تفريغ خطبة فَضْلُ يَوْمِ عَرَفَةَ وَسُنَّةُ الْأُضْحِيَّةِ

فَضْلُ يَوْمِ عَرَفَةَ وَسُنَّةُ الْأُضْحِيَّةِ

((فَضْلُ يَوْمِ عَرَفَةَ وَسُنَّةُ الْأُضْحِيَّةِ))

إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّـهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّـهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ.

أَمَّا بَعْدُ:

فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّـهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.

أَمَّا بَعْدُ:

((يَوْمُ عَرَفَةَ يَوْمُ إِكْمَالِ الدِّينِ))

فَيَوْمُ عَرَفَةَ يَوْمُ إِكْمَالِ الدِّينِ، وَإِتْمَامِ النِّعْمَةِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ.

قَالَ يَهُودِيٌّ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: ((يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! آيَةٌ فِي كِتَابِكُمْ تَقْرَؤُونَهَا لَوْ عَلَيْنَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ نَزَلَتْ لَاتَّخَذْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيدًا)).

قَالَ: ((أَيُّ آيَةٍ؟)).

قَالَ: (({الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3])).

قَالَ عُمَرُ: ((قَدْ عَرَفْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ، وَالْمَكَانَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَهُوَ قَائِمٌ بِعَرَفَةَ يَوْمَ جُمُعَةٍ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

لَقَدْ أَكْمَلَ اللهُ -تَعَالَى- الدِّينَ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ، فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ جُمْهُورُ الْمُفَسِّرِينَ: أَكْمَلَهُ بِإِظْهَارِهِ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ؛ فَلَمْ يَحُجَّ مَعَهُمْ فِي ذَلِكَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، أَكْمَلَهُ بِاسْتِيعَابِ مُعْظَمِ الْفَرَائِضِ وَالْحُدُودِ وَالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، كَآيَةِ الرِّبَا، وَآيَةِ الْكَلَالَةِ، وَغَيْرِهِمَا.

((يَوْمُ عَرَفَةَ.. يَوْمُ الْمُبَاهَاةِ الْإِلَهِيَّةِ))

وَيَوْمُ عَرَفَةَ يَوْمُ الْمَغْفِرَةِ وَالْعِتْقِ مِنَ النِّيرَانِ؛ فَفِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ: ((مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَإِنَّهُ لَيَدْنُو ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمُ الْمَلَائِكَةَ فَيَقُولُ: مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ؟)).

وَقَوْلُهُ -سُبْحَانَهُ- لِمَلَائِكَتِهِ -وَهُوَ أَعْلَمُ-: ((مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ؟)) أَيْ: أَيَّ شَيْءٍ أَرَادَ هَؤُلَاءِ، حَيْثُ تَرَكُوا أَهْلَهُمْ وَأَوْطَانَهُمْ، وَأَنْفَقُوا أَمْوَالَهُمْ، وَأَتْعَبُوا أَبْدَانَهُمْ، أَيْ: مَا أَرَادُوا إِلَّا الْمَغْفِرَةَ وَالرِّضَا، وَالْقُرْبَ وَالْعِتْقَ مِنَ النِّيرَانِ، وَمَنْ جَاءَ هَذَا الْبَابَ لَا يَخْشَى الرَّدَّ، فَكَأَنَّ الْمَعْنَى: مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ فَهُوَ حَاصِلٌ لَهُمْ، وَدَرَجَاتُهُمْ عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ وَنِيَّاتِهِمْ.

هَؤُلَاءِ الْحَجِيجُ الْمُجْتَمِعُونَ بِلِبَاسٍ وَاحِدٍ قَدْ زَالَتِ الْفُرُوقُ فِيمَا بَيْنَهُمْ، أَتَوْا إِلَى هَذَا الْمَكَانِ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ وَصَوْبٍ، مِنْ جَمِيعِ أَقْطَارِ الدُّنْيَا فِي هَذَا الزَّمَانِ لِغَرَضٍ وَاحِدٍ وَهَدَفٍ وَاحِدٍ.. أَتَوْا مُخْتَارِينَ بَلْ مُشْتَاقِينَ وَمُتَلَهِّفِينَ، يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللهِ وَرِضْوَانًا؛ وَلِهَذَا يَقُولُ الرَّبُّ -جَلَّ وَعَلَا- لِمَلَائِكَتِهِ: ((انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي أَتُونِي شُعْثًا غُبْرًا ضَاحِينَ)) يَعْنِي: قَدْ كَشَفُوا عَنْ رُؤُوسِهِمْ، ((أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ)).

وَتَحْصُلُ الْمُبَاهَاةُ -أَيْضًا-؛ لِأَنَّ اللهَ -تَعَالَى- قَالَ لِلْمَلَائِكَةِ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَخْلُقَ الْبَشَرَ: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 30].

فَاللهُ -تَعَالَى- يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ: أَلَسْتُمْ قُلْتُمْ: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ}.

انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي هَؤُلَاءِ، مَاذَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ، وَلِأَيِّ غَرَضٍ اجْتَمَعُوا، انْظُرُوا إِلَيْهِمْ شُعْثًا غُبْرًا ضَاحِينَ، رَافِعِينَ أَكُفَّهُمْ بِالدُّعَاءِ وَبِالضَّرَاعَةِ إِلَى رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَبِالتَّلْبِيَةِ، فَيَقُولُ: انْظُرُوا إِلَى هَؤُلَاءِ، أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ}.

وَجَاءَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ حِبَّانَ: ((إِنَّ اللهَ يُبَاهِي بِأَهْلِ عَرَفَاتٍ مَلَائِكَةَ أَهْلِ السَّمَاءِ، فَيَقُولُ: انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي هَؤُلَاءِ جَاءُونِي شُعْثًا غُبْرًا)).

((شُعْثًا)) أَيْ: مُتَغَيِّرِي الْأَبْدَانِ وَالشَّعْرِ وَالْمَلَابِسِ.

((غُبْرًا)): الْتَصَقَ الْغُبَارُ بِأَعْضَاءِ أَجْسَامِهِمْ وَشُعُورِهِمْ.

قَالَ الْعُلَمَاءُ: مُبَاهَاةُ اللهِ -تَعَالَى- الْمَلَائِكَةَ بِهَؤُلَاءِ الْحُجَّاجِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ مَغْفُورٌ لَهُمْ؛ لِأَنَّهُ -تَعَالَى- لَا يُبَاهِي بِأَهْلِ الْخَطَايَا وَالذُّنُوبِ، إِلَّا مِنْ بَعْدِ التَّوْبَةِ وَالْغُفْرَانِ.

((فَضَائِلُ يَوْمِ عَرَفَةَ))

يَوْمُ عَرَفَةَ مِنْ أَفْضَلِ الْأَيَّامِ عِنْدَ اللهِ -تَعَالَى-، عَظَّمَ اللهُ قَدْرَهُ، وَرَفَعَ عَلَى الْأَيَّامِ ذِكْرَهُ، يَتَفَضَّلُ فِيهِ الرَّبُّ عَلَى الْعِبَادِ؛ فَتُجَابُ فِيهِ الدَّعَوَاتُ، وَتُقَالُ الْعَثَرَاتُ، وَتُغْفَرُ فِيهِ الزَّلَّاتُ، وَتُرْفَعُ أَكُفُّ الضَّرَاعَةِ إِلَى اللهِ -تَعَالَى- خَاشِعَاتٍ رَاجِيَاتٍ، وَيُبَاهِي اللهُ فِيهِ الْمَلَائِكَةَ بِأَهْلِ عَرَفَاتٍ.

* وَمِنْ فَضْلِ يَوْمِ عَرَفَةَ: أَنَّ اللهَ -تَعَالَى- أَقْسَمَ بِهِ، وَهُوَ -سُبْحَانَهُ- الْعَظِيمُ لَا يُقْسِمُ إِلَّا بِعَظِيمٍ، فَقَالَ تَعَالَى: {وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ} [البروج: 3].

فَيَوْمُ عَرَفَةَ هُوَ الْيَوْمُ الْمَشْهُودُ؛ لِأَنَّ النَّاسَ يَشْهَدُونَهُ، أَيْ: يَحْضُرُونَهُ وَيَجْتَمِعُونَ فِيهِ.

وَجَاءَ تَفْسِيرُهُ فِي حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ: ((الْيَوْمُ الْمَوْعُودُ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، وَالْيَوْمُ الْمَشْهُودُ يَوْمُ عَرَفَةَ، وَالشَّاهِدُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ)). أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ.

وَوُقُوفُ الْحُجَّاجِ بِعَرَفَةَ يُذَكِّرُ بِاجْتِمَاعِ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلِبَاسُ الْإِحْرَامِ الْأَبْيَضُ يُذَكِّرُ بِالْمَوْتِ وَالْكَفَنِ، وَقَدْ قَالَ اللهُ -تَعَالَى- عَنْ يَوْمِ الْقِيَامَةِ: {إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ۚ ذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ النَّاسُ وَذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ} [هود: 103].

* وَمِنْ فَضْلِ يَوْمِ عَرَفَةَ: أَنَّهُ الْوَتْرُ الَّذِي أَقْسَمَ اللهُ -تَعَالَى- بِهِ، فَقَالَ: {وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ} [الفجر: 3].

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- وَعِكْرَمَةُ وَالضَّحَّاكُ: ((الشَّفْعُ: يَوْمُ النَّحْرِ؛ لِكَوْنِهِ الْعَاشِرَ، وَالْوَتْرُ: يَوْمُ عَرَفَةَ؛ لِكَوْنِهِ التَّاسِعَ)).

* وَصَحَّ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((مَا مِنْ يَوْمٍ أَفْضَلُ عِنْدَ اللهِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، يَنْزِلُ اللهُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَيُبَاهِي بِأَهْلِ الْأَرْضِ أَهْلَ السَّمَاءِ)). أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُ.

وَثَبَتَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- قَالَتْ: ((نِعْمَ الْيَوْمُ، يَوْمٌ يَنْزِلُ اللهُ فِيهِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا)).

قَالُوا: ((يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ! وَأَيُّ يَوْمٍ هُوَ؟)).

قَالَتْ: ((يَوْمُ عَرَفَةَ)).

قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((وَصَفَ اللهُ -تَعَالَى- نَفْسَهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ ﷺ بِالنُّزُولِ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ فِي عِدَّةِ أَحَادِيثَ صَحِيحَةٍ)).

وَيَوْمُ عَرَفَةَ هُوَ يَوْمُ إِحْسَانِ الظَّنِّ بِاللهِ، وَعَدَمِ الْيَأْسِ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ، وَأَنَّهُ -تَعَالَى- سَيَتَفَضَّلُ عَلَى أَهْلِ الْمَوْقِفِ بِالْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ.

قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُبَارَكِ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((جِئْتُ إِلَى سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ -رَحِمَهُ اللهُ- عَشِيَّةَ عَرَفَةَ وَهُوَ جَاثٍ عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَعَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ، فَقُلْتُ لَهُ: مَنْ أَسْوَأُ هَذَا الْجَمْعِ حَالًا؟)).

قَالَ: ((الَّذِي يَظُنُّ أَنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ لَهُمْ)).

* وَفَضْلُ عَرَفَةَ بِالْعِتْقِ مِنَ النَّارِ وَمَغْفِرَةِ الذُّنُوبِ فِي هَذَا الْيَوْمِ الْعَظِيمِ لَا يَخْتَصُّ بِالْحُجَّاجِ وَأَهْلِ الْمَوْقِفِ وَحْدَهُمْ، بَلْ هُوَ عَامٌّ لِكُلِّ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ عَمِلُوا بِأَسْبَابِ هَذَا الْعِتْقِ وَالْمَغْفِرَةِ؛ فَالْفَضْلُ لِلْيَوْمِ، فَيَعُمُّ مَنْ كَانَ فِي عَرَفَةَ وَغَيْرِهَا مِنْ أَهْلِ الْأَمْصَارِ، وَمَنْ كَانَ حَاجًّا بِعَرَفَةَ فَقَدْ جَمَعَ بَيْنَ فَضْلِ الْمَكَانِ وَفَضْلِ الزَّمَانِ.

((أَعْمَالٌ صَالِحَاتٌ مُسْتَحَبَّاتٌ يَوْمَ عَرَفَةَ))

وَيُسْتَحَبُّ لِلْمُسْلِمِ الْإِكْثَارُ فِي هَذَا الْيَوْمِ مِنَ الطَّاعَاتِ وَالْقُرُبَاتِ الَّتِي يُرْجَى بِهَا الْمَغْفِرَةُ وَالْعِتْقُ مِنَ النَّارِ.

* وَمِنْهَا: الْإِكْثَارُ مِنْ ذِكْرِ اللهِ -تَعَالَى- الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ، لَا سِيَّمَا شَهَادَةُ التَّوْحِيدِ التَّهْلِيلُ: ((لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ))، الَّتِي هِيَ أَصْلُ دِينِ الْإِسْلَامِ وَأَسَاسُهُ، الَّذِي أَكْمَلَهُ اللهُ -تَعَالَى- فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ؛ فَفِي الْحَدِيثِ: ((خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)). أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ.

وَفِي رِوَايَةٍ لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ: ((كَانَ أَكْثَرُ دُعَاءِ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَوْمَ عَرَفَةَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، بِيَدِهِ الْخَيْرُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)).

وَيُسَنُّ الْإِكْثَارُ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ مِنْ ذِكْرِ اللهِ -تَعَالَى- فِي كُلِّ الْأَوْقَاتِ عَلَى جَمِيعِ الْأَحْوَالِ؛ قَائِمًا، وَجَالِسًا، وَمُضْطَجِعًا، رَاكِبًا، وَمَاشِيًا.

وَيُسَنُّ الْإِكْثَارُ مِنَ التَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ وَالتَّحْمِيدِ، قَالَ ﷺ عَنْ أَيَّامِ الْعَشْرِ -وَعَرَفَةُ مِنْهَا-: ((فَأَكْثِرُوا فِيهِنَّ مِنَ التَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ وَالتَّحْمِيدِ)). أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ.

* وَصَوْمُ عَرَفَةَ لِغَيْرِ الْحَاجِّ سُنَّةٌ نَبَوِيَّةٌ، وَغَنِيمَةٌ كُبْرَى؛ فَهُوَ يُكَفِّرُ ذُنُوبَ سَنَتَيْنِ مَاضِيَةٍ وَقَادِمَةٍ، ((صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ)).

وَفِي رِوَايَةٍ: ((يُكَفِّرُ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ وَالْبَاقِيَةَ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

وَمَنْ مَنَعَهُ الْعُذْرُ مِنْ صِيَامِ يَوْمِ عَرَفَةَ، كَالْمَرِيضِ، وَالْحَائِضِ، وَالْمُرْضِعِ، وَكَانَ مِنْ عَادَتِهِ صِيَامَهُ كُلَّ عَامٍ فَلَهُ الْأَجْرُ بِنِيَّتِهِ، وَلْيَحْرِصْ عَلَى أَعْمَالِ الْبِرِّ وَأَسْبَابِ الْمَغْفِرَةِ الْأُخْرَى؛ فَفِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ: ((إِذَا مَرِضَ الْعَبْدُ أَوْ سَافَرَ كُتِبَ لَهُ مِثْلُ مَا كَانَ يَعْمَلُ مُقِيمًا صَحِيحًا)).

فَاحْرِصْ عَلَى أَنْ تَغْرُبَ ذُنُوبُكَ يَوْمَ عَرَفَةَ مَعَ غُرُوبِ شَمْسِ يَوْمِ عَرَفَةَ.

* وَيَبْدَأُ التَّكْبِيرُ الْمُقَيَّدُ بِأَدْبَارِ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ مِنْ فَجْرِ يَوْمِ عَرَفَةَ لِغَيْرِ الْحَاجِّ، وَلِلْحَاجِّ مِنْ ظُهْرِ يَوْمِ النَّحْرِ، وَيَنْتَهِي بَعْدَ عَصْرِ ثَالِثِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ.

* وَدُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ تُرْجَى إِجَابَتُهُ؛ فَالْإِكْثَارَ الْإِكْثَارَ مِنَ الدُّعَاءِ بِخَيْرَيِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَالِاجْتِهَادَ الِاجْتِهَادَ فِي الدُّعَاءِ مَعَ رَفْعِ الْيَدَيْنِ وَالتَّضَرُّعِ وَالِابْتِهَالِ وَالْبُكَاءِ، ((خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ)). أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ.

وَمِنَ الْمُهِمِّ حُضُورُ الْقَلْبِ فِي الدُّعَاءِ، وَالِانْقِطَاعُ عَنِ الْمُلْهِيَاتِ، وَاسْتِشْعَارُ قُرْبِ اللهِ وَكَرَمِهِ، فَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ مَا يُعِينُ عَلَى الِابْتِهَالِ إِلَى الرَّبِّ -تَعَالَى- بِصِدْقٍ وَإِنَابَةٍ وَإِخْبَاتٍ.

((جُمْلَةٌ مِنْ سُنَنِ الْعِيدِ))

* وَمِنْ سُنَنِ الْعِيدِ الْعَظِيمَةِ: التَّكْبِيرُ، وَالتَّكْبِيرُ يَوْمَ الْأَضْحَى مُطْلَقٌ وَمُقَيَّدٌ بِأَدْبَارِ الصَّلَوَاتِ.

- فَالْمُطْلَقُ: فِي كُلِّ الْأَوْقَاتِ وَالْأَحْوَالِ وَالْأَمَاكِنِ، وَيَنْتَهِي مَعَ آخِرِ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ.

- وَالتَّكْبِيرُ الْمُقَيَّدُ: بِأَدْبَارِ الصَّلَوَاتِ مِنْ فَجْرِ يَوْمِ عَرَفَةَ إِلَى مَا بَعْدَ عَصْرِ ثَالِثِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ.

* وَمِنْ هَدْيِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْعِيدِ: التَّجَمُّلُ وَالتَّزَيُّنُ وَالتَّطَيُّبُ، وَلُبْسُ جَدِيدِ الثِّيَابِ؛ فَيَنْبَغِي لِلرَّجُلِ أَنْ يَلْبَسَ أَجْمَلَ مَا عِنْدَهُ مِنَ الثِّيَابِ، وَعَلَى الْمَرْأَةِ أَنْ تَحْرِصَ عَلَى الْخُرُوجِ بِحِجَابِهَا الشَّرْعِيِّ، وَلَا تَلْبَسْ لِبَاسَ الزِّينَةِ عِنْدَ خُرُوجِهَا إِلَى مُصَلِّى الْعِيدِ؛ لِتَمْتَثِلَ أَمْرَ نَبِيِّهَا ﷺ، قَالَ ﷺ: ((وَلْيَخْرُجْنَ تَفِلَاتٍ)) أَيْ: فِي ثِيَابٍ عَادِيَّةٍ، لَيْسَتْ ثِيَابَ تَبَرُّجٍ وَزِينَةٍ، ((وَلْيَخْرُجْنَ تَفِلَاتٍ)). أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ.

وَيَحْرُمُ عَلَى الْمَرْأَةِ أَنْ تَخْرُجَ مُتَطَيِّبَةً، وَالرَّجُلُ مَسْؤُولٌ عَنْ أَهْلِهِ.

* وَمِنْ آدَابِ الْعِيدِ: التَّهْنِئَةُ الطَّيِّبَةُ الَّتِي يَتَبَادَلُهَا النَّاسُ فِيمَا بَيْنَهُمْ أَيًّا كَانَ لَفْظُهَا مَا لَمْ يَكُنْ مُحَرَّمًا، وَهِيَ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، وَمَحَاسِنِ الْمَظَاهِرِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، كَقَوْلِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ: تَقَبَّلَ اللهُ مِنَّا وَمِنْكُمْ، أَوْ: عِيدٌ مُبَارَكٌ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ أَلْفَاظِ التَّهْنِئَةِ الْمُبَاحَةِ.

((وَقَدْ كَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ وَ-رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- إِذَا الْتَقَوْا يَوْمَ الْعِيدِ يَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: ((تَقَبَّلَ اللهُ مِنَّا وَمِنْكُمْ)). وَقَدْ حَسَّنَ إِسْنَادَهُ الْحَافِظُ فِي ((الْفَتْحِ)).

 * وَصَلَاةُ الْعِيدِ مِنْ شَعَائِرِ الدِّينِ الْعَظِيمَةِ، وَهِيَ وَاجِبَةٌ عَلَى الرِّجَالِ فِي أَرْجَحِ أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ؛ لِأَمْرِ الرَّسُولِ ﷺ بِهَا، وَلِمُوَاظَبَتِهِ عَلَيْهَا حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا، وَوَاظَبَ عَلَيْهَا الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ مِنْ بَعْدِهِ ﷺ.

- وَوَقْتُ صَلَاةِ الْعِيدِ مِنَ ارْتِفَاعِ الشَّمْسِ قِيدَ رُمْحٍ إِلَى الزَّوَالِ، وَيُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُ صَلَاةِ عِيدِ الْفِطْرِ، وَتَعْجِيلُ صَلَاةِ عِيدِ الْأَضْحَى؛ اقْتِدَاءً بِالنَّبِيِّ ﷺ.

- وَيُسَنُّ الِاغْتِسَالُ لِصَلَاةِ الْعِيدِ، كَمَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((سُنَّةُ الْفِطْرِ ثَلَاثٌ: الْمَشْيُ إِلَى الْمُصَلَّى، وَالْأَكْلُ قَبْلَ الْخُرُوجِ، وَالِاغْتِسَالُ)).

وَقَوْلُهُ: ((وَالْأَكْلُ قَبْلَ الْخُرُوجِ)): إِنَّمَا هَذَا فِي عِيدِ الْفِطْرِ.

وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَكُونَ وَقْتَ الِاغْتِسَالِ لِلْعِيدِ بَعْدَ صَلَاةِ الفجر، وَلَوِ اغْتَسَلَ قَبْلَ الْفَجْرِ أَجْزَأَهُ.

- الْأَكْلُ قَبْلَ الْخُرُوجِ إِلَى صَلَاةِ الْعِيدِ يَكُونُ فِي عِيدِ الْفِطْرِ، أَمَّا فِي عِيدِ الْأَضْحَى فَالسُّنَّةُ أَلَّا يَأْكُلَ حَتَّى يَرْجِعَ مِنَ الصَّلَاةِ؛ لِيَأْكُلَ مِنْ أُضْحِيَّتِهِ، وَيَكُونَ فِطْرُهُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ أُضْحِيَّتِهِ.

- وَيُسْتَحَبُّ التَّبْكِيرُ إِلَى الْمُصَلَّى يَوْمَ الْعِيدِ لِغَيْرِ الْإِمَامِ، وَيُسْتَحَبُّ الدُّنُوُّ -أَيِ: الْقُرْبُ مِنَ الْإِمَامِ-.

- وَيُسَنُّ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّكْبِيرِ وَهُوَ ذَاهِبٌ إِلَى مُصَلَّى الْعِيدِ.

- وَيَخْرُجُ مَاشِيًا عَلَيْهِ السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ.

- وَيُسْتَحَبُّ الْخُرُوجُ إِلَى الْمُصَلَّى مِنْ طَرِيقٍ وَالرُّجُوعُ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ.

- وَمِنْ سُنَنِ الْعِيدِ: صَلَاتُهَا خَارِجَ الْبُنْيَانِ؛ فَلَا تُصَلَّى فِي الْمَسَاجِدِ إِلَّا لِضَرُورَةٍ أَوْ حَاجَةٍ.

- وَيَخْرُجُ الصِّبْيَانُ وَالنِّسَاءُ وَالْحُيَّضُ إِلَى الْمُصَلَّى؛ لِيَشْهَدُوا الْخَيْرَ وَدَعْوَةَ الْمُسْلِمِينَ.

وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ.

الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ:

الْحَمْدُ للهِ وَحْدَهُ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ.

أَمَّا بَعْدُ:

((الْأُضْحِيَّةُ.. حُكْمُهَا وَشُرُوطُهَا))

فَالْأُضْحِيَّةُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ عِنْدَ جُمْهُورِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّهَا وَاجِبَةٌ عَلَى الْقَادِرِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَرِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ، وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، وَاخْتَارَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ.

فَلَا يَنْبَغِي لِمُؤْمِنٍ مُوسِرٍ قَادِرٍ عَلَى الْأُضْحِيَّةِ أَنْ يُفَرِّطَ فِيهَا؛ فَالْقَوْلُ بِالْوُجُوبِ أَقْرَبُ إِلَى الصَّوَابِ.

قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: ((مَنْ كَانَ لَهُ سَعَةٌ وَلَمْ يُضَحِّ فَلَا يَقْرَبَنَّ مُصَلَّانَا)). أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَه، وَحَسَّنَهُ مَرْفُوعًا الْأَلْبَانِيُّ، وَرَجَّحَ الْبَيْهَقِيُّ وَابْنُ حَجَرٍ وَقْفَهُ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-.

وَيُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الْأُضْحِيَّةِ:

* أَنْ تَكُونَ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ، وَهِيَ الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ بِجَمِيعِ أَصْنَافِهَا وَأَنْوَاعِهَا؛ لِقَوْلِ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا لِّيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ۗ فَإِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا ۗ وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ} [الحج: 34].

* وَالشَّاةُ الْوَاحِدُ تُجْزِئُ عَنْ أَهْلِ الْبَيْتِ الْوَاحِدِ، فَإِذَا ضَحَّى بِهَا وَاحِدٌ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ أَوْ ضَحَّتِ الْمَرْأَةُ عَنْ نَفْسِهَا وَزَوْجِهَا وَأَهْلِ بَيْتِهَا حَصَلَتِ الشَّعِيرَةُ، وَدَخَلُوا جَمِيعًا فِي أَجْرِهَا وَثَوَابِهَا.

قَالَ أَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: ((كَانَ الرَّجُلُ يُضَحِّي بِالشَّاةِ عَنْهُ وَعَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ فَيَأْكُلُونَ وَيُطْعِمُونَ)). أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ.

وَإِنْ لَمْ يَنْوِ الْمُضَحِّي مَنْ يَدْخُلُ مَعَهُ فِي الْأُضْحِيَّةِ -يَعْنِي: مِنْ حَيْثُ الْأَجْرُ وَالثَّوَابُ- دَخَلَ فِيهَا تِلْقَائِيًّا أَهْلُ بَيْتِهِ، وَهُمْ كُلُّ مَنْ يَشْمَلُهُ هَذَا اللَّفْظُ عُرْفًا أَوْ لُغَةً، وَهُوَ فِي الْعُرْفِ مَنْ يَعُولُهُمْ مِنْ زَوْجَةٍ وَوَلَدٍ وَقَرِيبٍ.

وَإِذَا كَانَ الْبَيْتُ الْوَاحِدُ يَضُمُّ عَدَدًا مِنَ الْإِخْوَةِ بِأَبْنَائِهِمْ وَهُمْ مُشْتَرِكُونَ فِي طَعَامِهِمْ وَأَكْلِهِمْ فَتُجْزِئُهُمْ أُضْحِيَّةٌ وَاحِدَةٌ.

أَمَّا إِذَا كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بَيْتٌ مُسْتَقِلٌّ فَالْمَشْرُوعُ أَنْ يُضَحِّيَ أَهْلُ كُلِّ بَيْتٍ بِأُضْحِيَّةٍ خَاصَّةٍ بِهِمْ.

* وَالْبَدَنَةُ -أَيِ: النَّاقَةُ أَوِ الْجَمَلُ- تُجْزِئُ عَنْ سَبْعَةٍ، وَالْبَقَرَةُ تُجْزِئُ عَنْ سَبْعَةٍ.

* وَلَا بُدَّ أَنْ تَبْلُغَ الْأُضْحِيَّةُ السِّنَّ الْمُحَدَّدَ لَهَا شَرْعًا؛ لِقَوْلِ رَسُولِ الله ﷺ: ((لَا تَذْبَحُوا إِلَّا مُسِنَّةً، إِلَّا أَنْ يَعْسُرَ عَلَيْكُمْ فَتَذَبْحُوا جَذَعَةً مِنَ الضَّأْنِ)).

وَ((الْمُسِنَّةُ)): الثَّنِيَّةُ فَمَا فَوْقَهَا.

وَ((الْجَذَعَةُ)): مَا دُونَ ذَلِكَ.

فَالثَّنِيُّ مِنَ الْإِبِلِ: مَا تَمَّ لَهُ خَمْسُ سِنِينَ وَدَخَلَ فِي السَّنَةِ السَّادِسَةِ.

وَالثَّنِيُّ مِنَ الْبَقَرِ: مَا تَمَّ لَهُ سَنَتَانِ وَدَخَلَ فِي الثَّالِثَةِ.

وَالثَّنِيُّ مِنَ الْمَعْزِ: مَا تَمَّ لَهُ سَنَةٌ وَدَخَلَ فِي الثَّانِيَةِ.

وَالْجَذَعُ مِنَ الضَّأْنِ: مَا لَهُ سِتَّةُ أَشْهُرٍ وَدَخَلَ فِي الشَّهْرِ السَّابِعِ.

وَالِالْتِزَامُ بِالسِّنِّ الْمُقَرَّرِ شَرْعًا فِي الْأُضْحِيَّةِ أَمْرٌ وَاجِبٌ، لَا تَجُوزُ مُخَالَفَتُهُ بِالنَّقْصِ عَنْهُ، وَتَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ.

* وَيُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الْأُضْحِيَّةِ: أَنْ يُضَحَّى بِهَا فِي الْوَقْتِ الْمُحَدَّدِ شَرْعًا، وَيَدْخُلُ أَوَّلُ وَقْتِ ذَبْحِ الْأُضْحِيَّةِ مِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِيدِ؛ لِحَدِيثِ: ((إِنَّ أَوَّلَ مَا نَبْدَأُ بِهِ فِي يَوْمِنَا هَذَا -يَعْنِي: فِي يَوْمِ عِيدِ الْأَضْحَى- نُصَلِّي ثُمَّ نَرْجِعُ فَنَنْحَرُ، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ أَصَابَ سُنَّتَنَا)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَمَنْ ذَبَحَ أُضْحِيَّتَهُ قَبْلَ صَلَاةِ الْعِيدِ فَلَا تُجْزِئُ عَنْهُ، وَلَا تُعَدُّ أُضْحِيَّةً؛ لِقَوْلِهِ ﷺ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَى صِحَّتِهِ: ((وَمَنْ نَحَرَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَإِنَّمَا هُوَ لَحْمٌ قَدَّمَهُ لِأَهْلِهِ، لَيْسَ مِنَ النُّسُكِ فِي شَيْءٍ)).

وَيَنْتَهِي وَقْتُ الذَّبْحِ بِغُرُوبِ شَمْسِ الْيَوْمِ الثَّالِثِ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، أَيْ: أَنَّ أَيَّامَ الذَّبْحِ أَرْبَعَةٌ: يَوْمُ الْعِيدِ، وَثَلَاثَةُ أَيَّامٍ بَعْدَهُ.

* وَمِنْ شُرُوطِ صِحَّةِ الْأُضْحِيَّةِ: أَنْ تَكُونَ سَلِيمَةً مِنَ الْعُيُوبِ الَّتِي تَمْنَعُ إِجْزَاءَهَا؛ لِأَنَّ الْأُضْحِيَّةَ قُرْبَةٌ يَتَقَرَّبُ بِهَا الْعَبْدُ إِلَى رَبِّهِ، وَ((اللهُ -جَلَّ وَعَلَا- طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا)).

فَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ الْأُضْحِيَّةُ طَيِّبَةً، خَالِيَةً مِنَ الْعُيُوبِ، وَقَدْ وَرَدَ فِي السُّنَّةِ تَحْدِيدُ أَرْبَعَةِ عُيُوبٍ تَمْنَعُ مِنَ الْإِجْزَاءِ؛ فَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: ((قَامَ فِينَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: لَا يَجُوزُ مِنَ الضَّحَايَا الْعَوْرَاءُ الْبَيِّنُ عَوَرُهَا، وَالْعَرْجَاءُ الْبَيِّنُ عَرَجُهَا، وَالْمَرِيضَةُ الْبَيِّنُ مَرَضُهَا، وَالْعَجْفَاءُ الَّتِي لَا تُنْقِي)). أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَغَيْرُهُمَا بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ.

وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُضَحِّيَ فَلَا يَأْخُذْ شَيْئًا مِنْ شَعْرِهِ أَوْ أَظْفَارِهِ أَوْ جِلْدِهِ مِنْ دُخُولِ أَوَّلِ لَيَالِي ذِي الْحِجَّةِ حَتَّى يَذْبَحَ أُضْحِيَّتَهُ؛ لِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ((إِذَا دَخَلَتِ الْعَشْرُ وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ فَلَا يَمَسَّ مِنْ شَعْرِهِ وَبَشَرِهِ شَيْئًا)).

وَفِي لَفْظٍ: ((فَلَا يَأْخُذَنَّ مِنْ شَعْرِهِ وَلَا مِنْ أَظْفَارِهِ شَيْئًا حَتَّى يُضَحِّيَ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

وَهَذَا الْحُكْمُ خَاصٌّ بِمَنْ يُضَحِّي، أَمَّا أَهْلُ بَيْتِهِ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِمُ النَّهْيُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُضَحِّي عَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ أَنَّهُ أَمَرَهُمْ بِالْإِمْسَاكِ عَنْ ذَلِكَ، وَعَلَى هَذَا فَيَجُوزُ لِأَهْلِ الْمُضَحِّي أَنْ يَأْخُذُوا فِي أَيَّامِ الْعَشْرِ مِنَ الشَّعْرِ وَالظُّفُرِ وَالْبَشَرَةِ.

أَسْأَلُ اللهَ -تَعَالَى- بِأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى وَصِفَاتِهِ الْمُثْلَى أَنْ يُحْيِيَنَا مَا عَلِمَ الْحَيَاةَ خَيْرًا لَنَا، وَأَنْ يَتَوَفَّانَا مَا عَلِمَ الْوَفَاةَ خَيْرًا لَنَا.

نَسْأَلُ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- أَنْ يُحْيِيَنَا حَيَاةَ السُّعَدَاءِ حَيَاةَ مَنْ يُحِبُّ بَقَاءَهُ، وَأَنْ يَتَوَفَّانَا وَفَاةَ الشُّهَدَاءَ وَفَاةَ مَنْ يُحِبُّ لِقَاءَهُ.

اللهم بِأَسْمَائِكَ الْحُسْنَى وَصِفَاتِكَ الْمُثْلَى مُصَلِّيًا وَمُسَلِّمًا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ اجْعَلْ ثَأْرَنَا عَلَى مَنْ ظَلَمَنَا، اجْعَلْ ثَأْرَنَا عَلَى مَنْ ظَلَمَنَا، اجْعَلْ ثَأْرَنَا عَلَى مَنْ ظَلَمَنَا، وَانْصُرْنَا عَلَى مَنْ عَادَانَا.

وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ.

المصدر: فَضْلُ يَوْمِ عَرَفَةَ وَسُنَّةُ الْأُضْحِيَّةِ

التعليقات


خطب مفرغة قد تعجبك


  التَّطَرُّفُ لَيْسَ فِي التَّدَيُّنِ فَقَطْ!
  أَفْضَلُ أَيَّامِ الْعَامِ وَدُرُوسٌ مِنْ قِصَّةِ الْخَلِيلِ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-
  حِمَايَةُ الشَّأْنِ الْعَامِّ وَالْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ
  الِانْتِحَارُ.. الْأَسْبَابُ وَسُبُلُ الْوِقَايَةِ
  أَهَمِّيَّةُ الِاسْتِثْمَارِ فِي حَيَاتِنَا
  خُطْبَةُ عِيدِ الْفِطْرِ 1444هـ
  فَرَائِضُ الْإِسْلَامِ غَايَاتُهَا وَمَقَاصِدُهَا
  القنوط من رحمة الله
  خِدْمَةُ الْمُجْتَمَعِ بَيْنَ الْعَمَلِ التَّطَوُّعِيِّ وَالْوَاجِبِ الْكِفَائِيِّ وَالْعَيْنِيِّ
  الْإِسْلَامُ عَمَلٌ وَسُلُوكٌ..نَمَاذِجُ مِنْ حَيَاةِ التَّابِعِينَ
  • شارك

نبذة عن الموقع

موقع تفريغات العلامة رسلان ، موقع يحتوي على العشرات من الخطب والمحاضرات والمقاطع المفرغة لفضيلة الشيخ العلامة أبي عبدالله محمد بن سعيد رسلان-حفظه الله- . كما يعلن القائمون على صفحة وموقع تفريغات العلامة رسلان -حفظه الله- أن التفريغات للخطب ليست هي الشكل النهائي عند الطباعة، ولكن نحن نفرغ خطب الشيخ حفظه الله ونجتهد في نشرها ليستفيد منها طلاب العلم والدعاة على منهاج النبوة في كل أنحاء الدنيا، ونؤكد على أنَّ الخطب غير مُخرَّجة بشكل كامل كما يحدث في خطب الشيخ العلامة رسلان المطبوعة وليست الكتب المنشورة على الصفحة والموقع هي النسخة النهائية لكتب الشيخ التي تُطبع...وهذه الكتب ما هي إلا تفريغ لخطب الشيخ، غير أنَّ كتب الشيخ التي تُطبع تُراجع من الشيخ -حفظه الله- وتُخرج. والتفريغ عملٌ بشريٌ، ونحن نجتهد في مراجعة التفريغات مراجعة جيدة، فإذا وقع خطأ أو شكل الخطب كما نخرجها -إنما نُحاسب نحن عليها والخطأ يُنسب لنا وليس للشيخ -حفظه الله-.

الحقوق محفوظة لكل مسلم موقع تفريغات العلامة رسلان