مَكَانَةُ الشُّهَدَاءِ وَوُجُوبُ الْأَخْذِ بِالْأَسْبَابِ

مَكَانَةُ الشُّهَدَاءِ وَوُجُوبُ الْأَخْذِ بِالْأَسْبَابِ

((مَكَانَةُ الشُّهَدَاءِ وَوُجُوبُ الْأَخْذِ بِالْأَسْبَابِ))

إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّه نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ.

وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ.

أَمَّا بَعْدُ:

فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.

أَمَّا بَعْدُ:

((الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللهِ أَعْظَمُ الْأَعْمَالِ وَأَزْكَاهَا))

فَقَدِ امْتَحَنَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا- عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ بِالصَّلَاةِ وَالسُّجُودِ وَالرُّكُوعِ فَاسْتَجَابُوا طَائِعِينَ، وَامْتَحَنَهُمْ بِالزَّكَاةِ وَدَفْعِ الْمَالِ فَاسْتَجَابُوا طَائِعِينَ، وَامْتَحَنَهُمْ بِالْحَجِّ وَالصَّوْمِ وَتَرْكِ الشَّهَوَاتِ فَلَبَّوْا -كَذَلِكَ- طَائِعِينَ.

ثُمَّ جَاءَ الِامْتِحَانُ الْأَكْبَرُ وَالِاخْتِبَارُ الْأَعْظَمُ، فَكَانَ أَنْ طَلَبَ مِنْهُمْ أَرْوَاحَهُمْ وَأَنْفُسَهُمْ يَبْذُلُونَهَا فِي سَاحَاتِ الْجِهَادِ، فَتَقَدَّمَ أَقْوَامٌ وَتَأخَّرَ آخَرُونَ!

تَأَخَّرَ الْمُنَافِقُونَ: {وَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُن مَّعَ الْقَاعِدِينَ} [التوبة: 86].

وَتَقَدَّمَ الصَّادِقُونَ، قَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {لَٰكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَأُولَٰئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [التوبة: 88].

فَفَرَّقَ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- بِالْجِهَادِ بَيْنَ الصَّادِقِينَ وَالْكَاذِبِينَ، بَيْنَ الْمُحِبِّينَ للهِ وَرَسولِهِ ﷺ وَالْمُدَّعِينَ.

إِنَّ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللهِ هُوَ أَعْظَمُ الْأَعْمَالِ وَأَزْكَاهَا، وَهُوَ أَيْسَرُ الطُّرُقِ إِلَى رِضْوَانِ اللهِ تَعَالَى وَالْجَنَّةِ؛ وَلِذَلِكَ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((لَوْلا أَنْ يَشُقَّ عَلَى المُسلِمِينَ مَا قَعَدْتُ خِلافَ سَرِيَّةٍ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي أَغْزُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأُقْتَلَ، ثُمَّ أَغْزُو فَأُقْتَلَ، ثُمَّ أَغْزُو فَأُقْتَلَ)). أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي ((صَحِيحِهِ)).

وَلَمَّا كَانَ الْجِهَادُ بَذْلَ أَعْظَمِ وَأَنْفَسِ مَا عِنْدَ الْمُؤْمِنِينَ وَهِيَ أَنْفُسُهُمْ يَبْذُلُونهَا دُونَ خَوْفٍ وَلَا تَرَدُّدٍ، وَلَمَّا كَانَ فِيهِ بَذْلُ الْأَمْوَالِ وَتَرْكُ الزَّوْجَاتِ وَالذُّرِّيَّاتِ، وَهَجْرُ الْمَسَاكِنِ وَالْأَوْطَانِ وَالْمَلَذَّاتِ.

وَلَمَّا كَانَ فِيهِ قَتْلُ الْأَنْفُسِ وَإِرَاقَةُ الدِّمَاءِ؛ كَانَ حَرِيًّا بِالشَّرْعِ أَنْ يَضَعَ لَهُ أَعْظَمَ الضَّوَابِطِ وَأَقْوَى الْأَحْكَامِ؛ حَتَّى لَا تُرَاقَ الدِّمَاءُ فِي كُلِّ وَادٍ وَبِكُلِّ سَبِيلٍ، وَحَتَّى لَا يَخْتَلِطَ الْحَابِلُ بِالنَّابِلِ، وَلَا يَدْرِي الْقَاتِلُ فِيمَ قَتَلَ وَلَا الْمَقْتُولُ فِيمَ قُتِلَ.

إِنَّ دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ وَأَرْوَاحَهُمْ هِيَ أَعْظَمُ شَيْءٍ عِنْدَ اللهِ؛ لِذَلِكَ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((لَزَوَالُ الدُّنيَا أَهوَنُ عَلَى اللهِ مِنْ قَتْلِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ)). أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ.

وَقَالَ ﷺ وَهُوَ يَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ: ((مَا أَطْيَبَكِ! وَأَطْيَبَ رِيحَكِ! مَا أَعْظَمَكِ! وَأَعْظَمَ حُرْمَتَكِ! وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَحُرْمَةُ الْمُؤْمِنِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ حُرْمَةً مِنْكِ؛ مَالِهِ وَدَمِهِ)).

وَقَدْ بَيَّنَ الدِّينُ الْعَظِيمُ -كِتَابًا وَسُنَّةً- أَنَّ الْجِهَادَ لَيْسَ غَايَةً فِي حَدِّ ذَاتِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ وَسِيلَةٌ.

فَالْجِهَادُ لَيْسَ هَدَفًا فِي ذَاتِهِ وَلَا غَايَةً، إِنَّمَا هُوَ وَسِيلَةٌ لِرَفْعِ رَايَةِ الدِّينِ، وَهُوَ وَسِيلَةٌ لِإِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

 ((وُجُوبُ التَّعَاوُنِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْجِهَادِ))

قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ وَاتَّقُوا اللهَۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [المائدة: 2].

فَالْبِرُّ: اسْمٌ جَامِعٌ لِكُلِّ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ وَرَسُولُهُ، وأَحَبَّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ؛ مِنَ التَّحَقُّقِ بِعَقَائِدِ الدِّينِ وَأَخْلَاقِهِ، وَالْعَمَلِ بِآدَابِهِ وَأَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ؛ مِنَ الشَّرَائِعِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ، وَمِنَ الْقِيَامِ بِحُقُوقِ اللهِ وَحُقُوقِ عِبَادِهِ، وَمِنَ التَّعَاوُنِ عَلَى الْجِهَادِ فِي سَبِيلِهِ إِجْمَالًا وَتَفْصِيلًا، فَكُلُّ هَذَا دَاخِلٌ فِي التَّعَاوُنِ عَلَى الْبِرِّ.

وَمِنَ التَّعَاوُنِ عَلَى التَّقْوَى: التَّعَاوُنُ عَلَى اجْتِنَابِ وَتَوَقِّي مَا نَهَى اللهُ وَرَسُولُهُ عَنْهُ؛ مِنَ الْفَوَاحِشِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ، وَمِنَ الْإِثْمِ وَالْبَغْيِ بِغَيْرِ الْحَقِّ، وَالْقَوْلِ عَلَى اللهِ بِلَا عِلْمٍ؛ بَلْ عَلَى تَرْكِ الْكُفْرِ وَالْفُسُوقِ وَالْعِصْيَانِ.

وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ: التَّعَاوُنُ عَلَى جَمِيعِ الْوَسَائِلِ وَالْأَسْبَابِ الَّتِي يُتَّقَى بِهَا ضَرَرُ الْأَعْدَاءِ؛ مِنَ الِاسْتِعْدَادِ بِالْأَسْلِحَةِ الْمُنَاسِبَةِ لِلْوَقْتِ، وَتَعَلُّمِ الصَّنَائِعِ الْمُعِينَةِ عَلَى ذَلِكَ، وَالسَّعْيِ فِي تَكْمِيلِ الْقُوَّةِ الْمَعْنَوِيَّةِ وَالْمَادِّيَّةِ الْمُعِينَةِ عَلَى ذَلِكَ، قَالَ تَعَالَى: {وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ} [الأنفال: 60]، وَقَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ} [النساء: 71].

فَيَدْخُلُ فِي هَذَا: الِاسْتِعْدَادُ بِكُلِّ الْمُسْتَطَاعِ؛ مِنْ قُوَّةٍ عَقْلِيَّةٍ وَسِيَاسِيَّةٍ وَصِنَاعِيَّةٍ، وَتَعَلُّمُ الْآدَابِ الْعَسْكَرِيَّةِ، وَالنِّظَامِ النَّافِعِ، وَالرَّمْيِ وَالرُّكُوبِ، وَيَدْخُلُ فِي هَذَا: التَّحَرُّزُ مِنَ الْأَعْدَاءِ بِكُلِّ وَسِيلَةٍ يُدْرِكُهَا الْمُسْلِمُونَ، وَاتِّخَاذُ الْحُصُونِ الْوَاقِيَةِ.

وَقَدْ أَمَرَ اللهُ وَرَسُولُهُ بِجِهَادِ الْكُفَّارِ الْمُعْتَدِينَ -فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ وَأَحَادِيثَ مُتَنَوِّعَةٍ- بِالنَّفْسِ وَالْمَالِ وَالرَّأْيِ، وَفِي حَالِ الِاجْتِمَاعِ، وَفِي كُلِّ الْأَحْوَالِ، وَالْأَمْرُ بِذَلِكَ أَمْرٌ بِهِ وَبِكُلِّ أَمْرٍ يُعِينُ عَلَيْهِ وَيُقَوِّيهِ وَيُقَوِّمُهُ.

وَأَخْبَرَ بِمَا لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِهِ مِنَ الْأَجْرِ وَالثَّوَابِ الْعَاجِلِ وَالْآجِلِ، وَمَا يَدْفَعُ اللهُ بِهِ مِنْ أَصْنَافِ الشُّرُورِ، وَمَا يَحْصُلُ بِهِ مِنَ الْعِزِّ وَالتَّمْكِينِ وَالرِّفْعَةِ، وَمَا فِي تَرْكِهِ وَالزُّهْدِ فِيهِ مِنَ الذُّلِّ وَالضَّرَرِ الْعَظِيمِ، وَتَوَعَّدَ النَّاكِلِينَ عَنْهُ بِالْخِذْلَانِ، وَالسُّقُوطِ الْحِسِّيِّ وَالْمَعْنَوِيِّ، وَبَيَّنَ لَهُمُ الطُّرُقَ الَّتِي يَسْلُكُونَهَا فِي تَقْوِيَةِ مَعْنَوِيَّتِهِمْ؛ فَإِنَّهُ حَثَّهُمْ عَلَى التَّآلُفِ وَالِاجْتِمَاعِ، وَنَهَاهُمْ عَنِ التَّبَاغُضِ وَالتَّعَادِي وَالِافْتِرَاقِ.

وَذَلِكَ أَنَّ حَقِيقَةَ الْجِهَادِ هُوَ الْجِدُّ وَالِاجْتِهَادُ فِي كُلِّ أَمْرٍ يُقَوِّي الْمُسْلِمِينَ، وَيُصْلِحُهُمْ، وَيَلُمُّ شَعَثَهُمْ، وَيَضُمُّ مُتَفَرِّقَهُمْ، وَيَدْفَعُ عَنْهُمْ عُدْوَانَ الْأَعْدَاءِ، أَوْ يُخَفِّفُهُ بِكُلِّ طَرِيقٍ وَوَسِيلَةٍ.

 ((مَنْزِلَةُ الشَّهَادَةِ وَثَمَرَاتُهَا))

لَقَدِ اقْتَضَتْ سُنَّةُ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ- أَنْ يَصْطَفِيَ مِنْ عِبَادِهِ مَنْ يَشَاءُ، فَيَرْفَعُ دَرَجَاتِهِمْ، وَيُعْلِي مِنْ شَأْنِهِمْ، وَيَمُدُّهُمْ بِعَطَايَاهُ، وَلَا شَكَّ أَنَّ مَقَامَ الشَّهَادَةِ مِنْ أَعْلَى مَقَامَاتِ الِاصْطِفَاءِ وَالِاجْتِبَاءِ الَّتِي يَمْتَنُّ اللهُ تَعَالَى- بِهَا عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ؛ حَيْثُ يَقُولُ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَمَن يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا} [النساء: 69].

وَمَنْ يُطِعِ اللهَ دَوَامًا فِي أَدَاءِ الْفَرَائِضِ وَاجْتِنَابِ النَّوَاهِي، وَيُطِعِ الرَّسُولَ فِي السُّنَنِ الَّتِي سَنَّهَا؛ فَأُولَئِكَ الْفُضَلَاءُ ذَوُو الْمَنْزِلَةِ الرَّفِيعَةِ، الْمُطِيعُونَ للهِ وَرَسُولِهِ فِي صُحْبَةِ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ بِالْهِدَايَةِ وَالتَّوْفِيقِ فِي الدُّنْيَا، وَبِدُخُولِ الْجَنَّةِ فِي الْآخِرَةِ فِي مَنَازِلِ الْفِرْدَوْسِ الْأَعْلَى؛ مِنَ النَّبِيِّينَ الَّذِينَ أَنْبَأَهُمُ اللهُ وَاخْتَارَهُمْ؛ لِيُخْبِرُوا عَنْهُ -تَعَالَى-، وَيُبَلِّغُوا شَرْعَهُ.

وَمَعَ كَثِيرِي الصِّدْقِ فِي إِيمَانِهِمْ وَأَقْوَالِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ مِنْ أَتْبَاعِ الرُّسُلِ الَّذِينَ صَدَّقُوا بِكُلِّ الدِّينِ.

وَمَعَ الشُّهَدَاءِ الَّذِينَ شَهِدُوا الْحَقَّ، وَعَلِمُوهُ كَعِلْمِ الْمُعَايَنَةِ وَالْمُشَاهَدَةِ، وَاسْتُشْهِدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ، وَبَذَلُوا أَرْوَاحَهُمْ لِإِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللهِ، وَمَعَ الصَّالِحِينَ الَّذِينَ صَلَحَتْ أَحْوَالُهُمْ، وَحَسُنَتْ أَعْمَالُهُمْ.

وَنِعْمَتُ الصُّحْبَةُ صُحْبَةُ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللهُ تَعَالَى- مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ فِي مَنَازِلِ الْفِرْدَوْسِ الْأَعْلَى فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ.

وَالشَّهِيدُ: هُوَ الَّذِي قُتِلَ بَاذِلًا دَمَهُ وَنَفْسَهُ مِنْ أَجْلِ اللهِ، يُعَوِّضُهُ اللهُ بِهَذِهِ الْحَيَاةِ الْفَانِيَةِ حَيَاةً أَبَدِيَّةً لَا نِهَايَةَ لَهَا، وَيَكُونُ ذَلِكَ فِي الْبَرْزَخِ -أَيْ قَبْلَ الْقِيَامَةِ-، وَفِي الْجَنَّةِ بَعْدَ الْقِيَامَةِ.

وَقَالَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَلَا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتٌ ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَٰكِن لَّا تَشْعُرُونَ} [البقرة: 154].

لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى- الْأَمْرَ بِالِاسْتِعَانَةِ بِالصَّبْرِ عَلَى جَمِيعِ الْأَحْوَالِ؛ ذَكَرَ نَمُوذَجًا مِمَّا يُسْتَعَانُ بِالصَّبْرِ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ، وَهُوَ أَفْضَلُ الطَّاعَاتِ الْبَدَنِيَّةِ، وَأَشَقُّهَا عَلَى النُّفُوسِ؛ لِمَشَقَّتِهَا فِي نَفْسِهِ، وَلِكَوْنِهِ مُؤَدِّيًا لِلْقَتْلِ وَعَدَمِ الْحَيَاةِ، الَّتِي إِنَّمَا يَرْغَبُ الرَّاغِبُونَ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا؛ لِحُصُولِ الْحَيَاةِ وَلَوَازِمِهَا، فَكُلُّ مَا يَتَصَرَّفُونَ بِهِ؛ فَإِنَّهُ سَعْيٌ لَهَا، وَدَفْعٌ لِمَا يُضَادُّهَا.

وَمِنَ الْمَعْلُومِ: أَنَّ الْمَحْبُوبَ لَا يَتْرُكُهُ الْعَاقِلُ إِلَّا لِمَحْبُوبٍ أَعْلَى مِنْهُ وَأَعْظَمُ، فَأَخْبَرَ -تَعَالَى- أَنَّ مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِهِ؛ بِأَنْ قَاتَلَ فِي سَبِيلِ اللهِ، لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا، وَدِينُهُ الظَّاهِرُ، لَا لِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَغْرَاضِ؛ فَإِنَّهُ لَمْ تَفُتْهُ الْحَيَاةُ الْمَحْبُوبَةُ، بَلْ حَصَلَتْ لَهُ حَيَاةٌ أَعْظَمُ وَأَكْمَلُ مِمَّا تَظُنُّونَ وَتَحْسِبُونَ.

فَالشُّهَدَاءُ.. {أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (170) ۞ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِين} [آل عمران: 169-171].

فَهَلْ أَعْظَمُ مِنْ هَذِهِ الْحَيَاةِ الْمُتَضَمِّنَةِ لِلْقُرْبِ مِنَ اللهِ، وَتَمَتُّعِهِمْ بِرِزْقِهِ الْبَدَنِيِّ فِي الْمَأْكُولَاتِ وَالْمَشْرُوبَاتِ اللَّذِيذَةِ، وَالرِّزْقِ الرُّوحِيِّ، وَهُوَ الْفَرَحُ، وَهُوَ الِاسْتِبْشَارُ، وَزَوَالُ كُلِّ خَوْفٍ وَحُزْنٍ، وَهَذِهِ حَيَاةٌ بَرْزَخِيَّةٌ أَكْمَلُ مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا؛ بَلْ قَدْ أَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ: أَنَّ أَرْوَاحَ الشُّهَدَاءِ فِي أَجْوَافِ طَيْرٍ خُضْرٍ، تَرِدُ أَنْهَارَ الْجَنَّةِ، وَتَأْكُلُ مِنْ ثِمَارِهَا، وَتَأْوِي إِلَى قَنَادِيلَ مُعَلَّقَةٍ بِالْعَرْشِ.

وَقَالَ تَعَالَى: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (170) ۞ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِين} [آل عمران: 169-171].

فَيُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى- عَنِ الشُّهَدَاءِ بِأَنَّهُمْ وَإِنْ قُتِلُوا فِي هَذِهِ الدَّارِ؛ فَإِنَّ أَرْوَاحَهُمْ حَيَّةٌ مَرْزُوقَةٌ فِي دَارِ الْقَرَارِ.

وَقَالَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (4) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (5) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ} [محمد: 6].

وَقَدِ اشْتَرَى اللهُ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- مِنَ الْمُؤْمِنِينَ نُفُوسَهُمْ؛ لِنَفَاسَتِهَا لَدَيْهِ؛ إِحْسَانًا مِنْهُ وَفَضْلًا، وَكَتَبَ ذَلِكَ الْعَقْدَ الْكَرِيمَ فِي كِتَابِهِ الْعَظِيمِ؛ فَهُوَ يُقْرَأُ أَبَدًا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَيُتْلَى، قَالَ تَعَالَى- مُبَيِّنًا لُزُومَ هَذَا الْعَقْدِ أَزَلًا فِي مُحْكَمِ الْقُرْآنِ: {إِنَّ اللهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ۚ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ۖ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ ۚ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ ۚ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ ۚ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 111].

قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ -رَحِمَهُ اللهُ- فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ: «يُخْبِرُ تَعَالَى- أَنَّهُ عَاوَضَ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ إِذَا بَذَلُوهَا فِي سَبِيلِهِ بِالْجَنَّةِ، وَهَذَا مِنْ فَضْلِهِ وَكَرَمِهِ وَإِحْسَانِهِ؛ فَإِنَّهُ قَبِلَ الْعِوَضَ عَمَّا يَمْلِكُهُ بِمَا تَفَضَّلَ بِهِ عَلَى عَبِيدِهِ الْمُطِيعِينَ لَهُ.

لِهَذَا قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَقَتَادَةُ: ((بَايَعَهُمُ اللهُ فَأْغَلَى ثَمَنَهُمْ)) )).

وَقَالَ تَعَالَى: {وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ} [الزمر: 69].

فَقَرَنَ تَعَالَى- ذِكْرَ الشُّهَدَاءِ مَعَ النَّبِيِّينَ؛ تَكْرِيمًا لَهُمْ، وَبَيَانًا لِعُلُوِّ مَنْزِلَتِهِمْ.

وَقَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ} [آل عمران: 140].

قَالَ السُّهَيْلِيُّ: «وَفِيهِ فَضْلٌ عَظِيمٌ لِلشُّهَدَاءِ، وَتَنْبِيهٌ عَلَى حُبِّ اللهِ إِيَّاهُمْ؛ حَيْثُ قَالَ: {وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ}، وَلَا يُقَالُ: اتَّخَذْتُ، وَلَا اتَّخَذَ؛ إِلَّا فِي مُصْطَفًى مَحْبُوبٍ، قَالَ تَعَالَى-: {مَا اتَّخَذَ اللهُ مِن وَلَدٍ} [المؤمنون: 91]، وَقَالَ تَعَالَى-: {مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلا وَلَدًا} [الجن: 3]، فَالِاتِّخَاذُ إِنَّمَا هُوَ اقْتِنَاءٌ وَاجْتِبَاءٌ)).

وَلَقَدْ خَصَّ اللهُ تَعَالَى- وَرَسُولُهُ ﷺ الشُّهَدَاءَ بِمَنَاقِبَ عَدِيدَةٍ؛ فَمِنْهَا:

*شَرَفُ مَكَانِهِمْ وَجِوَارِهِمْ، وَعَظِيمُ أَجْرِهِمْ وَنَعِيمِهِمْ، قَالَ تَعَالَى: {وَالشُّهَدَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ} [الحديد: 19].

وَالشُّهَدَاءُ هُمُ الَّذِينَ قَاتَلُوا فِي سَبِيلِ إِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللهِ، وَبَذَلُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ فَقُتِلُوا؛ لَهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ أَجْرٌ جَزِيلٌ، وَنُورٌ عَظِيمٌ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، وَهُمْ فِي ذَلِكَ يَتَفَاوَتُونَ بِحَسَبِ مَا كَانُوا فِي الدَّارِ الدُّنْيَا فِي أَعْمَالِهِمْ.

فَهَذِهِ الْمَكَانَةُ لِلشُّهَدَاءِ خَاصَّةً، وَلَا أَدَّلَ عَلَى عِظَمِ هَذَا الشَّرَفِ وَالْمَكَانَةِ مِنْ حِرْصِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى الشَّهَادَةِ فِي سَبِيلِ اللهِ تَعَالَى-؛ لِيُكْتَبَ لَهُ أَجْرُ هَذِهِ الدَّرَجَةِ الْعَالِيَةِ؛ فَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((لَوْ لَا أَنْ يَشُقَّ عَلَى المُسلِمِينَ؛ مَا قَعَدْتُ خِلَافَ سَرِيَّةٍ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي أَغْزُو فِي سَبِيلِ اللهِ فَأُقْتَلَ، ثُمَّ أَغْزُو فَأُقْتَلَ، ثُمَّ أَغْزُو فَأُقْتَلَ)). أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي ((صَحِيحِهِ)).

لَقَدْ بَيَّنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَضْلَ الشَّهَادَةِ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَبَيَّنَ عَظِيمَ قَدْرِ الشَّهِيدِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَا يَجِدُ الشَّهِيدُ مِنْ مَسِّ الْقَتْلِ إِلَّا كَمَا يَجِدُ أَحَدُكُمْ مِنْ مَسِّ الْقَرْصَةِ)). أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ.

وَعَنْ أَنَسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ((مَا أَحَدٌ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ يُحِبُّ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا وَإِنَّ لَهُ مَا عَلَى الْأَرْضِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا الشَّهِيدَ؛ فَإِنَّهُ يَتَمَنَّى أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا فَيُقْتَلَ عَشْرَ مَرَّاتٍ؛ لِمَا يَرَى مِنَ الْكَرَامَةِ)).

وَفِي رِوَايَةٍ: ((لِمَا يَرَى مِنْ فَضْلِ الشَّهَادَةِ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَعَنْهُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((يُؤْتَى بِالرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَيَقُولُ اللهُ لَهُ: يَا ابْنَ آدَمَ! كَيْفَ وَجَدْتَ مَنْزِلَكَ؟

فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ! خَيْرَ مَنْزِلٍ.

فَيَقُولُ: سَلْ وَتَمَنَّهْ.

فَيَقُولُ: وَمَا أَسْأَلُكَ وَأَتَمَنَّى؟!! أَسْأَلُكَ أَنْ تَرُدَّنِي إِلَى الدُّنْيَا، فَأُقْتَلَ فِي سَبِيلِكَ عَشْرَ مَرَّاتٍ؛ لِمَا يَرَى مِنْ فَضْلِ الشَّهَادَةِ)). أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، وَالْحَاكِمُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ.

وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: أَنَّ أُمَّ الرُّبَيِّعِ بِنْتَ الْبَرَاءِ -وَهِيَ أُمُّ حَارِثَةَ بْنِ سُرَاقَةَ- أَتَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَقَالَتْ: ((يَا نَبِيَّ اللهِ! أَلَا تُحَدِّثُنِي عَنْ حَارِثَةَ؟ -وَكَانَ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ، أَصَابَهُ سَهْمٌ غَرْبٌ؛ أَيْ: لَا يُدْرَى رَامِيهِ- فَإِنْ كَانَ فِي الْجَنَّةِ صَبَرْتُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ؛ اجْتَهَدْتُ عَلَيْهِ فِي الْبُكَاءِ)).

قَالَ: ((يَا أُمَّ حَارِثَةَ! إِنَّهَا جِنَانٌ فِي الْجَنَّةِ، وَإِنَّ ابْنَكِ أَصَابَ الْفِرْدَوْسَ الْأَعْلَى)). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

*وَالشَّهِيدُ تُكَفَّرُ عَنْهُ خَطَايَاهُ؛ إِلَّا الدَّيْنَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «يُغْفَرُ لِلشَّهِيدِ كُلُّ ذَنْبٍ إِلَّا الدَّيْنَ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

فَالشَّهَادَةُ فِي سَبِيلِ اللهِ تُكَفِّرُ جَمِيعَ مَا عَلَى الْعَبْدِ مِنَ الذُّنُوبِ الَّتِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ -جَلَّ وَعَلَا-.

وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَامَ فِيهِمْ، فَذَكَرَ ((أَنَّ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالْإِيمَانَ بِاللهِ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ))، فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: ((يَا رَسُولَ اللهِ! أَرَأَيْتَ إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللهِ؛ تُكَفَّرُ عَنِّي خَطَايَايَ؟

فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((نَعَمْ، إِنْ قُتِلْتَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَأَنْتَ صَابِرٌ مُحْتَسِبٌ، مُقْبِلٌ غَيْرُ مُدْبِرٍ))، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((كَيْفَ قُلْتَ؟)).

قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللهِ؛ أَتُكَفَّرُ عَنِّي خَطَايَايَ؟

فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((نَعَمْ، إِنْ قُتِلْتَ وَأَنْتَ صَابِرٌ مُحْتَسِبٌ، مُقْبِلٌ غَيْرُ مُدْبِرٍ؛ إِلَّا الدَّيْنَ؛ فَإِنَّ جَبْرَائِيلَ قَالَ لِي ذَلِكَ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي ((صَحِيحِهِ)).

*وَمِنَ الْفَضَائِلِ وَالْمَنَاقِبِ: أَنَّ رِيحَ دَمِ الشَّهِيدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رِيحُ الْمِسْكِ؛ ((فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((مَا مِنْ مَكْلُومٍ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِ اللهِ إِلَّا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَكَلْمُهُ يَدْمَى، اللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ، وَالرِّيحُ رِيحُ الْمِسْكِ)) .

((مَا مِنْ مَكْلُومٍ)): مَجْرُوحٍ، ((يُكْلَمُ)): يُجْرَحُ، ((فِي سَبِيلِ اللهِ)) يَعْنِي: بِنِيَّةٍ خَالِصَةٍ للهِ، وَبَذْلِ النَّفْسِ؛ لِإِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللهِ.

((إِلَّا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَكَلْمُهُ يَدْمَى)) أَيْ: وَجُرْحُهُ يَثْعُبُ مِنْهُ الدَّمُ، وَيَسِيلُ كَهَيْئَتِهِ حِينَ جُرِحَ.

((اللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ، وَالرِّيحُ رِيحُ الْمِسْكِ)): اللَّوْنُ أَحْمَرُ كَلَوْنِ الدَّمِ؛ وَلَكِنَّ الرِّيحَ رِيحُ الْمِسْكِ، وَلَيْسَ بِرِيحِ دَمٍ.

أَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُ مَا مِنْ مَكْلُومٍ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِ اللهِ.. بِأَنْ كَانَ مُخْلِصًا للهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، بَاذِلًا نَفْسَهُ لِرَبِّهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، طَائِعًا رَاجِيًا مِنَ اللهِ ثَوَابَهُ، خَائِفًا مِنْ عِقَابِهِ؛ إِلَّا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَجُرْحُهُ يَدْمَى -يَسِيلُ مِنْهُ الدَّمُ- كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ جُرِحَ، اللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ، وَالرِّيحُ رِيحُ الْمِسْكِ.

وَهَذَا فِيهِ فَضِيلَةُ مَنْ يُجْرَحُ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَأَنَّ رَائِحَةَ دَمِهِ تَنْتَشِرُ فِي الْمَوْقِفِ، فَيَشُمُّهَا النَّاسُ جَمِيعًا، كَأَنَّهَا رَائِحَةُ الْمِسْكِ.

فَيُشْتَرَطُ لِذَلِكَ أَنْ يَكُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ؛ فَمَا مَعْنَى فِي سَبِيلِ اللهِ؟

أَنْ يَكُونَ مُخْلِصًا للهِ فِي الْعَمَلِ الَّذِي أَوْجَبَ جُرْحَهُ، وَأَنْ يَكُونَ عَمَلُهُ صَوَابًا عَلَى مَا شَرَعَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ.

فَإِذَا كَانَتِ النِّيَّةُ مَدْخُولَةً، أَوْ كَانَ الْعَمَلُ عَلَى غَيْرِ صَوَابٍ عَلَى السُّنَّةِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ كَلْمُهُ كَذَلِكَ؛ وَلِهَذَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ((وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِهِ)) .

يُعْلَمُ مِنْ هَذَا: أَنَّ الَّذِينَ يَقْتُلُونَ أَنْفُسَهُمْ بِمَا يُسَمُّونَهُ بِالْعَمَلِيَّاتِ الِاسْتِشْهَادِيَّةِ -وَهِيَ لَيْسَتْ بِاسْتِشْهَادِيَّةٍ، وَإِنَّمَا هِيَ عَمَلِيَّاتٌ انْتِحَارِيَّةٌ، وَكَذَلِكَ مَا يَأْتِي بِهِ الْخَوَارِجُ الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ؛ بِإِزْهَاقِ الْأَرْوَاحِ الْبَرِيئَةِ، وَسَفْكِ الدِّمَاءِ الْمَعْصُومَةِ، وَإِتْلَافِ الْأَمْوَالِ الْمُحَرَّمَةِ عَلَى غَيْرِ بَصِيرَةٍ وَلَا هُدًى-؛ يُؤْخَذُ مِنْ هَذَا: أَنَّ عَمَلَهُمْ بَاطِلٌ، وَهُوَ مُوجِبٌ لِغَضَبِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، وَلَيْسَ بِمُوجِبٍ لِرِضَاهُ -كَمَا زَعَمُوا-.

وَلِهَذَا فَلْيَتَّقُوا اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- فِي أَنْفُسِهِمْ، وَلْيَتَّقِ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- الَّذِينَ يُفْتُونَهُمْ بِجَوَازِ مَا عَمِلُوا مِنَ الْإِفْسَادِ، وَلْيَعْلَمُوا أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِخَافٍ عَلَى اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- الَّذِي لَا تَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ.

قَالَ ﷺ: ((إِلَّا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَكَلْمُهُ يَدْمَى)): يَنْزِلُ مِنْهُ الدَّمُ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ جُرِحَ.

فَمَا السَّبَبُ فِي تَغَيُّرِ رَائِحَةِ الدَّمِ -وَإِنْ كَانَ اللَّوْنُ لَوْنَ دَمٍ-؟

السَّبَبُ طِيبُ النِّيَّةِ، فَكَمَا طَيَّبَ نِيَّتَهُ؛ طَيَّبَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- رَائِحَةَ دَمِهِ، فَقَدْ بَذَلَ نَفْسَهُ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَامْتَثَلَ الْأَمْرَ، وَكَانَتْ نِيَّتُهُ طَيِّبَةً، فَطَيَّبَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- رَائِحَةَ الدَّمِ، وَتِلْكَ الرَّائِحَةُ الْحَسَنَةُ يَسْتَدِلُّ بِهَا مَنْ شَمَّهَا عَلَى حُسْنِ عَمَلِ صَاحِبِهَا، وَطِيبِ نِيَّتِهِ، وَإِخْلَاصِهِ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

يُرِيدُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- أَنْ يُظْهِرَ شَرَفَ مَنْ جَاهَدَ فِي سَبِيلِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَجَعَلَ الدَّمَ بِلَوْنِهِ، وَجَعَلَ الرَّائِحَةَ رَائِحَةَ الْمِسْكِ، يَعْلَمُ ذَلِكَ أَهْلُ الْمَوْقِفِ)) .

وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: «جِيءَ بِأَبِي يَوْمَ أُحُدٍ قَدْ مُثِّلَ بِهِ؛ حَتَّى وُضِعَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَقَدْ سُجِّيَ ثَوْبًا، فَذَهَبْتُ أُرِيدُ أَنْ أَكْشِفَ عَنْهُ، فَنَهَانِي قَوْمِي، ثُمَّ ذَهَبْتُ أَكْشِفُ عَنْهُ، فَنَهَانِي قَوْمِي، فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَرُفِعَ، فَسَمِعَ صَوْتَ صَائِحَةٍ، فَقَالَ: ((مَنْ هَذِهِ؟)).

فَقَالُوا: ابْنَةُ عَمْرٍو، أَوْ أُخْتُ عَمْرٍو.

قَالَ: ((فَلِمَ تَبْكِي؟ أَوْ: لَا تَبْكِي، فَمَا زَالَتِ الْمَلَائِكَةُ تُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا حَتَّى رُفِعَ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ أَتَيَانِي، فَصَعِدَا بِي الشَّجَرَةَ، وَأَدْخَلَانِي دَارًا هِيَ أَحْسَنُ وَأَفْضَلُ، لَمْ أَرَ قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهَا، قَالَ: أَمَّا هَذِهِ الدَّارُ فَدَارُ الشُّهَدَاءِ)). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

وَعَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: ((إِنَّ أَرْوَاحَ الشُّهَدَاءِ فِي أَجْوَافِ طَيْرٍ خُضْرٍ، تَعْلُقُ أَيْ: تَرْعَى- مِنْ ثَمَرِ الْجَنَّةِ، أَوْ قَالَ: مِنْ شَجَرِ الْجَنَّةِ)). أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ.

وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: ((الشَّهِيدُ يَشْفَعُ فِي سَبْعِينَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ)). أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ حِبَّانَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ لِغَيْرِهِ.

وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((إِنَّ لِلشَّهِيدِ عِنْدَ اللهِ سَبْعَ خِصَالٍ: أَنْ يُغفَرَ لَه فِي أَوَّلِ دُفْعَةٍ مِنْ دَمِهِ، وَيُرَى مَقْعَدَهُ مِنَ الْجنَّةِ، وَيُحَلَّى حُلَّةَ الْإِيمَانِ، وَيُجَارَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَيَأْمَنَ مِنَ الْفَزَعِ الْأَكْبَرِ، وَيُوضَعَ عَلَى رَأْسِه تَاجُ الْوَقَارِ؛ الْيَاقُوتَةُ مِنْهَا خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَيُزَوَّجُ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ زَوْجَةً مِنَ الْحُورِ الْعِينِ، وَيُشَفَّعُ فِي سَبْعِينَ إِنْسَانًا مِنْ أَقَارِبِهِ)). أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ.

وَعَنْ رَاشِدِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ: أَنَّ رَجُلًا قَالَ: ((يَا رَسُولَ اللهِ! مَا بَالُ الْمُؤْمِنِينَ يُفْتَنُونَ فِي قُبُورِهِمْ إِلَّا الشَّهِيدَ؟)).

قَالَ: ((كَفَى بِبَارِقَةِ السُّيُوفِ عَلَى رَأْسِهِ فِتْنَةً)). أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ.

وَعَنْ أَنَسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، أَنَّ رَجُلًا أَسْوَدَ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ، فَقَالَ: ((يَا رَسُولَ اللهِ! إِنِّي رَجُلٌ أَسْوَدُ، مُنْتِنُ الرِّيحِ، قَبِيحُ الْوَجْهِ، لَا مَالَ لِي، فَإِنْ أَنَا قَاتَلْتُ هَؤُلَاءِ حَتَّى أُقْتَلَ؛ فَأَيْنَ أَنَا؟

قَالَ: ((فِي الْجَنَّةِ)).

فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ ﷺ، فَقَالَ: ((قَدْ بَيَّضَ اللهُ وَجْهَكَ، وَطَيَّبَ رِيحَكَ، وَأَكْثَرَ مَالَكَ))، وَقَالَ لِهَذَا أَوْ لِغَيْرِهِ: ((فَقَدْ رَأَيْتُ زَوْجَتَهُ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ نَازَعَتْهُ جُبَّةً لَهُ مِنْ صُوفٍ، تَدْخُلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ جُبَّتِهِ)). أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ.

*وَمِنْ إِكْرَامِ اللهِ لِأَجْسَادِهِمُ الَّتِي بَذَلُوهَا لِأَجْلِهِ: إِبْقَاؤُهَا كَمَا هِيَ؛ فَلَا تَأْكُلُ الْأَرْضُ أَجْسَادَهُمْ.

فِي حَدِيثِ جَابِرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: عِنْدَمَا دُفِنَ أَبُوهُ مَعَ آخَرَ، وَكَانَا قَدْ قُتِلَا فِي مَعْرَكَةِ أُحُدٍ، قَالَ جَابِرٌ: «...ثُمَّ لَمْ تَطِبْ نَفْسِي أَنْ أَتْرُكَهُ مَعَ الْآخَرِ، فَاسْتَخْرَجْتُهُ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، فَإِذَا هُوَ كَيَوْمِ وَضَعْتُهُ، لَمْ يَتَغَيَّرْ مِنْهُ شَيْءٌ سِوَى شَيْءٍ يَسِيرٍ فِي أُذُنِهِ)).

وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ، قَالَ: «لَمَّا أَرَادَ مُعَاوِيَةُ أَنْ يُجْرِيَ الْكِظَامَةَ قَالَ: قِيلَ: ((مَنْ كَانَ لَهُ قَتِيلٌ فَلْيَأْتِ قَتِيلَهُ يَعْنَي: قَتْلَى أُحُدٍ-، قَالَ: فَأَخْرَجْنَاهُمْ رِطَابًا يَتَثَنَّوْنَ، قَالَ: فَأَصَابَتِ الْمِسْحَاةُ إِصْبَعَ رَجُلٍ مِنْهُمْ، فَانْفَطَرَتْ دَمًا».

قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: ((وَلَا يُنْكِرُ بَعْدَ هَذَا مُنْكِرٌ أَبَدًا)).

نَسْأَلُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ أَنْ يَمُنَّ عَلَيْنَا بِالشَّهَادَةِ فِي سَبِيلِهِ، وَأَنْ يُحْسِنَ خِتَامَنَا أَجْمَعِينَ.

 ((الشَّهَادَةُ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالِادِّعَاءِ))

إِنَّ الْمَكَانَةَ السَّامِيَةَ وَالدَّرَجَةَ الْعَالِيَةَ الَّتِي أَعَدَّهَا اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- لِلشُّهَدَاءِ لَا يَنَالُهَا إِلَّا شَهِيدُ الْحَقِّ، فَهُنَاكَ شَهِيدُ الْحَقِّ، وَقَتِيلُ الْبَاطِلِ، فَالشَّهِيدُ الْحَقُّ هُوَ مَنْ دَافَعَ عَنْ دِينِهِ وَوَطَنِهِ ضِدَّ كُلِّ مُعْتَدٍ، وَبَذَلَ رُوحَهُ؛ فِدَاءً لِدِينِهِ، وَتَضْحِيَةً مِنْ أَجْلِ وَطَنِهِ، وَحِمَايَةً لِتُرَابِهِ، وَدِفَاعًا عَنْ أَهْلِهِ.

إِنَّ بِلَادَنَا بِلَادٌ إِسْلَامِيَّةٌ، وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

وَمَا دَامَتْ بِلَادُنَا إِسْلَامِيَّةً فَيَجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نَسْعَى لِاسْتِقْرَارِهَا، وَاكْتِمَالِ أَمْنِهَا، وَيَجِبُ حِيَاطَتُهَا بالرِّعَايَةِ، وَالْحِفَاظِ وَالْبَذْلِ.

قَالَ الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِينٍ -كَمَا فِي شَرْحِهِ عَلَى ((رِيَاضِ الصَّالِحِينَ))-: ((حُبُّ الْوَطَنِ: إِنْ كَانَ إِسْلَامِيًّا فَهَذَا تُحِبُّهُ؛ لِأَنَّهُ إِسْلَامِيٌّ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ وَطَنِكَ الَّذِي هُوَ مَسْقَطُ رَأْسِكَ، وَالوَطَنِ الْبَعِيدِ عَنْ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ، كُلُّهَا أَوْطَانٌ إِسْلَامِيَّةٌ يَجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نَحْمِيَهَا)).

الْوَطَنُ إِنْ كَانَ إِسْلَاميًّا يَجِبُ أَنْ يُحَبَّ، وَعَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يُشَجِّعَ عَلَى الْخَيْرِ فِي وَطَنِهِ، وَعَلى بَقَائِهِ إِسْلَامِيًّا، وَأَنْ يَسْعَى لِاسْتِقْرَارِ أَوْضَاعِهِ وَأَهْلِهِ، وَهَذَا هُوَ الْوَاجِبُ عَلَى كُلِّ الْمُسْلِمِينَ.

وَمِنْ لَوَازِمِ الْحُبِّ الشَّرْعِيِّ لِلْأَوْطَانِ الْمُسْلِمَةِ: أَنْ يُحَافَظَ عَلَى أَمْنِهَا وَاسْتِقْرَارِهَا، وَأَنْ تُجَنَّبَ الْأَسْبَابَ الْمُفْضِيَةَ إِلَى الْفَوْضَى وَالِاضْطِرَابِ وَالْفَسَادِ؛ فَالْأَمْنُ فِي الْأَوْطَانِ مِنْ أَعْظَمِ مِنَنِ الرَّحِيمِ الرَّحْمَنِ عَلَى الْإِنْسَانِ.

فَعَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَعْرِفَ قَدْرَ بَلَدِهِ الْإِسْلَامِيِّ، وَأَنْ يُدَافِعَ عَنْهُ، وَأَنْ يَجْتَهِدَ فِي تَحْصِيلِ اِسْتِقْرَارِهِ وَأَمْنِهِ، وبُعْدِهِ وَإِبْعَادِهِ عَنِ الْفَوْضَى، وَعَنْ الِاضْطِرَابِ، وَعَنْ وُقُوعِ الْمُشَاغَبَاتِ.

عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يُحِبَّ بَلَدَهُ الْإِسْلَامِيَّ، وَأَنْ يُدَافِعَ عَنْهُ، وَأَنْ يَمُوتَ دُونَهُ؛ فَإِنَّ مَنْ مَاتَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَالْأَرْضُ مَالٌ، فَمَنْ مَاتَ دُونَ مَالِهِ فَهُو شَهِيدٌ.

أَمَّا قَتِيلُ الْبَاطِلِ -الَّذِي يَسْفِكُ دِمَاءَ الْأَبْرِيَاءِ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَيُرَوِّعُ أَبْنَاءَ الْوَطَنِ، وَيُهَدِّدُ أَمْنَهُمْ وَأَمَانَهُمْ، وَيَسْعَى إِلَى نَشْرِ الْفَسَادِ وَالْفَوْضَى فِي الْأَرْضِ، وَيُرَوِّعُ الْآمِنِينَ بِعَمَلِيَّاتٍ انْتِحَارِيَّةٍ، وَتَفْجِيرَاتٍ إِرْهَابِيَّةٍ لَا يُقِرُّهَا دِينٌ، وَلَا يَقْبَلُهَا عَقْلٌ- لَا يُعَدُّ شَهِيدًا، وَوَصْفُهُ بِالشَّهِيدِ ادِّعَاءٌ كَاذِبٌ لَا صِحَّةَ لَهُ، وَتَحْرِيفٌ لِلْكَلِمِ عَنْ مَوَاضِعِهِ.

اللَّهُ -جَلَّ وَعَلَا- أَمَرَ بِجِهَادِ الكُفَّارِ تَحْتَ وِلَايَةٍ مِنْ وِلَايَاتِ المُسْلِمِينَ، أَمَّا التَّفْجِيرُ وَالتَّدْمِيرُ وَالقَتْلُ وَالتَّخْرِيبُ، وَالتَّفْزِيعُ وَالتَّرْوِيعُ؛ فَهَذَا مِمَّا يَنْهَى عَنْهُ الإِسْلَامُ؛ لِأَنَّهُ يُسَبِّبُ شَرًّا عَلَى المُسْلِمِينَ قَبْلَ غَيْرِهِمْ، وَلِأَنَّهُ مَضَرَّةٌ مَحْضَةٌ بِدُونِ فَائِدَةٍ.

وَاللهُ -جَلَّ وَعَلَا- حَرَّمَ الِاعْتِدَاءَ عَلَى الأَنْفُسِ المَعْصُومَةِ وَالأَمْوَالِ المُحْتَرَمَةِ، وَحَرَّمَ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِهِ -جَلَّ وَعَلَا-، وَجَعَلَهُ بَيْنَ عِبَادِهِ مُحَرَّمًا، وَنَهَاهُمْ -تَعَالَى- أَنْ يَتَظَالَمُوا.

وَالوَاجِبُ عَلَى المُسْلِمِينَ أَنْ يَتَعَاوَنُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ؛ لِأَنَّ الأَمْنَ مِنْ أَجَلِّ النِّعَمِ، كَمَا أَنَّ فَقْدَهُ مِنْ أَعْظَمِ أَنْوَاعِ العَذَابِ؛ فَإِنَّ اللهَ -جَلَّ وَعَلَا- لَمَّا ذَكَرَ أَهْلَ القَرْيَةِ الَّتِي كَانَ يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَلَمْ تَشْكُرِ اللهَ -جَلَّ وَعَلَا-؛ أَذَاقَهَا اللهُ لِباسَ الجُوعِ وَالخَوْفِ.

قَالَ تَعَالَى: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} [النحل: 112].

إِنَّ احْتِرَامَ دِمَاءِ النَّاسِ وَاحْتِرَامَ أَمْوَالِهِمْ أَمْرٌ قَرَّرَتْهُ شَرِيعَةُ الإِسْلَامِ، وَحُرْمَةُ الدِّمَاءِ وَالأَمْوَالِ مِمَّا اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ شَرَائِعُ اللهِ كُلُّهَا، وَأَكْمَلُهَا شَرِيعَةُ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ.

وَقَدْ جَاءَ فِي الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ تَعْظِيمُ أَمْرِ القَتْلِ، وَبَيَانُ خَطَرِهِ فِي الشَّرَائِعِ السَّابِقَةِ:

قَالَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا- عَنْ أَحَدِ ابْنَيْ آدَمَ: {فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [المائدة: 30].

وَقَالَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-: {مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} [المائدة: 32].

وَقَالَ ﷺ: «لَا تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْمًا إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الأَوَّلِ كِفْلٌ -أَيْ: نَصِيبٌ- مِنْ دَمِهَا؛ لأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.

وَقَالَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا- عَنْ رَسُولِهِ وَكَلِيمِهِ مُوسَى  أَنَّهُ قَالَ لِلخَضِرِ: {أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا} [الكهف: 74].

وَقَالَ اللهُ -تَعَالَى- عَنْهُ: {فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيْهِ ۖ قَالَ هَٰذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ ۖ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ * قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [القصص: 15- 16].

وَفِي «صَحِيحِ مُسْلِمٍ»: عن سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ، مَا أَسْأَلَكُمْ عَنِ الصَّغِيرَةِ، وَأَرْكَبَكُمْ لِلْكَبِيرَةِ، سَمِعْتُ أَبِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ  يَقُولُ: «إِنَّ الْفِتْنَةَ تَجِيءُ مِنْ هَاهُنَا، وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنَا الشَّيْطَانِ، وَأَنْتُمْ يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ، وَإِنَّمَا قَتَلَ مُوسَى الَّذِي قَتَلَ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ خَطَأً، فَقَالَ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- لَهُ: {وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا} [طه: 40]».

وَقَوْلُ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ: «مَا أَسْأَلَكُمْ عَنِ الصَّغِيرَةِ، وَمَا أَرْكَبَكُمْ لِلْكَبِيرَةِ» يُشِيرُ بِذَلِكَ إِلَى مَا جَاءَ عَنْ أَبِيهِ فِي «صَحِيحِ البُخَارِيِّ» أَنَّهُ سَأَلَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ العِرَاقِ عَنْ دَمِ البَعُوضِ؛ فَقَالَ: «انْظُرُوا إِلَى هَذَا! يَسْأَلُنِي عَن دَمِ البَعُوضِ، وَقَدْ قَتَلُوا ابْنَ النَّبِيِّ ﷺ، وَسَمِعْتُ النَّبِيَّ  يَقُولُ: «هُمَا -يَعْنِي الحَسَنَ وَالحُسَيْنَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-- رَيْحَانَتَايَ مِنَ الدُّنْيَا».

وَقَالَ تَعَالَى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ} [البقرة: 84].

وَقَالَ تَعَالَى: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنفَ بِالْأَنفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ} [المائدة: 45].

بَلْ إِنَّ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- حَرَّمَ تَحْرِيمًا أَكِيدًا أَنْ يَقْتُلَ الإِنْسَانُ نَفْسَهُ، وَقَدْ جَاءَ مِنْ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- وَفِي سُنَّةِ نَبِيِّهِ  مَا هُوَ كَافٍ شَافٍ.

قَالَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ ۚ وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا * وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا ۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا} [النساء: 29- 30].

وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ فِي الدُّنْيَا عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَعَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، وَقَدْ رَوَى البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ -أَيْضًا-: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: أَنَّ رَسُولَ اللهِ  قَالَ: «مَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ يَتَرَدَّى فيه خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ تَحَسَّى سُمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَسُمُّهُ فِي يَدِهِ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَجَأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا».

وَعِنْدَ البُخَارِيِّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «الَّذِي يَخْنُقُ نَفْسَهُ يَخْنُقُهَا فِي النَّارِ، وَالَّذِي يَطْعُنُهَا يَطْعُنُهَا فِي النَّارِ».

وَكَذَلِكَ مَنْ فَجَّرَ نَفْسَهُ يُفَجِّرُهَا فِي النَّارِ، مَنْ أَدَّى عَمَلُهُ إِلَى شَيْءٍ يُذْهِبُ حَيَاتَهُ؛ فَهُوَ بِذَلِكَ يَفْعَلُهُ فِي النَّارِ؛ كَمَا قَالَ المُخْتَارُ ﷺ.

وَفِي هَذَا الحَدِيثِ فِي «مُسْنَدِ الإِمَامِ أَحْمَدَ» وَغَيْرِهِ زِيَادَةٌ: «وَالَّذِي يَتَقَحَّمُ فِيهَا يَتَقَحَّمُ فِي النَّارِ».

وَفِي «صَحِيحَيِ البُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ»: عَنِ الحَسَنِ قَالَ: حَدَّثَنَا جُنْدُبٌ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- فِي هَذَا المَسْجِدِ، فَمَا نَسِينَا، وَمَا نَخَافُ أَنْ نَنْسَى، وَمَا نَخَافُ أَنْ يَكْذِبَ جُنْدُبٌ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «كَانَ بِرَجُلٍ جِرَاحٌ فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَقَالَ اللهُ: بَدَرَنِي عَبْدِي بِنَفْسِهِ؛ حَرَّمْتُ عَلَيْهِ اْلجَنَّةَ».

وَرَوَى ابْنُ حِبَّانَ فِي «صَحِيحِهِ»: عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: «أَنَّ رَجُلًا كَانَتْ بِهِ جِرَاحَةٌ فَأَتَى قَرْنًا لَهُ، فَأَخَذَ مِشْقَصًا فَذَبَحَ بِهِ نَفْسَهُ، فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ». وَهُوَ صَحِيحٌ لِغَيْرِهِ.

يَقُولُ رَبُّنَا -جَلَّ وَعَلَا-: {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ}، وَهَذَا يَشْمَلُ قَتْلَ الإِنْسَانِ نَفْسَهُ وَقَتْلَهُ لِغَيْرِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَلَا يَجُوزُ لِلإِنْسَانِ أَنْ يَقْتُلَ نَفْسَهُ، بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يُحَافِظَ عَلَى نَفْسِهِ غَايَةَ المُحَافَظَةِ، وَلَا يَمْنَعُ هَذَا أَنَّهُ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللهِ وَيُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَوْ تَعَرَّضَ لِلقَتْلِ وَالشَّهَادَةِ، أَمَّا أَنْ يَتَعَمَّدَ قَتْلَ نَفْسِهِ، فَهَذَا لَا يَجُوزُ.

وَفِي عَهْدِ النَّبِيِّ  فِي بَعْضِ الغَزَوَاتِ كَانَ أَحَدُ الشُّجْعَانِ يُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ مَعَ الرَّسُولِ ﷺ، فَقَالَ النَّاسُ مُثْنِينَ عَلَيْهِ: مَا أَبْلَى مِنَّا أَحَدٌ مِثْلَ مَا أَبْلَى فُلَانٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ مَعَ ذَلِكَ الوَصْفِ: «هُوَ فِي النَّارِ»!!

هَذَا قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ، فَصَعُبَ ذَلِكَ عَلَى الصَّحَابَةِ، كَيْفَ بِمِثْلِ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يُقَاتِلُ وَلَا يَتْرُكُ مِنَ الكُفَّارِ أَحَدًا إلَّا تَبِعَهُ وَقَاتَلَهُ؛ كَيْفَ يَكُونُ فِي النَّارِ؟!!

فَتَبِعَهُ رَجُلٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَرَاقَبَهُ وَتَتَّبَعَهُ، فَجُرِحَ الرَّجُلُ، وَفِي النِّهَايَةِ رَآهُ وَضَعَ غِمْدَ السَّيْفِ عَلَى الأَرْضِ، وَجَعَلَ ذُبَابَةَ السَّيْفِ تَحْتَ ثَدْيِهِ الأَيْسَرِ، ثُمَّ اتَّكَأَ مُتَحَامِلًا عَلَى سَيْفِهِ، فَدَخَلَ السيفُ مِنْ صَدْرِهِ، وَخَرَجَ مِن ظَهْرِهِ؛ فَمَاتَ؛ فَقَالَ الصَّحَابيُّ: صَدَقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَعَرَفُوا أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ لَا يَنْطِقُ عَنِ الهَوَى .

لِمَاذَا دَخَلَ النَّارَ مَعَ هَذَا العَمَلِ؟! وَكَانَ يُجَاهِدُ، لَا يَدَعُ شَاذَّةً وَلَا فَاذَّةً، وَلَمْ يُبْلِ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ مَا أَبْلَاهُ؛ وَمَعَ ذَلِكَ فَلَمَّا انْتَحَرَ -فَلَمَّا قَتَلَ نَفْسَهُ-؛ دَخَلَ النَّارَ -وَالعِيَاذُ بِالعَزِيزِ الغَفَّارِ-، قَتَلَ نَفْسَهُ، وَلَم يَصْبِرْ!!

فَلَا يَجُوزُ لِلإِنْسَانِ أَنْ يَقْتُلَ نَفْسَهُ بِحُجَّةِ الجِهَادِ، بِحُجَّةِ البَحْثِ عَنِ الشَّهَادَةِ، بِحُجَّةِ أَنَّهَا مِنَ العَمَلِيَّاتِ الِاسْتِشْهَادِيَّةِ، بَلْ هِيَ عَمَلِيَّاتٌ انْتِحَارِيَّةٌ، وَلَا تَجُوزُ فِي أَيِّ دِينٍ، هَذَا خَطَأٌ كَبِيرٌ.

وَالَّذِي يَمْلكُ تَفْنِيدَ الأَدِلَّةِ مِنَ الإِثْخَانِ فِي العَدُوِّ وَالتُّرْسِ وَمَا أَشْبَهَ، الَّذِي يَمْلِكُ الجَوَابَ عَنْ هَذِهِ الأُمُورِ هُمُ الَّذِينَ يَحْمِلُ عَلَيْهِمْ مَنْ يَحْمِلُ الحَمْلَةَ الشَّعْوَاءَ، وَفِي الوَقْتِ نَفْسِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ جَوَابًا عَنْ هَذِهِ الشُّبُهَاتِ.

فَخَلُّوا -عِبَادَ اللهِ- عَنْ أَهْلِ العِلْمِ حَتَّى يَتَكَلَّمُوا مَعَ هَؤُلَاءِ، فَإِنَّ المَعْرَكَةَ مَعْرَكَةُ عَقِيدَةٍ، لَا يُفْلِحُ فِي خَوْضِهَا الزَّائِغُونَ، وَلَا المُنْحَرِفُونَ، وَلَا المُتَحَلِّلُونَ، وَلَا الَّذِينَ يُحَارِبُونَ الدِّينَ، وَلَا الَّذِينَ يَنْسِفُونَ تُرَاثَ المُسْلِمِينَ، هَؤُلَاءِ يَزِيدُونَ النَّارَ اشْتِعَالًا؛ لِأَنَّ الشَّابَّ إِذَا رَأَى مَنْ يُهَرْطِقُ فِي دِينِ اللهِ، وَيُجَدِّفُ فِيهِ، فَإِنَّهُ يُكَفِّرُهُ.

ثُمَّ كَمَا هِيَ القَاعِدَةُ عِنْدَ التَّكْفِيرِيِّينَ: يَسْحَبُ ذَيْلَ التَّكْفِيرِ فَيَقُولُ: إِنَّ السُّلْطَةَ الَّتِي لَا تَمْنَعُ هَذَا الزِّنْدِيقَ المُهَرْطِقَ المُجَدِّفَ الَّذِي يَحْمِلُ عَلَى دِينِ اللهِ، وَيَنْسِفُ مَا هُوَ مَعْلُومٌ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ وَصْفُهَا كوَصْفِهِ!!

ثُمَّ يَقُولُ: وَالمُجْتَمَعُ الَّذِي يَسْكُتُ عَلَى هَذَا كُلِّهِ وَصْفُهُ كَوَصْفِ السُّلْطَةِ وَوَصْفِ المُهَرْطِقِ!! وَمِنْ هُنَا انْسَحَبَ ذَيْلُ التَّكْفِيرِ عَلَى المُجْتَمَعِ كُلِّهِ!!

اتَّقُوا اللهَ!

اتَّقُوا اللهَ فِي هَذَا البَلَدِ!

اتَّقُوا اللهَ فِي مُسْتَقْبَلِ الإِسْلَامِ فِيهِ!

اتَّقُوا اللهَ فِي الدِّمَاءِ!

إنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ.

يَقُولُ المَأْمُونُ ﷺ: «لَا يَزَالُ المُؤْمِنُ فِي فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا». أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ.

فَاحْتِرَامُ الأَمْوَالِ وَالدِّمَاءِ أَمْرٌ مَطْلُوبٌ شَرْعًا، وَالسَّعْيُ فِي زَعْزَعَةِ أَمْنِ الأُمَّةِ إِنَّمَا يَصْدُرُ مِنْ أُنَاسٍ فَهِمُوا الإِسْلَامَ عَلَى غَيْرِ فَهْمِهِ الشَّرْعِيِّ، وَجَاءَهُمُ الشَّيْطَانُ وَزَيَّنَ لَهُمُ البَاطِلَ؛ فَظَنُّوهُ حَقًّا، وَذَلِكَ مِنْ قُصُورِ الإِيمَانِ وَالعِلْمِ، قَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} [فاطر: 8].

وَمَا أَرَادُوهُ إِلَّا لِكَيْدِ الأُمَّةِ وَالنَّيْلِ مِنْهَا، وَزَعْزَعَةِ دَوْلَةِ الإِسْلَامِ، وَمَحَبَّةِ إِظْهَارِ الفَوْضَى فِي بِلَادِ المُسْلِمِينَ، وَهَؤُلَاءِ جَهَلَةٌ خُدِعُوا وَغُرِّرَ بِهِمْ، وَلَيْسَ عِنْدَهُمْ مِنَ العِلْمِ مَا يَحْمِلُهُمْ عَلَى اتِّقَاءِ هَذِهِ المَصَائِبِ العَظِيمَةِ، وَأَعْدَاءُ الأُمَّةِ سَاعُونَ فِي الإِضْرَارِ بِالأُمَّةِ بِكُلِّ مَا أُوتُوا؛ بِالمَكَائِدِ مِنْ قِيلَ وَقَالَ، وَأَرَاجِيفَ وَإِشَاعَاتٍ بَاطِلَةٍ، وَمِنْ إِيحاءٍ لِضِعَافِ البَصَائِرِ؛ لِيَسْتَغِلُّوهُمْ فِي بَاطِلِهِمْ وَلِيَجْعَلُوهُمْ سَبَبًا لِحُصُولِ مَا يَحْصُلُ مِنَ النَّكَبَاتِ لِلأُمَّةِ.

فَاليَقَظَةُ وَالِانْتِبَاهُ وَاجِبَانِ لِمَعْرِفَةِ مُخَطَّطَاتِ أَعْدَاءِ الإِسْلَامِ، وَلْيَكُنِ المُسْلِمُونَ عَلَى حَذَرٍ مِنْ هَذِهِ الأُمُورِ، فَإِنَّ أَعْدَاءَ اللهِ لَا يُرِيدُونَ لَنَا نُصْحًا، وَإِنَّمَا يُحِبُّونَ أَنْ يُوقِعُوا بَيْنَنَا العَدَاوَةَ وَالبَغْضَاءَ.

فَلْيَحْذَرِ المُسْلِمُ أَنْ يَكُونَ مَطِيَّةً لِأَعْدَائِهِ؛ يُوَجِّهُهُ الأَعْدَاءُ كَيْفَ شَاءُوا، وَلْيَكُنْ عَلَى ثِقَةٍ بِدِينِهِ، وَلْيَسْتَقِمْ عَلَى الخَيْرِ، وَلْيَتَعَاوَنِ المُسْلِمُونَ جَمِيعًا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى.

وَلْيَحْذَرِ المُسْلِمُ مِنْ أَنْ يَكُونَ عَوْنًا لِكُلِّ مُجْرِمٍ وَلِكُلِّ مُفْسِدٍ، فَإِنَّهَا تُخِلُّ بِالأَمَانَةِ الشَّرْعِيَّةِ، فَأَمْنُ هَذَا البَلَدِ عُمُومًا مَسْئُولِيَّةُ كُلِّ فَرْدٍ مِنَّا، حَمَى اللهُ بِلَادَ المُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ سُوءٍ وَجَنَّبَهَا المَهَالِكَ، وَكَفَاهَا شَرَّ الأَعْدَاءِ، وَبَصَّرَ الأُمَّةَ فِي دِينِهَا.

 ((أَنْوَاعٌ مِنَ الشُّهَدَاءِ مِنْ أُمَّةِ النَّبِيِّ ﷺ ))

عِبَادَ اللهِ! لَمَّا كَانَ الْإِسْلَامُ دِينَ الْمُرُوءَةِ وَالشَّهَامَةِ، وَالْعِفَّةِ، وَحِفْظِ الْأَنْفُسِ وَالْأَعْرَاضِ وَالْأَمْوَالِ وَالْحُقُوقِ؛ جَعَلَ مَنْ مَاتَ فِي سَبِيلِ الدِّفَاعِ عَنْ ذَلِكَ شَهِيدًا؛ فَقَدْ سَأَلَ النَّبِيُّ ﷺ أَصْحَابَهُ يَوْمًا عَنِ الشَّهِيدِ: ((مَا تَعُدُّونَ الشَّهِيدَ فِيكُمْ؟)).

فَقَالُوا: الَّذِي يَمُوتُ مُجَاهِدًا فِي سَبِيلِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-.

يَمُوتُ فِي سَاحَةِ الْوَغَى، فِي سَاحَةِ الْقِتَالِ.

فَقَالَ ﷺ: ((إِنَّ شُهَدَاءَ أُمَّتِي إِذَنْ لَقَلِيلٌ)).

ثُمَّ بَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْوَاعًا مِنَ الشُّهَدَاءِ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَلَيْسُوا مِمَّنْ مَاتَ فِي الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَلَا فِي سَاحَةِ الْمَعْرَكَةِ.

شَهِيدُ الْمَعْرَكَةِ.. وَمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-؛ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا؛ هَذَا شَهِيدُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ؛ هَذَا يُكَفَّنُ فِي ثِيَابِهِ، لَا يُغَسَّلُ، وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَيَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَجُرْحُهُ يَخْرُجُ مِنْهُ رِيحُ الْمِسْكِ؛ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ، مَعَ أَنَّ اللَّوْنَ لَوْنُ الدَّمِ.

هَذَا شَهِيدُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.

وَأَمَّا شُهَدَاءُ الْآخِرَةِ -لَا شُهَدَاءُ الدُّنْيَا-؛ فَلَا تَجْرِي عَلَيْهِمْ أَحْكَامُ شَهَادَةِ الْقَتْلِ فِي الْمَعَارِكِ جِهَادًا فِي سَبِيلِ اللهِ.

الَّذِي يُدَافِعُ عَنْ مَالِهِ، عَنْ عِرْضِهِ، يُدَافِعُ عَنْ دَمِهِ؛ هَذَا إِذَا مَاتَ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَأَمَّا مَنِ اعْتَدَى عَلَيْهِ؛ فَهَذَا قَاتِلٌ، يُحَاسِبُهُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- حِسَابَ الْقَاتِلِينَ الْمُعْتَدِينَ.

وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((الْمَبْطُونُ شَهِيدٌ))، مَنْ قَتَلَهُ بَطْنُهُ فَهُوَ شَهِيدٌ؛ يَعْنِي: الَّذِي يُصَابُ فِي كَبِدِهِ فَيَمُوتُ بِهِ، أَوْ فِي كُلْيَتَيْهِ فَيَمُوتُ بِذَلِكَ، الَّذِي يَأْتِيهِ سَرَطَانٌ فِي الْأَمْعَاءِ، أَوْ فِي الْمُسْتَقِيمِ، أَوْ فِي الْمَثَانَةِ، أَوْ فِي الْبُرُوسْتَاتَا، أَوْ مَا أَشْبَهَ، يَعْنِي: مَا كَانَ مِنْ أَمْرٍ يَكُونُ مُؤَدِّيًا إِلَى الْمَوْتِ فِي الْبَطْنِ، فَإِنَّ مَنْ صَبَرَ عَلَى ذَلِكَ؛ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، وَاحْتِسَابًا عِنْدَ اللهِ مَا لَهُ مِنَ الْأَجْرِ الْحَسَنِ؛ فَهُوَ شَهِيدٌ.

فِي التَّقْسِيمِ الطِّبِيِّ التَّشْرِيحِيِّ الْحَدِيثِ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْبَطْنِ وَالْحَوْضِ؛ وَلَكِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مَعْهُودًا عِنْدَ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَالْقُرْآنُ عَرَبِيٌّ، فَمَهْمَا كَانَ مِنْ دَاءٍ فِي الْحَوْضِ مِنْ شَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْتُ بَعْضَهُ، فَأَدَّى إِلَى الْوَفَاةِ؛ فَهُوَ أَيْضًا- دَاخِلٌ فِي قَوْلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ: ((الْمَبْطُونُ شَهِيدٌ)).

قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((صَاحِبُ السِّلِّ شَهِيدٌ))؛ السِّلُّ: هُوَ السُّلُّ، يَعْنِي: الْمَسْلُولُ الَّذِي يُصِيبُهُ السُّلُّ غَالِبًا فِي رِئَتَيْهِ، فَإِنَّهُ إِذَا مَاتَ بِذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ يَكُونُ أَيْضًا- شَهِيدًا، كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ.

 ((وَمَنْ مَاتَ مَطْعُونًا أَيْ: بِالطَّاعُونِ- فَهُوَ شَهِيدٌ)).

وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((صَاحِبُ الْهَدْمِ شَهِيدٌ))؛ يَعْنِي: الَّذِي يَسْقُطُ عَلَيْهِ جِدَارٌ، يَسْقُطُ عَلَيْهِ السَّقْفُ، يُهْدَمُ عَلَيْهِ الْبَيْتُ، فَيَمُوتُ؛ هُوَ شَهِيدٌ، قَالَ ﷺ: ((صَاحِبُ الْهَدْمِ شَهِيدٌ)).

وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((الْغَرِقُ شَهِيدٌ))، وَ((الْحَرِقُ شَهِيدٌ)) يَعْنِي: مَنْ مَاتَ غَرَقًا؛ فَهُوَ شَهِيدٌ أَيْضًا، وَمَنْ مَاتَ مَحْرُوقًا؛ فَهُوَ شَهِيدٌ أَيْضًا.

فَبَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْوَاعًا مِنَ الشُّهَدَاءِ، وَذَكَرَ لَوْنًا مِنَ الشَّهَادَةِ، كَانَ الصَّحَابَةُ أَنْفُسُهُمْ (ض3) لَا يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مِنَ الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّهُمْ لَمَّا سُئِلُوا عَنِ الشَّهِيدِ قَالُوا: الَّذِي يَمُوتُ فِي الْمَعْرَكَةِ، فَقَالَ: ((إِذَنْ شُهَدَاءُ أُمَّتِي قَلِيلٌ)).

* ذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ -أَيْضًا- مِنْ أَنْوَاعِ الشُّهَدَاءِ الْمَرْأَةَ تَمُوتُ فِي نِفَاسِهَا، ((فَتَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَجُرُّهَا وَلِيدُهَا بِسَرَرِهِ؛ حَتَّى يُدْخِلَهَا الْجَنَّةَ)) السَّرَرُ: هُوَ الْحَبْلُ السُّرِّيُّ.

فَتَصَوَّرْ هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَالْمَرْأَةُ تَمُوتُ فِي أَثْنَاءِ الْوَضْعِ، أَوْ تَمُوتُ فِي أَثْنَاءِ النِّفَاسِ يَعْنِي: قَبْلَ أَنْ تَطْهُرَ مِنْ نِفَاسِهَا-؛ فَهَذِهِ.. يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ: ((إِنَّ وَلَدَهَا يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ جَارًّا لَهَا بِسَرَرِهِ يَعْنِي: بِالْحَبْلِ السُّرِّيِّ-؛ حَتَّى يُدْخِلَهَا الْجَنَّةَ)).

كُلُّ هَؤُلَاءِ أَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ لَهُمْ مَقَامًا عِنْدَ اللهِ؛ بِشَرْطِ أَنْ يَمُوتُوا عَلَى التَّوْحِيدِ، وَالصَّبْرِ عَلَى مَقَادِيرِ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ، مُتَّبِعِينَ لِلنَّبِيِّ الْكَرِيمِ ﷺ.

كَمَا لَا يُحْرَمُ فَضْلَ الشَّهَادَةِ مَنْ سَأَلَهَا بِصِدْقِ نِيَّةٍ وَإِخْلَاصِ طَوِيَّةٍ، أَخْرَجَ مُسْلِمٌ فِي ((صَحِيحِهِ)) بِسَنَدِهِ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: ((مَنْ سَأَلَ اللهَ الشَّهَادَةَ بِصِدْقٍ؛ بَلَّغَهُ اللهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ؛ وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ)).

 ((اتَّقُوا اللهَ فِي أَوْطَانِكُمْ!))

عِبَادَ اللهِ! يَنْبَغِي عَلَيْنَا جَمِيعًا أَنْ نَتَّقِيَ اللهَ -تَعَالَى- فِي دِينِنَا، وَفِي بَلَدِنَا، فِي إِسْلَامِنَا، وَفِي أَرْضِنَا.

عَلَيْنَا أَنْ نَتَّقيَ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- جَمِيعًا فِي هَذِهِ الأُمَّةِ، وَفِي بِلَادِ الإِسْلَامِ مِنْ وَرَائِهَا.

يَنْبَغِي عَلَيْنَا جَمِيعًا أَنْ يُمْسِكَ لِسَانَهُ مَنْ لَا يَعْلَمُ مَا يَخْرُجُ مِنْ رَأْسِهِ، وَأَلَّا يَتَطَوَّعَ المُفْسِدُونَ الفَسَدَةُ بِنَثْرِ الِاتِّهَامَاتِ عَلَى البُرَآءِ، وَبِالتَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ النَّاسِ، وَبِالتَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ السُّلُطَاتِ، فَإِنَّهُمْ زِمامُ الأَمْنِ لِهَذَا الوَطَنِ.

وَأَمَّا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُشْعِلُونَ الفِتَنَ، فَإِنَّهُمْ يُرِيدُونَهَا فَوْضَى، تَنْطَلِقُ فِيهَا الغَرَائِزُ مِنْ مَكَامِنِهَا، وَتَشْرَئِبُّ فِيهَا النَّزَوَاتُ بِأَعْنَاقِهَا، يُرِيدُونَهَا فَوْضَى، لَا يُرِيدُونَهَا دِينًا بِـ«افْعَلْ، وَلَا تَفْعَلْ»؛ مِنْ أَجْلِ الحَقِّ وَالخَيْرِ وَالسَّلَامِ، وَمِنْ أَجْلِ أَنْ يَعُمَّ الخَيْرُ رُبُوعَ الدَّوْلَةِ، لَا يُرِيدُونَهَا هَكَذَا، هَؤُلَاءِ مَنْسُوبُونَ إِلَى غَيْرِ أَبْنَائِهَا، عَامِلُونَ عَلَى غَيْرِ أَجِنْدَةِ هَذِهِ الدَّوْلَةِ، هُمْ يَعْمَلُونَ عَلَى أَجِنْدَاتٍ لَا نَعْلَمُهَا.

يَنْبَغِي عَلَيْنَا أَنْ نَحْذَرَهُمْ، وَأَلَّا نُلْقِيَ بِأَسْمَاعِنَا إِلَى مَا يَهْرِفُونَ بِهِ، وَإِلَى مَا يُلْقُونَهُ مِنَ الأَسْمَاعِ إِلَى القُلُوبِ مِنَ السُّمِّ الزُّعَافِ، فَوَاللَّهِ إِنَّهُ لَأَفْتَكُ بِالقُلُوبِ وَالأَبْدَانِ وَالحَيَاةِِ مِن سُمِّ الأَفَاعِي، مِنْ سُمِّ الأَسَاوِدِ.

فَيَنْبَغِي عَلَيْنَا أَنْ نَتَّقِيَ اللهَ، وَأَنْ نُحَدِّدَ مَوْقفَنَا: مَعَ هَذَا الدِّينِ مَعَ هَذَا الوَطَنِ، أَمْ ضِدَّ هَذَا الدِّينِ وَضِدَّ هَذَا الوَطَنِ؟!!

وَلْيَمْضِ كُلٌّ بَعْدَ ذَلِكَ فِي طَرِيقِهِ.

وَاللَّهُ المُسْتَعَانُ، وَعَلَيْهِ التُّكْلَانُ.

اللهم بِأَسْمَائِكَ الْحُسْنَى وَصِفَاتِكَ الْمُثْلَى نَسْأَلُكَ الشَّهَادَةَ فِي سَبِيلِكَ فِي غَيْرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ وَلَا فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ.

((فَيْرُوس كُورُونَا بَيْنَ يَقِينِ الْمُسْلِمِ وَالْأَخْذِ بِالْأَسْبَابِ))

عِبَادَ اللهِ! كُلُّ أَمْرٍ تَعَلَّقَ بِالْحَيَاةِ إِيجَادًا أَوْ سَلْبًا؛ فَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِنَ الْبَشَرِ فِيهِ مَدْخَلٌ، لَا يَمُوتُ أَحَدٌ إِلَّا إِذَا انْتَهَى أَجَلُهُ، كَمَا أَنَّ الْحَيَاةَ لَا تَبْدَأُ إِلَّا بِإِحْيَاءِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لِلْكَائِنِ الْحَيِّ.

* فَيْرُس يُخِيفُ الْعَالَمَ وَيُفْزِعُهُ!!

هَذِهِ الْكَائِنَاتُ الْحَيَّةُ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-، وَتَأَمَّلْ فِي حَالِ الْعَالَمِ الْيَوْمَ؛ أَكْبَرُ دَوْلَةٍ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ مِنْ حَيْثُ الْعَدَدُ -وَهِيَ جُمْهُورِيَّةُ الصِّينِ- تَبِيتُ مَرْعُوبَةً مَفْزُوعَةً عَلَى وَجَلٍ، وَلَا تَدْرِي مَاذَا تَصْنَعُ؟!!

مَا هُوَ الْعَدُوُّ الَّذِي يُخِيفُهَا، وَيُقْلِقُ لَيْلَهَا، وَيُنَغِّصُ نَهَارَهَا، وَيَجْعَلُ أَهْلَهَا مُشَرَّدِينَ، أَوْ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَشَرَّدُوا فِي أَنْحَاءِ الْعَالَمِ، كَأَنَّمَا يُرِيدُونَ الْفِرَارَ مِنَ الْمَوْتِ.. وَهَيْهَاتَ؛ مَا هُوَ ذَلِكَ السِّلَاحُ الْفَتَّاكُ.. السِّلَاحُ الْفَعَّالُ الَّذِي يُؤَثِّرُ فِي هَذِهِ الْمِلْيَارَاتِ مِنَ الْبَشَرِ؟!!

وَلَا يَتَصَوَّرُ أَحَدٌ أَنْ يُؤَثِّرَ فِي هَذِهِ الْمِلْيَارَاتِ مِنَ الْبَشَرِ بِقُدْرَةِ الْبَشَرِ إِلَّا بِالْأَسْلِحَةِ النَّوَوِيَّةِ وَمَا فَوْقَهَا؛ وَلَكِنَّ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- يَجْعَلُ مِنْ جُنْدِهِ كَائِنًا حَيًّا هُوَ أَدَقُّ الْكَائِنَاتِ الْحَيَّةِ؛ الْفَيْرُوس -فِي الْجُمْلَةِ- مِنْ أَدَقِّ الْكَائِنَاتِ الْحَيَّةِ -إِنْ لَمْ يَكُنْ أَدَقَّهَا-؛ حَتَّى فِي تَركِيبِهِ الْكِيمْيَائِيِّ، هَذَا الْفَيْرُوس لَا يُرَى -فِي الْغَالِبِ- إِلَّا إِذَا كُبِّرَ إِلَى رُبُعِ مِلْيُون مَرَّةٍ؛ مِنْ أَجْلِ أَنْ تَرَاهُ الْعَيْنُ الْمُجَرَّدَةُ بِالْمَيِكْرُوسْكُوبَاتِ الَّتِي تُكَبِّرُ هَذَا التَّكْبِيرَ الْعَظِيمَ!! إِلَى رُبُعِ مِلْيُون مَرَّةٍ، وَنِصْفِ مِلْيُون مَرَّةٍ!!

الْفَيْرُوس الَّذِي يُخِيفُهُمْ وَيُخِيفُ الْعَالَمَ كُلَّهُ تُغْلَقُ بِسَبَبِهِ الْمَوَانِئُ، وَتُغْلَقُ بِسَبِبِه الْمَطَارَاتُ، وَتُمْنَعُ بِسَبَبِهِ الرِّحْلَاتُ، وَتُعْطَى لِأَجْلِهِ الْإِجَازَاتُ، وَتُنْفَقُ مِنْ أَجْلِ الْحِيَاطَةِ مِنْهُ مِلْيَارَاتُ الْمِلْيَارَاتِ، وَهُوَ لَا يُرَى وَلَا يُنْظَرُ، وَلَا يَدْرِي أَحَدٌ مِنْ أَيْنَ يَأْتِيهِ؛ لِأَنَّ اللهَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ، هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَظِيمُ {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ} [المدثر: 31]، فَسَلَّطَ عَلَيْهِمُ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا- ذَلِكَ الْفَيْرَس؛ اسْمُهُ.. تَرْجَمَتُهُ بِاللَّاتِينِيَّةِ ((التَّاجُ))، ((كُورُونَا)) مَعْنَاهَا بِاللَّاتِينِيَّةِ: ((التَّاجُ))، وَتَرَى عَلَى عُلَبِ الْحَلْوَى الَّتِي تَحْمِلُ هَذَا الِاسْمَ نَفْسَهُ ((كُورُونَا)).. تَجِدُ صُورَةَ التَّاجِ؛ لِأَنَّهُ عِنْدَمَا يُكَبَّرُ لِيُرَى.. يُرَى عَلَى صُورَةِ التَّاجِ.

هَذَا الْمُخِيفُ الْمُفْزِعُ، هَذَا الْعَدُوُّ الْمُفْظِعُ لَا يُرَى إِلَّا بِأَنْ يُكَبَّرَ إِلَى مَا يَقْرُبُ مِنْ نِصْفِ مِلْيُون مَرَّةٍ؛ لِكَيْ تَرَاهُ الْعَيْنُ مُكَبَّرًا تَحْتَ الْمَيِكْرُوسْكُوبَاتِ الدَّقِيقَةِ الْحَدِيثَةِ، وَهُمْ يَخَافُونَ مِنْهُ هَذَا الْخَوْفَ!!

أَنْتَ تَسْمَعُ هَذَا؛ هَلْ يُخِيفُكَ؟!!

الْمُسْلِمُ يَعْلَمُ يَقِينًا أَنَّ أَمْثَالَ هَذِهِ الْأَوْبِئَةِ تَأْخُذُ حُكْمَ الطَّاعُونِ إِذَا وَقَعَ فِي بَلَدٍ؛ فَلَا يَجُوزُ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُفَارِقَهُ، وَإِذَا وَقَعَ فِي بَلَدٍ وَالْمُسْلِمُ خَارِجَهُ؛ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَدْخُلَهُ، وَمَنْ مَاتَ بِهِ كَانَ شَهِيدًا، هَذَا هُوَ الْمُسْلِمُ؛ أَمَّا تِلْكَ الْجِيَفُ الَّتِي لَا تُؤْمِنُ بِالْمَعَادِ، وَالَّتِي لَا تُثْبِتُ وُجُودَ خَالِقٍ لِلْكَوْنِ مِنَ الشُّيُوعِيِّينَ وَأَضْرَابِهِمْ مِنَ الْمُلْحِدِينَ؛ فَهَؤُلَاءِ الْحَيَاةُ عِنْدَهُمْ تَنْتَهِي بِمُجَرَّدِ الْمَمَاتِ، فَهُمْ يَخَافُونَ وَيَحْرِصُونَ عَلَى الْحَيَاةِ.

أَمَّا الْمُسْلِمُ؛ فَمُعَاذٌ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- لَمَّا وَقَعَ الطَّاعُونُ بِالشَّامِ -وَهُوَ طَاعُونُ عَمْوَاسَ-، فَأُصِيبَ وَطُعِنَ، وَكَانَ أَمِيرًا عَلَى الْجَيْشِ هُنَاكَ، فَكَانَ يُقَبِّلُ الْبَثْرَةَ الَّتِي وَقَعَتْ بِهَا الْإِصَابَةُ، وَيَضَعُهَا عَلَى عَيْنَيْهِ، وَيَقُولُ: ((اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ حَظَّ آلِ مُعَاذٍ مِنْ هَذَا مُعَاذًا))، وَأُصِيبَ وَلَدُهُ؛ لِأَنَّ الطَّاعُونَ شَهَادَةٌ.

* أَمْرَاضُنَا سُلُوكِيَّاتٌ خَاطِئَةٌ:

مُعْظَمُ أَمْرَاضِنَا هِيَ مُخَالَفَةٌ لِلسُّلُوكِيَّاتِ الصَّحِيحَةِ، أَمْرَاضُنَا فِي جُمْلَتِهَا سُلُوكِيَّاتٌ خَاطِئَةٌ مُخْطِئَةٌ!!

نُعَانِي فِي مِصْرَ مِنْ مَرَضِ ((الْبِلْهَارْسِيَا))، وَهَذَا الْمَرَضُ مَا هُوَ إِلَّا سُلُوكٌ خَاطِئٌ، رَجُلٌ يُخَالِفُ السُّلُوكَ السَّوِيَّ الَّذِي جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ، فَيَتَوَرَّطُ فِي الْمُخَالَفَةِ، وَيَحْدُثُ مَا يَحْدُثُ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ آثَارٍ مُدَمِّرَةٍ لِهَذَا السُّلُوكِ الْخَاطِئِ!

أَمْرَاضُنَا سُلُوكِيَّاتٌ..

إِنْسَانٌ يَتَبَوَّلُ أَوْ يَتَبَرَّزُ فِي الْمِيَاهِ؛ رَاكِدَةً أَوْ جَارِيَةً!! قَدْ نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، وَنَهَى عَنِ الْبَوْلِ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «اتَّقُوا الْمَلَاعِنَ الثَّلَاثَةَ: الْبَرَازَ فِي الْمَوَارِدِ، وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ، وَالظِّلِّ».

يَعْنِي: أَنْ يَتَبَرَّزَ الْإِنْسَانُ فِي ظِلِّ النَّاسِ وَفِي مَوَارِدِهِمْ وَفِي الْمِيَاهِ، هَذَا مَنْهِيٌّ عَنْهُ، فَإِذَا مَا خُولِفَ وَجَاءَ السُّلُوكُ الْخَاطِئُ الْمُخْطِئُ؛ كَانَتِ الْعَاقِبَةُ مَا هُوَ مَعْلُومٌ مِنْ إِهْدَارٍ لِحَيَوَاتٍ كَثِيرَةٍ، وَمِنْ إِهْدَارٍ لِمِلْيَارَاتٍ عَظِيمَةٍ، وَمِنْ تَدْمِيرٍ لِطَاقَاتِ بَلَدٍ هِيَ فِي أَمَسِّ الْحَاجَةِ إِلَى كُلِّ ذَرَّةٍ مِنْ قُوَّةٍ، وَإِلَى كُلِّ ذَرَّةٍ مِنَ اقْتِدَارٍ، وَمَعَ ذَلِكَ كُلُّ ذَلِكَ يُهْدَرُ بِسَبَبِ السُّلُوكِ الْخَاطِئِ.

الْإِنْسَانُ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ، وَفِي الدِّينِ أَنَّ الشِّمَالَ مَقْصُورَةٌ عَلَى أُمُورٍ مِنَ النَّجَاسَاتِ تُبَاشِرُهَا، وَأَمَّا الْيَمِينُ الَّتِي هِيَ لِلْمُصَافَحَةِ، وَلِلطَّعَامِ وَلِلشَّرَابِ، وَلِلْمُنَاوَلَةِ، هَذِهِ الْيَمِينُ لَا تُبَاشِرُ تِلْكَ النَّجَاسَاتِ، حَتَّى إِنَّ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- يَقُولُ -فِي الْوَقْتِ الَّذِي قَالَ فِيهِ-: «مَا مَسَسْتُ ذَكَرِي بِيَمِينِي مُنْذُ بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ» -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ إِنَّمَا عَلَّمَنَا أَنْ يَسْتَنْجِيَ الْإِنْسَانُ وَأَنْ يَسْتَجْمِرَ، وَأَنْ يُبَاشِرَ النَّجَاسَاتِ الْمُخْتَلِفَةَ بِيُسْرَاهُ، وَهَذِهِ لَا تُصَافِحُ بِهَا، لَا تَأْكُلُ بِهَا؛ ((فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ، وَيَشْرَبُ بِهَا)).

وَالنَّبِيُّ ﷺ نَهَى عَنِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ بِالشِّمَالِ لِهَذَا الْغَرَضِ مِنَ الْمُشَابَهَةِ بِالشَّيْطَانِ، وَلِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ مِمَّا يَأْتِي بِهِ الْعِلْمُ الَّذِي تُسْتَجَدُّ وَقَائِعُهُ وَمَعْلُومَاتُهُ عَلَى امْتِدَادِ الدُّهُورِ وَالْأَعْصَارِ.

الْإِنْسَانُ يَشْرَبُ مِنَ الْإِنَاءِ فَيَتَنَفَّسُ فِيهِ، فَيُصِيبُ السُّلُّ مِنَ الْمَسْلُولِ كُلَّ شَارِبٍ بَعْدُ -إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ-.

الْمَرْأَةُ تُبَاشِرُ حَلْبَ دَابَّتِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ تَكُونَ آخِذَةً بِأُهْبَةِ نَظَافَتِهَا، فَيَأْتِي السُّلُّ، وَتَأْتِي الْأَمْرَاضُ مُخَالِطَةً لِذَلِكَ اللَّبَنِ، ثُمَّ تُوَزَّعُ الْأَمْرَاضُ بَعْدُ عَلَى خَلْقِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ مِنَ الْمَسَاكِينِ، وَكُلُّ ذَلِكَ بِسَبَبِ سُلُوكٍ خَاطِئٍ.

الرَّجُلُ يَمْشِي حَافِيًا غَيْرَ مُنْتَعِلٍ مِنْ غَيْرِ مَا اسْتِنَانٍ بِالنَّبِيِّ الْعَدْنَانِ ﷺ، وَيُصِيبُهُ مَا يُصِيبُهُ مِنْ تِلْكَ الطُّفَيْلِيَّاتِ الَّتِي تَخْتَرِقُ الْأَنْسِجَةَ الْبَيْنِيَّةَ بَيْنَ أَصَابِعِ الْقَدَمَيْنِ، ثُمَّ يُعَانِي مَا يُعَانِي بَعْدُ، وَاللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ الْمُسْتَعَانُ، وَعَلَيْهِ التُّكْلَانُ.

إِذَنْ؛ هِيَ سُلُوكِيَّاتٌ خَاطِئَةٌ، وَالْأَمْرُ الصَّحِيحُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَصِيرَ سُلُوكًا إِلَّا إِذَا تَحَصَّلْتَ عَلَى الْمَرْحَلَةِ الذِّهْنِيَّةِ الْعَقْلِيَّةِ التَّصَوُّرِيَّةِ؛ فَيَنْبَغِي أَنْ تَعْرِفَ الْمَعْلُومَةَ بَدْءًا، وَأَنْ تُحِيطَ بِهَا عِلْمًا، وَإِلَّا فَالنَّاسُ أَعْدَاءُ مَا جَهِلُوا.

وَالرَّسُولُ ﷺ نَهَى عَنِ الشُّرْبِ قَائِمًا ﷺ، ثُمَّ شَرِبَ مَرَّةً وَاحِدَةً قَائِمًا؛ لِيَدُلَّ عَلَى الْجَوَازِ، وَلَكِنْ مَنْ شَرِبَ قَائِمًا فَلَا ثَوَابَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَّبِعُ السُّنَّةَ، وَإِنَّمَا هُوَ يَأْخُذُ بِالْمُبَاحِ الْمُسْتَوِي الطَّرَفَيْنِ، أَوْ هُوَ عَلَى الْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ، وَأَمَّا سُنَّةُ الرَّسُولِ ﷺ فَهِيَ أَنْ يَشْرَبَ مِنْ قُعُودٍ.

هَلْ تَظُنُّ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ لَيْسَتْ فِيهِ فَائِدَةٌ؟

أَنَا أَعْتَقِدُ -لَا أَظُنُّ- أَنَّ فِيهِ مِنَ الْفَوَائِدِ مَا لَا يُحْصِيهِ إِلَّا اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ مَا دَامَ الرَّسُولُ ﷺ قَدْ فَعَلَهُ وَنَهَى عَنْ ضِدِّهِ ﷺ.

إِذَنْ؛ أَمْرَاضُنَا الْمَادِّيَّةُ الْجَسَدِيَّةُ هِيَ فِي جُمْلَتِهَا سُلُوكِيَّاتٌ خَاطِئَةٌ.

* حَقِيقَةُ الْعَدْوَى، وَوُجُوبُ الْأَخْذِ بِالْأَسْبَابِ لِلْوِقَايَةِ مِنَ الْأَمْرَاضِ:

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((لَا عَدْوَى، وَلَا صَفَرَ، وَلَا هَامَةَ)).

فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ: ((يَا رَسُولَ اللهِ! فَمَا بَالُ إِبِلِي تَكُونُ فِي الرَّمْلِ كَأَنَّهَا الظِّبَاءُ، فَيَأْتِي الْبَعِيرُ الْأَجْرَبُ، فَيَدْخُلُ بَيْنَهَا فَيُجْرِبُهَا؟!!)).

فَقَالَ ﷺ: ((فَمَنْ أَعْدَى الْأَوَّلَ؟!!)).

وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ، وَيُعْجِبُنِي الْفَأْلُ)).

قَالُوا: ((وَمَا الْفَأْلُ؟)).

قَالَ: ((كَلِمَةٌ طَيِّبَةٌ)).

فَهَذَانِ الْحَدِيثَانِ الْمُتَّفَقُ عَلَى صِحَّتِهِمَا مُعَارَضَانِ مِنَ الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((لَا يُورِدَنَّ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ)).

وَفِي الْبُخَارِيِّ: قَالَ عَفَّانُ: حَدَّثَنَا سَلِيمُ بْنُ حَيَّانَ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَيْنَاءَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ، وَلَا هَامَةَ وَلَا صَفَرَ، وَفِرَّ مِنَ الْمَجْذُومِ كَمَا تَفِرُّ مِنَ الْأَسَدِ)).

فِي تِلْكَ الْأَحَادِيثِ الشَّرِيفَةِ بَيَّنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِلْعَرَبِ وَلِلنَّاسِ كَافَّةً؛ أَنَّ الْعَدْوَى وَحْدَهَا أَوِ الْمَيِكْرُوب وَحْدَهُ لَيْسَ هُوَ السَّبَبُ فِي حُصُولِ الْمَرَضِ، وَأَنَّ هُنَاكَ أَسْبَابًا أُخْرَى بِيَدِ اللهِ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-، إِنْ شَاءَ صَرَفَهَا، وَإِنْ شَاءَ جَمَعَهَا؛ فَكَانَ الْمَرَضُ وَكَانَتِ الْعَدْوَى، أَمَّا الِاعْتِقَادُ بِأَنَّ هَذَا الْمَيِكْرُوب هُوَ سَبَبُ الْمَرَضِ الْوَحِيدُ، وَأَنَّ الْعَدْوَى هِيَ سَبَبُ الْمَرَضِ الْوَحِيدُ؛ فَهُوَ:

أَوَّلًا: جَهْلٌ بِحَقَائِقِ الْأَشْيَاءِ.

ثَانِيًا: جَهْلٌ بِقُدْرَةِ الْخَالِقِ -عَزَّ وَجَلَّ-.

ثَالِثًا: تَعْظِيمٌ لِلْأَسْبَابِ الظَّاهِرَةِ، فَيَتَّكِلُ عَلَيْهَا الْمَرْءُ، وَبِذَلِكَ يَخْرُجُ مِنْ دَائِرَةِ التَّوْحِيدِ إِلَى دَائِرَةِ الشِّرْكِ بِاللهِ تَعَالَى، فَيَرَى الْأَسْبَابَ الظَّاهِرَةَ، وَلَا يَرَى سَبَبَهَا الْحَقِيقِيَّ، وَهُوَ اللهُ -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ وَتَعَالَتْ حِكْمَتُهُ-، فَيَضِلُّ كَمَا ضَلَّ السَّابِقُونَ مِنْ عَرَبٍ وَمِنْ عَجَمٍ، وَكَمَا ضَلَّ اللَّاحِقُونَ وَالْمُعَاصِرُونَ مِنْ ذَوِي الْكَلِمَاتِ الرَّنَّانَةِ وَالْأَلْفَاظِ الْبَرَّاقَةِ، الَّتِي يَخْدَعُونَ بِهَا النَّاسَ عَنِ الْحَقِيقَةِ، وَمَا يَخْدَعُونَ بِهَا إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ!!

وَلَا بُدَّ إِذَنْ مِنَ الِالْتِفَاتِ إِلَى الْمُسَبِّبِ الْأَوَّلِ، كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِلْأَعْرَابِيِّ: ((فَمَنْ أَعْدَى الْأَوَّلَ؟!)).

وَبِذَلِكَ تُرَدُّ الْأُمُورُ كُلُّهَا إِلَى اللهِ الْوَاحِدِ الْأَحَدِ، الْمُتَصَرِّفِ فِي كَوْنِهِ وَعِبَادِهِ كَمَا يَشَاءُ؛ بِالصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ، وَبِالْعَدْوَى وَالْمُقَاوَمَةِ.

فَلَا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَتَوَكَّلَ أَوْ يَعْتَمِدَ عَلَى أَحَدٍ غَيْرِ اللهِ، وَمَعَ ذَلِكَ عَلَيْهِ أَنْ يَتَّخِذَ الْأَسْبَابَ، وَيَعْلَمَ أَنَّهَا مَرْبُوبَةٌ مَقْهُورَةٌ بِيَدِ بَارِئِهَا وَخَالِقِهَا.

وَقَدْ جَاءَتِ الْأَحَادِيثُ النَّبَوِيَّةُ الشَّرِيفَةِ مُوَضِّحَةً ذَلِكَ فِي أَبْلَغِ عِبَارَةٍ وَأَجْمَلِ بَيَانٍ، فَقَالَ ﷺ: ((لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ، وَلَا هَامَةَ وَلَا صَفَرَ، وَفِرَّ مِنَ الْمَجْذُومِ فِرَارَكَ مِنَ الْأَسَدِ))؛ لَا عَدْوَى بِذَاتِهَا، وَمَعَ هَذَا لَا بُدَّ مِنَ الْأَخْذِ بِالْأَسْبَابِ وَالِاحْتِيَاطِ؛ أَنْ يَفِرَّ الْمَرْءُ مِنَ الْمَجْذُومِ وَ((لَا يُورِدُ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ))، وَلَا يَحْتَكُّ الْمَرِيضُ بِالصَّحِيحِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ أَدْعَى لِانْتِقَالِ الْمَرَضِ بِقَدَرِ اللهِ تَعَالَى.

فَالْعَدْوَى بِذَاتِهَا لَيْسَتْ فَاعِلَةً، وَالْفَاعِلُ الْحَقِيقِيُّ هُوَ اللهُ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-، وَهَذَا لَا يُنَافِي الْأَخْذَ بِالْأَسْبَابِ، وَتَجَنُّبَ أَسْبَابِ الدَّاءِ، وَإِنَّمَا الْأَخْذُ بِالْأَسْبَابِ مَعَ الْعِلْمِ أَنَّهَا لَيْسَتْ فَاعِلَةً بِذَاتِهَا، وَإِنَّمَا هِيَ مَرْبُوبَةٌ مَقْهُورَةٌ، يُصَرِّفُهَا خَالِقُهَا كَيْفَ يَشَاءُ، هُوَ الْحَقُّ الَّذِي لَا مِرْيَةَ فِيهِ، وَهُوَ فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ يَقُومُ بِالْأَسْبَابِ فِي عَالَمِ الْأَسْبَابِ؛ دُونَ أَنْ يَغْفُلَ لَحْظَةً وَاحِدَةً عَنْ خَالِقِ الْأَسْبَابِ، وَعَنْ خَالِقِ الدَّاءِ وَالدَّوَاءِ، الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ الدَّاءَ دَوَاءً، وَالدَّوَاءَ دَاءً.

وَمِنَ الْأَسْبَابِ الْوَاقِيَةِ -بِإِذْنِ اللهِ- مِنَ الْعَدْوَى: مُرَاعَاةُ آدَابِ الْعُطَاسِ الَّتِي عَلَّمَنَاهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَمِنْهَا وَضْعُ الْيَدِ أَوِ الثَّوْبِ عَلَى الْفَمِ عِنْدَ الْعُطَاسِ؛ فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ إِذَا عَطَسَ؛ وَضَعَ يَدَهُ أَوْ ثَوْبَهُ عَلَى فِيهِ، وَخَفَضَ أَوْ غَضَّ بِهَا صَوْتَهُ». أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ.

فَعَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَتَّبِعَ النَّبِيَّ ﷺ فِي هَذَا الْهَدْيِ الْكَرِيمِ، فَإِذَا عَطَسَ؛ وَضَعَ يَدَهُ أَوْ ثَوْبَهُ عَلَى فِيهِ، وَخَفَضَ أَوْ غَضَّ بِهَا صَوْتَهُ.

عِنْدَنَا فِي دِينِ الْإِسْلَامِ الْعَظِيمِ مَا يُغْنِينَا لَوْ أَخَذْنَا بِتَعَالِيمِهِ عَنْ إِرْشَادَاتِ مُنَظَّمَةِ الصِّحَّةِ الْعَالَمِيَّةِ، وَعَنْ إِرْشَادَاتِ وَزَارَاتِ الصِّحَّةِ فِي كُلِّ رُبُوعِ الْأَرْضِ، عِنْدَنَا فِي دِينِ الْإِسْلَامِ الْعَظِيمِ مَا يَحْمِينَا اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ بِهِ مِنِ انْتِقَالِ هَذِهِ الْعَدْوَى عَلَى النَّحْوِ الَّذِي تَنْتَقِلُ بِهِ.

لَقَدْ عُنِيَ الْإِسْلَامُ بِالنَّظَافَةِ، وَجَعَلَهَا ضَرُورَةً شَرْعِيَّةً لِحِمَايَةِ الْإِنْسَانِ مِنَ الْأَمْرَاضِ وَالْأَضْرَارِ، وَهِيَ صُورَةٌ مِنْ صُوَرِ الْأَخْذِ بِالْأَسْبَابِ الَّتِي أَمَرَ بِهَا دِينُنَا الْحَنِيفُ، حَيْثُ يَقُولُ نَبِيُّنَا ﷺ: ((احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللهِ، وَلَا تَعْجِزْ)).

فَيَنْبَغِي الْأَخْذُ بِالْأَسْبَابِ، وَاتِّبَاعُ كُلِّ الطُّرُقِ الْوِقَائِيَّةِ وَالْإِرْشَادَاتِ الصِّحِّيَّةِ، وَالِاهْتِمَامُ بِكُلِّ أَنْوَاعِ النَّظَافَةِ؛ الْبَدَنِ، وَالثِّيَابِ، وَالْمَكَانِ، وَالطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَدِينُ الْإِسْلَامِ الْعَظِيمِ هُوَ دِينُ الطَّهَارَةِ، دِينُ طَهَارَةِ الْبَاطِنِ وَالظَّاهِرِ عَلَى السَّوَاءِ.

وَالطَّهَارَةُ: هِيَ النَّزَاهَةُ وَالنَّظَافَةُ مِنَ الْأَقْذَارِ الْحِسِّيَّةِ وَالْمَعْنَوِيَّةِ.

وَالطَّهَارَةُ الْحِسِّيَّةُ عَلَى نَوْعَيْنِ:

1- طَهَارَةُ حَدَثٍ: وَتَخْتَصُّ بِالْبَدَنِ.

طَهَارَةُ الْحَدَثِ تَتَعَلَّقُ بِالْبَدَنِ.

2- وَطَهَارَةُ خَبَثٍ: وَتَكُونُ فِي الْبَدَنِ، وَالثَّوْبِ، وَالْمَكَانِ.

قَالَ رَبُّنَا -جَلَّ وَعَلَا-: {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَاللهُ يُحِبُّ المُطَّهِّرِينَ} [التوبة: 108].

فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا طَهَارَةَ الْبَاطِنِ مِنَ الْكُفْرِ، وَالنِّفَاقِ، وَالْمَعَاصِي، وَطَهَارَةَ الظَّاهِرِ مِنَ الْأَحْدَاثِ وَالْأَنْجَاسِ بِالْمَاءِ.

وَقَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [المائدة: 6].

وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ فِي «صَحِيحِهِ» مِنْ رِوَايَةِ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «الطُّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ -أَيْ نِصْفُهُ-، وَالْحَمْدُ للهِ تَمْلَأُ الْمِيزَانَ، وَسُبْحَانَ اللهِ وَالْحَمْدُ للهِ تَمْلآنِ أَوْ تَمْلَأُ مَا بَيْنَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَالصَّلَاةُ نُورٌ، وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ، وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ، وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ، كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو، فَبَائِعٌ نَفْسَه فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا».

وَعَنْ عَلِيٍّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- -كَمَا فِي الْحَدِيثِ الْحَسَنِ الَّذِي أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارِمِيُّ-، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الطُّهُورُ، وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ، وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ».

وَقَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [المائدة: 6].

وَالنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ فِي كَلِمَةٍ جَامِعَةٍ: ((الطُّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ)).

النَّظَافَةُ شَطْرُ الدِّينِ.

وَقَالَ ﷺ: ((إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ)).

 ((الْمُسْلِمُ الْحَقُّ نَظِيفٌ فِي ثَوْبِهِ وَجَوْرَبِهِ، يَتَفَقَّدُ ثِيَابَهُ وَجَوْرَبَهُ بَيْنَ الْحِينِ وَالْحِينِ؛ لَا يَرْضَى أَنْ تَفُوحَ مِنْ أَرْدَانِهِ أَوْ قَدَمَيْهِ رَائِحَةٌ مُنَفِّرَةٌ، وَيَسْتَعِينُ عَلَى ذَلِكَ بِالطِّيبِ أَيْضًا.

وَيَتَعَهَّدُ الْمُسْلِمُ الْوَاعِي فَمَهُ، فَلَا يَشُمُّ أَحَدٌ مِنْهُ رَائِحَةً مُؤْذِيَةً كَرِيهَةً، وَذَلِكَ بِتَنْظِيفِ أَسْنَانِهِ كُلَّ يَوْمٍ بِالسِّوَاكِ مَرَّاتٍ، وَبِغَيْرِهِ مِنَ الْمُطَهِّرَاتِ وَالْمُنَظِّفَاتِ.

يَتَفَقَّدُ فَمَهُ، وَيَعْرِضُهُ عَلَى الْمُخْتَصِّ بِعِلَاجِهِ إِنِ احْتَاجَ إِلَى ذَلِكَ، وَإِلَى مَنْ لَيْسَ مُخْتَصًّا بِأَسْنَانِهِ مِمَّنْ لَهُ اخْتِصَاصٌ بِالْفَمِ وَالْحَنْجَرَةِ وَالْأَمْرَاضِ الْبَطْنِيَّةِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ تَغَيُّرَ رَائِحَةِ الْفَمِ قَدْ تَكُونُ نَاشِئَةً مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ أَوْ مِنْ بَعْضِهَا؛ فَإِنِ احْتَاجَ الْأَمْرُ إِلَى ذَلِكَ؛ عَرَضَ نَفْسَهُ عَلَى مَنْ يَخْتَصُّ بِذَلِكَ؛ حَتَّى يَبْقَى فَمُهُ نَقِيًّا مُعَطَّرَ الْأَنْفَاسِ.

تَرْوِي عَائِشَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ: ((أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ لَا يَرْقُدُ لَيْلًا وَلَا نَهَارًا فَيَسْتَيْقِظُ إِلَّا تَسَوَّكَ قَبْلَ أَنْ يَتَوَضَّأَ)). أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ.

وَتَبْلُغُ عِنَايَةُ الرَّسُولِ الْكَرِيمِ بِنَظَافَةِ الْفَمِ حَدًّا يَجْعَلُهُ يَقُولُ: ((لَوْ لَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي؛ لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَسُئِلَتْ عَائِشَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- عَنْ أَيِّ شَيْءٍ يَبْدَأُ بِهِ الرَّسُولُ الْكَرِيمُ ﷺ إِذَا دَخَلَ بَيْتَهُ؟ فَقَالَتْ: ((السِّوَاكُ)). أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.

الْإِسْلَامُ يَحُضُّ أَبْنَاءَهُ جَمِيعًا فِي كَثِيرٍ مِنَ النُّصُوصِ عَلَى النَّظَافَةِ؛ يُرِيدُ مِنْهُمْ أَنْ يَكُونُوا نَظِيفِينَ دَوْمًا، تَضَوَّعُ مِنْهُمْ رَائِحَةُ الطِّيبِ، وَتَفُوحُ مِنْ أَجْسَامِهِمُ الرَّوَائِحُ الْعَطِرَةُ، وَهَذَا مَا كَانَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ.

أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فيِ ((صَحِيحَيْهِمَا)) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: ((مَا شَمَمْتُ عَنْبَرًا قَطُّ وَلَا مِسْكًا وَلَا شَيْئًا أَطْيَبَ مِنْ رِيحِ رَسُولِ اللهِ ﷺ)).

لَقَدْ حَضَّ الْإِسْلَامُ عَلَى نَظَافَةِ الْأَمَاكِنِ الْخَاصَّةِ وَالْعَامَّةِ؛ فَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا تَشَبَّهُوا بِالْيَهُودِ؛ نَظِّفُوا أَفْنِيَتَكُمْ».

وَالْأَمْرُ بِالنَّظَافَةِ لَمْ يَقِفْ عِنْدَ حَدِّ الْأَمْرِ بِالنَّظَافَةِ الشَّخْصِيَّةِ، أَوْ نَظَافَةِ الْمَسَاجِدِ وَالْبُيُوتِ، بَلْ وَصَلَ الْأَمْرُ إِلَى التَّوْجِيهِ بِتَنْظِيفِ الْبِيئَةِ الَّتِي يَعِيشُ فِيهَا الْإِنْسَانُ وَيَتَفَاعَلُ مَعَهَا.

قَدْ تَكُونُ هَذِهِ الْبِيئَةُ طَرِيقَهُ الَّذِي يَسِيرُ فِيهِ، أَوْ مَدْرَسَتَهُ أَوْ جَامِعَتَهُ الَّتِي يَتَعَلَّمُ فِيهَا، أَوْ مَكَانًا عَامًّا يَقْضِي مِنْ خِلَالِهِ مَصَالِحَهُ، أَوْ يَتَنَزَّهُ فِيهِ.

وَقَدْ عُنِيَ الْإِسْلَامُ عِنَايَةً خَاصَّةً بِتَنْظِيفِ الطُّرُقِ وَالْأَمَاكِنِ الْعَامَّةِ، وَإِزَالَةِ الْأَذَى عَنْهَا، وَجَعَلَهَا بَابًا وَاسِعًا مِنْ أَبْوَابِ الْخَيْرِ؛ فَإِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ، وَإِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الْأَمَاكِنِ الْعَامَّةِ صَدَقَةٌ.

عِنْدَنَا فِي الدِّينِ أَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَقْضِيَ حَاجَتَهُ؛ لَا يَسْتَعْمِلُ يَمِينَهُ، هِيَ لِسَلَامِهِ.. لِطَعَامِهِ.. لِأَخْذِهِ وَعَطَائِهِ، لِهَذِهِ الْأُمُورِ الشَّرِيفَةِ، وَأَمَّا الْيُسْرَى؛ فَإِنَّهَا تَكُونُ لِمَا يُبَاشَرُ مِنْ أَلْوَانِ النَّجَاسَاتِ وَغَيْرِهَا.

اللِّقَاءُ عِنْدَنَا نَحْنُ لَا يَمْشِي عَلَى السُّنَّةِ، لَوْ أَنَّنَا الْتَزَمْنَا بِهِ؛ لَوَفَّرَ اللهُ عَلَيْنَا كَثِيرًا مِنَ الْخَطَرِ بِالْأَسْبَابِ الشَّرْعِيَّةِ، اعْتَادَ الْمِصْرِيُّونَ خَاصَّةً أَنَّ الْوَاحِدَ مِنْهُمْ إِذَا لَقِيَ أَخَاهُ؛ يَحْتَضِنُهُ وَيَلْتَزِمُهُ، وَيُرَبِّطُ عَلَى كَتِفِيهِ، وَيَظَلُّ كَذَلِكَ رُبَّمَا زَمَنًا يَطُولُ!! هَذَا لَيْسَ مِنَ السُّنَّة، هَذَا إِنَّمَا يَكُونُ إِذَا قَدِمَ الْقَادِمُ مِنَ السَّفَرِ، وَلَا عَلَى هَذَا النَّحْوِ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا جَاءَ جَعْفَرٌ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- مِنَ الْحَبَشَةِ، وَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ لِلِقَائِهِ عَجِلًا يَجُرُّ إِزَارَهُ؛ الْتَزَمَهُ وَقَبَّلَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ.

كَانَ الصَّحَابَةُ إِذَا تَلَاقَوْا تَصَافَحُوا، وَأَمَّا الرَّجُلُ فَقَدْ يَلْقَى الرَّجُلَ فِي الْيَوْمِ خَمْسَ مَرَّاتٍ أَوْ يَزِيدُ، وَكُلَّمَا قَابَلَهُ احْتَضَنَهُ، وَنَفَثَ فِي وَجْهِهِ، وَنَفَخَ فِي جَوْفِهِ، وَنَقَلَ إِلَيْهِ مَا عِنْدَهُ!! وَهَذَا لَيْسَ مِنَ الدِّينِ فِي شَيْءٍ، لَيْسَ هَذَا مِنَ السُّنَّةِ فِي شَيْءٍ، الْتَزِمْ بِهَذَا إِنِ اسْتَطَعْتَ، هَذِهِ عَادَةٌ مَرْذُولَةٌ، وَلَيْسَتْ هِيَ مِنَ الدِّينِ فِي قَبِيلٍ وَلَا دَبِيرٍ.

أُمُورٌ كَثِيرَةٌ؛ إِذَا مَا أَرَدْتَ أَنْ تَشْرَبَ؛ الْتَزِمِ السُّنَّةَ، النَّبِيُّ ﷺ لَا يَنْفُخُ فِي الْإِنَاءِ، وَكَانَ ﷺ يَشْرَبُ عَلَى ثَلَاثِ مَرَّاتٍ، يُسَمِّي وَيَشْرَبُ، وَلَا يَتَنَفَّسُ فِي الْإِنَاءِ، ثُمَّ يَحْمَدُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ، وَيُكَرِّرُ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ رُبَّمَا يَكُونُ عَطِشًا وَيَحْتَاجُ إِلَى رِيٍّ، فَلَا يَكْفِيهِ أَن يَشْرَبَ مَرَّةً وَاحِدَةً إِلَّا بِالنَّفْخِ فِي الْإِنَاءِ، فَوَفَّرَ اللهُ عَلَيْهِ ذَلِكَ بِسُنَّةِ النَّبِيِّ سَيِّدِ الْأَنْبِيَاءِ ﷺ.

أُمُورٌ كَثِيرَةٌ -أَيُّهَا الْأَحِبَّةُ- لَوْ أَنَّنَا الْتَزَمْنَا بِهَا مِنْ كِتَابِ رَبِّنَا وَسُنَّةِ نَبِيِّنَا؛ لَحَفِظَنَا اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ فِي دِينِنَا قَبْلَ دُنْيَانَا، وَهَذَا هُوَ الْحِفْظُ الصَّحِيحُ؛ حَتَّى يَحْتَاطَ الْمَرْءُ لِقَلْبِهِ، وَحَتَّى لَا يَنْفُذَ إِلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الْإِرَادَاتِ الشِّرْكِيَّةِ.. بِخَوْفٍ شِرْكِيٍّ؛ لِأَنَّ الْمَخَافَةَ الْحَقَّةَ إِنَّمَا هِيَ مِنَ اللهِ وَحْدَهُ، وَمَنْ صَحَّحَ لَمْ يَخَفْ مِنْ أَحَدٍ، وَلَا يَخَافُ الرَّجُلُ مِنْ دُونِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ أَحَدًا إِلَّا لِمَرَضٍ فِي قَلْبِهِ؛ فَقَدْ قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ -رَحِمَهُ اللهُ-: «لَنْ يَخَافَ الرَّجُلُ غَيْرَ اللهِ إِلَّا لِمَرَضٍ فِي قَلْبِهِ، كَمَا ذَكَرُوا أَنَّ رَجُلًا شَكَا إِلَى أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ خَوْفَهُ مِنْ بَعْضِ الْوُلَاةِ، فَقَالَ: ((لَوْ صَحَّحْتَ لَمْ تَخَفْ أَحَدًا))؛ أَيْ: خَوْفُكَ مِنْ أَجْلِ زَوَالِ الصِّحَةِ مِنْ قَلْبِكَ».

لَا يَخَافُ أَحَدٌ مِنْ أَحَدٍ سِوَى اللهِ إِلَّا لِمَرَضٍ فِي قَلْبِهِ، وَالْمَقْدُورُ نَافِذٌ لَا مَحَالَةَ.

فَنَسْأَلُ اللهَ أَنْ يَحْفَظَنَا، وَيَحْفَظَ وَطَنَنَا وَجَمِيعَ أَوْطَانِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَنْ يَهْدِيَنَا لِلْحَقِّ وَإِلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ.

وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ.

المصدر: مَكَانَةُ الشُّهَدَاءِ وَوُجُوبُ الْأَخْذِ بِالْأَسْبَابِ

التعليقات


خطب مفرغة قد تعجبك


  فَرَائِضُ الْإِسْلَامِ غَايَاتُهَا وَمَقَاصِدُهَا
  الأسماء والصفات أصل العلم
  الإخلاص روح الإسلام
  عيد الفطر لعام 1437هـ .. اتقوا الظلم
  عَلَى عَتَبَاتِ الشَّهْرِ الْمُبَارَكِ بَيْنَ الْأَمَلِ وَالرَّجَاءِ وَحُسْنِ الِاسْتِعْدَادِ
  مَسْئُولِيَّةُ الْمُسْلِمِ الْمُجْتَمَعِيَّةُ وَالْإِنْسَانِيَّةُ وَشَعْبَانُ وَحَصَادُ الْعَامِ
  رَمَضَانُ شَهْرُ الْبِرِّ وَالصِّلَةِ وَالتَّعَرُّضِ لِرَحَمَاتِ اللهِ
  فروضُ الكِفَايَات ودَوْرُهَا في تحقيقِ التَّوَازُنِ المُجْتَمَعِيِّ
  مصر وحروب الجيل الرابع
  الرد على الملحدين: من الأدلة المادية على وجود الله
  • شارك

نبذة عن الموقع

موقع تفريغات العلامة رسلان ، موقع يحتوي على العشرات من الخطب والمحاضرات والمقاطع المفرغة لفضيلة الشيخ العلامة أبي عبدالله محمد بن سعيد رسلان-حفظه الله- . كما يعلن القائمون على صفحة وموقع تفريغات العلامة رسلان -حفظه الله- أن التفريغات للخطب ليست هي الشكل النهائي عند الطباعة، ولكن نحن نفرغ خطب الشيخ حفظه الله ونجتهد في نشرها ليستفيد منها طلاب العلم والدعاة على منهاج النبوة في كل أنحاء الدنيا، ونؤكد على أنَّ الخطب غير مُخرَّجة بشكل كامل كما يحدث في خطب الشيخ العلامة رسلان المطبوعة وليست الكتب المنشورة على الصفحة والموقع هي النسخة النهائية لكتب الشيخ التي تُطبع...وهذه الكتب ما هي إلا تفريغ لخطب الشيخ، غير أنَّ كتب الشيخ التي تُطبع تُراجع من الشيخ -حفظه الله- وتُخرج. والتفريغ عملٌ بشريٌ، ونحن نجتهد في مراجعة التفريغات مراجعة جيدة، فإذا وقع خطأ أو شكل الخطب كما نخرجها -إنما نُحاسب نحن عليها والخطأ يُنسب لنا وليس للشيخ -حفظه الله-.

الحقوق محفوظة لكل مسلم موقع تفريغات العلامة رسلان