((الْقَسْوَةُ لَيْسَتْ وَسِيلَةً لِلتَّرْبِيَةِ))
إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ.
أَمَّا بَعْدُ:
فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.
أَمَّا بَعْدُ:
((الرِّفْقُ فِي التَّرْبِيَةِ.. مَنْهَجُ النُّبُوَّةِ وَبِنَاءُ الْإِنْسَانِ))
إِنَّ التَّرْبِيَةَ الْحَقَّةَ هِيَ بِنَاءٌ لِلْقُلُوبِ، وَغَرْسٌ لِلْقِيَمِ، وَتَشْكِيلٌ لِلنُّفُوسِ، وَإِذَا كَانَ لِكُلِّ بِنَاءٍ أَسَاسٌ فَإِنَّ أَسَاسَ التَّرْبِيَةِ فِي الْإِسْلَامِ هُوَ الرَّحْمَةُ، وَرُوحُهَا الرِّفْقُ، وَغَايَتُهَا تَنْشِئَةُ إِنْسَانٍ سَوِيٍّ يَعْرِفُ رَبَّهُ وَيُوَحِّدُهُ، وَيُفْرِدُهُ بِالْعِبَادَةِ، وَيَطْمَئِنُّ فِي نَفْسِهِ، وَيُحْسِنُ التَّعَامُلَ مَعَ النَّاسِ، وَقَدْ قَدَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِلْعَالَمِ نَمُوذَجًا تَرْبَوِيًّا فَرِيدًا لَمْ يَقُمْ عَلَى التَّخْوِيفِ وَالْقَسْوَةِ، وَإِنَّمَا قَامَ عَلَى الْمَحَبَّةِ، وَالِاحْتِوَاءِ، وَالْإِكْرَامِ، وَاحْتِرَامِ الْمَشَاعِرِ، حَتَّى أَصْبَحَتْ سِيرَتُهُ مَدْرَسَةً مُتَكَامِلَةً فِي التَّرْبِيَةِ.
قَالَ تَعَالَى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران: ١٥٩].
فَبِسَبَبِ رَحْمَةٍ عَظِيمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَّقَكَ اللهُ لِلرِّفْقِ وَالتَّلَطُّفِ بِأَصْحَابِكَ، وَأَلْقَى فِي قَلْبِكَ دَاعِيَةَ الرَّحْمَةِ وَالْعَطْفِ، فَسَهُلَتْ لَهُمْ أَخْلَاقُكَ، وَلِنْتَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ فِي أَقْوَالِكَ وَأَعْمَالِكَ، فَاجْتَمَعُوا عَلَيْكَ، وَلَوْ كُنْتَ جَافِيًا مُتَجَهِّمَ الْوَجْهِ، سَيِّءَ الْخُلُقِ، قَلِيلَ الِاحْتِمَالِ، قَاسِيَ الْقَلْبِ، خَالِيًا مِنْ عَاطِفَةِ الرَّحْمَةِ؛ لَنَفَرُوا عَنْكَ وَتَفَرَّقُوا، حَتَّى لَا يَبْقَى أَحَدٌ مِنْهُمْ عِنْدَكَ.
وَقَالَ -سُبْحَانَهُ- فِي وَصْفِ نَبِيِّهِ ﷺ: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} [التوبة: ١٢٨].
نُؤَكِّدُ لَكُمْ تَأْكِيدًا مُشَدَّدًا أَنَّهُ جَاءَكُمْ -أَيُّهَا الْعَرَبُ- رَسُولٌ مِنْ ذَوِي أَنْفُسِكُمْ تَعْرِفُونَ نَسَبَهُ وَحَسَبَهُ، وَصِدْقَهُ وَأَمَانَتَهُ، شَدِيدٌ عَلَيْهِ وَشَاقٌّ عَلَى نَفْسِهِ كُلُّ مَا هُوَ شَدِيدٌ وَشَاقٌّ عَلَى نُفُوسِكُمْ، غَالِبٌ عَلَى صَدْرِهِ مَشَقَّتُكُمُ الشَّدِيدَةُ وَهَلَاكُكُمْ وَضَرَرُكُمْ وَأَذَاكُمْ بِمَا فِي قَلْبِهِ نَحْوَكُمْ مِنْ رَأْفَةٍ شَدِيدَةٍ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْأَلَمَ الَّذِي يَنْزِلُ بِهِ حِينَمَا يَرَاكُمْ فِي مَشَقَّةٍ شَدِيدَةٍ أَقْوَى مِنَ احْتِمَالِ صَبْرِهِ فَهُوَ يَغْلِبُهُ.
حَرِيصٌ عَلَى إِيمَانِكُمْ وَصَلَاحِ شَأْنِكُمْ، يَبْذُلُ غَايَةَ جُهْدِهِ فِي نُصْحِكُمْ، وَإِيصَالِ الْخَيْرِ إِلَيْكُمْ، وَدَفْعِ الضُّرِّ وَالْأَذَى عَنْكُمْ مِنْ كُلِّ مَا يُؤْذِيكُمْ وَيَضُرُّكُمْ فِي دُنْيَاكُمْ وَآخِرَتِكُمْ، وَهُوَ ﷺ شَدِيدُ الرَّأْفَةِ بِالْمُؤْمِنِينَ، عَظِيمُ الرَّحْمَةِ بِهِمْ.
وَإِذَا كَانَتْ رَحْمَتُهُ ﷺ قَدْ شَمَلَتِ الْأُمَّةَ كُلَّهَا فَقَدْ كَانَ الْأَطْفَالُ أَوْفَرَ النَّاسِ نَصِيبًا مِنْهَا؛ فَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَسْتَقْبِلُ الْمَوَالِيدَ بِالسُّرُورِ وَالتَّحْنِيكِ وَالدُّعَاءِ؛ فَعَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- قَالَتْ: ((كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُؤْتَى بِالصِّبْيَانِ، فَيُبَرِّكُ عَلَيْهِمْ، وَيحَنِّكُهُمْ)). أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي ((صَحِيحِهِ)).
وَهَذَا الْحَدِيثُ فِيهِ ذِكْرٌ لِهَذِهِ السُّنَّةِ الَّتِي كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَأْتِي بِهَا.
وَ((التَّحْنِيكُ)): أَنْ تَمْضُغَ التَّمْرَ حَتَّى يَلِينَ، ثُمَّ تَدْلُكُهُ بِحَنَكِ الصَّبِيِّ.
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُومَ بِتَحْنِيكِ الصَّبِيِّ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْفَضْلِ وَالصَّلَاحِ وَالْعِلْمِ، وَيَدْعُوَ لَهُ بِالْبَرَكَةِ -أَيْ: يَقُولُ: بَارَكَ اللهُ عَلَيْكَ-.
وَعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: ((وُلِدَ لِي غُلَامٌ، فَأَتَيْتُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ، فَسَمَّاهُ: إِبْرَاهِيمَ، فَحَنَّكَهُ بِتَمْرَةٍ، وَدَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ، وَدَفَعَهُ إِلَيَّ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- أَنَّهَا حَمَلَتْ بِعَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ بِمَكَّةَ، قَالتَ: ((فَخَرَجْتُ وَأَنَا مُتِمٌّ -أَيْ: وَهِيَ مُتِمٌّ أَشْهَرَ الْحَمْلِ-.
قَالَتْ: فَأَتَيْتُ الْمَدِينَةَ، فَنَزَلْتُ بِقُبَاءَ، فَوَلَدْتُ بِقُبَاءَ، ثُمَّ أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَوَضَعْتُهُ فِي حِجْرِهِ، ثُمَّ دَعَا بِتَمْرَةٍ فَمَضَغَهَا، ثُمَّ تَفَلَ فِي فِيهِ، فَكَانَ أَوَّلَ شَيْءٍ دَخَلَ جَوْفِهِ رِيقُ رَسُولِ اللهِ ﷺ، ثُمَّ حَنَّكَهُ بِتَمْرَةٍ، ثُمَّ دَعَا لَهُ، فَبَرَّكَ عَلَيْهِ)).
وَلَمْ تَقْتَصِرْ رَحْمَتُهُ ﷺ عَلَى الْمَوَالِيدِ، بَلِ امْتَدَّتْ إِلَى الْأَطْفَالِ فِي حَيَاتِهِمُ الْيَوْمِيَّةِ؛ فَقَدْ رَوَى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: ((أنَّ النَّبيَّ ﷺ كَانَ يَزُورُ الْأَنْصَارَ، وَيُسَلِّمُ عَلَى صِبْيَانِهِمْ، وَيَمْسَحُ رُؤُوسَهُمْ)). أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ.
((أَثَرُ الْمَحَبَّةِ فِي السَّوَاءِ النَّفْسِيِّ لِلْأَطْفَالِ))
مِنْ أَبْرَزِ مَعَالِمِ التَّرْبِيَةِ النَّبَوِيَّةِ أَنَّ الْمَحَبَّةَ كَانَتْ تُتَرْجَمُ إِلَى سُلُوكٍ عَمَلِيٍّ وَكَلِمَاتٍ صَرِيحَةٍ يَسْمَعُهَا الطِّفْلُ وَيَرَى آثَارَهَا، وَهَذَا الْمَنْهَجُ يُرَسِّخُ فِي نَفْسِ الطِّفْلِ الشُّعُورَ بِالْأَمَانِ وَالِانْتِمَاءِ، وَيُشْبِعُ حَاجَتَهُ الْفِطْرِيَّةِ مِنَ الْعَوَاطِفِ، وَهُوَ مَا يَنْعَكِسُ إِيجَابِيًّا عَلَى بِنَاءِ شَخْصِيَّتِهِ وَاسْتِقْرَارِهِ النَّفْسِيِّ؛ فَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ رَحِيمًا شَفِيقًا بِالْأَطْفَالِ؛ وَمِنْ تَوَاضُعِهِ ﷺ وَشَفَقَتِهِ وَرَحْمَتِهِ بِالْأَطْفَالِ؛ أَنَّهُ كَانَ يُضَاحِكُهُمْ؛ فَعَنْ يَعْلَى بْنِ مُرَّةَ أَنَّهُ قَالَ: ((خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، وَدُعِينَا إِلَى طَعَامٍ فَإِذَا حُسَيْنٌ يَلْعَبُ فِي الطَّرِيقِ، فَأَسْرَعَ النَّبِيُّ ﷺ أَمَامَ الْقَوْمِ، ثُمَّ بَسَطَ يَدَيْهِ، فَجَعَلَ يَمُرُّ مَرَّةً هَاهُنَا وَمَرَّةً هَاهُنَا، يُضَاحِكُهُ حَتَّى أَخَذَهُ، فَجَعَلَ إِحْدَى يَدَيْهِ فِي ذَقَنِهِ وَالْأُخْرَى فِي رَأْسِهِ، ثُمَّ اعْتَنَقَهُ فَقَبَّلَهُ)).
ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «حُسَيْنٌ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ، أَحَبَّ اللَّهُ مَنْ أَحَبَّ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ، سِبْطَانِ مِنَ الْأَسْبَاطِ». هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَسَلَكَهُ الْأَلْبَانِيُّ فِي «السِّلْسِلَةِ الصَّحِيحَةِ».
«سِبْطَانِ»: «السِّبْطُ»: وَلَدُ الْبِنْتِ، مَأْخَذُهُ مِنَ «السَّبَطِ» بِالْفَتْحِ وَهِيَ شَجَرَةٌ لَهَا أَغْصَانٌ كَثِيرَةٌ وَأَصْلُهَا وَاحِدٌ، كَأَنَّ الْوَالِدَ بِمَنْزِلَةِ الشَّجَرَةِ، وَكَأَنَّ الْأَوْلَادَ بِمَنْزِلَةِ الْأَغْصَانِ.
قَالَ الْقَاضِي: «السِّبْطُ»: وَلَدُ الْوَلَدِ؛ أَيْ: هُوَ مِنْ أَوْلَادِ أَوْلَادِهِ.
«حُسَيْنٌ يَلْعَبُ فِي الطَّرِيقِ، فَأَسْرَعَ ﷺ أَمَامَ الْقَوْمِ، ثُمَّ بَسَطَ يَدَيْهِ»: يُرِيدُ أَنْ يَمْنَعَ الْحُسَيْنَ مِنَ الْحَرَكَةِ.
«جَعَلَ الْغُلَامَ يَمُرُّ مَرَّةً هَاهُنَا وَمَرَّةً هَاهُنَا»: أَيْ: يُحَاوِلُ الْفِرَارَ مِنْ بَيْنِ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ ﷺ.
فِي الْحَدِيثِ: مُضَاحَكَةُ الصَّبِيِّ، وَمُمَازَحَتُهُ وَاعْتِنَاقُهُ، وَإِدْخَالُ السُّرُورِ عَلَيْهِ، وَاسْتِحْبَابُ مُلَاطَفَةِ الصِّبِيِّ، وَاسْتِحْبَابُ مُدَاعَبَتِهِ؛ رَحْمَةً لَهُ وَلُطْفًا بِهِ، وَبيَانُ خُلُقِ التَّوَاضُعِ مَعَ الْأَطْفَالِ وَغَيْرِهِمْ.
فَهَذا النَّبِيُّ الْكَرِيمُ ﷺ مَعَ عَظِيمِ مَسْؤُولِيَّتِهِ، وَمَعَ جَلِيلِ مَا نَاطَهُ اللهُ تَعَالَى بِعُنُقِهِ، وَمَعَ مَا كَانَ فِيهِ مِنْ أَمْرِ الدَّعْوَةِ وَالْبَلَاغِ وَأَدَاءِ الرِّسَالَةِ وَالْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ تَعَالَى، يَجِدُ فِي صَدْرِهِ فُسْحَةً -وَمَا أَوْسَعَ صَدْرَهُ ﷺ!-؛ لِكَيْ يُلَاطِفَ حُسَيْنًا عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ، وَهِيَ صُورَةٌ مُحَبَّبَةٌ، فِيهَا شَفَقَةٌ، وَفِيهَا رِقَّةٌ، وَفِيهَا رَحْمَةٌ، وَفِيهَا رَأْفَةٌ -فَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَى مَنْ وَصَفَهُ رَبُّهُ بِأَنَّهُ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ-.
((مِنْ أُسُسِ التَّرْبِيَةِ الْقَوِيمَةِ: إِظْهَارُ الرَّحْمَةِ بِالصَّغِيرِ))
قَدْ يَظُنُّ الْبَعْضُ أَنَّ إِظْهَارَ الْحَنَانِ وَالْحُبِّ لِلْأَبْنَاءِ يُورِثُ الدَّلَالَ أَوْ يُضْعِفُ الشَّخْصِيَّةَ، غَيْرَ أَنَّ السُّنَّةَ النَّبَوِيَّةَ جَاءَتْ بِتَصْحِيحِ هَذَا التَّصَوُّرِ، وَأَكَّدَتْ أَنَّ الرَّحْمَةَ الظَّاهِرَةَ مِنْ أَهَمِّ وَسَائِلِ التَّرْبِيَةِ، وَأَنَّ جَفَافَ الْعَاطِفَةِ دَلِيلٌ عَلَى قَسْوَةِ الْقَلْبِ؛ فَعَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- قَالَتْ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: ((أَتُقَبِّلُونَ صِبْيَانَكُمْ؟ فَمَا نُقَبِّلُهُمْ)).
فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَوَأَمْلِكُ لَكَ أَنْ نَزَعَ اللَّهُ مِنْ قَلْبِكَ الرَّحْمَةَ؟». وَالْحَدِيثُ فِي «الصَّحِيحَيْنِ».
«أَوَأَمْلِكُ لَكَ»: لَا أَقْدِرُ أَنْ أَجْعَلَ الرَّحْمَةَ فِي قَلْبِكَ، وَاللَّهُ نَزَعَهَا مِنْكَ؛ فَمَعْنَاهُ: إِنْ نَزَعَ اللهُ الرَّحْمَةَ مِنْ قَلْبِكَ فَلَا أَقْدِرُ أَنْ أَضَعَهَا فِيهِ.
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: أَبْصَرَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ يُقَبِّلُ الْحَسَنَ، فَقَالَ: ((إِنَّ لِي مِنَ الْوَلَدِ عَشَرَةً مَا قَبَّلْتُ أَحَدًا مِنْهُمْ)).
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنه مَنْ لَا يَرْحَمُ لَا يُرْحَمُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ يَقُولُ: ((رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَالْحَسَنُ عَلَى عَاتِقِهِ، وَهُوَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ، إِنِّي أُحِبُّهُ فَأَحِبَّهُ». وَالْحَدِيثُ فِي «الصَّحِيحَيْنِ».
«الْعَاتِقُ»: مَا بَيْنَ الْمَنْكِبِ وَالْعُنُقِ، فَحَمَلَ النَّبِيُّ ﷺ الْحَسَنَ عَلَى عَاتِقِهِ.
فِي الْحَدِيثِ: مُلَاطَفَةُ الصِّبْيَانِ وَالرَّحْمَةُ وَالرَّأْفَةُ بِهِمْ؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ يَرْحَمُ الْخَلْقَ؛ لِأَنَّهُ مَرْحُومٌ يَرْحَمُهُ اللهُ «مَنْ لَا يَرْحَمْ لَا يُرْحَمْ».
كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَهَشُّ وَيَبَشُّ لِلصِّبْيَانِ، وَيُقَرِّبُهُمْ، وَيَدُلُّهُمْ عَلَى مَا فِيهِ مَصْلَحَتُهُمْ.
هَذَا الْحَدِيثُ دَلِيلٌ يُضَافُ إِلَى أَدِلَّةٍ تَدُلُّ عَلَى اتِّسَاعِ أُفُقِ النَّبِيِّ الْكَرِيمِ ﷺ، وَمَا مَنَحَهُ اللهُ مِنَ الرَّحْمَةِ بِالْخَلْقِ، لَاسِيَّمَا الضَّعِيفُ مِنْهُمْ، وَهُوَ ﷺ أُسْوَةُ أَتْبَاعِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
أَلَا وَإِنَّ مِنْ جُمْلَةِ الْآدَابِ الَّتِي يَتَحَلَّى بِهَا الْمُسْلِمُ أَدَبَ التَّوَاضُعِ وَلِينِ الْجَانِبِ وَالرِّفْقِ وَالرَّحْمَةِ؛ كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ بِهَذَا الْغُلَامِ، فَوَضَعَهُ عَلَى عَاتِقِهِ، وَحَمَلَهُ، وَزَوَّدَهُ بِتِلْكَ الدَّعْوَةِ الْمُسْتَجَابَةِ، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُ فَأَحِبَّهُ».
وَمَنْ أَحَبَّهُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- وَأَحَبَّهُ رَسُولُهُ ﷺ فَقَدْ سَعِدَ، وَأَحْيَاهُ اللهُ حَيَاةً طَيِّبَةً مُبَارَكَةً.
فَيَجِبُ التَّأَسِّي بِالنَّبِيِّ ﷺ فِي الرَّحْمَةِ وَالشَّفَقَةِ بِالْأَوْلَادِ ذُكُورًا وَإِنَاثًا، وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِضَعْفِهِمْ وَحَاجَتِهِمْ إِلَى مَا يُدْخِلُ السُّرُورَ عَلَى نُفُوسِهِمْ، وَيَمْنَحُهُمُ الْأَدَبَ الَّذِي يَأْخُذُهُ الصَّغِيرُ مِنْ خُلُقِ الْكَبِيرِ.
وَهَذَا مَنْهَجُ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، أَيْ أَنَّهُمْ أَهْلُ رِفْقٍ وَرَحْمَةٍ وَشَفَقَةٍ وَتَرْبِيَةٍ وَمَحَبَّةٍ لِمُسْتَحِقِّيهَا، لَاسِيَّمَا الضَّعِيفُ كَالصِّغَارِ وَنَحْوِهِمْ.
إِنَّ تَقْبِيلَ الْوَلَدِ مِنْ أَهْلِهِ -مِنَ الْمَحَارِمِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْأَجَانِبِ- إِنَّمَا يَكُونُ لِلشَّفَقَةِ وَالرَّحْمَةِ، لَا لِلَّذَّةِ وَلَا لِلشَّهْوَةِ.
وَمَنْ لَا يَرْحَمُ النَّاسَ بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ لَا يُثَابُ بِالرَّحْمَةِ مِنْ قِبَلِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
إِنَّ مِنْ فَضَائِلِ الْإِسْلَامِ وَمَحَاسِنِهِ: الرَّحْمَةَ فِي قُلُوبِ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ.
وَكُلَّمَا كَانَ الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ عِنْدَهُ شَيْءٌ مِنَ الْعِلْمِ يَعْمَلُ بِهِ، فَالْخَيْرُ عِنْدَهُ أَكْثَرُ.
فَمِنْ جُمْلَةِ مَحَاسِنِ الْإِسْلَامِ وَفَضَائِلِهِ: وُجُودُ الرَّحْمَةِ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ.
وَمِنْ آثَارِ هَذِهِ الرَّحْمَةِ: الرِّفْقُ بِالصِّبْيَانِ، وَالْعَطْفُ عَلَيْهِمْ، وَإِدْخَالُ السُّرُورِ عَلَيْهِمْ، وَتَقْبِيلُهُمْ؛ لِيَعْرِفَ الِابْنُ مَدَى مَحَبَّةِ وَالِدِهِ لَهُ، وَيَكُونَ أَلْصَقَ بِأَبِيهِ وَأُمِّهِ.
وَفِي نَفْسِ الْوَقْتِ هِيَ عِبَادَةٌ وَطَاعَةٌ؛ لِأَنَّهَا مِنْ آثَارِ رَحْمَةِ اللهِ الَّتِي مَنَحَهَا الْمُؤْمِنِينَ فِي قُلُوبِهِمْ؛ لِذَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِلَّذِي قَالَ: ((إِنَّ لَهُ عَشْرَةً مِنَ الْوَلَدِ مَا قَبَّلَ أَحَدًا مِنْهُمْ)): «مَنْ لَا يَرْحَمُ لَا يُرْحَمُ» يَعْنِي: أَنَّ مِنْ أَسْبَابِ رَحْمَةِ اللهِ لِلْعَبْدِ أَنْ يَرْحَمَ غَيْرَهُ مِنْ آدَمِيٍّ وَغَيْرِهِ.
وَأَوْلَى النَّاسِ بِالرَّحْمَةِ: الضَّعِيفُ، وَالصِّبْيَانُ مِنَ الضُّعَفَاءِ، وَمَنْ أَلْصَقُ النَّاسِ بِالْآخَرِينَ، كَآبَائِهِمْ وَأُمَّهَاتِهِمْ؛ حَتَّى يَحْصُلَ التَّمَاسُكُ فِي الْأُسْرَةِ، وَالْمَحَبَّةُ وَالِاحْتِرَامُ وَالْبِرُّ بِسَبَبِ مَا يُقَدّمُهُ الْأَبَوَانِ لِأَبْنَائِهِمْ ذُكُورًا وَإِنَاثًا.
وَالْحَذَرُ مِنْ إِيثَارِ الذُّكُورِ عَلَى الْإِنَاثِ مِمَّا لَا يُجِيزُهُ الشَّرْعُ، سَوَاءٌ فِي التَّقْبِيلِ وَالتَّحِيَّةِ وَالرَّحْمَةِ وَالْمُوَاسَاةِ بِالْمَالِ أَوِ التَّعْلِيمِ، يَجِبُ الْعَدْلُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «اتَّقُوا اللهَ، وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ».
((خَطَرُ الْعُنْفِ الْأُسَرِيِّ وَآثَارُهُ الْوَخِيمَةُ))
لَا شَكَّ أَنَّ الْعُنْفَ الْأُسَرِيَّ لَهُ آثَارُهُ الْوَخِيمَةُ عَلَى الْأَوْلَادِ، وَمِنْ ثَمَّ يَقِلُّ التَّعَاطُفُ، وَتُصَابُ الْأُسْرَةُ بِفَقْرِ الْمَشَاعِرِ، مِمَّا قَدْ يَجْعَلُ الْأَوْلَادَ يَبْحَثُونَ عَنْ بَدِيلٍ لِهَذِهِ الْأُسْرَةِ الْبَائِسَةِ المْتَفَكِّكَةِ، فَيَخْرُجُونَ إِلَى الشَّوَارِعِ، وَقَدْ يَجْنَحُونَ إِلَى الْجَرِيمَةِ، وَقَدْ يُعَنِّفُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، نَاهِيكَ عَنْ تَرْكِهِمْ أَوْ إِهْمَالِهِمْ لِفَرَائِضِ دِينِهِمْ، وَمَصَالِحِ دُنْيَاهُمْ مِنْ دِرَاسَةٍ أَوْ غَيْرِهَا.
فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْعُنْفَ الْأُسَرِيَّ الْمُتَكَرِّرَ يَشُلُّ حَرَكَةَ الْأُسْرَةِ الْإِيجَابِيَّةَ، وَيُفْقِدُ أَفْرَادَهَا الْقُدْرَةَ عَلَى الْقِيَامِ بِوَاجِبَاتِهِمُ الْأُسَرِيَّةِ الْوَاقِعِيَّةِ وَالْمَادِّيَّةِ، فَالْمُعَنِّفُ الظَّالِمُ لَا يَأْبَهُ، وَالْمَظْلُومُ قَدْ قَهَرَهُ الظُّلْمُ، وَالْأَوْلَادُ أَصْبَحُوا ضَحِيَّةً مَا بَيْنَ أَبٍ ظَالِمٍ غَالِبًا لَا يَسْتَطِيعُونَ دَفْعَ ظُلْمِهِ، وَقَدْ قَلَّتْ قِيمَتُهُ فِي نَظَرِهِمْ؛ لِتَصَرُّفَاتِهِ السَّيِّئَةِ، وَبَيْنَ أُمٍّ مَظْلُومَةٍ لَا تَمْلِكُ لِنَفْسِهَا فَضْلًا عَنْ وَلَدِهَا نَفْعًا وَلَا دَفْعًا وَلَا نَصْرًا.
وَمِنَ الدِّرَاسَاتِ الَّتِي تَنَاوَلْت آثَارَ الْعُنْفِ عَلَى الْأَوْلَادِ مَا قَامَ بِهِ (الْمَرْكَزُ الْقَوْمِيُّ لِلْبُحُوثِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ وَالْجِنَائِيَّةِ) بِالْقَاهِرَةِ، وَالَّتِي مِنْ أَبْرَزِهَا ((دِرَاسَةٌ فِي ظَاهِرَةِ الْعُنْفِ دَاخِلَ الْأُسْرَةِ الْمِصْرِيَّةِ)).
وَالَّتِي تَبَيَّنَ مِنْ خِلَالِ نَتَائِجِهَا:
* أَنَّ الْأَطْفَالَ الَّذِينَ يَتَعَرَّضُونَ لِسُلُوكٍ عَنِيفٍ سَوَاءً كَانَ ضَرْبًا أَوْ جَرْحًا أَوْ قَسْوَةً فِي الْمُعَامَلَةِ لَا يَزْدَهِرُونَ عَاطِفِيًّا فِي الْمُسْتَقْبَلِ.
* وَإِذَا أَنْجَبُوا فَإِنَّهُمْ لَا يَعْرِفُونَ كَيْفَ يَسْتَجِيبُونَ لِاحْتِيَاجَاتِ أَطْفَالِهُمُ الْعَاطِفِيَّةِ، وَيَنْتَهِي بِهِمُ الْأَمْرُ -أَحْيَانًا- لِلْإِحْبَاطِ، فَيُهَاجِمُونَ أَطْفَالَهُمْ أَوْ يُهْمِلُونَهُمْ.
وَيُعَدُّ الْعُنْفُ ضِدَّ الْأَطْفَالِ مِنَ الظَّوَاهِرِ الْخَطِيرَةِ الَّتِي تُهَدِّدُ صِحَّةَ وَنُمُوَّ الْأَجْيَالِ الْقَادِمَةِ، وَتُؤَثِّرُ بِشَكْلٍ مُبَاشِرٍ عَلَى مُسْتَقْبَلِ الْمُجْتَمَعِ بِأَسْرِهِ.
وَكَمَا يُرْشِدُ الْإِسْلَامُ أَتْبَاعَهُ إِلَى الْحِفَاظِ عَلَى مُكَوِّنَاتِ الْبِيئَةِ مِنْ حَوْلِهِ، وَأَنْ يَكُونَ بِهَا بَارًّا رَحِيمًا، لَا قَاسِيًا عَنِيفًا؛ فَكَذَلِكَ يَأْمُرُهُ بِأَنْ يُحَافِظَ عَلَى بِيئَتِهِ الصَّغِيرَةِ -أَيْ: عَلَى أُسْرَتِهِ-، وَأَلَّا يَلْمَسَ مِنْهُ أَفْرَادُهَا إِلَّا الرَّحْمَةَ بِمَفْهُومِهَا الْوَاسِعِ فِي التَّرْبِيَةِ.
وَيَتَّخِذُ الْعُنْفُ أَشْكَالًا مُتَعَدِّدَةً، تَشْمَلُ: الْإِيذَاءَ الْجَسَدِيَّ، كَالضَّرْبِ الشَّدِيدِ، وَالنَّفْسِيَّ؛ كَالْإِهَانَةِ، وَالْإِهْمَالِ، مِمَّا يَتْرُكُ أَثَرًا عَمِيقًا عَلَى الْأَطْفَالِ مِنَ النَّاحِيَةِ النَّفْسِيَّةِ وَالسُّلُوكِيَّةِ.
((تَجْرِيمُ الْعُنْفِ ضِدَّ الْأَطْفَالِ فِي الشَّرْعِ))
إِنَّ ظَاهِرَةَ الْعُنْفِ ضِدَّ الْأَطْفَالِ ظَاهِرَةٌ مَرْفُوضَةٌ فِي الشَّرْعِ الشَّرِيفِ وَالْفِطْرَةِ السَّوِيَّةِ؛ لِأَسْبَابٍ كَثِيرَةٍ، أَهَمُّهَا: أَنَّ الْأَطْفَالَ مِنْحَةٌ رَبَّانِيَّةٌ، لِذَلِكَ وَصَفَهُمْ رَبُّنَا -تَعَالَى- فَقَالَ: { الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [الكهف: 46].
وَالْآبَاءُ مُتَفَاوِتُونَ فِي تَقْدِيرِ هَذِهِ النِّعْمَةِ تَفَاوُتًا عَظِيمًا، وَشَأْنُ هَذِهِ النِّعْمَةِ هُوَ شَأْنُ كُلِّ النِّعَمِ، يَعْرِفُ حَقَّهَا مَنْ حُرِمَ مِنْهَا، وَيَتَجَاهَلُهَا مَنْ رُزِقَهَا، لَكِنَّ الطَّامَّةَ الْكُبْرَى أَنْ يُجْعَلَ هَؤُلَاءِ الْأَطْفَالُ الْأَبْرِيَاءُ حُقُولَ تَجَارُبٍ لِلْعُنْفِ بِأَلْوَانِهِ وَأَشْكَالِهِ كَافَّةً.
فَبَعْضُ الْآبَاءِ لَا يُحْسِنُ الصَّبْرَ عَلَى تَرْبِيَةِ أَطْفَالِهِ، وَهُوَ أَمْرٌ مُهِمٌّ، حَتَّى يَسْتَوْعِبَ الْمُشْكِلَةَ، وَكَيْفِيَّةَ مُعَالَجَتِهَا، وَمِنْ ثَمَّ يَقُومُ بِتَغْيِيرِ سُلُوكِ الطِّفْلِ مِنَ السَّيِّءِ إِلَى الْأَحْسَنِ، بَيْنَمَا الْعُنْفُ وَالْعَصَبِيَّةُ يَجْعَلُ الْمُشْكِلَةَ تَتَفَاقَمُ، وَقَدْ يَسْتَشْكِلُ مُعالَجَتَهَا، وَقَدْ يَقُودُ الطِّفْلَ لِلِانْحِرَافِ، وَيَزِيدُ مِنْ تَمَرُّدِهِ وَعِصْيَانِهِ، بَلْ قَدْ يَهْجُرُ الْبَيْتَ، وَلَا يَأْوِي إِلَيْهِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ، وَمِنْ ثَمَّ يَصْعُبُ السَّيْطَرَةُ عَلَيْهِ.
وَبَعْضٌ آخَرُ ضَعُفَ الْوَازِعُ الدِّينِيُّ عِنْدَهُمْ؛ فَلَا يَكَادُ يَسْلَمُ مِنْ أَذَاهُ أَحَدٌ حَتَّى أَبْنَاؤُهُ، فَكَأَنَّمَا نُزِعَتِ الرَّحْمَةُ مِنْ قَلْبِهِ، فَأَصْبَحَ بِلَا إِحْسَاسٍ، فَهَذَا تَوَعَّدَهُ النَّبِيُّ ﷺ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: ((أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا لِلنَّاسِ فِي الدُّنْيَا أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا عِنْدَ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)). وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
((مَظَاهِرُ الْعُنْفِ ضِدَّ الْأَطْفَالِ))
وَمِنْ مَظَاهِرِ الْعُنْفِ ضِدَّ الْأَطْفَالِ:
* الْعُنْفُ اللَّفْظِيُّ أَوِ النَّفْسِيُّ؛ بِاسْتِخْدَامِ الْأَلْفَاظِ الْبَذِيئَةِ الَّتِي يَتَلَفَّظُ بِهَا الْوَالِدَانِ أَوْ غَيْرُهُمْ؛ مِنْ سَبٍّ وَشَتْمٍ وَتَوْبِيخٍ لِلْأَبْنَاءِ، وَتَهْدِيدٍ، وَإِهَانَةٍ.
وَيُعْتَبَرُ هَذَا النَّوْعُ مِنَ الْعُنْفِ مِنْ أَكْثَرِ الْمَظَاهِرِ تَأْثِيرًا عَلَى نَفْسِيَّةِ الطِّفْلِ، حَيْثُ يُفْقِدُهُ قِيمَتَهُ بَيْنَ أَهْلِهِ وَأَصْدِقَائِهِ وَجِيرَانِهِ.
وَالنَّاظِرُ فِي سِيرَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَجِدُ أَنَّهُ تَحَاشَى هَذَا النَّوْعَ خَاصَّةً مَعَ الضُّعَفَاءِ وَالصِّغَارِ، عَنْ أَنَسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: ((خَدَمْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَشْرَ سِنِينَ فَمَا قَالَ لِي أُفٍّ، وَلَا: لِمَ صَنَعْتَ، وَلَا: أَلَا صَنَعْتَ)). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
كَانَتِ الْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ دَائِمًا شِعَارَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي التَّرْبِيَةِ وَالتَّوْجِيهِ وَالْإِرْشَادِ وَالتَّعْلِيمِ؛ لِمَا لَهَا مِنْ أَثَرٍ طَيِّبٍ فِي نَفْسِ الطِّفْلِ وَسُلُوكِهِ.
* وَالْعُنْفُ الْجَسَدِيُّ: وَهُوَ الْإِيذَاءُ الْبَدَنِيُّ؛ سَوَاءً بِالْيَدِ، أَوْ بِاسْتِخْدَامِ الْعَصَا، أَوْ بِأَيِّ أَدَاةٍ حَادَّةٍ أَوْ غَيْرِ حَادَّةٍ، وَغَالِبًا مَا تَتْرُكُ آثَارًا عَلَى جَسَدِ الطِّفْلِ يَصْعُبُ إِخْفَاؤُهَا، وَهَذَا الْعُنْفُ مِنْ أَكْثَرِ الْأَشْكَالِ وُضُوحًا وَإِثْبَاتًا لَهُ.
وَالْمُسْتَقْرِئُ لِحَيَاةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَرَى انْعِدَامَ هَذَا النَّوْعِ مِنَ التَّعَامُلِ فِي مُعَامَلَاتِهِ ﷺ؛ فَعَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- قَالَتْ: ((مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ خَادِمًا لَهُ وَلَا امْرَأَةً قَطُّ، وَلَا ضَرَبَ بِيَدِهِ شَيْئًا)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
* وَأَمَّا الْعُنْفُ الْجِنْسِيُّ: وَهُوَ اسْتِخْدَامُ الْأَطْفَالِ سَوَاءً كَانُوا ذُكُورًا أَوْ إِنَاثًا لِإِشْبَاعِ الرَّغْبَةِ الْجِنْسِيَّةِ بِالْإِكْرَاهِ أَوْ بِالْخَدِيعَةِ، وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ مِنْ إِيذَاءٍ لِلْطِّفْلِ وَانْتِهَاكٍ لِحُرْمَتِهِ، كَمَا لَا يَخْفَى أَنَّهُ أَمَارَةٌ عَلَى انْسِلَاخِ الْفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ، وَدَلِيلٌ عَلَى انْطِمَاسِ الْبَصِيرَةِ.
((آثَارُ الْعُنْفِ ضِدَّ الْأَطْفَالِ عَلَى الْأُسْرَةِ))
وَقَدْ أَثْبَتَتِ الدِّرَاسَاتُ أَنَّ الْعُنْفَ بِأَيِّ نَوْعٍ مِنَ الْأَنْوَاعِ السَّابِقَةِ تِجَاهَ الْأَطْفَالِ يَتْرُكُ أَثَرًا سَيِّئًا عَمِيقًا مِنَ النَّاحِيَةِ النَّفْسِيَّةِ وَالسُّلُوكِيَّةِ، وَيُؤَدِّي إِلَى فِقْدَانِ الْأُسْرَةِ الرَّاحَةَ وَالْأَمَانَ دَاخِلَ الْبَيْتِ، مِمَّا يَضْطَرُّهُمْ إِلَى اللُّجُوءِ إِلَى الشَّارِعِ، وَيَتَلَقَّاهُمْ أَصْدِقَاءُ السُّوءِ الَّذِينَ يَقُودُونَهُمْ إِلَى الِانْحِرَافِ، وَمِنْ ثَمَّ إِلَى الْوُقُوعِ فِي بَرَاثِنِ الْجَرَائِمِ الْمُخْتَلِفَةِ.
وَالْحِلْمُ هُوَ الْمَدَارُ فِي هَذَا كُلِّهِ.
فَنَسْأَلُ اللهَ أَنْ يَرْزُقَنَا هَذَا الْخُلُقَ الْجَمِيلَ، إِنَّهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- هُوَ الْحَلِيمُ الْعَلِيمُ الْكَرِيمُ.
وَصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ أَجمَعِينَ.
المصدر: ما كان الرفق في شيء إلا زانه