حَاجَتُنَا إِلَى الدِّينِ الرَّشِيدِ وَمُحَاسَبَةُ النَّفْسِ

حَاجَتُنَا إِلَى الدِّينِ الرَّشِيدِ وَمُحَاسَبَةُ النَّفْسِ

((حَاجَتُنَا إِلَى الدِّينِ الرَّشِيدِ وَمُحَاسَبَةُ النَّفْسِ))

إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ.

أَمَّا بَعْدُ:

فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.

أَمَّا بَعْدُ:

((الْإِسْلَامُ أَعْظَمُ نِعْمَةٍ مِنَ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-))

فَإِنَّ اللهَ -تَعَالَى- أَصْبَغَ عَلَى عِبَادِهِ كَثِيرًا مِنَ الْآلَاءِ وَالنِّعَمِ, وَدَفَعَ عَنْهُمْ أَعْظَمَ الرَّزَايَا وَالنِّقَمِ, وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُمْسِكُوا زِمَامَ النِّعَمِ بِالشُّكْرِ, وَحَذَّرَهُمْ مِنْ تَضْيِيعِهَا بِالْمَعَاصِي وَالْكُفْرِ؛ فَإِنْ شَكَرُوا زَادَتْ وَرَبَتْ, وَإِلَّا زَالَتْ وَارْتَحَلَتْ.

وَإِنَّ أَجَلَّ نِعْمَةٍ وَهَبَهَا اللهُ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ نِعْمَةُ الِاهْتِدَاءِ إِلَى دِينِ الْإِسْلَامِ الْعَظِيمِ, الَّذِي حُرِمَهُ أَكْثَرُ أَهْلِ الْأَرْضِ؛ فَضَاقَتْ بِهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ, وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ؛ فَأَصْبَحُوا فِي مَعِيشَةٍ ضَنْكٍ, تَتَخَلَّلُهَا الْأَحْزَانُ الدَّائِمَةُ, وَالْقَلَقُ الْمُسْتَمِرُّ, وَالْفَرَاغُ الْقَاتِلُ, {إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ ۖ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا} [الفرقان: 44]!!

((الْإِسْلَامُ فِطْرَةُ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا))

إِنَّ الْعَقِيدَةَ الَّتِي جَاءَ بِهَا مُحَمَّدٌ ﷺ هِيَ الْفِطْرَةُ بِعَيْنِهَا؛ {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [الروم: 30].

فَاللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ جَعَلَ الْإِسْلَامَ هُوَ الْفِطْرَةُ، وَلِذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَى صِحَّتِهِ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: ((كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، أَوْ يُنَصِّرَانِهِ، أَوْ يُمَجِّسَانِهِ)) .

وَلَمْ يَقُلْ مُحَمَّدٌ ﷺ: أَوْ يُمَسْلِمَانِهِ؛ لِأَنَّهُ وُلِدَ عَلَى الْفِطْرَةِ، يَعْنِي عَلَى الْإِسْلَامِ؛ وَلِذَلِكَ فَالْإِسْلَامُ هُوَ دِينُ الْفِطْرَةِ، لَا.. بَلْ هُوَ الْفِطْرَةُ بِعَيْنِهَا، يُولَدُ الْإِنْسَانُ وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى أَبَوَيْهِ لِكَيْ يَدُلَّاهُ عَلَى دِينِ الْإِسْلَامِ، وَإِنَّمَا هُوَ يُولَدُ عَلَى دِينِ الْإِسْلَامِ فِطْرَةً مَفْطُورًا عَلَيْهَا بِفَضْلِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

وَأَمَّا مَا عَدَا ذَلِكَ مِنَ الْمِلَلِ وَالنِّحَلِ، فَكَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فَأَبَوَاهُ يَحْمِلَانِهِ عَلَيْهَا حَمْلًا، وَيَسْقِيَانِهِ إِيَّاهَا سَقْيًا.

وَأَمَّا دِينُ الْإِسْلَامِ فَجَعَلَهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ فِطْرَةً مَفْطُورًا عَلَيْهَا خَلْقُ اللهِ أَجْمَعِينَ، فَدِينُ الْإِسْلَامِ هُوَ الْفِطْرَةُ كَمَا تَرَى.

ثُمَّ إِنَّ دِينَ الْإِسْلَامِ عَقِيدَتُهُ سَمْحَةٌ سَهْلَةٌ يَسِيرَةٌ، لَيْسَ فِيهَا مِنْ مُعَمَّيَاتٍ، وَلَيْسَ فِيهَا مِنْ أَلْغَازٍ، وَلَيْسَ فِيهَا مِنْ أَحَاجِيَّ.

كَانَ الرَّجُلُ الْأَعْرَابِيُّ يَأْتِي إِلَى النَّبِيِّ ﷺ -وَهُوَ إِنَّمَا تَرَبَّى عَلَى الشِّيحِ وَالْقَيْصُومِ- مِنَ الْأَعْرَابِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا أَنْ يَبُولَ الْوَاحِدُ مِنْهُمْ عَلَى عَقِبَيْهِ، لَا مَعَارِفَ، وَلَا عِلْمَ، وَلَا مَعْرِفَةَ، وَلَا خِبْرَةَ بِمَا عَلَيْهِ النَّاسُ مِنْ أُصُولِ الْفِكْرِ وَأَصْلِ النَّظَرِ.

فَيَأْتِي لِلنَّبِيِّ ﷺ فَمَا هُوَ إِلَّا أَنْ يَسْمَعَ مِنْهُ أُصُولَ الِاعْتِقَادِ فِيمَا لَا يَزِيدُ عَلَى الدَّقَائِقِ ذَوَاتِ الْعَدَدِ حَتَّى يُسَلِّمَ الْأَمْرَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَحَتَّى يَفْهَمَ الْإِسْلَامَ عَلَى وَجْهِهِ دِينًا مُخْتَلِطًا بِلَحْمِهِ وَدَمِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا أُزِيلَ غَبَشٌ كَانَ قَدْ رَيَّمَ عَلَى الْفِطْرَةِ الَّتِي فَطَرَهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ عَلَيْهَا، وَجَاءَ بَيَانُ النَّبِيِّ ﷺ مُوَافِقًا لِلْفِطْرَةِ الَّتِي فَطَرَهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ عَلَيْهَا؛ امْتَزَجَ مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ مِنْ دِينٍ هُوَ الْفِطْرَةُ مَعَ الْفِطْرَةِ الصَّحِيحَةِ الَّتِي فَطَرَ اللهُ الْأَعْرَابِيَّ عَلَيْهَا، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى كَثِيرِ بُرْهَانٍ، وَلَا إِلَى طَوِيلِ مُحَاجَّةٍ، وَلَا إِلَى عَظِيمِ مُجَادَلَةٍ.

وَإِنَّمَا يَعْرِضُ الْإِسْلَامَ سَهْلًا هَيِّنًا سَمْحًا لَيِّنًا، تَأْبَاهُ الْفِطْرَةُ غَيْرُ الْمُسْتَقِيمَةِ.

وَإِنَّمَا تُقْبِلُ عَلَيْهِ الْفِطْرَةُ الْمُسْتَقِيمَةُ بِفَضْلِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

لَقَدْ حَرَّرَ اللهُ بِالنَّبِيِّ ﷺ الْعُقُولَ، وَأَطْلَقَ الْقُلُوبَ مِنْ أَسْرِهَا حَتَّى عَادَتْ إِلَى رَبِّهَا؛ لِتَعُودَ الْبَشَرِيَّةُ إِلَى الْفِطْرَةِ الَّتِي فَطَرَ اللهُ النَّاسَ عَلَيْهَا.

وَقَدْ أَخْبَرَ رَبُّنَا -جَلَّ وَعَلَا-: أَنَّهُ خَلَقَ عِبَادَهُ حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ، مُوَحِّدِينَ مُسْلِمِينَ مُسْتَقِيمِينَ مُنِيبِينَ لِقَبُولِ الْحَقِّ قَابِلِينَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ مُقْتَضَى الْفِطْرَةِ الَّتِي فَطَرَهُمْ عَلَيْهَا، حِينَ أَخَذَ عَلَيْهِمُ الْعَهْدَ فِي الذَّرِّ.

يَقُولُ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا- فِي الْحَدِيثِ الْقُدُسِيِّ -الَّذِي أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي «الصَّحِيحِ»-: ((وَإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ، وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ، وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أُنْزلْ بِهِ سُلْطَانًا)).

فَالْعِبَادُ كُلُّهُمْ مَفْطُورُونَ عَلَى الْإِسْلَامِ وَالْإِيمَانِ الصَّحِيحِ، وَلَكِنْ لِلشَّيَاطِينِ دَوْرٌ فِي مَسْخِ الْفِطْرَةِ وَتَشْوِيهِهَا.

((مَبْنَى الْعَلَاقَاتِ فِي الْإِسْلَامِ عَلَى الْعَدْلِ))

إِنَّ الشَّرْعَ الْأَغَرَّ قَدْ حَدَّدَ الْعَلَاقَاتِ بَيْنَ الْإِنْسَانِ وَأَخِيهِ، وَحَدَّدَ الْعَلَاقَةَ بَيْنَ الْإِنْسَانِ وَمُجْتَمَعِهِ، فَإِذَا لَمْ يَعْرِفِ الْإِنْسَانُ دِينَ رَبِّهِ، فَإِنَّهُ -حِينَئِذٍ- لَا يُمْكِنُ أَنْ يُؤَدِّيَ حَقَّهُ عَلَيْهِ، وَلا يُمْكِنُ أَنْ يَعْرِفَ وَاجِبَهُ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ جَاهِلًا مُتَخَبِّطًا.

وَالنَّبِيُّ ﷺ رَاعَى حُقُوقَ الْمُجْتَمَعِ الْمُسْلِمِ كَمَا عَلَّمَهُ اللهُ -تَعَالَى-.

لَقَدْ أَرْسَلَ اللهُ الرُّسُلَ، وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ -وَهُوَ اسْمُ جِنْسٍ يَشْمَلُ سَائِرَ الْكُتُبِ الَّتِي أَنْزَلَهَا اللَّهُ- لِهِدَايَةِ الْخَلْقِ وَإِرْشَادِهِمْ، إِلَى مَا يَنْفَعُهُمْ فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ، وَالْمِيزَانَ وَهُوَ الْعَدْلُ فِي الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ.

وَالدِّينُ الَّذِي جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ، كُلُّهُ عَدْلٌ وَقِسْطٌ فِي الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي، وَفِي مُعَامَلَاتِ الْخَلْقِ، وَفِي الْجِنَايَاتِ وَالْقِصَاصِ وَالْحُدُودِ وَالْمَوَارِيثِ وَغَيْرِ ذَلِكَ؛ وَذَلِكَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ قِيَامًا بِدِينِ اللَّهِ، وَتَحْصِيلًا لِمَصَالِحِهِمُ الَّتِي لَا يُمْكِنُ حَصْرُهَا وَعَدُّهَا، وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الرُّسُلَ مُتَّفِقُونَ فِي قَاعِدَةِ الشَّرْعِ، وَهُوَ الْقِيَامُ بِالْقِسْطِ.

قَالَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} [الحديد: 25].

نُؤَكِّدُ لَكَ أَنَّنَا بِعَظِيمِ رُبُوبِيَّتِنَا أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالدَّلَالَاتِ وَالْآيَاتِ وَالْحُجَجِ الْوَاضِحَاتِ، وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ الْمُتَضَمِّنَ لِلْأَحْكَامِ وَشَرَائِعِ الدِّينِ؛ لِنُبَيِّنَ لَهُمْ طَرِيقَ نَجَاتِهِمْ وَفَوْزِهِمْ فِي رِحْلَةِ امْتِحَانِهِمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا.

وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ النُّظُمَ وَالْقَوَاعِدَ وَالْوَصَايَا وَالْأَحْكَامَ الَّتِي يُوصِلُ اتِّبَاعُهَا إِلَى تَحْقِيقِ الْعَدْلِ؛ لِيَتَعَامِلَ النَّاسُ فِيمَا بَيْنَهُمْ بِالْعَدْلِ الَّذِي أَمَرَ اللهُ بِهِ فِي كُلِيَّاتِ الدِّينِ الْعَامَّةِ ضِمْنَ اسْتِطَاعَةِ النَّاسِ، فَهُمْ مُطَالَبُونَ بِتَحْقِيقِ الْعَدْلِ أَوْ بِالِاقْتِرَابِ مِنْهُ عَلَى قَدْرِ الِاسْتِطَاعَةِ الْبَشَرِيَّةِ.

((سَعَادَةُ الْعَالَمِ وَصَلَاحُهُ فِي اتِّبَاعِ الْوَحْيِ))

إِنَّ النَّاسَ يَحْتَاجُونَ الْوَحْيَ وَالرِّسَالَةَ وَالنُّبُوَّةَ أَكْثَرَ مِنَ احْتِيَاجِهِمُ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ وَالنَّفَسَ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا فَقَدَ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ وَالنَّفَسَ مَاتَ جَسَدُهُ، وَإِذَا فَقَدَ الْوَحْيَ وَالنُّبُوَّةَ وَالرِّسَالَةَ مَاتَ قَلْبُهُ وَمَاتَتْ رُوحُهُ، وَمَوْتُ الْجَسَدِ لَيْسَ شَيْئًا بِإِزَاءِ مَوْتِ الْقَلْبِ وَالرُّوحِ.

بَلْ إِنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا مَاتَ جَسَدُهُ رُبَّمَا انْعَتَقَتْ رُوحُهُ مِنْ أَسْرِ الْجَسَدِ إِلَى طَلَاقَةٍ تَكُونُ هُنَالِكَ بِسَعَادَةِ الْقُلُوبِ، وَالْإِنْسَانُ إِذَا فَقَدَ الرُّوحَ وَالْقَلْبَ فَذَلِكَ هَلَاكُ الْأَبَدِ، وَذَلِكَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ.

فَالنَّاسُ يَحْتَاجُونَ الْوَحْيَ أَكْثَرَ مِنْ حَاجَاتِهِمُ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ وَالنَّفَسَ، عَلَى شِدَّةِ الْإِنْسَانِ فِي احْتِيَاجِهِ إِلَى النَّفَسِ وَعَلَى شِدَّةِ احْتِيَاجِ الْإِنْسَانِ إِلَى الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَلَكِنَّ حَاجَتَهُ إِلَى الْوَحْيِ، وَحَاجَتَهُ الرِّسَالَةَ وَالنُّبُوَّةَ أَكْبَرُ وَأَعْظَمُ.

وَمَنْ تَأَمَّلَ فِي أَحْوَالِ الْعَالَمِ عَلِمَ أَنَّ كُلَّ سَعَادَةٍ وَفَلَاحٍ، وَكُلَّ هَنَاءٍ وَصَلَاحٍ؛ إِنَّمَا سَبَبُهُ طَاعَةُ الرَّسُولِ.

وَمَنْ تَأَمَّلَ أَحْوَالَ الْعَالَمِ عَلِمَ أَنَّ كُلَّ شَقَاءٍ وَبَوَارٍ، وَخَرَابٍ وَدَمَارٍ؛ فَإِنَّمَا سَبَبُهُ مُخَالَفَةُ الرَّسُولِ.

وَلَوْ أَنَّ النَّاسَ أَطَاعُوا النَّبِيَّ ﷺ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَسَارُوا خَلْفَهُ، وَاتَّبَعُوا نَهْجَهُ، وَالْتَزَمُوا شَرْعَهُ.. مَا وُجِدَ فِي الدُّنْيَا شَرٌّ قَطُّ، وَلَكِنَّ الشَّرَّ يُوجَدُ فِي الْحَيَاةِ عَلَى قَدْرِ الْمُخَالَفَةِ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وَالشَّرُّ يَنْتَفِي عَلَى قَدْرِ طَاعَتِهِ، وَالصَّلَاحُ وَالْفَلَاحُ وَالْهَنَاءُ وَالِاسْتِقْرَارُ كُلُّ ذَلِكَ إِنَّمَا يَتَأَتَّى عَلَى قَدْرِ طَاعَةِ النَّبِيِّ الْمُخْتَارِ ﷺ.

((الرَّعِيلُ الْأَوَّلُ سَادَةُ الدُّنْيَا بِالْإِسْلَامِ))

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ! لَقَدْ أَدْرَكَ الرَّعِيلُ الْأَوَّلُ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ فَضْلَ الْإِسْلَامِ, وَمَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنْ مَبَادِئَ وَنُظُمٍ كَفِيلَةٍ بِتَوْفِيرِ السَّعَادَةِ التَّامَّةِ وَالسِّيَادَةِ الْعَامَّةِ, فَاعْتَنَقُوهُ وَآمَنُوا بِهِ, وَبَذَلُوا أَنْفَسَ مَا يَمْلِكُونَ فِي سَبِيلِ نَشْرِهِ وَتَوْطِيدِهِ.

عِنْدَ ذَلِكَ مَكَّنَهُمُ اللهُ -تَعَالَى- فِي الْأَرْضِ, وَأَخْضَعَ لَهُمْ مُلُوكَهَا وَجَبَابِرَتَهَا, وَجَعَلَ لَهُمُ الْعِزَّةَ وَالدَّوْلَةَ وَالْهَيْمَنَةَ, ثُمَّ لَمْ يَزَلِ الْمُسْلِمُونَ يَضْعُفُونَ فِي جَانِبِ الْإِسْلَامِ عَقِيدَةً وَعَمَلًا, وَيَتَقَاعَسُونَ عَنْ نُصْرَتِهِ شَيْئًا فَشَيْئًا إِلَى يَوْمِنَا هَذَا الَّذِي لَا مَثِيلَ لَهُ؛ فِي انْصِرَافِ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ عَنْ دِينِهِمْ, وَتَكَالُبِهِمْ عَلَى دُنْيَاهُمْ, وَتَوَدُّدِهِمْ لِأَعْدَائِهِمْ, حَتَّى صَدَقَ عَلَى زَمَنِهِمْ قَوْلُ قَائِلِهِمْ:

وَالشَّرُّ قَدْ نَتَأَتْ رُؤُوسُ صِلَالِهِ=وَالْخَيْرُ تَنْهَشُهُ الرِّمَاحُ الشُّرَّعُ

وَالدِّينُ مُنْصَدِعُ الْجَوَانِبِ ضَارِعٌ=وَالْحَقُّ مُضْطَهَدُ النَّصِيرِ مُضَيَّعُ

وَهُرَاءُ كُلِّ مُدَجِّلٍ وَمُخَرِّفٍ=يُنْكِي الْقُلُوبَ وَلِلرُّؤُوسِ يُصَدِّعُ

وَمَنَابِرُ التَّضْلِيلِ يَفْتَرِعُونَهَا=جَهْرًا فَتَهْتَزُّ الْجِهَاتُ الْأَرْبَعُ

وَقَدْ جَاءَ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّهُ قَالَ: ((إِنَّمَا تُنْقَضُ عُرَى الْإِسْلَامِ عُرْوَةً عُرْوَةً؛ إِذَا نَشَأَ فِي الْإِسْلَامِ مَنْ لَا يَعْرِفُ الْجَاهِلِيَّةَ)) .

وَهَذَا الْأَثَرُ يَدْعُو الْمُسْلِمَ إِلَى الِاطِّلَاعِ عَلَى أَحْوَالِ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ الْجَهْلَاءِ قَبْلَ الْإِسْلَامِ, وَمَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ مُسْتَوًى مُنْحَطٍ فِي جَمِيعِ الْمَجَالَاتِ دِينِيَّةً وَدُنْيَوِيَّةً, وَيَدْعُوهُ -أَيْضًا- إِلَى النَّظَرِ فِي مَحَاسِنِ دِينِ الْإِسْلَامِ الْحَنِيفِ, وَمَا امْتَازَ بِهِ مِنْ سُهُولَةٍ وَيُسْرٍ, وَمَا يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ مَحَاسِنِ الْأَخْلَاقِ, وَمَا يَنْهَى عَنْهُ مِنْ سَفْسَافِهَا, وَمَا يُرَبِّي عَلَيْهِ أَبْنَاءَهُ مِنْ صِدْقِ الْمُعَامَلَةِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَبِّهِمْ, وَبَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَهْلِيهِمْ وَأَقَارِبِهِمْ وَذَوِيهِمْ وَغَيْرِهِمْ.

فَإِذَا نَظَرَ الْمُسْلِمُ فِي هَذِهِ الْقِيَمِ وَالْمُثُلِ الَّتِي يَدْعُو الْإِسْلَامُ إِلَيْهَا, وَيُنَشِّئُ أَتْبَاعَهُ عَلَيْهَا, وَقَارَنَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَا عَلَيْهِ النَّاسُ قَبْلَ ظُهُورِ الْإِسْلَامِ؛ عَلِمَ أَنَّهُ الدِّينُ الصَّحِيحُ؛ فَانْسَاقَ إِلَيْهِ بِجَمِيعِ حَوَّاسِهِ, وَبَذَلَ فِي سَبِيلِهِ كُلَّ وُسْعِهِ, وَوَقَفَ نَفْسَهُ وَمَالَهُ وَأَهْلَهُ عَلَى نُصْرَتِهِ وَالذَّبِّ عَنْهُ.

((بَيَانُ مَحَاسِنِ الْإِسْلَامِ مِنْ أَعْظَمِ الْجِهَادِ))

((إِنَّ دِينَ الْإِسْلَامِ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ أَكْمَلُ الْأَدْيَانِ، وَأَفْضَلُهَا, وَأَعْلَاهَا، وَأَجَلُّهَا.

وَقَدْ حَوَى مِنَ الْمَحَاسِنِ، وَالْكَمَالِ، وَالصَّلَاحِ، وَالرَّحْمَةِ، وَالْعَدْلِ، وَالْحِكْمَةِ مَا يَشْهَدُ للهِ -تَعَالَى- بِالْكَمَالِ الْمُطْلَقِ، وَكَمَالِ الْعِلْمِ وَالْحِكْمَةِ، وَمَا يَشْهَدُ لِنَبِيِّهِ ﷺ أَنَّهُ رَسُولُ اللهِ حَقًّا، وَأَنَّهُ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ صِدْقًا، الَّذِي لَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى {إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 4].

فَهَذَا الدِّينُ الْإِسْلَامِيُّ أَعْظَمُ بُرْهَانٍ، وَأَجَلُّ شَاهِدٍ للهِ -تَعَالَى- بِالتَّفَرُّدِ بِالْكَمَالِ الْمُطْلَقِ كُلِّهِ، وَلِنَبِيِّهِ ﷺ بِالرِّسَالَةِ وَالصِّدْقِ)) .

((وَشَرْحُ مَحَاسِنِ الدِّينِ الْإِسْلَامِيِّ, وَبَيَانُ عَقَائِدِهِ, وَأَخْلَاقِهِ، وَأَحْكَامِهِ، وَإِصْلَاحِهِ مِنْ أَعْظَمِ الْجِهَادِ.

قَالَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ} [التحريم: 9].

وَقَالَ -تَعَالَى-: {وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا} [الفرقان: 52]؛ أَيْ: بِهَذَا الْقُرْآنِ الْمَجِيدِ, وَبِمَا جِئْتَ بِهِ مِنَ الْبَرَاهِينِ وَالدِّينِ, وَذَلِكَ بِالدَّعْوَةِ إِلَيْهِ, وَتَبْيِينِ أَنَّهُ دِينُ الْعَدْلِ وَالرَّحْمَةِ, وَالْحِكْمَةِ وَالْخَيْرِ وَالصَّلَاحِ؛ لِلظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ, لِلدِّينِ وَالدُّنْيَا.

وَأَعْظَمُ جِهَادِ النَّبِيِّ ﷺ لِلْخَلْقِ هُوَ بِهَذَا النَّوْعِ؛ فَإِنَّهُ مَكَثَ مُدَّةً طَوِيلَةً يَدْعُو إِلَى اللهِ, وَيُبَيِّنُ لِلْعِبَادِ مَحَاسِنَ الدِّينِ, وَيُقَابِلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ضِدِّهِ مِنْ أَدْيَانِ أَهْلِ الْأَرْضِ الْمُنْحَرِفَةِ, وَمِنْ جَاهِلِيَّتِهِمُ الْجَهْلَاءِ، حَتَّى دَخَلَ الْخَلْقُ الْعَظِيمُ فِيِه مُتَبَصِّرِينَ, مُقْتَنِعِينَ أَنَّهُ الدِّينُ الْحَقُّ, وَأَنَّ مَا سِوَاهُ بَاطِلٌ, بِالْبَرَاهِينِ الْعَقْلِيَّةِ وَالْفِطْرِيَّةِ, وَالْآيَاتِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْأُفُقِيَّةِ وَالنَّفْسِيَّةِ.

قَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} [فصلت: 53].

وَهَذَا الْجِهَادُ هُوَ الْأَصْلُ, وَقِتَالُ الْيَدِ وَالسِّلَاحِ تَبَعٌ لِهَذَا, لِكُلِّ مُعْتَدٍ عَلَى الدِّينِ, قَالَ -تَعَالَى-: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} [الأنفال: 39].

((جُمْلَةٌ مِنْ مَحَاسِنِ دِينِ الْإِسْلَامِ الْعَظِيمِ))

هَذَا الدِّينُ الْإِسْلَامِيُّ بِعَقَائِدِهِ وَحَقَائِقِهِ, وَأَخْلَاقِهِ وَأَعْمَالِهِ, وَمَا جَاءَ بِهِ الْقُرْآنُ الْمَجِيدُ أَكْبَرُ الْبَرَاهِينِ الْقَوَاطِعِ الضَّرُورِيَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ, وَأَنَّ رَسُولَهُ حَقٌّ, وَدِينَهُ حَقٌّ, وَمَا عَارَضَ ذَلِكَ هُوَ الْبَاطِلُ, وَهُوَ بِنَفْسِهِ جَذَّابٌ لِكُلِّ مَنْ قَصْدُهُ الْحَقُّ وَمَعَهُ إِنْصَافٌ.

* فَإِنَّهُ إِذَا نَظَرَ وَحَقَّقَ عَقَائِدَهُ؛ فَإِنَّهُ يَدْعُو إِلَى الْإِيمَانِ الصَّحِيحِ بِاللهِ, وَبِأَوْصَافِهِ الْعَظِيمَةِ, وَأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى, وَبِكُلِّ كِتَابٍ أَنْزَلَهُ اللهُ, وَبِكُلِّ رَسُولٍ أَرْسَلَهُ اللهُ, وَبِكُلِّ حَقٍّ أَخْبَرَ اللهُ بِهِ وَرَسُولُهُ, وَبِذَلِكَ تَمْتَلِئُ الْقُلُوبُ إِيمَانًا وَيَقِينًا، وَنُورًا وَطُمَأْنِينَةً بِاللهِ, وَقُوَّةَ تَوَكُّلٍ وَاعْتِمَادٍ عَلَيْهِ, وَذَلِكَ يُوجِبُ كَمَالَ الْإِخْلَاصِ للهِ، وَالْقِيَامَ بِعُبُودِيَّتِهِ الظَّاهِرِةِ وَالْبَاطِنَةِ، وَالتَّبَرِّي مِنَ الشِّرْكِ كَبِيرِهِ وَصَغِيرِهِ.

وَإِذَا نَظَرَ إِلَى أَخْلَاقِ الْإِسْلَامِ؛ وَجَدَهُ يَحُثُّ عَلَى كُلِّ خُلُقٍ جَمِيلٍ، وَيُحَذِّرُ مِنْ كُلِّ خُلُقٍ رَذِيلٍ، وَيَدْعُو إِلَى الْقِيَامِ بِحُقُوقِ اللهِ وَحُقُوقِ عِبَادِهِ وَبِالْمُعَامَلَةِ الْحَسَنَةِ.

وَإِذَا نَظَرَ إِلَى تَعَالِيمِهِ وَإِرْشَادَاتِهِ الْعَالِيَةِ؛ رَآهُ يَحُثُّ عَلَى كُلِّ عِلْمٍ نَافِعٍ مُزَكٍ لِلْقُلُوبِ، مُطَهِّرٍ لِلْأَخْلَاقِ، نَافِعٍ لِلدِّينِ وَالدُّنْيَا، وَأَنَّهُ مُرْشِدٌ إِلَى كُلِّ صَلَاحٍ وَإِصْلَاحٍ.

فَشَرْحُ هَذِهِ الْأُمُورِ لِلنَّاسِ مِنْ أَعْظَمِ الْجِهَادِ؛ فَإِنَّهُ يُقَوِّي إِيمَانَ الْمُؤْمِنِينَ، وَتَزْدَادُ بِهِ بَصَائِرُهُمْ وَرَغْبَتُهُمْ، وَيَحْمَدُونَ اللهَ الَّذِي مَنَّ عَلَيْهِمْ بِهَذَا الدِّينِ الْكَامِلِ, الَّذِي حَوَى كُلَّ خَيْرٍ عِلْمِيٍّ وَعَمَلِيٍّ، وَكُلَّ هِدَايَةٍ وَرَحْمَةٍ، وَهُوَ السَّبَبُ الْوَحِيدُ إِلَى سَعَادَةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.

وَكَذَلِكَ هُوَ أَكْبَرُ دَاعٍ لِمَنْ وَقَفَ عَلَى حَقِيقَتِهِ مِنَ الْأَجَانِبِ، خُصُوصًا الْمُنْصِفِينَ مِنْهُمْ، فَمُرِيدُ الْحَقِّ إِذَا وَقَفَ عَلَى حَقِيقَتِهِ لَمْ يَتَوَقَّفْ فِي تَفْضِيلِهِ عَلَى كُلِّ دِينٍ، وَالْمُكَابِرُ يُزَلْزِلُ عَقِيدَتَهُ، وَيُخَفِّفُ شَرَّهُ.

وَبِهِ تَنْدَفِعُ شُبَهُ الْمُبْطِلِينَ مِنَ الْمُلْحِدِينَ وَغَيْرِهِمْ؛ فَإِنَّ الْحَقَّ يَسْتَوْلِي عَلَى الْقُلُوبِ، وَيُزْهِقُ الْبَاطِلَ, فَإِنَّهُ مَنْ عَرَفَ الْحَقَّ مَعْرِفَةً صَحِيحَةً؛ امْتَنَعَ أَنْ يَقُومَ بِقَلْبِهِ بَاطِلٌ يُقَدِّمُهُ عَلَيْهِ, إِلَّا إِذَا عَارَضَ ذَلِكَ عَرَضٌ فَاسِدٌ مِنْ كِبْرٍ أَوْ حَسَدٍ أَوْ رِيَاسَةٍ أَوْ تَعَصُّبٍ أَوْ غَيْرِهَا.

وَمَنْ تَأَمَّلَ هَذَا الدِّينَ رَآهُ يَدْعُو إِلَى الصَّلَاحِ وَالرُّشْدِ وَالْفَلَاحِ, وَالْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ كَفِيلَانِ بِبَيَانِ ذَلِكَ كَفَالَةً تَامَّةً, فِيهِمَا الْآيَاتُ وَالْبَرَاهِينُ عَلَى أَنَّهُ مُحَالٌ أَنْ يَحْصُلَ الصَّلَاحُ الْحَقِيقِيُّ، وَلَا سَبِيلَ لِلْبَشَرِ إِلَى الْإِصْلَاحِ وَالْخَيْرِ وَالسَّعَادَةِ إِلَّا بِهَذَا الدِّينِ, فَإِنَّهُ مَا مِنْ مَصْلَحَةٍ دَقِيقَةٍ وَلَا جَلِيلَةٍ إِلَّا أَرْشَدَ إِلَيْهَا هَذَا الدِّينُ, وَلَا خَيْرَ إِلَّا دَلَّ عَلَيْهِ, وَلَا شَرَّ إِلَّا حَذَّرَ مِنْهُ؛ يَأْمُرُ بِتَوْحِيدِ اللهِ وَالْإِيمَانِ بِهِ، وَيَحُثُّ عَلَى الْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ وَالْإِذْعَانِ.

وَيَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالصِّدْقِ فِي الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ، وَبِالْبِرِّ وَالصِّلَةِ وَالْإِحْسَانِ إِلَى الْأَقَارِبِ وَالْجِيرَانِ وَالْأَصْحَابِ وَالْمُعَامَلِينَ وَجَمِيعِ الْخَلْقِ.

وَيَنْهَى عَنِ الْكَذِبِ وَالظُّلْمِ وَالْقَسْوَةِ، وَالْعُقُوقِ وَالْبُخْلِ، وَسُوءِ الْخُلُقِ مَعَ الْأَوْلَادِ وَالْأَهْلِ وَالْأَصْحَابِ وَغَيْرِهِمْ.

وَيَأْمُرُ بِالْوَفَاءِ بِالْعُقُودِ وَالْعُهُودِ وَالْمُحَالَفَاتِ، وَيَنْهَى عَنِ النُّكْثِ وَالْغَدْرِ, وَيَأْمُرُ بِالنُّصْحِ للهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ, وَيَنْهَى عَنِ الْغِشِّ, وَيَأْمُرُ بِالِاجْتِمَاعِ وَالتَّآلُفِ وَالتَّحَابُبِ وَبِالِاتِّفَاقِ, وَيَنْهَى عَنِ التَّعَادِي وَالتَّبَاغُضِ وَالِافْتِرَاقِ.

يَأْمُرُ بِالْمُعَامَلَاتِ الْحَسَنَةِ, وَأَنْ تُوَفِّيَ مَا عَلَيْكَ كَامِلًا مُوَفَّرًا، لَا بَخْسَ فِيهِ، وَلَا نَقْصَ فِيهِ وَلَا مُمَاطَلَةَ, وَيَنْهَى عَنِ الْمُعَامَلَاتِ السَّيِّئَةِ, وَالْمَطْلِ، وَالْغِشِّ، وَالْبَخْسِ وَالتَّطْفِيفِ, وَأَكْلِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ وَبِغَيْرِ حَقٍّ, وَيَأْمُرُ بِأَدَاءِ الْحُقُوقِ الْخَاصَّةِ وَالْمُشْتَرَكَةِ, وَيَنْهَى عَنْ ضِدِّهَا, وَعَنِ التَّعَدِّي عَلَى النَّاسِ فِي دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَأَعْرَاضِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ.

وَيَأْمُرُ بِكُلِّ مَعْرُوفٍ وَطَيِّبٍ وَنَافعٍ وَمُسْتَحْسَنٍ شَرْعًا وَعَقْلًا وَفِطْرَةً, وَيَنْهَى عَنْ كُلِّ فَاحِشَةٍ وَمُنْكَرٍ وَخَبِيثٍ شَرْعًا وَعَقْلًا وَفِطْرَةً, يُبِيحُ كُلَّ طَيِّبٍ, وَيُحَرِّمُ كُلَّ خَبِيثٍ.

يَأْمُرُ بِالتَّعَاوُنِ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى, وَيَنْهَى عَنِ التَّعَاوُنِ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ.

يَأْمُرُ بِعِبَادَةِ اللهِ وَحْدَهُ, وَخَوْفِهِ وَرَجَائِهِ وَحْدَهُ, وَالطَّمَعِ فِي جُودِهِ وَفَضْلِهِ, وَالتَّنَوُّعِ فِي فِعْلِ الْأَسْبَابِ الْمُحَصِّلَةِ لِخَيْرِهِ وَثَوَابِهِ, وَيَنْهَى عَنِ التَّعَلُّقِ بِالْمَخْلُوقِينَ وَالْعَمَلِ لِأَجْلِهِمْ, يَأْمُرُ بِنَبْذِ الْوَثَنِيَّاتِ وَالْخُرَافَاتِ الْمُفْسِدَةِ لِلْعُقُولِ وَالْأَدْيَانِ.

وَبِالْجُمْلَةِ؛ فَهَذَا الدِّينُ الْعَظِيمُ يَأْمُرُ بِكُلِّ خَيْرٍ وَصَلَاحٍ, وَيَنْهَى عَنْ كُلِّ شَرٍّ وَضَرَرٍ)).

((حَاجَةُ الْعَالَمِ كُلِّهِ إِلَى دِينِنَا الرَّشِيدِ))

((إِنَّ شَرْحَ الدِّينِ عَلَى نَحْوِ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ شَرْحًا وَافِيًا, وَتَطْبِيقَ تَعَالِيمِهِ وَهِدَايَتِهِ عَلَى أَحْوَالِ الْبَشَرِ, وَبَيَانَ أَنَّهَا صَالِحَةٌ لِكُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ, وَأَنَّ الِانْحِرَافَ وَالشَّرَّ وَالضَّرَرَ إِنَّمَا يَكُونُ بِفَقْدِ رُوحِ الدِّينِ أَوْ نَقْصِهَا.

وَكَذَلِكَ شَرْحُ أَوْصَافِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَنُعُوتِهِ وَأَخْلَاقِهِ الَّتِي مَنْ تَدَبَّرَهَا وَعَرَفَهَا وَفَهِمَهَا حَقَّ الْفَهْمِ؛ عَلِمَ أَنَّهُ ﷺ أَعْلَى الْخَلْقِ فِي كُلِّ صِفَةِ كَمَالٍ, وَأَنَّ كُلَّ صِفَةِ كَمَالٍ لَهُ مِنْهَا أَعْلَاهَا وَأَكْمَلُهَا, وَأَنَّ الْكَمَالَاتِ الْمَوْجُودَةَ فِي الرُّسُلِ -عَلَيْهِمُ السَّلَامُ- قَدْ جُمِعَتْ فِيهِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي لَا يُمَاثِلُهُ فِيهِ أَحَدٌ, وَبِذَلِكَ صَارَ سَيِّدَ الْخَلْقِ, وَمُقَدَّمَهُمْ, وَإِمَامَهُمْ, وَأَرْفَعَهُمْ عِنْدَ اللهِ, وَأَعْظَمَهُمْ جَاهًا ﷺ)).

((فَلَوْ عَلِمَنَا حَقَّ الْعِلْمِ أَنَّ فِي دِينِنَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ, وَتَمْتَدُّ إِلَيْهِ الْأَعْنَاقُ, وَتَطْمَحُ إِلَيْهِ الْأَنْظَارُ؛ مِنَ الْمَبَادِئِ الرَّاقِيَةِ, وَالْأَخْلَاقِ الْعَالِيَةِ, وَالنُّظُمِ الْعَادِلَةِ, وَالْأُسُسِ الْكَامِلَةِ؛ لَعَلِمْنَا أَنَّ الْبَشَرَ كُلَّهُمْ مُفْتَقِرُونَ غَايَةَ الِافْتِقَارِ أَنْ يَأْوُوا إِلَى ظِلِّهِ الظَّلِيلِ الْوَاقِي مِنَ الشَّرِّ الطَّوِيلِ.

فَأَيُّ مَبْدَأٍ وَأَصْلٍ, وَأَيُّ عَمَلٍ نَافِعٍ لِلْبَشَرِ إِلَّا وَدِينُ الْإِسْلَامِ قَدْ تَكَفَّلَ بِهِ كَفَالَةَ الْمَلِيءِ الْقَادِرِ عَلَى تَيْسِيرِ الْحَيَاةِ التَّامَّةِ عَلَى قَوَاعِدِهِ وَأُسُسِهِ, فَفِيهِ حَلُّ الْمُشْكِلَاتِ الْحَرْبِيَّةِ وَالِاقْتِصَادِيَّةِ, وَجَمِيعِ مَشَاكِلِ الْحَيَاةِ الَّتِي لَا تَعِيشُ الْأُمَمُ عِيشَةً سَعِيدَةً بِدُونِ حَلِّهَا, أَلَيْسَتْ عَقَائِدُهُ أَصَحَّ الْعَقَائِدِ وَأَصْلَحَهَا لِلْقُلُوبِ وَلَا تَصْلُحُ الْقُلُوبُ إِلَّا بِهَا؟!!

فَهَلْ أَصَحُّ وَأَنْفَعُ وَأَعْظَمُ بَرَاهِينَ مِنَ الِاعْتِقَادِ الْيَقِينِيِّ الصَّحِيحِ, وَأَنْ نَعْلَمَ عِلْمًا يَقِينِيًّا أَنَّ لَنَا رَبًّا وَإِلَهًا عَظِيمًا تَتَضَاءَلُ عَظَمَةُ الْمَخْلُوقَاتِ كُلِّهَا فِي عَظَمَتِهِ وَكِبْرِيَائِهِ, لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَالصِّفَاتُ الْعُلْيَا, قَدِيرٌ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ, عَلِيمٌ بِكُلِّ شَيْءٍ, لَا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ, وَلَا تَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ.

رَحِيمٌ وَسِعَتْ رَحْمَتُهُ كُلَّ شَيْءٍ، وَمَلَأَ جُودُهُ أَقْطَارَ الْعَالَمِ الْعُلْوِيِّ وَالْعَالَمِ السُّفْلِيِّ، حَكِيمٌ فِي كُلِّ مَا خَلَقَهُ, وَفِي كُلِّ مَا شَرَعَهُ، قَدْ أَحْسَنَ مَا خَلَقَهُ، وَأَحْكَمَ مَا شَرَعَهُ، يُجِيبُ الدَّاعِينَ، وَيُفَرِّجُ كُرَبَ الْمَكْرُوبِينَ، وَيَكْشِفُ هَمَّ الْمَهْمُومِينَ، وَمَنْ تَوَكَّلَ عَلَيْهِ كَفَاهُ، وَمَنْ أَنَابَ إِلَيْهِ وَتَقَرَّبَ إِلَيْهِ قَرَّبَهُ وَأَدْنَاهُ، وَمَنْ آوَى إِلَيْهِ آوَاهُ، لَا يَأْتِي بِالْخَيْرِ وَالْحَسَنَاتِ إِلَّا هُوَ، وَلَا يَكْشِفُ السُّوءَ وَالضُّرَّ إِلَّا هُوَ.

يَتَوَدَّدُ إِلَى عِبَادِهِ بِكُلِّ طَرِيقٍ، وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ كُلَّ سَبِيلٍ، لَا يَخْرُجُ عَنْ خَيْرِهِ وَكَرَامَتِهِ وَجُودِهِ إِلَّا الْمُتَمَرِّدُونَ..

فَهَلْ تَصِحُّ الْقُلُوبُ وَالْأَرْوَاحُ إِلَّا بِالتَّأَلُّهِ وَالتَّعَبُّدِ لِمَنْ هَذَا شَأْنُهُ؟

فَمَنْ يُشَارِكُ اللهَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الشُّؤُونِ الَّتِي يَخْتَصُّ بِهَا؟!!

وَكَذَلِكَ الْأَخْلَاقُ لَا يَهْدِي هَذَا الدِّينُ إِلَّا لِأَحْسَنِهَا، فَهَلْ تَرَى مِنْ خَلَّةِ كَمَالٍ إِلَّا أَمَرَ بِهَا، وَلَا خَصْلَةِ نَفْعٍ وَانْتِفَاعٍ إِلَّا حَثَّ عَلَيْهَا؟

وَهَلْ تَرَى مِنْ خَيْرٍ إِلَّا دَلَّ عَلَيْهِ، وَلَا شَرٍّ إِلَّا حَذَّرَ مِنْهُ؟

أَمَا حَثَّ عَلَى الصِّدْقِ وَالْعَدْلِ فِي الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ؟

أَمَا أَمَرَ بِالْإِخْلَاصِ للّهِ فِي كُلِّ الْأَحْوَالِ؟

أَمَا حَثَّ عَلَى الْإِحْسَانِ الْمُتَنَوِّعِ لِأَصْنَافِ الْمَخْلُوقَاتِ؟

أَمَا أَمَرَ بِنَصْرِ الْمَظْلُومِينَ، وَإِغَاثَةِ الْمَلْهُوفِينَ، وَإِزَالَةِ الضُّرِّ عَنِ الْمُضْطَرِينَ؟

أَمَا رَغَّبَ فِي حُسْنِ الْخُلُقِ فِي كُلِّ طَرِيقٍ فِي الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ، وَالْعَدُوِّ وَالصِّدِيقِ، فَقَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} [فصلت: 34]؟

أَمَا نَهَى عَنِ الْكَذِبِ وَالْفُحْشِ وَالْخِيَانَاتِ، وَحَثَّ عَلَى رِعَايَةِ الشَّهَادَاتِ وَالْأَمَانَاتِ؟

أَمَا حَذَّرَ مِنْ ظُلْمِ النَّاسِ فِي الدِّمَاءِ وَالْأَمْوَالِ وَالْأَعْرَاضِ؟

فَمَا مِنْ خُلُقٍ فَاضِلٍ إِلَّا أَمَرَ بِهِ, وَلَا خُلُقٍ رَذِيلٍ سَاقِطٍ إِلَّا نَهَى عَنْهُ، وَلِذَلِكَ كَانَتِ الْقَاعِدَةُ الْكُبْرَى لِهَذَا الدِّينِ: ((رِعَايَةَ الْمَصَالِحِ كُلِّهَا, وَدَفْعَ الْمَفَاسِدِ جَمِيعِهَا)).

ثُمَّ إِذَا نَظَرْنَا مُسَايَرَتَهُ لِلْحَيَاةِ وَمُجَارَاةَ الْأُمَمِ؛ فَإِذَا فِيهِ جَمِيعُ النُّظُمِ النَّافِعَةِ وَالنُّظُمِ الْوَاقِيَةِ، أَلَيْسَ فِيهِ الْأَمْرُ بِطَلَبِ الْأَرْزَاقِ مِنْ جَمِيعِ طُرُقِهَا النَّافِعَةِ الْمُبَاحَةِ؛ مِنْ تِجَارَاتٍ, وَصِنَاعَاتٍ, وَزِرَاعَاتٍ, وَأَعْمَالٍ مُتَنَوِّعَةٍ؟

فَلَمْ يَمْنَعْ سَبَبًا مِنَ الْأَسْبَابِ النَّافِعَةِ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، وَإِنَّمَا مَنَعَ الْمُعَامَلَاتِ الضَّارَّةَ؛ وَهِيَ الَّتِي تَحْتَوِي عَلَى ظُلْمٍ أَوْ ضَرَرٍ أَوْ قِمَارٍ.

وَمِنْ مَحَاسِنِهِ تَحْرِيمُهُ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ الَّتِي لَا تَخْفَى مَفَاسِدُهَا وَأَضْرَارُهَا، أَلَيْسَ فِيهِ الْأَمْرُ بِأَخْذِ الْحَذَرِ مِنَ الْأَعْدَاءِ، وَتَوَقِّي شُرُورِهِمْ بِكُلِّ وَسِيلَةٍ؟

أَلَيْسَ فِيهِ الْأَمْرُ بِإِعْدَادِ الْعُدَّةِ لِلْأَعْدَاءِ بِحَسَبِ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ وَالِاسْتِطَاعَةِ؟

أَلَيْسَ يَحُثُّ عَلَى الِاجْتِمَاعِ وَالِائْتِلَافِ الَّذِي هُوَ الرُّكْنُ الْأَصِيلُ لِلتَّعَاوُنِ وَالتَّكَافُلِ عَلَى الْمَصَالِحِ وَمَنَافِعِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا، وَالنَّهْيِ عَمَّا يُضَادُّهُ مِنَ الِافْتِرَاقِ؟

أَلَيْسَ فِيهِ تَعْيِينُ الْقِيَامِ بِمَا ظَهَرَتْ مَصْلَحَتُهُ وَبَانَتْ مَنْفَعَتُهُ، وَالْأَمْرُ بِالْمُشَاوَرَةِ فِيمَا تَشَابَهَتْ فِيهِ الْمَسَالِكُ؟

أَلَيْسَ فِيهِ الْإِرْشَادُ إِلَى جَمِيعِ طُرُقِ الْعَدْلِ وَالرَّحْمَةِ الْمُتَنَوِّعَةِ، وَالْحَثِّ عَلَى تَنْفِيذِهَا فِي حَقِّ جَمِيعِ الْخَلْقِ؟

أَلَيْسَ فِيهِ الْحَثُّ عَلَى وَفَاءِ الْعُقُودِ وَالْعُهُودِ وَالْمُعَامَلَاتِ الْكَبِيرَةِ وَالصَّغِيرَةِ الَّتِي بِهَا قِوَامُ الْعِبَادِ؟

أَلَيْسَ فِيهِ الْأَخْذُ عَلَى أَيْدِي السُّفَهَاءِ وَالْمُجْرِمِينَ بِحَسَبِ مَا يُنَاسِبُ جَرَائِمَهُمْ، وَفِيهِ رَدْعُهُمْ بِالْعُقُوبَاتِ وَالْحُدُودِ الْمَانِعَةِ وَالْمُخَفِّفَةِ لِلْجَرَائِمِ؟

فَأَيُّ مَصْلَحَةٍ تَخْرُجُ عَنْ إِرْشَادَاتِ هَذَا الدِّينِ؟

وَهَلْ مِنْ أَصْلٍ وَأَسَاسٍ فِيهِ الْخَيْرُ وَالصَّلَاحُ إِلَّا وَقَدْ أَرْشَدَ إِلَيْهِ الدِّينُ, لَا فَرْقَ بَيْنَ دِينِيٍّ وَدُنْيَوِيٍّ؟

وَجُمْلَةُ ذَلِكَ؛ أَنَّ هَذَا الدِّينَ بَيَّنَ اللهُ فِيهِ لِلْعِبَادِ أَنَّهُ خَلَقَهُمْ لِعِبَادَتِهِ الْجَامِعَةِ لِمَعْرِفَتِهِ, وَالتَّقَرُّبِ إِلَيْهِ بِكُلِّ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ, أَوْ مَالٍ أَوْ مَنْفَعَةٍ، وَخَلَقَ لَهُمْ مَا فِي الْكَوْنِ مُمَهَّدًا مُسَخَّرًا لِجَمِيعِ مَصَالِحِهِمْ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَسْتَحْصِلُوا هَذِهِ النِّعَمَ بِكُلِّ طَرِيقٍ وَوَسِيلَةٍ تُمْكِنُهُمْ مِنْهَا، وَأَنْ يَسْتَعِينُوا بِهَا عَلَى طَاعَةِ الْمُنْعِمِ.

فَهَلْ أَوْضَعُ وَأَحْقَرُ وَأَظْلَمُ وَأَجْهَلُ مِمَّنْ أَعْرَضَ عَنْ هَذَا الدِّينِ الَّذِي هُوَ الْغَايَةُ وَالنِّهَايَةُ فِي الْكَمَالِ, وَهُوَ الْمَطْلَبُ الْأَعْلَى لِأُولِي الْعُقُولِ وَالْأَلْبَابِ، ثُمَّ ذَهَبَ يَسْتَمِدُّ الْهُدَى وَالنَّفْعَ مِنْ غَيْرِهِ وَهُوَ يَدَّعِي أَنَّهُ مُسْلِمٌ؟!!

لَقَدْ زَادَهُ هَذَا الِاسْتِمْدَادُ غَيًّا وَضَلَالًا!!

وَمَنِ احْتَجَّ بِمَا يَرَى مِنْ حَالِ الْمُسْلِمِينَ, وَتَأَخُّرِهِمْ عَنْ مُجَارَاةِ الْأُمَمِ فِي مَرَافِقِ الْحَيَاةِ؛ فَقَدْ ظَلَمْ بِاحْتِجَاجِهِ، فَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَقُومُوا بِمَا دَعَا إِلَيْهِ الدِّينُ, وَلَمْ يُحَكِّمُوهُ فِي أُمُورِهِمُ الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ, وَنَبَذُوا مُقَوِّمَاتِ دِينِهِمْ وَرُوحِهِ -إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا--, وَاكْتَفَى كَثِيرٌ مِنْهُمْ بِالِاسْمِ عَنِ الْمُسَمَّى, وَبِاللَّفْظِ عَنِ الْمَعْنَى، وَبِالرُّسُومِ عَنِ الْحَقَائِقِ.

وَالْوَاجِبُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى تَعَالِيمِ الدِّينِ وَتَوْجِيهَاتِهِ, وَأُصُولِهِ وَمَقَاصِدِهِ, وَدَعْوَتِهِ لِجَمِيعِ الْبَشَرِ إِلَى مَا فِيهِ خَيْرُهُمُ الْمُتَنَوِّعُ، وَلِهَذَا كَانَ الْمُنْصِفُونَ مِنَ الْأَجَانِبِ عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ يَعْتَرِفُونَ بِكَمَالِهِ، وَأَنَّهُ لَا سَبِيلَ إِلَى زَوَالِ الشُّرُورِ عَنِ الْعَالَمِ إِلَّا بِالْأَخْذِ بِتَعَالِيمِهِ وَأَخْلَاقِهِ وَإِرْشَادِهِ.

وَكَمَا أَنَّ الدِّينَ هُوَ الصِّلَةُ الْحَقِيقِيَّةُ بَيْنَ الْعِبَادَ وَبَيْنَ رَبِّهِمْ؛ بِهِ إِلَيْهِ يَتَقَرَّبُونَ وَيَتَحَبَّبُونَ، وَبِهِ يُغْدِقُ عَلَيْهِمْ خَيْرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَإِنَّهُ الصِّلَةُ بَيْنَ الْعِبَادِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ؛ تَقُومُ بِهِ حَيَاتُهُمْ، وَتَنْحَلُّ بِهِ مُشْكِلَاتُهُمْ السِّيَاسِيَّةُ وَالِاقْتِصَادِيَّةُ وَالْمَالِيَّةُ، فَكُلُّ حَلٍّ بِغَيْرِهِ فَإِنَّ ضَرَرَهُ أَكْثَرُ مِنْ نَفْعِهِ، وَشَرَّهُ أَعْظَمُ مِنْ خَيْرِهِ.

فَإِنْ فُرِضَ إِصْلَاحُ بَعْضِ الْمُشْكِلَاتِ بَبَعْضِ النُّظُمِ إِصْلَاحًا حَقِيقِيًّا فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ الْحَلَّ؛ فَلَابُدَّ أَنْ تَجِدَهُ مُسْتَنِدًا إِلَى هَذَا الدِّينِ؛ لِأَنَّ الدِّينَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ، كَلِمَةٌ عَامَّةٌ جَامِعَةٌ لَا تُبْقِي شَيْئًا، وَالْوَاقِعُ يَشْهَدُ بِذَلِكَ.

((إِقَامَةُ الدُّنْيَا وَتَعْمِيرُهَا بِدِينِ الْإِسْلَامِ الْعَظِيمِ))

عِبَادَ اللهِ! بِالدِّينِ يَتِمُّ النَّشَاطُ الْحَيَوِيُّ، يَسْتَمِدُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْآخَرِ مَادَّةَ الدِّينِ وَمَادَّةَ الْحَيَاةِ، لَا كَمَا يَزْعُمُهُ الْمُنْكِرُونَ وَالْمَغْرُورُونَ, وَالْجَاحِدُونَ الْمَأْجُورُونَ أَنَّ الدِّينَ مُخَدِّرٌ مُؤَخِّرٌ لِمَوَادِّ الْحَيَاةِ، وَلَقَدْ -وَاللهِ- كَذَبُوا أَشْنَعَ الْكَذِبِ وَأَوْقَحَهُ، فَأَيُّ مَادَّةٍ مِنْ مَوَادِّ الْحَيَاةِ أَخَّرَهَا أَوْ وَقَفَهَا؟

أَوَلَمْ يَبْلُغْ فِيهَا نِهَايَةَ مَا يُدْرِكُهُ الْبَشَرُ؟

فَلْيَأْتُوا بِمِثَالٍ وَاحِدٍ مِنَ الدِّينِ لَا بِالتَّمْثِيلِ بِأَحْوَالِ مَنْ يَنْتَسِبُ لِلدِّينِ وَهُوَ مِنْهُ خَلِيٌّ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ.

فَكَمَا أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ بُعِثَ إِلَى الْخَلْقِ كُلِّهِمْ؛ إِنْسِهِمْ وَجِنِّهِمْ؛ فَكَذَلِكَ قَدْ تَكَفَّلَ دِينُهُ بِإِصْلَاحِ الْخَلْقِ إِصْلَاحًا رُوحِيًّا وَمَادِّيًّا، وَاسْتَعَانَ بِكُلِّ وَاحِدٍ عَلَى الْآخَرِ، وَبِهِ تَمَّ الْكَمَالُ وَحَصَلَ، فَكَمَا تَوَلَّى تَهْذِيبَ الْقُلُوبِ وَالْأَرْوَاحِ؛ فَقَدْ تَوَلَّى تَهْذِيبَ الْحَيَاةِ, وَضَمِنَ لِمَنْ قَامَ بِهِ الْحَيَاةَ الطَّيِّبَةَ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ, لَا مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ, أَوْ وُجُوهٍ مَحْصُورَةٍ، وَهَذَا مِنْ كَمَالِ حِكْمَةِ اللهِ، وَمِنْ شُمُولِ رَحْمَةِ اللهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الرَّحِيمُ.

وَمِنَ الْأَدِلَّةِ عَلَى هَذَا؛ أَنَّ اللهَ قَدْ يَجْمَعُ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ مِنْ كِتَابِهِ بَيْنَ الْعِبَادَاتِ الْمَحْضَةِ وَبَيْنَ أُمُورِ الْمَعَاشِ وَالنُّظُمِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ؛ كَمَا قَالَ -تَعَالَى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (45) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال: 45-46].. ثُمَّ قَالَ بَعْدَ آيَاتٍ: {وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} [الأنفال: 60].

وَقَالَ -تَعَالَى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (9) فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الجمعة: 9-10].

أَلَا تَرَى كَيْفَ جَمَعَ بَيْنَ الْأَمْرِ بِذِكْرِ اللهِ وَبِالصَّبْرِ وَالثَّبَاتِ، وَبِالْقُوَّةِ الْمَعْنَوِيَّةِ بِالِاجْتِمَاعِ وَعَدَمِ التَّنَازُعِ, وَبِالْقُوَّةِ الْمَادِّيَّةِ بِقَوْلِهِ: {وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ

فَإِنَّهُ يَشْمَلُ الْأَمْرَيْنِ؛ كَمَا أَمَرَ فِي آيَةِ الْجُمُعَةِ بِالْإِقْبَالِ عَلَى الصَّلَاةِ وَالذِّكْرِ فِي وُجُوبِ السَّعْيِ إِلَى الْجُمُعَةِ، ثُمَّ بَعْدَهَا بِالِانْتِشَارِ لِطَلَبِ الرِّزْقِ.

وَقَالَ ﷺ: ((إِنَّ اللهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ فَقَالَ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} [البقرة: 172]، وَقَالَ -تَعَالَى-: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا } [المؤمنون: 51])). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

وَالْآيَاتُ فِي هَذَا الْمَعْنَى كَثِيرَةٌ, وَشَرَائِعُ الدِّينِ وَمُعَامَلَاتُهُ التَّفْصِيلِيَّةُ شَاهِدَةٌ بِذَلِكَ، وَهِيَ أَحْسَنُ الشَّرَائِعِ, وَأَحْسَنُ الْأَحْكَامِ وَالْمُعَامَلَاتِ الَّتِي بِهَا تَسْتَقِيمُ الْأَحْوَالُ وَتَزْكُو الْخِصَالُ.

وَاعْلَمْ أَنَّ الْعِبَادَاتِ لَيْسَ مُجَرَّدَ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالصَّدَقَةِ؛ بَلْ جَمِيعُ الْأَعْمَالِ الَّتِي يُتَوَسَّلُ بِهَا إِلَى الْقِيَامِ بِوَاجِبَاتِ النَّفْسِ وَالْعَوَائِلِ وَالْمُجْتَمَعِ الْإِنْسَانِيِّ.

كُلُّ عَمَلٍ يَقُومُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَيُعِينُ عَلَيْهِ؛ فَهُوَ عِبَادَةٌ، فَالْكَسْبُ لِلْعِيَالِ عِبَادَةٌ عَظِيمَةٌ، وَكَذَلِكَ الِاكْتِسَابُ الَّذِي يُرَادُ بِهِ الْقِيَامُ بِالزَّكَوَاتِ وَالْكَفَّارَاتِ, وَالنَّفَقَاتِ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ كُلُّهُ عِبَادَةٌ.

وَكَذَلِكَ الصِّنَاعَاتُ الَّتِي تُعِينُ عَلَى قِيَامِ الدِّينِ وَرَدْعِ الْمُعْتَدِينَ مِنْ أَفْضَلِ الْعِبَادَاتِ، وَكَذَلِكَ التَّعَلُّمُ لِلسِّيَاسَاتِ الدَّاخِلِيَّةِ وَالْخَارِجِيَّةِ، وَالتَّعَقُّلُ وَالتَّفَكُّرُ فِي كُلِّ أَمْرٍ فِيهِ نَفْعٌ لِلْعِبَادِ؛ كُلُّ ذَلِكَ مِنَ الْعِبَادَاتِ.

وَلَمْ يُرَغِّبِ اللهُ فِي أَمْرِ الشُّورَى فِي الْأُمُورِ كُلِّهَا إِلَّا لِتَحْقِيقِ أَمْثَالِ هَذِهِ الْمَقَاصِدِ الْعَالِيَةِ النَّافِعَةِ، وَشَوَاهِدُ هَذِهِ الْجُمَلِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ كَثِيرَةٌ جِدًّا.

وَاعْلَمْ أَنَّ التَّطَوَرُّاتِ الَّتِي لَا تَزَالُ تَتَجَدَّدُ فِي الْحَيَاةِ وَالْمُجْتَمَعِ؛ قَدْ وَضَعَ لَهَا هَذَا الدِّينُ الْكَامِلُ قَوَاعِدَ وَأُصُولًا يَتَمَكَّنُ الْعَارِفُ بِالدِّينِ وَبِالْوَاقِعِ مِنْ تَطْبِيقِهَا مَهْمَا كَثُرَتْ وَعَظُمَتْ وَتَغَيَّرَتْ بِهَا الْأَحْوَالُ، وَهَذَا مِنْ كَمَالِ هَذَا الدِّينِ, وَمِنَ الْبَرَاهِينِ عَلَى إِحَاطَةِ عِلْمِ الْبَارِي -جَلَّ وَعَلَا- بِالْجُزْئِيَّاتِ وَالْكُلِّيَّاتِ, وَشُمُولِ رَحْمَتِهِ, وَتَمَامِ حِكْمَتِهِ.

أَمَّا غَيْرُهُ مِنَ النُّظُمِ وَالْأُسُسِ -وَإِنْ عَظُمَتْ وَاسْتُحْسِنَتْ- فَإِنَّهَا لَا تَبْقَى زَمَنًا طَوِيلًا عَلَى كَثْرَةِ التَّغَيُّرَاتِ، وَاخْتِلَافِ التَّطَوُّرَاتِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ صُنْعِ الْمَخْلُوقِينَ النَّاقِصِينَ فِي عِلْمِهِمْ وَحِكْمَتِهِمْ وَجَمِيعِ صِفَاتِهِمْ، لَا مِنْ صُنْعِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

أَرَأَيْتَ هَذِهِ الْمَدَنِيَّاتِ الضَّخْمَةَ الزَّاخِرَةَ بِعُلُومِ الْمَادَّةِ وَأَعْمَالِهَا, لَوْ جَمَعُوا بَيْنَهَا وَبَيْنَ رُوحِ الدِّينِ، وَحَكَّمُوا تَعَالِيمَهُ الرَّاقِيَةَ الْوَاقِيَةَ الْحَافِظَةَ, أَرَأَيْتَ لَوْ فَعَلُوا ذَلِكَ أَمَا تَكُونُ هَذِهِ الْمَدَنِيَّةُ الزَّاهِرَةُ الَّتِي يَصْبُو إِلَيْهَا أُولُو الْأَلْبَابِ وَتَتِمُّ بِهَا الْحَيَاةُ الْهَنِيئَةُ الطَّيِّبَةُ السَّعِيدَةُ، وَتَحْصُلُ فِيهَا الْوِقَايَةُ مِنَ النَّكْبَاتِ الْمُزْعِجَةِ، وَالْقَلَاقِلِ الْمُفْظِعَةِ؟

فَحِينَ فَقَدَتِ الدِّينَ، وَاعْتَمَدَتْ عَلَى مَادِّيَّتِهَا الْجَوْفَاءِ الْخَرْقَاءِ؛ جَعَلُوا يَتَخَبَّطُونَ, وَيَقْتُلُونَ النَّاسَ, وَيُدَمِّرُونَ الْمَوْجُودَاتِ, وَيَعِيثُونَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا, وَيَطْلُبُونَ حَيَاةً سَعِيدَةً، وَلَمْ يَصِلُوا إِلَّا إِلَى حَيَاةِ الْأَشْقِيَاءِ، الْحَيَاةِ الْمُهَدَّدَةِ فِي كُلِّ وَقْتٍ بِالْحُرُوبِ، وَالْكُرُوبِ وَأَصْنَافِهَا، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ!!)) .

((قَالَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3].

وَهَذَا يَشْمَلُ الْكَمَالَ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ, قَالَ -تَعَالَى-: {إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} [الإسراء: 9]؛ أَيْ: أَكْمَلُ وَأَتَمُّ وَأَصْلَحُ؛ مِنَ الْعَقَائِدِ, وَالْأَخْلَاقِ, وَالْأَعْمَالِ, وَالْعِبَادَاتِ, وَالْمُعَامَلَاتِ, وَالْأَحْكَامِ الشَّخْصِيَّةِ، وَالْأَحْكَامِ الْعُمُومِيَّةِ.

وَقَالَ -تَعَالَى-: {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة: 50].

وَهَذَا يَشْمَلُ جَمِيعَ مَا حَكَمَ بِهِ، وَأَنَّهُ أَحْسَنُ الْأَحْكَامِ وَأَكْمَلُهَا, وَأَصْلَحُهَا لِلْعِبَادِ، وَأَسْلَمُهَا مِنَ الْخَلَلِ وَالتَّنَاقُضِ، وَمِنَ الشَّرِّ وَالْفَسَادِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ.

أَمَّا عَقَائِدُ هَذَا الدِّينِ وَأَخْلَاقُهُ وَآدَابُهُ وَمُعَامَلَاتُهُ؛ فَقَدْ بَلَغَتْ مِنَ الْكَمَالِ وَالْحُسْنِ, وَالنَّفْعِ وَالصَّلَاحِ -الَّذِي لَا سَبِيلَ إِلَى الصَّلَاحِ بِغَيْرِهِ- مَبْلَغًا لَا يَتَمَكَّنُ عَاقِلٌ مِنَ الرَّيْبِ فِيهِ، وَمَنْ قَالَ سِوَى ذَلِكَ فَقَدْ قَدَحَ بِعَقْلِهِ, وَبَيَّنَ سَفَهَهُ، وَمُكَابَرَتَهُ لِلضَّرُورَاتِ.

وَكَذَلِكَ أَحْكَامُهُ السِّيَاسِيَّةُ وَنُظُمُهُ الْحُكْمِيَّةُ وَالْمالِيَّةُ وَالِاقْتِصَادِيَّةُ مَعَ أَهْلِهِ وَمَعَ غَيْرِهِمْ؛ فَإِنَّهَا نِهَايَةُ الْكَمَالِ وَالْإِحْكَامِ, وَالسَّيْرُ فِي صَلَاحِ الْبَشَرِ كُلِّهِمْ، بِحَيْثُ يَجْزِمُ كُلُّ عَارِفٍ مُنْصِفٍ أَنَّهُ لَا وَسِيلَةَ لِإِنْقَاذِ الْبَشَرِ مِنَ الشُّرُورِ الْوَاقِعَةِ وَالَّتِي سَتَقَعُ إِلَّا بِاللُّجُوءِ إِلَيْهِ, وَالِاسْتِظْلَالِ بِظِلِّهِ الظَّلِيلِ الْمُحْتَوِي عَلَى الْعَدْلِ وَالرَّحْمَةِ, وَالْخَيْرِ الْمُتَنَوِّعِ لِلْبَشَرِ، الْمَانِعِ مِنَ الشَّرِّ، وَلَيْسَ مُسْتَمَدًّا مِنْ نُظُمِ الْخَلْقِ وَقَوَانِينِهِمُ النَّاقِصَةِ الضَّئِيلَةِ، وَلَا حَاجَةَ بِهِ إِلَى مُوَافَقَةِ شَيْءٍ مِنْهَا، بَلْ هِيَ فِي أَشَدِّ الضَّرُورَاتِ إِلَى الِاسْتِمْدَادِ مِنْهُ؛ فَإِنُّهُ تَنْزِيلُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ الْحَكِيمِ, الْعَلِيمِ بِأَحْوَالِ الْعِبَادِ، ظَاهِرِهَا وَبَاطِنِهَا، وَمَا يُصْلِحُهَا وَمَا يَنْفَعُهَا، وَمَا يُفْسِدُهَا وَمَا يَضُرُّهَا، وَهُوَ أَرْحَمُ بِهِمْ مِنْ آبَائِهِمْ وَأُمَّهَاتِهِمْ, وَمِنْ نُفُوسِهِمْ الَّتِي بَيْنَ جُنُوبِهِمْ, وَأَعْلَمُ بِأُمُورِهِمْ.

فَشَرَعَ لَهُمْ شَرْعًا كَامِلًا مُسْتَقِلًّا فِي أُصُولِهِ وَفُرُوعِهِ، فَإِذَا عَرَفُوهُ وَفَهِمُوهُ وَطَبَّقُوا أَحْكَامَهُ عَلَى الْوَاقِعِ؛ صَلَحَتْ أُمُورُهْمْ، فَإِنَّهُ كَفِيلٌ بِكُلِّ خَيْرٍ، وَمَتَّى أَرَدْتَ مَعْرِفَةَ ذَلِكَ فَانْظُرْ إِلَى أَحْكَامِهِ حُكْمًا حُكْمًا؛ فِي سِيَاسَةِ الْحُكْمِ وَالْمَالِ وَالْحُقُوقِ, وَالدِّمَاءِ وَالْحُدُودِ، وَجَمِيعِ الرَّوَابِطِ بَيْنَ الْخَلْقِ؛ تَجِدْهَا الْغَايَةَ الَّتِي لَوِ اجْتَمَعَتْ عُقُولُ الْخَلْقِ عَلَى أَنْ يَقْتَرِحُوا أَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ مِثْلَهَا تَعَذَّرَ عَلَيْهِمْ وَاسْتَحَالَ.

وَبِهَذَا وَشِبْهِهِ نَعْرِفُ غَلَطَ مَنْ يُرِيدُ نَصْرَ الْإِسْلَامِ بِتَقْرِيبِ نُظُمِهِ إِلَى النُّظُمِ الَّتِي جَرَتْ عَلَيْهَا الْحُكُومَاتُ ذَاتُ الْقَوَانِينِ وَالنُّظُمِ الْمَوْضُوعَةِ، فَإِنَّهَا هِيَ الَّتِي تَتَقَوَّى وَتَقْوَى إِذَا وَافَقَتْهُ فِي بَعْضِ نُظُمِهَا.

وَأَمَّا الْإِسْلَامُ فَإِنَّهُ غَنِيٌّ عَنْهَا، مُسْتَقِلٌّ بِأَحْكَامِهِ لَا يُضْطَّرُ إِلَى شَيْءٍ مِنْهَا، وَلَوْ فُرِضَ مَوَافَقَتُهُ لَهَا فِي بَعْضِ الْأُمُورِ فَهَذَا مِنَ الْمُصَادَفَاتِ الَّتِي لَا بُدَّ مِنْهَا، وَهُوَ غَنِيٌّ عَنْهَا فِي حَالِ مُوَافَقَتِهَا أَوْ مُخَالَفَتِهَا.

فَعَلَى مَنْ أَرَادَ أَنْ يَشْرَحَ الدِّينَ وَيُبَيِّنَ أَوْصَافَهُ لِلْعَالَمِينَ أَنْ يَبْحَثَ فِيهِ بَحْثًا مُسْتَقِلًّا, وَأَلَّا يَرْبِطَهُ بِغَيْرِهِ, أَوْ يَعْتَزَّ بِغَيْرِهِ، فَإِنَّ هَذَا نَقْصٌ فِي مَعْرِفَتِهِ, وَفِي الطَّرِيقِ الَّتِي يُبْصِرُ بِهَا، وَقَدِ ابْتُلِيَ بِهَذَا كَثِيرٌ مِنَ الْعَصْرِيِّينَ رُبَّمَا بِنِيَّةٍ صَالِحَةٍ, وَلَكِنَّهُمْ مَغْرُورُونَ مُغْتَرُّونَ بِزَخَارِفِ الْمَدَنِيَّةِ الْغَرْبِيَّةِ الَّتِي بُنِيَتْ عَلَى تَحْكِيمِ الْمَادَّةِ وَفَصْلِهَا عَنِ الدِّينِ، فَعَادَتْ إِلَى ضِدِّ مَقْصُودِهَا؛ فَذَهَبَ الدِّينُ وَلَمْ تَصْلُحْ لَهُمُ الدُّنْيَا، وَلَمْ يَسْتَطِيعُوا أَنْ يَعِيشُوا عِيشَةً هَنِيئَةً, وَلَا أَنْ يَحْيَوْا حَيَاةً طَيِّبَةً، وَللهِ عَوَاقِبُ الْأُمُورِ.

أَمَّا الْإِسْلَامُ فَقَدْ سَاوَى بَيْنَ الْبَشَرِ فِي كُلِّ الْحُقُوقِ، فَلَيْسَ فِيهِ تَعَصُّبُ نَسَبٍ، وَلَا عُنْصُرٍ، وَلَا قُطْرٍ وَلَا غَيْرِهَا، بَلْ جَعَلَ أَقْصَاهُمْ وَأَدْنَاهُمْ فِي الْحَقِّ سَوَاءً، وَأَمَرَ الْحُكَّامَ بِالْعَدْلِ التَّامِّ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَأَمَرَ الْمَحْكُومِينَ بِالطَّاعَةِ الَّتِي يَتِمُّ بِهَا التَّعَاوُنُ وَالتَّكَافُلُ، وَأَمَرَ الْجَمِيعَ بِالشُّورَى الَّتِي تَسْتَبِينُ بِهَا الْأُمُورُ, وَتَتَّضِحُ فِيهَا الْأَشْيَاءُ النَّافِعَةُ فَتُؤْثَرُ، وَتَتَّضِحُ فِيهَا الْأَشْيَاءُ الضَّارَّةُ فَتُتْرَكُ وَتُهْمَلُ)) .

إِنَّ اللهَ -جَلَّ وَعَلَا- قَدْ أَعَزَّنَا بِهَذَا الدِّينِ, فَمَهْمَا طَلَبْنَا الْعِزَّ فِي غَيْرِهِ أَذَلَّنَا اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ.

((حَثُّ الْإِسْلَامِ عَلَى التَّرَقِّي فِي الْعُلُومِ الْمَادِّيَّةِ))

دِينُ الْإِسْلَامِ الْعَظِيمِ يَحُضُّ الْمُسْلِمِينَ عَلَى التَّرَقِّي فِي الْعُلُومِ، وَفِي النَّظَرِ فِي آفَاقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَعَلَى النَّظَرِ فِي الْأَنْفُسِ، بَلْ وَعَلَى النَّظَرِ فِيمَا تَحْتَ الثَّرَى، وَهُوَ مَا وَصَلَ إِلَيْهِ مَنْ وَصَلَ مِمَّنْ نَظَرُوا فِي أَمْثَالِ هَذَا الْأَمْرِ الَّذِي حَدَّدَهُ الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ، وَهُوَ مَا تَحْتَ الثَّرَى، فَاسْتَخْرَجُوا الْمَعَادِنَ، وَاسْتَخْرَجُوا تِلْكَ الْمَادَّةَ الَّتِي صَارَتْ طَاقَةً لَا يَسْتَغْنِي عَنْهَا الْعَالَمُ الْيَوْمَ.

وَكُلُّ ذَلِكَ أَشَارَ إِلَيْهِ الْقُرْآنُ إِشَارَةً مُجْمَلَةً {وَمَا تَحْتَ الثَّرَى} [طه: 6].

فَالْمُسْلِمُونَ لَمَّا أَخَذُوا بِتَعَالِيمِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ تَقَدَّمُوا حَتَّى مَلَكُوا الْعَالَمَ الْقَدِيمَ كُلَّهُ.

قَالَ الْعَلَّامَةُ السَّعْدِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((فَهَذَا الدِّينُ الْإِسْلَامِيُّ يَحُثُّ عَلَى الرُّقِّيِّ الصَّحِيحِ وَالْقُوَّةِ مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ، عَكْسَ مَا افْتَرَاهُ أَعْدَاؤُهُ أَنَّهُ -أَيْ: الْإِسْلَامُ- مُخَدِّرٌ مُفَتِّرٌ، وَهُمْ يَعْلَمُونَ كَذِبَهُمْ وَافْتَرَاءَهُمْ عَنْهُ، وَلَكِنَّ الْمُبَاهَتَاتِ وَالْمُكَابَرَاتِ سَهَّلَتْ عَلَيْهِمْ، وَظَنُّوا مِنْ جَهْلِهِمْ أَنَّهَا تَرُوجُ عَلَى الْعُقَلَاءِ.

وَكُلُّ عَاقِلٍ يَعْلَمُ كَذِبَهُمْ وَافْتِرَاءَهُمْ، وَإِنَّمَا يَغْتَرُّ بِهِمُ الْجَاهِلُونَ الضَّالُّونَ الَّذِينَ لَا يَعْرِفُونَ عَنِ الْإِسْلَامِ لَا قَلِيلًا وَلَا كَثِيرًا.

بَلْ يُصَوِّرُ لَهُمْ هَؤُلَاءِ الْأَعْدَاءُ الْإِسْلَامَ بِصُوَرٍ شَنِيعَةٍ؛ لِيُرَوِّجُوا مَا يَقُولُونَهُ مِنَ الْبَاطِلِ، وَإِلَّا فَمَنْ عَرَفَ الْإِسْلَامَ مَعْرِفَةً صَحِيحَةً عَرَفَ أَنَّهُ لَا تَسْتَقِيمُ أُمُورُ الْبَشَرِ دِينِيُّهَا وَدُنْيَوِيُّهَا إِلَّا بِهِ، وَأَنَّ تَعَالِيمَهُ الْحَكِيمَةَ أَكْبَرُ بُرْهَانٍ عَلَى أَنَّهُ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ، عَالِمٍ بِالْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، رَحِيمٍ بِعِبَادِهِ؛ حَيْثُ شَرَعَ لَهُمْ هَذَا الدِّينَ)).

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ! طِيبُوا نَفْسًا بِهَذَا الدِّينِ الْخَاتَمِ الَّذِي رَضِيَهُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- لَكُمْ، وَالَّذِي أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْكُمْ بِهِ.

((دِينُ الرَّحْمَةِ وَالْأَخْلَاقِ))

عِبَادَ اللهِ! مِنْ أَسْمَى أَهْدَافِ رِسَالَةِ خَاتَمِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ: الرَّحْمَةُ وَالْأَخْلَاقُ، قَالَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107].

وَمَا اصْطَفَيْنَاكَ نَبِيًّا يُوحَى إِلَيْهِ، وَمَا اخْتَرْنَاكَ يَا رَسُولَ اللهِ رَسُولًا لِلْإِنْسِ وَالْجِنِّ، وَخَاتَمًا لِلْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ؛ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ، بِسَبَبِ حِرْصِكَ الشَّدِيدِ عَلَى إِنْقَاذِهِمْ مِنْ شَقَاءِ الدُّنْيَا، وَعَذَابِ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَعَلَى أَنْ يَظْفَرُوا بِالنَّعِيمِ الْأَبَدِيِّ الْخَالِدِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ.

وَهُوَ ﷺ رَحْمَةٌ لَهُمْ؛ لِأَنَّهُ يَحْمَلُ لَهُمْ وَيُبَلِّغُهُمْ أَعْظَمَ دِينٍ إِذَا اتَّبَعُوهُ وَعَمِلُوا بِمَا فِيهِ؛ يُنْجِيهِمْ مِنْ شَقَاءِ الدُّنْيَا وَعَذَابِ الْآخِرَةِ، وَيُظْفِرُهُمْ بِالسَّعَادَةِ الْأَبَدِيَّةِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ.

وَقَالَ ﷺ: ((إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ)) .

وَقَدْ كَانَ إِمَامُ الْأَنْبِيَاءِ ﷺ فِي ((حُسْنِ الْخُلُقِ)) عَلَى الْقِمَّةِ الشَّامِخَةِ، وَفَوْقَ الْغَايَةِ وَالْمُنْتَهَى، فَكَانَ كَمَا قَالَ عَنْهُ رَبُّهُ -عَزَّ وَجَلَّ-: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4].

((دِينُ الِاسْتِقَامَةِ وَالتَّوَازُنِ))

إِنَّ مِنْ خَصَائِصِ الإِسْلَامِ: الِاعْتِدَالَ وَالتَّوَازُنَ، وَالِاسْتِقَامَةُ مِنْ أَهَمِّ مَعَالِمِ الدِّينِ؛ قَالَ -تَعَالَى-: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7)} [الفاتحة:6-7].

قَالَ الأَوْزَاعِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((مَا مِنْ أَمْرٍ أَمَرَ اللهُ -تَعَالَى- بِهِ إِلَّا عَارَضَ الشَّيْطَانُ فِيهِ بِخَصْلَتَيْنِ؛ لَا يُبَالِي أَيَّهُمَا أَصَابَ: الغُلُوُّ، أَوِ التَّقْصِيرُ)) .

عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: خَطَّ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَطًّا، ثُمَّ قَالَ: ((هَذَا سَبِيلُ اللَّهِ))، ثُمَّ خَطَّ خُطُوطًا عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ، ثُمَّ قَالَ: ((هَذِهِ سُبُلٌ مُتَفَرِّقَةٌ، عَلَى كُلِّ سَبِيلٍ مِنْهَا شَيْطَانٌ يَدْعُو إِلَيْهِ))، ثُمَّ قَرَأَ: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ}. وَهَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالدَّارِمِيُّ، وَابْنُ أَبِي عَاصِمٍ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَغَيْرُهُمْ.

وَالصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ يَقْتَضِي مَعْنَى الْخَيْرِيَّةِ الَّتِي بَيْنَ طَرَفَيِ التَّفْرِيطِ وَالْإِفْرَاطِ.

النَّبِيُّ ﷺ يُعَلِّمُنَا التَّوَازُنَ بَيْنَ الرُّوحِ وَالْجَسَدِ، بَيْنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، نَبِيُّكُمْ ﷺ يُوَضِّحُ لَكُمْ: أَنَّ حَيَاتَكُمْ وَآخِرَتَكُمْ رَهْنٌ بِاسْتِقَامَتِكُمْ عَلَى مَا جَاءَ بِهِ.

أَمَّا الْإِلْحَادُ وَالْخُرُوجُ عَلَى مَنْهَجِ اللهِ وَفِطْرَتِهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا فَلَهُ مَفَاسِدُ وَشُرُورٌ لَا تُحْصَى وَلَا تُعَدُّ عَلَى الْفَرْدِ وَالْمُجْتَمَعِ؛ وَمِنْ تِلْكَ الْمَفَاسِدِ: الْإِلْحَادُ؛ فَمِمَّا لَا شَكَّ فِيهِ أَنَّ كَثِيرًا مِنْ دُوَلِ الْعَالَمِ الْغَرْبِيِّ وَالشَّرْقِيِّ تُعَانِي مِنْ نَزْعَةٍ إِلْحَاديةٍ عَارِمَةٍ، جَسَّدَتْهَا الشُّيُوعِيَّةُ الْمُنْهَارَةُ، وَتُجَسِّدُهَا الْعَلْمَانِيَّةُ الْمُخَادِعَةُ.

وَالْإِلْحَادُ بِدْعَةٌ جَدِيدَةٌ لَمْ تُوجَدْ فِي الْقَدِيمِ إِلَّا فِي النَّادِرِ فِي بَعْضِ الْأُمَمِ وَالْأَفْرَادِ.

الْإِلْحَادُ -فِي هَذَا الْعَصْرِ- لَهُ مَوَاقِعُ، وَلَهُ كُتُبٌ، وَلَهُ نَشْرَاتٌ، وَلَهُ مَرَاكِزُ، وَهُمْ يَرَوِّجُونَهُ بَيْنَ الشَّبَابِ، وَالشَّبَابُ قَدْ فُرِّغَ مِنْ ثَقَافِتِهِ بَلْ فُرِّغَ مِنْ عَقِيدَتِهِ، فَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَدْفَعَ هَذِهِ الشُّبَهَاتِ عَنْ نَفْسِهِ، وَرُبَّمَا صَدَّقَ أَنَّهَا مِنَ الْحَقَائِقِ الثَّابِتَةِ الَّتِي لَا تَقْبَلُ الْجِدَالَ، مَعَ أَنَّهَا أَوْهَامٌ فِي أَوْهَامٍ.

يَنْبَغِي عَلَيْكَ أَنْ تُحَصِّنَ نَفْسَكَ، ثُمَّ يَنْبَغِي عَلَيْكَ كَمُسْلِمٍ سُنِّيٍّ؛ يَنْبَغِي عَلَيْكَ أَنْ تَسْتَنْقِذَ إِخْوَانَكَ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ دَخَلَ عَلَيْهِمْ أَمْثَالُ هَذِهِ الشُّبُهَاتِ، وَهَذَا الْأَمْرُ يَتَفَشَّى الْآن، بَلْ يَنْتَشِرُ فِي كَثِيرٍ مِنَ الشَّبَابِ الْمُسْلِمِ كَالنَّارِ فِي الْهَشِيمِ!!

نَحْنَ فِي هَذَا الْعَصْرِ نَحْتَاجُ إِلَى إِقَامَةِ الدَّلِيلِ عَلَى وُجُودِ الرَّبِّ، إِنْ لَمْ يَكُنْ لِأَنْفُسِنَا؛ فَلِإِخْوَانِنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، حَتَّى يَثْبُتُوا عَلَى الْحَقِّ الَّذِي فَطَرَهُمُ اللهُ عَلَيْهِ، أَوْ لِمَنِ انْحَرَفَ عَنِ الْقَصْدِ فَتَكَاثَرَتْ عَلَيْهِ الشُّبُهَاتُ حَتَّى وَقَعَ في شُبْهَةٍ مِنَ الشُّبُهَاتِ الَّتِي تُخْرِجُهُ مِنَ الْجَادَّةِ إِلَى الْإِلْحَادِ -وَالْعِيَاذُ بِاللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ-.

هَذَا نَحْتَاجُهُ، بَلْ نَحْتَاجُهُ احْتِيَاجًا ضَرُورِيًّا فِي هَذَا الْوَقْتِ، فَمَا أَكْثَرَ مَا يَلْقَى الْإِنْسَانُ مِنَ الْمَلَاحِدَةِ، وَمَا أَكْثَرَ مَا يَسْمَعُ عَنْهُمْ، وَمَا أَكْثَرَ مَا تُنْقَلُ إِلَيْهِ شُبُهاتُهُمْ، وَكُلُّهَا فَارِغَةٌ لَيْسَتْ لَهَا قِيمَةٌ، وَهِيَ قَدِيمَةٌ لَيْسَتْ بِحَدِيثَةٍ، بَلْ إِنَّ بَعْضَهُم رُبَّمَا أَلْحَدَ بِسَبَبِ أُمُورٍ غَرِيبَةٍ.

أُمُورٌ يَسِيرَةٌ عَلَى طَالِبِ الْعِلْمِ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبوَّةِ أَنْ يَحْذِقَهَا فِي ذَلِكَ الْعَصْرِ حَتَّى يَسْتَطِيعَ أَنْ يَقِفَ فِي وَجْهِ هَذِهِ الْهَجْمَةِ الْإِلْحَادِيَّةِ الَّتِي تَتَعَرَّضُ لَهَا الدُّولُ الْإِسْلَامِيَّةُ، يَتَعَرَّضُ لَهَا الْمُسْلِمُونَ هُنَا وَهُنَالِكَ، وَبِالْوَسَائِلِ الْحَدِيثَةِ فِي الْمَعْلُومَاتِ صَارَ هَذَا وَاصِلًا إِلَى كُلِّ أَحَدٍ فِي مَكْمَنِهِ.. فِي خِدْرِهِ.

نَسْأَلُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ أَنْ يُثَبِّتَنَا عَلَى الْإِيمَانِ الْحَقِّ إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.

فَالْمُسْلِمُ يَنْبَغِي عَلَيْهِ أَنْ يَحْذَرَ فِي هَذَا الْعَصْرِ مِنْ أَمْثَالِ هَذِهِ الْحِيَلِ الشَّيْطَانِيَّةِ الَّتِي يَنْطِقُ بِهَا مَنْ يَنْطِقُ مِنْ شَيَاطِينِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ، وَيُلْقُونَهَا فِي أَسْمَاعِ قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَجْلِ أنْ يَفْتِنُوهُمْ عَنْ دِينِهِمْ.

وَمِنَ الْمَفَاسِدِ وَالشُّرُورِ -أَيْضًا- النَّاتِجَةِ بِسَبَبِ الْبُعْدِ عَنِ الدِّينِ: الِانْتِحَارُ وَالْأَمْرَاضُ النَّفْسِيَّةُ:

لَيْسَ هُنَالِكَ نِظَامٌ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ يَكُونُ مَوْضُوعًا مِنْ أَذْهَانِ الْبَشَرِ, وَلَا نَاتِجًا مِنَ الْعِلْمِ الْمَادِّيِّ -مَهْمَا بَلَغَ- يُمْكِنُ أَنْ يُرِيحَ الْإِنْسَانَ, وَانْظُرْ إِلَى الْغَرْبِ وَالشَّرْقِ!!

أَعْلَى نِسَبِ الِانْتِحَارِ فِي الدُّوَلِ الَّتِي فِيهَا أَعْلَى نِسَبٍ لِلدَّخْلِ الْفَرْدِيِّ, حَتَّى الْعَاطِلِينَ عِنْدَهُمْ لَهُمْ مَا يَقُوتُهُمْ!!

هُمْ خَيْرٌ مِنْ غَيْرِهِمُ الَّذِينَ يَسْعَوْنَ لَيْلًا وَنَهَارًا لِتَحْصِيلِ أَرْزَاقِهِمْ فِي غَيْرِ تِلْكَ الدُّوَلِ الْمُتَقَدِّمَةِ؛ وَمَعَ ذَلِكَ فَيُعَانُونَ مِنَ الْقَلَقِ, وَالمَصَحَّاتُ النَّفْسِيَّةُ مُنْتَشِرَةٌ عِنْدَهُمْ انْتِشَارًا لَيْسَ لَهُ مَثِيلٌ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ!!

كُلَّمَا كَانَتِ الْحَضَارَةُ وَالْمَدَنِيَّةُ بَعِيدَةً عَنِ التَّمَسُّكِ بِالدِّينِ؛ جَاءَ الْقَلَقُ وَالِاضْطِرَابُ, وَجَاءَتِ الْأَمْرَاضُ النَّفْسِيَّةُ, إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ الَّتِي تُؤَثِّر فِي عَقْلِ الْإِنْسَانِ وَفِي نَفْسِيَّتِهِ وَفِي سُلُوكِهِ وَفِي حَرَكَةِ حَيَاتِهِ.

وَتَأَمَّلْ فِي الْبَدْوِ وَفِي أَحْوَالِهِمْ؛ أَكْثَرُهُمْ لَا يَحْتَاجُ إِلَى الطَّبِيبِ, وَأَكْثَرُهُمْ يُمْضِي عُمُرَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَذْهَبَ إِلَى طَبِيبٍ, مَعَ قُوَّةٍ فِي أَبْدَانِهِم وَصِحَّةٍ فِي أَجْسَامِهِمْ؛ لِأَنَّهُم عَادُوا إِلَى الْبَدَاوَةِ وَالْفِطْرَةِ.

لَيْسَ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ يَنْبَغِي عَلَى النَّاسِ أَنْ يُطَلِّقُوا الْمَدَنِيَّةَ الْحَدِيثَةَ؛ لَا.. الأَصْلُ فِيهَا أَنْ تَكُونَ خَاضِعَةً لِـ: (قَالَ اللَّهُ.. قَالَ رَسُولُهُ)، لَا لِلْعُقُولِ الْبَشَرِيَّةِ.

الْعُقُولُ الْبَشَرِيَّةُ لَمَّا تَمَلَّكَتِ الْقُوَّةَ؛ عَاثَتْ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا, وَأَسْلِحَةُ التَّدْمِيرِ الشَّامِلِ كُلُّهَا لَيْسَ لهَا ضَابِطٌ أَخْلَاقِيٌّ, وَهِيَ تُمِيتُ مَلَايِينَ الْبَشَرِ فِي لَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ, وَتُؤثِّرُ تَأْثِيرَاتٍ غَيْرَ مَحْدُودَةٍ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مَحْكُومَةً بِنِظَامٍ أَخْلَاقِيٍّ عَقَدِيٍّ.

عِبَادَ اللهِ! إِنَّ السَّيْرَ فِي طَرِيقِ الْإِلْحَادِ وَالضَّلَالِ وَالْإِعْرَاضِ عَنْ دِينِ اللهِ مُدَمِّرٌ لِصَاحِبِهِ، مُهْلِكٌ لَهُ فِي دُنْيَاهُ وَآخِرَتِهِ، قَالَ اللهُ -تَعَالَى-: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (125) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (126) وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآَيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى} [طه: 124-127].

وَمَنْ أَعْرَضَ عَنِ الذِّكْرِ الرَّبَّانِيِّ الْمُنَزَّلِ؛ فَلَمْ يَعْمَلْ بِهِ وَلَمْ يَتَّبِعْهُ فَإِنَّ لَهُ فِي الدُّنْيَا عِقَابَيْنِ مُرَتَّبَيْنِ عَلَى إِعْرَاضِهِ عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ أَنْ آمَنَ بِمَا جَاءَ فِيهِ مِنْ هُدًى:

الْعِقَابُ الْأَوَّلُ: أَنْ نَجْعَلَ لَهُ مَعِيشَةً ضَيِّقَةً شَاقَّةً؛ يَضِيقُ فِي نَفْسِهِ، أَوْ فِي أَهْلِهِ وَأُسْرَتِهِ، أَوْ مِنْ وَسَائِلِ رِزْقِهِ وَكَسْبِهِ.

وَالْعِقَابُ الثَّانِي: أَنْ نَحْشُرَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَعْدَ الْبَعْثِ أَعْمَى كَالْكَافِرِينَ؛ لِمُشَابَهَتِهِ لَهُمْ فِي أَعْمَالِهِمْ.

قَالَ الْمُعْرِضُ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ: رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى كَالْكَافِرِينَ، وَقَدْ كُنْتُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا بَصِيرًا ذَا إِيمَانٍ؟!

قَالَ اللهُ -تَعَالَى- لَهُ: فَعَلْنَا بِكَ مِثْلَ ذَلِكَ الَّذِي كَانَ مِنْكَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا؛ إِذْ إِنَّكَ مَعَ كَوْنِكَ مُؤْمِنًا بِي لَمْ تَتَّبِعْ هُدَايَ الَّذِي أَمَرْتُكَ بِأَنْ تَتَّبِعَهُ، وَتَرَكْتَ الْعَمَلَ بِآيَاتِي الْمُنَزَّلَاتِ فَصِرْتَ فِي حَيَاتِكَ مِثْلَ الْكَافِرِينَ فِي السُّلُوكِ، فَأَنْتَ الْآنَ تَسْتَحِقُّ أَنْ تَكُونَ أَعْمَى مِثْلَهُمْ، وَمِثْلَ تَرْكِكَ فِي الدُّنْيَا الْعَمَلَ بِآيَاتِنَا الْمُنَزَّلَاتِ نَتْرُكُكَ فِي مَوْقِفِ الْحَشْرِ، فَلَا يُعْتَنَى بِكَ، وَتُعَامَلُ مُعَامَلَةَ الْكَافِرِينَ الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عُمْيًا.

وَمِثْلُ ذَلِكَ الْجَزَاءِ الَّذِي نُعَاقِبُ بِهِ مَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِنَا نَجْزِي -أَيْضًا- مَنْ أَسْرَفَ إِسْرَافًا بَالِغًا وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِنَا، وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ بِالْحَرِيقِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ أَشَدُّ كَمًّا وَكَيْفًا وَأَكْثَرُ بَقَاءً، مَعَ تَتَابُعِ الزَّمَانِ مِنْ عَذَابِ الضَّنْكِ فِي الدُّنْيَا، وَمِنْ عَذَابِ الْعَمَى بِالْمَحْشَرِ.

إِنَّ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا- أَخْبَرَ أَنَّ الْقُلُوبَ لَا تَطْمَئِنُّ إِلَّا بِذِكْرِهِ -جَلَّ وَعَلَا-، قال -جَلَّ وَعَلَا- فِي كِتَابِهِ الْعَظِيمِ: {أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد: ٢٨].

((بَرَاءَةُ الْإِسْلَامِ مِنْ جَرَائِمِ الْجَمَاعَاتِ الْمُتَطَرِّفَةِ))

إِنَّ مِمَّا يُبْنَى عَلَيْهِ دِينُ الْإِسْلَامِ الْعَظِيمِ الْمُعَامَلَةَ الْمُسْتَقِيمَةَ لِخَلْقِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَلَا تَكُونُ إِلَّا دَائِرَةً عَلَى فَلَكِ الْإِحْسَانِ لِلْخَلْقِ أَجْمَعِينَ.

وَاللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ أَمَرَ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ، فَالْإِحْسَانُ -إِذَنْ- فَرْضٌ مَفْرُوضٌ عَلَى الْخَلْقِ أَجْمَعِينَ.

وَالنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: ((إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ، وَلْيُرِحْ أَحَدُكُمْ ذَبِيحَتَهُ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ)) .

فَالرَّسُولُ ﷺ يُبَيِّنُ أَنَّهُ حَتَّى فِي هَذَا الْأَمْرِ كَتَبَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَفَرَضَ عَلَى الْإِنْسَانِ إِذَا مَا أَرَادَ أَنْ يَذْبَحَ الشَّاةَ، أَوْ مَا مَلَّكَهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ يَدَيْهِ إِيَّاهُ مِمَّا أَفَاءَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ عَلَيْهِ مِنْ نِعَمِهِ، إِذَا مَا أَرَادَ أَنْ يَكُونَ ذَابِحًا فَيَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ: ((فَلْيُرِحْ أَحَدُكُمْ ذَبِيحَتَهُ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ)).

وَإِنَّ مِنَ السُّنَّةِ أَلَّا يُظْهِرَ الْإِنْسَانُ الْمُدْيَةَ -أَيِ السِّكِّينَ- أَمَامَ عَيْنَيْ ذَبِيحَتِهِ، ثُمَّ إِنَّهُ يَسُوقُهَا إِلَى الْمَوْتِ سَوْقًا رَفِيقًا، كَمَا قَالَ عُمَرُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- لِرَجُلٍ كَانَ يَجُرُّ شَاةً لِيَذْبَحَهَا جَرًّا عَنِيفًا، فَقَالَ: ((سُقْهَا إِلَى الْمَوْتِ سَوْقًا رَفِيقًا؛ لِأَنَّ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ، وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ، وَمَا لَا يُعْطِي عَلَى مَا سِوَاهُ)).

وَالنَّبِيُّ ﷺ أَمَرَ بِذَلِكَ.

وَمَا ضَرَبَ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ شَيْئًا قَطُّ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مُجَاهِدًا فِي سَبِيلِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

عَقِيدَةٌ صَحِيحَةٌ ثَابِتَةٌ، وَعِبَادَةٌ مُسْتَقِيمَةٌ مَبْنَاهَا عَلَى النَّصِّ وَالتَّوْقِيفِ، وَمُعَامَلَةٌ لِلْخَلْقِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْإِحْسَانِ وَالْإِنْصَافِ، وَأَخْلَاقٌ قَوِيمَةٌ كَمَا جَاءَ بِهَا مُحَمَّدٌ ﷺ.

الْإسْلَامُ دِينُ الرَّحْمَةِ حَتَّى بِالْحَيَوَانَاتِ مَهْمَا صَغُرَتْ؛ فَإنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَقْبَل أَنْ تُحْرَقَ قَرْيَةُ النَّمْلِ، وَبَيَّنَ أَنَّهُ «لَا يُعَذِّبُ بِعَذَابِ اللهِ إِلَّا اللهُ».

إنَّ النَّبيَّ ﷺ لَمْ يَقْبَلْ أَنْ يَنْزِلَ الْعِقَابُ بِغَيْرِ النَّمْلَةِ الْجَانِيَةِ، فَأَخْبَرَ: «أَنَّ نَبيًّا نَزَلَ تَحْتَ شَجَرَةٍ فَقَرَصَتْهُ نَمْلَةٌ، فَأَمَرَ بِمَتَاعِهِ أنْ يُنْقَلَ، ثُمَّ أَمَرَ بِحَرْقِ قَرْيَةِ النَّمْلِ، فَقَالَ: فَهَلَّا نَمْلَةً وَاحِدَةً!! -يَعْنِي: عَاقِبْ الَّتِي قَرَصَتْكَ-. أَهْلَكْتَ أُمَّةً تُسَبِّحُ اللهَ -جَلَّ وَعَلَا- لأنَّ نَمْلَةً قَرَصَتْكَ».

هَذَا هُوَ نَّبِيُّكُمْ ﷺ.

لَا شَكَّ أَنَّ الرَّبْطَ بَيْنَ الدِّينِ وَالْإِرْهَابِ سَبَبُهُ الْجَهْلُ بِالدِّينِ، كَيْفَ لِدِينٍ يَجْعَلُ فِي كِتَابِهِ الْخَالِدِ عُقُوبَةً وَحَدًّا لِلْإِفْسَادِ فِي الْأَرْضِ أَنْ يَأْمُرَ بِالْإرْهَابِ؟!!

كَيْفَ لِدِينٍ جَاءَ رَحْمَةً لِلنَّاسِ أَجْمَعِينَ كَمَا قَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} أَنْ يُقِرَّ تَرْوِيعَ الْآمِنِينَ أَوْ الِاعْتِدَاءَ عَلَى الْمَدَنِيِّينَ؟!!

قَالَ ﷺ فِيمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ: «إِنَّمَا أَنَا رَحْمَةٌ مُهْدَاةٌ»، إنَّهُ دِينُ الرَّحْمَةِ، الرَّحْمَةِ الشَّامِلَةِ التي تَشْمَلُ كُلَّ الْأَحْيَاءِ.

فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «بَيْنَمَا كَلْبٌ يُطِيفُ بِرَكِيَّةٍ كَادَ يَقْتُلُهُ الْعَطَشُ، إِذْ رَأَتْهُ بَغِيٌّ مِنْ بَغَايَا بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَنَزَعَتْ مُوقَهَا -أَيْ: خُفَّهَا- فَاسْتَقَتْ لَهُ بِهِ -أَيْ: بِالْخُفِّ-، فَسَقَتْهُ -أَيْ: فسَقَتِ الْكَلْبَ- فَسَقَتْهُ إِيَّاهُ، فَغُفِرَ لَهَا بِهِ».

فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ مِنْ دِينٍ يَرْحَمُ رَبُّهُ مَنْ رَحِمَتْ كَلْبًا، وَهِيَ بَغِيٌّ مِنْ بَغَايَا بَنِي إِسْرَائِيلَ، كَيْفَ يُتَصَوَّرُ مِنْ دِينٍ يَرْحَمُ مَنْ أَنْزَلَهُ مَنْ كَانَتْ كَذَلِكَ لِرَحْمَتِهَا كَلْبًا أَنَّ يُتَّهَمَ بِأَنَّهُ لَا يَحُثُّ عَلَى رَحْمَةِ الْإنْسَانِ؟!!

لَقَدْ بَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ كَثِيرًا مِنْ صِفَاتِ الْخَوَارِجِ؛ حَتَّى لَا يَشْتَبِهَ أَمْرُهُمْ عَلَى مَنْ أَرَادَ الْحَقَّ وَهُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ.

وَمِنْ أَبْرَزِ صِفَاتِهِمْ: أَنَّهُمْ جُهَّالٌ, سُفَهَاءُ, أَحِدَّاءُ أَشِدَّاءُ، يَقْتُلُونَ أَهْلَ الْإِيمَانِ وَيَدَعُونَ أَهْلَ الْأَوْثَانِ.

رَوَى الْبُخَارِيُّ بِسَنَدِهِ عَنْ عَلِيٍّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: ((سَيَخْرُجُ قَوْمٌ فِي آخِرِ الزَّمَانِ أَحْدَاثُ الْأَسْنَانِ -يَعْنِي صِغَارُ السِّنِّ- سُفَهَاءُ الْأَحْلَامِ -أَيِ: الْعُقُولِ- يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ الْبَرِيَّةِ، لَا يُجَاوِزُ إِيمَانُهُمْ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، فَأَيْنَمَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ فَإِنَّ فِي قَتْلِهِمْ أَجْرًا لِمَنْ قَتَلَهُمْ)) .

مِنْ سَفَاهَةِ الْخَوَارِجِ أَنَّهُمْ يُسَمُّونَ الْأَشْيَاءَ بِغَيْرِ اسْمِهَا؛ فَالْعَيْثُ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا, وَسَفْكُ الدَّمِ الْحَرَامِ, وَقَتْلُ الْأَبْرِيَاءِ بِغَيْرِ حَقٍّ, وَقَطْعُ الطُّرُقِ, وَتَخْرِيبُ الْمُنْشَآتِ, وَاسْتِنْزَافُ ثَرْوَاتِ الْمُسْلِمِينَ, وَغَيْرُ ذَلِكَ هُوَ مِمَّا يُسَمُّونَهُ جِهَادًا فِي سَبِيلِ اللهِ!!

وَهَذِهِ السَّبِيلُ هِيَ سَبِيلُ الشَّيْطَانِ فِي الْحَقِيقَةِ؛ فَإِنَّ تَغْيِيرَ الْأَسْمَاءِ عَلَى هَذَا النَّحْوِ وَتَسْمِيَةَ مَا حَرَّمَ اللهُ بِأَسْمَاءٍ حَسَنَةٍ مِنْ حِيَلِ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ, فَقَدْ أَغْوَى الشَّيْطَانُ آدَمَ وَزَوْجَهُ، وَزَعَمَ لَهُمَا أَنَّ الشَّجَرَةَ الْمُحَرَّمَةَ هِيَ شَجَرَةُ الْخُلْدِ، وَسَمَّى مَا حَرَّمَ اللهُ بِاسْمٍ تَهْفُو إِلَيْهِ النَّفْسُ، وَتَجْنْحُ إِلَيْهِ الْقُلُوبُ، قَالَ: {قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى} [طه: 120]، فَكَذَلِكَ هَؤُلَاءِ الْخَوَارِجُ.

الْخَوَارِجُ سُفَهَاءُ الْأَحْلَامِ, ضِعَافُ الْفُهُومِ, يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ, يَحْسَبُونَ أَنَّهُ لَهُمْ وَهُوَ عَلَيْهِمْ، فَهُمْ جُهَّالٌ بِدِينِ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ-.

فِي هَذَا الْعَصْرِ؛ الْقُوَى الْمَحَلِيَّةُ مِنْ دَاخِلِيَّةٍ مُجْرِمَةٍ, وَكَذَا الْقُوَى الْخَارِجِيَّةُ مِنَ الصُّهْيُونِيَّةِ وَالصَّلِيبِيَّةِ وَالْمَاسُونِيَّةِ وَغَيْرِهَا مِنْ قُوَى الشَّيْطَانِ وَالشَّرِّ؛ كُلُّ أُولَئِكَ يَقِفُونَ أَمَامَ سَيْلِ الْإِسْلَامِ الْهَادِرِ بِمَا اسْتَطَاعُوا وَمَا وَجَدُوا، وَالْقَوْمُ يَا صَاحِبِي ضِعَافٌ لَا يَمْتَلِكُونَ أَنْ يُقَاوِمُوا تِلْكَ الْقُوَى الْعُظْمَى كَمَا يَقُولُونَ!! وَلَا أَنْ يَقِفُوا فِي وُجُوهِهِمْ، فَمَاذَا يَصْنَعُونَ؟!!

إِنَّ الَّذِي يَذْبَحُ النَّاسَ هُمُ الْخَوَارِجُ، لَمَّا فَرُّوا إِلَى النَّهْرَوَانِ وَأَخَذُوا عَبْدَ اللهِ بْنَ خَبَّابٍ فَذَبَحُوهُ، وَأَخَذُوا امْرَأَتَهُ فَبَقَرُوا بَطْنَهَا, وَاسْتَخْرَجُوا جَنِينَهَا مِنْ رَحِمِهَا -وَكَانَتْ حَامِلًا مُتِّمًا- فَذَبَحُوهُ!!

الَّذِينَ يَذْبَحُونَ الْيَوْمَ مِنَ الْمُجْرِمِينَ.. يَذْبَحُونَ النَّاسَ, فِعْلُ الْخَوَارِجِ الْمُجْرِمِينَ الْمُتَقَدِّمِينَ, فَيُنَفِّرُونَ النَّاسَ مِنَ الدِّينِ، يُنَفِّرُونَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ دِينِ رَبِّ الْعَالَمِينَ!!

أَسْأَلُ اللهَ أَنْ يُحْسِنَ خِتَامَنَا أَجْمَعِينَ.


((مُحَاسَبَةُ النَّفْسِ))

عِبَادَ اللهِ! ((مِنْ مَنَازِلِ {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} الَّتِي لَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ أَهْلِهَا حَتَّى يَنْزِلَ مَنَازِلَهَا: الْيَقَظَةُ، وَالْبَصِيرَةُ، وَالْفِكْرَةُ، وَالْعَزْمُ.

وَهَذِهِ الْمَنَازِلُ الْأَرْبَعَةُ لِسَائِرِ الْمَنَازِلِ كَالْأَسَاسِ لِلْبُنْيَانِ، وَعَلَيْهَا مَدَارُ مَنَازِلِ السَّفَرِ إِلَى اللَّهِ -تَعَالَى-، وَلَا يُتَصَوَّرُ السَّفَرُ إِلَيْهِ بِدُونِ نُزُولِهَا الْبَتَّةَ.

وَهِيَ عَلَى تَرْتِيبِ السَّيْرِ الْحِسِّيِّ؛ فَإِنَّ الْمُقِيمَ فِي وَطَنِهِ لَا يَتَأَتَّى مِنْهُ السَّفَرُ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ مِنْ غَفْلَتِهِ عَنِ السَّفَرِ، ثُمَّ يَتَبَصَّرَ فِي أَمْرِ سَفَرِهِ وَخَطَرِهِ وَمَا فِيهِ مِنَ الْمَنْفَعَةِ لَهُ وَالْمَصْلَحَةِ، ثُمَّ يُفَكِّرَ فِي أُهْبَةِ السَّفَرِ وَالتَّزَوُّدِ وَإِعْدَادِ عُدَّتِهِ، ثُمَّ يَعْزِمُ عَلَيْهِ، فَإِذَا عَزَمَ عَلَيْهِ وَأَجْمَعَ قَصْدَهُ انْتَقَلَ إِلَى مَنْزِلَةِ الْمُحَاسَبَةِ، وَهِيَ التَّمْيِيزُ بَيْنَ مَا لَهُ وَمَا عَلَيْهِ، فَيَسْتَصْحِبُ مَا لَهُ وَيُؤَدِّي مَا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مُسَافِرٌ سَفَرَ مَنْ لَا يَعُودُ.

وَمِنْ مَنْزِلَةِ الْمُحَاسَبَةِ يَصِحُّ لَهُ نُزُولُ مَنْزِلَةِ التَّوْبَةِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا حَاسَبَ نَفْسَهُ عَرَفَ مَا عَلَيْهِ مِنَ الْحَقِّ؛ فَخَرَجَ مِنْهُ وَتَنَصَّلُ مِنْهُ إِلَى صَاحِبِهِ، وَهِيَ حَقِيقَةُ التَّوْبَةِ، لِذَلِكَ تَقْدِيمُ الْمُحَاسَبَةِ عَلَى التَّوْبَةِ أَوْلَى.

وَلِتَأْخِيرِهَا عَنْهَا وَجْهٌ -أَيْضًا-، وَهُوَ أَنَّ الْمُحَاسَبَةَ لَا تَكُونُ إِلَّا بَعْدَ تَصْحِيحِ التَّوْبَةِ.

وَالتَّحْقِيقُ أَنْ التَّوْبَةَ بَيْنَ مُحَاسَبَتَيْنِ؛ مُحَاسَبَةٍ قَبْلَهَا تَقْتَضِي وُجُوبَهَا، وَمُحَاسَبَةٍ بَعْدَهَا تَقْتَضِي حِفْظَهَا، فَالتَّوْبَةُ مَحْفُوفَةٌ بِمُحَاسَبَتَيْنِ)) .

((آثَارُ السَّلَفِ فِي مُحَاسَبَةِ النَّفْسِ))

لَقَدْ ذَكَرَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي ((الزُّهْدِ))، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّهُ قَالَ: ((حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا، وَزِنُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُوزَنُوا، فَإِنَّهُ أَهْوَنُ عَلَيْكُمْ فِي الْحِسَابِ غَدًا؛ أَنْ تُحَاسِبُوا أَنْفُسَكَمُ الْيَوْمَ، وَتَزَيَّنُوا لِلْعَرْضِ الْأَكْبَرِ، {يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ})).

وَذَكَرَ -أَيْضًا- عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: ((لَا تَلْقَى الْمُؤْمِنَ إِلَّا يُحَاسِبُ نَفْسَهُ، مَا أَرَدْتُ بِكَلِمَتِي؟ مَا أَرَدْتُ بِأَكْلَتِي؟ مَا أَرَدْتُ بِشَرْبَتِي؟

وَالْفَاجِرُ يَمْضِي قُدُمَا، لَا يُحَاسِبُ نَفْسَهُ)).

وَقَالَ قَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ -تَعَالَى-: {وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا}: ((أَضَاعَ نَفْسَهُ وَغُبِنَ، مَعَ ذَلِكَ تَرَاهُ حَافِظًا لِمَالِهِ، مُضَيِّعًا لِدِينِهِ)) .

قَالَ الْحَسَنُ: ((إِنَّ الْعَبْدَ لَا يَزَالُ بِخَيْرٍ، مَا كَانَ لَهُ وَاعِظٌ مِنْ نَفْسِهِ، وَكَانَتِ الْمُحَاسَبَةُ مِنْ هِمَّتِهِ)).

وَقَالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ: ((لَا يَكُونُ الْعَبْدُ تَقِيًّا، حَتَّى يَكُونَ لِنَفْسِهِ أَشَدَّ مُحَاسَبَةً مِنَ الشَّرِيكِ لِشَرِيكِهِ))؛ وَلِهَذَا قِيلَ: ((النَّفْسُ كَالشَّرِيكِ الْخَوَّانِ، إِنْ لَمْ تُحَاسِبْهُ ذَهَبَ بِمَالِكَ)).

وَقَالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ -أَيْضًا-: ((التَّقِيُّ أَشَدُّ مُحَاسَبَةً لِنَفْسِهِ مِنْ سُلْطَانٍ عَاضٍّ، وَمِنْ شَرِيكٍ شَحِيحٍ)).

وَذَكَرَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ وَهْبٍ, قَالَ: ((مَكْتُوبٌ ((فِي حِكْمَةِ آلِ دَاوُدَ)): ((حَقٌّ عَلَى الْعَاقِلِ أَنْ لا يَغْفَلَ عَنْ أَرْبَعِ سَاعَاتٍ:

سَاعَةٍ يُنَاجِي فِيهَا رَبَّهُ، وَسَاعَةٍ يُحَاسِبُ فِيهَا نَفْسَهُ، وَسَاعَةٍ يَخْلُو فِيهَا مَعَ إِخْوَانِهِ الَّذِينَ يُخْبِرُونَهُ بِعُيُوبِهِ وَيَصْدُقُونَهُ عَنْ نَفْسِهِ، وَسَاعَةٍ يُخَلِّي بَيْنَ نَفْسِهِ وَبَيْنَ لَذَّاتِهَا فِيمَا يَحِلُّ وَيَجْمُلُ؛ فَإِنَّ في هَذِهِ السَّاعَةِ عَوْنًا عَلَى تِلكَ السَّاعَاتِ، وَإِجْمَامًا لِلْقُلُوبِ).

وَكَانَ الْأَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ يَجِيءُ إِلَى الْمِصْبَاحِ؛ فَيَضَعُ أُصْبَعَهُ فِيهِ ثُمَّ يَقُولُ: ((حَسّ يَا حُنَيْفُ! مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ يَوْمَ كَذَا؟ مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ يَوْمَ كَذَا؟!!)).

وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- إِلَى بَعْضِ عُمَّالِهِ: ((حَاسِبْ نَفْسَكَ فِي الرَّخَاءِ قَبْلَ حِسَابِ الشِّدَّةِ؛ فَإِنَّ مَنْ حَاسَبَ نَفْسَهُ فِي الرَّخَاءِ قَبْلَ حِسَابِ الشِّدَّةِ عَادَ أَمْرُهُ إِلَى الرِّضَا وَالْغِبْطَةِ، وَمَنْ أَلْهَتْهُ حَيَاتُهُ وَشَغَلَتْهُ أَهْوَاؤُهُ عَادَ أَمْرُهُ إِلَى النَّدَامَةِ وَالْخَسَارَةِ)) .

قَالَ الْحَسَنُ: ((الْمُؤْمِنُ قَوَّامٌ عَلَى نَفْسِهِ، يُحَاسِبُ نَفْسَهُ للهِ، وَإِنَّمَا خَفَّ الْحِسَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى قَوْمٍ حَاسَبُوا أَنْفُسَهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَإِنَّمَا شَقَّ الْحِسَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى قَوْمٍ أَخَذُوا هَذَا الْأَمْرَ مِنْ غَيْرِ مُحَاسَبَةٍ.

إِنَّ الْمُؤْمِنَ يُفَاجِئُهُ الشَّيْءُ وَيُعْجِبُهُ فَيَقُولُ: وَاللهِ إِنِّي لَأَشْتَهِيكَ، وَاللهِ إِنَّكَ لَمِنْ حَاجَتِي، وَلَكِنْ وَاللهِ مَا مِنْ صِلَةٍ إِلَيْكَ، هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ! حِيلَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ، وَيَفْرُطُ مِنْهُ الشَّيْءُ فَيَرْجِعُ إِلَى نَفْسِهِ فَيَقُولُ: مَا أَرَدْتَ إِلَى هَذَا؟ مَا لِي وَلِهَذَا؟ وَاللهِ لَا أَعُودُ إِلَى هَذَا أَبَدًا.

إِنَّ الْمُؤْمِنِينَ قَوْمٌ أَوْقَفَهُمُ الْقُرْآنُ، وَحَالَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ هَلَكَتِهِمْ، إِنَّ الْمُؤْمِنَ أَسِيرٌ فِي الدُّنْيَا يَسْعَى فِي فَكَاكِ رَقَبَتِهِ، لَا يَأْمَنُ شَيْئًا حَتَّى يَلْقَى اللهَ، يَعْلَمُ أَنَّهُ مَأْخُوذٌ عَلَيْهِ فِي سَمْعِهِ وَفِي بَصَرِهِ، وَفِي لِسَانِهِ وَفِي جَوَارِحِهِ، مَأْخُوذٌ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ)) .

وَقَالَ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ: ((رَحِمَ اللهُ عَبْدًا قَالَ لِنَفْسِهِ: أَلَسْتِ صَاحِبَةَ كَذَا؟ أَلَسْتِ صَاحِبَةَ كَذَا؟ ثُمَّ ذَمَّهَا، ثُمَّ خَطَمَهَا، ثُمَّ أَلْزَمَهَا كِتَابَ اللهِ وَكَانَ لَهَا قَائِدًا)) ))).

عَنْ أَبِي شَمَاسَةَ الْمَهْرِيِّ قَالَ: حَضَرْنَا عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- وَهُوَ فِي سِيَاقَةِ الْمَوْتِ، فَبَكَى طَوِيلًا، وَحَوَّلَ وَجْهَهُ إِلَى الْجِدَارِ، فَجَعَلَ ابْنُهُ يَقُولُ: يَا أَبَتَاهُ! أَمَا بَشَّرَكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِكَذَا؟ أَمَا بَشَّرَكَ بِكَذَا؟!!

فَأَقْبَلَ بِوَجْهِهِ فَقَالَ: إِنَّ أَفْضَلَ مَا نُعِدُّ: شَهَادَةُ ((أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ))، إِنِّي كُنْتُ عَلَى أَطْبَاقٍ ثَلَاثٍ؛ لَقَدْ رَأَيْتُنِي وَمَا أَحَدٌ أَشَدَّ بُغْضًا لِرَسُولِ اللهِ مِنِّي، وَلَا أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ أَكُونَ قَدِ اسْتَمْكَنْتُ مِنْهُ فَقَتَلْتُهُ، فَلَوْ مُتُّ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ لَكُنْتُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ.

فَلَمَّا جَعَلَ اللهُ الْإِسْلَامَ فِي قَلْبِي، أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقُلْتُ: ابْسُطْ يَمِينَكَ فَلْأُبَايِعْكَ، فَبَسَطَ يَمِينَهُ، قَالَ: فَقَبَضْتُ يَدِي.

قَالَ: ((مَا لَكَ يَا عَمْرُو؟)).

قَالَ: قُلْتُ: أَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِطَ.

قَالَ: ((تَشْتَرِطُ بِمَاذَا؟)).

قُلْتُ: أَنْ يُغْفَرَ لِي.

قَالَ: ((أَمَا علِمْتَ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ، وَأَنَّ الْهِجْرَةَ تَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهَا، وَأَنَّ الْحَجَّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ؟)).

وَمَا كَانَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَلَا أَجَلَّ فِي عَيْنِي مِنْهُ، وَمَا كُنْتُ أُطِيقُ أَنْ أَمْلَأَ عَيْنِيَّ مِنْهُ؛ إِجْلَالًا لَهُ، وَلَوْ سُئِلْتُ أَنْ أَصِفَهُ مَا أَطَقْتُ؛ لِأَنِّي لَمْ أَكُنْ أَمْلَأُ عَيْنِيَّ مِنْهُ، وَلَوْ مُتُّ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ لَرَجَوْتُ أَنْ أَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ.

ثُمَّ وَلِينَا أَشْيَاءَ مَا أَدْرِي مَا حَالِي فِيهَا، فَإِذَا أَنَا مُتُّ، فَلَا تَصْحَبْنِي نَائِحَةٌ وَلَا نَارٌ، فَإِذَا دَفَنْتُمُونِي فَشُنُّوا عَلَيَّ التُّرَابَ شَنًّا، ثُمَّ أَقِيمُوا حَوْلَ قَبْرِي قَدْرَ مَا تُنْحَرُ جَزُورٌ وَيُقْسَمُ لَحْمُهَا؛ حَتَّى أَسْتَأْنِسَ بِكُمْ، وَأَنْظُرَ مَاذَا أُرَاجِعُ بِهِ رُسَلَ رَبِّي)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي ((صَحِيحِهِ)) .

وَعَنْ حَنْظَلَةَ الْأُسَيِّدِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- -وَكَانَ مِنْ كُتَّابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ- قَالَ: لَقِينِي أَبُو بَكْرٍ قَالَ: كَيْفَ أَنْتَ يَا حَنْظَلَةُ؟

قَالَ: قُلْتُ: نَافَقَ حَنْظَلَةُ.

قَالَ: سُبْحَانَ اللهِ! مَا تَقُولُ؟!!

قَالَ: قُلْتُ: نَكُونُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ يُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ حَتَّى كَأَنَّا رَأْيَ عَيْنٍ، فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَافَسْنَا الْأَزْوَاجَ وَالْأَوْلَادَ وَالضَّيْعَاتِ فَنَسِينَا كَثِيرًا.

قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَوَاللهِ إِنَّا لَنَلْقَى مِثْلَ هَذَا.

قَالَ: فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، قُلْتُ: نَافَقَ حَنْظَلَةُ يَا رَسُولَ اللهِ!!

فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((وَمَا ذَاكَ؟)).

قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ نَكُونُ عِنْدَكَ تُذَكِّرُنَا النَّارَ وَالْجَنَّةَ حَتَّى كَأَنَّا رَأْيَ عَيْنٍ، فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِكَ عَافَسْنَا الْأَزْوَاجَ وَالْأَوْلَادَ وَالضَّيْعَاتِ، نَسِينَا كَثِيرًا.

فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنْ لَوْ تَدُومُونَ عَلَى مَا تَكُونُونَ عِنْدِي وَفِي الذِّكْرِ لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلَائِكَةُ عَلَى فُرُشِكُمْ وَفِي طُرُقِكُمْ، وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ! سَاعَةً وَسَاعَةً، سَاعَةً وَسَاعَةً، سَاعَةً وَسَاعَةً)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي ((صَحِيحِهِ)) .

((النَّفْسُ مَعَ صَاحِبِهَا كَالشَّرِيكِ فِي الْمَالِ!!))

((لَقَدْ مُثِّلَتِ النَّفْسُ مَعَ صَاحِبِهَا بِالشَّرِيكِ فِي الْمَالِ، وَكَمَا أَنَّهُ لَا يَتِمُّ مَقْصُودُ الشَّرِكَةِ مِنَ الرِّبْحِ إِلَّا بِالْمُشَارَطَةِ عَلَى مَا يَفْعَلُ الشَّرِيكُ أَوَّلًا، ثُمَّ يُطَالِعُهُ بِمَا يَعْمَلُ وَالْإِشْرَافِ عَلَيْهِ وَمُرَاقَبَتِهِ ثَانِيًا، ثُمَّ بِمُحَاسَبَتِهِ ثَالِثًا، ثُمَّ يَمْنَعُهُ مِنَ الْخِيَانَةِ إِنْ اطَّلَعَ عَلَيْهِ رَابِعًا؛ فَكَذَلِكَ النَّفْسُ: شَارِطْهَا أَوَّلًا عَلَى حِفْظِ الْجَوَارِحِ السِّتِّ، الَّتِي حِفْظُهَا هُوَ رَأْسُ الْمَالِ وَالرِّبْحُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَمَنْ لَيْسَ لَهُ رَأْسُ مَالٍ فَكَيْفَ يَطْمَعُ فِي الرِّبْحِ؟!!

وَهَذِهِ الْجَوَارِحُ السِّتُّ هِيَ: الْعَيْنُ وَالْأُذُنُ، وَالْفَمُ وَالْفَرْجُ، وَالْيَدُ وَالرِّجْلُ، وَهِيَ مَرَاكِبُ الْعَطَبِ وَالنَّجَاةِ، فَمِنْهَا عَطِبَ مَنْ عَطِبَ بِإِهْمَالِهَا وَعَدَمِ حِفْظِهَا وَنَجَا مَنْ نَجَا بِحِفْظِهَا وَمُرَاعَاتِهَا، فَحِفْظُهَا أَسَاسُ كُلِّ خَيْرٍ، وَإِهْمَالُهَا أَسَاسُ كُلِّ شَرٍّ، قَالَ -تَعَالَى-: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ} [النور: 30].

وَقَالَ -تَعَالَى-: {وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا} [الإسراء: 37].

وَقَالَ -تَعَالَى-: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} [الإسراء: 36].

وَقَالَ -تَعَالَى-: {وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [الإسراء: 53].

وَقَالَ -سُبْحَانَهُ-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا} [الأحزاب: 70].

وَقَالَ -تَعَالَى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ} [الحشر: 18].

فَإِذَا شَارَطَ النَّفْسَ عَلَى حِفْظِ هَذِهِ الْجَوَارِحِ انْتَقَلَ مِنْهَا إِلَى مُطَالَعَتِهَا وَالْإِشْرَافِ عَلَيْهَا وَمُرَاقَبَتِهَا، فَلَا يُهْمِلُهَا؛ فَإِنَّهُ إِنْ أَهْمَلَهَا لَحْظَةً وَقَعَتْ فِي الْخِيَانَةِ وَلَا بُدَّ، فَإِنْ تَمَادَى عَلَى الْإِهْمَالِ تَمَادَتْ فِي الْخِيَانَةِ حَتَّى يَذْهَبَ رَأْسُ الْمَالِ كُلُّهُ.

فَمَتَى أَحَسَّ بِالنُّقْصَانِ انْتَقَلَ إِلَى الْمُحَاسَبَةِ، فَحِينَئِذٍ يَتَبَيِّنُ لَهُ حَقِيقَةُ الرِّبْحِ وَالْخُسْرَانِ، فَإِذَا أَحَسَّ بِالْخُسْرَانِ وَتَيَقَّنَهُ اسْتَدْرَكَ مِنْهَا مَا يَسْتَدْرِكُهُ الشَّرِيكُ مِنْ شَرِيكِهِ؛ مِنَ الرُّجُوعِ عَلَيْهِ بِمَا مَضَى، وَالْقِيَامِ بِالْحِفْظِ وَالْمُرَاقَبَةِ فِي الْمُسْتَقَبْلِ، وَلَا مَطْمَعَ لَهُ فِي فَسْخِ عَقْدِ الشَّرِكَةِ مَعَ هَذَا الْخَائِنِ وَالِاسْتِبْدَالِ بِغَيْرِهِ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ، فَلْيَجْتَهِدْ فِي مُرَاقَبَتِهِ وَمُحَاسَبَتِهِ، وَلْيَحْذَرْ مِنْ إِهْمَالِهِ.

وَيُعِينُهُ عَلَى هَذِهِ الْمُرَاقَبَةِ وَالْمُحَاسَبَةِ: مَعْرِفَتُهُ أَنَّهُ كُلَّمَا اجْتَهَدَ فِيهَا الْيَوْمَ اسْتَرَاحَ مِنْهَا غَدًا إِذَا صَارَ الْحِسَابُ إِلَى غَيْرِهِ، وَكُلَّمَا أَهْمَلَهَا الْيَوْمَ اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْحِسَابُ غَدًا.

وَيُعِينُهُ عَلَيْهَا -أَيْضًا-: مَعْرِفَتُهُ أَنَّ رِبْحَ هَذِهِ التِّجَارَةِ: سُكْنَى الْفِرْدَوْسِ وَالنَّظَرُ إِلَى وَجْهِ الرَّبِّ -سُبْحَانَهُ-، وَأَنَّ خَسَارَتَهَا: دُخُولُ النَّارِ وَالْحِجَابُ عَنِ الرَّبِّ -تَعَالَى-، فَإِذَا تَيَقَّنَ هَذَا هَانَ عَلَيْهِ الْحِسَابُ الْيَوْمَ.

فَحَقٌّ عَلَى الْحَازِمِ، الْمُؤْمِنِ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَلَّا يَغْفُلَ عَنْ مُحَاسَبَةِ نَفْسِهِ وَالتَّضْيِيقِ عَلَيْهَا فِي حَرَكَاتِهَا وَسَكَنَاتِهَا، وَخَطَرَاتِهَا وَخُطُوَاتِهَا، فَكُلُّ نَفَسٍ مِنْ أَنْفَاسِ الْعُمُرِ جَوْهَرَةٌ نَفِيسَةٌ يُمْكِنُ أَنْ يُشْتَرَى بِهِ كَنْزٌ مِنَ الْكُنُوزِ لَا يُتَنَاهَى نَعِيمُهُ أَبَدَ الْآبَادِ، فَإِضَاعَةُ هَذِهِ الْأَنْفَاسِ أَوِ اشْتِرَاءُ صَاحِبِهَا بِهَا مَا يَجْلِبُ هَلَاكَهُ خُسْرَانٌ عَظِيمٌ، وَلَا يَسْمَحُ بِمِثْلِهِ إِلَّا أَجْهَلُ النَّاسِ وَأَحْمَقُهُمْ وَأَقَلُّهُمْ عَقْلًا، وَإِنَّمَا يَظْهَرُ لَهُ حَقِيقَةُ هَذَا الْخُسْرَانِ يَوْمَ التَّغَابُنِ: {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ} [آل عمران: 30])) .

((مَعْنَى مُحَاسَبَةِ النَّفْسِ وَحَقِيقَتُهَا))

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: ((مُحَاسَبَةُ النَّفْسِ: أَنْ يَتَصَفَّحَ الْإِنْسَانُ فِي لَيْلِهِ مَا صَدَرَ مِنْ أَفْعَالِ نَهَارِهِ؛ فَإِنْ كَانَ مَحْمُودًا أَمْضَاهُ وَأَتْبَعَهُ بِمَا شَاكَلَهُ وَضَاهَاهُ، وَإِنْ كَانَ مَذْمُومًا اسْتَدْرَكَهُ إِنْ أَمْكَنَ وَانْتَهَى عَنْ مِثْلِهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ)).

وَاعْلَمْ أَنَّ مَطَالِبَ الْمُتَعَامِلِينَ فِي التِّجَارَاتِ الْمُشْتَرِكِينَ فِي الْبَضَائِعِ عِنْدَ الْمُحَاسَبَةِ سَلَامَةُ الرِّبْحِ، وَكَمَا أَنَّ التَّاجِرَ يَسْتَعِينُ بِشَرِيكِهِ فَيُسَلِّمُ إِلَيْهِ الْمَالَ حَتَّى يَتَّجِرَ ثُمَّ يُحَاسِبُهُ فَكَذَلِكَ الْعَقْلُ هُوَ التَّاجِرُ فِي طَرِيقِ الْآخِرَةِ، وَإِنَّمَا مَطْلَبُهُ وَرِبْحُهُ تَزْكِيَةُ النَّفْسِ؛ لِأَنَّ بِذَلِكَ فَلَاحَهَا، قَالَ اللهُ -تَعَالَى-: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشمس: 9-10]، وَإِنَّمَا فَلَاحُ النَّفْسِ بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ.

وَالْعَقْلُ يَسْتَعِينُ بِالنَّفْسِ فِي هَذِهِ التِّجَارَةِ؛ إِذْ يَسْتَعْمِلُهَا وَيَسْتَسْخِرُهَا فِيمَا يُزَكِّيهَا كَمَا يَسْتَعِينُ التَّاجِرُ بِشَرِيكِهِ وَغُلَامِهِ الَّذِي يَتَّجِرُ فِي مَالِهِ.

وَكَمَا أَنَّ الشَّرِيكَ يَصِيرُ خَصْمًا مُنَازِعًا يُجَاذِبُهُ فِي الرِّبْحِ؛ فَيَحْتَاجُ إِلَى أَنْ يُشَارِطَهُ أَوَّلًا، وَيُرَاقِبَهُ ثَانِيًا، وَيُحَاسِبَهُ ثَالِثًا، وَيُعَاقِبَهُ أَوْ يُعَاتِبَهُ رَابِعًا؛ فَكَذَلِكَ الْعَقْلُ يَحْتَاجُ إِلَى مُشَارَطَةِ النَّفْسِ أَوَّلًا؛ فَيُوَظِّفُ عَلَيْهَا الْوَظَائِفَ، وَيَشْرُطُ عَلَيْهَا الشُّرُوطَ، وَيُرْشِدُهَا إِلَى طَرِيقِ الْفَلَاحِ، وَيَجْزِمُ عَلَيْهَا الْأَمْرَ بِسُلُوكِ تِلْكَ الطُّرُقِ، ثُمَّ لَا يَغْفُلُ عَنْ مُرَاقَبَتِهَا لَحْظَةً؛ فَإِنَّهُ لَوْ أَهْمَلَهَا لَمْ يَرَ مِنْهَا إِلَّا الْخِيَانَةَ وَتَضْيِيعَ رَأْسِ الْمَالِ كَالْعَبْدِ الْخَائِنِ إِذَا خَلَا لَهُ الْجَوُّ وَانْفَرَدُ بِالْمَالِ.

ثُمَّ بَعْدَ الْفَرَاغِ يَنْبَغِي أَنْ يُحَاسِبَهَا، وَيُطَالِبَهَا بِالْوَفَاءِ فِيمَا شَرَطَ عَلَيْهَا؛ فَإِنَّ هَذِهِ تِجَارَةٌ رِبْحُهَا الْفِرْدَوْسُ الْأَعْلَى، وَبُلُوغُ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى مَعَ الْأَنْبِيَاءِ وَالشُّهَدَاءِ.

فَتَدْقِيقُ الْحِسَابِ فِي هَذَا مَعَ النَّفْسِ أَهَمُّ كَثِيرًا مِنْ تَدْقِيقِهِ فِي أَرْبَاحِ الدُّنْيَا مَعَ أَنَّهَا مُحْتَقَرَةٌ بِالْإِضَافَةِ إِلَى نَعِيمِ الْعُقْبَى، ثُمَّ كَيْفَمَا كَانَتْ فَمَصِيرُهَا إِلَى التَّصَرُّمِ وَالِانْقِضَاءِ، وَلَا خَيْرَ فِي خَيْرٍ لَا يَدُومُ، بَلْ شَرٌّ لَا يَدُومُ خَيْرٌ مِنْ خَيْرٍ لَا يَدُومُ؛ لِأَنَّ الشَّرَّ الَّذِي لَا يَدُومُ إِذَا انْقَطَعَ بَقِيَ الْفَرَحُ بِانْقِطَاعِهِ دَائِمًا وَقَدِ انْقَضَى الشَّرُّ، وَالْخَيْرُ الَّذِي لَا يَدُومُ يَبْقَى الْأَسَفُ عَلَى انْقِطَاعِهِ دَائِمًا وَقَدِ انْقَضَى الْخَيْرُ.

وَلِذَلِكَ قِيلَ:

أَشَدُّ الْغَمِّ عِنْدِي فِي سُرُورٍ=تَيَقَّنَ عَنْهُ صَاحِبُهُ انْتِقَالَا

فَحَتْمٌ عَلَى كُلِّ ذِي حَزْمٍ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَلَّا يَغْفُلَ عَنْ مُحَاسَبَةِ نَفْسِهِ وَالتَّضْيِيقِ عَلَيْهَا فِي حَرَكَاتِهَا وَسَكَنَاتِهَا، وَخَطَرَاتِهَا وَخُطُوَاتِهَا؛ فَإِنَّ كُلَّ نَفَسٍ مِنْ أَنْفَاسِ الْعُمُرِ جَوْهَرَةٌ نَفِيسَةٌ لَا عِوَضَ لَهَا، يُمْكِنُ أَنْ يُشْتَرَى بِهَا كَنْزٌ مِنَ الْكُنُوزِ لَا يَتَنَاهَى نَعِيمُهُ أَبَدَ الْآبَادِ، فَانْقِبَاضُ هَذِهِ الْأَنْفَاسِ ضَائِعَةً أَوْ مَصْرُوفَةً إِلَى مَا يَجْلِبُ الْهَلَاكَ خُسْرَانٌ عَظِيمٌ هَائِلٌ لَا تَسْمَحُ بِهِ نَفْسُ عَاقِلٍ.

فَإِذَا أَصْبَحَ الْعَبْدُ وَفَرَغَ مِنْ فَرِيضَةِ الصُّبْحِ يَنْبَغِي أَنْ يَفْرُغَ قَلْبُهُ سَاعَةً لِمُشَارَطَةِ النَّفْسِ، كَمَا أَنَّ التَّاجِرَ عِنْدَ تَسْلِيمِ الْبِضَاعَةِ إِلَى الشَّرِيكِ الْعَامِلِ يُفْرِغُ الْمَجْلِسَ لِمُشَارَطَتِهِ، فَيَقُولُ لِلنَّفْسِ: مَا لِي بِضَاعَةٌ إِلَّا الْعُمُرُ، وَمَهْمَا فَنِيَ فَقَدْ فَنِيَ رَأْسُ الْمَالِ، وَوَقَعَ الْيَأْسُ مِنَ التِّجَارَةِ وَطَلَبِ الرِّبْحِ!!

وَهَذَا الْيَوْمُ الْجَدِيدُ قَدْ أَمْهَلَنِي اللهُ فِيهِ، وَأَنْسَأَ فِي أَجْلِي، وَأَنْعَمَ عَلَيَّ بِهِ، وَلَوْ تَوَفَّانِي لَكُنْتُ أَتَمَنَّى أَنْ يُرْجِعَنِي إِلَى الدُّنْيَا يَوْمًا وَاحِدًا حَتَّى أَعْمَلَ فِيهِ صَالِحًا، فَاحْسَبِي أَنَّكِ قَدْ تُوِفِّيتِ، ثُمَّ قَدْ رُدِدْتِ؛ فَإِيَّاكِ ثُمَّ إِيَّاكِ أَنْ تُضَيِّعِي هَذَا الْيَوْمَ؛ فَإِنَّ كُلَّ نَفَسٍ مِنَ الْأَنْفَاسِ جَوْهَرَةٌ لَهَا قِيمَةٌ» .

((نَوْعَا مُحَاسَبَةِ النَّفْسِ))

((مُحَاسَبَةُ النَّفْسِ نَوْعَانِ: نَوْعٌ قَبْلَ الْعَمَلِ، وَنَوْعٌ بَعْدَهُ.

فَأَمَّا النَّوْعُ الْأَوَّلُ: فَهُوَ أَنْ يَقِفَ عِنْدَ أَوَّلِ هَمِّهِ وَإِرَادَتِهِ، وَلَا يُبَادِرَ بِالْعَمَلِ، حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ رُجْحَانُهُ عَلَى تَرْكِهِ.

قَالَ الْحَسَنُ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((رَحِمَ اللهُ عَبْدًا وَقَفَ عِنْدَ هَمِّهِ، فَإِنْ كَانَ للهِ؛ مَضَى، وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِهِ؛ تَأَخَّرَ)).

النَّوْعُ الثَّانِي: مُحَاسَبَةُ النَّفْسِ بَعْدَ الْعَمَلِ:

وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ:

أَحَدُهَا: مُحَاسَبَتُهَا عَلَى طَاعَةٍ قَصَّرَتْ فِيهَا مِنْ حَقِّ اللهِ -تَعَالَى-، فَلَمْ تُوقِعْهَا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَنْبَغِي.

وَحَقُّ اللهِ -تَعَالَى فِي الطَّاعَةِ سِتَّةُ أُمُورٍ:

وَهِيَ الْإِخْلَاصُ فِي الْعَمَلِ، وَالنَّصِيحَةُ للهِ فِيهِ، وَمُتَابَعَةُ الرَّسُولِ ﷺ فِيهِ، وَحُصُولِ الْمُرَاقَبَةِ فِيهِ، وَشُهُودُ مِنَّةِ اللهِ عَلَيْهِ، وَشُهُودُ تَقْصِيرِهِ فِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ، فَيُحَاسِبُ نَفْسَهُ، هَلْ وَفَّى هَذِهِ الْمَقَامَاتِ حَقَّهَا؟ وَهَلْ أَتَى بِهَا فِي هَذِهِ الطَّاعَةِ؟

الثَّانِي: أَنْ يُحَاسِبَ نَفْسَهُ عَلَى كُلِّ عَمَلٍ كَانَ تَرْكُهُ خَيْرًا لَهُ مِنْ فِعْلِهِ.

الثَّالِثُ: أَنْ يُحَاسِبَ نَفْسَهُ عَلَى أَمْرٍ مُبَاحٍ، أَوْ مُعْتَادٍ، لِمَ فَعَلَهُ؟ وَهَلْ أَرَادَ بِهِ اللهَ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ، فَيَكُونَ رَابِحًا، أَوْ أَرَادَ بِهِ الدُّنْيَا وَعَاجِلَهَا، فَيَخْسَرَ ذَلِكَ الرِّبْحَ، وَيَفُوتَهُ الظَّفَرُ بِهِ؟)).

وَقَدْ دَلَّ عَلَى الْمُحَاسَبَةِ: قَوْلُهُ -تَعَالَى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ} [الحشر: 18].

فَأَمَرَ -سُبْحَانَهُ- الْعَبْدَ أَنْ يَنْظُرَ مَا قَدَّمَ لِغَدٍ، وَذَلِكَ يَتَضَمَّنُ مُحَاسَبَةَ نَفْسِهِ عَلَى ذَلِكَ، وَالنَّظَرَ هَلْ يَصْلُحُ مَا قَدَّمَهُ أَنْ يَلْقَى اللَّهَ بِهِ أَوْ لَا يَصْلُحُ؟

وَالْمَقْصُودُ مِنْ هَذَا النَّظَرِ مَا يُوجِبُهُ وَيَقْتَضِيهِ، مِنْ كَمَالِ الِاسْتِعْدَادِ لِيَوْمِ الْمَعَادِ، وَتَقْدِيمِ مَا يُنْجِيهِ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ وَيُبَيِّضُ وَجْهَهُ عِنْدَ اللَّهِ.

قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: ((حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا، وَزِنُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُوزَنُوا، وَتُزَيَّنُوا لِلْعَرْضِ الْأَكْبَرِ {يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ} أَوْ قَالَ: عَلَى مَنْ لَا تَخْفَى عَلَيْهِ أَعْمَالُكُمْ)) .

((أَرْكَانُ مُحَاسَبَةِ النَّفْسِ))

((الْمُحَاسَبَةُ لَهَا ثَلَاثَةُ أَرْكَانٍ:

أَحَدُهَا: أَنْ تُقَايِسَ بَيْنَ نِعْمَتِهِ وَجِنَايَتِكَ.

يَعْنِي تُقَايِسَ بَيْنَ مَا مِنَ اللَّهِ وَمَا مِنْكَ، فَحِينَئِذٍ يَظْهَرُ لَكَ التَّفَاوُتُ، وَتَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ إِلَّا عَفْوَهُ وَرَحْمَتَهُ، أَوِ الْهَلَاكَ وَالْعَطَبَ.

وَبِهَذِهِ الْمُقَايَسَةِ تَعْلَمُ أَنَّ الرَّبَّ رَبٌّ وَالْعَبْدَ عَبْدٌ، وَيَتَبَيَّنُ لَكَ حَقِيقَةُ النَّفْسِ وَصِفَاتُهَا، وَعَظْمَةُ جَلَالِ الرُّبُوبِيَّةِ، وَتَفَرُّدُ الرَّبِّ بِالْكَمَالِ وَالْإِفْضَالِ، وَأَنَّ كُلَّ نِعْمَةٍ مِنْهُ فَضْلٌ، وَكُلَّ نِقْمَةٍ مِنْهُ عَدْلٌ.

وَأَنْتَ قَبْلَ هَذِهِ الْمُقَايَسَةِ جَاهِلٌ بِحَقِيقَةِ نَفْسِكَ، وَبِرُبُوبِيَّةِ فَاطِرِهَا وَخَالِقِهَا، فَإِذَا قَايَسْتَ ظَهَرَ لَكَ أَنَّهَا مَنْبَعُ كُلِّ شَرٍّ، وَأَسَاسُ كُلِّ نَقْصٍ، وَأَنَّ حَدَّهَا الْجَاهِلَةُ الظَّالِمَةُ، وَأَنَّهُ لَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ وَرَحْمَتُهُ بِتَزْكِيَتِهِ لَهَا مَا زَكَتْ أَبَدًا، وَلَوْلَا هُدَاهُ مَا اهْتَدَتْ، وَلَوْلَا إِرْشَادُهُ وَتَوْفِيقُهُ لَمَا كَانَ لَهَا وُصُولٌ إِلَى خَيْرٍ الْبَتَّةَ.

وَأَنَّ حُصُولَ ذَلِكَ لَهَا مِنْ بَارِئِهَا وَفَاطِرِهَا، وَتَوَقُّفَهُ عَلَيْهِ كَتَوَقُّفِ وُجُودِهَا عَلَى إِيجَادِهِ، فَكَمَا أَنَّهَا لَيْسَ لَهَا مِنْ ذَاتِهَا وُجُودٌ، فَكَذَلِكَ لَيْسَ لَهَا مِنْ ذَاتِهَا كَمَالُ الْوُجُودِ، فَلَيْسَ لَهَا مِنْ ذَاتِهَا إِلَّا الْعَدَمُ -عَدَمُ الذَّاتِ، وَعَدَمُ الْكَمَالِ- فَهُنَالِكَ تَقُولُ حَقًّا: ((أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَأَبُوءُ بِذَنْبِي)) .

ثُمَّ تُقَايِسُ بَيْنَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ، فَتَعْلَمُ بِهَذِهِ الْمُقَايَسَةِ أَيَّهُمَا أَكْثَرَ وَأَرْجَحَ قَدْرًا وَصِفَةً، وَهَذِهِ الْمُقَايَسَةُ الثَّانِيَةُ مُقَايَسَةٌ بَيْنَ أَفْعَالِكَ وَمَا مِنْكَ خَاصَّةً.

إِلَّا أَنَّ هَذِهِ الْمُقَايَسَةَ تَشُقُّ عَلَى مَنْ لَيْسَ لَهُ نُورُ الْحِكْمَةِ، وَسُوءُ الظَّنِّ بِالنَّفْسِ، وَتَمْيِيزُ النِّعْمَةِ مِنَ الْفِتْنَةِ.

فَهِيَ تَتَوَقَّفُ عَلَى نُورِ الْحِكْمَةِ، وَهُوَ النُّورُ الَّذِي نَوَّرَ اللَّهُ بِهِ قُلُوبَ أَتْبَاعِ الرُّسُلِ، فَبِقَدْرِهِ تَرَى التَّفَاوُتَ، وَتَتَمَكَّنُ مِنَ الْمُحَاسَبَةِ.

وَنُورُ الْحِكْمَةِ هَاهُنَا: هُوَ الْعِلْمُ الَّذِي يُمَيِّزُ بِهِ الْعَبْدُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَالْهُدَى وَالضَّلَالِ، وَالضَّارِّ وَالنَّافِعِ، وَالْكَامِلِ وَالنَّاقِصِ، وَالْخَيْرِ وَالشَّرِّ، وَيُبْصِرُ بِهِ مَرَاتِبَ الْأَعْمَالِ؛ رَاجِحَهَا وَمَرْجُوحَهَا، وَمَقْبُولَهَا وَمَرْدُودَهَا، وَكُلَّمَا كَانَ حَظُّهُ مِنْ هَذَا النُّورِ أَقْوَى كَانَ حَظُّهُ مِنَ الْمُحَاسَبَةِ أَكْمَلَ وَأَتَمَّ.

وَأَمَّا سُوءُ الظَّنِّ بِالنَّفْسِ فَإِنَّمَا احْتَاجَ إِلَيْهِ؛ لِأَنَّ حُسْنَ الظَّنِّ بِالنَّفْسِ يَمْنَعُ مِنْ كَمَالِ التَّفْتِيشِ وَيُلَبِّسُ عَلَيْهِ، فَيَرَى الْمَسَاوِئَ مَحَاسِنَ، وَالْعُيُوبَ كَمَالًا؛ فَإِنَّ الْمُحِبَّ يَرَى مَسَاوِئَ مَحْبُوبِهِ وَعُيُوبَهُ كَذَلِكَ.

فَعَيْنُ الرِّضَى عَنْ كُلِّ عَيْبٍ كَلِيلَةٌ=كَمَا أَنَّ عَيْنَ السُّخْطِ تُبْدِي الْمَسَاوِيَا

وَلَا يُسِيءُ الظَّنَّ بِنَفْسِهِ إِلَّا مَنْ عَرَفَهَا، وَمَنْ أَحْسَنَ الظَّنَّ بِنَفْسِهِ فَهُوَ مِنْ أَجْهَلِ النَّاسِ بِنَفْسِهِ.

وَأَمَّا تَمْيِيزُ النِّعْمَةِ مِنَ الْفِتْنَةِ؛ فَلْيُفَرِّقْ بَيْنَ النِّعْمَةِ الَّتِي يَرَى بِهَا الْإِحْسَانَ وَاللُّطْفَ، وَيُعَانُ بِهَا عَلَى تَحْصِيلِ سَعَادَتِهِ الْأَبَدِيَّةِ، وَبَيْنَ النِّعْمَةِ الَّتِي يَرَى بِهَا الِاسْتِدْرَاجَ، فَكَمْ مِنْ مُسْتَدْرَجٍ بِالنِّعَمِ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ، مَفْتُونٍ بِثَنَاءِ الْجُهَّالِ عَلَيْهِ، مَغْرُورٍ بِقَضَاءِ اللَّهِ حَوَائِجَهُ وَسَتْرِهِ عَلَيْهِ! وَأَكْثَرُ الْخَلْقِ عِنْدَهُمْ أَنَّ هَذِهِ الثَّلَاثَةَ عَلَامَةُ السَّعَادَةِ وَالنَّجَاحِ، ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ.

فَإِذَا كَمُلَتْ هَذِهِ الثَّلَاثَةُ فِي هَذَا الْعَبْدِ عَرَفَ -حِينَئِذٍ- أَنَّ مَا كَانَ مِنْ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِ يَجْمَعُهُ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ نِعْمَةٌ حَقِيقِيَّةٌ، وَمَا فَرَّقَهُ عَنْهُ وَأَخَذَهُ مِنْهُ فَهُوَ الْبَلَاءُ فِي صُورَةِ النِّعْمَةِ، وَالْمِحْنَةُ فِي صُورَةِ الْمِنْحَةِ، فَلْيَحْذَرْ إِنَّمَا هُوَ مُسْتَدْرَجٌ.

وَلْيُمَيِّزْ بِذَلِكَ -أَيْضًا- بَيْنَ الْمِنَّةِ وَالْحُجَّةِ، فَكَمْ تَلْتَبِسُ إِحْدَاهُمَا عَلَيْهِ بِالْأُخْرَى!!

فَإِنَّ الْعَبْدَ بَيْنَ مِنَّةٍ مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَحُجَّةٍ مِنْهُ عَلَيْهِ، وَلَا يَنْفَكُّ عَنْهُمَا، وَذَلِكَ قَوْلُهُ -تَعَالَى-: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ} [آل عمران: 164]، وَقَوْلُهُ -تَعَالَى-: {بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ} [الحجرات: 17]، وَقَوْلُهُ: {فَلِلهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ} [الأنعام: 149].

وَكُلُّ قُوَّةٍ ظَاهِرَةٍ وَبَاطِنَةٍ صَحِبَهَا تَنْفِيذٌ لِمَرْضَاةِ اللهِ وَأَوَامِرِهِ فَهِيَ مِنَّةٌ، وَإِلَّا فَهِيَ حُجَّةٌ.

وَكُلُّ حَالٍ صَحِبَهُ تَأْثِيرٌ فِي نُصْرَةِ دِينِهِ، وَالدَّعْوَةِ إِلَيْهِ فَهُوَ مِنَّةٌ مِنْهُ، وَإِلَّا فَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى الْعَبْدِ.

وَكُلُّ مَالٍ اقْتَرَنَ بِهِ إِنْفَاقٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَطَاعَتِهِ، لَا لِطَلَبِ الْجَزَاءِ وَالشُّكُورِ، فَهُوَ مِنَّةٌ عَلَيْهِ، وَإِلَّا فَهُوَ حُجَّةٌ.

وَكُلُّ فَرَاغٍ اقْتَرَنَ بِهِ اشْتِغَالٌ بِمَا يُرِيدُ الرَّبُّ مِنْ عَبْدِهِ فَهُوَ مِنَّةٌ عَلَيْهِ، وَإِلَّا فَهُوَ حُجَّةٌ.

وَكُلُّ قَبُولٍ فِي النَّاسِ، وَتَعْظِيمٍ وَمَحَبَّةٍ لَهُ اتَّصَلَ بِهِ خُضُوعٌ لِلرَّبِّ، وَذُلٌّ وَانْكِسَارٌ، وَمَعْرِفَةٌ بِعَيْبِ النَّفْسِ وَالْعَمَلِ، وَبَذْلِ النَّصِيحَةِ لِلْخَلْقِ فَهُوَ مِنَّةٌ، وَإِلَّا فَهُوَ حُجَّةٌ.

وَكُلُّ بَصِيرَةٍ وَمَوْعِظَةٍ، وَتَذْكِيرٍ وَتَعْرِيفٍ مِنْ تَعْرِيفَاتِ الْحَقِّ -سُبْحَانَهُ- إِلَى الْعَبْدِ، اتَّصَلَ بِهِ عِبْرَةٌ وَمَزِيدٌ فِي الْعَقْلِ، وَمَعْرِفَةٌ فِي الْإِيمَانِ فَهِيَ مِنَّةٌ، وَإِلَّا فَهِيَ حُجَّةٌ.

وَكُلُّ حَالٍ مَعَ اللَّهِ -تَعَالَى-، أَوْ مَقَامٍ اتَّصَلَ بِهِ السَّيْرُ إِلَى اللَّهِ، وَإِيثَارُ مُرَادِهِ عَلَى مُرَادِ الْعَبْدِ؛ فَهُوَ مِنَّةٌ مِنَ اللَّهِ، وَإِنْ صَحِبَهُ الْوُقُوفُ عِنْدَهُ وَالرِّضَا بِهِ، وَإِيثَارُ مُقْتَضَاهُ مِنْ لَذَّةِ النَّفْسِ بِهِ وَطُمَأْنِينَتِهَا إِلَيْهَا، وَرُكُونِهَا إِلَيْهِ، فَهُوَ حُجَّةٌ مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِ.

فَلْيَتَأَمَّلِ الْعَبْدُ هَذَا الْمَوْضِعَ الْعَظِيمَ الْخَطِرَ، وَلْيُمَيِّزْ بَيْنَ مَوَاقِعِ الْمِنَنِ وَالْمِحَنِ، وَالْحُجَجِ وَالنِّعَمِ، فَمَا أَكْثَرَ مَا يَلْتَبِسُ ذَلِكَ عَلَى خَوَاصِّ النَّاسِ وَأَرْبَابِ السُّلُوكِ، وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ.

الرُّكْنُ الثَّانِي مِنْ أَرْكَانِ الْمُحَاسَبَةِ: أَنْ تُمَيِّزَ بَيْنَ مَا عَلَيْكَ للهِ مِنْ وُجُوبِ الْعُبُودِيَّةِ، وَالْتِزَامِ الطَّاعَةِ، وَاجْتِنَابِ الْمَعْصِيَةِ، وَبَيْنَ مَا لَكَ، فَالَّذِي لَكَ: هُوَ الْمُبَاحُ الشَّرْعِيُّ، فَعَلَيْكَ حَقٌّ، وَلَكَ حَقٌّ، فَأَدِّ مَا عَلَيْكَ يُؤْتِكَ مَا لَكَ.

وَلَابُدَّ مِنَ التَّمْيِيزِ بَيْنَ مَا لَكَ وَمَا عَلَيْكَ، وَإِعْطَاءِ كُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ.

وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ يَجْعَلُ كَثِيرًا مِمَّا عَلَيْهِ مِنَ الْحَقِّ مِنْ قِسْمِ مَا لَهُ، فَيَتَحَيَّرُ بَيْنَ فِعْلِهِ وَتَرْكِهِ، وَإِنْ فَعَلَهُ رَأَى أَنَّهُ فَضْلٌ قَامَ بِهِ لَا حَقٌّ أَدَّاهُ عَنْهُ.

وَبِإِزَاءِ هَؤُلَاءِ مَنْ يَرَى كَثِيرًا مِمَّا لَهُ فِعْلُهُ وَتَرْكُهُ مِنْ قِسْمِ مَا عَلَيْهِ فِعْلُهُ أَوْ تَرْكُهُ، فَيَتَعَبَّدُ بِتَرْكِ مَا لَهُ فِعْلُهُ، كَتَرْكِ كَثِيرٍ مِنَ الْمُبَاحَاتِ، وَيَظُنُّ ذَلِكَ حَقًّا عَلَيْهِ، كَمَنْ يَتَعَبَّدُ بِتَرْكِ النِّكَاحِ، أَوْ تَرْكِ أَكْلِ اللَّحْمِ، أَوِ الْفَاكِهَةِ مَثَلًا، أَوِ الطَّيِّبَاتِ مِنَ الْمَطَاعِمِ وَالْمَلَابِسِ، وَيَرَى - لِجَهْلِهِ - أَنَّ ذَلِكَ مِمَّا عَلَيْهِ، فَيُوجِبُ عَلَى نَفْسِهِ تَرْكَهُ، أَوْ يَرَى تَرْكَهُ مِنْ أَفْضَلِ الْقُرَبِ وَأَجَلِّ الطَّاعَاتِ.

وَالرُّكْنُ الثَّالِثُ مِنْ أَرْكَانِ الْمُحَاسَبَةِ: أَنْ تَعْرِفَ أَنَّ كُلَّ طَاعَةٍ رَضِيتَهَا مِنْكَ فَهِيَ عَلَيْكَ، وَكُلَّ مَعْصِيَةٍ عَيَّرْتَ بِهَا أَخَاكَ فَهِيَ إِلَيْكَ.

رِضَاءُ الْعَبْدِ بِطَاعَتِهِ دَلِيلٌ عَلَى حُسْنِ ظَنِّهِ بِنَفْسِهِ، وَجَهْلِهِ بِحُقُوقِ الْعُبُودِيَّةِ، وَعَدَمِ عَمَلِهِ بِمَا يَسْتَحِقُّهُ الرَّبُّ -جَلَّ جَلَالُهُ- وَيَلِيقُ أَنْ يُعَامَلَ بِهِ.

وَحَاصِلُ ذَلِكَ أَنَّ جَهْلَهُ بِنَفْسِهِ وَصِفَاتِهَا وَآفَاتِهَا وَعُيُوبِ عَمَلِهِ، وَجَهْلَهُ بِرَبِّهِ وَحُقُوقِهِ وَمَا يَنْبَغِي أَنْ يُعَامَلَ بِهِ، يَتَوَلَّدُ مِنْهُمَا رِضَاهُ بِطَاعَتِهِ، وَإِحْسَانُ ظَنِّهِ بِهَا، وَيَتَوَلَّدُ مِنْ ذَلِكَ مِنَ الْعُجْبِ وَالْكِبْرِ وَالْآفَاتِ مَا هُوَ أَكْبَرُ مِنَ الْكَبَائِرِ الظَّاهِرَةِ؛ مِنَ الزِّنَا، وَشُرْبِ الْخَمْرِ، وَالْفِرَارِ مِنَ الزَّحْفِ وَنَحْوِهَا.

فَالرِّضَا بِالطَّاعَةِ مِنْ رَعُونَاتِ النَّفْسِ وَحَمَاقَتِهَا.

((الِاسْتِغْفَارُ عَقِيبَ الطَّاعَاتِ وَحِكْمَتُهُ))

إِنَّ أَرْبَابَ الْعَزَائِمِ وَالْبَصَائِرِ أَشَدُّ مَا يَكُونُونَ اسْتِغْفَارًا عَقِيْبَ الطَّاعَاتِ؛ لِشُهُودِهِمْ تَقْصِيرَهُمْ فِيهَا، وَتَرْكَ الْقِيَامِ لِلَّهِ بِهَا كَمَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ وَكِبْرِيَائِهِ، وَأَنَّهُ لَوْلَا الْأَمْرُ لَمَا أَقْدَمَ أَحَدُهُمْ عَلَى مَثَلِ هَذِهِ الْعُبُودِيَّةِ وَلَا رَضِيَهَا لِسَيِّدِهِ.

وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ -تَعَالَى- وَفْدَهُ وَحُجَّاجَ بَيْتِهِ بِأَنْ يَسْتَغْفِرُوهُ عَقِيْبَ إِفَاضَتِهِمْ مِنْ عَرَفَاتٍ، وَهُوَ أَجَلُّ الْمَوَاقِفِ وَأَفْضَلُهَا، فَقَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (198) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [البقرة: 198-199].

وَقَالَ -تَعَالَى-: {وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ} [آل عمران: 17]؛ قَالَ الْحَسَنُ: ((مَدُّوا الصَّلَاةَ إِلَى السَّحَرِ، ثُمَّ جَلَسُوا يَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ -عَزَّ وَجَلَّ-)) .

وَفِي ((صَحِيحِ مُسْلِمٍ))  أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا سَلَّمَ مِنَ الصَّلَاةِ اسْتَغَفْرَ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: ((اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ، وَمِنْكَ السَّلَامُ، تَبَارَكْتَ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ)).

وَأَمَرَهُ اللَّهُ -تَعَالَى- بِالِاسْتِغْفَارِ بَعْدَ أَدَاءِ الرِّسَالَةِ، وَالْقِيَامِ بِمَا عَلَيْهِ مِنْ أَعْبَائِهَا، وَقَضَاءِ فَرْضِ الْحَجِّ، وَاقْتِرَابِ أَجَلِهِ، فَقَالَ فِي آخِرِ سُورَةٍ أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ كَامِلَةً: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (2) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا} [النصر: 1-3].

قَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ: ((مَتَى رَضِيتَ نَفْسَكَ وَعَمَلَكَ لِلَّهِ، فَاعْلَمْ أَنَّهُ غَيْرُ رَاضٍ بِهِ، وَمَنْ عَرَفَ أَنَّ نَفْسَهُ مَأْوَى كُلِّ عَيْبٍ وَشَرٍّ، وَعَمَلَهُ عُرْضَةٌ لِكُلِّ آفَةٍ وَنَقْصٍ؛ كَيْفَ يَرْضَى لِلَّهِ نَفْسَهُ وَعَمَلَهُ؟!!)).

وَلِلَّهِ دَرُّ الشَّيْخِ أَبِي مَدْيَنَ حِينَ يَقُولُ: ((مَنْ تَحَقَّقَ بِالْعُبُودِيَّةِ نَظَرَ أَفْعَالَهُ بِعَيْنِ الرِّيَاءِ، وَأَحْوَالَهُ بِعَيْنِ الدَّعْوَى، وَأَقْوَالَهُ بِعَيْنِ الِافْتِرَاءِ، وَكُلَّمَا عَظُمَ الْمَطْلُوبُ فِي قَلْبِكَ، صَغُرَتْ نَفْسُكَ عِنْدَكَ، وَتَضَاءَلَتِ الْقِيمَةُ الَّتِي تَبْذُلُهَا فِي تَحْصِيلِهِ.

وَكُلَّمَا شَهِدْتَ حَقِيقَةَ الرُّبُوبِيَّةِ وَحَقِيقَةَ الْعُبُودِيَّةِ، وَعَرَفْتَ اللَّهَ، وَعَرَفْتَ النَّفْسَ؛ تَبَيَّنَ لَكَ أَنَّ مَا مَعَكَ مِنَ الْبِضَاعَةِ لَا يَصْلُحُ لِلْمَلِكِ الْحَقِّ، وَلَوْ جِئْتَ بِعَمَلِ الثَّقَلَيْنِ خَشِيتَ عَاقِبَتَهُ وَإِنَّمَا يَقْبَلُهُ بِكَرَمِهِ وَجُودِهِ وَتَفَضُّلِهِ، وَيُثِيبُكَ عَلَيْهِ -أَيْضًا- بِكَرَمِهِ وَجُودِهِ وَتَفَضُّلِهِ)).

وَلَا يَكْمُلُ هَذَا الْمَعْنَى إِلَّا بِأَنْ تَرْبَأَ بِنَفْسِكَ عَنْ تَعْيِيرِ الْمُقَصِّرِينَ، فَلَعَلَّ تَعْيِيرَكَ لِأَخِيكَ بِذَنْبِهِ أَعْظَمُ إِثْمًا مِنْ ذَنْبِهِ وَأَشَدُّ مِنْ مَعْصِيَتِهِ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ صَوْلَةِ الطَّاعَةِ، وَتَزْكِيَةِ النَّفْسِ وَشُكْرِهَا، وَالْمُنَادَاةِ عَلَيْهَا بِالْبَرَاءَةِ مِنَ الذَّنْبِ، وَأَنَّ أَخَاكَ بَاءَ بِهِ.

وَلَعَلَّ كَسْرَةَ أَخِيكَ بِذَنْبِهِ، وَمَا أَحْدَثَ لَهُ الذَّنْبُ مِنَ الذِّلَّةِ وَالْخُضُوعِ، وَالْإِزْرَاءِ عَلَى نَفْسِهِ، وَالتَّخَلُّصِ مِنْ مَرَضِ الدَّعْوَى، وَالْكِبْرِ وَالْعُجْبِ، وَوُقُوفَهُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ نَاكِسَ الرَّأْسِ، خَاشِعَ الطَّرْفِ، مُنْكَسِرَ الْقَلْبِ.. لَعَلَّ ذَلِكَ أَنْفَعُ لَهُ وَخَيْرٌ مِنْ صَوْلَةِ طَاعَتِكَ، وَتَكَثُّرِكَ بِهَا، وَالِاعْتِدَادِ بِهَا، وَالْمِنَّةِ عَلَى اللَّهِ وَخَلْقِهِ بِهَا.

فَمَا أَقْرَبَ هَذَا الْعَاصِيَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ!

وَمَا أَقْرَبَ هَذَا الْمُدِلَّ مِنْ مَقْتِ اللَّهِ!!

فَذَنْبٌ تَذِلُّ بِهِ لَدَيْهِ، أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ طَاعَةٍ تُدِلُّ بِهَا عَلَيْهِ!

وَإِنَّكَ أَنْ تَبِيتَ نَائِمًا وَتُصْبِحَ نَادِمًا، خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَبِيتَ قَائِمًا وَتُصْبِحَ مُعْجَبًا؛ فَإِنَّ الْمُعْجَبَ لَا يَصْعَدُ لَهُ عَمَلٌ!

وَإِنَّكَ إِنْ تَضْحَكْ وَأَنْتَ مُعْتَرِفٌ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَبْكِيَ وَأَنْتَ مُدِلٌّ!

وَأَنِينُ الْمُذْنِبِينَ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ زَجَلِ الْمُسَبِّحِينَ الْمُدِلِّينَ!

وَلَعَلَّ اللَّهَ أَسْقَاهُ بِهَذَا الذَّنْبِ دَوَاءً اسْتَخْرَجَ بِهِ دَاءً قَاتِلًا هُوَ فِيكَ وَلَا تَشْعُرُ.

فَلِلهِ فِي أَهْلِ طَاعَتِهِ وَمَعْصِيَتِهِ أَسْرَارٌ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ، وَلَا يُطَالِعُهَا إِلَّا أَهْلُ الْبَصَائِرِ، فَيَعْرِفُونَ مِنْهَا بِقَدْرِ مَا تَنَالُهُ مَعَارِفُ الْبَشَرِ، وَوَرَاءَ ذَلِكَ مَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الْكِرَامُ الْكَاتِبُونَ، وَقَدْ قَالَ رسول الله ﷺ: ((إِذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ فَلْيُقِمْ عَلَيْهَا الْحَدَّ وَلَا يُثَرِّبْ)) ؛ أَيْ لَا يُعَيِّرْ، مِنْ قَوْلِ يُوسُفَ (سلم) لِإِخْوَتِهِ: {قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ} [يوسف: 92]؛ فَإِنَّ الْمِيزَانَ -يَا أَخِي- بِيَدِ اللَّهِ، وَالْحُكْمَ لِلَّهِ، فَالسَّوْطُ الَّذِي ضُرِبَ بِهِ هَذَا الْعَاصِي بِيَدِ مُقَلِّبِ الْقُلُوبِ، وَالْقَصْدُ إِقَامَةُ الْحَدِّ لَا التَّعْيِيرُ وَالتَّثْرِيبُ.

وَلَا يَأْمَنُ كَرَّاتِ الْقَدَرِ وَسَطوَاتِهِ إِلَّا أَهْلُ الْجَهْلِ بِاللَّهِ، وَقَدْ قَالَ -تَعَالَى- لِأَعْلَمِ الْخَلْقِ بِهِ وَأَقْرَبِهِمْ إِلَيْهِ وَسِيلَةً: {وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا} [الإسراء: 74].

وَقَالَ يُوسُفُ الصِّدِّيقُ: {وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ} [يوسف: 33].

وَكَانْتَ عَامَّةُ يَمِينِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ((لَا، وَمُقَلِّبِ الْقُلُوبِ)) .

وَقَالَ: ((مَا مِنْ قَلْبٍ إِلَّا وَهُوَ بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ -عَزَّ وَجَلَّ-، إِنْ شَاءَ أَنْ يُقِيمَهُ أَقَامَهُ، وَإِنْ شَاءَ أَنْ يُزِيغَهُ أَزَاغَهُ...))، ثُمَّ قَالَ: ((اللَّهُمَّ مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قُلُوبَنَا عَلَى دِينِكَ)) .

وَقَالَ ﷺ: ((اللَّهُمَّ مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ)) » .

((ثَمَرَاتُ مُحَاسَبَةِ النَّفْسِ))

إِنَّ الْعَبْدَ كَمَا يَكُونُ لَهُ وَقْتٌ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ يُشَارِطُ فِيهِ نَفْسَهُ عَلَى سَبِيلِ التَّوْصِيَةِ بِالْحَقِّ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لَهُ فِي آخِرِ النَّهَارِ سَاعَةٌ يُطَالِبُ فِيهَا النَّفْسَ وَيُحَاسِبُهَا عَلَى جَمِيعِ حَرَكَاتِهَا وَسَكَنَاتِهَا كَمَا يَفْعَلُ التُّجَّارُ فِي الدُّنْيَا مَعَ الشُّرَكَاءِ فِي آخِرِ كُلِّ سَنَةٍ أَوْ شَهْرٍ أَوْ يَوْمٍ؛ حِرْصًا مِنْهُمْ عَلَى الدُّنْيَا وَخَوْفًا مِنْ أَنْ يَفُوتَهُمْ مِنْهَا مَا لَوْ فَاتَهُمْ لَكَانَتِ الْخِيَرَةُ لَهُمْ فِي فَوَاتِهِ، وَلَوْ حَصَلَ ذَلِكَ لَهُمْ فَلَا يَبْقَى إِلَّا أَيَّامًا قَلَائِلَ، فَكَيْفَ لَا يُحَاسِبُ الْعَاقِلُ نَفْسَهُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ خَطَرُ الشَّقَاوَةِ وَالسَّعَادَةِ أَبَدَ الْآبَادِ، مَا هَذِهِ الْمُسَاهَلَةُ إِلَّا عَنِ الْغَفْلَةِ وَالْخِذْلَانِ وَقِلَّةِ التَّوْفِيقِ، نَعُوذُ بِاللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- مِنْ ذَلِكَ.

عِبَادَ اللهِ! «فِي مُحَاسَبَةِ النَّفْسِ مَصَالِحُ، مِنْهَا الِاطِّلَاعُ عَلَى عُيُوبِهَا، وَمَنْ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى عَيْبِ نَفْسِهِ، لَمْ يُمْكِنْهُ إِزَالَتُهُ، فَإِذَا اطَّلَعَ عَلَى عَيْبِ النَّفْسِ، مَقَتَهَا فِي ذَاتِ الرَّبِّ -جَلَّ وَعَلَا-.

وَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي ((الزُّهْدِ)): عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: ((لَا يَفْقَهُ الرَّجُلُ كُلَّ الْفِقْهِ، حَتَّى يَمْقُتَ النَّاسَ فِي جَنْبِ اللهِ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى نَفْسِهِ، فَيَكُونَ لَهَا أَشَدَّ مَقْتًا)).

وَقَالَ مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: ((لَوْلَا مَا أَعْلَمُ مِنْ نَفْسِي لَقَلَيْتُ النَّاسَ)).

فَفِي النَّاسِ شَرٌّ كَبِيرٌ -إِلَّا مَنْ رَحِمَ الْخَبِيرُ الْبَصِيرُ-، وَمَهْمَا قَلَّبْتَ النَّاسَ، خَرَجَ لَكَ مِنْ وَرَاءِ تَقْلِيبِهِمْ أُمُورٌ.

((فَلَوْلَا مَا أَعْلَمُ مِنْ نَفْسِي -وَأَنَّهَا أَسْوَءُ، وَقَدِ انْطَوَتْ عَلَى الشَّرِّ الْكَبِيرِ- لَقَلَيْتُ النَّاسَ))؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا لَمْ يَعْلَمْ حَالَ نَفْسِهِ، وَخَبَرَ حَالَ غَيْرِهِ، فَوَجَدَ الشَّرَّ بَازِغًا، وَوَجَدَ آفَاتِ النُّفُوسِ حَالَّةً؛ فَإِنَّهُ يَمْقُتُ غَيْرَهُ، وَلَوْ عَلِمَ نَفْسَهُ، لَكَانَ لَهَا أَشَدَّ مَقْتًا.

قَالَ مُطَرِّفٌ فِي دُعَائِهِ بِعَرَفَةَ: ((اللَّهُمَّ لَا تَرُدَّ النَّاسَ لِأَجْلِي)).

فَيَرَى نَفْسَهُ فِي الْمَوْقِفِ فِي عَرَفَاتٍ أَسْوَءَ النَّاسِ، وَأَرْدَءَ النَّاسِ، وَشَرَّ النَّاسِ، فَيَقُولُ: ((اللَّهُمَّ لَا تَرُدَّ النَّاسَ لِأَجْلِي))، مِنْ بَابِ هَضْمِ النَّفْسِ، وَالْإِزْرَاءِ عَلَيْهَا، وَالْحَطِّ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ مَنْ ذَاقَ طَعْمَ نَفْسِهِ هَلَكَ.

فَالنَّفْسُ كَمَاءِ الْبَحْرِ، لَا يَشْبَعُ وَارِدُهُ مَهْمَا شَرِبَ مِنْهُ، فَمَا يَزَالُ يَعُبُّ مِنْ مَاءِ الْبَحْرِ، حَتَّى تَنْقَدَّ مَعِدَتُهُ، وَلَا رِيَّ، وَلَا ارْتِوَاءَ!!

فَاللَّهُمَّ لَا تُذِقْنَا طَعْمَ أَنْفُسِنَا يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ!!

قَالَ بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْمُزَنِيُّ: ((لَمَّا نَظَرْتُ إِلَى أَهْلِ عَرَفَاتٍ، ظَنَنْتُ أَنَّهُمْ قَدْ غُفِرَ لَهُمْ، لَوْلَا أَنِّي كُنْتُ فِيهِمْ)).

وَقَالَ أَيُّوبُ السَّخْتِيَانِيُّ: ((إِذَا ذُكِرَ الصَّالِحُونَ، كُنْتُ عَنْهُمْ بِمَعْزِلٍ)).

وَلَمَّا احْتُضِرَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، دَخَلَ عَلَيْهِ أَبُو الْأَشْهَبِ وَحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، فَقَالَ لَهُ حَمَّادُ: ((يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ، أَلَيْسَ قَدْ أَمِنْتَ مِمَّا كُنْتَ تَخَافُهُ، وَتَقْدُمُ عَلَى مَنْ تَرْجُوهُ، وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ؟

فَقَالَ: يَا أَبَا سَلَمَةَ، أَتْطَمَعُ لِمِثْلِي أَنْ يَنْجُوَ مِنَ النَّارِ؟!!

قَالَ: إِي وَاللهِ، إِنِّي لَأَرْجُو لَكَ ذَلِكَ)).

أَتْطَمَعُ لِمِثْلِي أَنْ أَنْجُوَ مِنَ النَّارِ؟!!

إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ وَسَائِلِ تَزْكِيَةِ النَّفْسِ: مُحَاسَبَتَهَا:

قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((زَكَاةُ النَّفْسِ وَطَهَارَتُهَا مَوْقُوفَةٌ عَلَى مُحَاسَبَتِهَا، فَلَا تَزْكُو وَلَا تَطْهُرُ وَلَا تَصْلُحُ الْبَتَّةَ إِلَّا بِمُحَاسَبَتِهَا.

قَالَ الْحَسَنُ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((إِنَّ الْمُؤْمِنَ -وَاللهِ- لَا تَرَاهُ إِلَّا قَائِمًا عَلَى نَفْسِهِ)) ، مَا أَرَدْتِ بِكَلِمَةِ كَذَا؟ وَمَا أَرَدْتِ بِأَكْلَةِ كَذَا؟ مَا أَرَدْتِ بِمَدْخَلِ كَذَا وَمَخْرَجِ كَذَا؟ مَا أَرَدْتِ بِهَذَا؟ مَا لِي وَلِهَذَا؟ وَاللهِ لَا أَعُودُ إِلَى هَذَا، وَنَحْوُ هَذَا مِنْ كَلَامٍ)).

فَمُحَاسَبَةُ النَّفْسِ يطلعُ عَلَى عُيُوبِهَا وَنَقَائِصِهَا، فَيُمْكِنُهُ السَّعْيُ فِي إِصْلَاحِهَا)) .

((وَأَضَرُّ مَا عَلَى الْمُكَلَّفِ: الْإِهْمَالُ، وَتَرْكُ الْمُحَاسَبَةِ وَالِاسْتِرْسَالُ، وَتَسْهِيلُ الْأُمُورِ وَتَمْشِيَتُهَا، فَإِنَّ هَذَا يَؤُولُ بِهِ إِلَى الْهَلَاكِ، وَهَذَا حَالُ أَهْلِ الْغُرُورِ، يُغْمِضُ عَيْنَيْهِ عَنِ الْعَوَاقِبِ، وَيُمَشِّي الْحَالَ، وَيَتَّكِلُ عَلَى الْعَفْوِ، فَيُهْمِلُ مُحَاسَبَةَ نَفْسِهِ وَالنَّظَرَ فِي الْعَاقِبَةِ، وَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ سَهُلَ عَلَيْهِ مُوَاقَعَةُ الذُّنُوبِ وَأَنِسَ بِهَا، وَعَسُرَ عَلَيْهَا فِطَامُهَا)) .

إِنَّ الْمُحَاسَبَةَ -مُحَاسَبَةَ النَّفْسِ- طَرِيقُ النَّجَاةِ.

فَنَسْأَلُ اللهَ أَنْ يُبَصِّرَنَا بِعُيُوبِ أَنْفُسِنَا، وَأَنْ يَرْزُقَنَا مُحَاسَبَةَ أَنْفُسِنَا وَمُرَاقَبَتَهَا فِي ذَاتِهِ -جَلَّ وَعَلَا-.

أَسْأَلُ اللهَ أَنْ يُصْلِحَ أَنْفُسَنَا إِنَّهُ -تَعَالَى- عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.

وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ.

 

المصدر:حَاجَتُنَا إِلَى الدِّينِ الرَّشِيدِ وَمُحَاسَبَةُ النَّفْسِ

التعليقات


خطب مفرغة قد تعجبك


  عَالَمِيَّةُ الرِّسَالَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ كَمَا يَجِبُ أَنْ نَفْهَمَهَا
  فَضْلُ يَوْمِ عَرَفَةَ،وَالدُّرُوسُ الْمُسْتَفَادَةُ مِنْ خُطْبَةِ حَجَّةِ الْوَدَاعِ
  دُرُوسٌ عَظِيمَةٌ مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ
  عَفْوُ اللهِ الْكَرِيمِ
  مَكَارِمُ الْأَخْلَاقِ وَأَثَرُهَا فِي بِنَاءِ الْحَضَارَاتِ
  مِنْ مَوَاقِفِ الشَّرَفِ وَالنُّبْلِ فِي السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ الْمُشَرَّفَةِ
  رمضان .. كيف نحياه؟
  مَنْ وراء الأحداث الأخيرة في مصر؟
  تَضَرُّعٌ وَمُنَاجَاةٌ
  يَوْمُ بَدْرٍ.. دُرُوسٌ وَعِبَرٌ وَعِبَادَاتُ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ
  • شارك

نبذة عن الموقع

موقع تفريغات العلامة رسلان ، موقع يحتوي على العشرات من الخطب والمحاضرات والمقاطع المفرغة لفضيلة الشيخ العلامة أبي عبدالله محمد بن سعيد رسلان-حفظه الله- . كما يعلن القائمون على صفحة وموقع تفريغات العلامة رسلان -حفظه الله- أن التفريغات للخطب ليست هي الشكل النهائي عند الطباعة، ولكن نحن نفرغ خطب الشيخ حفظه الله ونجتهد في نشرها ليستفيد منها طلاب العلم والدعاة على منهاج النبوة في كل أنحاء الدنيا، ونؤكد على أنَّ الخطب غير مُخرَّجة بشكل كامل كما يحدث في خطب الشيخ العلامة رسلان المطبوعة وليست الكتب المنشورة على الصفحة والموقع هي النسخة النهائية لكتب الشيخ التي تُطبع...وهذه الكتب ما هي إلا تفريغ لخطب الشيخ، غير أنَّ كتب الشيخ التي تُطبع تُراجع من الشيخ -حفظه الله- وتُخرج. والتفريغ عملٌ بشريٌ، ونحن نجتهد في مراجعة التفريغات مراجعة جيدة، فإذا وقع خطأ أو شكل الخطب كما نخرجها -إنما نُحاسب نحن عليها والخطأ يُنسب لنا وليس للشيخ -حفظه الله-.

الحقوق محفوظة لكل مسلم موقع تفريغات العلامة رسلان