((سَعَةُ رَحْمَةِ اللهِ بَابُ الْأَمَلِ
وَجَرِيمَةُ الِانْتِحَارِ))
إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّـهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّـهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ.
أَمَّا بَعْدُ:
فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّـهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.
أَمَّا بَعْدُ:
((رَحْمَةُ الرَّحِيمِ الرَّحْمَنِ))
((فَجَمِيعُ مَا فِيهِ الْعَالَمُ الْعُلْوِيُّ وَالسُّفْلِيُّ مِنْ حُصُولِ الْمَنَافِعِ وَالْمَحَابِّ وَالْمَسَارِّ وَالْخَيْرَاتِ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْهُ وَمِنْ رَحْمَتِهِ وَجُودِهِ وَكَرَمِهِ وَفَضْلِهِ، كَمَا أَنَّ مَا صُرِفَ عَنْهُمْ مِنَ الْمَكَارِهِ وَالنِّقَمِ وَالْمَخَاوِفِ وَالْأَخْطَارِ وَالْمَضَارِّ فَإِنَّهَا مِنْ رَحْمَتِهِ وَبِرِّهِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَأْتِي بِالْحَسَنَاتِ إِلَّا هُوَ، وَلَا يَدْفَعُ السَّيِّئَاتِ إِلَّا هُوَ.
وَرَحْمَتُهُ -تَعَالَى- سَبَقَتْ غَضَبَهُ وَغَلَبَتْهُ، وَظَهَرَتْ فِي خَلْقِهِ ظُهُورًا لَا يُنْكَرُ، حَتَّى مَلَأَتْ أَقْطَارَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَامْتَلَأَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ حَتَّى حَنَّتِ الْمَخْلُوقَاتُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ بِهَذِهِ الرَّحْمَةِ الَّتِي نَشَرَهَا عَلَيْهِمْ، وَأَوْدَعَهَا فِي قُلُوبِهِمْ، وَحَتَّى حَنَّتِ الْبَهَائِمُ -الَّتِي لَا تَرْجُو نَفْعًا وَلَا عَاقِبَةً وَلَا جَزَاءً- عَلَى أَوْلَادِهَا، وَشُوهِدَ مِنْ رَأْفَتِهَا بِهِمْ وَشَفَقَتِهَا الْعَظِيمَةِ مَا يَشْهَدُ بِعِنَايَةِ بَارِيهَا وَرَحْمَتِهِ الْوَاسِعَةِ، وَعَمَّتْ مَوَاهِبُهُ أَهْلَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَيَسَّرَ لَهُمُ الْمَنَافِعَ وَالْمَعَايِشَ وَالْأَرْزَاقَ، وَرَبَطَهَا بِأَسْبَابٍ مُيَسَّرَةٍ وَطُرُقٍ سَهْلَةٍ؛ فَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللهِ رِزْقُهَا، وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا.
وَعَلِمَ -تَعَالَى- مِنْ مَصَالِحِهِمْ مَا لَا يَعْلَمُونَ، وَقَدَّرَ لَهُمْ مِنْهَا مَا لَا يُرِيدُونَ وَمَا لَا يَقْدِرُونَ، وَرُبَّمَا أَجْرَى عَلَيْهِمْ مَكَارِهَ تُوصِلُهُمْ إِلَى مَا يُحِبُّونَ؛ بَلْ رَحِمَهُمْ بِالْمَصَائِبِ وَالْآلَامِ، فَجَعَلَ الْآلَامَ كُلَّهَا خَيْرًا لِلْمُؤْمِنِ الَّذِي يَقُومُ بِوَظِيفَةِ الصَّبْرِ؛ ((عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ! إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ؛ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَلَيْسَ ذَلِكَ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ)). وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي ((صَحِيحِهِ)) مِنْ رِوَايَةِ صُهَيْبٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ، وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ.
وَكَذَلِكَ ظَهَرَتْ رَحْمَتُهُ فِي أَمْرِهِ وَشَرْعِهِ ظُهُورًا تَشْهَدُهُ الْبَصَائِرُ وَالْأَبْصَارُ، وَيَعْتَرِفُ بِهِ أُولُوا الْأَلْبَابِ، فَشَرْعُهُ نُورٌ وَرَحْمَةٌ وَهِدَايَةٌ، وَقَدْ شَرَعَهُ مُحْتَوِيًا عَلَى الرَّحْمَةِ، وَمُوصِلًا إِلَى أَجَلِّ رَحْمَةٍ وَكَرَامَةٍ وَسَعَادَةٍ وَفَلَاحٍ، وَشَرَعَ فِيهِ مِنَ التَّسْهِيلَاتِ وَالتَّيْسِيرَاتِ وَنَفْيِ الْحَرَجِ وَالْمَشَقَّاتِ مَا يَدُلُّ أَكْبَرَ دَلَالَةٍ عَلَى سَعَةِ رَحْمَتِهِ وَجُودِهِ وَكَرَمِهِ.
وَمَنَاهِيهِ كُلُّهَا رَحْمَةٌ؛ لِأَنَّهَا لِحِفْظِ أَدْيَانِ الْعِبَادِ، وَحِفْظِ عُقُولِهِمْ، وَأَعْرَاضِهِمْ، وَأَبْدَانِهِمْ، وَأَخْلَاقِهِمْ، وَأَمْوَالِهِمْ مِنَ الشُّرُورِ وَالْأَضْرَارِ؛ فَكُلُّ النَّوَاهِي تَعُودُ إِلَى هَذِهِ الْأُمُورِ.
وَأَيْضًا الْأَوَامِرُ سَهَّلَهَا وَأَعَانَ عَلَيْهَا بِأَسْبَابٍ شَرْعِيَّةٍ، وَأَسْبَابٍ قَدَرِيَّةٍ، وَذَلِكَ مِنْ تَمَامِ رَحْمَتِهِ.
كَمَا أَنَّ النَّوَاهِيَ جَعَلَ عَلَيْهَا مِنَ الْعَوَائِقِ وَالْمَوَانِعِ مَا يَحْجِزُ الْعِبَادَ عَنْ مُوَاقَعَتِهَا إِلَّا مَنْ أَبَى وَشَرَدَ، وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ خَيْرٌ بِالْكُلِّيَّةِ، وَشَرَعَ -أَيْضًا- مِنَ الرَّوَادِعِ وَالزَّوَاجِرِ وَالْحُدُودِ مَا يَمْنَعُ الْعِبَادَ وَيَحْجِزُهُمْ عَنْهَا، وَيُقَلِّلُ مِنَ الشُّرُورِ شَيْئًا كَثِيرًا.
وَبِالْجُمْلَةِ؛ فَشَرْعُهُ وَأَمْرُهُ نَزَلَ بِالرَّحْمَةِ، وَاشْتَمَلَ عَلَى الرَّحْمَةِ، وَأَوْصَلَ إِلَى الرَّحْمَةِ الْأَبَدِيَّةِ، وَالسَّعَادَةِ السَّرْمَدِيَّةِ)).
((مِنْ أَسْمَاءِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- (الرَّحْمَنُ) وَ(الرَّحِيمُ) ))
قَالَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ} [الفاتحة: 2-3].
مِنْ أَسْمَائِهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: (الرَّحْمَنُ) وَ(الرَّحِيمُ).
مَعْنَى اسْمِ اللهِ (الرَّحْمَنِ): ذَهَبَ الْجُمْهُورُ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّهُ اسْمٌ مُشْتَقٌّ مِنَ الرَّحْمَةِ، مَبْنِيٌّ عَلَى الْمُبَالَغَةِ، وَمَعْنَاهُ: ((ذُو الرَّحْمَةِ الْوَاسِعَةِ الَّتِي لَا نَظِيرَ لَهُ فِيهَا)).
وَالَّذِي يَدُلُّ -أَيْضًا- عَلَى صِحَّةِ مَذْهَبِ الِاشْتِقَاقِ فِي هَذَا الِاسْمِ: حَدِيثُ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِي يَحْكِي فِيهِ عَنْ رَبِّهِ -جَلَّ وَعَلَا-: ((أَنَا الرَّحْمَنُ، وَهِيَ الرَّحِمُ، شَقَقْتُ لَهَا مِنِ اسْمِي، فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلْتُهُ، وَمَنْ قَطَعَهَا بَتَتُّهُ)) يَعْنِي: قَطَعْتُهُ.
فَالرَّحْمَنُ: ذُو الرَّحْمَةِ الشَّامِلَةِ الَّتِي وَسِعَتِ الْخَلْقَ فِي أَرْزَاقِهِمْ، وَأَسْبَابِ مَعَاشِهِمْ وَمَصَالِحِهِمْ، وَعَمَّتِ الْمُؤْمِنَ وَالْكَافِرَ، وَالصَّالِحَ وَالطَّالِحَ، وَالْمُطِيعَ وَالْعَاصِيَ.
فَالرَّحْمَنُ يَعُمُّ الْجَمِيعَ.
وَأَمَّا الرَّحِيمُ فَخَاصٌّ بِالْمُؤْمِنِينَ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا} [الأحزاب: 43].
وَقَدْ سَمَّى اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- الرِّزْقَ وَالْمَعَاشَ فِي كِتَابِهِ رَحْمَةً فَقَالَ: {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ ۚ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [الزخرف: 32].
وَقَالَ -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ-: {قُل لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَّأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنفَاقِ} [الإسراء: 100].
(الرَّحِيمُ): فَعِيلٌ بِمَعْنَى: فَاعِلٌ، يَعْنِي بِمَعْنَى: رَاحِمٌ، وَبِنَاءُ فَعِيلٍ -أَيْضًا- لِلْمُبَالَغَةِ؛ كَعَالِمٍ وَعَلِيمٍ؛ وَلَكِنَّهَا فِي (رَحْمَنِ) أَشَدُّ مَا تَكُونُ مُبَالَغَةً وَدَلَالَةً عَلَى الِاتِّسَاعِ فِي الرَّحْمَةِ.
(( (الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ): اسْمَانِ دَالَّانِ عَلَى أَنَّهُ -تَعَالَى- ذُو الرَّحْمَةِ الْوَاسِعَةِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ، وَعَمَّتْ كُلَّ حَيٍّ، وَكَتَبَهَا لِلْمُتَّقِينَ الْمُتَّبِعِينَ لِأَنْبِيَائِهِ وَرُسُلِهِ، فَهَؤُلَاءِ لَهُمُ الرَّحْمَةُ الْمُطْلَقَةُ، وَمَنْ عَدَاهُمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنْهَا)).
(الرَّحْمَنُ) مَعْنَاهُ: الْمُتَّصِفُ بِالرَّحْمَةِ الْوَاسِعَةِ.
وَصِيغَةُ (فَعْلَان) تَدُلُّ عَلَى السَّعَةِ وَالِامْتِلَاءِ؛ كَمَا تَقُولُ: (غَضْبَانُ) لِلَّذِي امْتَلَأَ غَضَبًا, وَ(شَبْعَانُ), وَمَا أَشْبَهَ.
(الرَّحِيمُ): يُطْلَقُ عَلَى اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ- وَعَلَى غَيْرِهِ, وَمَعْنَاهُ: ذُو الرَّحْمَةِ الْوَاصِلَةِ.
فَـ(الرَّحْمَنُ): ذُو الرَّحْمَةِ الْوَاسِعَةِ.
وَالرَّحِيمُ: ذُو الرَّحْمَةِ الْوَاصِلَةِ.
فَإِذَا جُمِعَا صَارَ الْمُرَادُ بِالرَّحِيمِ: الْمُوصِلَ رَحْمَتَهُ إِلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: {يُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَن يَشَاءُ ۖ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ} [العنكبوت: 21] .
«فَـ(الرَّحْمَنُ): دَالٌّ عَلَى الصِّفَةِ الْقَائِمَةِ بِهِ -سُبْحَانَهُ-, وَ(الرَّحِيمُ): دَالٌّ عَلَى تَعَلُّقِهَا بِالْمَرْحُومِ».
«فَالْأَوَّلُ لِلْوَصْفِ -(الرَّحْمَنُ) لِلْوَصْفِ-، وَ(الرَّحِيمُ) لِلْفِعْلِ؛ فَالْأَوَّلُ دَالٌّ عَلَى أَنَّ الرَّحْمَةَ صِفَتُهُ، وَالثَّانِي دَالٌّ عَلَى أَنَّهُ يَرْحَمُ خَلْقَهُ بِرَحْمَتِهِ، وَتَأَمَّلْ قَوْلَهُ تَعَالَى: {وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا} [الأحزاب: 43]، وَتَأَمَّلْ قَوْلَهُ -جَلَّ وَعَلَا-: {إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 117], وَلَمْ يَجِئْ قَطُّ: (رَحْمَنٌ)».
لَمْ يَجِئْ قَطُّ: (إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحْمَنٌ)، أَوْ (وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحْمَانًا)، وَإِنَّمَا جَاءَ: {رَحِيمًا}، وَجَاءَ {رَءُوفٌ رَحِيمٌ}، «فَعُلِمَ أَنَّ (الرَّحْمَنَ) هُوَ: الْمَوْصُوفُ بِالرَّحْمَةِ، وَأَنَّ (الرَّحِيمَ) هُوَ: الرَّاحِمُ بِرَحْمَتِهِ».
فَالرَّحْمَنُ: الْمَوْصُوفُ بِالرَّحْمَةِ، وَالرَّحِيمُ: الرَّاحِمُ بِرَحْمَتِهِ.
((وَاسْمُهُ -تَعَالَى- (الرَّحْمَنُ) خَاصٌّ بِهِ، لَمْ يُسَمَّ بِهِ غَيْرُهُ، كَمَا قَالَ -تَعَالَى-: {قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى} [الْإِسْرَاءِ: ١١٠]، وَقَالَ تَعَالَى: {وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ} [الزخرف: ٤٥])).
((الرَّحْمَةُ مِنْ صِفَاتِ رَبِّنَا الْعُلَى))
عِبَادَ اللهِ! لَقَدْ وَرَدَتْ مَادَّةُ الرَّحْمَةِ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ أَكْثَرَ مِنْ مِائَتَي مَرَّةٍ؛ حَيْثُ بَيَّنَ الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ أَنَّ الرَّحْمَةَ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ-؛ ((فَإِنَّ اللهَ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي رَحْمَتِهِ، وَأَحْسَنَ إِلَى خَلْقِهِ بِأَنْوَاعِ الْإِحْسَانِ، وَتَحَبَّبَ إِلَيْهِمْ بِصُنُوفِ النِّعَمِ، وَوَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا، وَأَوْسَعَ كُلَّ مَخْلُوقٍ نِعْمَةً وَفَضْلًا؛ فَوَسِعَتْ رَحْمَتُهُ كُلَّ شَيْءٍ، وَوَسِعَتْ نِعْمَتُهُ كُلَّ حَيٍّ، وَعَمَّ إِحْسَانُهُ الْبَرَايَا، وَوَصَلَ جُودُهُ إِلَى جَمِيعِ الْمَوْجُودَاتِ؛ فَلَا تَسْتَغْنِي عَنْ إِحْسَانِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ وَلَا أَقَلَّ مِنْهَا، فَبَلَغَتْ رَحْمَتُهُ حَيْثُ بَلَغَ عِلْمُهُ؛ قَالَ رَبُّنَا -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-: {رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا} [غافر: 7]، فَبَلَغَتْ رَحْمَتُهُ حَيْثُ بَلَغَ عِلْمُهُ.
وَأَخْبَرَنَا -سُبْحَانَهُ- أَنَّهُ ذُو الرَّحْمَةِ؛ فَكَانَ صَاحِبَ الرَّحْمَةِ الْحَقِيقِيَّةِ الْعَظِيمَةِ الْوَاسِعَةِ، قَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ} [الأنعام: 133].
وَقَالَ -سُبْحَانَهُ-: {فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ} [الأنعام: 147].
وَقَالَ سُبْحَانَهُ-: {وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ} [الكهف: 58].
فَلَا مَخْلُوقَ إِلَّا وَقَدْ وَصَلَتْ إِلَيْهِ رَحْمَةُ اللهِ، وَغَمَرَهُ فَضْلُهُ -تَعَالَى- وَإِحْسَانُهُ)).
وَسَمَّى -جَلَّ وَعَلَا- نَفْسَهُ ((((الرَّحْمَنَ))، وَهَذَا الِاسْمُ دَالٌّ عَلَى سَعَةِ رَحْمَتِهِ، وَعُمُومِ إِحْسَانِهِ، وَجَزِيلِ بِرِّهِ، وَوَاسِعِ فَضْلِهِ)).
((وَ((الرَّحْمَنُ)): دَالٌّ عَلَى الصِّفَةِ الْقَائِمَةِ بِهِ -سُبْحَانَهُ-.
وَ((الرَّحِيمُ)): دَالٌّ عَلَى تَعَلُّقِهَا بِالْمَرْحُومِ، فَـ((الرَّحْمَنُ)) لِلْوَصْفِ، وَ((الرَّحِيمُ)) لِلْفِعْلِ.
فَـ((الرَّحْمَنُ)): دَالٌّ عَلَى أَنَّ الرَّحْمَةَ صِفَتُهُ، وَ((الرَّحِيمُ)): دَالٌّ عَلَى أَنَّهُ يَرْحَمُ خَلْقَهُ، قَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا} [الأحزاب: 43].
وَقَالَ -سُبْحَانَهُ-: {إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 117]، وَلَمْ يَجِئْ قَطُّ رَحْمَنٌ بِهِمْ؛ فَعُلِمَ أَنَّ ((الرَّحْمَنَ)): هُوَ الْمَوْصُوفُ بِالرَّحْمَةِ، وَ((الرَّحِيمَ)): هُوَ الرَّاحِمُ بِرَحْمَتِهِ))؛ كَثِيرُ الرَّحْمَةِ، عَظِيمُهَا، بَلِيغُهَا وَوَاسِعُهَا.
وَرَحْمَةُ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا- عَامَّةٌ وَخَاصَّةٌ.
فَأَمَّا الْعَامَّةُ: فَهِيَ لِجَمِيعِ الْخَلْقِ، فَكُلُّ الْخَلْقِ مَرْحُومُونَ بِرَحْمَةِ اللهِ، وَلَوْ لَا رَحْمَةُ اللهِ مَا أَكَلُوا وَمَا شَرِبُوا، وَمَا اكْتَسَوْا وَمَا سَكَنُوا؛ وَلَكِنَّ اللهَ رَحِمَهُمْ؛ فَهَيَّأَ لَهُمْ مَا تَقُومُ بِهِ أَبْدَانُهُمْ مِنَ الْمَعِيشَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ؛ فَهَذِهِ هِيَ الرَّحْمَةُ الْعَامَّةُ.
وَأَمَّا رَحْمَتُهُ الْخَاصَّةُ: فَهِيَ خَاصَّةٌ بِالْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ تَسْتَمِرُّ رَحْمَتُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ؛ فَفِي الدُّنْيَا رَحِمَهُمُ اللهُ -تَعَالَى- بِحُصُولِ مَا تَقُومُ بِهِ أَبْدَانُهُمْ، وَفِي الْآخِرَةِ رَحِمَهُمُ اللهُ -تَعَالَى- بِحُصُولِ مَا تَقُومُ بِهِ أَدْيَانُهُمْ.
((وَرَحْمَتُهُ -سُبْحَانَهُ- مِنْ لَوَازِمِ ذَاتِهِ؛ كَعِلْمِهِ، وَقُدْرَتِهِ، وَحَيَاتِهِ، وَسَمْعِهِ، وَبَصَرِهِ، وَإِحْسَانِهِ، فَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ غَضَبُهُ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ لَوَازِمِ ذَاتِهِ، وَلَا يَكُونُ غَضْبَانًا دَائِمًا غَضَبًا لَا يُتَصَوَّرُ انْفِكَاكُهُ، بَلْ يَقُولُ رُسُلُهُ وَأَعْلَمُ الْخَلْقِ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَمَا فِي ((حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ)) -وَهُوَ فِي ((الصَّحِيحَيْنِ))-: ((قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ)).
كَذَا يَقُولُ الْأَنْبِيَاءُ فِي الْمَوْقِفِ عِنْدَمَا يَطْلُبُ الْخَلْقُ مِنْهُمُ الشَّفَاعَةَ عِنْدَ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- لِبَدْءِ الْحِسَابِ؛ فَيَقُولُ كُلٌّ: ((إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ)).
فَالْغَضَبُ مِنْ صِفَاتِ الْفِعْلِ، وَلَيْسَ مِنْ صِفَاتِ الذَّاتِ، وَصِفَةُ الْفِعْلِ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْمَشِيئَةِ، صِفَاتُ الْفِعْلِ هِيَ الَّتِي إِذَا شَاءَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- أَتَى بِهَا، وَإِذَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَأْتِ بِهَا، فَهَذِهِ صِفَاتُ الْفِعْلِ، وَمِنْهَا: الْغَضَبُ، وَمِنْهَا: الضَّحِكُ، وَمِنْهَا: الرِّضَا، وَمِنْهَا: النُّزُولُ، وَمِنْهَا: الِاسْتِوَاءُ؛ فَهِيَ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْمَشِيئَةِ، فَكُلُّ صِفَةٍ تَعَلَّقَتْ بِالْمَشِيئَةِ فَهِيَ مِنْ صِفَاتِ الْفِعْلِ.
وَأَمَّا صِفَاتُ الذَّاتِ: فَهِيَ لَا يَنْفَكُّ عَنْهَا اتِّصَافُ الذَّاتِ بِهَا، وَلَا تَنْفَكُّ هِيَ عَنِ الذَّاتِ، صِفَاتُ الذَّاتِ لَا تَنْفَكُّ عَنْ رَبِّنَا -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- بِحَالٍ، فَهِيَ مُلَازِمَةٌ لِلذَّاتِ، وَمِنْهَا: صِفَةُ الرَّحْمَةِ؛ فَإِنَّ اللهَ -جَلَّ وَعَلَا- هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ، وَأَمَّا صِفَةُ الْغَضَبِ فَهَذِهِ صِفَةُ فِعْلٍ، وَهِيَ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْمَشِيئَةِ، فَإِذَا وُجِدَ سَبَبُهَا وَغَضِبَ الرَّبُّ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- فَهَذِهِ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ الْفِعْلِ، لَا يَكُونُ غَضْبَانًا دَائِمًا غَضَبًا لَا يُتَصَوَّرُ انْفِكَاكُهُ؛ بَلْ ((إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ)).
رَحْمَةُ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ، وَغَضَبُهُ لَمْ يَسَعْ كُلَّ شَيْءٍ، وَهُوَ -سُبْحَانَهُ- كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ، وَلَمْ يَكْتُبْ عَلَى نَفْسِهِ الْغَضَبَ، وَوَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا، وَلَمْ يَسَعْ كُلَّ شَيْءٍ غَضَبًا وَانْتِقَامًا))، -سُبْحَانَهُ- هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ.
وَهَذَا هُوَ اللَّائِقُ اللَّيِّقُ بِشَأْنِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أَرْحَمِ الرَّاحِمِينَ، وَلَوْ لَا ذَلِكَ لَكُنَّا جَمِيعًا خَاسِرِينَ هَالِكِينَ، نَعُوذُ بِاللهِ مِنْ غَضَبِ اللهِ، وَمِنْ سَخَطِهِ، وَمِنْ أَلِيمِ عِقَابِهِ، وَنَتُوبُ إِلَيْهِ، وَنَرْجُو رَحْمَتَهُ، وَكَرَمَهُ، وَفَضْلَهُ، وَلُطْفَهُ.
فَسُبْحَانَ رَبِّيَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الَّذِي عَمَّتْ رَحْمَتُهُ أَهْلَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتِ، وَوَسِعَتْ جَمِيعَ الْخَلْقِ فِي كُلِّ الْآنَاتِ وَاللَّحَظَاتِ، وَسَعَةُ رَحْمَتِهِ تَتَضَمَّنُ أَنَّهُ لَا يَهْلِكُ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَهْلِ تَوْحِيدِهِ وَمَحَبَّتِهِ؛ فَإِنَّهُ وَاسِعُ الرَّحْمَةِ، لَا يَخْرُجُ عَنْ دَائِرَةِ رَحْمَتِهِ إِلَّا الْأَشْقِيَاءُ الْمَحْرُومُونَ، وَلَا أَشْقَى مِمَّنْ لَمْ تَسَعْهُ رَحْمَتُهُ الَّتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ.
يَكْفِيكَ مَنْ وَسِعَ الْخَلَائِقَ رَحْمَةً=وَكِفَايَةً ذُو الْفَضْلِ وَالْإِحْسَانِ
قَالَ رَبُّنَا -جَلَّ وَعَلَا- -وَهُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ-: {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} [الأنعام: 54].
وَهَذَا وَعْدٌ مِنَ اللهِ، وَهُوَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ وَلَا يُخْلِفُ الْوَعْدَ، وَهُوَ خَبَرٌ مِنْهُ لِعِبَادِهِ، وَهُوَ صَادِقُ الْمَقَالِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، إِنَّهُ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَخَيْرُ الرَّاحِمِينَ، وَرَحْمَتُهُ: اسْمٌ جَامِعٌ لِكُلِّ خَيْرٍ، أَرْحَمُ بِنَا مِنْ كُلِّ رَاحِمٍ، أَرْحَمُ بِنَا مِنْ آبَائِنَا، وَأُمَّهَاتِنَا، وَأَوْلَادِنَا، وَأَنْفُسِنَا.
((فَكُلُّ رَاحِمٍ لِلْعَبْدِ فَاللهُ أَرْحَمُ بِهِ مِنْهُ؛ إِنَّهُ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، لَوْ جُمِعَتْ رَحَمَاتُ الْخَلْقِ كُلِّهِمْ لَكَانَتْ رَحْمَةُ اللهِ أَشَدَّ وَأَعْظَمَ، وَمَا تَبْلُغُ هَذِهِ الرَّحْمَاتُ مِنْ رَحْمَةِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: ((أَتَى النَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ وَمَعَهُ صَبِيٌّ، فَجَعَلَ يَضُمُّهُ إِلَيْهِ؛ رَحْمَةً بِهِ وَحَنَانًا وَبِرًّا.
فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((أَتَرْحَمُهُ؟)).
قَالَ: ((نَعَمْ)).
قَالَ: ((فَاللهُ أَرْحَمُ بِكَ مِنْكَ بِهِ، وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ)). وَهَذَا الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي ((الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ))، وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ.
أَرْحَمُ مَا يَكُونُ مِنَ الْخَلْقِ بِالْخَلْقِ: الْأُمُّ بِوَلَدِهَا؛ فَإِنَّ رَحْمَةَ الْأُمِّ وَلَدَهَا لَا يُسَاوِيهَا شَيْءٌ مِنْ رَحْمَةِ النَّاسِ أَبَدًا؛ حَتَّى الْأَبُ لَا يَرْحَمُ أَوْلَادَهُ مِثْلَ أُمِّهِمْ فِي الْغَالِبِ.
عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ سَبْيٌ، فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنَ السَّبْيِ تَحْلِبُ تَسْقِي، إِذَا وَجَدَتْ صَبِيًّا فِي السَّبْيِ أَخَذَتْهُ فَأَلْصَقَتْهُ بِبَطْنِهَا وَأَرْضَعَتْهُ.
فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((أَتَرَوْنَ هَذِهِ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ؟)).
قُلْنَا: ((لَا)) -وَهِيَ تَقْدِرُ عَلَى أَلَّا تَطْرَحَهُ-.
فَقَالَ: ((اللهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا)). وَالْحَدِيثُ فِي ((الصَّحِيحَيْنِ)).
وَأَيْنَ تَقَعُ رَحْمَةُ الْوَالِدَةِ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ الَّتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ؟! فَهُوَ أَرْحَمُ بِالْعَبْدِ مِنَ الْوَالِدَةِ بِوَلَدِهَا الرَّفِيقَةِ بِهِ فِي حَمْلِهِ، وَرَضَاعِهِ، وَفِصَالِهِ.
كُلُّ الرَّاحِمِينَ إِذَا اجْتَمَعَتْ رَحَمَاتُهُمْ كُلِّهِمْ؛ فَلَيْسَتْ بِشَيْءٍ عِنْدَ رَحْمَةِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَيَدُلُّكَ عَلَى هَذَا قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ -وَالْحَدِيثُ فِي ((الصَّحِيحَيْنِ))- قَالَ ﷺ: ((جَعَلَ اللهُ الرَّحْمَةَ مِائَةَ جُزْءٍ، فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ جُزْءًا، وَأَنْزَلَ فِي الْأَرْضِ جُزْءًا وَاحِدًا، فَمِنْ ذَلِكَ الْجُزْءِ تَتَرَاحَمُ الْخَلْقُ؛ حَتَّى تَرْفَعَ الْفَرَسُ حَافِرَهَا عَنْ وَلَدِهَا خَشْيَةَ أَنْ تُصِيبَهُ)) )).
هَذِهِ هِيَ الرَّحْمَةُ الَّتِي هِيَ صِفَةُ فِعْلٍ.
وَأَمَّا الرَّحْمَةُ مِنْ حَيْثُ هِيَ صِفَةُ ذَاتٍ؛ فَإِنَّهَا لَا تَنْقَسِمُ، فَالرَّحْمَةُ صِفَةُ ذَاتٍ بِاعْتِبَارِ تَعَلُّقِهَا بِالذَّاتِ؛ حَيْثُ لَا تَنْفَكُّ عَنِ الذَّاتِ، وَلَا تَنْفَكُّ عَنْهَا الذَّاتُ، وَأَمَّا مِنْ حَيْثُ تَعَلُّقُ الرَّحْمَةِ بِالْمَشِيئَةِ، وَإِعْمَالُ هَذِهِ الرَّحْمَةِ لِمَنْ يَرْحَمُهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ؛ فَهَذِهِ صِفَةُ فِعْلٍ، فَهِيَ هُنَا مُتَعَلِّقَةٌ بِالْمَشِيئَةِ.
هُنَاكَ صِفَاتٌ تَكُونُ صِفَةَ ذَاتٍ بِاعْتِبَارٍ وَصِفَةَ فِعْلٍ بِاعْتِبَارٍ:
صِفَةُ الْخَلْقِ: صِفَةُ ذَاتٍ بِاعْتِبَارِ تَعَلُّقِهَا بِالذَّاتِ، فَذَاتُ الرَّبِّ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- مَوْصُوفَةٌ بِصِفَةِ الْخَلْقِ وَلَا مَخْلُوقَ، فَاللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَظِيمُ، وَلَهُ هَذِهِ الصِّفَةُ الْعَظِيمَةُ، وَأَمَّا عِنْدَ خَلْقِ الْخَلْقِ وَبَرْئِهِمْ، وَتَعَلُّقِ هَذِهِ الصِّفَةِ بِالْمَشِيئَةِ بِخَلْقِهِمْ؛ فَهِيَ -حِينَئِذٍ- تَكُونُ صِفَةَ فِعْلٍ.
كَذَلِكَ صِفَةُ الْكَلَامِ: فَذَاتُ رَبِّنَا -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- مَوْصُوفَةٌ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، وَأَمَّا إِذَا تَكَلَّمَ بِالْوَحْيِ -جَلَّ وَعَلَا- وَبِمَا شَاءَ مِنْ أَمْرٍ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-؛ فَهِيَ صِفَةُ فِعْلٍ؛ لِتَعَلُّقِ الصِّفَةِ بِالْمَشِيئَةِ.
هَذَا الْحَدِيثُ الَّذِي مَعَنَا: فِيهِ انْقِسَامُ صِفَةِ الرَّحْمَةِ إِلَى مِائَةِ جُزْءٍ، جَعَلَ اللهُ الرَّحْمَةَ فِي مِائَةِ جُزْءٍ، فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ جُزْءًا، وَأَنْزَلَ فِي الْأَرْضِ جُزْءًا وَاحِدًا، فَمِنْ ذَلِكَ الْجُزْءِ تَتَرَاحَمُ الْخَلْقُ؛ حَتَّى تَرْفَعَ الْفَرَسُ حَافِرَهَا عَنْ وَلَدِهَا خَشْيَةَ أَنْ تُصِيبَهُ.
صِفَةُ الْفِعْلِ: هِيَ الَّتِي تَقْبَلُ هَذِهِ الْقِسْمَةَ.
وَأَمَّا صِفَةُ الذَّاتِ؛ فَهِيَ مَوْصُوفٌ بِهَا الذَّاتُ، لَا تَنْفَكُّ عَنِ الذَّاتِ، وَلَا تَنْفَكُّ عَنْهَا الذَّاتُ.
((آثَارُ اسْمَيِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَثَمَرَاتُ الْإِيمَانِ بِهِمَا))
((الْأَثَرُ الْأَوَّلُ: إِثْبَاتُ مَا يَتَضَمَّنُهُ اسْمَا اللهِ (الرَّحْمَنُ) وَ(الرَّحِيمُ) مِنَ الصِّفَاتِ.
اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ الَّذِي كَتَبَ الرَّحْمَةَ عَلَى نَفْسِهِ تَفَضُّلًا مِنْهُ وَإِحْسَانًا، قَالَ تَعَالَى: {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} [الأنعام: ٥٤]، وَوَسِعَتْ هَذِهِ الرَّحْمَةُ كُلَّ شَيْءٍ، قَالَ تَعَالَى: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} [الأعراف: ١٥٦]، وَقَالَ -سُبْحَانَهُ-: {رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا} [غافر: ٧].
وَمِنْ سَعَتِهَا وَعَظَمَتِهَا:
-أَنَّ رَحْمَةَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ بِعِبَادِهِ أَرْحَمُ مِنْ كُلِّ رَحْمَةٍ؛ حَتَّى مِنْ رَحْمَةِ الْإِنْسَانِ بِنَفْسِهِ، وَرَحْمَةِ الْأُمِّ بِوَلَدِهَا الَّتِي لَا يُسَاوِيهَا شَيْءٌ مِنْ رَحَمَاتِ النَّاسِ؛ بَلْ لَوْ جُمِعَتْ رَحَمَاتُ الرَّاحِمِينَ كُلِّهِمْ لَمْ تُسَاوِ شَيْئًا عِنْدَ رَحْمَةِ أَرْحَمِ الرَّاحِمِينَ.
قَالَ تَعَالَى: {وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [الأعراف: ١٥١].
وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: «قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ سَبْيٌ، فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنَ السَّبْيِ قَدْ تَحْلُبُ ثَدْيَهَا تَسْقِي، إِذَا وَجَدَتْ صَبِيًّا فِي السَّبْيِ أَخَذَتْهُ، فَأَلْصَقَتْهُ بِبَطْنِهَا وَأَرْضَعَتْهُ، فَقَالَ لَنَا النَّبِيُّ ﷺ: ((أَتَرَوْنَ هَذِهِ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ؟))
قُلْنَا: ((لَا، وَهِيَ تَقْدِرُ عَلَى أَلَّا تَطْرَحَهُ)).
فَقَالَ: ((لَلَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا».
وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ -رَحِمَهُ اللهُ-: «مَا يَسُرُّنِي أَنَّ أَمْرِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى أَبَوَيَّ».
-أَنَّ رَحْمَةَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سَبَقَتْ غَضَبَهُ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ اللَه كَتَبَ كِتَابًا قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الخَلْقَ: إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي، فَهُوَ مَكْتُوبٌ عِنْدَهُ فَوْقَ العَرْشِ».
((فَقَامَ الْعَالَمُ الْعُلْوِيُّ وَالسُّفْلِيُّ بِمَضْمُونِ هَذَا الْكِتَابِ الَّذِي لَوْلَاهُ لَكَانَ لِلْخَلْقِ شَأْنٌ آخَرُ)).
قَالَ الطِّيبِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ-: «فِي سَبْقِ الرَّحْمَةِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ قِسْطَ الْخَلْقِ مِنْهَا أَكْثَرُ مِنْ قِسْطِهِمْ مِنَ الْغَضَبِ، وَأَنَّهَا تَنَالُهُمْ مِنْ غَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ، وَأَنَّ الْغَضَبَ لَا يَنَالُهُمْ إِلَّا بِاسْتِحْقَاقٍ، فَالرَّحْمَةُ تَشْمَلُ الشَّخْصَ جَنِينًا، وَرَضِيعًا، وَفَطِيمًا، وَنَاشِئًا قَبْلَ أَنْ يَصْدُرَ مِنْهُ شَيْءٌ مِنَ الطَّاعَةِ، وَلَا يَلْحَقُهُ مِنَ الْغَضَبِ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَصْدُرَ عَنْهُ مِنَ الذُّنُوبِ مَا يَسْتَحِقُّ مَعَهُ ذَلِكَ».
-وَضَعَ رَحْمَةً وَاحِدَةً بَيْنَ خَلْقِهِ يَتَرَاحَمُونَ بِهَا فِيمَا بَيْنَهُمْ، فَيَرْحَمُ الْغَنِيُّ الْفَقِيرَ، وَالْكَبِيرُ الصَّغِيرَ، وَالْأُمُّ أَوْلَادَهَا؛ سَوَاءٌ كَانَتْ إِنْسَانًا، أَوْ حَيَوَانًا، وَحْشًا.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ للهِ مِئَةَ رَحْمَةٍ أَنْزَلَ مِنْهَا رَحْمةً وَاحِدَةً بَيْنَ الجِنِّ والإِنْسِ والبَهَائِمِ والهَوَامِّ، فَبِهَا يَتَعَاطَفُونَ، وَبِهَا يَتَرَاحَمُونَ، وَبِهَا تَعْطِفُ الوَحْشُ عَلَى وَلَدِهَا، وَأَخَّرَ اللهُ تِسْعًا وَتِسْعِينَ رَحْمَةً، يَرْحَمُ بِهَا عِبَادَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ».
وَفِي رِوَايَةٍ: «حَتَّى تَرْفَعَ الفَرَسُ حَافِرَهَا عَنْ وَلَدِهَا؛ خَشْيَةَ أَنْ تُصِيبَهُ».
-أَنَّ رَحْمَةَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ بَلَغَتْ آثَارُهَا مِنَ الْكَثْرَةِ مَا تَعْجِزُ الْعُقُولُ عَنِ الْإِحَاطَةِ بِهِ، وَالْأَرْقَامُ وَالْأَعْدَادُ عَنْ حَصْرِهِ؛ ((إِذْ جَمِيعُ مَا فِي الْعَالَمِ الْعُلْوِيِّ وَالسُّفْلِيِّ مِنَ النِّعَمِ وَحُصُولِ الْمَنَافِعِ وَالْمَحَابِّ وَالْمَسَارِّ وَالْخَيْرَاتِ مِنْ آثَارِ رَحْمَتِهِ، كَمَا أَنَّ مَا فِيهِ مِنْ صَرْفِ الْمَكَارِهِ وَالنِّقَمِ وَالْمَخَاوِفِ وَالْأَخْطَارِ وَالْمَضَارِّ مِنْ آثَارِ رَحْمَتِهِ، قَالَ تَعَالَى: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} [النحل: ١٨])).
وَرَحْمَتُهُ الَّتِي وَصَلَتْ لِخَلْقِهِ قِسْمَانِ:
1*رَحْمَةٌ عَامَّةٌ: وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ الْعَالَمِ الْعُلْوِيِّ وَالسُّفْلِيِّ، وَوَصَلَتْ لِكُلِّ حَيٍّ مُكَلَّفٍ وَغَيْرِ مُكَلَّفٍ، بَرٍّ وَفَاجِرٍ، مُؤْمِنٍ وَكَافِرٍ؛ حَتَّى فِرْعَوْنَ الَّذِي قَالَ: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} [النازعات: ٢٤]، يَقُولُ تَعَالَى: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} [الأعراف: ١٥٦].
وَقَالَ -سُبْحَانَهُ-: {رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا} [غافر: ٧].
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- فِي بَيَانِ رَحْمَةِ اللهِ لِلْكَافِرِ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَمَّا أَغْرَقَ اللهُ فِرْعَوْنَ قَالَ: {آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ} [يونس: ٩٠]، فَقَالَ جِبْرِيلُ: يَا مُحَمَّدُ! فَلَوْ رَأَيْتَنِي وَأَنَا آخُذُ مِنْ حَالِ البَحْرِ فَأَدُسُّهُ فِي فِيهِ؛ مَخَافَةَ أَنْ تُدْرِكَهُ الرَّحْمَةُ». أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ لِغَيْرِهِ الْأَلْبَانِيُّ.
وَقَالَ ﷺ: «لَوْ يَعْلَمُ المُؤْمِنُ مَا عِنْدَ اللهِ مِنَ العُقُوبَةِ مَا طَمِعَ بِجَنَّتِهِ أَحَدٌ، وَلَوْ يَعْلَمُ الكَافِرُ مَا عِنْدَ اللهِ مِنَ الرَّحْمَةِ مَا قَنَطَ مِنْ جَنَّتِهِ أَحَدٌ».
وَالرَّحْمَةُ الْعَامَّةُ؛ مِنْ آثَارِهَا:
-خَلْقُ الْمَخْلُوقَاتِ وَإِيجَادُهَا مِنَ الْعَدَمِ عَلَى صُورَةٍ مُحْكَمَةٍ مُتْقَنَةٍ، قَالَ تَعَالَى: {ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ} [السجدة: ٦].
فَخَلَقَ الْإِنْسَانَ، وَبِرَحْمَتِهِ جَعَلَهُ فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ، مُكْتَمِلَ الْأَعْضَاءِ، مُسْتَوْفِيَ الْأَجْزَاءِ، مُحْكَمَ الْبِنَاءِ، وَعَلَّمَهُ الْبَيَانَ النُّطْقِيَّ وَالْخَطِّيَّ، قَالَ -تَعَالَى- فِي سُورَةِ الرَّحْمَنِ الَّتِي جَاءَتْ بِذِكْرِ آثَارِ رَحْمَتِهِ الَّتِي أَوْصَلَهَا لِخَلْقِهِ: {خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ} [الرحمن: ٣-٤].
-خَلَقَ الْخَلْقَ ذُكُورًا وَإِنَاثًا، وَجَعَلَ الرَّحْمَةَ وَالْمَوَدَّةَ بَيْنَهُمْ؛ لِيَقَعَ التَّوَاصُلُ الَّذِي بِهِ دَوَامُ التَّنَاسُلِ، وَانْتِفَاعُ الزَّوْجَيْنِ، وَتَمَتُّعُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِصَاحِبِهِ، قَالَ تَعَالَى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الروم: ٢١].
-رِعَايَةُ الْخَلْقِ بِالتَّدْبِيرِ، وَالتَّصْرِيفِ، وَالْحِفْظِ، وَسَوْقِ الْأَرْزَاقِ وَالْمَعَاشِ، قَالَ تَعَالَى: {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [يونس: ١٠٧].
فَبِرَحْمَتِهِ رَعَى الْخَلْقَ بِمَا قَدَّرَ لَهُمْ؛ إِذْ عَلِمَ -سُبْحَانَهُ- مَصَالِحَهُمْ وَمَنَافِعَهُمْ، فَقَدَّرَهَا لَهُمْ، وَيَسَّرَ لَهُمْ تَحْصِيلَهَا، وَلَرُبَّمَا أَجْرَى عَلَيْهِمُ الْمَكَارِهَ وَالْبَلَاءَ لِيُوصِلَهُمْ إِلَى مَا يُحِبُّونُ، قَالَ تَعَالَى: {وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (٨٠) فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا} [الكهف: ٨٠-٨١].
وَرُبَّمَا مَنَعَهُمْ مِنْ كَثِيرٍ مِنْ شَهَوَاتِهِمْ وَمَحَابِّ نُفُوسِهِمْ؛ لِعِلْمِهِ أَنَّ ذَلِكَ أَصْلَحُ لَهُمْ.
قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ -رَحِمَهُ اللهُ-: «وَلِهَذَا كَانَ مِنْ إِتْمَامِ رَحْمَةِ أَرْحَمِ الرَّاحِمِينَ: تَسْلِيطُ أَنْوَاعِ الْبَلَاءِ عَلَى الْعَبْدِ؛ فَإِنَّهُ أَعْلَمُ بِمَصْلَحَتِهِ، فَابْتِلَاؤُهُ لَهُ وَامْتِحَانُهُ، وَمَنْعُهُ مِنْ كَثِيرٍ مِنْ أَغْرَاضِهِ وَشَهَوَاتِهِ مِنْ رَحْمَتِهِ بِهِ؛ وَلَكِنَّ الْعَبْدَ لِجَهْلِهِ وَظُلْمِهِ يَتَّهِمُ رَبَّهُ، وَلَا يَعْلَمُ إِحْسَانَهُ إِلَيْهِ بِابْتِلَائِهِ وَامْتِحَانِهِ».
-خَلَقَ هَذَا الْكَوْنَ عَلَى صِفَةٍ تَكْفُلُ لِلْإِنْسَانِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْكَائِنَاتِ حُسْنَ الْعَيْشِ؛ فَرَفَعَ السَّمَاءَ وَأَمْسَكَهَا بِرَحْمَتِهِ مِنْ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ، قَالَ تَعَالَى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ} [الحج: ٦٥].
وَخَلَقَ الْأَرْضَ، وَبِرَحْمَتِهِ أَرْسَاهَا بِالْجِبَالِ؛ كَيْ لَا تَمِيدَ وَلَا تَحِيدَ، بَلْ جَعَلَهَا مَهْدًا وَفِرَاشًا يَسْتَقِرُّ عَلَيْهَا، وَيَتَمَكَّنُ مِنْ حَرْثِهَا وَغَرْسِهَا وَحَفْرِهَا، وَبِرَحْمَتِهِ شَقَّ طُرُقَهَا وَمَنَافِذَهَا؛ لِيَتَّصِلَ الشَّرْقُ بِالْغَرْبِ، وَالشَّمَالُ بِالْجَنُوبِ، قَالَ تَعَالَى: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا} [طه: ٥٣].
وَقَالَ -سُبْحَانَهُ- فِي سُورَةِ الرَّحْمَنِ: {وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ} [الرحمن: ١٠]
قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ -رَحِمَهُ اللهُ-: «وَمِنْ رَحْمَتِهِ: أَحْوَجَ الْخَلْقَ بَعْضَهُمْ إِلَى بَعْضٍ؛ لِتَتِمَّ مَصَالِحُهُمْ، وَلَوْ أَغْنَى بَعْضَهُمْ عَنْ بَعْضٍ لَتَعَطَّلَتْ مَصَالِحُهُمْ، وَانْحَلَّ نِظَامُهُمْ، وَكَانَ مِنْ تَمَامِ رَحْمَتِهِ بِهِمْ: أَنْ جَعَلَ فِيهِمُ الْغَنِيَّ وَالْفَقِيرَ، وَالْعَزِيزَ وَالذَّلِيلَ، وَالْعَاجِزَ وَالْقَادِرَ، وَالْمُرَاعِيَ وَالْمَرْعِيَّ، ثُمَّ أَفْقَرَ الْجَمِيعَ إِلَيْهِ، ثُمَّ عَمَّ الْجَمِيعَ بِرَحْمَتِهِ».
وَقَالَ الشَّيْخُ السَّعْدِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ- فِي تَقْرِيرِ مَا سَبَقَ مِنْ آثَارِ الرَّحْمَةِ الْعَامَّةِ: «فَاللهُ خَلَقَ الْخَلْقَ بِرَحْمَتِهِ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِمُ الرُّسُلَ بِرَحْمَتِهِ، وَأَمَرَهُمْ وَنَهَاهُمْ، وَشَرَعَ لَهُمُ الشَّرَائِعَ بِرَحْمَتِهِ، وَأَسْبَغَ عَلَيْهِمُ النِّعْمَةَ الظَّاهِرَةَ وَالْبَاطِنَةَ بِرَحْمَتِهِ، وَدَبَّرَهُمْ أَنْوَاعَ التَّدْبِيرِ، وَصَرَّفَهُمْ بِأَنْوَاعِ التَّصْرِيفِ بِرَحْمَتِهِ، وَمَلَأَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ مِنْ رَحْمَتِهِ، فَلَا طَابَتِ الْأُمُورُ، وَلَا تَيَسَّرَتِ الْأَشْيَاءُ، وَلَا حَصَلَتِ الْمَقَاصِدُ وَأَنْوَاعُ الْمَطَالِبِ إِلَّا بِرَحْمَتِهِ، وَرَحْمَتُهُ فَوْقَ ذَلِكَ وَأَجَلُّ وَأَعْلَى».
2*الرَّحْمَةُ الْخَاصَّةُ الَّتِي خَصَّ اللهُ بِهَا عِبَادَهُ الصَّالِحِينَ، وَأَوْلِيَاءَهُ الْمُتَّقِينَ، قَالَ تَعَالَى: {هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا} [الأحزاب: ٤٣].
وَقَالَ -سُبْحَانَهُ-: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: ١٥٦].
وَهِيَ رَحْمَةٌ إِيمَانِيَّةٌ، دِينِيَّةٌ، دُنْيَوِيَّةٌ، أُخْرَوِيَّةٌ، وَمِنْ آثَارِهَا:
-هِدَايَةُ أَوْلِيَائِهِ إِلَى الْحَقِّ الَّذِي جَهِلَهُ غَيْرُهُمْ، وَتَبْصِيرُهُمْ بِالطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيمِ الَّذِي ضَلَّ عَنْهُ وَحَادَ عَنْهُ مَنْ سِوَاهُمْ مِنَ الدُّعَاةِ إِلَى الْكُفْرِ وَالْبِدْعَةِ وَأَشْيَاعِهِمْ، قَالَ تَعَالَى: {هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا} [الأحزاب: ٤٣].
-تَوْفِيقُ أَوْلِيَائِهِ لِطَاعَتِهِ، وَتَيْسِيرُ الْخَيْرِ لَهُمْ، وَإِعَانَتُهُمْ عَلَيْهِ، قَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [النور: ٢١].
-تَثْبِيتُ أَوْلِيَائِهِ عَلَى الْحَقِّ؛ عَلَى الرَّغْمِ مِنَ الدَّوَاعِي لِلزَّيْغِ، قَالَ تَعَالَى: {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا} [النساء: ٨٣].
-إِجَابَةُ دَعَوَاتِ أَوْلِيَائِهِ، قَالَ تَعَالَى: {إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ} [الطور: ٢٨].
-امْتِنَانُهُ عَلَى أَوْلِيَائِهِ بِاسْتِغْفَارِ وَدُعَاءِ أَفْضَلِ مَلَائِكَتِهِ -حَمَلَةِ الْعَرْشِ- لَهُمْ، قَالَ تَعَالَى: {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ} [غافر: ٧].
-جَعْلُ مَصَائِبِ الْمُؤْمِنِينَ وَابْتِلَاءَاتِهِمْ كُلِّهَا خَيْرًا وَرَحْمَةً؛ فَمَا يَنْزِلُ بِهِمْ مِنْ مَصَائِبَ وَآلَامٍ وَأَحْزَانٍ إِلَّا تُكَفَّرُ بِهَا سَيِّئَاتُهُمْ، وَتُرْفَعُ بِهَا دَرَجَاتُهُمْ، قَالَ -تَعَالَى- عَنْ مُؤْمِنِ آلِ يَاسِينَ أَنَّهُ قَالَ لِقَوْمِهِ: {أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ} [يس: ٢٣].
-تَخْفِيفُ أَهْوَالِ الْقِيَامَةِ وَشِدَّتِهَا عَلَى أَوْلِيَائِهِ، فَيُؤَمِّنُ فَزَعَهُمْ بِتَلَقِّي الْمَلَائِكَةِ الْكِرَامِ لَهُمْ بِالْبُشْرَى، قَالَ تَعَالَى: {نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ} [فصلت: ٣١-٣٢].
-إِدْخَالُ أَوْلِيَائِهِ الْجَنَّةَ الَّتِي هِيَ أَثَرٌ مِنْ آثَارِ رَحْمَةِ الرَّحِيمِ، قَالَ تَعَالَى: {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ} [الجاثية: ٣٠].
-إِخْرَاجُ أَهْلِ التَّوْحِيدِ مِنَ النَّارِ؛ فَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ فِي الْحَدِيثِ: «فَيَقُولُ: وَعِزَّتِي وَجَلَالِي، وَكِبْرِيَائِي وَعَظَمَتِي! لَأُخْرِجَنَّ مِنْهَا مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.
وَفِي رِوَايَةٍ: ((أَنَّ اللهَ -عَزَّ وَجَلَّ- يَقُولُ لِلرُّسُلِ: اذْهَبُوا أَوِ انْطَلِقُوا، فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلَةٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِجُوهُ، ثُمَّ يَقُولُ اللهُ: أَنَا الآنَ أُخْرِجُ بِعِلْمِي وَرَحْمَتِي، قال: فَيُخْرِجُ أَضْعَافَ مَا أَخْرَجُوا وَأَضْعَافَهُ، فَيُكْتَبُ فِي رِقَابِهِمْ: عُتَقَاءُ اللهِ، ثُمَّ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ، فَيُسَمَّوْنَ فِيهَا: الجُهَنَّمِيِّينَ)). أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَصَحَّحَهُ لِغَيْرِهِ الْأَلْبَانِيُّ فِي ((السِّلْسِلَةِ الصَّحِيحَةِ)).
وَبَعْدَ هَذَا فَلَا بُدَّ أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ رَحْمَتَهُ -جَلَّ جَلَالُهُ- فِي غَايَةِ الْكَمَالِ وَالْجَلَالِ، فَلَا ضَعْفَ مَعَهَا وَلَا عَجْزَ، بَلْ رَحْمَةٌ مَعَ عِزَّةٍ وَقُوَّةٍ وَقُدْرَةٍ تَامَّةٍ، قَالَ تَعَالَى: {ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} [السجدة: ٦].
*الْأَثَرُ الثَّانِي: دَلَالَةُ اسْمَيِ اللهِ (الرَّحْمَنِ) وَ(الرَّحِيمِ) عَلَى التَّوْحِيدِ:
اسْمَا اللهِ (الرَّحْمَنُ) وَ(الرَّحِيمُ) دَالَّانِ عَلَى أَنْوَاعِ التَّوْحِيدِ الثَّلَاثَةِ: الرُّبُوبِيَّةِ، وَالْأُلُوهِيَّةِ، وَالْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ.
وَبَيَانُ ذَلِكَ: أَنَّ اسْمَيِ اللهِ (الرَّحْمَنَ) وَ(الرَّحِيمَ) وَمَا وَرَدَ فِيهِمَا مِنَ النُّصُوصِ الْمُتَكَاثِرَةِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ دَالَّةٌ عَلَى إِثْبَاتِ صِفَةِ الرَّحْمَةِ للهِ -عَزَّ وَجَلَّ-، وَهِيَ صِفَةُ كَمَالٍ لَائِقَةٌ بِذَاتِ الرَّبِّ -عَزَّ وَجَلَّ-، كَمَا هُوَ الْحَالُ فِي سَائِرِ صِفَاتِهِ، قَالَ تَعَالَى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: ١١]، وَلَا يَجُوزُ نَفْيُهَا، أَوْ تَأْوِيلُهَا، أَوْ تَحْرِيفُهَا، أَوْ تَكْيِيفُهَا، وَهَذَا هُوَ تَوْحِيدُ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ.
فَإِذَا تَقَرَّرَ اتِّصَافُ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ- بِالرَّحْمَةِ، وَتَيَقَّنَ الْعَبْدُ ذَلِكَ، وَتَأَمَّلَهُ؛ وَجَدَ أَنَّ الْخَلْقَ إِنَّمَا وُجِدُوا بِرَحْمَةِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَإِنَّمَا جُلِبَتِ النِّعَمُ لَهُمْ بِرَحْمَتِهِ، وَدُفِعَتْ عَنْهُمُ النِّقَمُ بِرَحْمَتِهِ، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِنَ الْخَلْقِ نَفْعٌ وَلَا ضُرٌّ فِي الْعَاجِلِ وَلَا الْآجِلِ، قَالَ تَعَالَى: {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [يونس: ١٠٧]، وَعَلِمَ بِهَذَا أَنَّ الرَّحْمَنَ الرَّحِيمَ هُوَ الرَّبُّ الْوَاحِدُ الْمُسْتَحِقُّ لِجَمِيعِ أَنْوَاعِ الْعِبَادَةِ، وَأَنْ يُفْرَدَ بِالْمَحَبَّةِ، وَالْخَوْفِ، وَالرَّجَاءِ، وَالتَّعْظِيمِ، وَالتَّوَكُّلِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الطَّاعَاتِ، قَالَ تَعَالَى: {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} [الحشر: ٢٢].
وَقَالَ -سُبْحَانَهُ-: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} [البقرة: ١٦٣].
قَالَ الشَّيْخُ السَّعْدِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ-: «فَفِي هَذِهِ الْآيَةِ إِثْبَاتُ وَحْدَانِيَّةِ الْبَارِي وَإِلَهِيَّتِهِ، وَتَقْرِيرُهَا بِنَفْيِهَا عَنْ غَيْرِهِ مِنَ الْمَخْلُوقِينَ، وَبَيَانُ أَصْلِ الدَّلِيلِ عَلَى ذَلِكَ، وَهُوَ إِثْبَاتُ رَحْمَتِهِ الَّتِي مِنْ آثَارِهَا وُجُودُ جَمِيعِ النِّعَمِ، وَانْدِفَاعُ جَمِيعِ النِّقَمِ، فَهَذَا دَلِيلٌ إِجْمَالِيٌّ عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ -تَعَالَى-».
الْأَثَرُ الثَّالِثُ: الرَّجَاءُ وَالتَّعَلُّقُ بِرَحْمَةِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
إِذَا نَظَرَ الْإِنْسَانُ فِي سَعَةِ رَحْمَةِ اللهِ وَعَظَمَتِهَا؛ أَثْمَرَ ذَلِكَ فِي نَفْسِهِ الرَّجَاءَ، وَعَدَمَ الْيَأْسِ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ وَمَغْفِرَتِهِ؛ إِذْ إِنَّهُ -سُبْحَانَهُ- عَلِمَ ضَعْفَ عِبَادِهِ، وَعَجْزَهُمْ، وَسَرَعَانَ سُقُوطِهِمْ، وَاغْتِرَارَهُمْ، وَانْحِرَافَهُمْ عَنِ الصِّرَاطِ؛ لَا سِيَّمَا أَنَّ نُفُوسَهُمْ رُكِّبَ فِيهَا الْمَيْلُ لِلشَّهَوَاتِ، وَتَسَلَّطَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ، وَقَعَدَ لَهُمْ بِالْمِرْصَادِ، يَأْخُذُ عَلَيْهِمْ كُلَّ طَرِيقٍ، وَيَجْلِبُ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِهِ وَرَجِلِهِ، وَيَجِدُّ كُلَّ الْجِدِّ فِي إِضْلَالِهِمْ وَإِيقَاعِهِمْ فِي السُّوءِ؛ فَلَا خَلَاصَ لَهُمْ مِنَ الذُّنُوبِ وَالزَّلَّاتِ، وَكُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ.
فَلَمَّا عَلِمَ -سُبْحَانَهُ- ذَلِكَ كُلَّهُ مِنْ خَلْقِهِ؛ رَحِمَهُمْ بِفَتْحِ أَبْوَابِ التَّوْبَةِ وَالْمَغْفِرَةِ لَهُمْ؛ وَلَوْ أَسْرَفُوا فِي الذُّنُوبِ مَا أَسْرَفُوا، وَظَنُّوا أَنَّهُمْ طُرِدُوا وَانْتَهَوْا، وَلَمْ يَعُدْ يُقْبَلُ مِنْهُمْ وَلَا يُسْتَقْبَلُ، قَالَ تَعَالَى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر: ٥٣].
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَوْ يَعْلَمُ المُؤْمِنُ مَا عِنْدَ اللهِ مِنَ العُقُوبَةِ مَا طَمِعَ بِجَنَّتِهِ أَحَدٌ، وَلَوْ يَعْلَمُ الكَافِرُ مَا عِنْدَ اللهِ مِنَ الرَّحْمَةِ مَا قَنَطَ مِنْ جَنَّتِهِ أَحَدٌ»، وَذَكَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قِصَّةَ الرَّجُلِ الَّذِي قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا، ثُمَّ كَمَّلَ الْمِائَةَ بِقَتْلِ الْعَابِدِ، وَمَعَ ذَلِكَ أَدْرَكَتْهُ رَحْمَةُ اللهِ وَمَغْفِرَتُهُ.
قَالَ الشَّوْكَانِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ- فِي آيَةِ الزُّمَرِ: «وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ أَرْجَى آيَةٍ فِي كِتَابِ اللهِ -سُبْحَانَهُ-؛ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى أَعْظَمِ بِشَارَةٍ؛ فَإِنَّهُ أَوَّلًا أَضَافَ الْعِبَادَ إِلَى نَفْسِهِ لِقَصْدِ تَشْرِيفِهِمْ، وَمَزِيدِ تَبْشِيرِهِمْ، ثُمَّ وَصَفَهُمْ بِالْإِسْرَافِ فِي الْمَعَاصِي، وَالِاسْتِكْثَارِ مِنَ الذُّنُوبِ، ثُمَّ عَقَّبَ ذَلِكَ بِالنَّهْيِ عَنِ الْقُنُوطِ مِنَ الرَّحْمَةِ لِهَؤُلَاءِ الْمُسْتَكْثِرِينَ مِنَ الذُّنُوبِ؛ فَالنَّهْيُ عَنِ الْقُنُوطِ لِلْمُذْنِبِينَ غَيْرِ الْمُسْرِفِينَ مِنْ بَابِ الْأَوْلَى..».
كَمَا أَنَّ مُلَاحَظَةَ رَحْمَةِ اللهِ وَسَعَتِهَا تُثْمِرُ الْأَمَلَ فِي النُّفُوسِ الْمَكْرُوبَةِ، وَتَبُثُّ فِيهَا الرُّوحَ وَحُسْنَ الظَّنِّ بِالرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَانْتِظَارَ الْفَرَجِ بَعْدَ الشِّدَّةِ؛ لِذَا قَالَ إِبْرَاهِيمُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- مُتَذَكِّرًا رَحْمَةَ اللهِ مَعَ أَنَّ أَسْبَابَ الْوَلَدِ مَعْدُومَةٌ: {وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ} [الحجر: ٥٦].
وَقَالَ يَعْقُوبُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- مَعَ أَنَّ عَوْدَ يُوسُفَ إِلَيْهِ أَشْبَهُ بِالْمُحَالِ: {فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [يوسف: ٦٤].
وَقَالَ: {يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} [يوسف: ٨٧].
وَضِدُّ مَا سَبَقَ مِنَ الْأَمَلِ وَالرَّجَاءِ: الْقُنُوطُ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ، وَالْيَأْسُ مِنْ رَوْحِهِ، وَهُمَا مِنْ كَبَائِرِ الذُّنُوبِ، قَالَ تَعَالَى: {قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ} [الحجر: ٥٦]، وقال سُبْحَانَهُ: {وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} [يوسف: ٨٧].
فَعَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَحْذَرَ مِنْ أَنْ يَتَسَلَّلَ الْيَأْسُ إِلَيْهِ، وَيُنْسِيَهُ رَحْمَةَ أَرْحَمِ الرَّاحِمِينَ.
الْأَثَرُ الرَّابِعُ: عَدَمُ الِاغْتِرَارِ بِرَحْمَةِ اللهِ:
إِذَا تَيَقَّنَ الْعَبْدُ رَحْمَةَ رَبِّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَسَعَتَهَا؛ فَلَا بُدَّ أَنْ يَضُمَّ لِهَذَا الْعِلْمِ عِلْمًا آخَرَ، وَهُوَ: أَنَّهُ -سُبْحَانَهُ- شَدِيدُ الْعِقَابِ، شَدِيدُ الْمِحَالِ، ذُو الْبَطْشِ الشَّدِيدِ وَالْعَذَابِ الْأَلِيمِ، قَالَ تَعَالَى: {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ} [الحجر: ٤٩-٥٠].
فَإِذَا عَلِمَ الْعَبْدُ هَذَا لَمْ يَغْتَرَّ بِرَحْمَةِ اللهِ، بَلْ جَمَعَ بَيْنَ رَجَاءِ الرَّحْمَةِ وَخَوْفِ الْعِقَابِ، كَمَا جَمَعَ اللهُ بَيْنَهُمَا فِي كِتَابِهِ وَعَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ ﷺ، قَالَ تَعَالَى: {إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} [الأنعام: ١٦٥].
وَقَالَ -سُبْحَانَهُ-: {اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [المائدة: ٩٨].
وَقَالَ تَعَالَى: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ} [الرعد: ٦]. إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- مَرْفُوعًا: «لَوْ يَعْلَمُ المُؤْمِنُ مَا عِنْدَ اللهِ مِنَ العُقُوبَةِ مَا طَمِعَ بِجَنَّتِهِ أَحَدٌ، وَلَوْ يَعْلَمُ الكَافِرُ مَا عِنْدَ اللهِ مِنَ الرَّحْمَةِ مَا قَنَطَ مِنْ جَنَّتِهِ أَحَدٌ».
قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ -رَحِمَهُ اللهُ-: «وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ؛ فَتَارَةً يَدْعُو عِبَادَهُ إِلَيْهِ بِالرَّغْبَةِ، وَصِفَةِ الْجَنَّةِ، وَالتَّرْغِيبِ فِيمَا لَدَيْهِ، وَتَارَةً يَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ بِالرَّهْبَةِ، وَذِكْرِ النَّارِ، وَأَنْكَالِهَا، وَعَذَابِهَا، وَالْقِيَامَةِ وَأَهْوَالِهَا، وَتَارَةً بِهَذَا وَبِهَذَا؛ لِيَنْجَعَ فِي كُلٍّ بِحَسَبِهِ».
الْأَثَرُ الْخَامِسُ: مَحَبَّةُ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَالْحَيَاءُ مِنْهُ.
إِذَا تَأَمَّلَ الْعَبْدُ فِي اسْمَيِ اللهِ (الرَّحْمَنِ) وَ(الرَّحِيمِ)، وَنَظَرَ فِي آثَارِ رَحْمَتِهِ الَّتِي لَمْ تَزَلْ سَارِيَةً فِي الْوُجُودِ، مَالِئَةً لِلْمَوْجُودِ، تَنْزِلُ بِهَا الْخَيْرَاتُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَتَتَوَالَى بِهَا النِّعَمُ عَلَى الْعِبَادِ وَالْفَوَاضِلُ فِي السِّرِّ وَالْجَهَارِ، وَرَحْمَتُهُ سَبَقَتْ غَضَبَهُ وَغَلَبَتْهُ، وَالْعَطَاءُ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنَ الْمَنْعِ؛ قَادَهُ ذَلِكَ كُلُّهُ إِلَى مَحَبَّتِهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-؛ إِذِ النُّفُوسُ جُبِلَتْ عَلَى مَحَبَّةِ مَنْ يُحْسِنُ إِلَيْهَا، وَيَرْفُقُ بِهَا وَيَعْطِفُ؛ فَكَيْفَ لَا تُحِبُّ مَنْ أَفَاضَ عَلَيْهَا مِنْ رَحْمَتِهِ وَعَطْفِهِ وَنِعَمِهِ مَا يَفُوقُ الْحَصْرَ وَالْعَدَّ؟!
كَمَا يَقُودُهُ -أَيْضًا- إِلَى الْحَيَاءِ مِنْهُ وَالْخَجَلِ؛ إِذْ كَيْفَ يَعْصِي مَنْ يُحْسِنُ إِلَيْهِ بِرَحْمَتِهِ، وَلَوْلَا إِحْسَانُهُ وَنِعْمَتُهُ مَا اسْتَطَاعَ أَنْ يَعْصِيَهُ؟! وَكَيْفَ يَعْصِي مَنْ هُوَ عَلَى أَخْذِهِ وَعِقَابِهِ قَادِرٌ؛ إِلَّا إِنَّهُ يُمْهِلُهُ، وَيَحْلُمُ عَلَيْهِ بِرَحْمَتِهِ؟!
الْأَثَرُ السَّادِسُ: السَّعْيُ لِفِعْلِ الْأَسْبَابِ الْجَالِبَةِ لِرَحْمَةِ اللهِ -تَعَالَى-.
كَتَبَ اللهُ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ، وَبَيَّنَ أَنَّهَا وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ؛ إِلَّا إِنَّهُ جَعَلَ لَهَا أَسْبَابًا إِذَا قَامَ بِهَا الْعَبْدُ كَانَتْ أَقْرَبَ إِلَيْهِ وَأَسْرَعَ، وَحَظُّهُ مِنْهَا أَكْبَرَ؛ لَا سِيَّمَا الرَّحْمَةُ الْخَاصَّةُ، وَبِالْمُقَابِلِ جَعَلَ أَسْبَابًا لِلْحِرْمَانِ مِنْهَا، إِذَا قَامَ بِهَا الْعَبْدُ أَغْلَقَ عَلَى نَفْسِهِ بَابَ الرَّحْمَةِ، وَحَرَمَ نَفْسَهُ مِنْ رَحْمَةِ أَرْحَمِ الرَّاحِمِينَ.
أَسْبَابُ نَيْلِ رَحْمَةِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كَثِيرَةٌ وَمُتَعَدِّدَةٌ، وَمِنْهَا:
-طَاعَةُ اللهِ وَرَسُولِهِ، قَالَ تَعَالَى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [آل عمران: ١٣٢].
وَقَالَ تَعَالَى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [النور: ٥٦].
-وَمِنْ أَسْبَابِ نَيْلِهَا: تَقْوَى اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ-، قَالَ تَعَالَى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الحجرات: ١٠].
-وَمِنْ أَسْبَابِ نَيْلِ رَحْمَةِ اللهِ: إِقَامَةُ الصَّلَاةِ، وَأَدَاءُ الزَّكَاةِ، قَالَ تَعَالَى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [النور: ٥٦].
-الْإِنْفَاقُ فِي سَبِيلِ اللهِ، قَالَ تَعَالَى: {وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [التوبة: ٩٩].
-وَمِنَ الْأَسْبَابِ: الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ، قَالَ تَعَالَى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [التوبة: ٧١].
-التَّوَكُّلُ عَلَى اللهِ، قَالَ تَعَالَى: {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا} [النساء: ١٧٥].
-الِاسْتِغْفَارُ وَالتَّوْبَةُ، قَالَ -عَزَّ وَجَلَّ- عَلَى لِسَانِ صَالِحٍ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-: {قَالَ يَاقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [النمل: ٤٦].
-الْإِحْسَانُ فِي عِبَادَةِ اللهِ، وَإِلَى عِبَادِ اللهِ، قَالَ تَعَالَى: {إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} [الأعراف: ٥٦] (١).
-الِاسْتِمَاعُ وَالْإِنْصَاتُ لِلْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، قَالَ -عَزَّ وَجَلَّ-: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الأعراف: ٢٠٤].
-وَمِنْ أَسْبَابِ الْفَوْزِ بِرَحْمَةِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: صِلَةُ الرَّحِمِ؛ فَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «قَالَ اللهُ: أَنَا الرَّحْمَنُ، خَلَقْتُ الرَّحِمَ، وَشَقَقْتُ لَهَا مِنِ اسْمِي اسْمًا، فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلْتُهُ، وَمَنْ قَطَعَهَا بَتَتُّهُ».
وَ((بَتَتُّهُ)) أَيْ: قَطَعْتُهُ.
الْأَثَرُ السَّابِعُ: اتِّصَافُ الْعَبْدِ بِالرَّحْمَةِ:
اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ، وَيُحِبُّ أَنْ يَتَّصِفَ عِبَادُهُ بِالرَّحْمَةِ؛ فَقَدِ امْتَدَحَ بِهَا أَشْرَفَ رُسُلِهِ، فَقَالَ تَعَالَى: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة: ١٢٨]،
وَامْتَدَحَ بِهَا الصَّحَابَةَ، فَقَالَ تَعَالَى: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا} [الفتح: ٢٩]؛ لَا سِيَّمَا أَبُو بَكْرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- الَّذِي قَالَ عَنْهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَادِحًا: «أَرْحَمُ أُمَّتِي بِأُمَّتِي أَبُو بَكْرٍ».
وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مُرَغِّبًا فِيهَا: «وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ».
وَقَالَ: «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا أَهْلَ الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ».
فَعَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَحْرِصَ عَلَى الِاتِّصَافِ بِالرَّحْمَةِ، وَيُجَاهِدَ نَفْسَهُ عَلَى التَّخَلُّقِ بِهَا، وَيَعْلَمَ مَا رَتَّبَ اللهُ عَلَيْهَا مِنَ الثَّوَابِ، وَمَا فِي فَوَاتِهَا مِنْ حِرْمَانِ الثَّوَابِ، فَيَرْغَبُ فِي فَضْلِ رَبِّهِ، وَيَسْعَى بِالسَّبَبِ الَّذِي يَنَالُ بِهِ ذَلِكَ، وَيَعْلَمُ أَنَّ الْجَزَاءَ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ.
الْأَثَرُ الثَّامِنُ: الدُّعَاءُ بِاسْمَيِ اللهِ (الرَّحْمَنِ) وَ(الرَّحِيمِ):
الدُّعَاءُ مِنْ أَعْظَمِ مَا تُدْرَكُ بِهِ الْمَطَالِبُ، وَالَّتِي مِنْ أَجَلِّهَا رَحْمَةُ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ-؛ لَا سِيَّمَا وَأَنَّ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- حَثَّنَا عَلَى سُؤَالِهِ إِيَّاهَا بِصُوَرٍ مُخْتَلِفَةٍ فِي كِتَابِهِ وَعَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ ﷺ، وَمِنْ ذَلِكَ:
أَنَّ اللهَ -عَزَّ وَجَلَّ- بَيَّنَ أَنَّ طَلَبَ الرَّحْمَةِ دَعْوَةُ الْأَنْبِيَاءِ -عَلَيْهِمُ السَّلَامُ-، قَالَ تَعَالَى: {وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [الأنبياء: ٨٣].
وَقَالَ تَعَالَى عَنْ سُلَيْمَانَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-: {وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ} [النمل: ١٩].
وَقَالَ -تَعَالَى- عَنْ دُعَاءِ مُوسَى -عَلَيْهِ السَّلَامُ-: {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [الأعراف: ١٥١].
وَمِنْ دُعَائِهِ -أَيْضًا-: {قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الأعراف: ٢٣].
إِنَّ اللهَ -عَزَّ وَجَلَّ- أَمَرَ رَسُولَهُ ﷺ وَالْأُمَّةَ مِنْ بَعْدِهِ بِسُؤَالِهِ الرَّحْمَةَ، قَالَ تَعَالَى: {وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ} [المؤمنون: ١١٨].
وَبَيَّنَ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- أَنَّ الدُّعَاءَ بِالرَّحْمَةِ دَعْوَةُ عِبَادِهِ النَّاجِينَ مِنْ عَذَابِ اللهِ، قَالَ تَعَالَى: {إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ} [المؤمنون: ١٠٩].
وَعَلَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أُمَّتَهُ سُؤَالَ اللهِ الرَّحْمَةَ فِي يَوْمِهِمْ وَلَيْلَتِهِمْ، وَمِنْ ذَلِكَ:
-مَا رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّهُ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: «عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِي صَلَاتِي)).
قَالَ: قُلْ: ((اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا، وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ؛ فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَارْحَمْنِي؛ إِنَّكَ أَنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
-وَمَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِذَا أَوَى أَحَدُكُمْ إِلَى فِرَاشِهِ فَلْيَنْفُضْ فِرَاشَهُ بِدَاخِلَةِ إِزَارِهِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي مَا خَلَفَهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَقُولُ: بِاسْمِكَ رَبِّ وَضَعْتُ جَنْبِي وَبِكَ أَرْفَعُهُ، إِنْ أَمْسَكْتَ نَفْسِي فَارْحَمْهَا، وَإِنْ أَرْسَلْتَهَا فَاحْفَظْهَا بِمَا تَحْفَظُ بِهِ الصَّالحِينَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
-وَمَا رَوَاهُ أَبُو بَكْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «دَعَوَاتُ المَكْرُوبِ: اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ أَرْجُو؛ فَلَا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ، أَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ». أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَحَسَّنَهُ الْأَلْبَانِيُّ.
-وَمَا رَوَاهُ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: «جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: ((عَلِّمْنِي كَلَامًا أَقُولُهُ)).
قَالَ: قُلْ: ((لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، اللهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، وَالْحَمْدُ لِلهِ كَثِيرًا، سُبْحَانَ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ، قَالَ: فَهَؤُلَاءِ لِرَبِّي؛ فَمَا لِي؟ قَالَ: قُل: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، وَارْحَمْنِي، وَاهْدِنِي، وَارْزُقْنِي». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.
وَبَعْدَ هَذَا فَإِنَّ مِنَ الْأَدَبِ فِي سُؤَالِ اللهِ رَحْمَتَهُ: أَنْ تَسْأَلَ عَلَى سَبِيلِ الْجَزْمِ، لَا التَّعْلِيقِ عَلَى الْمَشِيئَةِ وَالتَّرَدُّدِ؛ فَقَدْ جَاءَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي إِنْ شِئْتَ، لِيَعْزِمِ المَسْأَلَةَ؛ فَإِنَّه لَا مُكْرِهَ لَهُ».
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ-: «إِنَّمَا نَهَى الرَّسُولُ ﷺ عَنْ هَذَا الْقَوْلِ؛ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى فُتُورِ الرَّغْبَةِ، وَقِلَّةِ الِاهْتِمَامِ بِالْمَطْلُوبِ؛ فَإِنَّ هَذَا الْقَوْلَ يَتَضَمَّنُ أَنَّ هَذَا الْمَطْلُوبَ إِنْ حَصَلَ وَإِلَّا اسْتَغْنَى عَنْهُ، وَمَنْ كَانَ هَذَا حَالَهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ مِنْ حَالَتِهِ الِافْتِقَارُ وَالِاضْطِرَارُ الَّذِي هُوَ رُوحُ عِبَادَةِ الدُّعَاءِ، وَدَلِيلٌ عَلَى قِلَّةِ مَعْرِفَتِهِ بِذُنُوبِهِ، وَبِرَحْمَةِ رَبِّهِ، وَأَيْضًا فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ مُوقِنًا بِالْإِجَابَةِ، وَفِي الْحَدِيثِ: ((ادْعُوا اللهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالإِجَابَةِ، واعْلَمُوا أَنَّ اللهَ لَا يَسْتَجِيبُ دُعَاءً مِنْ قَلْبٍ غَافِلٍ لاهٍ)))).
((ابْتِلَاءُ الْمُؤْمِنِ كَالدَّوَاءِ لَهُ))
فَإِنَّ الِابْتِلَاءَ مُرْتَبِطٌ بِحَيَاةِ الْإِنْسَانِ، فَمَا دَامَتْ هُنَاكَ حَيَاةٌ؛ فَهُنَاكَ -حَتْمًا- ابْتِلَاءٌ، وَالْإِنْسَانُ بِتَفْكِيرِهِ الْقَاصِرِ لَا يَعْلَمُ فَوَائِدَ الِابْتِلَاءِ الَّتِي تَعُودُ عَلَيْهِ فِي دِينِهِ وَدُنْيَاهُ، وَفِي آخِرَتِهِ، وَلَا يَعْلَمُ مَدَى حِكْمَةِ اللهِ فِي اخْتِيَارِ ذَلِكَ لَهُ.
قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-: «إِنَّ ابْتِلَاءَ الْمُؤْمِنِ كَالدَّوَاءِ لَهُ، يَسْتَخْرِجُ مِنْهُ الْأَدْوَاءَ الَّتِي لَوْ بَقِيَتْ فِيهِ لَأَهْلَكَتْهُ، أَوْ نَقَصَتْ ثَوَابَهُ وَأَنْزَلَتْ دَرَجَتَهُ؛ فَيَسْتَخْرِجُ الِابْتِلَاءُ وَالِامْتِحَانُ مِنْهُ تِلْكَ الْأَدْوَاءَ، وَيَسْتَعِدُّ بِذَلِكَ إِلَى تَمَامِ الْأَجْرِ، وَعُلُوِّ الْمَنْزِلَةِ».
«يَبْتَلِي اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- الْإِنْسَانَ عَلَى الْمُسْتَوَى الشَّخْصِيِّ فِيمَا يُصِيبُهُ فِي نَفْسِهِ أَوْ فِيمَنْ يُهِمُّهُ، فَيُنْزِلُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- عَلَى النَّاسِ مَا يَشَاءُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- مِنْ ضُرُوبِ الْفِتَنِ وَالْمِحَنِ؛ مِنْ أَجْلِ أَنْ يَبْتَلِيَ صَبْرَهُمْ، وَمِنْ أَجْلِ أَنْ يَعْلَمَ صِدْقَهُمْ.
وَيَأْتِي الِابْتِلَاءُ الِاجْتِمَاعِيُّ فِي هَذَا التَّفَاعُلِ الَّذِي يَكُونُ بَيْنَ الْكَائِنِ الْإِنْسَانِيِّ وَالْكَوَائِنِ الْإِنْسَانِيَّةِ الْأُخْرَى مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ الْإِنْسَانِيَّةِ الَّتِي يُعَاشِرُهَا وَيُعَالِجُهَا وَيُخَالِطُهَا، فَيَأْتِي مَا يَأْتِي مِنْ تِلْكَ الْأُمُورِ الَّتِي يَقَعُ فِيهَا الْبَشَرُ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَحْيَانِ.
ثُمَّ يَأْتِي الِابْتِلَاءُ الْجَمَاعِيُّ الْأُمَمِيُّ عِنْدَمَا يُنْزِلُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- عَلَى بَعْضِ الْأُمَمِ، أَوْ عَلَى بَعْضِ الْجَمَاعَاتِ مِنْ تَجَمُّعَاتِ الْبَشَرِ.. يُنْزِلُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- عَلَيْهِمْ نِقْمَتَهُ وَسَخَطَهُ عِنْدَمَا يَخْرُجُونَ عَنْ أَمْرِهِ؛ لِيَرُدَّهُمُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- إِلَى الْحَقِّ، أَوْ لِيُعَاقِبَهُمْ عَلَى مَا أَسْلَفُوا مِنَ الْإِسَاءَةِ.
إِنَّ حِكْمَةَ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- فِي خَلْقِهِ اقْتَضَتْ أَنْ يَبْتَلِيَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- النَّاسَ بِالضَّرَّاءِ وَالسَّرَّاءِ؛ لِأَنَّ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- عِنْدَمَا يَبْتَلِي الْإِنْسَانَ بِالضُّرِّ وَالشَّرِّ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ يَكُونُ تَقْوِيَةً لِلْإِيمَانِ بِالْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ.
وَيَكُونُ ذَلِكَ الِابْتِلَاءُ جِسْرًا يُوصِلُ إِلَى أَكْمَلِ الْغَايَاتِ، وَهُوَ وَسِيلَةٌ لِلتَّمْكِينِ فِي الْأَرْضِ، وَهُوَ تَمْحِيصٌ لِلْمُؤْمِنِ، وَتَخْلِيصٌ لَهُ مِنَ الشَّوَائِبِ الْمُنَافِيَةِ لِلْإِيمَانِ.
وَهُوَ رَدْعٌ وَتَحْذِيرٌ مِنَ الْغُرُورِ، وَهُوَ رَحْمَةٌ بِالْعُصَاةِ، وَتَخْفِيفٌ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَيْضًا هُوَ إِقَامَةُ حُجَّةِ الْعَدْلِ عَلَى الْخَلْقِ فِي الْأَرْضِ وَعَلَى الْعِبَادِ».
((أَسْرَارُ الْأَمَلِ فِي الْمِحَنِ وَثَمَرَاتُهُ))
فِي الْأَمَلِ سِرٌّ لَطِيفٌ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَا الْأَمَلُ مَا تَهَنَّى لِأَحَدٍ عَيْشٌ، لَوْ لَا أَنَّ الْإِنْسَانَ يَأْمُلُ، وَلَوْ لَا أَنَّ الْإِنْسَانَ عِنْدَهُ أَمَلٌ فِي أَنْ يَحْدُثَ شَيْءٌ مَا تَتَغَيَّرُ بِهِ الْأَحْوَالُ، وَتَسْعَدُ بِهِ الْحَيَاةُ.
لَوْ لَا أَنَّ الْإِنْسَانَ يَأْمُلُ أَنْ يَمُنَّ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- بِتَغْيِيرِ الْأَحْوَالِ مِنَ الصَّعْبِ إِلَى السَّهْلِ، وَمِنَ التَّعْسِيرِ إِلَى التَّيْسِيرِ.
لَوْ لَا هَذَا الْأَمَلُ؛ مَا تَهَنَّى أَحَدٌ بِعَيْشٍ، وَلَا طَابَتْ نَفْسُ إِنْسَانٍ أَنْ يَشْرَعَ فِي عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ الدُّنْيَا؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ الَّذِي يَغْرِسُ غَرْسًا؛ فَهَذَا الْغَرْسُ لَا يُؤْتِي ثَمَرَتَهُ وَلَا أُكُلَهُ إِلَّا بَعْدَ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ.
لَوْ لَا الْأَمَلُ؛ مَا غَرَسَ إِنْسَانٌ غَرْسًا، وَلَا بَنَى أَحَدٌ بَيْتًا؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ عِنْدَمَا يَأْمُلُ أَنْ يَعِيشَ طَوِيلًا، وَيَبْنِيَ بَيْتًا؛ فَإِنَّهُ بِرَجَاءِ أَنْ يُعَمِّرَ هَذَا الْبَيْتَ، وَأَنْ يَعِيشَ فِيهِ سَنَوَاتٍ طِوَالًا.
لَوْ لَا أَنَّهُ قَدِ ارْتَكَزَ فِي نَفْسِهِ الْأَمَلُ؛ مَا بَنَى أَحَدٌ بَيْتًا، وَمَا غَرَسَ أَحَدٌ غَرْسًا، وَمَا عَمِلَ أَحَدٌ عَمَلًا مِنْ أَعْمَالِ هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا.
فَالْأَمَلُ فِيهِ سِرٌّ لَطِيفٌ، وَمِنْ أَجْلِهِ جَعَلَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- هَذِهِ الْحَيَاةَ مَبْنِيَّةً عَلَى هَذَا النَّحْوِ الَّذِي يَحْيَا عَلَيْهِ النَّاسُ؛ وَإِلَّا لَتَوَقَّفَتْ مَعَايِشُ النَّاسِ، وَمَا عَمِلَ أَحَدٌ فِي الْحَيَاةِ عَمَلًا.
فَمَهْمَا اشْتَدَّتْ عَلَى الْمَرْءِ الْمِحْنَةُ؛ فَلَا يَيْأَسُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ -جَلَّ وَعَلَا-؛ «فَإِنَّ الرَّجَاءَ يُوجِبُ لِلْعَبْدِ السَّعْيَ وَالِاجْتِهَادَ فِيمَا رَجَاهُ، وَالْإِيَاسُ يُوجِبُ لَهُ التَّثَاقُلَ وَالتَّبَاطُؤَ، وَأَوْلَى مَا رَجَا الْعِبَادُ: فَضْلُ اللهِ، وَإِحْسَانُهُ، وَرَحْمَتُهُ وَرَوْحُهُ».
قَالَ تَعَالَى: {وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} [يوسف: 87].
وَرَوْحُ اللهِ هُنَا: رَحْمَتُهُ الَّتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ، فَلَا يَجُوزُ الْوُقُوفُ مِنْهَا مَوْقِفَ الْيَأْسِ وَالْقُنُوطِ؛ مَهْمَا اشْتَدَّتْ بِالْإِنْسَانِ الْمِحَنُ، وَتَكَالَبَتْ عَلَيْهِ الرَّزَايَا؛ لِأَنَّ اللهَ -عَزَّ وَجَلَّ- قَادِرٌ عَلَى خَلْقِ الْفَرَجِ، وَتَفْرِيجِ الْكَرْبِ، وَتَبْدِيدِ الْخُطُوبِ، وَالشَّكُّ فِي ذَلِكَ مَدْعَاةٌ لِنِسْبَةِ النَّقْصِ وَالْعَجْزِ إِلَى اللهِ تَعَالَى، وَاعْتِقَادُ ذَلِكَ بِاللهِ -عَزَّ وَجَلَّ- كُفْرٌ بِجَلَالِهِ وَكَمَالِهِ وَعَظِيمِ سُلْطَانِهِ.
وَلَقَدْ نَهَى اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- عَنْ هَذَا الْيَأْسِ وَذَلِكَ الْقُنُوطِ؛ مَهْمَا كَانَتِ الْحَالُ الَّتِي وَصَلَ إِلَيْهَا الْعَبْدُ، وَاسْتَقَرَّتْ فِيهَا الشِّدَّةُ.
قَالَ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ-: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر: 53].
وَقَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ ۚ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ} [الشورى: 28].
لَقَدْ ذَكَرَ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- أَحْوَالًا لِعِبَادِهِ بَلَغَ فِيهَا بَعْضُهُمْ مَبْلَغَ الْحَرَجِ، وَكَادُوا فِيهَا أَنْ يَسْتَسْلِمُوا لِلْيَأْسِ، فَجَاءَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ الْفَرَجُ، وَأَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ بِتَبْدِيدِ الشَّدَائِدِ، وَإِزَالَةِ الْكُرَبِ.
قَالَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم ۖ مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ ۗ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} [البقرة: 214].
بَعْدَ هَذَا الزِّلْزَالِ الَّذِي مَلَأَ قُلُوبَ الْمُؤْمِنِينَ، وَبَعْدَ تِلْكَ الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ الَّتِي رَكِبَتْهُمْ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ؛ جَاءَ نَصْرُ اللهِ، وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
فَأَمَامَ هَذِهِ الْقُدْرَةِ الرَّبَّانِيَّةِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَسَرَّبَ إِلَى النُّفُوسِ الْيَأْسُ، وَلَا أَنْ يَسْتَحْكِمَ فِيهَا الْقُنُوطُ مَا دَامَتْ قُدْرَةُ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ- أَقْوَى مِنْ كُلِّ الشَّدَائِدِ وَالْمِحَنِ، وَمَا دَامَ سُلْطَانُهُ فَوْقَ كُلِّ هَذَا الْوُجُودِ؛ {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم ۖ مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ ۗ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} [البقرة: 214].
«يُخْبِرُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَمْتَحِنَ عِبَادَهُ بِالسَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْمَشَقَّةِ، لَا بُدَّ مِنْ هَذَا الِامْتِحَانِ كَمَا فَعَلَ بِمَنْ قَبْلَهُمْ؛ فَهِيَ سُنَّتُهُ الْجَارِيَةُ الَّتِي لَا تَتَبَدَّلُ وَلَا تَتَغَيَّرُ؛ أَنَّ مَنْ قَامَ بِدِينِهِ وَشَرْعِهِ؛ لَا بُدَّ أَنْ يَبْتَلِيَهُ، فَإِنْ صَبَرَ عَلَى أَمْرِ اللهِ، وَلَمْ يُبَالِ بِالْمَكَارِهِ الْوَاقِفَةِ فِي سَبِيلِهِ؛ فَهُوَ الصَّادِقُ الَّذِي قَدْ نَالَ مِنَ السَّعَادَةِ كَمَالَهَا، وَمِنَ السِّيَادَةِ آلَتَهَا.
وَمَنْ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللهِ؛ بِأَنْ صَدَّتْهُ الْمَكَارِهُ عَمَّا هُوَ بِصَدَدِهِ، وَثَنَتْهُ الْمِحَنُ عَنْ مَقْصِدِهِ؛ فَهُوَ الْكَاذِبُ فِي دَعْوَى الْإِيمَانِ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ الْإِيمَانُ بِالتَّحَلِّي، وَلَيْسَ الْإِيمَانُ بِالتَّمَنِّي وَمُجَرَّدِ الدَّعَاوَى؛ حَتَّى تُصَدِّقَهُ الْأَعْمَالُ أَوْ تُكَذِّبَهُ.
فَقَدْ جَرَى عَلَى الْأُمَمِ الْأَقْدَمِينَ مَا ذَكَرَ اللهُ عَنْهُمْ: {مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ}؛ أَيِ: الْفَقْرُ، وَالْأَمْرَاضُ فِي أَبْدَانِهِمْ، {وَزُلْزِلُوا} بِأَنْوَاعِ الْمَخَاوِفِ؛ مِنَ التَّهْدِيدِ بِالْقَتْلِ، وَالنَّفْيِ، وَأَخْذِ الْأَمْوَالِ، وَقَتْلِ الْأَحِبَّةِ، وَأَنْوَاعِ الْمَضَارِّ؛ حَتَّى وَصَلَتْ بِهِمُ الْحَالُ وَآلُ بِهِمُ الزِّلْزَالُ إِلَى أَنِ اسْتَبْطَئُوا نَصْرَ اللهِ مَعَ يَقِينِهِمْ بِهِ؛ وَلَكِنْ لِشِدَّةِ الْأَمْرِ وَضِيقِهِ قَالَ: {الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ}؟ فَلَمَّا كَانَ الْفَرَجُ عِنْدَ الشِّدَّةِ -وَكُلَّمَا ضَاقَ الْأَمْرُ اتَّسَعَ-؛ قَالَ تَعَالَى: {أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ}.
فَهَكَذَا كُلُّ مَنْ قَامَ بِالْحَقِّ فَإِنَّهُ يُمْتَحَنُ، فَكُلَّمَا اشْتَدَّتْ عَلَيْهِ وَصَعُبَتْ، إِذَا صَبَرَ وَثَابَرَ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ؛ انْقَلَبَتِ الْمِحْنَةُ فِي حَقِّهِ مِنْحَةً، وَالْمَشَقَّاتُ رَاحَاتٍ، وَأَعْقَبَهُ ذَلِكَ الِانْتِصَارُ عَلَى الْأَعْدَاءِ، وَشِفَاءُ مَا فِي قَلْبِهِ مِنَ الدَّاءِ.
وَهَذِهِ الْآيَةُ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعَالَى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ} [آل عمران: 142].
وَهِيَ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعَالَى: {الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} [العنكبوت: 1-3].
فَعِنْدَ الِامْتِحَانِ يُكْرَمُ الْمَرْءُ أَوْ يُهَانُ».
وَقَالَ رَبُّنَا -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: {قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُم مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ} [الأنعام: 64].
«قُلْ لَهُمْ: اللهُ -سُبْحَانَهُ- يُخَلِّصُكُمْ فِي الظُّلُمَاتِ مِنَ الشَّدَائِدِ، وَمِنَ الظُّلُمَاتِ، وَمِنْ كُلِّ غَمٍّ شَدِيدٍ».
وَقَالَ -عَزَّ وَجَلَّ-: {وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ} [المؤمنون: 88].
«وَهُوَ الَّذِي لَهُ الْقُدْرَةُ الْكَامِلَةُ عَلَى حِمَايَةِ مَنِ احْتَمَى بِهِ، مَنِ اسْتَجَارَ بِهِ فَأَجَارَهُ، كَفَاهُ وَحَمَاهُ، وَمَنْ أَرَادَ بِهِ سُوءًا؛ فَإِنَّهُ لَا يَجِدُ بَعْدَ اللهِ أَحَدًا يُؤَمِّنُهُ فَيَكْفِيهِ وَيَحْمِيهِ، أَوْ يَدْفَعُ عَنْهُ».
وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً؟
قَالَ: «الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الصَّالِحُونَ، ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ، يُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى قَدْرِ دِينِهِ، فَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ صَلَابَةٌ؛ زِيدَ فِي بَلَائِهِ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ؛ خُفِّفَ عَنْهُ، وَمَا يَزَالُ الْبَلاءُ بِالْمُؤْمِنِ حَتَّى يَمْشِيَ عَلَى الْأَرْضِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ.
وَرَوَى الْبُخَارِيُّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مَا يُبَيِّنُ أَنَّ الدُّنْيَا لَمْ تَصْفُ لِأَحَدٍ؛ وَلَوْ نَالَ مِنْهَا مَا عَسَاهُ أَنْ يَنَالَ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُصِبْ مِنْهُ».
وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ عِظَمَ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلَاءِ، وَإِنَّ اللهَ -تَعَالَى- إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السُّخْطُ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ الْأَلْبَانِيُّ.
((الْمِحَنُ جِسْرٌ إِلَى الْجَنَّةِ))
«إِنَّ مِنَ الْجَهْلِ أَنْ يَخْفَى عَلَى الْإنْسَانِ مُرَادُ التَّكْلِيفِ؛ فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ عَلَى عَكْسِ الأَغْرَاضِ، فَيَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ أَنْ يَأْنَسَ بِانْعِكَاسِ الْأَغْرَاضِ، فَإِنْ دَعَا وَسَأَلَ بُلُوغَ غَرَضِهِ؛ تَعَبَّدَ اللهَ بِالدُّعَاءِ، فَإِنْ أُعْطِيَ مُرَادَهُ شَكَرَ، وَإِنْ لَمْ يَنَلْ مُرَادَهُ؛ فَيَنْبَغِي أَنْ يُلِحَّ فِي الطَّلَبِ، مَعَ عِلْمِهِ أَنَّ الدُّنْيَا لَيْسَتْ لِبُلُوغِ الْأَغْرَاضِ، وَلْيَقُلْ لِنَفْسِهِ: {وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} [البقرة: 216].
وَمِنْ أَعْظَمِ الْجَهْلِ: أَنْ يَمْتَعِضَ فِي بَاطِنِهِ لِانْعِكَاسِ أغْرَاضِهِ، وَرُبَّمَا اعْتَرَضَ فِي الْبَاطِنِ، أَوْ رُبَّمَا قَالَ: حُصُولُ غَرَضِي لَا يَضُرُّ، وَدُعَائِي لَمْ يُسْتَجَبْ! وَهَذَا كُلُّهُ دَلِيلٌ عَلَى جَهْلِهِ، وَقِلَّةِ إِيمَانِهِ وَتَسْلِيمِهِ لِلْحِكْمَةِ، وَمَنِ الَّذِي حَصَلَ لَهُ غَرَضٌ ثُمَّ لَمْ يُكَدَّرْ؟!!».
«فَإِذَا تَأَمَّلْتَ حِكْمَتَهُ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- فِيمَا ابْتَلَى بِهِ عِبَادَهُ وَصَفْوَتَهُ بِمَا سَاقَهُمْ بِهِ إِلَى أَجَلِّ الْغَايَاتِ وَأَكْمَلِ النِّهَايَاتِ الَّتِي لَمْ يَكُونُوا يَعْبُرُونَ إِلَيْهَا إِلَّا عَلَى جِسْرٍ مِنَ الِابْتِلَاءِ وَالِامْتِحَانِ.
وَكَانَ ذَلِكَ الْجِسْرُ لِكَمَالِهِ كَالْجِسْرِ الَّذِي لَا سَبِيلَ إِلَى عُبُورِهِمْ إِلَى الْجَنَّةِ إِلَّا عَلَيْهِ، وَكَانَ ذَلِكَ الِابْتِلَاءُ وَالِامْتِحَانُ عَيْنَ الْمَنْهَجِ فِي حَقِّهِمْ وَالْكَرَامَةِ.
فَصُورَتُهُ صُورَةُ ابْتِلَاءٍ وَامْتِحَانٍ، وَبَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَالنِّعْمَةُ وَالْمِنَّةُ؛ فَكَمْ للهِ مِنْ نِعْمَةٍ جَسِيمَةٍ وَمِنَّةٍ عَظِيمَةٍ تُجْنَى مِنْ قُطُوفِ الِابْتِلَاءِ وَالِامْتِحَانِ؟!!
فَتَأَمَّلْ حَالَ أَبِينَا آدَمَ -عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- وَمَا آلَتْ إِلَيْهِ مِحْنَتُهُ؛ مِنَ الِاصْطِفَاءِ وَالِاجْتِبَاءِ، وَالتَّوْبَةِ وَالْهِدَايَةِ، وَرِفْعَةِ الْمَنْزِلَةِ.
وَلَوْ لَا تِلْكَ الْمِحْنَةُ الَّتِي جَرَتْ عَلَيْهِ، وَهِيَ إِخْرَاجُهُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَتَوَابِعُ ذَلِكَ؛ لَمَا وَصَلَ إِلَى مَا وَصَلَ إِلَيْهِ؛ فَكَمْ بَيْنَ حَالَتِهِ الْأُولَى وَحَالَتِهِ الثَّانِيَةِ فِي نِهَايَتِهِ!!
وَتَأَمَّلْ حَالَ أَبِينَا الثَّانِي نُوحٍ ﷺ وَمَا آلَتْ إِلَيْهِ مِحْنَتُهُ وَصَبْرُهُ عَلَى قَوْمِهِ تِلْكَ الْقُرُونَ كُلَّهَا، حَتَّى أَقَرَّ اللهُ عَيْنَهُ، وَأَغْرَقَ أَهْلَ الْأَرْضِ بِدَعْوَتِهِ، وَجَعَلَ الْعَالَمَ بَعْدَهُ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ.
وَجَعَلَهُ خَامِسَ خَمْسَةٍ، وَهُمْ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ، الَّذِينَ هُمْ أَفْضَلُ الرُّسُلِ، وَأَمَرَ رَسُولَهُ وَنَبِيَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ أَنْ يَصْبِرَ كَصَبْرِهِ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِالشُّكْرِ، فَقَالَ: {إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا} [الإسراء: 3]، وَوَصَفَهُ بِكَمَالِ الصَّبْرِ وَالشُّكْرِ.
ثُمَّ تَأَمَّلْ حَالَ أَبِينَا الثَّالِثِ إِبْرَاهِيمَ ﷺ إِمَامِ الْحُنَفَاءِ، وَشَيْخِ الْأَنْبِيَاءِ، وَعَمُودِ الْعَالَمِ، وَخَلِيلِ رَبِّ الْعَالَمِينَ مِنْ بَنِي آدَمَ.
وَتَأَمَّلْ مَا آلَتْ إِلَيْهِ مِحْنَتُهُ وَصَبْرُهُ، وَبَذْلُهُ نَفْسَهُ للهِ تَعَالَى، وَتَأَمَّلْ كَيْفَ آلَ بِهِ بَذْلُهُ للهِ نَفْسَهُ، وَنَصْرُهُ دِينَهُ إِلَى أَنِ اتَّخَذَهُ اللهُ خَلِيلًا لِنَفْسِهِ، وَأَمَرَ رَسُولَهُ وَخَلِيلَهُ مُحَمَّدًا ﷺ أَنْ يَتَّبِعَ مِلَّتَهُ.
وَأُنَبِّهُكَ عَلَى خَصْلَةٍ وَاحِدَةٍ مِمَّا أَكْرَمَهُ اللهُ -تَعَالَى- بِهِ فِي مِحْنَتِهِ بِذَبْحِ وَلَدِهِ؛ فَإِنَّ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- جَازَاهُ عَلَى تَسْلِيمِهِ وَلَدَهُ لِأَمْرِ اللهِ بِأَنْ بَارَكَ فِي نَسْلِهِ وَكَثَّرَهُ؛ حَتَّى مَلَأَ السَّهْلَ وَالْجَبَلَ؛ فَإِنَّ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- لَا يَتَكَرَّمُ عَلَيْهِ أَحَدٌ، وَهُوَ أَكْرَمُ الْأَكْرَمِينَ، فَمَنْ تَرَكَ لِوَجْهِهِ أَمْرًا، أَوْ فَعَلَهُ لِوَجْهِهِ؛ بَذَلَ اللهُ لَهُ أَضْعَافَ مَا تَرَكَهُ مِنْ ذَلِكَ الْأَمْرِ أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً، وَجَازَاهُ بِأَضْعَافِ مَا فَعَلَهُ لِأَجْلِهِ أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً.
فَلَمَّا أُمِرَ إِبْرَاهِيمُ بِذَبْحِ وَلَدِهِ، فَبَادَرَ بِأَمْرِ اللهِ، وَوَافَقَ عَلَيْهِ الْوَلَدُ أَبَاهُ، رِضًا مِنْهُمَا وَتَسْلِيمًا، وَعَلِمَ اللهُ مِنْهُمَا الصِّدْقَ وَالْوَفَاءَ؛ فَدَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ، وَأَعْطَاهُمَا مَا أَعْطَاهُمَا مِنْ فَضْلِهِ.
وَكَانَ مِنْ بَعْضِ عَطَايَاهُ: أَنْ بَارَكَ فِي ذُرِّيَّتِهِمَا؛ حَتَّى مَلَئُوا الْأَرْضَ، فَإِنَّ الْمَقْصُودَ بِالْوَلَدِ: إِنَّمَا هُوَ التَّنَاسُلُ وَتَكْثِيرُ الذُّرِّيَّةِ؛ وَلِهَذَا قَالَ إِبْرَاهِيمُ: {رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ} [الصافات: 100]، وَقَالَ: {رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي} [إبراهيم: 40].
فَغَايَةُ مَا كَانَ يَحْذَرُ وَيَخْشَى مِنْ ذَبْحِ وَلَدِهِ: انْقِطَاعُ نَسْلِهِ، فَلَمَّا بَذَلَ وَلَدَهُ للهِ، وَبَذَلَ الْوَلَدُ نَفْسَهُ؛ ضَاعَفَ اللهُ النَّسْلَ، وَبَارَكَ فِيهِ، وَكَثُرَ حَتَّى مَلَئُوا الدُّنْيَا، وَجَعَلَ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فِي ذُرِّيَّتِهِ خَاصَّةً، وَأَخْرَجَ مِنْهُمْ مُحَمَّدًا ﷺ.
ثُمَّ تَأَمَّلْ حَالَ الْكَلِيمِ مُوسَى -عَلَيْهِ السَّلَامُ- وَمَا آلَتْ إِلَيْهِ مِحْنَتُهُ مِنْ أَوَّلِ وِلَادَتِهِ إِلَى مُنْتَهَى أَمْرِهِ؛ حَتَّى كَلَّمَهُ اللهُ مِنْهُ إِلَيْهِ تَكْلِيمًا، وَكَتَبَ لَهُ التَّوْرَاةَ بِيَدِهِ، وَرَفَعَهُ إِلَى أَعْلَى السَّمَاوَاتِ.
وَاحْتَمَلَ لَهُ مَا لَا يَحْتَمِلُ لِغَيْرِهِ؛ فَإِنَّهُ رَمَى الْأَلْوَاحَ عَلَى الْأَرْضِ حَتَّى تَكَسَّرَتْ، وَأَخَذَ بِلِحْيَةِ نَبِيِّ اللهِ هَارُونَ، وَجَرَّهُ إِلَيْهِ، وَلَطَمَ وَجْهَ مَلَكِ الْمَوْتِ فَفَقَأَ عَيْنَهُ، وَخَاصَمَ رَبَّهُ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ فِي شَأْنِ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَرَبُّهُ يُحِبُّهُ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ، وَلَا سَقَطَ شَيْءٌ مِنْهُ مِنْ عَيْنِهِ، وَلَا سَقَطَتْ مَنْزِلَتُهُ عِنْدَهُ، بَلْ هُوَ الْوَجِيهُ عِنْدَ اللهِ، الْقَرِيبُ.
وَلَوْ لَا مَا تَقَدَّمَ لَهُ مِنَ السَّوَابِقِ، وَتَحَمُّلِ الشَّدَائِدِ وَالْمِحَنِ الْعِظَامِ فِي اللهِ، وَمُقَاسَاةِ الْأَمْرِ الشَّدِيدِ بَيْنَ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ، ثُمَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَمَا آذَوْهُ بِهِ، وَمَا صَبَرَ عَلَيْهِمْ للهِ.. لَوْ لَا ذَلِكَ؛ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ.
ثُمَّ تَأَمَّلْ حَالَ الْمَسِيحِ ﷺ وَصَبْرَهُ عَلَى قَوْمِهِ، وَاحْتِمَالَهُ فِي اللهِ مَا تَحَمَّلَهُ مِنْهُمْ؛ حَتَّى رَفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ، وَطَهَّرَهُ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا، وَانْتَقَمَ مِنْ أَعْدَائِهِ، وَقَطَّعَهُمْ فِي الْأَرْضِ، وَمَزَّقَهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ، وَسَلَبَهُمْ مُلْكَهُمْ وَفَخْرَهُمْ إِلَى آخِرِ الدَّهْرِ.
فَإِذَا جِئْتَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَتَأَمَّلْتَ سِيرَتَهُ مَعَ قَوْمِهِ، وَصَبْرَهُ فِي اللهِ، وَاحْتِمَالَهُ مَا لَمْ يَحْتَمِلْهُ نَبِيٌّ قَبْلَهُ، وَتَلَوُّنَ الْأَحْوَالِ عَلَيْهِ؛ مِنْ سِلْمٍ وَحَرْبٍ، وَغِنًى وَفَقْرٍ، وَخَوْفٍ وَأَمْنٍ، وَإِقَامَةٍ فِي وَطَنِهِ وَظَعْنٍ عَنْهُ، وَتَرْكِهِ للهِ، وَقَتْلِ أَحِبَّائِهِ وَأَوْلِيَائِهِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَأَذَى الْكُفَّارِ لَهُ بِسَائِرِ أَنْوَاعِ الْأَذَى؛ مِنَ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ، وَالسِّحْرِ وَالْكَذِبِ، وَالِافْتِرَاءِ عَلَيْهِ وَالْبُهْتَانِ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ كُلِّهِ صَابِرٌ عَلَى أَمْرِ اللهِ، يَدْعُو إِلَى اللهِ، فَلَمْ يُؤْذَ نَبِيٌّ مَا أُوذِيَ، وَلَمْ يَحْتَمِلْ فِي اللهِ مَا احْتَمَلَهُ، وَلَمْ يُعْطَ نَبِيٌّ مَا أُعْطِيَ.
فَرَفَعَ اللهُ لَهُ ذِكْرَهُ، وَقَرَنَ اسْمَهُ بِاسْمِهِ، وَجَعَلَهُ سَيِّدَ النَّاسِ كُلِّهِمْ، وَجَعَلَهُ أَقْرَبَ الْخَلْقِ إِلَيْهِ وَسِيلَةً، وَأَعْظَمَهُمْ عِنْدَهُ جَاهًا، وَأَسْمَعَهُمْ عِنْدَهُ شَفَاعَةً، وَكَانَتْ تِلْكَ الْمِحَنُ وَالِابْتِلَاءَاتُ عَيْنَ كَرَامَتِهِ، وَهِيَ مِمَّا زَادَهُ اللهُ بِهَا شَرَفًا وَفَضْلًا، وَسَاقَهُ بِهَا إِلَى أَعْلَى الْمَقَامَاتِ.
وَهَذَا حَالُ وَرَثَتِهِ مِنْ بَعْدِهِ، الْأَمْثَلِ فَالْأَمْثَلِ، كُلٌّ لَهُ نَصِيبٌ مِنَ الْمِحْنَةِ، يَسُوقُهُ اللهُ بِهِ إِلَى كَمَالِهِ بِحَسَبِ مُتَابَعَتِهِ لَهُ، وَمَنْ لَا نَصِيبَ لَهُ مِنْ ذَلِكَ؛ فَحَظُّهُ مِنَ الدُّنْيَا حَظُّ مَنْ خُلِقَ لَهَا وَخُلِقَتْ لَهُ، وَجُعِلَ خَلَاقُهُ وَنَصِيبُهُ فِيهَا، فَهُوَ يَأْكُلُ مِنْهَا رَغَدًا، وَيَتَمَتَّعُ فِيهَا حَتَّى يَنَالَهُ نَصِيبُهُ مِنَ الْكِتَابِ، يُمْتَحَنُ أَوْلِيَاءُ اللهِ وَهُوَ فِي دَعَةٍ وَخَفْضِ عَيْشٍ، وَيَخَافُونَ وَهُوَ آمِنٌ، وَيَحْزَنُونَ وَهُوَ وَأَهْلُهُ فِي سُرُورٍ، لَهُمْ شَأْنٌ وَلَهُ شَأْنٌ، وَهُوَ فِي وَادٍ وَهُمْ فِي وَادٍ، هَمُّهُ مَا يُقِيمُ بِهِ جَاهَهُ، وَيَسْلَمُ بِهِ مَالُهُ، وَتُسْمَعُ بِهِ كَلِمَتُهُ، لَزِمَ مِنْ ذَلِكَ مَا لَزِمَ، وَرَضِيَ مَنْ رَضِيَ، وَسَخِطَ مَنْ سَخِطَ.
وَهَمُّهُمْ إِقَامَةُ دِينِ اللهِ، وَإِعْلَاءُ كَلِمَتِهِ، وَإِعْزَازُ أَوْلِيَائِهِ، وَأَنْ تَكُونَ الدَّعْوَةُ لَهُ وَحْدَهُ، فَيَكُونُ هُوَ وَحْدَهُ الْمَعْبُودَ، لَا غَيْرُهُ، وَرَسُولُهُ الْمُطَاعَ لَا سِوَاهُ.
فَلِلَّهِ -سُبْحَانَهُ- مِنَ الْحِكَمِ فِي ابْتِلَائِهِ أَنْبِيَاءَهُ وَرُسُلَهُ وَعِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ مَا تَتَقَاصَرُ عُقُولُ الْعَالَمِينَ عَنْ مَعْرِفَتِهِ، وَهَلْ وَصَلَ مَنْ وَصَلَ إِلَى الْمَقَامَاتِ الْمَحْمُودَةِ وَالنِّهَايَاتِ الْفَاضِلَةِ إِلَّا عَلَى جِسْرِ الْمِحْنَةِ وَالِابْتِلَاءِ؟!
كَذَا الْمَعَالِي إِذَا مَا رُمْتَ تُدْرِكُهَا = فَاعْبُرْ إِلَيْهَا عَلَى جِسْرٍ مِنَ التَّعَبِ».
((فِي كُلِّ مِحْنَةٍ مِنْحَةٌ فِي حَيَاةِ سَادَةِ الْبَشَرِ))
إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ أَشَدُّ النَّاسِ بَلَاءً، وَأَعْظَمُهُمْ صَبْرًا، وَأَكْثَرُهُمْ أَمَلًا وَرَجَاءً فِي رَحْمَةِ اللهِ، وَحَيَاتُهُمْ هِيَ الْأُسْوَةُ، وَأَفْعَالُهُمُ الْقُدْوَةُ، قَالَ رَبُّنَا -جَلَّ وَعَلَا-: {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21].
«لَقَدْ كَانَ لَكُمْ -أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ- فِي أَقْوَالِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَفْعَالِهِ، وَأَخْلَاقِهِ، وَثِقَتِهِ بِاللهِ، وَثَبَاتِهِ فِي الشَّدَائِدِ وَالْمِحَنِ، وَصَبْرِهِ عَلَى الْمَكَارِهِ، وَقِتَالِهِ بِنَفْسِهِ، وَكُلِّ جُزْئِيَّاتِ سُلُوكِهِ فِي الْحَيَاةِ.. لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِ قُدْوَةٌ صَالِحَةٌ، وَخَصْلَةٌ حَسَنَةٌ مِنْ حَقِّهَا أَنْ يُؤْتَسَى وَيُقْتَدَى بِهَا لِمَنْ كَانَ يُؤَمِّلُ مُرْتَقِبًا ثَوَابَ اللهِ، وَيَرْجُو السَّعَادَةَ الْخَالِدَةَ يَوْمَ الدِّينِ، وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا فِي جَمِيعِ الْمَوَاطِنِ بِالسَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ».
وَقَالَ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ-: {أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۖ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} [الأنعام: 90].
«أُولَئِكَ النَّبِيُّونَ هُمُ الْمَخْصُوصُونَ بِالْهِدَايَةِ؛ فَاتَّبِعْ يَا رَسُولَ اللهِ هُدَاهُمْ، وَاسْلُكْ سَبِيلَهُمْ».
أَخْبَرَ اللهُ فِي كِتَابِهِ عَنْ أَمَلِ وَرَجَاءِ إِبْرَاهِيمَ أَنْ يَرْزُقَهُ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- بِالْوَلَدِ الصَّالِحِ، فَكَانَتِ الْبُشْرَى مِنَ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا-، قَالَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: {رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (100) فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ} [الصافات: 100-101].
«قَالَ إِبْرَاهِيمُ الْخَلِيلُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-: رَبِّ هَبْ لِي وَلَدًا مِنْ ذُرِّيَّتِي يَكُونُ صَالِحًا مِنَ الصَّالِحِينَ، يَبْلُغُ أَوَانَ الْحُلُمِ، فَأَجَبْنَا دَعْوَتَهُ، وَبَشَّرْنَاهُ بِابْنٍ يَتَحَلَّى بِالْعَقْلِ وَالْأَنَاةِ، وَضَبْطِ النَّفْسِ، وَقُوَّةِ الْإِرَادَةِ، فَوَلَدَتْ هَاجَرُ الْغُلَامَ الْحَلِيمَ إِسْمَاعِيلَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-».
وَهَذِهِ بُشْرَى الْمَلَائِكَةِ لِإِبْرَاهِيمَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- بِأَنَّ اللهَ سَيَرْزُقُهُ وَلَدًا عَلَى كِبَرِ سِنِّهِ، قَالَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ*إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ*قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ * قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ * قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ * قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ} [الحجر: 51-56].
«وَأَخْبِرْهُمْ يَا رَسُولَ اللهِ الْخَبَرَ الْهَامَّ وَقْتَ دُخُولِ الْمَلَائِكَةِ عَلَى إِبْرَاهِيمَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-، فَقَالُوا لَهُ: نُسَلِّمُ سَلَامًا.
قَالَ إِبْرَاهِيمُ: إِنَّا مِنْكُمْ خَائِفُونَ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَأْكُلُوا الْعِجْلَ السَّمِينَ الَّذِي قَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ، وَلَمْ يَخْطُرْ بِبَالِهِ أَنَّهُمْ مَلَائِكَةٌ لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ؛ إِذْ كَانَ مَظْهَرُهُمْ لَا يُشْعِرُ بِذَلِكَ، وَلَا يَنِمُّ عَلَيْهِ.
قَالَ الرُّسُلُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ لِإِبْرَاهِيمَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- -وَهُوَ يَتَصَوَّرُ أَنَّهُمْ ضَيْفٌ مِنَ الْبَشَرِ-: لَا تَخَفْ مِنَّا، إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِوَلَدٍ ذَكَرٍ، غُلَامٍ فِي صِغَرِهِ، عَلِيمٍ فِي كِبَرِهِ، سَيَأْتِيكَ مِنْ زَوْجِكَ سَارَّةَ، وَهُوَ إِسْحَاقُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-، فَنَحْنُ مَلَائِكَةٌ، رُسُلٌ مُرْسَلُونَ مِنْ رَبِّكَ؛ لِنُقَدِّمَ لَكَ هَذِهِ الْبِشَارَةَ.
فَلَمَّا بَشَّرُوهُ بِالْوَلَدِ؛ عَجِبَ إِبْرَاهِيمُ مِنْ كِبَرِهِ وَكِبَرِ امْرَأَتِهِ، قَالَ: أَبَشَّرْتُمُونِي بِالْوَلَدِ مَعَ مَسِّ الْكِبَرِ بِي وَالشَّيْخُوخَةِ الْمُضْعِفَةِ عَادَةً عَنِ الْإِنْجَابِ؟!! فَبِأَيِّ سَبَبٍ لَدَيَّ أَمْلِكُهُ يَكُونُ مِنْ آثَارِهِ أَنْ أُنْجِبَ وَلَدًا؛ فَأَنْتُمْ تُبَشِّرُونَنِي بِهِ؟!!
قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ لِإِبْرَاهِيمَ: بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ الثَّابِتِ الَّذِي قَضَاهُ اللهُ، بِأَنْ يُخْرِجَ مِنْكَ وَلَدًا ذَكَرًا تَكْثُرُ ذُرِّيَّتُهُ، وَهُوَ إِسْحَاقُ؛ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْآيِسِينَ مِنَ الْخَيْرِ.
قَالَ إِبْرَاهِيمُ: لَا أَحَدَ يَيْأَسُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ الْجَاهِلُونَ بِقُدْرَةِ اللهِ عَلَى مَا يَشَاءُ، وَخَلْقِ مَا يَشَاءُ».
وَهَذَا يَعْقُوبُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-؛ أُسْوَةٌ وَقُدْوَةٌ فِي أَمَلِهِ وَرَجَائِهِ فِي رَبِّهِ، رَغْمَ مِحْنَتِهِ الشَّدِيدَةِ بِفَقْدِ يُوسُفَ وَأَخِيهِ، وَمِنْحَةُ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- لَهُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- بِرَدِّ أَوْلَادِهِ إِلَيْهِ، «إِنَّ قِصَّةَ يُوسُفَ وَيَعْقُوبَ -عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- مِنْ أَحْسَنِ الْقِصَصِ وَأَوْضَحِهَا؛ لِمَا فِيهَا مِنْ أَنْوَاعِ التَّنَقُّلَاتِ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ؛ مِنْ مِحْنَةٍ إِلَى مِحْنَةٍ، وَمِنْ مِحْنَةٍ إِلَى مِنْحَةٍ وَمِنَّةٍ، وَمِنْ ذُلٍّ إِلَى عِزٍّ، وَمِنْ أَمْنٍ إِلَى خَوْفٍ وَبِالْعَكْسِ، وَمِنْ مِلْكٍ إِلَى رِقٍّ وَبِالْعَكْسِ، وَمِنْ فُرْقَةٍ وَشَتَاتٍ إِلَى انْضِمَامٍ وَائْتِلَافٍ وَبِالْعَكْسِ، وَمِنْ سُرُورٍ إِلَى حُزْنٍ وَبِالْعَكْسِ، وَمِنْ رَخَاءٍ إِلَى جَدْبٍ وَبِالْعَكْسِ، وَمِنْ ضِيقٍ إِلَى سَعَةٍ وَبِالْعَكْسِ، وَمِنْ وُصُولٍ إِلَى عَوَاقِبَ حَمِيدَةٍ؛ فَتَبَارَكَ مَنْ قَصَّهَا وَجَعَلَهَا عِبْرَةً لِأُولِي الْأَلْبَابِ».
قَالَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (83) وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (84) قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ (85) قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (86) يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (87) فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (88) قَالَ هَلْ عَلِمْتُم مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ (89) قَالُوا أَئِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (90) قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ (91) قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [يوسف: 83-92].
«قَالَ نَبِيُّ اللهِ يَعْقُوبُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-: فَصَبْرِي عَلَى الْمُصِيبَةِ الَّتِي نَزَلَتْ صَبْرٌ جَمِيلٌ، لَا شَكْوَى مَعَهُ لِغَيْرِ اللهِ تَعَالَى، وَلَا أَعْمَلُ عَمَلًا لَا يَرْضَى عَنْهُ رَبِّي؛ عَسَى اللهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِيُوسُفَ وَبِنْيَامِينَ وَالْأَخِ الثَّالِثِ الَّذِي أَقَامَ بِمِصْرَ، إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ بِحُزْنِي وَوَجْدِي عَلَيْهِمْ، الْحَكِيمُ بِمَا يُدَبِّرُهُ وَيَقْضِيهِ.
وَابْتَعَدَ يَعْقُوبُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- عَنْ بَنِيهِ، وَاشْتَدَّ بَلَاؤُهُ، وَتَجَدَّدَ حُزْنُهُ عَلَى يُوسُفَ، وَقَالَ: يَا حُزْنِيَ الشَّدِيدَ عَلَى يُوسُفَ دُمْ، وَصَارَ يَبْكِي بُكَاءً كَثِيرًا، وَانْقَلَبَ سَوَادُ عَيْنَيْهِ بَيَاضًا، وَضَعُفَ بَصَرُهُ مِنْ شِدَّةِ الْحُزْنِ، وَكَثْرَةِ الْبُكَاءِ عَلَى يُوسُفَ، فَهُوَ مُمْتَلِئٌ مِنَ الْحُزْنِ، مُمْسِكٌ عَلَيْهِ دَاخِلَ نَفْسِهِ لَا يَبُثُّهُ.
وَلَا يَتَنَافَى هَذَا الْحُزْنُ مَعَ الرِّضَا بِقَضَاءِ اللهِ وَقَدَرِهِ؛ لِأَنَّهُ أَلَمٌ نَفْسِيٌّ غَيْرُ إِرَادِيٍّ، لَا يَمْلِكُ الْإِنْسَانُ دَفْعَهُ وَلَا رَفْعَهُ؛ لَكِنْ يَمْلِكُ أَلَّا يَعْمَلَ أَوْ يَقُولَ مَا لَا يُرْضِي اللهَ -عَزَّ وَجَلَّ-.
فَهُوَ مُطَالَبٌ بِمَا يَمْلِكُ، وَلَا يُؤَاخَذُ عَلَى شَيْءٍ غَيْرِ خَاضِعٍ لِإِرَادَتِهِ.
قَالَ إِخْوَةُ يُوسُفَ لِأَبِيهِمْ يَعْقُوبَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-: تَاللهِ لَا تَزَالُ تَذْكُرُ يُوسُفَ تَفَجُّعًا، وَلَا تَفْتُرُ عَنْ حُبِّهِ، وَيَشْتَدُّ حُزْنُكَ عَلَيْهِ حَتَّى تَكُونَ شَدِيدَ الْمَرَضِ، مُشْرِفًا عَلَى الْهَلَاكِ، فَلَا تَنْتَفِعُ بِنَفْسِكَ، أَوْ تَكُونَ مِنَ الْأَمْوَاتِ بِسَبَبِ شِدَّةِ الْحُزْنِ وَالْهَمِّ وَالْأَسَى.
قَالَ يَعْقُوبُ مُجِيبًا لِأَبْنَائِهِ: مَا أَشْكُو مَا انْطَوَتْ عَلَيْهِ نَفْسِي مِنَ الضَّعْفِ وَالْمَرَضِ وَالْغَمِّ وَالْحَزَنِ إِلَّا إِلَى اللهِ تَعَالَى، لَا إِلَيْكُمْ؛ فَهُوَ وَحْدَهُ كَاشِفُ الضُّرِّ وَالْبَلَاءِ.
وَإِنْ كُنْتُمْ تَلُومُونَنِي عَلَى شَكْوَايَ لِرَبِّي عَلَى حَالِي الَّتِي لَا أَمْلِكُ التَّغْيِيرَ فِيهَا، وَعَلَى حُزْنِي الَّذِي لَا أَمْلِكُ صَرْفَهُ؛ فَإِنِّي أَعْلَمُ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ وَإِحْسَانِهِ وَفَرَجِهِ مَا لَا تَعْلَمُونَهُ أَنْتُمْ، وَسَيَأْتِينِي بِالْفَرَجِ الْقَرِيبِ مِنْ حَيْثُ لَا أَحْتَسِبُ».
«قَالَ يَعْقُوبُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- لِبَنِيهِ: {يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ}؛ أَيِ: احْرِصُوا وَاجْتَهِدُوا عَلَى التَّفْتِيشِ عَنْهُمَا، {وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ}؛ فَإِنَّ الرَّجَاءَ يُوجِبُ لِلْعَبْدِ السَّعْيَ وَالِاجْتِهَادَ فَيمَا رَجَاهُ، وَأَمَّا الْإِيَاسُ؛ فَيُوجِبُ لَهُ التَّثَاقُلَ وَالتَّبَاطُؤَ، وَأَوْلَى مَا رَجَا الْعِبَادُ: فَضْلُ اللهِ وَإِحْسَانُهُ، وَرَحْمَتُهُ وَرَوْحُهُ.
{إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ}: فَإِنَّهُمْ لِكُفْرِهِمْ يَسْتَبْعِدُونَ رَحْمَتَهُ، وَرَحْمَتُهُ بَعِيدَةٌ مِنْهُمْ؛ فَلَا تَتَشَبَّهُوا بِالْكَافِرِينَ.
وَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّهُ بِحَسَبِ إِيمَانِ الْعَبْدِ يَكُونُ رَجَاؤُهُ لِرَحْمَةِ اللهِ وَرَوْحِهِ.
فَذَهَبُوا، فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ قَالُوا مُتَضَرِّعِينَ إِلَيْهِ: {يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ}؛ أَيْ: قَدِ اضْطُرِرْنَا نَحْنُ وَأَهْلُنَا، وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مَدْفُوعَةٍ مَرْغُوبٍ عَنْهَا؛ لِقِلَّتِهَا، وَعَدَمِ وُقُوعِهَا الْمَوْقِعَ، {فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ} مَعَ عَدَمِ وَفَاءِ الْعِوَضِ، وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا بِالزِّيَادَةِ عَنِ الْوَاجِبِ، {إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ} بِثَوَابِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
فَلَمَّا انْتَهَى الْأَمْرُ، وَبَلَغَ أَشُدَّهُ؛ رَقَّ لَهُمْ يُوسُفُ رِقَّةً شَدِيدَةً، وَعَرَّفَهُمْ بِنَفْسِهِ، وَعَاتَبَهُمْ، فَقَالَ: {هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ}؟!!
أَمَّا يُوسُفُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-؛ فَظَاهِرٌ فِعْلُهُمْ فِيهِ، وَأَمَّا أَخُوهُ؛ فَلَعَلَّهُ -وَاللهُ أَعْلَمُ- قَوْلُهُمْ: {إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ}، أَوْ أَنَّ الْحَادِثَ الَّذِي فَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِيهِ هُمُ السَّبَبُ فِيهِ، وَهُمُ الْأَصْلُ الْمُوجِبُ لَهُ.
{إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ}: وَهَذَا نَوْعُ اعْتِذَارٍ لَهُمْ بِجَهْلِهِمْ، أَوْ تَوْبِيخٌ لَهُمْ؛ إِذْ فَعَلُوا فِعْلَ الْجَاهِلِينَ، مَعَ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي وَلَا يَلِيقُ مِنْهُمْ.
فَعَرَفُوا أَنَّ الَّذِي خَاطَبَهُمْ هُوَ يُوسُفُ، فَقَالُوا: {أَئِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا} بِالْإِيمَانِ وَالتَّقْوَى، وَالتَّمْكِينِ فِي الدُّنْيَا، وَذَلِكَ بِسَبَبِ الصَّبْرِ وَالتَّقْوَى، فَـ{إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ}؛ أَيْ: يَتَّقِ فِعْلَ مَا حَرَّمَ اللهُ، وَيَصْبِرْ عَلَى الْآلَامِ وَالْمَصَائِبِ، وَعَلَى الْأَوَامِرِ بِامْتِثَالِهَا، {فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ}؛ فَإِنَّ هَذَا مِنَ الْإِحْسَانِ، وَاللهُ لَا يُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا.
{قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا}؛ أَيْ: فَضَّلَكَ عَلَيْنَا بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، وَمَحَاسِنِ الشِّيَمِ، وَأَسَأْنَا إِلَيْكَ غَايَةَ الْإِسَاءَةِ، وَحَرِصْنَا عَلَى إِيصَالِ الْأَذَى إِلَيْكَ، وَالتَّبْعِيدِ لَكَ عَنْ أَبِيكَ، فَآثَرَكَ اللهُ تَعَالَى، وَمَكَّنَكَ مِمَّا تُرِيدُ، {وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ}؛ وَهَذَا غَايَةُ الِاعْتِرَافِ مِنْهُمْ بِالْجُرْمِ الْحَاصِلِ مِنْهُمْ عَلَى يُوسُفَ.
فَقَالَ لَهُمْ يُوسُفُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- -كَرَمًا وَجُودًا-: {لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ}؛ أَيْ: لَا أُثَرِّبُ عَلَيْكُمْ، وَلَا أَلُومُكُمْ، {يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ}.
فَسَمَحَ لَهُمْ سَمَاحًا تَامًّا، مِنْ غَيْرِ تَعْيِيرٍ لَهُمْ عَلَى ذِكْرِ الذَّنْبِ السَّابِقِ، وَدَعَا لَهُمْ بِالْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ، وَهَذَا نِهَايَةُ الْإِحْسَانِ الَّذِي لَا يَتَأَتَّى إِلَّا مِنْ خَوَاصِّ الْخَلْقِ، وَخِيَارِ الْمُصْطَفَيْنَ».
«هَذِهِ الْمِحْنَةُ الْعَظِيمَةُ الَّتِي امْتَحَنَ اللهُ بِهَا نَبِيَّهُ وَصَفِيَّهُ يَعْقُوبَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-؛ إِذْ قَضَى بِالتَّفْرِيقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ابْنِهِ يُوسُفَ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى فِرَاقِهِ سَاعَةً وَاحِدَةً، وَيُحْزِنُهُ أَشَدَّ الْحَزَنِ، فَتَمَّ لِهَذِهِ الْفُرْقَةِ مُدَّةٌ طَوِيلَةٌ وَيَعْقُوبُ لَمْ يُفَارِقِ الْحُزْنُ قَلْبَهُ، وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ، ثُمَّ ازْدَادَ بِهِ الْأَمْرُ حِينَ اتَّصَلَ فِرَاقُ الِابْنِ الثَّانِي بِالْأَوَّلِ، وَهُوَ فِي ذَلِكَ صَابِرٌ لِأَمْرِ اللهِ، مُحْتَسِبٌ الْأَجْرَ مِنَ اللهِ، وَقَدْ وَعَدَ مِنْ نَفْسِهِ الصَّبْرَ الْجَمِيلَ، وَلَا رَيْبَ أَنَّهُ وَفَّى بِمَا وَعَدَ بِهِ، وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ قَوْلُهُ: {إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ} [يوسف: 86]؛ فَإِنَّ الشَّكْوَى إِلَى اللهِ لَا تُنَافِي الصَّبْرَ، وَإِنَّمَا الَّذِي يُنَافِيهِ الشَّكْوَى إِلَى الْمَخْلُوقِينَ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ اللهَ رَفَعَهُ بِهَذِهِ الْمِحْنَةِ دَرَجَاتٍ عَالِيَةً، وَمَقَامَاتٍ سَامِيَةً لَا تُنَالُ إِلَّا بِمِثْلِ هَذِهِ الْأُمُورِ».
وَهَذَا دُعَاءُ أَيُّوبَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- لِرَبِّهِ أَنْ يَرْفَعَ عَنْهُ الضُّرَّ الَّذِي مَسَّهُ، وَأَمَلُهُ وَقُوَّةُ رَجَائِهِ فِي اللهِ، وَاسْتِجَابَةُ اللهِ لَهُ، قَالَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: {وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ} [الأنبياء: 83- 84].
«وَضَعْ فِي ذَاكِرَتِكَ -أَيُّهَا الْمُتَلَقِّي لِبَيَانِنَا- مَا دَعَا بِهِ أَيُّوبُ رَبَّهُ؛ لِيَرْفَعَ عَنْهُ الضُّرَّ الَّذِي مَسَّهُ، وَطَالَ أَمَدُهُ فِيهِ؛ حَتَّى قَالَ فِي دُعَائِهِ لِرَبِّهِ؛ مُتَوَجِّهًا إِلَيْهِ بِقَلْبِهِ وَنَفْسِهِ: أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ؛ فَاكْشِفْهُ عَنِّي، وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ.
فَأَجَبْنَا دُعَاءَهُ، فَأَزَلْنَا مَا بِهِ مِنْ سُوءِ الْحَالِ فِي جَسَدِهِ، وَرَفَعْنَا عَنْهُ الْبَلَاءَ، وَرَدَدْنَا عَلَيْهِ مَا فَقَدَهُ مِنْ أَهْلِهِ وَأَوْلَادِهِ، وَأَعْطَيْنَاهُ مِثْلَهُمْ مَعَهُمْ.
فَعَلْنَا بِهِ ذَلِكَ؛ رَحْمَةً عَظِيمَةً مِنْ عِنْدِنَا، وَلِيَكُونَ قُدْوَةً لِكُلِّ صَابِرٍ عَلَى الْبَلَاءِ، رَاجٍ رَحْمَةَ رَبِّهِ، مُنْقَادٍ لَهُ سُبْحَانَهُ بِالْعُبُودِيَّةِ وَالتَّذَلُّلِ».
وَقَدْ بَيَّنَ اللهُ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ كِتَابِهِ الْحَالَ الَّتِي أَدْرَكَتْ أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ حَاصَرَهُمُ الْأَحْزَابُ فِي الْمَدِينَةِ، وَهُمْ عِنْدَ الْخَنْدَقِ الَّذِي حَفَرُوهُ؛ لِلدِّفَاعِ عَنْ وُجُودِهِمْ، وَحِمَايَةِ بَلَدِهِمْ مِنْ تَأَلُّبِ الْأَعْدَاءِ عَلَيْهِمْ، وَبَيَّنَ لَوَامِعَ الْبِشْرِ، وَمَسَالِكَ النَّصْرِ الَّذِي آتَاهُمُ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ-؛ قَالَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-: {إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا} [الأحزاب: 10-11].
قَالَ اللهُ -تَعَالَى- فِي تَبْدِيدِ هَذِهِ الْمَخَاوِفِ، وَكَسْرِ عَصَا هَذِهِ الْجُمُوعِ: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا ۚ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا} [الأحزاب: 9].
وَقَالَ -أَيْضًا- فِي هَذَا الشَّأْنِ: {وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا ۚ وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ ۚ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا (25) وَأَنزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا (26) وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَّمْ تَطَئُوهَا ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا} [الأحزاب: 25-27].
فَالزَّلْزَلَةُ وَالِاضْطِرَابُ وَالْخَوْفُ وَبُلُوغُ الرُّعْبِ وَالشِّدَّةِ قُلُوبَ الْعِبَادِ جَائِزٌ عَلَى الْعِبَادِ، أَمَّا الْيَأْسُ وَالْقُنُوطُ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ، وَمِنْ إِدْرَاكِ عِبَادِهِ بِالْفَرَجِ؛ فَحَرَامٌ غَيْرُ جَائِزٍ؛ لِأَنَّ حَالَ الْعَبْدِ غَيْرُ حَالِ الرَّبِّ -جَلَّ وَعَلَا-؛ فَمَا يَعْجِزُ عَنْهُ الْعِبَادُ لَا يَعْجِزُ عَنْهُ خَالِقُهُمْ، وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ، وَهُوَ الْقَادِرُ الْقَدِيرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ.
قَالَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-: {حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاءُ ۖ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ} [يوسف: 110].
وَقَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ} [غافر: 51].
وَقَالَ سُبْحَانَهُ: {ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا ۚ كَذَٰلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنجِ الْمُؤْمِنِينَ} [يونس: 103].
اللهُ -جَلَّ وَعَلَا- أَخْبَرَ أَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا كَثِيرًا؛ فَلْيَكُنِ الْمُسْلِمُ عَلَى أَمَلٍ دَائِمٍ بِتَفْرِيجِ الْكُرُبَاتِ، قَالَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ * فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} [الشرح: 1-6].
«قَدْ فَتَحْنَا لَكَ صَدْرَكَ، وَوَسَّعْنَاهُ لِلْإِيمَانِ وَالنُّبُوَّةِ وَالْحِكْمَةِ، وَجَعَلْنَاهُ مُنْبَسِطًا رَاضِيًا، وَمُتَحَمِّلًا لِأَعْبَاءِ حَمْلِ الرِّسَالَةِ، وَتَبْلِيغِهَا لِلنَّاسِ، وَمُتَحَمِّلًا أَخْلَاقَهُمْ.
وَحَطَطْنَا عَنْكَ مَا أَثْقَلَ ظَهْرَكَ مِنْ هُمُومٍ كُبْرَى لِإِصْلَاحِ قَوْمِكَ، وَإِنْقَاذِ الْبَشَرِيَّةِ مِنْ خَبَائِثِهَا وَظُلْمِهَا وَفَسَادِهَا.
فَبَيَّنَ لَكَ وَسَائِلَ التَّبْلِيغِ، وَأَسَالِيبَ التَّرْبِيَةِ وَالْإِصْلَاحِ، فَأَلْقَى عَنْكَ كُلَّ هُمُومِكَ بِمَا أَوْحَى إِلَيْكَ مِنْ تَعْلِيمَاتٍ وَأَوَامِرَ رَبَّانِيَّةٍ تُوَضِّحُ لَكَ مَنْهَجَ دَعْوَتِكَ.
وَأَعْلَيْنَا لَكَ يَا رَسُولَ اللهِ ذِكْرَكَ الْحَسَنَ؛ إِذْ جَعَلْتُكَ رَسُولًا، وَاسْتَمَرَّ عَطَائِي لَكَ حَتَّى إِذَا ذُكِرْتُ؛ ذُكِرْتَ مَعِي فِي الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ، وَالتَّشَهُّدِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ.
فَإِنَّ مَعَ الشِّدَّةِ الَّتِي أَنْتَ فِيهَا مِنْ جِهَادِ الْمُشْرِكِينَ يُسْرًا وَرَخَاءً عَاجِلًا، فَإِنْ يُظْهِرْكَ اللهُ عَلَيْهِمْ حَتَّى يَنْقَادُوا لِلْحَقِّ الَّذِي جِئْتَهُمْ بِهِ؛ فَذَلِكَ تَيْسِيرٌ مِنْ بَعْدِ التَّعْسِيرِ.
إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا كَثِيرًا كَذَلِكَ؛ فَكُنْ عَلَى أَمَلٍ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَتَلَقَّ الْأَحْدَاثَ الْحَاضِرَةَ الْمُؤْلِمَةَ بِالرِّضَا وَالتَّسْلِيمِ، وَبِنَفْسٍ مُنْشَرِحَةٍ مَشْحُونَةٍ بِالْأَمَلِ فِيمَا سَيَأْتِي، صَابِرَةٍ عَلَى الْعُسْرِ الْوَاقِعِ.
فَالنَّفْسُ الْمَشْحُونَةُ بِأَمَلِ الْيُسْرِ الْقَادِمِ يَضْمُرُ لَدَيْهَا أَلَمُ الْعُسْرِ الْقَائِمِ، وَمُنْتَظِرُ الْفَجْرِ الْقَرِيبِ لَا يَشْعُرُ بِظُلْمَةِ اللَّيْلِ الْقَاتِمِ».
((ابْتِلَاءُ اللهِ عِبَادَهُ بِالسَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ))
إِنَّ اللهَ -جَلَّ وَعَلَا- يَبْتَلِي بِالسَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ، وَبِالْغِنَى وَالْفَقْرِ، وَبِالصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ، وَمَهْمَا كَانَ حَالُ الْعَبْدِ فِي حَالِ ابْتِلَاءٍ، وَهُوَ لَا يَنْفَكُّ عَنْ حَالِ الِابْتِلَاءِ أَبَدًا؛ فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ خَائِفًا مِنَ اللهِ، رَاجِيًا لَهُ، رَاغِبًا رَاهِبًا.
إِنْ نَظَرَ إِلَى ذُنُوبِهِ، وَعَدْلِ اللهِ، وَشِدَّةِ عِقَابِهِ؛ خَشِيَ رَبَّهُ وَخَافَهُ، وَإِنْ نَظَرَ إِلَى فَضْلِهِ الْعَامِّ وَالْخَاصِّ، وَعَفْوِهِ الشَّامِلِ؛ رَجَا وَطَمِعَ.
إِنْ وُفِّقَ لِطَاعَةٍ؛ رَجَا مِنْ رَبِّهِ تَمَامَ النِّعْمَةِ بِقَبُولِهَا، وَخَافَ مِنْ رَدِّهَا بِتَقْصِيرِهِ فِي حَقِّهَا، وَإِنِ ابْتُلِيَ بِمَعْصِيَتِهِ؛ رَجَا مِنْ رَبِّهِ قَبُولَ تَوْبَتِهِ وَمَحْوَهَا، وَخَشِيَ بِسَبَبِ ضَعْفِ التَّوْبَةِ وَالِالْتِفَاتِ لِلذَّنْبِ أَنْ يُعَاقَبَ عَلَيْهَا.
وَعِنْدَ النِّعَمِ وَالْيَسَارِ يَرْجُو اللهَ دَوَامَهَا وَالزِّيَادَةَ مِنْهَا، وَالتَّوْفِيقَ لِشُكْرِهَا، وَيَخْشَى بِإِخْلَالِهِ بِالشُّكْرِ مِنْ سَلْبِهَا.
وَعِنْدَ الْمَكَارِهِ وَالْمَصَائِبِ يَرْجُو اللهَ دَفْعَهَا، وَيَنْتَظِرُ الْفَرَجَ بِحَلِّهَا، وَيَرْجُو -أَيْضًا- أَنْ يُثِيبَهُ اللهُ عَلَيْهَا حِينَ يَقُومُ بِوَظِيفَةِ الصَّبْرِ، وَيَخْشَى مِنِ اجْتِمَاعِ الْمُصِيبَتَيْنِ؛ فَوَاتِ الْأَجْرِ الْمَحْبُوبِ، وَحُصُولِ الْأَمْرِ الْمَكْرُوهِ إِذَا لَمْ يُوَفَّقْ لِلْقِيَامِ بِالصَّبْرِ الْوَاجِبِ.
((الْعُبُودِيَّةُ الْحَقَّةُ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ))
«إِنَّ اللهَ يُرَبِّي عَبْدَهُ عَلَى السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ، وَالنِّعْمَةِ وَالْبَلَاءِ، فَيَسْتَخْرِجُ مِنْهُ عُبُودِيَّتَهُ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ.
فَإِنَّ الْعَبْدَ عَلَى الْحَقِيقَةِ مَنْ قَامَ بِعُبُودِيَّةِ اللهِ عَلَى اخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ، وَأَمَّا عَبْدُ السَّرَّاءِ وَالْعَافِيَةِ الَّذِي يَعْبُدُ اللهَ عَلَى حَرْفٍ، فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ؛ فَلَيْسَ مِنْ عَبِيدِهِ الَّذِينَ اخْتَارَهُمْ لِعُبُودِيَّتِهِ.
فَلَا رَيْبَ أَنَّ الْإِيمَانَ الَّذِى يَثْبُتُ عَلَى مَحَكِّ الِابْتِلَاءِ وَالْعَافِيَةِ هُوَ الْإِيمَانُ النَّافِعُ وَقْتَ الْحَاجَةِ، وَأَمَّا إِيمَانُ الْعَافِيَةِ؛ فَلَا يَكَادُ يَصْحَبُ الْعَبْدَ وَيُبَلِّغُهُ مَنَازِلَ الْمُؤْمِنِينَ، وَإِنَّمَا يَصْحَبُهُ إِيمَانٌ يَثْبُتُ عَلَى الْبَلَاءِ، وَيَثْبُتُ عَلَى الْعَافِيَةِ.
فَالِابْتِلَاءُ كِيرُ الْعَبْدِ، وَمَحَكُّ إِيمَانِهِ؛ فَإِمَّا أَنْ يَخْرُجَ تِبْرًا أَحْمَرَ، وَإِمَّا أَنْ يَخْرُجَ زَغَلًا مَحْضًا، وَإِمَّا أَنْ يَخْرُجَ فِيهِ مَادَّتَانِ: ذَهَبِيَّةٌ، وَنُحَاسِيَّةٌ، فَلَا يَزَالُ بِهِ الْبَلَاءُ حَتَّى يُخْرِجَ الْمَادَّةَ النُّحَاسِيَّةَ مِنْ ذَهَبِهِ، وَيَبْقَى ذَهَبًا خَالِصًا.
فَلَوْ عَلِمَ الْعَبْدُ أَنَّ نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْهِ فِي الْبَلَاءِ لَيْسَتْ بِدُونِ نِعْمَةِ اللهِ عَلَيْهِ فِي الْعَافِيَةِ؛ لَشَغَلَ قَلْبَهُ بِشُكْرِهِ، وَلِسَانَهُ بِقَوْلِهِ: «اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ، وَشُكْرِكَ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ».
وَكَيْفَ لَا يَشْكُرُ مَنْ قَيَّضَ لَهُ مَا يَسْتَخْرِجُ خَبَثَهُ وَنُحَاسَهُ، وَصَيَّرَهُ تِبْرًا خَالِصًا يَصْلُحُ لِمُجَاوَرَتِهِ وَالنَّظَرِ إِلَيْهِ فِي دَارِهِ؟!!».
«فَكَمَا عَلَى الْعَبْدِ عُبُودِيَّةٌ لِرَبِّهِ فِي حَالِ رَخَائِهِ؛ فَعَلَيْهِ عُبُودِيَّةٌ فِي حَالِ الشِّدَّةِ».
((الْفَرَجُ مَعَ اشْتِدَادِ الْكَرْبِ))
«إِنَّ الْفَرَجَ مَعَ اشْتِدَادِ الْكَرْبِ؛ فَإِنَّهُ لَمَّا تَرَاكَمَتِ الشَّدَائِدُ الْمُتَنَوِّعَةُ، وَضَاقَ الْعَبْدُ ذَرْعًا بِحَمْلِهَا؛ فَرَّجَهَا فَارِجُ الْهَمِّ، كَاشِفُ الْغَمِّ، مُجِيبُ دَعْوَةِ الْمُضْطَرِّينَ، وَهَذِهِ عَوَائِدُهُ الْجَمِيلَةُ؛ خُصُوصًا لِأَوْلِيَائِهِ وَأَصْفِيَائِهِ؛ لِيَكُونَ لِذَلِكَ الْوَقْعُ الْأَكْبَرُ، وَالْمَحَلُّ الْأَعْظَمُ، وَلِيَجْعَلَ مِنَ الْمَعْرِفَةِ بِاللهِ وَالْمَحَبَّةِ لَهُ مَا يُوَازِنُ وَيَرْجَحُ بِمَا جَرَى عَلَى الْعَبْدِ بِلَا نِسْبَةٍ».
«فَسُبْحَانَ مَنْ يُنْعِمُ بِبَلَائِهِ، وَيَلْطُفُ بِأَصْفِيَائِهِ، وَهَذَا عُنْوَانُ الْإِيمَانِ، وَعَلَامَةُ السَّعَادَةِ».
وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ أَجمَعِينَ.
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
((جَرِيمَةُ الِانْتِحَارِ))
إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ.
أَمَّا بَعْدُ:
فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.
أَمَّا بَعْدُ:
((حِفْظُ النَّفْسِ مِنْ مَقَاصِدِ الدِّينِ الْعُظْمَى))
فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ بُعِثَ بِأُصُولِ تَشْرِيعٍ جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ عِنْدِ اللَّطِيفِ الْخَبِيرِ {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِير} [الملك: 14]؟!!
بَلَى، يَعْلَمُ.
اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ يَعْلَمُ مَا يَصْلُحُ عَلَيْهِ النَّاسُ، وَمَا يُصْلِحُ النَّاسَ، فَشَرَّعَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ بِحِكْمَتِهِ شَرْعًا حَكِيمًا، لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّطِيفِ الْخَبِيرِ.
جَاءَ النَّبِيُّ ﷺ بِهَذَا الشَّرْعِ الْخَاتَمِ الْحَكِيمِ، لَيْسَ فِيهِ خَلَلٌ، وَلَيْسَتْ بِهِ ثُغْرَةٌ يُمْكِنُ أَنْ يَنْفُذَ إِلَيْهَا أَحَدٌ بِعَقْلٍ أَبَدًا؛ فَيَسْتَدْرِكَ عَلَيْهَا مُسْتَدْرِكٌ بِحَالٍ أَبَدًا؛ لِأَنَّهُ شَرْعٌ تَامٌّ كَامِلٌ، كَمَا قَالَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ فِي مُحْكَمِ التَّنْزِيلِ: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 4].
وَالْعُلَمَاءُ -رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِمْ- يَقُولُونَ: مَقَاصِدُ التَّشْرِيعِ ثَلَاثَةٌ، لَا يَخْرُجُ عَنْهَا مَقْصِدٌ مِنْ مَقَاصِدِ التَّشْرِيعِ:
1- الضَّرُورِيَّاتُ.
2- وَالْحَاجِيَّاتُ.
3- وَالتَّحْسِينِيَّاتُ.
فَأَمَّا الضَّرُورِيَّاتُ: فَهِيَ الَّتِي لَا تَسْتَقِيمُ حَيَاةُ النَّاسِ وَلَا آخِرَتُهُمْ إِلَّا بِهَا وَعَلَيْهَا؛ بِحَيْثُ لَوِ اخْتَلَّ وَاحِدٌ مِنْ تِلْكَ الضَّرُورِيَّاتِ؛ فَسَدَتْ عَلَى النَّاسِ حَيَاتُهُمْ، وَحَصَّلُوا الْخِزْيَ فِيهَا، وَفَسَدَتْ عَلَى النَّاسِ آخِرَتُهُمْ، وَحَصَّلُوا النَّارَ فِيهَا -عِيَاذًا بِاللهِ وَلِيَاذًا بِجَنَابِهِ الرَّحِيمِ-.
ثُمَّ حَصَرَ الْعُلَمَاءُ -رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِمْ- هَذِهِ الضَّرُورِيَّاتِ فِي ضَرُورِيَّاتٍ خَمْسٍ.. ضَرُورِيَّاتٍ خَمْسٍ تَحْصُرُ هَذِهِ الْأُمُورَ الَّتِي لَا يَسْتَغْنِي عَنْهَا النَّاسُ، لَا فِي دِينٍ وَلَا دُنْيَا، وَهِيَ:
1- الدِّينُ.
2- وَالنَّفْسُ.
3- وَالنَّسْلُ.
4- وَالْمَالُ.
5- وَالْعَقْلُ.
ثُمَّ يُبَيِّنُ لَنَا عُلَمَاؤُنَا -رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِمْ- هَذِهِ الْأَشْيَاءَ عَلَى وَجْهِهَا الصِّحِيحِ، فَيَقُولُونَ: إِنَّ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ يَأْتِي بِمَا يُقِيمُ تِلْكَ الضَّرُورِيَّاتِ، ثُمَّ إِنَّ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ يَأْخُذُ عَلَى أَيْدِي النَّاسِ؛ أَنْ يُفْسِدُوا شَيْئًا مِنْ تِلْكَ الضَّرُورِيَّاتِ، فَيَشْرَعُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ أَرْكَانَ الْإِسْلَامِ.
يَشْرَعُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ لَنَا الشَّهَادَتَيْنِ، وَالصَّلَاةَ، وَالزَّكَاةَ، وَالْحَجَّ، وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الْأَرْكَانِ، وَغَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ أَرْكَانِ الْإِيمَانِ.
فَهَذَا هُوَ الدِّينُ، ثُمَّ يَحْفَظُهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ، فَيَشْرَعُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ الْجِهَادَ؛ لِحِفَاظِهِ، وَيَشْرَعُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ حَدَّ الرِّدَّةِ؛ لِحِفَاظِ الدِّينِ.
وَيَشْرَعُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ لَنَا حِفْظَ النَّفْسِ، وَيَحُوطُهَا اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ بِسِيَاجٍ، فَيَجْعَلُ الْقِصَاصَ وَالدِّيَاتِ؛ مِنْ أَجْلِ أَيِّ اعْتِدَاءٍ عَلَى النَّفْسِ.
وَيَشْرَعُ لَنَا رَبُّنَا لِحِفْظِ الضَّرُورِيِّ مِنَ الْمَالِ قَطْعَ الْيَدِ عِنْدَ اسْتِيفَاءِ أَرْكَانِ حَدِّ السَّرِقَةِ، وَيَشْرَعُ لَنَا تَضْمِينَ الْوَلِيِّ عِنْدَمَا يُفْسِدُ غَيْرُ ذِي عَقْلٍ مَالًا مُحْتَرَمًا مَمْلُوكًا مُقَوَّمًا فِي دِينِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
وَيَشْرَعُ لَنَا أَنْ نَحْفَظَ الدِّينَ، وَالنَّسْلَ، وَالْعَقْلَ؛ بِأَنْ يَجْعَلَ حَدَّ الشُّرْبِ قَائِمًا؛ بِحَيْثُ الَّذِي يَغْتَالُ الْعَقْلَ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ دُونَهُ سَدٌّ لَا يُنْفَذُ مِنْهُ.
هَذِهِ الضَّرُورَاتُ لَيْسَتْ سَوَاءً، فَلَيْسَ الَّذِي يُفْسِدُ فِي الدِّينِ كَالَّذِي يَعْدُو عَلَى الْأَنْفُسِ، كَالَّذِي يَعْدُو عَلَى الْأَمْوَالِ، كَالَّذِي يَعْدُو عَلَى الْأَعْرَاضِ.
هَذِهِ الضَّرُورَاتُ لَيْسَتْ جُمْلَةً وَاحِدَةً عَلَى سَوَاءٍ، وَهِيَ فِي أَنْفُسِهَا فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا لَيْسَتْ سَوَاءً.
فَفِي ضَرُورَةِ الدِّينِ لَيْسَتِ الشَّهَادَتَانِ كَمَا يَأْتِي دُونَهُمَا بَعْدُ؛ مِنَ الصَّلَاةِ، أَوِ الزَّكَاةِ، أَوِ الْحَجِّ، أَوِ الصَّوْمِ، أَوْ مَا دُونَ ذَلِكَ.
وَلَيْسَتِ الصَّلَاةُ كَالزَّكَاةِ، أَمْرٌ كَانَ مِنْ رَبِّكَ مَقْضِيًّا، لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ كُلُّهُ عَلَى سَوَاءٍ فِي دِينِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
* ثُمَّ يَشْرَعُ لَنَا رَبُّنَا -جَلَّ وَعَلَا- أَمْرَ الْحَاجِيَّاتِ: وَهِيَ الَّتِي إِذَا فَقَدَهَا النَّاسُ؛ أَصَابَهُمْ مِنَ الْمَشَقَّةِ فِي حَيَاتِهِمْ مَا يَجْعَلُ الْحَيَاةَ غَيْرَ يَسِيرَةٍ؛ وَلَكِنْ لَا يَنْهَدِمُ بِفَقْدِهَا حَيَاةٌ.
فَهَذِهِ الْحَاجِيَّاتُ شَرَعَهَا لَنَا رَبُّنَا -جَلَّ وَعَلَا-.
* ثُمَّ تَأْتِي التَّحْسِينِيَّاتُ بَعْدُ؛ لِكَيْ تَجْعَلَ الْحَيَاةَ رَغْدَةً عَلَى وَتِيرَةٍ سَهْلَةٍ يَسِيرَةٍ مُتَقَبَّلَةٍ عِنْدَ ذَوِي الْفِطَرِ الْمُسْتَقِيمَةِ، وَذَلِكَ كُلُّهُ مِنْ فَضْلِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
أَمَرَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ بِحِفْظِ النَّفْسِ، وَبِحِفْظِ الْعَقْلِ، وَبِحِفْظِ الْمَالِ، وَبِحِفْظِ الْعِرْضِ، وَأَمَرَ بِحِفْظِ الْدِّينِ، وَبِهِ يُحْفَظُ هَذَا كُلُّهُ.
وَلا صَلَاحَ لِلْإِنْسَانِ فِي الْحَيَاةِ إِلَّا بِالْحِفَاظِ عَلَى هَذِهِ الْضَّرُورَاتِ، وَمَا وَرَاءَهَا إِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنَ الْحَاجِيَّاتِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنَ الْتَّحْسِينِيَّاتِ.
((أَدِلَّةُ تَحْرِيمِ قَتْلِ النَّفْسِ مِنَ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ))
عِبَادَ اللهِ! إِنَّ هَذَا الْإِنْسَانَ إِنَّمَا هُوَ مِلْكٌ لِلهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، لَمْ يَخْلُقْهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ عَبَثًا، وَلَمْ يَسْتَخْلِفْهُ فِي الْبَاطِلِ، وَلَنْ يَتْرُكَهُ سُدًى، وَلَمْ يَجْعَلْهُ حُرًّا فِي تَصَرُّفَاتِهِ يَتَصَرَّفُ فِي نَفْسِهِ كَيْفَمَا يَشَاءُ، بَلْ أَوْجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَحْمِيَ نَفْسَهُ، وَأَنْ يَصُونَهَا مِنْ كُلِّ أَوْجُهِ الْهَلَاكِ، وَأَنْ يَصْرِفَ عَنْهَا كُلَّ مَظَاهِرِ الْإِضْرَارِ، قَالَ تَعَالَى: {وَلاَ تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء: 29].
وَقَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [البقرة: 195].
حَرَّمَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ عَلَى الْإِنْسَانِ الْخَبَائِثَ الَّتِي تُؤْذِيهِ، وَأَبَاحَ لَهُ كُلَّ مَا يَنْفَعُهُ وَيَحْمِيهِ، قَالَ تَعَالَى: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ} [المائدة: 4].
وَقَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} [الأعراف: 157].
وَقَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ} [المائدة: 3].
وَأَمَرَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا- هَذَا الْإِنْسَانَ أَنْ يَأْكُلَ وَأَنْ يَشْرَبَ وَأَنْ يَنْتَفِعَ وَأَنْ يَزْدَانَ بِمَا خَلَقَ اللهُ لَهُ مِنْ مَظَاهِرِ الْمُتَعِ وَأَنْوَاعِ الْمَعَارِفِ مِنْ غَيْرِ سَرَفٍ وَلَا مَخِيلَةٍ، قَالَ رَبُّنَا -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ-: {وكُلُواْ وَاشْرَبُوا وَلاَ تُسْرِفُوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ}[الأعراف: 31].
وَقَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ} [الأعراف: 32].
فَأَبَاحَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- الطَّيِّبَاتِ، وَحَرَّمَ الْخَبَائِثَ، وَأَمَرَ بِحِفْظِ النَّفْسِ أَنْ يُعْتَدَى عَلَيْهَا أَوْ أَنْ يُعْتَدَى عَلَى الْجَسَدِ الْإِنْسَانِيِّ فِي عُضْوٍ مِنْهُ.
فَاللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- حَرَّمَ تَحْرِيمًا أَكِيدًا أَنْ يَقْتُلَ الإِنْسَانُ نَفْسَهُ، وَقَدْ جَاءَ مِنْ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- وَفِي سُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ مَا هُوَ كَافٍ شَافٍ.
قَالَ رَبُّنَا -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا * وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانَا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيرًا} [النساء: 29-30].
وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ بِالْبَخْعِ كَمَا تَفْعَلُهُ جَهَلَةُ الْهِنْدِ، أَوْ بِإِلْقَاءِ النَّفْسِ إِلَى الْهَلَكَةِ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا وَرَدَ صَحِيحًا أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ تَأَوَّلَهُ فِي التَّيَمُّمِ لِخَوْفِ الْبَرْدِ، فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ نَبِيُّ الرَّحْمَةِ ﷺ.
{وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ} بِارْتِكَابِ مَا يُؤَدِّي إِلَى قَتْلِهَا، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْأَنْفُسِ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ دِينِهِمْ، فَإِنَّ الْمُؤْمِنِينَ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ.
{إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا}: أَي أَمَرَ بِمَا أَمَرَ وَنَهَى عَمَّا نَهَى؛ لِفَرْطِ رَحْمَتِهِ بِكُمْ.
{وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ}: أَيْ لَا يَقْتُلْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا؛ لِأَنَّكُمْ أَهلُ دِينٍ وَاحِدٍ، فَأَنْتُمْ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ، هَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-.
وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّ هَذَا نَهْيٌ عَنْ قَتْلِ الْإِنْسَانِ نَفْسَهُ، وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ هَذَا أَنَّ عَمْرَو بنَ الْعَاصِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: ((احْتَلَمْتُ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ السَّلَاسِلِ، فَأَشْفَقْتُ أَنْ أَغْتَسِلَ فَأَهْلِكَ، فَتَيَمَّمْتُ، ثُمَّ صَلَّيْتُ بِأَصْحَابِي الصُّبْحَ)).
فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: ((يَا عَمْرُو! صَلَّيْتَ بِأَصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ؟))
الْمَاءُ حَاضِرٌ وَهُوَ عَلَيْهِ قَادِرٌ؛ وَلَكِنَّهُ خَشِيَ الْمَرَضَ أَوِ الْمَوْتَ مِنْ شِدَّةِ الْبَرْدِ، وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَا يُسَخِّنُ بِهِ الْمَاءَ، فَتَيَمَّمَ، وَصَلَّى بِهِمْ إِمَامًا.
فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((يَا عَمْرُو! صَلَّيْتَ بِأَصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ؟!))
قَالَ: ((فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي مَنَعَنِي مِنَ الِاغْتِسَالِ، فَأَشْفَقْتُ أَنْ أَغْتَسِلَ فَأَهْلِكَ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ، وَقُلْتُ -أَيْ: بَعْدَ أَنْ أَخْبَرَهُ بِالَّذِي مَنَعَهُ مِنَ الِاغْتِسَالِ- وَقُلْتُ: إِنِّي سَمِعْتُ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ: {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء: 29].
فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا)).
هَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَانْفَرَدَ بِه، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ دَلَّ عَلَى أَنَّ عَمْرًا -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- تَأَوَّلَ هَذِهِ الْآيَةَ هَلَاكَ نَفْسِهِ، لَا نَفْسِ غَيْرِهِ، وَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ.
وَنَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ ﷺ الَّذِي أَرْسَلَهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ، بِالْعِلْمِ النَّافِعِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ، يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ وَإِلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ؛ حَذَّرَ وَرَهَّبَ مِنْ قَتْلِ الْإِنْسَانِ نَفْسَهُ؛ فَعَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ فِي الدُّنْيَا؛ عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، وَقَدْ رَوَى البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ -أَيْضًا-: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ؛ فَهُوَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ يَتَرَدَّى فيه خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ تَحَسَّى سُمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ؛ فَسُمُّهُ فِي يَدِهِ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ؛ فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَجَأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا».
وَعِنْدَ البُخَارِيِّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «الَّذِي يَخْنُقُ نَفْسَهُ يَخْنُقُهَا فِي النَّارِ، وَالَّذِي يَطْعُنُهَا يَطْعُنُهَا فِي النَّارِ».
وَكَذَلِكَ مَنْ فَجَّرَ نَفْسَهُ يُفَجِّرُهَا فِي النَّارِ، مَنْ أَدَّى عَمَلُهُ إِلَى شَيْءٍ يُذْهِبُ حَيَاتَهُ؛ فَهُوَ بِذَلِكَ يَفْعَلُهُ فِي النَّارِ؛ كَمَا قَالَ المُخْتَارُ ﷺ.
وَفِي هَذَا الحَدِيثِ فِي «مُسْنَدِ الإِمَامِ أَحْمَدَ» وَغَيْرِهِ زِيَادَةٌ: «وَالَّذِي يَتَقَحَّمُ فِيهَا يَتَقَحَّمُ فِي النَّارِ».
وَفِي «صَحِيحَيِ البُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ»: عَنِ الحَسَنِ قَالَ: حَدَّثَنَا جُنْدُبٌ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- فِي هَذَا المَسْجِدِ، فَمَا نَسِينَا، وَمَا نَخَافُ أَنْ نَنْسَى، وَمَا نَخَافُ أَنْ يَكْذِبَ جُنْدُبٌ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «كَانَ بِرَجُلٍ جِرَاحٌ فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَقَالَ اللهُ: بَدَرَنِي عَبْدِي بِنَفْسِهِ؛ حَرَّمْتُ عَلَيْهِ اْلجَنَّةَ».
وَرَوَى ابْنُ حِبَّانَ فِي «صَحِيحِهِ»: عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: «أَنَّ رَجُلًا كَانَتْ بِهِ جِرَاحَةٌ، فَأَتَى قَرْنًا لَهُ، فَأَخَذَ مِشْقَصًا فَذَبَحَ بِهِ نَفْسَهُ، فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ». وَهُوَ صَحِيحٌ لِغَيْرِهِ.
يَقُولُ رَبُّنَا -جَلَّ وَعَلَا-: {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ}، وَهَذَا يَشْمَلُ قَتْلَ الإِنْسَانِ نَفْسَهُ، وَقَتْلَهُ لِغَيْرِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَلَا يَجُوزُ لِلإِنْسَانِ أَنْ يَقْتُلَ نَفْسَهُ، بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يُحَافِظَ عَلَى نَفْسِهِ غَايَةَ المُحَافَظَةِ، وَلَا يَمْنَعُ هَذَا أَنَّهُ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَيُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ؛ وَلَوْ تَعَرَّضَ لِلقَتْلِ وَالشَّهَادَةِ، أَمَّا أَنْ يَتَعَمَّدَ قَتْلَ نَفْسِهِ؛ فَهَذَا لَا يَجُوزُ.
وَفِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ فِي بَعْضِ الغَزَوَاتِ كَانَ أَحَدُ الشُّجْعَانِ يُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ مَعَ الرَّسُولِ ﷺ، فَقَالَ النَّاسُ مُثْنِينَ عَلَيْهِ: مَا أَبْلَى مِنَّا أَحَدٌ مِثْلَ مَا أَبْلَى فُلَانٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ مَعَ ذَلِكَ الوَصْفِ: «هُوَ فِي النَّارِ»!!
هَذَا قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ، فَصَعُبَ ذَلِكَ عَلَى الصَّحَابَةِ، كَيْفَ بِمِثْلِ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يُقَاتِلُ وَلَا يَتْرُكُ مِنَ الكُفَّارِ أَحَدًا إلَّا تَبِعَهُ وَقَاتَلَهُ؛ كَيْفَ يَكُونُ فِي النَّارِ؟!!
فَتَبِعَهُ رَجُلٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَرَاقَبَهُ وَتَتَّبَعَهُ، فَجُرِحَ الرَّجُلُ، وَفِي النِّهَايَةِ رَآهُ وَضَعَ غِمْدَ السَّيْفِ عَلَى الأَرْضِ، وَجَعَلَ ذُبَابَةَ السَّيْفِ تَحْتَ ثَدْيِهِ الأَيْسَرِ، ثُمَّ اتَّكَأَ مُتَحَامِلًا عَلَى سَيْفِهِ، فَدَخَلَ السيفُ مِنْ صَدْرِهِ، وَخَرَجَ مِن ظَهْرِهِ؛ فَمَاتَ؛ فَقَالَ الصَّحَابيُّ: صَدَقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَعَرَفُوا أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ لَا يَنْطِقُ عَنِ الهَوَى.
لِمَاذَا دَخَلَ النَّارَ مَعَ هَذَا العَمَلِ؟! وَكَانَ يُجَاهِدُ، لَا يَدَعُ شَاذَّةً وَلَا فَاذَّةً، وَلَمْ يُبْلِ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ مَا أَبْلَاهُ؛ وَمَعَ ذَلِكَ فَلَمَّا انْتَحَرَ -فَلَمَّا قَتَلَ نَفْسَهُ-؛ دَخَلَ النَّارَ -وَالعِيَاذُ بِالعَزِيزِ الغَفَّارِ-، قَتَلَ نَفْسَهُ، وَلَم يَصْبِرْ!!
فَلَا يَجُوزُ لِلإِنْسَانِ أَنْ يَقْتُلَ نَفْسَهُ!!
وَعَنْ أَبِي قِلَابَةَ، أَنَّ ثَابِتَ بْنَ الضَّحَّاكِ الأنصاريَّ أَخْبَرَهُ أَنَّه بَايَعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ تَحْتَ الشَّجَرَةِ، وَأَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: ((مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ بِمِلَّةٍ غَيْرِ الْإِسْلَامِ كاذِبًا مُتَعَمِّدًا فَهُوَ كَمَا قَالَ، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَيْسَ عَلَى رَجُلٍ نَذْرٌ فِيمَا لَا يَمْلِكُ، وَلَعْنُ الْمُؤْمِنِ كَقَتْلِهِ، وَمَنْ رَمَى مُؤْمِنًا بِكُفْرٍ فَهُوَ كَقَتْلِهِ، وَمَنْ ذَبَحَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)). أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْأَلْبَانِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((مِنَ الْمَعْلُومِ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ جَمِيعًا دُونَ خِلَافٍ بَيْنَهُمْ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَنْتَحِرَ انْتِحَارًا؛ بِمَعْنَى خَلَاصًا مِنَ الْمَصَائِبِ؛ مِنْ ضِيقِ ذَاتِ الْيَدِ.. مِنْ مَرَضٍ أَلَمَّ بِهِ، حَتَّى صَارَ مَرَضًا مُزْمِنًا، وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَهَذَا الِانْتِحَارُ لِلْخَلَاصِ مِنْ مِثْلِ هَذِهِ الْأَمُورِ بِلَا شَكٍّ أَنَّهُ مُحَرَّمٌ، وَأَنَّ هُنَاكَ أَحَادِيثَ صَحِيحَةً فِي الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ أَنَّ: مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِسُمٍّ أَوْ نَحَرَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ؛ بِأَنَّهُ لَا يَزَالُ يُعَذَّبُ بِتِلْكَ الْوَسِيلَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
حَتَّى فَهِمَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بِأَنَّ الَّذِي يَنْتَحِرُ يَمُوتُ كَافِرًا؛ لِأَنَّهُ مَا يَفْعَلُ ذَلِكَ إِلَّا وَقَدْ نَقِمَ عَلَى رَبِّهِ -عَزَّ وَجَلَّ- مَا فَعَلَ بِهِ مِنْ مَصَائِبَ لَمْ يَصْبِرْ عَلَيْهَا، الْمُسْلِمُ بِلَا شَكٍّ لَا يَصِلُ بِهِ الْأَمْرُ إِلَى أَنْ يُفَكِّرَ بِالِانْتِحَارِ؛ فَضْلًا عَنْ أَنْ يُنَفِّذَ فِكْرَةَ الِانْتِحَارِ.
وَهُنَا مَثَلٌ لِلْمَوْضُوعِ السَّابِقِ: أَنَّ الْعِلْمَ يَجِبُ أَنْ يَقْتَرِنَ بِهِ الْعَمَلُ، وَإِذَا كَانَ لَيْسَ هُنَاكَ عِلْمٌ صَحِيحٌ فَلَا عَمَلَ صَحِيحٌ، حِينَمَا يَعْلَمُ الْمُسْلِمُ وَيُرَبِّي نَفْسَهُ عَلَى مَا جَاءَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ؛ تَخْتَلِفُ ثَمَرَاتُ انْطِلَاقَاتِهِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَتَخْتَلِفُ أَعْمَالُهُ فِيهَا عَنِ الْآخَرِينَ الَّذِينَ لَا أَقُولُ: لَمْ يُؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ، لَا، آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ؛ وَلَكِنْ مَا عَرَفُوا مَا قَالَ اللهُ وَرَسُولُهُ، فَمِمَّا قَالَهُ ﷺ: ((عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ! إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ حَمِدَ اللهَ وَشَكَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ))، فَأَمْرُ الْمُؤْمِنِ كُلُّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ)).
فَمَنْ أَصَابَهُ مَرَضٌ مُزْمِنٌ، مَنْ أَصَابَهُ فَقْرٌ مُدْقِعٌ وَهُوَ مُؤْمِنٌ مَا بِتِفْرق مَعَهُ -قَالَهَا بِالْعَامِّيَّةِ -رَحِمَهُ اللهُ-- إِنْ كَانَ صَحِيحَ الْبِنْيَةِ أَوْ كَانَ عَلِيلَهَا، إِنْ كَانَ غَنِيَّ الْمَالِ أَوْ كَانَ فَقِيرَهُ مَا بِتِفْرق مَعَهُ؛ لِأَنَّهُ كَمَا يُقَالُ فِي الْأَمْثَالِ الْعَامِّيَّةِ: هُوَ كَالْمِنْشَارِ عَالطَّالِعِ وَعَلَى النَّازِلِ هُوَ مَأْجُورٌ يَأْكُلُ الْحَسَنَاتِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ اللهَ -عَزَّ وَجَلَّ- فَأُثِيبَ خَيْرًا، وَلَوْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، فَمَنِ الَّذِي إِذَنْ يَنْتَحِرُ؟!! هَذَا فِي الْغَالِبِ لَا يَكُونُ مُؤْمِنًا.
فَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ بَيَانٌ مِنَ الْمَعْصُومِ ﷺ أَنَّ قَاتِلَ نَفْسِهِ فِي النَّارِ، وَهُوَ فِي النَّارِ يَقْتُلُ نَفْسَهُ بِالْكَيْفِيَّةِ الَّتِي قَتَلَ بِهَا نَفْسَهُ فِي الدُّنْيَا، وَأَنَّ الِانْتِحَارَ -كَمَا قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ- يُخَلِّدُ مَنْ أَتَى بِهِ.. يُخَلِّدُ صَاحِبَهُ فِي النَّارِ، وَهَذَا أَمْرٌ كَبِيرٌ كَمَا مَرَّتِ الْإِشَارَةُ إِلَى ذَلِكَ فِي كَلَامِ الْعَلَّامَةِ الْأَلْبَانِيِّ: أَنَّ بَعْضَ أَهْلِ الْعِلْمِ يَحْكُمُ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ كَافِرٌ؛ لِأَنَّهُ يُخَلَّدُ فِي النَّارِ -نَسْأَلُ اللهَ السَّلَامَةَ وَالْعَافِيَةَ-.
((أَسْبَابُ الِانْتِحَارِ))
إِنَّ السَّبَبَ الرَّئِيسَ لِلِانْتِحَارِ: هُوَ الْبُعْدُ عَنْ دِينِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، وَضَعْفُ الْإِيمَانِ وَالْعَقِيدَةِ، وَلَيْسَ هُنَالِكَ نِظَامٌ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ يَكُونُ مَوْضُوعًا مِنْ أَذْهَانِ الْبَشَرِ، وَلَا نَاتِجًا مِنَ الْعِلْمِ الْمَادِّيِّ -مَهْمَا بَلَغَ- يُمْكِنُ أَنْ يُرِيحَ الْإِنْسَانَ، وَانْظُرْ إِلَى الْغَرْبِ وَالشَّرْقِ!!
أَعْلَى نِسَبِ الِانْتِحَارِ فِي الدُّوَلِ الَّتِي فِيهَا أَعْلَى نِسَبٍ لِلدَّخْلِ الْفَرْدِيِّ؛ حَتَّى الْعَاطِلِينَ عِنْدَهُمْ لَهُمْ مَا يَقُوتُهُمْ!! هُمْ خَيْرٌ مِنْ غَيْرِهِمُ الَّذِينَ يَسْعُونَ لَيْلًا وَنَهَارًا لِتَحْصِيلِ أَرْزَاقِهِمْ فِي غَيْرِ تِلْكَ الدُّوَلِ الْمُتَقَدِّمَةِ؛ وَمَعَ ذَلِكَ فَيُعَانُونَ مِنَ الْقَلَقِ، وَالْمَصَحَّاتُ النَّفْسِيَّةُ مُنْتَشِرَةٌ عِنْدَهُمُ انْتِشَارًا لَيْسَ لَهُ مَثِيلٌ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ!!
كُلَّمَا كَانَتِ الْحَضَارَةُ وَالْمَدَنِيَّةُ بَعِيدَةً عَنِ التَّمَسُّكِ بِالدِّينِ؛ جَاءَ الْقَلَقُ وَالِاضْطِرَابُ، وَجَاءَتِ الْأَمْرَاضُ النَّفْسِيَّةُ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ الَّتِي تُؤَثِّرُ فِي عَقْلِ الْإِنْسَانِ، وَفِي نَفْسِيَّتِهِ، وَفِي سُلُوكِهِ، وَفِي حَرَكَةِ حَيَاتِهِ.
وَتَأَمَّلْ فِي الْبَدْوِ وَفِي أَحْوَالِهِمْ؛ أَكْثَرُهُمْ لَا يَحْتَاجُ إِلَى الطَّبِيبِ، وَأَكْثَرُهُمْ يُمْضِي عُمُرَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَذْهَبَ إِلَى طَبِيبٍ، مَعَ قُوَّةٍ فِي أَبْدَانِهِمْ وَصِحَّةٍ فِي أَجْسَامِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ عَادُوا إِلَى الْبَدَاوَةِ وَالْفِطْرَةِ.
لَيْسَ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ يَنْبَغِي عَلَى النَّاسِ أَنْ يُطَلِّقُوا الْمَدَنِيَّةَ الْحَدِيثَةَ؛ لَا.. الْأَصْلُ فِيهَا أَنْ تَكُونَ خَاضِعَةً لِـ: قَالَ اللَّهُ، قَالَ رَسُولُهُ، لَا لِلْعُقُولِ الْبَشَرِيَّةِ.
الْعُقُولُ الْبَشَرِيَّةُ لَمَّا تَمَلَّكَتِ الْقُوَّةَ؛ عَاثَتْ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا، وَأَسْلِحَةُ التَّدْمِيرِ الشَّامِلِ كُلُّهَا لَيْسَ لَهَا ضَابِطٌ أَخْلَاقِيٌّ، وَهِيَ تُمِيتُ مَلَايِينَ الْبَشَرِ فِي لَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ، وَتُؤثِّرُ تَأْثِيرَاتٍ غَيْرَ مَحْدُودَةٍ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مَحْكُومَةً بِنِظَامٍ أَخْلَاقِيٍّ عَقَدِيٍّ.
وَمِنْ أَسْبَابِ الِانْتِحَارِ: الِاكْتِئَابُ وَالْحُزْنُ وَالْأَمْرَاضُ النَّفْسِيَّةُ، وَأَمْرَاضُنَا النَّفْسِيَّةُ فِي جُمْلَتِهَا سُلُوكِيَّاتٌ خَاطِئَةٌ.
يَقُولُ النَّفْسِيُّونَ الْمُحْدَثُون: ((إِنَّهُ لَا عُصَابَ فِي الْكِبَرِ إِلَّا بِعُصَابٍ فِي الصِّغَرِ)).
يَعْنِي: الْإِنسَانُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُصَابَ بِالْمَرَضِ النَّفْسِيِّ فِي كِبَرِهِ إِلَّا إِذَا كَانَتْ أُصُولُ هَذَا الْمَرَضِ النَّفْسِيِّ قَدْ تَحَصَّلَ عَلَيْهَا فِي صِغَرِهِ.
وَحَدَّدَهَا زَعِيمُ هَؤُلَاءِ (سِيجْمُونْد فُرُويِد) بِسِتِّ سَنَوَاتٍ؛ فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ السِّتَّ سَنَوَاتٍ الْأُولَى خَطِيرَةٌ جِدًّا فِي حَيَاةِ أَيِّ طِفْلٍ.
* خُطُورَةُ الْقَسْوَةِ فِي الصِّغَرِ عَلَى الصِّحَّةِ النَّفْسِيَّةِ لِلْأَطْفَالِ:
عِنْدَمَا تَأْتِي القَسْوَةُ، وَيَأْتِي الضَّرْبُ فِي هَذِهِ السِّنِّ الْبَاكِرَةِ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ بِمَفْهُومِ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ ﷺ: «مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ».
لَمْ يَأْتِ الضَّرْبُ عَلَى تَرْكِ الصَّلَاةِ -وَلَا شَكَّ أَنَّهُ لَيْسَ هُنَاكَ شَيْءٌ فِي دِينِ اللَّهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- مِنَ الْأُمُورِ الْعَمَلِيَّةِ أَعْظَمَ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ الْكَبِيرِ، وَهُوَ الصَّلَاةُ-.
وَتَرْكُ الصَّلَاةِ هُوَ أَكْبَرُ كَبِيرٍ يُمْكِنُ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ الْإِنْسَانُ مِنَ الْأُمُورِ الْعَمَلِيَّةِ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَتَيْنِ هِيَ أَمْرٌ قَلْبِيٌّ يُقِرُّ بِهِ الْقَلْبُ، وَيَنْطِقُ بِهِ اللِّسَانُ.
وَأَمَّا تَرْكُ الصَّلَاةِ؛ فَهُوَ أَمْرٌ يَتَعَلَّقُ بِالْجَسَدِ، لَيْسَ هُنَاكَ خَطَأٌ يُمْكِنُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ الطِّفْلُ - وَهُوَ دُونَ العَاشِرَةِ- أَكْبَرَ مِنْ تَرْكِ الصَّلَاةِ، وَمَعَ ذَلِكَ.. الرَّسُولُ ﷺ لَمْ يَأْمُرْ بِالضَّرْبِ عَلَى تَرْكِ الصَّلَاةِ إِلَّا عِنْدَ بُلُوغِ الْعَشْرِ.
يَقُولُ ﷺ: ((مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ)): مُجَرَّدُ أَمْرٍ، مَعَ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ مِنَ التَّرْكِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ.
وَلَكِنَّ الضَّرْبَ هَاهُنَا عَلَى تَرْكِ الصَّلَاةِ مَمْنُوعٌ بِنَصِّ حَدِيثِ الرَّسُولِ ﷺ: ((مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ))، ثُمْ: ((وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ)).
يَأْتِي هَذَا الرَّجُلُ -وَهُوَ ضَالٌّ مُنْحَرِفٌ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ (سِيجْمُونْد فُرُويِد)- يَقُولُ: ((إِنَّهُ لَا عُصَابَ فِي الْكِبَرِ إِلَّا بِعُصَابٍ فِي الصِّغَرِ))، وَيُحَدِّدُ السِّتَّ سَنَواتٍ الأُولَى.
نَقُولُ لَهُ: إِنْ كُنْتَ قَدِ اهْتَدَيْتَ لِهَذَا، وَكَانَ صَحِيحًا بِالْفِطْرَةِ، أَوْ بِوَسَائِلِ الْعِلْمِ الحَدِيثِ؛ فَاعْلَمْ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا ﷺ قَدْ قَالَ ذَلِكَ مُنْذُ مَا يَزِيدُ عَلَى أَلْفٍ وَأَرْبَعِمِئَةِ سَنَةٍ ﷺ.
إِذَنْ؛ النَّبِيُّ ﷺ عِنْدمَا يُحَدِّدُ أَمْثَالَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ؛ إِنَّمَا يَحْمِي الْإِنْسَانَ مِنْ أَنْ يَتَحَصَّلَ عَلَى الْبَوَادِرِ الَّتِي تُؤَدِّي بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى الْمَرَضِ النَّفْسِيِّ.
وَإِذَنْ؛ فَهَذِهِ الْقَسْوَةُ الْمُفْرَطُ فِيهَا، وَهَذِهِ السُّلُوكِيَّاتُ الْخَاطِئَةُ تُؤَثِّرُ عَلَى النَّفْسِيَّاتِ الْغَضَّةِ الطَّرِيَّةِ، ثُمَّ يَتَأَتَّى بَعْدَ ذَلِكَ الْمَرَضُ النَّفْسِيُّ.
وَإِذَنْ؛ فَأَمْرَاضُنَا النَّفْسِيَّةُ إِنَّمَا هِيَ سُلُوكِيَّاتٌ خَاطِئَةٌ.
إِنَّ الْحُزْنَ نَقِيضُ الْفَرَحِ وَخِلَافُ السُّرُورِ، وَهُوَ غَمٌّ يَلْحَقُ مِنْ فَوَاتِ نَافِعٍ أَوْ حُصُولِ ضَارٍّ، وَهُوَ الْغَمُّ الْحَاصِلُ لِوُقُوعِ مَكْرُوهٍ أَوْ فَوَاتِ مَحْبُوبٍ، وَهُوَ مِنْ عَوَارِضِ الطَّرِيقِ، لَا مِنْ مَقَامَاتِ الْإِيمَانِ، وَلَا مِنْ مَنَازِلِ السَّائِرِينَ.
فَلَيْسَ الْحَزَنُ مِنْ مَنَازِلِ السَّائِرِينَ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَلَا هُوَ مِنْ مَقَامَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، وَإِنَّمَا هُوَ عَارِضٌ يَعْرِضُ فِي الطَّرِيقِ، وَنَاشِبٌ يَنْشِبُ أَظْفَارَهُ وَأَنْيَابَهُ فِي الْقُلُوبِ وَالْأَكْبَادِ.
الْحَزَنُ يُضْعِفُ الْقَلْبَ، وَيُوهِنُ الْعَزْمَ، وَيَضُرُّ الْإِرَادَةَ، فَلَا شَيْءَ أَحَبُّ إِلَى الشَّيْطَانِ مِنْ حُزْنِ الْمُؤْمِنِ، قَالَ تَعَالَى: {إِنَّمَا النَّجْوَىٰ مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا} [المجادلة: 10].
فَالْحَزَنُ مَرَضٌ مِنْ أَمْرَاضِ الْقَلْبِ، يَمْنَعُهُ مِنْ نُهُوضِهِ وَسَيْرِهِ وَتَشْمِيرِهِ.
وَمِنْ أَعْظَمِ الْأَسْبَابِ الَّتِي تُؤَدِّي بِالْمَرْءِ إِلَى الْحُزْنِ وَالِاكْتِئَابِ وَالْأَمْرَاضِ النَّفْسِيَّةِ، وَرُبَّمَا وَصَلَ بِهِ إِلَى الِانْتِحَارِ: الْغَفْلَةُ عَنِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، وَالتَّعَلُّقُ الْمُحَرَّمُ؛ فَـ«مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ ضِيقِ الصَّدْرِ: الْإِعْرَاضُ عَنِ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ-، وَتَعَلُّقُ الْقَلْبِ بِغَيْرِهِ، وَالْغَفْلَةُ عَنْ ذِكْرِهِ، وَمَحَبَّةُ سِوَاهُ؛ فَإِنَّ مَنْ أَحَبَّ شَيْئًا غَيْرَ اللهِ عَذَّبَهُ اللهُ بِهِ لَا مَحَالَةَ، وَسُجِنَ قَلْبُهُ فِي مَحَبَّةِ ذَلِكَ الَّذِي أَحَبَّهُ مَعَ اللهِ.
فَمَا فِي الْأَرْضِ أَشْقَى مِنْهُ، وَلَا أَكْسَفَ بَالًا وَلَا أَنْكَدَ عَيْشًا وَلَا أَتْعَبَ قَلْبًا.
فَهُمَا مَحَبَّتَانِ؛ مَحَبَّةٌ هِيَ جَنَّةُ الدُّنْيَا، وَسُرُورُ النَّفْسِ، وَلَذَّةُ الْقَلْبِ، وَنَعِيمُ الرُّوحِ وَغِذَاؤُهَا، وَدَوَاؤُهَا؛ بَلْ حَيَاتُهَا، وَقُرَّةُ عَيْنِهَا، وَهِيَ مَحَبَّةُ اللهِ وَحْدَهُ بِكُلِّ الْقَلْبِ، وَانْجِذَابُ قُوَى الْمَيْلِ وَالْإِرَادَةِ وَالْمَحَبَّةِ كُلِّهَا إِلَيْهِ.
وَمَحَبَّةٌ هِيَ عَذَابُ الرُّوحِ، وَغَمُّ النَّفْسِ، وَهِيَ سِجْنُ الْقَلْبِ وَضِيقُ الصَّدْرِ، وَهِيَ سَبَبُ الْأَلَمِ وَالنَّكَدِ وَالْعَنَاءِ، وَهِيَ مَحَبَّةُ مَا سِوَى اللهِ -سُبْحَانَهُ-)).
وَمِنْ أَسْبَابِ الِانْتِحَارِ: الْيَأْسُ وَالْقُنُوطُ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، ((إِنَّ الْمُؤْمِنَ الْمُوَحِّدَ فِي كُلِّ أَحْوَالِهِ مُلَازِمٌ لِلْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ، وَهَذَا هُوَ الْوَاجِبُ وَهُوَ النَّافِعُ، وَبِهِ تَحْصُلُ السَّعَادَةُ، وَيُخْشَى عَلَى الْعَبْدِ مِنْ خُلُقَيْنِ رَذِيلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَسْتَوْلِيَ عَلَيْهِ الْخَوْفُ حَتَّى يَقْنَطَ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ وَرَوْحِهِ.
الثَّانِي: أَنْ يَتَجَارَى بِهِ الرَّجَاءُ حَتَّى يَأْمَنَ مَكْرَ اللهِ وَعُقُوبَتَهُ، فَمَتَى بَلَغَتْ بِهِ الْحَالُ إِلَى هَذَا؛ فَقَدْ ضَيَّعَ وَاجِبَ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ، اللَّذَيْنِ هُمَا مِنْ أَكْبَرِ أُصُولِ التَّوْحِيدِ وَوَاجِبَاتِ الْإِيمَانِ.
وَلِلْقُنُوطِ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ وَالْيَأْسِ مِنْ رَوْحِهِ سَبَبَانِ مَحْذُورَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يُسْرِفَ الْعَبْدُ عَلَى نَفْسِهِ، وَيَتَجَرَّأَ عَلَى الْمَحَارِمِ، فَيُصِرُّ عَلَيْهَا، وَيُصَمِّمَ عَلَى الْإِقَامَةِ عَلَى الْمَعْصِيَةِ، وَيَقْطَعَ طَمَعَهُ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ؛ لِأَجْلِ أَنَّهُ مُقِيمٌ عَلَى الْأَسْبَابِ الَّتِي تَمْنَعُ الرَّحْمَةَ.
فَلَا يَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يَصِيرَ لَهُ هَذَا وَصْفًا وَخُلُقًا لَازِمًا، وَهَذَا غَايَةُ مَا يُرِيدُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْعَبْدِ، وَمَتَى وَصَلَ إِلَى هَذَا الْحَدِّ؛ لَمْ يُرْجَ لَهُ خَيْرٌ إِلَّا بِتَوْبَةٍ نَصُوحٍ وَإِقْلَاعٍ قَوِيٍّ.
الثَّانِي: أَنْ يَقْوَى خَوْفُ الْعَبْدِ بِمَا جَنَتْ يَدَاهُ مِنَ الْجَرَائِمِ، وَيَضْعُفَ عِلْمُهُ بِمَا لِلهِ مِنْ وَاسِعِ الرَّحْمَةِ وَالْمَغْفِرَةِ، وَيَظُنُّ بِجَهْلِهِ أَنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ لَهُ وَلَا يَرْحَمُهُ وَلَوْ تَابَ وَأَنَابَ، وَتَضْعُفَ إِرَادَتُهُ فَيَيْأَسَ مِنَ الرَّحْمَةِ، وَهَذَا مِنَ الْمَحَاذِيرِ الضَّارَّةِ النَّاشِئَةِ مِنْ ضَعْفِ عِلْمِ الْعَبْدِ بِرَبِّهِ وَمَا لَهُ مِنَ الْحُقُوقِ، وَمِنْ ضَعْفِ النَّفْسِ وَعَجْزِهَا وَمَهَانَتِهَا.
فَلَوْ عَرَفَ هَذَا رَبَّهُ وَلَمْ يَخْلُدْ إِلَى الْكَسَلِ؛ لَعَلِمَ أَنَّ أَدْنَى سَعْيٍ يُوصِلُهُ إِلَى رَبِّهِ وَإِلَى رَحْمَتِهِ وَجُودِهِ وَكَرَمِهِ.
وَالْيَأْسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ وَالْقُنُوطُ مِنْ رَحْمَتِهِ مِنْ كَبَائِرِ الذُّنُوبِ وَعَظَائِمِ الْإِثْمِ)).
قَالَ الْمُنَاوِيُّ: ((الْيَأْسُ: الْقَطْعُ بِأَنَّ الشَّيْءَ لَا يَكُونُ، وَالْيَأْسُ ضِدُّ الرَّجَاءِ)).
وَقَالَ الْعِزُّ: ((الْيَأْسُ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ: هُوَ اسْتِصْغَارٌ لِسَعَةِ رَحْمَتِهِ -عَزَّ وَجَلَّ- وَلِمَغْفِرَتِهِ، وَذَلِكَ ذَنْبٌ عَظِيمٌ، وَتَضْيِيقٌ لِفَضَاءِ جُودِهِ)).
الْيَأْسُ: انْقِطَاعُ الرَّجَاءِ.
((وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ الْيَأْسَ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: الْقُنُوطُ؛ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} [يوسف: 87].
وَإِنَّمَا عَبَّرَ بِالْيَأْسِ عَنِ الْقُنُوطِ؛ لِأَنَّ الْقُنُوطَ ثَمَرَةُ الْيَأْسِ.
الثَّانِي: الْيَأْسُ: الْعِلْمُ؛ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَن لَّوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا} [الرعد: 31]؛ أَيْ أَفَلَمْ يَعْلَمُوا؟!)).
وَقَدْ عَدَّ ابْنُ حَجَرٍ الْيَأْسَ مِنْ رَحْمَتِهِ -تَعَالَى- مِنَ الْكَبَائِرِ؛ مُسْتَدِلًّا بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: {إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} [يوسف: 87].
وَبَعْدَ أَنْ ذَكَرَ عَدَدًا مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمُبَشِّرَةِ بِسَعَةِ رَحْمَتِهِ -عَزَّ وَجَلَّ- قَالَ: ((عَدُّ هَذَا كَبِيرَةً هُوَ مَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ لِمَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ الشَّدِيدِ)).
فَالْيَأْسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ وَالْقُنُوطُ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ- مِنْ كَبَائِرِ الْإِثْمِ، وَمِنْ عَظَائِمِ الذُّنُوبِ.
وَمِنْ أَسْبَابِ الِانْتِحَارِ: عَدَمُ فَهْمِ الْقَاعِدَةِ الَّتِي بُنِيَتْ عَلَيْهَا الْحَيَاةُ: وَهِيَ قَاعِدَةُ الِابْتِلَاءِ؛ فَإِنَّ قَاعِدَةَ الْحَيَاةِ الَّتِي بُنِيَتْ عَلَيْهَا الْحَيَاةُ: أَنَّهَا دَارُ مِحْنَةٍ وَابْتِلَاءٍ، لَا دَارُ سَعَادَةٍ وَرَخَاءٍ.
وَاللهُ خَلَقَ الْخَلْقَ لِكَيْ يَمْتَحِنَهُمْ: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ} [محمد: 31].
وَلَنُعَامِلَنَّكُمْ -أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ- مُعَامَلَةَ الْمُخْتَبِرِ لَكُمْ، وَنَأْمُرُكُمْ بِالْجِهَادِ؛ حَتَّى يَتَمَيَّزَ الْمُجَاهِدُونَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ بِحَسَبِ دَرَجَاتِهِمْ وَمَرَاتِبِهِمْ مِنْ غَيْرِ الْمُجَاهِدِينَ، وَيَتَبَيَّنَ الصَّابِرُونَ عَلَى اخْتِلَافِ دَرَجَاتِهِمْ وَمَرَاتِبِهِمْ مِنْ غَيْرِ الصَّابِرِينَ ذَوِي الْهَلَعِ وَالْجَزَعِ، وَنُظْهِرَ أَخْبَارَكُمْ وَنَكْشِفَهَا؛ لِيَتَبَيَّنَ مَنْ يَأْبَى الْقِتَالَ وَلَا يَصْبِرُ عَلَى الْجِهَادِ.
{وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} [البقرة: 155-157].
وَلَنَخْتَبِرَنَّكُمْ -أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ- بِشَيْءٍ قَلِيلٍ مِنَ الْغَمِّ الَّذِي تَضْطَرِبُ بِهِ نُفُوسُكُمْ؛ مِنْ تَوَقُّعِ مَكْرُوهٍ، وَمِنَ الْمَجَاعَةِ بِعَدَمِ كِفَايَةِ مَا تُنْبِتُهُ الْأَرْضُ لِسَدِّ حَاجَاتِكُمْ، وَبِنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ بِالْهَلَاكِ وَالْخُسْرَانِ، أَوْ تَعَسُّرِ الْحُصُولِ عَلَيْهَا، وَنَقْصٍ مِنَ الْأَنْفُسِ بِالْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ، وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ بِالْجَوَائِحِ، أَوْ مَوْتِ الْأَوْلَادِ؛ لِيَكُونَ مِنْ ثَمَرَةِ الصَّبْرِ وَالثَّبَاتِ عَلَى طَاعَتِي: الثَّوَابُ الْعَظِيمُ.
وَبَشِّرْ -يَا رَسُولَ اللهِ- الصَّابِرِينَ عَلَى امْتِحَانِي عِنْدَ نُزُولِ الْبَلَاءِ بِالسَّكِينَةِ وَالتَّسْلِيمِ بِقَضَاءِ اللهِ.. بَشِّرْهُمْ بِمَا يَسُرُّهُمْ وَيُفْرِحُهُمْ مِنْ حُسْنِ الْعَاقِبَةِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
صِفَةُ هَؤُلَاءِ الصَّابِرِينَ: أَنَّهُمْ إِذَا أَصَابَهُمْ بَلَاءٌ، وَسُلِبَتْ مِنْهُمْ نِعْمَةٌ سَبَقَ أَنْ أَنْعَمَ اللهُ بِهَا عَلَيْهِمْ، أَوْ حُرِمُوا مِنَ النِّعَمِ الَّتِي أَنْعَمَ اللهُ بِمِثْلِهَا عَلَى عِبَادِهِ.. صِفَتُهُمْ -حِينَئِذٍ- أَنَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ أَنَّ اللهَ هُوَ مَالِكُ كُلِّ شَيْءٍ، وَأَنَّ نُفُوسَهُمْ مَمْلُوكَةٌ للهِ، وَأَنَّ جَمِيعَ الْخَلَائِقِ مَمْلُوكُونَ للهِ، وَهُمْ عِبَادُهُ، وَمَصِيرُ الْعِبَادِ كُلِّهِمْ أَنْ يَرْجِعُوا إِلَى مَالِكِهِمْ، وَمَصِيرُ الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا أَنْ تَعُودَ إِلَى مَالِكِهَا، فَعَلَامَ الْحُزْنُ وَالْأَسَى؟!! وَلِمَ الِاعْتِرَاضُ وَالتَّسَخُّطُ؟!!
وَحِينَمَا يَتَذَكَّرُ الْمُؤْمِنُونَ الصَّابِرُونَ هَذِهِ الْحَقِيقَةَ؛ يَقُولُونَ: إِنَّا عَبِيدٌ وَمِلْكٌ للهِ، وَإِنَّا إِلَيْهِ وَحْدَهُ صَائِرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُجَازِينَا عَلَى مَا دَعَانَا إِلَيْهِ مِنَ الصَّبْرِ وَالتَّسْلِيمِ إِلَى قَضَائِهِ عِنْدَ نُزُولِ الْمَصَائِبِ الَّتِي لَيْسَ فِي اسْتِطَاعَتِنَا دَفْعُهَا.
يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ: ((أَشَدُّ النَّاسِ بَلَاءً الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الصَّالِحُونَ، ثُمَّ الْأَمْثَلُ -أَيِ: الْأَفْضَلُ- فَالْأَمْثَلُ، يُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى قَدْرِ دِينِهِ، فَإِذَا كَانَ فِي دِينِهِ صَلَابَةٌ؛ زِيدَ فِي ابْتِلَائِهِ)).
وَيَقُولُ ﷺ: ((مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُصِبْ مِنْهُ)). أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي ((صَحِيحِهِ)).
قَاعِدَةُ الْحَيَاةِ الَّتِي بُنِيَتْ عَلَيْهَا الْحَيَاةُ: الْمِحْنَةُ وَالِابْتِلَاءُ، لَا السَّعَادَةُ وَالرَّخَاءُ؛ غَيْرَ أَنَّ مِنْ أَعْظَمِ الْفَوَائِدِ الَّتِي يُهَوِّنُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ بِهَا الْمُصِيبَةَ عَلَى الْمُصَابِ: أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَهُ لَيْسَ هُوَ الذِّرْوَةَ فِيمَا يُمْكِنُ أَنْ يُصِيبَ الْخَلْقَ، وَأَنَّهُ مَهْمَا يُصَبْ بِهِ مِنْ بَلَاءٍ؛ فَإِنَّ فَوْقَهُ مِنَ الْبَلَاءِ مَا لَا يَدْفَعُهُ إِلَّا رَبُّ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى.
* وَمِنْ أَسْبَابِ الِانْتِحَارِ: الْإِعْرَاضُ عَنْ ذِكْرِ اللهِ، وَالْإِعْرَاضُ عَنْ تَعَلُّمِ دِينِهِ وَالْعَمَلِ بِهِ: قَالَ تَعَالَى: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا} [طه: 124].
وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ} [الزخرف:36].
قَالَ الْعَلَّامَةُ السَّعْدِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((أَخْبَرَ -تَعَالَى- عَنْ عُقُوبَتِهِ الْبَلِيغَةِ بِمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِهِ، فَقَالَ: {وَمَن يَعْشُ}؛ أَيْ: يُعْرِضْ وَيَصُدَّ.
{عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ} الَّذِي هُوَ الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ، الَّذِي هُوَ أَعْظَمُ رَحْمَةٍ رَحِمَ بِهَا الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ، فَمَنْ قَبِلَهَا؛ فَقَدْ قَبِلَ خَيْرَ الْمَوَاهِبِ، وَفَازَ بِأَعْظَمِ الْمَطَالِبِ وَالرَّغَائِبِ، وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْهَا وَرَدَّهَا؛ فَقَدْ خَابَ وَخَسِرَ خَسَارَةً لَا يَسْعَدُ بَعْدَهَا أَبَدًا، وَقَيَّضَ لَهُ الرَّحْمَنُ شَيْطَانًا مَرِيدًا يُقَارِنُهُ وَيُصَاحِبُهُ، وَيَعِدُهُ وَيُمَنِّيهِ، وَيَؤُزُّهُ إِلَى الْمَعَاصِي أَزًّا))، وَمِنْ تَمَامِ عَدْلِهِ: أَنْ جَعَلَ الْجَزَاءَ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ)).
* وَمِنْ أَسْبَابِ الِانْتِحَارِ بَعْدَ ضَعْفِ الْإِيمَانِ وَوَهَنِ الْعَقِيدَةِ فِي قُلُوبِ الْمُنْتَحِرِينَ: الضُّغُوطُ النَّفْسِيَّةُ وَالِاجْتِمَاعِيَّةُ، وَرُبَّمَا الْيَأْسُ مِنَ الشِّفَاءِ مِنْ مَرَضٍ عُضَالٍ، أَوْ وُقُوعِ ظُلْمٍ شَدِيدٍ عَلَى الْمَرْءِ؛ وَكَمَا سَلَفَ: مِنَ الْمَعْلُومِ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ جَمِيعًا دُونَ خِلَافٍ بَيْنَهُمْ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَنْتَحِرَ انْتِحَارًا؛ بِمَعْنَى: خَلَاصًا مِنَ الْمَصَائِبِ؛ مِنْ ضِيقِ ذَاتِ الْيَدِ، مِنْ مَرَضٍ أَلَمَّ بِهِ؛ حَتَّى صَارَ مَرَضًا مُزْمِنًا، وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَهَذَا الِانْتِحَارُ لِلْخَلَاصِ مِنْ مِثْلِ هَذِهِ الْأَمُورِ بِلَا شَكٍّ أَنَّهُ مُحَرَّمٌ.
* وَمِنْ أَسْبَابِ الِانْتِحَارِ فِي هَذَا الْعَصْرِ: الْقُدْوَةُ السَّيِّئَةُ، وَالتَّقْلِيدُ الْأَعْمَى لِلْغَرْبِ الْكَافِرِ، وَمِنْ ذَلِكَ: التَّخَلُّصُ مِنَ الْمَشَاكِلِ الشَّخْصِيَّةِ بِإِزْهَاقِ النَّفْسِ وَقَتْلِ الرُّوحِ، قَالَ الشَّيْخُ حَافِظٌ الْحَكَمِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ-:
وَ لَا نُصيْخُ لِعَصْرِيٍّ يَفُوْهُ بِمَا= يُنَاقِضُ الشَّرْعَ أوْ إيَّاهُ يَعْتَقِدُ
يَرَى الطَّبيِعَةَ في الأَشْيَا مُؤثِّرَةً=أَيْنَ الطَّبِيعَةُ يَا مَخْذُولُ إِذْ وُجِدُوا؟
وَمَا مَجَلَّاتُهُمْ وِرْدِي وَلَا صَدَرِي=وَمَا لِمُعْتَنِقِيهَا في الفَلَاحِ يَدُ
إِذْ يُدْخِلُونَ بِهَا عَادَاتِهِمْ وَسَجَا=يَاهُمْ وحُكْمَ طَوَاغِيتٍ لَهُمْ طَرَدوا
مُحَسِّنِينَ لَهَا كَيْمَا تَرُوجُ عَلَى=عُمْيِ الْبَصَائِرِ مِمَّن فَاتَهُ الرَّشَدُ
مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ قَدْ أَضْحَى زَنَادِقَةٌ=كَثِيرُهُمْ لِسَبِيلِ الغَيِّ قَدْ قَصَدُوا
يَرَوْنَ أَنْ تَبْرُزَ الأُنْثَى بِزِينَتِهَا=وَبَيْعَهَا الْبُضْعَ تَأْجِيلًا وَتَنْتَقِدُ
يَقُولُ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ بِالإِفْرِنْجِ قَدْ شُغِفُوا=بِهِمْ تَزَيَّوْا وَفي زَيِّ التُّقى زَهِدُوا
إِنَّهُ لِهَذِهِ الْأَسْبَابِ الْمَذْكُورَةِ؛ كَانَتِ الْمُشَابَهَةُ بَيْنَ أَهْلِ الضَّلَالِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَمِنَ الْفِرِنْجَةِ، فَقَدْ فُتِنُوا بِهِمْ، وَأَمْعَنُوا فِي مُحَاكَاتِهِمْ، وَالتَّشَبُّهِ بِهِمْ فِي أَزْيَائِهِمُ الْمَعْرُوفَةِ، تَارِكِينَ لِبَاسَ الْمُسْلِمِينَ وَمَا فِيهِ مِنْ سِتْرٍ وَوَقَارٍ، وَمُتَجَاهِلِينَ نَهْيَ الرَّسُولِ ﷺ عَنْ مُحَاكَاةِ الْكُفَّارِ وَالتَّشَبُّهِ بِهِمْ، وَالتَّشْدِيدَ عَلَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ؛ حَيْثُ قَالَ ﷺ: ((مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ)). ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ مُعَلَّقًا فِي «الصَّحِيحِ».
وَهَذِهِ الْأُمُورُ قَدْ تَبْدُو يَسِيرَةً؛ وَلَكِنَّهَا فِي النِّهَايَةِ تُذِيبُ الْأُمَّةَ، وَتُذِيبُ مَبَادِئَهَا وَقِيَمَهَا فِي بَوْتَقَةِ أَعْدَائِهَا، وَعَلَيْهِ؛ فَإِنَّهَا تَفْقِدُ مَنَاعَتَهَا الَّتِي إِنَّمَا تَكْتَسِبُهَا مِنْ دِينِهَا الَّذِي أَرْسَى قِيَمَهَا وَمُثُلَهَا، وَمَا أَكْثَرَ مَا انْهَارَتِ الْقِيَمُ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمَاكِنِ، وَصَارَ النَّاسُ فِي انْهِيَارٍ أَخْلَاقِيٍّ عَجِيبٍ!!
نَسْأْلُ اللهَ أَنْ يُنَبِّهَنَا وَالْمُسْلِمِينَ مِنْ غَفْلَتِنَا، وَأَنْ يُوقِظَنَا مِنْ سُبَاتِنَا، إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
وَبِالْعَوَائِدِ مِنْهُمْ كُلِّهَا اتَّصَفُوا
وَفِطْرَةَ اللهِ تَغْيِيرًا لَهَا اعْتَمَدُوا
إِنَّ مُحَاكَاةَ أَهْلِ الضَّلَالِ لَمْ تَقْتَصِرْ عَلَى اللِّبَاسِ وَحْدَهُ، بَلْ تَعَدَّتْهَا إِلَى سَائِرِ الْعَادَاتِ الْمُخَالِفَةِ لِدِينِ اللهِ، وَبِذَلِكَ غَيَّرُوا فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا، فَالْإِسْلَامُ وَحْدَهُ هُوَ الَّذِي قَامَ بِتَبْيِينِ سُنَنِ الْفِطْرَةِ، وَحَثَّ عَلَى الْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا، فَمَنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنَ الشَّرْعِ، وَذَهَبَ إِلَى مَا ابْتَدَعَهُ الْكُفَّارُ؛ فَقَدْ وَقَعَ فِي مُخَالَفَةِ الْفِطْرَةِ لَا مَحَالَةَ.
فَعَلَى الْإِنْسَانِ أَلَّا يَلْتَفِتَ إِلَى اخْتِلَافِ الْوَسَائِلِ، وَأَنْ يُرَكِّزَ عَلَى الْأَصْلِ، الْأَصْلُ وَاحِدٌ: أَلَّا نَنْسَاقَ سَوْقَ الْأَنْعَامِ، وَأَلَّا نُقَلِّدَ تَقْلِيدَ الْقِرَدَةِ، وَإِنَّمَا يَنْبَغِي عَلَيْنَا أَنْ نَعْلَمَ أَنَّ لَنَا شَخْصِيَّةً مُسْتَقِلَّةً، وَأَنَّ الْأُمَّةَ الْإِسْلَامِيَّةَ أُمَّةٌ قَائِدَةٌ وَلَيْسَتْ بِأُمَّةٍ مَقُودَةٍ، وَأَنَّهَا الْأُمَّةُ الَّتِي تَمْلِكُ الْحَلَّ الْوَحِيدَ لِخُرُوجِ الْعَالَمِ مِمَّا هُوَ فِيهِ.
وَمِنَ الْأَسْبَابِ الْخَطِيرَةِ الَّتِي قَدْ تُؤَدِّي لِلِانْتِحَارِ: إِدْمَانُ الْمُخَدِّرَاتِ وَالْخَمْرِ؛ فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((اجْتَنِبُوا الْخَمْرَ؛ فَإِنَّهَا مِفْتَاحُ كُلِّ شَرٍّ)).
الْخَمْرُ مِفْتَاحُ كُلِّ شَرٍّ..
وَمَا فِي حُكْمِهَا كَمِثْلِهَا مِنْ تِلْكَ الْمُخَدِّرَاتِ الذَّائِعَةِ الْمُنْتَشِرَةِ بَيْنَ شَبَابِ الْمُسْلِمِينَ، وَهِيَ فِي الْجُمْلَةِ غَسِيلُ أَمْوَالٍ لِكَثِيرٍ مِنَ السَّارِقِينَ الْمُجْرِمِينَ، فَيُتَاجِرُونَ فِي أَمْثَالِ هَذِهِ الْأُمُورِ، وَيُدْخِلُونَهَا إِلَى دِيَارِ الْمُسْلِمِينَ؛ لِإِفْسَادِ الشَّبَابِ وَالشَّابَّاتِ، وَتَدْمِيرِ مُجْتَمَعٍ مُسْلِمٍ يَعْرِفُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ، وَيَرْجُو رِضَاهُ؛ حَتَّى يَصِيرَ كَعَابِدِ الْوَثَنِ، لَا يُبَالِي؛ لِأَنَّ مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ -كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ-، وَأَدْمَنَهَا؛ يَبِيعُ عِرْضَهُ!! يُفَرِّطُ فِي شَرَفِهِ!! لَا يَتَمَسَّكُ بِشَيْءٍ!! لَيْسَ مَعَهُ عَقْلُهُ!!
إِنَّ الْخَمْرَ هِيَ أُمُّ الْخَبَائِثِ؛ لِأَنَّ شَارِبَهَا يَسْعَى بِشُرْبِهَا لِإِلْحَاقِ نَفْسِهِ بِالْمَجَانِينِ، فَيَحْصُلُ نَتِيجَةً لِذَلِكَ أَنَّهُ يَقَعُ فِي كُلِّ حَرَامٍ، وَقَدْ يَكُونُ مِنْ ذَلِكَ: الِاعْتِدَاءُ عَلَى الْمَحَارِمِ، وَهِيَ تَجْلِبُ كُلَّ شَرٍّ، وَتُوقِعُ فِي كُلِّ بَلَاءٍ؛ وَلِهَذَا أُطْلِقَ عَلَى الْخَمْرِ (أُمُّ الْخَبَائِثِ).
إِنَّ مَنْ سَكِرَ؛ اخْتَلَّ عَقْلُهُ، فَرُبَّمَا تَسَلَّطَ عَلَى أَذَى النَّاسِ فِي أَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، وَرُبَّمَا بَلَغَ إِلَى الْقَتْلِ، وَالْخَمْرُ أُمُّ الْخَبَائِثِ، وَمَنْ شَرِبَهَا؛ قَتَلَ النَّفْسَ، وَزَنَى، وَرُبَّمَا كَفَرَ.
وَمِنَ الْأَسْبَابِ الَّتِي قَدْ تُؤَدِّي بِالشَّابِّ إِلَى الِانْتِحَارِ: الدُّخُولُ عَلَى مَوَاقِعِ الشُّبُهَاتِ وَالضَّلَالِ كَمَوَاقِعِ الِانْتِحَارِ وَالْإِلْحَادِ، وَالْإِلْحَادُ مِنَ الْأَسْبَابِ الْمُؤَدِّيَّةِ إِلَى الِانْتِحَارِ، وَالْإِلْحَادُ: هُوَ مَذْهَبٌ فَلْسَفِيٌّ يَقُومُ عَلَى فِكْرَةٍ عَدَمِيَّةٍ أَسَاسُهَا إِنْكَارُ وُجُودِ اللهِ الْخَالِقِ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-.
وَمِمَّا لَا شَكَّ فِيهِ أَنَّ كَثِيرًا مِنْ دُوَلِ الْعَالَمِ الْغَرْبِيِّ وَالشَّرْقِيِّ تُعَانِي مِنْ نَزْعَةٍ إِلْحَاديةٍ عَارِمَةٍ، جَسَّدَتْهَا الشُّيُوعِيَّةُ الْمُنْهَارَةُ، وَتُجَسِّدُهَا الْعَلْمَانِيَّةُ الْمُخَادِعَةُ.
وَالْإِلْحَادُ بِدْعَةٌ جَدِيدَةٌ لَمْ تُوجَدْ فِي الْقَدِيمِ إِلَّا فِي النَّادِرِ فِي بَعْضِ الْأُمَمِ وَالْأَفْرَادِ.
الْإِلْحَادُ -فِي هَذَا الْعَصْرِ- لَهُ مَوَاقِعُ، وَلَهُ كُتُبٌ، وَلَهُ نَشْرَاتٌ، وَلَهُ مَرَاكِزُ، وَهُمْ يَرَوِّجُونَهُ بَيْنَ الشَّبَابِ، وَالشَّبَابُ قَدْ فُرِّغَ مِنْ ثَقَافِتِهِ بَلْ فُرِّغَ مِنْ عَقِيدَتِهِ، فَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَدْفَعَ هَذِهِ الشُّبَهَاتِ عَنْ نَفْسِهِ، وَرُبَّمَا صَدَّقَ أَنَّهَا مِنَ الْحَقَائِقِ الثَّابِتَةِ الَّتِي لَا تَقْبَلُ الْجِدَالَ، مَعَ أَنَّهَا أَوْهَامٌ فِي أَوْهَامٍ.
يَنْبَغِي عَلَيْكَ أَنْ تُحَصِّنَ نَفْسَكَ، ثُمَّ يَنْبَغِي عَلَيْكَ كَمُسْلِمٍ سُنِّيٍّ؛ يَنْبَغِي عَلَيْكَ أَنْ تَسْتَنْقِذَ إِخْوَانَكَ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ دَخَلَ عَلَيْهِمْ أَمْثَالَ هَذِهِ الشُّبُهَاتِ، وَهَذَا الْأَمْرُ يَتَفْشَّى الْآن، بَلْ يَنْتَشِرُ فِي كَثِيرٍ مِنَ الشَّبَابِ الْمُسْلِمِ كَالنَّارِ فِي الْهَشِيمِ!!
نَحْنَ فِي هَذَا الْعَصْرِ نَحْتَاجُ إِلَى إِقَامَةِ الدَّلِيلِ عَلَى وُجُودِ الرَّبِّ، إِنْ لَمْ يَكُنْ لِأَنْفُسِنَا؛ فَلِإِخْوَانِنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، حَتَّى يَثْبُتُوا عَلَى الْحَقِّ الَّذِي فَطَرَهُمُ اللهُ عَلَيْهِ، أَوْ لِمَنْ انْحَرَفَ عَنِ الْقَصْدِ فَتَكَاثَرَتْ عَلَيْهِ الشًّبُهَاتُ حَتَّى وَقَعَ في شُبْهَةٍ مِنَ الشُّبُهَاتِ الَّتِي تُخْرِجُهُ مِنَ الْجَادَّةِ إِلَى الْإِلْحَادِ -وَالْعِيَاذُ بِاللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ-.
هَذَا نَحْتَاجُهُ، بَلْ نَحْتَاجُهُ احْتِيَاجًا ضَرُورِيًّا فِي هَذَا الْوَقْتِ، فَمَا أَكْثَرَ مَا يَلْقَى الْإِنْسَانُ مِنَ الْمَلَاحِدَةِ، وَمَا أَكْثَرَ مَا يَسْمَعُ عَنْهُمْ، وَمَا أَكْثَرَ مَا تُنْقَلُ إِلَيْهِ شُبُهاتُهُمْ، وَكُلُّهَا فَارِغَةٌ لَيْسَتْ لَهَا قِيمَةٌ، وَهِيَ قَدِيمَةٌ لَيْسَتْ بِحَدِيثَةٍ، بَلْ إِنَّ بَعْضَهُم رُبَّمَا أَلْحَدَ بِسَبَبِ أُمُورٍ غَرِيبَةٍ.
أُمُورٌ يَسِيرَةٌ عَلَى طَالِبِ الْعِلْمِ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبوَّةِ أَنْ يَحْذِقَهَا فِي ذَلِكَ الْعَصْرِ حَتَّى يَسْتَطِيعَ أَنْ يَقِفَ فِي وَجْهِ هَذِهِ الْهَجْمَةِ الْإِلْحَادِيَّةِ الَّتِي تَتَعَرَّضُ لَهَا الدُّولُ الْإِسْلَامِيَّةُ، يَتَعَرَّضُ لَهَا الْمُسْلِمُونَ هُنَا وَهُنَالِكَ، وَبِالْوَسَائِلِ الْحَدِيثَةِ فِي الْمَعْلُومَاتِ صَارَ هَذَا وَاصِلًا إِلَى كُلِّ أَحَدٍ فِي مَكْمَنِهِ.. فِي خِدْرِهِ.
نَسْأَلُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ أَنْ يُثَبِّتَنَا عَلَى الْإِيمَانِ الْحَقِّ إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٍ.
فَالْمُسْلِمُ يَنْبَغِي عَلَيْهِ أَنْ يَحْذَرَ فِي هَذَا الْعَصْرِ مِنْ أَمْثَالِ هَذِهِ الْحِيَلِ الشَّيْطَانِيَّةِ الَّتِي يَنْطِقُ بِهَا مَنْ يَنْطِقُ مِنْ شَيَاطِينِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ، وَيُلْقُونَهَا فِي أَسْمَاعِ قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَجْلِ أنْ يَفْتِنُوهُمْ عَنْ دِينِهِمْ.
((سُبُلُ الْوِقَايَةِ مِنَ الِانْتِحَارِ))
إِنَّ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَ هَذِهِ الْأُمَّةِ فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْهَا الْخَبَائِثَ، وَحَرَّمَ عَلَيْهَا مَا يَضُرُّهَا، فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَجْتَمِعَ النَّقِيضَانِ، فَلَمْ يَجْعَلِ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ شِفَاءَنَا فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْنَا، وَإِنَّمَا جَعَلَ رَبُّنَا -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- شِفَاءَنَا فِي الطَّيِّبَاتِ؛ فِي الْأَخْذِ بِالْأَسْبَابِ الْمَرْعِيَّةِ.
أَخْرَجَ مُسْلِمٌ فِي ((صَحِيحِهِ)) بِسَنَدِهِ عَنْ جَابِرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ؛ فَإِذَا أُصِيبَ دَوَاءُ الدَّاءِ؛ بَرَأَ بِإِذْنِ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ-)).
إِنَّ سُبُلَ الْوِقَايَةِ مِنَ الِانْتِحَارِ تَكُونُ سُبُلًا شَرْعِيَّةً دِينِيَّةً، وَتَرْبَوِيَّةً، وَنَفْسِيَّةً، وَاجْتِمَاعِيَّةً..
((سُبُلُ الْوِقَايَةِ الشَّرْعِيَّةُ مِنَ الِانْتِحَارِ))
* مِنْ أَعْظَمِ سُبُلِ الْوِقَايَةِ مِنَ الِانْتِحَارِ: سَبِيلُ الْوِقَايَةِ الدِّينِيُّ الشَّرْعِيُّ، وَأَوَّلُ سَبِيلٍ لِلْوِقَايَةِ مِنْ هَذِهِ الظَّوَاهِرِ الْمُدَمِّرَةِ: الْإِقْبَالُ عَلَى الْعِلْمِ الشَّرْعِيِّ، وَالرُّجُوعُ لِلْعُلَمَاءِ الرَّبَّانِيِّينَ فِي مُعَالَجَةِ هَذِهِ الْأَمْرَاضِ، قَالَ ﷺ: ((إِنَّ اللهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ النَّاسِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا؛ اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا، فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا)).
وَمَفْهُومُ هَذَا الْحَدِيثِ: أَنَّ الْعِلْمَ وَالْعُلَمَاءَ سَبَبُ الْهِدَايَةِ وَالِاهْتِدَاءِ.
فَخَلُّوا -عِبَادَ اللهِ- عَنْ أَهْلِ العِلْمِ حَتَّى يَتَكَلَّمُوا؛ فَإِنَّ المَعْرَكَةَ مَعْرَكَةُ عَقِيدَةٍ، لَا يُفْلِحُ فِي خَوْضِهَا الزَّائِغُونَ، وَلَا المُنْحَرِفُونَ، وَلَا المُتَحَلِّلُونَ، وَلَا الَّذِينَ يُحَارِبُونَ الدِّينَ، وَلَا الَّذِينَ يَنْسِفُونَ تُرَاثَ المُسْلِمِينَ، هَؤُلَاءِ يَزِيدُونَ النَّارَ اشْتِعَالًا.
مِنْ أَعْظَمِ السُّبُلِ الشَّرْعِيَّةِ الدِّينِيَّةِ لِلْوِقَايَةِ مِنَ الِانْتِحَارِ: مَعْرِفَةُ الْغَايَةِ الَّتِي خَلَقَنَا اللهُ لِأَجْلِهَا؛ فَإِنَّ الْغَايَةَ مِنْ خَلْقِ آدَمَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- وَذُرِّيَّتِهِ هِيَ: عِبَادَةُ اللهِ وَحْدَهُ، قَالَ رَبُّنَا -جَلَّ وَعَلَا-: {وَمَا خَلَقتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعبُدُونِ} [الذاريات: 56].
قَالَ تَعَالَى: {أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى} [الإنسان:36].
بَيَّنَ لنَا رَبُّنَا -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- الْحِكْمَةَ مِنْ خَلْقِ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ؛ لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ لَمْ يَخْلُقِ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ عَبَثًا وَلَا سُدًى، وَإِنَّمَا خَلَقَهُمُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- لِعِبَادَتِهِ.
وَالْعِبَادَةُ: هِيَ اسْمٌ جَامِعٌ لِكُلِّ مَا يُحِبُّهُ اللهُ وَيَرْضَاهُ مِنَ الْأَقْوَالِ وَالْأَعْمَالِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ.
وَأَوَّلُ مَا أَمَرَ اللهُ -تَعَالَى- بِهِ وَوَصَّى، وَأَوْجَبَ عَلَى أَلْسِنَةِ رُسُلِهِ: أَنْ يُعْبَدَ وَحْدَهُ دُونَ سِوَاهُ.
وَمِنَ الْعِلَاجَاتِ الشَّرْعِيَّةِ لِلِانْتِحَارِ: تَعْلِيمُ الشَّبَابِ التَّوْحِيدَ، وَغَرْسُ الْعَقِيدَةِ الصَّحِيحَةِ فِي قُلُوبِهِمْ؛ فَالتَّوْحِيدُ هُوَ الْأَسَاسُ.. الْعَقِيدَةُ رَأْسُ الدِّينِ.
إِذَا أَرَدْنَا الْإِصْلَاحَ حَقًّا؛ فَعَلَيْنَا أَنْ نَدْعُوَ النَّاسَ إِلَى إِفْرَادِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ بِالْعِبَادَةِ وَحْدَهُ، وَالْبَرَاءَةِ مِنَ الشِّرْكِ وَأَهْلِهِ.
وَهَذَا هُوَ التَّوْحِيدُ؛ هُوَ إِفْرَادُ اللهِ بِالْعِبَادَةِ.
فَلَا يَتَحَقَّقُ الصَّلَاحُ فِي الْأَرْضِ وَلَا يَنْتَفِي الْفَسَادُ مِنْهَا إِلَّا بِتَحْقِيقِ التَّوْحِيدِ فِيهَا، الَّذِي لِأَجْلِهِ خَلَقَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- الْخَلْقَ، فَأَوَّلُ مَا يَنْبَغِي أَنْ يُرَاعَى مِنَ الْمَصَالِحِ الْعُلْيَا هُوَ: تَحْقِيقُ دِينِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ؛ فَبِهِ تَتَحَقَّقُ الْمَصْلَحَةُ، وَبِهِ تَنْتَفِي الْمَفْسَدَةُ.
وَالْأَنْبِيَاءُ هُمُ الْمُصْلِحُونَ حَقًّا.. هُمُ الْمُصْلِحُونَ عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَقَدْ بَعَثَهُمُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ فِي أَقْوَامِهِمْ وَقَدْ تَفَشَّتْ فِيهِمُ الْأَمْرَاضُ فَوْقَ مَا عِنْدَهُمْ مِنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ وَالطُّغْيَانِ.
كَانَتْ عِنْدَهُمْ -أَيْضًا- أَمْرَاضٌ تَتَعَلَّقُ بِسِيَاسَاتِهِمْ، وَتَتَعَلَّقُ بِاقْتِصَادِهِمْ، وَتَتَعَلَّقُ بِمُجْتَمَعَاتِهِمْ وَأَخْلَاقِهِمْ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ.
وَمَعَ ذَلِكَ؛ لَمْ يَبْدَأْ نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، وَلَا رَسُولٌ مِنَ الرُّسُلِ -وَهُمُ الْمُصْلِحُونَ حَقًّا، وَهُمُ الْمُصْلِحُونَ عَلَى الْحَقِيقَةِ-؛ لَمْ يَبْدَؤُوا دَعْوَةَ أَقْوَامِهِمْ بِشَيْءٍ قَبْلَ تَوْحِيدِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ: {اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف: 59].
وَلَنَا فِيهِمُ الْأُسْوَةُ الْحَسَنَةُ، وَالْقُدْوَةُ الصَّالِحَةُ، وَهُوَ مَا فَعَلَهُ الرَّسُولُ ﷺ الَّذِي أَمَرَنَا اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ أَنْ نَقْتَدِيَ بِهِ.
وَلِلتَّوْحِيدِ فَضَائِلُ لَا تُعَدُّ وَلَا تُحْصَى؛ مِنْهَا: أَنَّ التَّوْحِيدَ فِيهِ الْأَمْنُ وَالْأَمَانُ فِي الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ، قَالَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-: {الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ} [الأنعام: 82].
وَالْأَمْنُ: طُمَأْنِينَةُ الْقَلْبِ وَالنَّفْسِ، وَزَوَالُ الْخَوْفِ.
{وَهُمْ مُهْتَدُونَ}: مُوَفَّقُونَ لِلسَّيْرِ عَلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، ثَابِتُونَ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا ثَمَرَاتُ التَّوْحِيدِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: فَالْفَوْزُ بِرِضَا اللهِ -سُبْحَانَهُ-، وَالْأَمْنُ النَّفْسِيُّ، وَالشُّعُورُ بِالطُّمَأْنِينَةِ، وَالْحَيَاةُ السَّعِيدَةُ، وَالْبُعْدُ عَنِ الْقَلَقِ وَالشَّقَاءِ؛ لِأَنَّ الَّذِينَ يَقْتَرِبُونَ مِنْ هَذِهِ الْحِيَاضِ النَّيِّرَةِ، وَالرَّوْضَاتِ الْمُونِقَةِ؛ يُؤْتِيهِمُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- أَمْنًا نَفْسِيًّا، وَسَوَاءً عَقْلِيًّا، وَشُعُورًا بِالطُّمَأْنِينَةِ وَالِاسْتِقْرَارِ؛ يَحْسُدُهُمْ عَلَيْهِمُ الْمُلُوكُ وَأَبْنَاءُ الْمُلُوكِ.
كَمَا قَالَ سَلَفُنَا الصَّالِحُونَ: ((إِنَّهُ لَتَأْتِي عَلَيَّ أَوْقَاتٌ -يَعْنِي مِنْ قُرْبِهِ مِنْ رَبِّهِ، وَلَجْئِهِ إِلَيْهِ، وَانْطِرَاحِهِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَمَا يَجِدُ كِفَاءَ ذَلِكَ فِي قَلْبِهِ وَضَمِيرِهِ وَعَقْلِهِ وجَسَدِهِ- يَقُولُ: إِنَّهُ لَتَأْتِي عَلَيَّ أَوْقَاتٌ أَقُولُ: لَوْ كَانَ أَهْلُ الْجَنَّةِ فِي مِثْلِ مَا نَحْنُ فِيهِ؛ إنَّهُمْ لَفِي عَيْشٍ طَيِّبٍ)).
فَهَذَا كُلُّهُ إِنَّمَا يَكُونُ إِذَا حُقِّقَ هَذَا الْأَمْرُ؛ {الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ}.
فَالْأَمْنُ وَالِاهْتِدَاءُ عَلَى قَدْرِ تَحْقِيقِ هَذَا الْأَمْرِ الْكَبِيرِ.
وَمِنَ الطُّرُقِ النَّاجِعَةِ لِلْوِقَايَةِ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ الْخَطِيرِ -الِانْتِحَارِ-: غَرْسُ عَقِيدَةِ الْإِيمَانِ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ فِي قُلُوبِ الشَّبَابِ وَنُفُوسِهِمْ، وَالْإِيمَانُ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ هُوَ: الْإِيمَانُ بِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَنَعِيمِهِ، وَسُؤَالِ الْمَلَكَيْنِ فِي الْقَبْرِ، وَكُلِّ مَا يَكُونُ بَعْدَ الْقَبْرِ.
وَالَّذِي يَكُونُ بَعْدَ الْقَبْرِ مِنَ الْإِيمَانِ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ هُوَ الْبَعْثُ، وَالنَّشْرُ، وَالْحَشْرُ، وَالْحِسَابُ، وَوَزْنُ الْأَعْمَالِ، وَالصِّرَاطُ، وَالْمِيزَانُ الَّذِي تُوزَنُ بِهِ الْحَسَنَاتُ وَالسَّيِّئَاتُ، وَالْجَنَّةُ وَالنَّارُ.
وَالْإِيمَانُ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ يَتَضَمَّنُ ثَلَاثَةَ أُمُورٍ:
الْأَوَّلُ: الْإِيمَانُ بِالْبَعْثِ: وَهُوَ إِحْيَاءُ الْمَوْتَى حِينَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ النَّفْخَةَ الثَّانِيَةَ، فَيَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ، حُفَاةً غَيْرَ مُنْتَعِلِينَ، عُرَاةً غَيْرَ مُسْتَتِرِينَ، غُرْلًا غَيْرَ مُخْتَتَنِينَ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ ۚ وَعْدًا عَلَيْنَا ۚ إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ} [الأنبياء: 104].
الثَّانِي: الْإِيمَانُ بِالْحِسَابِ وَالْجَزَاءِ: يُحَاسَبُ الْعَبْدُ عَلَى عَمَلِهِ، وَيُجَازَى عَلَيْهِ، وَقَدْ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ الْكِتَابُ، وَالسُّنَّةُ، وَإِجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: {إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (25) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُم} [الغاشية: 25- 26].
الثَّالِثُ: الْإِيمَانُ بِالْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَأَنَّهُمَا الْمَآلُ الْأَبَدِيُّ لِلْخَلْقِ، فَالْجَنَّةُ دَارُ النَّعِيمِ الَّتِي أَعَدَّهَا اللهُ -تَعَالَى- لِلْمُؤْمِنِينَ الْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ آمَنُوا بِمَا أَوْجَبَ اللهُ عَلَيْهِمُ الْإِيمَانَ بِهِ، وَقَامُوا بِطَاعَةِ اللهِ وَرَسُولِهِ، مُخْلِصِينَ لِلَّهِ مُتَّبِعِينَ لِرَسُولِهِ، فِيهَا مِنْ أَنْوَاعِ النَّعِيمِ: «مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ».
قَالَ اللهُ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (7) جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۖ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۚ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ} [البينة: 7- 8].
وَقَالَ تَعَالَى: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [السجدة: 17].
وَأَمَّا النَّارُ؛ فَهِيَ دَارُ الْعَذَابِ الَّتِي أَعَدَّهَا اللهُ -تَعَالَى- لِلْكَافِرِينَ الظَّالِمِينَ، الَّذِينَ كَفَرُوا بِهِ وَعَصَوْا رُسُلَهُ، فِيهَا مِنْ أَنْوَاعِ الْعَذَابِ وَالنَّكَالِ مَا لَا يَخْطُرُ عَلَى الْبَالِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} [آل عمران: 131].
وَلِلْإِيمَانِ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ ثَمَرَاتٌ جَلِيلَةٌ، مِنْهَا:
الْأُولَى: الرَّغْبَةُ فِي فِعْلِ الطَّاعَةِ وَالْحِرْصِ عَلَيْهَا؛ رَجَاءً لِثَوَابِ ذَلِكَ الْيَوْمِ.
الثَّانِيَةُ: الرَّهْبَةُ مِنْ فِعْلِ الْمَعْصِيَةِ وَالرِّضَا بِهَا؛ خَوْفًا مِنْ عِقَابِ ذَلِكَ الْيَوْمِ.
وَكُلَّمَا كَانَ الْمَرْءُ عَالِمًا بِتَفَاصِيلِ مَا أَعَدَّ اللهُ -تَعَالَى- لِلطَّائِعِينَ، وَبِتَفَاصِيلِ مَا أَعَدَّ اللهُ لِلْمُجْرِمِينَ الْمُنَافِقِينَ الْعَاصِينَ الْمُكَذِّبِينَ، كُلَّمَا كَانَ كَذَلِكَ؛ كَانَ أَحْرَصَ عَلَى فِعْلِ الطَّاعَاتِ، وَالْبُعْدِ عَنِ الْمَعْصِيَاتِ.
الثَّالِثَةُ: تَسْلِيَةُ الْمُؤْمِنِ عَمَّا يَفُوتُهُ مِنَ الدُّنْيَا بِمَا يَرْجُوهُ مِنْ نَعِيمِ الْآخِرَةِ وَثَوَابِهَا.
يَزْدَادُ إِيمَانًا بِرَبِّهِ، وَبِحِكْمَةِ رَبِّهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، وَقُدْرَتِهِ عَلَى إِعَادَةِ الْأَجْسَامِ بَعْدَ تَحَلُّلِهَا وَذَهَابِهَا، فَيُعِيدُهَا اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، وَيَبْعَثُ الْخَلْقَ، يَقُومُونَ كَمَا كَانُوا: {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ} [الأنبياء: 104] حُفَاةً عُرَاةً، غُرْلًا غَيْرَ مَخْتُونِينَ، يَقُومُونَ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
وَأَيْضًا فِيهِ: الْإِيمَانُ بِعَدْلِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، وَأَنَّ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا؛ لِأَنَّ الْقَضَايَا الْمُعَلَّقَةَ فِي الْحَيَاةِ كَثِيرَةٌ، وَمَا أَكْثَرَ الْمَظَالِمَ فِي الْحَيَاةِ الَّتِي لَا يُفْصَلُ فِيهَا!
فَإِذَا كَانَ النَّاسُ يَمُوتُونَ فَيَذْهَبُونَ فِي طَبَقَاتِ الْأَرْضِ، وَلَا يُبْعَثُونَ، وَلَا يَقُومُونَ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لِيُحَاسِبَهُمْ عَلَى الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ، إِذَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ كَذَلِكَ؛ كَانَ هَذَا ظُلْمًا بَيِّنًا؛ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَتْ هَذِهِ الْأُمُورُ لَا تُفَصْلُ، وَلَا تُفْصَلُ فِيهَا فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ، وَتَظَلُّ مُعَلَّقَةً، وَيَذْهَبُ صَاحِبُ الْحَقِّ إِلَى رَبِّهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، ثُمَّ لَا يَحْصُلُ عَلَى حَقِّهِ بَعْدَ ذَلِكَ؛ فَهَذَا فِيهِ مَا فِيهِ.
وَأَيْضًا فِيهِ -يَعْنِي فِي الْإِيمَانِ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَمَا أَعَدَّ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- لِلطَّائِعِينَ وَالْعَاصِينَ مِنَ النَّعِيمِ وَالْجَحِيمِ فِي الْإِيمَانِ بِذَلِكَ-: مَا يُمْكِنُ أَنْ يَجْعَلَ كَثِيرًا مِنَ الْخَلْقِ وَقَّافًا عِنْدَ حُدُودِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، مُسَارِعًا فِي الْخَيْرَاتِ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا أَمِنَ الْعِقَابَ أَسَاءَ الْأَدَبَ، فَإِذَا كَانَ دَائِمًا الثَّوَابُ وَالْعِقَابُ مِنْهُ عَلَى ذُكْرٍ وَعَلَى بَالٍ، وَيَعْلَمُ أَنَّ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- إِذَا أَطَاعَهُ الْعَبْدُ أَثَابَهُ، وَإِذَا عَصَى رَبَّهُ عَاقَبَهُ، فَجَعَلَ الْعِقَابَ دَائِمًا حَاضِرًا، وَكَذَلِكَ يَكُونُ الثَّوَابُ حَاضِرًا؛ فَإِنَّهُ يُسَارِعُ فِي الْخَيْرَاتِ، وَيَبْتَعِدُ عَنِ الْمُنْكَرَاتِ رَجَاءَ ثَوَابِ رَبِّهِ، وَحِرْصًا عَلَى أَنْ تَكُونَ الطَّاعَةُ وِقَايَةً لَهُ مِنَ النَّارِ الَّتِي أَعَدَّهَا اللهُ لِلْعَاصِينَ.
وَمِنْ أَعْظَمِ السُّبُلِ الشَّرْعِيَّةِ الدِّينِيَّةِ لِلْوِقَايَةِ مِنَ الِانْتِحَارِ: غَرْسُ عَقِيدَةِ الْإِيمَانِ بِالْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ فِي نُفُوسِ الشَّبَابِ، وَ الْقَدَرُ هُوَ تَقْدِيرُ اللهِ -تَعَالَى- لِلْأَشْيَاءِ قَبْلَ حُدُوثِهَا تَقْدِيرًا يُوَافِقُ عِلْمَهُ وَكِتَابَتَهُ كَمًّا، وَكَيْفًا، وَزَمَانًا، وَمَكَانًا، قَالَ تَعَالَى: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [القمر: 49]
وَالْإِيمَانُ بِالْقَدَرِ يَتَضَمَّنُ أَرْبَعَةَ أُمُورٍ:
الْأَوَّلُ: الْإِيمَانُ بِأَنَّ اللهَ -تَعَالَى- عَلِمَ بِكُلِّ شَيْءٍ جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا، أَزَلًا وَأَبَدًا؛ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِأَفْعَالِهِ أَوْ بِأَفْعَالِ عِبَادِهِ.
فَتُؤْمِنُ بِعِلْمِ اللهِ الْمُحِيطِ، وَأَنَّ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- لَا يَخْفَى عَنْهُ شَيْءٌ.
الثَّانِي: الْإِيمَانُ بِأَنَّ اللهَ كَتَبَ ذَلِكَ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ.
فِي «صَحِيحِ مُسْلِمٍ»، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «كَتَبَ اللهُ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ».
الثَّالِثُ: الْإِيمَانُ بِأَنَّ جَمِيعَ الْكَائِنَاتِ لَا تَكُونُ إِلَّا بِمَشِيئَةِ اللهِ -تَعَالَى-؛ سَوَاءٌ كَانَتْ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِفِعْلِهِ، أَمْ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِفِعْلِ الْمَخْلُوقِينَ، قَالَ اللهُ -تَعَالَى- فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِفِعْلِهِ: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ} [القصص: 68]، وَقَالَ: {وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ} [إبراهيم: 27]، وَقَالَ: {هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ} [آل عمران: 6]، وَقَالَ -تَعَالَى- فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِفِعْلِ الْمَخْلُوقِينَ: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ} [النساء: 90]، وَقَالَ: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ ۖ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ} [الأنعام: 112].
الرَّابِعُ: الْإِيمَانُ بِأَنَّ جَمِيعَ الْكَائِنَاتِ مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ -تَعَالَى- بِذَوَاتِهَا، وَصِفَاتِهَا، وَحَرَكَاتِهَا، قَالَ اللهُ تَعَالَى: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} [الزمر: 62]، وَقَالَ: {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا} [الفرقان: 2].
فَهَذِهِ هِيَ الْمَرَاتِبُ الْأَرْبَعَةُ الَّتِي لَا يَصِحُّ الْإِيمَانُ بِالْقَدَرِ إِلَّا إِذَا آمَنَ بِهَا الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ، وَهَذِهِ الْمَرَاتِبُ الْأَرْبَعَةُ لِلْإِيمَانِ بِالْقَدَرِ مَجْمُوعَةٌ فِي:
|
عِلْمٌ كِتَابَةُ مَوْلَانَا مَشِيئَتُهُ
|
|
وَخَلْقُهُ، وَهْوَ إِيجَادٌ، وَتَكْوِينُ
|
إِذَا آمَنْتَ بِهَذِهِ الْمَرَاتِبِ الْأَرْبَعِ إِيمَانًا صَحِيحًا؛ كُنْتَ مُؤْمِنًا بِالْقَدَرِ إِيمَانًا صَحِيحًا، وَإِذَا اخْتَلَّ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ؛ لَمْ يَصِحَّ الْإِيمَانُ بِهَذَا الرُّكْنِ الْعَظِيمِ، وَلَمْ يَصِحَّ الْإِتْيَانُ بِهَذَا الرُّكْنِ الْعَظِيمِ مِنْ أَرْكَانِ الْإِيمَانِ.
وَالْإِيمَانُ بِالْقَدَرِ عَلَى مَا وَصَفْنَا لَا يُنَافِي أَنْ يَكُونَ لِلْعَبْدِ مَشِيئَةٌ فِي أَفْعَالِهِ الِاخْتِيَارِيَّةِ، وَقُدْرَةٌ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ وَالْوَاقِعَ دَالَّانِ عَلَى إِثْبَاتِ ذَلِكَ لَهُ.
وَهَذَا مُهِمٌّ؛ لِأَنَّ النَّاسَ يَتَصَوَّرُونَ -مَثَلًا- أَنَّ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- لَمَّا عَلِمَ مَا سَيَكُونُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَكُونَ، فَكَتَبَ؛ أَنَّ ذَلِكَ يَعْنِي الْجَبْرَ، وَأَنَّ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- يُجْبِرُ الْعِبَادَ عَلَى أَنْ يَأْتِيَ مِنْهُمْ مَا يَأْتِي؛ حَتَّى مِنَ الْكُفْرِ، وَالْفُسُوقِ، وَالْعِصْيَانِ، وَأَنَّهُمْ لَيْسَتْ لَهُمْ مَشِيئَةٌ فِي فِعْلِ شَيْءِ!!
وَلِلْإِيمَانِ بِالْقَدَرِ ثَمَرَاتٌ جَلِيلَةٌ، مِنْهَا:
الْأُولَى: الِاعْتِمَادُ عَلَى اللهِ -تَعَالَى- عِنْدَ فِعْلِ الْأَسْبَابِ؛ بِحَيْثُ لَا يَعْتَمِدُ عَلَى السَّبَبِ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ بِقَدَرِ اللهِ -تَعَالَى-.
الثَّانِيَةُ: أَلَّا يُعْجَبَ الْمَرْءُ بِنَفْسِهِ عِنْدَ حُصُولِ مُرَادِهِ؛ لِأَنَّ حُصُولَهُ نِعْمَةٌ مِنَ اللهِ -تَعَالَى- بِمَا قَدَّرَهُ مِنْ أَسْبَابِ الْخَيْرِ وَالنَّجَاحِ، وَإِعْجَابُهُ بِنَفْسِهِ يُنْسِيهِ شُكْرَ هَذِهِ النِّعْمَةِ.
الثَّالِثَةُ: الطُّمَأْنِينَةُ وَالرَّاحَةُ النَّفْسِيَّةُ بِمَا يَجْرِي عَلَيْهِ مِنْ أَقْدَارِ اللهِ -تَعَالَى-، فَلَا يَقْلَقُ بِفَوَاتِ مَحْبُوبٍ، أَوْ حُصُولِ مَكْرُوهٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ بِقَدَرِ اللهِ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَهُوَ كَائِنٌ لَا مَحَالَةَ، وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: {مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22) لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} [الحديد: 22- 23].
وَيَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ: «عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ، صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
فَالْمُؤْمِنُ يَرَى ذَلِكَ فِي كُلِّ حِينٍ وَحَالٍ، وَفِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ، فَيَبُوءُ للهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- بِنِعْمَتِهِ عَلَيْهِ شَاكِرًا رَبَّهُ -جَلَّ وَعَلَا-، وَإِذَا وَقَعَ فِي ذَنْبٍ اسْتَغْفَرَ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، وَلَمْ يَحْتَجَّ بِالْقَدَرِ.
وَإِنَّمَا يُذْكَرُ الْقَدَرُ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ، لَا يُذْكَرُ الْقَدَرُ عِنْدَ الْمَعْصِيَةِ.
أَمَّا عِنْدَ الذَّنْبِ وَعِنْدَ الْمَعْصِيَةِ؛ فَالِاسْتِغْفَارُ وَالتَّوْبَةُ وَالْخُشُوعُ وَالْإِنَابَةُ وَالْعَوْدَةُ إِلَى اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَلَا يُذْكَرُ الْقَدَرُ عِنْدَ الْمَعْصِيَةِ، يَحْتَجُّ الْعَبْدُ بِالْقَدَرِ عِنْدَ وُقُوعِهِ فِي الْمَعَاصِي، هَذَا لَيْسَ مِمَّا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ، وَلَكِنْ يُذْكَرُ الْقَدَرُ عِنْدَ وُقُوعِ الْمُصِيبَةِ، كَمَا قَالَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: {مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22) لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} [الحديد: 22- 23].
فَإِذَا وقَعَ عَلَى الْعَبْدِ مَا يَكْرَهُهُ مِنَ الْأَقْدَارِ غَيْرِ الْمُوَاتِيَةِ؛ فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يَفْزَعُ إِلَى رَبِّهِ حَامِدًا، وَشَاكِرًا، وَمُنِيبًا، وَمُخْبِتًا، وَخَاشِعًا، وَيَسْأَلُ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- أَنْ يُعَوِّضَهُ خَيْرًا فِيمَا أَصَابَهُ بِهِ، وَأَنْ يُثَبِّتَهُ عَلَى الْإِيمَانِ الْحَقِّ.
فَالْإِيمَانُ بِالْقَدَرِ عِلَاجٌ وَدَوَاءٌ لِكُلِّ مَنْ أُصِيبَ بِمُصِيبَةٍ؛ بِمَرَضٍ، بِأَزْمَةٍ، بِفَقْرٍ، بِظُلْمٍ شَدِيدٍ وَقَعَ عَلَيْهِ؛ فَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((وَاعْلَمْ أَنَّ مَا أَخْطَأكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، وَمَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا)).
وَمِنْ أَعْظَمِ السُّبُلِ الْوَاقِيَةِ مِنَ الِانْتِحَارِ: تَعْلِيمُ الشَّبَابِ حَقِيقَةَ التَّوَكُّلِ عَلَى اللهِ، مَعَ ضَرُورَةِ الْأَخْذِ بِالْأَسْبَابِ، وَغَرْسُ هَذِهِ الْعَقِيدَةِ فِي قُلُوبِهِمْ وَنُفُوسِهِمْ، وَالتَّوَكُّلُ: هُوَ صِدْقُ اعْتِمَادِ الْقَلْبِ عَلَى اللَّهِ -جَلَّ وَعَلَا- فِي اسْتِجْلَابِ الْمَصَالِحِ وَدَفْعِ الْمَضَارِّ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَكِلَةُ الْأُمُورِ كُلِّهَا إِلَيْهِ، وَتَحْقِيقُ الْإِيمَانِ بِأَنَّهُ لَا يُعْطِي وَلَا يَمْنَعُ وَلَا يَضُرُّ وَلَا يَنْفَعُ سِوَاهُ.
التَّوَكُّلُ عَلَى اللهِ تَعَالَى: الِاعْتِمَادُ عَلَى اللهِ -تَعَالَى- كِفَايَةً وَحَسَبًا فِي جَلْبِ الْمَنَافِعِ وَدَفْعِ الْمَضَارِّ، وَهُوَ مِنْ تَمَامِ الْإِيمَانِ وَعَلَامَاتِهِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [المائدة: 23].
وَإِذَا صَدَقَ الْعَبْدُ فِي اعْتِمَادِهِ عَلَى اللهِ -تَعَالَى-؛ كَفَاهُ اللهُ -تَعَالَى- مَا أَهَمَّهُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ}؛ أَيْ: كَافِيهِ، ثُمَّ طَمْأَنَ الْمُتَوَكِّلَ بِقَوْلِهِ: {إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ} [الطلاق: 3]، فَلَا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ أَرَادَهُ.
فَحَقِيقَةُ التَّوَكُّلِ: أَنْ يَعْتَمِدَ الْعَبْدُ عَلَى اللهِ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- اعْتِمَادًا صَادِقًا فِي مَصَالِحِ دِينِهِ وَدُنْيَاهُ، مَعَ فِعْلِ الْأَسْبَابِ الْمَأْذُونِ فِيهَا، هَذِهِ حَقِيقَةُ التَّوَكُّلِ.
وَأَمَّا تَرْكُ الْأَسْبَابِ؛ فَذَلِكَ طَعْنٌ فِي الشَّرِيعَةِ الَّتِي أَمَرَتْ بِالْأَخْذِ بِالْأَسْبَابِ، وَكَذَلِكَ الِاعْتِمَادُ عَلَى الْأَسْبَابِ شِرْكٌ.
فَالتَّوَكُّلُ اعْتِقَادٌ وَاعْتِمَادٌ وَعَمَلٌ؛ تَعْتَقِدُ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَأَنَّهُ كَافِيكَ وَرَاعِيكَ، وَأَنَّهُ كَالِئُكَ، فَهَذَا اعْتِقَادٌ، وَاعْتِمَادٌ: بِالتَّوَكُّلِ عَلَى اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، وَعَمَلٌ؛ أَيْ: أَخْذٌ بِالْأَسْبَابِ.
التَّوَكُّلُ عَلَى اللهِ مَطْلُوبٌ فِي كُلِّ شُؤُونِ الْحَيَاةِ؛ بَيْدَ أَنَّ هُنَاكَ مَوَاطِنَ كَثِيرَةً وَرَدَ فِيهَا الْحَضُّ عَلَى التَّوَكُّلِ وَالْأَمْرُ بِهِ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَلِلْمُؤْمِنِينَ، وَمِنْ ذَلِكَ:
* إِذَا وَصَلَتْ قَوَافِلُ الْقَضَاءِ؛ فَاسْتَقْبِلْهَا بِالتَّوَكُّلِ: {قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [التوبة: 51].
* وَإِذَا نَصَبَتِ الْأَعْدَاءُ حِبَالَاتِ الْمَكْرِ؛ فَادْخُلْ أَنْتَ فِي أَرْضِ التَّوَكُّلِ: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآياتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ} [يونس: 71].
* إِذَا خَشِيتَ بَأْسَ أَعْدَاءِ اللهِ وَالشَّيْطَانِ وَالْغَدَّارِ وَالْمَكَّارِ؛ فَلَا تَلْتَجِئْ إِلَّا إِلَى بَابِ اللهِ: {إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [النحل: 99].
* إِذَا أَرَدْتَ أَنْ يَكُونَ اللهُ وَكِيلَكَ فِي كُلِّ حَالٍ؛ فَتَمَسَّكْ بِالتَّوَكُّلِ فِي كُلِّ حَالٍ: {وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا} [النساء: 81].
وَمِنْ وَسَائِلِ الْوِقَايَةِ الشَّرْعِيَّةِ مِنَ الِانْتِحَارِ: مَعْرِفَةُ حَقِيقَةِ الدُّنْيَا، وَمَعْرِفَةُ الْقَاعِدَةِ الَّتِي بُنِيَتْ عَلَيْهَا الْحَيَاةُ، وَهِيَ قَاعِدَةُ الِابْتِلَاءِ؛ لِأَنَّ اللهَ خَلَقَهُ لِيَبْتَلِيَهُ، لَمْ يَخْلُقْهُ لِيُنَعِّمَهُ، قَالَ: خَلَقْتُكَ؛ وَاللهُ -تَب- يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ، هُوَ الْخَالِقُ، هَلْ تَعْتَرِضُ عَلَى خَالِقِكَ؟!! هُوَ خَلَقَكَ، وَعَلَى مُقْتَضَى الْحِكْمَةِ، وَقَالَ: أُكَلِّفُكَ؛ فَإِنْ أَطَعْتَ فَلَكَ الْجَنَّةُ، وَفِيهَا مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ، وَتَجِدُ فِيهَا مَا تَجِدُ مِنْ أَلْوَانِ الْمَلَذَّاتِ، وَأَنْتَ بَاقٍ فِيهَا أَبَدَ الْأَبِيدِ، لَا تَفْنَى وَلَا تَبِيدُ، فَلَا يَكُونُ هَذَا الَّذِي قَضَاهُ مِنْ عُمُرِهِ فِي الْمُعَانَاةِ شَيْئًا بِجِوَارِ هَذَا النَّعِيمِ الَّذِي لَا نِهَايَةَ لَهُ.
وَفِي الْمُقَابِلِ: إِنْ لَمْ تَسْمَعْ مَا أَقُولُ لَكَ، وَتَلْتَزِمْ بِالْأَمْرِ، وَتَجْتَنِبِ النَّهْيَ؛ فَإِنِّي أُدْخِلُكَ النَّارَ جَزَاءً لِمَعْصِيَتِكَ؛ لِأَنِّي خَلَقْتُكَ، وَأَنَا الَّذِي رَزَقْتُكَ، وَأَنَا الَّذِي أُدَبِّرُ أَمْرَكَ، وَأَنَا الَّذِي أُكَلِّفُكَ؛ فَيَجِبُ عَلَيْكَ أَنْ تُطِيعَنِي، وَقَدْ وَعَدْتُكَ بِالْجَزَاءِ الْعَظِيمِ إِذَا أَطَعْتَنِي، أَيْضًا أُوعِدُكَ بِهَذَا الْعَذَابِ الْأَلِيمِ إِذَا عَصَيْتَنِي.
فَاللهُ خَلَقَ الْإِنْسَانَ لِيَبْتَلِيَهُ، وَلَا بُدَّ أَنْ نَفْهَمَ هَذَا، لَمْ يَخْلُقْنَا اللهُ لِيُنَعِّمَنَا، لَوْ فَهِمْتَ هَذَا ارْتَحْتَ؛ لِأَنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ تَحْدُثُ لَهُمُ الْأُمُورُ الَّتِي لَا بُدَّ أَنْ تَحْدُثَ لِلْبَشَرِ فِي هَذَا الْوُجُودِ مِنَ الْغَمِّ وَالْهَمِّ وَالْكَمَدِ وَالنَّكَدِ وَالْمَرَضِ وَفَقْدِ الْأَحِبَّةِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ هَذِهِ الْعَوَارِضِ، لَا بُدَّ أَنْ تَحْدُثَ لِلْإِنْسَانِ، وَهَلْ وَجَدْتَ إِنْسَانًا مُبَرَّأً مِنْ شَيْءٍ مِنْ هَذَا؟!
لَا بُدَّ أَنْ يَأْخُذَ كُلٌّ نَصِيبَهُ، قَدْ تَتَنَوَّعُ تِلْكَ الْمَصَائِبُ؛ وَلَكِنَّهَا فِي النِّهَايَةِ مِنَ ابْتِلَاءِ اللهِ -تَب- لِلْكَائِنِ الْإِنْسَانِيِّ.
فَهَذَا الْأَمْرُ إِذَا مَا أَيْقَنَّا بِهِ ارْتَحْنَا؛ أَنَّ اللهَ لَمْ يَخْلُقْنَا مِنْ أَجْلِ أَنْ يُنَعِّمَنَا فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ، بَلْ خَلَقَنَا فِي كَبَدٍ، فِي نَصَبٍ، فِي تَعَبٍ؛ مِنْ أَجْلِ أَنْ يَخْتَبِرَنَا، فَمَنْ أَحْسَنَ فَلَهُ الْحُسْنَى، وَمَنْ أَسَاءَ فَلَهُ السُّوأَى، وَهَذِهِ حِكْمَةُ الْخَلْقِ الْإِنْسَانِيِّ فِي هَذَا الْوُجُودِ.
إِذَنْ، هَذِهِ الدُّنْيَا لَيْسَتْ بِدَارِ بَقَاءٍ، هَذَا الَّذِي نَحْنُ فِيهِ اخْتِبَارٌ، وهَذَا الِاخْتِبَارُ لَهُ يَوْمٌ تُعْلَنُ فِيهِ النَّتَائِجُ {يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ} [الطارق: 9]، فِي يَوْمِ الدِّينِ يَجْمَعُ اللهُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ، وَيُعْرَضُونَ جَمِيعًا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَتُبْلَى السَّرَائِرُ، وَتُبْحَثُ الدَّوَافِعُ، وَيُنْظَرُ فِيمَا كَانَ فِي الْقُلُوبِ، وَيَبْدَأُ الْحِسَابُ -وَهُوَ الْعَدْلُ وَالْقِسْطُ- بِمَثَاقِيلِ الذَّرِّ وَمَا هُوَ أَدْنَى، وَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا، وَلَمْ يُظْلَمْ أَحَدٌ؛ لِأَنَّ الَّذِي جَاءَ رَبَّهُ مُسِيئًا فَهُوَ الَّذِي أَسَاءَ.
وَمِنَ السُّبُلِ الشَّرْعِيَّةِ الْعَظِيمَةِ لِلْوِقَايَةِ مِنَ رَغْبَةِ التَّخَلُّصِ مِنَ الْحَيَاةِ: التَّرْغِيبُ فِي الْجَنَّةِ، وَالتَّرْهِيبُ مِنَ النَّارِ؛ فَالنَّاسُ لَوْ عَرَفُوا الْجَنَّةَ عَلَى حَقِيقَتِهَا؛ مَا نَامَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ عَلَى فِرَاشِهِ لَيْلَةً، لِأَنَّ السَّلَفَ كَانُوا مُشْتَاقِينَ إِلَى الْجَنَّةِ؛ حَتَّى إِنَّ بَعْضَ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ كَانَ يَقُولُ: ((وَاهًا لَكِ يَا رِيحَ الْجَنَّةِ، إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ الْجَنَّةِ دُونَ أُحُدٍ))، ثُمَّ قَامَ إِلَى الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَالْكَسْرَةُ كَانَتْ حَاضِرَةً، فَلَمَّا جَاءَهُ رُمْحٌ غَادِرٌ، فَانْتَظَمَ حَبَّةَ قَلْبِهِ، فَانْفَجَرَتِ الدِّمَاءُ مِنْ أَمَامَ كَالنَّافُورَةِ؛ كَانَ يَحْفِنُهَا بِيَدَيْهِ لِيُلْقِيَ بِهَا إِلَى السَّمَاءِ، وَيَقُولُ: ((فُزْتُ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ!! فُزْتُ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ!!))؛ لِأَنَّهَا انْتِقَالَةٌ مِنْ أَعْظَمِ مَا يَكُونُ؛ مِنْ زَاوِيَةِ الدَّارِ إِلَى الْجَنَّةِ وَنِعْمَ الْقَرَارُ، لَا مِنْ زَاوِيَةِ الدَّارِ إِلَى النَّارِ وَبِئْسَ الْقَرَارُ.
لَوْ عَرَفَ النَّاسُ النَّارَ؛ مَا رَقَأَ لَهُمْ جَفْنٌ مِنْ دَمْعٍ، وَمَا اسْتَقَرَّ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ جَنْبٌ عَلَى فِرَاشٍ!!
قَالَ رَبُّنَا -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ-: {وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ} [الإسراء: 57].
إِنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا لَمْ يَخَفْ مِنَ اللهِ؛ اتَّبَعَ هَوَاهُ، وَلَاسِيَّمَا إِذَا كَانَ طَالِبًا مَا لَمْ يَحْصُلْ لَهُ، وَهُوَ يَطْلُبُ مَا لَا يَحْصُلُ لَهُ وَلَمْ يُحَصِّلْهُ، وَلَا يَخَافُ رَبَّهُ فِي طَلَبِهِ، وَيَتَّبِعُ هَوَاهُ؛ هَذَا تَبْقَى نَفْسُهُ طَالِبَةً لِمَا تَسْتَرِيحُ بِهِ، وَتَدْفَعُ بِهِ الْغَمَّ وَالْحُزْنَ عَنْهَا، وَلَيْسَ عِنْدَهَا مِنْ ذِكْرِ اللهِ وَعِبَادَتِهِ مَا تَسْتَرِيحُ إِلَيْهِ وَبِهِ، وَيَسْتَرِيحُ إِلَى الْمُحَرَّمَاتِ حِينَئِذٍ؛ مِنْ فِعْلِ الْفَوَاحِشِ، وَشُرْبِ الْمُحَرَّمَاتِ، وَقَوْلِ الزُّورِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُغْضِبُ اللهَ -جَلَّ وَعَلَا-.
الْإِنْسَانُ إِذَا لَمْ يَخَفْ رَبَّهُ؛ اتَّبَعَ هَوَاهُ، وَأَمَّا إِذَا خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ؛ نَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى، كَمَا قَالَ اللهُ.
وَمِنَ الطُّرُقِ الْوِقَائِيَّةِ الشَّرْعِيَّةِ مِنَ الِانْتِحَارِ: نَشْرُ حُكْمِ الِانْتِحَارِ، وَبَيَانُ شِدَّةِ عُقُوبَتِهِ، وَالْوَعِيدِ عَلَيْهِ بِالنَّارِ؛ كَقَوْلِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: {وَلاَ تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء: 29]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة: 195].
وَقَوْلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ: «مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ فِي الدُّنْيَا؛ عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ».
وَقَوْلِهِ ﷺ: «مَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ؛ فَهُوَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ يَتَرَدَّى فيه خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ تَحَسَّى سُمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ؛ فَسُمُّهُ فِي يَدِهِ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ؛ فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَجَأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا».
وَقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «الَّذِي يَخْنُقُ نَفْسَهُ يَخْنُقُهَا فِي النَّارِ، وَالَّذِي يَطْعُنُهَا يَطْعُنُهَا فِي النَّارِ».
((سُبُلُ الْوِقَايَةِ التَّرْبَوِيَّةُ مِنَ الِانْتِحَارِ))
إِنَّ مِنْ أَهَمِّ السُّبُلِ الَّتِي تَقِي الْمُجْتَمَعَ الْمُسْلِمَ مِنَ الِانْزِلَاقِ فِي هَذِهِ الظَّوَاهِرِ الْخَطِيرَةِ؛ كَالِانْتِحَارِ وَالْإِلْحَادِ وَغَيْرِهِمَا: السُّبُلَ التَّرْبَوِيَّةَ؛ بِالتَّرْبِيَةِ عَلَى الدِّينِ وَالْعَقِيدَةِ الصَّحِيحَةِ؛ فَقَدْ نَادَى النَّبِيُّ ﷺ الْعَبَّاسَ -عَمَّ رَسُولِ اللهِ ﷺ-، وَنَادَى عَمَّتَهُ صَفِيَّةَ، وَنَادَى ابْنَتَهُ فَاطِمَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَعَنِ الصَّحَابَةِ وَالْآلِ أَجْمَعِينَ-: ((اعْمَلُوا، لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا، يَا فَاطِمَةُ! سَلِينِي مِنْ مَالِي مَا شِئْتِ، لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيْئًا)).
إِنَّ مِنَ الْحُقُوقِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِالْأَبْنَاءِ:
* تَعْلِيمَهُمُ الْفُرُوضَ الْعَيْنِيَّةَ.
* تَأْدِيبَهُمْ بِالْآدَابِ الشَّرْعِيَّةِ.
وَكَانَ الصِّغَارُ مِنَ الصَّحَابَةِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- عِنْدَهُمْ عِلْمٌ، وَيَجْلِسُونَ فِي مَجَالِسِ الْكِبَارِ بِأَدَبٍ؛ فَعَنِ ابْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ((أَخْبِرُونِي بِشَجَرَةٍ مَثَلُهَا مَثَلُ الْمُسْلِمِ، تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا، لَا تَحُتُّ وَرَقَهَا)).
فَوَقَعَ فِي نَفْسِي النَّخْلَةُ، فَكَرِهْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ، وَثَمَّ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-، فَلَمَّا لَمْ يَتَكَلَّمَا؛ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «هِيَ النَّخْلَةُ».
فَلَمَّا خَرَجْتُ مَعَ أَبِي؛ قُلْتُ: يَا أَبَتِ! وَقَعَ فِي نَفْسِي النَّخْلَةُ.
قَالَ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَقُولَهَا؟ لَوْ كُنْتَ قُلْتَهَا؛ كَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ كَذَا وَكَذَا.
قَالَ: مَا مَنَعَنِي إِلَّا لَمْ أَرَكَ وَلَا أَبَا بَكْرٍ تَكَلَّمْتُمَا، فَكَرِهْتُ.
الْحَدِيثُ فِي ((الصَّحِيحَيْنِ)).
* إِنَّ تَرْبِيَةَ الْأَبْنَاءِ لَا يَنْبَغِي أَنْ تَتَوَقَّفَ عِنْدَ حُدُودِ الِاهْتِمَامِ بِالطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالْمَلْبَسِ، وَإِنَّمَا يَجِبُ الِاهْتِمَامُ بِالتَّرْبِيَةِ الرُّوحِيَّةِ الْقَلْبِيَّةِ؛ وَأَعْظَمُ سُبُلِ التَّرْبِيَةِ الرُّوحِيَّةِ لِلطِّفْلِ وَالشَّابِّ: تَعَلُّمُ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، وَلُزُومُ ذِكْرِ اللهِ؛ فَالْبُيُوتُ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ مُنِيرَةً بِآيَاتِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-؛ بِقُرْآنِ الرَّحْمَنِ، لَا بِقُرْآنِ الشَّيْطَانِ!!
لَقَدْ كَانَتْ أَبْيَاتُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ بِاللَّيْلِ -لِمَنْ سَارَ فِي طُرُقَاتِ مَدِينَةِ رَسُولِ اللهِ-؛ كَانَتْ تِلْكَ الْأَبْيَاتُ -أَبْيَاتُ الْأَصْحَابِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ-- لَهَا بِاللَّيْلِ دَوِيٌّ كَدَوِيِّ النَّحْلِ مِنْ تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ.
فَلْنُوَجِّهْ أَهْلِينَا وَلْنُوَجِّهْ أَنْفُسَنَا إِلَى كِتَابِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، فَمَا ضَلَّ مَنْ ضَلَّ إِلَّا بِتَرْكِ كِتَابِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-؛ لِأَنَّ التَّزْكِيَةَ لِلنَّفْسِ لَا تَكُونُ إِلَّا بِالْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، وَبِسُنَّةِ النَّبِيِّ الْكَرِيمِ ﷺ.
إِنَّنَا نُقِيتُ أَهْلِينَا بِمَا تَقُومُ بِهِ أَجْسَادُهُمْ وَأَبْدَانُهُمْ، فَعَلَيْنَا أَنْ نُقِيتَ أَرْوَاحَهُمْ وَقُلُوبَهُمْ وَأَنْفُسَهُمْ وَعُقُولَهُمْ بِمَا فِيهِ الْحَيَاةُ الْبَاقِيَةُ، يَسْتَمِدُّونَ الْحَيَاةَ الْحَقِيقِيَّةَ مِنْ كِتَابِ اللهِ، وَمِنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ.
أَلَا فَلْنُوَجِّهْهُمْ بَعْدَ أَنْ نُوَجِّهَ أَنْفُسَنَا إِلَى ذِكْرِ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا-؛ فَإِنَّ فِي الْقَلْبِ قَسْوَةً لَا يُذِيبُهَا إِلَّا ذِكْرُ اللهِ، وَقَدْ تَكَاثَرَتْ عَلَيْنَا الْأَوَامِرُ، وَعَظُمَتْ عَلَيْنَا النَّوَاهِي؛ فَيَنْبَغِي أَنْ نَتَمَسَّكَ بِالْأَصْلِ الْأَصِيلِ، كَمَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ النَّبِيُّ النَّبِيلُ ﷺ؛ فَإِنَّهُ لَمَّا سُئِلَ -سَأَلَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ بُسْرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ--: إِنَّ شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ قَدْ كَثُرَت عَلَيَّ؛ فَدُلَّنِي عَلَى أَمْرٍ أَتَمَسَّكُ بِهِ جَامِعٍ.
كَثُرَتْ عَلَيَّ الشَّرَائِعُ، عَظُمَتْ عَلَيَّ الْأُمُورُ، صِرْتُ فِي حَيْرَةٍ حَائِرَةٍ، وَصِرْتُ فِي بَلْبَلَةٍ كَائِنَةٍ، ((دُلَّنِي عَلَى أَمْرٍ أَتَمَسَّكُ بِهِ جَامِعٍ)): ضَعْ يَدِي عَلَى ذَلِكَ الْمَعْلَمِ الْأَصِيلِ بِرَايَةِ التَّوْحِيدِ أَرْفَعُهَا، دُلَّنِي عَلَى الطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيمِ، وَكَانَ قَدْ دَلَّهُ، فَدَلَّهُ عَلَى الْمَعْلَمِ الْأَكْبَرِ فِيهِ، فَقَالَ: ((لَا يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبًا بِذِكْرِ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا-)).
فِي الْقَلْبِ يُبُوسَةٌ، وَفِي الرُّوحِ قَسَاوَةٌ لَا يُذِيبُهَا إِلَّا ذِكْرُ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا-، وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَذْكُرُ اللهَ عَلَى جَمِيعِ أَحْوَالِهِ.
أَلَا إِنَّ الذَّاكِرِينَ رَبَّهُمْ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- يَظْهَرُ ذَلِكَ فِي حَرَكَةِ حَيَاتِهِمْ سَكِينَةً وَاطْمِئْنَانًا، وَإِخْبَاتًا وَإِنَابَةً وَخُشُوعًا، سَكِينَةً عِنْدَ نُزُولِ الْمِحَنِ، وَتَثَبُّتًا وَتَرَيُّثًا عِنْدَ حُلُولِ الْفِتَنِ؛ لِأَنَّهُمْ أَلْقَوْا مَقَادَةَ الْقَلْبِ لِلشَّرْعِ يُصَرِّفُهَا كَمَا يَشَاءُ فِي: ((قَالَ اللهُ، قَالَ رَسُولُهُ))، فِي الْوَحْيِ الْمَعْصُومِ.
وَمَنْ أَخَذَ بِالْوَحْيِ الْمَعْصُومِ فَإِنَّهُ لَا يَزِلُّ.
وَمِنَ الْعِلَاجَاتِ التَّرْبَوِيَّةِ النَّاجِعَةِ الْوَاقِيَةِ مِنْ هَذَا الدَّاءِ الْخَطِيرِ: تَعْوِيدُ الْأَطْفَالِ وَالشَّبَابِ وَتَرْبِيَتُهُمْ عَلَى الصَّبْرِ؛ فَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} [يوسف: 90].
{إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ}؛ أَيْ: يَتَّقِ فِعْلَ مَا حَرَّمَ اللهُ، وَيَصْبِرْ عَلَى الْآلَامِ وَالْمَصَائِبِ، وَعَلَى الْأَوَامِرِ بِامْتِثَالِهَا، {فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ}؛ فَإِنَّ هَذَا مِنَ الْإِحْسَانِ، وَاللهُ لَا يُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا.
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: ((مَا رُزِقَ عَبْدٌ خَيْرًا لَهُ وَلَا أَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ)). أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ، وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ.
وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِلْأَنْصَارِ: ((إِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً -أَيْ: اسْتِئْثَارًا بِالْمَالِ وَالدُّنْيَا وَالْمُلْكِ وَالْإِمَارَةِ- إِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً؛ فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي، وَمَوْعِدُكُمُ الْحَوْضُ)). أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ.
وَمِنْ أَعْظَمِ الْوَسَائِلِ التَّرْبَوِيَّةِ الشَّرْعِيَّةِ لِلْوِقَايَةِ مِنَ الِاكْتِئَابِ وَالرَّغْبَةِ فِي الِانْتِحَارِ: التَّرْبِيَةُ عَلَى أَدَاءِ الصَّلَوَاتِ؛ فَقَدْ قَالَ ﷺ: ((مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ لِسَبْعٍ، وَاضْرِبُوهُم عَلَيْهَا لِعَشْرٍ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي المَضَاجِعِ)).
وَمِنْ فَوَائِدِ الصَّلَاةِ: أَنَّ بِهَا قُرَّةَ الْعَيْنِ، وَطُمَأْنِينَةَ الْقَلْبِ، وَرَاحَةَ النَّفْسِ؛ وَلِذَلِكَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: ((حُبِّبَ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا النِّسَاءُ وَالطِّيبُ، وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ)). أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ فِي (سُنَنِهِ))، وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ، وَغَيْرُهُ.
وَكَانَ يَقُولُ: ((قُمْ يَا بِلَالُ فَأَرِحْنَا بِالصَّلَاةِ)). أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَتَفَرَّدَ بِهِ، وَنَصُّهُ عِنْدَهُ: ((يَا بِلَالُ! أَقِمِ الصَّلَاةَ، أَرِحْنَا بِهَا)). وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
فَالصَّلَاةُ ذِكْرٌ، وَبِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ، وَصِلَةٌ بَيْنَ الْعَبْدِ وَرَبِّهِ، يَقُومُ الْمُصَلِّي بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ خَاشِعًا ذَلِيلًا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ، وَيَتْلُو كِتَابَهُ، وَيُعَظِّمُهُ بِقَوْلِهِ وَفِعْلِهِ، وَيُثْنِي عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، وَيَسْأَلُهُ حَاجَاتِ دِينِهِ وَدُنْيَاهُ، فَالصَّلَاةُ رَوْضَةٌ يَانِعَةٌ فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ.
إِنَّ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- أَمَرَنَا أَنْ نَقِيَ أَنْفُسَنَا النَّارَ، وَوَصَفَهَا اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- بِبَعْضِ صِفَاتِهَا، كَمَا وَصَفَ الْقَائِمِينَ عَلَيْهَا بِبَعْضِ صِفَاتِهِمْ، وَحَذَّرَنَا اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- مِنْ ذَلِكَ.
وَأَمَرَنَا أَنْ نَقِيَ أَنْفُسَنَا وَأَهْلِينَا ذَلِكَ الْأَمْرَ الْكَبِيرَ، وَهُوَ وُرُودُ النَّارِ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم:6].
فَاللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- نَادَانَا بِوَصْفِ الْإِيمَانِ؛ لَكِيْ يَكُونَ ذَلِكَ حَافِزًا لَنَا عَلَى إِلْقَاءِ سَمْعِ الْقَلْبِ لِمَا يَأْمُرُنَا بِهِ وَمَا يَنْهَانَا عَنْهُ.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا}: يَا مَنْ أَعْلَنْتُمْ إِيمَانَكُمْ بِرَبِّكِمْ -جَلَّ وَعَلَا-، فَآمَنْتُمْ بِهِ وَبِمَا أَنْزَلَ مِنْ كِتَابٍ، وَبِالرَّسُولِ الَّذِي أَرْسَلَهُ إِلَيْكُمْ؛ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ حَقًّا؛ فَاسْمَعُوا وَعُوا، وَامْتَثِلُوا أَمْرَ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، وَاجْتَنِبُوا مَسَاخِطَهُ.
{قُوا أَنفُسَكُمْ}: اجْعَلُوا بَيْنَ أَنْفُسِكُمْ وَبَيْنَ نَارِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- وِقَايَةً وَجُنَّةً، {وَأَهْلِيكُمْ}: فَإِنَّكُمْ رُعَاةٌ فِيهِمْ، وَكُلُّ رَاعٍ فِي رَعِيَّةٍ هُوَ مَسْئُولٌ عَنْهَا، وَالرَّجُلُ فِي أَهْلِهِ رَاعٍ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ.
عِبَادَ اللهِ! عَلِّمُوا أَبْنَاءَكُمْ دِينَ رَبِّهِمْ: عَقِيدَتَهُ، وَعِبَادَتَهُ، وَمُعَامَلَتَهُ، وَأَخْلَاقَهُ، وَسُلُوكَهُ؛ لِيَفُوزُوا بِالرِّضْوَانِ فِي الْآخِرَةِ مَعَ السَّعَادَةِ فِي الدُّنْيَا.
تَعَلَّمُوا أُصُولَ الِاعْتِقَادِ وَعَلِّمُوهَا، قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ مِنَ الشِّرْكِ الَّذِي يُوَرِّطُ الْخَلْقَ فِي النَّارِ تَوَرُّطًا، وَاللهُ لَا يَغْفِرُهُ {إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} [النِّسَاء: 48].
عَلِّمُوهُمْ أَنْ يَنْذِرُوا للهِ إِنْ نَذَرُوا.
عَلِّمُوهُمْ أَلَّا يَذْبَحُوا إِلَّا للهِ، وَأَلَّا يَتَوَكَّلُوا إِلَّا عَلَى اللهِ، أَلَّا يُحِبُّوا إِلَّا فِي اللهِ، وَأَلَّا يُبْغِضُوا إِلَّا فِي اللهِ.
عَلِّمُوهُمْ أَسْمَاءَ اللهِ وَصِفَاتِهِ.
دُلُّوهُمْ عَلَى الصَّوَابِ وَالْحَقِيقَةِ فِي مَسَائِلِ الْإِيمَانِ وَالْكُفْرِ، ألَّا يَكُونُوا مُرْجِئَةً، وَأَلَّا يَكُونُوا خَوَارِجَ؛ فَيَخْسَرُوا الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ.
عَلِّمُوهُمُ الْحَقَّ الْحَقِيقَ فِي بَابِ الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ؛ وَإِلَّا صَارُوا مُتَوَاكِلِينَ، لَا يَنْهَضُونَ لِهِمَّةٍ، وَلَا يَأْتُونَ بِعَزْمٍ فِي مُلِمَّةٍ.
عَلِّمُوهُمُ الْوَاجِبَ تِجَاهَ آلِ بَيْتِ رَسُولِ اللهِﷺ، وَأَلَّا يَكُونُوا رَافِضَةً، وَأَلَّا يَكُونُوا نَاصِبَةً؛ حَتَّى يَكُونُوا عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ مَعَ أَهْلِ السُّنَّةِ.
عَلِّمُوهُمُ الْحَقَّ الْحَقِيقَ في أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ؛ حَتَّى يُجَانِبُوا الشِّيعَةَ الرَّوَافِضَ الْمَلَاعِينَ فِي سَبِّهِمْ لِأَصْحَابِ النَّبِيِّ الْأَمِينِﷺ، وَفِي تَكْفِيرِهِمْ لَهُمْ، وَفِي رَمْيِهِمْ بِالْخِيَانَةِ لِلدِّينِ، وَارْتِدَادِهِمْ عَنْهُ بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ الْأَمِينِ؛ حَتَّى لَا يَنْجُمَ فِي بَيْتِكَ مَنْ يَقُولُ: هَؤُلَاءِ إِخْوَانُنَا، وَهَؤُلَاءِ نَتَقَارَبُ مَعَهُمْ!!
عَلِّمُوهُمُ الْحَقَّ الْحَقِيقَ فِي كِتَابِ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا-.
عَلِّمُوهُمْ أَلَّا يَنْظُرُوا إِلَى كِتَابِ رَبِّهِمْ -جَلَّ وَعَلَا- نَظْرَةَ السُّوءِ؛ فَيَرَوْهُ مُفَكَّكًا لَا يَتَمَاسَكُ كَمَا يَزْعُمُ الْعَلْمَانِيُّونَ وَالْمُسْتَشْرِقُونَ، وَكَمَا يَزْعُمُ الْمُكَفِّرُونَ الْمُنَصِّرُونَ، فَإِنَّهُمْ يَزْعُمُونَ فِي الْقُرْآنِ كَثِيرًا وَكَثِيرًا.
عَلِّمُوهُمْ حَقَّ رَسُولِ اللهِ، وَعَرِّفُوهُمْ بِهِ.
فَمَا وَقَيْتَهُ النَّارَ، وَأَسَأْتَ، وَتَعَدَّيْتَ، وَظَلَمْتَ! وَلَمْ تَرْعَ فِيهِ أَمَانَةَ اللهِ!
عَلِّمْهُ دِينَ اللهِ، وَدِينُ اللهِ لَا فُرْقَةَ فِيهِ، وَإِنَّمَا هُوَ قِيَامٌ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ الَّذِي جَاءَ بِهِ رَسُولُ اللهِﷺ.
((سُبُلُ الْوِقَايَةِ النَّفْسِيَّةِ مِنَ الِانْتِحَارِ))
مِنْ أَهَمِّ السُّبُلِ الْوِقَائِيَّةِ مِنَ الِانْتِحَارِ: السُّبُلُ النَّفْسِيَّةُ.. إِنَّ السَّوَاءَ النَّفْسِيَّ أَمْرٌ عَزِيزٌ فِي الْبَشَرِ، قَدْ تَحْيَا حَيَاتَكَ كُلَّهَا لَا تَرَى رَجُلًا سَوِيًّا قَدْ حَصَّلَ السَّوَاءَ النَّفْسِيَّ كَمَا يَنْبَغِي أَنْ يُحَصِّلَهُ!!
الْبَشَرُ دَائِمًا يَحْيَوْنَ فِي الْأَكَاذِيبِ، يَسْتَمْرِئُونَهَا، وَيُبْغِضُونَ الْحَقَائِقَ، وَيُبْغِضُونَ مَنْ يُوَاجِهُهُمْ بِهَا؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ يُشَارِكُ فِي صُنْعِ نَفْسِيَّتِهِ، وَفِي تَهْيِئَةِ خَلْفِيَّتِهِ الْعَقْلِيَّةِ وَالْفِكْرِيَّةِ، كَثِيرٌ مِنَ الْأُمُورِ؛ لَا يَنْفَرِدُ أَمْرٌ وَاحِدٌ بِتَشْكِيلِ نَفْسِيَّةِ الْمَرْءِ، وَإِنَّمَا يُشَارِكُ فِي صُنْعِ هَذِهِ النَّفْسِيَّةِ أَطْرَافٌ كَثِيرَةٌ، وَهَذِهِ الْأَطْرَافُ قَدْ تَكُونُ مُتَعَارِضَةً؛ فَيَقَعُ الصِّرَاعُ النَّفْسِيُّ عَلَى الْمُسْتَوَى الشَّخْصِيِّ، وَرُبَّمَا أَدَّى إِلَى كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرَاضِ الَّتِي لَا تُنْظَرُ وَلَا تُحَسُّ.
السَّبَبُ فِي ذَلِكَ: أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يُحَدِّدُ طَرِيقَهُ بِرَوِيَّةٍ وَفِكْرٍ وَعَقْلٍ، وَإِنَّمَا يَجِدُ نَفْسَهُ فِي مُجْتَمَعٍ مَا؛ فِي زَمَانٍ مَا؛ فِي ظُرُوفٍ مَا؛ فِي وَقْتٍ مَا؛ عَلَى هَيْئَةٍ مَا، خُلِقَ لِأَبَوَيْنِ لَمْ يَخْتَرْهُمَا، وَفِي ظُرُوفٍ اجْتِمَاعِيَّةٍ وَعِلْمِيَّةٍ وَاقْتِصَادِيَّةٍ لَمْ يُحَدِّدْهَا، ثُمَّ يَمْضِي فِي الْحَيَاةِ، وَيَظَلُّ مَاضِيًا فِيهَا عَلَى حَسَبِ النُّقْطَةِ الَّتِي بَدَأَ مِنْهَا، قَدْ تَكُونُ الْبِدَايَةُ غَيْرَ صَحِيحَةٍ، فَكُلَّمَا أَمْعَنَ وَاجْتَهَدَ فِي السَّيْرِ؛ ابْتَعَدَ عَنِ الْغَايَةِ.
وَالْأَمْرُ يَسِيرٌ.. لَوْ أَنَّنَا الْآنَ نُرِيدُ أَنْ نَقِفَ مِنْ أَجْلِ الصَّلَاةِ؛ نَتَوَجَّهُ إِلَى قِبْلَةِ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا-، لَوْ أَخَذْنَا خَطًّا مِنَ النُّقْطَةِ الَّتِي نَقِفُ عَلَيْهَا -خَطًّا مُسْتَقِيمًا- يَصِلُ إِلَى سَوَاءِ الْكَعْبَةِ، مَعَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَلْزَمُنَا بِالتَّوَجُّهِ إِلَى عَيْنِهَا مَا دُمْنَا لَا نَرَاهَا؛ وَلَكِنْ نَتَوَجَّهُ إِلَى جِهَتِهَا.
عَلَى كُلِّ حَالٍ؛ لَوْ أَنَّنَا أَخَذْنَا خَطًّا مُسْتَقِيمًا مِنَ النُّقْطَةِ الَّتِي نَقِفُ فِيهَا مُهَيِّئِينَ أَنْفُسَنَا لِلصَّلَاةِ، مُتَوَجِّهِينَ إِلَى قِبْلَةِ اللهِ، وَهَذَا الْخَطُّ الْمُسْتَقِيمُ يَبْدَأُ مِنْ بَيْنِ أَرْجُلِنَا إِلَى سَوَاءِ الْكَعْبَةِ الْمُشَرَّفَةِ، فَانْحَرَفْنَا فِي بِدَايَةِ الْوُقُوفِ عَنْ هَذَا الْخَطِّ الْمُسْتَقِيمِ الَّذِي يَصِلُ إِلَى سَوَاءِ الْغَايَةِ الَّتِي نَتَغَيَّاهَا؛ انْحَرَفْنَا عَنْ هَذَا الْخَطِّ دَرَجَةً وَاحِدَةً مِنَ الدَّرَجَاتِ الْهَنْدَسِيَّةِ الْمَعْرُوفَةِ؛ كُلَّمَا أَمْعَنَّا فِي السَّيْرِ؛ ابْتَعَدْنَا عَنِ الْغَايَةِ.
إِذَنْ؛ الْبِدَايَةُ لَا يَتَوَقَّفُ الْمَرْءُ حِينًا يَسِيرًا لِلنَّظَرِ فِيهَا، وَإِنَّمَا يَمْضِي فِي طَرِيقِهِ!!
قَدْ تَكُونُ بَدَأْتَ بِدَايَةً خَاطِئَةً، وُضِعْتَ فِي مَكَانٍ مَا لَمْ تُفَكِّرْ فِيهِ، وَلَمْ تَلْتَفِتْ إِلَى عَوَاقِبِهِ وَنَتَائِجِهِ، الدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ: أَنَّكَ رُبَّمَا لَا تَعْرِفُ أَحَدًا فِي هَذَا الْكَوْنِ غَيَّرَ مَسَارَ حَيَاتِهِ بَعْدَ نَظَرٍ وَفِكْرٍ ورَوِيَّةٍ، وَأَخَذَ يَتَأَمَّلُ فِي حَالِهِ وَمَآلِهِ، ثُمَّ تَبَيَّنَ خَطَأَ مَا هُوَ عَلَيْهِ؛ فَغَيَّرَ مَسَارَ حَيَاتِهِ.
* الْمُعَامَلَةُ الطَّيِّبَةُ، وَأَثَرُهَا الْحَسَنُ عَلَى الصِّحَّةِ النَّفْسِيَّةِ:
انْظُرْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ؛ كَانَ إِذَا كَانَ مُحَدِّثًا قَوْمًا؛ يَظُنُّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْجَالِسِينَ فِي مَجْلِسِهِ أَنَّهُ يُحَدِّثُهُ خَاصَّةً؛ لِأَنَّهُ يُوَزِّعُ ﷺ إِقْبَالَهُ وَنَظَرَاتِهِ عَلَى الْجَمِيعِ عَلَى قَدْرٍ مُسْتَقِيمٍ مُتَسَاوٍ ﷺ، فَلَا يَحْسَبُ وَاحِدٌ مِنَ الْجَالِسِينَ، وَلَا يَظُنُّ أَنَّهُ بَعِيدٌ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ، بَلْ كُلٌّ يَظُنُّ أَنَّهُ مِنْ خَاصَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ الْأَخَصِّينَ.
وَإِذَا صَافَحَ وَاحِدًا مِنْ أَصْحَابِهِ ﷺ؛ لَا يَنْزِعُ يَدَهُ مِنْ يَدِ مُصَافِحِهِ حَتَّى يَكُونَ الْمُسْلِّمُ -يَكُونَ الْمُصَافِحُ الْآخَرُ- هُوَ الَّذِي يَنْزِعُ يَدَهُ مِنْ يَدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ.
وَمَا سُئِلَ شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ.
هَذَا الدِّينُ هُوَ دِينُ الْأَحَاسِيسِ؛ وَلَكِنَّهَا لَيْسَتِ الْأَحَاسِيسَ الْمُهَوِّمَةَ، وَإِنَّمَا هِيَ الْأَحَاسِيسُ الْمُنْضَبِطَةُ، هَذَا الدِّينُ دِينُ الْأَحَاسِيسِ الْمُنْضَبِطَةِ.
كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَشَدَّ النَّاسِ حَسَاسِيَةً فِي مَسْأَلَةِ -قَضِيَّةِ- الْمُعَامَلَةِ، لَمْ يَكُنْ يُحِدُّ الْبَصَرَ إِلَى أَحَدٍ قَطُّ، يَعْنِي: لَا يَجْعَلُ نَظَرَهُ شَاخِصًا فِي نَظَرِ مُكَلِّمِهِ أَوْ مُقَابِلِهِ حَتَّى يَكُونَ النَّاظِرُ إِلَيْهِ هُوَ الَّذِي يَخْفِضُ بَصَرَهُ كَاسِرًا لَهُ أَمَامَ بَصَرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ.
وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَلْطَفَ النَّاسِ عِشْرَةً؛ وَلِذَلِكَ لَمَّا جَاءَ الرَّجُلُ الْأَعْرَابِيُّ لَا يَعْرِفُ الرَّسُولَ ﷺ، فَلَقِيَ النَّبِيَّ ﷺ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ؛ هَابَهُ حَتَّى ارْتَعَدَتْ فَرَائِصُهُ -وَهِيَ تِلْكَ الْعَضَلَاتُ الدِّقَاقُ الَّتِي تَكُونُ فِي أَصْلِ الْكَتِفِ هُنَالِكَ بَيْنَ الْعُنُقِ وَبَيْنَ أَصْلِهِ مِنْ خَارِجٍ-، فَأَخَذَتْ فَرَائِسُهُ تَرْتَعِدُ، فَمَاذَا قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ؟
قَالَ لَهُ: «هَوِّنْ عَلَيْكَ؛ فَإِنِّي لَسْتُ بِمَلِكٍ، إِنَّمَا أَنَا ابْنُ امْرَأَةٍ تَأْكُلُ الْقَدِيدَ». ﷺ.
وَالْقَدِيدُ: اللَّحْمُ يُؤْخَذُ، يُقَدَّدُ، يُشَرَّحُ، يُشَرَّقُ.
وَمِنْ أَعْظَمِ الْعِلَاجَاتِ لِلْأَمْرَاضِ النَّفْسِيَّةِ: الْقُرْآنُ، وَالدُّعَاءُ، قَالَ رَبُّنَا -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا} [الإسراء: 9].
إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ الْقَرِيبَ مِنْكُمْ، الَّذِي يُتْلَى عَلَيْكُمْ؛ لَهُ وَظَائِفُ كُبْرَى:
مِنْهَا: أَنَّهُ يَدُلُّ وَيُرْشِدُ إِلَى الطَّرِيقَةِ الَّتِي هِيَ أَقْرَبُ إِلَى الِاعْتِدَالِ الْكَامِلِ فِي كُلِّ سُلُوكٍ بَشَرِيٍّ، وَيُبَشِّرُ الْقُرْآنُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا صَحِيحًا صَادِقًا الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ بِأَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا يَنَالُونَهُ فِي الْجَنَّةِ.
قَالَ الْإِمَامُ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- فِي ((الْفَوَائِدِ)): ((الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ كِتَابُ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَاللهُ جَعَلَهُ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ، وَجَعَلَ فِيهِ شِفَاءً مِنَ الْأَسْقَامِ؛ سِيَّمَا أَسْقَامُ الْقُلُوبِ وَأَمْرَاضُهَا مِنْ شُبُهَاتٍ وَشَهَوَاتٍ.
وَجَعَلَهُ بُشْرَى وَرَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، وَذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ، وَجَعَلَهُ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ، وَصَرَّفَ فِيهِ مِنَ الْآيَاتِ وَالْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا)).
وَأَمَّا الدُّعَاءُ؛ فَسِلَاحٌ عَظِيمٌ لِدَفْعِ الْهَمِّ وَالْحُزْنِ عَنِ الْقَلْبِ؛ خَاصَّةً أَدْعِيَةُ دَفْعِ الْكَرْبِ وَالْهَمِّ وَالْحُزْنِ، قَالَ تَعَالَى: {أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد: 28].
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ عِنْدَ الْكَرْبِ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَرَبُّ الْأَرْضِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنْ أَنَسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ إِذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ؛ قَالَ: ((يَا حَيُّ! يَا قَيُّومُ! بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ)).
وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَلَا أُعَلِّمُكِ كَلِمَاتٍ تَقُولِينَهُنَّ عِنْدَ الْكَرْبِ -أَوْ فِي الْكَرْبِ-؟ اللهُ رَبِّي لَا أُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا».
وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «دَعْوَةُ أَخِي ذِي النُّونِ؛ مَا دَعَا بِهَا مَكْرُوبٌ إِلَّا فَرَّجَ اللهُ عَنْهُ: ((لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ، إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ». الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ فِي غَيْرِ مَا مَوْضِعٍ.
هَذِهِ الدَّعْوَةُ الْمُبَارَكَةُ الَّتِي دَعَا بِهَا يُونُسُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- وَهُوَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ؛ فَرَّجَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- عَنْهُ بِهَا.
وَكَذَلِكَ يُفَرِّجُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- عَنِ الْمُؤْمِنِينَ؛ حَتَّى إِنَّ الْإِنْسَانَ يُمْكِنُ أَنْ يَلْتَفِتَ إِلَى هَذِهِ الدَّعْوَةِ عِنْدَ الْكَرْبِ الْتِفَاتًا خَاصًّا؛ فَإِنَّهُ إِذَا دَعَا بِهَا، ثُمَّ لَمْ يُفَرَّجْ عَنْهُ، وَلَمْ يُنَجِّهِ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-؛ فَعَلَيْهِ أَنْ يَقِفَ طَوِيلًا مَعَ إِيمَانِهِ؛ لِأَنَّ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- جَعَلَ نَجَاةَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا أَخَذُوا بِهَذِهِ الدَّعْوَةِ الصَّالِحَةِ الْمُبَارَكَةِ؛ جَعَلَ هَذِهِ النَّجَاةَ كَنَجَاةِ يُونُسَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- لَمَّا دَعَا بِهَا وَهُوَ فِي بَاطِنِ الْحُوتِ.
((السُّبُلُ الِاجْتِمَاعِيَّةُ لِلْوِقَايَةِ مِنَ الِانْتِحَارِ))
إِنَّ مِنْ أَهَمِّ الْجَوَانِبِ الَّتِي يَجِبُ الِاهْتِمَامُ بِهَا: الْجَانِبَ الِاجْتِمَاعِيَّ وَالْعَاطِفِيَّ، وَالنَّبِيُّ ﷺ كَانَ يُولِي اهْتِمَامًا كَبِيرًا بِهَذَا الْجَانِبِ؛ فَقَدْ أَخْبَرَتْ عَائِشَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- أَنَّهُ مَا كَانَ مِنْ أَحَدٍ أَشْبَهَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ فِي سَمْتِهِ، وَفِي دَلِّهِ، وَفِي مَشْيِهِ، وَفِي جِلْسَتِهِ مِنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللهِ ﷺ.
وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَقْبَلَتْ؛ قَامَ إِلَيْهَا فَقَبَّلَهَا، وَأَجْلَسَهَا فِي مَوْضِعِهِ ﷺ، وَكَانَ إِذَا أَقْبَلَ عَلَيْهَا وَذَهَبَ إِلَيْهَا؛ قَامَتْ إِلَيْهِ، فَقَبَّلَتْهُ وَأَجْلَسَتْهُ ﷺ.
وَمِنَ الِاهْتِمَامِ الِاجْتِمَاعِيِّ بِالشَّابِّ الْمُسْلِمِ: تَتَبُّعُ أَخْبَارِهِ، وَالسُّؤَالُ عَنْ حَالِهِ، وَالِاجْتِهَادُ لِحَلِّ مَشَاكِلِهِ؛ فَقَدْ عَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ابنَتَهُ فَاطِمَةَ وَعَلِيًّا -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- أَنْ يُسَبِّحَا كُلَّ لَيلَةٍ إِذَا أَخَذَا مَضَاجِعَهُمَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَيَحْمَدَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَيُكَبِّرَا أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ لمَّا سَأَلَتْهُ الْخَادِمَةَ، وَشَكَتْ إِلَيْهِ مَا تُقَاسِيهِ مِنَ الطَّحْنِ وَالسَّقْيِ وَالْخِدْمَةِ، فَعَلَّمَهَا ذَلِكَ، وَقَالَ: ((إِنَّهُ خَيْرٌ لَكُمَا مِنْ خَادِمٍ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَمِنَ الْجَوَانِبِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ الْمُهِمَّةِ: تَوْفِيرُ الِاسْتِقْرَارِ الْأُسَرِيِّ لِلشَّبَابِ؛ فَإِنَّ بَابَ عِشْرَةِ النِّسَاءِ بَابٌ عَظِيمٌ تَجِبُ الْعِنَايَةُ بِهِ؛ لِأَنَّ تَطْبِيقَهُ مِنْ أَخْلَاقِ الْإِسْلَامِ، وَلِأَنَّ تَطْبِيقَهُ تَدُومُ بِهِ الْمَوَدَّةُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، وَلِأَنَّ تَطْبِيقَهُ يَحْيَا بِهِ الزَّوْجَانِ حَيَاةً سَعِيدَةً.
وَلِأَنَّ تَطْبِيقَهُ سَبَبٌ لِكَثْرَةِ الْوِلَادَةِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا حَسُنَتِ الْعِشْرَةُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ؛ ازْدَادَتِ الْمَحَبَّةُ، وَإِذَا ازْدَادَتِ الْمَحَبَّةُ؛ ازْدَادَ الِاجْتِمَاعُ عَلَى الْجِمَاعِ، وَبِالْجِمَاعِ يَكُونُ الْأَوْلَادُ، فَالْمُعَاشَرَةُ أَمْرُهَا عَظِيمٌ.
قَالَ تَعَالَى: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء: 19].
وَهَذَا أَمْرٌ، وَالْأَصْلُ فِي الْأَمْرِ الْوُجُوبُ.
وَقَالَ تَعَالَى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 228].
فَأَثْبَتَ أَنَّ عَلَيْهِنَّ عِشْرَةً، فَيَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ؛ كُلٌّ مِنْهُمَا أَنْ يُعَاشِرَ الْآخَرَ بِالْمَعْرُوفِ.
الْوَاجِبُ عَلَى الْإِنْسَانِ إِذَا كَانَ يُحِبُّ أَنْ يَحْيَا حَيَاةً سَعِيدَةً مُطْمَئِنَّةً هَادِئَةً؛ أَنْ يُعَاشِرَ زَوْجَتَهُ بِالْمَعْرُوفِ.
وَكَذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ لِلزَّوْجَةِ مَعَ زَوْجِهَا؛ وَإِلَّا ضَاعَتِ الْأُمُورُ، وَصَارَتِ الْحَيَاةُ شَقَاءً.
ثُمَّ هَذَا -أَيْضًا- يُؤَثِّرُ عَلَى الْأَوْلَادِ، فَالْأَوْلَادُ إِذَا رَأَوُا الْمَشَاكِلَ بَيْنَ أُمِّهِمْ وَأَبِيهِمْ؛ سَوْفَ يَتَأَلَّمُونَ وَيَنْزَعِجُونَ، وَإِذَا رَأَوُا الْأُلْفَةَ فَسَيُسَرُّونَ.
وَمِنْ أَهَمِّ الْجَوَانِبِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ: الصُّحْبَةُ الصَّالِحَةُ؛ فَقَدْ أَمَرَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا- نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ -وَغَيْرُهُ أُسْوَتُهُ فِي الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي- أَنْ يَصْبِرَ نَفْسَهُ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ الْعُبَّادِ الْمُنِيبِينَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ؛ أَيْ: أَوَّلَ النَّهَارِ وَآخِرَهُ، يُرِيدُونَ بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ.
فَوَصَفَهُمْ بِالْعِبَادَةِ وَالْإِخْلَاصِ فِيهَا.
فَأَمَرَ اللهُ بِصُحْبَةِ الْأَخْيَارِ، وَمُجَاهَدَةِ النَّفْسِ عَلَى صُحْبَتِهِمْ وَمُخَالَطَتِهِمْ؛ وَإِنْ كَانُوا فُقَرَاءَ؛ فَإِنَّ فِي صُحْبَتِهِمْ مِنَ الْفَوَائِدِ مَا لَا يُحْصَى.
قَالَ رَبُّنَا -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [الكهف: 28].
وَاحْبِسْ -يَا رَسُولَ اللهِ وَيَا كُلَّ دَاعٍ إِلَى اللهِ- نَفْسَكَ، صَابِرًا عَلَى تَحَمُّلِ مَشَقَّاتِ التَّعْلِيمِ وَالتَّرْبِيَةِ وَالتَّزْكِيَةِ، مُصَاحِبًا وَمُلَازِمًا الَّذِينَ يَعْبُدُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ {بِالْغَدَاةِ}: مَا بَيْنَ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَطُلُوعِ الشَّمْسِ {وَالْعَشِيِّ}: مَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعَصْرِ وَغُرُوبِ الشَّمْسِ، يُرِيدُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَجْهَ اللهِ، لَا يُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا.
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((الرَّجُلُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ؛ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ». أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: ((حَسَنٌ غَرِيبٌ))، وَحَسَّنَهُ لِغَيْرِهِ الْأَلْبَانِيُّ فِي ((الصَّحِيحَةِ)).
وَقَالَ الشَّاعِرُ:
عَنِ الْمَرْءِ لَا تَسْأَلْ وَأَبْصِرْ قَرِينَهُ=فَكُلُّ قَرِينٍ بِالْمُقَارَنِ يَقْتَدِي
وَحَذَّرَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا- مِنْ صَدِيقٍ يَصُدُّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ، قَالَ تَعَالَى: {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا} [الفرقان: 25 - 28].
((نِدَاءٌ إِلَى الشَّبَابِ الْمُسْلِمِ!!))
أَيُّهَا الشَّبَابُ! {إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ} [يونس: 81]، وَلَا يُمْكِنُ بِحَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ أَنْ يَكُونَ ارْتِكَابُ الْحَرَامِ مُوصِلًا إِلَى مَا أَحَلَّهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ؛ فَإِنَّ الْحَرَامَ هُوَ الْحَرَامُ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ سُئِلَ: يَا رَسُولَ اللهِ! هَلْ يَأْتِي الْخَيْرُ بِالشَّرِّ؟
قَالَ: ((لَا، لَا يَأْتِي الْخَيْرُ إِلَّا بِالْخَيْرِ))، وَكَذَلِكَ لَا يَأْتِي الشَّرُّ إِلَّا بِالشَّرِّ.
((لِذَلِكَ نَقُولُ لِلشَّبَابِ الْمُسْلِمِ: حَافِظُوا عَلَى حَيَاتِكُمْ؛ بِشَرْطِ أَنْ تَدْرُسُوا دِينَكُمْ وَإِسْلَامَكُمْ، وَأَنْ تَتَعَرَّفُوا عَلَيْهِ تَعَرُّفًا صَحِيحًا، وَأَنْ تَعْمَلُوا بِهِ فِي حُدُودِ اسْتِطَاعَتِكُمْ، وَخَيْرُ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ)).
فَلَا خَلَاصَ لِلإِنْسَانِ إِلَّا بِدِينِهِ..
نَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يُمَسِّكَنَا دِينَهُ الحَقَّ.
((عِلَاجُ الْيَأْسِ وَالْهَمِّ لَيْسَ فِي ابْتِلَاعِ السُّمِّ!))
يَا مَنْ أَثْقَلَتْكَ الْهُمُومُ، وَكَدَّرَتْ خَاطِرَكَ أَعْبَاءُ الْحَيَاةِ، وَلَاحَتْ فِي عَيْنَيْكَ غُيُومُ الْيَأْسِ الْقَاتِمَةُ! احْذَرْ أَنْ تُبَادِرَ رَبَّكَ بِنَفْسِكَ!
هَلْ الِانْتِهَاءُ هُوَ الِانْتِصَارُ؟!!
هَلِ الْهُرُوبُ هُوَ الْخَلَاصُ؟!!
أَمْ أَنَّ الْمَلْجَأَ وَالْمَلَاذَ وَالنَّجَاةَ وَالْفَلَاحَ فِي الْفِرَارِ إِلَى اللهِ -جَلَّ جَلَالُهُ-، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، الْوَدُودِ الْكَرِيمِ، التَّوَّابِ الرَّزَّاقِ؟!!
أَيُّهَا الْمُسْلِمُ! اعْلَمْ أَنَّهُ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللهِ إِلَّا إِلَيْهِ!
أَلَا فَاعْلَمْ أَنَّ عِلَاجَ الْيَأْسِ وَالْهَمِّ لَيْسَ فِي ابْتِلَاعِ السُّمِّ، بَلْ فِي بَثِّ الْأَمَلِ؛ الْأَمَلِ الَّذِي يُولَدُ مِنْ رَحِمِ الْأَلَمِ، الْأَمَلِ الَّذِي يُزْهِرُ فِي قَلْبِ الْيَأْسِ، الْأَمَلِ الَّذِي يُضِيءُ كَقِنْدِيلٍ فِي عَتْمَةِ الرُّوحِ.
الْأَمَلُ لَيْسَ مُجَرَّدَ كَلِمَةٍ عَابِرَةٍ، بَلْ إِنَّ الْأَمَلَ فِعْلٌ..
الْأَمَلُ سَعْيٌ..
الْأَمَلُ إِيمَانٌ بِأَنَّ الْغَدَ يَحْمِلُ فِي طَيَّاتِهِ فُرَصًا جَدِيدَةً لِلنَّجَاحِ، وَأَشِعَّةَ شَمْسٍ دَافِئَةً تُنِيرُ الْقُلُوبَ، وَابْتِسَامَاتٍ صَادِقَةً تُزِيلُ الْهُمُومَ..
الْأَمَلُ هُوَ أَنْ نَرَى فِي كُلِّ عَثْرَةٍ دَرْسًا، وَفِي كُلِّ سُقُوطٍ نُهُوضًا، وَفِي كُلِّ ضِيقٍ فَرَجًا؛ {فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [الصافات: 87]؟!
فَلْنَعْلَمْ جَمِيعًا أَنَّ الْحَيَاةَ لَيْسَتْ دَائِمًا سَهْلَةً مُرِيحَةً، قَدْ تَعْصِفُ بِنَا الرِّيَاحُ، وَتَشْتَدُّ بِنَا الْأَمْوَاجُ، وَقَدْ نَضِلُّ الطَّرِيقَ فِي الظَّلَامِ؛ وَلَكِنْ لَا تَسْتَسْلِمُوا لِهَمَسَاتِ الْيَأْسِ، وَلَا تُصَدِّقُوا وُعُودَ الْمَوْتِ الْكَاذِبَةَ!
ابْحَثُوا عَنْ بَصِيصِ النُّورِ فِي أَعْمَاقِكُمْ!
تَمَسَّكُوا بِخُيُوطِ الْأَمَلِ اللَّائِحَةِ، وَاسْمَحُوا لِلْحَيَاةِ أَنْ تُبْدِيَ جَمَالَهَا الْمُتَجَدِّدَ!
عِبَادَ اللهِ! إِنَّ الْخَلَاصَ لَيْسَ فِي حَبَّةِ غَلَّةٍ قَاتِلَةٍ، بَلْ فِي حَبَّةِ أَمَلٍ بَاسِمَةٍ نَزْرَعُهَا فِي قُلُوبِنَا، وَنَسْقِيهَا بِالْإِتْقَانِ وَالْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ؛ لِتُزْهِرَ حَيَاةٌ جَدِيدَةٌ مُشْرِقَةٌ، مَلِيئَةٌ بِالْبَهْجَةِ وَالسُّرُورِ وَالْأُنْسِ وَالْحُبُورِ.
فَلْنَنْبِذْ حَبَّةَ الْيَأْسِ، وَلْنَحْتَضِنْ حَبَّةَ الْأَمَلِ، وَلْنُعْلِنْهَا بِلِسَانٍ مُفْعَمٍ بِالْأَمَلِ: نَعَمْ لِلْحَيَاةِ الطَّيِّبَةِ.
اللهم أَحْيِنَا مُسْلِمِينَ، وَتَوَفَّنَا مُؤْمِنِينَ، وَأَلْحِقْنَا بِالصَّالِحِينَ.
وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ.
المصدر:
سَعَةُ رَحْمَةِ اللهِ بَابُ الْأَمَلِ
وَجَرِيمَةُ الِانْتِحَارِ