نِدَاءَاتُ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ لِلرَّسُولِ ﷺ

نِدَاءَاتُ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ لِلرَّسُولِ ﷺ

((نِدَاءَاتُ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ لِلرَّسُولِ ﷺ ))

إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّـهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّـهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ.

أَمَّا بَعْدُ:

فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّـهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.

أَمَّا بَعْدُ:

((مَحَبَّةُ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- لِنَبِيِّهِ ﷺ ))

فَمِنْ مَظَاهِرِ حُبِّهِ -تَعَالَى- لِنَبِيِّهِ ﷺ، وَعِنَايَتِهِ بِهِ ﷺ: مَا وَرَدَ فِي اعْتِنَاءِ رَبِّنَا -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ- بِعُمُومِ الِاعْتِنَاءِ بِنَبِيِّهِ ﷺ.

يَقُولُ رَبُّنَا -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ-: {وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ۖ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ}  [الطور: 48].

وَهَذِهِ الْآيَةُ الْعَظِيمَةُ مِنْ أَعْظَمِ الْآيَاتِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى كَمَالِ اعْتِنَاءِ اللهِ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- بِنَبِيِّهِ ﷺ؛ لِأَنَّهَا أَثْبَتَتْ أَنَّهُ ﷺ بِمَرْأَى وَمَسْمَعٍ مِنَ اللهِ -تَعَالَى- فِي كُلِّ أَحْوَالِهِ وَتَقَلُّبَاتِهِ ﷺ، فِي أُولَاهُ وَأُخْرَاهُ، وَفِي حَيَاتِهِ وَمَمَاتِهِ، قَبْلَ بِعْثَتِهِ وَبَعْدَهَا، فِي حَلِّهِ وَتَرْحَالِهِ، فِي عِبَادَتِهِ وَعَادَتِهِ؛ بَلْ يُمْكِنُ الْجَزْمُ أَنَّ هَذِهِ الْعِنَايَةَ وَالرِّعَايَةَ الْإِلَهِيَّةَ قَدْ شَمِلَتْهُ ﷺ قَبْلَ مِيلَادِهِ بِقُرُونٍ طَوِيلَةٍ.

أَلَمْ تَرَ كَيْفَ اخْتَارَ اللهُ -تَعَالَى- لَهُ نَسَبَهُ الشَّرِيفَ مِنْ لَدُنْ إِبْرَاهِيمَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- حَتَّى عَبْدِ الْمُطَّلِبِ!!

وَدَلِيلُ ذَلِكَ:  مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي ((صَحِيحِهِ)) عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: ((إِنَّ اللهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى قُرَيْشًا مِنْ كِنَانَةَ، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ)) ﷺ.

فَقَدْ تَمَّ الْحُكْمُ بِأَنَّ هَذِهِ الْعِنَايَةَ وَتِلْكَ الرِّعَايَةَ قَدْ شَمِلَتْ كُلَّ مَا ذُكِرَ مِنْ أُولَاهُ وَأُخْرَاهُ، وَحَيَاتِهِ وَمَمَاتِهِ، قَبْلَ الْبِعْثَةِ وَبَعْدَهَا، فِي حَلِّهِ وَتَرْحَالِهِ، فِي عَادَاتِهِ وَعِبَادَاتِهِ؛ بَلْ شَمِلَتْهُ قَبْلَ مِيلَادِهِ بِقُرُونٍ طَوِيلَةٍ ﷺ. 

شَمِلَتْ هَذِهِ الرِّعَايَةُ وَتِلْكَ الْعِنَايَةُ كُلَّ مَا ذُكِرَ؛ لِأَنَّ الْآيَةَ لَمْ تَأْتِ مُقَيَّدَةً بِزَمَنٍ دُونَ زَمَنٍ، وَلَا بِحَالٍ دُونَ حَالٍ.

قَالَ تَعَالَى: {فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا} ﷺ.

قَالَ الْقُرْطُبِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ- فِي تَفْسِيرِهِ لِهَذِهِ الْآيَةِ الْعَظِيمَةِ: ((أَيْ: أَنْتَ يَا نَبِيَّنَا وَيَا رَسُولَنَا ﷺ بِمَرْأَى وَمَنْظَرٍ مِنَّا، نَرَى وَنَسْمَعُ مَا تَقُولُ وَتَفْعَلُ، وَقِيلَ: بِحَيْثُ نَرَاكَ، وَنَحْفَظُكَ، وَنَحُوطُكَ، وَنَحْرُسُكَ، وَنَرْعَاكَ)) ﷺ.

وَقَالَ ابْنُ كَثِيرٍ -رَحِمَهُ اللهُ- كَلَامًا قَرِيبًا مِمَّا قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ-.

وَقَالَ الشَّيْخُ السَّعْدِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((أَيْ: أَنْتَ يَا نَبِيَّنَا ﷺ بِمَرْأَى مِنَّا، وَحِفْظٍ وَاعْتِنَاءٍ بِأَمْرِكَ كُلِّهِ)) ﷺ.

وَعَلَيْهِ؛ فَيُؤْخَذُ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: {وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ۖ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ} يُؤْخَذُ مِنْهَا كَمَالُ عِصْمَةِ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ النَّاسِ، وَتَمَامُ عِصْمَتِهِ مِنَ الزَّلَّاتِ وَالْهَفَوَاتِ، وَرِفْعَةُ مَنْزِلَتِهِ، وَعُلُوُّ شَأْنِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ؛ لِأَنَّ هَذَا مَقَامُ مَنْ رَعَاهُ اللهُ وَحَفِظَهُ فِي كُلِّ أَحْوَالِهِ ﷺ.

فَهَذَا الِاعْتِنَاءُ الْعَامُّ بِهِ ﷺ مَظْهَرٌ مِنْ مَظَاهِرِ حُبِّهِ -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ- لَهُ، يُحِبُّهُ رَبُّهُ -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ-؛ حَتَّى اتَّخَذَهُ خَلِيلًا، كَمَا قَالَ ﷺ: ((وَإِنَّ صَاحِبَكُمْ خَلِيلُ الرَّحْمَنِ)) ﷺ.

لَقَدِ اخْتَصَّ اللهُ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا بِجُمْلَةٍ مِنَ الْخَصَائِصِ لَمْ يَخُصَّ بِهَا أَحَدًا قَبْلَهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ؛ تَكْرِيمًا لِمَقَامِهِ بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ، وَتَشْرِيفًا لِمَكَانَتِهِ بَيْنَ الرُّسُلِ؛ لِمَ لَا وَهُوَ خَاتَمُ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ، وَهُوَ خَيْرُ الْخَلْقِ عَلَى اللهِ.

فَمِنْ تِلْكَ الْخَصَائِصِ: أَنَّ اللهَ -تَعَالَى- نَادَاهُ بِوَصْفِ النُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ، وَهَذَانِ الْوَصْفَانِ مِنْ أَهَمِّ الْأَوْصَافِ الَّتِي اتَّصَفَ بِهَا نَبِيُّنَا ﷺ؛ فَنَادَاهُ بِأَحَبِّ الْأَلْقَابِ وَأَسْنَى الْأَوْصَافِ، وَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ كُلِّهِ نِدَاءٌ لِلنَّبِيِّ بِاسْمِهِ، لَيْسَ فِيهِ: يَا أَحْمَدُ، وَلَا: يَا مُحَمَّدُ، وَإِنَّمَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ فَاتِحَتِهِ إِلَى خَاتِمَتِهِ: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ}، {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ}، وَمَنْ دُونَهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ يُنَادَوْنَ بِأَسْمَائِهِمْ.

((مَعْنَى النِّدَاءِ وَغَرَضُهُ))

إِنَّ حَقِيقَةَ النِّدَاءِ: ارْتِفَاعُ الصَّوْتِ،  وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ النَّدَى، وَهُوَ: بُعْدُ الصَّوْتِ.

وَالنِّدَاءُ فِي اللُّغَةِ: مَصْدَرُ الْفِعْلِ نَادَى يُنَادِي مُنَادَاةً وَنِدَاءً؛ بِمَعْنَى: الصَّوْتِ، وَالصُّرَاخِ، وَالدُّعَاءِ بِأَيِّ لَفْظٍ كَانَ.

((النِّدَاءُ: إِذَا أَرَدْنَا إِقْبَالَ أَحَدٍ عَلَيْنَا دَعَوْنَاهُ بِذِكْرِ اسْمِهِ، أَوْ كُنْيَتِهِ، أَوْ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ بَعْدَ حَرْفٍ نَائِبٍ مَنَابَ (أَدْعُو)؛ مِثْلُ: يَا زَيْدُ، هَيَا زَيْدُ، أَزَيْدُ!

فَتَأْتِي بِحَرْفِ نِدَاءٍ يَقُومُ مَقَامَ الْفِعْلِ (أَدْعُو)؛ أَيْ: أَدْعُو زَيْدًا، ثُمَّ تَأْتِي بِالِاسْمِ، أَوْ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ مَنْ تَدْعُوهُ)).

قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: ((النِّدَاءُ: هُوَ طَلَبُ إِقْبَالِ الْمَدْعُوِّ عَلَى الدَّاعِي بِحَرْفٍ مَخْصُوصٍ))؛ وَذَلِكَ ((لِأَنَّ الْغَايَةَ مِنَ النِّدَاءِ -كَمَا يَرَى السُّيُوطِيُّ- أَنْ يُصْغِيَ مَنْ تُنَادِيهِ إِلَى أَمْرٍ ذِي بَالٍ؛ وَلِذَا غَلَبَ أَنْ يَلِيَ النِّدَاءَ أَمْرٌ، أَوْ نَهْيٌ، أَوِ اسْتِفْهَامٌ)).

((إِنَّ تَصْدِيرَ الْخِطَابِ بِالنِّدَاءِ يَدُلُّ عَلَى أَهَمِّيَّتِهِ وَالْعِنَايَةِ بِهِ؛ لِأَنَّ النِّدَاءَ يَتَضَمَّنُ التَّنْبِيهَ، وَالتَّنْبِيهُ عَلَى الشَّيْءِ دَلِيلٌ عَلَى الِاهْتِمَامِ بِهِ)).

 ((النِّدَاءُ فِي الْقُرْآنِ))

إِنَّ مَوْضُوعَ النِّدَاءِ الْقُرْآنِيِّ ذُو أَهَمِّيَّةٍ بَالِغَةٍ، ((وَأَكْثَرُ مَا وَرَدَ (النِّدَاءُ) فِي الْقُرْآنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا؛ حَيْثُ وَرَدَ فِي تِسْعَةٍ وَثَمَانِينَ مَوْضِعًا؛ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ} [البقرة: 153].

وَيَأْتِي فِي الدَّرَجَةِ الثَّانِيَةِ (النِّدَاءُ) إِلَى عُمُومِ النَّاسِ، وَذَلِكَ فِي عِشْرِينَ مَوْضِعًا، مِنْ ذَلِكَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ} [البقرة: 21].

ثُمَّ (النِّدَاءُ) لِلرَّسُولِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَذَلِكَ فِي خَمْسَةَ عَشَرَ مَوْضِعًا، اثْنَانِ مِنْهَا بِنِدَاءِ الرِّسَالَةِ، مِنْ ذَلِكَ: قَوْلُهُ -سُبْحَانَهُ-: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ} [المائدة:41].

وَبَاقِيهَا بِنِدَاءِ النُّبُوَّةِ؛ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ} [الأنفال: 64].

ثُمَّ (النِّدَاءُ) لِلْإِنْسَانِ، وَذَلِكَ فِي مَوْضِعَيْنِ؛ الْأَوَّلُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ} [الانفطار:6].

وَالثَّانِي: قَوْلُهُ -عَزَّ وَجَلَّ-: {يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ} [الانشقاق: 6].

وَجَاءَ (النِّدَاءُ) لِلْكُفَّارِ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ} [التحريم: 7].

(النِّدَاءُ) فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُوَجَّهًا مِنَ اللهِ لِعُمُومِ عِبَادِهِ وَمَخْلُوقَاتِهِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُوَجَّهًا مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ أَنْفُسِهَا.

وَ(النِّدَاءُ) مِنَ اللهِ -سُبْحَانَهُ- قَدْ يَكُونُ نِدَاءً لِأَنْبِيَائِهِ؛ نَحْوَ قَوْلِهِ -سُبْحَانَهُ-: {يَا مُوسَىٰ أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ} [القصص:31].

وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِّنَّا وَبَرَكَاتٍ} [هود: 48].

وَلَمْ يَقَعِ (النِّدَاءُ) فِي الْقُرْآنِ بِـ (يَا مُحَمَّدُ)، بَلْ بِـ {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ}، وَ {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ}؛ تَعْظِيمًا لَهُ، وَتَبْجِيلًا، وَتَخْصِيصًا بِذَلِكَ عَمَّنْ سِوَاهُ.

وَقَدْ يَكُونُ (النِّدَاءُ) إِلَى نِسَاءِ النَّبِيِّ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ} [الأحزاب: 30].

وَقَدْ يَكُونُ (النِّدَاءُ) إِلَى الَّذِينَ آمَنُوا، وَهُوَ الْأَكْثَرُ -كَمَا تَقَدَّمَ-؛ كَقَوْلِه -سُبْحَانَهُ-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} [البقرة: 172].

وَقَدْ يَكُونُ (النِّدَاءُ) إِلَى عِبَادِهِ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ} [العنكبوت: 56].

وَقَدْ يَكُونُ (النِّدَاءُ) إِلَى عُمُومِ النَّاسِ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ} [النساء: 1].

وَقَدْ يَكُونُ (النِّدَاءُ) إِلَى بَنِي آدَمَ؛ كَقَوْلِهِ -سُبْحَانَهُ-: {يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [الأعراف: 31].

وَقَدْ يَكُونُ (النِّدَاءُ) إِلَى الْجَمَادَاتِ؛ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: {يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ} [سبأ: 10].

أَمَّا (النِّدَاءُ) مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ؛ فَقَدْ يَكُونُ (النِّدَاءُ) مِنَ الرُّسُلِ لِأَقْوَامِهِمْ؛ نَحْوَ نِدَاءِ مُوسَى -عَلَيْهِ السَّلَامُ- لِقَوْمِهِ: {يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُم} [البقرة: 54].

وَقَدْ يَكُونُ (النِّدَاءُ) مِنَ الْأَقْوَامِ لِرُسُلِهِمْ؛ نَحْوَ نِدَاءِ قَوْمِ نُوحٍ لِرَسُولِهِمْ: {قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا} [هود: 32].

وَقَدْ يَكُونُ (النِّدَاءُ) مِنْ وَإِلَى الْمَلَائِكَةِ؛ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ} [آل عمران: 45].

وَقَوْلِهِ -سُبْحَانَهُ-: {وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ} [الزخرف: 77].

وَقَدْ يَكُونُ (النِّدَاءُ) مِنَ النَّاسِ لِأَنْفُسِهِمْ؛ إِمَّا فَرَحًا وَسُرُورًا؛ كَقَوْلِهِ -سُبْحَانَهُ-: {قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ} [يس: 26].

وَإِمَّا حَسْرَةً وَنَدَامَةً؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَا حَسْرَتَا عَلَىٰ مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ} [الزمر: 56]، وَنِدَاءُ (الْحَسْرَةِ) كَثِيرٌ فِي الْقُرْآنِ.

وَقَدْ يَكُونُ (النِّدَاءُ) مِنْ وَإِلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ؛ كَقَوْلِهِ -سُبْحَانَهُ-: {يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ} [لقمان: 17].

وَقَدْ يَكُونُ (النِّدَاءُ) مِنَ الْحَيَوَانَاتِ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ} [النمل: 18].

وَقَدْ يَكُونُ (النِّدَاءُ) مِنَ الْجِنِّ، مِنْ ذَلِكَ: قَوْلُهُ -سُبْحَانَهُ-: {يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ} [الأحقاف:31].

وَقَدْ تَكَرَّرَ (النِّدَاءُ) وَتَنَوَّعَ فِي سُورَةِ يُوسُفَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-؛ فَجَاءَ (النِّدَاءُ) فِيهَا مِنْ يَعْقُوبَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- لِبَنِيهِ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِن بَابٍ وَاحِدٍ} [يوسف: 67].

وَجَاءَ (النِّدَاءُ) فِيهَا مِنْ يَعْقُوبَ لِيُوسُفَ -عَلَيْهِمَا السَّلَامُ-، وَذَلِكَ قَوْلُهُ -سُبْحَانَهُ-: {قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَىٰ إِخْوَتِكَ} [يوسف: 5].

وَجَاءَ (النِّدَاءُ) فِيهَا مِنْ يُوسُفَ لِأَبِيهِ -عَلَيْهِمَا السَّلَامُ-، وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا} [يوسف: 4].

وَجَاءَ (النِّدَاءُ) فِيهَا مِنْ يُوسُفَ لِصَاحِبَيْهِ فِي السِّجْنِ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ -سُبْحَانَهُ-: {يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} [يوسف: 39].

وَجَاءَ (النِّدَاءُ) فِيهَا مِنْ إِخْوَةِ يُوسُفَ لِأَبِيهِمْ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-، وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَىٰ يُوسُفَ} [يوسف: 11].

وَجَاءَ (النِّدَاءُ) فِيهَا مِنْ إِخْوَةِ يُوسُفَ لِعَزِيزِ مِصْرَ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا} [يوسف: 78])).

((مِنْ مَظَاهِرِ تَعْظِيمِ اللهِ لِلنَّبِيِّ ﷺ:

مُنَادَاتُهُ بِأَحَبِّ الْأَلْقَابِ وَأَسْنَى الْأَوْصَافِ))

مِنْ مَظَاهِرِ تَعْظِيمِ اللهِ وَتَوْقِيرِهِ لِنَبِيِّهِ ﷺ: أَنَّهُ نَادَاهُ بِأَحَبِّ الْأَلْقَابِ وَأَسْنَى الْأَوْصَافِ، وَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ كُلِّهِ نِدَاءٌ لِلنَّبِيِّ بِاسْمِهِ، لَيْسَ فِيهِ: يَا أَحْمَدُ، وَلَا: يَا مُحَمَّدُ، وَإِنَّمَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ فَاتِحَتِهِ إِلَى خَاتِمَتِهِ: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ}، {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ}.

وَمَنْ دُونَهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ يُنَادَوْنَ بِأَسْمَائِهِمْ:

{وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ} [البقرة: 35].

{يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ} [المائدة: 110].

{يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللهُ} [القصص: 30].

{يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ} [هود: 48].

{يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ} [ص: 26].

{وَنَادَيْنَاهُ أَن يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا} [الصافات: 104-105].

{يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ}[هود: 81].

{يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ}[مريم: 7].

{يَا يَحْيَى خُذِ الكِتَابَ}[مريم: 12].

إِلَّا الرَّسُولَ؛ فَلَا يُنَادَى إِلَّا بِـ: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ}، {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ}.

قَالَ الْإِمَامُ الصَّرْصَرِيُّ:

وَدَعَا الْإِلَهُ الرُّسْلَ كُلًّا بِاسْمِهِ    =        وَدَعَاكَ وَحْدَكَ بِالرَّسُولِ وَبِالنَّبِي

صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.

وَهَذَا كُلُّهُ يُرْشِدُنَا إِلَى مَا يَجِبُ عَلَيْنَا نَحْوَهُ ﷺ؛ {لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63].

قَالَ: ((تَدْرِي مَا الْفِتْنَةُ؟)).

قَالَ: ((الشِّرْكُ، أَوِ الْكُفْرُ)).

{أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}: بِحَدٍّ فِي الدُّنْيَا، أَوْ بِعَذَابٍ فِي الْآخِرَةِ؛ كُلُّ ذَلِكَ بَسَبَبِ مُخَالَفَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ.

وَقَدْ نَهَانَا رَبُّنَا -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنْ نَقُولَ: يَا مُحَمَّدُ! يَا أَبَا الْقَاسِمِ! وَإِنَّمَا نَقُولُ: يَا رَسُولَ اللهِ! يَا نَبِيَّ اللهِ!

هَذَا مَتَى؟

إِذَا كَانَ فِي حَيَاتِهِ ﷺ مَنَعَهُمْ مِنْ نِدَائِهِ بِاسْمِهِ ﷺ، كَمَا نَهَاهُمْ عَنْ رَفْعِ الصَّوْتِ فَوْقَ صَوْتِهِ، وَعَنِ التَّقْدِيمِ بَيْنَ يَدَيْهِ -صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ-؛ بَلْ إِنَّهُ أَمَرَهُمْ إِذَا أَرَادُوا مُنَاجَاتَهُ أَنْ يُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاهُمْ صَدَقَةً، ثُمَّ نَسَخَ ذَلِكَ.

((نِدَاءَاتُ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ لِلرَّسُولِ ﷺ ))

((إِنَّ اللَّهَ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- نَادَى نَبِيَّنَا ﷺ بِوَصْفِ النُّبُوَّةِ، مَعَ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ الَّذِينَ سِوَاهُ يُنَادِيهِمُ اللَّهُ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- بِأَسْمَائِهِمْ: {يَا مُوسَى} [المائدة: ٢٢]، {يَا عِيسَى} [المائدة: ١١٦]، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، أَمَّا النَّبِيُّ ﷺ؛ مَا نَادَاهُ إِلَّا بِوَصْفِ النُّبُوَّةِ أَوِ الرِّسَالَةِ.

فَإِنْ قُلْتَ: أَلَيْسَ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- قَدْ قَالَ: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ} [آل عمران: ١٤٤]، وَقَالَ: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ} [الفتح: ٢٩]؟

فَالْجَوَابُ: أَنَّ هَذَا لَيْسَ مَقَامَ نِدَاءِ خِطَابٍ، لَكِنَّهُ مَقَامُ خَبَرٍ.

إِنَّ الْخِطَابَ الْمُوَجَّهَ لِلرَّسُولِ ﷺ مُوَجَّهٌ لَهُ وَلِأُمَّتِهِ مَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى تَخْصِيصِهِ.

الْخِطَابَاتُ الْمُوَجَّهَةُ لِلرَّسُولِ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ والسَّلَامُ- إِمَّا أَنْ يَقُومَ دَلِيلٌ عَلَى الْعُمُومِ؛ بِأَنْ يَكُونَ فِي نَفْسِ الْخِطَابِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْعُمُومِ، أَوْ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْخُصُوصِ، أَوْ فِيهِ مَا لَا يَدُلُّ عَلَى هَذَا وَلَا عَلَى هَذَا.

فَالَّذِي فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْعُمُومِ لِلْعُمُومِ؛ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} [الطلاق: ١].

وَالَّذِي فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْخُصُوصِ؛ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [التحريم: ١].

وَالَّذِي فِيهِ مَا لَا يَدُلُّ عَلَى هَذَا وَلَا هَذَا؛ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا} [الأحزاب: 1]؛ وَلَكِنَّ حُكْمَهَا عَامٌّ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَلِأُمَّتِهِ)).

((نِدَاءُ الْبُشْرَى بِالْكِفَايَةِ وَالْنُّصْرَةِ))

لَقَدْ تَعَدَّدَتْ نِدَاءَاتُ الرَّبِّ الْعَلِيِّ الْأَعْلَى لِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ، وَمِنْ هَذِهِ النِّدَاءَاتِ الْإِلَهِيَّةِ: النِّدَاءُ الَّذِي اشْتَمَلَ عَلَى وَعْدِ اللهِ -تَعَالَى- لِنَبِيِّهِ ﷺ بِالْكِفَايَةِ وَالنُّصْرَةِ لَهُ وَلِأَتْبَاعِهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ رَبُّنَا -جَلَّ وَعَلَا-: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الأنفال: 64].

((قَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ} أَيْ: كَافِيكَ {وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} أَيْ: وَكَافِي أَتْبَاعِكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَهَذَا وَعْدٌ مِنَ اللَّهِ لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ الْمُتَّبِعِينَ لِرَسُولِهِ بِالْكِفَايَةِ وَالنُّصْرَةِ عَلَى الْأَعْدَاءِ.

فَإِذَا أَتَوْا بِالسَّبَبِ الَّذِي هُوَ الْإِيمَانُ وَالِاتِّبَاعُ؛ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكْفِيَهُمْ مَا أَهَمَّهُمْ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا، وَإِنَّمَا تَتَخَلَّفُ الْكِفَايَةُ بِتَخَلُّفِ شَرْطِهَا)).

((حَرَّضَ -تَعَالَى- نَبِيَّهُ -صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ- وَالْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ، وَمُنَاجَزَةِ الْأَعْدَاءِ، وَمُبَارَزَةِ الْأَقْرَانِ، وَيُخْبِرُهُمْ أَنَّهُ حَسْبُهُمْ؛ أَيْ: كَافِيهِمْ وَنَاصِرُهُمْ وَمُؤَيِّدُهُمْ عَلَى عَدُوِّهِمْ؛ وَإِنْ كَثُرَتْ أَعْدَادُهُمْ، وَتَرَادَفَتْ أَمْدَادُهُمْ، وَلَوْ قَلَّ عَدَدُ الْمُؤْمِنِينَ)).

{وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ} [النور: 55].

قَالَ الْعَلَّامَةُ السَّعْدِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ-: «هَذَا مِنْ وُعُودِهِ الصَّادِقَةِ الَّتِي شُوهِدَ تَأْوِيلُهَا، وَعُرِفَ مَخْبَرُهَا؛ فَإِنَّهُ وَعَدَ مَنْ قَامَ بِالْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَنْ يَسْتَخْلِفَهُمْ فِي الْأَرْضِ، يَكُونُونَ هُمُ الْخُلَفَاءَ فِي الْأَرْضِ، وَيَكُونُونَ الْمُتَصَرِّفِينَ فِي تَدْبِيرِهَا.

وَأَنَّهُ يُمَكِّنُ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ، وَهُوَ دِينُ الْإِسْلَامِ الَّذِي فَاقَ الْأَدْيَانَ كُلَّهَا، ارْتَضَاهُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ؛ لِفَضْلِهَا، وَشَرَفِهَا، وَنِعْمَتِهِ عَلَيْهَا، بِأَنْ يَتَمَكَّنُوا مِنْ إِقَامَتِهِ، وَإِقَامَةِ شَرَائِعِهِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ فِي أَنْفُسِهِمْ وَفِي غَيْرِهِمْ؛ لِكَوْنِ غَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْأَدْيَانِ وَسَائِرِ الْكُفَّارِ مَغْلُوبِينَ ذَلِيلِينَ، وَأَنَّهُ يُبَدِّلُهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمُ الَّذِي كَانَ الْوَاحِدُ مِنْهُمْ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ إِظْهَارِ دِينِهِ وَمَا هُوَ عَلَيْهِ إِلَّا بِأَذًى كَثِيرٍ مِنَ الْكُفَّارِ، وَكَوْنِ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ قَلِيلِينَ جِدًّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى غَيْرِهِمْ، وَقَدْ رَمَاهُمْ أَهْلُ الْأَرْضِ عَنْ قَوْسٍ وَاحِدَةٍ، وَبَغَوْا لَهُمُ الْغَوَائِلَ، فَوَعَدَهُمُ اللهُ هَذِهِ الْأُمُورَ وَقْتَ نُزُولِ الْآيَةِ، وَهِيَ لَمْ تُشَاهِدْ الِاسْتِخْلَافَ فِي الْأَرْضِ، وَالتَّمْكِينَ فِيهَا، وَالتَّمْكِينَ مِنْ إِقَامَةِ الدِّينِ الْإِسْلَامِيِّ، وَالْأَمْنَ التَّامَّ؛ بِحَيْثُ يَعْبُدُونَ اللهَ، وَلَا يُشْرِكُونَ بِهِ شَيْئًا، وَلَا يَخَافُونَ إِلَّا اللهَ.

فَقَامَ صَدْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ -مِنَ الْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ- بِمَا يَفُوقُونَ عَلَى غَيْرِهِمْ، فَمَكَّنَهُمْ مِنَ الْبِلَادِ وَالْعِبَادِ، وَفُتِحَتْ مَشَارِقُ الْأَرْضِ وَمَغَارِبُهَا، وَحَصَلَ الْأَمْنُ التَّامُّ، وَالتَّمْكِينُ التَّامُّ».

وَقَالَ تَعَالَى: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} [المنافقون: 8].

وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ بِقَهْرِهِ وَقُوَّتِهِ وَغَلَبَتِهِ، وَلِرَسُولِهِ ﷺ بِإِظْهَارِ دِينِهِ عَلَى الْأَدْيَانِ كُلِّهَا، وَلِلْمُؤْمِنِينَ بِإِمْدَادِ اللهِ لَهُمْ بِالْقُوَّةِ الْغَالِبَةِ، وَنَصْرِهِمْ عَلَى أَعْدَائِهِمْ.

((نِدَاءُ الْحَثِّ عَلَى الْجِهَادِ))

لَقَدْ نَادَى رَبُّنَا -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ أَنْ يَحُثَّ مُتَّبِعِيهِ وَمُصَدِّقِيهِ عَلَى مَا جَاءَهُمْ بِهِ مِنَ الْحَقِّ، عَلَى قِتَالِ مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى عَنِ الْحَقِّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، قَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ ۚ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ۚ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ} [الأنفال: 65].

((يَقُولُ -تَعَالَى- لِنَبِيِّهِ ﷺ: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ} أَيْ: حُثَّهُمْ وَأَنْهِضْهُمْ إِلَيْهِ بِكُلِّ مَا يُقَوِّي عَزَائِمَهُمْ، وَيُنَشِّطُ هِمَمَهُمْ؛ مِنَ التَّرْغِيبِ فِي الْجِهَادِ وَمُقَارَعَةِ الْأَعْدَاءِ، وَالتَّرْهِيبِ مِنْ ضِدِّ ذَلِكَ، وَذِكْرِ فَضَائِلِ الشَّجَاعَةِ وَالصَّبْرِ، وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ خَيْرٍ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَذِكْرِ مَضَارِّ الْجُبْنِ، وَأَنَّهُ مِنَ الْأَخْلَاقِ الرَّذِيلَةِ الْمُنْقِصَةِ لِلدِّينِ وَالْمُرُوءَةِ، وَأَنَّ الشَّجَاعَةَ بِالْمُؤْمِنِينَ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِمْ، {إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ}.

{إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ} أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ {عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ۚ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا} يَكُونُ الْوَاحِدُ بِنِسْبَةِ عَشَرَةٍ مِنَ الْكُفَّارِ، وَذَلِكَ بِأَنَّ الْكُفَّارَ {قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ} أَيْ: لَا عِلْمَ عِنْدَهُمْ بِمَا أَعَدَّ اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِهِ.

فَهُمْ يُقَاتِلُونَ لِأَجْلِ الْعُلُوِّ فِي الْأَرْضِ وَالْفَسَادِ فِيهَا، وَأَنْتُمْ تَفْقَهُونَ الْمَقْصُودَ مِنَ الْقِتَالِ، أَنَّهُ لِإِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ وَإِظْهَارِ دِينِهِ، وَالذَّبِّ عَنْ كِتَابِ اللَّهِ، وَحُصُولِ الْفَوْزِ الْأَكْبَرِ عِنْدَ اللَّهِ، وَهَذِهِ كُلُّهَا دَوَاعٍ لِلشَّجَاعَةِ، وَالصَّبْرِ، وَالْإِقْدَامِ عَلَى الْقِتَالِ)).

لَقَدِ امْتَحَنَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا- عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ بِالصَّلَاةِ وَالسُّجُودِ وَالرُّكُوعِ فَاسْتَجَابُوا طَائِعِينَ، وَامْتَحَنَهُمْ بِالزَّكَاةِ وَدَفْعِ الْمَالِ فَاسْتَجَابُوا طَائِعِينَ، وَامْتَحَنَهُمْ بِالْحَجِّ وَالصَّوْمِ وَتَرْكِ الشَّهَوَاتِ فَلَبَّوْا كَذَلِكَ طَائِعِينَ.

ثُمَّ جَاءَ الِامْتِحَانُ الْأَكْبَرُ وَالِاخْتِبَارُ الْأَعْظَمُ، فَكَانَ أَنْ طَلَبَ مِنْهُمْ أَرْوَاحَهُمْ وَأَنْفُسَهُمْ يَبْذُلُونَهَا فِي سَاحَاتِ الْجِهَادِ، فَتَقَدَّمَ أَقْوَامٌ، وَتَأخَّرَ آخَرُونَ.

تَأَخَّرَ الْمُنَافِقُونَ: {وَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُن مَّعَ الْقَاعِدِينَ} [التوبة: 86].

وَتَقَدَّمَ الصَّادِقُونَ، قَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {لَٰكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَأُولَٰئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [التوبة: 88].

فَفَرَّقَ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- بِالْجِهَادِ بَيْنَ الصَّادِقِينَ وَالْكَاذِبِينَ، بَيْنَ الْمُحِبِّينَ للهِ وَرَسُولِهِ ﷺ وَالْمُدَّعِينَ.

إِنَّ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللهِ هُوَ أَعْظَمُ الْأَعْمَالِ وَأَزْكَاهَا، وَهُوَ أَيْسَرُ الطُّرُقِ إِلَى رِضْوَانِ اللهِ تَعَالَى وَالْجَنَّةِ؛ وَلِذَلِكَ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((لَوْلا أَنْ يَشُقَّ عَلَى المُسلِمِينَ مَا قَعَدْتُ خِلافَ سَرِيَّةٍ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي أَغْزُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأُقْتَلَ، ثُمَّ أَغْزُو فَأُقْتَلَ، ثُمَّ أَغْزُو فَأُقْتَلَ)). أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي ((صَحِيحِهِ)).

وَقَدْ بَيَّنَ الدِّينُ الْعَظِيمُ -كِتَابًا وَسُنَّةً- أَنَّ الْجِهَادَ لَيْسَ غَايَةً فِي حَدِّ ذَاتِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ وَسِيلَةٌ.

فَالْجِهَادُ لَيْسَ هَدَفًا فِي ذَاتِهِ وَلَا غَايَةً، إِنَّمَا هُوَ وَسِيلَةٌ لِرَفْعِ رَايَةِ الدِّينِ، وَهُوَ وَسِيلَةٌ لِإِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

((نِدَاءُ الْإِعْلَامِ بِكَشْفِ حَقِيقَةِ قُلُوبِ الْأَسْرَى))

يُنَادِي اللهُ -تَعَالَى ذِكْرُهُ- نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ}: قُلْ لِمَنْ فِي يَدَيْكَ وَفِي يَدَيْ أَصْحَابِكَ مِنْ أَسْرَى الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ أُخِذَ مِنْهُمْ مِنَ الْفِدَاءِ مَا أُخِذَ: إِنْ يَعْلَمِ اللهُ فِي قُلُوبِكُمْ إِسْلَامًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ مِنَ الْفِدَاءِ، وَيَصْفَحْ لَكُمْ عَنْ عُقُوبَةِ جُرْمِكُمُ الَّذِي اجْتَرَمْتُمُوهُ بِقِتَالِكُمْ نَبِيَّ اللهِ وَأَصْحَابَهُ، وَكُفْرِكُمْ بِاللهِ، وَاللهُ غَفُورٌ لِذُنُوبِ عِبَادِهِ إِذَا تَابُوا، رَحِيمٌ بِهِمْ أَنْ يُعَاقِبَهُمْ عَلَيْهَا بَعْدَ التَّوْبَةِ.

{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الْأَسْرَىٰ إِن يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [الأنفال: 70].

((وَهَذِهِ نَزَلَتْ فِي أُسَارَى يَوْمِ بَدْرٍ، وَكَانَ فِي جُمْلَتِهِمُ الْعَبَّاسُ عَمُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَلَمَّا طُلِبَ مِنْهُ الْفِدَاءُ ادَّعَى أَنَّهُ مُسْلِمٌ قَبْلَ ذَلِكَ، فَلَمْ يُسْقِطُوا عَنْهُ الْفِدَاءَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ -تَعَالَى- جَبْرًا لِخَاطِرِهِ وَمَنْ كَانَ عَلَى مِثْلِ حَالِهِ: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ} أَيْ: مِنَ الْمَالِ؛ بِأَنْ يُيَسِّرَ لَكُمْ مِنْ فَضْلِهِ خَيْرًا كَثِيرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ، وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ، وَيُدْخِلْكُمُ الْجَنَّةَ، وَقَدْ أَنْجَزَ اللَّهُ وَعْدَهُ لِلْعَبَّاسِ وَغَيْرِهِ، فَحَصَلَ لَهُ -بَعْدَ ذَلِكَ- مِنَ الْمَالِ شَيْءٌ كَثِيرٌ؛ حَتَّى إِنَّهُ مَرَّةً لَمَّا قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ مَالٌ كَثِيرٌ أَتَاهُ الْعَبَّاسُ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ بِثَوْبِهِ مَا يُطِيقُ حَمْلَهُ، فَأَخَذَ مِنْهُ مَا كَادَ أَنْ يَعْجِزَ عَنْ حَمْلِهِ)).

((نِدَاءُ الْحَثِّ عَلَى جِهَادِ الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ))

أَمَرَ اللهُ -تَعَالَى- رَسُولَهُ ﷺ بِجِهَادِ الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ، وَالْغِلْظَةِ عَلَيْهِمْ، كَمَا أَمَرَهُ بِأَنْ يَخْفِضَ جَنَاحَهُ لِمَنِ اتَّبَعَهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَخْبَرَهُ أَنَّ مَصِيرَ الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ إِلَى النَّارِ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ.

قَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ۚ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [التوبة: 73].

((يَقُولُ -تَعَالَى- لِنَبِيِّهِ ﷺ: ‏{‏يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ‏}‏ أَيْ‏:‏ بَالِغْ فِي جِهَادِهِمْ وَالْغِلْظَةِ عَلَيْهِمْ حَيْثُ اقْتَضَتِ الْحَالُ الْغِلْظَةَ عَلَيْهِمْ.

وَهَذَا الْجِهَادُ يَدْخُلُ فِيهِ الْجِهَادُ بِالْيَدِ، وَالْجِهَادُ بِالْحُجَّةِ وَاللِّسَانِ، فَمَنْ بَارَزَ مِنْهُمْ بِالْمُحَارَبَةِ فَيُجَاهَدُ بِالْيَدِ، وَاللِّسَانِ، وَالسَّيْفِ وَالْسِّنَانِ، وَمَنْ كَانَ مُذْعِنًا لِلْإِسْلَامِ بِذِمَّةٍ أَوْ عَهْدٍ؛ فَإِنَّهُ يُجَاهَدُ بِالْحُجَّةِ وَالْبُرْهَانِ، وَيُبَيَّنُ لَهُ مَحَاسِنُ الْإِسْلَامِ، وَمَسَاوِئُ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ، فَهَذَا مَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا.‏

‏{‏َوَ‏}‏ أَمَّا فِي الْآخِرَةِ فَـ ‏{‏مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ‏}‏ أَيْ‏:‏ مَقَرُّهُمُ الَّذِي لَا يَخْرُجُونَ مِنْهَا ‏{‏وَبِئْسَ الْمَصِيرُ‏}‏)).

قَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ} [النساء: 71].

((الْخِطَابُ هُنَا مُوَجَّهٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَإِذَا صَدَّرَ اللهُ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- الْخِطَابَ بِـ(يَاءِ النِّدَاءِ)؛ دَلَّ هَذَا عَلَى الِاهْتِمَامِ بِهِ، وَأَنَّهُ جَدِيرٌ بِأَنْ يُنَبِّهَ الْمُخَاطَبَ لَهُ، فَيُنَادَى حَتَّى يَنْتَبِهَ.

ثُمَّ إِنَّ هَذَا الْخِطَابَ مُوَجَّهٌ إِلَى الْمُؤْمِنِينَ؛ لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّ الْقِيَامَ بِهِ مِنْ مُقْتَضَى الْإِيمَانِ، وَأَنَّ مُخَالَفَتَهُ مِنْ نَوَاقِصِ الْإِيمَانِ، وَقَدْ تَكُونُ مِنْ نَوَاقِضِ الْإِيمَانِ حَسَبَ مَا أُمِرَ بِهِ، قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- فِيمَا نُقِلَ عَنْهُ وَاشْتُهِرَ: «إِذَا سَمِعْتَ اللهَ يَقُولُ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا}؛ فَأَرْعِهَا سَمْعَك -يَعْنِي: اسْتَمِعْ لَهَا جَيِّدًا-؛ فَإِمَّا خَيْرٌ تُؤْمَرُ بِهِ، وَإِمَّا شَرٌّ تُنْهَى عَنْهُ».

وَصَدَقَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-؛ إِمَّا خَيْرٌ نُؤْمَرُ بِهِ، وَإِمَّا شَرٌّ نُنْهَى عَنْهُ، وَإِمَّا خَبَرٌ نُحَذَّرُ مِنْهُ؛ مِثْلُ قَوْلِهِ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ} [التوبة: ٣٤]، هَذِهِ مَا فِيهَا أَمْرٌ وَلَا نَهْيٌ؛ لَكِنْ فِيهَا التَّحْذِيرُ مِنْ طَرِيقَةِ هَؤُلَاءِ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ، وَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ.

وَقَوْلُهُ: {خُذُوا حِذْرَكُمْ} [النساء: ٧١]، الْحِذْرُ يَعْنِي: التَّخَوُّف، وَهُوَ فِي الْأَصْلِ مِنْ أَعْدَائِنَا الْكُفَّارِ.

{خُذُوا حِذْرَكُمْ} مِنْ أَعْدَائِكُمْ؛ مِنَ الْمُنَافِقِينَ، وَمِنَ الْكَافِرِينَ الْمُصَرِّحِينَ بِالْكُفْرِ، وَمِنَ الْفَاسِقِينَ الَّذِينَ يُغْرُونَكُمْ فِي الْوُقُوعِ فِي الْمَعَاصِي الَّتِي دُونَ الْكُفْرِ، وَمِنْ كُلِّ أَحَدٍ يَصُدُّكُمْ عَنْ دِينِ اللهِ، {خُذُوا حِذْرَكُمْ}.

نَأْخُذُ الْحِذْرَ مِنْ غَزْوِ هَؤُلَاءِ لَنَا؛ سَوَاءٌ كَانَ بِالسِّلَاحِ، أَوْ كَانَ بِالْفِكْرِ، أَوْ كَانَ بِالْخُلُقِ، وَمَعْلُومٌ -الْآنَ- أَنَّ أَعْدَاءَ الْمُسْلِمِينَ يَغْزُونَ الْمُسْلِمِينَ بِكُلِّ سِلَاحٍ، وَيَنْظُرُونَ السِّلَاحَ الْمُنَاسِبَ لِلْأُمَّةِ فَيَغْزُونَهَا بِهِ، إِذَا كَانَ مِنَ الْمُنَاسِبِ لِلْأُمَّةِ أَنْ يَغْزُوهَا بِالسِّلَاحِ فَعَلُوا، وَقَاتَلُوا وَهَاجَمُوا، إِذَا كَانَ مِنْ غَيْرِ الْمُمْكِنِ نَظَرُوا هَلْ يَغْزُونَنَا بِالْأَفْكَارِ؛ يَأْتُونَ بِأَفْكَارٍ مُنْحَرِفَةٍ إِلْحَادِيَّةٍ، إِذَا أَمْكَنَهُمْ ذَلِكَ فَعَلُوا، إِذَا لَمْ يُمْكِنْ بِأَنْ كَانَتِ الْأُمَّةُ عَلَى جَانِبٍ كَبِيرٍ مِنَ الْوَعْيِ، وَالتَّوْحِيدِ، وَالِارْتِبَاطِ بِاللهِ -عَزَّ وَجَلَّ-؛ قَالُوا: إِذَنْ نَغْزُو بِطَرِيقٍ ثَالِثٍ، وَهُوَ الْخُلُقُ، فَسَلَّطُوا عَلَيْهَا كُلَّ مَا يُفْسِدُ أَخْلَاقَهَا مِنَ الْمَجَلَّاتِ، وَالْإِذَاعَاتِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ.

هَذَا الْغَزْوُ الْآنَ غَزْوٌ خُلُقِيٌّ، وَرُبَّمَا يَكُونُ فِيهِ غَزْوٌ فِكْرِيٌّ.

إِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: {خُذُوا حِذْرَكُمْ} يَشْمَلُ كُلَّ مَا يَكُونُ سِلَاحًا عَلَيْنَا)).

((نِدَاءُ مُلَازَمَةِ التَّقْوَى وَاتِّبَاعِ الْوَحْيِ وَالتَّوَكُّلِ))

قَالَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (1) وَاتَّبِعْ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (2) وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا} [الأحزاب: 1-3].

نَادَى رَبُّنَا -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- نَبِيَّنَا ﷺ بِقَوْلِهِ: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ}: دُمْ عَلَى تَقْوَى اللهِ بِالْعَمَلِ بِأَوَامِرِهِ وَاجْتِنَابِ مَحَارِمِهِ، وَلْيَقْتَدِ بِكَ الْمُؤْمِنُونَ؛ لِأَنَّهُمْ أَحْوَجُ إِلَى ذَلِكَ مِنْكَ، وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَأَهْلَ النِّفَاقِ، إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيمًا بِكُلِّ شَيْءٍ، حَكِيمًا فِي خَلْقِهِ وَأَمْرِهِ وَتَدْبِيرِهِ، وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ مِنَ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، إِنَّ اللهَ مُطَّلِعٌ عَلَى كُلِّ مَا تَعْمَلُونَ وَمُجَازِيكُمْ بِهِ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَاعْتَمِدْ عَلَى رَبِّكَ، وَفَوِّضْ جَمِيعَ أُمُورِكَ إِلَيْهِ، وَحَسْبُكَ بِهِ حَافِظًا لِمَنْ تَوَكَّلَ عَلَيْهِ وَأَنَابَ إِلَيْهِ.

((أَيْ: يَا أَيُّهَا الَّذِي مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالنُّبُوَّةِ، وَاخْتَصَّهُ بِوَحْيِهِ، وَفَضَّلَهُ عَلَى سَائِرِ الْخَلْقِ! اشْكُرْ نِعْمَةَ رَبِّكَ عَلَيْكَ بِاسْتِعْمَالِ تَقْوَاهُ الَّتِي أَنْتَ أَوْلَى بِهَا مِنْ غَيْرِكَ، وَالَّتِي يَجِبُ عَلَيْكَ مِنْهَا أَعْظَمُ مِنْ سِوَاكَ، فَامْتَثِلْ أَوَامِرَهُ وَنَوَاهِيَهُ، وَبَلِّغْ رِسَالَاتِهِ، وَأَدِّ إِلَى عِبَادِهِ وَحْيَهُ، وَابْذُلِ النَّصِيحَةَ لِلْخَلْقِ، وَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْ هَذَا الْمَقْصُودِ صَادٌّ، وَلَا يَرُدُّكَ عَنْهُ رَادٌّ، فَلَا تُطِعْ كُلَّ كَافِرٍ قَدْ أَظْهَرَ الْعَدَاوَةَ لِلَّهِ وَلرَسُولِهِ، وَلَا مُنَافِقٍ قَدِ اسْتَبْطَنَ التَّكْذِيبَ وَالْكُفْرَ، وَأَظْهَرَ ضِدَّهُ، فَهَؤُلَاءِ هُمُ الْأَعْدَاءُ عَلَى الْحَقِيقَةِ، فَلَا تُطِعْهُمْ فِي بَعْضِ الْأُمُورِ الَّتِي تَنْقُضُ التَّقْوَى وَتُنَاقِضُهَا، وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ يُضِلُّوكَ عَنِ الصَّوَابِ.

وَلَكِنِ اتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ؛ فَإِنَّهُ هُوَ الْهُدَى وَالرَّحْمَةُ، وَارْجُ بِذَلِكَ ثَوَابَ رَبِّكَ؛ فَإِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ، يُجَازِيكُمْ بِحَسَبِ مَا يَعْلَمُهُ مِنْكُمْ مِنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ.

فَإِنْ وَقَعَ فِي قَلْبِكَ أَنَّكَ إِنْ لَمْ تُطِعْهُمْ فِي أَهْوَائِهِمُ الْمُضِلَّةِ؛ حَصَلَ عَلَيْكَ مِنْهُمْ ضَرَرٌ، أَوْ حَصَلَ نَقْصٌ فِي هِدَايَةِ الْخَلْقِ، فَادْفَعْ ذَلِكَ عَنْ نَفْسِكَ، وَاسْتَعْمِلْ مَا يُقَاوِمُهُ وَيُقَاوِمُ غَيْرَهُ، وَهُوَ التَّوَكُّلُ عَلَى اللَّهِ بِأَنْ تَعْتَمِدَ عَلَى رَبِّكَ اعْتِمَادَ مَنْ لَا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا فِي سَلَامَتِكَ مِنْ شَرِّهِمْ، وَفِي إِقَامَةِ الدِّينِ الَّذِي أُمِرْتَ بِهِ، وَثِقْ بِاللَّهِ فِي حُصُولِ ذَلِكَ الْأَمْرِ عَلَى أَيِّ حَالٍ كَانَ، {وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا} تُوكَلُ إِلَيْهِ الْأُمُورُ، فَيَقُومُ بِهَا، وَبِمَا هُوَ أَصْلَحُ لِلْعَبْدِ، وَذَلِكَ لِعِلْمِهِ بِمَصَالِحِ عَبْدِهِ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُ الْعَبْدُ، وَقُدْرَتِهِ عَلَى إِيصَالِهَا إِلَيْهِ مِنْ حَيْثُ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا الْعَبْدُ، وَأَنَّهُ أَرْحَمُ بِعَبْدِهِ مِنْ نَفْسِهِ، وَمِنْ وَالِدَيْهِ، وَأَرْأَفُ بِهِ مَنْ كُلِّ أَحَدٍ، خُصُوصًا خَوَاصَّ عَبِيدِهِ الَّذِينَ لَمْ يَزَلْ يُرَبِّيهِمْ بِبِرِّهِ، وَيُدِرُّ عَلَيْهِمْ بَرَكَاتِهِ الظَّاهِرَةَ وَالْبَاطِنَةَ، خُصُوصًا وَقَدْ أَمَرَهُ بِإِلْقَاءِ أُمُورِهِ إِلَيْهِ، وَوَعَدَهُ أَنْ يَقُومَ بِهَا، فَهُنَاكَ لَا تَسْأَلْ عَنْ كُلِّ أَمْرٍ يَتَيَسَّرُ، وَصَعْبٍ يَتَسَهَّلُ، وَخُطُوبٍ تَهُونُ، وَكُرُوبٍ تَزُولُ، وَأَحْوَالٍ وَحَوَائِجَ تُقْضَى، وَبَرَكَاتٍ تَنْزِلُ، وَنِقَمٍ تُدْفَعُ، وَشُرُورٍ تُرْفَعُ، وَهُنَاكَ تَرَى الْعَبْدَ الضَّعِيفَ الَّذِي فَوَّضَ أَمْرَهُ لِسَيِّدِهِ قَدْ قَامَ بِأُمُورٍ لَا تَقُومُ بِهَا أُمَّةٌ مِنَ النَّاسِ، وَقَدْ سَهَّلَ اللَّهُ عَلَيْهِ مَا كَانَ يَصْعُبُ عَلَى فُحُولِ الرِّجَالِ -وَبِاللَّهِ الْمُسْتَعَانُ-)).

((نِدَاءُ التَّخْيِيرِ بَيْنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَالدَّارِ الْآخِرَةِ وَزِينَةِ الدُّنْيَا))

نَادَى رَبُّنَا -جَلَّ وَعَلَا- نَبِيَّهُ ﷺ آمِرًا إِيَّاهُ: ((بِأَنْ يُخَيِّرَ نِسَاءَهُ بَيْنَ أَنْ يُفَارِقَهُنَّ، فَيَذْهَبْنَ إِلَى غَيْرِهِ مِمَّنْ يَحْصُلُ لَهُنَّ عِنْدَهُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَبَيْنَ الصَّبْرِ عَلَى مَا عِنْدَهُ مِنْ ضِيقِ الْحَالِ، وَلَهُنَّ عِنْدَ اللهِ فِي ذَلِكَ الثَّوَابُ الْجَزِيلُ، فَاخْتَرْنَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُنَّ وَأَرْضَاهُنَّ- اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ، فَجَمَعَ اللهُ لَهُنَّ بَعْدَ ذَلِكَ بَيْنَ خَيْرِ الدُّنْيَا وَسَعَادَةِ الْآخِرَةِ)).

قَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (28) وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا (29) يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ ۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (30) وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا} [الأحزاب: 28-31].

((لَمَّا اجْتَمَعَ نِسَاءُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَيْهِ فِي الْغَيْرَةِ، وَطَلَبْنَ مِنْهُ النَّفَقَةَ وَالْكُسْوَةَ، طَلَبْنَ مِنْهُ أَمْرًا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ فِي كُلِّ وَقْتٍ، وَلَمْ يَزَلْنَ فِي طَلَبِهِنَّ مُتَّفِقَاتٍ، وَفِي مُرَادِهِنَّ مُتَعَنِّتَاتٍ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى الرَّسُولِ حَتَّى وَصَلَتْ بِهِ الْحَالُ إِلَى أَنَّهُ آلَى مِنْهُنَّ شَهْرًا.

فَأَرَادَ اللَّهُ أَنْ يُسَهِّلَ الْأَمْرَ عَلَى رَسُولِهِ، وَأَنْ يَرْفَعَ دَرَجَةَ زَوْجَاتِهِ، وَيُذْهِبَ عَنْهُنَّ كُلَّ أَمْرٍ يُنْقِصُ أَجْرَهُنَّ، فَأَمَرَ رَسُولَهُ أَنْ يُخَيِّرَهُنَّ فَقَالَ: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} أَيْ: لَيْسَ لَكُنَّ فِي غَيْرِهَا مَطْلَبٌ، وَصِرْتُنَّ تَرْضَيْنَ لِوُجُودِهَا، وَتَغْضَبْنَ لِفَقْدِهَا، فَلَيْسَ لِي فِيكُنَّ أَرَبٌ وَحَاجَةٌ وَأَنْتُنَّ بِهَذِهِ الْحَالِ، فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ شَيْئًا مِمَّا عِنْدِي مِنَ الدُّنْيَا {وَأُسَرِّحْكُنَّ} أَيْ: أُفَارِقْكُنَّ {سَرَاحًا جَمِيلًا} مِنْ دُونِ مُغَاضَبَةٍ وَلَا مُشَاتَمَةٍ، بَلْ بِسِعَةِ صَدْرٍ، وَانْشِرَاحِ بَالٍ، قَبْلَ أَنْ تَبْلُغَ الْحَالُ إِلَى مَا لَا يَنْبَغِي.

{وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ} أَيْ: هَذِهِ الْأَشْيَاءُ مُرَادَكُنَّ وَغَايَةُ مَقْصُودُكُنَّ، وَإِذَا حَصَلَ لَكُنَّ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالْجَنَّةُ لَمْ تُبَالِينَ بِسِعَةِ الدُّنْيَا وَضِيقِهَا، وَيُسْرِهَا وَعُسْرِهَا، وَقَنِعْتُنَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ بِمَا تَيَسَّرَ، وَلَمْ تَطْلُبْنَ مِنْهُ مَا يَشُقُّ عَلَيْهِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا رَتَّبَ الْأَجْرَ عَلَى وَصْفِهِنَّ بِالْإِحْسَانِ؛ لِأَنَّهُ السَّبَبُ الْمُوجِبُ لِذَلِكَ، لَا لِكَوْنِهِنَّ زَوْجَاتٍ لِلرَّسُولِ فَإِنَّ مُجَرَّدَ ذَلِكَ لَا يَكْفِي، بَلْ لَا يُفِيدُ شَيْئًا مَعَ عَدَمِ الْإِحْسَانِ، فَخَيَّرَهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي ذَلِكَ، فَاخْتَرْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ، كُلُّهُنَّ لَمْ يَتَخَلَّفْ مِنْهُنَّ وَاحِدَةٌ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ-.

وَفِي هَذَا التَّخْيِيرِ فَوَائِدُ عَدِيدَةٌ:

مِنْهَا: الِاعْتِنَاءُ بِرَسُولِهِ، وَالْغَيْرَةُ عَلَيْهِ؛ أَنْ يَكُونَ بِحَالَةٍ يَشُقُّ عَلَيْهِ كَثْرَةُ مَطَالِبِ زَوْجَاتِهِ الدُّنْيَوِيَّةِ.

وَمِنْهَا: سَلَامَتُهُ ﷺ بِهَذَا التَّخْيِيرِ مِنْ تَبِعَةِ حُقُوقِ الزَّوْجَاتِ، وَأَنَّهُ يَبْقَى فِي حُرِّيَّةِ نَفْسِهِ، إِنْ شَاءَ أَعْطَى، وَإِنْ شَاءَ مَنَعَ، مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ.

وَمِنْهَا: تَنْزِيهُهُ عَمَّا لَوْ كَانَ فِيهِنَّ مَنْ تُؤْثِرُ الدُّنْيَا عَلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالدَّارِ الْآخِرَةِ، وَعَنْ مُقَارَنَتِهَا.

وَمِنْهَا: سَلَامَةُ زَوْجَاتِهِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ- عَنِ الْإِثْمِ، وَالتَّعَرُّضِ لِسُخْطِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَحَسَمَ اللَّهُ بِهَذَا التَّخْيِيرِ عَنْهُنَّ التَّسَخُّطَ عَلَى الرَّسُولِ الْمُوجِبَ لِسُخْطِهِ، الْمُسْخِطَ لِرَبِّهِ، الْمُوجِبَ لِعِقَابِهِ.

وَمِنْهَا: إِظْهَارُ رِفْعَتِهِنَّ، وَعُلُوِّ دَرَجَتِهِنَّ، وَبَيَانُ عُلُوِّ هِمَمِهِنَّ، أَنْ كَانَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ مُرَادَهُنَّ وَمَقْصُودَهُنَّ دُونَ الدُّنْيَا وَحُطَامِهَا.

وَمِنْهَا: اسْتِعْدَادُهُنَّ بِهَذَا الِاخْتِيَارِ لِلْأَمْرِ الْخِيَارِ لِلْوُصُولِ إِلَى خِيَارِ دَرَجَاتِ الْجَنَّةِ، وَأَنْ يَكُنَّ زَوْجَاتِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.

وَمِنْهَا: ظُهُورُ الْمُنَاسَبَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُنَّ؛ فَإِنَّهُ أَكْمَلُ الْخَلْقِ، وَأَرَادَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ نِسَاؤُهُ كَامِلَاتٍ مُكَمَّلَاتٍ، طَيِّبَاتٍ مُطَيَّبَاتٍ، وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ.

وَمِنْهَا: أَنَّ هَذَا التَّخْيِيرَ دَاعٍ وَمُوجِبٌ لِلْقَنَاعَةِ الَّتِي يَطْمَئِنُّ لَهَا الْقَلْبُ، وَيَنْشَرِحُ لَهَا الصَّدْرُ، وَيَزُولُ عَنْهُنَّ جَشَعُ الْحِرْصِ، وَعَدَمُ الرِّضَا الْمُوجِبُ لِقَلَقِ الْقَلْبِ وَاضْطِرَابِهِ وَهَمِّهِ وَغَمِّهِ.

وَمِنْهَا: أَنْ يَكُونَ اخْتِيَارُهُنَّ هَذَا سَبَبًا لِزِيَادَةِ أَجْرِهِنَّ وَمُضَاعَفَتِهِ، وَأَنْ يَكُنَّ بِمَرْتَبَةٍ لَيْسَ فِيهَا أَحَدٌ مِنَ النِّسَاءِ، وَلِهَذَا قَالَ: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ ۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (30) وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا}.

لَمَّا اخْتَرْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ؛ ذَكَرَ مُضَاعَفَةَ أَجْرِهِنَّ، وَمُضَاعَفَةَ وِزْرِهِنَّ وَإِثْمِهِنَّ لَوْ جَرَى مِنْهُنَّ، لِيَزْدَادَ حَذَرُهُنَّ وَشُكَرُهُنَّ اللَّهَ -تَعَالَى-، فَجَعَلَ مَنْ أَتَى مِنْهُنَّ بِفَاحِشَةٍ ظَاهِرَةٍ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ.

{وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ} أَيْ: تُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ {وَتَعْمَلْ صَالِحًا} قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا، {نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ} أَيْ: مِثْلَ مَا نُعْطِي غَيْرَهَا مَرَّتَيْنِ، وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا وَهِيَ الْجَنَّةُ، فَقَنَتْنَ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَعَمِلْنَ صَالِحًا، فَعُلِمَ بِذَلِكَ أَجْرُهُنَّ)).

((نِدَاءُ الْإِعْلَامِ بِمُهِمَّةِ النَّبِيِّ ﷺ وَرِسَالَتِهِ الْكُبْرَى))

قَالَ رَبُّنَا -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ-: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (45) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا} [الأحزاب: 45-46].

هَذَا هُوَ النِّدَاءُ الثَّالِثُ لِلنَّبِيِّ مُحَمَّدٍ ﷺ فِي سُورَةِ الْأَحْزَابِ؛ فَإِنَّ اللهَ -عَزَّ وَجَلَّ- لَمَّا بَلَّغَهُ بِالنِّدَاءِ الْأَوَّلِ مِمَّا هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِذَاتِهِ، وَبِالنِّدَاءِ الثَّانِي مِمَّا هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِأَزْوَاجِهِ وَمَا تَخَلَّلَ ذَلِكَ مِنَ التَّكْلِيفِ وَالتَّذْكِيرِ، نَادَاهُ هُنَا بِأَوْصَافٍ أَوْدَعَهَا -عَزَّ وَجَلَّ- فِيهِ؛ لِلتَّنْوِيهِ بِشَأْنِهِ، وَزِيَادَةِ رِفْعَةِ مِقْدَارِهِ، وَبَيَّنَ لَهُ مُهِمَّتَهُ وَرِسَالَتَهُ وَقَضِيَّتَهُ فِي الْحَيَاةِ.

((يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا عَلَى أُمَّتِكَ بِإِبْلَاغِهِمُ الرِّسَالَةَ، وَمُبَشِّرًا الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُمْ بِالرَّحْمَةِ وَالْجَنَّةِ، وَنَذِيرًا لِلْعُصَاةِ وَالْمُكَذِّبِينَ مِنَ النَّارِ، وَدَاعِيًا إِلَى تَوْحِيدِ اللهِ وَعِبَادَتِهِ وَحْدَهُ بِأَمْرِهِ إِيَّاكَ، وَسِرَاجًا مُنِيرًا لِمَنِ اسْتَنَارَ بِكَ، فَأَمْرُكَ ظَاهِرٌ فِيمَا جِئْتَ بِهِ مِنَ الْحَقِّ كَالشَّمْسِ فِي إِشْرَاقِهَا وَإِضَاءَتِهَا، لَا يَجْحَدُهَا إِلَّا مُعَانِدٌ)).

 ((هَذِهِ الْأَشْيَاءُ الَّتِي وَصَفَ اللَّهُ بِهَا رَسُولَهُ مُحَمَّدًا ﷺ هِيَ الْمَقْصُودُ مِنْ رِسَالَتِهِ، وَزُبْدَتُهَا وَأُصُولُهَا الَّتِي اخْتُصَّ بِهَا، وَهِيَ خَمْسَةُ أَشْيَاءَ:

أَحَدُهَا: كَوْنُهُ شَاهِدًا؛ أَيْ: شَاهِدًا عَلَى أُمَّتِهِ بِمَا عَمِلُوهُ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا}؛ فَهُوَ ﷺ شَاهِدٌ عَدْلٌ مَقْبُولٌ.

الثَّانِي وَالثَّالِثُ: كَوْنُهُ {مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا}، وَهَذَا يَسْتَلْزِمُ ذِكْرَ الْمُبَشَّرِ وَالْمُنْذَرِ، وَمَا يُبَشَّرُ بِهِ وَيُنْذَرُ، وَالْأَعْمَالِ الْمُوجِبَةِ لِذَلِكَ.

فَالْمُبَشَّرُ هُمُ: الْمُؤْمِنُونَ الْمُتَّقُونَ، الَّذِينَ جَمَعُوا بَيْنَ الْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ، وَتَرْكِ الْمَعَاصِي، لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا بِكُلِّ ثَوَابٍ دُنْيَوِيٍّ وَدِينِيٍّ رُتِّبَ عَلَى الْإِيمَانِ وَالتَّقْوَى، وَفِي الْأُخْرَى بِالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ، وَذَلِكَ كُلُّهُ يَسْتَلْزِمُ ذِكْرَ تَفْصِيلِ الْمَذْكُورِ مِنْ تَفَاصِيلِ الْأَعْمَالِ، وَخِصَالِ التَّقْوَى، وَأَنْوَاعِ الثَّوَابِ.

وَالْمُنْذَرُ هُمُ: الْمُجْرِمُونَ الظَّالِمُونَ، أَهْلُ الظُّلْمِ وَالْجَهْلِ، لَهُمُ النِّذَارَةُ فِي الدُّنْيَا مِنَ الْعُقُوبَاتِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَالدِّينِيَّةِ الْمُتَرَتِّبَةِ عَلَى الْجَهْلِ وَالظُّلْمِ، وَفِي الْأُخْرَى بِالْعِقَابِ الْوَبِيلِ، وَالْعَذَابِ الطَّوِيلِ.

وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ تَفْصِيلُهَا مَا جَاءَ بِهِ ﷺ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الْمُشْتَمِلُ عَلَى ذَلِكَ.

الرَّابِعُ: كَوْنُهُ {دَاعِيًا إِلَى اللَّهِ} أَيْ: أَرْسَلَهُ اللَّهُ، يَدْعُو الْخَلْقَ إِلَى رَبِّهِمْ، وَيُشَوِّقُهُمْ لِكَرَامَتِهِ، وَيَأْمُرُهُمْ بِعِبَادَتِهِ الَّتِي خُلِقُوا لَهَا، وَذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ اسْتِقَامَتَهُ عَلَى مَا يَدْعُو إِلَيْهِ، وَذِكْرَ تَفَاصِيلِ مَا يَدْعُو إِلَيْهِ بِتَعْرِيفِهِمْ لِرَبِّهِمْ بِصِفَاتِهِ الْمُقَدَّسَةِ، وَتَنْزِيهِهِ عَمَّا لَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ، وَذِكْرِ أَنْوَاعِ الْعُبُودِيَّةِ، وَالدَّعْوَةِ إِلَى اللَّهِ بِأَقْرَبِ طَرِيقٍ مُوَصِّلٍ إِلَيْهِ، وَإِعْطَاءِ كُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، وَإِخْلَاصِ الدَّعْوَةِ إِلَى اللَّهِ، لَا إِلَى نَفْسِهِ وَتَعْظِيمِهَا، كَمَا قَدْ يَعْرِضُ ذَلِكَ لِكَثِيرٍ مِنَ النُّفُوسِ فِي هَذَا الْمَقَامِ، وَذَلِكَ كُلُّهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ لَهُ فِي الدَّعْوَةِ وَأَمْرِهِ وَإِرَادَتِهِ وَقَدَرِهِ.

الْخَامِسُ: كَوْنُهُ {سِرَاجًا مُنِيرًا}، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ الْخَلْقَ فِي ظُلْمَةٍ عَظِيمَةٍ، لَا نُورَ يُهْتَدَى بِهِ فِي ظُلُمَاتِهَا، وَلَا عِلْمَ يُسْتَدَلُّ بِهِ فِي جِهَاتِهَا، حَتَّى جَاءَ اللَّهُ بِهَذَا النَّبِيِّ الْكَرِيمِ، فَأَضَاءَ اللَّهُ بِهِ تِلْكَ الظُّلُمَاتِ، وَعَلَّمَ بِهِ مِنَ الْجَهَالَاتِ، وَهَدَى بِهِ ضُلَّالًا إِلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، فَأَصْبَحَ أَهْلُ الِاسْتِقَامَةِ قَدْ وَضَحَ لَهُمُ الطَّرِيقُ، فَمَشَوْا خَلْفَ هَذَا الْإِمَامِ، وَعَرَفُوا بِهِ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ، وَأَهْلَ السَّعَادَةِ مِنْ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ، وَاسْتَنَارُوا بِهِ لِمَعْرِفَةِ مَعْبُودِهِمْ، وَعَرَفُوهُ بِأَوْصَافِهِ الْحَمِيدَةِ، وَأَفْعَالِهِ السَّدِيدَةِ، وَأَحْكَامِهِ الرَّشِيدَةِ)).

لَقَدْ قَالَ -تَعَالَى- آمِرًا نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا بِخِطَابِ النَّاسِ كَافَّةً بِهَذِهِ الشَّرِيعَةِ السَّمْحَةِ الْبَيْضَاءِ؛ قَالَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ ۖ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [الأعراف: 158].

((يَقُولُ -تَعَالَى- لِنَبِيِّهِ وَرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ: {قُلْ} يَا مُحَمَّدُ: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ}: وَهَذَا خِطَابٌ لِلْأَحْمَرِ وَالْأَسْوَدِ، وَالْعَرَبِيِّ وَالْعَجَمِيِّ {إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} أَيْ: جَمِيعِكُمْ، وَهَذَا مِنْ شَرَفِهِ وَعَظَمَتِهِ؛ أَنَّهُ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ، وَأَنَّهُ مَبْعُوثٌ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ} [الْأَنْعَامِ: 19]، وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ} [هُود: 17]، وَقَالَ تَعَالَى: {وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ} [آلِ عِمْرَانَ: 20]، وَالْآيَاتُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ، كَمَا أَنَّ الْأَحَادِيثَ فِي هَذَا أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَرَ، وَهُوَ مَعْلُومٌ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ ضَرُورَةً؛ أَنَّهُ -صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ- رَسُولُ اللَّهِ إِلَى النَّاسِ كُلِّهِمْ.

قَالَ الْبُخَارِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ- فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ: عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: ((كَانَتْ بَيْنَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- مُحَاوَرَةٌ، فَأَغْضَبَ أَبُو بَكْرٍ عُمَرَ، فَانْصَرَفَ عُمَرُ عَنْهُ مُغْضَبًا، فَأَتْبَعَهُ أَبُو بَكْرٍ يَسْأَلُهُ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَهُ، فَلَمْ يَفْعَلْ حَتَّى أَغْلَقَ بَابَهُ فِي وَجْهِهِ، فَأَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ((أَمَّا صَاحِبُكُمْ هَذَا فَقَدَ غَامَرَ)) -أَيْ: غَاضَبَ وَحَاقَدَ- قَالَ: وَنَدِمَ عُمَرُ عَلَى مَا كَانَ مِنْهُ، فَأَقْبَلَ حَتَّى سَلَّمَ، وَجَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَقَصَّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْخَبَرَ.

قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: ((وَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَجَعَلَ أَبُو بَكْرٍ يَقُولُ: ((وَاللَّهِ! يَا رَسُولَ اللَّهِ لَأَنَا كُنْتُ أَظْلَمَ)).

فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ((هَلْ أَنْتُمْ تَارِكُوا لِي صَاحِبِي؟! إِنِّي قُلْتُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ! إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا، فَقُلْتُمْ: كَذَبْتَ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: صَدَقْتَ)))).

((قَالَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: (({قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} أَيْ: عَرَبِيِّكُمْ وَعَجَمِيِّكُمْ، أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْكُمْ وَغَيْرِهِمْ.

{الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} يَتَصَرَّفُ فِيهِمَا بِأَحْكَامِهِ الْكَوْنِيَّةِ وَالتَّدَابِيرِ السُّلْطَانِيَّةِ، وَبِأَحْكَامِهِ الشَّرْعِيَّةِ الدِّينِيَّةِ الَّتِي مِنْ جُمْلَتِهَا: أَنْ أَرْسَلَ إِلَيْكُمْ رَسُولًا عَظِيمًا يَدْعُوكُمْ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى دَارِ كَرَامَتِهِ، وَيُحَذِّرُكُمْ مِنْ كُلِّ مَا يُبَاعِدُكُمْ مِنْهُ وَمِنْ دَارِ كَرَامَتِهِ.

{لا إِلَهَ إِلا هُوَ} أَيْ: لَا مَعْبُودَ بِحَقٍّ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَلَا تُعْرَفُ عِبَادَتُهُ إِلَّا مِنْ طَرِيقِ رُسُلِهِ، {يُحْيِي وَيُمِيتُ} أَيْ: مِنْ جُمْلَةِ تَدَابِيرِهِ: الْإِحْيَاءُ وَالْإِمَاتَةُ الَّتِي لَا يُشَارِكُهُ فِيهَا أَحَدٌ، الَّذِي جَعَلَ الْمَوْتَ جِسْرًا وَمَعْبَرًا يُعْبَرُ مِنْهُ إِلَى دَارِ الْبَقَاءِ الَّتِي مَنْ آمَنَ بِهَا؛ صَدَّقَ الرَّسُولَ مُحَمَّدًا ﷺ قَطْعًا.

{فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ} إِيمَانًا فِي الْقَلْبِ مُتَضَمِّنًا لِأَعْمَالِ الْقُلُوبِ وَالْجَوَارِحِ {الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ} أَيْ: آمِنُوا بِهَذَا الرَّسُولِ الْمُسْتَقِيمِ فِي عَقَائِدِهِ وَأَعْمَالِهِ، {وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} فِي مَصَالِحِكُمُ الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ؛ فَإِنَّكُمْ إِذَا لَمْ تَتَّبِعُوهُ ضَلَلْتُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا)).

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ! لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

((وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ!)): حَلِفٌ بِاللهِ -تَعَالَى-؛ فَإِنَّهُ الَّذِي بِيَدِهِ كُلُّ نَفْسٍ.    

قَوْلُهُ: ((مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ)): أَصْلُ الْأُمَّةِ الْجَمَاعَةُ، وَيُضَافُ لِلنَّبِيِّ ﷺ، فَيُرَادُ بِهَا -أَحْيَانًا- أُمَّةُ الْإِجَابَةِ، أَيْ: مَنْ أَسْلَمَ-؛ كَحَدِيثِ: ((شَفَاعَتِي لِأُمَّتِي))، وَيُرَادُ بِهِ -أَحْيَانًا- أُمَّةُ الدَّعْوَةِ، أَيْ: كُلُّ مَنْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ، وَهُوَ الْمُرَادُ هَاهُنَا، فَالْإِشَارَةُ إِلَى أُمَّةِ الدَّعْوَةِ؛ الْمَوْجُودُ مِنْهَا فِي زَمَنِهِ، وَمَنْ سَيُوجَدُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.

النَّبِيُّ ﷺ بُعِثَ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً بَشِيرًا وَنَذِيرًا، وَهَادِيًا إِلَى اللهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا، بَعَثَهُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- خَاتَمًا لِلْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ، نَاسِخًا لِمِلَلِ السَّابِقِينَ، دَاعِيًا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَى الْإِيمَانِ بِرِسَالَتِهِ، مُحَذِّرًا مِنْ كُفْرَانِهَا وَالصَّدِّ عَنْهَا، كَمَا حَذَّرَ الْمُشْرِكِينَ، وَدَعَاهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ.

فَكُلُّ مَنْ بَلَغَتْهُ الدَّعْوَةُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِيمَانُ بِهِ، وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ الْإِبْقَاءُ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ؛ سَوَاءٌ كَانَ عَلَى مِلَّةٍ بُدِّلَتْ، أَوْ عَلَى مِلَّةٍ لَمْ تُبَدَّلْ.

وَمَنْ سَمِعَ بِرِسَالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَبِآيَاتِهِ، ثُمَّ أَصَرَّ عَلَى كُفْرِهِ وَمَاتَ عَلَى ذَلِكَ؛ فَهُوَ مِنَ الْكَافِرِينَ الْمُخَلَّدِينَ فِي النَّارِ.

فِي هَذَا الْحَدِيثِ: نَسْخُ الْمِلَلِ كُلِّهَا بِرِسَالَةِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ؛ لِأَنَّ ذِكْرَ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى مَنْ سِوَاهُمَا؛ إِذِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى لَهُمْ كِتَابٌ، فَإِذَا كَانَ هَذَا شَأْنَهُمْ مَعَ أَنَّ لَهُمْ كِتَابًا؛ فَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ لَا كِتَابَ لَهُمْ مِنْ بَابِ أَوْلَى.

وَيُؤْخَذُ مِنَ الْحَدِيثِ: أَنَّ رِسَالَةَ النَّبِيِّ ﷺ عَامَّةٌ لِكُلِّ الْبَشَرِ فِي جَمِيعِ الْأَزْمِنَةِ اللَّاحِقَةِ لِبِعْثَتِهِ، وَفِي جَمِيعِ الْأَمْكِنَةِ، وَقَدْ جَاءَ فِي ((الصَّحِيحَيْنِ)): ((أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي -وَفِيهِ: وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً)).

وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: ((وَبُعِثْتُ إِلَى كُلِّ أَحْمَرَ وَأَسْوَدَ)).

وَفِي رِوَايَةٍ: ((وَأُرْسِلْتُ إِلَى الْخَلْقِ كَافَّةً)).

يَقُولُ -صَلَوَاتُ رَبِّي وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ-: ((إِنَّ مَثَلِي وَمَثَلَ الْأَنْبِياءِ مِنْ قَبْلِي كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى بَيْتًا فَأَحْسَنَهُ وَأَجْمَلَهُ إِلَّا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ مِنْ زَاوِيَةٍ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَطُوفُونَ بِهِ، وَيَعْجَبُونَ لَهُ، وَيَقُولُونَ: هَلَّا وُضِعَتْ هَذِهِ اللَّبِنَةُ؟ قَالَ: فَأَنَا اللَّبِنَةُ، وَأَنَا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ)).

***

((نِدَاءُ تَشْرِيعِ أَحْوَالِ زَوَاجِ الرَّسُولِ ﷺ وَأَحْكَامِهِ))

لَقَدْ خَصَّ اللَّهُ -تَعَالَى- رَسُولَهُ فِي أَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ بِمَعَانِيَ لَمْ يُشَارِكْهُ فِيهَا أَحَدٌ -فِي بَابِ الْفَرْضِ وَالتَّحْرِيمِ وَالتَّحْلِيلِ-؛ مَزِيَّةً عَلَى الْأُمَّةِ وُهِبَتْ لَهُ، وَمَرْتَبَةً خُصَّ بِهَا، فَفُرِضَتْ عَلَيْهِ أَشْيَاءُ مَا فُرِضَتْ عَلَى غَيْرِهِ، وَحُرِّمَتْ عَلَيْهِ أَفْعَالٌ لَمْ تُحَرَّمْ عَلَيْهِمْ، وَحُلِّلَتْ لَهُ أَشْيَاءُ لَمْ تُحَلَّلْ لَهُمْ، مِنْهَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَمُخْتَلَفٌ فِيهِ.

قَالَ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ-: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ۗ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا} [الأحزاب: 50].

هَذَا هُوَ النِّدَاءُ الرَّابِعُ فِي سُورَةِ الْأَحْزَابِ، خُوطِبَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فِي سُورَةِ الْأَحْزَابِ فِي شَأْنٍ خَاصٍّ بِهِ؛ هُوَ بَيَانُ مَا أَحَلَّ لَهُ ﷺ مِنَ النِّسَاءِ.

((يَقُولُ -تَعَالَى- مُمْتَنًّا عَلَى رَسُولِهِ بِإِحْلَالِهِ لَهُ مَا أَحَلَّ مِمَّا يَشْتَرِكُ هُوَ وَالْمُؤْمِنُونَ، وَمَا يَنْفَرِدُ بِهِ وَيَخْتَصُّ: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ} أَيْ: أَعْطَيْتَهُنَّ مُهُورَهُنَّ مِنَ الزَّوْجَاتِ، وَهَذَا مِنَ الْأُمُورِ الْمُشْتَرَكَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ؛ فَإِنَّ الْمُؤْمِنِينَ كَذَلِكَ يُبَاحُ لَهُمْ مَا مَنْ آتَوْهُنَّ أُجُورَهُنَّ مِنَ الْأَزْوَاجِ.

وَكَذَلِكَ أَحْلَلْنَا لَكَ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ؛ أَيِ: الْإِمَاءُ الَّتِي مَلَكْتَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ مِنْ غَنِيمَةِ الْكُفَّارِ مِنْ عَبِيدِهِمْ، وَالْأَحْرَارِ مَنْ لَهُنَّ زَوْجٌ مِنْهُمْ وَمَنْ لَا زَوْجَ لَهُنَّ، وَهَذَا أَيْضًا مُشْتَرَكٌ.

وَكَذَلِكَ مِنَ الْمُشْتَرَكِ قَوْلُهُ: {وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاتِكَ} شَمِلَ الْعَمَّ وَالْعَمَّةَ، وَالْخَالَ وَالْخَالَةَ، الْقَرِيبِينَ وَالْبَعِيدِينَ، وَهَذَا حَصْرُ الْمُحَلَّلَاتِ، يُؤْخَذُ مِنْ مَفْهُومِهِ أَنَّ مَا عَدَاهُنَّ مِنَ الْأَقَارِبِ غَيْرُ مُحَلَّلٍ -كَمَا تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ-؛ فَإِنَّهُ لَا يُبَاحُ مِنَ الْأَقَارِبِ مِنَ النِّسَاءِ غَيْرُ هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعِ، وَمَا عَدَاهُنَّ مِنَ الْفُرُوعِ مُطْلَقًا، وَالْأُصُولِ مُطْلَقًا، وَفُرُوعِ الْأَبِ وَالْأُمِّ وَإِنْ نَزَلُوا، وَفُرُوعِ مَنْ فَوْقَهُمْ لِصُلْبِهِ فَإِنَّهُ لَا يُبَاحُ.

وَقَوْلُهُ: {اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ} قَيْدٌ لِحِلِّ هَؤُلَاءِ لِلرَّسُولِ -كَمَا هُوَ الصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلَيْنِ- فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ، وَأَمَّا غَيْرُهُ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- فَقَدْ عُلِمَ أَنَّ هَذَا قَيْدٌ لِغَيْرِ الصِّحَّةِ.

وَأَحْلَلْنَا لَكَ امْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ؛ بِمُجَرَّدِ هِبَتِهَا نَفْسَهَا، {إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا} أَيْ: هَذَا تَحْتَ الْإِرَادَةِ وَالرَّغْبَةِ، {خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} يَعْنِي: إِبَاحَةَ الْمَوْهُوبَةِ وَأَمَّا الْمُؤْمِنُونَ فَلَا يَحِلُّ لَهُمْ أَنْ يَتَزَوَّجُوا امْرَأَةً بِمُجَرَّدِ هِبَتِهَا نَفْسَهَا لَهُمْ.

{قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} أَيْ: قَدْ عَلِمْنَا مَا عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَمَا يَحِلُّ لَهُمْ، وَمَا لَا يَحِلُّ مِنَ الزَّوْجَاتِ وَمِلْكِ الْيَمِينِ، وَقَدْ أَعْلَمْنَاهُمْ بِذَلِكَ، وَبَيَّنَّا فَرَائِضَهُ.

فَمَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ مِمَّا يُخَالِفُ ذَلِكَ فَإِنَّهُ خَاصٌّ لَكَ؛ لِكَوْنِ اللَّهِ جَعَلَهُ خِطَابًا لِلرَّسُولِ وَحْدَهُ بِقَوْلِهِ: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ} إِلَى آخِرِ الْآيَةِ.

وَقَوْلُهُ: {خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ}: وَأَبَحْنَا لَكَ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ مَا لَمْ نُبِحْ لَهُمْ، وَوَسَّعْنَا عَلَيْكَ مَا لَمْ نُوَسِّعْ عَلَى غَيْرِكَ؛ {لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ}، وَهَذَا مِنْ زِيَادَةِ اعْتِنَاءِ اللَّهِ تَعَالَى بِرَسُولِهِ ﷺ.

{وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} أَيْ: لَمْ يَزَلْ مُتَّصِفًا بِالْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ، وَيُنَزِّلُ عَلَى عِبَادِهِ مِنْ مَغْفِرَتِهِ وَرَحْمَتِهِ وَجُودِهِ وَإِحْسَانِهِ مَا اقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ، وَوُجِدَتْ مِنْهُمْ أَسْبَابُهُ)).

((نِدَاءُ تَشْرِيعِ الْحِجَابِ وَالْحَثِّ عَلَى عَفَافِ النِّسَاءِ))

قال الله -عَزَّ وَجَلَّ-: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا} [الأحزاب: 59].

هَذَا النِّدَاءُ الْخَامِسُ وَالْأَخِيرُ فِي سُورَةِ الْأَحْزَابِ، ((هَذِهِ الْآيَةُ هِيَ الَّتِي تُسَمَّى آيَةَ الْحِجَابِ؛ فَأَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ أَنْ يَأْمُرَ النِّسَاءَ عُمُومًا وَيَبْدَأَ بِزَوْجَاتِهِ وَبَنَاتِهِ -لِأَنَّهُنَّ آكَدُ مِنْ غَيْرِهِنَّ، وَلِأَنَّ الْآمِرَ لِغَيْرِهِ يَنْبَغِي أَنْ يَبْدَأَ بِأَهْلِهِ قَبْلَ غَيْرِهِمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا}- أَنْ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ، وَهُنَّ اللَّاتِي يَكُنَّ فَوْقَ الثِّيَابِ مِنْ مِلْحَفَةٍ وَخِمَارٍ وَرِدَاءٍ وَنَحْوِهِ، أَيْ: يُغَطِّينَ بِهَا وُجُوهَهُنَّ وَصُدُورَهُنَّ، ثُمَّ ذَكَرَ حِكْمَةَ ذَلِكَ فَقَالَ: {ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ}: دَلَّ عَلَى وُجُودِ أَذِيَّةٍ إِنْ لَمْ يَحْتَجِبْنَ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُنَّ إِذَا لَمْ يَحْتَجِبْنَ رُبَّمَا ظُنَّ أَنَّهُنَّ غَيْرُ عَفِيفَاتٍ، فَيَتَعَرَّضُ لَهُنَّ مَنْ فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ فَيُؤْذِيهِنَّ، وَرُبَّمَا اسْتُهِينَ بِهِنَّ وَظُنَّ أَنَّهُنَّ إِمَاءٌ، فَتَهَاوَنَ بِهِنَّ مَنْ يُرِيدُ الشَّرَّ، فَالِاحْتِجَابُ حَاسِمٌ لِمَطَامِعِ الطَّامِعِينَ فِيهِنَّ.

{وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} حَيْثُ غَفَرَ لَكُمْ مَا سَلَفَ، وَرَحِمَكُمْ بِأَنْ بَيَّنَ لَكُمُ الْأَحْكَامَ، وَأَوْضَحَ الْحَلَالَ وَالْحَرَامَ، فَهَذَا سَدٌّ لِلْبَابِ مِنْ جِهَتِهِنَّ)).

لَقَدْ ضَرَبَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ لَنَا الْأَمْثَالَ بِأَطْهَرِ الْقُلُوبِ عَلَى الْأَرْضِ بَعْدَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ، فَقَالَ رَبُّنَا -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ- فِي كِتَابِهِ الْعَظِيمِ: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ۚ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ} [الأحزاب: 53].

وَالضَّمِيرُ هَاهُنَا يَعُودُ إِلَى الْأَصْحَابِ.. أَصْحَابِ النَّبِيِّ الْكَرِيمِ ﷺ، وَإِلَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، وَإِذَا سَأَلْتُمْ يَا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ} أَيْ: سَأَلْتُمْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ {مَتَاعًا} فِيمَا يَكُونُ مِنْ أَوَانِي الدُّنْيَا الَّتِي تُسْتَعْمَلُ فِي حَاجَاتِهَا.

{وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ}: مِنْ غَيْرِ رُؤْيَةٍ، وَإِنَّمَا هُوَ سُؤَالٌ هَكَذَا عَلَى صَوْتٍ يُسْمَعُ، وَإِجَابَةٌ تَأْتِي بِلَا مَزِيدٍ، {ذَلِكُمْ} يَعْنِي: ذَلِكُمُ السُّؤَالُ عَلَى ذَلِكَ النَّحْوِ الْمَذْكُورِ؛ بِالسُّؤَالِ صَوْتًا مِنْ غَيْرِ رُؤْيَةٍ وَلَا دُخُولٍ {أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ} يَا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ {وَقُلُوبِهِنَّ} يَا أَزْوَاجَ النَّبِيِّ الْأَمِينِ.

فَهَذِهِ أَطْهَرُ الْقُلُوبِ طُرًّا، وَمَعَ ذَلِكَ أَمَرَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ عِنْدَ السُّؤَالِ بِهَذَا الِاحْتِرَازِ الْمَتِينِ؛ لِأَنَّهُنَّ قُدْوَةٌ وَأُسْوَةٌ لِسَائِرِ النِّسَاءِ، وَكَذَلِكَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ قُدْوَةٌ وَأُسْوَةٌ لِسَائِرِ الرِّجَالِ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ.

وَيَقُولُ رَبُّنَا -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ- فِي حَقِّ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُنَّ-: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ ۚ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا} [الأحزاب: 32].

فَأَخْبَرَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ نِسَاءَ النَّبِيِّ الْأَمِينِ ﷺ أَنَّهُنَّ لَسْنَ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْنَ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، {فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ}: بِاللِّينِ فِيهِ، وَتَرْقِيقِ النَّبْرَةِ، فَنَهَى اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ عَنِ الْخُضُوعِ بِالْقَوْلِ؛ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ.

كَيْفَ يَعْرِفُ الرَّجُلُ أَنَّ فِي قَلْبِهِ مَرَضًا؟

فَإِنْ وَجَدَ عِنْدَ سَمَاعِ النَّغْمَةِ الَّتِي تَلِينُ بِهَا الْمَرْأَةُ وَتُرَقِّقُهَا شَيْئًا مِنَ الشَّهْوَةِ الْخَفِيَّةِ يَتَحَرَّكُ فِي قَلْبِهِ؛ فَفِي قَلْبِهِ مَرَضٌ؛ فَالْفِرَارَ الْفِرَارَ؛ وَإِلَّا تَوَرَّطَ تَوَرُّطًا.

فَأَمَرَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ بِعَدَمِ الْخُضُوعِ بِالْقَوْلِ مِنَ النِّسَاءِ؛ فَعَلَى الْمَرْأَةِ أَلَّا تُرَقِّقَ صَوْتَهَا، وَأَلَّا تَلِينَ بِقَوْلِهَا، وَأَلَّا تَخْضَعَ بِالْقَوْلِ مَعَ غَيْرِ مَحَارِمِهَا؛ فَإِنَّ ذَلِكَ مِمَّا نَهَى اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ عَنْهُ أَشْرَفَ النِّسَاءِ طُرًّا، وَهُنَّ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ الْكَرِيمِ ﷺ وَ-رَضِيَ اللهُ عَنْهُنَّ-، مَعَ الْقَوْلِ الْمَعْرُوفِ مِنْ غَيْرِ نُطْقٍ بِمَا يَسُوءُ، وَلَا إِغْلَاظٍ وَلَا فُحْشٍ فِيهِ.

وَأَمَّا الْآنَ؛ فَإِنَّكَ تَرَى النِّسَاءَ يَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ مَعَ غَيْرِ الْمَحَارِمِ مَا لَا يَفْعَلْنَ مَعَ الْمَحَارِمِ، مَا لَا يَفْعَلْنَ مَعَ زَوْجٍ -مَعَ زَوْجٍ لَهُ حَقٌّ!!-، فَيَأْتِي الْخُضُوعُ بِالْقَوْلِ فِي هَاتِفٍ يُهَاتَفُ بِهِ مَنْ لَا يَحِلُّ أَنْ يَكُونَ الْكَلَامُ مَعَهُ عَلَى هَذَا النَّحْوِ؛ وَلَوْ كَانَ اسْتِفْتَاءً فِي دِينِ رَبِّ الْعَالَمِينَ؛ فَيَا لَلَّهِ! كَمْ سُفِحَتْ أَعْرَاضٌ وَكَمِ انْتُهِكَتْ، وَكَمْ كُشِفَتْ سَوْآتٌ وَكَمْ عُرِّيَتْ مِنْ أَجْلِ هَذَا الْخُضُوعِ بِالْقَوْلِ عِنْدَ غَيْرِ الْمَحَارِمِ!!

((نِدَاءُ بَيَانِ شُرُوطِ بَيْعَةِ النِّسَاءِ))

قَالَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَىٰ أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ ۙ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [الممتحنة: 12].

هَذِهِ آيَةُ (بَيْعَةِ النِّسَاءِ)؛ فَقَدْ بَايَعَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ نِسَاءَ قُرَيْشٍ.

عَنْ عُرْوَةَ أَنَّ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ أَخْبَرَتْهُ: ((أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَمْتَحِنُ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ بِهَذِهِ الْآيَةِ: { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ} إِلَى قَوْلِهِ: {غَفُورٌ رَّحِيمٌ})).

 قَالَ عُرْوَةُ: قَالَتْ عَائِشَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا-: ((فَمَنْ أَقَرَّ بِهَذَا الشَّرْطِ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ؛ قَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((قَدْ بَايَعْتُكِ))؛ كَلَامًا، وَلَا وَاللهِ! مَا مَسَّتْ يَدُهُ يَدَ امْرَأَةٍ قَطُّ فِي الْمُبَايَعَةِ، مَا يُبَايِعُهُنَّ إِلَّا بِقَوْلِهِ: ((قَدْ بَايَعْتُكِ عَلَى ذَلِكَ)). أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ.

((يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ! إِذَا جَاءَكَ النِّسَاءُ الْمُؤْمِنَاتُ بِاللهِ وَرَسُولِهِ يُعَاهِدْنَكَ عَلَى أَلَّا يَجْعَلْنَ مَعَ اللهِ شَرِيكًا فِي عِبَادَتِهِ، وَلَا يَسْرِقْنَ شَيْئًا، وَلَا يَزْنِينَ، وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ بَعْدَ الْوِلَادَةِ أَوْ قَبْلَهَا، وَلَا يُلْحِقْنَ بِأَزْوَاجِهِنَّ أَوْلَادًا لَيْسُوا مِنْهُمْ، وَلَا يُخَالِفْنَكَ فِي مَعْرُوفٍ تَأْمُرُهُنَّ بِهِ؛ فَعَاهِدْهُنَّ عَلَى ذَلِكَ، وَاطْلُبْ لَهُنَّ الْمَغْفِرَةَ مِنَ اللهِ، إِنَّ اللهَ غَفُورٌ لِذُنُوبِ عِبَادِهِ التَّائِبِينَ، رَحِيمٌ بِهِمْ)).

((هَذِهِ الشُّرُوطُ الْمَذْكُورَةُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ تُسَمَّى (مُبَايَعَةُ النِّسَاءِ) اللَّاتِي كُنَّ يُبَايِعْنَ عَلَى إِقَامَةِ الْوَاجِبَاتِ الْمُشْتَرَكَةِ الَّتِي تَجِبُ عَلَى الذُّكُورِ وَالنِّسَاءِ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ.

وَأَمَّا الرِّجَالُ فَيَتَفَاوَتُ مَا يُلْزِمُهُمْ بِحَسَبِ أَحْوَالِهِمْ وَمَرَاتِبِهِمْ وَمَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِمْ، فَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَمْتَثِلُ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ، فَكَانَ إِذَا جَاءَتْهُ النِّسَاءُ يُبَايِعْنَهُ، وَالْتَزَمْنَ بِهَذِهِ الشُّرُوطِ بَايَعَهُنَّ، وَجَبَرَ قُلُوبَهُنَّ، وَاسْتَغْفَرَ لَهُنَّ اللَّهَ فِيمَا يَحْصُلُ مِنْهُنَّ مِنَ التَّقْصِيرِ، وَأَدْخَلَهُنَّ فِي جُمْلَةِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَلَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا؛ بِأَنْ يُفْرِدْنَ اللَّهَ وَحْدَهُ بِالْعِبَادَةِ.

{وَلا يَزْنِينَ} كَمَا كَانَ ذَلِكَ مَوْجُودًا كَثِيرًا فِي الْبَغَايَا وَذَوَاتِ الْأَخْدَانِ، {وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ} كَمَا يَجْرِي لِنِسَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ الْجَهْلَاءِ.

{وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ}: وَالْبُهْتَانُ: الِافْتِرَاءُ عَلَى الْغَيْرِ أَيْ: لَا يَفْتَرِينَ بِكُلِّ حَالَةٍ؛ سَوَاءً تَعَلَّقَتْ بِهِنَّ مَعَ أَزْوَاجِهِنَّ أَوْ تَعَلَّقَ ذَلِكَ بِغَيْرِهِمْ، {وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ} أَيْ: لَا يَعْصِينَكَ فِي كُلِّ أَمْرٍ تَأْمُرُهُنَّ بِهِ؛ لِأَنَّ أَمْرَكَ لَا يَكُونُ إِلَّا بِمَعْرُوفٍ، وَمِنْ ذَلِكَ طَاعَتُهُنَّ لَكَ فِي النَّهْيِ عَنِ النِّيَاحَةِ، وَشَقِّ الثِّيَابِ، وَخَمْشِ الْوُجُوهِ، وَالدُّعَاءِ بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ.

{فَبَايِعْهُنَّ} إِذَا الْتَزَمْنَ بِجَمِيعِ مَا ذُكِرَ، {وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ} عَنْ تَقْصِيرِهِنَّ، وَتَطْيِيبًا لِخَوَاطِرِهِنَّ، {إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ} أَيْ: كَثِيرُ الْمَغْفِرَةِ لِلْعَاصِينَ، وَالْإِحْسَانِ إِلَى الْمُذْنِبِينَ التَّائِبِينَ، {رَحِيمٌ} وَسِعَتْ رَحْمَتُهُ كُلَّ شَيْءٍ، وَعَمَّ إِحْسَانُهُ الْبَرَايَا)).

((نِدَاءُ بَيَانِ أَحْكَامِ الطَّلَاقِ))

نَادَى رَبُّنَا -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- نَبِيَّنَا ﷺ فِي صَدْرِ سُورَةِ الطَّلَاقِ مُخَاطِبًا إِيَّاهُ وَالْمُؤْمِنِينَ: مُبَيِّنًا بَعْضَ الْأَحْكَامِ التَّشْرِيعِيَّةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِأَحْوَالِ الزَّوْجَيْنِ؛ كَبَيَانِ أَحْكَامِ الطَّلَاقِ وَكَيْفِيَّتِهِ، وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الطَّلَاقِ مِنَ الْعِدَّةِ، وَالنَّفَقَةِ، وَالسُّكْنَى، وَأَجْرِ الْمُرْضِعِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُنَالِكَ مِنْ أَحْكَامٍ.

 تَضَمَّنَ النِّدَاءُ التَّنْبِيهَ عَلَى أَحْكَامِ الطَّلَاقِ -السُّنِّيِّ وَالْبِدْعِيِّ-، فَأَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِسُلُوكِ أَفْضَلِ الطُّرُقِ عِنْدَ تَعَذُّرِ اسْتِمْرَارِ الْحَيَاةِ الزَّوْجِيَّةِ، وَدَعَتْ إِلَى تَطْلِيقِ الزَّوْجَةِ فِي الْوَقْتِ الْمُنَاسِبِ، وَعَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ، وَهُوَ أَنْ يُطَلِّقَهَا طَاهِرًا مِنْ غَيْرِ جِمَاعٍ، ثُمَّ يَتْرُكُهَا إِلَى انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا.

وَفِي هَذَا النِّدَاءِ الْإِلَهِيِّ دَعْوَةٌ لِلرِّجَالِ أَنْ يَتَمَهَّلُوا، وَلَا يَتَسَرَّعُوا فِي فَصْلِ عُرَى الزَّوْجِيَّةِ.

قَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ ۖ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ ۚ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ۚ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ۚ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَٰلِكَ أَمْرًا (1) فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ۚ ذَٰلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ۚ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ ۚ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا} [الطلاق: 1-3].

((يَقُولُ -تَعَالَى- مُخَاطِبًا لِنَبِيِّهِ ﷺ وَلِلْمُؤْمِنِينَ: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ} أَيْ: أَرَدْتُمْ طَلَاقَهُنَّ فَالْتَمِسُوا لِطَلَاقِهِنَّ الْأَمْرَ الْمَشْرُوعَ، وَلَا تُبَادِرُوا بِالطَّلَاقِ مِنْ حِينِ يُوجَدُ سَبَبُهُ، مِنْ غَيْرِ مُرَاعَاةٍ لِأَمْرِ اللَّهِ.

بَلْ طَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ؛ أَيْ: لِأَجْلِ عِدَّتِهِنَّ؛ بِأَنْ يُطَلِّقَهَا زَوْجُهَا وَهِيَ طَاهِرٌ، فِي طُهْرٍ لَمْ يُجَامِعْهَا فِيهِ؛ فَهَذَا الطَّلَاقُ هُوَ الَّذِي تَكُونُ الْعِدَّةُ فِيهِ وَاضِحَةً بَيِّنَةً، بِخِلَافِ مَا لَوْ طَلَّقَهَا وَهِيَ حَائِضٌ؛ فَإِنَّهَا لَا تُحْتَسَبُ تِلْكَ الْحَيْضَةُ الَّتِي وَقَعَ فِيهَا الطَّلَاقُ، وَتَطُولُ عَلَيْهَا الْعِدَّةُ بِسَبَبِ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ لَوْ طَلَّقَهَا فِي طُهْرٍ وَطِئَ فِيهِ، فَإِنَّهُ لَا يُؤْمَنُ حَمْلُهَا، فَلَا يَتَبَيَّنُ وَلَا يَتَّضِحُ بِأَيِّ عِدَّةٍ تَعْتَدُّ، وَأَمَرَ -تَعَالَى- بِإِحْصَاءِ الْعِدَّةِ؛ أَيْ: ضَبْطُهَا بِالْحَيْضِ إِنْ كَانَتْ تَحِيضُ، أَوْ بِالْأَشْهُرِ إِنْ لَمْ تَكُنْ تَحِيضُ وَلَيْسَتْ حَامِلًا؛ فَإِنَّ فِي إِحْصَائِهَا أَدَاءً لِحَقِّ اللَّهِ، وَحَقِّ الزَّوْجِ الْمُطَلِّقِ، وَحَقِّ مَنْ سَيَتَزَوَّجُهَا بَعْدُ، وَحَقِّهَا فِي النَّفَقَةِ وَنَحْوِهَا، فَإِذَا ضَبَطَتْ عِدَّتَهَا عَلِمَتْ حَالَهَا عَلَى بَصِيرَةٍ، وَعُلِمَ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا مِنَ الْحُقُوقِ، وَمَا لَهَا مِنْهَا، وَهَذَا الْأَمْرُ بِإِحْصَاءِ الْعِدَّةِ يَتَوَجَّهُ لِلزَّوْجِ وَلِلْمَرْأَةِ إِنْ كَانَتْ مُكَلَّفَةً، وَإِلَّا فَلِوَلِيِّهَا.

وَقَوْلُهُ: {وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ} أَيْ: فِي جَمِيعِ أُمُورِكُمْ، وَخَافُوهُ فِي حَقِّ الزَّوْجَاتِ الْمُطَلَّقَاتِ، فَـ {لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ} مُدَّةَ الْعِدَّةِ، بَلْ تَلْزَمُ بَيْتَهَا الَّذِي طَلَّقَهَا زَوْجُهَا وَهِيَ فِيهِ {وَلا يَخْرُجْنَ} أَيْ: لَا يَجُوزُ لَهُنَّ الْخُرُوجُ مِنْهَا، أَمَّا النَّهْيُ عَنْ إِخْرَاجِهَا؛ فَلِأَنَّ الْمَسْكَنَ يَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ لِلزَّوْجَةِ، لِتَسْتَكْمِلَ فِيهِ عِدَّتَهَا الَّتِي هِيَ حَقٌّ مِنْ حُقُوقِهِ.

وَأَمَّا النَّهْيُ عَنْ خُرُوجِهَا؛ فَلِمَا فِي خُرُوجِهَا مِنْ إِضَاعَةِ حَقِّ الزَّوْجِ وَعَدَمِ صَوْنِهِ، وَيَسْتَمِرُّ هَذَا النَّهْيُ عَنِ الْخُرُوجِ مِنَ الْبُيُوتِ وَالْإِخْرَاجِ إِلَى تَمَامِ الْعِدَّةِ.

{إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ} أَيْ: بِأَمْرٍ قَبِيحٍ وَاضِحٍ مُوجِبٍ لِإِخْرَاجِهَا، بِحَيْثُ يَدْخُلُ عَلَى أَهْلِ الْبَيْتِ الضَّرَرُ مِنْ عَدَمِ إِخْرَاجِهَا؛ كَالْأَذَى بِالْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ الْفَاحِشَةِ، فَفِي هَذِهِ الْحَالِ يَجُوزُ لَهُمْ إِخْرَاجُهَا؛ لِأَنَّهَا هِيَ الَّتِي تَسَبَّبَتْ لِإِخْرَاجِ نَفْسِهَا، وَالْإِسْكَانُ فِيهِ جَبْرٌ لِخَاطِرِهَا، وَرِفْقٌ بِهَا؛ فَهِيَ الَّتِي أَدْخَلَتِ الضَّرَرَ عَلَى نَفْسِهَا، وَهَذَا فِي الْمُعْتَدَّةِ الرَّجْعِيَّةِ، وَأَمَّا الْبَائِنُ فَلَيْسَ لَهَا سُكْنَى وَاجِبَةٌ؛ لِأَنَّ السَّكَنَ تَبَعٌ لِلنَّفَقَةِ، وَالنَّفَقَةُ تَجِبُ لِلرَّجْعِيَّةِ دُونَ الْبَائِنِ.

{وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ} أَيِ: الَّتِي حَدَّدَهَا لِعِبَادِهِ وَشَرَعَهَا لَهُمْ، وَأَمَرَهُمْ بِلُزُومِهَا وَالْوُقُوفِ مَعَهَا، {وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ} بِأَنْ لَمْ يَقِفْ مَعَهَا، بَلْ تَجَاوَزَهَا، أَوْ قَصَّرَ عَنْهَا {فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} أَيْ: بَخَسَهَا حَقَّهَا، وَأَضَاعَ نَصِيبَهُ مِنِ اتِّبَاعِ حُدُودِ اللَّهِ الَّتِي هِيَ الصَّلَاحُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.

{لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا} أَيْ: شَرَعَ اللَّهُ الْعِدَّةَ، وَحَدَّدَ الطَّلَاقَ بِهَا، لِحِكْمَةٍ عَظِيمَةٍ:

فَمِنْهَا: أَنَّهُ لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ فِي قَلْبِ الْمُطَلِّقِ الرَّحْمَةَ وَالْمَوَدَّةَ، فَيُرَاجِعُ مَنْ طَلَّقَهَا، وَيَسْتَأْنِفُ عِشْرَتَهَا، فَيَتَمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ مُدَّةَ الْعِدَّةِ، أَوْ لَعَلَّهُ يُطَلِّقُهَا لِسَبَبٍ مِنْهَا، فَيَزُولُ ذَلِكَ السَّبَبُ فِي مُدَّةِ الْعِدَّةِ، فَيُرَاجِعُهَا لِانْتِفَاءِ سَبَبِ الطَّلَاقِ.

وَمِنَ الْحِكَمِ: أَنَّهَا مُدَّةَ التَّرَبُّصِ يُعْلَمُ بَرَاءَةُ رَحِمِهَا مِنْ زَوْجِهَا.

وَقَوْلُهُ: {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ} أَيْ: إِذَا قَارَبْنَ انْقِضَاءَ الْعِدَّةِ؛ لِأَنَّهُنَّ لَوْ خَرَجْنَ مِنَ الْعِدَّةِ لَمْ يَكُنِ الزَّوْجُ مُخَيَّرًا بَيْنَ الْإِمْسَاكِ وَالْفِرَاقِ، {فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} أَيْ: عَلَى وَجْهِ الْمُعَاشَرَةِ الْحَسَنَةِ، وَالصُّحْبَةِ الْجَمِيلَةِ، لَا عَلَى وَجْهِ الضِّرَارِ وَإِرَادَةِ الشَّرِّ وَالْحَبْسِ، فَإِنَّ إِمْسَاكَهَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ لَا يَجُوزُ، {أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} أَيْ: فِرَاقًا لَا مَحْذُورَ فِيهِ، مِنْ غَيْرِ تَشَاتُمٍ وَلَا تَخَاصُمٍ، وَلَا قَهْرٍ لَهَا عَلَى أَخْذِ شَيْءٍ مِنْ مَالِهَا.

{وَأَشْهِدُوا} عَلَى طَلَاقِهَا وَرَجْعَتِهَا {ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} أَيْ: رَجُلَيْنِ مُسْلِمَيْنِ عَدْلَيْنِ؛ لِأَنَّ فِي الْإِشْهَادِ الْمَذْكُورِ سَدًّا لِبَابِ الْمُخَاصَمَةِ، وَكِتْمَانِ كُلٍّ مِنْهُمَا مَا يَلْزَمُهُ بَيَانُهُ.

{وَأَقِيمُوا} أَيُّهَا الشُّهَدَاءُ {الشَّهَادَةَ لِلَّهِ} أَيِ: ائْتُوا بِهَا عَلَى وَجْهِهَا مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا نَقْصٍ، وَاقْصِدُوا بِإِقَامَتِهَا وَجْهَ اللَّهِ -تَعَالَى-، وَلَا تُرَاعُوا بِهَا قَرِيبًا لِقَرَابَتِهِ، وَلَا صَاحِبًا لِمَحَبَّتِهِ.

{ذَلِكُمْ} الَّذِي ذَكَرْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَحْكَامِ وَالْحُدُودِ {يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ}؛ فَإِنَّ الْإِيمَانَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوجِبُ لِصَاحِبِهِ أَنْ يَتَّعِظَ بِمَوَاعِظِ اللَّهِ، وَأَنْ يُقَدِّمَ لِآخِرَتِهِ مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ مَا يتَمَكَّنُ مِنْهَا، بِخِلَافِ مَنْ تَرَحَّلَ الْإِيمَانُ عَنْ قَلْبِهِ، فَإِنَّهُ لَا يُبَالِي بِمَا أَقْدَمَ عَلَيْهِ مِنَ الشَّرِّ، وَلَا يُعَظِّمُ مَوَاعِظَ اللَّهِ لِعَدَمِ الْمُوجِبِ لِذَلِكَ.

وَلَمَّا كَانَ الطَّلَاقُ قَدْ يُوقِعُ فِي الضِّيقِ وَالْكَرْبِ وَالْغَمِّ أَمَرَ -تَعَالَى- بِتَقْوَاهُ، وَوَعَدَ مَنِ اتَّقَاهُ فِي الطَّلَاقِ وَغَيْرِهِ بِأَنْ يَجْعَلَ لَهُ فَرَجًا وَمَخْرَجًا.

فَإِذَا أَرَادَ الْعَبْدُ الطَّلَاقَ، فَفَعَلَهُ عَلَى الْوَجْهِ الشَّرْعِيِّ؛ بِأَنْ أَوْقَعَهُ طَلْقَةً وَاحِدَةً فِي غَيْرِ حَيْضٍ وَلَا طُهْرٍ أَصَابَهَا فِيهِ فَإِنَّهُ لَا يُضَيِّقُ عَلَيْهِ الْأَمْرُ، بَلْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ فَرَجًا وَسَعَةً يَتَمَكَّنُ بِهَا مِنَ الرُّجُوعِ إِلَى النِّكَاحِ إِذَا نَدِمَ عَلَى الطَّلَاقِ.

وَالْآيَةُ -وَإِنْ كَانَتْ فِي سِيَاقِ الطَّلَاقِ وَالرَّجْعَةِ- فَإِنَّ الْعِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ؛ فَكُلُّ مَنِ اتَّقَى اللَّهَ -تَعَالَى-، وَلَازَمَ مَرْضَاتَهُ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ يُثِيبُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.

وَمِنْ جُمْلَةِ ثَوَابِهِ أَنْ يَجْعَلَ لَهُ فَرَجًا وَمَخْرَجًا مَنْ كُلِّ شِدَّةٍ وَمَشَقَّةٍ، وَكَمَا أَنَّ مَنِ اتَّقَى اللَّهَ جَعَلَ لَهُ فَرَجًا وَمَخْرَجًا، فَمَنْ لَمْ يَتَّقِ اللَّهَ يَقَعْ فِي الْآصَارِ وَالْأَغْلَالِ الَّتِي لَا يَقْدِرُ عَلَى التَّخَلُّصِ مِنْهَا وَالْخُرُوجِ مِنْ تَبِعَتِهَا، وَاعْتَبِرْ ذَلِكَ فِي الطَّلَاقِ؛ فَإِنَّ الْعَبْدَ إِذَا لَمْ يَتَّقِ اللَّهَ فِيهِ، بَلْ أَوْقَعَهُ عَلَى الْوَجْهِ الْمُحَرَّمِ، كَالثَّلَاثِ وَنَحْوِهَا؛ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَنْدَمَ نَدَامَةً لَا يَتَمَكَّنُ مِنِ اسْتِدْرَاكِهَا وَالْخُرُوجِ مِنْهَا.

وَقَوْلُهُ: {وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ} أَيْ: يَسُوقُ اللَّهُ الرِّزْقَ لِلْمُتَّقِي مِنْ وَجْهٍ لَا يَحْتَسِبُهُ وَلَا يَشْعُرُ بِهِ.

{وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} أَيْ: فِي أَمْرِ دِينِهِ وَدُنْيَاهُ؛ بِأَنْ يَعْتَمِدَ عَلَى اللَّهِ فِي جَلْبِ مَا يَنْفَعُهُ وَدَفْعِ مَا يَضُرُّهُ، وَيَثِقَ بِهِ فِي تَسْهِيلِ ذَلِكَ {فَهُوَ حَسْبُهُ} أَيْ: كَافِيهِ الْأَمْرَ الَّذِي تَوَكَّلَ عَلَيْهِ فِيهِ، وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ فِي كَفَالَةِ الْغَنِيِّ الْقَوِيِّ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ؛ فَهُوَ أَقْرَبُ إِلَى الْعَبْدِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَلَكِنْ رُبَّمَا أَنَّ الْحِكْمَةَ الْإِلَهِيَّةَ اقْتَضَتْ تَأْخِيرَهُ إِلَى الْوَقْتِ الْمُنَاسِبِ لَهُ، فَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ} أَيْ: لَا بُدَّ مِنْ نُفُوذِ قَضَائِهِ وَقَدَرِهِ، وَلَكِنَّهُ {قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا} أَيْ: وَقْتًا وَمِقْدَارًا، لَا يَتَعَدَّاهُ وَلَا يُقْصُرُ عَنْهُ)).

((نِدَاءُ التَّوْسِعَةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ مِمَّا أُحِلَّ لَهُ))

بَدَأَتْ سُورَةُ التَّحْرِيمِ بِالنِّدَاءِ الْإِلَهِيِّ لِلنَّبِيِّ ﷺ فِيهِ عِتَابٌ مِنَ اللهِ لِنَبِيِّهِ عَلَى تَحْرِيمِهِ لِجَارِيَتِهِ وَمَمْلُوكَتِهِ (مَارِيَةَ الْقِبْطِيَّةِ) عَلَى نَفْسِهِ؛ مُرَاعَاةً لِخَاطِرِ بَعْضِ زَوْجَاتِهِ الطَّاهِرَاتِ، وَجَاءَ الْعِتَابُ لَهُ لَطِيفًا -يُعَبِّرُ عَنْ عِنَايَةِ اللهِ بِعَبْدِهِ وَرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ- لِمَ يُضَيِّقْ عَلَى نَفْسِهِ مَا وَسَّعَهُ اللهُ لَهُ!

قَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ۖ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (1) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ ۚ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ ۖ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} [التحريم: 1-2].

((هَذَا عِتَابٌ مِنَ اللَّهِ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ حِينَ حَرَّمَ عَلَى نَفْسِهِ سُرِّيَّتَهُ (مَارِيَةَ) أَوْ شُرْبَ الْعَسَلِ؛ مُرَاعَاةً لِخَاطِرِ بَعْضِ زَوْجَاتِهِ فِي قِصَّةٍ مَعْرُوفَةٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ -تَعَالَى- هَذِهِ الْآيَاتِ: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ} أَيْ: يَا أَيُّهَا الَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالنُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ وَالْوَحْيِ {لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ} مِنَ الطَّيِّبَاتِ الَّتِي أَنْعَمَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَّتِكَ.

{تَبْتَغِي} بِذَلِكَ التَّحْرِيمِ {مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}: هَذَا تَصْرِيحٌ بِأَنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لِرَسُولِهِ، وَرَفَعَ عَنْهُ اللَّوْمَ، وَرَحِمَهُ، وَصَارَ ذَلِكَ التَّحْرِيمُ الصَّادِرُ مِنْهُ سَبَبًا لِشَرْعِ حُكْمٍ عَامٍّ لِجَمِيعِ الْأُمَّةِ، فَقَالَ تَعَالَى: {قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ}: وَهَذَا عَامٌّ فِي جَمِيعِ أَيْمَانِ الْمُؤْمِنِينَ أَيْ: قَدْ شَرَعَ لَكُمْ وَقَدَّرَ مَا بِهِ تَنْحَلُّ أَيْمَانُكُمْ قَبْلَ الْحِنْثِ، وَمَا بِهِ تَتَكَفَّرُ بَعْدَ الْحِنْثِ، وَذَلِكَ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا} إِلَى أَنْ قَالَ: {فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ}.

فَكُلُّ مَنْ حَرَّمَ حَلَالًا عَلَيْهِ؛ مِنْ طَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ، أَوْ سُرِّيَّةٍ، أَوْ حَلَفَ يَمِينًا بِاللَّهِ عَلَى فِعْلٍ أَوْ تَرْكٍ، ثُمَّ حَنَثَ أَوْ أَرَادَ الْحِنْثَ؛ فَعَلَيْهِ هَذِهِ الْكَفَّارَةُ الْمَذْكُورَةُ.

وَقَوْلُهُ: {وَاللَّهُ مَوْلاكُمْ} أَيْ: مُتَوَلِّي أُمُورِكُمْ، وَمُرَبِّيكُمْ أَحْسَنَ تَرْبِيَةٍ فِي أُمُورِ دِينِكُمْ وَدُنْيَاكُمْ، وَمَا بِهِ يَنْدَفِعُ عَنْكُمُ الشَّرُّ، فَلِذَلِكَ فَرَضَ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ؛ لِتَبْرَأَ ذِمَمُكُمْ.

{وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ}: الَّذِي أَحَاطَ عِلْمُهُ بِظَوَاهِرِكُمْ وَبَوَاطِنِكُمْ، وَهُوَ الْحَكِيمُ فِي جَمِيعِ مَا خَلَقَهُ وَحَكَمَ بِهِ، فَلِذَلِكَ شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الْأَحْكَامِ مَا يَعْلَمُ أَنَّهُ مُوَافِقٌ لِمَصَالِحِكُمْ، وَمُنَاسِبٌ لِأَحْوَالِكُمْ)).

((نِدَاءُ الْمُوَاسَاةِ وَالتَّلَطُّفِ))

لَقَدْ نَادَى رَبُّنَا -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ نِدَاءَ الْمُوَاسَاةِ وَالتَّلَطُّفِ أَلَّا يَحْزَنَ عَلَى الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي جُحُودِ نُبُوَّتِهِ مِنَ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ أَظْهَرُوا الْإِسْلَامَ وَقُلُوبُهُمْ خَالِيَةٌ مِنْهُ؛ فَإِنَّهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- نَاصِرُهُ عَلَيْهِمْ، وَأَلَّا يَحْزَنَ عَلَى تَسَرُّعِ الْيَهُودِ إِلَى إِنْكَارِ نُبُوَّتِهِ؛ فَإِنَّهُمْ قَوْمٌ يَسْتَمِعُونَ لِلْكَذِبِ، وَيَقْبَلُونَ مَا يَفْتَرِيهِ أَحْبَارُهُمْ، وَإِنَّ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقِينَ وَالْيَهُودَ لَمْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ مِنْ دَنَسِ الْكُفْرِ، لَهُمُ الذُّلُّ وَالْفَضِيحَةُ فِي الدُّنْيَا، وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ.

قَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ ۛ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا ۛ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ ۖ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ ۖ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَٰذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا ۚ وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ۚ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ ۚ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [المائدة: 41].

((كَانَ الرَّسُولُ ﷺ مِنْ شِدَّةِ حِرْصِهِ عَلَى الْخَلْقِ يَشْتَدُّ حُزْنُهُ لِمَنْ يُظْهِرُ الْإِيمَانَ ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى الْكُفْرِ، فَأَرْشَدَهُ اللَّهُ -تَعَالَى- إِلَى أَنَّهُ لَا يَأْسَى وَلَا يَحْزَنُ عَلَى أَمْثَالِ هَؤُلَاءِ؛ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ لَا فِي الْعِيرِ وَلَا فِي النَّفِيرِ، إِنْ حَضَرُوا لَمْ يَنْفَعُوا، وَإِنْ غَابُوا لَمْ يُفْقَدُوا، وَلِهَذَا قَالَ مُبَيِّنًا لِلسَّبَبِ الْمُوجِبِ لِعَدَمِ الْحُزْنِ عَلَيْهِمْ: {مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ} فَإِنَّ الَّذِينَ يُؤْسَى وَيُحْزَنُ عَلَيْهِمْ مَنْ كَانَ مَعْدُودًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَهُمُ الْمُؤْمِنُونَ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَحَاشَا لِلَّهِ أَنْ يَرْجِعَ هَؤُلَاءِ عَنْ دِينِهِمْ وَيَرْتَدُّوا؛ فَإِنَّ الْإِيمَانَ إِذَا خَالَطَتْ بَشَاشَتُهُ الْقُلُوبَ لَمْ يَعْدِلْ بِهِ صَاحِبُهُ غَيْرَهُ، وَلَمْ يَبْغِ بِهِ بَدَلًا.

{وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا} أَيِ: الْيَهُودِ {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ} أَيْ: مُسْتَجِيبُونَ وَمُقَلِّدُونَ لِرُؤَسَائِهِمُ الْمَبْنِيِّ أَمْرُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ وَالضَّلَالِ وَالْغَيِّ، وَهَؤُلَاءِ الرُّؤَسَاءُ الْمُتَّبَعُونَ لَمْ يَأْتُوكَ بَلْ أَعْرَضُوا عَنْكَ، وَفَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْبَاطِلِ وَهُوَ تَحْرِيفُ الْكَلِمِ عَنْ مَوَاضِعِهِ، أَيْ: جَلْبُ مَعَانٍ لِلْأَلْفَاظِ مَا أَرَادَهَا اللَّهُ وَلَا قَصَدَهَا؛ لِإِضْلَالِ الْخَلْقِ وَلِدَفْعِ الْحَقِّ، فَهَؤُلَاءِ الْمُنْقَادُونَ لِلدُّعَاةِ إِلَى الضَّلَالِ، الْمُتَّبِعِينَ لِلْمُحَالِ، الَّذِينَ يَأْتُونَ بِكُلِّ كَذِبٍ لَا عُقُولَ لَهُمْ وَلَا هِمَمَ، فَلَا تُبَالِ -أَيْضًا- إِذَا لَمْ يَتَّبِعُوكَ؛ لِأَنَّهُمْ فِي غَايَةِ النَّقْصِ، وَالنَّاقِصُ لَا يُؤْبَهُ لَهُ وَلَا يُبَالَى بِهِ.

{يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا} أَيْ: هَذَا قَوْلُهُمْ عِنْدَ مُحَاكَمَتِهِمْ إِلَيْكَ، لَا قَصْدَ لَهُمْ إِلَّا اتِّبَاعَ الْهَوَى.

يَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: إِنْ حَكَمَ لَكُمْ مُحَمَّدٌ بِهَذَا الْحُكْمِ الَّذِي يُوَافِقُ أَهْوَاءَكُمْ فَاقْبَلُوا حُكْمَهُ، وَإِنْ لَمْ يَحْكُمْ لَكُمْ بِهِ فَاحْذَرُوا أَنْ تُتَابِعُوهُ عَلَى ذَلِكَ، وَهَذَا فِتْنَةٌ وَاتِّبَاعُ مَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ.

{وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا}، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ}.

{أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ} أَيْ: فَلِذَلِكَ صَدَرَ مِنْهُمْ مَا صَدَرَ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ مَنْ كَانَ مَقْصُودُهُ بِالتَّحَاكُمِ إِلَى الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ اتِّبَاعَ هَوَاهُ، وَأَنَّهُ إِنْ حُكِمَ لَهُ رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُحْكَمْ لَهُ سَخِطَ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَدَمِ طَهَارَةِ قَلْبِهِ، كَمَا أَنَّ مَنْ حَاكَمَ وَتَحَاكَمَ إِلَى الشَّرْعِ وَرَضِيَ بِهِ، وَافَقَ هَوَاهُ أَوْ خَالَفَهُ؛ فَإِنَّهُ مِنْ طَهَارَةِ الْقَلْبِ، وَدَلَّ عَلَى أَنَّ طَهَارَةَ الْقَلْبِ سَبَبٌ لِكُلِّ خَيْرٍ، وَهُوَ أَكْبَرُ دَاعٍ إِلَى كُلِّ قَوْلٍ رَشِيدٍ وَعَمَلٍ سَدِيدٍ.

{لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ} أَيْ: فَضِيحَةٌ وَعَارٌ {وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} هُوَ: النَّارُ وَسَخَطُ الْجَبَّارِ)).

((نِدَاءُ الْحَثِّ عَلَى تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ وَالْبِشَارَةِ بِعِصْمَتِهِ مِنَ النَّاسِ))

قَالَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ۚ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} [المائدة: 67].

((يَقُولُ -تَعَالَى- مُخَاطِبًا عَبْدَهُ وَرَسُولَهُ مُحَمَّدًا ﷺ بِاسْمِ الرِّسَالَةِ، وَآمِرًا لَهُ بِإِبْلَاغِ جَمِيعِ مَا أَرْسَلَهُ اللهُ بِهِ، وَقَدِ امْتَثَلَ -صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ- ذَلِكَ، وَقَامَ بِهِ أَتَمَّ الْقِيَامِ .

قَالَ الْبُخَارِيُّ عِنْدَ تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- قَالَتْ: ((مَنْ حَدَّثَكَ أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ كَتَمَ شَيْئًا مِمَّا أُنْزِلَ عَلَيْهِ فَقَدْ كَذَبَ، اللهُ يَقُولُ: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ} الْآيَةَ)).

وَفِي ((الصَّحِيحَيْنِ)) عَنْهَا -أَيْضًا- -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- أَنَّهَا قَالَتْ: ((لَوْ كَانَ مُحَمَّدٌ ﷺ كَاتِمًا مِنَ الْقُرْآنِ شَيْئًا لَكَتَمَ هَذِهِ الْآيَةَ: {وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ} [الأحزاب: 37 ])).

وَعَنْ هَارُونَ بْنِ عَنْتَرَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: ((كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- فَجَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ لَهُ: ((إِنَّ نَاسًا يَأْتُونَا فَيُخْبِرُونَا أَنَّ عِنْدَكُمْ شَيْئًا لَمْ يُبْدِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِلنَّاسِ)).

فَقَالَ: ((أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ -تَعَالَى- قَالَ: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ}، وَاللهِ! مَا وَرَّثَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ سَوْدَاءَ فِي بَيْضَاءَ)). وَهَذَا إِسْنَادٌ جَيِّدٌ.

وَهَكَذَا فِي ((صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ)) مِنْ رِوَايَةِ أَبِي جُحَيْفَةَ وَهْبِ بْنِ عَبْدِ اللهِ السُّوَائِيِّ قَالَ: قُلْتُ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: ((هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ مِنَ الْوَحْيِ مِمَّا لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ؟)).

فَقَالَ: ((لَا وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسْمَةَ! إِلَّا فَهْمًا يُعْطِيهِ اللهُ رَجُلًا فِي الْقُرْآنِ، وَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ)).

قُلْتُ: ((وَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ؟)).

قَالَ: ((الْعَقْلُ، وَفَكَاكُ الْأَسِيرِ، وَأَلَّا يُقْتَلَ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ)).

وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: قَالَ الزُّهْرِيُّ: ((مِنَ اللهِ الرِّسَالَةُ، وَعَلَى الرَّسُولِ الْبَلَاغُ، وَعَلَيْنَا التَّسْلِيمُ)).

وَقَدْ شَهِدَتْ لَهُ أُمَّتُهُ بِبَلَاغِ الرِّسَالَةِ وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ، وَاسْتَنْطَقَهُمْ بِذَلِكَ فِي أَعْظَمِ الْمَحَافِلِ فِي خُطْبَتِهِ يَوْمَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَقَدْ كَانَ هُنَاكَ مِنَ الصَّحَابَةِ نَحْوٌ مِنْ أَرْبَعِينَ أَلْفًا كَمَا ثَبَتَ فِي ((صَحِيحِ مُسْلِمٍ))، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ فِي خُطْبَتِهِ يَوْمَئِذٍ: ((أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّكُمْ مَسْؤُولُونَ عَنِّي؛ فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟)).

قَالُوا: ((نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ)).

فَجَعَلَ يَرْفَعُ إِصْبَعَهُ إِلَى السَّمَاءِ وَيَقْلِبُهَا إِلَيْهِمْ وَيَقُولُ: ((اللهم هَلْ بَلَّغْتُ، اللهم هَلْ بَلَّغْتُ)) )).

{يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ}.

((هَذَا أَمْرٌ مِنَ اللَّهِ لِرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِأَعْظَمِ الْأَوَامِرِ وَأَجَلِّهَا، وَهُوَ التَّبْلِيغُ لِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْهِ، وَيَدْخُلُ فِي هَذَا كُلُّ أَمْرٍ تَلَقَّتْهُ الْأُمَّةُ عَنْهُ ﷺ مِنَ الْعَقَائِدِ وَالْأَعْمَالِ وَالْأَقْوَالِ، وَالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، وَالْمَطَالِبِ الْإِلَهِيَّةِ.

فَبَلَّغَ ﷺ أَكْمَلَ تَبْلِيغٍ، وَدَعَا وَأَنْذَرَ، وَبَشَّرَ وَيَسَّرَ، وَعَلَّمَ الْجُهَّالَ الْأُمِّيِّينَ حَتَّى صَارُوا مِنَ الْعُلَمَاءِ الرَّبَّانِيِّينَ، وَبَلَّغَ بِقَوْلِهِ وَفِعْلِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ، فَلَمْ يَبْقَ خَيْرٌ إِلَّا دَلَّ أُمَّتَهُ عَلَيْهِ، وَلَا شَرٌّ إِلَّا حَذَّرَهَا عَنْهُ، وَشَهِدَ لَهُ بِالتَّبْلِيغِ أَفَاضِلُ الْأُمَّةِ مِنَ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ أَئِمَّةِ الدِّينِ وَرِجَالِ الْمُسْلِمِينَ.

{وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ} أَيْ: لَمْ تُبَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ {فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} أَيْ: فَمَا امْتَثَلْتَ أَمْرَهُ.

{وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ}: هَذِهِ حِمَايَةٌ وَعِصْمَةٌ مِنَ اللَّهِ لِرَسُولِهِ مِنَ النَّاسِ، وَأَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ حِرْصُكَ عَلَى التَّعْلِيمِ وَالتَّبْلِيغِ، وَلَا يَثْنِيكَ عَنْهُ خَوْفٌ مِنَ الْمَخْلُوقِينَ فَإِنَّ نَوَاصِيَهُمْ بِيَدِ اللَّهِ وَقَدْ تَكَفَّلَ بِعِصْمَتِكَ، فَأَنْتَ إِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ، فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ، وَأَمَّا الْكَافِرُونَ الَّذِينَ لَا قَصْدَ لَهُمْ إِلَّا اتِّبَاعُ أَهْوَائِهِمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِيهِمْ وَلَا يُوَفِّقُهُمْ لِلْخَيْرِ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ)).

((النِّدَاءُ بِأَحْوَالِهِ ﷺ ))

لَقَدْ تَبَيَّنَ مِنْ خِلَالِ اسْتِقْرَاءِ النُّصُوصِ الْقُرْآنِيَّةِ أَنَّ اللهَ -عَزَّ وَجَلَّ- نَادَى نَبِيَّهُ ﷺ بِبَعْضِ الصِّفَاتِ الْمُشْتَقَّةِ مِنْ حَالَتِهِ الَّتِي هُوَ عَلَيْهَا.

فَنَادَاهُ بِالْمُزَّمِّلِ نِدَاءَ الْإِرْشَادِ إِلَى فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ، فَقَالَ رَبُّنَا -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (2) نِّصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (3) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (4) إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (5) إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا (6) إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا (7) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا} [المزمل: 1-8].

((الْمُزَّمِّلُ: الْمُتَغَطِّي بِثِيَابِهِ كَالْمُدَّثِّرِ، وَهَذَا الْوَصْفُ حَصَلَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ أَكْرَمَهُ اللَّهُ بِرِسَالَتِهِ، وَابْتَدَأَهُ بِإِنْزَالِ وَحْيِهِ بِإِرْسَالِ جِبْرِيلَ إِلَيْهِ، فَرَأَى أَمْرًا لَمْ يَرَ مِثْلَهُ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى الثَّبَاتِ عَلَيْهِ إِلَّا الْمُرْسَلُونَ، فَاعْتَرَاهُ عِنْدَ ذَلِكَ انْزِعَاجٌ حِينَ رَأَى جِبْرِيلَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-، فَأَتَى إِلَى أَهْلِهِ فَقَالَ: ((زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي)) وَهُوَ تَرْعَدُ فَرَائِصُهُ، ثُمَّ جَاءَهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: ((اقْرَأْ))، فَقَالَ: ((مَا أَنَا بِقَارِئٍ))، فَغَطَّهُ حَتَّى بَلَغَ مِنْهُ الْجُهْدُ، وَهُوَ يُعَالِجُهُ عَلَى الْقِرَاءَةِ، فَقَرَأَ ﷺ، ثُمَّ أَلْقَى اللَّهُ عَلَيْهِ الثَّبَاتَ، وَتَابَعَ عَلَيْهِ الْوَحْيَ، حَتَّى بَلَغَ مَبْلَغًا مَا بَلَغَهُ أَحَدٌ مِنَ الْمُرْسَلِينَ.

فَسُبْحَانَ اللَّهِ! مَا أَعْظَمَ التَّفَاوُتَ بَيْنَ ابْتِدَاءِ نُبُوَّتِهِ وَنِهَايَتِهَا، وَلِهَذَا خَاطَبَهُ اللَّهُ بِهَذَا الْوَصْفِ الَّذِي وُجِدَ مِنْهُ فِي أَوَّلِ أَمْرِهِ، فَأَمَرَهُ هُنَا بِالْعِبَادَاتِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهِ، ثُمَّ أَمَرَهُ بِالصَّبْرِ عَلَى أَذِيَّةِ قَوْمِهِ، ثُمَّ أَمَرَهُ بِالصَّدْعِ بِأَمْرِهِ، وَإِعْلَانِ دَعْوَتِهِمْ إِلَى اللَّهِ، فَأَمَرَهُ هُنَا بِأَشْرَفِ الْعِبَادَاتِ؛ وَهِيَ الصَّلَاةُ، وَبِآكَدِ الْأَوْقَاتِ وَأَفْضَلِهَا وَهُوَ قِيَامُ اللَّيْلِ.

وَمِنْ رَحْمَتِهِ -تَعَالَى- أَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْهُ بِقِيَامِ اللَّيْلِ كُلِّهِ، بَلْ قَالَ: {قُمِ اللَّيْلَ إِلا قَلِيلا}، ثُمَّ قَدَّرَ ذَلِكَ فَقَالَ: {نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ} أَيْ: مِنَ النِّصْفِ {قَلِيلًا} بِأَنْ يَكُونَ الثُّلُثُ وَنَحْوُهُ، {أَوْ زِدْ عَلَيْهِ} أَيْ: عَلَى النِّصْفِ، فَيَكُونُ نَحْوَ الثُّلُثَيْنِ، {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا}؛ فَإِنَّ تَرْتِيلَ الْقُرْآنِ بِهِ يَحْصُلُ التَّدَبُّرُ وَالتَّفَكُّرُ، وَتَحْرِيكُ الْقُلُوبِ بِهِ، وَالتَّعَبُّدُ بِآيَاتِهِ، وَالتَّهَيُّؤُ وَالِاسْتِعْدَادُ التَّامُّ لَهُ، فَإِنَّهُ قَالَ: {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا} أَيْ: نُوحِي إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ الثَّقِيلَ، أَيِ: الْعَظِيمَةُ مَعَانِيهِ، الْجَلِيلَةُ أَوْصَافُهُ، وَمَا كَانَ بِهَذَا الْوَصْفِ حَقِيقٌ أَنْ يَتَهَيَّأَ لَهُ، وَيُرَتِّلَ، وَيَتَفَكَّرَ فِيمَا يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ.

ثُمَّ ذَكَرَ الْحِكْمَةَ فِي أَمْرِهِ بِقِيَامِ اللَّيْلِ فَقَالَ: {إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ} أَيِ: الصَّلَاةُ فِيهِ بَعْدَ النَّوْمِ {هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا} أَيْ: أَقْرَبُ إِلَى حُصُولِ مَقْصُودِ الْقُرْآنِ، يَتَوَاطَأُ عَلَى الْقُرْآنِ الْقَلْبُ وَاللِّسَانُ، وَتَقِلُّ الشَّوَاغِلُ، وَيَفْهَمُ مَا يَقُولُ، وَيَسْتَقِيمُ لَهُ أَمْرُهُ، وَهَذَا بِخِلَافِ النَّهَارِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَحْصُلُ بِهِ هَذِهِ الْمَقَاصِدُ، وَلِهَذَا قَالَ: {إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا} أَيْ: تَرَدُّدًا فِي حَوَائِجِكَ وَمَعَاشِكَ يُوجِبُ اشْتِغَالَ الْقَلْبِ وَعَدَمَ تَفَرُّغِهِ التَّفَرُّغَ التَّامَّ

{وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ} شَامِلٌ لِأَنْوَاعِ الذِّكْرِ كُلِّهَا {وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا} أَيِ: انْقَطِعْ إِلَيْهِ؛ فَإِنَّ الِانْقِطَاعَ إِلَى اللَّهِ وَالْإِنَابَةَ إِلَيْهِ هُوَ الِانْفِصَالُ بِالْقَلْبِ عَنِ الْخَلَائِقِ، وَالِاتِّصَافُ بِمَحَبَّةِ اللَّهِ، وَمَا يُقَرِّبُ إِلَيْهِ، وَيُدْنِي مِنْ رِضَاهُ)).

وَنَادَاهُ بِالْمُدَّثِّرِ نِدَاءَ الْأَمْرِ بِالْإِنْذَارِ الْعَامِّ، وَتَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، فَقَالَ رَبُّنَا -عَزَّ وَجَلَّ-: {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنذِرْ (2) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (4) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ} [المدثر: 1-5].

((إِنَّ الْمُزَّمِّلَ وَالْمُدَّثِّرَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَقَدْ أَمَرَ اللهُ رَسُولَهُ ﷺ بِالِاجْتِهَادِ فِي عِبَادَاتِ اللَّهِ الْقَاصِرَةِ وَالْمُتَعَدِّيَةِ، فَتَقَدَّمَ هُنَاكَ -فِي سُورَةِ الْمُزَّمِّلِ- الْأَمْرُ لَهُ بِالْعِبَادَاتِ الْفَاضِلَةِ الْقَاصِرَةِ، وَالصَّبْرِ عَلَى أَذَى قَوْمِهِ، وَأَمَرَهُ هُنَا بِإِعْلَانِ الدَّعْوَةِ، وَالصَّدْعِ بِالْإِنْذَارِ، فَقَالَ: {قُمْ} أَيْ: بِجِدٍّ وَنَشَاطٍ {فَأَنْذِرْ} النَّاسَ بِالْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ الَّتِي يَحْصُلُ بِهَا الْمَقْصُودُ، وَبَيَانِ حَالِ الْمُنْذَرِ عَنْهُ؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ أَدْعَى لِتَرْكِهِ.

{وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ} أَيْ: عَظِّمْهُ بِالتَّوْحِيدِ، وَاجْعَلْ قَصْدَكَ فِي إِنْذَارِكَ وَجْهَ اللَّهِ، وَأَنْ يُعَظِّمَهُ الْعِبَادُ وَيَقُومُوا بِعِبَادَتِهِ.

{وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ}: يُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالثِّيَابِ أَعْمَالُهُ كُلُّهَا، وَبِتَطْهِيرِهَا تَخْلِيصُهَا وَالنُّصْحُ بِهَا، وَإِيقَاعُهَا عَلَى أَكْمَلِ الْوُجُوهِ، وَتَنْقِيَتُهَا عَنِ الْمُبْطِلَاتِ وَالْمُفْسِدَاتِ، وَالْمُنْقِصَاتِ؛ مِنْ شِرْكٍ وَرِيَاءٍ، وَنِفَاقٍ ، وَعَجَبٍ، وَتَكَبُّرٍ، وَغَفْلَةٍ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُؤْمَرُ الْعَبْدُ بِاجْتِنَابِهِ فِي عِبَادَاتِهِ.

وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ تَطْهِيرُ الثِّيَابِ مِنَ النَّجَاسَةِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ تَمَامِ التَّطْهِيرِ لِلْأَعْمَالِ خُصُوصًا فِي الصَّلَاةِ، الَّتِي قَالَ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ: إِنَّ إِزَالَةَ النَّجَاسَةِ عَنْهَا شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِهَا.

وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِثِيَابِهِ الثِّيَابُ الْمَعْرُوفَةُ، وَأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِتَطْهِيرِهَا عَنْ جَمِيعِ النَّجَاسَاتِ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ، خُصُوصًا فِي الدُّخُولِ فِي الصَّلَوَاتِ، وَإِذَا كَانَ مَأْمُورًا بِطَهَارَةِ الظَّاهِرِ فَإِنَّ طَهَارَةَ الظَّاهِرِ مِنْ تَمَامِ طَهَارَةِ الْبَاطِنِ.

{وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ}: يُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالرُّجْزِ الْأَصْنَامُ وَالْأَوْثَانُ الَّتِي عُبِدَتْ مَعَ اللَّهِ، فَأَمَرَهُ بِتَرْكِهَا وَالْبَرَاءَةِ مِنْهَا وَمِمَّا نُسِبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالرُّجْزِ أَعْمَالُ الشَّرِّ كُلُّهَا وَأَقْوَالُهُ، فَيَكُونُ أَمْرًا لَهُ بِتَرْكِ الذُّنُوبِ صَغِيرِهَا وَكِبَارِهَا ، ظَاهِرِهَا وَبَاطِنِهَا، فَيَدْخُلُ فِي هَذَا الشِّرْكُ فَمَا دُونَهُ)).

((أَهَمِّيَّةُ نِدَاءَاتِ الْقُرْآنِ النَّبِيَّ ﷺ لِلْأُمَّةِ))

إِنَّ جُلَّ نِدَاءَاتِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ لِلرَّسُولِ ﷺ مُوَجَّهَةٌ لِلْأُمَّةِ -أَيْضًا-؛ فَيَنْبَغِي الِاهْتِمَامُ بِهَذِهِ النِّدَاءَاتِ الْإِلَهِيَّةِ فَهْمًا وَتَدَبُّرًا وَعَمَلًا؛ فَـ((إِنَّ الْخِطَابَ الْخَاصَّ بِالنَّبِيِّ ﷺ يَعُمُّ حُكْمُهُ جَمِيعَ الْأُمَّةِ؛ فَالْأُمَّةُ تَدْخُلُ تَحْتَ خِطَابِهِ ﷺ، فَتَكُونُ الْحَالَةُ مِنَ الْجَمِيعِ الدَّاخِلِ تَحْتَ خِطَابِهِ ﷺ.

قَالَ تَعَالَى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا} [الروم: 30]، وَنَظِيرُ هَذِهِ الْآيَةِ فِي دُخُولِ الْأُمَّةِ تَحْتَ الْخِطَابِ الْخَاصِّ بِهِ ﷺ قَوْلُهُ تَعَالَى: { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ} [الطلاق: 1]، فَقَوْلُهُ: {طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ} بَعْدَ: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ} دَلِيلٌ عَلَى دُخُولِ الْأُمَّةِ تَحْتَ لَفْظِ «النَّبِيِّ».

وَقَوْلُهُ: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ} [التحريم: 1]، ثُمَّ قَالَ: {قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ}[التحريم: 2].

وَقَوْلُهُ: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ} [الأحزاب: 1]، ثُمَّ قَالَ: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} [الأحزاب: 2].

وَقَوْلُهُ: {فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا}، ثُمَّ قَالَ: {لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ} [الأحزاب: 37] الْآيَةَ.

وَقَوْلُهُ: {وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ}، ثُمَّ قَالَ: {وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ} [يونس: 61].

وَدُخُولُ الْأُمَّةِ فِي الْخِطَابِ الْخَاصِّ بِالنَّبِيِّ ﷺ هُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ وَعَلَيْهِ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ -رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى-، خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ -رَحِمَهُ اللهُ- )).

قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِينَ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((الْخِطَابُ لِلرَّسُولِ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- خِطَابٌ لَهُ وَلِلْأُمَّةِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ} [الأحزاب: ٢١]؛ إِلَّا مَا قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى اخْتِصَاصِهِ بِهِ؛ فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ بِالدَّلِيلِ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا} [الأحزاب: ٥٠]، لَوْ وَقَفَتِ الْآيَةُ عَلَى هَذَا لَكَانَ يَجُوزُ لِلْأُمَّةِ أَنْ تَفْعَلَ مَعَهُ، لَكِنْ قَالَ: {خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} [الأحزاب: ٥٠].

فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ الْخِطَابَ الْمُوَجَّهَ لِلرَّسُولِ ﷺ لَهُ وَلِأُمَّتِهِ مَا لَمْ يُوجَدْ دَلِيلٌ عَلَى اخْتِصَاصِهِ بِهِ)).

((نِدَاءَاتُ الْقُرْآنِ لِلرَّسُولِ ﷺ نِدَاءَاتُ تَكْرِيمٍ))

عِبَادَ اللهِ! قَوْلُ رَبِّنَا -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ}: هَذَا النِّدَاءُ لِلنَّبِيِّ ﷺ فِيهِ تَكْرِيمٌ وَتَشْرِيفٌ لَهُ؛ لِأَنَّهُ نَادَاهُ بِالنُّبُوَّةِ، وَنَادَى سَائِرَ الْأَنْبِيَاءِ بِأَسْمَائِهِمْ، وَقَدْ تَكَرَّرَ هَذَا النِّدَاءُ لِلنَّبِيِّ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ مَرَّةً: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ}.

وَكَمَا قَالَ الْإِمَامُ الصَّرْصَرِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ- فِي مَدْحِ النَّبِيِّ ﷺ:

وَدَعَا الْإِلَهُ الرُّسْلَ كُلًّا بِاسْمِهِ    =        وَدَعَاكَ وَحْدَكَ بِالرَّسُولِ وَبِالنَّبِي

وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ

المصدر: نِدَاءَاتُ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ لِلرَّسُولِ ﷺ

التعليقات


خطب مفرغة قد تعجبك


  الِابْتِلَاءُ بِالْخَيْرِ وَالشَّرِّ
  الزَّكَاةُ وَالصَّدَقَاتُ وَدَوْرُهُمَا فِي التَّنْمِيَةِ الْمُجْتَمَعِيَّةِ
  أُمَّةُ اقْرَأْ.. أُمَّةُ أَتْقِنْ..بَيْنَ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ وَعُلَمَاءِ الْفِتْنَةِ
  سُبُلُ بِنَاءِ الْأُمَمِ وَدَوْرُ الْفَرْدِ فِيهَا
  تَفْرِيغُ مُحَاضَرَاتِ سِلْسِلَة: «الرَّدُّ عَلَى الْمُلْحِدِينَ»
  الرد على الملحدين:تتمة أسباب انتشار الإلحاد في العصر الحديث، وبيان شرك الملحدين
  عَلَى عَتَبَاتِ الشَّهْرِ الْمُبَارَكِ بَيْنَ الْأَمَلِ وَالرَّجَاءِ وَحُسْنِ الِاسْتِعْدَادِ
  الْحَجُّ فِي زَمَنِ الْأَوْبِئَةِ
  الْمَفَاهِيمُ الصَّحِيحَةُ لِلْهِجْرَةِ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ
  مصر وحروب الجيل الرابع
  • شارك

نبذة عن الموقع

موقع تفريغات العلامة رسلان ، موقع يحتوي على العشرات من الخطب والمحاضرات والمقاطع المفرغة لفضيلة الشيخ العلامة أبي عبدالله محمد بن سعيد رسلان-حفظه الله- . كما يعلن القائمون على صفحة وموقع تفريغات العلامة رسلان -حفظه الله- أن التفريغات للخطب ليست هي الشكل النهائي عند الطباعة، ولكن نحن نفرغ خطب الشيخ حفظه الله ونجتهد في نشرها ليستفيد منها طلاب العلم والدعاة على منهاج النبوة في كل أنحاء الدنيا، ونؤكد على أنَّ الخطب غير مُخرَّجة بشكل كامل كما يحدث في خطب الشيخ العلامة رسلان المطبوعة وليست الكتب المنشورة على الصفحة والموقع هي النسخة النهائية لكتب الشيخ التي تُطبع...وهذه الكتب ما هي إلا تفريغ لخطب الشيخ، غير أنَّ كتب الشيخ التي تُطبع تُراجع من الشيخ -حفظه الله- وتُخرج. والتفريغ عملٌ بشريٌ، ونحن نجتهد في مراجعة التفريغات مراجعة جيدة، فإذا وقع خطأ أو شكل الخطب كما نخرجها -إنما نُحاسب نحن عليها والخطأ يُنسب لنا وليس للشيخ -حفظه الله-.

الحقوق محفوظة لكل مسلم موقع تفريغات العلامة رسلان