حِمَايَةُ الشَّأْنِ الْعَامِّ وَالْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ

حِمَايَةُ الشَّأْنِ الْعَامِّ وَالْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ

((حِمَايَةُ الشَّأْنِ الْعَامِّ وَالْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ))

إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ.

وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ, وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ.

أَمَّا بَعْدُ:

فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.

أَمَّا بَعْدُ:


بِنَاءُ الدَّوْلَةِ عَلَى الْمَسْجِدِ وَالْعِلْمِ وَالتَّعَاوُنِ

فَلَمَّا اسْتَقَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِالْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ؛ شَرَعَ فِي تَنْظِيمِ أُمُورِ الْمُجْتَمَعِ، وَبِنَاءِ مُؤَسَّسَاتِهِ الْإِدَارِيَّةِ وَالْعِلْمِيَّةِ وَالِاجْتِمَاعِيَّةِ الَّتِي تَضْمَنُ لَهُ الْأَمْنَ وَالِاسْتِقْرَارَ دَاخِلِيًّا وَخَارِجِيًّا.

وَشَرَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مُنْذُ دُخُولِهِ الْمَدِينَةَ فِي تَثْبِيتِ دَعَائِمِ الدَّوْلَةِ الْجَدِيدَةِ عَلَى قَوَاعِدَ مَتِينَةٍ وَأُسُسٍ رَاسِخَةٍ؛ فَكَانَتْ أُولَى خُطُوَاتِهِ الْمُبَارَكَةِ: الِاهْتِمَامَ بِبِنَاءِ دَعَائِمِ الْأُمَّةِ؛ كَبِنَاءِ الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ بِالْمَدِينَةِ، وَالْمُؤَاخَاةِ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ عَلَى الْحُبِّ فِي اللهِ، وَإِصْدَارِ الْوَثِيقَةِ الَّتِي يُنَظِّمُ بِهَا الْعَلَاقَاتِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْيَهُودِ وَمُشْرِكِي الْمَدِينَةِ، وَإِعْدَادِ جَيْشٍ لِحِمَايَةِ الدَّوْلَةِ، وَالسَّعْيِ لِتَحْقِيقِ أَهْدَافِهَا، وَالْعَمَلِ عَلَى حَلِّ مَشَاكِلِ الْمُجْتَمَعِ الْجَدِيدِ، وَتَرْبِيَتِهِ عَلَى الْمَنْهَجِ الرَّبَّانِيِّ فِي شُئُونِ الْحَيَاةِ كَافَّةً.

فَقَدِ اسْتَمَرَّ الْبِنَاءُ التَّرْبَوِيُّ وَالتَّعْلِيمِيُّ، وَاسْتَمَرَّ الْقُرْآنُ الْمَجِيدُ يَتَحَدَّثُ فِي الْمَدِينَةِ عَنْ عَظَمَةِ اللهِ، وَحَقِيقَةِ الْكَوْنِ، وَالتَّرْغِيبِ فِي الْجَنَّةِ وَالتَّرْهِيبِ مِنَ النَّارِ، وَيُشَرِّعُ الْأَحْكَامَ لِتَرْبِيَةِ الْأُمَّةِ، وَدَعْمِ مُقَوِّمَاتِ الدَّوْلَةِ الَّتِي سَتَحْمِلُ نَشْرَ دَعْوَةِ اللهِ -تَعَالَى- بَيْنَ النَّاسِ قَاطِبَةً، وَتُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللهِ -تَعَالَى-.

وَكَانَتْ مَسِيرَةُ الْأُمَّةِ الْعِلْمِيَّةُ وَالتَّرْبَوِيَّةُ تَتَطَوَّرُ مَعَ تَطَوُّرِ مَرَاحِلِ الدَّعْوَةِ وَبِنَاءِ الْمُجْتَمَعِ وَتَأْسِيسِ الدَّوْلَةِ، وَعَالَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْأَزْمَةَ الِاقْتِصَادِيَّةَ بِالْمَدِينَةِ مِنْ خِلَالِ الْمَنْهَجِ الرَّبَّانِيِّ، وَاسْتَمَرَّ الْبِنَاءُ التَّرْبَوِيُّ؛ فَفُرِضَ الصِّيَامُ، وَفُرِضَتِ الزَّكَاةُ، وَأَخَذَ الْمُجْتَمَعُ يَزْدَهِرُ وَالدَّوْلَةُ تَتَقَوَّى عَلَى أُسُسٍ ثَابِتَةٍ وَقَوِيَّةٍ.

عِبَادَ اللهِ! كُلَّمَا زَادَ التَّعَاوُنُ وَالتَّرَابُطُ وَالتَّكَاتُفُ بَيْنَ أَبْنَاءِ الْمُجْتَمَعِ؛ تَتَحَقَّقُ لِلْمُجْتَمَعِ -بِمِنَّةِ اللهِ- قُوَّةُ الْبُنْيَانِ الْوَاحِدِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [المائدة: 2].

وتَعَاوَنُوا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ عَلَى فِعْلِ الْخَيْرَاتِ الَّتِي هِيَ مِنْ مَرْتَبَةِ الْبِرِّ، وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْقِيَامِ بِمُقْتَضَيَاتِ مَرْتَبَةِ التَّقْوَى الَّتِي تَتَحَقَّقُ لَكُمْ بِفِعْلِ الْوَاجِبَاتِ، وَتَرْكِ الْمُحَرَّمَاتِ، وَلَا يُعِنْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا عَلَى تَرْكِ مَا أَمَرَ اللهُ بِفِعْلِهِ، وَفِعْلِ مَا أَمَرَ بِتَرْكِهِ، وَمُجَاوَزَةِ حُدُودِ اللهِ.

وَاتَّقُوا اللهَ، وَاحْذَرُوا أَنْ تَتْرُكُوا مَا أَمَرَكُمْ بِهِ، أَوْ تَرْتَكِبُوا مَا نَهَاكُمُ اللهُ عَنْهُ، إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ لِمَنْ خَالَفَ أَمْرَهُ.

وَقَالَ الْعَلَّامَةُ السَّعْدِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ- فِي ((وُجُوبِ التَّعَاوُنِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ)): ((قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [المائدة: 2].

فَالْبِرُّ: اسْمٌ جَامِعٌ لِكُلِّ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ وَرَسُولُهُ، وَأَحَبَّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ، مِنَ التَّحَقُّقِ بِعَقَائِدِ الدِّينِ وَأَخْلَاقِهِ، وَالْعَمَلِ بِآدَابِهِ وَأَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ؛ مِنَ الشَّرَائِعِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ، وَمِنَ الْقِيَامِ بِحُقُوقِ اللهِ وَحُقُوقِ عِبَادِهِ، وَمِنَ التَّعَاوُنِ عَلَى الجِهَادِ فِي سَبِيلِهِ إِجْمَالًا وَتَفْصِيلًا؛ فَكُلُّ هَذَا دَاخِلٌ فِي التَّعَاوُنِ عَلَى الْبِرِّ.

وَمِنَ التَّعَاوُنِ عَلَى التَّقْوَى: التَّعَاوُنُ عَلَى اجْتِنَابِ وَتَوَقِّي مَا نَهَى اللهُ وَرَسُولُهُ عَنْهُ مِنَ الْفَوَاحِشِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ، وَمِنَ الْإِثْمِ وَالْبَغْيِ بِغَيْرِ الْحَقِّ، وَالْقَوْلِ عَلَى اللهِ بِلَا عِلْمٍ؛ بَلْ عَلَى تَرْكِ الْكُفْرِ وَالْفُسُوقِ وَالْعِصْيَانِ)).

وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ الْمُؤْمِنَ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ، يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا».

وَيَقُولُ ﷺ: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ كَمَثَلِ الْجَسَدِ الْوَاحِدِ».

فَيَا أَيُّهَا الْأَحِبَّةُ فِي اللهِ! اتَّقُوا اللهَ تَعَالَى، وَاحْمَدُوا رَبَّكُمْ عَلَى مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ الدُّنْيَا وَالدِّينِ، وَقُومُوا بِمَا أَوْجَبَ اللهُ عَلَيْكُمْ مِنَ التَّحَابِّ وَالتَّعَاوُنِ وَالِاجْتِمَاعِ عَلَى الْمَصَالِحِ؛ لِتَكُونُوا مِنَ الْفَائِزِينَ.

اجْتَمِعُوا وَلَا تَفَرَّقُوا، وَتَعَاوَنُوا وَلَا تَخَاذَلُوا، وَتَآلَفُوا وَلَا تَنَافَرُوا، وَكُونُوا فِي جَمِيعِ أَعْمَالِكُمْ مُخْلِصِينَ.

إِنَّ بِالِاجْتِمَاعِ تَتَّفِقُ الْكَلِمَةُ، وَتَجْتَمِعُ الْآرَاءُ، وَتَتِمُّ الْمَصَالِحُ، إِنَّ الْمَصَالِحَ الْعَامَّةَ لَا يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ هَدَفًا لِلْأَغْرَاضِ الشَّخْصِيَّةِ، وَالْعُلُوِّ الْفَرْدِيِّ، إِنَّ الْمَصَالِحَ الْعَامَّةَ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ فَوْقَ جَمِيعِ الْمُسْتَوَيَاتِ الَّتِي دُونَهَا، يَجِبُ أَنْ تَكُونَ مَبْسُوطَةً بِذَاتِهَا وَلِذَاتِهَا، يَجِبُ أَنْ تُدْرَسَ مِنْ جَمِيعِ النَّوَاحِي، وَأَنْ تُسْتَخْلَصَ فِيهَا جَمِيعُ الْآرَاءِ، ثُمَّ يُنْظَرُ فِيمَا يُمْكِنُ مِنَ الطُّرُقِ الْمُوصِلَةِ إِلَيْهَا، فَيُتَّفَقُ عَلَيْهَا وَيُمْشَى عَلَيْهَا.

وَالْإِنْسَانُ مَتَى خَلُصَتْ نِيَّتُهُ، وَصَلُحَ عَمَلُهُ بِالِاجْتِهَادِ وَالنَّظَرِ فِي الْمَصَالِحِ، وَسُلُوكِ أَقْرَبِ الطُّرُقِ الْمُوصِلَةِ إِلَيْهَا، مَتَى اتَّصَفَ بِهَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ: الْإِخْلَاصُ وَالِاجْتِهَادُ فِي الْإِصْلَاحِ؛ صَلُحَتِ الْأَشْيَاءُ، وَقَامَتِ الْأُمُورُ، وَمَتَى نَقَصَ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ إِمَّا الْإِخْلَاصُ وَإِمَّا الِاجْتِهَادُ؛ فَإِنَّهُ يُفَوِّتُ مِنَ الْمَصْلَحَةِ بِقَدْرِ ذَلِكَ.

إِنَّ بَعْضَ النَّاسِ إِذَا نَظَرَ إِلَى الْأُمُورِ؛ نَظَرَ إِلَيْهَا نَظْرَةَ اسْتِغْلَالٍ لِمَصْلَحَتِهِ الْخَاصَّةِ، أَوْ نَظَرَ إِلَيْهَا نَظْرَةً قَاصِرَةً مِنْ جَانِبٍ وَاحِدٍ، وَبِذَلِكَ تَخْتَلُّ الْأُمُورُ، وَتَفُوتُ الْمَصَالِحُ.

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ! إِنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْنَا كَأَبْنَاءِ أُمَّةٍ وَاحِدَةٍ أَنْ نَسْعَى لِهَدَفٍ وَاحِدٍ، هُوَ إِصْلَاحُ هَذِهِ الْأُمَّةِ إِصْلَاحًا دِينِيًّا وَدُنْيَوِيًّا بِقَدْرِ مَا يُمْكِنُ، وَلَنْ يُمْكِنَ ذَلِكَ حَتَّى تَتَّفِقَ كَلِمَتُنَا، وَنَتْرُكَ الْمُنَازَعَاتِ بَيْنَنَا، وَالْمُعَارَضَاتِ الَّتِي لَا تُحَقِّقُ هَدَفًا؛ بَلْ رُبَّمَا تُفَوِّتُ مَقْصُودًا، وَتُعْدِمُ مَوْجُودًا.

إِنَّ الْكَلِمَةَ إِذَا تَفَرَّقَتْ؛ دَخَلَتِ الْأُمُورَ الْأَهْوَاءُ وَالضَّغَائِنُ، وَصَارَ كُلُّ وَاحِدٍ يَسْعَى لِتَنْفِيذِ كَلِمَتِهِ؛ وَإِنْ تَبَيَّنَ أَنَّ الْحَقَّ وَالْعَدْلَ فِي خِلَافِهَا، وَلَكِنْ إِذَا اجْتَمَعْنَا مِنْ أَوَّلِ الْأَمْرِ، وَدَرَسْنَا الْمَوْضُوعَ مِنْ جَمِيعِ جِهَاتِهِ، وَاتَّفَقْنَا عَلَى مَا نَرَاهُ مُمْكِنًا نَافِعًا مِنْ غَيْرِ أَنْ نَنْظُرَ إِلَى مَصَالِحِنَا الْخَاصَّةِ؛ حَصَلَ لَنَا بِذَلِكَ خَيْرٌ كَثِيرٌ.

وَثِقُوا -أَيُّهَا الْإِخْوَةُ- أَنَّكُمْ مَتَى أَخْلَصْتُمُ النِّيَّةَ، وَسَلَكْتُمُ الْحِكْمَةَ فِي الْحُصُولِ عَلَى الْمَطْلُوبِ؛ فَإِنَّ اللهَ سَيُيَسِّرُ لَكُمُ الْأُمُورَ، وَيُصْلِحُ لَكُمُ الْأَعْمَالَ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (71)} [الأحزاب: 70-71].

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ! لَقَدْ مَثَّلَ النَّبِيُّ ﷺ الْمُؤْمِنَ لِلْمُؤْمِنِ بِالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا، وَهَذَا هُوَ الْمِثَالُ الصَّحِيحُ لِكُلِّ شَعْبٍ مُؤْمِنٍ، أَنْ يَتَعَاوَنَ أفْرَادُهُ فِي إِقَامَةِ بِنَائِهِ؛ بِحَيْثُ يَكُونُ الْغَرَضُ تَشْيِيدَ هَذَا الْبِنَاءِ، وَتَمَاسُكَهُ وَتَرَاصَّهُ، بِحَيْثُ يُكَمِّلُ بَعْضُهُ بَعْضًا، وَيُقَوِّمُ بَعْضُهُ بَعْضًا، فَلَا إِيمَانَ كَامِلٌ مَعَ التَّفَرُّقِ، وَلَا بِنَاءَ مُحْكَمٌ مَعَ التَّفَكُّكِ.

أَرَأَيْتُمْ لَوْ أُخِذَ مِنَ الْبِنَاءِ لَبِنَةٌ؛ أَلَا يَنْقُصُ هَذَا الْبِنَاءُ؟! فَكَيْفَ إِذَا كَانَتِ اللَّبِنَاتُ مُتَنَاثِرَةً مُتَنَافِرَةً؛ بَلْ كُلُّ وَاحِدَةٍ تَهْدِمُ الْأُخْرَى وَتُزَلْزِلُهَا؟!!

فَيَا أَيُّهَا النَّاسُ! اجْتَمِعُوا عَلَى الْحَقِّ، وَتَعَاوَنُوا عَلَيْهِ، وَلَا تَبْعُدُوا شَطَطًا، وَلَا تَقُولُوا بَاطِلًا، وَتَنَاصَحُوا فِيمَا بَيْنَكُمْ، وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ.


مَبْنَى الشَّرِيعَةِ عَلَى مَصَالِحِ الْأَفْرَادِ وَالْمُجْتَمَعَاتِ

إِنَّ الشَّرِيعَةَ مَبْنَاهَا وَأَسَاسُهَا عَلَى الْحِكَمِ وَمَصَالِحِ الْعِبَادِ فِي الْمَعَاشِ وَالْمَعَادِ.

وَالشَّرِيعَةُ عَدْلٌ كُلُّهَا، وَرَحْمَةٌ كُلُّهَا، وَمَصَالِحُ كُلُّهَا، وَحِكْمَةٌ كُلُّهَا، فَكُلُّ مَسْأَلَةٍ خَرَجَتْ عَنِ الْعَدْلِ إِلَى الْجَوْرِ، وَعَنِ الرَّحْمَةِ إِلَى ضِدِّهَا، وَعَنِ الْمَصْلَحَةِ إِلَى الْمَفْسَدَةِ، وَعَنِ الْحِكْمَةِ إِلَى الْعَبَثِ؛ فَلَيْسَتْ مِنَ الشَّرِيعَةِ، وَإِنْ أُدْخِلَتْ فِيهَا بِالتَّأْوِيلِ.

فَالشَّرِيعَةُ عَدْلُ اللهِ بَيْنَ عِبَادِهِ، وَرَحْمَتُهُ بَيْنَ خَلْقِهِ، وَحِكْمَتُهُ الدَّالَّةُ عَلَيْهِ، وَعَلَى صِدْقِ رَسُولِهِ ﷺ أَتَمَّ دَلَالَةٍ وَأَصْدَقَهَا.

وَهِيَ نُورُهُ الَّذِي بِهِ أَبْصَرَ الْمُبْصِرُونَ، وَهُدَاهُ الَّذِي بِهِ اهْتَدَى الْمُهْتَدُونَ، وَشِفَاؤُهُ التَّامُّ الَّذِي بِهِ دَوَاءُ كُلِّ عَلِيلٍ، وَطَرِيقُهُ الْمُسْتَقِيمُ الَّذِي مَنِ اسْتَقَامَ عَلَيْهِ؛ فَقَدِ اسْتَقَامَ عَلَى سَوَاءِ السَّبِيلِ.

وَكُلُّ خَيْرٍ فِي الْوُجُودِ فَإِنَّمَا هُوَ مُسْتَفَادٌ مِنَ الشَّرِيعَةِ وَحَاصِلٌ بِهَا، وَكُلُّ نَقْصٍ فِي الْوُجُودِ فَسَبَبُهُ مِنْ إِضَاعَتِهَا وَتَضْيِيعِهَا.


الْحِرْصُ عَلَى الشَّأْنِ الْعَامِّ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ

عِبَادَ اللهِ! مِنَ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ بَيْنَ جُمْهُورِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ: أَنَّ اللهَ -سُبْحَانَهُ- مَا شَرَعَ حُكْمًا إِلَّا لِمَصْلَحَةِ عِبَادِهِ، وَأَنَّ هَذِهِ الْمَصْلَحَةَ إِمَّا جَلْبُ نَفْعٍ لَهُمْ، وَإِمَّا دَفْعُ ضَرَرٍ عَنْهُمْ.

فَالْبَاعِثُ عَلَى تَشْرِيعِ أَيِّ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ هُوَ: جَلْبُ مَنْفَعَةٍ لِلنَّاسِ، أَوْ دَفْعُ ضَرَرٍ عَنْهُمْ.

وَهَذَا الْبَاعِثُ عَلَى تَشْرِيعِ الْحُكْمِ هُوَ الْغَايَةُ مِنْ تَشْرِيعِهِ، وَهُوَ حِكْمَةُ الْحُكْمِ.

لَقَدْ أَكَّدَ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ وَبَيَّنَتِ السُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ أَنَّ الْحِفَاظَ عَلَى الْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ وَالْحِرْصَ عَلَى الشَّأْنِ الْعَامِّ هُوَ مَنْهَجُ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ (سلم3)؛ فَـ((الْأَنْبِيَاءُ جَمِيعُهُمْ بُعِثُوا بِالْإِصْلَاحِ وَالصَّلَاحِ، وَنَهَوْا عَنِ الشُّرُورِ وَالْفَسَادِ؛ فَكُلُّ صَلَاحٍ وَإِصْلَاحٍ دِينِيٍّ وَدُنْيَوِيٍّ فَهُوَ مِنْ دِينِ الْأَنْبِيَاءِ؛ وَخُصُوصًا إِمَامَهُمْ وَخَاتَمَهُمْ مُحَمَّدًا ﷺ؛ فَإِنَّهُ أَبْدَى وَأَعَادَ فِي هَذَا الْأَصْلِ، وَوَضَعَ لِلْخَلْقِ الْأُصُولَ النَّافِعَةَ الَّتِي يَجْرُونَ عَلَيْهَا فِي الْأُمُورِ الْعَادِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ، كَمَا وَضَعَ لَهُمُ الْأُصُولَ فِي الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ)).

قَالَ -تَعَالَى- حِكَايَةً عَنْ نُوحٍ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-: {يَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا ۖ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [هود: 51].

يَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَى تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ أَجْرًا آخُذُهُ مِنْكُمْ حَتَّى تَتَّهِمُونِي بِالسَّعْيِ إِلَى مَصَالِحَ شَخْصِيَّةٍ دُنْيَوِيَّةٍ، مَا أَجْرِي إِلَّا عَلَى اللهِ -جَلَّ وَعَلَا- فِيمَا أَقُومُ بِهِ مِنْ تَبْلِيغِكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي، فَأَجْرِي فِي ذَلِكَ عَلَى الَّذِي أَوْجَدَنِي مِنَ الْعَدَمِ وَخَلَقَنِي؛ فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي يَرْزُقُنِي فِي الدُّنْيَا، وَيُثِيبُنِي فِي الْآخِرَةِ.

وَهَذَا إِبْرَاهِيمُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- يَدْعُو لِهَذَا الْبَيْتِ أَنْ يَجْعَلَهُ اللهُ بَلَدًا آمِنًا, وَيَرْزُقَ أَهْلَهُ مِنْ أَنْوَاعِ الثَّمَرَاتِ، قَالَ تَعَالَى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} [البقرة: 126].

قَالَ إِبْرَاهِيمُ وَهُوَ يَدْعُو رَبَّهُ: رَبِّ اجْعَلْ مَكَّةَ بَلَدًا آمِنًا، لَا يُتَعَرَّضُ فِيهِ لِأَحَدٍ بِسُوءٍ، وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنْ أَنْوَاعِ الثَّمَرَاتِ، وَاجْعَلْهُ رِزْقًا خَالِصًا خَاصًّا بِالْمُؤْمِنِينَ.

وَهَذَا نَبِيُّ اللهِ شُعَيْبٌ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- يَقُولُ لِقَوْمِهِ: لَيْسَ لِي مِنَ الْمَقَاصِدِ إِلَّا أَنْ تَصْلُحَ أَحْوَالُكُمْ، وَتَسْتَقِيمَ مَنَافِعُكُمْ، وَلَيْسَ لِي مِنَ الْمَقَاصِدِ الْخَاصَّةِ لِي وَحْدِي، قَالَ -تَعَالَى- حِكَايَةً عَنْهُ ﷺ: {إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} [هود: 88].

مَا أُرِيدُ فِيمَا آمُرُكُمْ بِهِ وَأَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ إِلَى ذَلِكَ سَبِيلًا عَنْ طَرِيقِ الْإِقْنَاعِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ، وَلَا أَسْتَطِيعُ إِجْبَارَكُمْ عَلَى الطَّاعَةِ، وَمَا تَسْدِيدِي فِي خُطُوَاتِ سَعْيِي لِتَبْلِيغِ رِسَالَةِ رَبِّي وَإِصَابَةِ الرُّشْدَ فِي قَوْلِي وَعَمَلِي إِلَّا بِمَعُونَةِ اللهِ وَعَطَائِهِ وَتَسْدِيدِهِ.

عَلَى اللهِ وَحْدَهُ اعْتَمَدْتُ، وَإِلَيْهِ أَرْجِعُ بِقَلْبِي وَنَفْسِي وَفِكْرِي فِي كُلِّ أُمُورِي، لَا إِلَى غَيْرِهِ.

وَهَذَا رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُ لِقَوْمِهِ: لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَى تَبْلِيغِي إِيَّاكُمْ هَذَا الْقُرْآنَ وَدَعْوَتِكُمْ إِلَى أَحْكَامِهِ أَجْرًا، فَلَسْتُ أُرِيدُ أَخْذَ أَمْوَالِكُمْ وَلَا التَّوَلِّي عَلَيْكُمْ وَالتَّرَأُّسَ، وَلَا غَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الْأَغْرَاضِ إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى.

فَالنَّبِيُّ ﷺ لَا يَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا بِالْكُلِّيَّةِ؛ إِلَّا أَنْ يَكُونَ شَيْئًا يَعُودُ نَفْعُهُ إِلَيْهِمْ، فَهَذَا لَيْسَ مِنَ الْأَجْرِ فِي شَيْءٍ، بَلْ هُوَ مِنَ الْأَجْرِ مِنْهُ لَهُمْ ﷺ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: {قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} [الشورى: 23].

قُلْ يَا رَسُولَ اللهِ لِلْمُشْرِكِينَ: لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَى تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ وَنُصْحِي وَحِرْصِي عَلَى نَجَاتِكُمْ وَسَعَادَتِكُمْ جَزَاءً وَلَا أَجْرًا، وَلَكِنْ أَسْأَلُكُمْ أَنْ تُعَامِلُونِي مُعَامَلَةَ الْمَوَدَّةِ الَّتِي تَكُونُ بَيْنَ الْأَقْرِبَاءِ، وَلَوْ كَانَتْ قَرَابَاتُهُمْ بَعِيدَةً؛ فَرَاعُوا هَذِهِ الْمَوَدَّةَ، فَلَا تُعَانِدُونِي، وَلَا تُدَبِّرُوا الْمَكَايِدَ ضِدِّي وَضِدَّ الَّذِينَ آمَنُوا بِي وَاتَّبَعُونِي.

وَاللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- حَثَّ عَلَى الْحِرْصِ عَلَى الشَّأْنِ الْعَامِّ، وَذَلِكَ بِإِعْمَارِ الْأَرْضِ؛ فَهُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَاسْتَخْلَفَكُمْ فِيهَا، وَأَنْعَمَ عَلَيْكُمْ بِالنِّعَمِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ، وَمَكَّنَكُمْ فِي الْأَرْضِ؛ تَبْنُونُ، وَتَغْرِسُونَ، وَتَزْرَعُونَ، وَتَحْرُثُونَ مَا شِئْتُمْ، وَتَنْتَفِعُونَ بِمَنَافِعِهَا، وَتَسْتَغِلُّونَ مَصَالِحَهَا، قَالَ تَعَالَى: {هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} [هود: 61]؛ أَيْ: جَعَلَكُمْ فِيهَا لِتَعْمُرُوهَا، وَمَكَّنَكُمْ بِمَا آتَاكُمْ مِنْ عِمَارَتِهَا.

وَقَالَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: {وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا} [الأَعْرَاف: 56].

وَأَمَّا النُّصُوصُ النَّبَوِيَّةُ الدَّالَّةُ عَلَى ضَرُورَةِ الْحِرْصِ عَلَى الشَّأْنِ الْعَامِّ؛ فَكَثِيرَةٌ ضَافِيَةٌ؛ وَمِنْهَا: قَوْلُ رَسُولِ اللهِ ﷺ: «مَنْ كَانَ عِنْدَهُ فَضْلُ زَادٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا زَادَ لَهُ، مَنْ كَانَ عِنْدَهُ فَضْلُ ظَهْرٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا ظَهْرَ لَهُ، مَنْ كَانَ عِنْدَهُ فَضْلُ ثَوْبٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا ثَوْبَ لَهُ»، فَمَا زَالَ يُعَدِّدُ مِنْ أَصْنَافِ الفَضْلِ؛ حَتَّى ظَنَّ الصَّحَابَةُ أَنَّهُ لَا حَقَّ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ فِي الْفَضْلِ، يَعْنِي: فِي الزِّيَادَةِ عَمَّا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ مِنْ ثِيَابٍ أَوْ طَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ أَوْ مَرْكُوبٍ أَوْ مَا أَشْبَهَ.

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- -كَمَا فِي «صَحِيحِ مُسْلِمٍ»- وَغَيْرِهِ: «مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا؛ نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ فِي الدُّنْيَا؛ يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ عَلَى مُسْلِمٍ فِي الدُّنْيَا؛ سَتَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ».

وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ لِلَّهِ عِنْدَ أَقْوَامٍ نِعَمًا أَقَرَّهَا عِنْدَهُم -يَعْنِي: جَعَلَهَا ثَابِتَةً عِنْدَهُمْ-؛ مَا كَانُوا فِي حَوَائِجِ الْمُسْلِمِينَ مَا لَمْ يَمَلُّوهُمْ، فَإِذَا مَلُّوهُمْ نَقَلَهَا اللهُ إِلَى غَيْرِهِمْ». وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ، أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي «الْمُعْجَمِ الْأَوْسَطِ».

وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ لِلَّهِ أَقْوَامًا اخْتَصَّهُمْ بِالنِّعَمِ لِمَنَافِعِ الْعِبَادِ، يُقِرُّهُمْ فِيهَا مَا بَذَلُوهَا، فَإِذَا مَنَعُوهَا نَزَعَهَا مِنْهُمْ فَحَوَّلَهَا إِلَى غَيْرِهِمْ». وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ لِغَيْرِهِ.

وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ يُبيِّنُ لَنَا نَبِيُّنَا ﷺ أَنَّ أَقْوَامًا اخْتَصَّهُمُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- بِالنِّعَمِ؛ لِيَكُونُوا سَاعِينَ فِي مَنَافِعِ عِبَادِهِ فِي أَرْضِهِ، وَيُقِرُّ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ فِي تِلْكَ النِّعَمِ مَا بَذَلُوهَا لِعِبَادِهِ فِي أَرْضِهِ، فَإِذَا مَنَعُوا النِّعَمَ أَنْ تُبْذَلَ لِأَصْحَابِ الْحَاجَاتِ، وَفِي قَضَاءِ حَوَائِجِ الْمُسْلِمِينَ؛ نَزَعَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- النِّعَمَ عَنْ أُولَئِكَ الْقَوْمِ الَّذِينَ اخْتَصَّهُمْ بِالنِّعَمِ لِمَنَافِعِ الْعِبَادِ، فَحَوَّلَهَا إِلَى غَيْرِهِمْ.

وَالرَّسُولُ ﷺ لَمَّا كَانَ قَافِلًا عَائِدًا مِنْ حُنَيْنٍ بَعْدَ أَنْ نَفَّلَهُ اللهُ الْغَنَائِمَ الْكَثِيرَةَ، وَسَاقَ إِلَيْهِ النِّعَمَ الْوَفِيرَةَ، وَآتَاهُ اللهُ أَمْوَالَ الْقَوْمِ وَأَعْطَاهُ إِيَّاهَا.. لَمَّا أَنْ عَادَ؛ أَقْبَلَتْ عَلَيْهِ الْأَعْرَابُ مِنْ كُلِّ صَوْبٍ يَسْأَلُونَهُ، وَهُوَ يَعُودُ الْقَهْقَرَى؛ حَتَّى خَطِفَتْ سَمُرَةٌ هُنَالِكَ رِدَاءَ رَسُولِ اللهِ ﷺ -وَالسَّمُرَةُ: شَجَرَةٌ ذَاتُ شَوْكٍ-، أَخَذَ النَّبِيُّ ﷺ -وَهُمْ يَزْحَفُونَ عَلَيْهِ- يَتَقَهْقَرُ؛ حَتَّى كَانَ عِنْدَ تِلْكَ الشَّجَرَةِ بِشَوْكِهَا، فَخَطِفَ فَرْعٌ مِنْ فُرُوعِ تِلْكَ الشَّجَرَةِ رِدَاءَ رَسُولِ اللهِ ﷺ.

فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «وَاللهِ! لَوْ كَانَ لِي عَدَدُ هَذِهِ الْعِضَاهِ -وَهُوَ شَجَرٌ ذُو شَوْكٍ يَكُونُ فِي الْبَوَادِي- أَنْعَامًا وَنَعَمًا لَفَرَّقْتُهَا فِيكُمْ، وَلَمْ أُبْقِ شَيْئًا، وَمَا وَجَدْتُمُونِي جَبَانًا، وَلَا كَذَّابًا، وَلَا بَخِيلًا» ﷺ.

يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ: «لَوْ أَنَّ اللهَ أَعْطَانِي بِعَدَدِ هَذَا الشَّجَرِ -لَا يَتَنَاهَى- نَعَمًا -مِنَ الْإِبِلِ خَاصَّةً، أَوْ مِنَ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ عَلَى قَوْلٍ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ-؛ لَوْ أَنَّ اللهَ آتَانِي عَدَدَ هَذَا الشَّجَرِ نَعَمًا لَفَرَّقْتُهُ فِيكُمْ، وَلَمْ أُبْقِ شَيْئًا، ثُمَّ لَا تَجِدُونِي بَعْدُ جَبَانًا وَلَا كَذُوبًا وَلَا بَخِيلًا» ﷺ.

وَالرَّسُولُ ﷺ أَخْبَرَ أَنَّ أَدْوَى الدَّاءِ، وَأَنَّ أَعْظَمَ الْأَمْرَاضِ: هُوَ الْبُخْلُ.

فَقَالَ ﷺ عِنْدَمَا سَأَلَ الْقَوْمَ عَنْ سَيِّدِهِمْ.

قَالُوا: فُلَانٌ، عَلَى أَنَّا نُبَخِّلُهُ! يَعْنِي: نَرْمِيهِ بِصِفَةِ الْبُخْلِ.

فَقَالَ الرَّسُولُ ﷺ: «وَأَيُّ دَاءٍ أَدْوَى مِنَ الْبُخْلِ؟!!».

يَعْنِي: مِثْلُ هَذَا الْبَخِيلِ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ سَيِّدًا فِي قَوْمِهِ.

وَقَدْ كَانَ الرَّسُولُ ﷺ يُخْبِرُ النَّاسَ مِنْ أَصْحَابٍ وَمَنْ يَلِي، يُخْبِرُهُمْ أَنَّهُ مَا مِنْ يَوْمٍ جَدِيدٍ إِلَّا وَاللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- يَجْعَلُ مَلَكَيْنِ هُنَالِكَ قَائِمَيْنِ، يَقُولُ أَحَدُهُمَا: «اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَيَقُولُ الْآخَرُ: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا».

 ((أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى اللهِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ)).


الْمَصْلَحَةُ الْعُلْيَا لِلْأُمَّةِ أَوَّلًا..

عِبَادَ اللهِ! إِنَّ مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ وَ-رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- -وَكَذَلِكَ مَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ مِنْ أَهْلِ الْهُدَى وَالتُّقَى وَالْعَفَافِ وَالْغِنَى فِي الْعِلْمِ- مِمَّا كَانُوا عَلَيْهِ: أَنَّهُمْ يُرَاعُونَ الْمَصَالِحَ الْعُلْيَا لِلْأُمَّةِ؛ يُقَدِّمُونَ مَصْلَحَةَ الْأُمَّةِ عَلَى الْمَصْلَحَةِ الْفَرْدِيَّةِ، لَا يَعْتَبِرُونَهَا وَلَا يُبَالُونَ بِهَا.

وَيَنْظُرُونَ إِلَى الْمَصَالِحِ الْعُلْيَا لِلْأُمَّةِ، وَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ مَا نَالَ مِنَ الْأُمَّةِ عَدُوٌّ مِثْلَمَا نَالَتِ الْأُمَّةُ مِنْ نَفْسِهَا؛ بِاخْتِلَافِهَا وَتَدَابُرِ قُلُوبِ أَبْنَائِهَا.

وَكَيْفَ لَا يَكُونُ ذَلِكَ كَذَلِكَ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ قَدْ بَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ هَذَا هُوَ حَظُّ الشَّيْطَانِ مِنْهُمْ: ((إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ)).

قَدْ مَنَعَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ نَبِيَّهُ ﷺ هَذِهِ، لَمَّا سَأَلَ اللهَ -جَلَّ وَعَلَا- ألَّا يَجْعَلَ بَأْسَ الْأُمَّةِ بَيْنَهَا، قَالَ ﷺ: «سَأَلْتُ رَبِّي ثَلَاثًا، فَأَعْطَانِي ثِنْتَيْنِ وَمَنَعَنِي وَاحِدَةً، سَأَلْتُ رَبِّي أَلَّا يُهْلِكَ أُمَّتِي بِالسَّنَةِ فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ أَلَّا يُهْلِكَ أُمَّتِي بِالْغَرَقِ فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ أَلَّا يَجْعَلَ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ فَمَنَعَنِيهَا».

وَحَذَّرَ مِنْ ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ؛ فَقَالَ: ((أَلَا لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا؛ يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ)).

إِمَّا أَنْ يَكُونُوا كُفَّارًا بِالْمَعْنَى الَّذِي لَا يُخْرِجُهُمْ مِنْ دِينِ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا-، وَإِنَّمَا يُشْبِهُونَ الْكُفَّارَ فِي إِقْبَالِهِمْ عَلَى سَفْكِ دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ، وَاسْتِبَاحَةِ أَجْسَادِهِمْ وَأَرْوَاحِهِمْ، وَإِمَّا أَنْ يَشْتَطَّ مِنْهُمْ أَقْوَامٌ يُكَفِّرُونَ الْمُسْلِمِينَ تَكْفِيرًا، ثُمَّ يَرْفَعُونَ السُّيُوفَ عَلَى الرِّقَابِ.

النَّبِيُّ ﷺ فِي كُلِّ صَلَاةٍ يُصَلِّى فِيهَا بِالْمُسْلِمِينَ يَتَوَجَّهُ إِلَيْهِمْ مُحَذِّرًا وَمُنْذِرًا، وَهَادِيًا وَمُعَلِّمًا، يَأْمُرُهُمْ بِالِاسْتِوَاءِ فِي الصُّفُوفِ: ((أَلَا تَصُفُّونَ كَمَا تَصُفُّ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهِمْ؟!)).

يَأْمُرُهُمْ بِالِاسْتِوَاءِ؛ حَتَّى يَكُونَ الصَّفُّ كَالْقِدْحِ اسْتِوَاءً وَاعْتِدَالًا، أَبْدَانٌ مُتَرَاصَّةٌ، وَقُلُوبٌ مُتَحَابَّةٌ، مُتَلَاحِمَةٌ مُتَدَاخِلَةٌ مُتَمَازِجَةٌ، كَالْجَسَدِ الْوَاحِدِ؛ يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ، وَيَهْبِطُ وَيَصْعَدُ وَرَاءَ إِمَامِهِ بِغَيْرِ خِلَافٍ وَلَا اخْتِلَافٍ: ((لَا تَخْتَلِفُوا فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُم)).

فَيُحَذِّرُ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ اخْتِلَافِ الْأَبْدَانِ فِي الصُّفُوفِ فِي الصَّلَاةِ، وَيُنَبِّهُ إِلَى أَمْرٍ جَلِيلٍ خَطِيرٍ فِي أَثَرِهِ عَلَى الْأُمَّةِ؛ أَنَّ هَذَا الِاخْتِلَالَ فِي الِاسْتِوَاءِ فِي الصُّفُوفِ -وَهُوَ أَمْرٌ مَادِّيٌّ مَحْضٌ- يُؤَدِّي عَلَى اخْتِلَافٍ بَاطِنِيٍّ يُؤَثِّرُ فِي الْقُلُوبِ، ((لَا تَخْتَلِفُوا فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ)).

الصَّحَابَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- وَمَنْ بَعْدَهُمْ كَانُوا يُرَاعُونَ الْمَصْلَحَةَ الْعُلْيَا لِلْأُمَّةِ، فَلَمْ يَكُنْ أَحَدُهُمْ دَاعِيَةَ خِلَافٍ وَلَا اخْتِلَافٍ.

وَكَانُوا يَعْلَمُونَ أَنَّ الْمَنْطِقَةَ الَّتِي كَانُوا يَتَحَرَّكُونَ فِيهَا يَنْبَغِي أَنْ تَسَعَهُمْ، فَإِذَا جَاءَتِ الْمَصْلَحَةُ الْعُلْيَا لِلْأُمَّةِ؛ تَرَكُوا خِلَافَاتِهِمْ.

الَّذِي شَجَرَ بَيْنَ الْأَصْحَابِ، وَنَشِبَ بَيْنَهُمْ، وَأَدَّى إِلَى بَعْضِ الِاقْتِتَالِ بَيْنَ جُنْدِ عَلِيٍّ وَجُنْدِ مُعَاوِيَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- كَانَ مِنْ وِجْهَةِ نَظَرَيْهِمَا: بِاجْتِهَادَيْهِمَا؛ وَمِنْهُمْ مُجْتَهِدٌ مُخْطِئٌ لَهُ أَجْرٌ، وَمُجْتَهِدٌ مُصِيبٌ لَهُ أَجْرَانِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا وَعَنِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ-.

كَانَا يَعْلَمَانِ أَنَّ مَا اخْتَلَفَا فِيهِ بِسَبَبِ الِاجْتِهَادِ؛ إِنَّمَا كَانَ فِي الْمَنْطِقَةِ الْمَسْمُوحِ بِهَا.

لَمَّا أَرْسَلَ مَلِكُ الرُّومِ إِلَى مُعَاوِيَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- خِطَابًا يَعْرِضُ فِيهِ عَلَيْهِ أَنْ يَمُدَّهُ بِمَدَدٍ يُقَوِّيهِ بِهِ عَلَى عَلِيٍّ وَجُنْدِهِ؛ أَرْسَلَ إِلَيْهِ مُعَاوِيَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: ((أَلَا يَا ابْنَ الْكَافِرَةِ! أَمَا وَاللَّهِ إِنْ لَمْ تَكُفَّ؛ فَإِنِّي سَأَصِيرُ إِلَى ابْنِ عَمِّي حَتَّى أَكُونَ مَعَهُ بِجُنْدِي، ثُمَّ نَسِيرُ إِلَيْكَ؛ حَتَّى نُرِيَكَ أَمْرَ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا-)). بِمَعْنَى مَا قَالَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-.

كَانُوا يُرَاعُونَ الْمَصْلَحَةَ الْعُلْيَا لِلْأُمَّةِ..

يَحْرِصُونَ عَلَى الْأَرْضِ الْإِسْلَامِيَّةِ وَالْوَطَنِ الْإِسْلَامِيِّ!

يُقَاتِلُونَ دُونَهُ!

وَيُجَاهِدُونَ مَنْ أَرَادَ اغْتِصَابَهُ وَالِاعْتِدَاءَ عَلَيْهِ!

وَلَا يُحْدِثُونَ الْفَوْضَى وَلَا الشَّغْبَ فِيهِ!

وَلَا يَكُونُونَ إِلَى ذَلِكَ سَبَبًا وَلَوْ بِكَلِمَةٍ!

فَعُثْمَانُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- -وَهُوَ الرَّاشِدُ الثَّالِثُ مِنَ الرَّاشِدِينَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ-؛ عُثْمَانُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- ظَلَّ صَدْرًا مِنْ خِلَافَتِهِ يَقْصِرُ الرُّبَاعِيَّةَ فِي الصَّلَاةِ، ثُمَّ فِي آخِرِ خِلَافَتِهِ كَانَ يُتِمُّ الرُّبَاعِيَّةَ فِي السَّفَرِ.

وَوَقَعَ كَلَامٌ كَثِيرٌ، وَسُنَّةُ النَّبِيِّ ﷺ مَاضِيَةٌ بِقَصْرِ الرُّبَاعِيَّةِ فِي السَّفَرِ؛ بَلِ الْقَوْلُ الصَّحِيحُ الْمُخْتَارُ: أَنَّ الْقَصْرَ فِي السَّفَرِ وَاجِبٌ وَلَيْسَ بِسُنَّةٍ، بَلْ هُوَ وَاجِبٌ، كَمَا قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ -رَحِمَهُ اللهُ- وَالْمُحَقِّقُونَ-.

وَلَكِنَّ عُثْمَانَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- -وَهُوَ مِنَ الرَّاشِدِينَ بِنَصِّ كَلَامِ النَّبِيِّ الْأَمِينِ ﷺ: ((الْخِلَافَةُ بَعْدِي ثَلَاثُونَ عَامًا))، فَكَانَتْ بِخِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَسِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ خِلَافَةِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ جَمِيعًا-، فَتَمَّتْ ثَلَاثِينَ عَامًا، ثُمَّ صَارَتْ إِلَى مُعَاوِيَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ--.

عُثْمَانُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- بَدَا لَهُ فِي آخِرِ خِلَافَتِهِ أَنْ يُتِمَّ الرُّبَاعِيَّةَ فِي السَّفَرِ، وَلَا أَثَرَ، وَلَكِنَّهُ اجْتَهَدَ فِي ذَلِكَ كَمَا وَرَدَ عَنْهُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-.

فَلَمَّا حَجَّ بِالنَّاسِ -وَهُوَ أَمِيرُ الْحَجِّ فِي عَامِهِ-؛ أَتَمَّ الرُّبَاعِيَّةَ وَهُوَ مُسَافِرٌ، فَتَكَلَّمَ نَاسٌ كَثِيرُونَ، وَصَلَّى الْحَبْرُ الْجَلِيلُ ابْنُ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- خَلْفَ عُثْمَانَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- مُتِمًّا لِلصَّلَاةِ وَهُوَ مُسَافِرٌ، وَهُوَ يَعْلَمُ الْحُكْمَ، فَقِيلَ لَهُ: أَمَا عَلِمْتَ مَا صَنَعَ صَاحِبُكَ؟!!

قَالَ: عَلِمْتُ.

قَالُوا: فَمَا صَنَعْتَ؟

قَالَ: صَلَّيْتُ خَلْفَهُ.

قَالُوا: كَيْفَ تُصَلِّى خَلْفَهُ وَقَدْ خَالَفَ الرَّسُولَ ﷺ فِي هَدْيِهِ؟

قَالَ: الْخِلَافُ شَرٌّ.

وَهَذَا أَمِيرُ الْعَامَّةِ، وَلَهُ اجْتِهَادٌ فِي الْأَمْرِ.

مَاذَا كَانَ اجْتِهَادُهُ؟

قَالَ عُثْمَانُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: ((إِنِّي أَمِيرُ عَامَّةٍ، وَيُصَلِّي وَرَائِي فِي الْمَوْسِمِ الْبَدَوِيُّ وَالْآفَاقِيُّ وَمَنْ لَيْسَ بِذِي عِلْمٍ، فَإِذَا دَاوَمُوا عَلَى صَلَاةِ الرُّبَاعِيَّةِ وَرَائِي ثِنْتَيْنِ ثِنْتَيْنِ، ثُمَّ عَادُوا بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى مَضَارِبِهِمْ، وَأَقْوَامِهِمْ، وَرَجَعُوا إِلَى بِلَادِهِمْ وَمَقَارِّهِمْ؛ قَالُوا جَاهِلِينَ: إِنَّ الصَّلَاةَ لَيْسَتْ كَمَا تُصَلُّونَ -يَقُولُونَ لِأَقْوَامِهِم-، وَلَقَدْ صَلَّيْنَا وَرَاءَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، وَهُوَ ذُو النُّورَيْنِ وَكَذَا وَكَذَا، صَلَّيْنَا وَرَاءَهُ الرُّبَاعِيَّةَ ثِنْتَيْنِ ثِنْتَيْنِ ثِنْتَيْنِ، فَيَقَعُ خَلَلٌ عَظِيمٌ.

فَاجْتَهَدَ -رَضِيَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَنْهُ-؛ فَكَانَ مَاذَا؟!!

الصَّحَابَةُ يُرَاعُونَ الْمَصْلَحَةَ الْعُلْيَا لِلْأُمَّةِ، لَا يَخْتَلِفُونَ، وَإِنَّمَا حَتَّى إِذَا مَا وَقَعَ أَمْرٌ كَبِيرٌ؛ فَإِنَّهُمْ يَسْلُكُونَ إِلَيْهِ سَوَاءَ السَّبِيلِ، وَلَا يَفْتَاتُونَ.

كَمَا رُوجِعَ فِي ذَلِكَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- مِنْ قِبَلِ الْحِبِّ بْنِ الْحِبِّ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَعَنِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ- لِأَنَّهُ رُوجِعَ: أَلَا تَدْخُلَ عَلَى عُثْمَانَ فَتَأْمُرَهُ وَتَنْهَاهُ؟!!

وَقَدْ أَخَذُوا عَلَيْهِ أُمُورًا بَرَّأَهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ مِنْهَا، وَمَنَعُوهُ مِنْ أُمُورٍ مَكَّنَهُ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا- مِنْهَا.

وَكُلُّ ذَلِكَ بِسَبَبِ تَنْزِيلِ النُّصُوصِ عَلَى غَيْرِ مَنَازِلِهَا، وَبِسَبَبِ الِافْتِئَاتِ عَلَى مَقَامِ أَهْلِ الْعِلْمِ الرَّبَّانِيِّينَ!!

وَبِسَبَبِ أَنْ يَتَكَلَّمَ فِي دِينِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ مَنْ لَا كَلَامَ لَهُ فِي الْعِلْمِ أَصْلًا!!

أَلَا تَدْخُلُ عَلَى عُثْمَانَ فَتَأْمُرَهُ وَتَنْهَاهُ؟

قَالَ: ((أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي لَا آمُرُهُ وَلَا أَنْهَاهُ إِلَّا أَنْ أُعْلِمَكُمْ؟!! فَقَدْ دَخَلْتُ عَلَيْهِ فَكَلَّمْتُهُ؛ غَيْرَ أَنِّي لَا أَفْتَحُ بَابَ فِتْنَةٍ)).

لَا يَقُومُ إِلَيْهِ فِي مَحْفِلٍ، وَيَقُولُ: افْعَلْ كَذَا، وَلَا تَفْعَلْ كَذَا، وَاتَّقِ اللهَ، وَكَلِمَةٌ لَا يُرَادُ بِهَا وَجْهُ اللهِ!! وَإِنَّمَا يَنْظُرُ إِلَى الْمَصْلَحَةِ الْعُلْيَا لِلْأُمَّةِ.

وَمَعْلُومٌ أَنَّ ((الظُّلْمَ مِنْ مَلِيكٍ غَشُومٍ خَيْرٌ مِنْ فِتْنَةٍ تَدُومُ))، هَذَا كَلَامُ سَلَفِكُمْ، وَالْأَمْرُ لَا يَأْتِي مِنْ هَا هُنَا -مِنَ الْأَرْضِ-، وَإِنَّمَا يَأْتِي مِنْ هَا هُنَا -مِنَ السَّمَاءِ-.

وَإِنَّمَا يَنْزِلُ بِكُمْ مِنَ الْعِقَابِ؛ إِنَّمَا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ، فَغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِكُمْ حَتَّى يُغَيِّرَ لَكُمْ، فَلَوْ وَقَفْتُمْ أَمَامَ مِرْآتِكُمْ شَعْبًا مَصْفُوفًا فَنَظَرْتُمْ؛ لَرَأَيْتُمْ صُوَرَكُمْ صُوَرَ حُكَّامِكُمْ وَأُمَرَائِكُمْ.

فَإِنِ ارْتَبْتُمْ فِي شَيْءٍ؛ فَأَصْلِحُوا مِنْ أَنْفُسِكُمْ يُصْلِحِ اللهُ لَكُمْ.

هَذَا سَبِيلُ السَّلَفِ، وَهُوَ مَدْعَاةُ الْأُلْفَةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا تَصِلُ إِلَى حَقِيقَتِهِ إِلَّا بِتَعَلُّمِ حَقِيقَةِ الدِّينِ، وَهُوَ أَمْرٌ وَاضِحٌ وَمُبِينٌ؛ كَيْفَ؟

كِتَابُ اللهِ وَسُنَّةُ رَسُولِ اللهِ بِفَهْمِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ.

أَمَّا أَنْ تَتْبَعَ آرَاءَ الرِّجَالِ! إِنَّكَ إِنْ فَعَلْتَ سَتَضِلُّ بِكُلِّ سَبِيلٍ؛ فَاتَّقِ اللهَ فِي نَفْسِكَ، فَإِنَّكَ إِنَّمَا تُقَامِرُ بِآخِرَتِكَ، وَلَيْسَ لَكَ بَعْدَهَا مِنْ بَعْدٍ.

فَاتَّقِ اللهَ فِي مُسْتَقْبَلِكَ الْحَقِّ، وَإِيَّاكَ وَتَحَزُّبَاتِ الْخَلْقِ، وَأَقْبِلْ عَلَى دِينِكَ، وَإِيَّاكَ وَالتَّعَصُّبَ لِلرِّجَالِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ مُهْلِكٌ أَيَّمَا إِهْلَاكٍ.

الدِّينُ وَاضِحٌ وَمُبِينٌ، وَعَلَيْهِ نُورٌ وَلَأْلَاءٌ، وَفِي السُّنَّةِ بَرْدُ الْيَقِينِ، وَطُمَأْنِينَةُ الْإِيمَانِ.

اتَّقُوا اللهَ!

أَيَّتُهَا الْأُمَّةُ الْمَرْحُومَةُ! تَمَسَّكِي بِكِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ، وَفَهْمِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَ-رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ-؛ تَعُودِي إِلَى الْأَمْرِ الْعَتِيقِ، إِلَى الْأَمْرِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ يَخْرُجُ النَّاسُ مِنَ الْخِلَافِ، تَتَآلَفُ الْقُلُوبُ، وَتَتَوَحَّدُ الْوِجْهَةُ، وَتَتَآزَرُ الْقُوَى، وَتَتَسَانَدُ الْأَبْدَانُ، وَتَتَعَاظَمُ السَّوَاعِدُ بِنَاءً فِي هَذَا الْوَطَنِ.

نَسْأَلُ اللهَ أَنْ يَعْصِمَهُ مِنَ الْفِتَنِ ظَاهِرِهَا وَبَاطِنِهَا؛ إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَكَذَلِكَ فِي أَوْطَانِ الْمُسْلِمِينَ.


مِنْ مَظَاهِرِ الْحِرْصِ

عَلَى الشَّأْنِ الْعَامِّ: تَعْلِيمُ الْعِلْمِ

إِنَّ مَظَاهِرَ الْحِرْصِ عَلَى الشَّأْنِ الْعَامِّ وَالْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ مُتَعَدِّدَةٌ فِي دِينِ الْإِسْلَامِ، وَمِنْ ذَلِكَ: بَذْلُ الْجُهْدِ وَالْمَالِ فِي تَعْلِيمِ الْعِلْمِ، وَنَشْرِهِ بَيْنَ أَبْنَاءِ الْمُجْتَمَعِ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَخْبَرَنَا -وَذَلِكَ فِي الْوَحْيَيْنِ: فِي كِتَابِ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا-، وَفِي سُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ- أَنَّ خَيْرَ النَّاسِ بَعْدَ الْأَنْبِيَاءِ وَبَعْدَ الْمَلَائِكَةِ: أُولُوا الْعِلْمِ، وَقَدِ اسْتَشْهَدَ بِهِمُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- عَلَى أَجَلِّ وَأَعْظَمِ مَشْهُودٍ عَلَيْهِ، وَهُوَ شَهَادَةُ أَلَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾[آل عمران: 18].

وَقَدْ بَيَّنَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا كَانَ عَالِمًا عَامِلًا مُعَلِّمًا؛ فَإِنَّهُ يُدْعَى فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ كَبِيرًا.

وَأَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ اللهَ -جَلَّ وَعَلَا- وَمَلَائِكَتَهُ وَأَهْلَ السَّمَوَاتِ وَأَهْلَ الْأَرْضِ؛ حَتَّى الْحِيتَانُ فِي الْبَحْرِ، وَحَتَّى النِّمَالُ فِي جُحُورِهَا يُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الْخَيْرَ -أَيْ: يَدْعُونَ لَهُ-.

وَقَدْ بَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ الْعِلْمَ فَرْضٌ؛ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ)). وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه فِي ((سُنَنِهِ)).

وَأَمَّا زِيَادَةُ: ((وَمُسْلِمَةٍ))؛ فَإِنَّهَا لَا تَثْبُتُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَهِيَ دَاخِلَةٌ فِي قَوْلِهِ: ((عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ)) عَلَى سَبِيلِ التَّغْلِيبِ.

وَالْعِلْمُ مِنْهُ مَا هُوَ فَرْضٌ مُتَعَيَّنٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ فِي ذَاتِهِ، وَهُوَ مَا لَا تَصِحُّ عِبَادَتُهُ وَلَا اعْتِقَادُهُ إِلَّا بِهِ، فَهَذَا فَرْضٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، وَوَاجِبٌ وُجُوبًا عَيْنِيًّا عَلَيْهِ أَنْ يَتَعَلَّمَهُ.

فَوَاجِبٌ عَلَيْهِ أَنْ يَتَعَلَّمَ: أُصُولَ الِاعْتِقَادِ، وَمُجْمَلَ التَّوْحِيدِ.

وَوَاجِبٌ عَلَيْهِ إِذَا بَلَغَ أَنْ يَتَعَلَّمَ: كَيْفَ يَتَطَهَّرُ؟ كَيْفَ يَغْتَسِلُ؟ وَكَيْفَ يَتَوَضَّأُ؟

وَإِذَا مَا كَانَ فَاقِدًا لِلْمَاءِ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا؛ فَعَلَيْهِ أَنْ يَتَعَلَّمَ: كَيْفَ يَتَيَمَّمُ؟ ثُمَّ عَلَيْهِ أَنْ يَتَعَلَّمَ: كَيْفَ يُصَلِّي للهِ -جَلَّ وَعَلَا-؟

فَإِذَا رَاهَقَ الْبُلُوغَ، وَاحْتَلَمَ، وَصَارَ مُكَلَّفًا، وَدَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ؛ فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَتَعَلَّمَ: كَيْفَ يَصُومُ؟ وَمَا الَّذِي يَفْسُدُ بِهِ صِيَامُهُ؟ وَمَا الْمَكْرُوهُ فِي الصِّيَامِ؟ وَمَا الْمُسْتَحَبُّ فِيهِ؟

فَإِذَا كَانَ ذَا مَالٍ مِنْ أَيِّ أَلْوَانِ الْأَمْوَالِ الزَّكَوِيَّةِ كَانَ، وَبَلَغَ مَالُهُ النِّصَابَ، وَحَالَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ؛ فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ وُجُوبًا عَيْنِيًّا أَنْ يَتَعَلَّمَ: كَيْفَ يُزَكِّي أَمْوَالَهُ؟

وَكَذَلِكَ إِذَا نَوَى الْحَجَّ؛ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَعَلَّمَ الْمَنَاسِكَ وُجُوبًا عَيْنِيًّا.

وَإِهْمَالُ هَذَا الْأَصْلِ الْعَظِيمِ يُؤَدِّي إِلَى خَلَلٍ خَطِيرٍ، فَكَثِيرٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَذْهَبُونَ -مَثَلًا- إِلَى الْحَجِّ، وَيَعُودُونَ وَلَمْ يَحُجُّوا؛ لِأَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ يُخِلُّ بِأَرْكَانِ الْحَجِّ، فَيَفْسُدُ حَجُّهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُ.

ثُمَّ إِنَّ الْمِسْكِينَ يَتَكَلَّفُ الْمَالَ، وَيُعَرِّضُ نَفْسَهُ لِلْمَخَاطِرِ -خَاصَّةً مَعَ عُلُوِّ السِّنِّ-، ثُمَّ لَا يُحَصِّلُ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، وَهُوَ آثِمٌ؛ لِأَنَّ الْجَهْلَ هَا هُنَا لَا يَنْفَعُهُ مَا دَامَ عِنْدَهُ مَنْ يُعَلِّمُهُ؛ فَيَنْبَغِي عَلَيْهِ إِذَا نَوَى الْحَجَّ -مَثَلًا- أَنْ يَسْأَلَ؛ حَتَّى يَتَعَلَّمَ: كَيْفَ يُؤَدِّيَ الْمَنَاسِكَ؟

إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْعِبَادَاتِ.

فَإِذَا كَانَ يَأْخُذُ بِالتِّجَارَةِ؛ فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَعَلَّمَ الْأُصُولَ الْعَامَّةَ فِي إِدَارَةِ الْأَمْوَالِ، وَفِي التِّجَارَةِ بِهَا؛ حَتَّى لَا يَتَوَرَّطَ فِي الْغِشِّ، وَلَا فِي الْخِدَاعِ، وَلَا فِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الْمُحَرَّمَةِ، فَيَكْتَسِبُ أَمْوَالًا مِنَ الْحَرَامِ، يُغَذِّي بِهَا الْمَسَاكِينَ مِنْ أَوْلَادِهِ وَزَوْجِهِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: ((كُلُّ لَحْمٍ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ؛ فَالنَّارُ أَوْلَى بِهِ)).

فَيَجِبُ عَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يَتَعَلَّمَ هَذِهِ الْأُمُورَ وُجُوبًا عَيْنِيًّا، وَأَمَّا مَا وَرَاءَ ذَلِكَ؛ فَهُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ، إِذَا قَامَ بِهِ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ؛ سَقَطَ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْمُطَالَبَةِ بِهِ عَنْ مَجْمُوعِ الْمُسْلِمِينَ.

النَّبِيُّ ﷺ دَلَّ عَلَى فَضْلِ تَعْلِيمِ الْعِلْمِ، فَهُوَ أَشْرَفُ شَيْءٍ يَأْتِي بِهِ الْإِنْسَانُ.

تَعْلِيمُ الْعِلْمِ وَظِيفَةُ الْأَنْبِيَاءِ، وَلَا أَشْرَفَ مِنَ الْأَخْذِ بِوَظِيفَةِ الْأَنْبِيَاءِ.

وَالنَّبِيُّ ﷺ رَغَّبَ فِي ذَلِكَ، وَبَيَّنَ لَنَا أَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا كَانَ آتِيًا بِالْخَيْرِ الْمُتَعَدِّي؛ فَهُوَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَأْتِيَ بِالْخَيْرِ اللَّازِمِ الَّذِي لَا يَتَعَدَّى أَثَرُهُ إِلَى غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الْأَعْمَالَ مِنْهَا مَا هُوَ لَازِمٌ لِلْعَبْدِ فِي نَفْسِهِ؛ كَذِكْرِهِ لِرَبِّهِ -مَثَلًا-، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي يَأْتِي بِهَا لَا يَتَعَدَّى نَفْعُهَا إِلَى غَيْرِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ؛ فَهَذِهِ مِنْ أَجْمَلِ وَأَحْسَنِ شَيْءٍ يَكُونُ.

وَأَعْلَى مِنْ ذَلِكَ: أَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا أَتَى بِالْخَيْرِ الْمُتَعَدِّي -وَمِنْهُ: أَنْ يُعَلِّمَ الْعِلْمَ -إِذَا عَلَّمَ الْعِلْمَ-؛ فَإِنَّهُ مَا يَزَالُ أَجْرُهُ مَوْصُولًا؛ حَتَّى بَعْدَ مَوْتِهِ، كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((إِذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ؛ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ)).

وَفِي غَيْرِ هَذَا الْحَدِيثِ أُمُورٌ أُخْرَى دَلَّ عَلَيْهَا الرَّسُولُ ﷺ؛ كَاتِّخَاذِ السَّبِيلِ؛ فَإِنَّ سَقْيَ الْمَاءِ مِنْ أَعْظَمِ الْقُرُبَاتِ عِنْدَ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا-؛ يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ: ((أَوْ نَهْرًا أَجْرَاهُ، أَوْ بَيْتًا لِابْنِ السَّبِيلِ بَنَاهُ، أَوْ مُصْحَفًا وَرَّثَهُ)).

إِلَى جُمْلَةٍ وَافِرَةٍ مِنَ الْأَعْمَالِ الَّتِي يَتَعَدَّى نَفْعُهَا إِلَى غَيْرِ فَاعِلِهَا؛ حَتَّى وَلَوْ مَاتَ وَلَحِقَ بِرَبِّهِ؛ لِأَنَّهُ مِنَ الْمَعْلُومِ: أَنَّ الْمَوْتَ لَيْسَ نِهَايَةَ الرِّحْلَةِ، بَلْ إِنَّهُ ضَرْبٌ فِي عُمْقِ الْوُجُودِ بِأَسْبَابِ الْوُجُودِ؛ لِأَنَّهُ مَرْحَلَةٌ يَنْتَقِلُ إِلَيْهَا الْعَبْدُ مُنْتَظِرًا الْبَعْثَ؛ لِكَيْ يُعْرَضَ عَلَى اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، وَمِنْ أَجْلِ أَنْ تُعْرَضَ عَلَيْهِ صَحَائِفُ أَعْمَالِهِ فِي الْقِيَامَةِ.

فَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّقَاءِ فَذَلِكَ -نَسْأَلُ اللهَ السَّلَامَةَ وَالْعَافِيَةَ-.

وَمِنَ الْمَعْلُومِ: أَنَّ الْمُعَلِّمِينَ الَّذِينَ كَانُوا فِي السِّنِينَ الْغَابِرَةِ؛ هُمْ -لَا شَكَّ- أَعْظَمُ نَفْعًا مِمَّنْ جَاءَ بَعْدَهُمْ مِنْ تَلَامِيذِهِمْ، وَمِنْ تَلَامِيذِ تَلَامِيذِهِمْ، وَقَدْ أَدْرَكْنَا مِنْ هَؤُلَاءِ جُمْلَةً وَافِرَةً -رَحِمَهُمُ اللهُ تَعَالَى رَحْمَةً وَاسِعَةً-.

كَانُوا يُعَلِّمُونَ الْأَدَبَ وَالتَّرْبِيَةَ كَمَا يُعَلِّمُونَ الْعِلْمَ؛ بَلْ رُبَّمَا حَرِصُوا عَلَى ذَلِكَ فَوْقَ مَا يَحْرِصُونَ عَلَى تَعْلِيمِ الْعِلْمِ.

وَكَانُوا دَائِمًا يُسْمِعُونَنَا وَأَجْيَالًا قَبْلَنَا أَنَّ الْأَدَبَ فَضَّلُوهُ عَلَى الْعِلْمِ؛ حَتَّى إِنَّ الْوَزَارَةَ سُمِّيَتْ بِـ ((وَزَارَةِ التَّرْبِيَةِ وَالتَّعْلِيمِ))، فَذُكِرَتِ التَّرْبِيَةُ قَبْلَ التَّعْلِيمِ، وَكَانُوا مُوَفَّقِينَ؛ لِأَنَّ نِيَّاتِهِمْ كَانَتْ خَالِصَةً -نَحْسَبُهُمْ كَذَلِكَ-.

وَمِنَ الْمَعْلُومِ: أَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا عَلَّمَ وَاحِدًا مِنْ أَبْنَاءِ الْمُسْلِمِينَ: كَيْفَ يَقْرَأُ، وَكَيْفَ يَكْتُبُ -مَثَلًا-، فَمَضَى هَذَا الْمُعَلَّمُ فِي طَرِيقِهِ، فَصَارَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، أَوْ مِنْ طَلَبَتِهِ، أَوْ مِنْ أَهْلِ النَّفْعِ لِلْمُسْلِمِينَ؛ فَإِنَّ جَمِيعَ حَسَنَاتِهِ تَكُونُ فِي صَحِيفَةِ حَسَنَاتِ مُعَلِّمِهِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي عَلَّمَ الْخَيْرَ، وَ((الدَّالُّ عَلَى الْخَيْرِ كَفَاعِلِهِ))، كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ.

فَعَلَيْنَا جَمِيعًا أَنْ نَلْتَفِتَ إِلَى هَذَا الْأَصْلِ الْعَظِيمِ، وَهُوَ: تَعَلُّمُ الْعِلْمِ، وَالْعَمَلُ بِهِ، وَتَعْلِيمُهُ لِلْمُسْلِمِينَ.

عَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي مَعْرِفَةِ دِينِ الرَّسُولِ الَّذِي بَعَثَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- بِهِ النَّبِيَّ الْخَاتَمَ ﷺ، وَأَنْ يَجْتَهِدَ فِي مَعْرِفَةِ الْأُصُولِ؛ لِأَنَّ الْفُرُوعَ لَا تَنْضَبِطُ؛ وَهِيَ كَثِيرَةٌ كَثْرَةً ضَافِيَةً؛ بِحَيْثُ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَسْتَطِيعُ لَهَا حَصْرًا، وَالْمُسْتَجَدَّاتُ تَتَجَدَّدُ مَعَ تَوَارُدِ الْعُصُورِ وَالْأَزْمَانِ.

وَأَمَّا الْأُصُولُ؛ فَإِنَّهَا ثَابِتَةٌ، وَالنَّبِيُّ ﷺ سُئِلَ عَنْ مِثْلِ هَذَا الْأَمْرِ؛ فَقَدْ جَاءَهُ صَحَابِيٌّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ إِنَّ شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ قَدْ كَثُرَتْ عَلَيَّ؛ فَدُلَّنِي عَلَى أَمْرٍ أَتَمَسَّكُ بِهِ جَامِعٍ.

فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((لَا يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبًا بِذِكْرِ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا-)).

 ((إِنَّ الْعِلْمَ الشَّرْعِيَّ هُوَ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ الثَّنَاءُ، وَيَكُونُ الْحَمْدُ لِفَاعِلِهِ؛ وَلَكِنِّي مَعَ ذَلِكَ لَا أُنْكِرُ أَنْ يَكُونَ لِلْعُلُومِ الْأُخْرَى فَائِدَةٌ، وَلَكِنَّهَا فَائِدَةٌ ذَاتُ حَدَّيْنِ: إِنْ أَعَانَتْ عَلَى طَاعَةِ اللهِ، وَعَلَى نَصْرِ دِينِ اللهِ، وَانْتَفَعَ بِهَا عِبَادُ اللهِ؛ فَيَكُونُ ذَلِكَ خَيْرًا وَمَصْلَحَةً.

وَقَدْ يَكُونُ تَعَلُّمُهَا وَاجِبًا فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ إِذَا كَانَ ذَلِكَ دَاخِلًا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ[الأنفال: 60].

وَقَدْ ذَكَرَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ تَعَلُّمَ الصِّنَاعَاتِ فَرْضُ كِفَايَةٍ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّاسَ لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ أَنْ يَطْبُخُوا بِهَا، وَيَشْرَبُوا بِهَا، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي يَنْتَفِعُونَ بِهَا)).

فَدِينُ الْإِسْلَامِ الْعَظِيمِ يَحُضُّ الْمُسْلِمِينَ عَلَى التَّرَقِّي فِي الْعُلُومِ، وَفِي النَّظَرِ فِي آفَاقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَعَلَى النَّظَرِ فِي الْأَنْفُسِ؛ بَلْ وَعَلَى النَّظَرِ فِيمَا تَحْتَ الثَّرَى، وَهُوَ مَا وَصَلَ إِلَيْهِ مَنْ وَصَلَ مِمَّنْ نَظَرُوا فِي أَمْثَالِ هَذَا الْأَمْرِ الَّذِي حَدَّدَهُ الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ، وَهُوَ مَا تَحْتَ الثَّرَى، فَاسْتَخْرَجُوا الْمَعَادِنَ، وَاسْتَخْرَجُوا تِلْكَ الْمَادَّةَ الَّتِي صَارَتْ طَاقَةً لَا يَسْتَغْنِي عَنْهَا الْعَالَمُ الْيَوْمَ.

وَكُلُّ ذَلِكَ أَشَارَ إِلَيْهِ الْقُرْآنُ إِشَارَةً مُجْمَلَةً {وَمَا تَحْتَ الثَّرَى} [طه: 6].

فَالْمُسْلِمُونَ لَمَّا أَخَذُوا بِتَعَالِيمِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ؛ تَقَدَّمُوا حَتَّى مَلَكُوا الْعَالَمَ الْقَدِيمَ كُلَّهُ.

قَالَ الْعَلَّامَةُ السَّعْدِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((فَهَذَا الدِّينُ الْإِسْلَامِيُّ يَحُثُّ عَلَى الرُّقِيِّ الصَّحِيحِ، وَالْقُوَّةِ مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ، عَكْسَ مَا افْتَرَاهُ أَعْدَاؤُهُ أَنَّهُ -أَيِ: الْإِسْلَامُ- مُخَدِّرٌ مُفَتِّرٌ، وَهُمْ يَعْلَمُونَ كَذِبَهُمْ وَافْتِرَاءَهُمْ عَنْهُ؛ وَلَكِنَّ الْمُبَاهَتَاتِ وَالْمُكَابَرَاتِ سَهَّلَتْ عَلَيْهِمْ، وَظَنُّوا مِنْ جَهْلِهِمْ أَنَّهَا تَرُوجُ عَلَى الْعُقَلَاءِ.

وَكُلُّ عَاقِلٍ يَعْلَمُ كَذِبَهُمْ وَافْتِرَاءَهُمْ، وَإِنَّمَا يَغْتَرُّ بِهِمُ الْجَاهِلُونَ الضَّالُّونَ الَّذِينَ لَا يَعْرِفُونَ عَنِ الْإِسْلَامِ لَا قَلِيلًا وَلَا كَثِيرًا.

بَلْ يُصَوِّرُ لَهُمْ هَؤُلَاءِ الْأَعْدَاءُ الْإِسْلَامَ بِصُوَرٍ شَنِيعَةٍ؛ لِيُرَوِّجُوا مَا يَقُولُونَهُ مِنَ الْبَاطِلِ، وَإِلَّا فَمَنْ عَرَفَ الْإِسْلَامَ مَعْرِفَةً صَحِيحَةً؛ عَرَفَ أَنَّهُ لَا تَسْتَقِيمُ أُمُورُ الْبَشَرِ دِينِيُّهَا وَدُنْيَوِيُّهَا إِلَّا بِهِ، وَأَنَّ تَعَالِيمَهُ الْحَكِيمَةَ أَكْبَرُ بُرْهَانٍ عَلَى أَنَّهُ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ، عَالِمٍ بِالْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، رَحِيمٍ بِعِبَادِهِ؛ حَيْثُ شَرَعَ لَهُمْ هَذَا الدِّينَ)). انْتَهَى كَلَامُ السَّعْدِيِّ -رَحِمَهُ اللهُ-.

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ! طِيبُوا نَفْسًا بِهَذَا الدِّينِ الْخَاتَمِ الَّذِي رَضِيَهُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- لَكُمْ، وَالَّذِي أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْكُمْ بِهِ.

وَمِنْ أَعْظَمِ الْبَرَاهِينِ أَنَّ مِنْ أَكْبَرِ أَبْوَابِ الْحِرْصِ عَلَى الشَّأْنِ الْعَامِّ وَالْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ: تَعْلِيمَ الْعِلْمِ؛ أَنَّ مِنْ فَضَائِلِ الْعِلْمِ: أَنَّهُ نُورٌ يَسْتَضِيءُ بِهِ الْعَبْدُ، فَيَعْرِفُ كَيْفَ يَعْبُدُ رَبَّهُ، وَكَيْفَ يُعَامِلُ عِبَادَهُ، فَتَكُونُ مَسِيرتُهُ فِي ذَلِكَ عَلَى عِلْمٍ وَبَصِيرَةٍ.

وَالْعَالِمُ نُورٌ يَهْتَدِي بِهِ النَّاسُ فِي أُمُورِ دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ.


مِنْ مَظَاهِرِ الْحِرْصِ عَلَى الشَّأْنِ الْعَامِّ:

فَرْضُ الْحُدُودِ وَالْعُقُوبَاتِ عَلَى الْمُجْرِمِينَ

إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ مَظَاهِرِ الْحِرْصِ عَلَى الشَّأْنِ الْعَامِّ وَالْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ: حِمَايَةَ الْمُجْتَمَعِ وَصِيَانَتَهُ مِنَ الْجَرَائِمِ الْمُخْتَلِفَةِ بِفَرْضِ الْعُقُوبَاتِ وَالْحُدُودِ فَـ((إِنَّ مِنْ مَحَاسِنِ دِينِ الْإِسْلَامِ الْعَظِيمِ: مَا جَاءَتْ بِهِ الشَّرِيعَةُ الْإِسْلَامِيَّةُ مِنَ الْحُدُودِ, وَتَنَوُّعِهَا بِحَسَبِ الْجَرَائِمِ.

وَهَذَا لِأَنَّ الْجَرَائِمَ وَالتَّعَدِّيَ عَلَى حُقُوقِ اللهِ وَحُقُوقِ عِبَادِهِ مِنْ أَعْظَمِ الظُّلْمِ الَّذِي يُخِلُّ بِالنِّظَامِ, وَيَخْتَلُّ بِهِ الدِّينُ وَالدُّنْيَا.

فَوَضَعَ الشَّارِعُ لِلْجَرَائِمِ وَالتَّجَرُّءَاتِ حُدُودًا تَرْدَعُ عَنْ مُوَاقَعَتِهَا، وَتُخَفِّفُ مِنْ وَطْأَتِهَا: مِنَ الْقَتْلِ، وَالْقَطْعِ، وَالْجَلْدِ، وَأَنْوَاعِ التَّعْزِيرَاتِ.

وَكُلُّهَا فِيهَا مِنَ الْمَنَافِعِ وَالْمَصَالِحِ الْخَاصَّةِ وَالْعَامَّةِ مَا يَعْرِفُ بِهِ الْعَاقِلُ حُسْنَ الشَّرِيعَةِ، وَأَنَّ الشُّرُورَ لَا يُمْكِنُ أَنْ تُقَاوَمَ وَتُدْفَعَ دَفْعًا كَامِلًا إِلَّا بِالْحُدُودِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي رَتَّبَهَا الشَّارِعُ بِحَسَبِ الْجَرَائِمِ قِلَّةً وَكَثْرَةً، وَشِدَّةً وَضَعْفًا)).

*فَحَرَّمَ اللهُ السَّرِقَةَ، وَرَتَّبَ عَلَيْهَا الْعِقَابَ الشَّدِيدَ؛ تَنْكِيلًا وَتَرْهِيبًا لِلسَّارِقِ وَلِغَيْرِهِ؛ لِيَرْتَدِعَ السُّرَّاقُ -إِذَا عَلِمُوا- أَنَّهُمْ سَيُقْطَعُونَ إِذَا سَرَقُوا، قَالَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِّنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [المائدة: 38].

وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ اللَّذَانِ يَأْخُذَانِ الْمَالَ الْمُحَرَّزَ الْمَصُونَ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِخْفَاءِ؛ فَاقْطَعُوا -يَا وُلَاةَ الْأَمْرِ- أَيْدِيَهُمَا؛ بِقَطْعِ يَمِينِ السَّارِقِ مِنْ رُؤُوسِ الْأَصَابِعِ إِلَى الرُّسْغِ.

ذَلِكَ الْقَطْعُ مُجَازَاةٌ لَهُمَا عَلَى أَخْذِهِمَا أَمْوَالَ النَّاسِ بِغَيْرِ حَقٍّ؛ عُقُوبَةً مِنَ اللهِ، يَمْنَعُ بِهَا غَيْرَهُمَا أَنْ يَصْنَعَ مِثْلَ صَنِيعِهِمَا، وَاللهُ قَوِيٌّ غَالِبٌ فِي انْتِقَامِهِ مِمَّنْ عَصَاهُ، حَكِيمٌ فِيمَا أَوْجَبَهُ مِنْ قَطْعِ يَدِ السَّارِقِ.

وَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ السَّرِقَةَ: أَخْذُ الْمَالِ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِخْفَاءِ، وَأَنْ يَكُونَ الْمَالُ مُحَرَّزًا مَصُونًا، مَعْنِيًّا بِحِفْظِهِ الْعِنَايَةَ الَّتِي تَلِيقُ، وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمَسْرُوقُ مَالًا مُتَقَوِّمًا لَا شُبْهَةَ فِيهِ، وَلَا قُصُورَ فِي مَالِيَّتِهِ بِأَنْ يَتَمَوَّلَهُ النَّاسُ، وَيُعِدُّونَهُ لِأَغْرَاضِهِمُ الْمُخْتَلِفَةِ، وَيَتَنَافَسُونَ فِي طَلَبِهِ.

كَمَا اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْيَدَ لَا تُقْطَعُ إِلَّا إِذَا بَلَغَ الْمَسْرُوقُ قَدْرًا مِنَ الْمَالِ مِقْدَارُهُ رُبُعُ دِينَارٍ أَوْ عَشْرَةُ دَرَاهِمَ.

*وَجَعَلَ اللهُ فِي شَرْعِ الْقِصَاصِ لَكُمْ -وَهُوَ قَتْلُ الْقَاتِلِ- حِكْمَةً عَظِيمَةً لَكُمْ، وَهِيَ بَقَاءُ الْمُهَجِ وَصَوْنُهَا; لِأَنَّهُ إِذَا عَلِمَ الْقَاتِلُ أَنَّهُ يُقْتَلُ؛ انْكَفَّ عَنْ صَنِيعِهِ؛ فَكَانَ فِي ذَلِكَ حَيَاةُ النُّفُوسِ.

قَالَ رَبُّنَا -جَلَّ وَعَلَا-: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 179].

وَلَكُمْ فِي تَشْرِيعِ الْقِصَاصِ -فِي الْقَتْلِ الْعَمْدِ، وَالْقَطْعِ، وَالْجُرُوحِ، وَسَائِرِ الْجِنَايَاتِ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِذَوَاتِ الْأَحْيَاءِ أَنْفُسِهِمْ فَمَا دُونَ ذَلِكَ؛ لَكُمْ فِي تَشْرِيعِ الْقِصَاصِ فِي ذَلِكَ حَيَاةٌ آمِنَةٌ يَا ذَوِي الْعُقُولِ الْخَالِصَةِ مِنْ شَوَائِبِ الْأَوْهَامِ، الْمُتَدَبِّرَةِ عَوَاقِبَ الْأُمُورِ، الْمُتَبَصِّرَةِ حِكَمَ التَّشْرِيعِ؛ لِتَنْتَهُوا عَنِ الْقَتْلِ؛ خَوْفَ الْقِصَاصِ.

وَذَلِكَ لِأَنَّ مَنْ تُحَدِّثُهُ نَفْسُهُ بِالْعُدْوَانِ عَلَى فَرْدٍ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ أَفْرَادِ الْمُجْتَمَعِ فِي كُلِّ النَّفْسِ -أَيْ بِالْقَتْلِ-، أَوْ فِي بَعْضِ أَجْزَاءِ الْجَسَدِ -بِالْجِرَاحَاتِ-؛ فَإِنَّ خَوْفَهُ مِنَ الْقِصَاصِ يُرَوِّعُهُ؛ فَيَكُفَّ عَنِ ارْتِكَابِ الْجَرِيمَةِ!!

وَبِهَذَا تَقِلُّ جَرَائِمُ الْقَتْلِ وَالْقَطْعِ وَالْجُرُوحِ فِي الْمُجْتَمَعِ إِلَى أَدْنَى الْحُدُودِ، فَيَعِيشُ أَفْرَادُ الْمُجْتَمَعِ حَيَاةً آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً.

كَمَا أَنَّ الْقِصَاصَ لَا يَتَجَاوَزُ الْجَانِيَ إِلَى غَيْرِهِ؛ فَيَكُونُ سَبَبًا لِحِمَايَةِ نُفُوسٍ كَثِيرَةٍ مِنْ غَائِلَةِ الْإِسْرَافِ فِي الِانْتِقَامِ.

{وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ لَوْ بُنِيَ عَلَى أَخْذِ الثَّأْرِ؛ فَإِنَّهُ يَتَسَلْسَلُ وَلَا يَنْقَطِعُ، فَيُقْتَلُ الْقَاتِلُ بِالْمَقْتُولِ، وَيَأْتِي بَعْضُ أَوْلِيَاءِ هَذَا الَّذِي قُتِلَ وَكَانَ قَاتِلًا؛ لِيَقْتُلُوا مَنْ قَتَلَهُ، وَرُبَّمَا قَتَلُوا غَيْرَهُ مِمَّنْ لَمْ يَسْتَحِقَّ الْقَتْلَ أَصْلًا، فَيَتَسَلْسَلُ الْأَخْذُ بِالثَّأْرِ بِضَيَاعِ النُّفُوسِ إِلَى حَدٍّ بَعِيدٍ.

وَكَانَ هَذَا الْأَمْرُ شَائِعًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَقَامَتْ بِسَبَبِهِ حُرُوبٌ كَثِيرَةٌ.

وَأَمَّا الْقِصَاصُ؛ فَإِنَّ الْقَاتِلَ يُقْتَلُ، وَتَهْدَأُ النُّفُوسُ، وَهُوَ شَرْعُ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَيَحْيَا بِسَبَبِ الْأَخْذِ بِالْقِصَاصِ أَقْوَامٌ وَأَقْوَامٌ.

فَأَنْزَلَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ شَرْعَ الْقِصَاصِ، وَبَيَّنَ أَنَّ فِيهِ الْحَيَاةَ.

*وَنَهَانَا رَبُّنَا -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- أَنْ تَأْخُذَنَا رَأْفَةٌ بِالزُّنَاةِ فِي دِينِ اللَّهِ، تَمْنَعُنَا مِنْ إِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِمْ.

فَرَحْمَتُهُ حَقِيقَةٌ بِإِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ.

وَأَمَرَ -تَعَالَى- أَنْ يَحْضُرَ عَذَابَ الزَّانِيَيْنِ طَائِفَةٌ -أَيْ: جَمَاعَةٌ- مِنَ الْمُؤْمِنِينَ؛ لِيَشْتَهِرَ، وَيَحْصُلَ بِذَلِكَ الْخِزْيُ وَالِارْتِدَاعُ.

قَالَ رَبُّنَا -جَلَّ وَعَلَا-: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [النور: 2].

الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي -وَهُمَا: الْمَرْأَةُ الْمُكَلَّفَةُ وَالرَّجُلُ الْمُكَلَّفُ الْعَالِمَانِ بِتَحْرِيمِ الْإِسْلَامِ بِالزِّنَا، وَأَقْدَمَا عَلَى ارْتِكَابِهِ حَقِيقَةً بِاخْتِيَارِهِمَا-؛ فَاضْرِبُوا -أَيُّهَا الْحُكَّامُ- كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ بِالسَّوْطِ؛ تُبَاشِرُ أَجْسَادَهُمْ.

وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ وَرَحْمَةٌ فِي شَرْعِ اللهِ وَحُكْمِهِ؛ فَتُعَطِّلُوا الْحُدُودَ وَلَا تُقِيمُوهَا، أَوْ تُخَفِّفُوا الضَّرْبَ، بَلْ أَوْجِعُوهُمَا ضَرْبًا إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ حَقِيقَةً لَا ادِّعَاءً.

وَلْيَحْضُرْ مَشْهَدَ التَّعْذِيبِ وَالتَّأْدِيبِ لِأُولَئِكَ الزُّنَاةِ وَالزَّوَانِي جَمْعٌ مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ رِجَالًا وَنِسَاءً؛ تَشْهِيرًا بِهِمَا، وَزِيَادَةً فِي افْتِضَاحِهِمَا؛ لِيَكُونَ الْخِزْيُ وَالْعَارُ أَبْلَغَ فِي حَقِّهِمَا.

وَهَذَا فِي حَدِّ الزَّانِي غَيْرِ الْمُحْصَنِ.

وَأَمَّا الْمُحْصَنُ -وَهُوَ مَنْ وَطِئَ فِي زَوَاجٍ شَرْعِيٍّ صَحِيحٍ-؛ فَحَدُّهُ الرَّجْمُ بِالْحِجَارَةِ حَتَّى يَمُوتَ -كَمَا ثَبَتَ فِي سُنَّةِ النَّبِيِّ ﷺ-.

*وَشَرَعَ رَبُّنَا -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- حَدَّ الْحِرَابَةِ لِقُطَّاعِ الطُّرُقِ، وَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ؛ حَتَّى لَا يَسْفِكُوا الدِّمَاءَ، وَحَتَّى لَا يُخِلُّوا بِالْأَمْنِ، قَالَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيم إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [المائدة: 33].

«الْمُحَارِبُونَ للهِ وَرَسُولِهِ هُمُ الَّذِينَ بَارَزُوهُ بِالْعَدَاوَةِ، وَأَفْسَدُوا فِي الْأَرْضِ بِالْكُفْرِ، وَالْقَتْلِ، وَأَخْذِ الْأَمْوَالِ، وَإِخَافَةِ السُّبُلِ.

وَالمَشْهُورُ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ فِي أَحْكَامِ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ الَّذِينَ يَعْرِضُونَ لِلنَّاسِ فِي الْقُرَى وَالْبَوَادِي، فَيَغْصِبُونَهُمْ أَمْوَالَهُمْ، وَيَقْتُلُونَهُمْ، وَيُخِيفُونَهُمْ، فَيَمْتَنِعُ النَّاسُ مِنْ سُلُوكِ الطَّرِيقِ الَّتِي هُمْ بِهَا، فَتَنْقَطِعُ بِذَلِكَ.

فَأَخْبَرَ اللهُ أَنَّ جَزَاءَهُمْ وَنَكَالَهُمْ عِنْدَ إِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِمْ أَنْ يُفْعَلَ بِهِمْ وَاحِدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ».

وَقَطْعُ الطَّرِيقِ، وَتَرْوِيعُ الْآمِنِينَ وَالسَّابِلَةِ، وَإِخَافَةُ النَّاسِ، وَتَخْرِيبُ الْمُنْشَآتِ، وَتَفْجِيرُ الْأَبْرَاجِ الْكَهْرُبَائِيَّةِ وَالْأَكْشَاكِ، وَالِاعْتِدَاءُ عَلَى الْمُمْتَلَكَاتِ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ؛ كُلُّ ذَلِكَ مِنَ الْحِرَابَةِ؛ مِنَ الْإِفْسَادِ في الْأَرْضِ، مِمَّا يَسْتَحِقُّ صَاحِبُهُ الْعَارَ وَالشَّنَارَ فِي الدُّنْيَا، مَعَ مَا لَهُ مِنَ الْعَذَابِ الْأَلِيمِ الْعَظِيمِ فِي الْآخِرَةِ.

عِبَادَ اللهِ! لَقَدْ دُعِيَ الْمَلِكُ فَيْصَلُ -رَحِمَهُ اللهُ- إِلَى مُؤْتَمَرٍ صَحَافِيٍّ عَالَمِيٍّ فِي أَمِرِيكَا؛ لِيُجِيبَ عَنْ أَسْئِلَةِ كِبَارِ الْكُتَّابِ وَالْمُفَكِّرِينَ -وَفِيهِمُ الْكَثِيرُ مِنَ الْيَهُودِ-؛ فَسَأَلَهُ أَحَدُهُمْ -قَاصِدًا إِحْرَاجَهُ-:

سَمِعْنَا أَنَّكُمْ تُعَاقِبُونَ السَّارِقَ بِقَطْعِ يَدِهِ، وَالزَّانِيَ بِالرَّجْمِ، وَتِلْكَ عُقُوبَاتٌ بَرْبَرِيَّةٌ هَمَجِيَّةٌ، تَرْفُضُهَا مَدَنِيَّةُ الْقَرْنِ الْعِشْرِينَ؟!!

فَأَطْرَقَ الْمَلِكُ -رَحِمَهُ اللهُ-، ثُمَّ نَظَرَ إِلَى الْيَهُودِيِّ، وَقَالَ بِهُدُوءٍ:

أُحِبُّ أَنْ أُؤَكِّدَ لَكَ أَنَّ تَطْبِيقَ تِلْكَ الْعُقُوبَةِ خِلَالَ السَّنَةِ الْمَاضِيَةِ قَدِ اقْتَصَرَ عَلَى حَادِثَتَيْنِ فِي بِلَادٍ شَاسِعَةٍ؛ كَالْمَمْلَكَةِ الْعَرَبِيَّةِ السُّعُودِيَّةِ، وَقَدِ انْقَطَعَ دَابِرُ السَّرِقَةِ -أَوْ كَادَ- فِي بِلَادِنَا.

ثُمَّ قُلْ لِي أَنْتَ: هَلْ حَقَّقَتْ قَوَانِينُكُمُ الْوَضْعِيَّةُ الْقَضَاءَ عَلَى السَّرِقَاتِ، أَمْ أَنَّهَا شَجَّعَتِ النَّاسَ عَلَى التَّفَنُّنِ فِيهَا؟!!

لَقَدْ قَرَأْتُ فِي صُحُفِكُمُ الْيَوْمَ مِئَاتِ الْحَوَادِثِ عَنِ السَّرِقَاتِ الْمَصْحُوبَةِ بِالْعُنْفِ الَّتِي يَذْهَبُ ضَحِيَّتَهَا كُلَّ سَنَةٍ مِئَاتُ الْأُلُوفِ مِنَ الْأَبْرِيَاءِ.

هَلْ هَذَا الْقَانُونُ أَفْضَلُ؛ أَمْ قَانُونُكُمْ؟!!

أَمَّا عُقُوبَةُ رَجْمِ الزَّانِي؛ فَقَدْ أَحَاطَهَا الْإِسْلَامُ بِاحْتِرَازَاتٍ كَثِيرَةٍ، تَجْعَلُ إِقَامَةَ الْحَدِّ فِيهَا مُتَعَذِّرَةً لِلْغَايَةِ، أَهَذَا أَفْضَلُ؛ أَمْ مَا فِي مُجْتَمَعِكُمْ مِنْ مَبَاذِلَ أَخْلَاقِيَّةٍ أَسْتَحِيِي أَنْ أُشِيرَ إِلَيْهَا؟!!

فَحَنَى الْيَهُودِيُّ رَأْسَهُ مُوَافِقًا، وَضَجَّتِ الْقَاعَةُ بِتَصْفِيقِهِمْ.

مَعَ أَنَّ السَّائِلَ يَهُودِيٌّ، وَرَجْمُ الزَّانِي الْمُحْصَنِ مِنَ الْعُقُوبَاتِ الَّتِي قَرَّرَهَا اللهُ -تَعَالَى- فِي التَّوْرَاةِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْحُدُودِ الْمَذْكُورَةِ فِي التَّوْرَاةِ الَّتِي يُؤْمِنُ بِهَا هَذَا السَّائِلُ الْيَهُودِيُّ!!

وَلَكِنْ مَحْضُ الِافْتِرَاءِ عَلَى دِينِ الْإِسْلَامِ الْعَظِيمِ!! مَحْضُ الْبُهْتَانِ!!


مِنْ مَظَاهِرِ الْحِرْصِ عَلَى الشَّأْنِ الْعَامِّ:

الْحِفَاظُ عَلَى الْمَالِ الْعَامِّ

إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ أَبْوَابِ الْحِرْصِ عَلَى الشَّأْنِ الْعَامِّ وَمَصْلَحَةِ الْمَجْمُوعِ: الْحِفَاظَ عَلَى الْمَالِ الْعَامِّ؛ فَاتَّقِ اللهَ -عَبْدَ اللهِ-، وَاعْلَمْ أَنَّ اللهَ سَائِلُكَ، وَأَنَّكَ لَا بُدَّ أَنْ تُؤَاخِذَ نَفْسَكَ قَبْلَ أَنْ يُؤَاخِذَكَ.

الدَّمُ وَالْمَالُ.. إِيَّاكَ أَنْ تَعْتَدِيَ عَلَى مَالِ أَخِيكَ؛ فَإِنَّ اللهَ حَرَّمَ السَّرِقَةَ، وَحَرَّمَ الْغَصْبَ، وَحَرَّمَ الرِّشْوَةَ، وَحَرَّمَ أَكْلَ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ، وَحَرَّمَ أَكْلَ أَمْوَالِ الْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ.

الْيَوْمَ عِنْدَمَا تَنْظُرُ فِي الْمَالِ الْعَامِّ -مَالِي وَمَالُكَ، مَالُ كُلِّ مَنْ يَقْطُنُ هَذَا الْبَلَدَ، مَالُ الْمُسْلِمِينَ أَجْمَعِينَ، الْمَالُ الْعَامُّ تَتَعَلَّقُ بِهِ ذِمَمُ الْمُسْلِمِينَ أَجْمَعِينَ-؛  تَجِدُ النَّاسَ فِي جُمْلَتِهِمْ لَا يَرْقُبُونَ فِي الْمَالِ الْعَامِّ -مَالٌ تَعَلَّقَتْ بِهِ جَمِيعُ ذِمَمِ الْمُسْلِمِينَ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِمْ وَأَحْيَانِهِمْ-؛ لَا يَرْقُبُونَ فِي هَذَا الْمَالِ الْعَامِّ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً، وَلَا يُرَاعُونَهُ بِحَالٍ أَبَدًا!!

لا يَسْتَقِرُّ فِي عَقْلِ وَاحِدٍ وَلَا فِي وِجْدَانِهِ أَنَّ هَذَا الْمَالَ مَالُهُ، وَأَنَّ هَذَا الْمَالَ تَتَعَلَّقُ بِهِ ذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمُجْتَمَعِ كُلِّهِ، وَأَنَّ الْإِثْمَ فِيهِ أَكْبَرُ مِنَ الْإِثْمِ الْوَاقِعِ عَلَيْهِ عِنْدَمَا يَقَعُ عَلَى مَالٍ خَاصٍّ؛ لِأَنَّ الْمَالَ الْعَامَّ تَعَلَّقَتْ بِهِ ذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ.

فَعَلَيْنَا أَنْ نَتَّقِيَ اللهَ رَبَّنَا فِي أُمَّتِنَا، وَفِي أَرْضِنَا الْمُسْلِمَةِ الَّتِي أَقَامَنَا اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ عَلَيْهَا، نُدَافِعُ عَنْهَا إِلَى آخِرِ قَطْرَةٍ مِنْ دِمَائِنَا، وَإِلَى آخِرِ مَا فِي أَرْوَاحِنَا مِنْ دِمَاءٍ، وَمَا فِي عُرُوقِنَا مِنْ دِمَاءٍ.

عِبَادَ اللهِ! لِلْغُلُولِ عُقُوبَةٌ فِي حَالِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَفِي الْبَرْزَخِ مِنْ بَعْدِ الْوَفَاةِ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ، ثُمَّ فِي الْقِيَامَةِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ فِي النَّارِ، وَبِئْسَ الْقَرَارُ.

وَالْغُلُولُ فِي الْأَصْلِ هُوَ: الْخِيَانَةُ.

وَأَصْلُهُ: هُوَ أَنْ يَأْخُذَ الْإِنْسَانُ شَيْئًا مِنَ الْغَنِيمَةِ قَبْلَ الْمَقَاسِمِ.

وَهُوَ فِي زَمَانِنَا -كَمَا قَالَ عُلَمَاؤُنَا-: ((الْمَالُ الْعَامُّ)).

فَالْمَالُ الْعَامُّ مَا أُخِذَ مِنْهُ فَهُوَ غُلُولٌ، وَالَّذِي يَتَنَزَّلُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الرَّسُولُ ﷺ مِنَ الْغُلُولِ هُوَ بِعَيْنِهِ مَا يَتَنَزَّلُ عَلَى الْمَالِ الْعَامِّ؛ لِأَنَّ الْمَالَ الْعَامَّ كَالْغَنِيمَةِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ، تَتَعَلَّقُ بِهِ ذِمَمُ جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ، فَلِكُلِّ الْمُسْلِمِينَ فِيهِ حَقٌّ.

وَالِاعْتِدَاءُ عَلَى الْغَنِيمَةِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ كَالِاعْتِدَاءِ عَلَى الْمَالِ الْعَامِّ بِغَيْرِ حَقٍّ، هُوَ اعْتِدَاءٌ عَلَى مَا يَخُصُّ جَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ.

فَالتَّوَرُّطُ فِي الْمَالِ الْعَامِّ بِأَخْذِ مَا لَا يَحِلُّ، أَوْ إِتْلَافِ مَا لَا يَصِحُّ أَنْ يُتْلَفَ -كَالْأَخْذِ مِنَ الْغَنِيمَةِ قَبْلَ الْمَقَاسِمِ- هُوَ أَكْبَرُ مِنَ الِاعْتَدَاءِ عَلَى الْمَالِ الْخَاصِّ؛ لِأَنَّ الْمَالَ الْخَاصَّ إِنَّمَا تَتَعَلَّقُ بِهِ ذِمَّةُ فَرْدٍ بِعَيْنِهِ، وَأَمَّا الْمَالُ الْعَامُّ.. وَأَمَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْغَنِيمَةِ قَبْلَ الْمَقَاسِمِ؛ فَهُوَ أَمْرٌ تَتَعَلَّقُ بِهِ ذِمَمُ جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ.

فَعُقُوبَةُ الغُلُولِ كَمَا قَالَ اللهُ -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ- فِي كِتَابِهِ الْعَظِيمِ: {وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [آل عِمْرَان: 161].

* وَأمَّا عُقُوبَتُهُ فِي الْقَبْرِ: فَفِي «الصَّحِيحَيْنِ»: أنَّ النبيَّ ﷺ أَخْبَرَ عَنِ الرَّجُلِ الَّذِي غَلَّ شَمْلَةً يَوْمَ خَيْبَرَ، فَقَالَ: «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! إِنَّ الشَّمْلَةَ الَّتِي أَخَذَهَا يَوْمَ خَيْبَرَ مِنَ المَغَانِمِ قَبْلَ المَقَاسِمِ تَشْتَعِلُ عَلَيْهِ فِي قَبْرِهِ نَارًا».

وَالشَّمْلةُ: تَلْفِيعَةٌ، أَوْ هِيَ كِسَاءٌ يُمْكِنُ أنْ يُحِيطَ بِهِ المَرْءُ بَدَنَهُ.

وَالنَّبِيُّ ﷺ -كَمَا في «الصَّحِيحَيْنِ» عَنْ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-- مَرَّ مَعَ الصَّحَابَةِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- على قُبُورٍ، فَقَالَ الصَّحَابَةُ: فُلَانٌ شَهِيدٌ، ثُمَّ قَالُوا: فُلَانٌ شَهِيدٌ، ثُمَّ قَالُوا: فُلَانٌ شَهِيدٌ.

فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِلْقَبْرِ الثَّالِثِ: «كلَّا، إِنِّي رَأَيْتُهُ في النَّارِ في بُرْدَةٍ غَلَّهَا أَوْ عَبَاءَةٍ».

إِذَنْ؛ الْغُلُولُ: هُوَ الْأَخْذُ مِنَ الْمَالِ الْعَامِّ، يُعَاقَبُ بِهِ الْمَرْءُ في قَبْرِهِ؛ اشْتِعَالًا لَهُ عَلَيْهِ في قَبْرِهِ، كَمَا أَخْبَرَ الرَّسُولُ ﷺ.

* وَكَذَلِكَ الْعُقُوبَةُ بِهِ فِي الْمَوْقِفِ: فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- -كَمَا فِي «الصَّحِيحَيْنِ»- قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ، فَذَكَرَ الْغُلُولَ، فَعَظَّمَهُ وَعَظَّمَ أَمْرَهُ، ثُمَّ قَالَ: «لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ بَعِيرٌ لَهُ رُغَاءٌ، يَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ.

لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ فَرَسٌ لَهُ حَمْحَمَةٌ -وَهُوَ صَوْتُ الْفَرَسِ فِيمَا دُونَ الصَّهِيلِ-، فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ.

لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ شَاةٌ لَهَا ثُغَاءٌ، يَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ.

لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ نَفْسٌ لَهَا صِيَاحٌ، فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ.

لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ رِقَاعٌ تَخْفِقُ -يَعْنِي: غَلَّ ثِيَابًا، أَوْ مَا يَسِيرُ مَسَارَ ذَلِكَ، وَيُدْرَجُ فِي سِلْكِهِ-، فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ.

لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ صَامِتٌ -يَعْنِي: ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً-، فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ».

لَقَدْ عَظَّمَ الرَّسُولُ ﷺ وَشَدَّدَ فِي أَمْرِ الْغُلُولِ، وَهُوَ الْأَخْذُ مِنَ الْمَالِ الْعَامِّ؛ لِأَنَّ الْمَالَ الْعَامَّ تَتَعَلَّقُ بِهِ ذِمَمُ جَمِيعِ أَفْرَادِ الْأُمَّةِ، فَمَنْ أَخَذَ شَيْئًا مِنَ الْمَالِ الْعَامِّ سَرِقَةً وَاغْتِصَابًا وَنَهْبًا؛ فَكَأَنَّمَا سَرَقَ مِنْ جَمِيعِ أَفْرَادِ الْأُمَّةِ؛ لِأَنَّ الْمَسْرُوقَ الْمَغْلُولَ الْمُغْتَصَبَ الْمَنْهُوبَ يَتَعَلَّقُ بِذِمَمِ جَمِيعِ أَفْرَادِ الْأُمَّةِ، وَأَمَّا الَّذِي يَسْرِقُ مِنْ فُلَانٍ بِعَيْنِهِ؛ فَقَدْ تَعَلَّقَت ذِمَّتُهُ بِهَذَا الَّذِي سَرَقَ مِنْهُ وَحْدَهُ.

أَعَلِمْتَ لِمَاذَا يُشَدِّدُ الدِّينُ فِي سَرِقَةِ الْمَالِ الْعَامِّ؟!!

أَعَلِمْتَ لِمَ يُشَدِّدُ الدِّينُ فِي مُوَاقَعَةِ الْمَرْءِ لِلْحَدَائِقِ الْعَامَّةِ تَخْرِيبًا وَإِفْسَادًا؟!!

وَلِمَ يُشَدِّدُ الدِّينُ فِي نَهْبِ وَسَلْبِ الْمُمْتَلَكَاتِ الْعَامَّةِ فِي الْمُؤَسَّسَاتِ، فِي الْمُسْتَشْفَيَاتِ، وَفِي الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ، وَفِي الْمُوَصِّلَاتِ الْعَامَّةِ؟!!

لِأَنَّهُ مَالُ الْأُمَّةِ.

وَهَلْ رَأَيْتَ عَاقِلًا يَسْرِقُ نَفْسَهُ؟!!

فَالَّذِي يَسْرِقُ مِنَ الْمَالِ الْعَامِّ، وَالَّذِي يُخَرِّبُ فِي الْمَالِ الْعَامِّ إِنَّمَا يُخَرِّبُ فِي مَالِ نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا يُعَجِّلُ بِدَمَارِ أُمَّتِهِ -وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ-.

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ! النَّبِيُّ ﷺ إِنَّمَا جَاءَ بِالْخَيْرِ وَبِالْحَقِّ، فَاتَّبِعُوهُ تَهْتَدُوا.

عِبَادَ اللهِ! مِنَ الْإِفْسَادِ فِي الْأَرْضِ: التَّخْرِيبُ، وَالتَّحْرِيقُ، وَإِرَاقَةُ الدِّمَاءِ، وَالاعْتِدَاءُ عَلَى الْمُمْتَلَكَاتِ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ؛ فَكُلُّ ذَلِكَ مِنَ الْإِفْسَادِ فِي الْأَرْضِ، يَقُومُ بِهِ مَنْ يَقُومُ مِنَ الْمُنْتَمِينَ إِلَى الْجَمَاعَاتِ الْمُنْحَرِفَةِ مِنَ الْإِخْوَانِ الْمُسْلِمِينَ، وَمِنَ التَّكْفِيرِيِّينَ مِنَ الْقُطْبِيِّينَ وَغَيْرِهِم، مِنَ الْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ الْمُحَارِبِينَ للهِ وَرَسُولِهِ، السَّاعِينَ فِي الْأَرْضِ بِالْفَسَادِ وَالْإِفْسَادِ، الْبَاغِينَ لِهَذَا الْوَطَنِ الضَّيَاعَ وَالسُّقُوطَ فِي هَاوِيَةٍ لَا قَرَارَ لَهَا!!

اسْتَعِينُوا بِاللهِ وَاصْبِرُوا!

حَافِظُوا عَلَى مُمْتَلَكَاتِكُمْ!

حَافِظُوا عَلَى مُؤَسَّسَاتِكُمْ!

حَافِظُوا عَلَى مُنْشَآتِكُمْ!

حَافِظُوا عَلَى أَمْوَالِ الْأُمَّةِ! وَكُونُوا عَلَيْهَا سَاهِرِينَ!

وَاللهُ يَرْعَاكُمْ، وَيَتَوَلَّاكُمْ، وَهُوَ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ.


مِنْ مَظَاهِرِ الْحِرْصِ عَلَى الشَّأْنِ الْعَامِّ:

تَلْبِيَةُ حَاجَاتِ الْمُجْتَمَعِ الضَّرُورِيَّةِ

مِنْ أَعْظَمِ مَعَالِمِ وَمَظَاهِرِ الْحِفَاظِ عَلَى الْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ: تَلْبِيَةُ حَاجَاتِ الْمُجْتَمَعِ الضَّرُورِيَّةِ؛ فَأَحَبُّ النَّاسِ إِلَى اللهِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ، وَقَدْ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ؟ وَأَيُّ الْأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ؟

فَقَالَ ﷺ: «أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى اللهِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ، وَأَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ- سُرُورٌ تُدْخِلُهُ عَلَى مُسْلِمٍ؛ تَكْشِفُ عَنْهُ كُرْبَةً، أَوْ تَقْضِي عَنْهُ دَيْنًا، أَوْ تَطْرُدُ عَنْهُ جُوعًا».

وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يُسْلِمُهُ، مَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ؛ كَانَ اللهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً؛ فَرَّجَ اللهُ عَنْهُ بِهَا كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ».

وَشَتَّانَ مَا بَيْنَ كُرْبَةِ الدُّنْيَا وَكُرْبَةِ الْآخِرَةِ، فَهَذَا عَطَاءٌ مِنْ صَاحِبِ الْعَطَاءِ وَالْفَضْلِ: «فَرَّجَ اللهُ عَنْهُ بِهَا كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ.

وَيَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ: «عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ».

قِيلَ: أَرَأيْتَ إِنْ لَمْ يَجِدْ؟

قَالَ: «يَعْتَمِلُ بِيَدِهِ؛ فَيَنْفَعُ نَفْسَهُ وَيَتَصَدَّقُ».

قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ؟

قَالَ: «يُعِينُ ذَا الْحَاجَةِ الْمَلْهُوفَ».

قَالَ: قِيلَ لَهُ: أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ؟

قَالَ: «يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ أَوِ الخَيْرِ».

قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ يَفْعَلْ؟

قَالَ: «يُمْسِكُ عَنِ الشَّرِّ؛ فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ».

حَتَّى إِذَا مَا أَمْسَكَ الْإِنْسَانُ عَنِ الشَّرِّ؛ فَقَدْ أَتَى بِالصَّدَقَةِ، إِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَأْمُرَ بِالْمَعْرُوفِ، وَأَنْ يَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ، وَإِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُعِينَ ذَا الْحَاجَةِ الْمَلْهُوفَ، وَإِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَعْتَمِلَ بِيَدِهِ، فَيَنْفَعُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- بِهِ ذَاتَهُ، وَيَتَصَدَّقُ عَلَى خَلْقِ اللهِ؛ فَعَلَيْهِ أَنْ يُمْسِكَ عَنِ الشَّرِّ فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ، فَمَنْ أَمْسَكَ عَنِ الشَّرِّ؛ فَقَدْ تَصَدَّقَ، كَمَا قَالَ الرَّسُولُ ﷺ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَى صِحَّتِهِ.

مِنْ أَعْظَمِ مَعَالِمِ الْحِرْصِ عَلَى الشَّأْنِ الْعَامِّ: الْإِحْسَانُ إِلَى الْجِيرَانِ؛ فَالْجَارُ لَهُ حَقٌّ بِإِطْلَاقٍ؛ سَوَاءٌ كَانَ مُسْلِمًا أَمْ كَانَ كَافِرًا، سَوَاءٌ كَانَ طَائِعًا أَمْ كَانَ عَاصِيًا، سَوَاءٌ كَانَ عَالِمًا أَمْ كَانَ جَاهِلًا، سَوَاءٌ كَانَ مُصَالِحًا أَمْ كَانَ مُخَاصِمًا.

الْجَارُ -مُطْلَقُ الْجَارِ- لَهُ حَقٌّ؛ لِأَنَّ النُّصُوصَ وَرَدَتْ مُطْلَقَةً مِنْ غَيْرِ قَيْدٍ، وَهَذَا نَبِيُّكُمْ ﷺ يَقُولُ قَوْلًا مُرْسَلًا عَامًّا، مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ قَيْدٍ: ((مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ)).

قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ -كَمَا فِي ((الصَّحِيحَيْنِ))-: ((وَاللهِ لَا يُؤْمِنُ، وَاللهِ لَا يُؤْمِنُ، وَاللهِ لَا يُؤْمِنُ)) ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.

قَالَ الْأَصْحَابُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ-: مَنْ يَا رَسُولَ اللهِ؟

قَالَ: ((الَّذِي لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ)).

قَالُوا -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ-: وَمَا بَوَائِقُهُ يَا رَسُولَ اللهِ؟

قَالَ: ((شَرُّهُ)).

حَقُّ الْجَارِ حَقٌّ لَازِمٌ أَحَقَّهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ، لَيْسَ مِنَّةً مِنْكَ وَلَا تَفَضُّلًا، إِذَا مَا وَصَلْتَ جَارَكَ؛ فَهَذَا لَيْسَ مِنَّةً مِنْكَ، بَلْ هُوَ مُعَلَّقٌ عَلَى رَقَبَتِكَ، هُوَ أَمْرٌ لَا بُدَّ مِنْ رِعَايَتِهِ، وَلَا بُدَّ مِنْ حِيَاطَتِهِ، وَلَا بُدَّ مِنَ الِالْتِفَاتِ إِلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لَازِمٌ وَعَظِيمٌ.

وَعِنْدَ الْبَزَّارِ وَالطَّبَرَانِيِّ مِنْ رِوَايَةِ أَنَسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ: ((مَا آمَنَ بِي مَنْ بَاتَ شَبْعَانَ وَجَارُهُ جَائِعٌ إِلَى جَنْبِهِ وَهُوَ يَعْلَمُ بِهِ)).

وَمِنَ الْحِرْصِ عَلَى الشَّأْنِ الْعَامِّ: كَفَالَةُ الْأَرَامِلِ، وَرِعَايَةُ الْيَتَامَى، وَتَزْوِيجُ الْيَتِيمَاتِ، قَالَ تَعَالَى: {وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ} [البقرة: 177].

وَأَعْطَى الْمَالَ عَلَى شِدَّةِ حُبِّهِ لَهُ الْفُقَرَاءَ مِنْ أَهْلِ قَرَابَتِهِ، وَالْيَتَامَى الَّذِينَ تُوُفِّيَ آبَاؤُهُمْ وَلَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ، وَالْمَسَاكِينَ الَّذِينَ يَدُلُّ ظَاهِرُهُمْ عَلَى أَنَّهُمْ ذَوُوا حَاجَةٍ، وَالْمُسَافِرَ الْمُنْقَطِعَ عَنْ أَهْلِهِ، وَالطَّالِبِينَ الْمُسْتَطْعِمِينَ، وَأَعْطَى الْمَالَ فِي مُعَاوَنَةِ الْمُكَاتَبِينَ؛ حَتَّى يَفُكُّوا رِقَابَهُمْ، أَوْ فِي فَكِّ الْأَسْرَى مِنْ أَيْدِي الْعَدُوِّ بِفِدَائِهِمْ.

إِنَّ فِي السَّعْيِ عَلَى الْيَتِيمِ أَجْرًا، وَفِي الْإِحْسَانِ إِلَيْهِ أَجْرًا، لَا سِيَّمَا مَنْ وَجَدَ يَتِيمًا فِي بَيْتِهِ -سَوَاءٌ لِقَرَابَتِهِ أَوْ لِإِخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ-، وَأَحْسَنَ إِلَيْهِ، وَعَلَّمَهُ وَأَدَّبَهُ حَتَّى بَلَغَ الْحِنْثَ، فَكَمْ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ عِنْدَ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-؟!!

وَقَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ فِي الْجَنَّةِ كَهَاتَيْنِ»، وَجَمَعَ بَيْنَ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى؛ يَعْنِي: أَنَّهُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْجَنَّةِ، وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ الثَّوَابِ وَالْأَجْرِ؛ أَنْ يُحْشَرَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْجَنَّةِ بِسَبَبِ عَمَلٍ صَالِحٍ قَدَّمَهُ فِي الدُّنْيَا.

وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ فِي ((الصَّحِيحِ))، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ فِي الْجَنَّةِ هَكَذَا»، وَقَالَ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى.

قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ -رَحِمَهُ اللهُ-: «حُقَّ عَلَى مَنْ سَمِعَ هَذَا الْحَدِيثَ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ؛ لِيَكُونَ رَفِيقَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْجَنَّةِ، وَلَا مَنْزِلَةَ فِي الْآخِرَةِ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ».

فَكَفَالَةُ الْيَتِيمِ جَزَاؤُهَا عَظِيمٌ جِدًّا، فَلْيَحْرِصِ الْإِنْسَانُ عَلَى أَنْ يُصِيبَ مِنْ ذَلِكَ مَا تَقَرُّ بِهِ عَيْنُهُ فِي الْآخِرَةِ.

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «السَّاعِي عَلَى الْأَرْمَلَةِ وَالْمَسَاكِينِ كَالْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَكَالَّذِي يَصُومُ النَّهَارَ وَيَقُومُ اللَّيْلَ». أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي «الصَّحِيحِ»، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي «صَحِيحِهِ».

فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْعَظِيمِ: بَيَانُ أَنَّ السَّعْيَ عَلَى الْأَرْمَلَةِ وَالْيَتِيمِ وَالْمَسَاكِينِ، وَالْإِنْفَاقَ عَلَيْهِمْ، وَالْقِيَامَ عَلَى أُمُورِهِمْ جِهَادٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَكَالَّذِي يَصُومُ النَّهَارَ وَيَقُومُ اللَّيْلَ.

وَفِيهِ: أَنَّ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ يَتَحَصَّلُ الْمَرْءُ مِنْهُ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ الْحَسَنَاتِ، وَعَلَى الْإِنْسَانِ أَلَّا يَحْقِرَنَّ مِنَ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا.

وَيَنْبَغِي عَلَيهِ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي تَوْصِيلِ الْخَيْرَاتِ إِلَى الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْأَرَامِلِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْأَيْتَامِ وَالْمُعْوِزِينَ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ أَعْظَمِ وُجُوهِ الْبِرِّ وَالْقُرَبِ وَالطَّاعَاتِ؛ حَتَّى جَعَلَهُ ﷺ كَالْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَصِيَامِ النَّهَارِ، وَقِيَامِ اللَّيْلِ.

وَمِنْ صُوَرِ الْحِرْصِ عَلَى الشَّأْنِ الْعَامِّ وَتَحْقِيقِ الْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ: حَفْرُ آبَارِ الْمِيَاهِ أَوْ تَوْفِيرُ الْمِيَاهِ النَّقِيَّةِ، وَغَرْسُ النَّخْلِ، وَبِنَاءُ الْمَسَاجِدِ وَالْمَدَارِسِ وَالْمُسْتَشْفَيَاتِ، وَنَشْرُ الْكُتُبِ النَّافِعَةِ؛ فَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «سَبْعٌ تَجْرِي لِلْعَبْدِ بَعْدَ مَوْتِهِ وَهُوَ فِي قَبْرِهِ: مَنْ عَلَّمَ عِلْمًا، أَوْ كَرَى نَهْرًا، أَوْ حَفَرَ بِئْرًا، أَوْ غَرَسَ نَخْلًا، أَوْ بَنَى مَسْجِدًا، أَوْ وَرَّثَ مُصْحَفًا، أَوْ تَرَكَ وَلَدًا يَسْتَغْفِرُ لَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ». رَوَاهُ الْبَزَّارُ وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي «الْحِلْيَةِ»، وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ لِغَيْرِهِ.

«لَيْسَ صَدَقَةٌ أَعْظَمَ أَجْرًا مِنْ مَاءٍ». رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ لِغَيْرِهِ.

يَحْفِرُ بِئْرًا، يَجْعَلُ لِلنَّاسِ صُنْبُورًا فِي سَبِيلٍ، يَبْذُلُ الْمَاءَ لِابْنِ السَّبِيلِ وَالْعَطْشَانِ؛ «لَيْسَ صَدَقَةٌ أَعْظَمَ أَجْرًا مِنْ مَاءٍ».

وَتَلَوُّثُ الْمِيَاهِ شَائِعٌ ذَائِعٌ لَا يَخْفَى، وَتَدِبُّ بِسَبَبِهِ أَمْرَاضٌ تَفْتِكُ بِالْأَجْسَادِ وَتَفْرِيهَا فَرْيًا، فَمَنْ شَارَكَ أَوْ صَنَعَ لَهُمْ صَنِيعًا لِيَكُونَ مَاؤُهُمْ بَعِيدًا عَنْ هَذَا التَّلَوُّثِ؛ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي الْحَدِيثِ، وَقَدْ أَتَى بِأَعْظَمِ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَتَقَرَّبَ بِهِ عَبْدٌ إِلَى اللهِ.

وَمِنْ صُوَرِ الْحِرْصِ عَلَى الشَّأْنِ الْعَامِّ: الْمُسَارَعَةُ فِي قَضَاءِ دُيُونِ الْفُقَرَاءِ وَالْغَارِمِينَ؛ فَعَنْ سَعْدِ بْنِ الْأَطْوَلِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: أَنَّ أَخَاهُ مَاتَ وَتَرَكَ ثَلَاثَمِائَةِ دِرْهَمٍ، وَتَرَكَ عِيَالًا، فَأَرَدْتُ أَنْ أُنْفِقَهَا عَلَى عِيَالِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ أَخَاكَ مَحْبُوسٌ بِدَيْنِهِ؛ فَاذْهَبْ فَاقْضِ عَنْهُ».

قَالَ: فَذَهَبْتُ فَقَضَيْتُ عَنْهُ، ثُمَّ جِئْتُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَدْ قَضَيْتُ عَنْهُ، وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا امْرَأَةٌ تَدَّعِي دِينَارَيْنِ، وَلَيْسَتْ لَهَا بَيِّنَةٌ.

قَضَيْتُ جَمِيعَ الدُّيُونِ إِلَّا دِينَارَيْنِ، جَاءَتِ امْرَأَةٌ فَادَّعَتْ أَنَّ لَهَا عَلَى أَخِي هَذَيْنِ الدِّينَارَيْنِ وَلَيْسَ لَهَا بَيِّنَةٌ، لَمَّا طَالَبْتُهَا بِالْبَيِّنَةِ؛ أَعِنْدَكِ صَكٌّ؟!!

قَالَتْ: لَا.

أَعِنْدَكِ شُهُودٌ؟!!

قَالَتْ: لَا.

فَلَيْسَ عِنْدَهَا بَيِّنَةٌ، مَا هُوَ إِلَّا مَحْضُ الْقَوْلِ، وَمَحْضُ الِادِّعَاءِ.

قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَعْطِهَا؛ فَإِنَّهَا صَادِقَةٌ».

وَفِي رِوَايَةٍ: ((..فَإِنَّهَا مُحِقَّةٌ)).

فَأَمَرَهُ الرَّسُولُ ﷺ أَنْ يُؤَدِّيَ لِلْمَرْأَةِ مَا عَلَى أَخِيهِ مِنَ الدَّيْنِ.

انْظُرْ لِقَوْلِ نَبِيِّكَ ﷺ: ((إِنَّ أَخَاكَ مَحْبُوسٌ بِدَيْنِهِ)).

إِلَّا الدَّيْنَ!!

الْتَفِتْ لِهَذَا جَيِّدًا.

قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((إِنَّ أَخَاكَ مَحْبُوسٌ بِدَيْنِهِ)).

فَهُوَ يُحْبَسُ فِي قَبْرِهِ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ.

أَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ الصَّحَابِيَّ أَنَّ أَخَاهُ مَحْبُوسٌ بِسَبَبِ دَيْنِهِ.

وَيُمْكِنُ أَنْ يُفَسَّرَ هَذَا الْحَبْسُ بِالْحَدِيثِ الْآخَرِ.

فَالرَّسُولُ ﷺ يَقُولُ: ((إِنَّهُ مَأْسُورٌ بِدَيْنِهِ عَنِ الْجَنَّةِ)) يَعْنِي: مَحْبُوسٌ بِدَيْنِهِ، إِنَّهُ مَأْسُورٌ بِدَيْنِهِ عَنِ الْجَنَّةِ.

فَالَّذِي يَمُوتُ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ؛ يُؤْسَرُ وَيُحْبَسُ بِدَيْنِهِ عَنِ الْجَنَّةِ، لَا يَدْخُلُهَا حَتَّى يُؤَدَّى عَنْهُ دَيْنُهُ.

وَفِي حَدِيثِ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: ((صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ عَلَى جَنَازَةٍ -وَفِي رِوَايَةٍ: صَلَّى الصُّبْحَ- فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: ((أَهَاهُنَا مِنْ آلِ فُلَانٍ أَحَدٌ؟!!))

فَسَكَتَ الْقَوْمُ، وَكَانَ إِذَا ابْتَدَأَهُمْ بِشَيْءٍ سَكَتُوا -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ-؛ أَدَبًا مَعَ الرَّسُولِ، ﷺ.

فَقَالَ ذَلِكَ مِرَارًا -ثَلَاثَ مَرَّاتٍ-، لَا يُجِيبُهُ أَحَدٌ، ((أَهَاهُنَا مِنْ آلِ فُلَانٍ أَحَدٌ؟!!)).

لَا يُجِيبُهُ أَحَدٌ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ يَقُولُهَا ﷺ.

وَبَعْدَ الثَّالِثَةِ، قَالَ رَجُلٌ: هُوَ ذَا يَا رَسُولَ اللهِ -يَعْنِي هَا أَنَا ذَا-، فَقَامَ رَجُلٌ يَجُرُّ إِزَارَهُ مِنْ مُؤَخَّرِ النَّاسِ -يَعْنِي: قَامَ عَجِلًا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ يَجُرُّ إِزَارَهُ وَيُسَوِّيهِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ قَاصِدًا.

فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: ((مَا مَنَعَكَ فِي الْمَرَّتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ أَنْ تَكُونَ أَجَبْتَنِي؟!!)).

يَعْنِي: لِمَ لَمْ تُجِبْنِي فِي الْمَرَّتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ، وَأَجَبْتَ بَعْدَ الثَّالِثَةِ؟!!

فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ مُطَمْئِنًا: ((أَمَا إِنِّي لَمْ أُنَوِّهْ بِاسْمِكَ إِلَّا لِخَيْرٍ))؛ يَعْنِي مَا أَرَدْتُ أَنْ أَسُوءَكَ بِاسْتِدْعَائِكَ، وَإِنَّمَا أَرَدْتُ لَكَ الْخَيْرَ وَلِأَهْلِكَ وَذَوِيكَ.

((إِنَّ فُلَانًا -لِرَجُلٍ مِنْهُمْ- مَأْسُورٌ بِدِينِهِ عَنِ الْجَنَّةِ، فَإِنْ شِئْتُمْ فَافْدُوهُ، وَإِنْ شِئْتُمْ فَأَسْلِمُوهُ إِلَى عَذَابِ اللهِ)).

اللهم اقْضِ عَنَّا دُيُونَنَا يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.

يَقُولُ: ((إِنَّ فُلَانًا..))؛ لِرَجُلٍ مِنْهُمْ مِنْ آلِ فُلَانٍ، مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ مِنْهُمُ الرَّجُلُ الَّذِي جَاءَ يَجُرُّ إِزَارَهُ.

قَالَ: ((فُلَانٌ مِنْكُمْ مَأْسُورٌ بِدَيْنِهِ عَنِ الْجَنَّةِ، فَإِنْ شِئْتُمْ فَافْدُوهُ، وَإِنْ شِئْتُمْ فَأَسْلِمُوهَ إِلَى عَذَابِ اللهِ)).

فَلَوْ رَأَيْتَ أَهْلَهُ، وَمَنْ يَتَحَرَّوْنَ أَمْرَهُ!! قَامُوا فَقَضَوْا عَنْهُ، حَتَّى مَا أَحَدٌ يَطْلُبُهُ بِشَيْءٍ -رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا-، فَأَخَذَ أَهْلُهُ وَعَشِيرَتُهُ يَتَسَابَقُونَ فِي قَضَاءِ دَيْنِهِ؛ حَتَّى مَا يُطَالِبَ أَحَدٌ بِشَيْءٍ.

النَّبِيُّ ﷺ أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ الْجَنَازَةَ يَوْمًا، ثُمَّ تَأَخَّرَ ﷺ لَمَّا عَلِمَ أَنَّ عَلَى صَاحِبِ الْجَنَازَةِ دَيْنًا، ثُمَّ قَالَ ﷺ: ((صَلُّوا عَلَى أَخِيكُمْ)).

فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الْأَصْحَابِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَنَا أَقْضِي مَا عَلَيْهِ.

قَالَ: ((أَنْتَ تَقْضِي مَا عَلَيْهِ؟))

قَالَ: أَنَا أَقْضِي مَا عَلَيْهِ.

فَتَقَدَّمَ النَّبِيُّ ﷺ، فَصَلَّى عَلَى الرَّجُلِ.

فَلَمَّا كَانَ فِي غَدٍ -أَوْ بَعْدَ ذَلِكَ بِيَسِيرٍ- قَالَ: ((مَا فَعَلَتِ الدِّينَارَانِ؟))

كَانَ الرَّجُلُ عَلَيْهِ دِينَارَانِ أَوْ ثَلَاثَةُ دَنَانِيرَ، فَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَلْقَاهُ، يَقُولُ: ((مَا فَعَلَ الدَّيْنُ؟))

يَقُولُ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّمَا هُوَ سَوَادُ اللَّيْلِ وَبَيَاضُ النَّهَارِ؛ يَعْنِي: لَمْ يَمْضِ كَثِيرٌ.

فَمَا زَالَ يَلْقَاهُ، فَيَقُولُ لَهُ: ((مَا فَعَلَ الدَّيْنُ؟))، حَتَّى قَالَ: قَدْ قَضَيْتُهُ عَنْهُ يَا رَسُولَ اللهِ.

قَالَ: ((الْآنَ حِينَ بَرُدَتْ عَلَيْهِ جِلْدَتُهُ)).

يَعْنِي: كَأَنَّمَا يُصَابُ بِمَسِّ النَّارِ وَبِحَرِّهَا، فَلَمَّا قَضَيْتَ عَنْهُ؛ بَرُدَ عَلَيْهِ جِلْدُهُ بَعْدَ أَنْ قُضِيَ عَنْهُ دَيْنُهُ.

فَاللهَ اللهَ فِي الدَّيْنِ -عِبَادَ اللهِ-!

وَمِنَ الصُّوَرِ الْعَظِيمَةِ لِلْحِرْصِ عَلَى الْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ: الْإِنْفَاقُ عَلَى طُلَّابِ الْعِلْمِ الْفُقَرَاءِ؛ فَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ، وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ أَجْرُهُ فِي الْآخِرَةِ، وَيُعَجَّلُ لَكُمْ عِوَضُهُ فِي الدُّنْيَا؛ بَرَكَةً فِي رِزْقِكُمْ، وَنَمَاءً فِي أَمْوَالِكُمْ، وَأَنْتُمْ لَا تُنْقِصُونَ مِنْ ثَوَابِ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا.

يَنْبَغِي عَلَى الْمَرْءِ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي تَوْصِيلِ الْخَيْرَاتِ إِلَى الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْأَرَامِلِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْأَيْتَامِ وَالْمُعْوِزِينَ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ أَعْظَمِ وُجُوهِ الْبِرِّ وَالْقُرَبِ وَالطَّاعَاتِ؛ حَتَّى جَعَلَهُ ﷺ كَالْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَصِيَامِ النَّهَارِ، وَقِيَامِ اللَّيْلِ.


مِنْ مَظَاهِرِ الْحِرْصِ عَلَى الشَّأْنِ الْعَامِّ:

الْحِفَاظُ عَلَى مَرَافِقِ الْوَطَنِ الْعَامَّةِ

إِنَّ صُوَرَ الْعَدَاءِ لِلْوَطَنِ -وَطَنِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ- كَثِيرَةٌ جِدًّا؛ فَكُلُّ مَا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُفْسِدَ الْبِلَادَ عَلَى أَهْلِهَا، أَوْ يُسِيءَ إِلَيْهَا بِكَلِمَةٍ تُعِينُ عَلَى الْفَسَادِ وَالْإِفْسَادِ بِكُلِّ صُورَةٍ -يَعْنِي: سَوَاءً كَانَ هَذَا الْفَسَادُ مِنَ الْمَعَاصِي أَوِ الذُّنُوبِ أَوِ الْمُنْكَرَاتِ, أَوْ كَانَ مِنَ الْجَانِبِ الْآخَرِ فِي صُورَةٍ أُخْرَى؛ وَهِيَ الْغُلُوُّ فِي دِينِ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا--؛ فَكُلُّ ذَلِكَ عَدَاءٌ لِلدِّينِ، وَعَدَاءٌ لِبِلَادِ الْمُسْلِمِينَ، وَمَكْرٌ بِبِلَادِ الْمُسْلِمِينَ، وَمِثْلُ هَذَا -أَيْضًا-: أَحْدَاثُ الْأَحْزَابِ الْخَارِجَةِ عَنْ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامِهِمْ.

وَهَكَذَا عَدَمُ احْتِرَامِ الْمَالِ الْعَامِّ بِالِاعْتِدَاءِ عَلَيْهِ وَالتَّضْيِيعِ لَهُ؛ كَإِفْسَادِ الشَّوَارِعِ، أَوْ قَطْعِ الْأَشْجَارِ الَّتِي غَرَسَهَا الْمُسْلِمُونَ لِلظِّلِّ وَالزِّينَةِ, وَهَذَا يَقَعُ فِي كُلِّ بَلَدٍ تُصَابُ بِالْفَوْضَى وَمَا يُسَمَّى بِالثَّوْرَةِ.

مَا ذَنْبُ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى يُرْزَءُوا فِي أَمْوَالِهِمْ؟!!

مَا ذَنْبُهُمْ حَتَّى تُدَمَّرَ ثَرْوَاتُهُمْ، وَحَتَّى تُخَرَّبَ مُنْشَآتُهُمْ، وَهِيَ مِلْكٌ لِلْمُسْلِمِينَ، وَهِيَ مِنَ الْمَالِ الْعَامِّ؟!!

هَكَذَا عَدَمُ احْتِرَامِ الْمَالِ الْعَامِّ بِالِاعْتِدَاءِ عَلَيْهِ وَالتَّضْيِيعِ لَهُ؛ كَإِفْسَادِ الشَّوَارِعِ، أَوْ قَطْعِ الْأَشْجَارِ الَّتِي غَرَسَهَا الْمُسْلِمُونَ لِلظِّلِّ وَالزِّينَةِ.

وَهَكَذَا نَجِدُ أَنَّ الْإِسْلَامَ رَاعَى حُقُوقَ الْوَطَنِ مَا دَامَ مَحَلًّا لِإِقَامَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَمَكَانًا لِقِيَامِ الشَّعَائِرِ الدِّينِيَّةِ, وَقَدْ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: ((مَنْ آذَى الْمُسْلِمِينَ فِي طُرُقِهِمْ؛ وَجَبَتْ عَلَيْهِ لَعْنَتُهُمْ)). رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَغَيْرُهُ, وَقَدْ حَكَمَ عَلَيْهِ الْأَلْبَانِيُّ بِالْحُسْنِ لِغَيْرِهِ.

الطَّرِيقُ جُزْءٌ مِنْ أَرْضِ الْوَطَنِ.. مِنْ تُرَابِهِ، وَهَكَذَا أَحْكَامٌ كَثِيرَةٌ كُلُّهَا لَهَا ارْتِبَاطٌ بِهَذَا الْمَعْنَى، وَهِيَ كَثِيرَةٌ لَا تُسْتَقْصَى.

مِنْ صُوَرِ الْحِرْصِ عَلَى الشَّأْنِ الْعَامِّ: الْمُحَافَظَةُ عَلَى نَظَافَةِ الطُّرُقِ وَالْأَمَاكِنِ الْعَامَّةِ، وَتَنْحِيَةُ الْأَذَى عَنْهَا؛ فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((لَقَدْ رَأَيْتُ رَجُلًا يَتَقَلَّبُ فِي الْجَنَّةِ فِي شَجَرَةٍ قَطَعَهَا مِنْ ظَهْرِ الطَّرِيقِ كَانَتْ تُؤْذِي النَّاسَ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَيَحْرُمُ عَلَى مَنْ أَرَادَ قَضَاءَ الْحَاجَةِ الْبَوْلُ أَوِ الْغَائِطُ فِي الطَّرِيقِ، أَوْ فِي الظِّلِّ، أَوْ فِي الْحَدَائِقِ الْعَامَّةِ، أَوْ تَحْتَ شَجَرَةٍ مُثْمِرَةٍ، أَوْ مَوَارِدِ الْمِيَاهِ؛ لِمَا رَوَى مُعَاذٌ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((اتَّقُوا الْمَلَاعِنَ الثَّلَاثَةَ: الْبَرَازَ فِي الْمَوَارِدِ، وَقَارِعَةَ الطَّرِيقِ، وَالظِّلَّ)).

وَالْأَمْرُ بِالنَّظَافَةِ لَمْ يَقِفْ عِنْدَ حَدِّ الْأَمْرِ بِالنَّظَافَةِ الشَّخْصِيَّةِ أَوْ نَظَافَةِ الْمَسَاجِدِ وَالْبُيُوتِ، بَلْ وَصَلَ الْأَمْرُ إِلَى التَّوْجِيهِ بِتَنْظِيفِ الْبِيئَةِ الَّتِي يَعِيشُ فِيهَا الْإِنْسَانُ وَيَتَفَاعَلُ مَعَهَا.

قَدْ تَكُونُ هَذِهِ الْبِيئَةُ طَرِيقَهُ الَّذِي يَسِيرُ فِيهِ، أَوْ مَدْرَسَتَهُ أَوْ جَامِعَتَهُ الَّتِي يَتَعَلَّمُ فِيهَا، أَوْ مَكَانًا عَامًّا يَقْضِي مِنْ خِلَالِهِ مَصَالِحَهُ أَوْ يَتَنَزَّهُ فِيهِ.

وَقَدْ عُنِيَ الْإِسْلَامُ عِنَايَةً خَاصَّةً بِتَنْظِيفِ الطُّرُقِ وَالْأَمَاكِنِ الْعَامَّةِ وَإِزَالَةِ الْأَذَى عَنْهَا، وَجَعَلَهَا بَابًا وَاسِعًا مِنْ أَبْوَابِ الْخَيْرِ؛ فَإِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ، وَإِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الْأَمَاكِنِ الْعَامَّةِ صَدَقَةٌ.


مِنْ مَظَاهِرِ الْحِرْصِ عَلَى الشَّأْنِ الْعَامِّ:

أَدَاءُ وَاجِبِ الدِّفَاعِ عَنِ الْوَطَنِ الْإِسْلَامِيِّ

عِبَادَ اللهِ! الْوَطَنُ إِنْ كَانَ إِسْلَاميًّا يَجِبُ أَنْ يُحَبَّ، وَعَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يُشَجِّعَ عَلَى الْخَيْرِ فِي وَطَنِهِ، وَعَلى بَقَائِهِ إِسْلَامِيًّا, وَأَنْ يَسْعَى لِاسْتِقْرَارِ أَوْضَاعِهِ وَأَهْلِهِ, وَهَذَا هُوَ الْوَاجِبُ عَلَى كُلِّ الْمُسْلِمِينَ.

وَمِنْ لَوَازِمِ الْحُبِّ الشَّرْعِيِّ لِلْأَوْطَانِ الْمُسْلِمَةِ أَيْضًا: أَنْ يُحَافَظَ عَلَى أَمْنِهَا وَاسْتِقْرَارِهَا، وَأَنْ تُجَنَّبَ الْأَسْبَابَ الْمُفْضِيَةَ إِلَى الْفَوْضَى وَالِاضْطِرَابِ وَالْفَسَادِ؛ فَالْأَمْنُ فِي الْأَوْطَانِ مِنْ أَعْظَمِ مِنَنِ الرَّحِيمِ الرَّحْمَنِ عَلَى الْإِنْسَانِ.

فَعَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَعْرِفَ قَدْرَ بَلَدِهِ الْإِسْلَامِيِّ، وَأَنْ يُدَافِعَ عَنْهُ، وَأَنْ يَجْتَهِدَ فِي تَحْصِيلِ اسْتِقْرَارِهِ وَأَمْنِهِ، وبُعْدِهِ وَإِبْعَادِهِ عَنِ الْفَوْضَى، وَعَنْ الِاضْطِرَابِ، وَعَنْ وُقُوعِ الْمُشَاغَبَاتِ.

وَعَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يُحِبَّ بَلَدَهُ الْإِسْلَامِيَّ، وَأَنْ يُدَافِعَ عَنْهُ، وَأَنْ يَمُوتَ دُونَهُ؛ فَإِنَّ مَنْ مَاتَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَالْأَرْضُ مَالٌ، فَمَنْ مَاتَ دُونَ مَالِهِ فَهُو شَهِيدٌ.

وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: ((رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا، وَمَوْضِعُ سَوْطِ أحَدِكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ خَيرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا، وَالرَّوْحَةُ يَرُوحُهَا الْعَبْدُ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالْغَدْوَةُ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا)).

((الرِّبَاطُ)): مُرَاقَبَةُ الْعَدُوِّ فِي الثُّغُورِ الْمُتَاخِمَةِ لِبِلَادِ الْمُسْلِمِينَ.

أَوْ مُلَازَمَةُ الْمَكَانِ الَّذِي بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارِ -أَيِ الثُّغُورِ-؛ لِحِرَاسَةِ الْمُسْلِمِينَ وَدِيَارِهِمْ، وَلِمُرَاقَبَةِ عَدُوِّهِمْ.

قَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [آل عمران: 200].

وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((غَدْوَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ أَوْ رَوْحَةٌ خَيْرٌ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَغَرَبَتْ)).

فَضْلُ الْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ فِي سَبِيلِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-.

((خَيْرٌ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَغرَبَتْ)) يَعْنِي: هُوَ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا.

وَ((الْغَدْوَةُ)): الْخُرُوجُ مِنَ الْغُدُوِّ مَا بَيْنَ صَلَاةِ الصُّبْحِ إِلَى الزَّوَالِ.

وَ((الرَّوْحَةُ)): هِيَ الْخُرُوجُ فِي الرَّوَاحِ مَا بَيْنَ الزَّوَالِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ.

فَتِلْكَ الْغَدْوَةُ أَوِ الرَّوْحَةُ الَّتِي يَأْتِي بِهَا الْعَبْدُ فِي سَبِيلِ اللهِ، مُخْلِصًا للهِ، وَعَمَلُهُ مُوَافِقٌ لِشَرْعِ اللهِ، تِلْكَ الْغَدْوَةُ أَوِ الرَّوْحَةُ خَيْرٌ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ أَوْ غَرَبَتْ.

فَفِي هَذَا تَفْضِيلٌ لَهَا عَلَى جَمِيعِ مَتَاعِ الدُّنْيَا مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْقُصُورِ وَالْمَزَارِعِ، وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَمِنْ مَتَاعِهَا كَالنِّسَاءِ وَمَا أَشْبَهَ.

فَتِلْكَ الْغَدْوَةُ أَوِ الرَّوْحَةُ خَيْرٌ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ أَوْ غَرَبَتْ، مِنْ مَشْرِقِهَا إِلَى مَغْرِبِهَا، فَسُبْحَانَ مَنْ لَا يُقَادَرُ قَدْرُ فَضْلِهِ، وَمَنْ هُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ!!

وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((غَدْوَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ أَوْ رَوْحَةٌ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.


مِنْ مَظَاهِرِ الْحِرْصِ عَلَى الشَّأْنِ الْعَامِّ:

الْوَفَاءُ بِالْمُعَاهَدَاتِ مَعَ الدُّوَلِ الْأُخْرَى

مِنْ أَهَمِّ صُوَرِ الْحِرْصِ عَلَى الشَّأْنِ الْعَامِّ: الْوَفَاءُ بِالْمُعَاهَدَاتِ مَعَ الدُّوَلِ الْأُخْرَى، قَالَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة: 1].

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ صَدَّقُوا اللهَ وَاتَّبَعُوا رَسُولَهُ! نَفِّذُوا ارْتِبَاطَاتِكُمُ الَّتِي عَقَدْتُمُوهَا مَعَ رَبِّكُمْ بِسَبَبِ إِيمَانِكُمْ، وَالْعُقُودَ الَّتِي عَقَدْتُمُوهَا مَعَ أَنْفُسِكُمْ بِسَبَبِ حَلِفِكُمْ وَنَذْرِكُمْ عَلَى أَلَّا تَفْعَلُوا فِعْلًا أَوْ تَكُفُّوا عَنْ فِعْلٍ، وَالْعُقُودَ الَّتِي عَقَدَهَا بَعْضُكُمْ مَعَ بَعْضٍ بِإِرَادَتِهِ وَاخْتِيَارِهِ؛ مِن بَيْعٍ، وَإِجَارَةٍ، وَرَهْنٍ، وَشَرِكَةٍ، وَمُضَارَبَةٍ، وَزَوَاجٍ وَنَحْوِهَا، فَالْتَزِمُوا بِهَا، وَبِالْعُقُودِ الَّتِي تَعْقِدُهَا الدَّوْلَةُ الْمُسْلِمَةُ مَعَ غَيْرِهَا مِنَ الدُّوَلِ فِي السِّلْمِ وَالْحَرْبِ.

وَقَالَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: {إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} [التوبة: 4].

الَّذِينَ لَمْ يَنْكُثُوا الْعَهْدَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا مِنْ شُرُوطِ الْمُعَاهَدَةِ الَّتِي عَاهَدْتُمُوهُمْ عَلَيْهَا، وَلَمْ يُعَاوِنُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا مِنْ عَدُوِّكُمْ، كَمَا عَاوَنَتْ قُرَيْشٌ بَنِي بَكْرٍ عَلَى خُزَاعَةَ الَّتِي كَانَتْ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ؛ فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ، وَلَا تُجْرُوهُمْ مَجْرَى النَّاكِثِينَ، وَلَا تَجْعَلُوا الْوَفِيَّ كَالْغَادِرِ.

إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ وَلَا يَبْدَؤُونَ بِنَقْضِ الْعَهْدِ مَعَ الْمُسْلِمِينَ أَوْ مَعَ غَيْرِهِمْ، وَيُثِيبُهُمْ عَلَى تَقْوَاهُمْ، وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتِهِ؛ لِأَنَّ مَنْ أَحَبَّهُ اللهُ أَكْرَمَهُ وَأَدْخَلَهُ فِي رَحْمَتِهِ.

وَمِنَ الْخِيَانَةِ: نَقْضُ الْعَهْدِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ} [الأنفال: 58].

فَنَفِي بِعُهُودِنَا مَعَ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ فِي دِمَائِهِمْ، وَفِي أَمْوَالِهِمْ، وَفِي حُرُمَاتِهِمْ؛ قَالَ -سُبْحَانَهُ- فِي حَقِّ الذِّمِّيِّ فِي حُكْمِ قَتْلِ الْخَطَأِ لَا فِي حُكْمِ قَتْلِهِ عَمْدًا: {وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ} [النِّسَاء: 92].

فَإِذَا كَانَ الذِّمِّيُّ الَّذِي لَهُ أَمَانٌ إِذَا قُتِلَ خَطَأً فِيهِ الدِّيَّةُ وَالْكَفَّارَةُ؛ فَكَيْفَ إِذَا قُتِلَ عَمْدًا؟!!

إِنَّ الْجَرِيمَةَ تَكُونُ أَعْظَمَ، وَإِنَّ الْإِثْمَ يَكُونُ أَكْبَرَ؛ وَقَدْ صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ -كَمَا فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- الَّذِي أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي «الصَّحِيحِ»-: «مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرَحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ».

فَلَا يَجُوزُ التَّعرُّضُ لِمُسْتَأْمَنٍ بِأَذًى؛ فَضْلًا عَنْ قَتْلِهِ، وَهَذَا وَعِيدٌ شَدِيدٌ لِمَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا وَمُسْتَأْمَنًا، وَهُوَ كَبِيرَةٌ مِنَ الْكَبَائِرِ الْمُتَوَعَّدُ عَلَيْهَا بِعَدَمِ دُخُولِ الْقَاتِلِ الْجَنَّةَ.

وَتَأْشِيرَةُ الدُّخُولِ الَّتِي يُشْتَرَطُ تَوَفُّرُهَا لِدُخُولِ أَيِّ أَجْنَبِيٍّ لِبَلَدٍ غَيْرِ بَلَدِهِ تُمَثِّلُ فِي حَقِيقَةِ الْأَمْرِ عَقْدًا يُشْبِهُ عَقْدَ الْأَمَانِ بِمَعْنَاهُ الشَّرْعِيِّ؛ لَاسِيَّمَا لَوْ كَانَتْ هَذِهِ التَّأْشِيرَةُ صَادِرَةً بِنَاءً عَلَى دَعْوَةٍ مُقَدَّمَةٍ مِنْ مُسْلِمٍ لِأَجْنَبِيٍّ لِزِيَارَةِ بِلَادِ الْإِسْلَامِ، أَوْ لِلْعَمَلِ بِهَا.

وَلَا يَشُكُّ أَحَدٌ فِي أَنَّ السَّائِحَ أَوِ الْأَجْنَبِيَّ عِنْدَمَا يُقْبِلُ بِمِثْلِ هَذِهِ الدَّعْوَةِ, عِنْدَمَا يَحْصُلُ عَلَى تَأْشِيرَةِ الدُّخُولِ؛ يَعْتَبِرُ نَفْسَهُ آمِنًا عَلَى نَفْسِهِ وَمَالِهِ, وَلَا يُتَصَوَّرُ قَبُولُهُ لِلْمَجِيءِ إِذَا عَلِمَ أَنَّ هَذِهِ التَّأْشِيرَةَ لَا تَعْنِي شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ -أَيْ: مِنْ تَأْمِينِهِ عَلَى نَفْسِهِ وَمَالِهِ وَعِرْضِهِ-.

وَقَدْ عَاهَدَ النَّبِيُّ ﷺ يَهُودَ الْمَدِينَةِ حِينَ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَوَفَّى لَهُمْ، وَكَانُوا هُمُ الَّذِينَ نَقَضُوا الْعَهْدَ وَغَدَرُوا، وَعَاهَدَ كُفَّارَ قُرَيْشٍ وَوَفَّى لَهُمْ؛ حَتَّى كَانُوا هُمُ الَّذِينَ نَقَضُوا الْعَهْدَ وَغَدَرُوا.

وَفِي قِصَّةِ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى وَفَاءِ النَّبِيِّ ﷺ بِالْعَهْدِ، كَمَا أَنَّ فِيهَا أَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- صَحِبَ قَوْمًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَقَتَلَهُمْ وَأَخَذَ أَمْوَالَهُمْ، ثُمَّ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَسْلَمَ، وَأَعْطَى النَّبِيَّ ﷺ الْمَالَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((أَمَّا الْإِسْلَامُ فَأَقْبَلُ، وَأَمَّا الْمَالُ فَلَسْتُ مِنْهُ فِي شَيْءٍ)).

وَإِنَّمَا رَدَّهُ النَّبِيُّ ﷺ لِأَنَّهُ أُخِذَ غَدْرًا.

لَمَّا وَقَعَتْ هُدْنَةُ الْحُدَيْبِيَةِ وَصُلْحُهَا بَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ وَبَيْنَ الْكُفَّارِ؛ أَمْضَى النَّبِيُّ الْعَهْدَ، وَوَقَّعَ الْعَقْدَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو، فَلَمَّا وَقَّعَ النَّبِيُّ ﷺ بِخَاتَمِهِ -وَكَانَ أُمِّيًّا لَا يَقْرَأُ وَلَا يَكْتُبُ ﷺ -؛ جَاءَ ابْنُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو أَبُو جَنْدَلٍ يَرْسُفُ فِي أَغْلَالِهِ، وَيَحْجِلُ فِي تِلْكَ الْقُيُودِ، وَكَانَ قَدْ آمَنَ بِاللهِ، فَحَبَسَهُ أَبُوهُ لِكَيْ يَعُودَ إِلَى الْكُفْرِ.

وَجَاءَ يَحْجِلُ فِي قُيُودِهِ، وَالنَّبِيُّ يَرَاهُ، وَالْمُسْلِمُونَ يُبْصِرُونَهُ، يَقُولُ: ((يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ! لَا تَدَعُونِي فِي أَيْدِي الْكُفَّارِ فَيَفْتِنُونِي عَنْ دِينِي، خُذُوا بِيَدِي إِلَيْكُمْ!)).

فَيَقُولُ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو لِلنَّبِيِّ ﷺ: ((يَا مُحَمَّدُ! قَدْ لَجَّتِ الْقَضِيَّةُ بَيْنِي وَبَيْنَكَ، وَقَدْ خَتَمْتَ عَلَى هَذَا الْعَهْدِ الَّذِي بَيْنِي وَبَيْنَكَ، وَهَذَا أَوَانُ الْوَفَاءِ)).

فَيَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ لِأَبِي جَنْدَلٍ: ((يَا أَبَا جَنْدَلٍ! اصْبِرْ؛ إِنَّ اللهَ جَاعِلٌ لَكَ فَرَجًا وَمَخْرَجًا)).

يَقُولُ: يَا رَسُولَ اللهِ! لَا تَدَعْنِي فِي أَيْدِي الْمُشْرِكِينَ!

يَقُولُ: ((اصْبِرْ؛ فَإِنَّ اللهَ جَاعِلٌ لَكَ فَرَجًا وَمَخْرَجًا)) ﷺ.


أَهْلُ الِاخْتِصَاصِ بِالشَّأْنِ الْعَامِّ

إِنَّ مِنْ أَسْبَابِ ذَهَابِ الْأَمْنِ وَإِشَاعَةِ الِاضْطِرَابِ وَالْفَوْضَى: شَغْلَ النَّاسِ بِالسِّيَاسَةِ، وَزَجُّهُم فِيهَا؛ فَإِنَّ مِمَّا يُؤَدِّي إِلَى زَعْزَعَةِ الْأَمْنِ -وَلَوْ عَلَى الْمَدَى الْبَعِيدِ-: شَغْلَ النَّاسِ بِالسِّيَاسَةِ الْخَاصَّةِ بِالْحُكُومَاتِ، وَزَجَّهُمْ فِيهَا عَنْ جَهْلٍ وَعَدَمِ دِرَايَةٍ, فَالسِّيَاسَةُ عِلْمٌ مِنَ الْعُلُومِ؛ بَلْ هِيَ عِلْمٌ صَعْبٌ جِدًّا, أَحْيَانًا لَا يُعْرَفُ لَهَا رَأْسٌ مِنْ ذَيْلٍ!! فَكَيْفَ تُعْرَضُ عَلَى النَّاسِ عَامَّةً وَيُنَاقِشُ فِيهَا الْجَمِيعُ؟!!

وَقَبْلَ بَيَانِ هَذَا الْأَمْرِ الْخَطِيرِ وَتَوْضِيحِهِ لَا بُدَّ مِنْ تَعْرِيفِ السِّيَاسَةِ.

السِّيَاسَةُ فِي الِاصْطِلَاحِ: هِيَ السِّيَاسَةُ الْمَعْرُوفَةُ الْيَوْمَ, وَهِيَ مَا كَانَتْ تُعْرَفُ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ بِالسِّيَاسَةِ الشَّرْعِيَّةِ, وَالْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ, وَالسِّيَاسَةِ الْمَدَنِيَّةِ.

وَالسِّيَاسَةُ الشَّرْعِيَّةُ: رِعَايَةُ شُؤُونِ الْأُمَّةِ فِي الدَّاخِلِ وَالْخَارِجِ بِمَا لَا يُخَالِفُ الشَّرِيعَةَ الْإِسْلَامِيَّةَ.

إِذَنْ؛ يَدُورُ أَمْرُ السِّيَاسَةِ عَلَى الْإِصْلَاحِ وَالتَّدْبِيرِ وَالرِّعَايَةِ, وَالِاجْتِهَادِ وَالْعَمَلِ, وَإِدَارَةِ الشُّؤُونِ وَالْأُمُورِ الْعَظِيمَةِ, وَأَمَاكِنِ الدَّوْلَةِ الثَّقِيلَةِ؛ كَالْوَزَارَاتِ، وَالْجُيُوشِ، وَالْمُعَاهَدَاتِ الدَّوْلِيَّةِ، وَالدُّوَلِ الْمُجَاوِرَةِ.

فَهَلْ يَتَكَلَّمُ فِي هَذَا مَنْ هَبَّ وَدَبَّ وَطَارَ وَدَرَجَ، وَيَعْتَرِضُ مَنْ لَا يَدْرِي شَيْئًا؟!!

إِنَّ سِيَاسَةَ الْأُمُورِ مِنْ شُؤُونِ السَّاسَةِ؛ فَهِيَ أُمُورٌ تَحْتَاجُ إِلَى عِلْمٍ وَمَعْرِفَةٍ, وَمُسْتَجَدَّاتُهَا مِنَ النَّوَازِلِ الَّتِي تَحْتَاجُ إِلَى عُلَمَاءَ يُبْصِرُونَ الْأُمُورَ جَيِّدًا, فَالْعُلَمَاءُ وَالسَّاسَةُ -وَهُمْ وُلَاةُ الْأَمْرِ- أَدْرَى بِذَلِكَ.

قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْمَاوَرْدِيُّ الشَّافِعِيُّ: ((وَلَمَّا كَانَتِ الْأَحْكَامُ السُّلْطَانِيَّةُ بِوُلَاةِ الْأُمُورِ أَحَقَّ, وَكَانَ امْتِزَاجُهَا بِجَمِيعِ الْأَحْكَامِ يَقْطَعُهُمْ عَنْ تَصَفُّحِهَا مَعَ تَشَاغُلِهِمْ بِالسِّياسَةِ وَالتَّدْبِيرِ؛ أَفْرَدْتُ لَهَا كِتَابًا امْتَثَلْتُ فِيهِ أَمْرَ مَنْ لَزِمَتْ طَاعَتُهُ؛ لِيَعْلَمَ مَذَاهِبَ الْفُقَهَاءِ فِيمَا لَهُ مِنْهَا فَيَسْتَوْفِيَهُ, وَمَا عَلَيْهِ مِنْهَا فَيُوَفِّيَهُ; تَوَخِّيًا لِلْعَدْلِ فِي تَنْفِيذِهِ وَقَضَائِهِ)).

وَتَأَمَّلْ قَوْلَهُ: ((لَمَّا كَانَتِ الْأَحْكَامُ السُّلْطَانِيَّةُ -أَيِ: السِّيَاسَةُ- بِوُلَاةِ الْأُمُورِ أَحَقَّ))، فَإِنَّ الرَّجُلَ أَعْطَى الْعِلْمَ حَقَّهُ, وَلَوْ لَا انْشِغَالُ وُلَاةِ الْأَمْرِ عَنْ الِاطِّلَاعِ وَالْقِرَاءَةِ حَوْلَ هَذَا الشَّأْنِ؛ لَمَا كَتَبَ وَأَلَّفَ فِيهِ.

وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى هَذَا: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- فِي ((الصَّحِيحَيْنِ)) عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ تَسُوسُهُمُ الْأَنْبِيَاءُ، كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيٌّ خَلَفَهُ نَبِيٌّ، وَإِنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي، وَسَيَكُونُ خُلَفَاءُ فَيَكْثُرُونَ))).

قَالُوا: فَمَا تَأْمُرُنَا؟

قَالَ: ((فُوا بِبَيْعَةِ الْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ، وَأَعْطُوهُمْ حَقَّهُمْ؛ فَإِنَّ اللهَ سَائِلُهُمْ عَمَّا اسْتَرْعَاهُمْ)).

وَمَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ: ((تَسُوسُهُمُ الْأَنْبِيَاءُ))؛ قَالَ عَنْهُ ابْنُ حَجَرٍ: ((أَيْ: إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا ظَهَرَ فِيهِمْ فَسَادٌ؛ بَعَثَ اللَّهُ لَهُمْ نَبِيًّا يُقيمُ لَهُم أَمْرَهُمْ, وَيُزِيلُ مَا غَيَّرُوا مِنْ أَحْكَامِ التَّوْرَاةِ, وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ لِلرَّعِيَّةِ مِنْ قَائِمٍ بِأُمُورِهِم يَحْمِلُهَا عَلَى الطَّرِيقِ الْحَسَنَةِ، وَيُنْصِفُ الْمَظْلُومَ مِنَ الظَّالِمِ)).

فَتَأَمَّلْ مَنِ الَّذِي يَسُوسُ الْقَوْمَ -أَيْ: يُدِيرُ أُمُورَهُمْ-؟ إِنَّهُمُ الْأَنْبِيَاءُ خَيْرُ الْبَشَرِ عِلْمًا وَحِكْمَةً وَخُلُقًا, وَالْعُلَمَاءُ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ؛ لِذَا يَسِيرُونَ عَلَى هَدْيِهِمْ وَسُنَّتِهِمْ؛ فَلَيْسَ الْأَمْرُ لِكُلِّ أَحَدٍ, وَلَا تُطْرَحُ السِّيَاسَةُ وَشُؤُونُ الدَّوْلَةِ وَأَسْرَارُهَا عَلَى مَسَامِعِ كُلِّ أَحَدٍ؛ فَإِنَّ النَّاسَ لَا يَفْهَمُ كُلُّهُمْ وَلَا يَدْرِي كَثِيرٌ مِنْهُمُ الْمَصْلَحَةَ مِنَ الْمَفْسَدَةِ.

لِذَا لَم يَكُنْ كِبَارُ الصَّحَابَةِ وَقَادَتُهُمْ -كَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-- يُخْبِرُونَ النَّاسَ بِكُلِّ شَيْءٍ, بَلْ يَكُونُ ذَلِكَ بَيْنَ الْخَاصَّةِ مِنْهُمْ.

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- قَالَ: ((كُنْتُ أُقْرِئُ رِجَالًا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، مِنْهُمْ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، فَبَيْنَمَا أَنَا فِي مَنْزِلِهِ بِمِنًى، وَهُوَ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ فِي آخِرِ حَجَّةٍ حَجَّهَا؛ إِذْ رَجَعَ إِلَيَّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فَقَالَ: لَوْ رَأَيْتَ رَجُلًا أَتَى أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ الْيَوْمَ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! هَلْ لَكَ فِي فُلَانٍ؟ يَقُولُ: لَوْ قَدْ مَاتَ عُمَرُ لَقَدْ بَايَعْتُ فُلَانًا، فَوَاللَّهِ مَا كَانَتْ بَيْعَةُ أَبِي بَكْرٍ إِلَّا فَلْتَةً فَتَمَّتْ، فَغَضِبَ عُمَرُ، ثُمَّ قَالَ: إِنِّي إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَقَائِمٌ الْعَشِيَّةَ فِي النَّاسِ، فَمُحَذِّرُهُمْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَغْصِبُوهُمْ أُمُورَهُمْ.

قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! لَا تَفْعَلْ؛ فَإِنَّ الْمَوْسِمَ يَجْمَعُ رَعَاعَ النَّاسِ وَغَوْغَاءَهُمْ، فَإِنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ يَغْلِبُونَ عَلَى قُرْبِكَ حِينَ تَقُومُ فِي النَّاسِ، وَأَنَا أَخْشَى أَنْ تَقُومَ فَتَقُولَ مَقَالَةً يُطَيِّرُهَا عَنْكَ كُلُّ مُطَيِّرٍ، وَأَلَّا يَعُوهَا، وَأَلَّا يَضَعُوهَا عَلَى مَوَاضِعِهَا، فَأَمْهِلْ حَتَّى تَقْدُمَ الْمَدِينَةَ؛ فَإِنَّهَا دَارُ الْهِجْرَةِ وَالسُّنَّةِ، فَتَخْلُصَ بِأَهْلِ الْفِقْهِ وَأَشْرَافِ النَّاسِ، فَتَقُولَ مَا قُلْتَ مُتَمَكِّنًا، فَيَعِيَ أَهْلُ الْعِلْمِ مَقَالَتَكَ، وَيَضَعُونَهَا عَلَى مَوَاضِعِهَا.

فَقَالَ عُمَرُ: أَمَا وَاللَّهِ -إِنْ شَاءَ اللَّهُ- لَأَقُومَنَّ بِذَلِكَ أَوَّلَ مَقَامٍ أَقُومُهُ بِالْمَدِينَةِ)). وَالْحَدِيثُ فِي ((الصَّحِيحَينِ)).

فَالْحَاصِلُ أَنَّ رَجُلًا أَرَادَ أَنْ يُبَايِعَ عَلَى خِلَافِ مَا كَانَ عَلَيْهِ الْأَمْرُ فِي زَمَنِهِمْ, وَأَرَادَ أَنْ يَزْرَعَ الْفِتْنَةَ فِي الْمُسْلِمِينَ, فَأَرَادَ عُمَرُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنْ يَنْهَاهُ عَلَنًا, وَأَنْ يُبَيِّنَ سِياسَةَ الدَّوْلَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ فِي اخْتِيَارِ الْخَلِيفَةِ, وَكَيْفَ تَمَّتْ بَيْعَةُ أَبِي بَكْرٍ؛ لَكِنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- مَنَعَ عُمَرَ؛ لِأَنَّ الْحَجَّ فِيهِ الْجَاهِلُ وَالْعَالِمُ, وَالْبَلِيدُ وَاللَّبِيبُ, فَخَشِيَ أَلَّا يَفْهَمُوا مُرَادَهُ، وَيُحْمَلَ كَلَامُهُ عَلَى غَيْرِ مَحْمَلِهِ؛ فَتَحْصُلَ الْفِتْنَةُ, لَكِنْ إِذَا أَتَى الْمَدِينَةَ حَدَّثَ مَنْ يَفْقَهُ ذَلِكَ بِلَا إِشْكَالٍ.

وَمَعْنَى قَوْلِهِ: ((رَعَاعَ النَّاسِ وَغَوْغَاءَهُمْ))؛ أَيِ: الْجَهَلَةَ الرُّذَلَاءَ, وَقِيلَ: الشَّبَابُ مِنْهُمْ.

وَالْغَوْغَاءُ: أَصْلُهُ صِغَارُ الْجَرَادِ حِينَ يَبْدَأُ فِي الطَّيَرَانِ, وَيُطْلَقُ عَلَى السِّفْلَةِ الْمُسْرِعِينَ إِلَى الشَّرِّ.

فَبِهَذَا نَعْلَمُ أَنَّ الشُّؤُونَ الْخَاصَّةَ لِلدَّوْلَةِ وَالْأُمُورَ الْحسَّاسَةَ فِيهَا لَا تُطْرَحُ عَلَنًا -وَهِيَ مَا يُقَالُ لَهَا فِي هَذَا الْعَصْرِ: بِأُمُورِ وَأَسْرَارِ الدَّوْلَةِ مِنَ الْأَمْنِ الْقَوْمِيِّ وَمَا أَشْبَهَ-؛ فَهَذِهِ لَا تُطْرَحُ عَلَنًا، بَلْ يَتَصَدَّى لَهَا أَهْلُ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ، وَالْقَادَةُ وَالْعُلَمَاءُ، وَالسَّاسَةُ الْفُقَهَاءُ.

لِذَلِكَ كُلُّ مَنْ تَكَلَّمَ فِي السِّيَاسَةِ سَابِقًا كَانُوا مِنَ الْعُلَمَاءِ, وَإِلَيْكَ شَيْئًا مِنْ مُؤَلَّفَاتِهِمْ:

*فَهَذَا كِتَابُ ((الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ وَالْوِلَايَاتِ الدِّينِيَّةِ)) لِلْمَاوَرْدِيِّ.

*وَلَهُ -أَيْضًا- كِتَابُ ((دُرَرِ السُّلُوكِ فِي سِيَاسَةِ الْمُلُوكِ)).

*وَأَمَّا ابْنُ نُجَيْمٍ الْفَقِيهُ الْحَنَفِيُّ -وَهُوَ فَقِيهُ الْحَنَفِيَّةِ فِي زَمَانِهِ-؛ فَلَهُ كِتَابُ ((السِّيَاسَةُ الشَّرْعِيَّةُ)).

*وَكَذَا لِابْنِ جَمَاعَةَ قَاضِي مِصْرَ وَالشَّامِ -وَهُوَ بَدْرُ الدِّينِ بْنُ جَمَاعَةَ- لَهُ كِتَابُ ((تَحْرِيرُ الْأَحْكَامِ فِي تَدْبِيرِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ)).

*وَلِشَيْخِ الْإِسْلَامِ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- وَهُوَ أَحْسَنُ مَا كُتِبَ فِي هَذَا ((السِّيَاسَةُ الشَّرْعِيَّةُ فِي إِصْلَاحِ الرَّاعِي وَالرَّعِيَّةِ)).

فَانْظُرْ -رَعَاكَ اللهُ- مَنِ الَّذِي يَتَحَدَّثُ فِي السِّيَاسَةِ, وَلِمَنْ تُكْتَبُ وَتُقَالُ؛ لِتَعْلَمَ أَنَّهُ عِلْمٌ صَعْبُ الْمَنَالِ, قَدْ خَاضَ بِحَارَهُ وَسَبَرَ أَغْوَارَهُ وَاسْتَخْرَجَ كُنُوزَهُ الْعُلَمَاءُ وَالْفُقَهَاءُ، لَا عَامَّةُ النَّاسِ وَالْغَوغَاءُ مِنْهُمْ.

وَنَظَرًا لِخَفَاءِ هَذَا الْعِلْمِ وَصُعُوبَتِهِ؛ فَإِنَّه لَا يُذْكَرُ أَمَامَ عَامَّةِ النَّاسِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إِلَى الْفِتَنِ وَالْمِحَنِ, فَإِنَّ انْتِقَادَ سِيَاسَةِ وُلَاةِ الْأَمرِ وَالدَّوْلَةِ أَمَامَ النَّاسِ وَعَبْرَ وَسَائِلِ الْإِعْلَامِ وَعَلَى الْمَنَابِرِ مُخَالِفٌ لِلشَّرْعِ وَالْحِكْمَةِ وَالْعَقْلِ.

فَمَا أَسْرَعَ هَيَجَانَ النَّاسِ وَمَا أَسْهَلَهُ! فَإِنَّ بَعْضَ النَّاسِ يَظُنُّ أَنَّ الْكَلامَ فِي هَذَا الشَّأْنِ شَجَاعَةٌ، وَالْحَقُّ أَنَّهُ غَبَاوَةٌ؛ لِأَنَّه يَحْتَاجُ إِلَى عِلْمٍ وَفِقْهٍ وَإِلْمَامٍ؛ فَإِنَّ وَلِيَّ الْأَمْرِ تُحِيطُ بِهِ مِنَ الْأَحْوَالِ وَالسِّيَاسَاتِ وَالْمَشَاكِلِ, وَيَعْلَمُ مِنَ التَّقَارِيرِ وَالْأَسْرَارِ مَا لَا يَعْلَمُهُ عَامَّةُ النَّاسِ, وَيَكُونُ قَرَارُهُ فِي الْمُنْتَهَى مُؤَسَّسًا عَلَى ذَلِك كُلِّهِ؛ فَيَظْهَرُ أَمَامَهُمْ بِغَيْرِ مَا يُرِيدُونَ, فَيَأْتِي النَّقْدُ وَالطَّعْنُ وَالتَّهْيِيجُ تَحْتَ عُنْوَانِ (حُرِّيَّةُ الرَّأْيِ أَوِ الدِّيمُقْرَاطِيَّةُ)؛ وَحِينَهَا يَكْرَهُهُ الْكُلُّ أَوْ مُعْظَمُ النَّاسِ, وَلَيْسَ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَّا زَعْزَعَةُ الْأَمْنِ وَالِاسْتِقْرَارِ, وَلَيْسَ إِلَّا الْفَوضَى.

عِبَادَ اللهِ! مَا أَكْثَرَ الْمُرْجِفِينَ الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ!! «وَقَدْ تَوَعَّدَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا- أَهْلَ الشَّرِّ بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: {لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ} [الأحزاب: 60]؛ أَيْ: مَرَضُ شَكٍّ أَوْ شَهْوَةٍ.

{وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ}؛ أَيِ: الْمُخَوِّفُونَ الْمُرْهِبُونَ الْأَعْدَاءَ، الْمُتَحَدِّثُونَ بِكَثْرَتِهِمْ وَقُوَّتِهِمْ وَضَعْفِ الْمُسْلِمِينَ.

وَلَمْ يَذْكُرِ الْمَعْمُولَ الَّذِي يَنْتَهُونَ عَنْهُ؛ لِيَعُمَّ ذَلِكَ كُلَّ مَا تُوحِي بِهِ أَنْفُسُهُمْ إِلَيْهِمْ، وَتُوَسْوِسُ بِهِ، وَتَدْعُو إِلَيْهِ مِنَ الشَّرِّ مِنَ التَّعْرِيضِ بِسَبِّ الْإِسْلَامِ وَأهْلِهِ، وَالْإِرْجَافِ بِالْمُسْلِمِينَ، وَتَوْهِينِ قُوَاهُمْ، وَالتَّعَرُّضِ لِلْمُؤْمِنَاتِ بِالسُّوءِ وَالْفَاحِشَةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَعَاصِي الصَّادِرَةِ مِنْ أَمْثَالِ هَؤُلَاءِ.

{لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ}؛ أَيْ: لَنَأْمُرَنَّكَ بِعُقُوبَتِهِمْ وَقِتَالِهِمْ، وَلَنُسَلِّطَنَّكَ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ إِذَا فَعَلْنَا ذَلِكَ؛ لَا طَاقَةَ لَهُمْ بِكَ، وَلَيْسَ لَهُمْ قُوَّةٌ وَلَا امْتِنَاعٌ؛ وَلِهَذَا قَالَ: {ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا}؛ أَيْ: لَا يُجَاوِرُونَكَ فِي الْمَدِينَةِ إِلَّا قَلِيلًا، بِأَنْ تَقْتُلَهُمْ أَوْ تَنْفِيَهُمْ.

وَهَذَا فِيهِ دَلِيلٌ لِنَفْيِ أَهْلِ الشَّرِّ الَّذِينَ يُتَضَرَّرُ بِإِقَامَتِهِمْ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُسْلِمِينَ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ أَحْسَمُ لِلشَّرِّ، وَأَبْعَدُ مِنْهُ، وَيَكُونُونَ {مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا}؛ أَيْ: مُبْعَدِينَ حَيْثُ وُجِدُوا، لَا يَحْصُلُ لَهُمْ أَمْنٌ، وَلَا يَقَرُّ لَهُمْ قَرَارٌ، يَخْشَوْنَ أَنْ يُقْتَلُوا، أَوْ يُحْبَسُوا، أَوْ يُعَاقَبُوا».

إِنَّ الْأَرَاجِيفَ وَالشَّائِعَاتِ الَّتِي تَنْطَلِقُ مِنْ مَصَادِرَ شَتَّى وَمَنَافِذَ مُتَعَدِّدَةٍ؛ إِنَّمَا تَسْتَهْدِفُ التَّآلُفَ وَالتَّكَاتُفَ، وَتَسْعَى إِلَى إِثَارَةِ النَّعْرَاتِ وَالْأَحْقَادِ، وَنَشْرِ الظُّنُونِ السَّيِّئَةِ، وَتَرْوِيجِ السَّلْبِيَّاتِ، وَتَضْخِيمِ الْأَخْطَاءِ.

الْإِشَاعَاتُ وَالْأَرَاجِيفُ سِلَاحٌ بِيَدِ الْمُغْرِضِينَ وَأَصْحَابِ الْأَهْوَاءِ وَالْأَعْدَاءِ وَالْعُمَلَاءِ، يَسْلُكُهُ أَصْحَابُهُ؛ لِزَعْزَعَةِ الثَّوَابِتِ، وَهَزِّ الصُّفُوفِ، وَخَلْخَلَةِ تَمَاسُكِهَا.

وَالْمُرْجِفُونَ: هُمُ الَّذِينَ يَنْشُرُونَ الشَّائِعَاتِ الْكَاذِبَةَ، أَوْ يُبَالِغُونَ فِي تَعْظِيمِ قُوَّةِ الْأَعْدَاءِ وَقُدُرَاتِهِمْ، وَاسْتِحَالَةِ هَزِيمَتِهِمْ، وَكَسْرِ شَوْكَتِهِمْ؛ مِنْ أَجْلِ تَخْذِيلِ الْمُؤْمِنِينَ، وَتَخْوِيفِهِمْ مِنْ أَعْدَائِهِمْ، وَقَدْ لَعَنَهُمُ اللهُ حَيْثُمَا وُجِدُوا، وَتَوَعَّدَهُمْ بِأَنْ يُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ مَنْ يَسْتَأْصِلُ شَأْفَتَهُمْ، وَيَقْطَعُ دَابِرَهُمْ.

وَقَدْ بَيَّنَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا- أَنَّ هَذَا هُوَ دَيْدَنُ الْمُنَافِقِينَ فِي الْمُوَاجَهَاتِ الَّتِي تَقَعُ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْكَافِرِينَ، وَتَوَعَّدَهُمْ عَلَى ذَلِكَ بِالْعَذَابِ الشَّدِيدِ، وَحَذَّرَ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ السَّمَاعِ لَهُمْ، وَتَصْدِيقِهِمْ، وَإِشَاعَةِ تَخْوِيفَاتِهِمْ وَأَرَاجِيفِهِمْ، فَقَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {لَئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا} [الأحزاب: 60-61].

وَقَالَ -جَلَّ وَعَلَا- كَاشِفًا حَقِيقَةَ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقِينَ، وَمُبَيِّنًا أَثَرَهُمْ فِي الْإِرْجَافِ وَالتَّخْوِيفِ، وَالتَّعْوِيقِ وَالتَّخْذِيلِ، وَنَشْرِ الْفِتْنَةِ بَيْنَ أَبْنَاءِ الْمُجْتَمَعِ الْوَاحِدِ: {قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا} [الأحزاب: 18].

وَقَالَ سُبْحَانَهُ: {لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالًا ولأَوْضَعُواْ خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ} [التوبة: 47].

فَبَيَّنَ أَنَّ وُجُودَهُمْ فِي صَفِّ الْمُؤْمِنِينَ لَا يَزِيدُ الْمُؤْمِنِينَ إِلَّا شَرًّا وَفَسَادًا، وَضَعْفًا وَهَوانًا، وَفِتْنَةً وَفُرْقَةً، وَيَعْظُمُ الْبَلَاءُ حِينَ يَكُونُ فِي الْمُسْلِمِينَ جَهَلَةٌ سُذَّجٌ، يَسْمَعُونَ لِهَؤُلَاءِ الْمُنَافِقِينَ الْمَفْتُونِينَ، فَيَتَأَثَّرُونَ بِإشَاعَاتِهِمْ، وَيَسْتَجِيبُونَ لِتَخْوِيفَاتِهِمْ، وَيُصْبِحُونَ أَبْوَاقًا لَهُمْ، وَبَبَّغَاوَاتٍ يُرَدِّدُونَ أَرَاجِيفَهُمْ، وَيَنْشُرُونَ فِتَنَهُمْ؛ لِهَذَا قَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ}.

فَيَتَوَلَّدُ مِنْ سَعْيِ أُولَئِكَ الْمُنَافِقِينَ، وَقَبُولِ هَؤُلَاءِ السَّاذَجِينَ مِنَ الشَّرِّ وَالْبَلَاءِ، وَتَوْهِينِ عَزَائِمِ الْمُؤْمِنِينَ، وَإِرْعَابِهِمْ مَا هُوَ مِنْ أَعْظَمِ الْبَلَاءِ عَلَى أُمَّتِهِمْ، وَأَكْبَرِ الْمَدَدِ لِأَعْدَائِهِمْ.

وَمُطلِقُوا الشَّائِعَاتِ سَمَّاهُمُ الْقُرْآنُ مُرْجِفِينَ, وَالْإِرْجَافُ فِي اللُّغَةِ: الِاضْطِرَابُ الشَّدِيدُ، وَيُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى الْخَوْضِ فِي الْأَخْبَارِ السَّيِّئَةِ وَذِكْرِ الْفِتَنِ؛ لِأَنَّهُ يَنْشَأُ عَنْهُ اضْطِرَابٌ بَيْنَ النَّاسِ.

وَالْإِرْجَافُ حَرَامٌ، وَتَرْكُهُ وَاجِبٌ؛ لِمَا فِيهِ مِنَ الْإِضْرَارِ بِالْمُسْلِمِينَ، وَفَاعِلُهُ يَسْتَحِقُّ التَّعزِيرَ.

فَيَجِبُ أَنْ يُرَدَّ الْأَمْرُ إِلَى أُولِي الْأَمْرِ، وَلَا يُشِيعُ النَّاسُ بَيْنَ النَّاسِ الشَّائِعَاتِ، فَهَذِهِ قَاعِدَةٌ عَظِيمَةٌ فِي كُلِّ الْأَخْبَارِ الْمُهِمَّةِ، وَالَّتِي لَهَا أَثَرُهَا الْوَاقِعِيُّ، كَمَا قَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {وإذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ولَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلًا} [النساء: 83].

فَأَنْكَرَ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ خَوْضَهُمْ فِي الْأُمُورِ الْعَامَّةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْأَمْنِ وَالْخَوْفِ، وَإِذَاعَتَهُمْ لِأَخْبَارِهَا قَبْلَ أَنْ يَتَبَيَّنُوا حَقِيقَتَهَا، وَيَتَأَمَّلُوا فِي آثَارِهَا وَعَوَاقِبِهَا، ثُمَّ حَثَّهُمْ عَلَى رَدِّ الْأَمْرِ إِلَى وُلَاةِ الْأَمْرِ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَالْأُمَرَاءِ، فَهُمْ بِحَسَبِ فِقْهِهِمْ بِالشَّرْعِ وَمَعْرِفَتِهِمْ بِالْوَاقِعِ أَقْدَرُ عَلَى إِدْرَاكِ الْحَقَائِقِ، وَالنَّظَرِ فِي عَوَاقِبِ الْأُمُورِ وَمَآلَاتِهَا، وَمَا يَنْبَغِي نَشْرُهُ وَإِعْلَانُهُ، وَمَا يَحْسُنُ السُّكُوتُ عَنْهُ وَكِتْمَانُهُ.

وَالْمُجْتَهِدَ يُصِيبُ وَيُخْطِئُ، فَإِنْ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِنْ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ عَلَى اجْتِهَادِهِ، وَاللهُ يَغْفِرُ لَهُ خَطَأَهُ؛ لَكِنَّهُ لَا يُتَابَعُ عَلَى خَطَئِهِ، فَمَا وَافَقهما أَوْ كَانَ أَشْبَهَ بِهِمَا فَهُوَ الصَّوَابُ، وَمَا خَالَفَهُمَا فَهُوَ خَطَأٌ لَا يَجُوزُ لِمَنْ تَبَيَّنَهُ وَاطَّلَعَ عَلَيْهِ مُتَابَعَةُ مَنْ ذَهَبَ إِلَيْهِ؛ وَالْحَدِيثُ الْمُشَارُ إِلَيْهِ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((إِذَا اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا اجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ)).


خُطُورَةُ التَّسَرُّعِ فِي الْفَتْوَى وَالْقَوْلِ عَلَى اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ

لَقَدْ قَالَ نَبِيُّنَا ﷺ فِي حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو: ((إِنَّ اللهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ النَّاسِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا؛ اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا)).

الضَّلَالُ وَالْإِضْلَالُ سَبَبُهُمَا أَنْ يُسْتَفْتَى مَنْ لَا عِلْمَ عِنْدَهُ، وَأَنْ يُجِيبَ عَلَى مُقْتَضَى جَهْلِهِ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا؛ اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا)).

وَمَفْهُومُ هَذَا الْمَنْطُوقِ: أَنَّ الْعِلْمَ وَالْعُلَمَاءَ هُمَا سَبَبُ الْهِدَايَةِ وَالِاهْتِدَاءِ، كَمَا أَنَّ الْجَهْلَ وَالْفَتْوَى بِغَيْرِ عِلْمٍ هُمَا سَبَبُ الضَّلَالِ وَالْإِضْلَالِ، فَبَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ سَبَبَ الضَّلَالِ وَأَنَّ سَبَبَ الْإِضْلَالِ إِنَّمَا هُوَ الْجَهْلُ وَالْفَتْوَى بِغَيْرِ عِلْمٍ.

وَقَدْ قَالَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43].

وَاللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- جَعَلَ نَبِيَّهُ ﷺ مُبَلِّغًا لِلْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((الْعُلَمَاءُ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، وَالْأَنْبِيَاءُ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينًارًا وَلَا دِرْهَمًا، وَإِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ)).

وَقَدْ بَيَّنَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- أَنَّهُ لَا أَحَدَ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ الْكَذِبَ؛ فَقَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ ۗ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ ۖ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ} [الأنعام: 93].

{وَمَنْ أَظْلَمُ}: ابْتِدَاءٌ وَخَبَرٌ؛ أَيْ: لَا أَحَدَ أَظْلَمُ {مِمَّنِ افْتَرَى}؛ أَيِ: اخْتَلَقَ {عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ}: فَزَعَمَ أَنَّهُ نَبِيٌّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ.

وَمِنْ هَذَا النَّمَطِ مَنْ أَعْرَضَ عَنِ الْفِقْهِ وَالسُّنَنِ وَمَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ مِنَ السُّنَنِ؛ فَيَقُولُ: وَقَعَ فِي خَاطِرِي كَذَا، أَوْ أَخْبَرَنِي قَلْبِي بِكَذَا; فَيَحْكُمُونَ بِمَا يَقَعُ فِي قُلُوبِهِمْ وَيَغْلِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ خَوَاطِرِهِمْ، وَيَزْعُمُونَ أَنَّ ذَلِكَ لِصَفَائِهَا مِنَ الْأَكْدَارِ، وَخُلُوِّهَا عَنِ الْأَغْيَارِ، فَتَتَجَلَّى لَهُمُ الْعُلُومُ الْإِلَهِيَّةُ وَالْحَقَائِقُ الرَّبَّانِيَّةُ، فَيَقِفُونَ عَلَى أَسْرَارِ الْكُلِّيَّاتِ، وَيَعْلَمُونَ أَحْكَامَ الْجُزْئِيَّاتِ، فَيَسْتَغْنُونَ بِهَا عَنْ أَحْكَامِ الشَّرَائِعِ الْكُلِّيَّاتِ، وَيَقُولُونَ: هَذِهِ الْأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ الْعَامَّةُ؛ إِنَّمَا يُحْكَمُ بِهَا عَلَى الْأَغْبِيَاءِ وَالْعَامَّةِ، وَأَمَّا الْأَوْلِيَاءُ وَأَهْلُ الْخُصُوصِ؛ فَلَا يَحْتَاجُونَ لِتِلْكَ النُّصُوصِ.

قَالَ السَّعْدِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((يَقُولُ تَعَالَى: لَا أَحَدَ أَعْظَمُ ظُلْمًا وَلَا أَكْبَرُ جُرْمًا مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللهِ؛ بِأَنْ نَسَبَ إِلَى اللهِ قَوْلًا أَوْ حُكْمًا، وَهُوَ -تَعَالَى- بَرِيءٌ مِنْهُ، وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا أَظْلَمَ الْخَلْقِ؛ لِأَنَّ فِيهِ مِنَ الْكَذِبِ وَتَغْيِيرِ الْأَدْيَانِ أُصُولَهَا وَفُرُوعَهَا، وَنِسْبَةُ ذَلِكَ إِلَى اللهِ -تَعَالَى- مَا هُوَ مِنْ أَكْبَرِ الْمَفَاسِدِ)).

وَقَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (116) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النحل: 116-117].

قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((نَهَى -تَعَالَى- عَنْ سُلُوكِ سَبِيلِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ حَلَّلُوا وَحَرَّمُوا بِمُجَرَّدِ مَا وَضَعُوهُ وَاصْطَلَحُوا عَلَيْهِ مِنَ الْأَسْمَاءِ بِآرَائِهِمْ، وَيَدْخُلُ فِي هَذَا كُلُّ مَنِ ابْتَدَعَ بِدْعَةً لَيْسَ لَهُ فِيهَا مُسْتَنَدٌ شَرْعِيٌّ، أَوْ حَلَّلَ شَيْئًا مِمَّا حَرَّمَ اللهُ، أَوْ حَرَّمَ شَيْئًا مِمَّا أَبَاحَ اللهُ بِمُجَرَّدِ رَأْيِهِ وَتَشَهِّيهِ.

ثُمَّ تَوَعَّدَ عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ: {إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ}؛ أَيْ: فِي الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ؛ أَمَّا فِي الدُّنْيَا فَمَتَاعٌ قَلِيلٌ، وَأَمَّا فِي الْآخِرَةِ فَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)).

وَيَدْخُلُ فِي الْكَذِبِ عَلَى اللهِ -تَعَالَى- وَالْقَوْلِ عَلَيْهِ بِلَا عِلْمٍ: الْكَذِبُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، وَإِنَّمَا هُوَ مُبَلِّغٌ عَنْ رَبِّهِ -تَعَالَى-، فَمَنْ كَذَبَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ؛ فَكَأَنَّمَا كَذَبَ عَلَى اللهِ -تَعَالَى-، وَقَدْ حَذَّرَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الْكَذِبِ عَلَيْهِ، وَبَيَّنَ أَنَّ الْكَذِبَ عَلَيْهِ لَيْسَ كَالْكَذِبِ عَلَى غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الْكَذِبَ عَلَيْهِ ﷺ يَجْعَلُ دِينًا مَا لَيْسَ بِدِينٍ، وَيَنْفِي عَنِ الدِّينِ مَا هُوَ مِنْهُ، وَكَفَى بِذَلِكَ إِثْمًا مُبِينًا وَإِفْكًا عَظِيمًا.

قَالَ ﷺ فِيمَا يَرْوِيهِ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: ((إِنَّ كَذِبًا عَلَيَّ لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ، مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا؛ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

((لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ))؛ لِأَنَّهُ كَذِبٌ فِي التَّشْرِيعِ، وَأَثَرُهُ عَامٌّ عَلَى الْأُمَّةِ، فَإِثْمُهُ أَكْبَرُ، وَعِقَابُهُ أَشَدُّ، ((فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ)): فَلْيَتَّخِذْ لِنَفْسِهِ مَسْكَنًا.

قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((لَا تَكْذِبُوا عَلَيَّ؛ فَإِنَّهُ مَنْ يَكْذِبْ عَلَيَّ فَلْيَلِجِ النَّارَ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَهَذَا أَمْرٌ بِالْوُلُوجِ مُسَبَّبًا عَنِ الْكَذِبِ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ.

وَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيَّ كَذِبًا؛ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

لَقَدْ حَرَّمَ اللهُ -تَعَالَى- الْقَوْلَ عَلَيْهِ بِلَا عِلْمٍ تَحْرِيمًا صَرِيحًا، فَقَالَ بَعْدَ أَنْ بَيَّنَ أَنْوَاعَ الْمُحَرَّمَاتِ -وَبَعْضُهَا أَغْلَظُ مِنْ بَعْضٍ-: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 33].

أَخْرَجَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ -رَحِمَهُ اللهُ- بِسَنَدِهِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ -رَحِمَهُ اللهُ- قَالَ: ((كُنَّا عِنْدَ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: ((يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ! جِئْتُكَ مِنْ مَسِيرَةِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، حَمَّلَنِي أَهْلُ بَلَدِي مَسْأَلَةً أَسْأَلُكَ عَنْهَا)).

قَالَ: ((سَلْ!)).

فَسَأَلَهُ الرَّجُلُ عَنِ الْمَسْأَلَةِ؛ فَقَالَ مَالِكٌ: لَا أُحْسِنُهَا.

قَالَ: ((فَبُهِتَ الرَّجُلُ، كَأَنَّهُ قَدْ جَاءَ إِلَى مَنْ يَعْلَمُ كُلَّ شَيْءٍ!!)).

فَقَالَ: ((أَيَّ شَيْءٍ أَقُولُ لِأَهْلِ بَلَدِي إِذَا رَجَعْتُ إِلَيْهِمْ؟!!)).

قَالَ: تَقُولُ لَهُمْ: قَالَ مَالِكٌ: ((لَا أُحْسِنُ)).

وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ: ((سَمِعْتُ مَالِكًا -وَذَكَرَ قَوْلَ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ-: ((لَأَنْ يَعِيشَ الرَّجُلُ جَاهِلًا؛ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَقُولَ عَلَى اللهِ مَا لَا يَعْلَمُ)).

ثُمَّ قَالَ: ((هَذَا أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ -وَقَدْ خَصَّهُ اللهُ بِمَا خَصَّهُ بِهِ مِنَ الْفَضْلِ- يَقُولُ: لَا أَدْرِي)).

وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ: ((حَدَّثَنِي مَالِكٌ قَالَ: ((وَكانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِمَامَ الْمُسْلِمِينَ وَسَيِّدَ الْعَالِمِينَ يُسْأَلُ عَنِ الشَّيْءِ، فَلَا يُجِيبُ حَتَّى يَأْتِيَهُ الْوَحْيُ)).

وَعَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ قَالَ: ((قَالَ مَالِكٌ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: ((إِذَا أَخْطَأَ الْعَالِمُ (لَا أَدْرِي)؛ أُصِيبَتْ مَقَاتِلُهُ)).

عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ((إِذَا تَرَكَ الْعَالِمُ (لَا أَعْلَمُ)؛ فَقَدْ أُصِيبَتْ مَقَاتِلُهُ)).

فَهَذَا شَأْنُ الْعُلَمَاءِ مِنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ فِي تَرْكِ الدَّعْوَى لِمَا لَا يُحْسِنُونَهُ, وَفِي هَضْمِ النَّفْسِ وَبَذْلِ النُّصْحِ؛ حَتَّى إِنَّ الشَّافِعِيَّ -رَحِمَهُ اللهُ- يَقُولُ: ((مَا نَاظَرْتُ أَحَدًا فَأَحْبَبْتُ أَنْ يُخْطِئَ، وَمَا فِي قَلْبِي مِنْ عِلْمٍ إِلَّا وَدِدْتُ أَنَّهُ عِنْدَ كُلِّ أَحَدٍ وَلَا يُنْسَبُ إِلَيَّ)).

إِنَّ عَامَّةَ مَا تُعَانِي مِنْهُ الْأُمَّةُ الْيَوْمَ؛ إِنَّمَا هُوَ مِنْ هَذِهِ الْآفَةِ: الْقَوْلُ عَلَى اللهِ بِلَا عِلْمٍ، لَقَدْ صَارَ الْأَمْرُ فَوْضَى، وَصَارَ النَّاسُ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ، لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ، وَلَا يَدْرُونَ إِلَيْهِ سَبِيلًا؛ لِاخْتِلَاطِ الْأُمُورِ وَكَثْرَةِ الْفَتَاوَى فِي مُعْتَرَكٍ هَائِجٍ تَنُوحُ فِيهِ الْعَوَاصِفُ النَّائِحَاتُ، لَا يَهْدَأُ زَئِيرُهَا، كَأَنَّهُ عَزِيفُ الْجِنِّ!!

فَالنَّاسُ فِي حَيْرَةٍ، لَا يَكَادُ الْوَاحِدُ مِنْهُمْ يَتَلَمَّسُ لِنَفْسِهِ طَرِيقًا يَخُطُّ فِيهِ بِقَدَمَيْهِ سَبِيلًا؛ لِكَثْرَةِ الْمُتَكَلِّمِينَ الَّذِينَ يَتَكَلَّمُونَ فِي دِينِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

وَمِنْ عَجَبٍ: أَنَّكَ تَجِدُ كَثِيرًا مِنَ الْعَلْمَانِيِّينَ وَمِنَ الْإِعْلَامِيِّينَ الْفَاسِدِينَ، وَكَذَلِكَ مِنَ الْمُمَثِّلِينَ وَالْفَنَّانِينَ.. تَجِدُ كَثِيرًا مِنْ هَؤُلَاءِ يَعِيبُ عَلَى أَهْلِ التَّخَصُّصِ فِي الدِّينِ أَنْ يَتَكَلَّمُوا فِي الدِّينِ، وَهُمْ يَتَكَلَّمُونَ فِي الدِّينِ، فَيَتَكَلَّمُونَ هُمْ فِي دِينِ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا-؛ يَقُولُونَ: هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ، كُلُّ هَذَا لِأَنَّهُمْ لَا يَدْرُونَ أَنَّهُمْ وَقَعُوا فِي أَعْظَمِ الْمُحَرَّمَاتِ تَحْرِيمًا، هَانَتْ عَلَيْهِمْ عَقِيدَتُهُمْ، وَهَانَ عَلَيْهِمْ دِينُهُمْ وَإِسْلَامُهُمْ، وَهُمْ يَخْبِطُونَ فِي كُلِّ وَادٍ خَبْطَ الْعَمْيَاءِ لَا الْعَشْوَاءِ.

النَّاسُ يَتَكَلَّمُونَ فِي دِينِ اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فِي حَقِيقَتِهِ؛ فَإِنَّ سُحْنُونَ قَدْ جَلَسَ نَاحِيَةً يَبْكِي، فَقِيلَ لَهُ: مَا يُبْكِيكَ؟!!

قَالَ: ((وَقَعَ الْيَوْمَ أَمْرٌ عَظِيمٌ، وَفُتِقَ فِي الْإِسْلَامِ فَتْقٌ كَبِيرٌ، سُئِلَ الْيَوْمَ مَنْ لَا يَعْلَمُ عَنْ أَمْرٍ مِنْ دِينِ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا-)).

فَعَدَّ هَذَا بِدَايَةَ الِانْحِرَافِ؛ أَنْ يَتَكَلَّمَ فِي الدِّينِ مَنْ لَيْسَ بِأَهْلٍ لِلتَّكَلُّمِ فِي الدِّينِ، لَوْ سَكَتَ الْجَاهِلُ لَاسْتَرَاحَ الْعَالِمُ.

فَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَخْبِطُونَ فِي دِينِ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا-؛ يَنْسِفُونَ الْأُصُولَ، وَيُزِيلُونَ الثَّوَابِتَ؛ يُزِيلُونَهَا نَسْفًا لَا تَحْرِيكًا؛ لِأَنَّهَا لَوْ حُرِّكَتْ عَنْ مَنَازِلِهَا -أَعْنِي الثَّوَابِتَ-؛ لَبَقِيَتْ قَائِمَةً، فَيُمْكِنُ أَنْ تَسْتَقِرَّ عَلَى قَرَارٍ فِي نُفُوسِ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَكِنَّهُمْ يَنْسِفُونَهَا نَسْفًا.

الْقَوْلُ عَلَى اللهِ بِلَا عِلْمٍ!!

الْمَلَائِكَةُ الْمُكَرَّمُونَ لَمْ يَسْتَحُوا أَنْ يَقُولُوا لِمَا لَمْ يَعْلَمُوهُ: لَا نَعْلَمُهُ، {قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا} [البقرة: 32].

وَأَقَرُّوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِعَدَمِ الْعِلْمِ، وَلَمْ يَتَكَلَّمُوا بِغَيْرِ عِلْمٍ.

وَرَسُولُ اللهِ ﷺ، وَجِبْرِيلُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- يَقُولَانِ: (لَا نَدْرِي) فِي سُؤَالٍ يَبْدُو يَسِيرًا؛ فَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ هَذَا السُّؤَالَ: مَا شَرُّ الْبُلْدَانِ؟

قَالَ: ((لَا أَدْرِي)).

الرَّسُولُ ﷺ يَقُولُ: ((لَا أَدْرِي حَتَّى أَسْأَلَ جِبْرِيلَ)).

فَلَمَّا جَاءَ جِبْرِيلُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- قَالَ: ((يَا جِبْرِيلُ! مَا شَرُّ الْبُلْدَانِ؟)).

قَالَ جِبْرِيلُ: ((لَا أَدْرِي حَتَّى أَسْأَلَ رَبِّي)).

فَسَأَلَ اللهَ -جَلَّ وَعَلَا-، ثُمَّ عَادَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: ((يَا مُحَمَّدُ! سَأَلْتَنِي: مَا شَرُّ الْبُلْدَانِ، فَقُلْتُ: لَا أَدْرِي حَتَّى أَسْأَلَ رَبِّي، وَإِنِّي سَأَلْتُ رَبِّي فَقَالَ: شَرُّ الْبُلْدَانِ أَسْوَاقُهَا)).

مِنْ أَجْلِ هَذِهِ الْكَلِمَةِ ((أَسْوَاقُهَا))؛ قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((لَا أَدْرِي))، وَقَالَ جِبْرِيلُ: ((لَا أَدْرِي)).

وَأَمَّا هَذَا الْغُثَاءُ، هَذَا الْهَبَاءُ؛ فَإِنَّهُمْ يَتَكَلَّمُونَ فِي دِينِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- خَبْطًا بِغَيْرِ عِلْمٍ، وَيَنْسُبُونَ إِلَى اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ مَا هُوَ مِنْهُ بَرِيءٌ، وَيَنْسُبُونَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ مَا هُوَ مِنْهُ بَرِيءٌ.

وَبَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ خُطُورَةَ التَّسَرُّعِ فِي الْفَتْوَى؛ فَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي «سُنَنِهِ» مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- قَالَ: «خَرَجْنَا فِي سَفَرٍ، فَأَصَابَ رَجُلًا مِنَّا حَجَرٌ، فَشَجَّهُ فِي رَأْسِهِ، ثُمَّ احْتَلَمَ، فَسَأَلَ أَصْحَابَهُ فَقَالَ: هَلْ تَجِدُونَ لِي رُخْصَةً فِي التَّيَمُّمِ؟ قَالُوا: مَا نَجِدُ لَكَ رُخْصَةً وَأَنْتَ تَقْدِرُ عَلَى الْمَاءِ، فَاغْتَسَلَ فَمَاتَ.

قَالَ جَابِرٌ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أُخْبِرَ بِذَلِكَ».

فَقَالَ: «قَتَلُوهُ قَتَلَهُمُ اللَّهُ، أَلَا سَأَلُوا إِذْ لَمْ يَعْلَمُوا؛ فَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالُ».

الشَّجَّةُ: هِيَ الْجِرَاحَةُ الَّتِي تَحْدُثُ فِي الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ خَاصَّةً.

وَاحْتَلَمَ: أَصَابَتْهُ جَنَابَةٌ، فَخَافَ أَنْ يَغْتَسِلَ فَيَضُرَّهُ؛ فَقَالَ لِمَنْ مَعَهُ: هَل تَعْلَمُونَ حُكْمًا سَهْلًا يُبِيحُ لِيَ التَّيَمُّمَ مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ، مَعَ مَا بِي مِنَ الْجُرْحِ؟

فَقَالُوا: لَا نَعْلَمُ لَكَ رُخْصَةً، مُعْتَقِدِينَ أَنَّ عَدَمَ وُجُودِ الْمَاءِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً} [النساء: 43] عَلَى حَقِيقَتِهِ، وَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ الْعَاجِزَ عَنِ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ لِمَرَضٍ أَوْ نَحْوِهِ يُعَدُّ فَاقِدًا لَهُ حُكْمًا.

((قَتَلُوهُ)): أَسْنَدَ الْقَتْلَ إِلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ كَلَّفُوهُ بِاسْتِعْمَالِ الْمَاءِ مَعَ إِصَابَتِهِ، فَكَانَ سَبَبًا لِمَوْتِه، ((قَتَلَهُمُ اللهُ)): زَجْرًا لَهُمْ وَتَنْفِيرًا مِنْ فِعْلِهِمْ، وَلَيْسَ قَصْدًا لِلْحَقِيقَةِ.

((أَلَا -حَرْفُ تَحْضِيضٍ- سَأَلُوا إِذْ لَمْ يَعْلَمُوا؛ فَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالُ)).

*وَ((الْعِيُّ)): التَّحَيُّرُ فِي الْكَلَامِ وَعَدَمُ الضَّبْطِ، وَالْمُرَادُ هَاهُنَا: الْجَهْلُ، وَالْمَعْنَى: أَنَّ الْجَهْلَ دَاءٌ، وَشِفَاؤُهُ السُّؤَالُ وَالتَّعَلُّمُ.

وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- قَالَ: أَصَابَ رَجُلًا جُرْحٌ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، ثُمَّ احْتَلَمَ، فَأُمِرَ بِالِاغْتِسَالِ، فَاغْتَسَلَ فَمَاتَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: «قَتَلُوهُ قَتَلَهُمُ اللهُ، أَلَمْ يَكُنْ شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالُ؟!!». وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ.

فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ الْجَهْلَ دَاءً، وَجَعَلَ دَوَاءَهُ سُؤَالَ الْعُلَمَاءِ، كَمَا أَخْبَرَ ﷺ فِي حَدِيثِهِ الْآخَرِ الَّذِي أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي أَوَّلِ «كِتَابِ الطِّبِّ» مِنْ صَحِيحِهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَا أَنْزَلَ اللهُ دَاءً إِلَّا أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً».

وَقَدْ جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ الْجَهْلَ دَاءً، وَجَعَلَ شِفَاءَهُ السُّؤَالَ.

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ! أَمْسِكُوا أَلْسِنَتَكُمْ يَرْحَمُكُمُ اللهُ، كُفُّوا أَلْسِنَتَكُمْ، لَا تَتَكَلَّمُوا إِلَّا فِيمَا تُحْسِنُونَ، ((مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَومِ الْآخِرِ؛ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ)).


الْحِفَاظُ عَلَى الْمَصَالِحِ الْعُلْيَا مَسْؤُولِيَّةُ الْجَمِيعِ

إِنَّ الْحِفَاظَ عَلَى الْمَصَالِحِ الْعُلْيَا وَالشَّأْنِ الْعَامِّ مَسْؤُولِيَّةُ الْجَمِيعِ، كُلٌّ عَلَى حَسَبِ مَوْقِعِهِ وَدَوْرِهِ؛ فَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالْإِمَامُ رَاعٍ وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ فِي أَهْلِهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا رَاعِيَةٌ وَهِيَ مَسْؤُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالْخَادِمُ فِي مَالِ سَيِّدِهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ)).

وَعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ, قَالَ: ((مَثَلُ الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالْوَاقِعِ فِيهَا؛ كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ، فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلَاهَا، وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنَ الْمَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ، فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا؟! فَإِنْ يَتَرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا؛ هَلَكُوا جَمِيعًا، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ؛ نَجَوْا وَنَجَوْا جَمِيعًا)).

((مَثَلُ الْقَائِمِ فِي حُدُودِ اللهِ وَالْوَاقِعِ فِيهَا)) الْقَائِمُ فِيهَا؛ يَعْنِي: الَّذِي اسْتَقَامَ عَلَى دِينِ اللهِ، فَقَامَ بِالْوَاجِبِ وَتَرَكَ الْمُحَرَّمَ, وَالْوَاقِعُ فِيهَا؛ أَيْ: فِي حُدُودِ اللهِ, أَيِ: الْفَاعِلُ لِلْمُحَرَّمِ أَوِ التَّارِكُ لِلْوَاجِبِ.

((كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ))؛ يَعْنِي: ضَرَبُوا سَهْمًا، وَهُوَ مَا يُسَمَّى بِالْقُرْعَةِ أَيُّهُمْ يَكُونُ الْأَعْلَى.

((فَصَارَ بَعْضُهُمْ أَعْلَاهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، وَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوُا الْمَاءَ))؛ يَعْنِي: إِذَا طَلَبُوا الْمَاءَ لِيَشْرَبُوا مِنْهُ.

((مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ))؛ يَعْنِي: الَّذِينَ فِي أَعْلَى السَّفِينَةِ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ لَا يُقْدَرُ عَلَيْهِ إِلَّا مِنْ فَوْقَ.

((فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا))؛ يَعْنِي: لَوْ نَخْرِقُ خَرْقًا فِي مَكَانِنَا نَسْتَقِي مِنْهُ؛ حَتَّى لَا نُؤْذِيَ مَنْ فَوْقَنَا!! هَكَذَا قَدَّرُوا وَأَرَادُوا.

قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((فَإِنْ تَرَكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا))؛ لِأَنَّهُمْ إِذَا خَرَقُوا خَرْقًا فِي أَسْفَلِ السَّفِينَةِ؛ دَخَلَ الْمَاءُ، ثُمَّ أَغْرَقَ السَّفِينَةَ.

((وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ))؛ وَمَنَعُوهُمْ مِنْ ذَلِكَ؛ ((نَجَوْا وَنَجَوْا جَمِيعًا))؛ يَعْنِي: نَجَا هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ.

وَهَذَا الْمَثَلُ الَّذِي ضَرَبَهُ النَّبِيُّ ﷺ هُوَ مِنَ الْأَمْثَالِ الَّتِي لَهَا مَغْزًى عَظِيمٌ، وَمَعْنًى عَالٍ, فَالنَّاسُ فِي دِينِ اللهِ كَالَّذِينَ فِي سَفِينَةٍ فِي لُجَّةِ النَّهْرِ, فَهُمْ تَتَقَاذَفُهُمُ الْأَمْوَاجُ, وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ بَعْضُهُمْ -إِذَا كَانُوا كَثِيرِينَ- فِي الْأَسْفَلِ, وَبَعْضُهُمْ فِي أَعْلَى؛ حَتَّى تَتَوَازَنَ حُمُولَةُ السَّفِينَةِ, وَحَتَّى لَا يُضَيِّقَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ.

وَفِيهِ: أَنَّ هَذِهِ السَّفِينَةَ الْمُشْتَرَكَةَ بَيْنَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ؛ إِذَا أَرَادَ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَنْ يُخَرِّبَهَا؛ فَلَا بُدَّ أَنْ يُمْسِكُوا عَلَى يَدَيْهِ، وَأَنْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ؛ لِيَنْجُوا جَمِيعًا, فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا هَلَكُوا جَمِيعًا.

هَكَذَا دِينُ اللهِ؛ إِذَا أَخَذَ الْعُقَلَاءُ وَأَهْلُ الْعِلْمِ وَالدِّينِ عَلَى الْجُهَّالِ وَالسُّفَهَاءِ نَجَوْا جَمِيعًا, وَإِنْ تَرَكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا, كَمَا قَالَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الأنفال: 25].

وَنَحْنُ جَمِيعًا فِي سَفِينَةِ الْوَطَنِ، وَمَا أَكْثَرَ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ مَعَاوِلَهُمْ وَفُؤُوسَهُمْ؛ لِيَخْرِقُوا السَّفِينَةَ لِيُغْرِقُوهَا، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَجِدُوا أَحَدًا يَأْخُذُ عَلَى أَيْدِيهِمْ!!

إِنَّ الْكَلِمَةَ أَمَانَةٌ؛ قَالَ رَبُّنَا -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق: 18].

مَا يَتَكَلَّمُ الْإِنْسَانُ مِنْ كَلَامٍ يَخْرُجُ مِنْ فِيهِ، وَمَا يَعْمَلُ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا عِنْدَهُ مَلَكٌ حَافِظٌ يَكْتُبُ قَوْلَهُ، مُعَدٌّ مُهَيَّأٌ لِذَلِكَ، حَاضِرٌ عِنْدَهُ لَا يُفَارِقُهُ.

إِنَّ مِنْ أَدَلِّ مَا يَدُلُّ عَلَى قِيمَةِ الْكَلِمَةِ فِي الْإِسْلَامِ: ذَلِكَ الْجُزءُ مِنْ حَدِيثِ الْمَنَامِ الطَّوِيلِ, الَّذِي بَيَّنَ فِيهِ جِبْرِيلُ لِلنَّبيِّ ﷺ جَزَاءَ الرَّجُلِ يَكذِبُ الْكِذْبَةَ فَتَطِيرُ كُلَّ مَطَارٍ، وَتَسِيرُ كُلَّ مَسَارٍ, وَيَظُنُّ الْمِسكِينُ أَنَّهُ بِمَنأَى مِنْ عَذَابِ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ-, وَأَنَّ الْكَلِمَةَ لَا قِيمَةَ لهَا وَلَا وَزْنَ, وَهِيَ فِي الْمِيزَانِ أَثْقَلُ مِنْ كَثِيرٍ مِنَ الذُّنُوبِ وَالْآثَامِ.

أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي ((صَحِيحِهِ)) عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا صَلَّى صَلَاةً أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ, فَقَالَ: ((مَنْ رَأَى مِنْكُمُ اللَّيْلَةَ رُؤْيَا؟))

قَالَ: فَإِنْ رَأَى أَحَدٌ؛ قَصَّهَا، فَيَقُولُ مَا شَاءَ اللَّهُ، فَسَأَلَنَا يَوْمًا, فَقَالَ: ((هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رُؤْيَا؟))

قُلْنَا: لَا.

قَالَ: ((لَكِنِّي رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ أَتَيَانِي، فَأَخَذَا بِيَدِي، فَأَخْرَجَانِي إِلَى الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ، فَإِذَا رَجُلٌ جَالِسٌ وَرَجُلٌ قَائِمٌ بِيَدِهِ كَلُّوبٌ مِنْ حَدِيدٍ -وَالْكَلُّوبُ: الْحَدِيدَةُ الَّتِي يُنْشَلُ بِهَا اللَّحْمُ وَيُعَلَّقُ- يُدْخِلُه فِي شِدْقِهِ حَتَّى يَبْلُغَ قَفَاهُ، ثُمَّ يَفْعَلُه بِشِدْقِهِ الْآخَرِ مِثْلَ ذَلِكَ, وَيَلْتَئِمُ شِدْقُهُ هَذَا، فَيَعُودُ فَيَصْنَعُ مِثْلَهُ، قُلْتُ: مَا هَذَا؟ قَالَا: انْطَلِقْ..)).

ثُمَّ تَعَدَّدَتِ الْمَرَائِي، وَجَاءَ التَّأوِيلُ.

قَالَ ﷺ: ((قُلْتُ: طَوَّفْتُمَانِي اللَّيْلَةَ فَأَخْبِرَانِي عَمَّا رَأَيْتُ، قَالَا: نَعَمْ، أَمَّا الَّذِي رَأَيْتَهُ يُشَقُّ شِدْقُهُ؛ فَكَذَّابٌ يُحَدِّثُ بِالْكَذِبَةِ، فَتُحْمَلُ عَنْهُ حَتَّى تَبْلُغَ الْآفَاقَ, فَيُصْنَعُ بِهِ مَا رَأيتَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ)).

((رَجُلٌ جَالِسٌ وَرَجُلٌ قَائِمٌ بِيَدِهِ كَلُّوبٌ مِنْ حَدِيدٍ، يُدْخِلُه فِي شِدْقِهِ حَتَّى يَبْلُغَ قَفَاهُ، ثُمَّ يَفْعَلُه بِشِدْقِهِ الْآخَرِ مِثْلَ ذَلِكَ, وَيَلْتَئِمُ شِدْقُهُ هَذَا، فَيَعُودُ فَيَصْنَعُ مِثْلَهُ)).

هَذَا جَزَاءُ الْكَذَّابِ، يُحَدِّثُ بِالْكَذِبَةِ، فَتُحْمَلُ عَنْهُ حَتَّى تَبْلُغَ الْآفَاقَ, فَيُصْنَعُ بِهِ مَا رَأَيْتَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، يَعنِى: هَذَا هُوَ عَذَابُهُ فِي الْبَرزَخِ.

فَانْظُر إِلَى هَذَا الْعَذَابِ -هُدِيتَ-, كَيْفَ تَنَاوَلَ مِنَ الْكَذَّابِ آلَةَ كَذِبِه وَمَوْضِعَ إِفْكِهِ؟!! وَكَيْفَ يُشَقُّ شِدْقُهُ إِلَى قَفَاهُ بِكَلُّوبٍ مِنْ حَدِيدٍ, ثُمَّ يُثَنَّى بِالْآخَرِ، فَيَلْتَئِمُ الْأَوَّلُ, فَيُعَادُ عَلَيْهِ بِالشَّقِّ كَمَا صُنِعَ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ، وَهَكَذَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ!!

وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: ((فَأَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ مُسْتَلْقٍ لِقَفَاهُ, وَإِذَا آخَرُ قَائِمٌ عَلَيْهِ بِكَلُّوبٍ مِنْ حَدِيدٍ, وَإِذَا هُوَ يَأْتِي أَحَدَ شِقَّيْ وَجْهِهِ فَيُشَرْشِرُ شِدْقَهُ إِلَى قَفَاهُ, وَمَنْخِرَهُ إِلَى قَفَاهُ, وَعَيْنَهُ إِلَى قَفَاهُ, ثُمَّ يَتَحَوَّلُ إِلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ فَيَفْعَلُ بِهِ مِثْلَ مَا فَعَلَ بِالْجَانِبِ الْأَوَّلِ, فَمَا يَفْرُغُ مِنْ ذَلِكَ الْجَانِبِ حَتَّى يَصِحَّ ذَلِكَ الْجَانِبُ كَمَا كَانَ, ثُمَّ يَعُودُ عَلَيْهِ، فَيَفْعَلُ مِثْلَ مَا فَعَلَ في الْمَرَّةِ الْأُولَى..)).

وَفِي تَأوِيلِهَا: ((أَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي أَتَيْتَ عَلَيْهِ يُشَرْشَرُ شِدْقُهُ إِلَى قَفَاهُ, وَمَنْخِرُهُ إِلَى قَفَاهُ, وَعَيْنُهُ إِلَى قَفَاهُ؛ فَإِنَّهُ الرَّجُلُ يَغْدُو مِنْ بَيْتِهِ، فَيَكْذِبُ الْكَذِبَةَ تَبْلُغُ الْآفَاقَ)).

هَذَا جَزَاءُ مَنْ كَذَبَ الْكَذِبَةَ تُحْمَلُ عَنْهُ حَتَّى تَبْلُغَ الْآفَاقَ، هَذَا جَزَاءُ مَا أَتَى, وَكِفَاءُ مَا صَنَعَ, فَمَنْ لَا يَقْدُرُ الْكَلِمَةَ بَعْدَ ذَلِكَ قَدْرَهَا؟!!

وَمَنْ لَا يَعْرِفُ لِلْكَلِمَةِ بَعْدَ ذَلِكَ شَأْنَهَا؟!!

«وَأَكْثَرُ الَّذِينَ يَتَعَامَلُونَ مَعَ الشَّبَكَةِ الْعَنْكَبُوتِيَّةِ هُمْ دَاخِلُونَ -إِنْ شَاءَ اللهُ- فِي هَذَا الْوَعِيدِ؛ إِلَّا أَنْ يَتُوبُوا إِلَى اللهِ تَعَالَى.

وَأَكْثَرُهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكَذِبِ وَالْبُهْتَانِ؛ بَلْ جُلُّهُمْ -إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا--؛ لِأَنَّهُ يَنْدُرُ أَنْ تَجِدَ رَجُلًا صَادِقًا يَتَعَامَلُ مَعَ شَبَكَةِ الْمَعْلُومَاتِ تَعَامُلًا يُرْضِي اللهَ -تَعَالَى-، لَا تَنْزَلِقُ قَدَمُهُ، وَلَا يَزِلُّ بَصَرُهُ وَلَا سَمْعُهُ، هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ!!».

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللهِ تَعَالَى، مَا يُلْقِي لَهَا بَالًا؛ يَرْفَعُهُ اللهُ بِهَا دَرَجَاتٍ، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللهِ تَعَالَى، لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا؛ يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

وَالنَّبِيُّ ﷺ قَالَ: ((كَفَى بِالْمَرْءِ إِثمًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ)).

وَفِي رِوَايَةٍ: ((كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي ((مُقَدِّمَةِ الصَّحِيحِ)).

وَقَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ -رَحِمَهُ اللهُ-: «اعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ يَسْلَمُ رَجُلٌ حَدَّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ)).

وَيَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَتَثَبَّتَ وَأَنْ يَتَرَوَّى فِي تَلَقِّي الْأَخْبَارِ وَالرِّوَايَةِ وَالْعَمَلِ بِهَا, وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ -جَلَّ وَعَلَا-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} [الحجرات: 6].

قَالَ الْعَلَّامَةُ الشِّنْقِيطِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((وَقَدْ دَلَّتْ هَذهِ الْآيَةُ فِي سُورَةِ الْحُجُرَاتِ عَلَى أَمْرَيْنِ:

الْأَوَّلُ مِنْهُمَا: أَنَّ الْفَاسِقَ إِنْ جَاءَ بِنَبَإٍ مُمْكِنٍ مَعْرِفَةُ حَقِيقَتِهِ، وَهَلْ مَا قَالَهُ فِيهِ الْفَاسِقُ حَقٌّ أَوْ كَذِبٌ؛ فَإِنَّهُ يَجِبُ فِيهِ التَّثَبُّتُ.

وَالثَّانِي: هُوَ مَا اسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِهَا أَهْلُ الْأُصُولِ مِنْ قَبُولِ خَبَرِ الْعَدْلِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: {إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا} يَدُلُّ بِدَليلِ خِطَابِه -أَعْنِي مَفْهُومَ الْمُخَالَفَةِ- أَنَّ الْجَائِيَ بِنَبَإٍ إِنْ كَانَ غَيْرَ فَاسِقٍ بَلْ عَدْلًا؛ لَا يَلْزَمُ التَّبَيُّنُ فِي نَبَئِهِ عَلَى قِرَاءَةِ: {فَتَبَيَّنُوا} وَلَا التَّثَبُّتُ عَلَى قِرَاءَةِ: {فَتَثَبَّتُوا} -قَالَ:- وَهُوَ كَذَلِكَ)).


مُرَاعَاةُ الْمَصَلَحَةِ الْعُلْيَا لِلْوَطَنِ الْآنَ!!

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ! إِنَّهُ مِمَّا يَتَوَجَّبُ عَلَى الْمَرْءِ الْآنَ: أَنْ يُرَاعِيَ الْمَصْلَحَةَ الْعُلْيَا لِهَذَا الْوَطَنِ, فَهَذَا وَطَنٌ مُسْلِمٌ, وَهَذِهِ أَرْضٌ يَحْيَا عَلَيْهَا الْمُسْلِمُونَ مُنْذُ قُرُونٍ, وَيَنْبَغِي عَلَيْهِمْ أَنْ يُحَافِظُوا عَلَيْهَا وَأَلَّا يُضَيِّعُوهَا!!

وَلَكِنَّ طَائِفَةً مِنْ هَذَا الشَّعْبِ الْأَبِيِّ الْكَرِيمِ تَأْبَى إِلَّا أَنْ تَدْفَعَ سَفِينَةَ الْوَطَنِ إِلَى الصُّخُورِ الْوَعْرَةِ؛ مِنْ أَجْلِ أَنْ تَرْتَطِمَ بِهَا, وَيُحَاوِلُونَ جَاهِدِينَ أَنْ يَخْرِقُوهَا لِيُغْرِقُوهَا!!

وَالنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ لِلْعُقَلَاءِ: ((فَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا وَنَجَوْا جَمِيعًا, وَإِنْ تَرَكُوهُمْ هَلَكُوا وَهَلَكُوا جَمِيعًا))

فَعَلَى كُلِّ مِصْرِيٍّ أَنْ يَنْتَبِهَ، وَأَنْ يَأْخُذَ عَلَى أَيْدِي السُّفَهَاءِ؛ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ أَقْلَامَهُمْ أَوْ فُؤُوسَهُمْ أَوْ يُهَرِّفُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ تَضْرِبُ بَيْنَ أَشْدَاقِهِمْ بِكُلِّ مَا يَضُرُّ الْوَطَنَ وَمَصْلَحَتَهُ, وَبِكُلِّ مَا يَعْبَثُ بِالْأَمْنِ الْقَوْمِيِّ لِهَذَا الْبَلَدِ.

اللَّهُمَّ صُنْ بَلَدَنَا وَجَمِيعَ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ، صُنْ وَطَنَنَا وَجَمِيعَ أَوْطَانِ الْمُسْلِمِينَ.

اللَّهُمَّ احْفَظْ وَطَنَنَا وَجَمِيعَ أَوْطَانِ الْمُسْلِمِينَ.

اللَّهُمَّ اكْبِتِ الْحَاقِدِينَ.

اللَّهُمَّ أَذِلَّ الْحَاسِدِينَ الْمُجْرِمِينَ الَّذِينَ يَبُثُّونَ الْفِتْنَةَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ.

اللَّهُمَّ أَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِ الْمُسْلِمِينَ، وَاجْمَعْ أَبْنَاءَ هَذَا الْوَطَنِ عَلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ -يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ، وَيَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ-.

اللَّهُمَّ حَافِظْ عَلَى وَطَنِنَا مِنْ كُلِّ مَكْرُوهٍ، وَاحْفَظْهُ مِنْ كُلِّ سُوءٍ, وَجَمِيعَ أَوْطَانِ الْمُسْلِمِينَ.

اللَّهُمَّ أَمِّنْ وَطَنَنَا يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.

اللَّهُمَّ احْفَظْ دِيَارَنَا, وأَلِّفْ بَيْنَ أَبْنَاءِ شَعْبِنَا.

اللَّهُمَّ اكْبِتِ الْحَاقِدِينَ.

اللَّهُمَّ اكْبِتْ أَصْحَابَ الْفِتْنَةِ وَأَذِلَّهُمْ، وَاكْشِفْ سِتْرَهُمْ، وَمَكِّنْ مِنْهُمْ.

اللَّهُمَّ احْفَظْ وَطَنَنَا.

اللَّهُمَّ احْفَظْ وَطَنَنَا مِنَ الْفَوْضَى، واحْفَظْ وَطَنَنَا مِنَ الْفِتَنِ, وَأَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِ أَهْلِهِ، وَاجْمَعْهُمْ عَلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ، وَيَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَيَا ذَا الْقُوَّةِ الْمَتِينَ.

وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ.

 

المصدر:حِمَايَةُ الشَّأْنِ الْعَامِّ وَالْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ

التعليقات


خطب مفرغة قد تعجبك


  التكفير .. أصوله وضوابطه
  [ طليعة الرد على الحلبي [ الجزء الأول
  ثورة الحرائر وإهانة المصاحف !!
  الدِّينُ وَالْوَطَنُ مَعًا.. بِنَاءٌ لَا هَدْمَ
  عرفت فالزم
  خِدْمَةُ الْمُجْتَمَعِ بَيْنَ الْعَمَلِ التَّطَوُّعِيِّ وَالْوَاجِبِ الْكِفَائِيِّ وَالْعَيْنِيِّ
  الإِسْلَامُ دِينُ العَمَلِ وَقَضِيَّةُ الرِّزْقِ
  الْحِفَاظُ عَلَى الْمَالِ وَحَتْمِيَّةُ مُوَاجَهَةِ الْفَسَادِ
  تَنْظِيمُ النَّسْلِ بِشُرُوطِهِ قَضِيَّةُ أَخْذٍ بِالْأَسْبَابِ الشَّرْعِيَّةِ
  اسْتِقْبَالُ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ بِالْوَفَاءِ بِالْحُقُوقِ وَتَحَرِّي الْحَلَالِ
  • شارك

نبذة عن الموقع

موقع تفريغات العلامة رسلان ، موقع يحتوي على العشرات من الخطب والمحاضرات والمقاطع المفرغة لفضيلة الشيخ العلامة أبي عبدالله محمد بن سعيد رسلان-حفظه الله- . كما يعلن القائمون على صفحة وموقع تفريغات العلامة رسلان -حفظه الله- أن التفريغات للخطب ليست هي الشكل النهائي عند الطباعة، ولكن نحن نفرغ خطب الشيخ حفظه الله ونجتهد في نشرها ليستفيد منها طلاب العلم والدعاة على منهاج النبوة في كل أنحاء الدنيا، ونؤكد على أنَّ الخطب غير مُخرَّجة بشكل كامل كما يحدث في خطب الشيخ العلامة رسلان المطبوعة وليست الكتب المنشورة على الصفحة والموقع هي النسخة النهائية لكتب الشيخ التي تُطبع...وهذه الكتب ما هي إلا تفريغ لخطب الشيخ، غير أنَّ كتب الشيخ التي تُطبع تُراجع من الشيخ -حفظه الله- وتُخرج. والتفريغ عملٌ بشريٌ، ونحن نجتهد في مراجعة التفريغات مراجعة جيدة، فإذا وقع خطأ أو شكل الخطب كما نخرجها -إنما نُحاسب نحن عليها والخطأ يُنسب لنا وليس للشيخ -حفظه الله-.

الحقوق محفوظة لكل مسلم موقع تفريغات العلامة رسلان