، وَالْمَعْرِفَةِ لِفُنُونِ الْحَرْبِ وَأَدَوَاتِهَا، وَمَا يَتْبَعُ ذَلِكَ مِمَّا تَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ هَذِهِ الْوَظِيفَةُ الْمُهِمَّةُ الَّتِي هِيَ مِنْ أَهَمِّ الْوَظَائِفِ وَأَخْطَرِهَا.
إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْوِلَايَاتِ الْكِبَارِ وَالصِّغَارِ فَإِنَّهَا دَاخِلَةٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} [النساء:٥٨].
وَهَذِهِ الْوِلَايَاتُ مِنْ أَعْظَمِ الْأَمَانَاتِ، فَيَتَعَيَّنُ أَنْ تُؤَدَّى إِلَى أَهْلِهَا، وَأَنْ يُوَظَّفَ فِيهَا أَهْلُ الْكَفَاءَةِ بِهَا، وَكُلُّ وَظِيفَةٍ لَهَا أَكْفَاءٌ مُخْتَصُّونَ.
وَكَذَلِكَ يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ مُعَامَلَةُ الْعُصَاةِ وَالْمُجْرِمِينَ، فَمَنْ رَتَّبَ الشَّارِعُ عَلَى جُرْمِهِ عُقُوبَةً مِنْ حَدٍّ وَنَحْوِهِ تَعَيَّنَ مَا عَيَّنَهُ الشَّارِعُ؛ لِأَنَّهُ هُوَ عَيْنُ الْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ الشَّامِلَةِ، وَمَنْ لَمْ يُعَيِّنْ لَهُ عُقُوبَةً عُزِّرَ بِحَسَبِ حَالِهِ وَمَقَامِهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَكْفِيهِ التًّوْبِيخُ وَالْكَلَامُ الْمُنَاسِبُ لِفَعْلَتِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَرْدَعُهُ إِلَّا الْعُقُوبَةُ الْبَلِيغَةُ.
وَكَذَلِكَ فِي الصَّدَقَةِ وَالْهَدِيَّةِ، لَيْسَ عَطِيَّةُ الطَّوَّافِ الَّذِي يَدُورُ عَلَى النَّاسِ فَتَكْفِيهِ التَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ وَاللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ كَعَطِيَّةِ الْفَقِيرِ الْمُتَعَفِّفِ الَّذِي أَصَابَتْهُ الْعَيْلَةُ بَعْدَ الْغِنَي.
وَكَذَلِكَ يُمَيَّزُ مَنْ لَهُ آثَارٌ وَسَوَابِقُ وَغَنَاءٌ وَنَفْعٌ لِلْمُسْلِمِينَ عَلَى مَنْ لَيْسَ كَذَلِكَ.
فَهَذِهِ الْأُمُورُ وَمَا أَشْبَهَهَا دَاخِلَةٌ فِي هَذَا الْكَلَامِ الْجَامِعِ الَّذِي تَوَاطَأَ عَلَيْهِ الشَّرْعُ وَالْعَقْلُ)).
((الْأَنْبِيَاءُ أَرْفَعُ الْخَلْقِ مَنْزِلَةً))
إِنَّ أَعْظَمَ النَّاسِ مَنْزِلَةً عِنْدَ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، وَأَرْفَعَهُمْ قَدْرًا، وَأَسْمَاهُمْ مَكَانَةً هُمُ الْأَنْبِيَاءُ وَالْمُرْسَلِينَ -عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-؛ فَالدُّنْيَا مُظْلِمَةٌ إِلَّا مَا طَلَعَتْ عَلَيْهِ شَمْسُ الرِّسَالَةِ، وَلَا سَبِيلَ إِلَى السَّعَادَةِ وَالْفَلَاحِ فِي الدَّارَيْنِ إِلَّا عَلَى أَيْدِي الرُّسُلِ، وَلَا سَبِيلَ إِلَى مَعْرِفَةِ الطَّيِّبِ وَالْخَبِيثِ عَلَى التَّفْصِيلِ إِلَّا مِنْ طَرِيقِهِمْ.
لَقَدْ سَمَّى اللهُ رِسَالَتَهُ رُوحًا، وَالرُّوحُ إِذَا عُدِمَتْ فُقِدَتِ الْحَيَاةُ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا ۚ مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَٰكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا} [الشورى: 52].
((إِنَّ اللَّهَ أَرْسَلَ الرُّسُلَ مُبَشِّرِينَ لِمَنْ أَطَاعَ اللَّهَ وَاتَّبَعَهُمْ بِالسَّعَادَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَالْأُخْرَوِيَّةِ، وَمُنْذِرِينَ مَنْ عَصَى اللَّهَ وَخَالَفَهُمْ بِشَقَاوَةِ الدَّارَيْنِ؛ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ فَيَقُولُوا: مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ؛ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ.
فَلَمْ يَبْقَ لِلْخَلْقِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ لِإِرْسَالِهِ الرُّسُلَ تَتْرَى، يُبَيِّنُونَ لَهُمْ أَمْرَ دِينِهِمْ، وَمَرَاضِيَ رَبِّهِمْ وَمَسَاخِطَهُ، وَطُرُقَ الْجَنَّةِ وَطُرُقَ النَّارِ، فَمَنْ كَفَرَ مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ.
وَهَذَا مِنْ كَمَالِ عِزَّتِهِ -تَعَالَى- وَحِكْمَتِهِ؛ أَنْ أَرْسَلَ إِلَيْهِمُ الرُّسُلَ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِمُ الْكُتُبَ، وَذَلِكَ -أَيْضًا- مِنْ فَضْلِهِ وَإِحْسَانِهِ؛ حَيْثُ كَانَ النَّاسُ مُضْطَرِّينَ إِلَى الْأَنْبِيَاءِ أَعْظَمَ ضَرُورَةٍ تُقَدَّرُ، فَأَزَالَ هَذَا الِاضْطِرَارَ؛ فَلَهُ الْحَمْدُ وَلَهُ الشُّكْرُ، وَنَسْأَلُهُ كَمَا ابْتَدَأَ عَلَيْنَا نِعْمَتَهُ بِإِرْسَالِهِمْ أَنْ يُتِمَّهَا بِالتَّوْفِيقِ لِسُلُوكِ طَرِيقِهِمْ؛ إِنَّهُ جَوَادٌ كَرِيمٌ)).
قَالَ رَبُّنَا -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ-: {رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} [النساء: 165].
(({رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ} أَيْ: يُبَشِّرُونَ مَنْ أَطَاعَ اللهَ وَاتَّبَعَ رِضْوَانَهُ بِالْخَيْرَاتِ، وَيُنْذِرُونَ مَنْ خَالَفَ أَمْرَهُ وَكَذَّبَ رُسُلَهُ بِالْعِقَابِ وَالْعَذَابِ، {لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} أَيْ: إِنَّهُ -تَعَالَى- أَنْزَلَ كُتُبَهُ وَأَرْسَلَ رُسُلَهُ بِالْبِشَارَةِ وَالنِّذَارَةِ، وَبَيَّنَ مَا يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ مِمَّا يَكْرَهُهُ وَيَأْبَاهُ; لِئَلَّا يَبْقَى لِمُعْتَذِرٍ عُذْرٌ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُم بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَىٰ} [طه: 134]، وَكَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَوْلَا أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [القصص: 47].
وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((لَا أَحَدَ أَغْيَرُ مِنَ اللهِ؛ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، وَلَا أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْمَدْحُ مِنَ اللهِ؛ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ مَدَحَ نَفْسَهُ، وَلَا أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْعُذْرُ مِنَ اللهِ؛ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ بَعَثَ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ)).
وَفِي لَفْظٍ: ((مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ أَرْسَلَ رُسُلَهُ، وَأَنْزَلَ كُتُبَهُ)))).
وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ ۖ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (48) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} [الأنعام: 48-49].
((يَذْكُرُ -تَعَالَى- زُبْدَةَ مَا أَرْسَلَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ; أَنَّهُ الْبِشَارَةُ وَالنِّذَارَةُ، وَذَلِكَ مُسْتَلْزِمٌ لِبَيَانِ الْمُبَشِّرِ وَالْمُبَشَّرِ بِهِ، وَالْأَعْمَالِ الَّتِي إِذَا عَمِلَهَا الْعَبْدُ حَصَلَتْ لَهُ الْبِشَارَةُ، وَالْمُنْذِرِ وَالْمُنْذَرِ بِهِ، وَالْأَعْمَالِ الَّتِي مَنْ عَمِلَهَا حَقَّتْ عَلَيْهِ النِّذَارَةُ؛ وَلَكِنَّ النَّاسَ انْقَسَمُوا -بِحَسْبِ إِجَابَتِهِمْ لِدَعْوَتِهِمْ وَعَدَمِهَا- إِلَى قِسْمَيْنِ: {فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ} أَيْ: آمَنَ بِاللَّهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَأَصْلَحَ إِيمَانَهُ وَأَعْمَالَهُ وَنِيَّتَهُ {فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} فِيمَا يُسْتَقْبَلُ {وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} عَلَى مَا مَضَى)).
مِنَ الْمُتَقَرِّرِ الْمَعْلُومِ: ضَرُورَةُ فَضْلِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَى سَائِرِ الْبَشَرِ؛ وَلِهَذَا اصْطَفَاهُمُ اللَّهُ لِرِسَالَتِهِ وَتَبْلِيغِ وَحْيِهِ، قَالَ تَعَالَى: {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ}.
قَالَ الطَّبَرِيُّ: ((الْمَعْنَى: فَأَنَا أَعْلَمُ بِمَوَاضِعِ رِسَالَاتِي، وَمَنْ هُوَ لَهَا أَهْلٌ، فَلَيْسَ لَكُمْ أَيُّهَا الْمُشْرِكُونَ أَنْ تَتَخَيَّرُوا ذَلِكَ عَلَيَّ أَنْتُمْ؛ لِأَنَّ تَخَيُّرَ الرَّسُولِ إِلَى الْمُرْسِلِ دُونَ الْمُرْسَلِ إِلَيْهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ إِذَا أَرْسَلَ رِسَالَةً بِمَوْضِعِ رِسَالَاتِهِ)).
لَقَدْ خَلَقَ اللَّهُ الْخَلْقَ وَفَاضَلَ بَيْنَهُمْ {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ}، وَقَدِ اخْتَارَ مِنْ أَرْضِهِ مَكَّةَ، فَجَعَلَهَا مَقَرَّ بَيْتِهِ الْعَتِيقِ الَّذِي مَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا، وَجَعَلَ أَفْئِدَةَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِ، وَأَوْجَبَ عَلَى النَّاسِ الْحَجَّ إِلَيْهِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا، وَحَرَّمَ صَيْدَهُ وَقَطْعَ شَجَرِهِ، وَجَعَلَ الْأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ فِيهِ مُضَاعَفَةً، وَجَعَلَ إِرَادَةَ الظُّلْمِ فِيهِ مُسْتَحِقَّةً لِلْعَذَابِ الْأَلِيمِ {وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ}.
وَاخْتَارَ مِنَ الشُّهُورِ شَهْرَ رَمَضَانَ، وَمِنَ اللَّيَالِي لَيْلَةَ الْقَدْرِ، وَمِنَ الْأَيَّامِ يَوْمَ عَرَفَةَ، وَمِنْ أَيَّامِ الْأُسْبُوعِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَفَاضَلَ اللَّهُ بَيْنَ الْمَلَائِكَةِ، فَاخْتَارَ مِنْهُمُ الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ رِسَالَتَهُ إِلَى رُسُلِهِ وَأَنْبِيَائِهِ، وَاصْطَفَى اللَّهُ مِنْ بَنِي آدَمَ الْأَنْبِيَاءَ، فَالْأَنْبِيَاءُ أَفْضَلُ الْبَشَرِ، وَأَفْضَلُ الْأَنْبِيَاءِ الرُّسُلُ، وَ{اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ}.
وَقَدْ أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى تَفْضِيلِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَى غَيْرِهِمْ مِنَ الصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ، وَيَدُلُّ عَلَى تَفْضِيلِهِمْ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ ۚ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ ۗ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (83) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ۚ كُلًّا هَدَيْنَا ۚ وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ ۖ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَارُونَ ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (84) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَىٰ وَعِيسَىٰ وَإِلْيَاسَ ۖ كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِينَ (85) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا ۚ وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ} [الأنعام: 83-86].
وَقَدْ أَخْبَرَ الرَّسُولُ ﷺ أَنَّهُ: ((مَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ وَلَا غَرَبَتْ بَعْدَ النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ عَلَى أَفْضَلَ مِنْ أَبِي بَكْرٍ)).
وَيُؤْخَذُ مِنَ الْحَدِيثِ: أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ وَالْمُرْسَلِينَ أَفْضَلُ الْخَلْقِ، وَأَنَّ أَفْضَلَ رَجُلٍ بَعْدَهُمْ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-.
وَقَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ قَوْلُ الرَّسُولِ ﷺ فِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ: ((هَذَانِ سَيِّدَا كُهُولِ أَهْلِ الْجَنَّةِ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ إِلَّا النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ)).
وَقَدْ رَتَّبَ اللَّهُ عِبَادَهُ السُّعَدَاءَ الَّذِينَ أَنْعَمَ عَلَيْهِمْ أَرْبَعَ مَرَاتِبَ، قَالَ تَعَالَى: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا}.
فَأَوَّلُ هَذِهِ الْمَرَاتِبِ وَأَعْلَاهَا: الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الصِّدِّيقُونَ، ثُمَّ الشُّهَدَاءُ، ثُمَّ الصَّالِحُونَ، وَقَدْ يَظُنُّ ظَانٌّ أَنَّ لِلْمُصَادَفَةِ هَاهُنَا مَحلَّةً، وَأَنَّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ مَنْ أَصَابَتْهُ النُّبُوَّةُ وَهُوَ لَا يَسْتَحِقُّهَا، وَمَعَاذَ اللَّهِ! وَلَكِنَّ اللَّهَ الْعَلِيمَ الْحَكِيمَ الْخَبِيرَ نَظَرَ فِي مَعَادِنِ الْعِبَادِ وَقُلُوبِهِمْ، وَاخْتَارَ مِنْهُمْ وَاصْطَفَى الْأَفْضَلَ الْأَكْمَلَ، وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ}.
إِنَّ حِكْمَةَ اللَّهِ وَعِلْمَهُ قَاضِيَانِ بِأَلَّا تُمْنَحَ النُّبُوَّةُ وَالرِّسَالَةُ إِلَّا لِلْمُسْتَعِدِّ لَهَا وَالْقَادِرِ عَلَى حَمْلِهَا، وَإِذَا تَأَمَّلْتَ فِي سِيرَةِ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ رَأَيْتَهُمْ أَبَرَّ النَّاسِ قُلُوبًا، وَأَعْمَقَهُمْ عِلْمًا، وَأَحْضَرَهُمْ بَدِيهَةً، وَأَشَدَّهُمْ تَحَمُّلًا، وَأَرَقَّهُمْ طِبَاعًا، فَلَا عَجَبَ أَنْ يَخْتَارَهُمُ اللَّهُ لِيَكُونُوا أُمَنَاءَ وَحْيِهِ، وَالْعَامِلِينَ عَلَى إِقَامَةِ دِينِهِ، فَهُمُ الْقِمَمُ السَّامِقَةُ الَّتِي تَعْجِزُ النُّفُوسُ عَنْ أَنْ تَبْلُغَ مَدَاهَا.
لَقَدْ بَعَثَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا- الرُّسُلَ لِغَايَةٍ عَظِيمَةٍ وَحِكْمَةٍ جَلِيلَةٍ، وَجَعَلَ لَهُمْ وَظَائِفَ، وَمِنْ تِلْكَ الْوَظَائِفِ مَا يَلِي:
* أَنَّ اللهَ جَعَلَهُمْ وَسَائِطَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عِبَادِهِ؛ لِتَعْرِيفِهِمْ بِهِ -سُبْحَانَهُ-، وَلِتَعْرِيفِهِمْ مَا يَنْفَعُهُمْ، وَمَا يَضُرُّهُمْ، وَهَذِهِ الْوَظِيفَةُ تَتَضَمَّنُ إِثْبَاتَ الصِّفَاتِ وَالتَّوْحِيدَ وَالْقَدَرَ، وَذِكْرَ أَيَّامِ اللهِ فِي أَوْلِيَائِهِ وَأَعْدَائِهِ، وَهِيَ الْقِصَصُ الَّتِي قَصَّهَا عَلَى عِبَادِهِ، وَالْأَمْثَالُ الَّتِي ضَرَبَهَا لَهُمْ.
قَالَ ابْنُ أَبِي الْعِزِّ: «إِذْ عَلَى هَذِهِ الْمَعْرِفَةِ تُبْنَى مَطَالِبُ الرِّسَالِة كُلِّهَا مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى آخِرِهَا».
* مِنْ وَظَائِفِ الرُّسُلِ تَعْرِيفُ الْعِبَادِ الطَّرِيقَ الْمُوصِلَ إِلَى اللهِ بِذِكْرِ شَرِيعَتِهِ -سُبْحَانَهُ-، وَهَذِهِ الْوَظِيفَةُ تَتَضَمَّنُ تَفْصِيلَ الشَّرَائِعِ، وَالْأَمْرَ وَالنَّهْيَ وَالْإِبَاحَةَ، وَبَيَانَ مَا يُحِبُّهُ اللهُ وَمَا يَكْرَهُهُ.
* وَمِنْ وَظَائِفِهِمْ: تَعْرِيفُ الْعِبَادِ بِحَالِهِمْ بَعْدَ الْوُصُولِ إِلَى اللهِ، وَهَذِهِ الْوَظِيفَةُ تَتَضَمَّنُ الْإِيمَانَ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ -رَحِمَهُ اللهُ-: «وعَلَى هَذِهِ الْأُصُولِ الثَّلَاثَةِ مَدَارُ الْخَلْقِ وَالْأَمْرِ، وَالسَّعَادَةُ وَالْفَلَاحُ مَوْقُوفَةٌ عَلَيْهِ، وَلَا سَبِيلَ إِلَى مَعْرِفَتِهَا إِلَّا مِنْ جِهَةِ الرُّسُلِ؛ فَإِنَّ الْعَقْلَ لَا يَهْتَدِي إِلَى تَفَاصِيلِهَا وَمَعْرِفَةِ حَقَائِقِهَا، وَإِنْ كَانَ قَدْ يُدْرِكُ وَجْهَ الضَّرُورَةِ إِلَيْهَا مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةِ، كَالْمَرِيضِ الَّذِي يُدْرِكُ وَجْهَ الْحَاجَةِ إِلَى الطِّبِّ وَمَنْ يُدَاوِيهِ، وَلَا يَهْتَدِي إِلَى تَفَاصِيلِ الْمَرَضِ، وَتَنْزِيلِ الدَّوَاءِ عَلَيْهِ، وَحَاجَةُ الْعَبْدِ إِلَى الرِّسَالَةِ أَعْظَمُ بِكَثِيرٍ مِنْ حَاجَةِ الْمَرِيضِ إِلَى الطِّبِّ؛ فَإِنَّ آخِرَ مَا يُقَدَّرُ بِعَدَمِ الطَّبِيبِ مَوْتُ الْأَبْدَانِ، أَمَّا إِذَا لَمْ يَحْصُلْ لِلْعَبْدِ نُورُ الرِّسَالَةِ وَحَيَاتُهَا مَاتَ قَلْبُهُ مَوْتًا لَا تُرْجَى الْحَيَاةُ مَعَهُ أَبَدًا، أَوْ شَقِيَ شَقَاوَةً لَا سَعَادَةَ مَعَهَا أَبَدًا ».
هَذِهِ الْأُصُولُ الْعَامَّةُ فِي بَيَانِ الْغَايَةِ وَالْوَظَائِفِ الَّتِي أُرْسِلَ بِهَا الرُّسُلُ، وَمِمَّا يَدْخُلُ فِي تِلْكَ الْأُصُولِ أَنَّ اللهَ بَعَثَ الرُّسُلَ مُبَشِّرِينَ لِمَنْ أَطَاعَهُمْ بِالْجِنَانِ، مُنْذِرِينَ لِمَنْ خَالَفَهُمْ بِالْعَذَابِ وَالْوَبَالِ، قَالَ تَعَالَى: {ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ}.
وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}.
وَقَالَ تَعَالَى: {قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ}.
كَذَلِكَ بَعَثَهُمُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- لِقَطْعِ الْعُذْرِ وَإِقَامَةِ الْحُجَّةِ، قَالَ تَعَالَى: {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا}.
وَقَالَ تَعَالَى: {يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ}.
فَبَعَثَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- الْمُرْسَلِينَ لِقَطْعِ الْأَعْذَارِ وَإِقَامَةِ الْحُجَجِ؛ وَلِئَلَّا يَهْلِكَ بَعْدُ عَلَى اللهِ إِلَّا هَالِكٌ.
وَالْأَنْبِيَاءُ وَالرُّسُلُ بَشَرٌ مَخْلُوقُونَ يُوحَى إِلَيْهِمْ، وَلَيْسَ لَهُمْ مِنْ خَصَائِصِ الرُّبُوبِيَّةِ وَالْأُلُوهِيَّةِ شَيْءٌ، وَتَلْحَقُهُمْ خَصَائِصُ الْبَشَرِيَّةِ مِنَ الْمَرَضِ وَالنَّوْمِ، وَالْمَوْتِ، وَالْحَاجَةِ إِلَى الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَقَدْ وَصَفَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِالْعُبُودِيَّةِ لَهُ فِي أَعْلَى مَقَامَاتِهَا، وَفِي سِيَاقِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ تَعَالَى فِي نُوحٍ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-: {إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا} [الإسراء: 3].
وَقَالَ فِي مُحَمَّدٍ ﷺ: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} [الفرقان: 1].
وَقَالَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ: {أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ (45) إِنَّا أَخْلَصْنَاهُم بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (46) وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ} [ص: 45-47].
وَقَالَ فِي عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-: {إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ} [الزخرف: 59].
وَالرِّسَالَةُ اصْطِفَاءٌ مِنَ اللَّهِ لَا تَأْتِي بِالِاكْتِسَابِ وَالْمُجَاهَدَةِ، وَالرُّسُلُ خَيْرُ الْبَشَرِ، وَصَفْوَتُهُمْ وَخُلَاصَتُهُمْ، وَقَدِ اتَّفَقَتِ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ وَالْمُرْسَلِينَ مَعْصُومُونَ فِي تَحَمُّلِ الرِّسَالَةِ، وَفِيمَا يُبَلِّغُونَ بِهِ عَنْ رَبِّهِمْ -جَلَّ وَعَلَا-، فَلَا يُنْقِصُونَ شَيْئًا مِمَّا أَوْحَاهُ اللَّهُ إِلَيْهِمْ، وَلَا يَنْسَوْنَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ إِلَّا مَا كَانَ قَدْ نُسِخَ.
وَقَدْ تَكَفَّلَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِأَنْ يُقْرِئَهُ، فَلَا يَنْسَى شَيْئًا مِمَّا أَوْحَى إِلَيْهِ إِلَّا شَيْئًا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يُنْسِيَهُ إِيَّاهُ، قَالَ -عَزَّ وَجَلَّ-: {سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَىٰ (6) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ} [الأعلى: 6-7].
وَالرُّسُلُ كَذَلِكَ مَعْصُومُونَ فِي التَّبْلِيغِ، فَلَا يَكْتُمُونَ شَيْئًا مِنَ الْوَحْيِ؛ ذَلِكَ أَنَّ الْكِتْمَانَ خِيَانَةٌ، وَالرُّسُلُ يَسْتَحِيلُ ذَلِكَ فِي حَقِّهِمْ، قَالَ تَعَالَى: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (44) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ} [الحاقة: 44-46].
أَمَّا الْأَعْرَاضُ الْجِبِلِّيَّةُ الْبَشَرِيَّةُ فَلَا تُنَافِي الْعِصْمَةَ؛ فَإِبْرَاهِيمُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- أَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً عِنْدَمَا رَأَى أَيْدِيَ ضَيْفِهِ لَا تَمْتَدُّ إِلَى الطَّعَامِ الَّذِي قَدَّمَهُ لَهُمْ، وَلَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ أَنَّهُمْ مَلَائِكَةٌ، وَمُوسَى -عَلَيْهِ السَّلَامُ- غَضِبَ غَضَبًا شَدِيدًا، وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ، وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى عِنْدَمَا عَادَ إِلَى قَوْمِهِ بَعْدَ أَنْ تَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ فَوَجَدَهُمْ يَعْبُدُونَ الْعِجْلَ.
وَمِنْ ذَلِكَ: نِسْيَانُ الرَّسُولِ ﷺ فِي غَيْرِ الْبَلَاغِ، وَفِي غَيْرِ أُمُورِ التَّشْرِيعِ، كَمَا فِي حَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ عِنْدَمَا سَهَا ﷺ فِي الصَّلَاةِ؛ بَلْ قَدْ صَرَّحَ ﷺ بِطُرُوءِ النِّسْيَانِ عَلَيْهِ كَعَادَةِ الْبَشَرِ، فَقَالَ: ((إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ، فَإِذَا نَسِيتُ فَذَكِّرُونِي)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
الْإِيمَانُ باِلرُّسُلِ هُوَ الرُّكْنُ الرَّابِعُ مِنْ أَرْكَانِ الْإِيمَانِ، وَلَا يَتِمُّ إِيمَانُ الْعَبْدِ إِلَّا بِهِ، وَمَنْ كَفَرَ بِهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا، وَلَا يَسْتَحِقُّ بِذَلِكَ اسْمَ الْإِيمَانِ، قَالَ تَعَالَى: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ}.
وَقَالَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: {وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا}.
أَخْبَرَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا- فِي هَذِهِ الْآيَاتِ وَغَيْرِهَا أَنَّ الرَّسُولَ وَمَنْ تَحَقَّقَ فِيهِمْ وَصْفُ الْإِيمَانِ وَالصِّدْقِ يُؤْمِنُونَ بِالرُّسُلِ، وَرَتَّبَ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- علَى عَدَمِ الْإِيمَانِ بِالرُّسُلِ وَغَيْرِهَا مِنْ أَرْكَانِ الْإِيمَانِ.. رَتَّبَ عَلَى عَدَمِ الْإِيمَانِ بِتِلْكَ الْأَرْكَانِ الْكُفْرَ وَالضَّلَالَ الْبَعِيدَ.
وَقَوْلُهُ: {رُسُلِهِ}: جَمْعٌ مُضَافٌ، وَالْجَمْعُ الْمُضَافُ يُفِيدُ الْعُمُومَ، فَيَدْخُلُ فِي قَوْلِهِ: {وَرُسُلِهِ} كُلُّ رَسُولٍ بَعَثَهُ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-.
قَالَ ابْنُ أَبِي اْلِعِّز: «فَجَعَلَ اللهُ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- الْإِيمَانَ هُوَ الْإِيمَانَ بِهَذِهِ الْجُمْلَةِ، وَسَمَّى مَنْ آمَنَ بِهَذِهِ الْجُمْلَةِ مُؤْمِنِينَ ، كَمَا جَعَلَ الْكَافِرِينَ مَنْ كَفَرَ بِهَذِهِ الْجُمْلَةِ».
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- فِيمَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي ((الصَّحِيحِ)) قَالَ: ((كَانَ النَّبِيُّ ﷺ بَارِزًا يَوْمًا لِلنَّاسِ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: ((مَا الْإِيمَانُ؟)).
قَالَ: ((الْإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَبِلِقَائِهِ وَرُسُلِهِ وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ)).
فَبَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْإِيمَانَ مَبْنِيٌّ عَلَى هَذِهِ الْأَرْكَانِ، فَإِنِ انْتَفَى مِنْهَا رُكْنٌ رَجَعَ عَلَى نَفْيِ الْإِيمَانِ نَفْسِهِ، وَالْكُفْرُ بِأَحَدِ هَذِهِ الْأَرْكَانِ يَسْتَلْزِمُ الْكُفْرَ بِغَيْرِهِ؛ فَمَنْ كَفَرَ بِاللهِ -جَلَّ وَعَلَا- كَفَرَ بِالْجَمِيعِ، وَمَنْ كَفَرَ بِالْمَلَائِكَةِ كَفَرَ بِالْكُتُبِ وَالرُّسُلِ، فَكَانَ كَافِرًا بِاللهِ؛ إِذْ كَذَّبَ كُتُبَهُ وَرُسَلَهُ، وَكَذَلِكَ إِذَا كَفَرَ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ كَذَبَّ الْكُتُبَ وَالرُّسُلَ فَكَانَ كَافِرًا، كَمَا أَنَّ الْكُفْرَ بِالرُّسُلِ يُنَافِي الْإِقْرَارَ بِالرَّبِّ؛ فَالرُّسُلُ إِنَّمَا جَاءُوا بِالتَّعْرِيفِ بِالرَّبِّ -جَلَّ جَلَالُهُ-، فَمَنْ أَنْكَرَ الرُّسُلَ أَنْكَرَ الرَّبَّ الَّذِي دَعَا إِلَيْهِ الرُّسُلُ.
وَمِمَّا يَجِبُ أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ الْكُفْرَ بِنَبِيٍّ وَاحِدٍ كُفْرٌ بِجَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: { كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ}، وَلَمْ يُرْسَلْ إِلَيْهِمْ نَبِيٌّ قَبْلَ نُوحٍ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-، وَلَكِنْ لَمَّا كَذَّبُوا نُوحًا كَانُوا مُكَذِّبِينَ بِالرُّسُلِ أَجْمَعِينَ.
وَقَالَ تَعَالَى: {كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ}.
وَقَالَ تَعَالَى: {وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا}.
فَجَعَلَ اللهُ تَكْذِيبَهُمْ لِرَسُولِهِمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ جَعَلَهُ تَكْذِيبًا لِلرُّسُلِ كُلِّهِمْ، {وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ}، وَهُمْ إِنَّمَا كَذَّبُوا نُوحًا الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ.
فَأَمَّا الْمُجْمَلُ: وَهُوَ الْقَدْرُ الَّذِي لَا يَتِمُّ إِيمَانُ الْعَبْدِ بِالرُّسُلِ إِلَّا بِهِ؛ فَقَدْ قَالَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-: {فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ۚ وَإِن تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ}.
وَقَالَ تَعَالَى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِن قَبْلُ ۚ وَمَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا} [النساء: 136].
وَقَالَ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَٰئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ ۖ وَالشُّهَدَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ ۖ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} [الحديد: 19].
وَقَالَ تَعَالَى: {لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا ۖ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ ۗ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} [البقرة: 177].
فَأَمَرَ اللهُ -تَعَالَى- بِالْإِيمَانِ بِكُلِّ مَنْ بَعَثَهُ مِنْ رُسُلِهِ، وَكَذَلِكَ الْأَنْبِيَاءُ، وَيَتَّضِحُ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَآمِنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ}.
وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ.
كَمَا أَنَّ قَوْلَهُ: {وَرُسُلِهِ}: يُفِيدُ الْعُمُومَ؛ لِأَنه جَمْعٌ مُضَافٌ، وَالْجَمْعُ الْمُضَافُ يُفِيدُ الْعُمُومَ، فَهُوَ شَامِلٌ لِكُلِّ رَسُولٍ أَرْسَلَهُ اللهُ، كَمَا بَيَّنَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- فِي الْآيَاتِ أَنَّ مِنْ صِفَاتِ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهُمْ يُؤْمِنُونَ بِالرُّسُلِ كُلِّهِمْ، وَرَتَّبَ عَلَى مَنْ كَفَرَ بِهِمُ الضَّلَالَ الْبَعِيدَ، وَكَوْنَهُمْ مِنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ.
* وَمِمَّا يَدْخُلُ فِي الْإِيمَانِ بِالرُّسُلِ: تَصْدِيقُهُمْ فِيمَا أَخْبَرُوا، وَإِيجَابُ طَاعَتِهِمْ فِيمَا أَوْجَبُوا؛ فَإِنَّ الرُّسُلَ تَضَمَّنَ بَعْثَتَهُمْ أَصْلَيْنِ: الْإِخْبَارُ وَالْأَمْرُ، وَالْإِيمَانُ بِهِمْ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِتَصْدِيقِهِمْ فِيمَا أَخْبَرُوا، وَإِيجَابِ طَاعَتِهِمْ فِيمَا أَوْجَبُوا طَاعَتَهُمْ فِيهِ.
* وَمِمَّا يَدْخُلُ فِي الْإِيمَانِ بِالرُّسُلِ -أَيْضًا-: الْإِيمَانُ بِجَمِيعِهِمْ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيقٍ وَلَا تَبْعِيضٍ.
قَالَ تَعَالَى: {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [البقرة: 136].
وَقَالَ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ أُولَٰئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا} [النساء: 152].
فَيَجِبُ الْإِيمَانُ بِجَمِيعِ الرُّسُل الَّذِينَ بَعَثَهُمُ اللهُ، وَكَذَلِكَ الْأَنْبِيَاءُ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيقٍ بَيْنَهُمْ فِي الْإِيمَانِ وَلَا تَبْعِيضٍ؛ فَمَنْ آمَنَ بِبَعْضِ الرُّسُلِ وَكَفَرَ بِبَعْضٍ فَهُوَ كَافِرٌ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: «أَمَرَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يُؤْمِنُوا وَيُصَدِّقُوا بِأَنْبِيَائِهِ وَرُسُلِهِ كُلِّهِمْ، وَلَا يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ».
وَأَمَّا الْإِيمَانُ الْمُفَصَّلُ، وَهُوَ الْقَدْرُ الَّذِي يَكُونُ تَبَعًا لِلْعِلْمِ التَّفْصِيلِيِّ الَّذِي يَبْلُغُ الْمُكَلَّفَ مِنْ نُصُوصِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، فَهُوَ يَتَضَمَّنُ أُمُورًا:
* الْإِيمَانُ بِمَنْ سَمَّى اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- فِي كِتَابِهِ أَوْ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ ﷺ مِنْ رُسُلِهِ؛ كَإِبْرَاهِيمَ وَنُوحٍ، وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ الَّذِينَ وَرَدَ ذِكْرُهُمْ فِي الْقُرْآنِ.
* وَيَتَضَمَّنُ الْإِيمَانَ بِأَنَّهُمْ بَلَّغُوا جَمِيعَ مَا أُرْسِلُوا بِهِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي أَمَرَهَمُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-.
* وَالْإِيمَانُ بِأَنَّ رِسَالَتَهُمْ حَقٌّ مِنَ اللهِ -تَعَالَى-.
* وَالْإِيمَانُ بِمُحَمَّدٍ ﷺ يَكُونُ بِالْإِقْرَارِ بِهِ، وَاتِّبَاعِ مَا جَاءَ بِهِ، وَهُوَ أَمْرٌ زَائِدٌ عَلَى الْإِيمَانِ بِغَيْرِهِ مِنَ الرُّسُلِ.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ: «[فَأَنْ تُؤْمِنَ بِمَنْ سَمَّى اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- فِي كِتَابِهِ مِنْ رُسُلِهِ، وَتُؤْمِنُ بِأَنَّ للهِ سِوَاهُمْ رُسُلًا وَأَنْبِيَاءَ لَا يَعْلَمُ أَسْمَاءَهُمْ إِلَّا الَّذِي أَرْسَلَهُمْ، وَتُؤْمِنُ بِمُحَمَّدٍ ﷺ وَإِيمَانُكَ بِهِ غَيْرُ إِيمَانِكَ بِسَائِرِ الرُّسُلِ، إِيمَانُكَ بِسَائِرِ الرُّسُلِ إِقْرَارُكَ بِهِمْ، وَإِيمَانُكَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ إِقْرَارُكَ بِهِ، وَتَصْدِيقُكَ إِيَّاهُ، وَاتِّبَاعُكَ مَا جَاءَ بِهِ، فَإِذَا اتَّبَعَتْ مَا جَاءَ بِهِ، وَأَدَّيْتَ الْفَرَائِضَ، وَأَحْلَلْتَ الْحَلَالَ، وَحَرَّمْتَ الْحَرَامَ، وَوَقَفَتْ عِنْدَ الشُّبُهَاتِ، وَسَارَعْتَ فِي الْخَيْرَاتِ».
الْإِيمَانُ بالرُّسُل تَفْصِيلًا عَلَى هَذَا النَّحْوِ، لَوْ أَنَّنَا نَظَرْنَا فِي إِيمَانِنَا بِنَبِيِّنَا ﷺ، وَمَعْنَى الْإِيمَانِ بِهِ لَوَجَدْنَا تَقْصِيرًا عَظِيمًا يَشْمَلُنَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْعَقَدِيَّةِ الْخَطِيرَةِ؛ لِأَنَّ إِيمَانَكَ بِالنَّبِيِّ ﷺ، يَعْنِي إِقْرَارَكَ بِهِ، وَتَصْدِيقَكَ إِيَّاهُ، وَاتِّبَاعَكَ مَا جَاءَ بِهِ، فَإِذَا اتَّبَعْتَ مَا جَاءَ بِهِ أَدَّيْتَ الْفَرَائِضَ، وَأَحْلَلْتَ الْحَلَالَ، وَحَرَّمْتَ الْحَرَامَ، وَوَقَفْتَ عِنْدَ الشُّبُهَاتِ، وَسَارَعْتَ فِي الْخَيْرَاتِ.
وَالنَّاسُ مُتَفَاوِتُونَ فِي الْإِيمَانِ الْمُفَصَّلِ بِحَسَبِ مَا بَلَغَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ، فَمَنْ آمَنَ بِالرُّسُلِ إِيمَانًا مُجْمَلًا، وَآمَنَ بِمَا بَلَغَهُ مِنَ التَّفَاصِيلِ حَصَلَ لَهُ مِنْ كَمَالِ الْإِيمَانِ بِحَسَبِ مَا بَلَغَهُ؛ فَمَنْ آمَنَ بِالرُّسُلِ إِيمَانًا مُفَصَّلًا، كَانَ أَجْمَلَ إِيمَانًا مِمَّنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، وَكَذَلِكَ وِلَايَةُ اللهِ تَتَفَاضَلُ؛ فَمَنْ عَلِمَ التَّفَاصِيلَ كَانَتْ وِلَايَتُهُ أَكْمَلَ مِمَّنْ لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ.
((عُلُوُّ مَنْزِلَةِ الصَّحَابَةِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- وَسُمُوُّ مَكَانَتِهِمْ))
إِنَّ النَّاظِرَ فِي نُصُوصِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ يُدْرِكُ بِوُضُوحٍ وَجَلَاءٍ الْفَضْلَ الْعَظِيمَ وَالْمَنْزِلَةَ الْعَالِيَةَ وَالْمَكَانَةَ السَّامِيَةَ الَّتِي نَالَهَا أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أُولَئِكَ الَّذِينَ اخْتَارَهُمُ اللَّهُ وَاصْطَفَاهُمْ لِصُحْبَةِ نَبِيِّهِ وَمُصْطَفَاهُ ﷺ، وَاخْتَصَّهُمْ بِهَذِهِ الصُّحْبَةِ الْعَظِيمَةِ، فَقَامُوا بِنُصْرَةِ دِينِهِ -جَلَّ وَعَلَا-.
أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا فِي إِيمَانِهِمْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ﷺ، وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَنُصْرَةِ دِينِهِ، وَحَمْلِ رِسَالَتِهِ إِلَى خَلْقِهِ بِصِدْقٍ وَإِخْلَاصٍ وَتَضْحِيَةٍ، حَتَّى اسْتَقَامَ الْأَمْرُ، وَانْتَشَرَ الدِّينُ عَلَى أَيْدِيهِمْ فِي أَرْضِ اللَّهِ -تَعَالَى- وَبَيْنَ عِبَادِ اللَّهِ -جَلَّ وَعَلَا-، فَكَانَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ فَضْلٌ وَمِنَّةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَاسْتَحَقُّوا بِذَلِكَ جَمِيلَ الذِّكْرِ وَعَظِيمَ الثَّنَاءِ مِنَ اللَّهِ -تَعَالَى- فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ وَمِنْ رَسُولِهِ ﷺ فِي سُنَّتِهِ الْغَرَّاءِ.
وَمِمَّا جَاءَ فِي فَضْلِهِمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ -جَلَّ وَعَلَا- قَوْلُهُ تَعَالَى: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران: 110]، وَقَوْلُهُ -عَزَّ وَجَلَّ-: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ}.
الصَّحَابَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- هُمُ الْمُخَاطَبُونَ الْمُشَافَهُونَ بِهَذِهِ الْآيَاتِ بَدْءًا، فَهُمْ أَوْلَى النَّاسِ وَالْخَلْقِ بِالْخَيْرِيَّةِ، وَإِنْ كَانَ يَدْخُلُ مَعَهُمْ غَيْرُهُمْ، وَلَا يَكُونُ لِغَيْرِهِمْ هَذِهِ الْمَنْزِلَةُ إِلَّا مَنْ تَبِعَهُمْ وِ اقْتَفَى آثَارَهُمْ وَالْتَزَمَ هَدْيَهُمْ، وَلَا يَكُونُ مِثْلَهُمْ -رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ-.
وَمِمَّا يُبَيِّنُ وَيُوَضِّحُ مَنْزِلَةَ الصَّحَابَةِ قَوْلُ رَسُولِنَا ﷺ: ((خَيْرُ أُمَّتِي قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ)). وَالْحَدِيثُ فِي ((الصَّحِيحَيْنِ)).
وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: ((خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ)).
وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى فَضْلِ الصَّحَابَةِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- قَوْلُ اللَّهِ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التَّوْبَة: 100].
وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: {لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [الحديد: 10].
وَيَدُلُّ عَلَى فَضْلِهِمْ قَوْلُ اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ-: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُم فَتْحًا قَرِيبًا} [الْفَتْح: 18].
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [الأنفال: 74].
وَقَوْلُهُ -سُبْحَانَهُ-: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا} [الْأَحْزَاب: 23].
وَقَالَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: {قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى} [النمل: 59].
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي رِوَايَةِ أَبِي مَالِكٍ: ((هُمْ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ وَ-رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ-، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا} [فاطر: 32])).
إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ الَّتِي نَصَّ فِيهَا رَبُّنَا -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- عَلَى فَضْلِ الصَّحَابَةِ وَمَنْزِلَتِهِمْ وَمَا وَعَدَهُمْ بِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، مَعَ بَيَانِ رِضَاهُ عَنْهُمْ وَعَنْ سُلُوكِهِمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَغْفِرَتِهِ لَهُمْ؛ لِعَظِيمِ صِدْقِهِمْ فِي عَهْدِهِمْ، وَالْتِزَامِهِمْ بِدِينِ رَبِّهِمْ، وَالذَّبِّ عَنْهُ وَعَنْ نَبِيِّهِ.
وَفِي سُنَّةِ النَّبِيِّ ﷺ كَثِيرٌ مِنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي دَلَّتْ عَلَى فَضْلِ الصَّحَابَةِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ-؛ مِنْهَا مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي ((صَحِيحِهِ)) عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((النُّجُومُ أَمَنَةٌ لِلسَّمَاءِ؛ فَإِذَا ذَهَبَتِ النُّجُومُ أَتَى السَّمَاءَ مَا تُوعَدُ. وَأَنَا أَمَنَةٌ لِأَصْحَابِي؛ فَإِذَا ذَهَبْتُ أَتَى أَصْحَابِي مَا يُوعَدُونَ. وَأَصْحَابِي أَمَنَةٌ لِأُمَّتِي؛ فَإِذَا ذَهَبَ أَصْحَابِي أَتَى أُمَّتِي مَا يُوعَدُونَ)).
وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ فِي ((صَحِيحِهِ)) بِسَنَدِهِ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ: ((لَا يَدْخُلُ النَّارَ -إِنْ شَاءَ اللَّهُ- مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ أَحَدٌ)).
إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي تُبَيِّنُ فَضْلَ الصَّحَابَةِ أَوْ تَخُصُّ بِالْفَضْلِ طَائِفَةً مِنْهُمْ, أَوْ تَخُصُّ بَعْضَهُمْ, وَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ دَلَالَةً وَاضِحَةً عَلَى عُلُوِّ مَنْزِلَتِهِمْ وَعَظِيمِ فَضْلِهِمْ؛ لِسَابِقَتِهِمْ وَصِدْقِهِمْ وَإِخْلَاصِهِمْ فِي دِينِ اللَّهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-.
وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: ((إِنَّ اللَّهَ نَظَرَ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ، فَوَجَدَ قَلْبَ مُحَمَّدٍ ﷺ خَيْرَ قُلُوبِ الْعِبَادِ، فَاصْطَفَاهُ لِنَفْسِهِ، فَابْتَعَثَهُ بِرِسَالَتِهِ، ثُمَّ نَظَرَ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ بَعْدَ قَلْبِ مُحَمَّدٍ، فَوَجَدَ قُلُوبَ أَصْحَابِهِ خَيْرَ قُلُوبِ الْعِبَادِ، فَجَعَلَهُمْ وُزَرَاءَ نَبِيِّهِ، يُقَاتِلُونَ عَلَى دِينِهِ)).
وَالصَّحَابَةُ عُدُولٌ كُلُّهُمْ, هَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ.
((إِنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ هُمُ الَّذِينَ شَهِدُوا الْوَحْيَ وَالتَّنْزِيلَ، وَعَرَفُوا التَّفْسِيرَ وَالتَّأْوِيلَ، وَهُمُ الَّذِينَ اخْتَارَهُمُ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- لِصُحْبَةِ نَبِيِّهِ ﷺ وَنُصْرَتِهِ، وَإِقَامَةِ دِينِهِ وَإِظْهَارِ حَقِّهِ، فَرَضِيَهُمْ لَهُ صَحَابَةً، وَجَعَلَهُمْ لَنَا أَعْلَامًا وَقُدْوَةً، فَحَفِظُوا عَنْهُ ﷺ مَا بَلَغَهُمْ عَنِ اللَّهِ -تَعَالَى- عَنْ طَرِيقِ رَسُولِ اللَّهِ، وَمَا سَنَّ وَشَرَعَ، وَحَكَمَ وَقَضَى، وَنَدَبَ وَأَمَرَ، وَنَهَى وَحَظَرَ، وَأَدَّبَ وَأَرْشَدَ، وَوَعَوْهُ وَأَتْقَنُوهُ.
فَفَقِهُوا فِي الدِّينِ، وَعَلِمُوا أَمْرَ اللَّهِ وَنَهْيَهُ وَمُرَادَهُ، فَشَرَّفَهُمُ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- بِمَا مَنَّ عَلَيْهِمْ وَأَكْرَمَهُمْ بِهِ مِنْ وَضْعِهِ إِيَّاهُمْ مَوْضِعَ الْقُدْوَةِ، فَنَفَى عَنْهُمُ الشَّكَّ وَالْكَذِبَ وَالْغَلَطَ وَالرِّيبَةَ وَالْغَمْزَ، وَسَمَّاهُمْ عُدُولَ الْأُمَّةِ, فَقَالَ -عَزَّ ذِكْرُهُ- فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ}، فَفَسَّرَ رَسُولُ اللَّهِ عَنِ اللَّهِ -عَزَّ ذِكْرُهُ- قَوْلَهُ: {وَسَطًا}، قَالَ: ((عَدْلًا))، عُدُولًا خِيَارًا، فَكَانُوا عُدُولَ الْأُمَّةِ، وَأَئِمَّةَ الْهُدَى، وَحُجَجَ الدِّينِ، وَنَقَلَةَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.
وَنَدَبَ اللَّهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- إِلَى التَّمَسُّكِ بِهَدْيِهِمْ، وَالْجَرْيِ عَلَى مِنْهَاجِهِمْ، وَالسُّلُوكِ لِسَبِيلِهِمْ، وَالِاقْتِدَاءِ بِهِمْ، فَقَالَ -جَلَّ ذِكْرُهُ-: {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا}».
وَأَوْلَى مَنِ انْطَبَقَ عَلَيْهِمْ سَبِيلُ الْمُؤْمِنِينَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ الْأَمِينِ ﷺ.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ -رَحِمَهُ اللهُ- فِي بَيَانِ الِاعْتِقَادِ الْوَاجِبِ نَحْوَ الصَّحَابَةِ: «حُبُّهُمْ سُنَّةٌ، وَالدُّعَاءُ لَهُمْ قُرْبَةٌ، وَالِاقْتِدَاءُ بِهِمْ وَسِيلَةٌ، وَالْأَخْذُ بِآرَائِهِمْ فَضِيلَةٌ، وَخَيْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا ﷺ أَبُو بَكْرٍ، وَخَيْرُهُمْ بَعْدَ أَبِي بَكْرٍ عُمَرُ، وَخَيْرُهُمْ بَعْدَ عُمَرَ عُثْمَانُ، وَخَيْرُهُمْ بَعْدَ عُثْمَانَ عَلِيٌّ -رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ- خُلَفَاءُ رَاشِدُونَ مَهْدِيُّونَ».
وَقَالَ الْإِمَامُ الطَّحَاوِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ-: «وَنُحِبُّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَلَا نُفَرِّطُ فِي حُبِّ أَحَدٍ مِنْهُمْ، وَلَا نَتَبَرَّأُ مِنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ، وَنُبْغِضُ مَنْ يُبْغِضُهُمْ وَبِغَيْرِ الْخَيْرِ يَذْكُرُهُمْ، وَلَا نَذْكُرُهُمْ إِلَّا بِالْخَيْرِ، وَحُبُّهُمْ دِينٌ وَإِيمَانٌ وَإِحْسَانٌ، وَبُغْضُهُمْ كُفْرٌ وَنِفَاقٌ وَطُغْيَانٌ.
وَنُثْبِتُ الْخِلَافَةَ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَوَّلًا لِأَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-؛ تَفْضِيلًا لَهُ وَتَقْدِيمًا عَلَى جَمِيعِ الْأُمَّةِ، ثُمَّ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، ثُمَّ لِعُثْمَانَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، ثُمَّ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، وَهُمُ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ وَالْأَئِمَّةُ الْمَهْدِيُّونَ»، «وَمَنْ أَحْسَنَ الْقَوْلَ فِي أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَأَزْوَاجِهِ الطَّاهِرَاتِ مِنْ كُلِّ دَنَسٍ، وَذُرِّيَّاتِهِ الْمُطَهَّرِينَ مِنْ كُلِّ رِجْسٍ.. مَنْ أَحْسَنَ الْقَوْلَ فِيهِمْ؛ فَقَدْ بَرِئَ مِنَ النِّفَاقِ».
مَا مَرَّ ذِكْرُهُ هُوَ بَعْضُ مَا يَتَعَلَّقُ بِفَضْلِ الصَّحَابَةِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- وَبِالْوَاجِبِ نَحْوَهُمْ.
وَأَمَّا سَبُّهُمْ وَشَتْمُهُمْ، فَالنُّصُوصُ وَالْأَقْوَالُ فِي النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ وَالتَّحْذِيرِ مِنْهُ وَبَيَانِ عَاقِبَةِ مَنْ وَقَعَ فِيهِ كَثِيرَةٌ ضَافِيَةٌ؛ مِنْهَا:
قَوْلُ الرَّسُولِ ﷺ: ((لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي، لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ)). وَهَذَا أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ فِي ((صَحِيحَيْهِمَا)).
وَقِيلَ لِبَعْضِ السَّلَفِ: إِنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ - وَهُوَ مَنْ هُوَ- يُقَدَّمُ عَلَى مُعَاوِيَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، فَقَالَ: «وَاللَّهِ! لَغُبَارُ أَنْفِ فَرَسِ مُعَاوِيَةَ فِي مَشْهَدٍ مِنْ مَشَاهِدِهِ مَعَ الرَّسُولِ خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الْأَرْضِ مِنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ».
وَعَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- قَالَتْ: ((أُمِرُوا بِالِاسْتِغْفَارِ لِأَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَسَبُّوهُمْ)). أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي ((فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ)) بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ.
وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- قَالَ: ((لَا تَسُبُّوا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَلَمَقَامُ أَحَدِهِمْ سَاعَةً خَيْرٌ مِنْ عِبَادَةِ أَحَدِكُمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً)). أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي ((فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ)) بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ.
وَفِي رِوَايَةٍ: ((خَيْرٌ مِنْ عَمَلِ أَحَدِكُمْ عُمُرَهُ)).
وَعَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ -رَحِمَهُ اللهُ- قَالَ: «السَّيْفُ الَّذِي وَقَعَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ فِتْنَةٌ، وَلَا أَقُولُ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ مَفْتُونٌ».
وَقَالَ بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ: قَالَ لِي الْأَوْزَاعِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ-: «يَا بَقِيَّةُ! لَا تَذْكُرْ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ نَبِيِّكَ ﷺ إِلَّا بِخَيْرٍ، يَا بَقِيَّةُ! الْعِلْمُ مَا جَاءَ عَنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَمَا لَمْ يَجِئْ عَنْهُمْ فَلَيْسَ بِعِلْمٍ».
وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ-: «إِذَا رَأَيْتَ الرَّجُلَ يَنْتَقِصُ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَاعْلَمْ أَنَّهُ زِنْدِيقٌ».
تَأَمَّلْ فِي كَلَامِ ذَلِكَ الْحَبْرِ مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ: ((إِذَا رَأَيْتَ الرَّجُلَ يَنْتَقِصُ أَحَدًا))، أَحَدًا.. لَيْسَ شَرْطًا أَنْ يَنْتَقِصَهُمْ جُمْلَةً، وَلَكِنْ ((يَنْتَقِصُ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَاعْلَمْ أَنَّهُ زِنْدِيقٌ؛ وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عِنْدَنَا حَقٌّ، وَالْقُرْآنَ حَقٌّ، وَإِنَّمَا أَدَّى إِلَيْنَا هَذَا الْقُرْآنَ وَالسُّنَّةَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَإِنَّمَا يُرِيدُونَ أَنْ يَجْرَحُوا شُهُودَنَا لِيُبْطِلُوا الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ، وَالْجَرْحُ بِهِمْ أَوْلَى، وَهُمْ زَنَادِقَةٌ))؛ لِأَنَّهُ إِذَا سَقَطَتِ الثِّقَةُ فِي أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ، مَنِ الَّذِي نَقَلَ إِلَيْنَا الْقُرْآنَ وَالسُّنَّةَ؟!!
أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ، الَّذِي يَطْعَنُ فِي عَدَالَةِ الصَّحَابَةِ فَهُوَ زِنْدِيقٌ؛ إِنَّمَا يُرِيدُ أَنْ يَجْرَحَ شُهُودَنَا لِيُبْطِلَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ، وَالْجَرْحُ بِهِمْ أَوْلَى، وَهُمْ زَنَادِقَةٌ.. كَمَا قَالَ أَبُو زُرْعَةَ -رَحِمَهُ اللهُ-.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ -رَحِمَهُ اللهُ-: «إِذَا رَأَيْتَ الرَّجُلَ يَذْكُرُ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِسُوءٍ، فَاتَّهِمْهُ عَلَى الْإِسْلَامِ».
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ -رَحِمَهُ اللهُ-: «وَمِنْ أُصُولِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ: سَلَامَةُ قُلُوبِهِمْ وَأَلْسِنَتِهِمْ لِأَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ)).
وَقَالَ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ مُبَيِّنًا حَقِيقَةَ فَضْلِ الصَّحَابَةِ: «وَلَوْ لَمْ يَرِدْ مِنَ اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ- وَرَسُولِهِ فِيهِمْ شَيْءٌ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ، لَأَوْجَبَتِ الْحَالُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا مِنَ الْهِجْرَةِ وَالْجِهَادِ وَالنُّصْرَةِ، وَبَذْلِ الْمُهَجِ وَالْأَمْوَالِ، وَقَتْلِ الْآبَاءِ وَالْأَبْنَاءِ، وَالْمُنَاصَحَةِ فِي الدِّينِ، وَقُوَّةِ الْإِيمَانِ وَالْيَقِينِ؛ لَأَوْجَبَ ذَلِكَ كُلُّهُ الْقَطْعَ عَلَى عَدَالَتِهِمْ، وَأَوْجَبَ الْقَطْعَ بِاعْتِقَادِ نَزَاهَتِهِمْ، وَأَنَّهُمْ أَفْضَلُ مِنْ جَمِيعِ الْمُعَدَّلِينَ وَالْمُزَكَّيْنَ الَّذِينَ يَجِيئُونَ مِنْ بَعْدِهِمْ أَبَدًا».
ثُمَّ قَالَ: «هَذَا مَذْهَبُ كَافَّةِ الْعُلَمَاءِ، وَمَنْ يُعْتَدُّ بِقَوْلِهِ مِنَ الْفُقَهَاءِ».
فَالْوَاجِبُ عَلَيْنَا تجَاهَ أَصْحَابِ نَبِيِّنَا ﷺ: سَلَامَةُ قُلُوبِنَا وَأَلْسِنَتِنَا لَهُمْ، وَنَشْرُ فَضَائِلِهِمْ، وَالْكَفُّ عَنْ مَسَاوِيهِمْ وَمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ، وَالتَّنْوِيهُ بِشَأْنِهِمْ كَمَا نَوَّهَ -تَعَالَى- بِذِكْرِهِمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ، وَثَبَتَتِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ فِي الْكُتُبِ الْمَشْهُورَةِ مِنَ الْأُمَّاتِ وَغَيْرِهَا فِي فَضَائِلِهِمْ.
وَلَكِنَّ الْمَخْذُولِينَ حَادُوا عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، وَعَنْ هَذَا الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، وَأَطْلَقُوا أَلْسِنَتَهُمْ فِيمَنْ لَا يَرْقَى الْوَاحِدُ مِنْهُمْ -مَهْمَا عَمِلَ وَعَلِمَ- إِلَى مَوَاطِنِ أَقْدَامِ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ.
وَنَعْلَمُ وَنَعْتَقِدُ أَنَّ ((اللهَ -تَعَالَى- اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ». وَالْحَدِيثُ فِي ((الصَّحِيحَيْنِ)) مِنْ رِوَايَةِ عَلِيٍّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، وَكَانُوا ثَلَاثَمِائَةٍ وَبِضْعَةَ عَشَرَ.
وَنَعْلَمُ وَنَعْتَقِدُ أَنَّهُ «لَا يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ مِمَّنْ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ».
وَنَشْهَدُ بِأَنَّهُمْ أَفْضَلُ الْقُرُونِ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ الَّتِي هِيَ أَفْضَلُ الْأُمَمِ، وَأَنَّ «مَنْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مِمَّنْ بَعْدَهُمْ لَمْ يَبْلُغْ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ», مَعَ الِاعْتِقَادِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا مَعْصُومِينَ، بَلْ يَجُوزُ عَلَيْهِمُ الْخَطَأُ، وَلَكِنَّهُمْ مُجْتَهِدُونَ؛ لِلْمُصِيبِ مِنْهُمْ أَجْرَانِ، وَلِمَنْ أَخْطَأَ أَجْرٌ وَاحِدٌ عَلَى اجْتِهَادِهِ، وَخَطَؤُهُ مَغْفُورٌ.
وَلَهُمْ مِنَ الْفَضَائِلِ وَالصَّالِحَاتِ وَالسَّوَابِقِ مَا يُذْهِبُ سَيِّئَ مَا وَقَعَ مِنْهُمْ إِنْ وَقَعَ، وَهَلْ يُغَيِّرُ يَسِيرُ النَّجَاسَةِ الْبَحْرَ إِذَا وَقَعَتْ فِيهِ؟!! -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ-.
وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي زَوْجَاتِ النَّبِيِّ ﷺ أَهْلِ بَيْتِهِ الَّذِينَ أَذْهَبَ اللهُ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهَّرَهُمْ تَطْهِيرًا، وَنَبْرَأُ مِنْ كُلِّ مَنْ وَقَعَ فِي صَدْرِهِ أَوْ عَلَى لِسَانِهِ سُوءٌ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَهْلِ بَيْتِهِ أَوْ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ، وَنُشْهِدُ اللهَ -تَعَالَى- عَلَى حُبِّهِمْ وَمُوَالَاتِهِمْ، وَالذَّبِّ عَنْهُمْ مَا اسْتَطَعْنَا؛ حِفْظًا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ فِي وَصِيَّتِهِ؛ إِذْ يَقُولُ: «لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي»، وَكَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «اللهَ اللهَ فِي أَصْحَابِي», وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُغَفَّلٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-.
وَقَالَ ﷺ: ((إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ؛ أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ، فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ وَتَمَسَّكُوا بِهِ، ثُمَّ قَالَ: وَأَهْلُ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي)). وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي سَعِيدٍ.
فَأَهْلُ السُّنَّةِ مَوْقِفُهُمْ مِنَ الِاخْتِلَافِ الَّذِي وَقَعَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ وَمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ فِي وَقْتِ الْفِتْنَةِ مَحْكُومٌ بِهَذَا الْمَوْقِفِ الْعَامِّ تِجَاهَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ، وَالْحُرُوبُ الَّتِي حَصَلَتْ بَيْنَهُمْ وَمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ مِنَ الِاخْتِلَافِ، فَمَوْقِفُ أَهْلِ السُّنَّةِ مِمَّا يُنْسَبُ إِلَى الصَّحَابَةِ مِنْ مَسَاوِئَ وَمَثَالِبَ اتَّخَذَهَا أَعْدَاءُ اللهِ سَبَبًا لِلْوَقِيعَةِ فِيهِمْ وَالنَّيْلِ مِنْهُمْ.. فَمَوْقِفُ أَهْلِ السُّنَّةِ مِنْهُمْ: أَنَّهُمْ يُمْسِكُونَ عَمَّا شَجَرَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ.
فَالصَّحَابَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- وَقَعَتْ بَيْنَهُمْ بَعْدَ مَقْتَلِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- نِزَاعَاتٌ، وَاشْتَدَّ الْأَمْرُ بَعْدَ مَقْتَلِ عُثْمَانَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، وَوَقَعَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ مَا وَقَعَ مِمَّا أَدَّى إِلَى الْقِتَالِ، وَهَذِهِ الْقَضَايَا مَشْهُورَةٌ، وَقَدْ وَقَعَتْ بِلَا شَكٍّ عَنْ تَأْوِيلٍ وَاجْتِهَادٍ، كُلٌّ مِنْهُمْ يَظُنُّ أَنَّهُ عَلَى حَقٍّ.
وَلَا يُمْكِنُ أَنْ نَقُولَ: إِنَّ عَائِشَةَ وَالزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ قَاتَلَا عَلِيًّا -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- وَهُمْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُمْ عَلَى بَاطِلٍ وَأَنَّ عَلِيًّا عَلَى حَقٍّ! وَاعْتِقَادُهُمْ أَنَّهُمْ عَلَى حَقٍّ لَا يَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونُوا قَدْ أَصَابُوا الْحَقَّ، وَلَكِنْ إِذَا كَانُوا مُخْطِئِينَ وَنَعْلَمُ أَنَّهُمْ لَمْ يُقْدِمُوا عَلَى هَذَا الْأَمْرِ إِلَّا عَنِ اجْتِهَادٍ, فَإِنَّهُ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ «إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانٍ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ». وَالْحَدِيثُ فِي ((الصَّحِيحَيْنِ)).
فَالصَّحَابَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- مَا وَقَعَ مِنْهُمْ مِنْ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، فَالْقَوْلُ فِيهِمْ أَنَّهُمْ مُخْطِئُونَ مُجْتَهِدُونَ، فَلَهُمْ أَجْرٌ وَاحِدٌ.
هَذَا مَا يَنْبَغِي عَلَيْنَا تِجَاهَ أَصْحَابِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ.
وَفَضَائِلُ الصَّحَابَةِ بِإِجْمَالٍ هِيَ: الْإِيمَانُ بِاللهِ وَرَسُولِهِ، وَالْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَالْهِجْرَةُ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَالنُّصْرَةُ لِدِينِ اللهِ، وَالْعِلْمُ النَّافِعُ، وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ، وَهُمْ خَيْرُ الْخَلْقِ بَعْدَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ، وَهُمُ الصَّفْوَةُ مِنْ قُرُونِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَهَذِهِ الْأُمَّةُ خَيْرُ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ.
فَمَنْ نَظَرَ فِي سِيرَةِ الْقَوْمِ بِعِلْمٍ وَبَصِيرَةٍ وَمَا مَنَّ اللهُ عَلَيْهِمْ بِهِ مِنَ الْفَضَائِلِ، عَلِمَ يَقِينًا أَنَّهُمْ خَيْرُ الْخَلْقِ بَعْدَ الْأَنْبِيَاءِ.
إِذَا نَظَرْتَ بِعِلْمٍ وَبَصِيرَةٍ وَإِنْصَافٍ فِي مَحَاسِنِ الْقَوْمِ وَمَا أَعْطَاهُمُ اللهُ مِنَ الْفَضَائِلِ؛ عَلِمْتَ يَقِينًا أَنَّهُمْ خَيْرُ الْخَلْقِ بَعْدَ الْأَنْبِيَاءِ، فَهُمْ خَيْرٌ مِنَ الْحَوَارِيِّينَ أَصْحَابِ عِيسَى، وَخَيْرٌ مِنَ النُّقَبَاءِ أَصْحَابِ مُوسَى، وَخَيْرٌ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَ نُوحٍ وَمَعَ هُودٍ وَغَيْرِهِمْ.
لَا يُوجَدُ أَحَدٌ فِي أَتْبَاعِ الْأَنْبِيَاءِ أَفْضَلَ مِنَ الصَّحَابَةِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ-، وَالْأَمْرُ فِي هَذَا ظَاهِرٌ مَعْلُومٌ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران: 110]، وَخَيْرُنَا الصَّحَابَةُ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَيْرُ الْخَلْقِ فَأَصْحَابُهُ خَيْرُ الْأَصْحَابِ بِلَا شَكٍّ، هَذَا عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ.
مِنْ كُلِّ ذَلِكَ يَعْتَقِدُ أَهْلُ السُّنَّةِ أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَفْضَلُ هَذِهِ الْأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا ﷺ، وَأَعْلَاهُمْ مَنْزِلَةً وَمَكَانَةً عِنْدَ اللَّهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، وَيَعْتَقِدُونَ أَنَّ الصَّحَابَةَ جَمِيعًا مُشْتَرِكُونَ فِي هَذَا الْفَضْلِ الْعَظِيمِ، مَشْمُولُونَ بِجَمِيلِ الثَّنَاءِ وَالْكَرَامَةِ وَالْوَعْدِ الْحَسَنِ مِنَ اللَّهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-.
((أَنْزِلُوا الْعُلَمَاءَ مَنَازِلَهُمْ!))
إِنَّ مِنْ أَرْفَعِ النَّاسِ مَنْزِلَةُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَأَسْمَاهُمْ مَكَانَةً الْعُلَمَاءَ؛ فَقَدْ تَضَافَرَتْ نُصُوصُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ بِمَا لَا يُحْصَى عِدَّةً وَلَا يُسْتَقْصَى كَثْرَةً عَلَى بَيَانِ رِفْعَةِ شَأْنِ الْعِلْمِ وَأَهْلِهِ، وَالتَّرْغِيبِ فِي النَّهْلِ مِنْ مَعِينِهِ الصَّافِي وَسَلْسَبِيلِهِ الْعَذْبِ الشَّافِي.
((لَقَدْ مَدَحَ اللهُ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- الْعِلْمَ وَأَهْلَهُ، وَحَثَّ عِبَادَهُ عَلَى الْعِلْمِ وَالتَّزَوُّدِ مِنْهُ، وَكَذَلِكَ السُّنَّةُ الْمُطَهَّرَةُ.
فَالْعِلْمُ مِنْ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، وَهُوَ مِنْ أَفْضَلِ وَأَجَلِّ الْعِبَادَاتِ.. عِبَادَاتِ التَّطَوُّعِ؛ لِأَنَّهُ نَوْعٌ مِنَ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ، فَإِنَّ دِينَ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ- إِنَّمَا قَامَ بِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: الْعِلْمُ وَالْبُرْهَانُ.
وَالثَّانِي: الْقِتَالُ وَالسِّنَانُ.
الْعِلْمُ نُورٌ يَهْتَدِي بِهِ الْإِنْسَانُ، وَيَخْرُجُ بِهِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ، الْعِلْمُ يَرْفَعُ اللهُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ خَلْقِهِ؛ {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [المجادلة: 11].
وَلِهَذَا نَجِدُ أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ مَحَلُّ الثَّنَاءِ، كُلَّمَا ذُكِرُوا أُثْنِيَ عَلَيْهِمْ، وَهَذَا رَفْعٌ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا، أَمَّا فِي الْآخِرَةِ فَإِنَّهُمْ يَرْتَفِعُونَ دَرَجَاتٍ بِحَسَبِ مَا قَامُوا بِهِ مِنَ الدَّعْوَةِ إِلَى اللهِ وَالْعَمَلِ بِمَا عَلِمُوا.
بِالْعِلْمِ يَعْبُدُ الْإِنْسَانُ رَبَّهُ عَلَى بَصِيرَةٍ، فَيَتَعَلَّقُ قَلْبُهُ بِالْعِبَادَةِ، وَيَتَنَوَّرُ قَلْبُهُ بِهَا، وَيَكُونُ فَاعِلًا لَهَا عَلَى أَنَّهَا عِبَادَةٌ لَا عَلَى أَنَّهَا عَادَةٌ، وَلِهَذَا إِذَا صَلَّى الْإِنْسَانُ عَلَى هَذَا النَّحْوِ فَإِنَّهُ مَضْمُونٌ لَهُ مَا أَخْبَرَ اللهُ بِهِ مِنْ أَنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ».
قَالَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ} [الزمر: 9].
قَالَ السَّعْدِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ-: (({قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ} رَبَّهُمْ وَيَعْلَمُونَ دِينَهُ الشَّرْعِيَّ وَدِينَهُ الْجَزَائِيَّ وَمَا لَهُ فِي ذَلِكَ مِنَ الْأَسْرَارِ وَالْحِكَمِ، {وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ} شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ؟!!
لَا يَسْتَوِي هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ، كَمَا لَا يَسْتَوِي اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، وَالضِّيَاءُ وَالظَّلَامُ، وَالْمَاءُ وَالنَّارُ.
{إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ} إِذَا ذُكِّرُوا {أُوْلُوا الأَلْبَابِ}؛ أَيْ: أَهْلُ الْعُقُولِ الزَّكِيَّةِ الذَّكِيَّةِ، فَهُمُ الَّذِينَ يُؤْثِرُونَ الْأَعْلَى عَلَى الْأَدْنَى، فَيُؤْثِرُونَ الْعِلْمَ عَلَى الْجَهْلِ، وَطَاعَةَ اللهِ عَلَى مُخَالَفَتِهِ؛ لِأَنَّ لَهُمْ عُقُولًا تُرْشِدُهُمْ لِلنَّظَرِ فِي الْعَوَاقِبِ، بِخِلَافِ مَنْ لَا لُبَّ لَهُ وَلَا عَقْلَ فَإِنَّهُ يَتَّخِذُ إِلَهَهُ هَوَاهُ)).
وَظَهَرَتْ عِنَايَةُ الْإِسْلَامِ بِالْعِلْمِ وَالتَّرْغِيبِ فِيهِ مَعَ أَوَّلِ مَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، قَالَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} [العلق: 1-5].
((هَذِهِ السُّورَةُ أَوَّلُ السُّوَرِ الْقُرْآنِيَّةِ نُزُولًا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ؛ فَإِنَّهَا نَزَلَتْ عَلَيْهِ فِي مَبَادِئِ النُّبُوَّةِ؛ إِذْ كَانَ لَا يَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ، فَجَاءَهُ جِبْرِيلُ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- بِالرِّسَالَةِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَقْرَأَ، فَامْتَنَعَ وَقَالَ: ((مَا أَنَا بِقَارِئٍ))، فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتَّى قَرَأَ، فَأَنْزَلَ اللهُ عَلَيْهِ: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ}؛ خَلَقَ عُمُومَ الْخَلْقِ، ثُمَّ خَصَّ الْإِنْسَانَ وَذَكَرَ ابْتِدَاءَ خَلْقِهِ.
{خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ}: فَالَّذِي خَلَقَ الْإِنْسَانَ وَاعْتَنَى بِتَدْبِيرِهِ لَا بُدَّ أَنْ يُدَبِّرَهُ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَذَلِكَ بِإِرْسَالِ الرُّسُلِ، وَإِنْزَالِ الْكُتُبِ، وَلِهَذَا أَتَى بَعْدَ الْأَمْرِ بِالْقِرَاءَةِ بِخَلْقِهِ لِلْإِنْسَانِ.
ثُمَّ قَالَ: {اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ}؛ أَيْ: كَثِيرُ الصِّفَاتِ وَاسِعُهَا، كَثِيرُ الْكَرَمِ وَالْإِحْسَانِ، وَاسِعُ الْجُودِ، الَّذِي مِنْ كَرَمِهِ أَنْ عَلَّمَ أَنْوَاعَ الْعُلُومِ.
وَ{الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ}؛ فَإِنَّهُ -تَعَالَى- أَخْرَجَهُ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ لَا يَعْلَمُ شَيْئًا، وَجَعَلَ لَهُ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ، وَيَسَّرَ لَهُ أَسْبَابَ الْعِلْمِ، فَعَلَّمَهُ الْقُرْآنَ، وَعَلَّمَهُ الْحِكْمَةَ، وَعَلَّمَهُ بِالْقَلَمِ الَّذِي تُحْفَظُ بِهِ الْعُلُومُ، وَتُضْبَطُ الْحُقُوقُ، وَتَكُونُ رُسُلًا لِلنَّاسِ تَنُوبُ مَنَابَ خِطَابِهِمْ.
فَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ الَّذِي أَنْعَمَ عَلَى عِبَادِهِ بِهَذِهِ النِّعَمِ الَّتِي لَا يَقْدِرُونَ لَهَا عَلَى جَزَاءٍ وَلَا شُكُورٍ، ثُمَّ مَنَّ عَلَيْهِمْ بِالْغِنَى وَسَعَةِ الرِّزْقِ)).
وَقَالَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: {أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰ ۚ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ} [الرعد: 19].
قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((لَا يَسْتَوِي مَنْ يَعْلَمُ مِنَ النَّاسِ أَنَّ الَّذِي {أُنزِلَ إِلَيْكَ} يَا مُحَمَّدُ {مِن رَّبِّكَ} هُوَ الْحَقُّ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ وَلَا مِرْيَةَ، وَلَا لَبْسَ فِيهِ وَلَا اخْتِلَافَ فِيهِ، بَلْ هُوَ كُلُّهُ حَقٌّ يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا، لَا يُضَادُّ شَيْءٌ مِنْهُ شَيْئًا آخَرَ، فَأَخْبَارُهُ كُلُّهَا حَقٌّ، وَأَوَامِرُهُ وَنَوَاهِيهِ عَدْلٌ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا} [الأنعام: 115]؛ أَيْ: صِدْقًا فِي الْأَخْبَارِ، وَعَدْلًا فِي الطَّلَبِ، فَلَا يَسْتَوِي مَنْ تَحَقَّقَ صِدْقَ مَا جِئْتَ بِهِ يَا مُحَمَّدُ، وَمَنْ هُوَ أَعْمَى لَا يَهْتَدِي إِلَى خَيْرٍ وَلَا يَفْهَمُهُ، وَلَو فَهِمَهُ مَا انْقَادَ لَهُ، وَلَا صَدَّقَهُ وَلَا اتَّبَعَهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ ۚ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ} [الحشر: 20]، وَقَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: { أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰ}؛ أَيْ: أَفَهَذَا كَهَذَا؟!! لَا اسْتِوَاءَ.
وَقَوْلُهُ: {إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ}؛ أَيْ: إِنَّمَا يَتَّعِظُ وَيَعْتَبِرُ وَيَعْقِلُ أُولُو الْعُقُولِ السَّلِيمَةِ الصَّحِيحَةِ، جَعَلَنَا اللهُ مِنْهُمْ)).
وَكَذَلِكَ سُنَّةُ النَّبِيِّ ﷺ تَكَاثَرَتْ فِيهَا النُّصُوصُ لِلدَّلَالَةِ عَلَى شَرَفِ الْعِلْمِ وَفَضْلِهِ، وَعَلَى قَدْرِ الْعُلَمَاءِ عِنْدَ اللهِ وَفِي الْحَيَاةِ.
((مِنْ فَضَائِلِ الْعِلْمِ: أَنَّهُ طَرِيقُ الْجَنَّةِ، وَقَدْ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: ((وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَمِنْ فَضَائِلِ الْعِلْمِ: مَا جَاءَ فِي حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ))؛ أَيْ: يَجْعَلْهُ فَقِيهًا فِي دِينِ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ-.
وَالْفِقْهُ فِي الدِّينِ لَا يُقْصَدُ بِهِ فِقْهُ الْأَحْكَامِ الْعَمَلِيَّةِ كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ فِي مُصْطَلَحِ الْفِقْهِ، وَلَكِنَّ الْمَقْصُودَ بِهِ هُوَ: عِلْمُ التَّوْحِيدِ وَأُصُولِ الدِّينِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِشَرِيعَةِ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ-.
وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْ نُصُوصِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ إِلَّا هَذَا الْحَدِيثُ فِي فَضْلِ الْعِلْمِ لَكَانَ كَافِيًا فِي الْحَثِّ عَلَى طَلَبِ عِلْمِ الشَّرِيعَةِ وَالْفِقْهِ فِيهَا)).
((مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ)): مَنْطُوقٌ ظَاهِرٌ، مَفْهُومُهُ: أَنَّ مَنْ لَمْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا لَمْ يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ، وَأَنَّ مَنْ لَمْ يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ لَمْ يُرِدْ بِهِ خَيْرًا.
وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ((مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا، سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا لِطَالِبِ الْعِلْمِ، وَإِنَّ طَالِبَ الْعِلْمِ يَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ حَتَّى الْحِيتَانُ فِي الْمَاءِ، وَإِنَّ فَضْلَ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ، إِنَّ الْعُلَمَاءَ هُمْ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا، إِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ».
وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٍ آتَاهُ اللهُ مَالًا فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ، وَرَجُلٍ آتَاهُ اللهُ حِكْمَةً فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا».
وَالْمُرَادُ بِالْحَسَدِ فِي الْحَدِيثِ: الْغِبْطَةُ؛ وَهِيَ: أَنْ يَتَمَنَّى مِثْلَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَزُولَ مَا أَنْعَمَ اللهُ -تَعَالَى- عَلَيْهِ بِهِ.
وَمَعْنَاهُ: يَنْبَغِي أَلَّا يَغْبِطَ أَحَدٌ أَحَدًا إِلَّا فِي هَاتَيْنِ الْخَصْلَتَيْنِ الْمُوصِلَتَيْنِ إِلَى رِضَاءِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-.
وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ لِعَلِيٍّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: ((فَوَاللهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ)). أَخْرَجَاهُ فِي ((الصَّحِيحَيْنِ)).
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: ((إِذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَالْعِلْمُ أَفْضَلُ مِنَ الْمَالِ؛ فَقَدْ نَصَحَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- كُمَيْلَ بْنَ زِيَادٍ فَقَالَ لَهُ: ((يَا كُمَيْلُ! الْعِلْمُ خَيْرٌ مِنَ الْمَالِ، الْعِلْمُ يَحْرُسُكَ وَأَنْتَ تَحْرُسُ المَالَ، وَالْمَالُ تُنْقِصُهُ النَّفَقَةُ، وَالْعِلْمُ يَزْكُو عَلَى الْإِنْفَاقِ، وَصَنِيعُ الْمَالِ يَزُولُ بِزَوَالِهِ، الْعِلْمُ حَاكِمٌ وَالْمَالُ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ)).
قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((قَوْلُهُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: ((الْعِلْمُ خَيْرٌ مِنَ الْمَالِ، الْعِلْمُ يَحْرُسُكَ وَأَنْتَ تَحْرُسُ المَالَ))؛ يَعْنِي: أَنَّ الْعِلْمَ يَحْفَظُ صَاحِبَهُ وَيَحْمِيهِ مِنْ مَوَارِدِ الْهَلَكَةِ وَمَوَاقِعِ الْعَطَبِ؛ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ لَا يُلْقِي نَفْسَهُ فِي هَلَكَةٍ إِذَا كَانَ عَقْلُهُ مَعَهُ، وَلَا يُعَرِّضُهَا لِمُتْلِفٍ إِلَّا إِذَا كَانَ جَاهِلًا بِذَلِكَ، لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ، فَهُوَ كَمَنْ يَأْكُلُ طَعَامًا مَسْمُومًا، فَالْعَالِمُ بِالسُّمِّ وَضَرَرِهِ يَحْرُسُهُ عِلْمُهُ، وَيَمْتَنِعُ بِهِ مِنْ أَكْلِهِ، وَالْجَاهِلُ بِهِ يَقْتُلُهُ جَهْلُهُ، فَهَذَا مَثَلُ حِرَاسَةِ الْعِلْمِ لِلْعَالِمِ)).
وَقَالَ -أَيْضًا- -رَحِمَهُ اللهُ-: ((إِنَّ أَوْلَى مَا يَتَنَافَسُ فِيهِ الْمُتَنَافِسُونَ، وَأَحْرَى مَا يَتَسَابَقُ فِي حَلْبَةِ سِبَاقِهِ الْمُتَسَابِقُونَ؛ مَا كَانَ بِسَعَادَةِ الْعَبْدِ فِي مَعَاشِهِ وَمَعَادِهِ كَفِيلًا، وَعَلَى طَرِيقِ هَذِهِ السَّعَادَةِ دَلِيلًا، وَذَلِكَ: الْعِلْمُ النَّافِعُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ، اللَّذَانِ لَا سَعَادَةَ لِلْعَبْدِ إِلَّا بِهِمَا، وَلَا نَجَاةَ لَهُ إِلَّا بِالتَّعَلُّقِ بِسَبَبِهِمَا، فَمَنْ رُزِقَهُمَا فَقَدْ فَازَ وَغَنِمَ، وَمَنْ حُرِمَهُمَا فَالْخَيْرَ كُلَّهُ حُرِمَ، وَهُمَا مَوْرِدُ انْقِسَامِ الْعِبَادِ إِلَى مَرْحُومٍ وَمَحْرُومٍ، وَبِهِمَا يَتَمَيَّزُ الْبَرُّ مِنَ الْفَاجِرِ، وَالتَّقِيُّ مِنَ الْغَوِيِّ، وَالظَّالِمُ مِنَ الْمَظْلُومِ)).
فَهَذِهِ كُلُّهَا مِنْ آيَاتِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، وَمِنْ أَحَادِيثِ النَّبِيِّ ﷺ، وَكَذَا هَذِهِ الْإِشَارَةُ.. هَذِهِ الْوَمْضَةُ مِنْ كَلَامِ عُلَمَائِنَا -عَلَيْهِمُ الرَّحْمَةُ- كُلُّهَا تَدُلُّ عَلَى فَضِيلَةِ الْعِلْمِ وَعَظِيمِ قَدْرِهِ، بَلْ يَكْفِي فِي ذَلِكَ -كَمَا قَالَ الْعُلَمَاءُ-: ((أَنَّ الْجَاهِلَ الَّذِي يُقِرُّ بِجَهْلِهِ بَيْنَ نَفْسِهِ وَعِنْدَ غَيْرِهِ إِذَا وُصِفَ بِالْعِلْمِ فَرِحَ، وَإِذَا وُصِفَ بِمَا هُوَ فِيهِ غَضِبَ وَابْتَأَسَ))، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى فَضْلِ هَذَا الْأَمْرِ الْكَبِيرِ.
يَكْفِي أَنَّ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- قَدَّمَ كَلْبًا عَلَى كَلْبٍ بِالْعِلْمِ، فَإِنَّ الْكَلْبَ الْمُعَلَّمَ إِذَا اصْطَادَ شَيْئًا فَإِنَّهُ يَحِلُّ أَكْلُهُ، وَأَمَّا الْكَلْبُ الْجَاهِلُ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ مَا أَمْسَكَ عَلَى صَاحِبِهِ.
فَرَفَعَ اللهُ -تَعَالَى- بِالْعِلْمِ كَلْبًا عَلَى كَلْبٍ، فَلَيْسَ الْمُعَلَّمُ مِنَ الْكِلَابِ كَالْجَاهِلِ مِنْهَا فَكَيْفَ بِالْبَشَرِ؟!!
وَجَدِيرٌ بِكُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يُنْزِلَ الْعُلَمَاءَ مَنَازِلَهُمْ، وَأَنْ يُعَامِلَهُمْ عَلَى حَسَبِ قَدْرِهِمُ الَّذِي مَنَّ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- عَلَيْهِمْ بِهِ، قَالَ النَّوَوِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((وَيَنْبَغِي أَنْ يَنْظُرَ مُعَلِّمَهُ بِعَيْنِ الِاحْتِرَامِ، وَيَعْتَقِدَ كَمَالَ أَهْلِيَّتِهِ وَرُجْحَانَهُ عَلَى أَكْثَرِ طَبَقَتِهِ، فَهُوَ أَقْرَبُ إِلَى انْتِفَاعِهِ بِهِ، وَرُسُوخِ مَا سَمِعَهُ مِنْهُ فِي ذِهْنِهِ.
وَقَدْ كَانَ بَعْضُ الْمُتَقَدِّمِينَ إِذَا ذَهَبَ إِلَى مُعَلِّمِهِ تَصَدَّقَ بِشَيْءٍ، وَقَالَ: اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَيْبَ مُعَلِّمِي عَنِّي، وَلَا تُذْهِبْ بَرَكَةَ عِلْمِهِ مِنِّي))
وَلَا يُنَالُ الْعِلْمُ إِلَّا بِإِلْقَاءِ السَّمْعِ مَعَ التَّوَاضُعِ؛ فَعَنِ الشَّعْبِيِّ -رَحِمَهُ اللهُ- قَالَ: ((صَلَّى زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ عَلَى جِنَازَةٍ، ثُمَّ قُرِّبَتْ لَهُ بَغْلَةٌ لِيَرْكَبَهَا، فَجَاءَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَأَخَذَ بِرِكَابِهِ، فَقَالَ لَهُ زَيْدٌ: خَلِّ عَنْهُ يَا ابْنَ عَمِّ رَسُولِ اللهِ ﷺ! فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هَكَذَا يُفْعَلُ بِالْعُلَمَاءِ وَالْكُبَرَاءِ)).
وَقَدْ كَانَ السَّلَفُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- يُعَظِّمُونَ مَنْ يَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمْ تَعْظِيمًا شَدِيدًا، وَآثَارُهُمْ فِي ذَلِكَ شَاهِدَةٌ عَلَى آدَابِهِمْ فِي مَجَالِسِ التَّعْلِيمِ، وَعَلَى تَوْقِيرِهِمْ لِمُعَلِّمِيهِمْ، وَقَدْ أَخْرَجَ الْخَطِيبُ فِي ((الْجَامِعِ)) كَثِيرًا مِنْ تِلْكَ الْآثَارِ.
فَسَاقَ بِسَنَدِهِ عَنْ مُغِيرَةَ قَالَ: ((كُنَّا نَهَابُ إِبْرَاهِيمَ -النَّخَعِيَّ- كَمَا يُهَابُ الْأَمِيرُ)).
وَعَنْ أَيُّوبَ قَالَ: ((كَانَ الرَّجُلُ يَجلِسُ إِلَى الْحَسَنِ ثَلَاثَ سِنِينَ، فَلَا يَسْأَلُهُ عَنْ شَيْءٍ هَيْبَةً لَهُ)).
وَعَنْ إِسْحَاقَ الشَّهِيدِيِّ قَالَ: ((كُنْتُ أَرَى يَحْيَى الْقَطَّانَ يُصَلِّي الْعَصْرَ، ثُمَّ يَسْتَنِدُ إِلَى أَصْلِ مَنَارَةِ الْمَسْجِدِ، فَيَقِفُ بَيْنَ يَدَيْهِ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ، وَالشَّاذَكُونِيُّ، وَعَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، وَغَيْرُهُم، يَسْأَلُونَهُ عَنِ الْحَدِيثِ وَهُمْ قِيَامٌ عَلَى أَرْجُلِهِمْ، إِلَى أَنْ تَحِينَ صَلَاةُ الْمَغْرِبِ، لَا يَقُولُ لِوَاحِدٍ مِنْهُمُ: اجْلِسْ، وَلَا يَجْلِسُونَ هَيْبَةً لَهُ وَإِعْظَامًا)).
وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَرْمَلَةَ الْأَسْلَمِيِّ، قَالَ: ((مَا كَانَ إِنْسَانٌ يَجْتَرِئُ عَلَى سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ يَسْأَلُهُ عَنْ شَيْءٍ، حَتَّى يَسْتَأْذِنَهُ كَمَا يُسْتَأْذَنُ الْأَمِيرُ)).
فَعَلَى طَالِبِ الْعِلْمِ ((أَنْ يَنْقَادَ لِشَيْخِهِ فِي أُمُورِهِ، وَلَا يَخْرُجَ عَنْ رَأْيِهِ وَتَدْبِيرِهِ، بَلْ يَكُونُ مَعَهُ كَالْمَرِيضِ مَعَ الطَّبِيبِ الْمَاهِرِ، فَيُشَاوِرُهُ فِيمَا يَقْصِدُهُ، وَيَتَحَرَّى رِضَاهُ فِيمَا يَتَعَمَّدُهُ، وَيُبَالِغُ فِي حُرْمَتِهِ، وَيَتَقَرَّبُ إِلَى اللهِ -تَعَالَى- بِخِدْمَتِهِ، وَيَعْلَمُ أَنَّ ذُلَّهُ لِشَيْخِهِ عِزٌّ، وَخُضُوعَهُ لَهُ فَخْرٌ، وَتَوَاضُعَهُ لَهُ رِفْعَةٌ.
وَيُقَالُ: إِنَّ الشَّافِعِيَّ -رَحِمَهُ اللهُ- عُوتِبَ عَلَى تَوَاضُعِهِ لِلْعُلَمَاءِ، فَقَالَ:
أُهِينُ لَهُمْ نَفْسِي فَهُمْ يُكْرِمُونَهَا=وَلَنْ تُكْرَمَ النَّفْسُ الَّتِي لَا تُهِينُهَا
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ -رَحِمَهُ اللهُ- لِخَلَفٍ الْأَحْمَرِ: ((لَا أَقْعُدُ إِلَّا بَيْنَ يَدَيْكَ، أُمِرْنَا أَنْ نَتَوَاضَعَ لِمَنْ نَتَعَلَّمُ مِنْهُ)).
وَعَلَى طَالِبِ الْعِلْمِ أَنْ يَنْظُرَ شَيْخَهُ بِعَيْنِ الْإِجْلَالِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ أَقْرَبُ إِلَى نَفْعِهِ بِهِ، وَكَانَ بَعْضُ السَّلَفِ إِذَا ذَهَبَ إِلَى شَيْخِهِ تَصَدَّقَ بِشَيْءٍ، وَقَالَ: ((اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَيْبَ شَيْخِي عَنِّي، وَلَا تُذْهِبْ بَرَكَةَ عِلْمِهِ مِنِّي)).
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((كُنْتُ أَصْفَحُ الْوَرَقَةَ بَيْنَ يَدَيْ مَالِكٍ صَفْحًا رَقِيقًا هَيْبَةً لَهُ؛ لِئَلَّا يَسْمَعَ وَقْعَهَا)).
وَقَالَ حَمْدَانُ الْأَصْفَهَانِيُّ: ((كُنْتُ عِنْدَ شَرِيكٍ، فَأَتَاهُ بَعْضُ أَوْلَادِ الْخَلِيفَةِ الْمَهْدِيِّ، فَاسْتَنَدَ إِلَى الْحَائِطِ وَسَأَلَهُ عَنْ حَدِيثٍ؛ فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهِ، وَأَقْبَلَ عَلَيْنَا، ثُمَّ عَادَ، فَعَادَ لِمِثْلِ ذَلِكَ، فَقَالَ: أَتَستَخِفُّ بِأَوْلَادِ الْخُلَفَاءِ؟!!
فَقَالَ شَرِيكٌ: لَا، وَلَكِنَّ الْعِلْمَ أَجَلُّ عِنْدَ اللهِ مِنْ أَنْ أَضَعَهُ! فَجَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ، فَقَالَ شَرِيكٌ: هَكَذَا يُطْلَبُ الْعِلْمُ)).
وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ صَاحِبُ الشَّافِعِيِّ -رَحِمَهُمَا اللهُ-: ((وَاللهِ مَا اجْتَرَأْتُ أَنْ أَشْرَبَ الْمَاءَ وَالشَّافِعِيُّ يَنْظُرُ إِلَيَّ هَيْبَةً لَهُ)).
وَيَنْبَغِي أَلَّا يُخَاطِبَ شَيْخَهُ بِتَاءِ الْخِطَابِ وَكَافِهِ، وَلَا يُنَادِيهِ مِنْ بُعْدٍ.
قَالَ الْخَطِيبُ: ((يَقُولُ: أَيُّهَا الْعَالِمُ، وَأَيُّهَا الْحَافِظُ، وَنَحْوَ ذَلِكَ))، وَمَا تَقُولُونَ فِي كَذَا؟ وَمَا رَأْيُكُمْ فِي كَذَا؟ وَشِبْهَ ذَلِكَ، وَلَا يُسَمِّيهِ فِي غَيْبَتِهِ أَيْضًا بِاسْمِهِ إِلَّا مَقْرُونًا بِمَا يُشْعِرُ بِتَعْظِيمِهِ، كَقَوْلِهِ: قَالَ الشَّيْخُ، أَوِ الْأُسْتَاذُ، أَوْ: قَالَ شَيْخُنَا كَذَا.
وَعَلَيْهِ أَنْ يَعْرِفَ لِلشَّيْخِ حَقَّهُ، وَلَا يَنْسَى فَضْلَهُ، وَأَنْ يُعَظِّمَ حُرْمَتَهُ، وَيَرُدَّ غِيْبَتَهُ وَيَغْضَبَ لَهَا، فَإِنْ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ قَامَ وَفَارَقَ ذَلِكَ الْمَجْلِسَ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَدْعُوَ لِلشَّيْخِ مُدَّةَ حَيَاتِهِ، وَيَرْعَى ذُرِّيَّتَهُ وَأَقَارِبَهُ وَأَوِدَّاءَهُ بَعْدَ وَفَاتِهِ، وَيَتَعَمَّدَ زِيَارَةَ قَبْرِهِ وَالِاسْتِغْفَارَ لَهُ، وَالصَّدَقَةَ عَنْهُ، وَيَسْلُكَ فِي السَّمْتِ وَالْهَدْيِ مَسْلَكَهُ، وَيُرَاعِيَ فِي الْعِلْمِ وَالدِّينِ عَادَتَهُ، وَيَقْتَدِيَ بِحَرَكَاتِهِ وَسَكَنَاتِهِ فِي عَادَاتِهِ وَعِبَادَاتِهِ، وَيَتَأَدَّبَ بِآدَابِهِ، وَلَا يَدَعَ الِاقْتِدَاءَ بِهِ)).
((وَعَلَى طَالِبِ الْعِلْمِ أَنْ يَصْبِرَ عَلَى جَفَاءِ شَيْخِهِ، وَأَنْ يَتَرَفَّقَ بِهِ؛ فَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ: ((قِيلَ لِسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ: إِنَّ قَوْمًا يَأْتُونَكَ مِنْ أَقْطَارِ الْأَرْضِ تَغْضَبُ عَلَيْهِمْ، يُوشِكُ أَنْ يَذْهَبُوا وَيَتْرُكُوكَ! فَقَالَ لِلْقَائِلِ: ((هُمْ إِذَنْ حَمْقَى مِثْلُكَ إِنْ تَرَكُوا مَا يَنْفَعُهُمْ لِسُوءِ خُلُقِي»».
وَعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: ((لَمْ أَسْتَخْرِجِ الَّذِي اسْتَخْرَجْتُ مِنْ عَطَاءٍ إِلَّا بِرِفْقِي بِهِ)).
وَعَنِ ابْنِ طَاوُوسٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: ((مِنَ السُّنَّةِ أَنْ يُوَقَّرَ الْعَالِمُ)).
((وَإِذَا وَقَفَهُ الشَّيْخُ عَلَى دَقِيقَةٍ مِنْ أَدَبٍ، أَوْ نَقِيصَةٍ صَدَرَتْ مِنْهُ، وَكَانَ يَعْرِفُهَا مِنْ قَبْلُ؛ فَلَا يُظْهِرْ أَنَّهُ كَانَ عَارِفًا بِهَا وَغَفَلَ عَنْهَا، بَلْ يَشْكُرُ الشَّيْخَ عَلَى إِفَادَتِهِ ذَلِكَ وَاعْتِنَائِهِ بِأَمْرِهِ، فَإِنْ كَانَ لَهُ فِي ذَلِكَ عُذْرٌ وَكَانَ إِعْلَامُ الشَّيْخِ بِهِ أَصْلَحَ فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَإِلَّا تَرَكَهُ، إِلَّا أَنْ يَتَرَتَّبَ عَلَى تَرْكِ بَيَانِ الْعُذْرِ مَفْسَدَةٌ فَيَتَعَيَّنُ إِعْلَامُهُ بِهِ)).
وَلْيَحْذَرْ طَالِبُ الْعِلْمِ أَشَدَّ الْحَذَرِ أَنْ يُمَارِيَ أُسْتَاذَهُ؛ فَإِنَّ الْمِرَاءَ شَرٌّ كُلُّهُ، وَهُوَ مَعَ شَيْخِهِ وَقُدْوَتِهِ أَقْبَحُ وَأَبْعَدُ مِنَ الْخَيْرِ، وَأَوْغَلُ فِي الشَّرِّ، وَهُوَ سَبَبٌ لِلْحِرْمَانِ مِنْ كَثِيرٍ مِنَ الْخَيْرِ.
فَعَنْ مَيْمُونَ بْنِ مِهْرَانَ -رَحِمَهُ اللهُ- قَالَ: ((لَا تُمَارِ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ، فَإِذَا فَعَلْتَ خَزَنَ عَنْكَ عِلْمَهُ، وَلَمْ تَضُرَّهُ شَيْئًا)).
وَعَنِ الزُّهْرِيِّ -رَحِمَهُ اللهُ- قَالَ: ((كَانَ أَبُو سَلَمَةَ يُمَارِي ابْنَ عَبَّاسٍ، فَحُرِمَ بِذَلِكَ خَيْرًا كَثِيرًا)).
((أَنْزِلُوا حُكَّامَ الْمُسْلِمِينَ مَنَازِلَهُمْ!))
لَقَدْ جَعَلَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- لِوُلَاةِ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ مَكَانَةً، وَجَعَلَ لَهُمْ حُقُوقًا يَجِبُ أَنْ تُؤَدَّى؛ فَإِنَّ الْأُمَّةَ لَا تَسْتَغْنِي عَنْ إِمَامٍ يُقِيمُ لَهَا دِينَهَا وَدُنْيَاهَا، وَيَدْفَعُ عَنْهَا عَادِيَةَ الْمُعْتَدِينَ، وَإِقَامَةَ الْحُدُودِ عَلَى الْجُنَاةِ، وَلَا تَتِمُّ إِمَامَتُهُ إِلَّا بِطَاعَتِهِ فِي الْمَعْرُوفِ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ، وَالْجِهَادُ مَاضٍ مَعَ الْبَرِّ وَالْفَاجِرِ، وَيُعَانُونَ عَلَى الْخَيْرِ وَيَنْصَحُونَ عَنِ الشَّرِّ.
وَلَمَّا كَانَ النَّاسُ بِطَبِيعَتِهِمْ لَا يَعِيشُونَ إِلَّا مُجْتَمِعِينَ لِأَنَّ الِاجْتِمَاعَ مِنْ طَبِيعَةِ الْبَشَرِ، وَلَا يَصْلُحُ أَنْ يَعِيشُوا فُرَادَى وَإِنَّمَا يَعِيشُونَ مُجْتَمِعِينَ، وَلَمَّا كَانَ مِنْ طَبِيعَةِ الْبَشَرِ التَّعَدِّي مِنْ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ وَالظُّلْمُ؛ صَارَ لَا بُدَّ مِنْ إِمَامٍ يَقُومُ بِالْأَمْرِ، وَيُجْرِي أَحْكَامَ الْإِمَامَةِ عَلَى النَّاسِ؛ بِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ اسْتِتْبَابِ الْأَمْنِ، وَمِنَ الْمَصَالِحِ الْعَظِيمَةِ، وَمِنَ الْقِيَامِ بِالْجِهَادِ، وَقِيَامِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَالْحُكْمِ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ، وَرَدِّ الظَّالِمِ عَنْ ظُلْمِهِ، وَإِنْصَافِ الْمَظْلُومِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَصَالِحِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِالْإِمَامَةِ.
فَالنَّاسُ لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ إِمَامٍ؛ لِئَلَّا يَكُونَ الْأَمْرُ فَوْضَى، لَا بُدَّ مِنْ إِمَامٍ يَرْجِعُونَ إِلَيْهِ، وَيَقُومُ هُوَ بِمَصَالِحِهِمْ.
لَوْلَا الْأَئِمَّةُ لَمْ تَأْمَنْ لَنَا سُبُلٌ = وَكَانَ أَضْعَفُنَا نَهْبًا لِأَقْوَانَا
لَمْ تَأْمَنْ لَنَا سُبُلٌ: أَيْ يَخْتَلُّ الْأَمْنُ.
وَكَانَ أَضْعَفُنَا نَهْبًا لِأَقْوَانَا: فَالْقَوِيُّ يَأْكُلُ الضَّعِيفَ.
فَاللَّهُ يَدْرَأُ بِالْإِمَامِ هَذِهِ الْمَحَاذِيرَ عَنِ الْمُجْتَمَعِ الْمُسْلِمِ، لِهَذَا اهْتَمَّ الصَّحَابَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- بِتَنْصِيبِ الْإِمَامِ بَعْدَ وَفَاةِ الرَّسُولِ ﷺ قَبْلَ أَنْ يَدْفِنُوا النَّبِيَّ ﷺ؛ فَقَدِ اجْتَمَعُوا وَتَشَاوَرُا فِيمَنْ يُوَلُّونَهُ الْأَمْرَ بَعْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَاجْتَمَعَ رَأْيُهُمْ عَلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، ثُمَّ إِنَّهُمْ اتَّجَهُوا بَعْدَ أَنِ اتَّفَقُوا عَلَى ذَلِكَ لِتَجْهِيزِ الرَّسُولِ ﷺ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَدَفْنِهِ لَمَّا عَقَدُوا الْإِمَامَةَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ، هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَهَمِّيَّةِ نَصْبِ الْإِمَامِ، وَأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَمْضِيَ وَقْتٌ وَلَيْسَ هُنَاكَ إِمَامٌ لِلْمُسْلِمِينَ.
لَا غِنَى فِي كُلِّ عَصْرٍ مِنْ عُصُورِ الْمُسْلِمِينَ عَنْ إِمَامٍ يُقِيمُونَهُ بَيْنَهُمْ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ إِمَامٌ فَإِنَّ الْأَمْرَ يَكُونُ فَوْضَى، وَيَحْصُلُ الْفَسَادُ فِي الْأَرْضِ.
وَأَمَّا مَصَالِحُ نَصْبِ الْإِمَامِ فَمِنْهَا:
1- أَنَّهُ يَذُبُّ عَنِ الْمُسْلِمِينَ كُلَّ كَافِرٍ جَاحِدٍ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ، وَكُلُّ مُتَلَاعِبٍ بِالْعَقِيدَةِ؛ فَالْإِمَامُ يَحْمِي اللهُ بِهِ عَقِيدَةَ الْمُسْلِمِينَ.
2- وَكَذَلِكَ الْغَزْوُ وَهُوَ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ فَهُوَ مِنْ صَلَاحِيَّاتِ الْإِمَامِ، هُوَ الَّذِي يَأْمُرُ بِهِ، وَيَخْتَارُ الْجُنْدَ، وَيَخْتَارُ الْقَائِدَ، أَوْ يَقُودُ الْجَيْشَ بِنَفْسِهِ كَمَا فَعَلَ الرَّسُولُ ﷺ.
3- وَكَذَلِكَ الْإِمَامُ يُقِيمُ الْحُدُودَ، وَالْحُدُودُ: جَمْعُ حَدٍّ وَهُوَ عُقُوبَةٌ مُقَدَّرَةٌ شَرْعًا عَلَى مَعْصِيَةٍ لِتَرْدَعَ مِنَ الْوُقُوعِ فِي مِثْلِهَا، كَحَدِّ الزِّنَى، وَحَدِّ السَّرِقَةِ، وَحَدِّ الْقَذْفِ، وَحَدِّ الْمُسْكِرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. لَا يُقِيمُهَا إِلَّا الْإِمَامُ وَلَا يُقِيمُهَا غَيْرُ الْإِمَامِ إِلَّا بِأَمْرِ الْإِمَامِ وَإِذْنِهِ، وَإِلَّا صَارَتِ الْمَسْأَلَةُ فَوْضَى.
4- وَمِنْ صَلَاحِيَّاتِ الْإِمَامِ الْقِيَامُ بِالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَهَذَا يَتَوَلَّاهُ الْإِمَامُ، أَوْ يُقِيمُ مَنْ يَنُوبُ عَنْهُ فَهُوَ مِنْ صَلَاحِيَّاتِ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِ الْإِمَامِ.
5- كَذَلِكَ مِنْ صَلَاحِيَّاتِ الْإِمَامِ قَمْعُ الظَّالِمِ عَنْ ظُلْمِهِ، وَنُصْرَةُ الْمَظْلُومِ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ إِمَامٌ لَأَكَلَ الْقَوِيُّ الضَّعِيفَ.
6- وَمِنْ صَلَاحِيَّاتِ الْإِمَامِ أَنَّهُ يَتَوَلَّى الْمَالَ الْعَامَّ -مَالَ الرَّعِيَّةِ- يَجْمَعُهُ وَيُنْفِقُهُ فِي مَصَارِفِهِ.
أَمَّا مَا يَجِبُ عَلَى الرَّعِيَّةِ نَحْوَ الْإِمَامِ فَقَدْ ذَكَرَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا- فِي آيَتَيْنِ مَا يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ وَمَا يَجِبُ عَلَى الرَّعِيَّةِ، قَالَ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ۚ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا} [النساء: 58].
هَذِهِ فِي الْأَئِمَّةِ.
ثُمَّ قَالَ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ} [النساء: 59].
هَذِهِ فِي الرَّعِيَّةِ.
وَقَدْ كَتَبَ عُلَمَاؤُنَا -عَلَيْهِمُ الرَّحْمَةُ- فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كُتُبًا بِرَأْسِهَا وَمِنْهَا رِسَالَةُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((السِّيَاسَةُ الشَّرْعِيَّةُ فِي إِصْلَاحِ الرَّاعِي وَالرَّعِيَّةِ)).
وَعَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يُطِيعَ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ، ((وَالنَّبِيُّ ﷺ لَمَّا وَعَظَ الصَّحَابَةَ مَوْعِظَةً عَظِيمَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ، وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ، وَقَالُوا: كَأَنَّهَا مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَأَوْصِنَا.
قَالَ: ((أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَإِنْ تَأَمَّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ، فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا)).
فَأَمَرَهُمْ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ لِوَلِيِّ الْأَمْرِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نَسَبٌ رَفِيعٌ بِأَنْ كَانَ عَبْدًا إِذَا انْعَقَدَتْ بَيْعَتُهُ وَوِلَايَتُهُ فَإِنَّهَا تَلْزَمُ طَاعَتُهُ، لِقَوْلِ النَّبِيِّﷺ: ((أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ)).
وَقَالَ ﷺ: ((مَنْ أَطَاعَ الْأَمِيرَ فَقَدْ أَطَاعَنِي، وَمَنْ عَصَى الْأَمِيرَ فَقَدْ عَصَانِي)).
إِلَّا إِذَا أَمَرَ بِمَعْصِيَةٍ فَإِنَّهُ لَا يُطَاعُ فِي تِلْكَ الْمَعْصِيَةِ، لَكِنْ لَا تَنْخَلِعُ بَيْعَتُهُ، بَلْ لَا يُطَاعُ فِي تِلْكَ الْمَعْصِيَةِ، وَتَبْقَى طَاعَتُهُ فِي مَا عَدَاهُ.
قَالَ ﷺ: ((لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ)).
وَلَوْ قَالَ لَكَ: لَا تُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ، فَلَا تُطِعْهُ؛ لِأَنَّ هَذِهِ مَعْصِيَةٌ فَإِذَا أَمَرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ.
وَقَالَ ﷺ: ((إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ)).
((أَنْزِلُوا الْآبَاءَ وَالْأُمَّهَاتِ مَنَازِلَهُمْ!))
((إِنَّ حَقَّ الْوَالِدَيْنِ عَظِيمٌ، وَمَنْزِلَتَهُمَا عَالِيَةٌ فِي الدِّينِ، فَبِرُّهُمَا قَرِينُ التَّوْحِيدِ، وَشُكْرُهُمَا مَقْرُونٌ بِشُكْرِ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا-، وَالْإِحْسَانُ إِلَيْهِمَا مِنْ أَجَلِّ الْأَعْمَالِ، وَأَحَبِّهَا إِلَى الْكَبِيرِ الْمُتَعَالِ)).
((بِرُّ الْوَالِدَيْنِ مِمَّا أَقَرَّتْهُ الْفِطَرُ السَّوِيَّةُ، وَاتَّفَقَتْ عَلَيْهِ الشَّرَائِعُ السَّمَاوِيَّةُ، وَهُوَ خُلُقُ الْأَنْبِيَاءِ، وَدَأْبُ الصَّالِحِينَ، كَمَا أَنَّهُ دَلِيلٌ عَلَى صِدْقِ الْإِيمَانِ، وَكَرَمِ النَّفْسِ، وَحُسْنِ الْوَفَاءِ.
وَبِرُّ الْوَالِدَيْنِ مِنْ مَحَاسِنِ الشَّرِيعَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ اعْتِرَافٌ بِالْجَمِيلِ، وَحِفْظٌ لِلْفَضْلِ، وَعُنْوَانٌ عَلَى كَمَالِ الشَّرِيعَةِ، وَإِحَاطَتِهَا بِالْحُقُوقِ كَافَّةً، بِخِلَافِ الشَّرَائِعِ الْأَرْضِيَّةِ الَّتِي لَا تَعْرِفُ لِلْوَالِدَيْنِ فَضْلًا، وَلَا تَرْعَى لَهُمَا حَقًّا، بَلْ إِنَّهَا تَتَنَكَّرُ لَهُمَا، وَتُزْرِي بِهِمَا.
وَهَذَا هُوَ الْعَالَمُ الْغَرْبِيُّ بِتَقَدُّمِهِ التِّقْنِيِّ شَاهِدٌ عَلَى ذَلِكَ، فَكَأَنَّ الْأُمَّ فِي تِلْكَ الْأَنْظِمَةِ آلَةٌ إِذَا انْتَهَتْ مُدَّةُ صَلَاحِيَتِهَا ضُرِبَ بِهَا وَجْهُ الثَّرَى، وَقُصَارَى مَا تَفَتَّقَتْ عَنْهُ أَذْهَانُهُمْ مِنْ صُوَرِ الْبِرِّ أَنِ ابْتَدَعُوا عِيدًا سَنَوِيًّا سَمَّوْهُ عِيدَ الْأُمِّ؛ حَيْثُ يُقَدِّمُ الْأَبْنَاءُ وَالْبَنَاتُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ إِلَى أُمَّهَاتِهِمْ طَاقَاتِ الْوَرْدِ، مُعَبِّرِينَ لَهُنَّ عَنِ الْبِرِّ وَالْحُبِّ، هَذَا مُنْتَهَى مَا تَوَصَّلُوا إِلَيْهِ مِنَ الْبِرِّ، يَوْمٌ فِي السَّنَةِ لَا غَيْرَ، وَأَيْنَ الرِّعَايَةُ؟! وَأَيْنَ التَّرَحُّمُ؟! وَأَيْنَ الْوَفَاءُ؟!
لَا عِلْمَ لَهُمْ بِتِلْكَ الْمَعَانِي الشَّرِيفَةِ الْفَاضِلَةِ، وَلَا حَظَّ لَهَا عِنْدَهُمْ.
أَمَّا حَقُّ الْوَالِدَيْنِ فِي الْإِسْلَامِ فَقَدْ قَرَّرَهُ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، بَلْ إِنَّ الْإِسْلَامَ نَهَى عَنِ الْعُقُوقِ، وَحَذَّرَ مِنْهُ أَشَدَّ التَّحْذِيرِ؛ فَهُوَ كَبِيرَةٌ مِنَ الْكَبَائِرِ، وَهُوَ قَرِينٌ لِلشِّرْكِ، وَيَكْفِي فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا} [الإسراء: 23]؛ فَمَا بَالُكَ بِمَا فَوْقَ كَلِمَةِ (أُفٍّ)؟!
وَمَعَ تِلْكَ الْمَكَانَةِ لِلْوَالِدَيْنِ، وَبِرَغْمِ مَا جَاءَ مِنَ الْأَمْرِ الْأَكِيدِ فِي بِرِّهِمَا، وَالزَّجْرِ الشَّدِيدِ فِي النَّهْيِ عَنْ عُقُوقِهِمَا إِلَّا أَنَّ فِئَامًا مِنَ النَّاسِ قَدْ نَسِيَتْ حَظًّا مِمَّا ذُكِّرَتْ بِهِ، فَلَمْ تَرْعَ حَقَّ الْوَالِدَيْنِ، وَلَمْ تُبَالِ بِالْعُقُوقِ)).
إِنَّ بِرَّ الْوَالِدَيْنِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَهَمِّيَّتِهِمَا وَشَأْنِهِمَا وَأَثَرِهِمَا الْبَالِغِ فِي حَيَاةِ أَبْنَائِهِمَا؛ فَالْوَالِدِيَّةُ عَاطِفَةٌ صَادِقَةٌ، وَمَوَدَّةٌ كَامِلَةٌ، وَبَذْلٌ وَتَضْحِيَةٌ وَعَطَاءٌ لَا يَكَلُّ وَلَا يَمَلُّ، وَهِيَ مَرْحَلَةٌ مَلِيئَةٌ بِالْآمَالِ وَالْآلَامِ، وَالدُّمُوعِ وَالْفَرَحِ، وَالْمُعَانَاةِ وَالسَّهَرِ، وَالصَّبْرِ وَالتَّحَمُّلِ وَالتَّجَمُّلِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَعَانِي الْعَظِيمَةِ فِي الْوَفَاءِ وَالْعَطَاءِ وَالرِّعَايَةِ، وَالْعِنَايَةِ الَّتِي تَزْخَرُ بِهَا سَاحَةُ الْوَالِدِيَّةِ الْحَنُونِ الرَّؤُومِ.
وَمَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ يَقْبَلُ أَنْ يَذِلَّ لِيَعِزَّ غَيْرُهُ، أَوْ يَجُوعَ لِيَشْبَعَ غَيْرُهُ، أَوْ يَعْرَى لِيَكْتَسِيَ غَيْرُهُ، أَوْ يَفْتَقِرَ لِيَسْتَغْنِيَ غَيْرُهُ، أَوْ يَمْرَضَ فِي سَبِيلِ صِحَّةِ غَيْرِهِ إِلَّا الْوَالِدَانِ مَعَ أَبْنَائِهِمَا.
وَبِالْإِضَافَةِ إِلَى ذَلِكَ فَقَدْ مَيَّزَهُمَا اللهُ -تَعَالَى- بِصِفَاتٍ لَيْسَتْ لِغَيْرِهِمَا، مِنْ تِلْكَ الصِّفَاتِ: أَنَّ اللهَ -تَعَالَى- هُوَ الْخَالِقُ، جَعَلَهُمَا بِقُدْرَتِهِ السَّبَبَ الْمُبَاشِرَ فِي التَّخْلِيقِ، وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَظِيمُ.
وَاللهُ -تَعَالَى- هُوَ الْمُبْتَدِئُ بِالنِّعَمِ مِنْ غَيْرِ عَمَلٍ سَابِقٍ، وَالْوَالِدَانِ يَبْتَدِئَانِ بِالْإِحْسَانِ عَنْ غَيْرِ إِحْسَانٍ تَقَدَّمَ مِنْ وَلَدِهِمَا.
وَاللهُ -تَعَالَى- يَرْحَمُ وَيَلْطُفُ، وَهُوَ الْغَنِيُّ عَنْ مَخْلُوقَاتِهِ، وَهُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَيْهِ، وَالْوَالِدَانِ يَكْنُفَانِ بِالرَّحْمَةِ وَاللُّطْفِ الْوَلَدَ وَهُمَا فِي غِنًى عَنْهُ، وَهُوَ فِي افْتِقَارٍ إِلَيْهِمَا.
وَاللهُ -تَعَالَى- يُوَالِي إِحْسَانَهُ، وَلَا يَطْلُبُ الْجَزَاءَ، وَالْوَالِدَانِ يُبَالِغَانِ فِي الْإِحْسَانِ إِلَى الْأَبْنَاءِ دُونَ تَحْصِيلِ الْجَزَاءِ؛ فَلِهَذِهِ الْحَالَةِ الَّتِي خَصَّهُمَا اللهُ -تَعَالَى- بِهَا، وَأَعَانَهُمَا بِالْفِطْرَةِ عَلَيْهَا قَرَنَ ذِكْرَهُمَا بِذِكْرِهِ، فَلَمَّا أَمَرَ بِعِبَادَتِهِ أَمَرَ بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمَا، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [الإسراء: 24].
وَلَمَّا أَمَرَ بِشُكْرِهِ أَمَرَ بِشُكْرِهِمَا، فَقَالَ تَعَالَى: {أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ} [لقمان: 14].
وَفِي هَذَا الْجَمْعُ فِي الْقَضَاءِ، وَالْحُكْمُ بِالْإِحْسَانِ، وَالْأَمْرُ بِالشُّكْرِ لَهُمَا مَعَ اللهِ -تَعَالَى- أَبْلَغُ التَّأْكِيدِ، وَأَعْظَمُ التَّرْغِيبِ، ثُمَّ زَادَ هَذَا الْحُكْمَ وَهَذَا الْأَمْرَ تَقْرِيرًا بِلَفْظِ التَّوْصِيَةِ بِهِمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا} [العنكبوت: 8]؛ لِيُحْفَظَ حُكْمُ اللهِ وَأَمْرُهُ فِيهِمَا، وَلَا يُضَيَّعُ شَيْءٌ مِنْ حُقُوقِهِمَا، فَكَانَ حَقُّهُمَا فِي هَذِهِ الْوَصِيَّةِ أَمَانَةً خَاصَّةً، وَوَدِيعَةً مِنَ اللهِ عَظِيمَةً عِنْدَ وَلَدِهِمَا، وَكَفَى بِهَذَا دَاعِيًا إِلَى الْعِنَايَةِ بِهَذِهِ الْأَمَانَةِ، وَحِفْظِهَا وَصِيَانَتِهَا؛ فَلِذَلِكَ كَانَ شَأْنُ الْوَالِدَيْنِ عَظِيمًا بِعَظَمَةِ دَوْرِهِمَا فِي حَيَاةِ الْأَبْنَاءِ، وَجَاءَ بَيَانُ الْهَدْيِ الْقُرْآنِيِّ فِي ذَلِكَ شَافِيًا وَكَافِيًا، وَتَجَلَّى ذَلِكَ وَاضِحًا فِي نُصُوصِ الْقُرْآنِ الْمَجِيدِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ، وَفِي الْأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ الشَّرِيفَةِ الْكَثِيرَةِ.
((وَالْوَالِدَانِ كَانَا السَّبَبَ فِي وُجُودِكَ، ثُمَّ مِنْ حِينِ اسْتِقْرَارِ النُّطْفَةِ فِي قَرَارِهَا إِلَى أَنْ تُولَدَ، فَالْحَدِيثُ كُلُّهُ: إِيَّاكِ، إِيَّاكِ -يَعْنِي: لِلْأُمِّ-؛ حَذَرًا عَلَى النُّطْفَةِ، فَلَا يَكُونُ طَعَامُهَا إِلَا مَا يُثَبِّتُهَا فِي الْقَرَارِ، وَيَغْذُوهَا فِي النُّشُوءِ، وَتَتْرُكُ الْأُمُّ الشَّهَوَاتِ اللَّذِيذَةَ وَالْأَطْعِمَةَ الشَّهِيَّةَ إِذَا كَانَ ذَلِكَ يَضُرُّ بِالنُّطْفَةِ، وَتَتْرُكُ الْأُمَّهَاتُ مُمَارَسَةَ الْأَشْغَالِ، وَالتَّرَدُّدَ فِي قَضَاءِ الْأَوْطَارِ، وَالْمَشْيَ فِي الطُّرُقَاتِ، وَحَمْلَ الْأَثْقَالِ؛ إِشْفَاقًا عَلَى النُّطْفَةِ، وَهَكَذَا مِنْ يَوْمِ تُولَدُ إِلَى أَنْ تَسْتَقِلَّ، لَا يُحْمَلُ لِلْمَنْزِلِ مِنَ الطَّعَامِ إِلَّا مَا يُلَائِمُ الْمَوْلُودَ؛ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَحْبُوبٍ عِنْدَ الْأَبَوَيْنِ، فَيَتْرُكَانِ مَحْبُوبَهُمَا، وَكَثِيرًا مِنْ حَسْنَاءِ عَيْشِهِمَا؛ كَرَامَةً لِلْوَلَدِ.
ثُمَّ يَنْتَصِبَانِ لِتَرْبِيَتِكَ، وَجَلْبِ الْمَنَافِعِ إِلَيْكَ، وَدَفْعِ الْمَضَارِّ عَنْكَ، وَلَوْ تُرِكْتَ فِي الْأَرْضِ لَأَكَلْتَكَ الْهَوَامُّ، وَعَقَرَتْكَ الْحَشَرَاتُ، فَلَا يَزَالَانِ يَطْلُبَانِ رِضَاكَ حَتَّى يَبْدُوَ تَمْيِيزُكَ إِلَى أَنْ بَكَيْتَ، أَوْ حَزِنْتَ، خَدَعَاكَ عَنِ الْبُكَاءِ، وَصَرَفَاكَ عَنِ الْحُزْنِ، وَسَلَّيَاكَ عَنْ كُلِّ مَا يُصِيبُكَ بِمَا فِي مَيْسُورِهِمَا.
وَلَقَدْ بَلَغَ مِنْ بِرِّهِمَا فِي تَطْيِيبِ نَفْسِكَ، وَإِقْرَارِ عَيْنِكَ، وَدَفْعِ مَا يَضِيقُ بِهِ صَدْرُكَ مَبْلَغًا لَا تُجَازِيهِمَا عَلَيْهِ أَبَدًا، وَكَيْفَ لَا وَقَدْ كَسَيَا لَكَ لُعْبَةً يَطِيبُ بِهَا عَيْشُكَ، وَتُلْهِيكَ عَمَا يَضِيقُ بِهِ صَدْرُكَ.
فَلَمَّا تَرَعْرَعَ جِسْمُكَ، وَاشْتَدَّ أَمْرُكَ، وَبَلَغْتَ سِنَّ الرَّجَاءِ وَالْأَمَلِ؛ جَازَيْتَ بِالْإِحْسَانِ إِسَاءَةً، وَبِالْوَصْلِ قَطِيعَةً، وَبِالتَّوَاضُعِ غِلْظَةً وَفَظَاظَةً، وَبِالتَّرْبِيَةِ جَفَاءً، وَبِالدُّنُوِّ بُعْدًا، وَبِالْمَحَبَّةِ نُفُورًا، وَبِالْبَذْلِ وَالْعَطَاءِ مَنْعًا وَبُخْلًا، فَقَطَعْتَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ، وَمَنَعْتَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُبْذَلَ!
وَكَمْ مِنْ لَيْلَةٍ بَاتَا سَاهِرَيْنِ لِسَهَرِكَ، بَاكِيَيْنِ لِبُكَائِكَ، مُتَمَلْمِلَيْنِ لِأَلَمِكَ، طَاوِيَيْنِ إِذَا لَمْ تَأْكُلْ، مَهْمُومَيْنِ إِذَا لَمْ تَفْرَحْ؛ فَكَانَ جَزَاؤُهُمَا مِنْكَ أَنْ أَبْكَيْتَ عُيُونَهُمَا، وَأَسْهَرْتَ لَيْلَهُمَا، وَضَيَّقْتَ صُدُورَهُمَا، وَبَلْبَلْتَ قُلُوبَهُمَا، إِنْ قَالَا لَكَ أَقْبِلْ أَدْبَرْتَ، وَإِنْ قَالَا لَكَ أَدْبِرْ أَقْبَلْتَ، وَإِنْ قَالَا نَعَمْ قُلْتَ لَا، وَإِنْ قَالَا لَا قُلْتَ نَعَمْ، كَأَنَّكَ مُوَكَّلٌ بِخِلَافِهِمَا، وَمُنْتَصِبٌ لِعُقُوقِهِمَا، فَقَابَلْتَ كُلَّ نِعْمَةٍ أَفَاضَاهَا عَلَيْكَ، وَعَارِفَةٍ أَسْدَيَاهَا إِلَيْكَ بِضِدِّهَا مِنَ الشَّرِّ، وَخِلَافِهَا مِنَ الضُّرِّ، فَوَاعَجَبًا لِهَذَا الْمِيزَانِ النَّاقِصِ، وَالْجَزَاءِ الْفَاضِحِ!
وَأَقَلُّ مَا كَانَ يَجِبُ لَهُمَا عَلَيْكَ إِذَا عَجَزْتَ عَنِ الشُّكْرِ الْمُبِرِّ عَلَى الصَّنِيعَةِ بَذْلُ الْمُكَافَأَةِ الْمُقَاوَمَةِ لِلصَّنِيعَةِ، وَهُمَا قَدْ رَبَّيَاكَ خَمْسَةَ عَشَرَ حَوْلًا -وَرُبَّمَا أَكْثَرَ- فِي حُجُورِهِمَا، تَفِيضُ نَجَاسَتُكَ عَلَيْهِمَا، فَيَغْسِلَانِ بَوْلَكَ وَرُحَاضَتَكَ بِأَيْدِيهِمَا، وَيُمِيطَانِ عَنْكَ الْأَذَى وَالْمَكْرُوهَ جَهْدَهُمَا، طَيِّبَةً بِذَلِكَ نُفُوسُهُمَا.
فَكَانَ يَجِبُ مِنْ هَذَا مُكَافَأَتُهُمَا، فَإِذَا بَلَغَ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَذَهَبَتْ قُوَّتُهُمَا، وَنَقَصَتْ عُقُولُهُمَا، وَشَرِسَتْ أَخْلَاقُهُمَا، وَرَجَعَا فِي مُعْظَمِ شَأْنِهِمَا إِلَى حَالِ الضَّعْفِ وَالطُّفُولِيَّةِ الْمُضَاهِيَةِ لِحَالِ الصِّغَرِ أَنْ تَقُومَ عَلَيْهِمَا بِالتَّرْبِيَةِ وَالْمُلَاطَفَةِ، فَتَتَوَلَّى مِنْهُمَا مَا تَوَلَّيَا مِنْكَ مِنْ لُزُومِ خِدْمَتِهِمَا، وَغَسْلِ رُحَاضَتِهِمَا، وَإِمَاطَةِ الْأَذَى عَنْهُمَا، وَتَلْطِيفِ الْغِذَاءِ لَهُمَا خَمْسَةَ عَشَرَ حَوْلًا فِي الْكِبَرِ كَمَا رَبَّيَاكَ خَمْسَةَ عَشَرَ حَوْلًا فِي الصِّغَرِ.
ثُمَّ لَوْ فَعَلْتَ هَذَا كُنْتَ مُكَافِئًا لَا شَاكِرًا؛ لِأَنَّ الشُّكْرَ الزِّيَادَةُ عَلَى الْمُقَاوَمَةِ، عَلَى مَا هُوَ مُبَيَّنٌ فِي حَدِّ الشُّكْرِ؛ بَلْ لَا تَكُونُ مُكَافِئًا -أَيْضًا-؛ لِأَنَّهُمَا رَبَّيَاكَ طَيِّبَةً نُفُوسُهُمَا عَلَى غِبْطَةٍ وَسُرُورٍ بِمَكَانِكَ، يُرِيدَانِ حَيَاتَكَ، وَيُؤَمِّلَانِ مَسَرَّتَكَ، وَأَنْتَ بِخِدْمَتِهِمَا بَرِمٌ، وَبِالْقِيَامِ عَلَيْهِمَا مُتَأَفِّفٌ، تُرِيدُ مَوْتَهُمَا، وَتَبْتَغِي اسْتِعْجَالَ الرَّاحَةِ مِنْهُمَا؛ كَأَنَّكَ سَيِّدٌ وَهُمَا عَبِيدٌ!! وَكَيْفَ لَا وَاللهُ -تَعَالَى- لَمْ يَجْعَلِ الدُّنْيَا عِوَضًا عَنْ بِرِّ الْوَالِدَيْنِ، بَلْ قَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} [الإسراء: 24] أَيْ: سَلِ اللهَ لَهُمَا الْآخِرَةَ))؛ فَإِنَّ الدُّنْيَا لَا تُعَوِّضُهُمَا شَيْئًا، وَاللهُ الْمُسْتَعَانُ.
قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((غَيْرُ خَافٍ عَلَى عَاقِلٍ لُزُومُ حَقِّ الْمُنْعِمِ، وَلَا مُنْعِمَ بَعْدَ الْحَقِّ -سُبْحَانَهُ- عَلَى الْعَبْدِ مِثْلُ الْوَالِدَيْنِ؛ فَقَدْ حَمَلَتِ الْأُمُّ بِحَمْلِهِ أَثْقَالًا كَثِيرَةً، وَلَقِيَتْ وَقْتَ وَضْعِهِ مُزْعِجَاتٍ مُثِيرَةً، وَبَالَغَتْ فِي تَرْبِيَتِهِ، وَسَهِرَتْ فِي مُدَارَاتِهِ، وَأَعْرَضَتْ عَنْ جَمِيعِ شَهَوَاتِهَا لِمُرَادِهِ، وَقَدَّمَتْهُ عَلَى نَفْسِهَا فِي كُلِّ حَالٍ، وَقَدْ ضَمَّ الْوَالِدُ فِي إِيجَادِهِ وَمَحَبَّتِهِ بَعْدَ وُجُودِهِ وَشَفَقَتِهِ فِي تَرْبِيَتِهِ الْكَسْبَ لَهُ، وَالْإِنْفَاقَ عَلَيْهِ.
وَالْعَاقِلُ يَعْرِفُ حَقَّ الْمُحْسِنِ، وَيَجْتَهِدُ فِي مُكَافَأَتِهِ، وَجَهْلُ الْإِنْسَانِ بِحَقِّ الْمُنْعِمِ مِنْ أَخَسِّ صِفَاتِهِ، فَإِذَا أَضَافَ إِلَى جَحْدِ الْحَقِّ الْمُقَابَلَةَ بِسُوءِ الْأَدَبِ؛ دَلَّ عَلَى خُبْثِ الطَّبْعِ، وَلُؤْمِ الْوَضْعِ، وَسُوءِ الْمُنْقَلَبِ، وَلْيَعْلَمِ الْبَارُّ بِالْوَالِدَيْنِ أَنَّهُ مَهْمَا بَالَغَ فِي بِرِّهِمَا لَمْ يَفِ بِشُكْرِهِمَا)).
وَمَا أَحْسَنَ قَوْلَ الذَّهَبِيِّ -رَحِمَهُ اللهُ- وَاعِظًا وَمُذَكِّرًا بِخُطُورَةِ الْعُقُوقِ: ((أَيُّهَا الْمُضَيِّعُ لِأَوْكَدِ الْحُقُوقِ، الْمُعْتَاضُ عَنِ الْبِرِّ بِالْعُقُوقِ، النَّاسِي لِمَا يَجِبُ عَلَيْهِ، الْغَافِلُ عَمَّا بَيْنَ يَدَيْهِ؛ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ عَلَيْكَ دَيْنٌ، وَأَنْتَ تَتَعَاطَاهُ بِاتِّبَاعِ الشَّيْنِ، تَطْلُبُ الْجَنَّةَ بِزَعْمِكَ وَهِيَ تَحْتَ أَقْدَامِ أُمِّكَ، حَمَلَتْكَ فِي بَطْنِهَا تِسْعَةَ أَشْهُرٍ كَأَنَّهَا تِسْعُ حِجَجٍ، وَكَابَدَتْ عِنْدَ وَضْعِكَ مَا يُذِيبُ الْمُهَجَ، وَأَرْضَعَتْكَ مِنْ ثَدْيِهَا لَبَنًا، وَأَطَارَتْ لِأَجْلِكَ وَسَنًا، وَغَسَلَتْ بِيَمِينِهَا عَنْكَ الْأَذَى، وَآثَرَتْكَ عَلَى نَفْسِهَا بِالْغِذَا، وَصَيَّرَتْ حِجْرَهَا لَكَ مَهْدًا، وَأَنَالَتْكَ إِحْسَانًا وَرِفْدًا، فَإِنْ أَصَابَكَ مَرَضٌ أَوْ شِكَايَةٌ أَظْهَرَتْ مِنَ الْأَسَفِ فَوْقَ النِّهَايَةِ، وَأَطَالَتِ الْحُزْنَ وَالنَّحِيبَ، وَبَذَلَتْ مَالَهَا لِلطَّبِيبِ، وَلَوْ خُيِّرَتْ بَيْنَ حَيَاتِكَ وَمَوْتِهَا لَآثَرَتْ حَيَاتَكَ بِأَعْلَى صَوْتِهَا.
هَذَا وَكَمْ عَامَلْتَهَا بِسُوءِ الْخُلُقِ مِرَارًا، فَدَعَتْ لَكَ بِالتَّوْفِيقِ سِرًّا وَجَهَارًا، فَلَمَّا احْتَاجَتْ عِنْدَ الْكِبَرِ إِلَيْكَ جَعَلْتَهَا مِنْ أَهْوَنِ الْأَشْيَاءِ عَلَيْكَ، فَشَبِعْتَ وَهِيَ جَائِعَةٌ، وَرَضِيتَ وَهِيَ ضَائِعَةٌ، وَقَدَّمْتَ عَلَيْهَا أَهْلَكَ وَأَوْلَادَكَ فِي الْإِحْسَانِ، وَقَابَلْتَ أَيَادِيَهَا بِالنِّسْيَانِ، وَصَعُبَ لَدَيْكَ أَمْرُهَا وَهُوَ يَسِيرٌ، وَطَالَ عَلَيْكَ عُمُرُهَا وَهُوَ قَصِيرٌ، وَهَاجَرْتَ وَمَا لَهَا سِوَاكَ نَصِيرٌ، هَذَا وَمَوْلَاكَ قَدْ نَهَاكَ عَنِ التَّأَفُّفِ، وَعَاتَبَكَ فِي حَقِّهَا بِعِتَابٍ لَطِيفٍ، سَتُعَاقَبُ بِعُقُوقِ الْبَنِينَ فِي دُنْيَاكَ، وَبِالْبُعْدِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ فِي أُخْرَاكَ، وَيُنَادِيكَ بِلِسَانِ التَّوْبِيخِ وَالتَّهْدِيدِ: {ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ} [الحج: 10])).
إِنَّ بِرَّ الْوَالِدَيْنِ مِنْ أَجَلِّ الطَّاعَاتِ، وَأَعْظَمِ الْقُرُبَاتِ، وَأَوْجَبِ الْوَاجِبَاتِ، وَلَقَدْ حَثَّ الْإِسْلَامُ عَلَى بِرِّ الْوَالِدَيْنِ، وَرَغَّبَ فِيهِ، وَوَعَدَ الْبَارَّ لِوَالِدَيْهِ بِالثَّوَابِ الْعَظِيمِ، وَالسَّعَادَةِ فِي الدَّارَيْنِ.
وَقَدْ وَرَدَتِ الْآيَاتُ الْقُرْآنِيَّةُ وَالْأَحَادِيثُ النَّبَوِيَّةُ تَحُثُّ غَايَةَ الْحَثِّ عَلَى بِرِّ الْوَالِدَيْنِ، وَتُحَذِّرُ غَايَةَ التَّحْذِيرِ مِنْ عُقُوقِهِمَا، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ بِرَّهُمَا وَاجِبٌ عَلَى الْإِنْسَانِ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ.
فَمِنَ الْآيَاتِ فِي وُجُوبِ بِرِّ الْوَالِدَيْنِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (24) رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ ۚ إِن تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا} [الإسراء: 23-25].
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ} [لقمان: 14].
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا ۖ وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا ۚ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [العنكبوت: 8].
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا ۖ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا ۖ وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا ۚ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي ۖ إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [الأحقاف: 15].
((لَقَدْ قَرَنَ اللهُ -تَعَالَى- حَقَّ الْوَالِدَيْنِ وَالْإِحْسَانَ إِلَيْهِمَا بِعِبَادَتِهِ -تَعَالَى-، كَمَا قَرَنَ شُكْرَهُمَا بِشُكْرِهِ؛ لِأَنَّهُ الْخَالِقُ وَحْدَهُ، وَقَدْ جَعَلَ الْوَالِدَيْنِ السَّبَبَ الظَّاهِرَ فِي وُجُودِ الْوَلَدِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى شِدَّةِ تَأَكُّدِ حَقِّهِمَا، وَالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمَا قَوْلًا وَفِعْلًا؛ لِأَنَّ لَهُمَا مِنَ الْمَحَبَّةِ لِلْوَلَدِ وَالْإِحْسَانِ إِلَيْهِ فِي حَالِ صِغَرِهِ وَضَعْفِهِ مَا يَقْتَضِي تَأَكُّدَ الْحَقِّ، وَوُجُوبَ الْبِرِّ، وَتَحْرِيمَ أَدْنَى مَرَاتِبِ الْأَذَى، وَهُوَ التَّضَجُّرُ أَوِ التَّأَفُّفُ مِنْ خِدْمَتِهِمَا، وَزَجْرُهُمَا بِالْكَلِمَةِ الْعَالِيَةِ، أَوْ نَفْضِ الْيَدِ عَلَيْهِمَا.
وَقَدْ جَاءَ حَقُّ الْوَالِدَيْنِ مَقْرُونًا بِعِبَادَةِ اللهِ -تَعَالَى- فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ، مِنْهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [النساء: 36].
وَقَالَ -سُبْحَانَهُ-: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ۖ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [الأنعام: 151].
وَقَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [الإسراء: 23].
وَقَالَ -سُبْحَانَهُ-: {أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ} [لقمان: 14])).
وَذَكَرَ فِي الْآيَاتِ الْكَرِيمَاتِ اتِّصَافَ الْأَنْبِيَاءِ بِهَذَا الْخُلُقِ الْعَظِيمِ -خُلُقِ الْبِرِّ-؛ فَإِبْرَاهِيمُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- قَالَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا- عَنْهُ: {رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي ۚ رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ (40) رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ} [إبراهيم: 40-41].
وَقَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (84) وَاجْعَلْنِي مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ (85) وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ (86) وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ} [الشعراء: 84-87].
وَعِيسَى -عَلَيْهِ السَّلَامُ- قَالَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا- عَنْهُ: {وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (31) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا} [مريم: 31-32].
وَنُوحٌ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- وَدُعَاؤُهُ لِوَالِدَيْهِ، قَالَ تَعَالَى: {وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (26) إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (27) رَّبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا} [نوح: 25-28].
وَإِسْمَاعِيلُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- وَطَاعَتُهُ لِأَبِيهِ فِي تَقَبُّلِ الذَّبْحِ، قَالَ اللهُ -تَعَالَى- عَنْهُ: {فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (101) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ۚ قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ} [الصافات: 101-102].
وَيَحْيَى -عَلَيْهِ السَّلَامُ- وَطَاعَتُهُ لِوَالِدِهِ، قَالَ -سُبْحَانَهُ-: {يَا يَحْيَىٰ خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ ۖ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (12) وَحَنَانًا مِّن لَّدُنَّا وَزَكَاةً ۖ وَكَانَ تَقِيًّا (13) وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّارًا عَصِيًّا (14) وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا} [مريم: 12-15].
وَسُلَيْمَانُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- قَالَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-: {حَتَّىٰ إِذَا أَتَوْا عَلَىٰ وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (18) فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ} [النمل: 18-19].
وَقَرَنَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا- بَيْنَ تَوْحِيدِهِ وَعَدَمِ الْإِشْرَاكِ بِهِ وَبَيْنَ طَاعَةِ الْوَالِدَيْنِ؛ لِعِظَمِ حَقِّهِمَا، قَالَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (24) رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ ۚ إِن تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا} [الإسراء: 23-25].
وَقَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ۖ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۖ وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُم مِّنْ إِمْلَاقٍ ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ۖ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ۖ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [الأنعام: 151].
وَقَالَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [البقرة: 83].
وَقَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنبِ} [النساء: 36].
وَوَصَّى اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- بِالْوَالِدَيْنِ، فَقَالَ -سُبْحَانَهُ-: {وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا ۖ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا ۖ وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا ۚ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي ۖ إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (15) أُولَٰئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ ۖ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ (16) وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِن قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَٰذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (17) أُولَٰئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ ۖ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (18) وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُوا ۖ وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [الأحقاف: 15-19].
وَقَالَ -تَعَالَى- فِي الْوَصِيَّةِ بِالْوَالِدَيْنِ: {وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (14) وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا ۖ وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا ۖ وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ۚ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [لقمان: 14-15].
وَقَالَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا ۖ وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا ۚ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [العنكبوت: 8].
وَقَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ ۖ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ۗ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} [البقرة: 215].
فَهَذِهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ كَرِيمَاتٌ فِي وُجُوبِ بِرِّ الْوَالِدَيْنِ.
وَالْأَحَادِيثُ فِي وُجُوبِ بِرِّ الْوَالِدَيْنِ كَثِيرَةٌ جِدًّا، مِنْهَا:
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: ((سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ: أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ؟)).
قَالَ: ((الصَّلَاةُ لِوَقْتِهَا)).
قُلْتُ: ((ثُمَّ أَيٌّ؟)).
قَالَ: ((بِرُّ الْوَالِدَيْنِ)).
قُلْتُ: ((ثُمَّ أَيٌّ؟)).
قَالَ: ((الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((لَا يَجْزِي وَلَدٌ وَالِدًا إِلَّا أَنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا فَيَشْتَرِيَهُ فَيُعْتِقَهُ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
لِلْحَدِيثِ مَعْنِيَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ أَضَافَ الْعِتْقَ إِلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ تَسَبَّبَ بِالشِّرَاءِ إِلَى الْعِتْقِ الَّذِي حَكَمَ بِهِ الشَّرْعُ عِنْدَ الشِّرَاءِ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ إِذَا كَانَ أَبُوهُ رَقِيقًا فَاشْتَرَاهُ فَإِنَّهُ يُعْتَقُ بِمُجَرَّدِ الشِّرَاءِ، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى أَنْ يَتَلَفَّظَ الْوَلَدُ الشَّارِي بِلَفْظِ الْعِتْقِ، وَإِنَّمَا بِمُجَرَّدِ شِرَاءِ أَبِيهِ يَكُونُ حُرًّا؛ وَلَكِنَّهُ أَضَافَ الْعِتْقَ إِلَى الْوَلَدِ لِأَنَّهُ تَسَبَّبَ بِالشِّرَاءِ إِلَى الْعِتْقِ الَّذِي حَكَمَ بِهِ الشَّرْعُ عِنْدَ الشِّرَاءِ.
الْمَعْنَى الثَّانِي أَدَقُّ، وَهُوَ: أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّ مُجَازَاةَ الْأَبِ لَا تُتَصَوَّرُ، لَا أَنَّ عِتْقَ الْأَبِ لَا يُتَصَوَّرُ؛ لِأَنَّهُ بِنَفْسِ شِرَائِهِ لِلْأَبِ يُعْتَقُ، فَصَارَ هَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّىٰ يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ} [الأعراف: 40]، وَسَمُّ الْخِيَاطِ: هُوَ ثُقْبُ الْإِبْرَةِ، وَقَالُوا: الْجَمَلُ هُوَ الْحَبْلُ الْغَلِيظُ؛ وَلَكِنْ هُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَهُوَ الْحَيَوانُ الْمَعْرُوفُ، {وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّىٰ يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ}، وَذَلِكَ لَا يُتَصَوَّرُ.
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي ((الْمُسْتَوْعِبِ)): ((وَمِنَ الْوَاجِبِ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ وَإِنْ كَانَا فَاسِقَيْنِ، وَطَاعَتُهُمَا فِي غَيْرِ مَعْصِيَةِ اللهِ، فَإِنْ كَانَا كَافِرَيْنِ فَلْيُصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا، وَلَا يُطِعْهُمَا فِي كُفْرٍ، وَلَا فِي مَعْصِيَةِ اللهِ)).
وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- قَالَ: ((إِنَّ أَبِي شَكَانِي إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: ((أَطِعْ أَبَاكَ مَا دَامَ حَيًّا، وَلَا تَعْصِهِ)). أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ.
وَطَاعَةُ الْوَالِدَيْنِ وَاجِبَةٌ مَا لَمْ يَأْمُرَا بِمَعْصِيَةٍ، قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: ((قَالَ ابْنُ حَزْمٍ فِي كِتَابِهِ ((الْإِجْمَاعِ)): ((اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ بِرَّ الْوَالِدَيْنِ فَرْضٌ، وَاتَّفَقُوا -أَيْ: أَجْمَعُوا- عَلَى أَنَّ بِرَّ الْجَدِّ فَرْضٌ -كَذَا قَالَ-، وَمُرَادُهُ بِالْفَرْضِ: الْوَاجِبُ، وَنَقْلُ الْإِجْمَاعِ فِي الْجَدِّ فِيهِ نَظَرٌ؛ وَلِهَذَا عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ -كَمَا يَقُولُ ابْنُ مُفْلِحٍ- يُجَاهِدُ الْوَلَدُ وَلَا يَسْتَأْذِنُ الْجَدَّ، وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلْأَبِ فَلَا بُدَّ مِنِ اسْتِئْذَانِهِ)).
عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: أَنَّهُ نَزَلَتْ فِيهِ آيَاتٌ مِنَ الْقُرْآنِ قَالَ: ((حَلَفَتْ أُمُّ سَعْدٍ -هُوَ ابْنُ أَبِي وَقَّاصٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-- أَلَّا تُكَلِّمَهُ أَبَدًا حَتَّى يَكْفُرَ بِدِينِهِ، وَلَا تَأْكُلَ وَلَا تَشْرَبَ، قَالَتْ: زَعَمْتَ أَنَّ اللهَ وَصَّاكَ بِوَالِدَيْكَ، وَأَنَا أُمُّكَ، وَأَنَا آمُرُكَ بِهَذَا -يَعْنِي: بِالْكُفْرِ بَعْدَ الْإِيمَانِ-.
قَالَ: مَكَثَتْ ثَلَاثًا حَتَّى غُشِيَ عَلَيْهَا مِنَ الْجَهْدِ، فَقَامَ ابْنٌ لَهَا يُقَالُ لَهُ (عِمَارَةُ) فَسَقَاهَا، فَجَعَلَتْ تَدْعُو عَلَى سَعْدٍ، فَأَنْزَلَ اللهُ -تَعَالَى- فِي الْقُرْآنِ هَذِهِ الْآيَةَ: {وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا} [العنكبوت: 8]، وَقَوْلَهُ تَعَالَى: {وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي}.. وَفِيهَا: {وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا} [لقمان: 15])). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: ((الْعُقُوقُ: مُخَالَفَةُ الْوَالِدَيْنِ فِيمَا يَأْمُرَانِ بِهِ مِنَ الْمُبَاحِ، وَسُوءُ الْأَدَبِ فِي الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ)).
وَالطَّاعَةُ الَّتِي هِيَ الْبِرُّ إِنَّمَا هِيَ فِيمَا تَكْرَهُ، لَا فِيمَا تُحِبُّ، يَعْنِي: إِنْ أَمَرَاكَ بِمَا تُحِبُّ فَفَعَلْتَ مَا تُحِبُّ طَاعَةً لَهُمَا؛ فَهَلْ هَذَا هُوَ الْبِرُّ؟!
إِنَّمَا الْبِرُّ أَنْ تَفْعَلَ مَا يَأْمُرَانِكَ بِهِ مِمَّا تَكْرَهُهُ مَا دَامَ ذَلِكَ غَيْرَ مَنْهِيٍّ عَنْهُ شَرْعًا، فَهَذَا هُوَ الْبِرُّ، الْبِرُّ فِيمَا تَكْرَهُ، لَا فِيمَا تُحِبُّ.
عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((إِنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ عُقُوقَ الْأُمَّهَاتِ، وَوَأْدَ الْبَنَاتِ، وَمَنْعَ وَهَات، وَكَرِهَ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَأَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ الصُّحْبَةِ الْأُمُّ، وَلِلْأُمِّ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْبِرِّ؛ فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: ((يَا رَسُولَ اللهِ! مَنْ أَحَقُّ بِحُسْنِ صَحَابَتِي)) أَيْ: صُحْبَتِي.
قَالَ: ((أُمُّكَ)).
قَالَ: ((ثُمَّ مَنْ؟)).
قَالَ: ((أُمُّكَ)).
قَالَ: ((ثُمَّ مَنْ؟)).
قَالَ: ((أُمُّكَ)).
قَالَ: ((ثُمَّ مَنْ؟)).
قَالَ: ((ثُمَّ أَبُوكَ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: ((أُمُّكَ، ثُمَّ أُمُّكَ، ثُمَّ أُمُّكَ، ثُمَّ أَبُوكَ، ثُمَّ أَدْنَاكَ أَدْنَاكَ)).
فَالْأُمُّ لَهَا ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْبِرِّ.
وَعَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قُلْتُ: ((يَا رَسُولَ اللهِ! مَنْ أَبَرُّ؟)).
قَالَ: ((أُمَّكَ)).
حَتَّى قَالَهَا ثَلَاثًا.
قَالَ: قُلْتُ: ((يَا رَسُولَ اللهِ مَنْ أَبَرُّ؟)).
قَالَ: ((أَبَاكَ)).
قَالَ: قُلْتُ: ((يَا رَسُولَ اللهِ! ثُمَّ مَنْ؟)).
قَالَ: ((الْأَقْرَبَ فَالْأَقْرَبَ)). رَوَاهُ مَعْمَرٌ فِي ((جَامِعِهِ))، وَالْبُخَارِيُّ فِي ((الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ))، وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ.
وَعَنِ الْحَسَنِ قَالَ: ((لِلْأُمِّ ثُلُثَا الْبِرِّ، وَلِلْأَبِ ثُلُثٌ)). أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنِ الْحَسَنِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ.
وَعَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيِّ قَالَ: قُلْتُ لِلشَّعْبِيِّ: ((الْأُمُّ وَالْأَبُ فِي الْبِرِّ سَوَاءٌ؟)).
قَالَ: ((الْأُمُّ أَحَقُّ)). أَخْرَجَهُ الْمَرْوَزِيُّ.
وَعَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ: ((لِلْأُمِّ ثُلُثَا الْبِرِّ)). أَخْرَجَهُ الْحَرْبِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ.
وَبِرُّ الْوَالِدَيْنِ مُقَدَّمٌ عَلَى الْجِهَادِ؛ فَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- قَالَ: أَقْبَلَ رَجُلٌ إِلَى نَبِيِّ اللهِ ﷺ فَقَالَ: ((أُبَايِعُكَ عَلَى الْهِجْرَةِ وَالْجِهَادِ أَبْتَغِي الْأَجْرَ مِنَ اللهِ)).
قَالَ: ((فَهَلْ مِنْ وَالِدَيْكَ أَحَدٌ حَيٌّ؟)).
قَالَ: ((نَعَمْ، بَلْ كِلَاهُمَا)).
قَالَ: ((فَتَبْتَغِي الْأَجْرَ مِنَ اللهِ؟)).
قَالَ: ((نَعَمْ)).
قَالَ: ((فَارْجِعْ إِلَى وَالِدَيْكَ فَأَحْسِنْ صُحْبَتَهُمَا)). أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.
وَفِي لَفْظٍ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَاسْتَأْذَنَهُ فِي الْجِهَادِ، فَقَالَ: ((أَحَيٌّ وَالِدَاكَ؟)).
قَالَ: ((نَعَمْ)).
قَالَ: ((فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي لَفْظٍ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: ((جِئْتُ أُبَايِعُكَ عَلَى الْهِجْرَةِ، وَتَرَكْتُ أَبَوَيَّ يَبْكِيَانِ)).
فَقَالَ: ((ارْجِعْ عَلَيْهِمَا فَأَضْحِكْهُمَا كَمَا أَبْكَيْتَهُمَا)). أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَأَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ.
وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ قَالَ: سَأَلْتُ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ: ((هَلْ يَغْزُو الرَّجُلُ وَأَبَوَاهُ كَارِهَانِ ذَلِكَ أَوْ أَحَدُهُمَا؟)).
قَالَ: ((لَا)). أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ.
وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ هِشَامٍ، عَنِ الْحَسَنِ فِي الْوَالِدَيْنِ إِذَا أَذِنَا فِي الْغَزْوِ قَالَ: ((إِنْ كُنْتَ تَرَى هَوَاهُمَا فِي الْجُلُوسِ فَاجْلِسْ)).
وَسُئِلَ: ((مَا بِرُّ الْوَالِدَيْنِ؟)).
قَالَ: ((أَنْ تَبْذُلَ لَهُمَا مَا مَلَكْتَ، وَأَنْ تُطِيعَهُمَا فِيمَا أَمَرَاكَ بِهِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ مَعْصِيَةً)). وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ.
وَرِضَا الْوَالِدَيْنِ مُقَدَّمٌ عَلَى رِضَا غَيْرِهِمَا مِنَ الْخَلْقِ؛ فَعَنِ ابْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- قَالَ: ((كَانَتْ تَحْتِي امْرَأَةٌ، وَكُنْتُ أُحِبُّهَا، وَكَانَ عُمَرُ يَكْرَهُهَا، فَقَالَ لِي: طَلِّقْهَا، فَأَبَيْتُ، فَأَتَى عُمَرُ النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ)).
فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((طَلِّقْهَا)). أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ.
وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّ رَجُلًا أَتَاهُ فَقَالَ: ((إِنَّ لِي امْرَأَةً، وَإِنَّ أُمِّي تَأْمُرُنِي بِطَلَاقِهَا)).
فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: ((الْوَالِدُ أَوْسَطُ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، فَإِنْ شِئْتَ فَأَضِعْ ذَلِكَ الْبَابَ أَوِ احْفَظْهُ)). أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَه، وَالطَّيَالِسِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ -رَحِمَهُ اللهُ- فِيمَنْ تَأْمُرُهُ أُمُّهُ بِطَلَاقِ امْرَأَتِهِ قَالَ: ((لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُطَلِّقَ امْرَأَتَهُ، بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يَبَرَّ أُمَّهُ، وَلَيْسَ تَطْلِيقُ امْرَأَتِهِ مِنْ بِرِّ أُمِّهِ)).
وَلَا تَعُقَّ وَالِدَيْكَ وَإِنْ أَمَرَاكَ أَنْ تَخْرُجَ مِنْ أَهْلِكَ وَمَالِكَ؛ فَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ الْحَضْرَمِيِّ عَنْ مُعَاذٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: ((أَوْصَانِي رَسُولُ اللهِ ﷺ بِعَشْرِ كَلِمَاتٍ؛ قَالَ: ((لَا تُشْرِكْ بِاللهِ شَيْئًا وَإِنْ قُتِلْتَ وَحُرِّقْتَ، وَلَا تَعُقَّنَّ وَالِدَيْكَ وَإِنْ أَمَرَاكَ أَنْ تَخْرُجَ مِنْ أَهْلِكَ وَمَالِكَ، وَلَا تَتْرُكَنَّ صَلَاةً مَكْتُوبَةً مُتَعَمِّدًا؛ فَإِنَّ مَنْ تَرَكَ صَلَاةً مَكْتُوبَةً مُتَعَمِّدًا فَقَدْ بَرِأَتْ مِنْهُ ذِمَّةُ اللهِ، وَلَا تَشْرَبَنَّ خَمْرًا؛ فَإِنَّهُ رَأْسُ كُلِّ فَاحِشَةٍ، وَإِيَّاكَ وَالْمَعْصِيَةَ؛ فَإِنَّ بِالْمَعْصِيَةِ حَلَّ سَخَطُ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ-، وَإِيَّاكَ وَالْفِرَارَ مِنَ الزَّحْفِ وَإِنْ هَلَكَ النَّاسُ، وَإِذَا أَصَابَ النَّاسَ مُوَتَانٌ وَأَنْتَ فِيهِمْ فَاثْبُتْ، وَأَنْفِقْ عَلَى عِيَالِكَ مِنْ طَوْلِكَ، وَلَا تَرْفَعْ عَنْهُمْ عَصَاكَ أَدَبًا، وَأَخِفْهُمْ فِي اللهِ)). أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَهُوَ حَسَنٌ بِشَوَاهِدِهِ.
وَأَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ؛ فَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- أَنَّ رَجُلًا قَالَ: ((يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّ لِي مَالًا وَوَلَدًا، وَإِنَّ أَبِي يُرِيدُ أَنْ يَجْتَاحَ مَالِي)).
فَقَالَ: ((أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ)). أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَه، وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ فِي ((الْإِرْوَاءِ)).
قَالَ ابْنُ حِبَّانَ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((مَعْنَى أَنَّهُ ﷺ زَجَرَ عَنْ مُعَامَلَتِهِ أَبَاهُ بِمَا يُعَامِلُ بِهِ الْأَجْنَبِيِّينَ، وَأَمَرَ بِبِرِّهِ، وَالرِّفْقِ بِهِ فِي الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ مَعًا، إِلَى أَنْ يَصِلَ إِلَيْهِ مَالُهُ، فَقَالَ لَهُ: ((أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ))، لَا أَنَّ مَالَ الِابْنِ يَمْلِكُهُ الْأَبُ فِي حَيَاتِهِ عَنْ غَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ مِنَ الِابْنِ بِهِ)).
صِلَةُ الْوَالِدَيْنِ وَالْإِحْسَانُ إِلَيْهِمَا مَشْرُوعَةٌ وَلَوْ كَانَا مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ وَالْمَعَاصِي؛ فَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- قَالَتْ: ((قَدِمَتْ عَلَيَّ أُمِّي وَهِيَ مُشْرِكَةٌ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ -يَعْنِي: فِي مُدَّةِ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ، فَقَدِمَتْ عَلَى ابْنَتِهَا أَسْمَاءَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- فِي مَدِينَةِ النَّبِيِّ ﷺ- قَدِمَتْ عَلَيَّ أُمِّي وَهِيَ مُشْرِكَةٌ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَاسْتَفْتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ قُلْتُ: إِنَّ أُمِّي قَدِمَتْ وَهِيَ رَاغِبَةٌ؛ أَفَأَصِلُ أُمِّي؟)).
قَالَ: ((نَعَمْ، صِلِي أُمَّكِ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَمِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ: عُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ؛ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟)) ثَلَاثًا.
قَالُوا: ((بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ)).
قَالَ: ((الْإِشْرَاكُ بِاللهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ))، وَكَانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ فَقَالَ: ((أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ)).
قَالَ: ((فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا: لَيْتَهُ سَكَتَ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((الْكَبَائِرُ: الْإِشْرَاكُ بِاللهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَالْيَمِينُ الْغَمُوسُ)). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ: الْإِشْرَاكُ بِاللهِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَقَوْلُ الزُّورِ أَوْ قَالَ: وَشَهَادَةُ الزُّورِ)). أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ.
وَأَمَّا عِظَمُ سَبِّ الْوَالِدَيْنِ، أَوِ التَّسَبُّبُ فِي سَبِّهِمَا؛ فَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: ((مِنَ الْكَبَائِرِ شَتْمُ الرَّجُلِ وَالِدَيْهِ)).
قَالُوا: ((يَا رَسُولَ اللهِ! هَلْ يَشْتُمُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟!)). هُمْ يَسْتَبْعِدُونَ ذَلِكَ فِطْرَةً وَمُرُوءَةً، فَيَقُولُونَ: ((هَلْ يَشْتُمُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟!)).
قَالَ: ((نَعَمْ، يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أَبَاهُ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ فَيَسُبُّ أُمَّهُ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ: ((فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ تَسَبَّبَ فِي شَيْءٍ جَازَ أَنْ يُنْسَبَ إِلَيْهِ ذَلِكَ الشَّيْءُ، وَإِنَّمَا جَعَلَ هَذَا عُقُوقًا؛ لِكَوْنِهِ يَحْصُلُ مِنهُ مَا يَتَأَذَّى بِهِ الْوَالِدُ تَأَذِّيًا لَيْسَ بِالْهَيِّنِ؛ فَقَدِ اسْتَجْلَبَ الشَّتْمَ لَهُ)).
وَعَنْ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: ((كُنْتُ عِنْدَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: ((مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُسِرُّ إِلَيْكَ؟)).
قَالَ: فَغَضِبَ عَلِيٌّ وَقَالَ: ((مَا كَانَ ﷺ يُسِرُّ إِلَيَّ شَيْئًا يَكْتُمُهُ النَّاسَ؛ غَيْرَ أَنَّهُ قَدْ حَدَّثَنِي بِكَلِمَاتٍ أَرْبَعٍ)).
قَالَ: فَقَالَ: ((مَا هُنَّ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟)).
قَالَ: قَالَ: ((لَعَنَ اللهُ مَنْ لَعَنَ وَالِدَيْهِ، وَلَعَنَ اللهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللهِ، وَلَعَنَ اللهُ مَنْ آوَى مُحْدِثًا، وَلَعَنَ اللهُ مَنْ غَيَّرَ مَنَارَ الْأَرْضِ)). أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.
وَأَخْرَجَ مَعْمَرٌ فِي ((الْجَامِعِ)) عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: ((مَكْتُوبٌ فِي التَّوْرَاةِ: مَلْعُونٌ مَنْ سَبَّ أَبَاهُ، مَلْعُونٌ مَنْ سَبَّ أُمَّهُ، مَلْعُونٌ مَنْ نَزَعَ تُخُومَ الْأَرْضِ، مَلْعُونٌ مَنْ صَدَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ أَوْ أَضَلَّ سَائِلًا)). وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ عَنْ عُرْوَةَ.
وَمِنَ الْعُقُوقِ لِلْوَالِدَيْنِ وَمِنَ الْكَبَائِرِ: أَنْ يَنْتَسِبَ الْعَبْدُ إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ وَهُوَ يَعْلَمُ؛ فَعَنْ أَبِي ذَرٍّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: ((لَيْسَ مِنْ رَجُلٍ ادَّعَى لِغَيْرِ أَبِيهِ وَهُوَ يَعْلَمُهُ -أَيْ: وَهُوَ يَعْلَمُ أَبَاهُ- إِلَّا كَفَرَ -أَيِ: انْتَسَبَ لِغَيْرِ أَبِيهِ رَغْبَةً عَنْهُ مَعَ عِلْمِهِ بِأَبِيهِ-، وَمَنِ ادَّعَى مَا لَيْسَ لَهُ فَلَيْسَ مِنَّا، وَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ، وَمَنْ دَعَا رَجُلًا بِالْكُفْرِ، أَوْ قَالَ: عَدُوُّ اللهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ إِلَّا حَارَ -أَيْ: رَجَعَ- عَلَيْهِ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: ((لَا تَرْغَبُوا عَنْ آبَائِكُمْ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ أَبِيهِ فَهُوَ كُفْرٌ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
فَهَذِهِ جُمْلَةٌ مِنْ أَحَادِيثِ النَّبِيِّ الْكَرِيمِ ﷺ فِي وُجُوبِ بِرِّ الْوَالِدَيْنِ، وَفِي التَّحْذِيرِ مِنْ عُقُوقِهِمَا.
هَذِهِ الْآيَاتُ الْكَرِيمَاتُ وَالْأَحَادِيثُ الشَّرِيفَةُ تَدُلُّ دَلَالَةً وَاضِحَةً عَلَى عِظَمِ حَقِّ الْوَالِدَيْنِ، وَعَلَى الْأَمْرِ بِبِرِّهِمَا وَطَاعَتِهِمَا، وَالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمَا، وَأَنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ، وَأَنَّ عُقُوقَهُمَا كَبِيرَةٌ مِنَ الْكَبَائِرِ، وَأَنَّ بِرَّهُمَا آكَدُ وَأَفْضَلُ مِنَ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْجِهَادُ إِلَّا بِإِذْنِهِمَا إِذَا كَانَا مُسْلِمَيْنِ، أَوْ بِإِذْنِ الْمُسْلِمِ مِنْهُمَا، وَأَنَّ طَاعَتَهُمَا وَاجِبَةٌ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةِ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ-.
وَقَدْ قَرَنَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا- عِبَادَتَهُ وَحْدَهُ بِالْإِحْسَانِ إِلَى الْوَالِدَيْنِ؛ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنْ تَلَازُمٍ وَارْتِبَاطٍ؛ إِذْ لَا تَكْفِي الْعِبَادَةُ مَعَ الْعُقُوقِ، وَلَا يُغْنِي الْإِحْسَانُ مَعَ الْإِشْرَاكِ بِاللهِ، فَلَا بُدَّ مِنْ حُسْنِ الظَّنِّ بِاللهِ -جَلَّ وَعَلَا-، وَمَعَهُ الْإِحْسَانُ إِلَى الْوَالِدَيْنِ، وَصِلَتُهُمَا.
فَمَنْ عَقَّ وَالِدَيْهِ فَقَدْ عَصَى اللهَ، وَمَنْ عَصَى نَدِمَ وَخَسِرَ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ غِرَاسُ الْوَالِدَيْنِ وَنَتَاجُهُمَا، وَهُمَا سَبَبُ سَعَادَتِهِ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ مُعَامَلَتُهُمَا بِالرِّفْقِ وَاللِّينِ، وَالْمُلَاطَفَةِ، وَخَفْضِ الْجَنَاحِ، وَلِينِ الْقَوْلِ، وَالْمُؤَانَسَةِ، وَالرَّحْمَةِ، وَالدُّعَاءِ لَهُمَا، وَبَذْلِ غَايَةِ جَهْدِهِ فِي خِدْمَتِهِمَا، وَأَنْ يَعْمَلَ أَقْصَى مَا يَسْتَطِيعُهُ لِإِرْضَائِهِمَا؛ لِأَنَّ رِضَا اللهِ فِي رِضَا الْوَالِدَيْنِ، وَسَخَطَ اللهِ فِي سَخَطِ الْوَالِدَيْنِ.
((مِنَ الْأَمَانَةِ أَنْ تُنْزِلُوا النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ!))
النَّبِيُّ ﷺ كَانَ يُنْزِلُ النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ..
((أَنْزِلُوا النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ)).. يَشْهَدُ لِهَذِهِ الْحِكْمَةِ مِنَ آيَاتِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- وَمِنَ الْأَحَادِيثِ الثَّابِتَةِ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ مَا تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ.
وَيَكْفِي فِي هَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا} [النساء: 58].
وَكَذَلِكَ حَدِيثُ النَّبِيِّ ﷺ عِنْدَمَا سُئِلَ عَنِ السَّاعَةِ، قَالَ ﷺ: ((فَإِذَا ضُيِّعَتِ الْأَمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ)).
قَالَ: ((كَيْفَ إِضَاعَتُهَا؟)).
قَالَ ﷺ: ((إِذَا وُسِّدَ الْأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ)).
وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ.
المصدر: أَنْزِلُوا النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ!