قِيمَةُ الِاحْتِرَامِ

قِيمَةُ الِاحْتِرَامِ

((قِيمَةُ الِاحْتِرَامِ))

إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ.

أَمَّا بَعْدُ:

فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّـهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.

أَمَّا بَعْدُ:

((مُصِيبَةُ مَوْتِ الْعُلَمَاءِ))

فَمَوْتُ الْعَالِمِ مُصِيبَةٌ لَا تُجْبَرُ، وَثُلْمَةٌ لَا تُسَدُّ، وَنَجْمٌ طُمِسَ، وَمَوْتُ قَبِيلَةٍ أَيْسَرُ مِنْ مَوْتِ عَالِمٍ.

وَقَدْ وَرَدَ هَذَا الْكَلَامُ مَرْفُوعًا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ جِدًّا.

وَقَالَ الْإِمَامُ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- فِي شَرْحِهِ: ((لَمَّا كَانَ صَلَاحُ الْوُجُودِ بِالْعُلَمَاءِ، وَلَوْ لَا هُمْ كَانَ النَّاسُ كَالْبَهَائِمِ بَلْ أَسْوَأَ حَالًا؛ كَانَ مَوْتُ الْعَالِمِ مُصِيبَةً لَا يَجْبُرُهَا إِلَّا خَلَفُ غَيْرِهِ لَهُ.

وَأَيْضًا فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ هُمُ الَّذِينَ يَسُوسُونَ الْعِبَادَ وَالْبِلَادَ وَالْمَمَالِكَ، فَمَوْتُهُمْ فَسَادُ نِظَامِ الْعَالَمِ؛ وَلِهَذَا لَا يَزَالُ اللهُ يَغْرِسُ فِي هَذَا الدِّينِ مِنْهُمْ خَالِفًا عَنْ سَالِفٍ، يَحْفَظُ بِهِمْ دِينَهُ وَكِتَابَهُ وَعِبَادَهُ.

وَتَأَمَّلْ إِذَا كَانَ فِي الْوُجُودِ رَجُلٌ قَدْ فَاقَ الْعَالَمَ فِي الْغِنَى وَالْكَرَمِ، وَحَاجَتُهُمْ إِلَى مَا عِنْدَهُ شَدِيدَةٌ، وَهُوَ مُحْسِنٌ إِلَيْهِمْ بِكُلِّ مُمْكِنٍ، ثُمَّ مَاتَ وَانْقَطَعَتْ عَنْهُمْ تِلْكَ الْهِبَاتُ؛ فَمَوْتُ الْعَالِمِ أَعْظَمُ مُصِيبَةً مِنْ مَوْتِ مِثْلِ هَذَا بِكَثِيرٍ، وَمِثْلُ هَذَا يَمُوتُ بِمَوْتِهِ أُمَمٌ وَخَلَائِقُ، كَمَا قِيلَ:

تَعَلَّمْ مَا الرَّزِيَّةُ فَقْدَ مَالٍ    =    وَلَا شَاةً تَمُوتُ وَلَا بَعِير

وَلَكِنَّ الرَّزِيَّةَ فَقْدُ حُرٍّ    =   يَمُوتُ بِمَوْتِهِ بَشَرٌ كَثِيرُ

وَقَالَ آخَرُ:

فَمَا كَانَ قَيْسٌ هُلْكُهُ هُلْكَ وَاحِدِ   =   وَلَكِنَّهُ بُنْيَانُ قَوْمٍ تَهَدَّمَا

وَقَدْ قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: ((إِنِّي لَأَسْمَعُ بِالرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي الْمَشْرِقِ أَوِ الْمَغْرِبِ يَمُوتُ فَأُحِسُّ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ بَعْضِي))؛ فَكَيْفَ إِذَا كَانَ الْمَيِّتُ مِنْ عُلَمَاءِ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَمِنَ الدَّاعِينَ إِلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ؟!!

وَلَكِنْ.. رَوَى مُسْلِمٌ فِي ((صَحِيحِهِ)) بِسَنَدِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: ((إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ؛ إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ)).

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((إِنَّ مِمَّا يَلْحَقُ الْمُؤْمِنَ مِنْ عَمَلِهِ وَحَسَنَاتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ؛ عِلْمًا عَلَّمَهُ وَنَشَرَهُ، وَوَلَدًا صَالِحًا تَرَكَهُ، وَمُصْحَفًا وَرَّثَهُ، أَوْ مَسْجِدًا بَنَاهُ، أَوْ بَيْتًا لِابْنِ السَّبِيلِ بَنَاهُ، أَوْ نَهْرًا أَجْرَاهُ، أَوْ صَدَقَةً أَخْرَجَهَا مِنْ مَالِهِ فِي صِحَّتِهِ وَحَيَاتِهِ يَلْحَقُهُ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِ)). أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَه، وَالْبَيْهَقِيُّ، وَحَسَّنَهُ الْمُنْذِرِيُّ، وَالْأَلْبَانِيُّ.

وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((خَيْرُ مَا يُخَلِّفُ الرَّجُلُ مِنْ بَعْدِهِ ثَلَاثٌ؛ وَلَدٌ صَالِحٌ يَدْعُو لَهُ، وَصَدَقَةٌ تَجْرِي يَبْلُغُهُ أَجْرُهَا، وَعِلْمٌ يُعْمَلُ بِهِ مِنْ بَعْدِهِ)). أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَه، وَصَحَّحَهُ الْمُنْذِرِيُّ، وَالْأَلْبَانِيُّ.

وَعَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((مَنْ عَلَّمَ عِلْمًا فَلَهُ أَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهِ، لَا يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ الْعَامِلِ شَيْءٌ)). أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَه، وَحَسَّنَهُ الْأَلْبَانِيُّ.

وَذَكَرَ لَهُ شَاهِدًا مِنْ حَدِيثِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْبَدْرِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ، أَوْ قَالَ: عَامِلِهِ)).

وَإِنَّ مَنْ مَاتَ مِنْ عُلَمَاءِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَمِنَ الدَّاعِينَ إِلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ قَدْ خَلَّفَ مَا يَصِلُ إِلَيْهِ ثَوَابُ عَمَلِهِ الصَّالِحِ بَعْدَ مَوْتِهِ فِي قَبْرِهِ.

وَقَدِيمًا قَالَ عُلَمَاؤُنَا مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ: ((كِتَابُ الْعَالِمِ وَلَدُهُ الْمُخَلَّدُ)).

((الْإِسْلَامُ دِينُ الْأَخْلَاقِ وَالْقِيَمِ))

هَذَا الدِّينُ الْإِسْلَامِيُّ بِعَقَائِدِهِ وَحَقَائِقِهِ، وَأَخْلَاقِهِ وَأَعْمَالِهِ، وَمَا جَاءَ بِهِ الْقُرْآنُ الْمَجِيدُ أَكْبَرُ الْبَرَاهِينِ الْقَوَاطِعِ الضَّرُورِيَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ، وَأَنَّ رَسُولَهُ حَقٌّ، وَدِينَهُ حَقٌّ، وَمَا عَارَضَ ذَلِكَ هُوَ الْبَاطِلُ، وَهُوَ بِنَفْسِهِ جَذَّابٌ لِكُلِّ مَنْ قَصْدُهُ الْحَقُّ وَمَعَهُ إِنْصَافٌ.

فَإِنَّهُ إِذَا نَظَرَ وَحَقَّقَ عَقَائِدَهُ؛ فَإِنَّهُ يَدْعُو إِلَى الْإِيمَانِ الصَّحِيحِ بِاللهِ، وَبِأَوْصَافِهِ الْعَظِيمَةِ، وَأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى، وَبِكُلِّ كِتَابٍ أَنْزَلَهُ اللهُ، وَبِكُلِّ رَسُولٍ أَرْسَلَهُ اللهُ، وَبِكُلِّ حَقٍّ أَخْبَرَ اللهُ بِهِ وَرَسُولُهُ؛ وَبِذَلِكَ تَمْتَلِئُ الْقُلُوبُ إِيمَانًا وَيَقِينًا وَنُورًا وَطُمَأْنِينَةً بِاللهِ، وَقُوَّةَ تَوَكُّلٍ وَاعْتِمَادٍ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ يُوجِبُ كَمَالَ الْإِخْلَاصِ للهِ، وَالْقِيَامَ بِعُبُودِيَّتِهِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ، وَالتَّبَرِّي مِنَ الشِّرْكِ كَبِيرِهِ وَصَغِيرِهِ.

وَإِذَا نَظَرَ إِلَى أَخْلَاقِ الْإِسْلَامِ؛ وَجَدَهُ يَحُثُّ عَلَى كُلِّ خُلُقٍ جَمِيلٍ، وَيُحَذِّرُ مِنْ كُلِّ خُلُقٍ رَذِيلٍ، وَيَدْعُو إِلَى الْقِيَامِ بِحُقُوقِ اللهِ وَحُقُوقِ عِبَادِهِ وَبِالْمُعَامَلَةِ الْحَسَنَةِ.

وَإِذَا نَظَرَ إِلَى تَعَالِيمِهِ وَإِرْشَادَاتِهِ الْعَالِيَةِ؛ رَآهُ يَحُثُّ عَلَى كُلِّ عِلْمٍ نَافِعٍ مُزَكٍّ لِلْقُلُوبِ، مُطَهِّرٍ لِلْأَخْلَاقِ، نَافِعٍ لِلدِّينِ وَالدُّنْيَا، وَأَنَّهُ مُرْشِدٌ إِلَى كُلِّ صَلَاحٍ وَإِصْلَاحٍ.

لَقَدْ جَاءَ الْإِسْلَامُ بِرِسَالَةٍ عَظِيمَةٍ جَمَعَتْ بَيْنَ الْقِيَمِ الْفَاضِلَةِ وَالْمُثُلِ الْعَالِيَةِ؛ فَلَمْ تَتْرُكْ فَضِيلَةً مِنَ الْفَضَائِلِ وَلَا قِيمَةً مِنَ الْقِيَمِ تَسْمُو بِهَا النُّفُوسُ إِلَّا دَعَتْ إِلَيْهَا، وَحَثَّتْ عَلَى التَّمَسُّكِ بِهَا، وَمَا تَرَكَتْ خُلُقًا ذَمِيمًا إِلَّا نَهَتْ عَنْهُ، قَالَ ﷺ: ((إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ)). أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي ((الْأَدَبِ))، وَالْحَاكِمُ، وَأَحْمَدُ، وَصَحَّحَهُ الشَّيْخُ أَحْمَد شَاكِر، وَالشَّيْخُ الْأَلْبَانِيُّ، وَغَيْرُهُمَا.

فَلَا عَجَبَ -إِذَنْ- أَنْ يَكُونَ حُسْنُ الْخُلُقِ غَايَةَ الْغَايَاتِ فِي سَعْيِ الْعَبْدِ لِاسْتِكْمَالِ الصِّفَاتِ عَلَى أَسَاسٍ مِنَ التَّوْحِيدِ الْمَكِينِ، وَثَابِتِ الْإِخْلَاصِ وَالْيَقِينِ.

 وَلَقَدْ كَانَ نَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ ﷺ الْمَثَلَ الْأَعْلَى فِي الْقِيَمِ النَّبِيلَةِ وَالْأَخْلَاقِ الْعَظِيمَةِ.. كَانَ إِمَامُ الْأَنْبِيَاءِ ﷺ فِي حُسْنِ الْخُلُقِ عَلَى الْقِمَّةِ الشَّامِخَةِ، وَفَوْقَ الْغَايَةِ وَالْمُنْتَهَى، فَكَانَ كَمَا قَالَ عَنْهُ رَبُّهُ -عَزَّ وَجَلَّ-: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4].

وَهُوَ ﷺ مَعَ ذَلِكَ لَا يَنْفَكُّ يَدْعُو رَبَّهُ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ بِقَوْلِهِ: ((اللهم اهْدِنِي لِأَحْسَنِ الأَخْلاقِ، فَإِنَّهُ لا يَهْدِي لِأَحْسَنِهَا إِلَّا أَنْتَ، وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَهَا لَا يَصْرِفُ عَنِّي سَيِّئَهَا إلَّا أَنْتَ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ عَلِيٍّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-.

يَطْلُبُ مِنْ رَبِّهِ أَنْ يُرْشِدَهُ لِصَوَابِ الْأَخْلَاقِ، وَيُوَفِّقَهُ لِلتَّخَلُّقِ بِهِ، وَأَنْ يَصْرِفَ عَنْهُ قَبِيحَ الْأَخْلَاقِ وَمَذْمُومَ الصِّفَاتِ، وَيُبْعِدَ ذَلِكَ عَنْهُ، مَعَ أَنَّهُ ﷺ عَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ، وَمَعَ أَنَّ خُلُقَهُ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ.

عِبَادَ اللهِ! إِنَّ الْحَيَاةَ تَخْلُو مِنَ الْقِيمَةِ إِذَا خَلَتْ مِنَ الْقِيَمِ، وَإِنَّ الْحَيَاةَ لَتَصِيرُ عَدِيمَةَ الْمَعْنَى إِذَا خَلَتْ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا مِنَ الْمُثُلِ، وَإِنَّ الْحَيَاةَ لَا تَصِحُّ حَقًّا وَلَا يَسْتَقِيمُ أَمْرُهَا عَلَى الْجَادَّةِ إِلَّا إِذَا كَانَتْ صَادِرَةً مِنْ نَبْعِ الْقِيَمِ، قَائِمَةً عَلَى أَسَاسٍ مِنَ الْمُثُلِ.

تَخْلُو الْحَيَاةُ مِنَ الْقِيمَةِ إِذَا خَلَتِ الْحَيَاةُ مِنَ الْقِيَمِ..

وَقَدْ عَلَّمَنَا دِينُنَا كِتَابًا وَسُنَّةً؛ فَأَرْشَدَنَا رَبُّنَا فِي كِتَابِهِ الْعَظِيمِ، وَبَيَّنَ لَنَا نَبِيُّهُ الْكَرِيمُ فِي سُنَّتِهِ الشَّرِيفَةِ الْمُطَهَّرَةِ هَذَا الْأَصْلَ الَّذِي لَا تَسْتَقِيمُ الْحَيَاةُ إِلَّا بِهِ، وَلَا تَقُومُ الْحَيَاةُ إِلَّا عَلَيْهِ.

 

((قِيمَةُ الِاحْتِرَامِ فِي الْإِسْلَامِ))

إِنَّ التَّمَسُّكَ بِالْأَخْلَاقِ الْفَاضِلَةِ وَالْقِيَمِ النَّبِيلَةِ مِنْ أَهَمِّ رَكَائِزِ قِيَامِ الدُّوَلِ وَالْحَضَارَاتِ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ تُبْنَى الْحَضَارَاتُ بِنَاءً سَدِيدًا وَتَسْتَقِرَّ وَتَتَفَوَّقَ عَلَى غَيْرِهَا إِلَّا إِذَا قَامَتْ عَلَى الْعَقِيدَةِ الصَّحِيحَةِ وَالْأَخْلَاقِ وَالْقِيَمِ الرَّشِيدَةِ.

إِنَّ الْإِنْسَانَ لَمْ يَحْظَ أَنَّى كَانَ جِنْسُهُ، أَوْ مَكَانُهُ، أَوْ مَكَانَتُهُ، أَوْ زَمَانُ عَيْشِهِ بِمَنْزِلَةٍ أَرْفَعَ مِنْ تِلْكَ الَّتِي يَنَالُهَا فِي ظِلَالِ الدِّينِ الْحَنِيفِ، دِينِ رَبِّنَا، دِينِ الْإِسْلَامِ الْعَظِيمِ.

وَمَا ذَلِكَ إِلَّا لِأَنَّ الْإِسْلَامَ دِينٌ عَالَمِيٌّ، وَرَسُولَهُ ﷺ أُرْسِلَ لِلْعَالَمِينَ كَافَّةً، وَلَمْ يَكُنْ كَإِخْوَانِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ -عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- الَّذِينَ أُرْسِلُوا لِأَقْوَامِهِمْ خَاصَّةً.

وَحِينَ يُوَازِنُ أَيُّ بَاحِثٍ مُنْصِفٍ مَبَادِئَ حُقُوقِ الْإِنْسَانِ الَّتِي حَوَاهَا «الْإِعْلَانُ الْعَالَمِيُّ لِحُقُوقِ الْإِنْسَانِ»؛ حِينَ يُوَازِنُ بَيْنَ هَذِهِ وَحُقُوقِ الْإِنْسَانِ فِي الْإِسْلَامِ يَلْحَظُ التَّمَيُّزَ الْوَاضِحَ الَّذِي سَبَقَ بِهِ الْإِسْلَامُ، مَا تَفَتَّقَتْ عَنْهُ أَفْكَارُ الْبَشَرِ فِي مَبَادِئِ حُقُوقِهِمْ؛ مِنْ حَيْثُ الشُّمُولُ وَالسَّعَةُ وَالْعُمْقُ، وَمُرَاعَاةُ حَاجَاتِ الْإِنْسَانِ الْحَقِيقِيَّةِ الَّتِي تُحَقِّقُ لَهُ الْمَنَافِعَ، وَتَدْفَعُ عَنْهُ الْمَضَارَّ.

وَيَتَّضِحُ مِنَ الدِّرَاسَةِ الْمَوْضُوعِيَّةِ الْمُتَجَرِّدَةِ عَنِ الْأَهْوَاءِ أَنَّهُ: «لَيْسَ هُنَاكَ دِينٌ مِنَ الْأَدْيَانِ أَوْ شَرِيعَةٌ مِنَ الشَّرَائِعِ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ أَفَاضَتْ فِي تَقْرِيرِ هَذِهِ الْحُقُوقِ، وَتَفْصِيلِهَا وَتَبْيِينِهَا، وَإِظْهَارِهَا فِي صُورَةٍ صَادِقَةٍ مِثْلَمَا فَعَلَ الْإِسْلَامُ الْعَظِيمُ».

لَقَدْ خَلَقَ اللهُ -تَعَالَى- الْإِنْسَانَ مُكَرَّمًا مُحْتَرَمًا؛ كَمَا قَالَ -سُبْحَانَهُ-: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} [التين: 4].

((أَيْ: تَامُّ الْخَلْقِ، مُتَنَاسِبُ الْأَعْضَاءِ، مُنْتَصِبُ الْقَامَةِ، لَمْ يَفْقِدْ مِمَّا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ ظَاهِرًا أَوْ بَاطِنًا شَيْئًا)).

وَقَالَ تَعَالَى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} [الإسراء: 70].

((يُخْبِرُ -تَعَالَى- عَنْ تَشْرِيفِهِ لِبَنِي آدَمَ وَتَكْرِيمِهِ إِيَّاهُمْ فِي خَلْقِهِ لَهُمْ عَلَى أَحْسَنِ الْهَيْئَاتِ وَأَكْمَلِهَا، كَمَا قَالَ: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} [التِّين: 4] أَيْ: يَمْشِي قَائِمًا مُنْتَصِبًا عَلَى رِجْلَيْهِ، وَيَأْكُلُ بِيَدَيْهِ، وَغَيْرُهُ مِنَ الْحَيَوَانَاتِ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ، وَيَأْكُلُ بِفَمِهِ، وَجَعَلَ لَهُ سَمْعًا وَبَصَرًا وَفُؤَادًا؛ يَفْقَهُ بِذَلِكَ كُلِّهِ، وَيَنْتَفِعُ بِهِ، وَيُفَرِّقُ بَيْنَ الْأَشْيَاءِ، وَيَعْرِفُ مَنَافِعَهَا وَخَوَاصَّهَا وَمَضَارَّهَا فِي الْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَالدِّينِيَّةِ.

{وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ} أَيْ: عَلَى الدَّوَابِّ مِنَ الْأَنْعَامِ وَالْخَيْلِ وَالْبِغَالِ، وَفِي {الْبَحْرِ} أَيْضًا عَلَى السُّفُنِ الْكِبَارِ وَالصِّغَارِ.

{وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ} أَيْ: مِنْ زُرُوعٍ وَثِمَارٍ وَلُحُومٍ وَأَلْبَانٍ مِنْ سَائِرِ أَنْوَاعِ الطُّعُومِ وَالْأَلْوَانِ الْمُشْتَهَاةِ اللَّذِيذَةِ، وَالْمَنَاظِرِ الْحَسَنَةِ، وَالْمَلَابِسِ الرَّفِيعَةِ مِنْ سَائِرِ الْأَنْوَاعِ عَلَى اخْتِلَافِ أَصْنَافِهَا وَأَلْوَانِهَا وَأَشْكَالِهَا مِمَّا يَصْنَعُونَهُ لِأَنْفُسِهِمْ، وَيَجْلِبُهُ إِلَيْهِمْ غَيْرُهُمْ مِنْ أَقْطَارِ الْأَقَالِيمِ وَالنَّوَاحِي.

{وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} أَيْ: مِنْ سَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ وَأَصْنَافِ الْمَخْلُوقَاتِ)).

وَلَا شَكَّ أَنَّ قِيمَةَ الِاحْتِرَامِ مِنْ أَهَمِّ هَذِهِ الْقِيَمِ الْإِنْسَانِيَّةِ النَّبِيلَةِ الَّتِي دَعَا إِلَيْهَا الْإِسْلَامُ وَالَّتِي يَتَمَنَّى كُلُّ إِنْسَانٍ أَنْ يَنْتَسِبَ إِلَيْهَا أَوْ يُوصَفَ بِهَا، وَلَقَدْ دَعَا دِينُنَا الْحَنِيفُ إِلَى التَّحَلِّي بِهَذِهِ الْقِيمَةِ فِي جَمِيعِ صُوَرِهَا.

إِنَّ الْإِسْلَامَ دِينٌ يَحْتَرِمُ الْإِنْسَانَ، وَيَدْعُو إِلَى احْتِرَامِهِ وَتَكْرِيمِهِ، وَقَدْ أَكْثَرَ اللهُ -تَعَالَى- فِي الْقُرْآنِ فِي بَيَانِ ذَلِكَ الِاحْتِرَامِ، وَالْحَثِّ عَلَيْهِ، وَالتَّرْغِيبِ فِيهِ، أَمَرَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- فِي كِتَابِهِ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْآيَاتِ بِاسْتِعْمَالِ الْأَدَبِ وَالِاحْتِرَامِ فِي التَّعَامُلِ مَعَ الْخَلْقِ، قَالَ رَبُّنَا -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ-: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} [البقرة: 83].

((أَمَرَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- بِالْإِحْسَانِ إِلَى النَّاسِ عُمُومًا، فَقَالَ: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} وَمِنَ الْقَوْلِ الْحَسَنِ: أَمْرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ، وَنَهْيُهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَتَعْلِيمُهُمُ الْعِلْمَ، وَبَذْلُ السَّلَامِ، وَالْبَشَاشَةُ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ كُلِّ كَلَامٍ طَيِّبٍ.

وَلَمَّا كَانَ الْإِنْسَانُ لَا يَسَعُ النَّاسَ بِمَالِهِ؛ أَمَرَ بِأَمْرٍ يَقْدِرُ بِهِ عَلَى الْإِحْسَانِ إِلَى كُلِّ مَخْلُوقٍ، وَهُوَ الْإِحْسَانُ بِالْقَوْلِ، فَيَكُونُ فِي ضِمْنِ ذَلِكَ: النَّهْيُ عَنِ الْكَلَامِ الْقَبِيحِ لِلنَّاسِ؛ حَتَّى لِلْكُفَّارِ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: {وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}.

وَمِنْ أَدَبِ الْإِنْسَانِ الَّذِي أَدَّبَ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ: أَنْ يَكُونَ الْإِنْسَانُ نَزِيهًا فِي أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ، غَيْرَ فَاحِشٍ وَلَا بَذِيءٍ، وَلَا شَاتِمٍ، وَلَا مُخَاصِمٍ، بَلْ يَكُونُ حَسَنَ الْخُلُقِ، وَاسِعَ الْحِلْمِ، مُجَامِلًا لِكُلِّ أَحَدٍ، صَبُورًا عَلَى مَا يَنَالُهُ مِنْ أَذَى الْخَلْقِ؛ امْتِثَالًا لِأَمْرِ اللَّهِ، وَرَجَاءً لِثَوَابِهِ)).

وَقَالَ تَعَالَى: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَصِفُونَ}.

((هَذَا مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ بِهَا، فَقَالَ: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ} أَيْ: إِذَا أَسَاءَ إِلَيْكَ أَعْدَاؤُكَ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ فَلَا تُقَابِلْهُمْ بِالْإِسَاءَةِ، مَعَ أَنَّهُ يَجُوزُ مُعَاقَبَةُ الْمُسِيءِ بِمِثْلِ إِسَاءَتِهِ؛ وَلَكِنِ ادْفَعْ إِسَاءَتَهُمُ إِلَيْكَ بِالْإِحْسَانِ مِنْكَ إِلَيْهِمْ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ فَضْلٌ مِنْكَ عَلَى الْمُسِيءِ.

وَمِنْ مَصَالِحِ ذَلِكَ: أَنَّهُ تَخِفُّ الْإِسَاءَةُ عَنْكَ فِي الْحَالِ وَفِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَأَنَّهُ أَدْعَى لِجَلْبِ الْمُسِيءِ إِلَى الْحَقِّ، وَأَقْرَبُ إِلَى نَدَمِهِ وَأَسَفِهِ، وَرُجُوعِهِ بِالتَّوْبَةِ عَمَّا فَعَلَ، وَيَتَّصِفُ الْعَافِي بِصِفَةِ الْإِحْسَانِ، وَيَقْهَرُ بِذَلِكَ عَدُوَّهُ الشَّيْطَانَ، وَيَسْتَوْجِبُ الثَّوَابَ مِنَ الرَّبِّ، قَالَ تَعَالَى: {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ}، وَقَالَ تَعَالَى: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَمَا يُلَقَّاهَا} أَيْ: مَا يُوَفَّقُ لِهَذَا الْخُلُقِ الْجَمِيلِ {إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ}.

{نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ} أَيْ: بِمَا يَقُولُونَ مِنَ الْأَقْوَالِ الْمُتَضَمِّنَةِ لِلْكُفْرِ وَالتَّكْذِيبِ بِالْحَقِّ، قَدْ أَحَاطَ عِلْمُنَا بِذَلِكَ، وَقَدْ حَلِمْنَا عَنْهُمْ، وَأَمْهَلْنَاهُمْ، وَصَبَرْنَا عَلَيْهِمْ، وَالْحَقُّ لَنَا، وَتَكْذِيبُهُمْ لَنَا، فَأَنْتَ -يَا مُحَمَّدُ- يَنْبَغِي لَكَ أَنْ تَصْبِرَ عَلَى مَا يَقُولُونَ، وَتُقَابِلَهُمْ بِالْإِحْسَانِ، هَذِهِ وَظِيفَةُ الْعَبْدِ فِي مُقَابَلَةِ الْمُسِيءِ مِنَ الْبَشَرِ)).

وَقَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا} [الإسراء: 53].

((وَهَذَا مِنْ لُطْفِهِ بِعِبَادِهِ؛ حَيْثُ أَمَرَهُمْ بِأَحْسَنِ الْأَخْلَاقِ وَالْأَعْمَالِ وَالْأَقْوَالِ الْمُوجِبَةِ لِلسَّعَادَةِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَقَالَ: {وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}، وَهَذَا أَمْرٌ بِكُلِّ كَلَامٍ يُقَرِّبُ إِلَى اللَّهِ؛ مِنْ قِرَاءَةٍ، وَذِكْرٍ، وَعِلْمٍ، وَأَمْرٍ بِمَعْرُوفٍ، وَنَهْيٍ عَنْ مُنْكَرٍ، وَكَلَامٍ حَسَنٍ لَطِيفٍ مَعَ الْخَلْقِ عَلَى اخْتِلَافِ مَرَاتِبِهِمْ وَمَنَازِلِهِمْ، وَأَنَّهُ إِذَا دَارَ الْأَمْرُ بَيْنَ أَمْرَيْنِ حَسَنَيْنِ؛ فَإِنَّهُ يُؤْمَرُ بِإِيثَارِ أَحْسَنِهِمَا إِنْ لَمْ يُمْكِنِ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا.

وَالْقَوْلُ الْحَسَنُ دَاعٍ لِكُلِّ خُلُقٍ جَمِيلٍ وَعَمَلٍ صَالِحٍ؛ فَإِنَّ مَنْ مَلَكَ لِسَانَهُ مَلَكَ جَمِيعَ أَمْرِهِ.

وَقَوْلُهُ: {إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ} أَيْ: يَسْعَى بَيْنَ الْعِبَادِ بِمَا يُفْسِدُ عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَدُنْيَاهُمْ، فَدَوَاءُ هَذَا أَلَّا يُطِيعُوهُ فِي الْأَقْوَالِ غَيْرِ الْحَسَنَةِ الَّتِي يَدْعُوهُمْ إِلَيْهَا، وَأَنْ يَلِينُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ؛ لِيَنْقَمِعَ الشَّيْطَانُ الَّذِي يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ؛ فَإِنَّهُ عَدُوُّهُمُ الْحَقِيقِيُّ الَّذِي يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يُحَارِبُوهُ؛ فَإِنَّهُ يَدْعُوهُمْ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ.

وَأَمَّا إِخْوَانُهُمْ؛ فَإِنَّهُمْ وَإِنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَسَعَى فِي الْعَدَاوَةِ فَإِنَّ الْحَزْمَ كُلَّ الْحَزْمِ السَّعْيُ فِي ضِدِّ عَدُوِّهِمْ، وَأَنْ يَقْمَعُوا أَنْفُسَهُمُ الْأَمَّارَةَ بِالسُّوءِ، الَّتِي يَدْخُلُ الشَّيْطَانُ مِنْ قِبَلِهَا؛ فَبِذَلِكَ يُطِيعُونَ رَبَّهُمْ، وَيَسْتَقِيمُ أَمْرُهُمْ، وَيُهْدَوْنَ لِرُشْدِهِمْ)).

وَقَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ} [العنكبوت: 46].

((يَنْهَى -تَعَالَى- عَنْ مُجَادَلَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ إِذَا كَانَتْ مِنْ غَيْرِ بَصِيرَةٍ مِنَ الْمُجَادِلِ، أَوْ بِغَيْرِ قَاعِدَةٍ مَرْضِيَّةٍ، وَأَلَّا يُجَادَلُوا إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ؛ بِحُسْنِ خُلُقٍ، وَلُطْفٍ، وَلِينِ كَلَامٍ، وَدَعْوَةٍ إِلَى الْحَقِّ وَتَحْسِينِهِ، وَرَدٍّ عَنِ الْبَاطِلِ وَتَهْجِينِهِ بِأَقْرَبِ طَرِيقٍ مُوَصِّلٍ لِذَلِكَ، وَأَلَّا يَكُونَ الْقَصْدُ مِنْهَا مُجَرَّدَ الْمُجَادَلَةِ وَالْمُغَالَبَةِ، وَحُبِّ الْعُلُوِّ، بَلْ يَكُونُ الْقَصْدُ بَيَانَ الْحَقِّ وَهِدَايَةَ الْخَلْقِ؛ إِلا مَنْ ظَلَمَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ بِأَنْ ظَهَرَ مِنْ قَصْدِهِ وَحَالِهِ أَنَّهُ لَا إِرَادَةَ لَهُ فِي الْحَقِّ، وَإِنَّمَا يُجَادِلُ عَلَى وَجْهِ الْمُشَاغَبَةِ وَالْمُغَالَبَةِ، فَهَذَا لَا فَائِدَةَ فِي جِدَالِهِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا ضَائِعٌ)).

وَقَالَ رَبُّنَا -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (33) وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} [فصلت: 33-35].

((هَذَا اسْتِفْهَامٌ بِمَعْنَى النَّفْيِ الْمُتَقَرِّرِ، أَيْ: لَا أَحَدَ أَحْسَنُ قَوْلًا -أَيْ: كَلَامًا وَطَرِيقَةً وَحَالَةً- مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ بِتَعْلِيمِ الْجَاهِلِينَ، وَوَعْظِ الْغَافِلِينَ وَالْمُعْرِضِينَ، وَمُجَادَلَةِ الْمُبْطِلِينَ، بِالْأَمْرِ بِعِبَادَةِ اللَّهِ بِجَمِيعِ أَنْوَاعِهَا، وَالْحَثِّ عَلَيْهَا، وَتَحْسِينِهَا مَهْمَا أَمْكَنَ، وَالزَّجْرُ عَمَّا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ، وَتَقْبِيحُهُ بِكُلِّ طَرِيقٍ يُوجِبُ تَرْكَهُ؛ خُصُوصًا مِنْ هَذِهِ الدَّعْوَةِ إِلَى أَصْلِ دِينِ الْإِسْلَامِ وَتَحْسِينِهِ، وَمُجَادَلَةِ أَعْدَائِهِ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، وَالنَّهْيُ عَمَّا يُضَادُّهُ مِنَ الْكُفْرِ وَالشِّرْكِ، وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ.

وَمِنَ الدَّعْوَةِ إِلَى اللَّهِ: تَحْبِيبُهُ إِلَى عِبَادِهِ بِذِكْرِ تَفَاصِيلِ نِعَمِهِ، وَسَعَةِ جُودِهِ، وَكَمَالِ رَحْمَتِهِ، وَذِكْرِ أَوْصَافِ كَمَالِهِ وَنُعُوتِ جَلَالِهِ.

وَمِنَ الدَّعْوَةِ إِلَى اللَّهِ: التَّرْغِيبُ فِي اقْتِبَاسِ الْعِلْمِ وَالْهُدَى مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ، وَالْحَثُّ عَلَى ذَلِكَ بِكُلِّ طَرِيقٍ مُوَصِّلٍ إِلَيْهِ.

وَمِنْ ذَلِكَ: الْحَثُّ عَلَى مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، وَالْإِحْسَانُ إِلَى عُمُومِ الْخَلْقِ، وَمُقَابَلَةُ الْمُسِيءِ بِالْإِحْسَانِ، وَالْأَمْرُ بِصِلَةِ الْأَرْحَامِ، وَبِرِّ الْوَالِدَيْنِ.

وَمِنْ ذَلِكَ: الْوَعْظُ لِعُمُومِ النَّاسِ فِي أَوْقَاتِ الْمَوَاسِمِ، وَالْعَوَارِضِ، وَالْمَصَائِبِ بِمَا يُنَاسِبُ ذَلِكَ الْحَالَ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَا تَنْحَصِرُ أَفْرَادُهُ مِمَّا تَشْمَلُهُ الدَّعْوَةُ إِلَى الْخَيْرِ كُلِّهِ، وَالتَّرْهِيبِ مِنْ جَمِيعِ الشَّرِّ.

ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: {وَعَمِلَ صَالِحًا} أَيْ: مَعَ دَعْوَتِهِ الْخَلْقَ إِلَى اللَّهِ بَادَرَ هُوَ بِنَفْسِهِ إِلَى امْتِثَالِ أَمْرِ اللَّهِ بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ الَّذِي يُرْضِي رَبَّهُ، {وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} أَيِ: الْمُنْقَادِينَ لِأَمْرِهِ، السَّالِكِينَ فِي طَرِيقِهِ، وَهَذِهِ الْمَرْتَبَةُ تَمَامُهَا لِلصِّدِّيقِينَ الَّذِينَ عَمِلُوا عَلَى تَكْمِيلِ أَنْفُسِهِمْ، وَتَكْمِيلِ غَيْرِهِمْ، وَحَصَلَتْ لَهُمُ الْوِرَاثَةُ التَّامَّةُ مِنَ الرُّسُلِ، كَمَا أَنَّ مِنْ أَشَرِّ النَّاسِ قَوْلًا: مَنْ كَانَ مِنْ دُعَاةِ الضَّالِّينَ السَّالِكِينَ لِسُبُلِهِ.

وَبَيْنَ هَاتَيْنِ الْمَرْتَبَتَيْنِ الْمُتَبَايِنَتَيْنِ اللَّتَيْنِ ارْتَفَعَتْ إِحْدَاهُمَا إِلَى أَعْلَى عِلِّيِّينَ وَنَزَلَتِ الْأُخْرَى إِلَى أَسْفَلَ سَافِلِينَ مَرَاتِبُ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللَّهُ، وَكُلُّهَا مَعْمُورَةٌ بِالْخَلْقِ، {وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ}.

يَقُولُ تَعَالَى: {وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ} أَيْ: لَا يَسْتَوِي فِعْلُ الْحَسَنَاتِ وَالطَّاعَاتِ لِأَجْلِ رِضَا اللَّهِ -تَعَالَى-، وَلَا فِعْلُ السَّيِّئَاتِ وَالْمَعَاصِي الَّتِي تُسْخِطُهُ وَلَا تُرْضِيهِ، وَلَا يَسْتَوِي الْإِحْسَانُ إِلَى الْخَلْقِ، وَلَا الْإِسَاءَةُ إِلَيْهِمْ، لَا فِي ذَاتِهَا، وَلَا فِي وَصْفِهَا، وَلَا فِي جَزَائِهَا {هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلا الإِحْسَانُ}.

ثُمَّ أَمَرَ بِإِحْسَانٍ خَاصٍّ لَهُ مَوْقِعٌ كَبِيرٌ، وَهُوَ الْإِحْسَانُ إِلَى مَنْ أَسَاءَ إِلَيْكَ، فَقَالَ: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} أَيْ: فَإِذَا أَسَاءَ إِلَيْكَ مُسِيءٌ مِنَ الْخَلْقِ -خُصُوصًا مَنْ لَهُ حَقٌّ كَبِيرٌ عَلَيْكَ؛ كَالْأَقَارِبِ، وَالْأَصْحَابِ، وَنَحْوِهِمْ- إِسَاءَةً بِالْقَوْلِ أَوْ بِالْفِعْلِ؛ فَقَابِلْهُ بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِ، فَإِنْ قَطَعَكَ فَصِلْهُ، وَإِنْ ظَلَمَكَ فَاعْفُ عَنْهُ، وَإِنْ تَكَلَّمَ فِيكَ غَائِبًا أَوْ حَاضِرًا فَلَا تُقَابِلْهُ، بَلِ اعْفُ عَنْهُ، وَعَامِلْهُ بِالْقَوْلِ اللَّيِّنِ، وَإِنْ هَجَرَكَ، وَتَرَكَ خِطَابَكَ؛ فَطَيِّبْ لَهُ الْكَلَامَ، وَابْذُلْ لَهُ السَّلَامَ، فَإِذَا قَابَلْتَ الْإِسَاءَةَ بِالْإِحْسَانِ؛ حَصَلَتْ فَائِدَةٌ عَظِيمَةٌ: {فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} أَيْ: كَأَنَّهُ قَرِيبٌ شَفِيقٌ.

{وَمَا يُلَقَّاهَا} أَيْ: وَمَا يُوَفَّقُ لِهَذِهِ الْخَصْلَةِ الْحَمِيدَةِ إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا نُفُوسَهُمْ عَلَى مَا تَكْرَهُ، وَأَجْبَرُوهَا عَلَى مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ؛ فَإِنَّ النُّفُوسَ مَجْبُولَةٌ عَلَى مُقَابَلَةِ الْمُسِيءِ بِإِسَاءَتِهِ، وَعَدَمِ الْعَفْوِ عَنْهُ؛ فَكَيْفَ بِالْإِحْسَانِ؟!!

فَإِذَا صَبَرَ الْإِنْسَانُ نَفْسَهُ، وَامْتَثَلَ أَمْرَ رَبِّهِ، وَعَرَفَ جَزِيلَ الثَّوَابِ، وَعَلِمَ أَنَّ مُقَابَلَتَهُ لِلْمُسِيءِ بِجِنْسِ عَمَلِهِ لَا يُفِيدُهُ شَيْئًا، وَلَا يَزِيدُ الْعَدَاوَةَ إِلَّا شِدَّةً، وَأَنَّ إِحْسَانَهُ إِلَيْهِ لَيْسَ بِوَاضِعِ قَدْرِهِ، بَلْ مَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ رَفَعَهُ؛ هَانَ عَلَيْهِ الْأَمْرُ، وَفَعَلَ ذَلِكَ مُتَلَذِّذًا مُسْتَحْلِيًا لَهُ.

{وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ}؛ لِكَوْنِهَا مِنْ خِصَالِ خَوَاصِّ الْخَلْقِ الَّتِي يَنَالُ بِهَا الْعَبْدُ الرِّفْعَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، الَّتِي هِيَ مِنْ أَكْبَرِ خِصَالِ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ)).

وَذَكَرَ رَبُّنَا -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- جُمْلَةً مِنْ أَخْلَاقِ وَخِصَالِ عِبَادِهِ الصَّالِحِينَ؛ مِنْهَا: التَّوَاضُعُ، وَمُقَابَلَةُ إِسَاءَةِ الْمُسِيءِ بِالْإِحْسَانِ، قَالَ تَعَالَى: {وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا} [الفرقان: 63].

((الْعُبُودِيَّةُ لِلَّهِ نَوْعَانِ: عُبُودِيَّةٌ لِرُبُوبِيَّتِهِ، فَهَذِهِ يَشْتَرِكُ فِيهَا سَائِرُ الْخَلْقِ؛ مُسْلِمُهُمْ وَكَافِرُهُمْ، بَرُّهُمْ وَفَاجِرُهُمْ، فَكُلُّهُمْ عَبِيدٌ لِلَّهِ، مَرْبُوبُونَ مُدَبَّرُونَ: {إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا}.

وَعُبُودِيَّةٌ لِأُلُوهِيَّتِهِ وَعِبَادَتِهِ وَرَحْمَتِهِ، وَهِيَ عُبُودِيَّةُ أَنْبِيَائِهِ وَأَوْلِيَائِهِ، وَهِيَ الْمُرَادُ هُنَا؛ وَلِهَذَا أَضَافَهَا إِلَى اسْمِهِ (الرَّحْمَن)، إِشَارَةً إِلَى أَنَّهُمْ إِنَّمَا وَصَلُوا إِلَى هَذِهِ الْحَالِ بِسَبَبِ رَحْمَتِهِ، فَذَكَرَ أَنَّ صِفَاتِهِمْ أَكْمَلُ الصِّفَاتِ، وَنُعُوتَهُمْ أَفْضَلُ النُّعُوتِ، فَوَصَفَهُمْ بِأَنَّهُمْ {يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا} أَيْ: سَاكِنِينَ مُتَوَاضِعِينَ لِلَّهِ وَالْخَلْقِ، فَهَذَا وَصْفٌ لَهُمْ بِالْوَقَارِ وَالسَّكِينَةِ وَالتَّوَاضُعِ لِلَّهِ وَلِعِبَادِهِ، {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ} أَيْ: خِطَابَ جَهْلٍ؛ بِدَلِيلِ إِضَافَةِ الْفِعْلِ وَإِسْنَادِهِ لِهَذَا الْوَصْفِ {قَالُوا سَلامًا} أَيْ: خَاطَبُوهُمْ خِطَابًا يَسْلَمُونَ فِيهِ مِنَ الْإِثْمِ، وَيَسْلَمُونَ مِنْ مُقَابَلَةِ الْجَاهِلِ بِجَهْلِهِ، وَهَذَا مَدْحٌ لَهُمْ بِالْحِلْمِ الْكَثِيرِ، وَمُقَابَلَةِ الْمُسِيءِ بِالْإِحْسَانِ، وَالْعَفْوِ عَنِ الْجَاهِلِ، وَرَزَانَةِ الْعَقْلِ الَّذِي أَوْصَلَهُمْ إِلَى هَذِهِ الْحَالِ)).

وَقَدْ نَهَى اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- الْمُؤْمِنِينَ عَنِ اقْتِرَافِ كُلِّ مَا يَخْدِشُ الْأُخُوَّةَ، وَعَنِ فِعْلِ كُلِّ مَا يُسِيءُ إِلَى التَّقْدِيرِ وَالِاحْتِرَامِ بَيْنَ الْإِخْوَةِ؛ فَنَهَى أَنْ يَعِيبَ أَحَدٌ أَحَدًا، وَنَهَى عَنِ التَّنَابُزِ بِالْأَلْقَابِ، وَعَنِ الظَّنِّ السَّيِّئِ، وَعَنِ الْغِيبَةِ، وَالتَّجَسُّسِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ فَقَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ ۖ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ۖ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ ۚ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (11) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ۖ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ} [الحجرات: 11-12].

((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ صَدَّقُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَعَمِلُوا بِشَرِيعَتِهِ! لَا يَهْزَأْ قَوْمٌ مُؤْمِنُونَ مِنْ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ؛ عَسَى أَنْ يَكُونَ الْمَهْزُوءُ بِهِ مِنْهُمْ خَيْرًا مِنَ الَهْاَزئِينَ، وَلَا يَهْزَأُ نِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ مِنْ نِسَاءٍ مُؤْمِنَاتٍ؛ عَسَى أَنْ يَكُونَ الْمَهْزُوءُ بِهِ مِنْهُنَّ خَيْرًا مِنَ الْهَازِئَاتِ، وَلَا يَعِبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، وَلَا يَدْعُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا بِمَا يَكْرَهُ مِنَ الْأَلْقَابِ، بِئْسَ الصِّفَةُ وَالِاسْمُ الْفُسُوقُ، وَهُوَ السُّخْرِيَةُ وَاللَّمْزُ وَالتَّنَابُزُ بِالْأَلْقَابِ بَعْدَمَا دَخَلْتُمْ فِي الْإِسْلَامِ وَعَقِلْتُمُوهُ، وَمَنْ لَمْ يَتُبْ مِنْ هَذِهِ السُّخْرِيَةِ وَاللَّمْزِ وَالتَّنَابُزِ وَالْفُسُوقِ فَأُولَئِكَ هُمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بِارْتِكَابِ هَذِهِ الْمَنَاهِي.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ صَدَّقُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَعَمِلُوا بِشَرْعِهِ! اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنْ ظَنِّ السُّوءِ بِالْمُؤْمِنِينَ؛ إِنَّ بَعْضَ ذَلِكَ الظَّنِّ إِثْمٌ، وَلَا تُفَتِّشُوا عَنْ عَوْرَاتِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يَقُلْ بَعْضُكُمْ فِي بَعْضٍ بِظَهْرِ الْغَيْبِ مَا يَكْرَهُ.

أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَكْلَ لَحْمِ أَخِيهِ وَهُوَ مَيِّتٌ؟!!

فَأَنْتُمْ تَكْرَهُونَ ذَلِكَ، فَاكْرَهُوا اغْتِيَابَهُ، وَخَافُوا اللهَ فِيمَا أَمَرَكُمْ بِهِ وَنَهَاكُمْ عَنْهُ، إِنَّ اللهَ تَوَّابٌ عَلَى عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ، رَحِيمٌ بِهِمْ)).

إِنَّ الْمَرْءَ بِأَخْلَاقِهِ وَدِينِهِ يَسَعُ النَّاسَ، وَلَا يَسَعُهُمْ بِمَالِهِ وَأَمْلَاكِهِ، وَاحْتِرَامُ النَّاسِ وَتَوْقِيرُهُمْ أَدَبٌ رَفِيعٌ يَتَحَلَّى بِهِ الْمُوَفَّقُونَ مِنْ عِبَادِ اللهِ.

لَقَدْ تَزَيَّنَ بِاحْتِرَامِ النَّاسِ سَيِّدُ الْخَلْقِ مُحَمَّدٌ ﷺ، فَكَانَ مَضْرِبَ الْأَمْثَالِ فِي احْتِرَامِهِ لِلنَّاسِ؛ حَتَّى أُعْجِبَ بِهِ أَعْدَاؤُهُ قَبْلَ أَصْحَابِهِ، قَالَ لَهُ رَبُّهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: {وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 3-4].

(({وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} أَيْ: عَلِيٌّ بِهِ، مُسْتَعْلٍ بِخُلُقِكَ الَّذِي مَنَّ اللهُ عَلَيْكَ بِهِ)).

لَقَدْ أَمَرَ نَبِيُّنَا ﷺ بِالتَّعَامُلِ مَعَ النَّاسِ بِالْأَخْلَاقِ الْحَسَنَةِ الْجَمِيلَةِ، وَذَلِكَ يَشْمَلُ احْتِرَامَهُمْ وَتَقْدِيرَهُمْ، وَعَدَمَ جَرْحِ مَشَاعِرِهِمْ وَأَحَاسِيسِهِمْ؛ فَعَنْ أَبِي ذَرٍّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «اتَّقِ اللهَ حَيْثُمَا كُنْتَ، وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ». أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالْحَاكِمُ، وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ.

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا، وَخِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِمْ خُلُقًا». أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَاللَّفْظُ لَهُ، وَأَحْمَدُ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ.

عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَنَا زَعِيمٌ -الزَّعِيمُ هَاهُنَا: الضَّامِنُ- بِبَيْتٍ فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ -رَبَضُ الْجَنَّةِ: مَا حَوْلَهَا خَارِجًا عَنْهَا، تَشْبِيهًا بِالْأَبْنِيَةِ الَّتِي تَكُونُ حَوْلَ الْمَدِينَةِ وَتَحْتَ الْقِلَاعِ- لِمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ -أَيِ: الْجَدَلَ- وَإِنْ كَانَ مُحِقًّا، وَبِبَيْتٍ فِي وَسَطِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْكَذِبَ وَإِنْ كَانَ مَازِحًا، وَبِبَيْتٍ فِي أَعْلَى الْجَنَّةِ لِمَنْ حَسُنَ خُلُقُهُ». أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَاللَّفْظُ لَهُ، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ.

فَجَعَلَ الْبَيْتَ الْعُلْوِيَّ جَزَاءً لِأَعْلَى الْمَقَامَاتِ الثَّلَاثَةِ، وَهِيَ حُسْنُ الْخُلُقِ، وَالْأَوْسَطَ لِأَوْسَطِهَا، وَهُوَ تَرْكُ الْكَذِبِ، وَالْأَدْنَى لِأَدْنَاهَا، وَهُوَ تَرْكُ الْمُمَارَاةِ؛ وَإِنْ كَانَ مَعَهُ حَقٌّ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ حُسْنَ الْخُلُقِ مُشْتَمِلٌ عَلَى هَذَا كُلِّهِ.

وَعِنْدَ مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا-، أَنَّ سَعْدَ بْنَ هِشَامٍ سَأَلَهَا فَقَالَ: ((يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ! أَنْبِئِينِي عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللهِ ﷺ )).

قَالَتْ: ((أَلَيْسَ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ؟)).

قَالَ: ((بَلَى)).

قَالَتْ: «فَإِنَّ خُلُقَ نَبِيِّ اللهِ ﷺ كَانَ الْقُرْآنَ».

وَعَنْهَا -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: ((إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ دَرَجَةَ الصَّائِمِ الْقَائِمِ)) . أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَغَيْرُهُمَا بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ.

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ)) . أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالْحَاكِمُ، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ.

وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَحَاسِنَكُمْ أَخْلَاقًا، وَإِنَّ أَبْغَضَكُمْ إِلَيَّ وَأَبْعَدَكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الثَّرْثَارُونَ، وَالْمُتَشَدِّقُونَ، وَالْمُتَفَيْهِقُونَ».

قَالُوا: ((يَا رَسُولَ اللهِ! قَدْ عَلِمْنَا الثَّرْثَارُونَ، وَالْمُتَشَدِّقُونَ؛ فَمَا الْمُتَفَيْهِقُونَ؟)).

قَالَ: «الْمُتَكَبِّرُونَ». أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَغَيْرُهُ، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ.

وَعِنْدَ الْبُخَارِيِّ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-: (({خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ} [الأعراف: 199] قَالَ: مَا أَنْزَلَ اللهُ يَعْنِي: هَذِهِ الْآيَةَ- إِلَّا فِي أَخْلَاقِ النَّاسِ)).

وَعَنْهُ -أَيْضًا- قَالَ: ((أَمَرَ اللهُ نَبِيَّهُ ﷺ أَنْ يَأْخُذَ الْعَفْوَ مِنْ أَخْلَاقِ النَّاسِ)) أَوْ كَمَا قَالَ.

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ أَكْثَرِ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ الْجَنَّةَ؟

فَقَالَ: «تَقْوَى اللهِ، وَحُسْنُ الْخُلُقِ)).

وَسُئِلَ عَنْ أَكْثَرِ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ النَّارَ؟

فَقَالَ: «الْفَمُ، وَالْفَرْجُ». أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَغَيْرُهُمَا بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ.

وَفِي ((الصَّحِيحَيْنِ)) -وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ- عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- قَالَ: ((لَمَّا بَلَغَ أَبَا ذَرٍّ مَبْعَثُ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ لِأَخِيهِ: ارْكَبْ إِلَى هَذَا الْوَادِي فَاعْلَمْ لِي عِلْمَ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ يَأْتِيهِ الْخَبَرُ مِنَ السَّمَاءِ، وَاسْمَعْ مِنْ قَوْلِهِ، ثُمَّ ائْتِنِي)).

فَانْطَلَقَ الْأَخُ حَتَّى قَدِمَهُ، وَسَمِعَ مِنْ قَوْلِهِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى أَبِي ذَرٍّ، فَقَالَ لَهُ: ((رَأَيْتُهُ يَأْمُرُ بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، وَكَلَامًا مَا هُوَ بِالشِّعْرِ)). الْحَدِيثَ.

وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَا شَيْءٌ أَثْقَلَ فِي مِيزَانِ الْمُؤْمِنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ خُلُقٍ حَسَنٍ، وَإِنَّ اللهَ لَيُبْغِضُ الْفَاحِشَ الْبَذِيءَ».

وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: ((مَا مِنْ شَيْءٍ يُوضَعُ فِي الْمِيزَانِ أَثْقَلُ مِنْ حُسْنِ الْخُلُقِ، وَإِنَّ صَاحِبَ حُسْنِ الْخُلُقِ لَيَبْلُغُ بِهِ دَرَجَةَ صَاحِبِ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ)). أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ.

وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَنْ يَحْرُمُ عَلَى النَّارِ، أَوْ بِمَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ النَّارُ؟ عَلَى كُلِّ قَرِيبٍ هَيِّنٍ سَهْلٍ». أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ.

وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِأَشَجِّ عَبْدِ الْقَيْسِ: «إِنَّ فِيكَ خَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللهُ؛ الْحِلْمُ، وَالْأَنَاةُ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

وَعَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ الْمُجَاشِعِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ اللهَ أَوْحَى إِلَيَّ أَنْ تَوَاضَعُوا؛ حَتَّى لَا يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ، وَلَا يَبْغِيَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا تَحْقِرَنَّ مِنَ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا؛ وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.

وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «وَمَنْ صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَا تُكَافِئُونَهُ فَادْعُوا لَهُ حَتَّى تَرَوْا أَنَّكُمْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ». أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ.

وَفِي «الصَّحِيحَيْنِ» عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا، وَسَكِّنُوا وَلَا تُنَفِّرُوا».

إِنَّ الرِّفْقَ فِي الْمُعَامَلَاتِ مَعَ النَّاسِ مِنْ أَوْضَحِ دَلَائِلِ احْتِرَامِهِمْ وَتَقْدِيرِهِمْ؛ فَعَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ يُحْرَمِ الرِّفْقَ يُحْرَمِ الْخَيْرَ». وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي «صَحِيحِهِ».

«الرِّفْقُ»: لِينُ الْجَانِبِ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ، وَهُوَ اللُّطْفُ، وَهُوَ خِلَافُ الْعُنْفِ.

«مَنْ يُحْرَمْ»: هَاهُنَا مِنَ الْمَنْعِ وَالْحِرْمَانِ.

«يُحْرَمِ الْخَيْرَ»؛ أَيْ: يُفْضِي بِهِ إِلَى أَنْ يُحْرَمَ خَيْرَيِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.

قَالَ تَعَالَى: {وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران: 159].

فَإِذَا كَانَ هَذَا شَأْنَ النَّبِيِّ ﷺ مَعَ أَصْحَابِهِ فِيمَا لَوْ تَعَامَلَ مَعَهُمْ بِالْغِلْظَةِ، وَمَا يَنْشَأُ عَنْهُ مِنَ انْفِضَاضِ أَصْحَابِهِ؛ فَكَيْفَ لَوْ تَعَامَلَ بِذَلِكَ مَنْ هُوَ دُونَهُ مَعَ مَنْ هُوَ دُونَهُمْ؟!!

وَأَنْتَ تَرَى -حَفِظَكَ اللهُ- بُعْدَ النَّاسِ عَنِ الدِّينِ.

فَالرِّفْقَ الرِّفْقَ!

وَاللِّينَ اللِّينَ! إِلَّا فِي مَوْضِعِ الشِّدَّةِ، فَيَتَوَجَّبُ عَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يَأْتِيَ بِالشِّدَّةِ فِي مَوَاضِعِهَا.

فَالرِّفْقَ الرِّفْقَ.. وَاللِّينَ اللِّينَ؛ حَتَّى تُبَلِّغَ دِينَ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

عِبَادَ اللهِ! إِنَّ الرِّفْقَ سَبَبُ كُلِّ خَيْرٍ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَشْمَلَ حَيَاةَ الْمُسْلِمِ، فَمَنْ يُحْرَمِ الرِّفْقَ يُحْرَمْ خَيْرَيِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.

وَعَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي «صَحِيحِهِ».

«إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ»؛ أَيْ: يُحِبُّ لِينَ الْجَانِبِ فِي الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ، وَيُحِبُّ الْأَخْذَ بِالْأَسْهَلِ مَا لَمْ يُخَالِفِ الشَّرْعَ.

فِي حَدِيثِ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- عِنْدَ مُسْلِمٍ: «إِنَّ اللهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ، ويُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ».

أَيْ: يَتَأَتَّى مِنَ الرِّفْقِ مَا لَا يَتَأَتَّى مَعَ نَقِيضِهِ وَضِدِّهِ.

يَنْبَغِي عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يُعَوِّدَ لِسَانَهُ عَلَى الْأَدَبِ، وَأَلَّا يَأْخُذَ نَفْسَهُ بِالسَّبِّ حَتَّى لَا يُدْمِنَهُ.

وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنَ الرِّفْقِ فَقَدْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنَ الْخَيْرِ، وَمَنْ حُرِمَ حَظَّهُ مِنَ الرِّفْقِ فَقَدْ حُرِمَ حَظَّهُ مِنَ الْخَيْرِ». أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ.

وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ احْتِرَامِ الْمُسْلِمِ تَحْرِيمُ الْغِيبَةِ وَالْبُهْتَانِ؛ فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: ((أَتَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ؟)).

قَالُوا: ((اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ)).

قَالَ: ((ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ)).

قَالَ: ((أَفَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُولُ؟)).

قَالَ: ((إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدْ بَهَتَّهُ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

وَقَالَ ﷺ: ((بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ -أَيْ: كَافِيهِ- أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ، كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ؛ دَمُهُ، وَعِرْضُهُ، وَمَالُهُ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَقَدْ أَحَقَّ النَّبِيُّ ﷺ لِلْمُسْلِمِ عَلَى أَخِيهِ حُقُوقًا دَالَّةً عَلَى الْحَثِّ عَلَى تَقْدِيرِهِ، وَالتَّرْغِيبِ فِي تَوْقِيرِهِ وَاحْتِرَامِهِ، قَالَ ﷺ: ((حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ: إِذَا لَقِيتَهُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، وَإِذَا دَعَاكَ فَأَجِبْهُ، وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ، وَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللَّهَ فَشَمِّتْهُ، وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ، وَإِذَا مَاتَ فَاتَّبِعْهُ)).

وَمِنْ مَظَاهِرِ احْتِرَامِ الْمُسْلِمِ لِأَخِيهِ الْمُسْلِمِ: التَّوَاضُعُ لَهُ، وَعَدَمُ احْتِقَارِهِ وَالتَّكَبُّرِ عَلَيْهِ؛ فَفِي ((صَحِيحِ مُسْلِمٍ)) عنه ﷺ: «وَأُوحِيَ إليَّ أَنْ تَوَاضَعُوا حَتَّى لَا يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ، وَلَا يَبْغِيَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

 وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ فِي ((صَحِيحِهِ)) بِسَنَدِهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ)).

فَقَالَ رَجُلٌ: ((يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا، وَأَنْ تَكُونَ نَعْلُهُ حَسَنَةً)).

فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، الْكِبْرُ: بَطَرُ الْحَقِّ، وَغَمْطُ النَّاسِ)).

هَذَا الْأَمْرُ الَّذِي حَذَّرَ مِنْهُ النَّبِيُّ ﷺ، وَعَرَّفَهُ، وَحَدَّدَهُ؛ عَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يَعْرِفَهُ، وَأَنْ يَحْذَرَهُ؛ لِأَنَّ اللهَ لَا يُسَامِحُ فِي شَيْءٍ مِنْهُ، مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ؛ لَنْ يُدْخِلَهُ اللهُ الْجَنَّةَ، وَ((مِثْقَالُ ذَرَّةٍ)): شَيْءٌ يَسِيرٌ، شَيْءٌ قَلِيلٌ، شَيْءٌ لَا وَزْنَ لَهُ؛ وَلَكِنَّهُ إِنْ دَخَلَ الْقَلْبَ أَفْسَدَهُ، وَاسْتَحَقَّ صَاحِبُهُ النَّارَ.

((لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ)).

اسْتَشْكَلَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ الْأَمْرَ، فَقَالَ: ((يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّ أَحَدَنَا يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا، وَأَنْ تَكُونَ نَعْلُهُ حَسَنَةً))، فَظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ مِنَ الْكِبْرِ.

فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ مُفَسِّرًا، وَمُوَضِّحًا، وَمُبَيِّنًا: ((إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ))؛ يَعْنِي: هَذَا لَيْسَ مِنَ الْكِبْرِ فِي شَيْءٍ، إِلَّا إِنْ قُصِدَ بِهِ أَنْ يَعْلُوَ النَّاسُ بِهِ النَّاسَ، فَمَنْ قَصَدَ ذَلِكَ مِنَ النَّاسِ فَقَدِ اسْتَكْبَرَ بِهِ، وَأَمَّا أَنْ يَتَّخِذَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ يُحِبُّهُ، وَيُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ظَاهِرُهُ جَمِيلًا مَقْبُولًا فِي غَيْرِ مَا إِسْرَافٍ، وَلَا مَخِيلَةٍ، وَلَا كِبْرِيَاءَ، وَلَا عُجْبٍ؛ فَهَذَا لَا شَيْءَ فِيهِ: ((إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ)).

((الْكِبْرُ: بَطَرُ الْحَقِّ، وَغَمْطُ النَّاسِ)).

((بَطَرُ الْحَقِّ)): دَفْعُهُ، وَرَدُّهُ عَلَى مَنْ جَاءَ بِهِ؛ إِمَّا لِاخْتِلَافِ مَذْهَبِهِ، وَإِمَّا لِصِغَرِ سِنِّهِ، وَإِمَّا لِحَقَارَةِ أَصْلِهِ، وَإِمَّا لِفَقْرِهِ، الْمُهِمُّ أَنَّهُ يُرَدُّ عَلَيْهِ الْحَقُّ الَّذِي جَاءَ بِهِ.

((الْكِبْرُ: بَطَرُ الْحَقِّ، وَغَمْطُ النَّاسِ)): احْتِقَارُهُمْ، وَالنَّظَرُ إِلَيْهِمْ بِمُؤَخَّرِ الْعَيْنِ، وَعَدُّهُمْ هَبَاءً لَا قِيمَةَ لَهُمْ، وَمَا يَعْلَمُ التَّقِيَّ مِنْ غَيْرِهِ إِلَّا اللهُ، وَالْمِيزَانُ الَّذِي بِهِ الْإِكْرَامُ عِنْدَ اللهِ: تَقْوَى اللهِ.

عِبَادَ اللهِ! إِنَّ الِاحْتِرَامَ قِيمَةٌ دَعَا إِلَيْهَا الشَّرْعُ الْحَنِيفُ كِتَابًا وَسُنَّةً؛ فَمَا أَحْوَجَنَا إِلَى أَنْ تَسُودَ قِيمَةُ الِاحْتِرَامِ فِي مُجْتَمَعَاتِنَا، وَتَتَحَوَّلَ إِلَى ثَقَافَةٍ عَامَّةٍ يَتَعَايَشُ بِهَا الصَّغِيرُ وَالْكَبِيرُ، وَالرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ، وَيَحْيَا بِهَا الْمُجْتَمَعُ وَيَرْتَقِي؛ حَتَّى يَعُمَّ التَّآلُفُ، وَالرُّقِيُّ، وَالتَّقَدُّمُ، وَالِاسْتِقْرَارُ.

((مِنْ صُوَرِ الِاحْتِرَامِ فِي حَيَاتِنَا))

إِنَّ احْتِرَامَ الْآخَرِينَ يَعْنِي احْتِرَامَ الْفَرْدِ لِذَاتِهِ، وَذَلِكَ لَا يَنْبُعُ إِلَّا مِنْ صِفَاتٍ حَمِيدَةٍ وَأَخْلَاقٍ عَالِيَةٍ تَجْعَلُ مِنَ الْمُسْلِمِ فَرْدًا صَالِحًا يَحْتَرِمُ الْآخَرِينَ، وَيُقَدِّرُ وُجُودَهُمْ فِي الْمُجْتَمَعِ.

وَالدِّينُ الْإِسْلَامِيُّ هُوَ دِينُ السَّمَاحَةِ وَالْأَخْلَاقِ؛ حَيْثُ يَحُثُّنَا الْإِسْلَامُ فِي  الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ عَلَى احْتِرَامِ الْغَيْرِ؛ سَوَاءٌ كَانَ رَجُلًا، أَوِ امْرَأَةً، أَوْ طِفْلًا، فَالدِّينُ الْإِسْلَامِيُّ يَتَنَاوَلُ احْتِرَامَ الْغَيْرِ بِنِطَاقٍ أَوْسَعَ وَأَشْمَلَ يَضْمَنُ لِلْمُجْتَمَعِ السَّلَامَةَ مِنَ الْأَمْرَاضِ الْأَخْلَاقِيَّةِ.

إِنَّ احْتِرَامَ الْآخَرِينَ لَهُ أَهَمِّيَّةٌ كَبِيرَةٌ فِي الْإِسْلَامِ، وَقَدْ سَنَّ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- احْتِرَامَ الْآخَرِينَ، وَمُعَامَلَةَ الْغَيْرِ عَلَى أُسُسٍ وَاضِحَةٍ، وَبِأَخْلَاقٍ رَفِيعَةٍ، قال ربنا -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ-: {وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا}.

((أَيْ: كَلِّمُوهُمْ طَيِّبًا، وَلِينُوا لَهُمْ جَانِبًا، وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ بِالْمَعْرُوفِ، كَمَا قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ فِي قَوْلِهِ: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا}، فَالْحَسَنُ مِنَ الْقَوْلِ: يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ، وَيَحْلُمُ، وَيَعْفُو، وَيَصْفَحُ، وَيَقُولُ لِلنَّاسِ حُسْنًا كَمَا قَالَ اللهُ، وَهُوَ كُلُّ خُلُقٍ حَسَنٍ رَضِيَهُ اللهُ».

وَصُوَرُ الِاحْتِرَامِ فِي حَيَاةِ الْمُسْلِمِ كَثِيرَةٌ وَمُتَعَدِّدَةٌ.

((مِنْ صُوَرِ الِاحْتِرَامِ: احْتِرَامُ الذَّاتِ))

إِنَّ صُوَرَ الِاحْتِرَامِ فِي حَيَاةِ الْمُسْلِمِ كَثِيرَةٌ وَمُتَنَوِّعَةٌ، وَمِنْهَا: احْتِرَامُ الذَّاتِ؛ بِأَنْ يَرْعَى الْإِنْسَانُ مُرُوءَتَهُ، وَيَصُونَ نَفْسَهُ عَنْ فِعْلِ مَا يُعَابُ بِهِ أَوْ يُذَّمُ، فَيَجْتَنِبَ مَوَاطِنَ الرِّيبَةِ وَالتُّهْمَةِ؛ حَيْثُ يَقُولٌ نَبِيُّنَا ﷺ كَمَا فِي ((الصَّحِيحَيْنِ)): «إِنَّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ، وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ، كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ، أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلَا وَإِنَّ حِمَى اللهِ مَحَارِمُهُ، أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ؛ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ».

وَضَرَبَ مِثَالًا مَادِّيًا مَعْلُومًا: ((أَلَا إِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمَى، أَلَا وَإِنَّ حِمَى اللهِ مَحَارِمُهُ)).

ثُمَّ بَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ الْوَاقِعَ فِي الشُّبُهَاتِ كَالرَّاعِي يَرْتَعُ حَوْلَ الْحِمَى، وَحِمَى الْمُلُوكِ مَا حَمَوْهُ، فَجَعَلُوهُ مَحْمِيًّا بِحَيْثُ لَا يَقْرَبُ مِنْهُ إِلَّا مَنْ أَذِنُوا لَهُ، فَهُوَ مَحْمِيٌّ مِنَ الْعَامَّةِ، مَمْنُوعٌ مِنْهُمْ لَا يَغَشَوْنَهُ، لِكُلِّ مَلِكٍ حِمَى، وَحِمَى اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- مَحَارِمُهُ.

وَالرَّجُلُ إِذَا وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ لَا مَحَالَةَ، فَكَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَلْحَقَ الشُّبُهَاتِ بِالْحَرَامِ، وَلَكِنْ عَلَى نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ التَّخْفِيفِ، ((فَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ))؛ إِذَنْ فَهِيَ حَرَامٌ؛ لِأَنَّهُ مَا تُذُرِّعَ بِهِ لِأَمْرٍ فَإِنَّ الْحُكْمَ حُكْمُهُ -أَيْ: حُكْمُ الشَّيْءِ-.

مَا كَانَ وَسِيلَةً لِلْوَاجِبِ فَهُوَ وَاجِبٌ، وَمَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ، وَمَا أَدَّى إِلَى الْحَرَامِ فَهُوَ حَرَامٌ، ((فَالَّذِي يَقَعُ فِي الشُّبُهَاتِ يَقَعُ فِي الْحَرَامِ))، فَكَأَنَّمَا جَعَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ مُلْحَقًا بِالْقِسْمِ الثَّانِي، وَنَفَّرَ مِنْهُ ﷺ، وَحَذَّرَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ غِشْيَانِهِ، وَالْوُقُوعِ فِيهِ.

((كَالرَّاعِي يَرْتَعُ حَوْلَ الْحِمَى)): لَا بُدَّ أَنْ تَنِدَّ مِنْهُ غَنَمَةٌ -شَاةٌ- أَوْ بَعِيرٌ؛ حَتَّى يَأْخُذَ شَيْئًا مِنَ الْحِمَى، فَيَلْحَقُهُ حِينَئِذٍ تَقْصِيرٌ وَتَقْصِيرٌ، ثُمَّ تَقَعُ عَلَيْهِ عُقُوبَةٌ وَتَعْزِيرٌ؛ لِذَلِكَ يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ: ((حِمَى اللهِ مَحَارِمُهُ)).

 فَابْتَعِدْ عَنْهَا؛ لِأَنَّكَ إِنِ اقْتَرَبْتَ وَقَعْتَ فِيهَا لَا مَحَالَةَ، وَالِاقْتِرَابُ مِنْهَا يَكُونُ بِالْوُقُوعِ فِي دَائِرَةِ الشُّبُهَاتِ ((مَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ))، كَمَا بَيَّنَ النَّبِيُّ الْهُمَامُ ﷺ.

«دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ» النَّبِيُّ ﷺ عَلَّمَنَا الْوَرَعَ حَقًّا وَصِدْقًا؛ إِذْ يَجِدُ التَّمْرَةَ وَهُوَ جَائِعٌ عَلَى فِرَاشِهِ سَاقِطَةً، يَرْفَعُهَا جَائِعًا إِلَى فِيهِ، ثُمَّ يَرُدُّهَا ﷺ، وَلَمْ يَتَحَقَّقْ أَنَّهَا مِمَّا يَحْرُمُ عَلَيْهِ، يَقُولُ: «فَأَخْشَى أَنْ تَكُونَ مِنَ الصَّدَقَةِ»، فَيَضَعُهَا عَنْ فِيهِ ﷺ.

يَحْتَرِمُ الْمُسْلِمُ نَفْسَهُ، وَيَصُونُ كَرَامَتَهُ بِالْعَمَلِ وَالتَّكَسُّبِ، فَيَتَعَفَّفُ عَنْ ذُلِّ السُّؤَالِ؛ فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((لَأَنْ يَحْتَطِبَ أَحَدُكُمْ حُزْمَةً عَلَى ظَهْرِهِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ أَحَدًا فَيُعْطِيَهُ أَوْ يَمْنَعَهُ)). وَهَذَا الْحَدِيثُ فِي ((الصَّحِيحَيْنِ)).

وَعَنِ الْمِقْدَامِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- -كَمَا أَخْرَجَ ذَلِكَ الْبُخَارِيُّ فِي ((الصَّحِيحِ))- عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ عَمَلِ يَدِهِ، وَإِنَّ نَبِيَّ اللهِ دَاوُدَ كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ)).

((مِنْ صُوَرِ الِاحْتِرَامِ: احْتِرَامُ الْوَالِدَيْنِ))

لَقَدْ أَكَّدَ الْإِسْلَامُ عَلَى ضَرُورَةِ احْتِرَامِ الْوَالِدَيْنِ، وَالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمَا، وَالِاعْتِنَاءِ بِهِمَا، وَمِنْ ذَلِكَ: قَوْلُهُ -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ-: {وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا} [البقرة: 83].

(({وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} أَيْ: أَحْسِنُوا بِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا، وَهَذَا يَعُمُّ كُلَّ إِحْسَانٍ قَوْلِيٍّ وَفِعْلِيٍّ مِمَّا هُوَ إِحْسَانٌ إِلَيْهِمْ، وَفِيهِ النَّهْيُ عَنِ الْإِسَاءَةِ إِلَى الْوَالِدَيْنِ، أَوْ عَدَمِ الْإِحْسَانِ وَالْإِسَاءَةِ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ الْإِحْسَانُ، وَالْأَمْرُ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ.

وَلِلْإِحْسَانِ ضِدَّانِ: الْإِسَاءَةُ، وَهِيَ أَعْظَمُ جُرْمًا، وَتَرْكُ الْإِحْسَانِ بِدُونِ إِسَاءَةٍ، وَهَذَا مُحَرَّمٌ؛ لَكِنْ لَا يَجِبُ أَنْ يَلْحَقَ بِالْأَوَّلِ، وَكَذَا يُقَالُ فِي صِلَةِ الْأَقَارِبِ، وَالْيَتَامَى، وَالْمَسَاكِينِ، وَتَفَاصِيلُ الْإِحْسَانِ لَا تَنْحَصِرُ بِالْعَدِّ، بَلْ تَكُونُ بِالْحَدِّ)).

وَقَالَ تَعَالَى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا}.

(({وَقَضَى} أَيْ: أَمَرَ وَأَلْزَمَ وَأَوْجَبَ، أَمَرَ اللَّهُ -سُبْحَانَهُ- بِعِبَادَتِهِ وَتَوْحِيدِهِ، وَجَعَلَ بِرَّ الْوَالِدَيْنِ مَقْرُونًا بِذَلِكَ، كَمَا قَرَنَ شُكْرَهُمَا بِشُكْرِهِ، فَقَالَ: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا}، وَقَالَ: {أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ}.

وَفِي ((صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ)) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: ((سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ: أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ-؟)).

قَالَ: ((الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا)).

قَالَ: ((ثُمَّ أَيُّ؟)).

قَالَ: ((ثُمَّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ)).

قَالَ: ((ثُمَّ أَيُّ؟)).

قَالَ: ((الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ)). فَأَخْبَرَ ﷺ أَنَّ بِرَّ الْوَالِدَيْنِ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ بَعْدَ الصَّلَاةِ الَّتِي هِيَ أَعْظَمُ دَعَائِمِ الْإِسْلَامِ، وَرَتَّبَ ذَلِكَ بِـ(ثُمَّ) الَّتِي تُعْطِي التَّرْتِيبَ وَالْمُهْلَةَ.

مِنَ الْبِرِّ بِهِمَا وَالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمَا: أَلَّا يَتَعَرَّضَ لِسَبِّهِمَا، وَلَا يَعُقَّهُمَا؛ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنَ الْكَبَائِرِ بِلَا خِلَافٍ، وَبِذَلِكَ وَرَدَتِ السُّنَّةُ الثَّابِتَةُ؛ فَفِي ((صَحِيحِ مُسْلِمٍ)) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((إِنَّ مِنَ الْكَبَائِرِ شَتْمَ الرَّجُلِ وَالِدَيْهِ)).

قَالُوا: ((يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَهَلْ يَشْتُمُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟!)).

قَالَ: ((نَعَمْ، يَسُبُّ الرَّجُلُ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أَبَاهُ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ فَيَسُبُّ أُمَّهُ)).

عُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ: مُخَالَفَتُهُمَا فِي أَغْرَاضِهِمَا الْجَائِزَةِ لَهُمَا، كَمَا أَنَّ بِرَّهُمَا: مُوَافَقَتُهُمَا عَلَى أَغْرَاضِهِمَا، وَعَلَى هَذَا إِذَا أَمَرَا أَوْ أَحَدُهُمَا وَلَدَهُمَا بِأَمْرٍ وَجَبَتْ طَاعَتُهُمَا فِيهِ إِذَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الْأَمْرُ مَعْصِيَةً؛ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْمَأْمُورُ بِهِ مِنْ قَبِيلِ الْمُبَاحِ فِي أَصْلِهِ، وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ مِنْ قَبِيلِ الْمَنْدُوبِ، وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ النَّاسِ إِلَى أَنَّ أَمْرَهُمَا بِالْمُبَاحِ يُصَيِّرُهُ فِي حَقِّ الْوَلَدِ مَنْدُوبًا إِلَيْهِ، وَأَمْرَهُمَا بِالْمَنْدُوبِ يَزِيدُهُ تَأْكِيدًا فِي نَدْبِيَّتِهِ.

رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: ((كَانَتْ تَحْتِي امْرَأَةٌ أُحِبُّهَا، وَكَانَ أَبِي يَكْرَهُهَا، فَأَمَرَنِي أَنْ أُطَلِّقَهَا فَأَبَيْتُ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: ((يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ! طَلِّقِ امْرَأَتَكَ)). قَالَ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: ((مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ صَحَابَتِي؟)).

قَالَ: ((أُمُّكَ)).

قَالَ: ((ثُمَّ مَنْ؟)).

قَالَ: ((ثُمَّ أُمُّكَ)).

قَالَ: ((ثُمَّ مَنْ؟)).

قَالَ: ((ثُمَّ أُمُّكَ)).

قَالَ: ((ثُمَّ مَنْ؟)).

قَالَ: ((ثُمَّ أَبُوكَ)).

فَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَحَبَّةَ الْأُمِّ وَالشَّفَقَةَ عَلَيْهَا يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ ثَلَاثَةَ أَمْثَالِ مَحَبَّةِ الْأَبِ؛ لِذِكْرِ النَّبِيِّ ﷺ الْأُمَّ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَذِكْرِ الْأَبِ فِي الرَّابِعَةِ فَقَطْ، وَإِذَا تَوَصَّلَ هَذَا الْمَعْنَى شَهِدَ لَهُ الْعَيَانُ؛ وَذَلِكَ أَنَّ صُعُوبَةَ الْحَمْلِ وَصُعُوبَةَ الْوَضْعِ وَصُعُوبَةَ الرَّضَاعِ وَالتَّرْبِيَةِ تَنْفَرِدُ بِهَا الْأُمُّ دُونَ الْأَبِ؛ فَهَذِهِ ثَلَاثُ مَنَازِلَ يَخْلُو مِنْهَا الْأَبُ.

وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لَهُ: ((إِنَّ أَبِي فِي بَلَدِ السُّودَانِ، وَقَدْ كَتَبَ إِلَيَّ أَنْ أَقْدُمَ عَلَيْهِ، وَأُمِّي تَمْنَعُنِي مِنْ ذَلِكَ)).

فَقَالَ: ((أَطِعْ أَبَاكَ، وَلَا تَعْصِ أُمَّكَ)).

فَدَلَّ قَوْلُ مَالِكٍ هَذَا أَنَّ بِرَّهُمَا مُتَسَاوٍ عِنْدَهُ.

وَقَدْ سُئِلَ اللَّيْثُ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فَأَمَرَ بِطَاعَةِ الْأُمِّ، وَزَعَمَ أَنَّ لَهَا ثُلُثَيِ الْبِرِّ.

وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لَهَا ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِ الْبِرِّ، وَهُوَ الْحُجَّةُ عَلَى مَنْ خَالَفَ.

وَقَدْ زَعَمَ الْمُحَاسِبِيُّ فِي ((كِتَابِ الرِّعَايَةِ)) لَهُ أَنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ لِلْأُمِّ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِ الْبِرِّ وَلِلْأَبِ الرُّبْعُ؛ عَلَى مُقْتَضَى حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

لَا يَخْتَصُّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ بِأَنْ يَكُونَا مُسْلِمَيْنِ، بَلْ إِنْ كَانَا كَافِرَيْنِ يَبَرُّهُمَا وَيُحْسِنُ إِلَيْهِمَا إِذَا كَانَ لَهُمَا عَهْدٌ؛ قَالَ اللَّهُ -تَعَالَى-: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ}.

وَفِي ((صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ)) عَنْ أَسْمَاءَ قَالَتْ: ((قَدِمَتْ أُمِّي وهي مُشْرِكَةٌ، في عَهْدِ قُرَيْشٍ ومُدَّتِهِمْ؛ إذْ عَاهَدُوا النبيَّ ﷺ، مع ابْنِهَا، فَاسْتَفْتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقُلْتُ: إِنَّ أُمِّي قَدِمَتْ وَهِيَ رَاغِبَةٌ؛ أَفَأَصِلُهَا؟)).

قَالَ: ((نَعَمْ صِلِي أُمَّكِ)).

وَعَنْ أَسْمَاءَ -أَيْضًا- قَالَتْ: ((أَتَتْنِي أُمِّي رَاغِبَةً فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ، فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ أَأَصِلُهَا؟)).

قَالَ: ((نَعَمْ)).

قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: ((فَأَنْزَلَ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- فِيهَا: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ})).

مِنَ الْإِحْسَانِ إِلَيْهِمَا وَالْبِرِّ بِهِمَا إِذَا لَمْ يَتَعَيَّنِ الْجِهَادُ: أَلَّا يُجَاهَدَ إِلَّا بِإِذْنِهِمَا. وَفِي ((الصَّحِيحِ)) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يَسْتَأْذِنُهُ فِي الْجِهَادِ، فَقَالَ: ((أَحَيٌّ وَالِدَاكَ؟)).

قَالَ: ((نَعَمْ)).

قَالَ: ((فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ)). لَفْظُ مُسْلِمٍ.

فِي غَيْرِ الصَّحِيحِ قَالَ: ((نَعَمْ، وَتَرَكْتُهُمَا يَبْكِيَانِ)).

قَالَ: ((اذْهَبْ فَأَضْحِكْهُمَا كَمَا أَبْكَيْتَهُمَا)).

وَفِي خَبَرٍ آخَرَ أَنَّهُ قَالَ: ((نَوْمُكَ مَعَ أَبَوَيْكَ عَلَى فِرَاشِهِمَا يُضَاحِكَانِكَ وَيُلَاعِبَانِكَ أَفْضَلُ لَكَ مِنَ الْجِهَادِ مَعِي)). ذَكَرَهُ ابْنُ خُوَيْزِ مَنْدَادَ.

وَلَفْظُ الْبُخَارِيِّ فِي ((الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ)) فِي كِتَابِ ((بِرِّ الْوَالِدَيْنِ)): أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يُبَايِعُهُ عَلَى الْهِجْرَةِ، وَتَرَكَ أَبَوَيْهِ يَبْكِيَانِ، فَقَالَ: ((ارْجِعْ إِلَيْهِمَا فَأَضْحِكْهُمَا كَمَا أَبْكَيْتَهُمَا)).

قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: ((فِي هَذَا الْحَدِيثِ: النَّهْيُ عَنِ الْخُرُوجِ بِغَيْرِ إِذْنِ الْأَبَوَيْنِ مَا لَمْ يَقَعِ النَّفِيرُ، فَإِذَا وَقَعَ وَجَبَ الْخُرُوجُ عَلَى الْجَمِيعِ، وَذَلِكَ بَيِّنٌ فِي حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ جَيْشَ الْأُمَرَاءِ...؛ فَذَكَرَ قِصَّةَ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، وَجَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَابْنِ رَوَاحَةَ، وَأَنَّ مُنَادِيَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَادَى بَعْدَ ذَلِكَ: أَنَّ الصَّلَاةَ جَامِعَةٌ، فَاجْتَمَعَ النَّاسُ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: ((أَيُّهَا النَّاسُ! اخْرُجُوا فَأَمِدُّوا إِخْوَانَكُمْ، وَلَا يَتَخَلَّفَنَّ أَحَدٌ))، فَخَرَجَ النَّاسُ مُشَاةً وَرُكْبَانًا فِي حَرٍّ شَدِيدٍ)).

فَدَلَّ قَوْلُهُ: ((اخْرُجُوا فَأَمِدُّوا إِخْوَانَكُمْ..)) أَنَّ الْعُذْرَ فِي التَّخَلُّفِ عَنِ الْجِهَادِ إِنَّمَا هُوَ مَا لَمْ يَقَعِ النَّفِيرُ، مَعَ قَوْلِهِ (سلم): ((فَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا)) .

وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَفْرُوضَ أَوِ الْمَنْدُوبَاتِ مَتَى اجْتَمَعَتْ قُدِّمَ الْأَهَمُّ مِنْهَا، وَقَدِ اسْتَوْفَى هَذَا الْمَعْنَى الْمُحَاسِبِيُّ فِي كِتَابِ ((الرِّعَايَةِ)).

 

مِنْ تَمَامِ بِرِّهِمَا: صِلَةُ أَهْلِ وُدِّهِمَا؛ فَفِي ((الصَّحِيحِ)) عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ((إِنَّ مِنْ أَبَرِّ الْبِرِّ صِلَةَ الرَّجُلِ أَهْلَ وُدِّ أَبِيهِ بَعْدَ أَنْ يُوَلِّيَ)).

وَرَوَى أَبُو أُسَيْدٍ -وَكَانَ بَدْرِيًّا- قَالَ: ((كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ جَالِسًا، فَجَاءَهُ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَلْ بَقِيَ مِنْ بِرِّ وَالِدِيَّ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِمَا شَيْءٌ أَبَرُّهُمَا بِهِ؟)).

قَالَ: ((نَعَمْ، الصَّلَاةُ عَلَيْهِمَا، وَالِاسْتِغْفَارُ لَهُمَا، وَإِنْفَاذُ عَهْدِهِمَا بَعْدَهُمَا، وَإِكْرَامُ صَدِيقِهِمَا، وَصِلَةُ الرَّحِمِ الَّتِي لَا رَحِمَ لَكَ إِلَّا مِنْ قِبَلِهِمَا، فَهَذَا الَّذِي بَقِيَ عَلَيْكَ)).

وَكَانَ ﷺ يُهْدِي لِصَدَائِقِ خَدِيجَةَ بِرًّا بِهَا وَوَفَاءً لَهَا، وَهِيَ زَوْجَتُهُ؛ فَمَا ظَنُّكَ بِالْوَالِدَيْنِ؟!!

قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا}؛ خَصَّ حَالَةَ الْكِبَرِ؛ لِأَنَّهَا الْحَالَةُ الَّتِي يَحْتَاجَانِ فِيهَا إِلَى بِرِّهِ؛ لِتَغَيُّرِ الْحَالِ عَلَيْهِمَا بِالضَّعْفِ وَالْكِبَرِ، فَأُلْزِمَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ مِنْ مُرَاعَاةِ أَحْوَالِهِمَا أَكْثَرَ مِمَّا أُلْزِمَهُ مِنْ قَبْلُ؛ لِأَنَّهُمَا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ قَدْ صَارَا كَلًّا عَلَيْهِ، فَيَحْتَاجَانِ أَنْ يَلِيَ مِنْهُمَا فِي الْكِبَرِ مَا كَانَ يَحْتَاجُ فِي صِغَرِهِ أَنْ يَلِيَا مِنْهُ؛ فَلِذَلِكَ خَصَّ هَذِهِ الْحَالَةَ بِالذِّكْرِ.

وَأَيْضًا فَطُولُ الْمُكْثِ لِلْمَرْءِ يُوجِبُ الِاسْتِثْقَالَ لِلْمَرْءِ عَادَةً، وَيَحْصُلُ الْمَلَلُ وَيَكْثُرُ الضَّجَرُ؛ فَيَظْهَرُ غَضَبُهُ عَلَى أَبَوَيْهِ، وَتَنْتَفِخُ لَهُمَا أَوْدَاجُهُ، وَيَسْتَطِيلُ عَلَيْهِمَا بِدَالَّةِ الْبُنُوَّةِ وَقِلَّةِ الدِّيَانَةِ، وَأَقَلُّ الْمَكْرُوهِ مَا يُظْهِرُهُ بِتَنَفُّسِهِ الْمُتَرَدِّدِ مِنَ الضَّجَرِ، وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يُقَابِلَهُمَا بِالْقَوْلِ الْمَوْصُوفِ بِالْكَرَامَةِ، وَهُوَ السَّالِمُ عَنْ كُلِّ عَيْبٍ، فَقَالَ: {فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا}.

رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ((رَغِمَ أَنْفُهُ، رَغِمَ أَنْفُهُ، رَغِمَ أَنْفُهُ)).

قِيلَ: ((مَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟)).

قَالَ: ((مَنْ أَدْرَكَ وَالِدَيْهِ عِنْدَ الْكِبَرِ أَحَدَهُمَا أَوْ كِلَيْهِمَا ثُمَّ لَمْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ)).

وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((رَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ، رَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ أَدْرَكَ أَبَوَيْهِ عِنْدَ الْكِبَرِ أَوْ أَحَدَهُمَا فَلَمْ يُدْخِلَاهُ الْجَنَّةَ، وَرَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ ثُمَّ انْسَلَخَ قَبْلَ أَنْ يُغْفَرَ لَهُ)).

وَعَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((أَحْضِرُوا الْمِنْبَرَ)).

فَلَمَّا خَرَجَ رَقِيَ إِلَى الْمِنْبَرِ، فَرَقِيَ فِي أَوَّلِ دَرَجَةٍ مِنْهُ قَالَ: ((آمِينَ))، ثُمَّ رَقِيَ فِي الثَّانِيَةِ فَقَالَ: ((آمِينَ))، ثُمَّ لَمَّا رَقِيَ فِي الثَّالِثَةِ قَالَ: ((آمِينَ)).

فَلَمَّا فَرَغَ وَنَزَلَ مِنَ الْمِنْبَرِ قُلْنَا: ((يَا رَسُولَ اللَّهِ! لَقَدْ سَمِعْنَا مِنْكَ الْيَوْمَ شَيْئًا مَا كُنَّا نَسْمَعُهُ مِنْكَ)).

قَالَ: ((وَسَمِعْتُمُوهُ؟)).

قُلْنَا: ((نَعَمْ)).

قَالَ: ((إِنَّ جِبْرِيلَ (سلم) اعْتَرَضَ، قَالَ: بَعُدَ مَنْ أَدْرَكَ رَمَضَانَ فَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ، فَقُلْتُ: آمِينَ، فَلَمَّا رَقِيتُ فِي الثَّانِيَةِ قَالَ: بَعُدَ مَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْكَ، فَقُلْتُ: آمِينَ، فَلَمَّا رَقِيتُ فِي الثَّالِثَةِ قَالَ: بَعُدَ مَنْ أَدْرَكَ عِنْدَهُ أَبَوَاهُ الْكِبَرَ أَوْ أَحَدُهُمَا فَلَمْ يُدْخِلَاهُ الْجَنَّةَ، قُلْتُ: آمِينَ)).

فَالسَّعِيدُ الَّذِي يُبَادِرُ اغْتِنَامَ فُرْصَةِ بِرِّهِمَا؛ لِئَلَّا تَفُوتَهُ بِمَوْتِهِمَا فَيَنْدَمَ عَلَى ذَلِكَ، وَالشَّقِيُّ مَنْ عَقَّهُمَا؛ لَاسِيَّمَا مَنْ بَلَغَهُ الْأَمْرُ بِبِرِّهِم..

قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ} أَيْ: لَا تَقُلْ لَهُمَا مَا يَكُونُ فِيهِ أَدْنَى تَبَرُّمٍ، وَعَنْ أَبِي رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيِّ قَالَ: ((الْأُفُّ: الْكَلَامُ الْقَذِعُ الرَّدِيءُ الْخَفِيُّ))، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ((مَعْنَاهُ: إِذَا رَأَيْتَ مِنْهُمَا فِي حَالِ الشَّيْخِ الْغَائِطَ وَالْبَوْلَ الَّذِي رَأَيَاهُ مِنْكَ فِي الصِّغَرِ؛ فَلَا تَقْذَرْهُمَا وَتَقُلْ أُفٍّ)). وَالْآيَةُ أَعَمُّ مِنْ هَذَا.

قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَا تَنْهَرْهُمَا} النَّهْرُ: الزَّجْرُ وَالْغِلْظَةُ .

{وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا} أَيْ: لَيِّنًا لَطِيفًا؛ مِثْلَ: يَا أَبَتَاهُ وَيَا أُمَّاهُ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يُسَمِّيَهُمَا وَيُكَنِّيَهُمَا.

قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ}: هَذِهِ اسْتِعَارَةٌ فِي الشَّفَقَةِ وَالرَّحْمَةِ بِهِمَا، وَالتَّذَلُّلِ لَهُمَا تَذَلُّلَ الرَّعِيَّةِ لِلْأَمِيرِ، وَالْعَبِيدِ لِلسَّادَةِ.

فَيَنْبَغِي بِحُكْمِ هَذِهِ الْآيَةِ أَنْ يَجْعَلَ الْإِنْسَانُ نَفْسَهُ مَعَ أَبَوَيْهِ فِي خَيْرِ ذِلَّةٍ فِي أَقْوَالِهِ وَسَكَنَاتِهِ وَنَظَرِهِ، وَلَا يُحِدُّ إِلَيْهِمَا بَصَرَهُ؛ فَإِنَّ تِلْكَ هِيَ نَظْرَةُ الْغَاضِبِ.

ثُمَّ أَمَرَ -تَعَالَى- عِبَادَهُ بِالتَّرَحُّمِ عَلَى آبَائِهِمْ وَالدُّعَاءِ لَهُمْ، وَأَنْ تَرْحَمَهُمَا كَمَا رَحِمَاكَ، وَتَرْفُقَ بِهِمَا كَمَا رَفَقَا بِكَ؛ إِذْ وَلِيَاكَ صَغِيرًا جَاهِلًا مُحْتَاجًا فَآثَرَاكَ عَلَى أَنْفُسِهِمَا، وَأَسْهَرَا لَيْلَهُمَا، وَجَاعَا وَأَشْبَعَاكَ، وَتَعَرَّيَا وَكَسَوَاكَ، فَلَا تَجْزِهِمَا إِلَّا أَنْ يَبْلُغَا مِنَ الْكِبَرِ الْحَدَّ الَّذِي كُنْتَ فِيهِ مِنَ الصِّغَرِ، فَتَلِيَ مِنْهُمَا مَا وَلِيَا مِنْكَ، وَيَكُونُ لَهُمَا حِينَئِذٍ فَضْلُ التَّقَدُّمِ.

قَالَ ﷺ: ((لَا يَجْزِي وَلَدٌ وَالِدًا إِلَّا أَنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا فَيَشْتَرِيَهُ فَيُعْتِقَهُ)).

قَوْلُهُ تَعَالَى: {كَمَا رَبَّيَانِي}: خَصَّ التَّرْبِيَةَ بِالذِّكْرِ؛ لِيَتَذَكَّرَ الْعَبْدُ شَفَقَةَ الْأَبَوَيْنِ وَتَعَبَهُمَا فِي التَّرْبِيَةِ، فَيَزِيدُهُ ذَلِكَ إِشْفَاقًا لَهُمَا وَحَنَانًا عَلَيْهِمَا، وَهَذَا كُلُّهُ فِي الْأَبَوَيْنِ الْمُؤْمِنَيْنِ.

وَقَدْ نَهَى الْقُرْآنُ عَنْ الِاسْتِغْفَارِ لِلْمُشْرِكِينَ الْأَمْوَاتِ؛ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى.

فَإِذَا كَانَ وَالِدَا الْمُسْلِمِ ذِمِّيَّيْنِ؛ اسْتَعْمَلَ مَعَهُمَا مَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ هَاهُنَا؛ إِلَّا التَّرَحُّمَ لَهُمَا بَعْدَ مَوْتِهِمَا عَلَى الْكُفْرِ.

وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: ((يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ أَبِي أَخَذَ مَالِي)).

فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِلرَّجُلِ: ((فَأْتِنِي بِأَبِيكَ)).

فَنَزَلَ جِبْرِيلُ (سلم) عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: ((إِنَّ اللَّهَ -عَزَّ وَجَلَّ- يُقْرِئُكَ السَّلَامَ، وَيَقُولُ لَكَ: إِذَا جَاءَكَ الشَّيْخُ فَاسْأَلْهُ عَنْ شَيْءٍ قَالَهُ فِي نَفْسِهِ مَا سَمِعَتْهُ أُذُنَاهُ)).

فَلَمَّا جَاءَ الشَّيْخُ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: ((مَا بَالُ ابْنِكَ يَشْكُوكَ! أَتُرِيدُ أَنْ تَأْخُذَ مَالَهُ؟)).

فَقَالَ: ((سَلْهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَلْ أُنْفِقُهُ إِلَّا عَلَى إِحْدَى عَمَّاتِهِ أَوْ خَالَاتِهِ، أَوْ عَلَى نَفْسِي؟!!)).

فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ((إِيهِ! دَعْنَا مِنْ هَذَا، أَخْبِرْنِي عَنْ شَيْءٍ قُلْتَهُ فِي نَفْسِكَ مَا سَمِعَتْهُ أُذُنَاكَ)).

فَقَالَ الشَّيْخُ: ((وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا زَالَ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- يَزِيدُنَا بِكَ يَقِينًا، لَقَدْ قُلْتُ فِي نَفْسِي شَيْئًا مَا سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ)).

قَالَ: ((قُلْ وَأَنَا أَسْمَعُ)).

قَالَ: قُلْتُ:

غَذَوْتُكَ مَوْلُودًا وَمُنْتُكَ يَافِعًا   =  تَعِلُّ بِمَا أَجْنِي عَلَيْكَ وَتَنْهَلُ    

إِذَا لَيْلَةٌ ضَافَتْكَ بِالسُّقْمِ لَمْ أَبِتْ =  لِسُقْمِكَ إِلَّا سَاهِرًا أَتَمَلْمَلُ    

كَأَنِّي أَنَا الْمَطْرُوقُ دُونَكَ بِالَّذِي  = طُرِقْتَ بِهِ دُونِي فَعَيْنِي تَهْمُلُ    

تَخَافُ الرَّدَى نَفْسِي عَلَيْكَ وَإِنَّهَا  =  لَتَعْلَمُ أَنَّ الْمَوْتَ وَقْتٌ مُؤَجَّلُ    

فَلَمَّا بَلَغْتَ السِّنَّ وَالْغَايَةَ الَّتِي   =   إِلَيْهَا مَدَى مَا كُنْتُ فِيكَ أُؤَمِّلُ     جَعَلْتَ جَزَائِي غِلْظَةً وَفَظَاظَةً  = كَأَنَّكَ أَنْتَ الْمُنْعِمُ الْمُتَفَضِّلُ    

فَلَيْتَكَ إِذْ لَمْ تَرْعَ حَقَّ أُبُوَّتِي   =   فَعَلْتَ كَمَا الْجَارِ الْمُصَاقِبِ يَفْعَلُ     أَوْلَيْتَنِي حَقَّ الْجِوَارِ وَلَمْ تَكُنْ    =    عَلَيَّ بِمَالٍ دُونَ مَالِكَ تَبْخَلُ

قَالَ: فَحِينَئِذٍ أَخَذَ النَّبِيُّ ﷺ بِتَلَابِيبِ ابْنِهِ وَقَالَ: ((أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ)))).

((مِنْ صُوَرِ الِاحْتِرَامِ: احْتِرَامُ الْعُلَمَاءِ))

إِنَّ مِنْ أَرْقَى صُوَرِ الِاحْتِرَامِ: احْتِرَامَ الْمُعَلِّمِ، وَتَوْقِيرَهُ، وَالتَّوَاضُعَ لَهُ، وَالْوَفَاءَ بِحَقِّهِ؛ لَاسِيَّمَا أَنَّ الْإِسْلَامَ قَدْ أَعْلَى قَدْرَهُ وَكَرَّمَهُ؛ حَيْثُ قَرَنَ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- شَهَادَتَهُ وَشَهَادَةَ الْمَلَائِكَةِ بِشَهَادَةِ الْعُلَمَاءِ، فَقَالَ تَعَالَى: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [آل عمران: 18].

قَالَ الْقُرْطُبِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((فِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى فَضْلِ الْعِلْمِ وَشَرَفِ الْعُلَمَاءِ وَفَضْلِهِمْ؛ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ أَحَدٌ أَشْرْفَ مِنَ الْعُلَمَاءِ لَقَرَنَهُمُ اللهُ بِاسْمِهِ وَاسْمِ مَلَائِكَتِهِ كَمَا قَرَنَ اسْمَ الْعُلَمَاءِ.

وَقَالَ فِي شَرَفِ الْعِلْمِ لِنَبِيِّهِ ﷺ: {وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا} [طه: 114].

فَلَوْ كَانَ شَيْءٌ أَشْرَفَ مِنَ الْعِلْمِ لَأَمَرَ اللهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ ﷺ أَنْ يَسْأَلَهُ الْمَزِيدَ مِنْهُ كَمَا أَمَرَ أَنْ يَسْتَزِيدَهُ مِنَ الْعِلْمِ)).

وقال تعالى: {رْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} [المجادلة: 11].

((يَرْفَع اللهُ مَكَانَةَ أَهْلِ الْعِلْمِ دَرَجَاتٍ كَثِيرَةً فِي الثَّوَابِ وَمَرَاتِبِ الرِّضْوَانِ)) .

وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ((مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا، سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا؛ رِضًا لِطَالِبِ الْعِلْمِ، وَإِنَّ طَالِبَ الْعِلْمِ يَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ حَتَّى الْحِيتَانُ فِي الْمَاءِ، وَإِنَّ فَضْلَ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ، إِنَّ الْعُلَمَاءَ هُمْ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا، إِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ)).

مِنْ آدَابِ الْمُتَعَلِّمِ: أَنْ يَنْظُرَ مُعَلِّمَهُ بِعَيْنِ الِاحْتِرَامِ، قَالَ النَّوَوِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((وَيَنْبَغِي أَنْ يَنْظُرَ مُعَلِّمَهُ بِعَيْنِ الِاحْتِرَامِ، وَيَعْتَقِدَ كَمَالَ أَهْلِيَّتِهِ وَرُجْحَانَهُ عَلَى أَكْثَرِ طَبَقَتِهِ، فَهُوَ أَقْرَبُ إِلَى انْتِفَاعِهِ بِهِ، وَرُسُوخِ مَا سَمِعَهُ مِنْهُ فِي ذِهْنِهِ.

وَقَدْ كَانَ بَعْضُ الْمُتَقَدِّمِينَ إِذَا ذَهَبَ إِلَى مُعَلِّمِهِ تَصَدَّقَ بِشَيْءٍ، وَقَالَ: اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَيْبَ مُعَلِّمِي عَنِّي، وَلَا تُذْهِبْ بَرَكَةَ عِلْمِهِ مِنِّي))

وَلَا يُنَالُ الْعِلْمُ إِلَّا بِإِلْقَاءِ السَّمْعِ مَعَ التَّوَاضُعِ؛ فَعَنِ الشَّعْبِيِّ -رَحِمَهُ اللهُ- قَالَ: ((صَلَّى زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ عَلَى جِنَازَةٍ، ثُمَّ قُرِّبَتْ لَهُ بَغْلَةٌ لِيَرْكَبَهَا، فَجَاءَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَأَخَذَ بِرِكَابِهِ، فَقَالَ لَهُ زَيْدٌ: خَلِّ عَنْهُ يَا ابْنَ عَمِّ رَسُولِ اللهِ ﷺ! فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هَكَذَا يُفْعَلُ بِالْعُلَمَاءِ وَالْكُبَرَاءِ)).

وَقَدْ كَانَ السَّلَفُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- يُعَظِّمُونَ مَنْ يَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمْ تَعْظِيمًا شَدِيدًا.

((مِنْ صُوَرِ الِاحْتِرَامِ: احْتِرَامُ وُلَاةِ الْأُمُورِ))

إِنَّ الْحَاكِمَ لَهُ حُقُوقٌ، وَاجِبَةٌ لَهُ، أَوْجَبَهَا اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ فِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ، وَعَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ الْأَمِينِ ﷺ، وَاجِبَةٌ، كَمَا تَجِبُ عَلَيْكَ الصَّلَاةُ، وَكَمَا تَجِبُ عَلَيْكَ الزَّكَاةُ، أَوْجَبَهَا اللهُ فِي عُلَاهُ.

حُقُوقُ الْإِمَامِ حُقُوقٌ نَصَّ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهَا فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ، وَنَصَّ عَلَيْهَا النَّبِيُّ ﷺ.

وَذَلِكَ لِيَعْلَمَ الْمُسْلِمُ أَنَّ هَذِهِ الْحُقُوقَ مِنَ الْأَهَمِّيَّةِ فِي غَايَةٍ، وَمِنَ الْخُطُورَةِ فِي نِهَايَةٍ، فَالْقِيَامُ بِهَا حَتْمٌ؛ لَا يُسْمَحُ بِالتَّقْصِيرِ فِيهَا، وَمَنْ قَصَّرَ؛ فَقَدْ رَتَّبَ الشَّرْعُ الْمُطَهَّرُ لَهُ عُقُوبَاتٍ زَاجِرَةً؛ مِنْهَا عُقُوبَاتٌ تَتَعَلَّقُ بِالدُّنْيَا، وَمِنْهَا عُقُوبَاتٌ فِي الْآخِرَةِ.

وَمِمَّا يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ لِإِمَامِهِ: تَوْقِيرُهُ وَاحْتِرَامُهُ.

وَهَذَا الْحَقُّ رَعَاهُ الشَّارِعُ الْحَكِيمُ؛ بِأَنْ أَمَرَ بِهِ -أَيْضًا- وَنَهَى عَنْ ضِدِّهِ، فَنَهَى عَنْ سَبِّ الْأَئِمَّةِ وَإِهَانَتِهِمْ.

وَقَصْدُ الشَّارِعِ مِنْ ذَلِكَ مَا أَشَارَ إِلَيْهِ الْقَرَافِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ- فِي كِتَابِهِ ((الذَّخِيرَةِ))، حَيْثُ قَالَ: ((قَاعِدَةٌ: ضَبْطُ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ وَاجِبٌ، وَلَا تَنْضَبِطُ الْمَصَالِحُ الْعَامَّةُ إِلَّا بِعَظَمَةِ الْأَئِمَّةِ فِي نُفُوسِ الرَّعِيَّةِ، وَمَتَى اخْتَلَفَتْ عَلَيْهِمْ أَوْ أُهِينُوا تَعَذَّرَتِ الْمَصْلَحَةُ)).

وَقَدْ سَبَقَهُ إِلَى ذَلِكَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ التَّسْتُرِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ- عِنْدَمَا قَالَ: ((لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَظَّمُوا السُّلْطَانَ وَالْعُلَمَاءَ، فَإِنْ عَظَّمُوا هَذَيْنِ؛ أَصْلَحَ اللهُ دُنْيَاهُمْ وَأُخْرَاهُمْ، وَإِنْ اسْتَخَّفُوا بِهَذَيْنِ؛ أَفْسَدُوا دُنْيَاهُمْ وَأُخْرَاهُمْ)).

فَالشَّارِعُ الْحَكِيمُ إِنَّمَا رَاعَى هَذَا الْأَمْرَ؛ لِأَجْلِ أَنَّ الْمَسْؤُولِيَّاتِ عَلَى الْإِمَامِ كَثِيرَةٌ وَثَقِيلَةٌ، وَلَا يُمْكِنُ لَهُ أَنْ يَقُومَ بِذَلِكَ عَلَى الْوَجْهِ الصَّحِيحِ إِلَّا إِذَا كَانَتِ النُّفُوسُ مُوَطَّنَةً عَلَى احْتِرَامِهِ وَتَقْدِيرِهِ؛ مَوْعُودَةً بِالْأَجْرِ عَلَى ذَلِكَ، مُتَوَعَّدَةً بِالْوِزْرِ إِنْ خَالَفَتْ ذَلِكَ.

أَمَّا الْأَمْرُ بِتَوْقِيرِ الْإِمَامِ، فَقَدْ جَاءَتْ بِهِ نُصُوصٌ نَبَوِيَّةٌ شَرِيفَةٌ، وَعَقَدَ كِبَارُ الْعُلَمَاءِ فِي مُؤَلَّفَاتِهِمْ أَبْوَابًا خَاصَّةً بِذَلِكَ.

فَفِي كِتَابِ ((السُّنَّةِ)) لِابْنِ أَبِي عَاصِمٍ بَابٌ فِي ذِكْرِ ((تَعْزِيرِ الْأَمْيِر وَتَوْقِيرِهِ))، وَفِي كِتَابِ ((الْحُجَّةِ فِي بَيَانِ الْمَحَجَّةِ وَشَرْحِ عَقِيدَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ)) لِأَبِي الْقَاسِمِ الْأَصْبهَانِيِّ فَصْلٌ فِي: ((فَضْلِ تَوْقِيرِ الْأَمِيرِ))؛ -يَعْنِي الْحَاكِمَ؛ يَعْنِي الْإِمَامَ؛ يَعْنِي الرَّئِيسَ-.

وَفِي كِتَابِ ((النَّصِيحَةِ لِلرَّاعِي وَالرَّعِيَّةِ)) بَابُ: ((ذِكْرِ النَّصِيحَةِ لِلْأُمَرَاءِ، وَإِكْرَامِ مَحَلِّهِمْ، وَتَوْقِيرِ رُتَبِهِمْ، وَتَعْظِيمِ مَنْزِلَتِهِمْ)).

وَمِنَ النُّصُوصِ فِي ذَلِكَ: مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي ((سُنَنِهِ)) فِي كِتَابِ الْأَدَبِ، بَابٌ: فِي تَنْزِيلِ النَّاسِ مَنَازِلَهُمْ، عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((إِنَّ مِنْ إِجْلَالِ اللهِ إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ، وَحَامِلِ الْقُرْآنِ غَيْرِ الْغَالِي فِيهِ وَالْجَافِي عَنْهُ، وَإِكْرَامَ ذِي السُّلْطَانِ الْمُقْسِطِ)). حَسَّنَهُ الْأَلْبَانِيُّ فِي ((صَحِيحِ التَّرْهِيبِ وَالتَّرْغِيبِ)).

وَمِنَ الْأَحَادِيثِ: حَدِيثُ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((خَمْسٌ مَنْ فَعَلَ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ كَانَ ضَامِنًا عَلَى اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ- -وَذَكَرَ مِنْهُنَّ- أَوْ دَخَلَ عَلَى إِمَامِهِ يُرِيدُ تَعْزِيرَهُ أَوْ تَوْقِيرَهُ)). أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي ((الْمُسْنَدِ))، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي ((الْكَبِيرِ))، وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ فِي ((صَحِيحِ الْجَامِعِ)).

وَمَعْنَى: ((كَانَ ضَامِنًا عَلَى اللهِ)): أَيْ ضَامِنًا دُخُولَ الْجَنَّةِ.

وَمِنَ الْأَحَادِيثِ: حَدِيثُ أَبِي بَكْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: ((السُّلْطَانُ ظِلُّ اللهِ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ أَكْرَمَهُ؛ أَكْرَمَهُ اللهُ، وَمَنْ أَهَانَهُ؛ أَهَانَهُ اللهُ)). أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي عَاصِمٍ فِي ((السُّنَّةِ))  ، وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ.

((مِنْ صُوَرِ الِاحْتِرَامِ: احْتِرَامُ الْكَبِيرِ))

لَقَدْ أَعْطَى الْإِسْلَامُ الْكَبِيرَ حَقَّهُ مِنَ الشَّرَفِ وَالتَّقْدِيرِ وَالتَّوْقِيرِ؛ لِمَا خُصَّ بِهِ مِنَ السَّبْقِ فِي الْوُجُودِ وَتَجْرِبَةِ الْأُمُورِ.

وَإِجْلَالُ الْكَبِيرِ هُوَ حَقُّ سِنِّهِ؛ لِكَوْنِهِ تَقَلَّبَ فِي الْعُبُودِيَّةِ للهِ فِي أَمَدٍ طَوِيلٍ، وَرَحْمَةُ الصَّغِيرِ؛ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى رفَعَ عَنْهُ التَّكْلِيفَ.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا، وَيَعْرِفْ حَقَّ كَبِيرِنَا، فَلَيْسَ مِنَّا». وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَالْحَاكِمُ فِي «الْمُسْتَدْرَكِ»، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ.

قَوْلُهُ ﷺ: «فَلَيْسَ مِنَّا»: أَيْ: لَيْسَ عَلَى سُنَّتِنَا، أَوْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْكَمَالِ مِنَّا.

فِي الْحَدِيثِ: دَلِيلٌ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ حُسْنِ الْأَخْلَاقِ وَوُجُوبِ الرَّحْمَةِ، مِنْ بَعْضِ الْمُسْلِمِينَ لِبَعْضٍ، وَمِنْ مُقْتَضَى حُسْنِ الْخُلُقِ وَالرَّحْمَةِ أَنْ يُوَقِّرَ الصَّغِيرُ الْكَبِيرَ، لِوُجُودِ حُسْنِ الْخُلُقِ لَدَيْهِ، وَأَنْ يَرْحَمَ الْكَبِيرُ الصَّغِيرَ؛ لِأَنَّ الْكَبِيرَ قَدْ عَقَلَ مَا لَا يَعْقِلُ الصَّغِيرُ، وَعَلِمَ مَا لَا يَعْلَمُ الصَّغِيرُ.

وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا، وَيُجِلَّ كَبِيرَنَا، فَلَيْسَ مِنَّا». وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

«يُجِلُّ»: يُعَظِّمُ قَدْرَهُ.

فِي الْحَدِيثِ: وُجُوبُ التَّوْقِيرِ مِنَ الصَّغِيرِ لِلْكَبِيرِ؛ احْتِسَابًا وَطَلَبًا لِلْأَجْرِ كَذَلِكَ، وَرَحْمَةِ الْكَبِيرِ لِلصَّغِيرِ؛ احْتِسَابًا وَطَلَبًا لِلْأَجْرِ، وَاتِّبَاعًا لِلسُّنَّةِ، وَحِرْصًا عَلَى التَّحَلِّي بِالْأَخْلَاقِ الْفَاضِلَةِ الَّتِي مِنْ جُمْلَتِهَا رَحْمَةُ الْكَبِيرِ لِلصَّغِيرِ، وَتَوْقِيرُ الصَّغِيرِ لِلْكَبِيرِ.

وَمِنْ مَظَاهِرِ احْتِرَامِ الْكَبِيرِ: التَّوْسِعَةُ لَهُ فِي الْمَجْلِسِ؛ فَمِنْ إِجْلَالِ الْكَبِيرِ: التَّوْسِعَةُ لِلْقَادِمِ عَلَى أَهْلِ الْمَجْلِسِ إِذَا أَمْكَنَ التَّوْسِيعُ لَهُ، سِيَّمَا إِذَا كَانَ مِمَّنْ أُمِرَ بِإِكْرَامِهِ مِنَ الشُّيُوخِ سَوَاءٌ كَانَ ذَا شَيْبَةٍ، أَوْ ذَا عِلْمٍ، أَوْ لِكَوْنِهِ كَبِيرَ قَوْمٍ، كَمَا فِي حَدِيثِ جَرِيرٍ -وَالْحَدِيثُ حَسَنٌ بِمَجْمُوعِ طُرُقِهِ كَمَا فِي «السِّلْسلَةِ الصَّحِيحَةِ»-: «إِذَا أَتَاكُمْ كَرِيمٌ فَأَكْرِمُوهُ».

وَمِنْ مَظَاهِرِ احْتِرَامِ الْكِبَارِ: إِكْرَامُهُمْ، وَالشَّفَقَةُ عَلَيْهِمْ، وَالرِّفْقُ بِهِمْ؛ فَعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: «إِنَّ مِنَ إِجْلَالِ اللهِ: إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ، وَحَامِلِ الْقُرْآنِ غَيْرِ الْغَالِي فِيهِ وَلَا الْجَافِي عَنْهُ، وَإِكْرَامَ ذِي السُّلْطَانِ الْمُقْسِطِ». وَالْحَدِيثُ حَدِيثٌ حَسَنٌ، أَخْرَجَهُ -أَيْضًا- أَبُو دَاوُدَ مَرْفُوعًا.

«إِنَّ مِنْ إِجْلَالِ اللهِ» أَيْ: مِنْ تَبْجِيلِهِ وَتَعْظِيمِهِ -جَلَّ وَعَلَا- «إِكْرَامَ ذَيِ الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ»: تَعْظِيمَ الشَّيْخِ الْكَبِيرِ فِي الْإِسْلَامِ بِتَوْقِيرِهِ فِي الْمَجَالِسِ، وَالرِّفْقِ بِهِ، وَالشَّفَقَةِ عَلَيْهِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، كُلُّ ذَلِكَ مِنْ كَمَالِ تَعْظِيمِ اللهِ -تَعَالَى-؛ لِحُرْمَةِ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ عِنْدَ اللهِ.

فَالَّذِي يَتَدَبَّرُ مُتَأَمِّلًا يَرَى أَهَمِّيَّةَ هَذِهِ الْمَعْطُوفَاتِ فِي الْأَحَادِيثِ، وَيَعْلَمُ سُمُوَّ مَنْزِلَتِهَا؛ فَإِنَّ مِنْ إِجْلَالِ اللهِ -تَعَالَى- ومِنْ تَعْظِيمِهِ: أَنْ يَعْرِفَ الْمَرْءُ حَقَّ هَؤُلَاءِ عَلَيْهِ.

فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ: تَأْكِيدٌ نَبَوِيٌّ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى تَوْقِيرِ الْكِبَارِ، وَإِجْلَالِهِمْ، وَالِاعْتِرَافِ بِحُقُوقِهِمْ، وَالْمُعَامَلَةِ مَعَهُمْ عَلَى هَذَا الْمِنْوَالِ.

وَفِيهَا: بَيَانُ فَضِيلَةِ وَأَسَاسِ الْمُجْتَمَعِ الْإِسْلَامِيِّ، مَعَ بَيَانِ الْخَيْرِ الَّذِي أُسِّسَ عَلَيْهِ هَذَا الْمُجْتَمَعُ الْفَاضِلُ؛ لِأَنَّ خَلَلًا عَظِيمًا جِدًّا يَحْدُثُ فِي مُجْتَمَعِ الْمُسْلِمِينَ عِنْدَمَا لَا يُعْرَفُ لِلْكَبِيرِ حَقُّهُ، وَالنَّبِيُّ ﷺ شَدَّدَ فِي ذَلِكَ كَمَا فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ.

مِنْ مَظَاهِرِ احْتِرَامِ الْكِبَارِ: تَقْدِيمُهُمْ عِنْدَ الْكَلَامِ؛ فَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَهْلٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ عَنْ رِجَالٍ مِنْ كُبَرَاءِ قَوْمِهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ وَمُحَيِّصَةَ خَرَجَا إِلَى خَيْبَرَ مِنْ جُهْدٍ أَصَابَهُمْ، فَأَتَى مُحَيِّصَةُ فَأَخْبَرَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ قَدْ قُتِلَ وَطُرِحَ فِي عَيْنٍ أَوْ فَقِيرٍ، فَأَتَى يَهُودَ، فَقَالَ: أَنْتُمْ وَاللَّهِ قَتَلْتُمُوهُ.

قَالُوا: وَاللَّهِ مَا قَتَلْنَاهُ.

ثُمَّ أَقْبَلَ حَتَّى قَدِمَ عَلَى قَوْمِهِ فَذَكَرَ لَهُمْ ذَلِكَ، ثُمَّ أَقْبَلَ هُوَ وَأَخُوهُ حُوَيِّصَةُ -وَهُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ- وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ، فَذَهَبَ مُحَيِّصَةُ لِيَتَكَلَّمَ، وَهُوَ الَّذِى كَانَ بِخَيْبَرَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِمُحَيِّصَةَ: «كَبِّرْ كَبِّرْ». يُرِيدُ السِّنَّ، فَتَكَلَّمَ حُوَيِّصَةُ، ثُمَّ تَكَلَّمَ مُحَيِّصَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِمَّا أَنْ يَدُوا صَاحِبَكُمْ، وَإِمَّا أَنْ يُؤْذَنُوا بِحَرْبٍ».

فِي الْحَدِيثِ: الْبَدْءُ بِالْكَلَامِ لِلْأَكْبَرِ؛ فَهُوَ أَحَقُّ بِالْإِكْرَامِ؛ إِلَّا إِذَا كَانَ الصَّغِيرُ أَعْلَمَ وَأَقْدَرَ مِنَ الْكَبِيرِ عَلَى الْبَيَانِ وَالتَّبْيِينِ.

وَمِنْ مَعَالِمِ احْتِرَامِ الْكِبَارِ: الْحَيَاءُ وَالتَّأَدُّبُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ؛ فَعَنِ ابْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ((أَخْبِرُونِي بِشَجَرَةٍ مَثَلُهَا مَثَلُ الْمُسْلِمِ؛ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا، لَا تَحُتُّ وَرَقَهَا)).

فَوَقَعَ فِي نَفْسِي النَّخْلَةُ، فَكَرِهْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ وَثَمَّ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-، فَلَمَّا لَمْ يَتَكَلَّمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «هِيَ النَّخْلَةُ».

فَلَمَّا خَرَجْتُ مَعَ أَبِي قُلْتُ: ((يَا أَبَتِ! وَقَعَ فِي نَفْسِي النَّخْلَةُ)).

قَالَ: ((مَا مَنَعَكَ أَنْ تَقُولَهَا؟ لَوْ كُنْتَ قُلْتَهَا كَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ كَذَا وَكَذَا)).

قَالَ: ((مَا مَنَعَنِي إِلَّا لَمْ أَرَكَ وَلَا أَبَا بَكْرٍ تَكَلَّمْتُمَا، فَكَرِهْتُ)). الْحَدِيثُ فِي ((الصَّحِيحَيْنِ))، وَفِيهِ أَلْفَاظٌ سِوَى مَا ذَكَرَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ فِي ((الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ)).

((تُؤْتِي أُكُلَهَا)) أَيْ: تُعْطِي ثَمَرَهَا.

((لَا تَحُتُّ وَرَقَهَا)) أَيْ: لَا تُسْقِطُهُ.

وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: ((وَجَعَلْتُ أُرِيدُ أَنْ أَقُولَهَا فَإِذَا أَسْنَانُ الْقَوْمِ)): ((أَسْنَانُ)): جَمْعُ سِنٍّ، بِمَعْنَى: عُمُرٍ؛ يَعْنِي: كِبَارُ الْقَوْمِ وَشُيُوخُهُمْ حَاضِرُونَ؛ أَفَأَتَكَلَّمُ أَنَا؟!

فَمَا أَعْظَمَ أَدَبَهُ!

وَمَا أَقَلَّ أَدَبَ مَنْ بَعْدَهُمْ إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللهُ!

فِي الْحَدِيثِ: تَوْقِيرُ الْكِبَارِ؛ لَكِنْ إِذَا لَمْ يَعْرِفِ الْكِبَارُ الْمَسْأَلَةَ فَيَنْبَغِي لِلصَّغِيرِ أَنْ يَقُولَهَا.

إِنَّ بِرَحْمَةِ الْكَبِيرِ لِلصَّغِيرِ، وَتَوْقِيرِ الصَّغِيرِ لِلْكَبِيرِ يَحْصُلُ التَّآلُفُ بَيْنَ الْمُجْتَمَعَاتِ، وَالـتَّآخِي بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ الَّذِي يَجِبُ أَنْ يَكُونَ فِي اللَّهِ وَمِنْ أَجْلِ اللَّهِ، لَا مِنْ أَجْلِ الْأَنْسَابِ وَالْأَحْسَابِ، وَلَا لِلْمَصَالِحِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وَلَكِنَّهُ رَجَاءُ ثَوَابِ اللَّهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-.

((مِنْ صُوَرِ الِاحْتِرَامِ: احْتِرَامُ الضُّعَفَاءِ))

إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ صُوَرِ الِاحْتِرَامِ فِي الْإِسْلَامِ: احْتِرَامَ الضُّعَفَاءِ؛ فَقَدْ غَيَّرَ الْإِسْلَامُ وَنَبِيُّ الْإِسْلَامِ ﷺ النَّظْرَةَ تِجَاهَ الضُّعَفَاءِ، فَأَحَاطَهُمْ بِسِيَاجٍ مِنَ الرِّعَايَةِ وَالنُّصْرَةِ، وَجَعَلَ لَهُمْ فَضْلًا عَلَى الْمُجْتَمَعِ، وَجَعَلَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- لِاحْتِرَامِهِمْ وَتَقْدِيرِهِمْ وَرِعَايَتِهِمْ وَالشَّفَقَةِ عَلَيْهِمْ وَالرَّحْمَةِ بِهِمْ جَزَاءً عَظِيمًا؛ أَلَا وَهُوَ الْجَنَّةُ؛ فَعَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- أَنَّهَا قَالَتْ: ((جَاءَتْنِي مِسْكِينَةٌ تَحْمِلُ ابْنَتَيْنِ لَهَا، فَأَطْعَمْتُهَا ثَلَاثَ تَمْرَاتٍ، فَأَعْطَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا تَمْرَةً، وَرَفَعَتْ إِلَى فِيهَا تَمْرَةً لِتَأْكُلَهَا، فَاسْتَطْعَمَتَاهَا ابْنَتَاهَا، فَشَقَّتِ التَّمْرَةَ الَّتِي كَانَتْ تُرِيدُ أَنْ تَأْكُلَهَا بِيْنَهُمَا، فَأَعْجَبَنِي شَأْنُهَا، فَذَكَرْتُ الَّذِي صَنَعَتْ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: ((إِنَّ اللهَ قَدْ أَوْجَبَ لَهَا بِهَا الْجَنَّةَ، أَوْ أَعْتَقَهَا بِهَا مِنَ النَّارِ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

وَعَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- قَالَ: رَأَى سَعْدٌ أَنَّ لَهُ فَضْلًا عَلَى مَنْ دُونَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((هَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إِلَّا بِضُعَفَائِكُمْ!!)). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: ((ابْغُونِي الضُّعَفَاءَ؛ فَإِنَّمَا تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ بِضُعَفَائِكُمْ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ.

((هَذِهِ الْأَحَادِيثُ كُلُّهَا تَدُلُّ عَلَى الرِّفْقِ بِالضُّعَفَاءِ، وَالْيَتَامَى، وَالْبَنَاتِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.

وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّهَا -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- أَعْطَتِ الْمِسْكِينَةَ ثَلَاثَ تَمْرَاتٍ، فَأَعْطَتْ إِحْدَى الْبِنْتَيْنِ وَاحِدَةً، وَالثَّانِيَةَ التَّمْرَةَ الْأُخْرَى، ثُمَّ رَفَعَتِ الثَّالِثَةَ إِلَى فِيهَا لِتَأْكُلَهَا، فَاسْتَطْعَمَتَاهَا يَعْنِي: أَنَّ الْبِنْتَيْنِ نَظَرَتَا إِلَى التَّمْرَةِ الَّتِي رَفَعَتْهَا الْأُمُّ- فَلَمْ تَطْعَمْهَا الْأُمُّ، بَلْ شَقَّتْهَا بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، فَأَكَلَتْ كُلُّ بِنْتٍ تَمْرَةً وَنِصْفًا، وَالْأُمُّ لَمْ تَأْكُلْ شَيْئًا.

فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِلرَّسُولِ ﷺ، وَأَخْبَرَتْهُ بِمَا صَنَعَتِ الْمَرْأَةُ، فَقَالَ: ((إِنَّ اللهَ أَوْجَبَ لَهَا بِهَا الْجَنَّةَ، أَوْ أَعْتَقَهَا بِهَا مِنَ النَّارِ)) يَعْنِي: لِأَنَّهَا لَمَّا رَحِمَتْهُمَا هَذِهِ الرَّحْمَةَ الْعَظِيمَةَ أَوْجَبَ اللهُ لَهَا بِذَلِكَ الْجَنَّةَ.

فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ مُلَاطَفَةَ الصِّبْيَانِ وَالرَّحْمَةَ بِهِمْ مِنْ أَسْبَابِ دُخُولِ الْجَنَّةِ، وَالنَّجَاةِ مِنَ النَّارِ -نَسْأَلُ اللهَ أَنْ يَكْتُبَ لَنَا وَلَكُمْ ذَلِكَ- .

وَفِي الْأَحَادِيثِ التَّالِيَةِ لِهَذَا الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الضُّعَفَاءَ سَبَبٌ لِلنَّصْرِ، وَسَبَبٌ لِلرِّزْقِ، فَإِذَا حَنَّ عَلَيْهِمُ الْإِنْسَانُ، وَعَطَفَ عَلَيْهِمْ، وَآتَاهُمْ مِمَّا آتَاهُ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ-؛ كَانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِلنَّصْرِ عَلَى الْأَعْدَاءِ، وَكَانَ سَبَبًا لِلرِّزْقِ؛ لِأَنَّ اللهَ -تَعَالَى- أَخْبَرَ أَنَّهُ إِذَا أَنْفَقَ الْإِنْسَانُ لِرَبِّهِ نَفَقَةً فَإِنَّ اللهَ -تَعَالَى- يُخْلِفُهَا عَلَيْهِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} [سـبأ: 39]، يُخْلِفُهُ أَيْ: يَأْتِي بِخَلَفِهِ وَبَدَلِه)).

إِنَّ الْمِيزَانَ عِنْدَ اللهِ يَخْتَلِفُ عَنِ الْمَوَازِينِ عِنْدَ النَّاسِ؛ فَكَثِيرًا مَا يَقِيسُ النَّاسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِمَوازِينِ الدُّنْيَا مِنَ الْجَاهِ وَالْمَالِ وَالسُّلْطَانِ، أَمَّا الْمِيزَانُ عِنْدَ اللهِ؛ فَهُوَ بِقُرْبِ الْعَبْدِ إِلَيْهِ وَبِتَقْوَاهُ؛ قَالَ اللهُ تَعَالَى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13].

وَقَدْ ظَهَرَ جَلِيًّا مِيزَانُ النَّبِيِّ ﷺ فِي حُكْمِهِ عَلَى النَّاسِ، وَبَانَ كَيْفَ كَانَ ﷺ يَحْتَرِمُ الضُّعَفَاءَ وَيَنْظُرُ إِلَيْهِمْ نَظْرَةَ التَّقْدِيرِ إِذَا كَانُوا عَلَى الْعَقِيدَةِ الصَّحِيحَةِ وَالْأَخْلَاقِ الْحَسَنَةِ؛ فَقَدْ مَرَّ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ رَجُلٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((مَا تَقُولُونَ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟)).

قَالُوا: ((رَأْيَكَ فِي هَذَا، نَقُولُ: هَذَا مِنْ أَشْرَافِ النَّاسِ، هَذَا حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ يُخَطَّبَ، وَإِنْ شَفَعَ أَنْ يُشَفَّعَ، وَإِنْ قَالَ أَنْ يُسْمَعَ لِقَوْلِهِ)).

فَسَكَتَ النَّبِيُّ ﷺ، وَمَرَّ رَجُلٌ آخَرُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((مَا تَقُولُونَ فِي هَذَا؟)).

قَالُوا: ((نَقُولُ: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللهِ! هَذَا مِنْ فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ، هَذَا حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ لَمْ يُنْكَحْ، وَإِنْ شَفَعَ لَا يُشَفَّعْ، وَإِنْ قَالَ لَا يُسْمَعْ لِقَوْلِهِ)).

فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((لَهَذَا خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الْأَرْضِ مِثْلَ هَذَا)). أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَه، وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ فِي ((صَحِيحِ سُنَنِ ابْنِ مَاجَه)).

عِبَادَ اللهِ! مَا أَحْرَانَا فِي هَذَا الزَّمَانِ بِإِشَاعَةِ ثَقَافَةِ الِاحْتِرَامِ وَالتَّقْدِيرِ فِي الْمُجْتَمَعِ.. الِاحْتِرَامُ بِكُلِّ أَنْوَاعِهِ وَأَلْوَانِهِ وَصُوَرِهِ وَدَرَجَاتِهِ،
وَمِنْهُ: احْتِرَامُ الْعُقُولِ بِتَقْدِيرِ الْإِنْجَازِ وَالْعَطَاءِ وَالْبَذْلِ، وَاحْتِرَامُ الْعُقُولِ بِالْكَفِّ عَنِ الْخِدَاعِ وَسَوْقِ الْأَضَالِيلِ وَالْأَكَاذِيبِ الدَّعَائِيَّةِ.

وَمِنْهُ: احْتِرَامُ الْعَمَلِ وَالْكَفَاءَةِ، وَاحْتِرَامُ الْوَقْتِ، وَالْإِحْسَاسُ بِأَهَمِّيَّتِهِ، وَأَنَّهُ يَعْنِي الْحَيَاةَ، وَاحْتِرَامُ وَقْتِ الْآخَرِينَ. 

وَمِنْ صُوَرِ الِاحْتِرَامِ: الِاحْتِرَامُ الِاجْتِمَاعِيُّ؛ بِالتَّوَاصُلِ مَعَ النَّاسِ، وَالتَّعَاوُنِ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى، مَعَ بَذْلِ النَّدَى، وَكَفِّ الْأَذَى.

مِنْ صُوَرِ الِاحْتِرَامِ: احْتِرَامُ خُصُوصِيَّاتِ الْآخَرِينَ وَأَسْرَارِهِمْ وَأَحْوَالِهِمُ الَّتِي يَحْرُمُ كَشْفُهَا وَالتَّلَصُّصُ عَلَيْهَا.

عِبَادَ اللهِ! مَظَاهِرُ الِاحْتِرَامِ عَدِيدَةٌ؛ مِنْهَا: احْتِرَامُ الصَّغِيرِ لِلْكَبِيرِ، وَاحْتِرَامُ الْمَجَالِسِ، وَاحْتِرَامُ الضَّيْفِ إِلَى دَرَجَةِ التَّكْرِيمِ، وَاحْتِرَامُ الْمَرْأَةِ، وَاحْتِرَامُ الْعِلْمِ وَأَهْلِهِ، وَأَوْلَى النَّاسِ بِالِاحْتِرَامِ وَالتَّوْقِيرِ مَنْ كَانَ حَظُّهُ مِنَ الشَّرْعِ أَوْفَرَ، وَنَصِيبُهُ مِنَ الْعَمَلِ الصَّالِحِ أَكْبَرَ.

 ((ثَمَرَاتُ الِاحْتِرَامِ وَحُسْنِ الْخُلُقِ))

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ! إِنَّ احْتِرَامَ الْإِنْسَانِ لِلنَّاسِ وَتَوْقِيرَهُ لَهُمْ يَرْفَعُ مَقَامَهُ وَيُعْلِي شَأْنَهُ عِنْدَ اللهِ -تَعَالَى- وَعِنْدَ عِبَادِهِ، فَاللهُ يُحِبُّ مَنْ يَتَوَاضَعُ لِعِبَادِهِ، الَّذِي يَسْعَى فِي تَيْسِيرِ أُمُورِهِمْ، وَتَسْهِيلِ حَوَائِجِهِمْ.

وَيَرْتَفِعُ الْمَرْءُ عَالِيًا فِي عُيُونِ النَّاسِ، وَيُحِبُّونَهُ وَيُوَقِّرُونَهُ لِاحْتِرَامِهِ لَهُمْ، وَيَدْعُونَ اللهَ لَهُ بِالتَّوْفِيقِ وَالْقَبُولِ.

إِنَّهُ بِاحْتِرَامِهِ لَهُمْ قَدْ رَبِحَ قُلُوبَهُمْ كَمَا اشْتَرَى مَوَدَّتَهُمْ وَحُبَّهُمْ وَمَوَدَّةَ اللهِ -تَعَالَى- قَبْلَ ذَلِكَ: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا} [مريم: 96].

((هَذَا مِنْ نِعَمِهِ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ جَمَعُوا بَيْنَ الْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ؛ أَنْ وَعَدَهُمْ أَنَّهُ يَجْعَلُ لَهُمْ وُدًّا، أَيْ: مَحَبَّةً وَوِدَادًا فِي قُلُوبِ أَوْلِيَائِهِ، وَأَهْلِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَإِذَا كَانَ لَهُمْ فِي الْقُلُوبِ وِدٌّ تَيَسَّرَ لَهُمْ كَثِيرٌ مِنْ أُمُورِهِمْ، وَحَصَلَ لَهُمْ مِنَ الْخَيْرَاتِ، وَالدَّعَوَاتِ، وَالْإِرْشَادِ، وَالْقَبُولِ، وَالْإِمَامَةِ مَا حَصَلَ؛ وَلِهَذَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: ((إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا نَادَى جِبْرِيلَ: إِنِّي أُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبَّهُ، فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنَادِي فِي أَهْلِ السَّمَاءِ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ، فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الْأَرْضِ))، وَإِنَّمَا جَعَلَ اللَّهُ لَهُمْ وُدًّا؛ لِأَنَّهُمْ وَدُّوهُ، فَوَدَّدَهُمْ إِلَى أَوْلِيَائِهِ وَأَحْبَابِهِ)).

وَعَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أُتِيَ اللهُ بِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِهِ آتَاهُ اللهُ مَالًا، فَقَالَ لَهُ: مَاذَا عَمِلْتَ فِي الدُّنْيَا؟

قَالَ -وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا-: يَا رَبِّ آتَيْتَنِي مَالَكَ، فَكُنْتُ أُبَايِعُ النَّاسَ، وَكَانَ مِنْ خُلُقِي الْجَوَازُ، فَكُنْتُ أَتَيَسَّرُ عَلَى الْمُوسِرِ، وَأُنْظِرُ الْمُعْسِرَ.

فَقَالَ اللهُ تَعَالَى: أَنَا أَحَقُّ بِذَا مِنْكَ، تَجَاوَزُوا عَنْ عَبْدِي». أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ وَاللَّفْظُ لَهُ.

إِنَّ احْتِرَامَ النَّاسِ وَتَوْقِيرَهُمْ يَكُونُ بِلِينِ الْكَلَامِ، وَالتَّوَاضُعِ لَهُمْ، وَالِاهْتِمَامِ بِهِمْ، وَقَبُولِ اعْتِذَارِهِمْ، وَتَقْدِيرِ ظُرُوفِهِمْ، وَالتَّجَاوُزِ عَنْ أَخْطَائِهِمْ.

 أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ! مَا أَحْوَجَنَا لِهَذَا الْخُلُقِ الْكَرِيمِ؛ فَكَمْ جَلَبَ الِاحْتِرَامُ مِنَ الْمَوَدَّاتِ وَالْمَحَبَّةِ وَالتَّوَادُدِ وَالثَّمَرَاتِ اليَانِعَاتِ!!

وَكَمْ وَجَدَ الْمَرْءُ مِنَ الرُّتَبِ وَالْمَقَامَاتِ الْحِسِّيَّةِ وَالْمَعْنَوِيَّةِ بِسَبَبِ احْتِرَامِهِ وَتَوْقِيرِهِ لِلْآخَرِينَ!!

إِنَّ النَّاسَ لَيُحِبُّونَ مَنْ يُحْسِنُ إِلَيْهِمْ وَلَوْ بِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ، أَوِ ابْتِسَامَةٍ صَادِقَةٍ، وَلَا يُحِبُّونَ مَنْ يُهِينُهُمْ وَيُسِيءُ إِلَيْهِمْ؛ وَلَوْ كَانَ صَاحِبَ حَقٍّ وَمَعْرُوفٍ.

إِنَّنَا مَدْعُوُّونَ -مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ- لِاحْتِرَامِ بَعْضِنا بَعْضًا، وَاحْتِرَامِ الْآخَرِينَ.

إِنَّ الْأَخْلَاقَ الْكَامِلَةَ وَالْآدَابَ السَّامِيَةَ تَجْعَلُ صَاحِبَهَا مُسْتَقِيمَ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ، مُعْتَدِلَ الْأَحْوَالِ، مُكْتَمِلَ الْأَوْصَافِ الْحَسَنَةِ، طَاهِرَ الْقَلْبِ نَقِيَّهُ مِنْ كُلِّ دَرَنٍ وَآفَةٍ وَنَقْصٍ، قَوِيَّ الْقَلْبِ، مُتَوَجِّهًا قَلْبُهُ إِلَى أَعْلَى الْأُمُورِ وَأَنْفَعِهَا، قَائِمًا بِالْحُقُوقِ الْوَاجِبَةِ وَالْمُسْتَحَبَّةِ، مَحْمُودًا عِنْدَ اللهِ وَعِنْدَ خَلْقِهِ، قَدْ حَازَ الشَّرَفَ وَالِاعْتِبَارَ الْحَقِيقِيَّ، وَسَلِمَ مِنْ كُلِّ دَنَسٍ وَآفَةٍ، قَدْ تَوَاطَأَ ظَاهِرُهُ وَبَاطِنُهُ عَلَى الِاسْتِقَامَةِ، وَسُلُوكِ طَرِيقِ الْفَلَاحِ.

إِنَّ أَعْظَمَ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ الْجَنَّةَ: تَقْوَى اللهِ، وَحُسْنَ الْخُلُقِ.

إِنَّ حُسْنَ الْخُلُقِ وَمَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ تُحَبِّبُ الْعَبْدَ إِلَى أَعْدَائِهِ، وَسُوءَ الْخُلُقِ يُنَفِّرُ عَنْهُ أَوْلَادُهُ وَأَصْدِقَاؤُهُ.

وَمِنْ مَزَايَا حُسْنِ الْخُلُقِ: أَنَّ صَاحِبَهُ يَتَمَكَّنُ مِنْ إِرْضَاءِ النَّاسِ عَلَى اخْتِلَافِ طَبَقَاتِهِمْ، كُلُّ مَنْ جَالَسَهُ وَخَالَطَهُ أَحَبَّهُ، لَا يَمَلُّهُ الْجَلِيسُ.

قَالَ ﷺ: ((إِنَّكُمْ لَنْ تَسَعُوا النَّاسَ بِأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَسَعُهُمْ مِنْكُمْ بَسْطُ الْوَجْهِ وَحُسْنُ الْخُلُقِ)).

صَاحِبُ الْخُلُقِ الْحَسَنِ يَسْهُلُ عَلَيْهِ إِدْرَاكُ الْمَطَالِبِ، وَتَلِينُ لَهُ بِرِفْقِهِ وَتُحَبِّبُهُ إِلَى الْخَلْقِ الْمَصَاعِبُ.

كَمْ فَاتَ سَيِّئَ الْأَخْلَاقِ مِنْ مَطْلُوبٍ!! وَكَمْ جَلَبَ عَلَيْهِ الْحُمْقُ مِنْ شَرٍّ مَرْهُوبٍ!!

كُلُّ أَحَدٍ يَوَدُّ الِاتِّصَافَ بِحُسْنِ الْخُلُقِ لِمَا يُشَاهِدُهُ مِنْ ثَمَرَاتِهِ الْجَلِيلَةِ؛ وَلَكِنْ لَا يُدْرِكُهُ إِلَّا أَهْلُ الْهِمَمِ الْعَالِيَةِ النَّبِيلَةِ.

اللهم اهْدِنَا لِأَحْسَنِ الْأَخْلَاقِ، وَجَنِّبْنَا مَسَاوِئَهَا.

وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ.

المصدر:قِيمَةُ الِاحْتِرَامِ

 

التعليقات


خطب مفرغة قد تعجبك


  نبيُّنا محمد صلى الله عليه وسلم
  تَحْوِيلُ الْقِبْلَةِ.. دُرُوسٌ وَعِبَرٌ
  حِمَايَةُ الشَّأْنِ الْعَامِّ وَالْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ
  «محمد أسد» وحقيقة الإسلام
  تَقْدِيرُ الْمَصْلَحَةِ وَتَنْظِيمُ الْمُبَاحِ
  داعش وذبح الأقباط المصريين
  إِتْقَانُ الصَّنَائِعِ وَالْحِرَفِ وَالْمِهَنِ سَبِيلُ الْأُمَمِ الْمُتَقَدِّمَةِ
  سوء الظن وكهف المطاريد !!
  الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ وَأَثَرُهُ فِي زِيَادَةِ الْإِيمَانِ وَتَرْسِيخِ الْقِيَمِ الْأَخْلَاقِيَّةِ
  فَضْلُ تَعْلِيمِ الْعِلْمِ
  • شارك

نبذة عن الموقع

موقع تفريغات العلامة رسلان ، موقع يحتوي على العشرات من الخطب والمحاضرات والمقاطع المفرغة لفضيلة الشيخ العلامة أبي عبدالله محمد بن سعيد رسلان-حفظه الله- . كما يعلن القائمون على صفحة وموقع تفريغات العلامة رسلان -حفظه الله- أن التفريغات للخطب ليست هي الشكل النهائي عند الطباعة، ولكن نحن نفرغ خطب الشيخ حفظه الله ونجتهد في نشرها ليستفيد منها طلاب العلم والدعاة على منهاج النبوة في كل أنحاء الدنيا، ونؤكد على أنَّ الخطب غير مُخرَّجة بشكل كامل كما يحدث في خطب الشيخ العلامة رسلان المطبوعة وليست الكتب المنشورة على الصفحة والموقع هي النسخة النهائية لكتب الشيخ التي تُطبع...وهذه الكتب ما هي إلا تفريغ لخطب الشيخ، غير أنَّ كتب الشيخ التي تُطبع تُراجع من الشيخ -حفظه الله- وتُخرج. والتفريغ عملٌ بشريٌ، ونحن نجتهد في مراجعة التفريغات مراجعة جيدة، فإذا وقع خطأ أو شكل الخطب كما نخرجها -إنما نُحاسب نحن عليها والخطأ يُنسب لنا وليس للشيخ -حفظه الله-.

الحقوق محفوظة لكل مسلم موقع تفريغات العلامة رسلان