((سَيِّدُ الْمُرْسَلِينَ ﷺ))
إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ.
أَمَّا بَعْدُ:
فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.
أَمَّا بَعْدُ:
((إِهْمَالُ التَّارِيخِ النُّبُوَّاتِ وَالرِّسَالَاتِ الْإِلَهِيَّةِ!))
((فَالتَّارِيخُ الْبَشَرِيُّ لَمْ يَكْتَفِ بِإِهْمَالِ أَمْرِ النُّبُوَّاتِ وَالرِّسَالَاتِ الْإِلَهِيَّةِ، بَلْ تَعَوَّضَ عَنْهَا بِالْوَثَنِيَّاتِ وَأَقَاصِيصِهَا، وَلَمْ يَكْتَفِ بِذَلِكَ بَلْ أَغْرَقَ فِي ذِكْرِ أَنْبَاءِ الطُّغَاةِ الْبُغَاةِ الْعُتَاةِ مِنْ سَفَّاكِي دِمَاءِ الْبَشَرِيَّةِ، وَمُدَمِّرِي عُمْرَانِ الْحَيَاةِ، وَمُخَرِّبِي بِنَاءِ الْحَضَارَاتِ الْإِنْسَانِيَّةِ، فَجَعَلَ مِنْ أَحَادِيثِهِمْ فِي مَعَارِكِهِمُ الظَّالِمَةِ أَقَاصِيصَ الْإِعْجَابِ، وَمَفَاخِرَ الْبُطُولَةِ، وَهِيَ فِي حَقِيقَتِهَا نَزَوَاتٌ مِنَ الطُّغْيَانِ الْأَحْمَقِ الَّذِي يَرْقُصُ عَلَى طُبُولِ الْخَرَابِ!
هَذَا التَّارِيخُ الظَّلُومُ الْمَظْلُومُ حَمَلَ عَلَى كَاهِلِهِ طُوَالَ أَحْقَابٍ مَا مَرَّ عَلَيْهِ مِنْ دَوْرَاتِ الْفَلَكِ أَثْقَالَ الْوَثَنَيَّاتِ بِكُفْرِيَّاتِهَا وَإِلْحَادِهَا وَمَذَاهِبِهَا، وَأَفَكْارِهَا وَأَسَاطِيرِهَا، وَآثَارِهَا الْمَادِّيَّةِ فِي تَفْصِيلٍ مُسْهَبٍ، بَلْ فِي مُبَالَغَةٍ وَإِغْرَاقٍ وَأَكَاذِيبَ، وَلَمْ يَسْمَحْ بِأَسْطُرٍ يَكْتُبُهَا فِي سِجِّلَاتِهِ عَنِ النُّبُوَّاتِ وَالرِّسَالَاتِ الْإِلَهِيَّةِ إِلَّا بِقَدْرِ مَا يَصِلُهَا بِهَذِهِ الْوَثَنِيَّاتِ فِي مَعَارِكِهَا مَعَهَا وَنِضَالِهَا ضِدَّهَا!
أَمَّا بَيَانُ مَكَانَةِ النُّبُوَّةِ مِنَ الْحَيَاةِ، وَبَيَانُ أَعْمَالِهَا فِي تَوْجِيهِ الْحَيَاةِ، وَتَهْذِيبِ الْغَرَائِزِ، وَإِرْشَادِ الْعَقْلِ فِي سَيْرِهِ، وَبَيَانُ مَا يُطِيقُ إِدْرَاكَهُ مِنْ مَعَالِمِ الْغَيْبِ وَحَقَائِقِهِ، وَبَيَانُ أَقْدَارِ الرِّسَالَاتِ الْإِلَهِيَّةِ، وَجِهَادِ الرُّسُلِ فِي سَبِيلِ تَقَدُّمِ الْحَيَاةِ، وَإِقَامَةِ مَوَازِينِ الْعَدَالَةِ، وَإِصْلَاحِ مَا أَفْسَدَهُ الطُّغَاةُ بِطُغْيَانِهِمْ وَمَظَالِمِهِمْ، وَكِفَاحُ الْبُطُولَاتِ الرُّوحِيَّةِ، وَاصْطِبَارُ الْمُكَافِحِينَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ وَأَتْبَاعِهِمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ بِرِسَالَاتِهِمْ عَلَى مِحَنِ الْجَبَرُوتِ، وَبَلَاءِ الطُّغْيَانِ، وَفَدَائِحِ الظُّلْمِ.. فَذَلِكَ كُلُّهُ أَمْرٌ لَا يَعْنِي هَذَا التَّارِيخَ الْبَشَرِيَّ أَنْ يُفْرِدَ لَهُ بَيْنَ صَفْحَاتِهِ قَدْرًا يُعْطِيهِ حَقَّهُ مِنَ التَّقْدِيرِ وَالِاعْتِزَازِ!
وَقَدْ صَوَّرَ التَّارِيخُ النُّبُوَّةَ وَالرِّسَالَاتِ الْإِلَهِيَّةَ فِي أَسْطُرِهِ الَّتِي سَمَحَ بِهَا فِي سِجِّلَاتِهِ لِلْحَدِيثِ عَنْهَا وَعَنْ حَمَلَتِهَا مِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ عَلَى أَنَّهَا مُرْشِدٌ لِمَنْ يُرِيدُ اعْتِزَالَ الْحَيَاةِ، لِيَعِيشَ رُوَحانِيًّا قَانِعًا زَاهِدًا، قَعِيدَ الْكُهُوفِ وَالصَّوَامِعِ، جَوْعَانَ ذَا مَسْغَبَةٍ، عُرْيَانَ ذَا مَتْرَبَةٍ، سَمُوحًا لَا يُزَاحِمُ فِي مُعْتَرَكِ الْعَيْشِ، خَانِعًا فِي ذِلَّةٍ، مُسْتَسْلِمًا لِنَوَازِلِ الْحَيَاةِ، شَرُودًا نَفُورًا، يَحْيَا وَيَمُوتُ دُونَ أَنْ تُحِسَّ بِهِ الْحَيَاةُ!
وَالتَّارِيخُ بِهَذَا التَّصْوِيرِ الظَّالِمِ يَضَعُ النُّبُوَّةَ وَالرِّسَالَاتِ الْإِلَهِيَّةَ فِي إِطَارٍ مِنَ الصُّوفِيَّةِ السَّلْبِيَّةِ، لَا تَعْنِي الْحَيَاةَ فِي شَيْءٍ، وَلَا تَعْنِيهَا الْحَيَاةُ فِي شَيْءٍ!
وَمِنْ هُنَا نَشَأَتْ فِكْرَةُ ((الدِّينُ وَالدُّنْيَا))؛ فَالدِّينُ -عِنْدَ هَذَا التَّارِيخِ الظَّلُومِ- هُوَ السَّلْبِيَّةُ الصُّوفِيَّةُ الَّتِي تَعِيشُ مَعَ خَيَالَاتِ الْأَوْهَامِ، وَأَوْهَامِ الْغَيْبِيَّاتِ، وَالَّتِي لَا تُحَسُّ وَلَا تُمَسُّ، وَالدُّنْيَا عِنْدَ هَذَا التَّارِيخِ هِيَ كُلُّ الْمَعَانِي وَالْحَقَائِقِ الْإِيجَابِيَّةِ الَّتِي قَامَتْ عَلَى دَعَائِمِهَا فَلْسَفَةُ الْوَثَنِيَّاتِ، وَالْإِلْحَادُ الْفَنِيُّ، وَالتَّفْكِيرُ الْمَادِّيُّ الْكَفُورُ، وَعَلَى أَسَاسِهَا قَامَتِ الْحَضَارَاتُ الْمَادِّيَّةُ بِكُلِّ أَسْوَائِهَا وَمَحَاسِنِهَا!)).
((تَصْحِيحُ رِسَالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ أَغَالِيطَ التَّارِيخِ))
((وَجَاءَتْ رِسَالَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ الْخَاتِمَةُ الْخَالِدَةُ لِتُصَحِّحَ أَغَالِيطَ التَّارِيخِ، وَتُنْصِفَ النُّبُوَّةَ وَالرِّسَالَاتِ الْإِلَهِيَّةَ، وَتَرُدَّ اعْتِبَارَ الْحَقَائِقِ الْكَوْنِيَّةِ، فَوَضَعَتْ هَذَا التَّارِيخَ فِي مُوَاجَهَةِ النُّبُوَّةِ وَأَحْدَاثِهَا، وَوَضَعَتِ الْحَيَاةَ كُلَّهَا أَمَامَ الرِّسَالَاتِ الْإِلَهِيَّةِ وَأَعْمَالِهَا، وَوَضَعَتِ الْوَثَنِيَّاتِ وَفَلْسَفَاتِهَا فِي مَكَانِهَا مِنْ مَنَازِلِ الْجُحُودِ!
فَلَمْ يَسْتَطِعِ التَّارِيخُ بَعْدَ بِعْثَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ أَنْ يَلْوِيَ عُنُقَهُ مُشِيحًا عَنِ الْحَدِيثِ فِي النُّبُوَّةِ وَمَكَانَتِهَا فِي دُنْيَا النَّاسِ وَالْأَشْيَاءِ.
وَلَمْ تَسْتَطِعِ الْحَيَاةُ أَنْ تُنْغِضَ رَأْسَهَا مُتَجَاهِلَةً مَكَانَةَ الَّذِينَ شُرِّفُوا بِقَلَائِدِ النُّبُوَّةِ مِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخَيَارِ.
وَلَمْ تَسْتَطِعِ الْحَيَاةُ -أَيْضًا- أَنْ تُصَعِّرَ خَدَّهَا مُتَغافِلَةً مُتَعَامِيَةً عَنْ أَشِعَّةِ الْحَقِّ فِي رِسَالَاتِ رُسُلِ اللهِ الَّذِينَ بَعَثَهُمْ إِلَى الْحَيَاةِ نُورًا يُبَدِّدُ ظَلَامَ الْقُلُوبِ وَالْعُقُولِ وَالْأَرْوَاحِ، وَيُهَذِّبُ جُمُوحَ الْغَرَائِزِ الْإِنْسَانِيَّةِ الضَّارِيَةِ، وَيُشَذِّبُ الْأَفْكَارَ الشَّائِكَةَ بِشُبُهَاتِ الْجَهَالَةِ وَأُغْلُوطَاتِ الضَّلَالَةِ فِي أَدْمِغَةِ أَحْلَاسِ هَوَسِ الْفَلْسَفَةِ بِمَا لَا يَعْنِي شَيْئًا غَيْرَ بَرْطَمَةِ التَّعَالِي، وَبَأْوِ الْكِبْرِيَاءِ الْمُبَرْطِمَةِ فِي أَلْغَازٍ مُرِيبَةٍ غَامِضَةٍ، وَأَلْفَاظٍ مُظْلِمَةٍ قَاتِمَةٍ، تَسْبَحُ فِي مُحِيطٍ خَيَالِيٍّ لَا مَرْفَأَ لَهُ تَسْتَقِرُّ فِيهِ حَقِيقَةٌ مِنْ حَقَائِقِ الْحَيَاةِ فِي وَاقِعِهَا الْوُجُودِيِّ الَّذِي جَاءَتْ بِهِ النُّبُوَّةُ وَالرِّسَالَاتُ الْإِلَهِيَّةُ.
وَعَرَفَتِ الْحَيَاةُ لِلدِّينِ مَعْنَاهُ الشَّامِلَ الْقَوِيمَ الَّذِي يَعْنِي الْمَعَانِيَ وَالْقِيَمَ وَالْحَقَائِقَ الْإِيجَابِيَّةَ فِي مَنْهَجِ النُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَاتِ الْإِلَهِيَّةِ.
وَعَرَفَتِ الْحَيَاةُ أَلَّا تُقَابِلَ بَيْنَ الدُّنْيَا وَالدِّينِ، وَإِنَّمَا التَّقَابُلُ الْحَقُّ بَيْنَ حَيَاتَيْنِ: هَذِهِ الْحَيَاةُ الَّتِي يَحْيَاهَا النَّاسُ وَالْأَشْيَاءُ، وَلِلدِّينِ فِيهَا مَنْهَجُهُ الْأَعَمُّ وَالْأَشْمَلُ الَّذِي اسْتَقَاهُ مِنْ مَعِينِ النُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَاتِ الْإِلَهِيَّةِ، وَحَيَاةٌ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا، لِلدِّينِ فِيهَا مَعْرِفَتُهُ الَّتِي تَلَقَّاهَا عَنْ وَحْيِ النُّبُوَّةِ وَرِسَالَاتِ اللهِ)).
((مَعَالِمُ الْحَيَاةِ الْمِثَالِيَّةِ لِلرَّجُلِ الْمَتْبُوعِ))
((وَالْحَيَاةُ الْمِثَالِيَّةُ لَنْ تَكُونَ أُسْوَةً لِلنَّاسِ مَا لَمْ تَكُنْ أَعْمَالُ صَاحِبِهَا مِثَالًا وَأُنْمُوذَجًا لِمَنْ يَدْعُو إِلَيْهِ، بِحَيْثُ لَا يَتَطَرَّقُ الشَّكُّ إِلَى النَّاسِ بِأَنَّ مَا يَدْعُو إِلَيْهِ مِمَّا يَعْمَلُ بِهِ.
وَمِنَ السَّهْلِ أَنْ يَدْعُوَ الدَّاعِي إِلَى فَلْسَفَةٍ تَحْظَى بِإِعْجَابِ النَّاسِ، وَإِلَى فِكْرَةٍ يَسْتَحْسِنُونَهَا، أَوْ نَظَرِيَّةٍ جَدِيدَةٍ فِي الْحَيَاةِ تَرُوقُ لَهُمْ، وَكُلُّ ذَلِكَ مِمَّا يَقْدِرُ عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ مَتَى شَاؤُوا، أَمَّا الَّذِي لَا يُسْتَطَاعُ دَائِمًا فَهُوَ عَمَلُ الدُّعَاةِ بِمَا يَدْعُونَ إِلَيْهِ.
وَلَيْسَتِ الْأَفْكَارُ الصَّحِيحَةُ، وَالنَّظَرِيَّاتُ الشَّائِقَةُ، وَالْأَقْوَالُ الْحَسَنَةُ هِيَ الَّتِي تَجْعَلُ الْإِنْسَانَ كَامِلًا، وَتَجْعَلُ مِنْ حَيَاتِهِ أُسْوَةً لِلنَّاسِ وَمَثَلًا أَعْلَى فِي الْحَيَاةِ، بَلْ أَعْمَالُ الدَّاعِي وَأَخْلَاقُهُ هِيَ الَّتِي تَجْعَلُهُ كَذَلِكَ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمَا كَانَ هُنَاكَ فَرْقٌ بَيْنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، وَلَمَا تَمَيَّزَ الْمُصْلِحُ عَنْ غَيْرِهِ، وَلَامْتَلَأَتِ الدُّنْيَا بِالثَّرْثَارِينَ وَالْمُتَفَيْهِقِينَ الَّذِينَ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ.
وَهُنَا يَنْبَغِي لَنَا تَوْجِيهُ السُّؤُالِ إِلَى الْعَالَمِ أَجْمَعِ: مَنْ ذَا الَّذِي تُعَدُّ حَيَاتُهُ أُسْوَةً لِلْبَشَرِ كُلِّهِمْ، وَفِيهَا الْمَثَلُ الْأَعْلَى لِلْبَشَرِ جَمِيعِهِمْ، مِنْ بَيْنَ مِئَاتِ الْأُلُوفِ مِنَ الْمُصْلِحِينَ؟!
إِنَّ حَيَاةَ الْعَظِيمِ لَا تَكُونُ فِيهَا الْأُسْوَةُ لِلنَّاسِ مَا لَمْ تَصْدُرْ عَنْ صَاحِبِهَا الْأَعْمَالُ الْإِيجَابِيَّةُ الْمَحْمُودَةُ وَالْأَخْلَاقُ النَّافِعَةُ الْكَرِيمَةُ مِمَّا يُوَافِقُ الْحَيَاةَ الْمِثَالِيَّةَ، وَأَيُّ عَمَلٍ يَعْمَلُهُ الْمُتَأَسِّي إِنْ لَمْ يَرَ لِمَنْ يَتَأَسَّى بِهِ أَعْمَالًا إِيجَابِيَّةً تَتِمُّ بِهَا الْحَيَاةُ الصَّالِحَةُ فِي شَتَّى أَطْوَارِهَا؟!
إِنَّ الْإِنْسَانَ يَنْشُدُ مِثَالًا يَقْتَدِي بِهِ فِي كُلِّ عَمَلٍ يُقْدِمُ عَلَيْهِ؛ فِي غِنَاهُ وَفَقْرِهِ، وَفِي سِلْمِهِ وَحَرْبِهِ، وَيَتَحَرَّى السَّبِيلَ الَّتِي يَسْلُكُهَا إِذَا تَزَوَّجَ أَوْ بَقِيَ عَزَبًا، وَيُرِيدُ أُنْمُوذَجًا عَالِيًا يَأْتَمُّ بِهِ إِذَا عَبَدَ رَبَّهُ، أَوْ عَاشَرَ النَّاسَ، وَيُحَاوِلُ أَنْ يُلِمَّ بِالْأَحْكَامِ الَّتِي يَنْبَغِي الْعَمَلُ بِهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الرَّاعِي وَالرَّعِيَّةِ، وَالْحُكَّامِ وَالْمَحْكُومِينَ.
جَمِيعُ هَذِهِ الْأُمُورِ يَنْبَغِي لِلْمَرْءِ أَنْ يَتَّخِذَ لِنَفْسِهِ الْقُدْوَةَ فِيهَا؛ لِأَنَّ الْأُمَمَ قَدِ الْتَوَتْ عَلَيْهَا هَذِهِ الْمَسَائِلُ، فَأَهَمَّهَا الْتِمَاسَ الطَّرِيقَ الْمُوصِلَ إِلَى حَلِّ هَذِهِ الْمُعْضِلَاتِ، وَتَذْلِيلِ هَذِهِ الْمَصَاعِبِ.
وَمُعْظَمُ الشُّعُوبِ تَشْعُرُ بِالْحَاجَةِ الشَّدِيدَةِ إِلَى الْمُثُلِ الْعُلْيَا فِي ذَلِكَ؛ مِنْ أَجْلِ تَخْفِيفِ الْآلَامِ، وَمِنْ أَجْلِ تَخْفِيفِ الْجُرُوحِ عَنِ الْإِنْسَانِيَّةِ، وَهِيَ مُتَلَهِّفَةٌ عَلَى مِثَالٍ لِذَلِكَ مِنَ الْأَعْمَالِ، لَا عَلَى مِثَالٍ لِذَلِكَ مِنَ الْأَقْوَالِ.
وَالتَّارِيخُ أَصْدَقُ شَاهِدٍ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِي الدُّنْيَا أَحَدٌ يَصِحُّ أَنْ تَكُونَ لِلْإِنْسَانِيَّةِ أُسْوَةٌ فِي سِيرَتِهِ وَحَيَاتِهِ غَيْرَ سِيرَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَحَيَاةِ مُحَمَّدٍ ﷺ)).
((الشُّرُوطُ الْوَاجِبَةُ فِي سِيرَةِ الْمَتْبُوعِ))
((وَلْيَكُنْ عَلَى ذُكْرٍ مِنَّا أَنَّ حَيَاةَ الْعَظِيمِ الَّتِي يَجْدُرُ بِالنَّاسِ أَنْ يَتَّخِذُوا مِنْهَا قُدْوَةً لَهُمْ فِي الْحَيَاةِ يَنْبَغِي أَنْ تَتَوَفَّرَ فِيهَا أَرْبَعُ خِصَالٍ:
1- أَنْ تَكُونَ (تَارِيخِيَّةً) أَيْ: أَنَّ التَّارِيخَ الصَّحِيحَ الْمُمَحِّصَ يُصَدِّقُهَا وَيَشْهَدُ لَهَا.
٢- وَأَنْ تَكُونَ (جَامِعَةً) أَيْ: مُحِيطَةً بِأَطْوَارِ الْحَيَاةِ وَمَنَاحِيهَا وَجَمِيعِ شُؤُونِهَا.
٣- وَأَنْ تَكُونَ (كَامِلَةً) أَيْ: أَنْ تَكُونَ مُتَسَلْسِلَةً، لَا تَنْقُصُ شَيْئًا مِنْ حَلْقَاتِ الْحَيَاةِ.
٤- وَأَنْ تَكُونَ (عَمَلِيَّةً) أَيْ: أَنْ تَكُونَ الدَّعْوَةُ إِلَى الْمَبَادِئِ وَالْفَضَائِلِ وَالْوَاجِبَاتِ بِعَمَلِ الدَّاعِي وَأَخْلَاقِهِ، وَأَنْ يَكُونَ كُلُّ مَا دَعَا إِلَيْهِ بِلِسَانِهِ قَدْ حَقَّقَهُ بِسِيرَتِهِ، وَعَمِلَ بِهِ فِي حَيَاتِهِ الشَّخْصِيَّةِ وَالْعَائِلِيَّةِ وَالِاجْتِمَاعِيَّةِ، فَأَصْبَحَتْ أَعْمَالُهُ مُثُلًا عُلْيَا لِلنَّاسِ يَتَأَسَّوْن بِهَا.
وَرِسَالَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ الْكَامِلَةُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ، فَمَسَّتِ الْحَاجَةُ إِلَى أَنْ تَكُونَ سِيرَتُهُ ﷺ مَعْلُومَةً عَلَى حَقِيقَتِهَا فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ؛ لِيَتَيَسَّرَ التَّأَسِّي بِهَا لِجَمِيعِ أُمَمِ الْأَرْضِ.
وَهَذَا مِنْ أَصْدَقِ الْبَرَاهِينِ عَلَى كَوْنِ مُحَمَّدٍ ﷺ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ وَلَا نَبِيَّ بَعْدَهُ، {مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَٰكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} [الأحزاب: ٤٠])).
((أَكْمَلُ وَأَصْدَقُ سِيرَةٍ وَأَطْهَرُهَا فِي التَّارِيخِ))
((وَمَا مِنْ حَيَاةِ أَحَدٍ -مَهْمَا بَلَغَتْ صِحَّةُ التَّارِيخِ وَثُبُوتُ الرِّوَايَةِ- يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مِنْهَا لِلنَّاسِ أُسْوَةٌ تُتَّبَعُ وَمِثَالٌ يُقْتَدَى بِهِ إِلَّا إِذَا كَانَتْ مُتَّصِفَةً بِالْكَمَالِ.
وَلَا تَكُونُ حَيَاةُ أَحَدٍ كَامِلَةً وَمُنَزَهَّةً عَنِ الْعُيُوبِ وَالْمَثَالِبِ إِلَّا إِذَا كَانَتْ مَعْلُومَةً لِلنَّاسِ بِجَمِيعِ أَطْوَارِهَا، وَمُتْجَلِّيَةً لَهُمْ دَخَائِلُهَا مِنْ كُلِّ مَنَاحِيهَا.
وَحَيَاةُ مُحَمَّدٍ ﷺ مِنْ مِيلَادِهِ إِلَى سَاعَةِ وَفَاتِهِ مَعْلُومَةٌ لِلَّذِينَ عَاصَرُوهُ وَشَهِدُوا عَهْدَهُ، وَقَدْ حَفِظَهَا التَّارِيخُ عَنْهُمْ لِمَنْ بَعْدَهُمْ، وَهُوَ فِي حَيَاتِهِ لَمْ يَحْتَجِبْ عَنْ عُيُونِ قَوْمِهِ إِلَّا مُدَّةً يَسِيرَةً لِيُعِدَّ عُدَّتَهُ لِلْمُسْتَقْبَلِ، وَلِيُهَيِّئَ الْأَسْبَابَ لِحَيَاتِهِ الْمُقْبِلَةِ.
إِنَّ جَمِيعَ شُؤُونِهِ وَأَطْوَارَ حَيَاتِهِ -مِنْ وِلَادَتِهِ، وَرَضَاعِهِ، وَطُفُولَتِهِ إِلَى أَنْ صَارَ يَافِعًا وَشَابًّا- كُلُّ ذَلِكَ ظَاهِرٌ أَمْرُهُ، مَعْلُومَةٌ تَفَاصِيلُهُ.
وَقَدْ عَلِمَ التَّارِيخُ عَنْ هَذَا النَّبِيِّ ﷺ بِاشْتِغَالِهِ فِي التِّجَارَةِ، وَكَيْفِيَّةِ زَوَاجِهِ، وَعَلِمَ النَّاسُ سَجَايَاهُ فِي صَدَاقَتِهِ، وَفِي وَفَائِهِ لِلنَّاسِ قَبْلَ نُبُوَّتِهِ، وَاتَّصَلُوا بِهِ حِينَ اتَّخَذُوهُ أَمِينًا، وَأَقَامُوهُ حَكَمًا فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ نَصْبِ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ فِي مَوْضِعِهِ مِنَ الْكَعْبَةِ الْمُشَرَّفَةِ.
ثُمَّ وَقَفُوا عَلَى أَمْرِهِ حِينَ حَبَّبَ اللهُ إِلَيْهِ الْخَلْوَةَ، فَاعْتَزَلَهُمْ فِي غَارِ حِرَاءٍ، ثُمَّ عَلِمُوا حَالَهُ حِينَ نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ مِنْ رَبِّهِ -جَلَّ وَعَلَا-، وَحِينَ بَدَأَ أَمْرُ الْإِسْلَامِ يَظْهَرُ لِلْوُجُودِ، فَأَخَذَ يَدْعُو النَّاسَ إِلَيْهِ، وَيُبَلِّغُ مَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ.
وَقَدْ رَأَى التَّارِيخُ كَيْفَ خَالَفُوهُ وَعَانَدُوهُ.
وَهَلْ غَابَ عَنِ التَّارِيخِ مَا لَقِيَ ﷺ فِي نَشْرِ الْإِسْلَامِ مِنْ جَهْدٍ وَعَنَاءٍ، وَمَا قَابَلَهُ بِهِ أَهْلُ الطَّائِفِ حِينَ سَارَ إِلَيْهِمْ يَنْهَاهُمْ عَنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ، وَيَأْمُرُهُمْ بِعِبَادَةِ الرَّحْمَنِ؟!
وَهَلْ نَسِيَ التَّارِيخُ حِينَ أَخْبَرَ أَهْلَ مَكَّةَ -وَهُمْ أَقَلِّيَّةٌ قَلِيلَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَكْثَرِيَّةٌ سَاحِقَةٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ- حِينَ أَخْبَرَهُمْ بِخَبَرِ الْعُرُوجِ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ؟!
ثُمَّ هَلْ خَفِيَ عَنِ التَّارِيخِ أَمْرُ هِجْرَتِهِ، وَمَعَ مَنْ هَاجَرَ، وَالْغَزَوَاتُ الَّتِي غَزَاهَا، وَالْأَسْبَابُ الْبَاعِثَةُ عَلَيْهَا، وَمَوْقِفُهُ مِنَ الْهُدْنَةِ إِذَا هَادَنَ، وَعُهُودُهُ إِذَا عَاهَدَ، وَمَا صُلْحُ الْحُدَيْبِيَةِ بِسِرٍّ!
وَالَّذِينَ طَالَعُوا كُتُبَ السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ يَعْلَمُونَ ذَلِكَ، وَقَدْ وَقَفُوا عَلَى كُتُبِهِ ﷺ إِلَى الْمُلُوكِ وَالْأَقْيَالِ وَالْوُلَاةِ، يَدْعُوهُمْ فِيهَا إِلَى دِينِ اللهِ -دِينِ السَّلَامِ وَالْوِئَامِ-، وَعَرَفُوا جِهَادَهُ فِي سَبِيلِ الْحَقِّ، وَمَا بَذَلَهُ فِي تَبْلِيغِ دَعْوَةِ الْإِسْلَامِ إِلَى الْخَلْقِ، إِلَى أَنْ أَكْمَلَ اللهُ لِلْإِنْسَانِيَّةِ دِينَهَا، وَحَجَّ الرَّسُولُ ﷺ حَجَّةَ الْوَدَاعِ، وَتَوَفَّاهُ اللهُ -تَعَالَى- إِلَيْهِ.
فَهَلْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ مَا يَجْهَلُهُ التَّارِيخُ وَلَا يَعْلَمُهُ النَّاسُ؟!
وَهَلْ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِهَذَا الرَّسُولِ الْعَظِيمِ وَرِسَالَتِهِ مَا أُسْدِلَ عَلَيْهِ سِتَارٌ مِنْ خَفَاءٍ؟!
إِنَّ كُلَّ مَا يُنْسَبُ إِلَيْهِ ﷺ أَوْ يُعْزَى إِلَيْهِ مِنْ حَقٍّ أَوْ بَاطِلٍ، وَصِدْقٍ أَوْ كَذِبٍ، وَصَحِيحٍ أَوْ فَاسِدٍ مَعْلُومٌ بِالتَّفْصِيلِ، وَوَاضِحٌ أَمْرُهُ لِلنَّاقِدِينَ وَالنَّاظِرِينَ.
إِنَّ رَسُولَ اللهِ مُحَمَّدًا ﷺ لَمْ يُحَاوِلْ أَنْ يُخْفِيَ عَنِ النَّاسِ أَمْرًا مِنْ أُمُورِهِ، وَلَا أَنْ يَكْتُمَهُمْ حَالَةً مِنْ حَالَاتِهِ، لِذَلِكَ عَرَفُوهُ كَمَا كَانَ فِي الْوَاقِعِ، وَهُوَ الْآنَ فِي أَذْهَانِ عَارِفِيهِ كَمَا كَانَ فِي أَعْيُنِ مُشَاهِدِيهِ.
تَقُولُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- -وَقَدْ عَاشَرَتْهُ زَوْجَةً مُدَّةَ تِسْعِ سِنِينَ-: ((لَا تُصَدِّقُوا مَنْ يَزْعُمُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولَ اللهِ قَدْ كَتَمَ شَيْئًا مِمَّا أُوحِيَ إِلَيْهِ، فَلَمْ يُبْدِهِ لِلنَّاسِ، وَاللهُ -تَعَالَى- يَقُولُ: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} [المائدة: 67])).
إِنَّ أَعْظَمَ النَّاسِ وَأَعْظَمَ الرِّجَالِ وَأَجَلَّهُمْ إِذَا انْقَلَبَ إِلَى بَيْتِهِ كَانَ فِيهِ رَجُلًا مِنَ الرِّجَالِ وَوَاحِدًا مِنْ آحَادِ النَّاسِ، وَلَقَدْ صَدَقَ (فُولْتِير) فِي كَلِمَتِهِ الشَّهِيرَةِ: ((إِنَّ الرَّجُلَ لَا يَكُونُ عَظِيمًا دَاخِلَ بَيْتِهِ، وَلَا بَطَلًا فِي أُسْرَتِهِ)).
يُرِيدُ أَنَّ عَظَمَةَ الْمَرْءِ لَا يَعْتَرِفُ بِهَا مَنْ هُوَ أَقْرَبُ النَّاسِ إِلَيْهِ؛ لِاطِّلَاعِهِ عَلَى دَخِيلَتِهِ فِي مَبَاذِلِهِ وَأَحْوَالِهِ.
وَهَذَا الْحُكْمُ يَشِذُّ عَنْهُ أَمْرُ رَسُولِ اللهِ ﷺ، إِنَّ مَا قِيلَ عَنِ الْعُظَمَاءِ فِي مَبَاذِلِهِمْ لَا يَصِحُّ فِي مُحَمَّدٍ رَسُولِ الْإِسْلَامِ، وَاسْتَشْهَدَ الَّذِي قَالَ ذَلِكَ بِقَوْلِ (جِيبُّون): ((لَمْ يَمْتَحِنْ رَسُولٌ مِنَ الرُّسُلِ أَصْحَابَهُ كَمَا امْتَحَنَ مُحَمَّدٌ أَصْحَابَهُ، إِنَّهُ قَبْلَ أَنْ يَتَقَدَّمَ إِلَى النَّاسِ جَمِيعًا تَقَدَّمَ إِلَى الَّذِينَ عَرَفُوهُ إِنْسَانًا الْمَعْرِفَةَ الْكَامِلَةَ، فَطَلَبَ مِنْ زَوْجَتِهِ، وَغُلَامِهِ، وَابْنِ عَمِّهِ، وَأَقْرَبِ أَصْدِقَائِهِ إِلَيْهِ وَأَحَبِّ خِلَّانِهِ لَدَيْهِ.. تَقَدَّمَ إِلَيْهِمْ وَطَلَبَ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْمِنُوا بِهِ نَبِيًّا مُرْسَلًا، فَكُلٌّ مِنْهُمْ صَدَّقَ دَعْوَاهُ، وَآمَنَ بِنُبُوَّتِهِ.
وَإِنَّ حَلِيلَةَ الْمَرْءِ أَكْثَرُ النَّاسِ عِلْمًا بِبَاطِنِ أَمْرِهِ، وَدَخِيلَةِ نَفْسِهِ، وَأَلْصَقُهُمْ بِهِ، فَلَا يُوجَدُ مَنْ هُوَ أَعْرَفُ مِنَ الزَّوْجَةِ بِهَنَاتِ وَنَقَائِصِ الزَّوْجِ، أَلَيْسَ أَوَّلُ مَنْ آمَنَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ رَسُولًا وَنَبِيًّا زَوْجُهُ الْكَرِيمَةُ الَّتِي عَاشَرَتْهُ خَمْسَةَ عَشَرَ عَامًا، وَاطَّلَعَتْ عَلَى دَخَائِلِهِ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ، وَأَحَاطَتْ بِهِ عِلْمًا وَمَعْرِفَةً، فَلَمَّا صَرَّحَ بِالنُّبُوَّةِ كَانَتْ أَوَّلَ مَنْ صَدَّقَهُ فِي نُبُوَّتِهِ، وَاسْتَشْهَدَتْ بِكَمَالِ صِفَاتِهِ وَعَظِيمِ أَخْلَاقِهِ عَلَى أَنَّ اللهَ -تَعَالَى- لَنْ يُخْزِيَهِ أَبَدًا.
إِنَّ أَعْظَمَ النَّاسِ لَا يَأْذَنُ لِزَوْجِهِ -وَإِنْ كَانَتْ زَوْجَةً وَاحِدَةً- لَا يَأْذَنُ لَهَا بِأَنْ تُحَدِّثَ النَّاسَ عَنْ جَمِيعِ مَا تَرَاهُ مِنْ زَوْجِهَا، وَأَنْ تُعْلِنَ كُلَّ مَا شَاهَدَتْهُ مِنْ أَحْوَالِهِ، لَكِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَتْ لَهُ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ تِسْعُ زَوْجَاتٍ، وَكَانَتْ كُلٌّ مِنْهُنَّ فِي إِذْنٍ مِنَ الرَّسُولِ أَنْ تَقُولَ عَنْهُ لِلنَّاسِ كُلَّ مَا تَرَاهُ مِنْهُ فِي خَلَوَاتِهِ، وَهُنَّ فِي حِلٍّ مِنْ أَنْ يُخْبِرْنَ النَّاسَ فِي وَضَحِ النَّهَارِ كُلَّ مَا رَأَيْنَ مِنْهُ فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ، وَأَنْ يَتَحَدَّثْنَ فِي السَّاحَاتِ وَالْمَجَامِعِ بِمَا يُشَاهِدْنَ مِنْهُ فِي الْحُجُرَاتِ.
فَهَلْ عَرَفَتِ الدُّنْيَا رَجُلًا كَهَذَا الرَّجُلِ، يَثِقُ بِنَفْسِهِ كُلَّ هَذِهِ الثِّقَةِ، وَيَعْتَمِدُ عَلَى رَبِّهِ إِلَى هَذَا الْحَدِّ، وَلَا يَخَافُ قَالَةَ السُّوءِ عَنْهُ مِنْ أَحَدٍ؛ لِأَنَّهُ أَبْعَدُ النَّاسِ عَنِ السُّوءِ -بِأَبِي هُوَ وَأُمِّي وَنَفْسِي ﷺ-!
هَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِذَاتِ الرَّسُولِ..
وَأَمَّا مَا تَحَلَّتْ بِهِ نَفْسُهُ مِنْ دَمَاثَةِ الْخُلُقِ، وَرَجَاحَةِ الْعَقْلِ، وَحَصَافَةِ الرَّأْيِ، وَكَرَمِ النَّفْسِ، وَعُلُوِّ الْهِمَّةِ، وَرَحَابَةِ الصَّدْرِ؛ فَإِنَّ كُتُبَ الْحَدِيثِ مَلْأَى بِتَفَاصِيلِهِ.
وَأَحْسَنُ كِتَابٍ ((الشِّفَا)) لِلْقَاضِي عِيَاضٍ الْأَنْدَلُسِيِّ -رَحِمَهُ اللهُ-.
لَقَدْ قَالَ الْمُسْتَشْرِقُ (مَاسِنْيُون): ((يَكْفِي لِتَعْرِفَ أُورُبَّا مَحَاسِنَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَمَحَامِدَهُ أَنْ يُنْقَلَ كِتَابُ ((الشِّفَا)) لِلْقَاضِي عِيَاضٍ إِلَى إِحْدَى اللُّغَاتِ الْأُورُبِّيَّةِ)).
لَقَدْ بَوَّبَ الْعُلَمَاءُ فِي كُتُبِ السِّيرَةِ عِنْدَ ذِكْرِ شَمَائِلِهِ ﷺ كَثِيرًا مِنْ أُمُورِهِ، وَمِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ:
خَلْقُ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَحِلْيَتُهُ، وَخَاتَمُ النُّبُوَّةِ، وَشَعْرُهُ، وَمِشْيَتُهُ، وَكَلَامُهُ، وَضَحِكُهُ، وَتَبَسُّمُهُ، وَلِبَاسُهُ، وَخَاتَمُهُ، وَمِغْفَرُهُ، وَدِرْعُهُ، وَطَعَامُهُ وَصِفَةُ أَكْلِهِ، وَسُنَنُ طَعَامِهِ، وَشَارَتُهُ، وَاللَّوْنُ الْمُحَبَّبُ إِلَيْهِ، وَاللَّوْنُ الَّذِي كَانَ يَرْغَبُ عَنْهُ، وَتَعَطُّرُهُ، وَحُبُّهُ لِلنَّظَافَةِ وَالطَّهَارَةِ، وَرُكُوبُهُ.
وَمِنْ أَشْغَالِهِ: مَا كَانَ يَعْمَلُهُ فِي نَهَارِهِ مِنَ الصَّبَاحِ إِلَى الْمَسَاءِ، ثُمَّ نَوْمُهُ، وَتَهَجُّدُهُ، وَوَظَائِفُهُ فِي الصَّلَوَاتِ، وَأُسْلُوبُ خُطْبَتِهِ، وَأَعْمَالُهُ فِي السَّفَرِ، وَأَعْمَالُهُ فِي الْجِهَادِ، وَسُنَّتُهُ فِي عِيَادَةِ الْمَرْضَى، وَتَعْزِيَتُهُ أَهْلَ الْمَيِّتِ، وَسُنَنُهُ فِي لِقَاءِ النَّاسِ، وَعَامَّةُ أَشْغَالِهِ.
وَعَنْ مَجْلِسِهِ ﷺ: مَجَالِسُ الْإِرْشَادِ، وَآدَابُ الْمَجْلِسِ، وَأَوْقَاتُ جُلُوسِهِ مَعَ النَّاسِ، وَطَرِيقَةُ هَدْيِهِ وَإِرْشَادِهِ، وَلِقَاؤُهُ النَّاسَ بِالْبِشْرِ وَالْبَشَاشَةِ، وَتَأْثِيرُ صُحْبَتِهِ فِيمَنْ صَحِبَهُ، وَأُسْلُوبُ كَلَامِهِ مَعَهُمْ، وَأَنْوَاعُ خُطَبِهِ النَّبَوِيَّةِ، وَأَثَرُهَا فِي السَّامِعِينَ.
وَمِنْ عِبَادَتِهِ: دُعَاؤُهُ، وَصَلَاتُهُ، وَصَوْمُهُ، وَزَكَاتُهُ وَصَدَقَاتُهُ، وَحَجُّهُ، وَمُدَاوَمَتُهُ عَلَى ذِكْرِ اللهِ، وَشَوْقُهُ إِلَى لِقَاءِ اللهِ، وَذِكْرُهُ اللهَ -تَعَالَى- فِي مَوَاقِفِ الْقِتَالِ، وَخَشْيَتُهُ مِنَ اللهِ، وَبُكَاؤُهُ، وَمَحَبَّتُهُ للهِ، وَتَوَكُّلُهُ عَلَيْهِ، وَصَبْرُهُ، وَشُكْرُهُ لِمُفِيضِ النِّعَمِ -جَلَّ جَلَالُهُ-.
وَعَنْ أَخْلَاقِهِ ﷺ: أَخْلَاقُهُ بِالتَّفْصِيلِ، وَمُوَاظَبَتُهُ عَلَى الْعِلْمِ، وَمَكَارِمُ أَخْلَاقِهِ، وَحُسْنُ مُعَامَلَتِهِ لِلنَّاسِ، وَعَدْلُهُ، وَجُودُهُ وَكَرَمُهُ، وإِيثَارُهُ، وَضِيَافَتُهُ وَقِرَاهُ، وَكَرَاهَتُهُ سُؤَالَ النَّاسِ، وَإِبَاؤُهُ لِأَمْوَالِ الصَّدَقَةِ، وَقَبُولُهُ الْهَدِيَّةَ، وَتَرَفُّعُهُ عَنْ فَضْلِ الْغَيْرِ وَمِنَّتِهِ، وَتَنَزُّهُهُ عَنِ الْفَظَاظَةِ، وَمَوْقِفُهُ مِنَ التَّقَشُّفِ، وَكُرْهُهُ لِلْهِجَاءِ وَالْمَدْحِ، وَالْتِزَامُهُ عَدَمَ التَّكَلُّفِ فِي الْحَيَاةِ، وَبُعْدُهُ عَنِ التَّأَنُّقِ فِي الْمَشْرَبِ وَالْمَأْكَلِ.
وَاجْتِنَابُهُ الرِّيَاءَ وَالْخُيَلَاءَ، وَمُسَاوَاتُهُ وَتَوَاضُعُهُ، وَكَرَاهَتُهُ لِلْمُبَالَغَةِ فِي التَّعْظِيمِ وَالْإِطْرَاءِ، وَحَيَاؤُهُ، وَعَمَلُهُ بِيَدِهِ، وَعَزِيمَتُهُ وَشَجَاعَتُهُ، وَصِدْقُهُ فِي الْقَوْلِ، وَوَفَاؤُهُ بِالْوَعْدِ، وَزُهْدُهُ فِي الدُّنْيَا وَقَنَاعَتُهُ، وَحِلْمُهُ، وَعَفْوُهُ عَنِ النَّاسِ، وَصَفْحُهُ عَنْ أَعْدَائِهِ، وَإِحْسَانُهُ إِلَيْهِمْ، وَمُعَامَلَتُهُ لِلْكَافِرِينَ وَالْمُشْرِكِينَ، وَحُبُّهُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينَ، وَعَفْوُهُ عَنْ أَشَدِّ أَعْدَائِهِ، وَدُعَاؤُهُ لِأَعْدَائِهِ بِالْخَيْرِ.
وَشَفَقَتُهُ عَلَى الصِّبْيَانِ، وَمُعَامَلَتُهُ لِلنِّسَاءِ، وَرَحْمَتُهُ بِالْحَيَوَانِ، وَمَا فُطِرَ عَلَيْهِ مِنَ الرَّحْمَةِ وَالْمَحَبَّةِ بِوَجْهٍ عَامٍّ، وَلِينُ قَلْبِهِ وَرِقَّتُهُ، وَعِيَادَتُهُ لِلْمَرْضَى، وَسَجَاحَةُ خُلُقِهِ، وَدَمَاثَتُهُ، وَمَحَبَّتُهُ لِأَوْلَادِهِ، وَمُعَاشَرَتُهُ لِأَزْوَاجِهِ الطَّاهِرَاتِ، وَهَدْيُهُ فِي الْمُرَاسَلَاتِ، وَمُعَالَجَتُهُ لِأَمْرَاضِ النَّفْسِ وَأَمْرَاضِ الْبَدَنِ.
إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَذِنَ لِأَصْحَابِهِ وَلِمَنْ يَحْضُرُ مَجَالِسَهُ أَنْ يُبَلِّغُوا عَنْهُ لِمَنْ غَابَ عَنْهَا، وَهَذَا الْإِذْنُ عَامٌّ لِمَا يَكُونُ عَنْهُ فِي بَيْتِهِ، وَبَيْنَ أَهْلِهِ وَعِيَالِهِ، أَوْ مَا يَصْدُرُ عَنْهُ فِي حَلْقَتِهِ مَعَ أَصْحَابِهِ، أَوْ مَا يَقِفُونَ عَلَيْهِ مِنْ أَعْمَالِهِ وَأَقْوَالِهِ عِنْدَ تَعَبُّدِهِ فِي مَسْجِدِهِ، أَوْ قِيَامُهُ عَلَى مِنْبَرِهِ خَطِيبًا، أَوْ جِهَادُهُ فِي سَاحَة ِالْحَرْبِ تِجَاهَ أَعْدَائِهِ، وَهُوَ يُسَوِّي صُفُوفَ الْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللهِ، أَوْ إِذَا خَلَا إِلَى رَبِّهِ فِي حُجْرَةٍ مُنْعَزِلَةٍ فِي بَيْتِهِ يَعْبُدُ اللهَ وَيَتَضَرَّعُ إِلَيْهِ، فَكَانَ أَزْوَاجُهُ وَأَصْحَابُهُ يَتَحَدَّثُونَ جَمِيعًا بِكُلِّ مَا يَصْدُرُ عَنْهُ مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ.
ثُمَّ إِنَّهُ كَانَ آخِرُ مَسْجِدِهِ صُفَّةً يَأْوِي إِلَيْهَا فَقُرَاءُ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ بُيُوتٌ يَأْوُونَ إِلَيْهَا، فَكَانُوا يَتَنَاوَبُونَ الْخُرُوجَ إِلَى مَا بَعْدَ بُنْيَانِ الْمَدِينَةِ يَحْتَطِبُونَ مِنْ أَشْجَارِ الصَّحَرَاءِ وَمِنَ الْجَبَلِ، وَيَبِيعُونَ مَا يَأْتُونَ بِهِ لِيَقْتَاتُوا جَمِيعًا بِثَمَنِهِ، وَلَمْ يَكُنْ لِسَائِرِهِمْ عَمَلٌ سِوَى صُحْبَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَلُزُومِ مَجَالِسِهِ؛ لِيَحْفَظُوا عَنْهُ مَا يَقُولُ وَيَعْمَلُ، ثُمَّ يَرْوُونَهُ لِلنَّاسِ بِعِنَايَةٍ وَأَمَانَةٍ.
وَقَدْ بَلَغَ عَدَدُ أَهْلِ الصُّفَّةِ هَؤُلَاءِ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ رَجُلًا، كَانَ مِنْهُمْ أَبُو هُرَيْرَةَ الَّذِي لَمْ يَكُنْ صَحَابِيٌّ أَكْثَرَ مِنْهُ حَدِيثًا عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَهَؤُلَاءِ كَانُوا كَأَنَّهُمْ عُيُونٌ فِي نَشَاطِهِمْ وَإِخْلَاصِهِمْ لِمَا يَسَّرَهُمُ اللهُ لَهُ مِنْ حِفْظِ كُلِّ مَا يَسْتَطِيعُونَ حِفْظَهُ مِمَّا يَدْخُلُ فِي مَوْضُوعِ الْحَدِيثِ النَّبَوِيِّ، لَا يَفْتُرُونَ عَنْ ذَلِكَ آنَاءَ اللَّيْلِ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ، وَقَدِ اسْتَمَرَّ الْحَالُ بِهِمْ عَلَى ذَلِكَ يَوْمِيًّا مُدَّةً مِنَ الزَّمَانِ.
وَإِذَا ارْتَحَلَ عَنِ الْمَدِينَةِ فِي غَزْوٍ أَوْ حَجٍّ كَانُوا مَعَهُ، وَكَذَلِكَ غَيْرُهُمْ مِنَ الصَّحَابَةِ، حَتَّى لَمْ تَخْفَ عَنْهُمْ خَافِيَةٌ مِنْ أَمْرِهِ، وَلَمْ يَغِبْ عَنْهُمْ مَعْنًى مِنْ مَعَانِي رِسَالَتِهِ.
وَلَمَّا فَتَحَ اللهُ مَكَّةَ كَانَ مَعَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ عَشْرَةُ آلَافٍ، وَلَمَّا سَارَ إِلَى (تَبُوكٍ) كَانَ فِي مُعْسَكَرِهِ ثَلَاثُونَ أَلْفًا، وَلَمَّا حَجَّ حَجَّةَ الْوَدَاعِ حَجَّ مَعَهُ فِي تِلْكَ السَّنَةِ مِائَةُ أَلْفِ مُسْلِمٍ يَنْطَبِقُ عَلَيْهِمْ عُنْوَانُ الصَّحَابَةِ، وَمَا مِنْهُمْ إِلَّا مَنْ يَحْرِصُ عَلَى الْوُقُوفِ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مِنْ هَدْيِ نَبِيِّهِ ﷺ فِي أَيِّ أَمْرٍ مِنْ أُمُورِهِ، ثُمَّ يَتَحَدَّثُ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ، بَلْ هُوَ الَّذِي أَمَرَهُمْ أَنْ يُبَلِّغُوا عَنْهُ مَا يَسْمَعُونَ مِنْهُ، وَمَا يَرَوْنَ مِنْ تَصَرُّفَاتِهِ.
فَمَا ظَنُّكُمْ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ؟!!
هَلْ يَخْفَى عَنِ التَّارِيخِ وَجْهٌ مِنْ وُجُوهِ حَيَاتِهِ، أَوْ نَاحِيَةٌ مِنْ نَوَاحِيهَا؟!!
هَذَا مِنْ جِهَةِ أَصْحَابِهِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ-.
وَأَمَّا أَعْدَاؤُهُ؛ فَإِنَّهُمْ أَفْرَغُوا جُهْدَهُمْ، وَاسْتَنْفَذُوا سَعْيَهُمْ؛ لِيَقِفُوا عَلَى دَخِيلَةٍ مِنْ دَخَائِلِهِ، وَلِيُؤَاخِذُوهُ بِحَقِيقَةٍ يَعْلَمُونَهَا عَنْهُ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَنْ يَجِدَ لَهُ نَاحِيَةَ ضَعْفٍ، وَلَا مَا يُنَدَّدَ بِهِ.
وَأَقْصَى مَا اسْتَطَاعَ أَعْدَاؤُهُ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ أَنْ يَقُولُوهُ عَنْهُ: أَنَّهُ سَلَّ سَيْفَهُ لِلْقِتَالِ، وَأَنَّهُ كَانَ كَثِيرَ الْأَزْوَاجِ!
وَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ حَيَاتَهُ الطَّاهِرَةَ هِيَ حَيَاةُ الْعِصْمَةِ مِنْ كُلِّ نَقْصٍ، وَالْبَرَاءَةِ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ، فَأَيْنَ هَذَا مِنْ حَيَاةٍ لَا نَعْلَمُ عَنْهَا شَيْئًا، وَمَا تَزَالُ نَوَاحِيهَا وَجَوْهَرُهَا سِرًّا فِي ضَمِيرِ الزَّمَنِ.. سِرًّا مَخْتُومًا فِي كَهْفِ الْغَيْبِ؟!
وَالرَّسُولُ ﷺ لَمْ يَقْضِ حَيَاتَهُ كُلَّهَا بَيْنَ أَحِبَّائِهِ وَأَصْحَابِهِ، بَلْ قَضَى أَرْبَعِينَ سَنَةً مِنْ عُمُرِهِ فِي مَكَّةَ قَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ، فَكَانَ بَيْنَ أَهْلِهَا مِنْ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ، وَكَانَ يَتَعَاطَى فِيهِمُ التِّجَارَةَ، وَيُعَامِلُهُمْ فِي أُمُورِ الْحَيَاةِ لَيْلَ نَهَارَ، وَهِيَ الْحَيَاةُ الْيَوْمِيَّةُ، وَمَا تَنْطَوِي عَلَيْهِ مِنْ أَخْذٍ وَعَطَاءٍ، وَمِنْ شَأْنِهَا أَنْ تَكْشِفَ عَنْ أَخْلَاقِ الْمَرْءِ، فَيَتَبَيَّنَ لِلنَّاسِ فَسَادُهَا وَصَلَاحُهَا، وَهِيَ عِيشَةٌ طَوِيلٌ طَرِيقُهَا، كَثِيرَةٌ مُنْعَطَفَاتُهَا، وَعْرَةٌ مَسَالِكُهَا، تَعْتَرِضُهَا وَهْدَاتٌ مِمَّا قَدْ يَصْدُرُ عَنِ الْمَرْءِ؛ مِنْ خِيَانَةٍ، وَإِخْفَارِ عَهْدٍ، وَأَكْلِ مَالٍ بِالْبَاطِلِ، وَعَقَبَاتٍ مِنَ الْخَدِيعَةِ وَالْخِيَانَةِ، وَتَطْفِيفِ الْكَيْلِ، وَبَخْسِ الْحُقُوقِ، وَإِخْلَافِ الْوَعْدِ.
وَالرَّسُولُ ﷺ اجْتَازَ هَذِهِ السُّبُلَ الشَّائِكَةَ الْوَعْرَةَ، وَخَلُصَ مِنْهَا سَالِمًا نَقِيًّا، كَانَ أَطْهَرَ مِنْ مَاءِ الْمُزْنِ، لَمْ يُصِبْهُ شَيْءٌ مِمَّا يُصِيبُ عَامَّةَ النَّاسِ، حَتَّى لَقَدْ دَعَوْهُ بِـ(الْأَمِينِ) ﷺ.
وَقُرَيْشٌ بَعْدَ بِعْثَتِهِ وَتَصْرِيحِهِ بِالنُّبُوَّةِ كَانُوا يُودِعُونَ عِنْدَهُ وَدَائِعَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ؛ لِعَظِيمِ ثِقَتِهِمْ بِهِ، وَهُوَ ﷺ لَمَّا هَاجَرَ مِنْ مَكَّةَ خَلَّفَ عَلَيْهَا عَلِيًّا؛ لِيَرُدَّ مَا كَانَ لَدَيْهِ مِنَ الْوَدَائِعِ إِلَى أَهْلِهَا.
فَقُرَيْشٌ خَالَفُوهُ أَشَدَّ الْخِلَافِ فِي دَعْوَتِهِ، وَلَمْ يَتْرُكُوا سَبِيلًا إِلَى ذَلِكَ إِلَّا سَلَكُوهُ؛ فَقَاطَعُوهُ، وَعَانَدُوهُ، وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ، وَأَلْقَوْا عَلَيْهِ سَلَى جَزُورٍ وَهُوَ يُصَلِّي، وَرَمَوْهُ بِالْحِجَارَةِ، وَأَرَادُوا قَتْلَهُ، وَكَادُوا لَهُ كَيْدَهُمْ، وَسَمَّوْهُ سَاحِرًا، وَدَعَوْهُ شَاعِرًا، وَفَنَّدُوا آرَاءَهُ، وَسَخَّفُوا حِلْمَهُ، لَكِنَّهُمْ لَمْ يَجْرُؤْ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَلَى أَنْ يَقُولَ فِي أَخْلَاقِهِ شَيْئًا، وَلَا أَنْ يَرْمِيَهُ بِالْخِيَانَةِ، أَوْ يَنْسُبَ إِلَيْهِ الْكَذِبَ فِي الْقَوْلِ، أَوْ إِخْلَافَ الْوَعْدِ، أَوْ إِخْفَارَ الذِّمَّةِ، أَوْ نَقْضَ الْعَهْدِ ﷺ)).
فَمَعَ عَدَاوَتِهِمْ كَانُوا يَقُولُونَ عَنْهُ: إِنَّهُ هُوَ الصَّادِقُ الْأَمِينُ ﷺ، وَالْفَضْلُ مَا شَهِدَتْ بِهِ الْأَعْدَاءُ!
((جُمْلَةٌ مِنْ خَصَائِصِ النَّبِيِّ ﷺ))
((لَقَدْ رَفَعَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا- ذِكْرَ نَبِيِّهِ ﷺ فِي الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ:
* فَمِنْ ذَلِكَ: أَنْ دَعَا بِبِعْثَتِهِ ﷺ إِبْرَاهِيمُ الْخَلِيلُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [البقرة: 129].
* وَبَشَّرَ بِهِ ﷺ عِيسَى -عَلَيْهِ السَّلَامُ-: {وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ ۖ فَلَمَّا جَاءَهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ} [الصف: 6].
* وَالثَّنَاءُ عَلَيْهِ ﷺ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ۚ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ ۙ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الأعراف: 157].
* وَكَذَلِكَ مَا وَرَدَ مِنْ رَفْعِ ذِكْرِهِ الْمُطْلَقِ ﷺ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ: {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} [الشرح: 4].
* وَتَقْدِيمُ ذِكْرِهِ ﷺ عَلَى بَقِيَّةِ الْأَنْبِيَاءِ مَعَ أَنَّهُ آخِرُهُمْ بِعْثَةً: {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَىٰ نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ ۚ وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَىٰ وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ ۚ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا} [النساء: 163].
* وَكَذَلِكَ أَقْسَمَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا- بِحَيَاتِهِ ﷺ -عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ عِنْدَ الْمُفَسِّرِينَ-، فَقَالَ تَعَالَى: {لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ} [الحجر: 72].
* وَكَذَلِكَ نَعْتُهُ ﷺ بِاسْمَيْنِ مِنْ أَسْمَاءِ اللهِ -تَعَالَى- الْحُسْنَى: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} [التوبة: 128].
* وَامْتِنَانُ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا- عَلَى الْأُمَّةِ بِبِعْثَتِهِ ﷺ: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ} [آل عمران: 164].
* وَذِكْرُ مِنَّتِهِ -عَزَّ وَجَلَّ- بِفَضْلِهِ الْوَاسِعِ السَّابِغِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ: {إِلَّا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ ۚ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا} [الإسراء: 87].
{وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ ۖ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ ۚ وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ ۚ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا} [النساء: 113].
* وَذِكْرُ مِنَّتِهِ ﷺ عَلَى أُمَّتِهِ: {رَّسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۚ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۖ قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا} [الطلاق: 11].
* وَإِثْبَاتُ سَلَامَتِهِ ﷺ مِمَّا رَمَاهُ بِهِ الْمُشْرِكُونَ مِنَ الْجُنُونِ: {مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ} [القلم: 2].
- وَمِنَ الشِّعْرِ: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ ۚ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ} [يس: 69].
- وَمِنَ الْكَهَانَةِ: {وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ ۚ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ} [الحاقة: 42].
- وَمِنَ السِّحْرِ: {كَذَٰلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ} [الذاريات: 52].
* وَوَعْدُهُ ﷺ بِالْأَجْرِ الدَّائِمِ الْمَوْصُولِ: {وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ} [القلم: 3].
* وَتَوَالِي الْمِنَحِ عَلَيْهِ ﷺ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَالَّتِي مِنْهَا:
- مَغْفِرَةُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ ﷺ: {لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا} [الفتح: 2].
- وَالْفَتْحُ الْمُبِينُ: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا} [الفتح: 1].
- وَإِظْهَارُ دِينِهِ ﷺ عَلَى كُلِّ الْأَدْيَانِ: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [الصف: 9].
- وَالْمَقَامُ الْمَحْمُودُ: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا} [الإسراء: 79].
- وَإِعْطَاؤُهُ ﷺ الْكَوْثَرَ: {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ} [الكوثر: 1].
- وَإِرْضَاؤُهُ ﷺ بِتَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ: {قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا ۚ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البقرة: 144].
- وَضَمَانُ تَرْضِيَتِهِ ﷺ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ: {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ} [الضحى: 5].
* وَتَعْظِيمُ الْبَلَدِ الْحَرَامِ بِإِقَامَتِهِ فِيهِ ﷺ: {لَا أُقْسِمُ بِهَٰذَا الْبَلَدِ (1) وَأَنتَ حِلٌّ بِهَٰذَا الْبَلَدِ} [البلد: 1-2].
* وَالثَّنَاءُ عَلَيْهِ ﷺ وَعَلَى كُلِّ مَا جَاءَ بِهِ وَدَعَا إِلَيْهِ:
- الثَّنَاءُ عَلَى شَخْصِهِ الْكَرِيمِ ﷺ: {فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۖ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ} [النمل: 79].
- وَالثَّنَاءُ عَلَى دَعْوَتِهِ ﷺ: {وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [المؤمنون: 73].
- وَالثَّنَاءُ عَلَى هَدْيِهِ ﷺ: {لِّكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ ۖ فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ ۚ وَادْعُ إِلَىٰ رَبِّكَ ۖ إِنَّكَ لَعَلَىٰ هُدًى مُّسْتَقِيمٍ} [الحج: 67].
* وَتَعَدُّدُ وَسَائِلِ نَصْرِ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا- لَهُ ﷺ:
- النَّصْرُ بِالرُّعْبِ: {سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا ۖ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ ۚ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ} [آل عمران: 151].
- وَالنَّصْرُ بِالْمَلَائِكَةِ الْأَطْهَارِ الْبَرَرَةِ: {بَلَىٰ ۚ إِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَٰذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ} [آل عمران: 125].
- وَإِنْزَالُ السَّكِينَةِ عَلَى قَلْبِهِ ﷺ: {ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ} [التوبة: 26].
- وَالنَّصْرُ بِتَقْلِيلِ الْعَدُوِّ فِي عَيْنَيْهِ ﷺ: {إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا ۖ وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَّفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ ۗ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [الأنفال: 43].
* وَمِنْ سِمَاتِ تَعْظِيمِ أَمْرِ صَلَاتِهِ وَاسْتِغْفَارِهِ ﷺ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَبَيَانُ أَنَّ الزُّهْدَ فِيهَا مِنْ سِمَاتِ الْمُنَافِقِينَ:
- فَصَلَاتُهُ ﷺ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ طُمَأْنِينَةٌ لِلْقُلُوبِ: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [التوبة: ١٠٣].
- وَالْحَثُّ عَلَى الْإِنْفَاقِ طَمَعًا فِي صَلَاتِهِ ﷺ عَلَيْهِمْ: {وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِندَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ ۚ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْ ۚ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [التوبة: ٩٩].
- وَاسْتِغْفَارُهُ ﷺ لِلْمُؤْمِنِينَ سَبَبٌ لِتَكْفِيرِ الذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا} [النساء: ٦٤].
- وَذَمُّ الْمُنَافِقِينَ لِأَنَّهُمْ زَهِدُوا فِي صَلَاتِهِ ﷺ: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ} [المنافقون: ٥].
* وَكِفَايَةُ اللهِ -تَعَالَى- لَهُ ﷺ مِنْ كُلِّ الْوُجُوهِ:
- كِفَايَتُهُ ﷺ شَرْعًا: {لَّٰكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ ۖ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ ۖ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا} [النساء: 166].
- وَكِفَايَتُهُ ﷺ قَدَرًا: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ۚ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} [المائدة: ٦٧].
- وَكِفَايَتُهُ ﷺ الْعَامَّةُ الشَّامِلَةُ: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ۖ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ ۚ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} [الزمر: ٣٦].
{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الأنفال: ٦٤].
* وَإِثْبَاتُ عِصْمَتِهِ ﷺ:
- عِصْمَتُهُ ﷺ فِي أَمْرِهِ كُلِّهِ -عَادَاتِهِ وَعِبَادَاتِهِ-: {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: ٢١].
- وَعِصْمَتُهُ ﷺ فِي التَّبْلِيغِ عَنْ رَبِّهِ: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (44) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ} [الحاقة: ٤٤-٤٦].
- وَعِصْمَتُهُ ﷺ عَنِ الْمَيْلِ لِلْبَاطِلِ -وَلَوْ كَانَ يَسِيرًا-: {وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا} [الإسراء: ٧٤].
* وَضَمَانُ نَصْرِهِ ﷺ -وَلَوْ تَخَلَّى عَنْهُ النَّاسُ جَمِيعًا-: {إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۖ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ ۗ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [التوبة: ٤٠].
* وَبِعْثَتُهُ ﷺ -عَامَّةً وَخَاصَّةً-؛ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ:
- رَحْمَةً عَامَّةً: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: ١٠٧].
- وَرَحْمَةً خَاصَّةً: {وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ ۚ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ ۚ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [التوبة: ٦١].
* وَتَغْلِيظُ الْعَذَابِ لِمَنْ آذَاهُ أَوْ حَادَّهُ أَوِ اسْتَهْزَأَ بِهِ ﷺ:
- لِمَنِ اسْتَهْزَأَ بِهِ ﷺ: {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ۚ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ۚ إِن نَّعْفُ عَن طَائِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ} [التوبة: ٦٥- ٦٦].
- وَلِمَنْ آذَاهُ ﷺ: {إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا} [الأحزاب: ٥٧].
- وَلِمَنْ حَادَّهُ ﷺ: {إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ وَقَدْ أَنزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ۚ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ} [المجادلة: ٥].
* وَصَلَاةُ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا- وَمَلَائِكَتِهِ -عَلَيْهِمُ السَّلَامُ- عَلَيْهِ وَأَمْرُ الْمُؤْمِنِينَ بِذَلِكَ: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56].
* وَتَأْدِيبُ أَصْحَابِهِ فِي التَّعَامُلِ مَعَهُ ﷺ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ:
- عَدَمُ رَفْعِ الصَّوْتِ فِي حَضْرَتِهِ ﷺ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ} [الحجرات: ٢].
- وَعَدَمُ تَسْوِيَةِ دُعَائِهِ ﷺ بِدُعَاءِ غَيْرِهِ: {لَّا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا ۚ قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذًا ۚ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: ٦٣].
- وَعَدَمُ التَّقْدِيمِ بَيْنَ يَدَيْهِ ﷺ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الحجرات: ١].
- وَوُجُوبُ إِجَابَةِ دُعَائِهِ ﷺ عَلَى الْفَوْرِ -وَلَوْ فِي الصَّلَاةِ-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} [الأنفال: ٢٤].
* وَتَعْظِيمُ نِسَائِهِ ﷺ وَأَهْلِ بَيْتِهِ:
- تَحْرِيمُ الزَّوَاجِ مِنْ نِسَائِهِ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَىٰ طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَٰكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ ۚ إِنَّ ذَٰلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ ۖ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ ۚ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ ۚ ذَٰلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ ۚ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَدًا ۚ إِنَّ ذَٰلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمًا} [الأحزاب: ٥٣].
- وَكَذَلِكَ لِنِسَائِهِ ﷺ مَا لِلْأُمَّهَاتِ مِنَ التَّوْقِيرِ وَالْإِجْلَالِ وَالِاحْتِرَامِ: {النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ ۖ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ ۗ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَن تَفْعَلُوا إِلَىٰ أَوْلِيَائِكُم مَّعْرُوفًا ۚ كَانَ ذَٰلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا} [الأحزاب: ٦].
- وَتَطْهِيرُ أَهْلِ بَيْتِهِ ﷺ مِنْ كُلِّ سُوءٍ وَدَنَسٍ: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} [الأحزاب: ٣٣].
- وَنِسَاءُ الْأُمَّةِ دُونَ مَنْزِلَةِ نِسَائِهِ ﷺ: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ ۚ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا} [الأحزاب: ٣٢].
- وَتَرْبِيَتُهُنَّ عَلَى أَحْسَنِ الْأَخْلَاقِ وَالْأَفْعَالِ وَالْأَقْوَالِ: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ ۖ وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [الأحزاب: ٣٣].
* وَوِلَايَةُ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا- وَأَهْلِ السَّمَاءِ وَصَالِحِ أَهْلِ الْأَرْضِ لَهُ ﷺ: {إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ۖ وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ۖ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَٰلِكَ ظَهِيرٌ} [التحريم: ٤].
* وَتَكْلِيفُهُ ﷺ بِمَا لَا يُطِيقُهُ غَيْرُهُ: {فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ ۚ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ ۖ عَسَى اللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنكِيلًا} [النساء: ٨٤].
* وَرُؤْيَةُ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا- الْخَاصَّةُ لَهُ ﷺ: {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (217) الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (218) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ} [الشعراء: ٢١٧-٢١٩].
* وَتَثْبِيتُ قَلْبِهِ ﷺ:
- تَثْبِيتُ الْقَلْبِ بِإِنْزَالِ الْقُرْآنِ مُنَجَّمًا مُفَرَّقًا، بِخِلَافِ بَقِيَّةِ الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً ۚ كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ ۖ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا} [الفرقان: ٣٢].
- وَتَثْبِيتُ الْقَلْبِ بِذِكْرِ قَصَصِ الْأَنْبِيَاءِ وَسُنَنِ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا- فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ: {وَكُلًّا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ۚ وَجَاءَكَ فِي هَٰذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ} [هود: ١٢٠])).
فَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَى الْمَثَلِ الْكَامِلِ نَبِيِّهِ وَرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ.
((عَلَامَةُ مَحَبَّةِ اللهِ اتِّبَاعُ النَّبِيِّ ﷺ ))
وَمَا أَحْوَجَنَا إِلَى التَّأَسِّي بِنَبِيِّنَا ﷺ وَلِلِاقْتِدَاءِ بِهِ فِي جَمِيعِ شُؤُونِ حَيَاتِهِ؛ فَقَدْ كَانَ ﷺ أَرْحَمَ الْخَلْقِ وَأَكْرَمَهُمْ، وَأَصْدَقَهُمْ وَأَعْدَلَهُمْ وَأَشْجَعَهُمْ.
وَذَلِكَ التَّأَسِّي وَالِاقْتِدَاءُ مِنْ دَلَائِلِ مَحَبَّتِهِ ﷺ، حَيْثُ يَقُولُ تَعَالَى: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [آل عمران: 31].
((قُلْ -أَيُّهَا الرَّسُولُ- إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ حَقًّا فَاتَّبِعُونِي، وَآمِنُوا بِي ظَاهِرًا وَبَاطِنًا؛ يُحْبِبْكُمُ اللهُ، وَيَمْحُو ذُنُوبَكُمْ؛ فَإِنَّهُ غَفُورٌ لِذُنُوبِ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ رَحِيمٌ بِهِمْ.
وَهَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ حَاكِمَةٌ عَلَى كُلِّ مَنِ ادَّعَى مَحَبَّةَ اللهِ -تَعَالَى- وَلَيْسَ مُتَّبِعًا لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ حَقَّ الِاتِّبَاعِ، مُطِيعًا لَهُ فِي أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ، فَإِنَّهُ كَاذِبٌ فِي دَعْوَاهُ حَتَّى يُتَابِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ حَقَّ الِاتِّبَاعِ)).
هَذِهِ الْآيَةُ هِيَ الْمِيزَانُ الَّذِي يُعْرَفُ بِهِ مَنْ أَحَبَّ اللهَ حَقِيقَةً وَمَنِ ادَّعَى ذَلِكَ دَعْوَى مُجَرَّدَةً، فَعَلَامَةُ مَحَبَّةِ اللهِ اتِّبَاعُ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ ﷺ الَّذِي جَعَلَ مُتَابَعَتَهُ وَجَمِيعَ مَا يَدْعُو إِلَيْهِ طَرِيقًا إِلَى مَحَبَّتِهِ وَرِضْوَانِهِ، فَلَا تُنَالُ مُحَبَّةُ اللهِ وَرِضْوَانُهُ وَثَوَابُهُ إِلَّا بِتَصْدِيقِ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَامْتِثَالِ أَمْرِهِمَا، وَاجْتِنَابِ نَهْيِهِمَا، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ أَحَبَّهُ اللهُ، وَجَزَاهُ جَزَاءَ الْمُحِبِّينَ، وَغَفَرَ لَهُ ذُنُوبَهُ، وَسَتَرَ عَلَيْهِ عُيُوبَهُ.
فَكَأَنَّهُ قِيلَ: وَمَعَ ذَلِكَ فَمَا حَقِيقَةُ اتِّبَاعِ الرَّسُولِ وَصِفَتُهَا؟
فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ: {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ} [آل عمران: 32]: بِامْتِثَالِ الْأَمْرِ، وَاجْتِنَابِ النَّهْيِ، وَتَصْدِيقِ الْخَبَرِ، {فَإِنْ تَوَلَّوْا} [آل عمران: 32]: عَنْ ذَلِكَ فَهَذَا هُوَ الْكُفْرُ، وَاللهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ.
وَمِنْ عَلَامَاتِ مَحَبَّةِ النَّبِيِّ ﷺ: مُوَافَقَتُهُ فِي حُبِّ مَا يُحِبُّهُ، وَبُغْضِ مَا يُبْغِضُهُ.
الْحُبُّ الصَّادِقُ لِلنَّبِيِّ ﷺ لَهُ دَلَائِلُ عِدَّةٌ، أَهَمُّهَا وَأَوَّلُهَا: مُوَافَقَةُ الرَّسُولِ ﷺ فِي حُبِّ مَا يُحِبُّهُ، وَكُرْهِ مَا يَكْرَهُهُ.
قَالَ ابْنُ رَجَبٍ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((فَمَنْ أَحَبَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مَحَبَّةً صَادِقَةً مِنْ قَلْبِهِ أَوْجَبَ لَهُ ذَلِكَ أَنْ يُحِبَّ بِقَلْبِهِ مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَيَكْرَهَ مَا يَكْرَهُهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَيَرْضَى بِمَا يُرْضِي اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيَسْخَطَ مَا يَسْخَطُهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنْ يَعْمَلَ بِجَوَارِحِهِ بِمُقْتَضَى هَذَا الْحَبِّ وَالْبُغْضِ، فَإِنْ عَمِلَ بِجَوَارِحِهِ شَيْئًا يُخَالِفُ ذَلِكَ بِأَنِ ارْتَكَبَ بَعْضَ مَا يَكْرَهُهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، أَوْ تَرَكَ بَعْضَ مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مَعَ وُجُوبِهِ وَالْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، دَلَّ ذَلِكَ عَلَى نَقْصِ مَحَبَّتِهِ الْوَاجِبَةِ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَتُوبَ مِنْ ذَلِكَ، وَيَرْجِعَ إِلَى تَكْمِيلِ الْمَحَبَّةِ الْوَاجِبَةِ، وَكُلُّ مَنِ ادَّعَى مَحَبَّةَ اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ- وَلَمْ يُوَافِقِ اللَّهَ فِي أَمْرِهِ فَدَعْوَاهُ بَاطِلَةٌ، وَكُلُّ مُحِبٍّ لَيْسَ يَخَافُ اللَّهَ فَهُوَ مَغْرُورٌ.
وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مُعَاذٍ: ((لَيْسَ بِصَادِقٍ مَنِ ادَّعَى مَحَبَّةَ اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ- وَلَمْ يَحْفَظْ حُدُودَهُ)).
وَلِبَعْضِ الْمُتَقَدِّمِينَ:
تَعْصِي الْإِلَهَ وَأَنْتَ تَزْعُمُ حُبَّهُ=هَذَا لَعَمْرِي فِي الْقِيَاسِ شَنِيعُ
لَوْ كَانَ حَبُّكَ صَادِقًا لَأَطَعْتَهُ=إِنَّ الْمُحِبَّ لِمَنْ يُحِبُّ مُطِيعُ)).
وَالذُّنُوبُ تُنْقِصُ مِنْ مَحَبَّةِ اللَّهِ -تَعَالَى- وَمَحَبَّةِ رَسُولِهِ ﷺ بِقَدْرِهَا، فَكُلَّمَا كَثُرَتِ الذُّنُوبُ وَعَظُمَتْ دَلَّ هَذَا عَلَى نَقْصٍ فِي مَحَبَّةِ النَّبِيِّ ﷺ، وَلَكِنَّهَا لَا تُزِيلُ الْمَحَبَّةَ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ زَوَالًا كُلِّيًّا إِلَّا إِذَا كَانَتْ عَنْ كُفْرٍ وَنِفَاقٍ أَكْبَرَ، كَمَا فِي ((صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ)) عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- فِي حَدِيثِ حِمَارٍ الَّذِي كَانَ يَشْرَبُ الْخَمْرَ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُقِيمُ عَلَيْهِ الْحَدَّ، فَأُتِيَ بِهِ يَوْمًا فَأَمَرَ بِهِ فَجُلِدَ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: ((اللَّهُمَّ الْعَنْهُ! مَا أَكْثَرَ مَا يُؤْتَى بِهِ!)).
فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((لَا تَلْعَنْهُ! فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ أَنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ)). أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ.
أَيِ: الَّذِي عَلِمْتُ أَنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ؛ لِأَنَّ ((مَا)) هَاهُنَا مَوْصُولَةٌ بِمَعْنَى: الَّذِي.
فَهَذَا الْحَدِيثُ يُفِيدُ أَنَّ الْمَعْصِيَةَ لَا تُزِيلُ الْمَحَبَّةَ زَوَالًا كُلِّيًّا إِلَّا إِذَا بَلَغَتْ دَرَجَةَ الْكُفْرِ.
وَفِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّا مَنْهِيُّونَ عَنْ لَعْنَةِ أَحَدٍ بِعَيْنِهِ وَإِنْ كَانَ مُذْنِبًا إِذَا كَانَ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ.
وَجَمِيعُ الْمَعَاصِي تَنْشَأُ مِنْ تَقْدِيمِ هَوَى النُّفُوسِ عَلَى مَحَبَّةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَقَدْ وَصَفَ اللَّهُ الْمُشْرِكِينَ بِاتِّبَاعِ الْهَوَى فِي مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِهِ، فَقَالَ تَعَالَى: {فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ ۚ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ} [القصص: 50].
وَكَذَلِكَ الْبِدَعُ إِنَّمَا تَنْشَأُ مِنْ تَقْدِيمِ الْهَوَى عَلَى الشَّرْعِ؛ وَلِهَذَا يُسَمَّى أَهْلُ الْبِدَعِ أَهْلَ الْأَهْوَاءِ، وَكَذَلِكَ الْمَعَاصِي إِنَّمَا تَقَعُ مِنْ تَقْدِيمِ الْهَوَى عَلَى مَحَبَّةِ اللَّهِ وَمَحَبَّةِ مَا يُحِبُّهُ.
وَمِنْ عَلَامَاتِ مَحَبَّةِ النَّبِيِّ ﷺ: حُبُّ مَنْ أَحَبَّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ﷺ.
قَالَ ابْنُ رَجَبٍ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((وَكَذَلِكَ حَبُّ الْأَشْخَاصِ الْوَاجِبُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ تَبَعًا لِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ، فَيَجِبُ عَلَى الْمُؤْمِنِ مَحَبَّةُ اللَّهِ، وَمَحَبَّةُ مَنْ يُحِبُّهُ اللَّهُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَالرُّسُلِ وَالْأَنْبِيَاءِ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ عُمُومًا؛ وَلِهَذَا كَانَ مِنْ عَلَامَاتِ وُجُودِ حَلَاوَةِ الْإِيمَانِ أَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَيُحَرِّمَ مُوَالَاةَ أَعْدَاءِ اللَّهِ وَمَنْ يَكْرَهُهُ اللَّهُ عُمُومًا، وَبِهَذَا يَكُونُ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ، وَمَنْ أَحَبَّ لِلَّهِ، وَأَبْغَضَ لِلَّهِ، وَأَعْطَى لِلَّهِ، وَمَنَعَ لِلَّهِ؛ فَقَدِ اسْتَكْمَلَ الْإِيمَانَ، وَمَنْ كَانَ حَبُّهُ وَبُغْضُهُ وَعَطَاؤُهُ وَمَنْعُهُ لِهَوَى نَفْسِهِ كَانَ ذَلِكَ نَقْصًا فِي إِيمَانِهِ الْوَاجِبِ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ التَّوْبَةُ مِنْ ذَلِكَ، وَالرُّجُوعُ إِلَى اتِّبَاعِ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ مِنْ تَقْدِيمِ مَحَبَّةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَا فِيهِ رِضَا اللَّهِ وَرَسُولِهِ، عَلَى هَوَى النَّفْسِ وَمُرَادَاتِهَا كُلِّهَا)).
((نَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ ﷺ الْأُسْوَةُ الْكَامِلَةُ))
((وَقَدْ قَالَ رَبُّنَا -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ- فِي كِتَابِهِ الْعَظِيمِ: {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21].
جَعَلَ اللهُ -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ- الرَّسُولَ ﷺ أُسْوَةً حَسَنَةً لَنَا، نَقْتَدِي بِهِ فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَلِذَلِكَ فَلَا بُدَّ مِنَ الْقَطْعِ بِأَنَّ الرَّسُولَ ﷺ مَعْصُومٌ، وَأَنَّ كُلَّ مَا فَعَلَهُ مُوَافِقٌ لِلصَّوَابِ وَالْحِكْمَةِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، يَرْضَى عَنْهُ رَبُّنَا -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، وَيُكَافِئُ عَلَيْهِ خَيْرًا.
فَعَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَنْتَبِهَ لِهَذِهِ الْأُمُورِ عِنْدَ الْحَدِيثِ عَنْ سُنَّةِ خَيْرِ الْأَنَامِ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَأَزْكَى السَّلَامِ-.
وَيُخْشَى عَلَى مَنْ يَتَعَرَّضُ لِسُنَّةِ النَّبِيِّ ﷺ بِأَدْنَى أَدْنَى لَمْزٍ أَوْ غَمْزٍ، أَوْ لَمْ يَرْضَ بِسُنَّةِ الرَّسُولِ ﷺ مَنْهَجَ حَيَاةٍ، أَوْ يَحْكُمُ عَلَيْهَا بِعَدَمِ مُلَاءَمَتِهَا لِظُرُوفِ الْعَصْرِ، أَوْ أَنَّهَا قَاصِرَةٌ عَنْ فَهْمِ الْوَاقِعِ.. يُخْشَى عَلَيْهِ سُوءُ الْخَاتِمَةِ.
وَمِنَ الْفَوَائِدِ فِي الْآيَةِ الْعَظِيمَةِ: أَنَّ كُلَّ مَنِ اتَّبَعَ الرَّسُولَ ﷺ فِي عَادَاتِهِ، وَاسْتَحْضَرَ نِيَّةَ الِاقْتِدَاءِ، أَنَّهُ يُثَابُ عَلَى عَمَلِهِ هَذَا، حَتَّى وَلَوْ كَانَ الْعَمَلُ الَّذِي يَقْتَدِي فِيهِ بِالرَّسُولِ مِنَ الْعَادَاتِ لَا مِنَ الْعِبَادَاتِ؛ فَإِنَّ الْعَادَاتِ بِالنِّيَّةِ الْحَسَنَةِ تَصِيرُ عِبَادَاتٍ، وَيَتَحَصَّلُ الْآتِي بِهَا عَلَى ثَوَابِ ذَلِكَ الِاتِّبَاعِ لِلرَّسُولِ ﷺ طَالَمَا اسْتَحْضَرَ نِيَّةَ الِاقْتِدَاءِ، وَيُثَابُ عَلَى عَمَلِهِ هَذَا، حَيْثُ إِنَّ الْآيَةَ حَثَّتْ عَلَى مُطْلَقِ الِاتِّبَاعِ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تُقَيِّدِ الْأُسْوَةَ فِي الْعِبَادَاتِ دُونَ الْعَادَاتِ.
وَكُلُّ مَا حَثَّ اللهُ عِبَادَهُ عَلَى فِعْلِهِ فَلَهُمْ فِيهِ الْأَجْرُ وَالْمَثُوبَةُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ بِإِطْلَاقٍ، وَلَمْ يُحَدِّدْ لَنَا رَبُّنَا -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- مَجَالًا مِنَ الْمَجَالَاتِ الَّتِي يُتَأَسَّى فِيهِ بِالرَّسُولِ ﷺ ثُمَّ يَقْصُرُ الْأُسْوَةَ عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا جَعَلَهَا أُسْوَةً حَسَنَةً مُطْلَقَةً، وَعَلَيْهِ فَفِي مَجَالِ الِاتِّبَاعِ لِلنَّبِيِّ ﷺ مُتَّسَعٌ لِمَنْ أَرَادَ اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا.
وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذَا الْفَهْمِ أَنَّ الصَّحَابَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- اقْتَفَوْا أَثَرَ النَّبِيِّ ﷺ فِي كُلِّ شَيْءٍ، دُونَ تَفْرِيقٍ بَيْنَ عَادَةٍ وَعِبَادَةٍ.
وَلَمْ يَتَمَحَّكُوا كَمَا تَمَحَّكَ الْمُتَأَخِّرُونَ وَفَصَلُوا بَيْنَ مَا كَانَ مِنْ عَادَاتِهِ وَمَا كَانَ مِنْ عِبَادَاتِهِ، وَإِنَّمَا تَأَسَّوْا بِالرَّسُولِ ﷺ فِي كُلِّ شَيْءٍ.
أَلَمْ تَرَ إِلَى أَنَسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- كَيْفَ أَحَبَّ الطَّعَامَ الَّذِي يُحِبُّهُ النَّبِيُّ ﷺ، وَكَانَ أَنَسٌ قَبْلَ ذَلِكَ يُبْغِضُ ذَلِكَ الطَّعَامَ وَيَكْرَهُهُ -أَيْ: يُبْغِضُ ذَلِكَ الدُّبَّاءَ وَيَكْرَهُهُ كُرْهًا طَبْعِيًّا-، فَلَمَّا رَأَى النَّبِيَّ ﷺ يُحِبُّهُ وَيَتَتَبَّعُهُ فِي جَوَانِبِ الصَّحْفَةِ، قَالَ: ((فَلَمْ أَزَلْ أُحِبُّ الدُّبَّاءَ مِنْ يَوْمِئِذٍ)).
فَللهِ دَرُّهُ مِنْ إِمَامٍ يُقْتَدَى بِهِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ!
وَمِنَ الْفَوَائِدِ فِي الْآيَةِ الْعَظِيمَةِ: أَنَّهُ يَقْوَى الِاتِّبَاعُ وَيَضْعُفُ بِقُوَّةِ وَضَعْفِ الْإِيمَانِ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَبِكَثْرَةِ ذِكْرِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- وَقِلَّتِهِ، وَلِأَنَّ النَّاسَ مُخْتَلِفُونَ فِي الْيَقِينِ فَهُمْ مُتَفَاوِتُونَ فِي الِاتِّبَاعِ، وَيَجِبُ أَنْ يَعْلَمَ الْمُسْلِمُ أَنَّهُ بِالِاتِّبَاعِ سَيَزِيدُ الْيَقِينُ عِنْدَهُ، فَالْعَلَاقَةُ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ مُتَلَازِمَةٌ.
{لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21])).
((النَّبِيُّ ﷺ الْقُدْوَةُ مَعَ أَصْحَابِهِ))
وَعَلَى الرَّغْمِ مِنَ انْشِغَالِ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِالْجِهَادِ وَمُجَالَدَةِ الشِّرْكِ وَأَهْلِهِ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ دَائِمًا مَعَ أَصْحَابِهِ مُخَالِطًا وَمُعَايِشًا وَمُرَبِّيًا وَمُوَجِّهًا وَمُعَلِّمًا لَهُمْ عَلَى اخْتِلَافِ أَحْوَالِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ، وَلَا يَتْرُكُ مَوْطِنًا مِنْ مَوَاطِنِ الزَّلَلِ أَوْ جَانِبًا مِنْ جَوَانِبِ الْخَطَأِ إِلَّا وَأَصْلَحَهُ وَبَيَّنَهُ، وَلَا مَوْطِنًا مِنْ مَوَاطِنِ الْخَيْرِ إِلَّا حَثَّهُمْ عَلَيْهِ وَرَغَّبَهُمْ فِيهِ.
فَكَانَ يُؤَاكِلُ أَصْحَابَهُ، فَرُبَّمَا حَضَرَ الطَّعَامَ مَعَهُ الْأَعْرَابِيُّ حَدِيثُ الْعَهْدِ بِالْإِسْلَامِ أَوِ الْغُلَامُ أَوِ الْجَارِيَةُ مِمَّنْ لَا يَعْرِفُ آدَابَ الشَّرَابِ وَالطَّعَامِ، فَيَأْخُذُ ﷺ بِأَيْدِيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ وَيُرَبِّيهِمْ.
رَوَى أَحْمَدُ عَنْ حُذَيْفَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: ((كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَأُتِيَ بِطَعَامٍ، فَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ كَأَنَّمَا يُطْرَدُ، فَذَهَبَ يَتَنَاوَلُ، فَأَخَذَ ﷺ بِيَدِهِ، وَجَاءَتْ جَارِيَةٌ كَأَنَّهَا تُطْرَدُ فَأَهْوَتْ، فَأَخَذَ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((إِنَّ الشَّيْطَانَ لَمَّا أَعْيَيْتُمُوهُ جَاءَ بِالْأَعْرَابِيِّ وَالْجَارِيَةِ يَسْتَحِلُّ الطَّعَامَ إِذَا لَمْ يَذْكُرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ، بِسْمِ اللهِ كُلُوا)).
وَرَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ يَقُولُ: ((كُنْتُ غُلَامًا فِي حَجْرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَكَانَتْ يَدِي تَطِيشُ فِي الصَّحْفَةِ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((يَا غُلَامُ! سَمِّ اللهَ، وَكُلْ بِيَمِينِكَ، وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ))، فَمَا زَالَتْ تِلْكَ طِعْمَتِي بَعْدُ)).
وَكَانَ يَبْرُزُ لِلنَّاسِ كُلِّهِمْ.
وَيُبَايِعُ الْوُفُودَ بِنَفْسِهِ، وَلَا يُنِيبُ عَنْهُ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ، وَلَا يَكْتَفِي بِرَئِيسِ الْوَفْدِ، بَلْ يُبَايِعُهُمْ وَاحِدًا وَاحِدًا.
وَأَحْيَانًا يَجِيءُ الرَّهْطُ مِنَ النَّاسِ لِيُبَايِعُوهُ عَلَى الْإِسْلَامِ، فَيَرَى فِي أَحَدِهِمْ مَظْهَرًا مِنْ مَظَاهِرِ الشِّرْكِ مِنْ بَقَايَا الْجَاهِلِيَّةِ، فَيَأْبَى أَنْ يُبَايِعَهُ حَتَّى يُزِيلَهُ.
رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَقْبَلَ إِلَيْهِ رَهْطٌ، فَبَايَعَ تِسْعَةً وَأَمْسَكَ عَنْ وَاحِدٍ، فَقَالُوا: ((يَا رَسُولَ اللهِ! بَايَعْتَ تِسْعَةً وَتَرَكْتَ هَذَا؟)).
قَالَ: ((إِنَّ عَلَيْهِ تَمِيمَةَ)).
فَأَدْخَلَ يَدَهُ فَقَطَعَهَا، فَبَايَعَهُ، وَقَالَ: ((مَنْ عَلَّقَ تَمِيمَةً فَقَدْ أَشْرَكَ)).
وَكَانَ يُلَاطِفُ أَصْحَابَهُ، وَيُدَاعِبُ أَطْفَالَهُمْ، رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: ((كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَحْسَنَ النَّاسِ خُلُقًا، وَكَانَ لِي أَخٌ يُقَالُ لَهُ: أَبُو عُمَيْرٍ، قَالَ: أَحْسِبُهُ قَالَ: كَانَ فَطِيمًا، قَالَ: فَكَانَ إِذَا جَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَرَآهُ، قَالَ: ((أَبَا عُمَيْرٍ! مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ؟!)).
قَالَ: ((فَكَانَ يَلْعَبُ بِهِ)).
أَمَّا خَدَمُهُ وَمَوَالِيهِ؛ فَلَمْ يُكَلِّفْهُمْ مِنَ الْعَمَلِ مَا لَا يُطِيقُونَ، وَلَمْ يُبَكِّتْهُمْ يَوْمًا مَا، وَلَمْ يَنْهَرْهُمْ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَضْرِبَهُمْ، بَلْ إِنَّهُمْ لَمْ يَسْمَعُوا مِنْهُ مُجَرَّدَ التَّأَفُّفِ عَلَيْهِمْ.
فِي ((صَحِيحِ مُسْلِمٍ)) قَالَ أَنَسٌ: ((كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ خُلُقًا، فَأَرْسَلَنِي يَوْمًا لِحَاجَةٍ، فَقُلْتُ: وَاللهِ! لَا أَذْهَبُ، وَفِي نَفْسِي أَنْ أَذْهَبَ لِمَا أَمَرَنِي بِهِ نَبِيُّ اللهِ ﷺ، فَخَرَجْتُ حَتَّى أَمُرَّ عَلى صِبْيَانٍ وَهُمْ يَلْعَبُونَ فِي السُّوقِ، فَإِذَا رَسُولُ اللهِ ﷺ قَدْ قَبَضَ بِقَفَايَ مِنْ وَرَائِي، قَالَ: فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ وَهُوَ يَضْحَكُ، فَقَالَ: ((يَا أُنَيْسُ! أَذَهَبْتَ حَيْثُ أمَرْتُكَ؟)).
قَالَ: قُلْتُ: ((نَعَمْ، أَنَا أَذْهَبُ يَا رَسُولَ اللهِ)).
قَالَ أَنَسٌ: ((وَاللهِ! لَقَدْ خَدَمْتُهُ تِسْعَ سِنِينَ مَا عَلِمْتُهُ قَالَ لِشَيْءٍ صَنَعْتُهُ: لِمَ فَعَلْتَ كَذَا وَكَذَا، أَوْ لِشَيْءٍ تَرَكْتُهُ: هَلَّا فَعَلْتَ كَذَا وَكَذَا)).
وَرُبَّمَا قَامَ ﷺ بِالتَّعْلِيمِ وَهُوَ عَلَى حِمَارٍ مُرْدِفًا لِأَحَدِ أَصْحَابِهِ، وَذَلِكَ بِتَكْرَارِ النِّدَاءِ، وَفِي هَذَا إِثَارَةٌ لِانْتِبَاهِ السَّامِعِ.
قَالَ مُعَاذٌ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: ((كُنْتُ رِدْفَ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى حِمَارٍ يُقَالُ لَهُ عُفَيْرٌ، فَقَالَ: ((يَا مُعَاذُ!)).
قُلْتُ: ((لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ)).
ثُمَّ سَارَ سَاعَةً فَقَالَ: ((يَا مُعَاذُ!)).
قُلْتُ: ((لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ)).
ثُمَّ سَارَ سَاعَةً فَقَالَ: ((يَا مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ!)).
قُلْتُ: ((لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ)).
قَالَ: ((هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ، وَمَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللهِ؟)).
قُلْتُ: ((اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ)).
قَالَ: ((فَإِنَّ حَقَّ اللهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَحَقَّ الْعِبَادِ عَلَى اللهِ أَلَّا يُعَذِّبَ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا)).
فَقُلْتُ: ((يَا رَسُولَ اللهِ! أَفَلَا أُبَشِّرُ بِهِ النَّاسَ؟)).
قَالَ: ((لَا تُبَشِّرْهُمْ فَيَتَّكِلُوا)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَقَدِ اخْتَارَ ﷺ مُعَاذًا؛ لِيَنُوبَ عَنْهُ فِي دَعْوَةِ أَهْلِ الْيَمَنِ، وَرَسَمَ لَهُ مَنْهَجَ الدَّعْوَةِ، وَبِمَاذَا يَبْدَأُ بِهِ النَّاسَ، فَقَالَ لَهُ: ((إِنَّكَ سَتَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ، فَإِذَا جِئْتَهُمْ فَادْعُهُمْ إِلَى أَنْ يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللهَ قَدِ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ، وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللهِ حِجَابٌ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَيَصِفُّ الصَّحَابَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- مُشَارَكَةَ النَّبِيِّ ﷺ لَهُمْ فِي جَمِيعِ حَيَاتِهِمْ؛ حَضَرِهَا وَسَفَرِهَا، يَصِفُونَ تَفَقُّدَهُ لِأَحْوَالِهِمُ الْخَاصَّةِ وَالْعَامَّةِ.
قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: ((إِنَّا -وَاللهِ- قَدْ صَحِبْنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ، وَكَانَ يَعُودُ مَرْضَانَا، وَيَتْبَعُ جَنَائِزَنَا، وَيَغْزُو مَعَنَا، وَيُوَاسِينَا بِالْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ)).
وَأَحْيَانًا يَأْتِيهِ الْأَعْرَابِيُّ الْجَافِي فَيَغْلُظُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي الْمَقَالِ، وَرُبَّمَا يَسْتَطِيلُ بِيَدِهِ -عَلَى طَبِيعَةِ الْأَعْرَابِ مِنَ الْعُنْفِ وَالْجَفَاءِ-، فَيَبْتَسِمُ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَيُجِيبُهُ إِلَى طَلَبِهِ بِحُسْنِ خُلُقٍ، وَسُمُوِّ مُعَامَلَةٍ
رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ أَنَسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: ((كُنْتُ أَمْشِي مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَعَلَيْهِ بُرْدٌ نَجْرَانِيٌّ غَلِيظُ الْحَاشِيَةِ، فَأَدْرَكَهُ أَعْرَابِيُّ، فَجَبَذَ بِرِدَائِهِ جَبْذَةً شَدِيدَةً، قَالَ أَنَسٌ: فَنَظَرْتُ إِلَى صَفْحَةِ عَاتِقِ النَّبِيِّ ﷺ وَقَدْ أَثَّرَتْ بِهَا حَاشِيَةُ الرِّدَاءِ مِنْ شِدَّةِ جَبْذَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ! مُرْ لِي مِنْ مَالِ اللهِ الَّذِي عِنْدَكَ، فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ -صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ- فَضَحِكَ، ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ)).
((النَّبِيُّ ﷺ الْقُدْوَةُ فِي بَيْتِهِ مَعَ أَهْلِهِ))
لَقَدْ كَانَ بَيْتُ النُّبُوَّةِ يُمَثِّلُ الْبَسَاطَةَ فِي جَمَالِهَا وَعُلُوِّهَا، وَالزُّهْدَ فِي قِمَّتِهِ وَطُهْرِهِ، وَالِاكْتِفَاءَ بِالْقَلِيلِ، وَعَدَمَ التَّكَلُّفِ، مَعَ الْقُدْرَةِ وَالْإِمْكَانِ عَلَى الدُّنْيَا لَوْ أَرَادَهَا ﷺ.
وَهَذِهِ أُمُّنَا أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- تَصِفُ عَيْشَ النَّبِيِّ ﷺ قَائِلَةً: ((مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ ﷺ مُنْذُ قَدِمَ الْمَدِينَةَ مِنْ طَعَامِ بُرٍّ ثَلَاثَ لَيَالٍ تِبَاعًا حَتَّى قُبِضَ)). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَرَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- أَنَّهَا قَالَتْ لِعُرْوَةَ: ((ابْنَ أُخْتِي! إِنْ كُنَّا لَنَنْظُرُ إِلَى الْهِلَالِ ثَلَاثَةَ أَهِلَّةٍ فِي شَهْرَيْنِ وَمَا أُوقِدَتْ فِي أَبْيَاتِ رَسُولِ اللهِ ﷺ نَارٌ)).
فَقُلْتُ: ((مَا كَانَ يُعِيشُكُمْ يَا خَالَةُ؟!)).
قَالَتْ: ((الْأَسْوَدَانِ: التَّمْرُ وَالْمَاءُ، إِلَّا أَنَّهُ قَدْ كَانَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ جِيرَانٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، كَانَ لَهُمْ مَنَائِحُ، وَكَانُوا يَمْنَحُونَ رَسُولَ اللهِ ﷺ مِنْ أَبْيَاتِهِمْ فَيَسْقِينَاهُ)).
وَوَصَفَ لَنَا خَادِمُهُ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ عَيْشَ النَّبِيِّ ﷺ وَمَا فِيهِ مِنَ الْقِلَّةِ، فَقَالَ: ((إِنَّهُ مَشَى إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ بِخُبْزِ شَعِيرٍ وَإِهَالَةٍ سَنِخَةٍ، وَلَقَدْ رَهَنَ النَّبِيُّ ﷺ دِرْعًا لَهُ بِالْمَدِينَةِ عِنْدَ يَهُودِيٍّ، وَأَخَذَ مِنْهُ شَعِيرًا لِأَهْلِهِ)).
وَلَقَدْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: ((مَا أَمْسَى عِنْدَ آلِ مُحَمَّدٍ ﷺ صَاعُ بُرٍّ وَلَا صَاعُ حَبٍّ))، وَإِنَّ عِنْدَهُ لَتِسْعَ نِسْوَةٍ)).
بَلْ إِنَّهُ لَيُخْرِجُهُ الْجُوعُ مِنْ بَيْتِهِ، كَمَا رَوَى مُسْلِمٌ فِي ((صَحِيحِهِ)) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ أَوْ لَيْلَةٍ، فَإِذَا هُوَ بِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَقَالَ: ((مَا أَخْرَجَكُمَا مِنْ بُيُوتِكُمَا هَذِهِ السَّاعَةَ؟)).
قَالَا: ((الْجُوعُ يَا رَسُولَ اللهِ)).
قَالَ: ((وَأَنَا -وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ- لَأَخْرَجَنِي الَّذِي أَخْرَجَكُمَا، قُومُوا)).
فَقَامُوا مَعَهُ، فَأَتَى رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ، فَإِذَا هُوَ لَيْسَ فِي بَيْتِهِ، فَلَمَّا رَأَتْهُ الْمَرْأَةُ قَالَتْ: ((مَرْحَبًا وَأَهْلًا)).
فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ((أَيْنَ فُلَانٌ؟)).
قَالَتْ: ((ذَهَبَ يَسْتَعْذِبُ لَنَا مِنَ الْمَاءَ))؛ إِذْ جَاءَ الْأَنْصَاريُّ، فَنَظَرَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَصَاحِبَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: ((الْحَمْدُ للهِ، مَا أَحَدٌ الْيَوْمَ أَكْرَمَ أَضْيَافًا مِنِّي، فَانْطَلَقَ فَجَاءَهُمْ بِعِذْقٍ فِيهِ بُسْرٌ وَتَمْرٌ وَرُطَبٌ، فَقَالَ: كُلُوا مِنْ هَذَا، وَأَخَذَ الْمُدْيَةَ)).
فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((إِيَّاكَ وَالْحَلُوبَ)).
فَذَبَحَ لَهُمْ، فَأَكَلُوا مِنَ الشَّاةِ وَمِنْ ذَلِكَ الْعِذْقِ وَشَرِبُوا.
فَلَمَّا أَنْ شَبِعُوا وَرَوَوْا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِأَبي بَكْرٍ وَعُمَرَ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! لَتُسْأَلُنَّ عَنْ هَذَا النَّعِيمِ يَوْمَ الْقِيامَةِ، أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمُ الْجُوعُ، ثُمَّ لَمْ تَرْجِعُوا حَتَّى أَصَابَكُمْ هَذَا النَّعِيمُ)).
وَأَمَّا فِرَاشُهُ وَأَثَاثُهُ؛ فَتَقُولُ عَنْهُ عَائِشَةُ: ((كَانَ فِرَاشُهُ ﷺ مِنْ أَدَمٍ وَحَشْوُهُ مِنْ لِيفٍ)). أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ.
وَوَصَفَ لَنَا عُمَرُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- فِرَاشَ النَّبِيِّ ﷺ وَأَثَاثَهُ فَقَالَ: ((دَخَلْتُ عَلَيْهِ ﷺ فَإِذَا هُوَ مُضْطَجِعٌ عَلَى رِمَالِ حَصِيرٍ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ فِرَاشٌ، قَالَ: قَدْ أَثَّرَ الرِّمَالُ بِجَنْبِهِ -وَهُوَ مَا يَكُونُ مِمَّا يُنْسَجُ مِنْهُ الْحَصِيرُ، وَلَيْسَ بِالرِّمَالِ الَّتِي يَذْهَبُ إِلَيْهَا الذِّهْنُ-، فَأَثَّرَ الرِّمَالُ بِجَنْبِهِ، وَهُوَ مُتَّكِئٌ عَلَى وِسَادَتِهِ مِنْ أَدَمٍ -أَيْ: مِنْ جِلْدٍ- حَشْوُهَا لِيفٌ، فَسَلَّمْتُ، ثُمَّ رَفَعْتُ بَصَرِي فِي بَيْتِهِ، فَوَاللهِ! مَا رَأَيْتُ فِيهِ شَيْئًا يَرُدُّ الْبَصَرَ غَيْرَ أَهَبَةٍ ثَلَاثَةٍ، فَقُلْتُ: ادْعُ اللهَ فَلْيُوَسِّعْ عَلَى أُمَّتِكَ؛ فَإِنَّ فَارِسَ وَالرُّومَ وُسِّعَ عَلَيْهِمْ، وَأُعْطُوا الدُّنْيَا، وَهُمْ لَا يَعْبُدُونَ اللهَ، وَكَانَ مُتَّكِئًا فَقَالَ: ((أَوْ مِنْ شَكٍّ أَنْتَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ، أُولَئِكَ قَوْمٌ عُجِّلَتْ لَهُمْ طَيِّبَاتُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)). فَقُلْتُ: ((يَا رَسُولَ اللهِ! اسْتَغْفِرْ لِي)). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
هَذَا مَعَ كَرَمِهِ وَجُودِهِ وَسَخَائِهِ وَبَذْلِهِ حَتَّى كَانَ أَجْوَدَ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ، وَلَوْ كَانَ عِنْدَهُ خَزَائِنُ الْأَرْضِ لَجَادَ بِهَا فِي لَيْلَةٍ!
قَالَ أَبُو ذَرٍّ: ((كُنْتُ أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَرَّةِ الْمَدِينَةِ عِشَاءً، اسْتَقْبَلَنَا أُحُدٌ فَقَالَ: ((يَا أَبَا ذَرٍّ! مَا أُحِبُّ أَنَّ أُحُدًا لِي ذَهَبٌ يَأْتِي عَلَيَّ لَيْلَةً أَوْ ثَلَاثًا عِنْدِي مِنْهُ دِرْهَمٌ إِلَّا أَرْصَدُهُ لِدَيْنٍ، إِلَّا أَنْ أَكُونَ فِي عِبَادِ اللهِ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا))، وَأَرَانَا بِيَدِهِ ﷺ)).
إِنَّ الْمُتَأَمِّلَ فِي حَيَاةِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ يَجِدُ أَنَّهُ كَانَ بِحَقٍّ نِعْمَ الْقُدْوَةُ لِلْإِنْسَانِيَّةِ جَمْعَاءَ.
قَالَ رَبُّنَا -جَلَّ وَعَلَا-: {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21].
فَتَرَاهُ ﷺ نِعْمَ الزَّوْجُ، وَنِعْمَ الْأَبُ، وَنِعْمَ الْجَدُّ، لَا سِيَّمَا وَهُوَ الْقَائِلُ ﷺ: ((خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي)).
كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْسِمُ بَيْنَ نِسَائِهِ فِي الْمَبِيتِ وَالْإِيوَاءِ وَالنَّفَقَةِ، وَكَانَتْ سِيرَتُهُ مَعَ أَزْوَاجِهِ حُسْنَ الْمُعَاشَرَةِ، وَحُسْنَ الْخُلُقِ.
وَكَانَ يُسَرِّبُ إِلَى عَائِشَةَ بَنَاتٍ مِنَ الْأَنْصَارِ يَلْعَبْنَ مَعَهَا، وَكَانَتْ جَارِيَةً حَدِيثَةً السِّنِّ، وَكَانَتْ إِذَا هَوِيَتْ شَيْئًا لَا مَحْذُورَ فِيهِ تَابَعَهَا عَلَيْهِ، وَكَانَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَرَأْسُهُ فِي حِجْرِهَا، وَرُبَّمَا كَانَتْ حَائِضًا، وَكَانَ يَأْمُرُهَا وَهِيَ حَائِضٌ فَتَأْتَزِرُ، ثُمَّ يُبَاشِرُهَا، وَكَانَ يُقَبِّلُهَا وَهُوَ صَائِمٌ، وَكَانَ يُمَكِّنُهَا مِنَ اللَّعِبِ، وَيُرِيهَا الْحَبَشَةَ وَهُمْ يَلْعَبُونَ فِي مَسْجِدِهِ، وَهِيَ مُتَّكِئَةٌ عَلَى مَنْكِبِهِ تَنْظُرُ، وَسَابَقَهَا فِي السَّفَرِ فِي السَّيْرِ عَلَى الْأَقْدَامِ مَرَّتَيْنِ، وَتَدَافَعَا فِي خُرُوجِهِمَا مِنَ الْمَنْزِلِ مَرَّةً.
وَكَانَ إِذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ، فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْما خَرَجَ بِهَا مَعَهُ، وَلَمْ يَقْضِ لِلْبَوَاقِي شَيْئًا، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْجُمْهُورُ، وَكَانَ يَقُولُ: ((خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ، وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ فِي ((السِّلْسِلَةِ)) وَغَيْرِهَا.
((إِمَامُ الْهُدَى الْأَعْظَمُ سَيِّدُ الْمُرْسَلِينَ ﷺ ))
لَقَدْ حَبَا اللهُ -جَلَّ وَعَلَا- نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا ﷺ مِنَ الْخَصَائِصِ الْقَوِيَّةِ وَالصِّفَاتِ الْعَلِيَّةِ وَالْأَخْلَاقِ الْرَضِيَّةِ مَا كَانَ دَاعِيًا لِكُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يُجِلَّهُ وَيُعَظِّمَهُ بِقَلْبِهِ وَلِسَانِهِ وَجَوَارِحِهِ.
وَقَدِ اخْتَارَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا- لِنَبِيِّهِ ﷺ اسْمَ (مُحَمَّدٍ) الْمُشْتَمِلِ عَلَى الْحَمْدِ وَالثَّنَاءِ، فَهُوَ ﷺ مَحْمُودٌ عِنْدَ اللهِ -تَعَالَى-، وَمَحْمُودٌ عِنْدَ مَلَائِكَتِهِ، وَمَحْمُودٌ عِنْدَ إِخْوَانِهِ الْمُرْسَلِينَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِمْ وَسَلَّمَ-، وَمَحْمُودٌ عِنْدَ أَهْلِ الْأَرْضِ كُلِّهِمْ -وَإِنْ كَفَرَ بِهِ بَعْضُهُمْ-؛ لِأَنَّ صِفَاتِهِ مَحْمُودَةٌ عِنْدَ كُلِّ ذِي عَقْلٍ -وَإِنْ كَابَرَ وَجَحَدَ-، فَصَدَقَ عَلَيْهِ وَصْفُهُ نَفْسَهُ ﷺ حِينَ قَالَ: ((أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ، وَأَوَّلُ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ الْقَبْرُ، وَأَوَّلُ شَافِعٍ، وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَقَدْ أَغَاثَ اللهُ -تَعَالَى- بِهِ الْبَشَرِيَّةَ الْمُتَخَبِّطَةَ فِي ظُلُمَاتِ الشِّرْكِ وَالْجَهْلِ وَالْخُرَافَةِ، فَكَشَفَ بِهِ الظُّلْمَةَ، وَأَذْهَبَ الْغُمَّةَ، وَأَصْلَحَ الْأُمَّةَ، وَصَارَ هُوَ الْإِمَامَ الْمُطْلَقَ فِي الْهُدَى لِأَوَّلِ بَنِي آدَمَ وَآخِرِهِمْ، فَهَدَى اللهُ بِهِ مِنَ الضَّلَالَةِ، وَعَلَّمَ بِهِ مِنَ الْجَهَالَةِ، وَأَرْشَدَ بِهِ مِنَ الْغِوَايَةِ، وَفَتَحَ بِهِ أَعْيُنًا عُمْيًا، وَآذَانًا صُمًّا، وَقُلُوبًا غُلْفًا، وَكَثَّرَ بِهِ بَعْدَ الْقِلَّةِ، وَأَعَزَّ بِهِ بَعْدَ الذِّلَّةِ، وَأَغْنَى بِهِ بَعْدَ الْعَيْلَةِ.
عَرَّفَ النَّاسَ رَبَّهُمْ وَمَعْبُودَهُمْ غَايَةَ مَا يُمْكِنُ أَنْ تَنَالَهُ قُوَاهُمْ مِنَ الْمَعْرِفَةِ، وَلَمْ يَدَعْ لِأُمَّتِهِ حَاجَةً فِي هَذَا التَّعْرِيفِ لَا إِلَى مَنْ قَبْلَهُ وَلَا إِلَى مَنْ بَعْدَهُ، بَلْ كَفَاهُمْ وَشَفَاهُمْ وَأَغْنَاهُمْ عَنْ كُلِّ مَنْ تَكَلَّمَ فِي هَذَا الْبَابِ، {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَىٰ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [العنكبوت: 51].
وَعَرَّفَهُمُ الطَّرِيقَ الْمُوصِلَةَ إِلَى رَبِّهِمْ وَرِضْوَانِهِ وَدَارِ كَرَامَتِهِ، وَلَمْ يَدَعْ ﷺ حَسَنًا إِلَّا أَمَرَ بِهِ، وَلَا قَبِيحًا إِلَّا نَهَى عَنْهُ.
وَعَرَّفَهُمْ حَالَهُمْ بَعْدَ الْقُدُومِ عَلَى رَبِّهِمْ أَتَمَّ تَعْرِيفٍ، فَكَشَفَ الْأَمْرَ وَأَوْضَحَهُ، وَلَمْ يَدَعْ بَابًا مِنَ الْعِلْمِ النَّافِعِ لِلْعِبَادِ الْمُقَرِّبِ لَهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ إِلَّا فَتَحَهُ، وَلَا مُشْكِلًا إِلَّا بَيَّنَهُ وَشَرَحَهُ، حَتَّى هَدَى بِهِ الْقُلُوبَ مِنْ ضَلَالِهَا، وَشَفَاهَا بِهَا مِنْ أَسْقَامِهَا، وَأَغَاثَهَا بِهِ مِنْ جَهْلِهَا، فَأَيُّ بَشَرٍ أَحَقُّ بِأَنْ يُحِبَّ؟!
جَزَاهُ اللهُ عَنْ أُمَّتِهِ أَفْضَلَ الْجَزَاءِ.
وَمِمَّا يُحْمَدُ عَلَيْهِ ﷺ مَا جَبَلَهُ اللهُ عَلَيْهِ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَكَرَائِمِ الشِّيَمِ، فَإِنْ مَنْ نَظَرَ فِي أَخْلَاقِهِ وَشِيَمِهِ ﷺ عَلِمَ أَنَّهَا خَيْرُ أَخْلَاقِ الْخَلْقِ، وَأَكْرَمُ شَمَائِلِ الْخُلْقِ؛ فَإِنَّهُ ﷺ كَانَ أَعْظَمَ النَّاسِ أَمَانَةً، وَأَصْدَقَهُمْ حَدِيثًا، وَأَجْوَدَهُمْ وَأَسْخَاهُمْ، وَأَشَدَّهُمْ احْتِمَالًا، وَأَعْظَمَهُمْ عَفْوًا وَمَغْفِرَةً، وَكَانَ لَا يَزِيدُهُ شِدَّةُ الْجَهْلِ عَلَيْهِ إِلَّا حِلْمًا، كَمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي ((صَحِيحِهِ)) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- أَنَّهُ قَالَ فِي صِفَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي التَّوْرَاةِ: ((مُحَمَّدٌ عَبْدِي وَرَسُولِي، سَمَّيْتُهُ الْمُتَوَكِّلَ، لَيْسَ بِفَظٍّ وَلَا غَلِيظٍ، وَلَا صَخَّابٍ بِالْأَسْوَاقِ، وَلَا يَدْفَعُ بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ، وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَصْفَحُ، وَلَنْ أَقْبِضَهُ حَتَّى أُقِيمَ بِهِ الْمِلَّةَ الْعَوْجَاءَ بِأَنْ يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَفْتَحَ بِهِ أَعْيُنًا عُمْيًا، وَآذَانًا صُمًّا، وَقُلُوبًا غُلْفًا)).
كَانَ ﷺ أَرْحَمَ الْخَلْقِ!
وَأَرْأَفَ الْخَلْقِ بِالْخَلْقِ!
وَأَعْظَمَ الْخَلْقِ نَفْعًا لِلْخَلْقِ فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ!
وَأَفْصَحَ خَلْقِ اللهِ، وَأَحْسَنَهُمْ تَعْبِيرًا عَنِ الْمَعَانِي الْكَثِيرَةِ بِالْأَلْفَاظِ الْوَجِيزَةِ الدَّالَّةِ عَلَى الْمُرَادِ!
وَأَصْبَرَهُمْ فِي مَوَاطِنِ الصَّبْرِ!
وَأَصْدَقَهُمْ فِي مَوَاطِنِ اللِّقَاءِ!
وَأَوْفَاهُمْ بِالْعَهْدِ وَالذِّمَّةِ!
وَأَعْظَمَهُمْ مُكَافَأَةً عَلَى الْجَمِيلِ بِأَضْعَافٍ!
وَأَشَدَّهُمْ تَوَاضُعًا!
وَأَعْظَمَهُمْ إِيثَارًا عَلَى نَفْسِهِ!
وَأَشَدَّ الْخَلْقِّ ذَبًّا عَنْ أَصْحَابِهِ وَحِمَايَةً لَهُمْ وَدِفَاعًا عَنْهُمْ!
وَأَقْوَمَ الْخَلْقِ بِمَا يَأْمُرُ بِهِ، وَأَتْرَكَهُمْ لِمَا يَنْهَى عَنْهُ!
وَأَوْصَلَ الْخَلْقِ لِرَحِمِهِ!
مُحَمَّدٌ خَيْرُ خَلْقِ اللهِ كُلِّهِم=وَهُوَ الَّذِي لِفَخَارِ الْمَجْدِ يَنْتَسِبُ
وَهُوَ الَّذِي بَشَّرَتْ رُسْلُ الْإِلَهِ بِهِ=مِنْ قَبْلُ وَهُوَ الَّذِي جَاءَتْ بِهِ الْكُتُبُ
لَهُ الْمَقَامُ الَّذِي مَا نَالَهُ أَحَدٌ=وَالْمَجْدُ وَالْفَخْرُ وَالْإِحْسَانُ وَالْحَسَبُ
وَهُوَ الشَّفِيعُ الَّذِي تُرْجَى شَفَاعَتُهُ=وَفِي النَّعِيمِ لَهُ قَدْ رُتِّبَتْ رُتَبُ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
((يَا مَنْ لَهُ الْأَخْلَاقُ مَا تَهْوَى الْعُلَا!))
يَا مَنْ لَهُ الْأَخْلَاقُ مَا تَهْوَى الْعُلَا=مِنْهَا وَمَا يَتَعَشَّقُ الْكُبَرَاءُ
فَإِذَا سَخَوْتَ بَلَغْتَ بِالْجُودِ الْمَدَى=وَفَعَلْتَ مَا لَا تَفْعَلُ الْأَنْدَاءُ
وَإِذَا عَفَوْتَ فَقَادِرًا وَمُقَدَّرًا=لَا يَسْتَهِينُ بِعَفْوِكَ الْجُهَلَاءُ
وَإِذَا رَحِمْتَ فَأَنْتَ أُمٌّ أَوْ أَبٌ=هَذَانِ فِي الدُّنْيَا هُمَا الرُّحَمَاءُ
وَإِذَا غَضِبْتَ فَإِنَّمَا هِيَ غَضْبَةٌ=فِي الْحَقِّ لَا ضِغْنٌ وَلَا بَغْضَاءُ
وَإِذَا رَضِيتَ فَذَاكَ فِي مَرْضَاتِهِ=وَرِضَا الْكَثِيرِ تَحَلُّمٌ وَرِيَاءُ
وَإِذَا خَطَبْتَ فَلِلْمَنَابِرِ هِزَّةٌ=تَعْرُو النَدِيَّ وَلِلْقُلُوبِ بُكَاءُ
وَإِذَا قَضَيْتَ فَلَا ارْتِيَابَ كَأَنَّمَا=جَاءَ الْخُصُومَ مِنَ السَّمَاءِ قَضَاءُ
وَإِذَا حَمَيْتَ الْمَاءَ لَمْ يُورَدْ وَلَوْ=أَنَّ الْقَيَاصِرَ وَالْمُلُوكَ ظِمَاءُ
وَإِذَا أَجَرْتَ فَأَنْتَ بَيْتُ اللَهِ لَمْ=يَدْخُلْ عَلَيْهِ الْمُسْتَجِيرَ عِدَاءُ
وَإِذَا مَلَكْتَ النَّفْسَ قُمْتَ بِبِرِّهَا=وَلَوَ انَّ مَا مَلَكَتْ يَدَاكَ الشَّاءُ
وَإِذا بَنَيْتَ فَخَيْرُ زَوْجٍ عِشْرَةً=وَإِذَا ابْتَنَيْتَ فَدُونَكَ الْآبَاءُ
وَإِذَا صَحِبْتَ رَأَى الْوَفَاءَ مُجَسَّدًا=فِي بُرْدِكَ الْأَصْحَابُ وَالْخُلَطَاءُ
وَإِذَا أَخَذْتَ الْعَهْدَ أَوْ أَعْطَيْتَهُ=فَجَمِيعُ عَهْدِكَ ذِمَّةٌ وَوَفَاءُ
وَإِذَا مَشَيْتَ إِلَى الْعِدَا فَغَضَنْفَرٌ=وَإِذَا جَرَيْتَ فَإِنَّكَ النَّكْبَاءُ
وَتَمُدُّ حِلْمَكَ لِلسَّفِيهِ مُدَارِيًا=حَتَّى يَضِيقَ بِعَرضِكَ السُّفَهَاءُ
صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ.
اللَّهُمَّ اعْمُرْ قُلُوبَنَا بِمَحَبَّتِكَ وَمَحَبَّةِ نَبِيِّكَ ﷺ.
أَسْأَلُ اللهَ أَنْ يَرْحَمَنَا، وَأَنْ يَرْحَمَ مَوْتَانَا، وَأَنْ يَرْحَمَ جَمِيعَ مَوْتَى الْمُسْلِمِينَ.
اللَّهُمَّ ارْحَمْنَا وَارْحَمْ مَوْتَانَا وَارْحَمْ جَمِيعَ مَوْتَى الْمُسْلِمِينَ.
اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا، وَاغْفِرْ لِمَوْتَانَا، وَاغْفِرْ لِجَمِيعِ مَوْتَى الْمُسْلِمِينَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُمْ وَارْحَمْهُمْ، وَعَافِهِمْ وَاعْفُ عَنْهُمْ، وَأَكْرِمْ نُزُلَهُمْ، وَأَفْسِحْ لَهُمْ فِي قُبُورِهِمْ.
اللَّهُم جَافِ الْأَرْضَ عَنْ جُنُوبِهِمْ، اللَّهُم جَافِ الْأَرْضَ عَنْ جُنُوبِهِمْ، وَامْلَأْ قُبُورَهُمْ نُورًا، اللَّهُمَّ امْلَأْ قُبُورَهُمْ نُورًا، اللَّهُمَّ امْلَأْ قُبُورَهُمْ نُورًا.
اللَّهُمَّ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ أَحْيِنَا مُسْلِمِينَ، وَأَلْحِقْنَا بِالصَّالِحِينَ، وَاحْشُرْنَا فِي زُمْرَةِ النَّبِيِّ الْأَمِينِ ﷺ.
وَآخِرُ دَعْوَانَا أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ.
المصدر: سَيِّدُ الْمُرْسَلِينَ ﷺ