أَهَمِّيَّةُ الِاسْتِثْمَارِ فِي حَيَاتِنَا

أَهَمِّيَّةُ الِاسْتِثْمَارِ فِي حَيَاتِنَا

((أَهَمِّيَّةُ الِاسْتِثْمَارِ فِي حَيَاتِنَا))

إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ.

وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ.

أَمَّا بَعْدُ:

فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.

أَمَّا بَعْدُ:

((نِعْمَةُ الْمَالِ وَثَمَرَاتُهُ))

فَإِنَّ الْمَالَ مِنْ نِعَمِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- إِذَا كَانَ مِنْ حَلَالٍ، وَصُرِّفَ فِي طَاعَةِ اللهِ؛ لِأَنَّ الْمَالَ وَالْوَلَدَ لَا يَنْفَعَانِ إِنْ لَمْ يُعِينَا عَلَى طَاعَةِ اللهِ، كَمَا قَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُم بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَىٰ إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا} [سبأ: 37].

وَالْعَبْدُ يَنْبَغِي لَهُ إِذَا أَعْجَبَهُ شَيْءٌ مِنْ مَالِهِ أَوْ وَلَدِهِ؛ أَنْ يُضِيفَ النِّعْمَةَ إِلَى مُولِيهَا وَمُسْدِيهَا، وَأَنْ يَقُولَ: {مَا شَاء اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ} [الكهف: 39]؛ لِيَكُونَ شَاكِرًا لِلهِ مُتَسَبِّبًا لِبَقَاءِ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِ، لِقَوْلِهِ: {وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ} [الكهف: 39].

قَالَ تَعَالَى: {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [الكهف: 46].

الْمَالُ الْكَثِيرُ الْوَفِيرُ، وَالْبَنُونَ الْكَثِيرُونَ؛ زِينَةُ هَذِهِ الدُّنْيَا الْفَانِيَةِ.

وَجَعَلَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- الرِّزْقَ بِالْمَالِ الْكَثِيرِ مِنْ ثَمَرَاتِ قُرْبَةٍ مِنْ أَعْظَمِ الْقُرُبَاتِ وَهِيَ التَّوْبَةُ وَالِاسْتِغْفَارُ؛ قَالَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا} [نوح: 10-12].

فَقُلْتُ -يَعْنِي نُوحًا -عَلَيْهِ السَّلَامُ-- لِقَوْمِي: اطْلُبُوا مِنْ رَبِّكُمْ أَنْ يَغْفِرَ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ بِتَوْبَتِكُمْ عَمَّا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ كُفْرٍ وَفُسُوقٍ، إِنَّهُ كَانَ -وَلَمْ يَزَلْ- كَثِيرَ الْمَغْفِرَةِ لِذُنُوبِ مَنْ يَرْجِعُ إِلَيْهِ مِنْ عِبَادِهِ بِالْإِيمَانِ وَالطَّاعَةِ.

إِنْ تُؤْمِنُوا وَتُسْلِّمُوا، وَتَسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ، وَتَتُوبُوا إِلَيْهِ؛ يُرْسِلْ عَلَى أَرْضِكُمْ وَبِلَادِكُمْ مَاءَ السَّمَاءِ كَثِيرًا مُتَتَابِعًا فِي مَنَافِعِكُمْ وَسُقْيَاكُمْ، وَيُكَثِّرْ أَمْوَالَكُمْ وَأَوْلَادَكُمْ، وَيَجْعَلْ لَكُمْ بَسَاتِينَ تَنْعَمُونَ بِجَمَالِهَا وَثِمَارِهَا، وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا جَارِيَةً؛ لِإِمْتَاعِ نُفُوسِكُمْ وَأَعْيُنِكُمْ، وَلِسُقْيَا الْأَشْجَارِ وَالزُّرُوعِ.

((وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ؛ رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ الْقُرْآنَ فَهُوَ يَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللهُ مَالًا فَهُوَ يُنْفِقُهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ))؛ فَجَعَلَ الْغِنَى مَعَ الْإِنْفَاقِ بِمَنْزِلَةِ الْقُرْآنِ مَعَ الْقِيَامِ بِهِ.

 وَقَدْ سَمَّى -سُبْحَانَهُ- الْمَالَ خَيْرًا فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِهِ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ}، وَقَوْلِهِ: {وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ} [العاديات: 8].

وَأَخْبَرَ رَسُولُ اللهِ ((أَنَّ الْخَيْرَ لَا يَأْتِي إِلَّا بِالْخَيْرِ))، وَإِنَّمَا يَأْتِي بِالشَّرِّ مَعْصِيَةُ اللهِ فِي الْخَيْرِ؛ لَا نَفْسُهُ.

وَأَعْلَمَ اللهُ -سُبْحَانَهُ- أَنَّهُ جَعَلَ الْمَالَ قِوَامًا لِلْأَنْفُسِ، وَأَمَرَ بِحِفْظِهَا، وَنَهَى أَنْ يُؤْتَى السُّفَهَاءَ مِنَ النِّسَاءِ وَالْأَوْلَادِ وَغَيْرِهِمْ، وَمَدَحَهُ النَّبِيُّ بِقَوْلِهِ: ((نِعْمَ الْمَالُ الصَّالِحُ مَعَ الْمَرْءِ الصَّالِحِ)).

وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: ((لَا خَيْرَ فِيمَنْ لَا يُرِيدُ جَمْعَ الْمَالِ مِنْ حِلِّهِ، يَكُفُّ بِهِ وَجْهَهُ عَنِ النَّاسِ، وَيَصِلُ بِهِ رَحِمَهُ، وَيُعْطِي حَقَّهُ)) .

وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ السَّبِيعِيُّ: ((كَانُوا يَرَوْنَ السَّعَةَ عَوْنًا عَلَى الدِّينِ)).

وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ: ((نِعْمَ الْعَوْنُ عَلَى التُّقَى الْغِنَى)).

وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: ((الْمَالُ فِي زِمَانِنَا هَذَا سِلَاحُ الْمُؤْمِنِ)).

وَقَالَ يُوسُفُ بْنُ أَسْبَاطٍ: ((مَا كَانَ الْمَالُ فِي زَمَانٍ مُنْذُ خُلِقَتِ الدُّنْيَا أَنْفَعَ مِنْهُ فِي هَذَا الزَّمَانِ))، وَالْخَيْرُ كَالْخَيْلِ؛ لِرَجُلٍ أَجْرٌ، وَلِرَجُلٍ سِتْرٌ، وَعَلَى رَجُلٍ وِزْرٌ.

وَقَدْ جَعَلَ اللهُ -سُبْحَانَهُ- الْمَالَ سَبَبًا لِحِفْظِ الْبَدَنِ، وَحِفْظُهُ سَبَبٌ لِحِفْظِ النَّفْسِ الَّتِي هِيَ مَحَلُّ مَعْرِفَةِ اللهِ، وَالْإِيمَانِ بِهِ، وَتَصْدِيقِ رُسُلِهِ، وَمَحَبَّتِهِ، وَالْإِنَابَةِ إِلَيْهِ؛ فَهُوَ سَبَبُ عِمَارَةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.

وَإِنَّمَا يُذَمُّ مِنْهُ مَا اسْتُخْرِجَ مِنْ غَيْرِ وَجْهِهِ، وَصُرِفَ فِي غَيْرِ حَقِّهِ، وَاسْتَعْبَدَ صَاحِبَهُ، وَمَلَكَ قَلْبَهُ، وَشَغَلَهُ عَنِ اللهِ وَالدَّارِ الْآخِرَةِ، فَيُذَمُّ مِنْهُ مَا يَتَوَسَّلُ بِهِ صَاحِبُهُ إِلَى الْمَقَاصِدِ الْفَاسِدَةِ أَوْ شَغَلَهُ عَنِ الْمَقَاصِدِ الْمَحْمُودَةِ، فَالذَّمُّ لِلْجَاعِلِ لَا لِلْمَجْعُولِ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، تَعِسَ عَبْدُ الدِّرْهَمِ))؛ فَذَمَّ عَبْدَهُمَا دُونَهُمَا)).

 

 

((تَنْظِيمُ مُخْتَلَفِ الْعَلَاقَاتِ فِي الْإِسْلَامِ))

لَقَدْ بَيَّنَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- عَلَاقَةَ الْعَبْدِ بِرَبِّهِ، وَاتِّصَالَهُ بِهِ، وَآدَابَهُ مَعَهُ، وَكَذَلِكَ بَيَّنَ أَنْوَاعَ التَّصَرُّفَاتِ؛ كَالْبَيْعِ، وَالْإِجَارَةِ، وَالشَّرِكَةِ، وَالْعُقُودِ الْخَيْرِيَّةِ مِنَ الْأَوْقَافِ، وَالْوَصَايَا، وَالْهَدَايَا.

وَبَيَّنَ أَحْكَامَ النِّكَاحِ وَالْعَلَاقَاتِ الزَّوْجِيَّةَ؛ مِنَ الشُّرُوطِ، وَالْعِشْرَةِ، وَالنَّفَقَاتِ، وَالْفُرْقَةِ الزَّوْجِيَّةِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِآدَابِ الزَّوَاجِ وَأَحْكَامِهِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِالْعِدَدِ وَمُتَعَلَّقَاتِهَا.

ثُمَّ مَا تُحْفَظُ بِهِ النَّفْسُ مِنْ عُقُوبَةِ الْجِنَايَاتِ؛ كَالْقِصَاصِ، وَالدِّيَاتِ، وَالْحُدُودِ، ثُمَّ فِي تَطْبِيقِ هَذِهِ الْأَحْكَامِ وَفِي تَنْفِيذِهَا مِنْ أَبْوَابِ الْقَضَاءِ وَأَحْكَامِهِ.

نَظَّمَ الْإِسْلَامُ الْعَلَاقَاتِ بَيْنَ النَّاسِ فِي أَسْوَاقِهِمْ، وَمَزَارِعِهِمْ، وَأَسْفَارِهِمْ، وَبُيُوتِهِمْ، وَشَوَارِعِهِمْ، وَلَمْ يَدَعْ شَيْئًا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ فِي شُئُونِهِمُ الْحَيَاتِيَّةِ إِلَّا أَحْصَاهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا، وَبَيَّنَهُ بِأَعْدَلِ نِظَامٍ، وَأَحْسَنِ تَرْتِيبٍ، وَأَتَمِّ تَفْصِيلٍ.

وَالنَّاسُ يَحْتَاجُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضِ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ كَمَا قَالُوا مَدَنِيٌّ بِطَبْعِهِ؛ يَحْتَاجُ إِلَى صَاحِبِهِ، وَصَاحِبُهُ مُحْتَاجٌ إِلَيْهِ، وَلَا يَعِيشُ وَحْدَهُ، فَكَانَ لَا بُدَّ مِنْ قَانُونٍ رَبَّانِيٍّ فِيهِ الْعَدْلُ وَفِيهِ الْحِكْمَةُ يَسُنُّ لِلنَّاسِ طُرُقَ الْمُعَامَلَاتِ وَإِلَّا حَلَّتِ الْفَوْضَى، وَانْتَشَرَتِ الرَّذَائِلُ، وَتَفَاقَمَ الشَّرُّ، وَأَصْبَحَتْ وَسَائِلُ الْحَيَاةِ وَسَائِلَ لِلدَّمَارِ وَالْهَلَاكِ.

وَبِسَنِّ هَذِهِ النُّظُمِ وَوَضْعِ تِلْكَ الشَّرَائِعِ مِنْ لَدُنْ رَبِّنَا الْحَكِيمِ الْعَلِيمِ بِهَا يَتَبَيَّنُ مَا فِي الْإِسْلَامِ الْعَظِيمِ مِنَ الْحِكَمِ الظَّاهِرَةِ، وَمِنَ الْأُمُورِ الْبَاهِرَةِ، مِمَّا يَدْعُو إِلَى الرَّغْبَةِ فِي الْعَمَلِ، وَمَحَبَّةِ الْكَسْبِ بِأَنْوَاعِ التَّصَرُّفَاتِ الْمُبَاحَةِ؛ حِفْظًا لِلنَّفْسِ، وَإِعْمَارًا لِلْكَوْنِ.

فَدِينُ الْإِسْلَامِ الْعَظِيمِ هُوَ دِينُ الْحَرَكَةِ النَّافِعَةِ، وَالنَّشَاطِ الْمُتَوَثِّبِ، وَالْعَمَلِ الدَّؤُوبِ، يَحُثُّ الْإِسْلَامُ عَلَى ذَلِكَ وَيَأْمُرُ بِهِ، وَيَجْعَلُهُ نَوْعًا مِنَ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، وَيَعُدُّهُ قِسْمًا مِنَ الْعِبَادَاتِ.

الْإِسْلَامُ يَكْرَهُ الْكَسَلَ وَالْخُمُولَ، وَيَكْرَهُ الِاتِّكَالَ عَلَى الْغَيْرِ، قَالَ تَعَالَى: {وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ} [النجم: 39]، وَقَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الجمعة: 10].

وَالْإِسْلَامُ بِمَا شَرَعَهُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- فِيهِ مِنْ هَذِهِ الْأَحْكَامِ الَّتِي سَنَّ بِهَا الْمُعَامَلَاتِ وَغَيْرَهَا، وَبَيَّنَ آدَابَهَا؛ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ بِالْقِسْطِ وَالْعَدْلِ، وَوَجَّهَ كُلَّ ذِي طَبْعٍ إِلَى مَا يُلَائِمُهُ مِنَ الْأَعْمَالِ؛ لِيَعْمُرَ الْكَوْنُ لِلْقِيَامِ بِشَتَّى طُرُقِ الْحَيَاةِ الْمُبَاحَةِ مِنْ غَيْرِ جَوْرٍ وَلَا ظُلْمٍ، وَلَا اعْتِدَاءٍ وَلَا هَضْمٍ.

((مِنْ مَعَانِي الِاسْتِثْمَارِ فِي الشَّرِيعَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ))

إِنَّ دِينَنَا دِينٌ عَظِيمٌ مُفْعَمٌ بِالْخَيْرِ وَالْحِرْصِ عَلَى تَحْقِيقِ مَصَالِحِ الْبِلَادِ وَالْعِبَادِ، كَمَا يَحْرِصُ عَلَى عِمَارَةِ الْكَوْنِ وَالْحَيَاةِ، فَهُوَ دِينُ بِنَاءٍ لَا هَدْمٍ، وَتَعْمِيرٍ لَا تَخْرِيبٍ، دِينٌ يُوَازِنُ بَيْنَ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ، وَيُعْلِي دَائِمًا مِنْ شَأْنِ الْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ، وَيُعْظِمُ مِنْ شَأْنِ مَا هُوَ عَامُّ النَّفْعِ.

وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمَالَ عَصَبُ الْحَيَاةِ وَقِوَامُهَا، وَقَدْ حَثَّ الشَّرْعُ الْحَنِيفُ عَلَى اسْتِثْمَارِ الْمَالِ وَتَنْمِيَتِهِ؛ لِتَحْقِيقِ تَقَدُّمِ الْأَوْطَانِ وَرُقِيِّهَا مِنْ خِلَالِ الِاكْتِفَاءِ الذَّاتِيِّ، وَالِاسْتِقْلَالِ الِاقْتِصَادِيِّ، وَتَحْقِيقِ التَّنْمِيَةِ.

وَالِاسْتِثْمَارُ: يَعْنِي الْعَمَلَ عَلَى تَنْمِيَةِ الْمَالِ، وَالْإِسْهَامَ فِي عِمَارَةِ الْكَوْنِ وَالْحَيَاةِ، وَلَهُ دَوْرٌ مُهِمٌّ فِي تَفْعِيلِ الطَّاقَاتِ الْبَشَرِيَّةِ، وَتَوْفِيرِ فُرَصِ الْعَمَلِ لِلشَّبَابِ، وَتَدْرِيبِ الْكَوَادِرِ الْمِهَنِيَّةِ؛ وَذَلِكَ بَابٌ عَظِيمٌ مِنْ أَبْوَابِ دَفْعِ عَجَلَةِ الْعَمَلِ مِنْ جِهَةٍ، وَتَفْرِيجِ الْكُرَبِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى؛ حَيْثُ يَقُولُ نَبِيُّنَا ﷺ -كَمَا فِي «صَحِيحِ مُسْلِمٍ»- وَغَيْرِهِ: «مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا؛ نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ فِي الدُّنْيَا؛ يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ عَلَى مُسْلِمٍ فِي الدُّنْيَا؛ سَتَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ».

وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْروٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ للهِ عِنْدَ أَقْوَامٍ نِعَمًا أَقَرَّهَا عِنْدَهُم -يَعْنِي: جَعَلَهَا ثَابِتَةً عِنْدَهُمْ- مَا كَانُوا فِي حَوَائِجِ الْمُسْلِمِينَ مَا لَمْ يَمَلُّوهُمْ، فَإِذَا مَلُّوهُمْ نَقَلَهَا اللهُ إِلَى غَيْرِهِمْ». وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي «الْمُعْجَمِ الْأَوْسَطِ».

وَهُوَ حَدِيثٌ مُهِمٌّ جِدًّا: «إِنَّ للهِ عِنْدَ أَقْوَامٍ نِعَمًا أَقَرَّهَا عِنْدَهُمْ مَا كَانُوا فِي حَوَائِجِ الْمُسْلِمِينَ مَا لَمْ يَمَلُّوهُمْ».

فَهَذِهِ النِّعَمُ الَّتِي جَعَلَهَا اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- عِنْدَ أَقْوَامٍ إِنَّمَا جعلَهَا مِنْ أَجْلِ أنْ يَقْضُوا بِهَا حَوَائِجَ الْمُسْلِمِينَ؛ بِشَرْطِ: أَلَّا يَمَلُّوا مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَمِنْ طَلَبِهِمْ، وَألَّا يُصِيبَهُمُ الْمَلَلُ فِي قَضَاءِ حَوَائِجِ إِخْوَانِهِمْ بِنِعَمِ اللهِ الَّتِي عِنْدَهُمْ؛ لِأَنَّ اللهَ إِنَّمَا جَعَلَ تِلْكَ النِّعَمَ عِنْدَ أُولَئِكَ الْأَقْوَامِ مِنْ أَجْلِ أَنْ يَقْضُوا بِهَا حَوَائِجَ الْمُسْلِمِينَ «مَا لَمْ يَمَلُّوهُمْ، فَإِذَا مَلُّوهُمْ نَقَلَهَا اللهُ إِلَى غَيْرِهِمْ».

وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ للهِ أَقْوَامًا اخْتَصَّهُمْ بِالنِّعَمِ لِمَنَافِعِ الْعِبَادِ، يُقِرُّهُمْ فِيهَا مَا بَذَلُوهَا، فَإِذَا مَنَعُوهَا نَزَعَهَا مِنْهُمْ فَحَوَّلَهَا إِلَى غَيْرِهِمْ». وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ لِغَيْرِهِ.

وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ يُبيِّنُ لَنَا نَبِيُّنَا ﷺ أَنَّ أَقْوَامًا اخْتَصَّهُمُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- بِالنِّعَمِ لِيَكُونُوا سَاعِينَ فِي مَنَافِعِ عِبَادِهِ فِي أَرْضِهِ، وَيُقِرُّ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ فِي تِلْكَ النِّعَمِ مَا بَذَلُوهَا لِعِبَادِهِ فِي أَرْضِهِ، فَإِذَا مَنَعُوا النِّعَمَ أَنْ تُبْذَلَ لِأَصْحَابِ الْحَاجَاتِ وَفِي قَضَاءِ حَوَائِجِ الْمُسْلِمِينَ؛ نَزَعَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- النِّعَمَ عَنْ أُولَئِكَ الْقَوْمِ الَّذِينَ اخْتَصَّهُمْ بِالنِّعَمِ لِمَنَافِعِ الْعِبَادِ فَحَوَّلَهَا إِلَى غَيْرِهِمْ.

((لَقَدْ نَالَتِ الْمُعَامَلَاتُ الْمَالِيَّةُ مِنْ بَيْنِ جُمْلَةِ الْمُعَامَلَاتِ اهْتِمَامًا كَبِيرًا مِنْ حَيْثُ بَيَانُ أُسُسِهَا وَضَوَابِطِهَا وَأَحْكَامِهَا؛ وَذَلِكَ لِمَا لِلْمَالِ مِنْ أَهَمِّيَّةٍ كُبْرَى فِي حَيَاةِ الْأَفْرَادِ وَالْمُجْتَمَعَاتِ، فَهُوَ عَصَبُ الْحَيَاةِ، وَسَبِيلٌ مِنْ سُبُلِ ارْتِقَاءِ الْمُجْتَمَعَاتِ وَقُوَّتِهَا؛ خَاصَّةً إِذَا مَا اسْتَخْدَمَتْهُ وَاسْتَثْمَرَتْهُ الِاسْتِثْمَارَ الْأَمْثَلَ.

وَمِنْ هُنَا نَجِدُ الشَّرِيعَةَ الْإِسْلَامِيَّةَ شَجَّعَتِ النَّاسَ عَلَى اسْتِثْمَارِ الْأَمْوَالِ، وَفَتَحَتْ أَمَامَهُمْ مِسَاحَاتٍ وَمَجَالَاتٍ وَاسِعَةً لِاسْتِثْمَارِهَا؛ لِيَخْتَارَ كُلُّ إِنْسَانٍ لِنَفْسِهِ الْمَجَالَ الَّذِي يُنَاسِبُهُ لِاسْتِثْمَارِ مَالِهِ.

وَلَكِنَّ الشَّرِيعَةَ -وَهِيَ تُشَجِّعُ الِاسْتِثْمَارَ وَتَفْتَحُ بَابَهُ وَاسِعًا- تَضَعُ مِنَ الضَّوَابِطِ وَالْقُيُودِ مَا يَضْمَنُ اسْتِقْرَارًا فِي الْعَلَاقَاتِ بَيْنَ أَفْرَادِ الْمُجْتَمَعِ، وَتَحْقِيقًا لِمَصَالِحِهِمْ، وَبِمَا لَا يَعُودُ بِالضَّرَرِ وَالْمَفْسَدَةِ عَلَى أَحَدٍ، وَلَا يَصِلُ بِالْمُسْتَثْمِرِينَ إِلَى دَرَجَةِ عِبَادَةِ الْمَالِ، وَاعْتِبَارِهِ كُلَّ الْهَمِّ وَمَبْلَغَ الْعِلْمِ.

الِاسْتِثْمَارُ فِي اللُّغَةِ: أَصْلُهَا مِنَ الْفِعْلِ (ثَمَرَ)، وَ(ثَمَرَ) بِمَعْنَى: نَتَجَ وَتَوَلَّدَ، أَوْ نَمَى وَكَثُرَ، تَقُولُ: ثَمَرَ الشَّجَرَ وَأَثْمَرَ؛ إِذَا ظَهَرَ ثَمَرُهُ وَنَتَجَ، وَتَقُولُ: ثَمَرَ الْمَالُ إِذَا نَمَّاهُ وَكَثَّرَهُ.

وَكَذَلِكَ تُطْلَقُ كَلِمَةُ الثَّمَرِ عَلَى حَمْلِ الشَّجَرِ كَمَا تُطْلَقُ عَلَى الْوَلَدِ؛ لِأَنَّهُ ثَمَرَةُ الْقَلْبِ، وَإِذَا كَانَ مِنْ مَعَانِي التَّثْمِيرِ: النَّمَاءُ وَالتَّكْثِيرُ؛ فَالِاسْتِثْمَارُ كَذَلِكَ؛ بَلْ فِيهَا زِيَادَةُ دَلَالَةٍ عَلَى الِاهْتِمَامِ بِالتَّنْمِيَةِ وَتَكْثِيرِ الْمَالِ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ فِي الْمَبْنَى زِيَادَةٌ فِي الْمَعْنَي؛ وَلِذَلِكَ جَاءَ فِي ((الْمُعْجَمِ الْوَسِيطِ)) فِي تَعْرِيفِ الِاسْتِثْمَارِ أَنَّهُ: ((اسْتِخْدَامُ الْأَمْوَالِ فِي الْإِنْتَاجِ، إِمَّا مُبَاشَرَةً أَوْ غَيْرُ مُبَاشَرَةٍ)).

كَمَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ -بِنَاءً عَلَى مَا تَقَدَّمَ- بِأَنَّ الِاسْتِثْمَارَ لُغَةً هُوَ: ((طَلَبُ تَنْمِيَةِ الْمَالِ وَتَكْثِيرِهِ)).

الِاسْتِثْمَارُ اصْطِلَاحًا:

لَمْ يَشْتَهِرْ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ الْقُدَامَى مُصْطَلَحُ الِاسْتِثْمَارِ، وَلَكِنْ مَعْنَاهُ كَانَ مَعْرُوفًا وَمُسْتَخْدَمًا عِنْدَهُمْ بِأَلْفَاظٍ أُخْرَى بَدِيلَةٍ؛ مِثْلَ الِاتِّجَارِ بِالْمَالِ، وَالتَّنْمِيَةِ، وَالتَّصْرُّفِ فِي الْمَالِ بِقَصْدِ الرِّبْحِ.

وَمِنْ تَعْرِيفَاتِ الِاسْتِثْمَارِ الْمُعَاصِرَةِ: ((اسْتِعْمَالُ الْأَمْوَالِ فِي الْحُصُولِ عَلَى الْأَرْبَاحِ بِالطُّرُقِ الْمَشْرُوعَةِ الَّتِي فِيهَا الْخَيْرُ لِلْمُجْتَمَعِ))

وَمِنْهَا: ((تَوْظِيفُ الْفَرْدِ الْمُسْلِمِ أَوِ الْجَمَاعَةِ الْمُسْلِمَةِ مَالَهُ الزَّائِدَ عَنْ حَاجَتِهِ الضَّرُورِيَّةِ بِشَكْلٍ مُبَاشِرٍ أَوْ غَيْرِ مُبَاشِرٍ فِي نَشَاطٍ اقْتِصَادِيٍّ لَا يَتَعَارَضُ مَعَ مَبَادِئِ الشَّرْعِ وَمَقَاصِدِهِ الْعَامَّةِ؛ وَذَلِكَ بُغْيَةَ الْحُصُولِ عَلَى عَائِدٍ مَادِّيٍّ يَسْتَعِينُ بِهِ ذَلِكَ الْمُسْتَثْمِرُ أَوِ الْجَمَاعَةُ الْمُسْتَثْمِرَةُ عَلَى الْقِيَامِ بِمُهِمَّةِ الْخِلَافَةِ وَعِمَارَةِ الْأَرْضِ)).

وَيُمْكِنُ تَعْرِيفُ الِاسْتِثْمَارِ اصْطِلَاحًا تَعْرِيفًا مُخْتَصَرًا وَدَالًّا بِأَنَّهُ: ((تَشْغِيلُ الْأَمْوَالِ بِقَصْدِ تَنْمِيَتِهَا وَفْقَ مَعَايِيرِ وَضَوَابِطِ الشَّرْعِ الْإِسْلَامِيِّ)).

وَمِنَ الْجَدِيرِ بِالذِّكْرِ هُنَا: أَنْ نُشِيرَ إِلَى أَنَّ مَفْهُومَ اسْتِثْمَارِ الْأَمْوَالِ فِي مِيزَانِ الشَّرِيعَةِ يَخْتَلِفُ عَنْ مَفْهُومِهِ فِي نَظَرِ الِاقْتِصَادِيِّينَ مِنْ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ، حَيْثُ يَقْصِدُونَ بِالِاسْتِثْمَارِ تَحْقِيقَ أَكْبَرِ رِبْحٍ مُمْكِنٍ وَبِأَيِّ طَرِيقٍ كَانَ؛ حَتَّى لَوْ أَدَّى ذَلِكَ إِلَى إِضْرَارِ الْمُجْتَمَعِ، أَوِ التَّعَامُلِ بِطُرُقِ غَيْرِ مَشْرُوعَةٍ)).

((الِاسْتِثْمَارُ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَالْفِقْهِ الْإِسْلَامِيِّ))

لَا شَكَّ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَحُثُّ عَلَى اسْتِثْمَارِ وَتَنْمِيَةِ الْمُسْلِمِ لِمَالِهِ عَلَى حَسَبِ الضَّوَابِطِ الشَّرْعِيَّةِ.

وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ نُصُوصٌ مِنَ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ وَالسُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ، تَدُلُّ هَذِهِ النُّصُوصُ دَلَالَةً قَاطِعَةً عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الِاسْتِثْمَارِ فِي الْإِسْلَامِ.

مِنَ النُّصُوصِ الدَّالَّةِ عَلَى الْحَثِّ عَلَى التِّجَارَةِ وَطُرُقِ الْكَسْبِ الْمُخْتَلِفَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ} [النساء: 29].

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ صَدَّقُوا بِاللهِ وَاتَّبَعُوا رَسُولَهُ! لَا يَأْخُذُ بَعْضُكُمْ مَالَ بَعْضٍ بِالْحَرَامِ الَّذِي لَا يَحِلُّ فِي الشَّرْعِ؛ كَالرِّبَا، وَالْقِمَارِ، وَالْغَصْبِ، وَالسَّرِقَةِ، وَشَهَادَةِ الزُّورِ، وَجَمِيعِ التَّصَرُّفَاتِ الْوَاقِعَةِ عَلَى وَجْهِ الْبَاطِلِ وَالْعُقُودِ الْفَاسِدَةِ، لَكِنْ يَحِلُّ لَكُمْ أَخْذُ الْمَالِ بِالتِّجَارَةِ النَّاشِئَةِ عَنْ تَرَاضٍ بِطِيبِ نَفْسِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ.

التَّرَاضِي أَسَاسُ الْعُقُودِ عَامَّةً، وَأَسَاسُ الْمُبَادَلَاتِ الْمَالِيَّةِ خَاصَّةً؛ فَلَا بَيْعَ وَلَا شِرَاءَ وَلَا إِجَارَةَ وَلَا شَرِكَةَ وَلَا غَيْرَهَا مِنْ عُقُودِ التِّجَارَةِ مَا لَمْ يَتَحَقَّقِ الرِّضَا.

وَقَالَ تَعَالَى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الجمعة: 10].

(({فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ} لِطَلَبِ الْمَكَاسِبِ وَالتِّجَارَاتِ، وَلَمَّا كَانَ الِاشْتِغَالُ بِالتِّجَارَةِ مَظِنَّةَ الْغَفْلَةِ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ؛ أَمَرَ اللَّهُ بِالْإِكْثَارِ مِنْ ذِكْرِهِ، فَقَالَ: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا} أَيْ: فِي حَالِ قِيَامِكُمْ وَقُعُودِكُمْ وَعَلَى جُنُوبِكُمْ، {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} فَإِنَّ الْإِكْثَارَ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أَكْبَرُ أَسْبَابِ الْفَلَاحِ)).

وَقَالَ -تَعَالَى- فِي سُورَةِ الْمُلْكِ: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ ۖ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} [الملك: 15].

((هُوَ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْأَرْضَ وَذَلَّلَهَا لِتُدْرِكُوا مِنْهَا كُلَّ مَا تَعَلَّقَتْ بِهِ حَاجَتُكُمْ؛ مِنْ غَرْسٍ، وَبِنَاءٍ، وَحَرْثٍ، وَطُرُقٍ يُتَوَصَّلُ بِهَا إِلَى الْأَقْطَارِ النَّائِيَةِ وَالْبُلْدَانِ الشَّاسِعَةِ؛ {فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا} أَيْ: لِطَلَبِ الرِّزْقِ وَالْمَكَاسِبِ.

{وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} أَيْ: بَعْدَ أَنْ تَنْتَقِلُوا مِنْ هَذِهِ الدَّارِ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ امْتِحَانًا، وَبُلْغَةً يُتَبَلَّغُ بِهَا إِلَى الدَّارِ الْآخِرَةِ.. تُبْعَثُونَ بَعْدَ مَوْتِكُمْ، وَتُحْشَرُونَ إِلَى اللَّهِ لِيُجَازِيَكُمْ بِأَعْمَالِكُمُ الْحَسَنَةِ وَالسَّيِّئَةِ)).

وَمِنْ دَلَائِلِ مَشْرُوعِيَّةِ الِاسْتِثْمَارِ فِي الْإِسْلَامِ: ((جَوَازُ الْبَيْعِ بِالْكِتَابِ، وَالسُّنَّةِ، وَالْإِجْمَاعِ، وَالنَّظَرِ الصَّحِيحِ.

أَمَّا الْكِتَابُ؛ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة: 275].

وَأَحَلَّ اللهُ لَكُمُ الْأَرْبَاحَ فِي التِّجَارَةِ لِلْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ؛ لِمَا فِيهَا مِنْ نَفْعٍ لِلْأَفْرَادِ وَالْجَمَاعَاتِ.

وَأَمَّا السُّنَّةُ؛ فَمِثْلُ قَوْلِهِ ﷺ: ((إِذَا تَبَايَعَ الرَّجُلَانِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا وَكَانَا جَمِيعًا)).

 وَقَوْلِهِ: «لَا يَبِعْ أَحَدُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ».

وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ؛ فَمَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ.

وَأَمَّا النَّظَرُ الصَّحِيحُ؛ فَلِأَنَّ الْإِنْسَانَ يَحْتَاجُ لِمَا فِي يَدِ غَيْرِهِ مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيَا، وَلَا وَسِيلَةَ إِلَى ذَلِكَ إِلَّا بِالظُّلْمِ وَأَخْذِهِ مِنْهُ قَهْرًا، أَوْ بِالْبَيْعِ.

فَلِهَذَا كَانَ مِنَ الضَّرُورِيِّ أَنْ يَحِلَّ الْبَيْعُ، فَأَحَلَّهُ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ-، وَفِي حِلِّ الْبَيْعِ دَلِيلٌ عَلَى شُمُولِ الشَّرِيعَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ، وَأَنَّهَا لَيْسَتْ كَمَا قَالَ أَعْدَاؤُهَا: لَا تُنَظِّمُ إِلَّا الْمُعَامَلَاتِ الَّتِي بَيْنَ الْخَالِقِ وَالْمَخْلُوقِ!!، بَلْ هِيَ تُنَظِّمُ الْمُعَامَلَاتِ بَيْنَ الْخَالِقِ وَالْمَخْلُوقِ، وَبَيْنَ الْمَخْلُوقِينَ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ، وَتَنْظِيمُهَا لِلْمُعَامَلَةِ بَيْنَ الْمَخْلُوقِينَ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ مِنْ أَهَمِّ الْأُمُورِ؛ لِأَنَّهُ لَوْلَا ذَلِكَ لَأَكَلَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَاعْتَدَى النَّاسُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، فَكَانَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَمِنْ مُقْتَضَى عَدْلِ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ- أَنْ تُنَظَّمَ الْمُعَامَلَاتُ بَيْنَ الْخَلْقِ؛ لِئَلَّا تَرْجِعَ إِلَى أَهْوَائِهِمْ وَعُدْوَانِهِمْ، ثُمَّ إِنَّ أَطْوَلَ آيَةٍ فِي كِتَابِ اللهِ هِيَ آيَةُ الدَّيْنِ، وَهِيَ فِي الْمُعَامَلَاتِ بَيْنَ الْخَلْقِ؛ فَكَيْفَ يُقَالُ: إِنَّ الشَّرِيعَةَ الْإِسْلَامِيَّةَ تُنَظِّمُ الْمُعَامَلَةَ بَيْنَ الْخَالِقِ وَالْمَخْلُوقِ فَقَطْ؟!!

وَلِهَذَا قَالَ رَجُلٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ لِسَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: ((عَلَّمَكُمْ نَبِيُّكُمْ حَتَّى الْخِرَاءَةَ؟!!)).

قَالَ: ((أَجَلْ)). يَعْنِي: آدَابَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ؛ فَفِي السُّنَّةِ آدَابُ قَضَاءِ الْحَاجَةِ، وَفِي الْقُرْآنِ آدَابُ الْجُلُوسِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: {إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ} [المجادلة: 11]، وَآدَابُ الِاسْتِئْذَانِ، وَآدَابُ الدُّخُولِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: {فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ} [النور: 61].

فَالشَّرِيعَةُ -وَالْحَمْدُ للهِ- شَامِلَةٌ لِكُلِّ شَيْء؛ لَكِنْ مِنَ الْأَشْيَاءِ مَا تَنُصُّ عَلَيْهِ الشَّرِيعَةُ بِعَيْنِهِ، وَمِنَ الْأَشْيَاءِ مَا يَكُونُ دَاخِلًا تَحْتَ قَاعِدَةٍ عَامَّةٍ مِنْ قَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ، وَلَقَدْ أَخْطَأَ مَنْ قَالَ: إِنَّ النُّصُوصَ لَا تَفِي بِعُشْرِ مَا يَحْتَاجُ النَّاسُ إِلَيْهِ، بَلْ نَقُولُ: إِنَّ النُّصُوصَ وَافِيَةٌ بِكُلِّ مَا يَحْتَاجُ النَّاسُ إِلَيْهِ؛ وَلَكِنْ مِنَ الْأَشْيَاءِ مَا هُوَ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ، وَمِنْهَا مَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْقَوَاعِدِ الْعَامَّةِ، يُدْرِكُهَا مَنْ رُزِقَ عِلْمًا وَفَهْمًا.

وَالْبَيْعُ شَرْعًا: هُوَ مُبَادَلَةُ مَالٍ بِمَالٍ لِقَصْدِ التَّمَلُّكِ بِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مِنْ صِيَغِ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ.

وَمِنْ دَلَائِلِ أَهَمِّيَّةِ الِاسْتِثْمَارِ فِي الشَّرِيعَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ وَحَثِّهَا عَلَيْهِ: عَقْدُ الْفُقَهَاءِ بَابًا فِي كُتُبِ الْفِقْهِ بِعُنْوَان: ((الشَّرِكَةُ))، وَ((الشَّرِكَةُ: هِيَ اجْتِمَاعٌ فِي اسْتِحْقَاقٍ أَوْ تَصَرُّفٍ..

الشَّرِكَةُ: «اجْتِمَاعٌ فِي اسْتِحْقَاقٍ»: بِمَعْنَى أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ بَيْنَ شَخْصَيْنِ فَأَكْثَرَ اشْتَرَكَا فِيهِ بِاسْتِحْقَاقٍ، وَهَذِهِ تُسَمَّى (شَرِكَةَ الْأَمْلَاكِ)؛ مِثْلَ وَرَثَةٍ وَرِثُوا مِنْ أَبِيهِمْ عَقَارًا، فَهَؤُلَاءِ اجْتَمَعُوا فِي اسْتِحْقَاقٍ لَيْسَ بَيْنَهُمْ عَقْدٌ.

وَدَلِيلُهَا قَوْلُ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: {فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ} [النساء: 12].

هَذَا اجْتِمَاعٌ فِي اسْتِحْقَاقٍ، وَالِاجْتِمَاعُ فِي الِاسْتِحْقَاقِ يُسَمَّى شَرِكَةَ أَمْلَاكٍ.

الشَّرِكَةُ: هِيَ اجْتِمَاعٌ فِي اسْتِحقَاقٍ أَوْ تَصَرُّفٍ.. «أَوْ تَصَرُّفٍ»: تُسَمَّى (شَرِكَةَ عُقُودٍ)، بِمَعْنَى: أَنْ يَتَعَاقَدَ شَخْصَانِ فِي شَيْءٍ يَشْتَرِكَانِ فِيهِ، وَهَذِهِ لَا تَثْبُتُ إِلَّا بِعَقْدٍ بَيْنَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ.

وَاعْلَمْ أَنَّ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ-، وَتَوْسِيعِهِ عَلَى عِبَادِهِ: أَنَّهُ أَبَاحَ عُقُودَ الشَّرِكَةِ؛ وَذَلِكَ أَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ لَا يَسْتَطِيعُ الِاسْتِقْلَالَ بِاسْتِغْلَالِ مِلْكِهِ، فَهَذَا رَجُلٌ عِنْدَهُ أَمْوَالٌ كَثِيرَةٌ؛ لَكِنَّهُ مَشْلُولٌ، أَوْ زَمِنٌ، أَوْ أَعْمَى، فَيُعْطِي غَيْرَهُ مِنْ هَذَا الْمَالِ لِيَنْتَفِعَ بِهِ وَيَتَّجِرَ بِهِ، وَيَكُونُ الرِّبْحُ بَيْنَهُمَا.

وَحُكْمُ الشَّرِكَةِ: أَنَّهَا جَائِزَةٌ، وَلَيْسَتْ حَرَامًا، وَلَا نَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ عَلَى الْجَوَازِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْمُعَامَلَاتِ الْحِلُّ، وَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى: {فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ} [الكهف: 19]، فَأَضَافَ الْوَرِقَ إِلَيْهِمْ جَمِيعًا، وَهَذَا لَا شَكَّ أَنَّهُ اشْتِرَاكٌ فِي تَصَرُّفٍ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُمْ لَيْسُوا وَرَثَةً وَرِثُوا هَذِهِ الدَّرَاهِمَ.

قَدْ يَكُونُ الْإِنْسَانُ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي مَالِهِ بِنَفْسِهِ، فَيَحْتَاجُ إِلَى الْمُشَارَكَةِ، وَعَلَى هَذَا فَتَجْوِيزُ الْمُشَارَكَةِ مِنْ نِعْمَةِ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ- وَمِنْ رَحْمَتِهِ بِالْخَلْقِ، وَإِلَّا لَوْ قِيلَ: لَا أَحَدَ يَتَصَرَّفُ إِلَّا فِي مَالِهِ الْخَاصِّ؛ صَارَ فِي هَذَا تَضْيِيقٌ، فَقَدْ يَكُونُ الْإِنْسَانُ عِنْدَهُ مَالٌ كَثِيرٌ؛ لَكِنَّهُ لَا يُحْسِنُ التَّصَرُّفَ؛ إِمَّا لِعَجْزٍ فِي بَدَنِهِ، أَوْ لِعَجْزٍ فِي فِكْرِهِ، أَوْ لِانْشِغَالِهِ فِي عِلْمِهِ، أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ؛ لَكِنَّ الْمَالَ كَثِيرٌ، فَيُعْطِيهِ لِإِنْسَانٍ حَاذِقٍ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، وَيَقُولُ لَهُ: خُذْ؛ بِعْ وَاشْتَرِ فِي هَذَا الْمَالِ، وَلَكَ نِصْفُ الرِّبْحِ، أَوْ رُبُعُ الرِّبْحِ، أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.

وَمِنْ دَلَائِلِ أَهَمِّيَّةِ الِاسْتِثْمَارِ: مَشْرُوعِيَّةُ الْمُسَاقَاةِ وَالْمُزَارَعَةِ، وَالْمُسَاقَاةُ: مَأْخُوذَةٌ مِنْ أَهَمِّ أَعْمَالِهَا، وَهُوَ السَّقْيُ.

وَهِىَ شَرْعًا: دَفْعُ شَجَرٍ لِمَنْ يَسْقِيهِ وَيَعْمَلُ عَلَيْهِ بِجُزْءٍ مَعْلُومٍ مِنْ ثَمَرِهِ.

وَالْمُزَارَعَةُ: مَأْخُوذَةٌ مِنَ الزِّرَاعَةِ، وَهِيَ دَفْعُ أَرْضٍ لِمَنْ يَزْرَعُهَا بِجُزْءٍ مَعْلُومٍ مِمَّا يَخْرُجُ مِنْهَا.

وَالْمُسَاقَاةُ وَالْمُزَارَعَةُ مِنْ عُقُودِ الْمُشَارَكَاتِ الَّتِي مَبْنَاهَا الْعَدْلُ بَيْنَ الشَّريكَيْنِ؛ فَإِنَّ صَاحِبَيِ الشَّجَرِ وَالْأَرْضِ كَصَاحِبِ النُّقُودِ الَّتِي دَفَعَهَا لِلْمُضَارِبِ فِي التِّجَارَةِ.

وَالْمُسَاقِي وَالْمُزَارِعُ كَالتَّاجِرِ الَّذِي يَتَّجِرُ بِالْمَالِ، فَهُمَا دَاخِلَتَانِ فِي أَبْوَابِ الْمُشَارَكَاتِ، فَالْغُنْمُ بَيْنَهُمَا، وَالْغُرْمُ عَلَيْهِمَا.

وَبِهَذَا يُعْلَمُ أَنَّهُمَا أَبْعَدُ عَنِ الْغَرَرِ وَالْجَهَالَةِ مِنَ الْإِجَارَةِ، وَأَقْرَبُ مِنْهَا إِلَى الْقِيَاسِ وَالْعَدْلِ؛ وَلِذَا فَإِنَّهُمَا جَاءَتَا عَلَى الْأَصْلِ.

عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-: ((أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَامَلَ أَهْلَ خَيْبَرَ عَلَى شَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمَرٍ أَوْ زَرْعٍ)).

((شَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا)) الشَّطْرُ: النِّصْفُ.

((مِنْ ثَمَرٍ)): عَامٌّ لِثَمَرِ النَّخْلِ وَالْكَرْمِ وَغَيْرِهِمَا.

بَلْدَةُ (خَيْبَرَ) بَلْدَةٌ زِرَاعِيَّةٌ كَانَ يَسْكُنُهَا طَائِفَةٌ مِنَ الْيَهُودِ،  فَلَمَّا فَتَحَهَا النَّبِيُّ ﷺ  فِي السَّنَةِ السَّابِعَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَقَسَّمَ أَرَاضِيَهَا وَمَزَارِعَهَا بَيْنَ الْغَانِمِينَ، وَكَانُوا مُشْتَغِلِينَ عَنِ الْحِرَاثَةِ وَالزِّرَاعَةِ بِالْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَالدَّعْوَةِ إِلَى اللهِ -تَعَالَى-، وَكَانَ يَهُودُ خَيْبَرَ أَبْصَرَ مِنْهُمْ بِأُمُورِ الْفِلَاحَةِ -أَيْضًا-؛ لِطُولِ مُعَانَاتِهِمْ وَخِبْرَتِهِمْ فِيهَا؛ لِهَذَا أَقَرَّ النَّبِيُّ ﷺ  أَهْلَهَا السَّابِقِينَ عَلَى زِرَاعَةِ الْأَرْضِ وَسَقْيِ الشَّجَرِ، وَيَكُونُ لَهُمُ النِّصْفُ مِمَّا يَخْرُجُ مِنْ ثَمَرِهَا وَزَرْعِهَا مُقَابِلَ عَمَلِهِمْ وَنَفَقَتِهِمْ، وَلِلْمُسْلِمِينَ النِّصْفُ الْآخَرُ؛ لِكَوْنِهِمْ أَصْحَابَ الْأَصْلِ.

فَمَا زَالَتْ هَذِهِ الْمُعَامَلَةُ سَائِرَةً بَيْنَهُمْ زَمَنَ النَّبِيِّ ﷺ  وَخِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، حَتَّى جَاءَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَأَجْلَاهُمْ عَنْ بَلْدَةِ خَيْبَرَ.

فِي هَذَا الْحَدِيثِ: جَوَازُ الْمُزَارَعَةِ وَالْمُسَاقَاةِ بِجُزْءٍ مِمَّا يَخْرُجُ مِنَ الزَّرْعِ.. الثَّمَرِ، وَجَوَازُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْمُسَاقَاةِ وَالْمُزَارَعَةِ فِي بُسْتَانٍ وَاحِدٍ؛ بِأَنْ يُسَاقِيَهُ عَلَى الشَّجَرِ بِجُزْءٍ مَعْلُومٍ، وَزِرَاعَةِ الْأَرْضِ بِجُزْءٍ مَعْلُومٍ.

وَفِيهِ: جَوَازُ مُعَامَلَةِ الْكُفَّارِ بِالْفِلَاحَةِ، وَالتِّجَارَةِ، وَالْمُقَاوَلَاتِ عَلَى الْبِنَاءِ وَالصَّنَائِعِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْمُعَامَلَاتِ.

ذَهَبَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ -رَحِمَهُ اللهُ- إِلَى جَوَازِ الْمُزَارَعَةِ، وَأَنَّهَا مِنَ الْعُقُودِ الصَّحِيحَةِ الثَّابِتَةِ،  وَسَبَقَ الْإِمَامَ أَحْمَدَ إِلَى الْقَوْلِ بَجَوَازِهَا طَائِفَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ عَمِلُوا بِهَا، مِنْهُمْ: عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَسَعْدُ بْنُ مَالِكٍ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ-.

وَمِنْ دَلَائِلِ أَهَمِّيَّةِ الِاسْتِثْمَارِ فِي الْإِسْلَامِ: عَمَلُ كَثِيرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- فِي التِّجَارَةِ وَاسْتِثْمَارِ أَمْوَالِهِمْ؛ فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي ((صَحِيحَيْهِمَا)) عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: ((لَمَّا قَدِمُوا الْمَدِينَةَ -يَعْنِي الْمُهَاجِرِينَ- آخَى رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَسَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ، فَقَالَ سَعْدٌ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: ((إِنِّي أَكْثَرُ الْأَنْصَارِ مَالًا، فَاقْسِمْ مَالِي نِصْفَيْنِ، وَلِي امْرَأَتَانِ فَانْظُرْ أَعْجَبَهُمَا إِلَيْكَ فَسَمِّهَا لِي أُطَلِّقْهَا، فَإِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا فَتَزَوَّجْهَا)).

فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: ((بَارَكَ اللهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ وَمَالِكَ، أَيْنَ سُوقُكُمْ؟!!)).

فَدَلُّوهُ عَلَى سُوقِ بَنِي قَيْنُقَاعَ..

قَالَ الْحَافِظُ: ((بَنُو قَيْنُقَاعَ -بِفَتْحِ الْقَافِ- هِيَ قَبِيلَةٌ مِنَ الْيَهُودِ نُسِبَ السُّوقُ إِلَيْهِمْ)) .

فَدَلُّوهُ عَلَى سُوقِ بَنِي قَيْنُقَاعَ، فَمَا انْقَلَبَ -أَيْ: مَا رَجَعَ- إِلَّا وَمَعَهُ فَضْلٌ مِنْ أَقِطٍ -وَهُوَ اللَّبَنُ الْمُجَفَّفُ الْيَابِسُ- إِلَّا وَمَعَهُ فَضْلٌ مِنْ أَقِطٍ وَسَمْنٍ، ثُمَّ تَابَعَ الْغُدُوَّ، ثُمَّ جَاءَ يَوْمًا وَبِهِ أَثَرُ صُفْرَةٍ -الْمُرَادُ بِالصُّفْرَةِ: صُفْرَةُ الْخَلُوقِ، وَالْخَلُوقُ: طِيبٌ يُصْنَعُ مِنْ زَعْفَرَانٍ وَغَيْرِهِ-، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: ((مَهْيَمْ؟))؛ وَهِيَ كَلِمَةُ اسْتِفْهَامٍ، وَمَعْنَاهَا: مَا شَأْنُكَ؟ أَوْ: مَا هَذَا؟

قَالَ: ((تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً مِنَ الْأَنْصَارِ)).

فَقَالَ ﷺ: ((مَا سُقْتَ فِيهَا؟)).

قَالَ: ((وَزْنَ نَوَاةٍ -وَالنَّوَاةُ: اسْمٌ لِخَمْسَةِ دَرَاهِمَ- وَزْنُ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ)). فَقَالَ لَهُ ﷺ: ((أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ)).

فِي هَذَا الْحَدِيثِ: اسْتِحْبَابُ التَّكَسُّبِ، وَأَنَّ الْعَيْشَ مِنْ عَمَلِ الْمَرْءِ بِتِجَارَةٍ أَوْ حِرْفَةٍ أَوْلَى لِنَزَاهَةِ الْأَخْلَاقِ مِنَ الْعَيْشِ بِالْهِبَةِ وَنَحْوِهَا.

وَرَوَى الْبُخَارِيُّ فِي ((صَحِيحِهِ)) بِسَنَدِهِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: ((لَمَّا قَدِمَ الْمُهَاجِرُونَ الْمَدِينَةَ مِنْ مَكَّةَ وَلَيْسَ بِأَيْدِيهِمْ -يَعْنِي: شَيْئًا-، وَكَانَتِ الْأَنْصَارُ أَهْلَ الْأَرْضِ وَالْعَقَارِ، فَقَاسَمَهُمُ الْأَنْصَارُ عَلَى أَنْ يُعْطُوهُمْ ثِمَارَ أَمْوَالِهِمْ كُلَّ عَامٍ، وَيَكْفُوهُمُ الْعَمَلَ وَالْمَئُونَةَ.

وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عِنْدَ الْبُخَارِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: ((قَالَتْ الْأَنْصَارُ لِلنَّبِيِّ ﷺ: ((اقْسِمْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ إِخْوَانِنَا النَّخِيلَ)).

قَالَ: ((لَا)).

فَقَالُوا: ((تَكْفُونَا الْمَئُونَةَ، وَنَشْرَكُكُمْ فِي الثَّمَرَةِ)).

قَالُوا: ((سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا)) .

وَقَدْ عَمِلَ غَيْرُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ الْمَاهِرِينَ فِي التِّجَارَةِ، وَعَمِلَ آخَرُونَ مِنْهُمْ فِي الْحُقُولِ وَالزُّرُوعِ.

((جُمْلَةٌ مِنْ ضَوَابِطِ الِاسْتِثْمَارِ فِي الْإِسْلَامِ))

عِبَادَ اللهِ! إِذَا كَانَ الْإِسْلَامُ قَدِ اهْتَمَّ بِالِاسْتِثْمَارِ وَارْتَقَى بِهِ؛ فَإِنَّ الْإِسْلَامَ -وَمِنْ أَجْلِ ضَمَانِ اسْتِثْمَارٍ تَتَحَقَّقُ بِهِ الْمَصَالِحُ وَالْغَايَاتُ الْمَنْشُودَةُ، وَتَنْدَفِعُ بِهِ الْمَفَاسِدُ وَالْأَضْرَارُ الْمَوْجُودَةُ- وَضَعَ ضَوَابِطَ مُحَدَّدَةً أَشَارَتْ إِلَيْهَا نُصُوصُ الْقُرْآنِ، الْكَرِيمِ وَالسُّنَّةِ الْمُشَرَّفَةِ، وَنَبَّهَ عَلَيْهَا الْفُقَهَاءُ فِي كُتُبِهِمْ قَدِيمًا وَحَدِيثًا.

وَهَذِهِ الضَّوَابِطُ فِي جُمْلَتِهَا جَاءَتْ مِنْ أَجْلِ تَوْجِيهِ سُلُوكِ الْفَرْدِ الْمُسْتَثْمِرِ نَحْوَ تَحْقِيقِ الْمَنْهَجِ الرَّبَّانِيِّ فِي الْعَمَلِيَّةِ الِاسْتِثْمَارِيَّةِ، وَتَجْنِيبِ الْمُسْتَثْمِرِينَ الْوُقُوعَ فِي مَتَاهَاتِ حُبِّ الْمَادَّةِ وَعِبَادَتِهَا، وَتَأْخُذُ بِأَيْدِي أَفْرَادِ الْمُجْتَمَعِ إِلَى التَّرَابُطِ وَالْمُوَازَنَةِ بَيْنَ شُؤُونِ الدُّنْيَا وَأُمُورِ الْآخِرَةِ.

وَهَذِهِ الضَّوابِطُ عَقَائِدِيَّةٌ، وَأَخْلَاقِيَّةٌ قِيَمِيَّةٌ، وَاجْتِمَاعِيَّةٌ اقْتِصَادِيَّةٌ.

فَأَمَّا الْعَقَائِدِيَّةُ؛ فَأَنْ يَعْتَقِدَ الْمُسْتَثْمِرُ أَنَّ الْمَالَ مَالُ اللهِ، وَأَنَّ مِلْكِيَّتَهُ الْحَقِيقِيَّةَ لَهُ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-، يَقُولُ -سُبْحَانَهُ-: {لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ} [المائدة: 120].

وَللهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْأَشْيَاءِ؛ فَإِنَّهَا مِلْكُهُ، وَأَهْلُهَا عَبِيدُهُ، لَهُ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- الْمِلْكِيَّةُ التَّامَّةُ الْمُطْلَقَةُ فِي التَّصَرُّفِ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ.

وَقَالَ تَعَالَى: {لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى} [طه: 6].

للهِ الرَّحْمَنِ مُلْكُ كُلِّ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ، وَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ مِنْ أَشْيَاءَ وَأَحْيَاءٍ، وَمَا تَحْتَ التُّرَابِ النَّدِيِّ -وَهُوَ: الثَّرَى- مِمَّا هُوَ دَاخِلَ الْأَرْضِ مِنْ كُنُوزٍ إِنْبَاتِيَّةٍ بِسَبَبِ النَّدَى وَالْمَاءِ الَّذِي يَبُلُّ التُّرَابَ فَيَكُونَ صَالِحًا لِظُهُورِ النَّبَاتِ وَنُمُوِّهِ، وَكُلِّ مَا فِي الْأَرْضِ مِنْ كُنُوزٍ أُخْرَى؛ كَالْمَعَادِنِ، وَالنِّفْطِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا أَوْدَعَهُ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- فِي بَاطِنِ الْأَرْضِ.

 وَإِذَا كَانَ كُلُّ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا فِي بَاطِنِ الْأَرْضِ دَاخِلًا فِي مِلْكِ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ-؛ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ خَاضِعًا لِسُلْطَانِ مُلْكِهِ فِي كُلِّ التَّصَارِيفِ وَالتَّدْبِيرَاتِ.

فَهَذِهِ الْآيَاتُ دَالَّةٌ بِوُضُوحٍ عَلَى أَنَّهُ -سُبْحَانَهُ- هُوَ الْمَالِكُ الْحَقِيقِيُّ لِكُلِّ شَيْءٍ، وَعَلَى رَأْسِ ذَلِكَ الْمَالُ، كَمَا صَرَّحَتْ بِذَلِكَ آيَةٌ أُخْرَى؛ حَيْثُ يَقُولُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: {وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} [النور: 33].

(({مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} أَيْ: فَكَمَا أَنَّ الْمَالَ مَالُ اللهِ -وَإِنَّمَا الَّذِي بِأَيْدِيكُمْ عَطِيَّةٌ مِنَ اللهِ لَكُمْ وَمَحْضٌ مِنْهُ-؛ فَأَحْسِنُوا لِعِبَادِ اللهِ كَمَا أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكُمْ)).

فَعَلَى الْمُتَصَرِّفِ فِي الْمَالِ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهِ وَفْقَ الضَّوَابِطِ الَّتِي شَرَعَهَا لَهُ رَبُّهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-؛ لِأَنَّهُ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- اسْتَخْلَفَهُ عَلَى هَذَا الْمَالِ، قَالَ تَعَالَى: {آمِنوا بِاللَّهِ وَرَسولِهِ وَأَنفِقوا مِمّا جَعَلَكُم مُستَخلَفينَ فيهِ فَالَّذينَ آمَنوا مِنكُم وَأَنفَقوا لَهُم أَجرٌ كَبيرٌ} [الحديد: ٧].

وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِهِ مِنَ الْمَالِ الَّذِي أَعْطَاكُمُ اللهُ إِيَّاهُ، وَجَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ فِيهِ عَمَّنْ مَضَى اسْتِخْلَافًا مُؤَقَّتًا، لَيْسَ لَكُمْ فِيهِ مِلْكٌ ثَابِتٌ؛ لِيَمْتَحِنَكُمْ فِي تَصَرُّفَاتِكُمْ، وَلِيَخْتَبِرَ كَيْفَ تَكُونُ طَاعَتُكُمْ.

وَقَالَ ﷺ: ((لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ أَرْبَعٍ: عَنْ عُمُرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ؟ وَعَنْ عِلْمِهِ مَاذَا عَمِلَ بِهِ؟ وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ، وَفِيمَ أَنْفَقَهُ؟ وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ؟)).

وَمِنَ الْأُصُولِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْعَقِيدَةِ الَّتِي عَلَى الْمُسْتَثْمِرِ أَنْ يَعْتَقِدَهَا: أَنْ يَقْصِدَ بِاسْتِثْمَارِهِ لِلْمَالِ وَجْهَ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- وَرِضَاهُ، قَالَ تَعَالَى: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ} [الأنعام: 162-163].

قُلْ يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّ صَلَاتِي وَعِبَادَتِي وَتَقَرُّبِي إِلَى اللهِ -سُبْحَانَهُ- وَحَيَاتِي وَمَوْتِي كُلُّهَا خَالِصَةٌ لِوَجْهِ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ- الْخَالِقِ لِكُلِّ الْمَوْجُودَاتِ الْكَوْنِيَّةِ، وَالْمُمِدِّ لَهَا دَوَامًا بِعَطَاءَاتِ رُبُوبِيَّتِهِ؛ فَهُوَ الْمُسْتَحِقُّ أَنْ يُعْبَدَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ فِي رُبُوبِيَّتِهِ وَفِي إِلَهِيَّتِهِ.

وَقَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ} [القصص: 77].

وَاطْلُبْ فِي تَصَرُّفِكَ فِيمَا أَعْطَاكَ اللهُ مِنَ الْأَمْوَالِ الْكَثِيرَةِ قَاصِدًا ثَوَابَ رَبِّكَ الَّذِي لَا يَنْفَدُ فِي الْجَنَّةِ، بِأَنْ تَقُومَ بِشُكْرِ اللهِ فِيمَا أَنْعَمَ عَلَيْكَ، وَمِنْ أَجْلِ أَنْ تُنْفِقَ الْمَالَ الَّذِي أَعْطَاكَ فِي رِضَاهُ.

وَأَمَّا الضَّوَابِطُ الْقِيَمِيَّةُ وَالْأَخْلَاقِيَّةُ الَّتِي يَنْبَغِي لِكُلِّ مُسْتَثْمِرٍ أَنْ يَتَحَلَّى بِهَا؛ فَمِنْهَا: الصِّدْقُ، وَالْأَمَانَةُ، وَالْوَفَاءُ بِالْوَعْدِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْقِيَمِ الْأَخْلَاقِيَّةِ، قَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} [التوبة: 119].

((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ صَدَّقُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَعَمِلُوا بِشَرْعِهِ! امْتَثِلُوا أَوَامِرَ اللهِ، وَاجْتَنِبُوا نَوَاهِيَهُ فِي كُلِّ مَا تَفْعَلُونَ وَتَتْرُكُونَ، وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ فِي أَيْمَانِهِمْ وَعُهُودِهِمْ، وَفِي كُلِّ شَأْنٍ مِنْ شُؤُونِهِمْ)).

وَقَالَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة: 1].

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ صَدَّقُوا اللهَ وَاتَّبَعُوا رَسُولَهُ! نَفِّذُوا ارْتِبَاطَاتِكُمُ الَّتِي عَقَدْتُمُوهَا مَعَ رَبِّكُمْ بِسَبَبِ إِيمَانِكُمْ، وَالْعُقُودَ الَّتِي عَقَدْتُمُوهَا مَعَ أَنْفُسِكُمْ بِسَبَبِ حَلِفِكُمْ وَنَذْرِكُمْ عَلَى أَلَّا تَفْعَلُوا فِعْلًا أَوْ تَكُفُّوا عَنْ فِعْلٍ، وَالْعُقُودَ الَّتِي عَقَدَهَا بَعْضُكُمْ مَعَ بَعْضٍ بِإِرَادَتِهِ وَاخْتِيَارِهِ؛ مِن بَيْعٍ، وَإِجَارَةٍ، وَرَهْنٍ، وَشَرِكَةٍ، وَمُضَارَبَةٍ، وَزَوَاجٍ، وَنَحْوِهَا، فَالْتَزِمُوا بِهَا وَبِالْعُقُودِ الَّتِي تَعْقِدُهَا الدَّوْلَةُ الْمُسْلِمَةُ مَعَ غَيْرِهَا مِنَ الدُّوَلِ فِي السِّلْمِ وَالْحَرْبِ.

وَقَالَ اللهُ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-: {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا} [الإسراء: 34].

وَأَوْفُوا بِأَوَامِرِ اللهِ وَنَوَاهِيهِ، وَمَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الْعِبَادِ مِنْ مَوَاثِيقَ اتَّفَقْتُمْ عَلَيْهَا بِلَا نَقْضٍ وَلَا إِخْلَافٍ وَلَا نَقْصٍ؛ إِنَّ مُعْطِيَ الْعَهْدِ كَانَ مَسْئُولًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ اللهِ عَنْ حِفْظِهِ وَالْوَفَاءِ بِهِ.

وَقَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ} [المعارج: 32].

وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ مُرَاعُونَ حَافِظُونَ، مُجْتَهِدُونَ عَلَى أَدَائِهَا وَالْوَفَاءِ بِهَا، وَهَذَا شَامِلٌ لِجَمِيعِ الْأَمَانَاتِ الَّتِي بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ الْخَلْقِ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَسْرَارِ.

وَكَذَلِكَ الْعَهْدُ؛ شَامِلٌ لِلْعَهْدِ الَّذِي عَاهَدَ عَلَيْهِ اللهَ، وَالْعَهْدِ الَّذِي عَاهَدَ الْخَلْقَ عَلَيْهِ؛ فَإِنَّ الْعَهْدَ يُسْأَلُ عَنْهُ الْعَبْدُ: هَلْ قَامَ بِهِ وَوَفَّاهُ، أَمْ رَفَضَهُ وَخَانَهُ فَلَمْ يَقُمْ بِهِ؟

وَقَالَ ﷺ: «التَّاجِرُ الصَّدُوقُ الْأَمِينُ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: «حَدِيثٌ حَسَنٌ»، وَقَالَ الْأَلْبَانيُّ: «صَحِيحٌ لِغَيْرِهِ».

وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَلَفْظُهُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «التَّاجِرُ الْأَمِينُ الصَّدُوقُ الْمُسْلِمُ مَعَ الشُّهَدَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».

وَعِنْدَ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَذَبَا وَكَتَمَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا)).

((الْبَيِّعَانِ: الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي، أُطْلِقَ عَلَيْهِمَا اسْمُ الْبَيْعِ مِنْ بَابِ التَّغْلِيبِ، كَمَا يُقَالُ: (الْقَمَرَانِ) لِلشَّمْسِ وَالْقَمَرِ، وَكَمَا يُقَالُ: (الْعُمَرَانِ) لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- )) .

فَهَذِهِ النُّصُوصُ الْقُرْآنِيَّةُ وَالنَّبَوِيَّةُ تُؤَكِّدُ عَلَى اعْتِبَارِ الصِّدْقِ وَالْأَمَانَةِ ضَابِطًا أَسَاسِيًّا مِنْ ضَوَابِطِ اسْتِثْمَارِ الْمَالِ، يَنْبَنِي عَلَيْهِ ضَرُورَةُ أَنْ يَتَجَنَّبَ الْمُسْتَثْمِرُونَ الْكَذِبَ وَالْخِيَانَةَ فِي اسْتِثْمَارَاتِهِمْ؛ مَهْمَا كَانَتِ الْإِغْرَاءَاتُ، وَمَهْمَا كَانَتِ الظُّرُوفُ؛ وَلِذَلِكَ نَجِدُ أَنَّ النُّصُوصَ مِنْ جَانِبٍ آخَرَ حَذَّرَتْ مِنَ الْوُقُوعِ أَوِ التَّوَرُّطِ فِي مُسْتَنْقَعِهِمَا؛ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ مَفَاسِدَ كَثِيرَةٍ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، قَالَ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ-: {{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} [الأنفال: 27].

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ صَدَّقُوا اللهَ وَاتَّبَعُوا الرَّسُولَ! لَا تَخُونُوا اللهَ بِتَرْكِ فَرَائِضِهِ، وَالْإِخْلَالِ بِحُقُوقِ مَا اسْتَأْمَنَكُمْ عَلَيْهِ، وَأَعْطَيْتُمْ فِيهِ عَهْدَ الْأَمَانَةِ مُنْذُ أَعْلَنْتُمُ الْإِسْلَامَ وَالْتَزَمْتُمْ بِهِ، وَلَا تَخُونُوا الرَّسُولَ؛ لِأَنَّ حُقُوقَهُ تَابِعَةٌ لِحُقُوقِ اللهِ، وَمِنْ حُقُوقِهِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ بِرِسَالَتِهِ: اتِّبَاعُ شَرِيعَتِهِ، وَعَدَمُ مَعْصِيَتِهِ فِيمَا أَمَرَ بِهِ أَوْ نَهَى عَنْهُ، وَلَا تَخُونُوا أَمَانَاتِكُمُ الَّتِي ائْتَمَنَكُمُ اللهُ عَلَيْهَا، وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهَا أَمَانَةٌ يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهَا، وَالنَّهْيُ عَنْ خِيَانَةِ الْأَمَانَاتِ كُلِّهَا يَشْمَلُ مَا يَتَعَلَّقُ بِحُقُوقِ كُلِّ ذِي حَقٍّ، فَخِيَانَةُ حُقُوقِ خَلْقِ اللهِ هِيَ خِيَانَةٌ لَهُمْ، وَخِيَانَةٌ للهِ -تَعَالَى- أَيْضًا؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ مِنْ حَقِّ اللهِ عَلَيْنَا أَلَّا نَخُونَ أَحَدًا مِنْ خَلْقِهِ.

وَمِنَ الضَّوَابِطِ الْأَخْلَاقِيَّةِ وَالْقُيُودِ الْقِيَمِيَّةِ: أَلَّا يَقْصِدَ الْمُسْتَثْمِرُ بِاسْتِثْمَارِهِ إِلْحَاقَ الضَّرَرِ بِالْآخَرِينَ أَوْ ظُلْمَهُمْ؛ فَإِنَّ الْحَقِيقَةَ النَّاصِعَةَ الَّتِي تَحْرِصُ الشَّرِيعَةُ عَلَى الْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا دَائِمًا هِيَ: أَلَّا يُصْبِحَ الْمَالُ وَجَمْعُهُ كُلَّ الْهَمِّ وَمَبْلَغَ الْعِلْمِ؛ مَهْمَا كَانَتْ وَسَائِلُهُ، وَمَهْمَا تَرَتَّبَ عَلَى ذَلِكَ مِنْ نَتَائِجَ؛ وَلِذَلِكَ فَقَدْ أَرْشَدَتِ الشَّرِيعَةُ الْمُسْلِمِينَ عُمُومًا وَالْمُسْتَثْمِرِينَ خُصُوصًا الَّذِينَ يَتَعَامَلُونَ بِالْمَالِ أَلَّا يَتَعَمَّدُوا إِلْحَاقَ الضَّرَرِ أَوِ الْخَسَارَةِ بِأَحَدٍ، وَأَنْ يُرَاعُوا مَبْدَأَ الْعَدَالَةِ وَالْإِنْصَافِ، وَيَتَجَنَّبُوا الظُّلْمَ وَالْإِجْحَافَ، قَالَ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ} [النحل: 90].

((إِنَّ اللهَ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- يَأْمُرُ عِبَادَهُ فِي هَذَا الْقُرْآنِ بِالْعَدْلِ وَالْإِنْصَافِ فِي حَقِّهِ بِتَوْحِيدِهِ وَعَدَمِ الْإِشْرَاكِ بِهِ، وَفِي حَقِّ عِبَادِهِ بِإِعْطَاءِ كُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، وَيَأْمُرُ بِالْإِحْسَانِ فِي حَقِّهِ بِعِبَادَتِهِ وَأَدَاءِ فَرَائِضِهِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ، وَإِلَى الْخَلْقِ فِي الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ)).

وَقَالَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} [الحديد: 25].

لَقَدْ أَرْسَلَ اللهُ الرُّسُلَ، وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَهُوَ: اسْمُ جِنْسٍ يَشْمَلُ سَائِرَ الْكُتُبِ الَّتِي أَنْزَلَهَا اللَّهُ- لِهِدَايَةِ الْخَلْقِ وَإِرْشَادِهِمْ إِلَى مَا يَنْفَعُهُمْ فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ، وَالْمِيزَانَ؛ وَهُوَ: الْعَدْلُ فِي الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ.

وَالدِّينُ الَّذِي جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ كُلُّهُ عَدْلٌ وَقِسْطٌ فِي الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي، وَفِي مُعَامَلَاتِ الْخَلْقِ، وَفِي الْجِنَايَاتِ، وَالْقِصَاصِ، وَالْحُدُودِ، وَالْمَوَارِيثِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ؛ وَذَلِكَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ؛ قِيَامًا بِدِينِ اللَّهِ، وَتَحْصِيلًا لِمَصَالِحِهِمُ الَّتِي لَا يُمْكِنُ حَصْرُهَا وَعَدُّهَا، وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الرُّسُلَ مُتَّفِقُونَ فِي قَاعِدَةِ الشَّرْعِ، وَهُوَ الْقِيَامُ بِالْقِسْطِ.

وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ سَعْدِ بْنِ مَالِكِ بْنِ سِنَانٍ الْخُدْرِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: ((لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ)). رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ.

عِبَادَ اللهِ! هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ قَوَاعِدِ الْإِسْلَامِ، وَظَاهِرُهُ تَحْرِيمُ سَائِرِ أَنْوَاعِ الضَّرَرِ إِلَّا لِدَلِيلٍ، فَيَحْرُمُ عَلَيْكَ أَنْ تُدْخِلَ النَّفْعَ عَلَى نَفْسِكَ، وَتُدْخِلَ الضَّرَرَ عَلَى غَيْرِكَ بِسَبَبِ ذَلِكَ.

فَهَذَا أَصْلٌ عَظِيمٌ مِنْ أُصُولِ دِينِ الْإِسْلَامِ الْكَرِيمِ.

قَوْلُهُ ﷺ: ((لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ)): قِيلَ: إِنَّ الضَّرَرَ هُوَ الِاسْمُ، وَالضِّرَارَ الْفِعْلُ؛ فَالْمَعْنَى: أَنَّ الضَّرَرَ نَفْسَهُ مُنْتَفٍ فِي الشَّرْعِ، وَإِدْخَالَ الضَّرَرِ بِغَيْرِ حَقٍّ كَذَلِكَ.

وَمِنَ الضَّوَابِطِ الْوَاجِبِ مُرَاعَاتُهَا: الضَّوَابِطُ الِاجْتِمَاعِيَّةُ وَالِاقْتِصَادِيَّةُ؛ وَهِيَ الْأُمُورُ الَّتِي يَلْزَمُ الْمُسْتَثْمِرَ مُرَاعَاتُهَا؛ حَتَّى لَا تَتَعَرَّضَ الْعَلَاقَاتُ بَيْنَ أَفْرَادِ الْمُجْتَمَعِ لِلِاهْتِزَازِ وَالِاضْطِرَابِ مِنْ جِهَةٍ، وَلِضَمَانِ تَحْقِيقِ تَطَوُّرٍ وَتَنْمِيَةٍ حَقِيقِيَّةٍ لِلْمُجْتَمَعِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، وَأَهَمُّ هَذِهِ الضَّوَابِطِ: اجْتِنَابُ الْبُيُوعِ وَالِاسْتِثْمَارَاتِ الْمُحَرَّمَةِ؛ فَإِنَّ فَسَادَ الْمُعَامَلَاتِ الِاقْتِصَادِيَّةِ سَبَبُ تَدْمِيرِ الِاقْتِصَادِ وَهَلَاكِ الْمُجْتَمَعِ.

((وَالْمُعَامَلَاتُ الْمُحَرَّمَةُ تَرْجِعُ إِلَى ضَوَابِطَ، أَعْظَمُهَا: الثَّلَاثَةُ الْآتِيَةُ:

*الرِّبَا بِأَنْوَاعِهِ الثَّلَاثَةِ؛ رِبَا الْفَضْلِ، وَرِبَا النَّسِيئَةِ، وَرِبَا الْقَرْضِ، فَالرِّبَا بِأَنْوَاعِهِ مُحَرَّمٌ.

*الْجَهَالَةُ وَالْغَرَرُ.

*الْخِدَاعُ وَالتَّغْرِيرُ)) .

الْمُعَامَلَاتُ الْمُحَرَّمَةُ تَرْجِعُ إِلَى هَذِهِ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ، وَهِيَ أَعْظَمُ الضَّوَابِطِ الَّتِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا تَحْرِيمُ الْعُقُودِ.

((فَأَعْظَمُ الْمَحَاذِيرِ الْمَانِعَةِ مِنْ صِحَّةِ الْمُعَامَلَاتِ: الرِّبَا، وَالْغَرَرُ، وَالظُّلْمُ.

فَالرِّبَا الَّذِي حَرَّمَهُ اللهُ وَرَسُولُهُ يَدْخُلُ فِيهِ (رِبَا الْفَضْلِ)، وَهُوَ: بَيْعُ الْمَكِيلِ بِالْمَكِيلِ مِنْ جِنْسِهِ مُتَفَاضِلًا، وَبَيْعُ الْمَوْزُونِ بِالْمَوْزُونِ مِنْ جِنْسِهِ مُتَفَاضِلًا، وَيُشْتَرَطُ فِي هَذَا النَّوْعِ فِي حِلِّهِ مَا شَرَطَ الشَّارِعُ؛ وَهُوَ التَّمَاثُلُ بَيْنَ الْمَبِيعَيْنِ بِمِعْيَارِهِ الشَّرْعِيِّ؛ مَكِيلًا كَانَ أَوْ مَوْزُونًا، وَالْقَبْضُ لِلْعِوَضَيْنِ قَبْلَ التَّفَرُّقِ مِثْلًا بِمِثْلٍ، يَدًا بِيَدٍ.

وَ(رِبَا النَّسِيئَةِ)، وَهُوَ: بَيْعُ الْمَكِيلِ بِالْمَكِيلِ إِلَى أَجَلٍ، أَوْ غَيْرَ مَقْبُوضٍ -وَلَوْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ-، وَبَيْعُ الْمَوْزُونِ بِالْمَوْزُونِ إِلَى أَجَلٍ أَوْ بِلَا قَبْضٍ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ هَذَا السَّلَمُ.

وَأَشَدُّ أَنْوَاعِ هَذَا النَّوْعِ قَلْبُ الدُّيُونِ فِي الذِّمَمِ، وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ: {لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً} [آل عمران: 130].

وَذَلِكَ إِذَا حَلَّ مَا فِي ذِمَّةِ الْمَدِينِ قَالَ لَهُ الْغَرِيمُ: ((إِمَّا أَنْ تَقْضِيَنِي دَيْنِي، وَإِمَّا أَنْ تَزِيدَ فِي ذِمَّتِكَ))؛ فَيَتَضَاعَفُ مَا فِي ذِمَّةِ الْمُعْسِرِ أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً بِلَا نَفْعٍ وَلَا انْتِفَاعٍ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُعْسِرَ قَدْ أَوْجَبَ اللهُ عَلَى غَرِيمِهِ إِنْظَارَهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ} [البقرة: 280].

وَسَوَاءٌ كَانَ قَلْبُ الدَّيْنِ الْمَذْكُورُ صَرِيحًا، أَوْ يَتَحَيَّلُ عَلَيْهِ بِحِيلَةٍ لَيْسَتْ مَقْصُودَةً، وَإِنَّمَا يُرَادُ بِهَا التَّوَصُّلُ إِلَى مُضَاعَفَةِ مَا فِي ذِمَّةِ الْغَرِيمِ؛ فَهَذَا الَّذِي قَدْ تَوَعَّدَهُ اللهُ بِهَذَا الْوَعِيدِ الشَّدِيدِ، وَأَنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ مِنْ قُبُورِهِمْ إِلَى بَعْثِهِمْ وَنُشُورِهِمْ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ، أَيْ: مِنَ الْجُنُونِ، فَيَقُومُونَ مَرْعُوبِينَ مُنْزَعِجِينَ قَدِ اخْتَلَّتْ حَرَكَاتُهُمْ، لِمَا يَعْلَمُونَ مَا أَمَامَهُمْ مِنَ الْقَلَاقِلِ وَالْأَهْوَالِ الْمُزْعِجَةِ وَالْعُقُوبَاتِ لِأَكَلَةِ الرِّبَا.

وَقَدْ آذَنَهُمُ اللهُ بِمُحَارَبَتِهِ وَمُحَارَبَةِ رَسُولِهِ إِذَا لَمْ يَتُوبُوا، وَمَنْ كَانَ مُحَارِبًا لِلهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّهُ مَخْذُولٌ، وَإِنَّ عَوَاقِبَهُ وَخِيمَةٌ، وَإِنِ اسْتُدْرِجَ فِي وَقْتٍ فَآخِرُ أَمْرِهِ الْمَحْقُ وَالْبَوَارُ، قَالَ تَعَالَى: {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ} [البقرة: 276]، {وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِندَ اللَّهِ} [الروم: 39].

فَالْمُرَابِي يَأْخُذُهُ الْأَمْنُ وَالْغُرُورُ الْحَاضِرُ، وَلَا يَدْرِي مَا خُبِئَ لَهُ فِي مُسْتَقْبَلِ أَمْرِهِ، وَأَنَّ اللهَ سَيَجْمَعُ لَهُ بَيْنَ عُقُوبَاتِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ إِلَّا إِنْ تَابَ وَأَنَابَ، فَإِذَا تَابَ فَلَهُ مَا سَلَفَ، وَأَمَّا الْعُقُودُ الْحَاضِرَةُ فَالزِّيَادَةُ لَا تَحِلُّ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَنْزِلَ عَلَى رَأْسِ مَالِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ} بِأَخْذِ الزِّيَادَةِ، {وَلَا تُظْلَمُونَ} بِأَخْذِ بَعْضِ رُؤُوسِ أَمْوَالِكُمْ.

وَمِنْ أَنْوَاعِ الرِّبَا: الْقَرْضُ الَّذِي يَجُرُّ نَفْعًا; فَإِنَّ الْقَرْضَ مِنَ الْإِحْسَانِ وَالْمَرَافِقِ بَيْنَ الْعِبَادِ، فَإِذَا دَخَلَتْهُ الْمُعَاوَضَةُ، وَشَرَطَ الْمُقْرِضُ عَلَى الْمُقْتَرِضِ رَدَّ خَيْرٍ مِنْهُ بِالصِّفَةِ أَوْ بِالْمِقْدَارِ، أَوْ شَرَطَ نَفْعًا أَوْ مُحَابَاةً فِي مُعَاوَضَةٍ أُخْرَى فَهُوَ مِنَ الرِّبَا؛ لِأَنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ دَرَاهِمُ بِدَرَاهِمَ مُؤَخَّرَةٍ، وَالرِّبْحُ ذَلِكَ النَّفْعُ الْمَشْرُوطُ.

فَاللهُ -تَعَالَى- وَعَظَ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ تَعَاطِي الرِّبَا كُلِّهِ وَالْمُعَامَلَةِ بِهِ، وَأَنْ يَكْتَفُوا بِالْمَكَاسِبِ الطَّيِّبَةِ الَّتِي فِيهَا الْبَرَكَةُ وَصَلَاحُ الدِّينِ وَالدُّنْيَا، وَفِيهَا تَزْكُو الْأَخْلَاقُ، وَيَحْصُلُ الِاعْتِبَارُ، وَحُسْنُ الْمُعَامَلَةِ، وَالصِّدْقُ، وَالْعَدْلُ، وَأَدَاءُ الْحُقُوقِ، وَالسَّلَامَةُ مِنْ جَمِيعِ التَّبِعَاتِ.

وَمِنَ الْمَحَاذِيرِ فِي الْمُعَامَلَاتِ: مَحْذُورُ الْمَيْسِرِ وَالْغَرَرِ؛ فَإِنَّ اللهَ حَرَّمَ فِي كِتَابِهِ الْمَيْسِرَ، وَقَرَنَهُ بِالْخَمْرِ، وَذَكَرَ مَضَارَّ ذَلِكَ وَمَفَاسِدَهُ.

وَالْمَيْسِرُ يَدْخُلُ فِي الْمُعَامَلَاتِ كَمَا يَدْخُلُ فِي الْمُغَالَبَاتِ، فَكَمَا أَنَّ الْمُرَاهَنَاتِ وَالْمُقَامَرَاتِ وَتَوَابِعَهَا مِنَ الْمَيْسِرِ فَالْبُيُوعُ الَّتِي فِيهَا غَرَرٌ وَمُخَاطَرَاتٌ وَجَهَالَاتٌ دَاخِلَةٌ فِي الْمَيْسِرِ.

وَلِهَذَا قَالَ ﷺ كَلِمَةً جَامِعَةً: «نَهَى عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ» كَمَا فِي ((صَحِيحِ مُسْلِمٍ)) ، فَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ بَيْعُ الْحَمْلِ فِي الْبَطْنِ، وَبَيْعُ الْآبِقِ وَالشَّارِدِ، وَالشَّيْءُ الَّذِي لَمْ يُرَ وَلَمْ يُوصَفْ، وَدَخَلَ فِيهِ بَيْعُ الْمُلَامَسَةِ وَالْمُنَابَذَةِ، وَجَمِيعُ الْعُقُودِ الَّتِي فِيهَا جَهَالَةٌ بَيِّنَةٌ دَاخِلَةٌ فِي ذَلِكَ -أَيْضًا-؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ أَحَدَ الْمُتَعَامِلَيْنِ إِمَّا أَنْ يَغْنَمَ، وَإِمَّا أَنْ يَغْرَمَ، وَهَذَا مُخَالِفٌ لِمَقَاصِدِ الْمُعَاوَضَاتِ الَّتِي يُقْصَدُ أَنْ يَكُونَ الْعِوَضُ فِي مُقَابَلَةِ الْمُعَوَّضِ عَلَى وَجْهٍ يَسْتَوِي فِيهِ عِلْمُ الْمُتَعَاوِضَيْنِ، فَإِذَا جُهِلَ الثَّمَنُ أَوِ الْمُثَمَّنُ، أَوْ كَانَ الْأَجَلُ فِي الدُّيُونِ غَيْرَ مُسَمًّى وَلَا مَعْلُومٍ؛ دَخَلَ هَذَا فِي بَيْعِ الْغَرَرِ وَالْمَيْسِرِ الَّذِي زَجَرَ اللهُ عَنْهُ.

وَمِنَ الْمَحَاذِيرِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا فِي الْمُعَامَلَاتِ: الظُّلْمُ، وَالْغِشُّ، وَالتَّدْلِيسُ، وَبَخْسُ الْمَكَايِيلِ وَالْمَوَازِينِ، وَبَخْسُ الْحُقُوقِ أَخْذًا وَإِعْطَاءً؛ بِأَنْ يَأْخُذَ أَكْثَرَ مِمَّا لَهُ، أَوْ يُعْطِيَ أَقَلَّ مِمَّا عَلَيْهِ، فَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ الْمُحَرَّمَاتِ، وَقَدْ تَوَعَّدَ اللهُ عَلَيْهِ بِالْعُقُوبَاتِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَأَهْلَكَ أُمَّةً عَظِيمَةً بِسَبَبِ هَذِهِ الْمُعَامَلَةِ الْخَبِيثَةِ، وَهَذِهِ الْمُعَامَلَاتُ الْمُحَرَّمَةُ تَدْخُلُ فِي قَوْلِهِ: {لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ} [النساء: 29]، كَمَا يَدْخُلُ فِيهِ الْغَصْبُ، وَالسَّرِقَةُ، وَنَحْوُهُمَا)) .

وَمِنَ الضَّوَابِطِ: عَدَمُ اسْتِثْمَارِ الْمَالِ فِي السِّلَعِ الْمُحَرَّمَةِ أَوِ الضَّارَّةِ -عَدَمُ الْمُتَاجَرَةِ فِي الْمُحَرَّمَاتِ-، وَعَلَى رَأْسِ ذَلِكَ: الِاتِّجَارُ فِي الْخُمُورِ وَمَا فِي مَعْنَاهَا مِنَ الْمُخَدِّرَاتِ وَغَيْرِهَا، قَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (91)} [المائدة: 90-91].

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ صَدَّقُوا اللهَ وَاتَّبَعُوا رَسُولَهُ {إِنَّمَا الْخَمْرُ}: وَهِيَ كُلُّ مَا خَامَرَ العَقْلَ وَغَطَّاهُ؛ مَشْرُوبًا كَانَ، أَوْ مَأْكُولًا، أَوْ مَشْمُومًا {وَالْمَيْسِرُ}: هُوَ الْقِمَارُ، وَيَشْمَلُ كُلَّ كَسْبٍ بِطَرِيقِ الْحَظِّ الْمَبْنِيِّ عَلَى الْمُصَادَفَةِ مِنْ كُلِّ الْوُجُوهِ {وَالْأَنْصَابُ}: هِيَ الْحِجَارَةُ الَّتِي كَانُوا يَنْصِبُونَهَا لِلْعِبَادَةِ، وَيَذْبَحُونَ عِنْدَهَا تَقَرُّبًا لِلْأَصْنَامِ {وَالْأَزْلَامُ}: هِيَ الْأَقْدَاحُ الَّتِي كَانُوا يَسْتَقْسِمُونَ بِهَا قَبْلَ الْإِقْدَامِ عَلَى الشَّيْءِ أَوِ الْإِحْجَامِ عَنْهُ.

إِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ نَجَسٌ مَعْنَوِيٌّ فِي السُّلُوكِ أَوْ الِاعْتِقَادِ مِنْ دَرَكَةِ كَبَائِرِ الْإِثْمِ، أَوْ مِنْ دَرَكَةِ الْإِشْرَاكِ بِاللهِ، وَهِيَ مِنْ تَزْيِينِ الشَّيْطَانِ وَإِغْوَائِهِ، فَإِذَا كَانَ تَنَاوُلُ هَذِهِ الْمُحَرَّمَاتِ رِجْسًا وَمِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ؛ فَكُونُوا عَلَى جَانِبٍ مِنْهَا بِالِابْتِعَادِ الْكُلِّيِّ عَنْ مَوَاقِعِهَا؛ رَغْبَةً أَنْ تَكُونُوا مِنَ النَّاجِينَ مِنَ النَّارِ، الْفَائِزِينَ بِالْجَنَّةِ.

{إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (91)}

إِنَّمَا يُزَيِّنُ لَكُمُ الشَّيْطَانُ شُرْبَ الْخَمْرِ، وَلَعِبَ الْقِمَارِ؛ إِرَادَةَ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ الْمُعْلَنَةَ، وَالبَغْضَاءَ الْمُسْتَكِنَّةَ فِي الْقُلُوبِ؛ بِسَبَبِ شُرْبِ الْخَمْرِ وَالْقِمَارِ، وَلِيَشْغَلَكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَعَنْ فِعْلِ الصَّلَاةِ، وَإِذَا كُنْتُمْ قَدْ عَلِمْتُمْ مَا فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ مِنْ مَضَارَّ، وَمَا يُؤدِّيَانِ إِلَيْهِ مِنْ شَحْنَاءَ وَبَغْضَاءَ، وَمَا يُفْسِدَانِ بِهِ الْمُجْتَمَعَاتِ؛ فَأَنْتُم بَعْدَ ذَلِكَ مُنْتَهُونَ عَنْهُمَا تَارِكُونَ لَهُمَا، أَمْ أَنَّكُم مَا زِلْتُم فِي غَيِّكِمْ تَعْمَهُونَ سَادِرِينَ عَنْ أَمْرِ اللهِ رَبِّ الْعَالمَيِنَ؟! فَانْتَهُوا عَمَّا أَنْتُم فِيهِ.

((فَقَدْ قَرَنَهُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- -أَيِ: الْخَمْرَ- مَعَ عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ الَّتِي هِيَ الشِّرْكُ الْأَكْبَرُ بِاللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- )).

وَقَالَ ﷺ: ((كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ)).

وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ، وَأَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَه عَنِ ابْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((لَعَنَ اللَّهُ الْخَمْرَ، وَشَارِبَهَا، وَسَاقِيَهَا، وَبَائِعَهَا، وَمُبْتَاعَهَا، وَعَاصِرَهَا، وَمُعْتَصِرَهَا، وَحَامِلَهَا، وَالْمَحْمُولَةَ إلَيْهِ)). وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ .

وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ وَالحَاكِمُ عَن ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: ((أَتَانِي جِبْرِيلُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْخَمْرَ، وَعَاصِرَهَا، وَمُعْتَصِرَهَا، وَبَائِعَهَا، وَمُبْتَاعَهَا، وَشَارِبَهَا، وَآكِلَ ثَمَنِهَا، وَحَامِلَهَا، وَالْمَحْمُولَةَ إِلَيْهِ، وَسَاقِيَهَا، وَمُسْتَقِيَهَا)). وَالْحَدِيثُ صَحِيحٌ مُخَرَّجٌ بِطُرُقِهِ وَأَسَانِيدِهِ فِي ((السِّلْسِلَةِ الصَّحِيحَةِ)).

وَتَأَمَّلْ -يَا رَعَاكَ اللهُ- كَيْفَ لَعَنَ هَؤُلَاءِ جَمِيعًا، مَعَ أَنَّ الشَّارِبَ المُعَاقِرَ لِلْخَمْرِ وَاحِدٌ، وَمَعَ ذَلِكَ يَقُولُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْخَمْرَ، وَعَاصِرَهَا، وَمُعْتَصِرَهَا، وَبَائِعَهَا، وَمُبْتَاعَهَا، وَشَارِبَهَا، وَآكِلَ ثَمَنِهَا، وَحَامِلَهَا، وَالْمَحْمُولَةَ إِلَيْهِ، وَسَاقِيَهَا، وَمُسْتَقِيَهَا)).

الشَّارِبُ المُعَاقِرُ لَهَا وَاحِدٌ، المُعَاقِرُ لِأُمِّ الخَبَائِثِ وَاحِدٌ، وَمَعَ ذَلِكَ فَكُلُّ هَذِهِ المَنْظُومَةِ المُشَارِكَةِ مَلْعُونَةٌ بِلَعْنَةِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا لِشَيْءٍ إِلَّا لأَنَّهَا مُشَارِكَةٌ فِي الإِثْمِ عَلَى نَحْوٍ مِن الأَنْحَاءِ.

وَقَالَ ﷺ: ((وَلَا تَشْرَبَنَّ الْخَمْرَ؛ فَإِنَّهَا مِفْتَاحُ كُلِّ شَرٍّ))، فِيهِ بَيَانُ حُرْمَةِ الْخَمْرِ، وَبَيَانُ أَضْرَارِ الْخَمْرِ وَالْمَفَاسِدِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي تُؤَدِّي الْخَمْرُ إِلَيْهَا.

وَمِنَ الضَّوَابِطِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ وَالِاقْتِصَادِيَّةِ: الِاخْتِيَارُ الْأَمْثَلُ لِمَجَالِ وَطَرِيقِ الِاسْتِثْمَارِ؛ فَإِنَّ شَرِيعَتَنَا الْإِسْلَامِيَّةَ كَمَا تَحْرِصُ عَلَى الِاسْتِثْمَارِ تَحْرِصُ عَلَى أَنْ يَتِمَّ -بَعْدَ تَمَامِ اعْتِمَادِ الْقَلْبِ عَلَى اللهِ- أَنْ يَتِمَّ بَعْدَ تَخْطِيطٍ وَدِرَاسَةٍ دُونَ تَسَرُّعٍ وَجَهْلٍ، وَالتَّخْطِيطُ وَالدِّرَاسَةُ مَنْهَجٌ إِسْلَامِيٌّ شَامِلٌ فِي كُلِّ الْخُطُوَاتِ وَالتَّصَرُّفَاتِ الَّتِي يَقُومُ بِهَا الْمُسْلِمُ؛ فَلَا بُدَّ مِنَ التَّخْطِيطِ الْوَاعِي، وَالْأَخْذِ بِأَسْبَابِ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ، وَالْبُعْدِ عَنْ الِارْتِجَالِ وَالْعَشْوَائِيَّةِ.

((جُمْلَةٌ مِنْ صِفَاتِ الْمُسْتَثْمِرِ الْوَطَنِيِّ))

عِبَادَ اللهِ! لِلْمُسْتَثْمِرِ الْوَطَنِيِّ صِفَاتٌ يَنْبَغِي التَّحَلِّي بِهَا؛ مِنْهَا:

 إِيثَارُهُ الْمَصْلَحَةَ الْوَطَنِيَّةَ الْعَامَّةَ عَلَى الْمَصْلَحَةِ الشَّخْصِيَّةِ، وَالْإِسْهَامُ فِي بِنَاءِ الْوَطَنِ، مِنْ خِلَالِ التَّحَرُّكِ عَلَى ضَوْءِ أَوْلَوِيَّاتِهِ؛ زِرَاعِيَّةً كَانَتْ أَمْ صِنَاعِيَّةً، وَتَقْدِيمُ مَا يَحْتَاجُهُ الْوَطَنُ مِنْهَا، وَالْعَمَلُ عَلَى الْوَفَاءِ بِالْوَاجِبِ الْكِفَائِيِّ، أَوِ الْإِسْهَامُ فِي الْوَفَاءِ بِهِ فِي مَجَالِ اسْتِثْمَارِهِ، وَهُوَ بِتِلْكَ الرُّوحِ الْوَطَنِيَّةِ يَرْجُو أَجْرَ النَّفْعِ الْعَامِّ عِنْدَ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ-، حَيْثُ يَقُولُ الْحَقُّ -سُبْحَانَهُ-: {وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الحج: 77].

((يَأْمُرُ -تَعَالَى- عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ بِفِعْلِ الْخَيْرِ عُمُومًا، وَعَلَّقَ -تَعَالَى- الْفَلَاحَ عَلَى هَذِهِ الْأُمُورِ فَقَالَ: {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} أَيْ: تَفُوزُونَ بِالْمَطْلُوبِ الْمَرْغُوبِ، وَتَنْجُونَ مِنَ الْمَكْرُوهِ الْمَرْهُوبِ، فَلَا طَرِيقَ لِلْفَلَاحِ سِوَى الْإِخْلَاصِ فِي عِبَادَةِ الْخَالِقِ، وَالسَّعْيِ فِي نَفْعِ عَبِيدِهِ، فَمَنْ وُفِّقَ لِذَلِكَ فَلَهُ الْقِدْحُ الْمُعَلَّى مِنَ السَّعَادَةِ وَالنَّجَاحِ وَالْفَلَاحِ)).

وَمِنْهَا: تَشْجِيعُهُ الْبَحْثَ الْعِلْمِيَّ بِجَمِيعِ مَجَالَاتِهِ؛ خَاصَّةً عُلُومَ الشَّرِيعَةَ وَأَعْلَاهَا وَأَسْمَاهَا عِلْمُ التَّوْحِيدِ، ثُمَّ الْعُلُومَ الطِّبِّيَّةَ، وَغَيْرَهَا، وَبِخَاصَّةٍ مَا يَتَعَلَّقُ بِمَجَالِ اسْتِثْمَارِهِ، وَهُوَ بِذَلِكَ يُؤَدِّي دَوْرَهُ فِي تَنْمِيَةِ الْفَرْدِ وَالْمُجْتَمَعِ، وَبِنَاءِ الشَّخْصِيَّةِ الْمُسْلِمَةِ السَّوِيَّةِ، فَالْإِسْلَامُ دِينُ عَقِيدَةٍ وَعِلْمٍ وَرُقِيٍّ، يَحْتَرِمُ الْعَقْلَ الْبَشَرِيَّ، وَيَحُثُّ عَلَى التَّفَوُّقِ فِي الْعُلُومِ، وَاكْتِسَابِ الْخِبْرَاتِ وَالْمَعَارِفِ الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ، حَيْثُ يَقُولُ الْحَقُّ -سُبْحَانَهُ-: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} [العلق: 1-5].

((نَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي مَبَادِئِ النُّبُوَّةِ؛ إِذْ كَانَ لَا يَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ، فَجَاءَهُ جِبْرِيلُ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- بِالرِّسَالَةِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَقْرَأَ، فَامْتَنَعَ، وَقَالَ: ((مَا أَنَا بِقَارِئٍ))، فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتَّى قَرَأَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} عُمُومَ الْخَلْقِ، ثُمَّ خَصَّ الْإِنْسَانَ وَذَكَرَ ابْتِدَاءَ خَلْقِهِ مِنْ عَلَقٍ، فَالَّذِي خَلَقَ الْإِنْسَانَ وَاعْتَنَى بِتَدْبِيرِهِ لَا بُدَّ أَنْ يُدَبِّرَهُ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَذَلِكَ بِإِرْسَالِ الرُّسُلِ وَإِنْزَالِ الْكُتُبِ، وَلِهَذَا أَتَى بَعْدَ الْأَمْرِ بِالْقِرَاءَةِ بِخَلْقِهِ لِلْإِنْسَانِ.

ثُمَّ قَالَ: {اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ} أَيْ: كَثِيرُ الصِّفَاتِ وَاسِعُهَا، كَثِيرُ الْكَرَمِ وَالْإِحْسَانِ، وَاسِعُ الْجُودِ، الَّذِي مِنْ كَرَمِهِ أَنْ عَلَّمَ أَنْوَاعَ الْعُلُومِ.

وَ {عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ}؛ فَإِنَّهُ -تَعَالَى- أَخْرَجَهُ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ لَا يَعْلَمُ شَيْئًا، وَجَعَلَ لَهُ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ، وَيَسَّرَ لَهُ أَسْبَابَ الْعِلْمِ، فَعَلَّمَهُ الْقُرْآنَ، وَعَلَمَّهُ الْحِكْمَةَ، وَعَلَّمَهُ بِالْقَلَمِ الَّذِي بِهِ تُحْفَظُ الْعُلُومُ، وَتُضْبَطُ الْحُقُوقُ، وَتَكُونُ رُسُلًا لِلنَّاسِ تَنُوبُ مَنَابَ خِطَابِهِمْ، فَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ الَّذِي أَنْعَمَ عَلَى عِبَادِهِ بِهَذِهِ النِّعَمِ الَّتِي لَا يَقْدِرُونَ لَهَا عَلَى جَزَاءٍ وَلَا شُكُورٍ)).

وَيَقُولُ نَبِيُّنَا ﷺ: ((مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا، سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا؛ رِضًا لِطَالِبِ الْعِلْمِ، وَإِنَّ طَالِبَ الْعِلْمِ يَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ حَتَّى الْحِيتَانُ فِي الْمَاءِ، وَإِنَّ فَضْلَ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ، إِنَّ الْعُلَمَاءَ هُمْ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا، إِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ)).

إِنَّ عَلَى الْمُسْتَثْمِرِ الْوَطَنِيِّ دَوْرًا اجْتِمَاعِيًّا تِجَاهَ وَطَنِهِ مِنْ خِلَالِ الْمُسَاهَمَةِ فِي حَلِّ الْمُشْكِلَاتِ الَّتِي تُوَاجِهُ الْمُجْتَمَعَ، وَقَدْ كَانَ نَبِيُّنَا ﷺ يَحُثُّ الْأَغْنِيَاءَ مِنَ الصَّحَابَةِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- عَلَى تَحْقِيقِ ذَلِكَ الدَّوْرِ الِاجْتِمَاعِيِّ، وَقَدْ تَسَابَقَ الصَّحَابَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- فِي هَذَا الْمَيْدَانِ، فَهَذَا عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- كَانَ جَوَادًا مُمَدَّحًا, جَهَّزَ جَيْشَ الْعُسْرَةِ وَحْدَهُ, وَاشْتَرَى بِئْرَ رُومَةَ وَوَهَبَهَا لِلْمُسْلِمِينَ.

قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِعُثْمَانَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: ((مَا ضَرَّ عُثْمَانَ مَا فَعَلَ بَعْدَ الْيَوْمِ))، ثُمَّ قَالَ: ((غَفَرَ اللهُ لَكَ يَا عُثْمَانُ مَا أَسْرَرْتَ وَمَا أَعْلَنْتَ وَمَا أَخْفَيْتَ وَمَا أَبْدَيْتَ)) .

{وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ} [البقرة: 272].

وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ مَالٍ قَلَّ أَوْ كَثُرَ فَلِأَنْفُسِكُمْ فَائِدَتُهُ وَثَمَرَاتُهُ؛ وَلَكِنْ هَذَا إِنَّمَا يَكُونُ لَكُمْ فِي حَالِ كَوْنِ إِنْفَاقِكُمْ طَلَبًا لِمَرْضَاةِ اللهِ، وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ مَالٍ يُوَفَّرُ لَكُمْ جَزَاؤُهُ مُضَاعَفًا وَأَنْتُمْ لَا تُنْقَصُونَ شَيْئًا مِنْ ثَوَابِ أَعْمَالِكُمْ.

وَقَالَ تَعَالَى: {مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ ۗ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 261].

((هَذَا حَثٌّ عَظِيمٌ مِنَ اللَّهِ لِعِبَادِهِ فِي إِنْفَاقِ أَمْوَالِهِمْ فِي سَبِيلِهِ، وَهُوَ طَرِيقُهُ الْمُوصِلُ إِلَيْهِ، فَيَدْخُلُ فِي هَذَا إِنْفَاقُهُ فِي تَرْقِيَةِ الْعُلُومِ النَّافِعَةِ، وَفِي الِاسْتِعْدَادِ لِلْجِهَادِ فِي سَبِيلِهِ، وَفِي تَجَهُّزِ الْمُجَاهِدِينَ وَتَجْهِيزِهِمْ، وَفِي جَمِيعِ الْمَشَارِيعِ الْخَيْرِيَّةِ النَّافِعَةِ لِلْمُسْلِمِينَ، وَيَلِي ذَلِكَ الْإِنْفَاقُ عَلَى الْمُحْتَاجِينَ وَالْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ.

وَقَدْ يَجْتَمِعُ الْأَمْرَانِ، فَيَكُونُ فِي النَّفَقَةِ دَفْعُ الْحَاجَاتِ وَالْإِعَانَةُ عَلَى الْخَيْرِ وَالطَّاعَاتِ، فَهَذِهِ النَّفَقَاتُ مُضَاعَفَةٌ، هَذِهِ الْمُضَاعَفَةُ بِسَبْعِ مِائَةٍ إِلَى أَضْعَافٍ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَلِهَذَا قَالَ: {وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ} وَذَلِكَ بِحَسَبِ مَا يَقُومُ بِقَلْبِ الْمُنْفِقِ مِنَ الْإِيمَانِ وَالْإِخْلَاصِ التَّامِّ، وَفِي ثَمَرَاتِ نَفَقَتِهِ وَنَفْعِهَا، فَإِنَّ بَعْضَ طُرُقِ الْخَيْرَاتِ يَتَرَتَّبُ عَلَى الْإِنْفَاقِ فِيهَا مَنَافِعُ مُتَسَلْسِلَةٌ، وَمَصَالِحُ مُتَنَوِّعَةٌ، فَكَانَ الْجَزَاءُ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ)).

((تَطْبِيقُ الشَّرِيعَةِ سَبِيلُ رَاحَةِ الْقُلُوبِ وَسَعَةِ الْأَرْزَاقِ))

إِنَّ تَطْبِيقَ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ يُؤَدِّي إِلَى رَاحَةِ الْقُلُوبِ، وَصَفَاءِ النُّفُوسِ، وَيُؤَدِّي -أَيْضًا- إِلَى اسْتِقْرَارِ الْأُمُورِ، وَسَعَةِ الرِّزْقِ، وَعُلُوِّ وَظُهُورِ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ فِي الْعَالَمِ كُلِّهِ.

نَسْأَلُ اللهَ أَنْ يُهَيِّءَ لِلْمُسْلِمِينَ أَمْرَ رُشْدٍ يَأْخُذُونَ فِيهِ بِأَحْكَامِ دِينِ اللهِ وَبِسُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ؛ حَتَّى يَرْتَاحَ النَّاسُ وَيَرْتَاحَ الْعَالَمُ.

وَصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ أَجمَعِينَ.

المصدر:أَهَمِّيَّةُ الِاسْتِثْمَارِ فِي حَيَاتِنَا

التعليقات


خطب مفرغة قد تعجبك


  مُتَطَلَّبَاتُ الْوَلَاءِ وَالِانْتِمَاءِ لِلْوَطَنِ
  شعار الفاتيكان .. النجاسة من الإيمان !!
  حرق البشر بين داعش والمجوس
  من أحداث الهجرة
  مَسْئُولِيَّةُ الْمُسْلِمِ الْمُجْتَمَعِيَّةُ وَالْإِنْسَانِيَّةُ وَوَاجِبُنَا تِجَاهَ الْأَقْصَى
  اغْتِنَامُ الْأَوْقَاتِ وَمَخَاطِرُ إِضَاعَتِهَا
  عيد الفطر لعام 1436هـ .. خوارج العصر
  الْخُلُقُ الْكَرِيمُ لِلنَّبِيِّ ﷺ مَعَ النَّاسِ أَجْمَعِينَ
  كفى غشًا للمسلمين
  حُرْمَةُ المَالِ العَامِّ وَخطُورَةُ التَّعَدِّي عَلَيْهِ
  • شارك

نبذة عن الموقع

موقع تفريغات العلامة رسلان ، موقع يحتوي على العشرات من الخطب والمحاضرات والمقاطع المفرغة لفضيلة الشيخ العلامة أبي عبدالله محمد بن سعيد رسلان-حفظه الله- . كما يعلن القائمون على صفحة وموقع تفريغات العلامة رسلان -حفظه الله- أن التفريغات للخطب ليست هي الشكل النهائي عند الطباعة، ولكن نحن نفرغ خطب الشيخ حفظه الله ونجتهد في نشرها ليستفيد منها طلاب العلم والدعاة على منهاج النبوة في كل أنحاء الدنيا، ونؤكد على أنَّ الخطب غير مُخرَّجة بشكل كامل كما يحدث في خطب الشيخ العلامة رسلان المطبوعة وليست الكتب المنشورة على الصفحة والموقع هي النسخة النهائية لكتب الشيخ التي تُطبع...وهذه الكتب ما هي إلا تفريغ لخطب الشيخ، غير أنَّ كتب الشيخ التي تُطبع تُراجع من الشيخ -حفظه الله- وتُخرج. والتفريغ عملٌ بشريٌ، ونحن نجتهد في مراجعة التفريغات مراجعة جيدة، فإذا وقع خطأ أو شكل الخطب كما نخرجها -إنما نُحاسب نحن عليها والخطأ يُنسب لنا وليس للشيخ -حفظه الله-.

الحقوق محفوظة لكل مسلم موقع تفريغات العلامة رسلان