((بُطُولَاتٌ لَا تُنْسَى
وَفَضْلُ لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ))
إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّه مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ.
أَمَّا بَعْدُ:
فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.
أَمَّا بَعْدُ:
((حُبُّ الْوَطَنِ وَالِانْتِمَاءُ إِلَيْهِ غَرِيزَةٌ فِطْرِيَّةٌ))
فَالِانْتِمَاءُ لِلْوَطَنِ الْإِسْلَامِيِّ انْتِمَاءٌ لِلْإِسْلَامِ نَفْسِهِ، وَالْجِهَادُ دُونَ الْوَطَنِ الْإِسْلَامِيِّ جِهَادٌ دُونَ الْإِسْلَامِ عَيْنِهِ، وَخِيَانَةُ الْوَطَنِ الْإِسْلَامِيِّ خِيَانَةٌ للهِ، وَخِيَانَةٌ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، خِيَانَةٌ لِلْإِسْلَامِ الْعَظِيمِ، خِيَانَةٌ لِلْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، وَانْسِلَاكٌ فِي حِزْبِ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ.
إِنِّي لَأَعْجَبُ كَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ يَخُونَ الْخَائِنُونَ؟! = أَيَخُونُ إِنْسَانٌ بِلَادَهُ؟!
إِنْ خَانَ مَعْنَى أَنْ يَكُونَ = فَكَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ
وَحُبُّ الْوَطَنِ: هُوَ الْمَيْلُ إِلَى الْبَلَدِ الَّذِي يُنْسَبُ إِلَيْهِ الْإِنْسَانُ وَيَعِيشُ فِيهِ، سَوَاءٌ وُلِدَ فِيهِ أَمْ لَمْ يُولَدْ فِيهِ، بِحَيْثُ يَنْتُجُ عَنْ ذَلِكَ الدِّفَاعُ عَنْهُ، وَالْعَمَلُ لِرُقِيِّهِ وَتَطَوُّرِهِ وَفْقَ ضَوَابِطِ الشَّرِيعَةِ الْمُكَرَّمَةِ.
وَحُبُّ الْوَطَنِ الْغَرِيزِيُّ مَبْثُوثٌ فِي كَلَامِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ.
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَدْهَمَ: ((مَا قَاسَيْتُ فِيمَا تَرَكْتُ شَيْئًا أَشَدَّ عَلَيَّ مِنْ مُفَارَقَةِ الْأَوْطَانِ)).
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((فَالرُّسُلُ بُعِثُوا بِتَقْرِيرِ الْفِطْرَةِ وَتَكْمِيلِهَا، لَا بِتَغْيِيرِ الْفِطْرَةِ وَتَحْوِيلِهَا، وَالْكَمَالُ يَحْصُلُ بِالْفِطْرَةِ الْمُكَمَّلَةِ بِالشَّرِيعَةِ الْمُنَزَّلَةِ)).
قَالَ الْجَاحِظُ: ((كَانَ يُقَالُ: لَوْلَا حُبُّ النَّاسِ الْأَوْطَانَ لَخَسِرَتِ الْبُلْدَانُ)).
وَقَالَ عَبْدُ الْحَمِيدِ الْكَاتِبُ -وَذَكَرَ الدُّنْيَا-: ((نَفَتْنَا عَنِ الْأَوْطَانِ، وَقَطَعَتْنَا عَنِ الْإِخْوَانِ)).
وَقَالَ آخَرُ: ((مِنْ أَمَارَاتِ الْعَاقِلِ بِرُّهُ لِإِخْوَانِهِ، وَحَنِينُهُ لِأَوْطَانِهِ، وَمُدَارَاتُهُ لِأَهْلِ زَمَانِهِ)).
وَقِيلَ لِبَعْضِ الْأَعْرَابِ: ((مَا الْغِبْطَةُ؟)).
قَالَ: ((الْكِفَايَةُ مَعَ لُزُومِ الْأَوْطَانِ، وَالْجُلُوسُ مَعَ الْإِخْوَانِ)).
قِيلَ: ((فَمَا الذِّلَّةُ؟)).
قَالَ: ((التَّنَقُّلُ فِي الْبُلْدَانِ، وَالتَّنَحِّي عَنِ الْأَوْطَانِ)).
قَالَ الْعَبْدِيُّ: ((عَمَّرَ اللهُ الْبُلْدَانَ بِحُبِّ الْأَوْطَانِ)).
قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: ((لَيْسَ النَّاسُ بِشَيْءٍ مِنْ أَقْسَامِهِمْ أَقْنَعَ مِنْهُمْ بِأَوْطَانِهِمْ)).
وَ ((أَقْسَامُهُمْ)) فِي كَلَامِهِ يَعْنِي: أَرْزَاقُهُمْ.
إِنَّ حُبَّ الْوَطَنِ غَرِيزَةٌ فِطْرِيَّةٌ فِي جَمِيعِ الْبَشَرِ مُسْلِمِينَ وَكَافِرِينَ، وَالِانْتِمَاءُ الْوَطَنِيُّ يَعْنِي حُبَّ الْوَطَنِ، وَالِاسْتِعْدَادَ لِلتَّضْحِيَةِ مِنْ أَجْلِهِ، وَالْمُحَافَظَةَ عَلَى كِيَانِهِ الِاجْتِمَاعِيِّ مِنْ خِلَالِ الِالْتِزَامِ بِالْقِيَمِ الشَّرْعِيَّةِ فِي الْمُجْتَمَعِ.
وَالِانْتِمَاءُ مِنَ الْفِطَرِ الَّتِي فَطَرَنَا اللهُ عَلَيْهَا، وَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ حُبَّ الْوَطَنِ غَرِيزَةٌ وَطَبِيعَةٌ جَبَلَ اللهُ النَّاسَ عَلَيْهَا، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ حُبَّ الْإِنْسَانِ وَطَنَهُ لَيْسَ مُحَرَّمًا، وَلَيْسَ بِبِدْعَةٍ إِذَا كَانَ وَفْقَ الضَّوَابِطِ الشَّرْعِيَّةِ.
((حُبُّ الْوَطَنِ مِنْ تَقْوَى اللهِ -جَلَّ وَعَلَا- ))
وَحُبُّ الْوَطَنِ مِنْ تَقْوَى اللهِ -جَلَّ وَعَلَا-؛ فَتَقْوَى اللهِ كَلِمَةٌ جَامِعَةٌ لِكُلِّ خَيْرٍ، فَمَفْهُومُهَا كَبِيرٌ، وَحَقَائِقُهَا أَكْبَرُ مِنْ مُجَرَّدِ الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ، كَالصَّلَاةِ وَالْحَجِّ.
حَقِيقَةُ التَّقْوَى تَحْقِيقُ الْعُبُودِيَّةِ للهِ بِكُلِّ مَعَانِيهَا، كَمَا قَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56].
وَحَقِيقَتُهَا كَذَلِكَ عِمَارَةُ الْأَرْضِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي تَنْتَفِعُ بِهِ الْخَلَائِقُ، كَمَا قَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} [هود: 61].
وَكَذَلِكَ التَّقْوَى ارْتِبَاطٌ صَادِقٌ مَعَ اللهِ بِحَبْلِهِ الْمَتِينِ، وَصِرَاطِهِ الْمُسْتَقِيمِ.
وَمِنَ التَّقْوَى حِفْظُ أَرْضِ الْوَطَنِ وَصِيَانَتُهُ، وَعِمَارَتُهُ عِمَارَةً صَحِيحَةً، وَغَرْسُ كُلِّ خَيْرٍ فِيهِ، وَدَرْءُ كُلِّ شَرٍّ عَنْهُ.
قَالَ الشَّيْخُ مُحَمَّد شَاكِر -رَحِمَهُ اللهُ- مُبَيِّنًا حَقِيقَةَ الْمَعْنَى الْكَبِيرِ لِلتَّقْوَى: ((إِيَّاكَ أَنْ تَظُنَّ أَنَّ تَقْوَى اللهِ هِيَ الصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ وَنَحْوُهُمَا مِنَ الْعِبَادَاتِ فَقَطْ، إِنَّ تَقْوَى اللهِ تَدْخُلُ فِي كُلِّ شَيْءٍ، فَاتَّقِ اللهَ فِي عِبَادَةِ مَوْلَاكَ، لَا تُفَرِّطْ فِيهَا، وَاتَّقِ اللهَ فِي إِخْوَانِكَ لَا تُؤْذِ أَحَدًا مِنْهُمْ، وَاتَّقِ اللهَ فِي بَلَدِكَ لَا تَخُنْهُ، وَلَا تُسَلِّطْ عَلَيْهِ عَدُوًّا، وَاتَّقِ اللهَ فِي نَفْسِكَ وَلَا تُهْمِلْ فِي صِحَّتِكَ، وَلَا تَتَخَلَّقْ بِسِوَى الْأَخْلَاقِ الْفَاضِلَةِ)).
((حُبُّ النَّبِيِّ ﷺ الْوَطَنَ الْإِسْلَامِيَّ))
لَقَدْ دَعَا النَّبِيُّ ﷺ بِاللَّعْنَةِ عَلَى مَنْ أَخْرَجَهُ مِنْ أَرْضِهِ وَوَطَنِهِ، وَالدُّعَاءُ بِاللَّعْنِ شَدِيدٌ؛ لِأَنَّهُ دُعَاءٌ بِالطَّرْدِ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَنَبِيُّنَا ﷺ نَبِيُّ الرَّحْمَةِ، وَقَدْ دَعَا ﷺ بِاللَّعْنَةِ عَلَى مَنْ أَخْرَجَهُ مِنْ أَرْضِهِ وَوَطَنِهِ، وَهَذَا دَالٌّ عَلَى مَكَانَةِ الْوَطَنِ فِي نُفُوسِ الْأَنْبِيَاءِ -عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-، فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِمْ مِنَ الْبَشَرِ الْأَسْوِيَاءِ.
عَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- قَالَتْ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ((اللهم الْعَنْ شَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وَعُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وَأُمَيَّةَ بْنَ خَلَفْ، كَمَا أَخْرَجُونَا مِنْ أَرْضِنَا)). أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.
وَقَدْ أَشْفَقَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ خُرُوجِهِ مِنْ أَرْضِهِ وَوَطَنِهِ؛ فَالنَّبِيُّ ﷺ لَمَّا أَخْبَرَ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلٍ بِشَأْنِهِ مَعَ الْوَحْيِ، قَالَ لَهُ وَرَقَةُ: ((يَا لَيْتَنِي أَكُونُ حَيًّا حِينَ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ)).
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((أَوَ مُخْرِجِيَّ هُمْ؟!)).
قَالَ وَرَقَةُ: ((نَعَمْ)). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.
قَالَ أَبُو شَامَةَ -رَحِمَهُ اللهُ- -وَهُوَ مِنْ عُلَمَاءِ الْقَرْنِ السَّابِعِ الْهِجْرِيِّ-: ((فَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى حُبِّ الْوَطَنِ، وَشِدَّةِ مُفَارَقَتِهِ عَلَى النَّفْسِ)).
وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الْحَمْرَاءِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى الْحَزْوَرَةِ بِمَكَّةَ -وَالْحَزْوَرَةُ: مُرْتَفَعٌ يُقَابِلُ الْمَسْعَى مِنْ جِهَةِ الْمَشْرِقِ، كَانَ سُوقًا مِنْ أَسْوَاقِ مَكَّةَ- سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى الْحَزْوَرَةِ بِمَكَّةَ يَقُولُ: ((وَاللهِ! إِنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللهِ، وَأَحَبُّ أَرْضِ اللهِ إِلَى اللهِ، وَلَوْلَا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ)). رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
وَقَدْ تَبَدَّتْ شَفَقَةُ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى الْغُرَبَاءِ عَنْ أَوْطَانِهِمْ؛ فَنَبِيُّنَا ﷺ كَانَ أَشَدَّ النَّاسِ تَقْدِيرًا لِلضَّرُورَاتِ وَالْفِطَرِ الْجِبِلِّيَّةِ الْكَامِنَةِ فِي نُفُوسِ النَّاسِ فِي حُبِّ الْأَوْطَانِ وَمَا أَشْبَهَ، وَقَدْ رَحَلَ إِلَيْهِ لِطَلَبِ الْعِلْمِ مَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- وَمَعَهُ مِنْ قَوْمِهِ نَفَرٌ كُلُّهُمْ شَبَبَةٌ مُتَقَارِبُونَ، قَالَ -أَيْ: مَالِكٌ-: ((أَقَمْنَا عِنْدَهُ ﷺ عِشْرِينَ يَوْمًا، قَالَ: وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ رَفِيقًا رَحِيمًا، فَلَمَّا رَآنَا قَدِ اشْتَقْنَا إِلَى أَهْلِنَا قَالَ: ((ارْجِعُوا إِلَى أَهْلِيكُمْ فَأَقِيمُوا فِيهِمْ، وَعَلِّمُوهُمْ وَبَرُّوهُمْ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
فَانْظُرْ إِلَى تَقْدِيرِ النَّبِيِّ ﷺ لْمَشَاعِرِ وَأَحَاسِيسِ الشَّبَابِ مِنَ الصَّحَابَةِ لِدِيَارِهِمْ وَأَوْطَانِهِمْ، مَعَ أَنَّهُمْ مَشْغُولُونَ بِشَيْءٍ عَظِيمٍ أَلَا وَهُوَ تَلَقِّي الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ.
وَانْظُرْ إِلَى عِبَارَةِ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- وَهُوَ يَنْقُلُ لِلْأُمَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ بَلْ لِلْعَالِمِ كُلِّهِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ أَحَاسِيسَ النَّبِيِّ الْأَمِينِ ﷺ، قَالَ: ((فَلَمَّا رَآنَا قَدِ اشْتَقْنَا إِلَى أَهْلِنَا)) -فَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ-.
((فَضْلُ حِرَاسَةِ الْأَوْطَانِ وَالرِّبَاطُ فِي سَبِيلِ اللهِ))
إِنَّ الدِّفَاعَ عَنِ الْأَوْطَانِ وَالْأَرْضِ وَالْعِرْضِ وَاجِبٌ شَرْعِيٌّ وَضَرُورَةٌ دِينِيَّةٌ، وَهُوَ دَلِيلُ نُبْلِ النَّفْسِ، وَعُلُوِّ الْهِمَّةِ؛ فَالتَّدَيُّنُ الْحَقِيقِيُّ فِدَاءٌ وَتَضْحِيَةٌ، وَاعْتِزَازٌ بِالْوَطَنِ وَالْأَرْضِ وَالْعِرْضِ.
بِلَادٌ مَاتَ فِتْيَتُهَا لِتَحْيَا = وَزَالُوا دُونَ قَوْمِهِمُ لِيَبْقُوا
وَقَفْتُمْ بَيْنَ مَوْتٍ أَوْ حَيَاةٍ = فَإِنْ رُمْتُمْ نَعِيمَ الدَّهْرِ فَاشْقُوا
وَلِلْأَوْطَانِ فِي دَمِ كُلِّ حُرٍّ = يَدٌ سَلَفَتْ وَدَيْنٌ مُسْتَحَقُّ
وَقَدْ بَشَّرَ نَبِيُّنَا ﷺ حُرَّاسَ الْأَوْطَانِ الْمُدَافِعِينَ عَنِ الْأَرْضِ وَالْعِرْضِ بِالْأَجْرِ الْعَظِيمِ، قَالَ ﷺ: ((مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دِينِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ)). أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
وَقَالَ ﷺ: ((كُلُّ مَيِّتٍ يُخْتَمُ عَلَى عَمَلِهِ إِلَّا الْمُرَابِطَ فِي سَبِيلِ اللهِ؛ فَإِنَّهُ يُنْمَى لَهُ عَمَلُهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَيَأْمَنُ مِنْ فِتْنَةِ الْقَبْرِ)). أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ.
وَقَالَ ﷺ: ((أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِلَيْلَةٍ أَفْضَلَ مِنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ: حَارِسُ حَرَسٍ فِي أَرْضِ خَوْفٍ لَعَلَّهُ لَا يَرْجِعُ إِلَى أَهْلِهِ)). أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ فِي ((الْكُبْرَى))، وَالْحَاكِمُ، وَالْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ.
وَقَالَ ﷺ: ((عَيْنَانِ لَا تَمَسُّهُمَا النَّارُ: عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ، وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ فِي سَبِيلِ اللهِ)). أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ.
وَالْعَيْنُ الْمُرَادُ بِهَا هُنَا: الْجَسَدُ كُلُّهُ، غَيْرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَبَّرَ بِالْعَيْنِ كَوْنَهَا تَحْرُسُ وَتُرَاقِبُ.
قَالَ الْقَاسِمِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((وَمِمَّا يَجِبُ فِي حُبِّ الْوَطَنِ أَنْ يُدَافَعَ الْعَدُوُّ الَّذِي يُحَاوِلُ اغْتِصَابَهُ وَاحْتِلَالَهُ، وَأَنْ يُجَاهَدَ دُونَهُ بِالْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ؛ احْتِفَاظًا بِمَا لِأَهْلِهِ فِي وَطَنِهِمْ؛ مِنْ إِقَامَةِ شَعَائِرِ دِينِهِمْ، وَتَقَلُّبِهِمْ فِي أَمْلَاكِهِمْ، وَصَوْنِ حَرِيمِهِمْ، وَتَصَرُّفِهِمْ فِي مَعَايِشِهِمْ، وَالْقِيَامِ عَلَى تَرْبِيَةِ أَوْلَادِهِمْ وَذُرِّيَّتِهِمْ، الَّذِي يُحَاوِلُ الْعَدُوُّ أَنْ يَحُولَ بَيْنَ هَذِهِ الْأُمُورِ وَبَيْنَ أَصْحَابِهَا، فَيَقْضِي عَلَى شَرَفِ دِينِهِمْ، وَيَنْهَبُ أَمْوَالَهُمْ وَمُقْتَنَيَاتِهِمْ، وَيَهْتِكُ حَرِيمَهُمْ، وَيَمْحُو تَارِيخَ مَجْدِهِمْ، وَيُفْنِي لُغَتَهُمْ وَعُلُومَهُمْ فِي رِطَانَتِهِ وَعَوَائِدِهِ، كُلُّ هَذَا مِمَّا يَنْوِيهِ الْعَدُوُّ الْغَاصِبُ لِلْوَطَنِ تِلْقَاءَ أَهْلِهِ؛ وَلِذَا وَجَبَ الْجِهَادُ دُونَهُ لِوَجْهِ اللهِ وَفِي سَبِيلِ اللهِ)).
((النَّبِيُّ ﷺ أَشْجَعُ النَّاسِ))
كَمَا ضَرَبَ نَبِيُّنَا ﷺ أَعْظَمَ الْأَمْثِلَةِ فِي الدِّفَاعِ عَنِ الْأَوْطَانِ، وَحِمَايَةِ الْأَرْضِ وَالْعِرْضِ؛ فَكَانَ ﷺ يَتَصَدَّرُ الْمَوَاقِفَ دِفَاعًا عَنْ أَهْلِهِ وَوَطَنِه، عَنْ أَنَسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: ((كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَحْسَنَ النَّاسِ، وَأَشْجَعَ النَّاسِ، وَلَقَدْ فَزِعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ لَيْلَةً، فَخَرَجُوا نَحْوَ الصَّوْتِ، فَاسْتَقْبَلَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ وَقَدِ اسْتَبْرَأَ الْخَبَرَ، وَهُوَ عَلَى فَرَسٍ لِأَبِي طَلْحَةَ عُرْيٍ، وَفِي عُنُقِهِ السَّيْفُ وَهُوَ يَقُولُ: ((لَمْ تُرَاعُوا، لَمْ تُرَاعُوا)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَقَالَ عَلِيٌّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: ((كُنَّا إِذَا احْمَرَّ الْبَأْسُ، وَلَقِيَ الْقَوْمُ الْقَوْمَ اتَّقَيْنَا بِرَسُولِ اللهِ ﷺ، فَمَا يَكُونُ مِنَّا أَحَدٌ أَدْنَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْهُ)). أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، وَأَبُو يَعْلَى بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ.
((حِمَايَةُ الْأَوْطَانِ ضَرُورَةٌ لِحِمَايَةِ الْأَعْرَاضِ))
حِمَايَةُ الْأَوْطَانِ ضَرُورَةٌ لِحِمَايَةِ الْأَعْرَاضِ؛ فَالْوَطَنُ يَحْمِي الدِّينَ وَالْأَرْضَ وَالْعِرْضَ، وَقَدْ عَظَّمَ الْإِسْلَامُ شَأْنَ الْأَعْرَاضِ وَأَوْلَاهَا عِنَايَةً خَاصَّةً، فَحَرَّمَ الِاعْتِدَاءَ عَلَيْهَا، أَوِ النَّيْلَ مِنْهَا بِأَيِّ وَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، وَجَعَلَ الْحِفَاظَ عَلَيْهَا وَالدِّفَاعَ عَنْهَا وَاجِبًا دِينِيًّا وَمَقْصِدًا شَرْعِيًّا، فَشَرَعَ مِنْ أَجْلِ صِيَانَتِهَا الْحُدُودَ، وَنَهَى عَنْ كُلِّ مَا يَنَالُ مِنْ كَرَامَةِ الْإِنْسَانِ؛ إِذْ لَا يَقْبَلُ حُرٌّ أَنْ يُسْتَبَاحَ عِرْضُهُ، أَوْ أَنْ يُسْلَبَ وَطَنُهُ وَأَرْضُهُ.
((أَعْظَمُ أَسْبَابِ حِفْظِ الْوَطَنِ لُزُومُ الشَّرْعِ))
وَحُبُّ الْوَطَنِ يَكُونُ بِالْقِيَامِ بِأَسْبَابِ حِفْظِهِ وَقُوَّتِهِ وَعِزَّتِهِ حِسِّيًّا وَمَعْنَوِيًّا، وَأَعْظَمُ أَسْبَابِ حِفْظِ الْوَطَنِ: لُزُومُ الشَّرْعِ، وَالْعَمَلُ بِالطَّاعَاتِ.
قَالَ تَعَالَى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ} [الأنعام: 82].
قَالَ السَّعْدِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((فَإِنْ كَانُوا لَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ مُطْلَقًا لَا بِشِرْكٍ وَلَا بِمَعَاصٍ؛ حَصَلَ لَهُمُ الْأَمْنُ التَّامُّ، وَالْهِدَايَةُ التَّامَّةُ، وَإِنْ كَانُوا لَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِالشِّرْكِ وَحْدَهُ، وَلَكِنَّهُمْ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ؛ حَصَلَ أَصْلُ الْهِدَايَةِ، وَأَصْلُ الْأَمْنِ، وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ لَهُمْ كَمَالُهُمَا)).
وَقَدْ سَأَلَتْ زَيْنَبُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- -زَوْجُ النَّبِيِّ ﷺ النَّبِيَّ ﷺ-: ((أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟!)).
قَالَ: ((نَعَمْ، إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ)). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.
فَالْهَلَاكُ يُصِيبُ الْمُجْتَمَعَ مَعَ وُجُودِ الصَّالِحِينَ، وَانْعِدَامِ الْمُصْلِحِينَ؛ وَعَلَيْهِ فَهَذَا الْهَلَاكُ الَّذِي يَكُونُ مُجْتَمَعِيًّا وَيُدَمِّرُ الْمُجْتَمَعَ كُلَّهُ إِنَّمَا وَقَعَ بِسَبَبِ الْمَعَاصِي.
إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ فِي الْمُجْتَمَعِ حَلَّتْ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ مِنَ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا-، وَإِذَا لَمْ يَغَرِ النَّاسُ عَلَى دِينِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- غَارَ اللهُ عَلَى دِينِهِ، وَنَزَلَتْ عَلَى الْخَلْقِ نِقْمَتُهُ، وَحَلَّ بِهِمُ الْهَلَاكُ.
فَمِنْ أَعْظَمِ مَا يُحَافَظُ بِهِ عَلَى الْوَطَنِ أَنْ يَكُونَ أَهْلُهُ صَالِحِينَ مُصْلِحِينَ، بَعِيدِينَ عَنِ الْأَوْزَارِ وَالْآثَامِ، وَحِينَئِذٍ تَحُلُّ عَلَيْهِمُ الْبَرَكَاتُ، وَتَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ مِنْ رَبِّ الْعِزَّةِ كُلُّ مَا يُحِبُّونَهُ وَكُلُّ مَا يَرْضَوْنَهُ.
فَاتَّقُوا اللهَ -عِبَادَ اللهِ-، وَاحْذَرُوا عِقَابَهُ وَسَطْوَتَهُ؛ فَإِنَّ اللهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ، {وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ ۚ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} [هود: 102].
{وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ وَلَٰكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ۖ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا} [فاطر: 45].
وَاعْلَمُوا أَنَّ الذُّنُوبَ وَالْمَعَاصِيَ سَبَبٌ لِحُلُولِ النِّقَمِ، وَزَوَالِ النِّعَمِ، وَأَنَّ الِاسْتِمْرَارَ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ الْعَظِيمِ سَبَبٌ لِمَرَضِ الْقُلُوبِ وَمَوْتِهَا، وَالطَّبْعِ عَلَيْهَا.
وَفِي الْحَدِيثِ: ((مَا ظَهَرَتِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ حَتَّى أَعْلَنُوا بِهَا إِلَّا ابْتُلُوا بِالطَّوَاعِينِ وَالْأَوْجَاعِ الَّتِي لَمْ تَكُنْ فِي أَسْلَافِهِمْ، وَلَا نَقَصَ قَوْمٌ الْمِكْيَالَ إِلَّا ابْتُلُوا بِالسِّنِينَ وَشِدَّةِ الْمَؤُونَةِ وَجَوْرِ السُّلْطَانِ، وَمَا مَنَعَ قَوْمٌ زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ، وَلَوْلَا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا، وَلَا نَقَضَ قَوْمٌ الْعَهْدَ إِلَّا سَلَّطَ اللهُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ فَأَخَذُوا بَعْضَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ، وَمَا لَمْ تَعْمَلْ أَئِمَّتُهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فِي كِتَابِهِ إِلَّا جَعَلَ اللهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ)). أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالْبَيْهَقِيُّ، وَبِنَحْوِهِ ابْنُ مَاجَه بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ.
وَقَالَ ﷺ: ((إِذَا بَخِلَ النَّاسُ بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ، وَتَبَايَعُوا بِالْعِينَةِ، وَاتَّبَعُوا أَذْنَابَ الْبَقَرِ، وَتَرَكُوا الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللهِ؛ أَنْزَلَ اللهُ بِهِمْ بَلَاءً فَلَا يَرْفَعُهُ عَنْهُمْ حَتَّى يُرَاجِعُوا دِينَهُمْ)). أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ بِنَحْوِهِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ.
قَالَ تَعَالَى: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} [الطلاق: 2-3].
وَقَالَ عَلِيٌّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: ((مَا نَزَلَ بَلَاءٌ إِلَّا بِذَنْبٍ، وَلَا رُفِعَ بَلَاءٌ إِلَّا بِتَوْبَةٍ)).
فَتُوبُوا -أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ- إِلَى رَبِّكُمْ، وَأَقْلِعُوا عَنْ ذُنُوبِكُمْ، وَفَكِّرُوا فِي أَنْفُسِكُمْ وَأَحْوَالِكُمْ، وَفَكِّرُوا فِي مُعَامَلَتِكُمْ مَعَ رَبِّكُمْ؛ هَلْ قُمْتُمْ بِمَا تَسْتَطِيعُونَ مِنْ عِبَادَتِهِ؟!
هَلْ أَدَّيْتُمْ مَا أَوْجَبَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ؟!
هَلِ اجْتَنَبْتُمْ مَا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْكُمْ؟!
إِنَّنَا لَوْ فَتَّشْنَا فِي أَنْفُسِنَا لَرَأَيْنَا الْخَلَلَ الْكَثِيرَ، وَلَكِنْ نَسْتَغْفِرُ اللهَ -تَعَالَى- وَنَتُوبُ إِلَيْهِ، وَنَسْأَلُهُ -سُبْحَانَهُ- أَنْ يَشْمَلَنَا بِعَفْوِهِ وَرَحْمَتِهِ.
مِنْ أَعْظَمِ مَا يَكُونُ مِنْ أَسْبَابِ حِفْظِ الْوَطَنِ، وَحِفْظِ قُوَّتِهِ وَنِعَمِهِ وَخَيْرَاتِهِ: شُكْرُ هَذِهِ النِّعَمِ، وَذَلِكَ بِلُزُومِ الطَّاعَاتِ، وَمُجَانَبَةِ اسْتِعْمَالِ النِّعَمِ فِيمَا حَرَّمَ اللهُ، وَمُجَانَبَةِ الْمَخِيلَةِ وَالسَّرَفِ، قَالَ تَعَالَى: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} [إبراهيم: 7].
الشُّكْرُ: هُوَ اعْتِرَافُ الْقَلْبِ بِنِعَمِ اللهِ، وَالثَّنَاءُ عَلَى اللهِ بِهَا، وَصَرْفُهَا فِي مَرْضَاةِ اللهِ -تَعَالَى-، وَكُفْرُ النِّعْمَةِ ضِدُّ ذَلِكَ، فَشُكْرُ النِّعْمَةِ يَحْفَظُ الْمَوْجُودَ، وَيَجْلِبُ الْمَفْقُودَ، حَرِيٌّ أَنْ يَكُونَ حِفْظُ النِّعْمَةِ بِشُكْرِهَا.
((اجْتِمَاعُ الْكَلِمَةِ سَبِيلُ إِصْلَاحِ الْوَطَنِ))
((فَاتَّقُوا اللهَ تَعَالَى -عِبَادَ اللهِ-، وَاحْمَدُوا رَبَّكُمْ عَلَى مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْكُمْ مِنْ نِعْمَةِ الدُّنْيَا وَالدِّينِ، وَقُومُوا بِمَا أَوْجَبَ اللهُ عَلَيْكُمْ مِنَ التَّحَابِّ وَالتَّعَاوُنِ وَالِاجْتِمَاعِ عَلَى الْمَصَالِحِ؛ لِتَكُونُوا مِنَ الْفَائِزِينَ، اجْتَمِعُوا وَلَا تَفَرَّقُوا، وَتَعَاوَنُوا وَلَا تَخَاذَلُوا، وَتَآلَفُوا وَلَا تَنَافَرُوا، وَكُونُوا فِي جَمِيعِ أَعْمَالِكُمْ مُخْلِصِينَ.
إِنَّ بِالِاجْتِمَاعِ تَتَّفِقُ الْكَلِمَةُ، وَتُتَبَادَلُ الْآرَاءُ، وَتَتِمُّ الْمَصَالِحُ، إِنَّ الْمَصَالِحَ الْعَامَّةَ لَا يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ هَدَفًا لِلْأَغْرَاضِ الشَّخْصِيَّةِ، وَالْعُلُوِّ الذَّاتِيِّ الْفَرْدِيِّ، إِنَّ الْمَصَالِحَ الْعَامَّةَ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ فَوْقَ جَمِيعِ الْمُسْتَوَيَاتِ الَّتِي دُونَهَا، يَجِبُ أَنْ تَكُونَ مَقْصُودَةً بِذَاتِهَا وَلِذَاتِهَا، يَجِبُ أَنْ تُدْرَسَ مِنْ جَمِيعِ النَّوَاحِي، وَأَنْ تُسْتَخْلَصَ فِيهَا جَمِيعُ الْآرَاءِ، ثُمَّ يُنْظَرُ فِيمَا يُمْكِنُ مِنَ الطُّرُقِ الْمُوصِلَةِ إِلَيْهَا فَيُتَّفَقُ عَلَيْهَا، وَيُمْشَى عَلَيْهَا.
وَالْإِنْسَانُ مَتَى خَلُصَتْ نِيَّتُهُ وَصَلَحَ عَمَلُهُ بِالِاجْتِهَادِ وَالنَّظَرِ فِي الْمَصَالِحِ، وَسُلُوكِ أَقْرَبِ الطُّرُقِ الْمُوصِلَةِ إِلَيْهَا.. مَتَى اتَّصَفَ بِهَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ -وَهُمَا الْإِخْلَاصُ وَالِاجْتِهَادُ فِي الْإِصْلَاحِ-.. مَتَى اتَّصَفَ بِهَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ صَلُحَتْ الْأَشْيَاءُ، وَقَامَتِ الْأُمُورُ، وَمَتَى نَقَصَ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ -إِمَّا الْإِخْلَاصُ وَإِمَّا الِاجْتِهَادُ- فَإِنَّهُ يَفُوتُ مِنَ الْمَصْلَحَةِ مَا يَفُوتُ.
بَعْضُ النَّاسِ إِذَا نَظَرَ إِلَى الْأُمُورِ نَظَرَ إِلَيْهَا نَظْرَةَ اسْتِغْلَالٍ لِمَصْلَحَتِهِ الْخَاصَّةِ، أَوْ نَظَرَ إِلَيْهَا نَظْرَةً قَاصِرَةً مِنْ جَانِبٍ وَاحِدٍ، وَبِذَلِكَ تَخْتَلُّ الْأُمُورُ، وَتَفُوتُ الْمَصَالِحُ.
إِنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْنَا كَأَبْنَاءِ وَطَنٍ وَاحِدٍ أَنْ نَسْعَى لِهَدَفٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ إِصْلَاحُ هَذَا الْبَلَدِ إِصْلَاحًا دِينِيًّا وَدُنْيَوِيًّا بِقَدْرِ مَا يُمْكِنُ، وَلَنْ يُمْكِنَ ذَلِكَ حَتَّى تَتَّفِقَ كَلِمَتُنَا، وَنَتْرُكَ الْمُنَازَعَاتِ بَيْنَنَا، وَالْمُعَارَضَاتِ الَّتِي لَا تُحَقِّقُ هَدَفَنَا، بَلْ رُبَّمَا تُفَوِّتُ مَقْصُودًا وَتُعْدِمُ مَوْجُودًا.
إِنَّ الْكَلِمَةَ إِذَا تَفَرَّقَتْ دَخَلَتِ الْأُمُورُ وَالْأَهْوَاءُ وَالضَّغَائِنُ فِي عَدَمِ وُصُولِ النَّاسِ إِلَى الْهَدَفِ، وَصَارَ كُلُّ وَاحِدٍ يَسْعَى لِتَنْفِيذِ كَلِمَتِهِ، وَإِنْ تَبَيَّنَ أَنَّ الْحَقَّ وَالْعَدْلَ فِي خِلَافِهَا، لَكِنْ إِذَا اجْتَمَعْنَا مِنْ أَوَّلِ الْأَمْرِ، وَدَرَسْنَا الْمَوْضُوعَ مِنْ جَمِيعِ جِهَاتِهِ، وَاتَّفَقْنَا عَلَى مَا نَرَاهُ مُمْكِنًا نَافِعًا مِنْ غَيْرِ أَنْ نَنْظُرَ إِلَى مَصَالِحِنَا الْخَاصَّةِ حَصَلَ لَنَا بِذَلِكَ خَيْرٌ كَثِيرٌ.
ثِقُوا -أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ- أَنَّكُمْ مَتَى أَخْلَصْتُمُ النِّيَّةَ، وَسَلَكْتُمُ الْحِكْمَةِ فِي الْحُصُولِ عَلَى الْمَطْلُوبِ فَإِنَّ اللهَ سَيُيَسِّرُ لَكُمُ الْأُمُورَ، وَيُصْلِحُ لَكُمُ الْأَعْمَالَ، قَالَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 70-71].
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ! لَقَدْ مَثَّلَ النَّبِيُّ ﷺ الْمُؤْمِنَ لِلْمُؤْمِنِ بِالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا، وَهَذَا هُوَ الْمِثَالُ الصَّحِيحُ لِكُلِّ شَعْبٍ مُؤْمِنٍ؛ أَنْ يَتَعَاوَنَ أَفْرَادُهُ فِي إِقَامَةِ بِنَائِهِ، بِحَيْثُ يَكُونُ الْغَرَضُ تَشْيِيدَ هَذَا الْبِنَاءِ وَتَمَاسُكَهُ وَتَرَاصَّهُ بِحَيْثُ يُكَمِّلُ بَعْضُهُ بَعْضًا، وَيَقُومُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، فَلَا إِيمَانَ كَامِلٌ مَعَ التَّفَرُّقِ، وَلَا بِنَاءَ مُحْكَمٌ مَعَ التَّفَكُّكِ، أَرَأَيْتُمْ لَوْ أُخِذَ مِنَ الْبِنَاءِ لَبِنَةٌ أَلَا يَنْقُصُ هَذَا الْبِنَاءُ، فَكَيْفَ إِذَا كَانَتِ اللَّبِنَاتُ مُتَنَافِرَةً، كُلُّ وَاحِدَةٍ تَهْدِمُ الْأُخْرَى وَتُزَلْزِلُهَا؟!
فَيَا أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ اجْتَمِعُوا عَلَى الْحَقِّ، وَتَعَاوَنُوا عَلَيْهِ، وَلَا تَبْعُدُوا شَطَطًا، وَلَا تَقُولُوا بَاطِلًا، وَتَنَاصَحُوا فِيمَا بَيْنَكُمْ، وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)).
صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ.
((فَضْلُ لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ))
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ هُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ صَلَاةً وَسَلَامًا دَائِمَيْنِ مُتَلَازِمَيْنِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ:
فَعَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الْأَصْحَابِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- مِنْ طُرُقٍ شَتَّى يَشُدُّ بَعْضُهَا بَعْضًا: عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَعَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو وَأَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ وَعَوْفِ بْنِ مَالِكٍ وَعَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ-، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَطَّلِعُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- إِلَى خَلْقِهِ لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، فَيَغْفِرُ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ إِلَّا لِمُشْرِكٍ أَوْ مُشَاحِنٍ».
وَهَذَا الْحَدِيثُ حَدِيثٌ صَحِيحٌ بِمَجْمُوعِ طُرُقِهِ، لَا شَكَّ فِي ذَلِكَ، وَلَا رَيْبَ فِيهِ.
فَأَمَّا طَرِيقُ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- فَقَدْ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَه فِي قِصَّةٍ فِي آخِرِهَا ذَكَرَتْ مَا ذَكَرَ الرَّسُولُ ﷺ: «إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ لِأَكْثَرَ مِنْ عَدَدِ شَعْرِ غَنَمِ كَلْبٍ».
وَكَلْبٌ: قَبِيلَةٌ مُغْنِمَةٌ كَثِيرَةُ الْأَغْنَامِ, فَذَكَرَتْ عَائِشَةُ مَا نَسَبَتْ إِلَى الرَّسُولِ ﷺ مِنْ قَوْلٍ فِي آخِرِ قِصَّةٍ تَجِدُهَا فِي الْمَصَادِرِ الْمَذْكُورَةِ، إِلَّا أَنَّه حَدِيثٌ ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ فِيهِ: «حَجَّاجَ بْنَ أَرْطَأَةَ», وَهُوَ مُدَلِّسٌ مَعْرُوفٌ, وَقَدْ عَنْعَنَهُ.
وَأَمَّا طَرِيقُ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ فَإِنَّهُ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي «الشُّعَبِ» بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْهُ، عَنِ الرَّسُولِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «يَطَّلِعُ اللهُ-جَلَّتْ قُدْرَتُهُ- إِلَى خَلْقِهِ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ؛ فَيَغْفِرُ لِلْمُؤْمِنينَ، وَيُمْلِي لِلْكَافِرِينَ، وَيَدَعُ-أَيْ: يَتْرُكُ- أَهْلَ الْحِقْدِ بِحِقْدِهِمْ حَتَّى يَدَعُوهُ». وَمِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى أَخْرَجَهَا الطَّبَرَانِيُّ فِي «الْمُعْجَمِ الْكَبِيرِ» بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ مِثْلُهُ.
وَأَنْتَ إِذَا مَا نَظَرْتَ إِلَى مَا صَحَّ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ وَجَدْتَ النَّبِيَّ ﷺ يُقَرِّرُ: «أَنَّ اللهَ -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ- يَطَّلِعُ إِلَى خَلْقِهِ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ فَيَغْفِرُ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَيُمْلِي لِلْكَافِرِينَ، وَيَدَعُ أَهْلَ الْحِقْدِ بِحِقْدِهِمْ حَتَّى يَدَعُوهُ».
وِفِي الْحَدِيثِ الَّذِي تَكَاثَرَتْ طُرُقُهُ حَتَّى صَارَتْ بِهِ إِلَى جَادَّةِ الصِّحَةِ -بِلَا رَيْبٍ وَلَا شَكٍّ-: «يَطَّلِعُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- إِلَى خَلْقِهِ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَيَغْفِرُ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ إِلَّا لِمُشْرِكٍ أَوْ مُشَاحِنٍ».
وَالْحَدِيثَانِ -كَمَا تَرَى- يَكَادَانِ يَنْطَبِقَانِ مَعْنًى، يَغْفِرُ اللهُ - رَبُّ الْعَالَمِينَ - لِجَمِيعِ خَلْقِهِ إِلَّا لِمُشْرِكٍ أَوْ مُشَاحِنٍ؛ فَيَغْفِرُ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَيَدَعُ - بِالْإِمْلَاءِ - الْكَافِرِينَ فِيمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ كُفْرٍ وَشِرْكٍ، وَيَدَعُ أَهْلَ الْحِقْدِ بِحِقْدِهِمْ حَتَّى يَدَعُوهُ.
فَفِي «صَحِيحِ مُسْلِمٍ»: ((أَنَّ اللهَ -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ - كَمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ- يُفَتِّحُ أَبْوَابَ الْجَنَّةِ فِي كُلِّ اثْنَيْنِ وَخَمِيسٍ؛ فَيَغْفِرُ اللهُ - رَبُّ الْعَالَمِينَ - لِلْمُؤْمِنِينَ إِلَّا رَجُلًا كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ - كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ بَغْضَاءُ - فَيَقُولُ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-: أَنْظِرَا -أَيْ: أَجِّلَا، أَيْ: دَعَا، أَيْ: اتْرُكَا- هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا)).
فَلَا يَنْعَمَانِ بِالْغُفْرَانِ الَّذِي يَلْحَقُ غَيْرَ الْمُشَاحِنِينَ فِي كُلِّ اثْنَيْنِ وَخَمِيسٍ, إِذْ تُفَتَّحُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ, وَإِذْ تَهُبُّ نَسَمَاتُ نَفَحَاتِ, رَحَمَاتِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
إِنَّ الْعُلَمَاءَ -رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِمْ- يَصِيرُونَ فِي جُمْلَتِهِمْ إِلَى مَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَامَةَ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ الْعَرَبِيِّ الْمَالِكِيِّ -رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ- سَوَاءٌ فِي «الْعَارِضَةِ»، أَوْ فِي «الْأَحْكَامِ» يَقُولُ: ((إِنَّهُ لَمْ يَصِحَّ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ حَدِيثٌ يُسَاوِي سَمَاعَهُ)).
وَأَمَّا الشَّيْخُ الْإِمَامُ -رَحِمَهُ اللهُ- فَإِنَّهُ فِي «السِّلْسِلَةِ الصَّحِيحَةِ» بَعْدَ مَا تَتَبَّعَ مُسْتَقْرِئًا طُرُقَ الْحَدِيثِ فَأَرْبَتْ عَلَى ثَمَانِي طُرُقٍ, نَظَرَ فِيهَا وَبَحَثَ فِيهَا مُسْتَقْصِيًا مُسْتَقْرِئًا حَتَّى خَلُصَ فِي الْمُنْتَهَى إِلَى قَوْلِهِ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((وَمِنْ هَذَا الِاسْتِقْصَاءِ تَعْلَمُ أَنَّ الَّذِينَ قَالُوا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِأَنَّه لَمْ يَصِحّ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ حَدِيثٌ، إِنَّمَا أُوتُوا مِنْ عَدَمِ بَذْلِ الْجَهْدِ فِي اسْتِقْصَاءِ الطُرُقِ وَتَتَبُّعِهَا، كَمَا تَرَى فِيمَا بَيْنَ يَدَيْكَ)).
فَهَذَا مَا قَالَهُ -رَحِمَهُ اللهُ-.
وَعَلَيْهِ فَإِنَّ الصَّنْعَةَ الْحَدِيثِيَّةَ تَقْضِي فِي الْمُنْتَهَى بِأَنَّه صَحَّ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ أَحَادِيثُ مِنْهَا: مَا هُوَ مَذْكُورٌ بِطُرُقِهِ عَنْ جُمْلَةٍ مِنَ الْأَصْحَابِ: «أَنَّ اللهَ - جَلَّتْ قُدْرَتُهُ يَطَّلِعُ لَيْلَةَ النِّصْفِ إِلَى خَلْقِهِ, فَيَغْفِرُ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ إِلَّا لِمُشْرِكٍ أَوْ مُشَاحِنٍ».
ثُمَّ مَا قَالَهُ أَبُو ثَعْلَبَةَ يَرْفَعُهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ: «أَنَّ اللهَ -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ يَطَّلِعُ إِلَى خَلْقِهِ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَيَغْفِرُ لِلْمُؤْمِنِينَ, وَيُمْلِي لِلْكَافِرِينَ, وَيَدَعُ أَهْلَ الْحِقْدِ بِحِقْدِهِمْ حَتَّى يَدَعُوهُ».
وَلَكِنَّ الْحَدِيثَ الَّذِي أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَه فِي ((سُنَنِهِ)) عَنْ عَلِيٍّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- يَرْفَعُهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ اللهَ - جَلَّتْ قُدْرَتُهُ - عَلَّمَهُ ﷺ مِنْ لَدُنْهُ عِلْمًا، فَهُوَ يُبَلِّغُهُ، لَا يَكْتُمُهُ, وَإِنَّما يُؤَدِّيهِ أَدَاءً لِلْأَمَانَةِ وَنُصْحًا لِلْأُمَّةِ، فَيَقُولُ: «إِذَا كَانَتْ لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَقُومُوا لَيْلَهَا, وَصُومُوا نَهَارَهَا». فَهَذَا حَدِيثٌ مَوْضُوعٌ, فِي سَنَدِهِ ابْنُ أَبِي سَبْرَةَ, قَالَ فَيهِ الْإِمَامَانِ أَحْمَدُ وَابْنُ مَعِينٍ -رَحِمَهُمَا اللهُ -جَلَّ وَعَلَا--: «كَانَ يَضَعُ الْحَدِيثَ» -يَعْنِي: ابْنَ أَبِي سَبْرَةَ-.
فَكَانَ يَكْذِبُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَيَضَعُ الْأَحَادِيثَ, وَهَذَا حَدِيثٌ مَكْذُوبٌ مَوْضُوعٌ لَا يَصِحُّ بِشَيْءٍ مِنْ وُجُوهِ الصِّحَةِ, بَلْ إِنَّه لَا يَقْعُدُ عَنْ مَرْتَبَةِ الضَّعْفِ إِذْ يَتَنَزَّلُ إِلَى مَرْتَبَةِ الْوَضْعِ وَالْكَذِبِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ.
فَإِذَنْ؛ لَيْسَ مَعْنَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَلَّنَا عَلَى أَنَّ لَيْلَةَ النِّصْفِ لَيْلَةٌ شَرِيفَةٌ يُعْطِي فِيهَا اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ مِنْ قَبَسَاتِ أَنْوَارِ رَحَمَاتِهِ خَلْقَهُ, وَأَنَّ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- لَا يُفِيضُ هَذَا الْعَطَاءَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ وَلَا عَلَى الْمُشَاحِنِينَ, وَإِنَّمَا جَمَعَهُمَا فِي قَرَنٍ، وَيَا بُؤْسَ مَا جُمِعَ!, وَقَدْ جَعَلَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ الْمُشْرِكَ مَعَ الْمُشَاحِنِ فِي خَنْدَقٍ وَاحِدٍ, فَلَا يَغْفِرُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ -مَعَ عُمُومِ الْمَغْفِرَةِ لِجَمِيعِ أَهْلِ الْأَرْضِ- لَا يَغْفِرُ لِمُشْرِكٍ وَلَا لِمُشَاحِنٍ, مَنْ عِنْدَهُ الْبَغَضَاءُ فِي قَلْبِهِ, وَمَنْ انْطَوَى صَدْرُهُ عَلَى الْغِلِّ وَالْحِقْدِ وَالْحَسَدِ، فَهَذَا بِمَبْعَدَةٍ عَنِ الْمَغْفِرَةِ.
وَفِي «صَحِيحِ سُنَنِ ابْنِ مَاجَه» عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرو -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-: قِيلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: مَنْ أَفْضَلُ النَّاسِ؟
فقال ﷺ: ((كُلُّ مَخْمُومِ الْقَلْبِ صَدُوقِ اللِّسَانِ -كُلُّ مَخْمُومِ الْقَلْبِ صَدُوقِ اللِّسَانِ هَذَا أَفْضَلُ النَّاسِ-)).
فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، صَدُوقُ اللِّسَانِ عَرَفْنَاهُ, فَمَا مَخْمُومُ الْقَلْبِ؟
قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((هُوَ التَّقِيُّ النَّقِيُّ الَّذِي لَا إِثْمَ فِيهِ وَلَا بَغْيَ وَلَا غِلَّ فِيهِ وَلَا حَسَدَ».
فَأَفْضَلُ الْأَعْمَالِ عِنْدَ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَأَفْضَلُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا- سَلَامَةُ الصَّدْرِ وَمَنْ كَانَ عَنِ الْغِلِّ وَالْحَسَدِ مُنَزَّهًا, وَمِنْ ذَلِكَ مُبَرَّئًا, وَأَمَّا مَنْ انْطَوَى قَلْبُهُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ بِمَبْعَدَةٍ مِنَ الْمَغْفِرَةِ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ مَعَ عُمُومِ الْمَغْفِرَةِ لِأَهْلِ الْأَرْضِ, إِلَّا لِلْمُشْرِكِ الَّذِي يُشْرِكُ بِاللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ مَعَهُ غَيرَهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُغْفَرُ بِحَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ لَا دُنْيَا وَلَا آخِرَةَ, إِذَا مَا مَاتَ عَلَى ذَلِكَ فَلَمْ يَتُبْ مِنْهُ مُنِيبًا مُوَحِّدًا.
وَكَذَلِكَ الَّذِي انْطَوَى قَلْبُهُ عَلَى الشَّحْنَاءِ, عَلَى الْبَغْضَاءِ, عَلَى الْغِلِّ, عَلَى الْحَسَدِ, فَهَذَا مَترُوكٌ مُهْمَلٌ, وَهَذَا بِمَبْعَدَةٍ أَنْ يَنَالَهُ شَيْءٌ مِنْ عُمُومِ الْمَغْفِرَةِ الَّتِي تَتَنَزَّلُ عَلَى الْخَلْقِ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ.
هَذَا مَا صَحَّ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ، لَا مَا يَذْهَبُ إِلَيْهِ الشِّيعَةُ, وَلَا مَا يَتَقَصَّى عَلَى آثَارِهِمْ فِيهِ قَصًّا الْمُتَصَوِّفَةُ, إِذْ يَجْتَمِعُونَ فِي الْمَسَاجِدِ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ فِي صَلَاةِ الْمَغْرِبِ, يَقُومُ قَائِمُهُمْ بَعْدَ الصَّلَاةِ يُصَلُّونَ مَا يُسَمَّى بِـ (صَلَاةِ الرَّغَائِبِ)!!
وَهِيَ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ، وَفِي أَوَّلِ رَجَبٍ، وَهِيَ صَلَاةٌ أَلْفِيَّةٌ لِمَنِ اسْتَطَاعَهَا مِنْهُمْ، وَكَانَ فِي بِدْعَتِهِ جَلْدًا وَعَلَيْهَا مُقِيمًا, وَيُصَلُّونَ مِئَةَ رَكْعَةٍ, كُلُّ رَكْعَةٍ تُصَلَّى بِسُورَةِ الْإِخْلَاصِ عَشْرًا عَشْرًا، فَهَذِهِ أَلْفٌ، فَهِيَ صَلَاةٌ أَلْفِيَّةٌ!!
لَمْ يَتَّبِعْهَا وَلَمْ يَأْخُذْ بِهَا وَلَمْ يَفْعَلْهَا خَيْرُ الْبَرِيَّةِ، وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- وَإنَّمَا هِيَ عَمَلٌ مُحْدَثٌ مُبْتَدَعٌ.
وَيَا لَلَّهِ الْعَجَب! كَيْفَ يُتَقَرَّبُ إِلَى اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ بِمَا لَمْ يَشْرَعْ؟!!
وَكَيْفَ يُتَقَرَّبُ إِلَى اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ بِالضَّلَالَةِ؟!!
وَهَذَا نَبِيُّكُمْ ﷺ، صَحَّ عَنْهُ قَوْلُهُ: «كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ, وَكُلُّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ».
فَلَمْ يَسْتَثْنِ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا ﷺ, وَإِنَّمَا جَمَعَ ذَلِكَ إِلَى ذَلِكَ فَهُوَ حَصَبُ النَّارِ- نَسْأَلُ اللهَ السَّلَامَةَ وَالْعَافِيَةَ.
وَأَخْرَجَ الطُّرْطُوشِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ- فِي كِتَابِ «الْحَوَادِثِ وَالْبِدَعِ» أَنَّهُ سَمِعَ مِنْ أَبِي مُحَمَّدٍ الْمَقْدِسِيِّ -رَحِمَهُ اللهُ- -الْإِمَامِ - قَالَ: ((إِنَّ أَوَّلَ مَا أُحِدَثَتْ صَلَاةُ الرَّغَائِبِ - الَّتِي تُصَلَّى فِي أَوَّلِ رَجَبٍ وَفِي النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ - أَوَّلَ مَا أُحِدَثَتْ فِي أَوَّلِ سَنَةِ أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعْمَائَةٍ مِنْ هِجْرَةِ الرَّسُولِ ﷺ.-
قَالَ: قَدِمَ عَلَيْنَا بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ رَجُلٌ يُقَالَ لَهُ (ابْنُ أَبِي الْحَمْرَاءِ)، فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ الْأَقْصَى, وَكَانَ حَسَنَ الصَّوْتِ؛ فَصَلَّى بَعْدَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ فَائْتَمَّ بِهِ رَجُلٌ وَأَحْرَمَ بَعْدَ ذَلِكَ وَرَاءَهُ ثَانٍ, فَمَا فَرَغَ مِنَ الصَّلَاةِ حَتَّى كَانَتْ جَمَاعَةً عَظِيمَةً.
ثُمَّ جَاءَ مِنَ السَّنَةِ الَّتِي تَلْتْ فَصَلَّى كَمَا صَلَّى فِي السَّنَةِ الْفَائِتَةِ, ثُمَّ اسْتَطَابَتْ عِنْدَنَا فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ تِلْكَ الصَّلَاةُ, يُصَلِّيهَا النَّاسُ فِي مَسَاجِدِهِمْ, وَيُصَلُّونَهَا فِي دُورِهِم وَفِي بِيُوتِهِمْ)).
فَهَذَا أَوَّلُ الْعَهْدِ بِإِحْدَاثِ تِلْكَ الْبِدْعَةِ فِي الْقَرْنِ الْخَامِسِ مِنْ هِجْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ, وَبَعْدَ الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ الْمُفَضَّلَةِ, وَمَا لَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ دِينًا فَلَنْ يَكُونَ فِي يَوْمٍ مِنَ الْأَيَّامِ دِينًا.
وَأَمَّا الدُّعَاءُ الَّذِي يُنْسَبُ إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- فَهُوَ مِنْهُ بَرِيءٌ, وَهُوَ مِنْهُ بَرَاءٌ, وَعَبْدُ اللهِ أَجَلُّ وَأَعْظَمُ عِنْدَ اللهِ - رَبِّ الْعَالَمِينَ - مِنْ أَنْ يَتَوَرَّطَ - وَلَا أَحَدٌ مِنَ الْأَصْحَابِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- فِي الِافْتِئَاتِ عَلَى الشَّرْعِ الْأَغَرِّ، وَفِي الْإِتْيَانِ بِالْإِحْدَاثِ فِي دِينِ اللهِ - رَبِّ الْعَالَمِينَ - وَبِإِلْصَاقِ شَيْءٍ بِدِينِ مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ ﷺ.
وَمَا خَانَ أَمِينٌ قَطُّ, وَلَكِنْ اُؤْتُمِنَ غَيْرُ أَمِينٍ فَخَانَ, وَلَا يُؤْتَى النَّاسُ قَطُّ مِنْ قِبَلِ عُلَمَائِهِمْ، وَإِنَّمَا يُسْتَفْتَى غَيْرُ عَالِمٍ فَيُفْتِي بِالْخَطَأِ لَا بِالصَّوَابِ، وَحِينَئِذٍ يُؤْتَى النَّاسُ كَذَلِكَ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ ابْنِ عَمْروٍ الَّذِي أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ: «إِنَّ اللهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ النَّاسِ, وَإِنَّمَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا».
هَذَا الدُّعَاءُ الَّذِي يَأْخُذُ بِهِ النَّاسُ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ؛ يَحْسَبُونَ - تَبَعًا لِلشِّيعَةِ وَلِلضُّلَّالِ مِمَّنْ حَادُوا عَنْ صِرَاطِ مُحَمَّدٍ ﷺ - أَنَّ لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ هِيَ الَّتِي أَنْزَلَ اللهُ - رَبُّ الْعَالَمِينَ - فِيهَا قَوْلَهُ: ﴿حم* وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ [الدُّخَانُ:1- 2], ثُمَّ يَقُولُ رَبُّنَا -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ*فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدُّخَانُ:3- 4].
فَيَظُنُّ الظَّانُّ أَنَّ هَذِهِ اللَّيْلَةَ الْمُبَارَكَةَ هِيَ لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ, وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ لَمَّا ذَكَرَ الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ بَعْدَمَا ذَكَرَ مَا ذَكَرَ مِنَ الْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ تَحَدِّيًا لِلْعَرَبِ بِهَذَا الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، وَهُمْ أَرْبَابُ الْفَصَاحَةِ وَأُولُوا الْبَيَانِ, ثُمَّ بَيَّنَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ أَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ إِنَّمَا تَكَلَّمَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ بِهِ مِنْ هَذِهِ الْحُرُوفِ الَّتِي عِنْدَكُمْ مَعْشَرَ الْبُلَغَاءِ وَأَهْلَ الْفَصَاحَةِ.
اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ جَعَلَ هَذَا الْقُرْآنَ، اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ أَنْزَلَ هَذَا الْقُرْآنَ، اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ تَكَلَّمَ بِهَذَا الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ هَكَذَا, وَيَتَحَدَّاكُمْ بِهِ وَعِنْدَكُمْ أَبْجَدِيَّتُكُم, فَإِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ حَقًّا فَلْتُقْبِلُوا عَلَيْهَا وَلْتَقْبَلُوا التَّحَدِّيَ, وَلْتَأْتُوا بِمِثْلِ أَقْصَرِ سُورَةٍ مِنْهُ.
ثُمَّ ذَكَرَ الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ -الْكِتَابَ الْمُبِينَ-, ثُمَّ قَالَ رَبُّنَا -جَلَّ وَعَلَا-: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ﴾, فَعَادَ الضَّمِيرُ إِلَى الْقُرْآنِ الْمَذْكُورِ, إِلَى الْكِتَابِ الْمُبِينِ, إِلَى الذِّكْرِ الْحَكِيمِ, ثُمَّ قَالَ رَبُّنَا - جَلَّتْ قُدْرَتُهُ -: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾[القدر: 1], وَلَم يَأْتِ رَبُّنَا -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- هَاهُنَا بِهَذِهِ الْكِنَايَةِ ذَاكِرًا قَبْلَهَا مَا تَعُودُ عَلَيْهِ ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾[القدر: 1], فَالضَّمِيرُ فِي ﴿أَنزَلْنَاهُ﴾ ضَمِيرُ النَّصْبِ, ضَمِيرُ الْمَفْعُولِيَّةِ، لَا ضَمِيرُ الْفَاعِلِيَّةِ ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ﴾: رَبُّنا -جَلَّ وَعَلَا- ﴿أَنزَلْنَاهُ﴾ أَيْ: الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ, هَذَا الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ ضَمِيرُهُ هَاهُنَا ضَمِيرُ النَّصْبِ, هَاهُنَا ضَمِيرُ الْمَفْعُولِيَّةِ.
فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَنزَلْنَاهُ﴾ عَلَى أَيِّ شَيْءٍ يَعُودُ، وَلَيْسَ هُنَالِكَ مِنْ مَذْكُورٍ قَبْلَهُ يَعُودُ إِلَيْهِ وَيَرْجِعُ عَلَيْهِ؟
وَإنَّمَا جَعَلَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ذَلِكَ كَذَلِكَ, وَجَعَلَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ هَذَا الَّذِي يُعَادُ عَلَيْهِ - وَهُوَ الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ - مُسْتَغْنِيًا عَنِ الذِّكْرِ لِشُهْرَتِهِ, وَمُسْتَغْنِيًا عَنِ الذِّكْرِ لِذِكْرِهِ وَعَظَمَتِهِ, فَقَالَ رَبُّنَا -جَلَّ وَعَلَا- إِذْ لَا يَلْتَبِسُ ذَلِكَ عَلَى فَهْمِ أَحَدٍ, وَلَا يَدْخُلُ ذَلِكَ بِاللَّبْسِ عَلَى عَقْلِ أَحَدٍ-: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ﴾, وَيَسْمَعُ السَّامِعُ فَيَفْهَمُ أَنَّ الْمَعْنِيَّ هَهُنَا بِالْإِنْزَالِ هُوَ الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ*وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ*لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ*تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ*سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾[القدر: 1-5].
فَهَذِهِ اللَّيْلَةُ لَيْلَةٌ ذَاتُ قَدْرٍ، ذَاتُ شَرَفٍ, أَوْ هِيَ لَيْلَةٌ ذَاتُ تَقْدِيرٍ؛ إِذْ الْقَدْرُ هُوَ التَّقْدِيرُ كَمَا قَالَ رَبُّنَا -جَلَّ وَعَلَا- فِي مَطْلَعِ سُورَةِ الدُّخَانِ: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ*فِيهَا﴾ -أَيْ: فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ الْمُبَارَكَةِ- ﴿يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾[الدخان: 3-4] إِذْ جَعَلَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ التَّقْدِيرَ الْأَزَلِيَّ الَّذِي كَتَبَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ فِيهِ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ, كَمَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «إِذْ خَلَقَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ أَوَّلَ مَا خَلَقَ الْقَلَمَ, فَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ، قَالَ: مَا أَكْتُبُ أَيِّ رَبِّ؟ قال: اكْتُبْ مَقَادِيرَ الْأَشْيَاءِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ».
فَجَرَى الْقَلَمُ بِمَا هُوَ كَائِنٌ بِمَا سَبَقَ فِي عِلْمِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ, وَعِلْمُ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا- سَابِقٌ لَا سَائِقٌ, لَا يَسْتَلْزِمُ الْجَبْرَ وَلَا يَكُونُ لَهُ لَازِمًا وَإِنَّما هُوَ صِفَةُ انْكِشَافٍ, فَكَتَبَ الْقَلَمُ مَا هُوَ كَائِنٌ قَبْلَ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ, ثُمَّ جَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ ((التَّقْدِيرُ الحَوْلِيُّ)) بَعْدَ التَّقْدِيرِ الْعُمُرِيِّ الْأَوَّلِ وَالتَّقْدِيرِ العُمُرِيِّ الثاني, ثُمَّ أَتَى بَعْدَ ذَلِكَ ((التَّقْدِيرُ الْيَوْمِيُّ)).
وَفِي هَذَا الَّذِي تَرَى مِنْ هَذَا التَّقْدِيرِ الْحَوْلِيِّ؛ يَقُولُ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا- فِي كِتَابِهِ الْعَظِيمِ: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: 4], يَعْنِي: فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، فِي لَيْلَةٍ ذَاتِ قَدْرٍ وَشَرَفٍ, وَفِيهَا يَصِيرُ مَنْ كَانَ خَامِلًا أَرَادَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ لَهُ الرِّفْعَةَ, وَأَرَادَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ لَهُ الْعِزَّةَ, وَأَرَادَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ بِهِ الْعَطَاءَ وَالْحُبُورَ؛ فَهَذَا يَصِيرُ ذَا قَدْرٍ مِنْ بَعْدِ ضَعَتِهِ وَمِنْ بَعْدِ تَنَزُّلِهِ, وَفِيهَا يَتَزَوَّجُ الْخَلْقُ مَا يَتَزَوَّجُونَ بَيْنَهَا ثُمَّ يُولَدُ لَهُمْ, وَإِنَّ الْوَاحِدَ مِنْهُمْ قَدْ نَزَلَ الْإِذْنُ بِقَبْضِ رُوحِهِ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ؛ فَلَا يَدُورُ الْحَوْلُ حَتَّى يَكُونَ مَا يَكُونُ, وَمَا يَحُجُّ مِنْ حَاجٍّ وَلَا يَعْتَمِرُ مِنْ مُعْتَمِرٍ إِلَّا وَكُلُّ ذَلِكَ يَجْعَلُهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ فِي النُّسْخَةِ الْحَوْلِيَّةِ الَّتِي تَتَنَزَّلُ بِهَا الْمَلَائِكَةُ الْمُكَرَّمُونَ مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ.
ثُمَّ ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾[الرحمن: 29], تَقْدِيرٌ يَوْمِيٌّ، وَيُبْدِي رَبُّكَ -جَلَّ وَعَلَا- فِي كَوْنِهِ مَا يَشَاءُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٍ.
فِي التَّقْدِيرِ الْعُمُرِيِّ الْأَوَّلِ الَّذِي يَحْدَثُ مَرَّةً وَاحِدَةً فِي الْعُمُرِ - وَقَدْ حَدَثَ - إِذْ حَدَثَ فِي عَالَمِ الذَّرِّ ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾[الأعراف: 172].
فَاللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ أَشْهَدَنَا فِي عَالَمِ الذَّرِّ عَلَى أَنْفُسِنَا، فَهَذَا هُوَ التَّقْدِيرُ الْعُمُريُّ الْأَوَّلُ.
وَأَمَّا التَّقْدِيرُ الْعُمُريُّ الثَّانِي فَفِي جَوْفِ الرَّحِمَ بَعْدَ أَرْبَعِينَ فِي أَرْبَعِينَ فِي أَرْبَعِينَ, فَيَأْتِي الْمَلَكُ وَيَكْتُبُ مَا شَاءَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ, ثُمَّ فِي هَذَا التَّقْدِيرِ السَّنَوِيِّ يَذْهَبُ كَثِيرٌ مِنَ الْخَلْقِ جَهْلًا - وَرُبَّمَا لَا قَصْدَ فِيهِ, وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ سُوءِ تَلَقِّي الْعِلْمِ وَالْاضْطِرَابِ فِيهِ - يَذْهَبُونَ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا يَكُونُ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ, وَإنَّمَا هُوَ فِي الْحَقِيقَةِ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ مِنْ رَمَضَانَ ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ﴾: أَيْ الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ- ﴿فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ﴾ [الدخان: 3].
﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾[القدر: 1], ثُمَّ ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾[الدخان: 4] مِنْ أَمْرِ هَذَا التَّقْدِيرِ.
فَيَقِفُ الْوَاقِفُ فِي مَسْجِدٍ مِنْ مَسَاجِدِ الْمُسْلِمِينَ يُقْبِلُ عَلَى اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ -بِزَعْمِهِ!-: اللهم، يَا ذَا الْمَنِّ - وَلَا يُمَنُّ عَلَيْهِ - وَيَا ذَا الْفَضْلِ - وَلَا يُتَفَضَّلُ عَلَيْهِ- إِنْ كُنْتَ قَدْ كَتَبْتَنِي عِنْدَكَ فِي أُمِّ الْكِتَابِ شَقِيًّا أَوْ مَطْرُودًا أَوْ مَحْرُومًا فَامْحُ ذَلِكَ وَأَثْبِتْ غَيْرَهُ!
إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَتَشَدَّقُونَ بِهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
وَإِنَّمَا اللَّيْلَةُ الَّتِي يُفْرَقُ فِيهَا كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ هِيَ لَيْلَةُ الْقْدَرِ لَيْلَةُ التَّقْدِيرِ, فَلَمْ يَصِحَّ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ إِلَّا عُمُومُ الْمَغْفِرَةِ لِأَهْلِ الْأَرْضِ خَلَا مَا كَانَ مُشْرِكًا أَوْ كَانَ مُشَاحِنًا؛ لِأَنَّ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ لَا يُحِبُّ إِلَّا مَنْ كَانَ صَدُوقَ اللِّسَانِ مَخْمُومَ الْقَلْبِ لَا إثمَ فِيهِ وَلَا بَغْيَ وَلَا غِلَّ فِيهِ وَلَا حَسَدَ؛ لِأَنَّ الدِّينَ مَا أَتَى إِلَّا مِنْ أَجْلِ أَنْ يُغَيِّرَ النَّاسَ, فَإِذَا كَانَ الْإِنْسَانُ عَاجِزًا بِالدِّينِ عَنِ التَّغِيِيرِ فَأَيُّ شَيْءٍ أَفَادَهُ الدِّينُ إِذَنْ؟!
إِنَّمَا وَظِيفَةُ الدِّينِ فِي الْحَيَاةِ أَنْ يُغَيِّرَ الْمَرْءَ مِمَّا هُوَ عَلَيْهِ مِنْ ضَلَالٍ وَانْحِرَافٍ وَسُوءِ سِيرَةٍ وَسُوءِ طَوِيَّةٍ وَسُوءِ قَصْدٍ, يُغَيِّرَهُ الدِّينُ إِلَى مَا يُحِبُّهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَيَرْضَاهُ بَاطِنًا وَظَاهِرًا.
فَإِذَا كَانَ عَاجِزًا عَنِ التَّغْيِيرِ فَقُلْ لِي بِرَبِّكَ فَأْيَّ شَيْءٍ أَفَادَهُ دِيْنُ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ؟!
وَبِأَيِّ شَيْءٍ مِنْ دِيْنِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ اسْتَفَادَ وَانْتَفَعَ؟!
وَإنَّمَا هُوَ بِمَبْعَدَةٍ مِنْ هَذَا كُلِّهِ!!
وَأَمَّا أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ فَقَدْ كَانَتْ أَهْوَاؤُهُمْ الْغَرَزِيَّةُ الطَّبِيعِيَّةُ الَّتِي هِيَ مَرْكُوزَةٌ فِي طَبَائِعِهِمْ لَا يَسْتَطِيعُ الْوَاحِدُ مَعَهَا حِيْلَةً, وَلَا يَسْتَطِيعُ لَهَا دَفْعًا, وَإِنَّمَا يَسِيرُ عَلَى مُقْتَضَاهَا مِنْ غَيْرِ مَا تَثْرِيبٍ عَلَيْهِ وَلَا لَوْمٍ لِفِعْلِهِ, وَمِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ مُوُآخَذًا عَلَى شَيْءٍ يَأْتِي بِهِ مِمَّا جَرَتْ بِهِ جِبِلَّتُهُ فِي أَمْرِ مَطْعُومٍ وَمَشْرُوبٍ وَمَا أَشْبَهَ مِمَّا جَعَلَهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ حَلَالًا فِي دُنْيَا اللهِ -جَلَّ وَعَلَا-.
بَلْ يَضْرِبُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ الْمَثَلَ فِيهِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ إِذْ قُدِّمَ لَهُ ضِبَابٌ - جَمْعُ (ضَبٌ) وَهُوَ حَيَوَانٌ جَبَلِيٌّ مُعَقَّدُ الذَّنَبِ - فَقُدِّمَ إِلَيْهِ ذَلِكَ عَلَى مَائِدَتِهِ ﷺ, فَلَمَّا هَمَّ بِأَنْ يَهْوِيَ إِلَى ذَلِكَ آخِذًا بِهِ، قَالَتْ وَاحِدَةٌ مِنْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ دَاخِلٍ - وَكَانَ مَعَهُ بَعْضُ الْأَصْحَابِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- قَدْ تَحَلَّقُوا حَوْلَ طَعَامِ نَبِيِّهِم ﷺ فَأَتَى الصَّوْتُ: أَلَا تُخْبِرُونَ النَّبِيَّ ﷺ بِمَا هُوَ آكِلٌ؟
فَقَالَ: وَمَا هُوَ؟
قَالُوا: هَذِهِ ضِبَابٌ يَا رَسُولَ الله؛ فَرَفَعَ النَّبِيُّ ﷺ يَدَهُ وَتَنَحَّى جَانِبًا, كَانَ خَالِدٌ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- عِنْدَ خَالَتِهِ فِي بَيْتِ النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: حَرَامٌ هُوَ يَا رَسُولَ اللهِ؟
فَقَالَ: ((لَا، وَلَكِنَّهُ طَعَامٌ لَمْ أَجِدْهُ بِدِيارِ قَوْمِي؛ فَأَجِدُ نَفْسِي تَعَافُهُ)).
فَأَجِدُ نَفْسِي تَكْرَهُهُ؛ لِأَنِّي لَمْ أَعْتَدْ عَلَيْهِ وَلَمْ أَتَعَوَّدْ عَلَى النَّظَرِ إِلَى مِثْلِهِ فَضْلًا عَنِ الْإِقْبَالِ عَلَيْهِ طَاعِمًا وَآكِلًا-, وَحِينَئِذٍ لَمَّا أَخْبَرَ الرَّسُولُ ﷺ مَنْ لَا يَعَافُهُ بِأَنَّهُ إِنَّمَا امْتَنَعَ عَنْهُ لَا مِنْ أَجْلِ الْحُرْمَةِ وَإِنَّمَا مِنْ أَجْلِ الطَّبْعِ وَالْجِبِلَّةِ، وَأَنَّهُ يَعَافُهُ -لَا أَكْثَرَ-، أَهْوَى إِلَيْهِ خالدٌ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- فَأَكَلَهُ -رَضِيَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ عَنْهُ وَعَنِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ.
إِذَنْ؛ أَمْرُ الْجِبِلَّةِ أَمْرٌ مُقَرَّرٌ مُحْتَرَمٌ فِي الشَّرْعِ, وَمَعَ ذَلِكَ تَجِدُ أَصْحَابَ نَبِيِّنَا ﷺ تَسْتَقِيمُ غَرَائِزُهُمْ تَسْتَقِيمُ جِبِلَّاتُهُمْ عَلَى جِبِلَّةِ مُحَمَّدٍ, وَهِيَ أَعْدَلُ فِطْرَةٍ قَضَاهَا رَبُّ الْعَالَمِينَ خَلْقًا قطُّ ﷺ.
وَهَذَا أَنَسٌ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- يَقُولُ: ((لَمْ أَكُنْ أَحَبُّ الدُّبَّاءَ))، وَإِنَّمَا كَانَ يُعَافُهَا وَيَكْرَهُهَا, وَإِذَا مَا طُبِخَتْ فِي بَيْتِ أُمِّ سُلَيْمٍ - وَهِيَ أُمُّ أَنَسٍ - رُبَّمَا لَمْ يَقْرُبِ الْبَيْتَ حَتَّى تَذْهَبَ رَائِحَتُهَا طُرًّا, وَمَعَ ذَلِكَ يَقُولُ: ((وَلَكِنِّي لَمَّا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يُحِبُّهَا وَيَتَتَبَّعَهَا فِي جَوَانِبِ الصَّحْفَةِ فِي جَوَانِبِ الْقَصْعَةِ - كَانَ النَّبِيُّ يُحِبُّ الدُّبَّاءَ وَيَتَتَّبَعُهَا ﷺ فِي جَوَانِبِ الْقَصْعَةِ - قَالَ: لَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ مِنَ النَّبِيِّ وَعَلِمْتُهُ صِرْتُ أُحِبُّهَا, فَهِيَ مِنْ أَحَبِّ الْأَكْلِ إِلَيَّ, مِنْ أَحَبِّ الطَّعَامِ إِلَيَّ)).
فَانْظُرْ كَيْفَ اسْتَقَامَتِ الْفِطْرَةُ هَاهُنَا عَلَى الْفِطْرَةِ السَّوِيَّةِ الْمَسْتَقِيمَةِ أَعْدَلِ فِطْرَةٍ قَطُّ وَهِيَ فِطْرَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ شَيْءٌ مِنْ إِلْزَامٍ, وَمِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُتَقَرَّبًا بِهِ فِي الْحَقِيقَةِ إِلَى اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ, وَإِنَّمَا هِيَ الْمَحَبَّةُ.
وَإِنَّمَا هِيَ الْمَحَبَّةُ تَتَغَلْغَلُ فِي ثَنَايَا ذَرَّاتِ خَلَايَا الْبَدَنِ حَتَّى يَسْتَقِيمَ الْأَمْرُ عَلَى أَمْرِ الْمَحْبُوبِ الْأَكْبَرِ وَعَلَى أَمْرِ الْمُحَبِّ الْأَعْظَمِ ﷺ, وَحِينَئِذٍ تَقْتَرِبُ فِطْرَةٌ مِنْ فِطْرَةٍ, وَتَسْتَقِيمُ قَدَمٌ عَلَى قَدَمٍ, وَحِينَئِذٍ تَسْتَقِيمُ الْجَادَّةُ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا لَا يَزِيغُ عَنْهَا وَلَا يَضِلُّ عَنْهَا إِلَّا هَالِكٌ.
فَالنَّبِيُّ ﷺ كَانَ أَصْحَابُهُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- أَكْرَمَ الْخَلْقِ عِنْدَ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ بَعْدَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ, كَانَ الصَّحَابَةُ يَتَأَثَّرُونَ مُحَمَّدًا ﷺ, وَيَتَتَبَّعُونَ أَحْوَالَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ﷺ -وَرَضِيَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ عَنْهُمْ-.
فَلَا تُصَدِّقْ أَبَدًا أَنَّ وَاحِدًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ يُمْكِنُ أَنْ يُخَالِفَ النَّبِيَّ عَامِدًا, وَلَا تُصَدِّقْ أَبَدًا - فَهُوَ أَبْعَدُ عَنِ التَّصْدِيقِ وَأَوْغَلُ فِي الْخَيَالِ وَفِي أَوْدِيَةِ الْوَهَمِ - لَا تُصَدِّقْ أَبَدًا أَنَّ وَاحِدًا مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ أَلْصَقَ بِالدِّينِ مَا لَيْسَ فِيهِ أَوْ اقْتَصَّ مُنْقِصًا مِنَ الدِّينِ مَا هُوَ فِيهِ فَذَلِكَ كَذَلِكَ -أَيْ: الزِّيَادَةُ فِي الدِّينِ وَالْحَذْفِ مِنْهُ- حَذْوَ النَّعْلِ بِالنَّعْلِ.
وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ أَكْرَمُ وَأَعْلَى كَعْبًا وَأَنْقَى صَدْرًا وَأَصْفَحُ عِنْدَ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ عَنْ كُلِّ دَنِيَّةٍ لَا يَقْرَبُونَهَا أَبَدًا, اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ اخْتَارَهُمْ لِمُحَمَّدٍ ﷺ, تَرَكُوا مَا تَرَكَ, وَأَخَذُوا بِمَا أَخَذَ, وَتَكَلَّمُوا بِمَا قَالَ, وَأَدَّوُا الْأَمَانَةَ, وَنَصَحُوا الْأُمَّةَ, فَرُضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ.
أَسْأَلُ اللهَ -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ وَتَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ- أَنْ يَحْشُرَنَا فِي زُمْرَةِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ هُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ صلاةَ وسلامًا دائمينِ متلازمينِ إلى يومِ الدِّينِ.
أمَّا بعدُ:
فَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُمَا عَنِ الحِبِّ بْنِ الْحِبِّ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَعَنْ أَبِيهِ وَعَنْ أُمِّهِ أُمِّ أَيْمَنَ حَاضِنَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَأَيْمَنُ هُوَ أَخُو أُسَامَةَ لِأُمِّهِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَعَنْ أُمِّهِ وَعَنْ أَبِيهِ - قَالَ: «قُلْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ: مَا لِي أَرَاكَ تَصُومُ فِي شَهْرِ شَعْبَانَ مَا لَا تَصُومُ فِي غَيْرِهِ مِنَ الشُّهُورِ - يَعْنِي خَلَا رَمَضَانَ -؟!
فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «هَذَا شَهْرٌ يَغْفُلُ عَنْهُ أَكْثَرُ النَّاسِ بَيْنَ رَجَبَ وَرَمَضَانَ, تُرْفَعُ فِيهِ الْأَعْمَالُ إِلَى اللهِ -جَلَّ وَعَلَا- فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي فِيهِ وَأَنَا صَائِمٌ».
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ثَابِتٌ يُوَضِّحُ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ الْأَعْمَالَ تُرْفَعُ الرَّفْعَ السَّنَوِيَّ, تُرْفَعُ الْأَعْمَالُ رَفْعًا يَوْمِيًّا - كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ - إِذْ يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَلَائِكَةٌ كَمَا أَخْبَرَ الرَّسُولُ ﷺ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ وَفِي صَلَاةِ الْعَصْرِ, تُرْفَعُ الْأَعْمَالُ إِلَى اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ هَكَذَا يَوْمِيًّا، ثُمَّ تُعْرَضُ عَلَى اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ -كَمَا مَرَّ فِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ- أَنَّهَا تُعْرَضُ عَلَى اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ, وَيَغْفِرُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ إِلَّا لِمُشْرِكٍ وَرَجُلٍ كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ، فَيَقُولُ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-: أَجِّلَا هَذَيْنِ -أَنْظِرَا هَذَيْنِ- حَتَّى يَصْطَلِحَا, فَهَذَا عَرْضٌ أُسْبُوعِيٌّ فِي كُلِّ يَوْمِ اثْنَيْنِ وَخَمِيسٍ.
ثُمَّ يَأْتِي الْعَرْضُ السَّنَوِيُّ عَلَى رَبِّ الْعِزَّةِ بِأَعْمَالِ خَلْقِهِ -جَلَّ وَعَلَا- فِي شَهْرِ شَعْبَانَ كَمَا أَخْبَرَ خَلِيلُ الرَّحْمَنِ مُحَمَّدٌ ﷺ: هَذَا شَهْرٌ يَغْفُلُ عَنْهُ أَكْثَرُ النَّاسِ إِذْ إنَّهُ يَقَعُ بَيْنَ رَجَبَ -وَهُوَ شَهْرٌ مِنَ الْأَشْهُرِ الحُرُمِ، وَالْعَرَبُ كَانَتْ حَتَّى فِي جَاهِلِيَّتِهَا تُقَدِّسُ وَتَحْتَرمُ الْأَشْهُرَ الحُرُم- فَكَيْفَ وَاللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ نَصَّ عَلَى أنَّهَا حُرُمٌ بِحُرْمَةِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ إِلَى أَنْ يَرِثَ اللهُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا؟!
فَالَعَرَبُ كَانَتْ تُقَدِّسُهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ, وَالْمُسْلِمُونَ أَشَدُّ مَعْرِفَةً لِقَدْرِ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ فِي هَذَا الْإِسْلَامِ الْعَظِيمِ, فَالنَّاسُ يَعْرِفُونَ قَدْرَ شَهْرِ رَجَبَ, وَأَمَّا شَهْرُ رَمَضَانَ فَإِنَّه شَهْرُ الْقُرْآنِ, وَشَهْرُ الْقِيَامِ وَالذِّكْرِ, وَشَهْرُ الصِّيَامِ, وَهُوَ شَهْرٌ مَعْلُومُ الْفَضِيلَةِ عِنْدَ النَّاسِ كَافَّةً, وَأَمَّا هَذَا الشَّهْرُ شَهْرُ شَعْبَانَ - وَمَا سُمِّيَ شَعْبَانَ إِلَّا لِأَنَّهُم كَانُوا يَتَشَعَّبُونَ فِيهِ فِي أَمْرِ الْغَزْوِ؛ إِذْ يَخْرُجُونَ مِنَ الشَّهْرِ الْحَرَامِ مُتَعَطِّشِينَ إِلَى سَفْكِ الدِّمَاءِ كَمَا كَانَ الشَّأْنُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ؛ فَسُمِّيَ شَعْبَانَ لِهَذَا الْأَمْرِ الَّذِي مَرَّ ذِكْرُهُ.
فَيَقُولُ نَبِيُّنَا ﷺ: إِنَّ هَذَا الشَّهْرَ يَقَعُ بَيْنَ شَهْرَيْنِ مَعْلُومَيِ الْقَدْرِ, مَعْرُوفَيِ الْفَضْلِ عِنْدَ النَّاسِ كَافَّةً, وَعَلَيْهِ: ((فَيَغْفُلُ عَنْهُ أَكْثَرُ النَّاسِ, ثُمَّ إِنَّهُ تُعْرَضُ فِيهِ الْأَعْمَالُ وَتُرْفَعُ, وَأَنَا أَحَبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ)). هَذَا كَلَامُهُ ﷺ.
وَإِذَا كَانَ عَمَلُهُ ﷺ هُوَ الْعَمَلَ الَّذِي تَتَشَرَّفُ بِهِ الْإِنْسَانِيَّةُ, وَتَفْخَرُ بِهِ الْبَشَرِيَّةُ, وَالَّذِي لَا تَجِدُ فِيهِ هَنَةً مِنَ الهَنَاتِ, وَلَا تَجِدُ فِيهِ -حَاشَا للهِ- سَقْطَةً مِنَ السَّقْطَاتِ, وَمَعَ ذَلِكَ يُحِبُّ مَعَ كَمَالِ تَمَامِ عَمَلِهِ ﷺ أَنْ يُرْفَعَ هَذَا الْعَمَلُ الْعَظِيمُ إِلَى اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَهُوَ صَائِمٌ ﷺ.
فِي حَالَةٍ مِنْ حَالَاتِ شَرَفِ النَّفْسِ مَعْلُومَةٍ لِكُلِّ مَنْ كَانَ صَائِمًا بِالْحَقِيقَةِ, لِكُلِّ مَنْ صَامَ قَلْبُهُ وَصَامَتْ جَوَارِحُهُ تَبَعًا، فَصَامَ تَصَوُّرُهُ، وَصَامَ فِكْرُهُ، وَصَامَ يَقِينُهُ عَنِ الْوُقُوعِ فِي كُلِّ مَا يُغْضِبُ اللهَ -جَلَّ وَعَلَا-, لِكُلِّ مَنْ كَانَ صَائِمًا يَعْلَمُ حَالَةَ شَرَفِ النَّفْسِ الَّتِي تَكُونُ عَلَيْهَا النَّفسُ وَشَرَفِ الرُّوحِ عِنْدَمَا تَكُونُ مَوْصُولةً بِاللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ قَاطِعَةً حَاسِمَةً لِمَادَّةِ اللَّذةِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْعُرُوقِ بِالشَّهَوَاتِ لِكَيْ تَصْفُوَ النَّفْسُ مُقْتَرِبَةً مِنْ رَبِّ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتِ.
يُحِبُّ نَبِيُّكُمْ ﷺ مَعَ كَمَالِ تَمَامِ عَمَلِهِ أَنْ يُعْرَضَ عَمَلُهُ عَلَى اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَهُوَ صَائِمٌ, فَكَيْفَ بِمَنْ عَمَلُهُ بِجِوَارِ عَمَلِ نَبِيِّهِ ﷺ كَحَبَّةٍ مِنْ رَمْلٍ فِي صَحْرَاءَ مُتَرَامِيَةِ الْأَطْرَافِ لَا يَبْلُغُ الطَّرْفُ مَدَاهَا, وَلَا تَنْتَهِي الْقَدَمُ إِلَى مُنْتَهَاهَا؟!
فَكَيْفَ بِمَنْ عَمَلُهُ بِجِوَارِ عَمَلِ نَبِيِّهِ ﷺ كَقَطْرَةٍ فِي بَحْرٍ أَوْ أَقَلَّ؟!
كَيْفَ وَالنِّسْبَةُ هَاهُنَا غَيْرُ مَعْقُولَةٍ وَلَا مَفْهُومَةٍ؟!
كَيْفَ لَا يُحِبُّ الْمَرْءُ وَلَا يَحْرِصُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُعْرَضَ عَمَلُهُ فِي هَذَا الشَّهْرِ عَلَى اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَهُوَ صَائِمٌ كَمَا كَانَ الشَّأْنُ عِنْدَ نَبِيِّهِ ﷺ؟!
وَنَعُودُ لِمَا بَدَأْنَا بِهِ مِنْ أَمْرِ أَحَادِيثِ نَبِيِّنَا ﷺ الَّتِي صَحَّتْ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ, فَإِنَّ الْعِبَادَةَ الْعَظِيمَةَ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ لَمْ يَأْتِ بِهَا أَثَرٌ مِنْ كِتَابٍ وَلَا مِنْ سُنَّةٍ, وَلَا مِنْ هَدْيِ صَاحِبٍ وَلَا إِجْمَاعِ أُمَّةٍ, وَلَمْ يَأْتِ بِهَا شَيْءٌ مِنَ الْآثَارِ وَلَوْ كَانَتْ ضَعِيفَةً مَنْقُوصَةً أَنَّهَا تُخَصُّ بِقِيَامٍ, أَوْ أنَّهَا تُخَصُّ بِعِبَادَةٍ بِعَيْنِهَا دُونَ مَا يَفْعَلُ الْإِنْسَانُ فِي سَائِرِ لَيَالِيهِ إِنْ كَانَتْ تِلْكَ عَادَتُهُ, وَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ دَأْبُهُ وَكَذَلِكَ يَسِيرُ مَعَ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ بَاحِثًا عَنْ مَرْضَاةِ رَبِّهِ -جَلَّ وَعَلَا-, فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَلَا بَأْسَ.
وَأَيْضًا لَيْلةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ هَكَذَا تَخْصِيصُهَا بِالْقِيَامِ شَيْءٌ لَمْ يَأْتِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ-.
وَأَمَّا صِيَامُ النِّصْفِ فَإِنْ كَانَ تَخْصِيصًا لِتَوَهُّمِ مَزِيدِ فَضْلٍ؛ فَهَذَا ابْتِدَاعٌ فِي دِينِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَمْ يَأْتِ بِهِ أَثَرٌ مِنْ كِتَابٍ، وَلَا مِنْ سُنَّةٍ، وَلَا مِنْ فِعْلِ صَاحِبٍ، وَلَا إِجْمَاعِ أُمَّةٍ.
وَأَمَّا إِنْ كَانَ يَصُومُ الْخَامِسَ عَشَرَ مِنْ شَهْرِ شَعْبَانَ عَلَى أَنَّهُ مِنَ الْأَيَّامِ الْغُرِّ الْبِيضِ فَهَذِهِ بِذَاتِهَا قَدْ وَرَدَ فِيهَا النَّصُّ الصَّحِيحُ, وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ حَرِيصًا عَلَى أَنْ يَصُومَ الْأَيَّامَ الْبِيضَ, فَإِنْ وَقَعَ هَذَا الْيَوْمُ فِي عَادَةِ مَنْ يَصُومُ الْأَيَّامَ الْغُرَّ الْبِيضَ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ هِجْرِيٍّ مُبَارَكٍ فَهَذَا كَذَلِكَ, وَإِلَّا فَقَدْ وَقَعَ فِي ابْتِدَاعٍ؛ إِذْ يَحْسَبُ مُتَوَهِّمًا أَنَّ النَّبِيَّ حَضَّ عَلَى ذَلِكَ, وَقَدْ مَرَّ ذِكْرُ حَالِ الْحَدِيثِ، إِذْ هُوَ حَدِيثٌ مَكْذُوبٌ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ: «إِذَا كَانَتْ لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَقُومُوا لَيْلَهَا, وَصُومُوا نَهَارَهَا». هَذَا كَذِبٌ مَصْنُوعٌ مُخْتَلَقٌ مَوْضُوعٌ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ.
وَأَمَّا مَا هُنَالِكَ مِنَ الْعِبَادَةِ فَقَدْ وضَّحَهَا الْحَدِيثُ الْعَظِيمُ: «إِلَّا لِمُشْرِكٍ أَوْ مُشَاحِنٍ».
وَإِذَنْ، فَإِنَّ الْعِبَادَةَ الْجَلِيلَةَ الَّتِي يَحْرِصُ عَلَيْهَا الْمَرْءُ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ وَفِي كُلِّ لَيَالِي الْعَامِ؛ بَلْ فِي كُلِّ لَحْظَةٍ مِنْ لَحْظَاتِ الْعُمُرِ الَّذِي أَعْطَاهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ هِبَةً لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِهِ فِي دُنْيَاهُ؛ يَحْرِصُ الْإِنْـسَانُ عَلَى أَنْ يَكُونَ مُبَرَّءًا مِنَ الشِّرْكِ مُنَزَّهًا عَنْهُ؛ لِأَنَّ اللهَ - جَلَّتْ قُدْرَتُهُ - قَدْ مَضَتْ مَشِيئَتُهُ بِأَلَّا يَغْفِرَ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ, فَلَا يَغْفِرُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ مِنْ هَذَا الدِّيوَانِ شِيْئًا - وَلَوْ كَانَ يَسِيرًا - وَلَا يَسِيرَ فِيهِ عَلَى الْإِطْلَاقِ.
إِلَّا أَنَّ الْمَرْءَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ حَرِيصًا فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ عَلَى أَنْ يَكُونَ طَاهِرَ الجَنَانِ، مُبَرَّأَ الْأَرْكَانِ مِنْ أَنْ يَكُونَ وَاقِعًا فِيمَا يُغْضِبُ الْعَزِيزَ الدَّيَّانَ, بَلْ يَكُونُ بَاحِثًا عَنْ مَرْضَاةِ الرَّحِيمِ الرَّحْمَنِ.
عَلَى الْمَرْءِ أَنْ يَكُونَ مُجْتَهِدًا فِي الْخَلَاصِ مِنَ الشِّرْكِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا بِتَصْفِيَةِ الْقَلْبِ مِمَّا يَعْلَقُ بِهِ مِنَ الشَّوَائِبِ، وَمَا يَجُرُّ إِلَيْهِ الشِّرْكُ مِنْ تِلْكَ الْمَادَّةِ الْقَذِرَةِ بِالحَمْئَةِ الْمَسْنُونَةِ؛ مِنْ تِلْكَ الشَّحْنَاءِ بِالْبَغْضَاءِ، بِالْغِلِّ، بِالْحَسَدِ.
وَيَا لله! هَلْ تَجِدُ أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ نَقِيَّ الْفِطْرَةِ سَوِيَّ الطَّوِيَّةِ يُمْكِنُ أَنْ يَنْطَوِيَ بَاطِنُهُ عَلَى مِثْلِ هَذَا القَذَرِ لِأَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ؟!
«وَلَا يُؤمِنُ أَحَدُكُم حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» كَمَا قَالَ الرَّسُولُ ﷺ, لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُم إِيمَانًا صَحِيحًا كَامِلًا مُعْتَبَرًا فِي مِيزَانِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ مَقْبُولًا عِنْدَ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ, فَكَيْفَ بِتِلْكَ الْمَادَّةِ الْقَذِرَةِ مِنَ الشَّحْنَاءِ, مِنَ الحِقْدِ, مِنَ الْغِلِّ, مِنَ الْحَسَدِ, مِنَ الْبَغْضَاءِ, تَنْطَوِي عَلَيْهَا نَفْسٌ مُشَوَّهَةٌ حَتَّى يَتَشَوَّهَ الظَّاهِرُ تَبَعًا؟!
وَيَا للهِ! وَاللهِ لَوْ كُشِفَ الْحِجَابُ لَرَأَيْتَ هُنَاكَ نُفُوسًا وَرَاءَ تِلْكَ الْمَادَّةِ الْعَظْمِيَّةِ الْجِلْدِيَّةِ اللَّحْمِيَّةِ نُفُوسًا سَبُعِيَّةً وَنُفُوسًا كَلْبِيَّةً, إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَجْنَاسِ الْحَيَوَانَاتِ, كُلٌّ عَلَى حَسَبِ مَا صَارَ إِلَيْهِ مِنْ تِلْكَ الْمِيزَاتِ الَّتِي تَمَيَّزَتْ بِهَا تِلْكَ الْحَيَوَانَاتِ, فَنَسْأَلُ اللهَ أَنْ يُطَهِّرَنَا مِنَ المَعَائِبِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
الْعِبَادَةُ الْعَظِيمَةُ -عِبَادَ اللهِ- فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ إِنَّمَا هِيَ بِتَخْلِيَةِ الْقْلَبِ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ مُبَرَّءًا مِنْ كُلِّ عَيْبٍ, مُنَزَّهًا مِنْ كُلِّ شِرْكٍ, مُوَحِّدًا رَبَّهُ -جَلَّ وَعَلَا- تَوْحِيدًا صَحِيحًا بِالِانْطِرَاحِ بَيْنَ يَدَيْهِ, وَبِالِانْطِرَاحِ عَلَى عَتَبَاتِ رَحَمَاتِهِ رَاجِيًا مَا عِنْدَهُ مِنَ الْفَضْلِ, خَائِفًا مِمَّا لَدَيْهِ مِنَ الْعِقَابِ وَالْعَذَابِ أَنْ يَنْزِلَ بِسَاحَتِهِ, رَاجِيًا وَخَائِفًا, مُقْبِلًا لَا مُدْبِرًا, مُتْقَصِّيًا أَثَرَ نَبِيِّهِ ﷺ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا, بَعِيدًا عَنْ كُلِّ حِقْدٍ وَغِشٍّ وَحَسَدٍ, مُنَقِّيًا لِذَاتِهِ مِنْ دَاخِلِهَا, مَخْمُومَ الْقَلْبِ كَمَا قَالَ رَسُولُ الرَّبِّ مُحَمَّدٌ ﷺ: «أَفْضَلُ النَّاسِ مَنْ كَانَ صَدُوقَ اللِّسَانِ مَخْمُومَ الْقَلْبِ, الَّذِي لَا يَنْطَوِي عَلَى إِثْمٍ وَلَا بَغْيٍ, التَّقِيُّ النَّقِيُّ الَّذِي لَا إِثْمَ فِيهِ وَلَا بَغْيَ, وَلَا غِلَّ فِيهِ وَلَا حِقْدَ وَلَا حَسَدَ».
هَذَا حَدِيثٌ ثَابِتٌ عَنْ نَبِيِّكُمْ ﷺ يُوَضِّحُ أَفْضَلَ النَّاسِ عِنْدَ اللهِ وَأَكْرَمَ النَّاسِ فِي مِيزَانِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ مَنْ هَذَّبَ النَّفْسَ وَصَفَّاهَا, وَرَقَّ الْقَلْبَ وَأَعْلَاهُ عَلَى مَنْهَجِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ كِتَابًا وَسُنَّةً, وَأَمَّا مَنْ دَسَّاهَا فَقَدْ خَابَ كَمَا قَرَّرَ رَبُّنَا -جَلَّ وَعَلَا- فِي كِتَابِهِ الْعَظِيمِ.
عَلَى الْمَرْءِ أَنْ يُصْلِحَ مَا أَفْسَدَهُ, وَعَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يَصِلَ مَا قَطَعَهُ, وَعَلَى الْمَرْءِ أَنْ يَكُونَ مُتَوَقِّيًا حَذِرًا, فَإِنَّ التَّقْوَى كَمَا بَيَّنَ أُبَيٌّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- لِلْفَارُوقِ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- إِذْ يَسْألُهُ وَهُوَ الْفَارُوقُ الَّذِي أَتَاهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ مَا آتَاهُ مِنَ الْخَيْرِ وَالْفَضْلِ وَالْعَطَاءِ الْجَزِيلِ, الَّذِي يَقُولُ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ إِنَّهُ مِنَ الْمُحَدَّثِينَ, مِنْ أَصْحَابِ الْإِلْهَامِ, كَانَ يَتَنَزَّلُ الْقُرْآنُ عَلَى مَا يَرَى فِي كَثِيرٍ مِنَ الْمَوَاضِعِ كَمَا هُوَ مَعْلُومُ -رُضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ-, لَا يَسْتَنْكِفُ أَنْ يَسْأَلَ إِذَا لَمْ يَعْلَمْ عَنِ الْأَمْرِ الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ مَنْ يَعْلَمُهُ, فَيَقُولُ: يَا أُبَيُّ؛ مَا التَّقْوَى؟ فَيَقُولُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؛ أَمَا سِرْتَ فِي طَرِيقٍ ذِي شَوْكٍ؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ: مَا صَنَعْتَ؟ قَالَ: شَمَّرْتُ وَاجْتَهَدْتُ. قَالَ: فَتِلْكَ التَّقْوَى.
فَانْظُر إِلَى هَذَا الصَّحَابِيِّ الْجَلِيلِ -الَّذِي هُوَ أَقْرَأُ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ- كَيْفَ نَوَّرَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ بَصِيرَتَهُ, وَأَلْقَى اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ النُّورَ عَلَى لِسَانِهِ, وَحَمَلَ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- حَمَلَهُ مِنْ وَادِي الْمَعَانِي إِلَى وَادِي الْمَبَانِي, وَأَخَذَ بِيَدِهِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- إِلَى وَسِيلَةٍ تَوْضِيحِيَّةٍ تَعْلِيمِيَّةٍ ظَاهِرَةٍ بِأَمْرِ حِسِيٍّ مَعْلُومٍ مُشَاهَدٍ -بَلْ هُوَ مُجَرَّبٌ- لِأَنَّهُ سَأَلَهُ عَمَّا يَصْنَعُ عِنْدَمَا يَسِيرُ فِي طَرِيقٍ ذِي شَوْكٍ, فَقَرَّرَهُ بَدْءًا:
أمَا سِرْتَ في طَرِيقٍ ذِي شَوْكٍ؟
فَعَادَتْ فِي الْمَخِيلَةِ الذِّهْنِيَّةِ الْعُمَرِيَّةِ وَقَائِعُ مَرَّتْ -وَهِيَ كَثِيرَةٌ-, إِذْ كَانَ يَرْعَى الْغَنَمَ لِلْخَطَّابِ, وَكَانَ الْخَطَّابُ غَلِيظَ الطَّبْعِ جِدًّا؛ فَكَانَ يَضْرِبُهُ وَيُجِيعُهُ وَيُؤْذِيهِ كَمَا أَخْبَرَ هُوَ عَنْ أَبِيهِ بَعْدُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-, وَكَانَ يُدْعَى (عُمَيْرًا), كَانَ يُدْعَى (عُمَيْرًا) فَسُمِّيَ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-, كَانَ مُتَوَقِّيًا, وَاللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ شَهِيدٌ عَلَى ذَلِكَ خَبِيرٌ بِهِ, إِذْ كَانَ يَخْطُبُ يَوْمًا وَمُسْتَرْسِلًا فِي خَطَابَتِهِ كَمَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لِسَانُ الْفَارُوقِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-, ثُمَّ فَجْأَةً حَادَ عَنِ النَّهْجِ الَّذِي كَانَ فِيهِ سَالِكًا, وَحَادَ عَنِ الْقَصْدِ الَّذِي كَانَ إِلَيْهِ قَاصِدًا, ثُمَّ أَخَذَ يَقُولُ مُخَاطِبًا نَفْسَهُ: يَا ابْنَ الْخَطَّابِ! لَقَدْ كُنْتَ وَضِيعًا فَرَفَعَكَ اللهُ, وَكُنْتَ ذَلِيلًا فَأَعَزَّكَ اللهُ, وَكُنْتَ تُدْعَى (عُمَيْرًا) فَأَصْبَحْتَ تُسَمَّى (عُمَر), وَكُنْتَ, وَكُنْتَ, وَكُنْتَ..., حَتَّى صِرْتَ أَمِيرًا لِلْمُؤْمِنِينَ.
ثُمَّ عَادَ إِلَى وَصْلِ مَا انْقَطَعَ مِنْ خُطْبَتِهِ, فَلَمَّا فَرَغَ أَقْبَلَ عَلَيْهِ صَحْبُهُ فَقَالُوا: سَمِعْنَا مِنْكَ الْيَوْمَ حَدِيثًا عَجَبًا, فَأَيُّ شَيْءٍ هَذَا؟!
قَالَ: إِنِّي قَدْ أَعْجَبَتْنِي نَفْسِي فِي حَالِ خَطَابَتِي، فَأَرَدْتُ أَنْ أُؤَدِّبَهَا, وَأَنْ أُلْزِمَهَا حَدَّهَا, وَأَنْ أُعَرِّفَهَا قَدْرَهَا -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-.
وَمَعَ ذَلِكَ وَهُوَ مُعَلِّمُ التَّقْوَى الْخَبِيرُ بِمَسَالِكِهَا, النَّبِيهُ لِجَمِيعِ مَزَالِقِهَا, الْحَرِيصُ عَلَى تَتَبُّعِ كُلِّ مَا أَتَى فِيهَا يَسْأَلُ أُبَيًّا -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: مَا التَّقْوَى يَا أُبَيُّ؟
فَيَأْخُذُ أُبَيٌّ بِيَدِهِ إِلَى جَادَّةِ الْمَعْلُومِ الْمُشَاهَدِ الْمُجَرَّبِ: أَمَا سِرْتَ فِي طَرِيقٍ ذِي شَوْكٍ وَأَنْتَ تَرْعَى لِلْخَطَّابِ أَغْنَامَهُ, وَأَنْتَ سَائِرٌ فِي سَبِيلِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ مُجَاهِدًا.
وَأَنْتَ تَعُسُّ بِاللَّيْلِ تَتَفَقَّدُ أَحْوَالَ الرَّعِيَّةِ الَّتِي جَعَلَهَا اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ مُعَلَّقَةً بِخَيْطِ رَقَبَتِكَ, أَمَا سِرْتَ فِي طَرِيقٍ ذِي شَوْكٍ؟
قَالَ: بَلَى.
قَالَ: مَا صَنَعْتَ؟
قَالَ: فِي لَفْتَةٍ عُمَرِيَّةٍ ذَكِيَّةٍ مُخْتَصَرَةٍ مِنْ غَيْرِ مَا إِسْهَابٍ وَلَا تَعْوِيلٍ عَلَى كَلَامٍ لَا يُفِيدُ- قَالَ-: شَمَّرْتُ وَاجْتَهَدْتُ.
وَانْظُرْ إِلَيْهِ مُشَمِّرًا وَقَدْ بَانَتْ سَاقُهُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-, وَقَدْ أَخَذَ بِحُجْزَةِ إِزَارِهِ لَهُ رَافِعًا, ثُمَّ هُوَ مُجْتَهِدٌ يَجْعَلُ الْخَطْوَ رَفِيقًا, وَيَجْعَلُ الْأَنَاةَ رَائِدًا, وَيَجْعَلُ التَّمَهُّلَ سَائِقًا, وَيَنْزِلُ عَلَى أَطْرَافِ الْأَصَابِعِ يُمَكِّنُ لِرِجْلِهِ لِقَدَمِهِ شَيْئًا مِنْ بَعْدِ شَيْءٍ يَتَوَقَّى, فَإِذَا مَا أَحَسَّ بِأَوَّلِ أَثَرٍ مِنْ أَلَمٍ تَوَقَّى عَنِ الْأَلَمِ رَافِعًا, يَقُولُ: فَتِلْكَ التَّقْوَى يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ.
((دَرْبُ الْحَيَاةِ مَلِيءٌ بِأَشْوَاكِهَا
هَذَا دَرْبُ الْحَيَاةِ مَلِيءٌ بِأَشْوَاكِهَا, مَلِيءٌ بِأَشْوَاكِ الْحَيَاةِ فِي التَّعَامُلِ مَعَ الخَلْقِ, فِي التَّعَامُلِ مَعَ الخَلْقِ المُفْضِي حَتْمًا إِلَى شَحْنَاءَ لَا يُحِبُّهَا اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَلَا يَرْضَاهَا, إِلَى أَحْقَادٍ وَأَحْسَادٍ, إِلَى هُمُومٍ وَغُمُومٍ, إِلَى ظُلْمٍ وَطُغْيَانٍ وَعُدْوَانٍ.
وَكَذَا التَّعَامُلُ مَعَ الْبَشَرِ, كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ الْأَوَّلُ:
عَوَى الذِّئْبُ فَاسْتَأْنَسْتُ بِالذِّئْبِ إِذْ عَوَى
***
وَصَــوَّتَ إِنْسَــانٌ فَكِـدتُّ أَطِيــرُ
هَكَذَا, هَكَذَا فِي دَرْبِ الْحَيَاةِ، فِي أَشْوَاكِهَا, فَعَلَى الْمَرْءِ أَنْ يَكُونَ مُتَوَقِّيًا, وَأَنْ يُعْطِيَ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ, وَأَنْ يَأْخُذَ بِزِمَامِ الْقَلْبِ بِيَدٍ مِنْ حَدِيدٍ، حَتَّى يُقِيمَهُ عَلَى صِرَاطِ رَبِّنَا الْحَمِيدِ؛ حَتَّى لَا يَزِلَّ وَلَا يَضِلَّ, وَحَتَّى لَا يَأْخُذَ الهَوَى بِزِمَامِ قَلْبِهِ، فَيُطَوِّحَ بِهِ فِي مَطَارِحَ لَا تَلِيقُ بِمُؤْمِنٍ أَبَدًا؛ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ مُحْسِنًا, فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ لِلْغُفْرَانِ رَاجِيًا.
فَهَذَا هَذَا -عِبَادَ اللهِ!-.
فَلَيْلَةُ النِّصْفِ فِيهَا هَذَا الْفَضْلُ, فِيهَا عُمُومُ الْمَغْفِرَةِ إِلَّا لِمُشْرِكٍ أَوْ مُشَاحِنٍ.
فَاللهمَّ طَهِّرْنَا وَبَرِّئْنَا مِنَ الشِّرْكِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا.
اللهمَّ طَهِّرْنَا مِنَ الشَّحْنَاءِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا.
اللهم! أحسنْ أحوالَنَا, وأخلص نياتِنَا.
اللهم! أحسن أحوالَنَا, أحسن أحوالَنَا, وحَسِّنْ أعمالَنَا, وأخلص نياتِنَا لوجهِكَ الكريمِ يا ربَّ العالمينَ! ويا أرحمَ الراحمينَ! ويا أكرمَ الأكرمينَ.
اللهم! أَحْيِنَا ما عَلِمْتَ الحياةَ خيرًا لَنَا, وتَوَفَّنَا إذا كانت الوفاةُ خيرًا لَنَا.
اللهم! أَحْيِنَا ما عَلِمْتَ الحياةَ خيرًا لَنَا, وتَوَفَّنَا إذا كانت الوفاةُ خيرًا لَنَا.
اللهم! أَحْسِنْ خاتمَتَنَا- يا ربَّ العالمينَ!-.
اللهم! إِنَّا نعوذُ بِكَ أنْ يَتَخَبَّطْنَا الشيطانُ عندَ الموتِ, نعوذُ بِكَ أنْ يَتَخَبَّطْنَا الشيطانُ عندَ الموتِ.
اللهم! طَهِّرْ قلوبَنَا, طَهِّرْ قلوبَنَا.
اللهم! طَهِّرْ قلوبَنَا, طَهِّرْ قلوبَنَا, بَلِّغْنَا مِمَّا يُرْضِيكَ آمالَنَا, بَلِّغْنَا مِمَّا يُرْضِيكَ آمالَنَا.
اللهم! ثَبِّتْ أَقْدَامَنَا, وَاهْدِ قُلُوبَنَا, اهْدِ قُلُوبَنَا, اهْدِ قُلُوبَنَا.
اللهم! اسْلُلْ سَخِيمَةَ قُلُوبِنَا, اسْلُلْ سَخِيمَةَ قُلُوبِنَا.
اللهم! اسْلُلْ حِقْدَ قُلُوبِنَا, اسْلُلْ حَسَدَ قُلُوبِنَا, اسْلُلْ غِلَّ قُلُوبِنَا.
اللهم! اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ, وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلْذَّينَ آمَنُوا.
اللهم! لَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلْذَّينَ آمَنُوا. اللهم! لَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلْذَّينَ آمَنُوا.
اللهم! خُذْ بِأَيدِينَا إِلَيْكَ, وَأَقْبِلْ بِقُلُوبِنَا عَلَيْكَ.
اللهم! يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ! وَيَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ! وَيَا أَكْرَمَ الْأَكْرَمِينَ! وَيَا ذَا الْقُوَّةِ الْمَتِينِ! اللهم! أَدْرِكْ أُمَّةَ نَبِيِّكَ ﷺ.
اللهم! أَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِ أَبْنَائِهَا, أَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِ أَبْنَائِهَا.
اللهم اجْمَعْ شَمْلَ الْمُسْلِمِينَ, اجْمَعْ شَمْلَ الْمُسْلِمِينَ, وَحِّدْ صُفُوفَ الْمُسْلِمِينَ.
اللهم اسْتُرْ عَوَرَاتِ الْمُسْلِمِينَ, وَآمِنْ رَوْعَاتِ الْمُسْلِمِينَ.
اللهم! آمِنْ رَوْعَاتِ الْمُسْلِمِينَ.
اللهم احْقِنْ دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ.
اللهم سَلِّمْ وَطَنَنَا وَجَمِيعَ أَوْطَانِ الْمُسْلِمِينَ, سَلِّمْ وَطَنَنَا وَجَمِيعَ أَوْطَانِ الْمُسْلِمِينَ, وَطَهِّرْ أَرْضَ الْمُسْلِمِينَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ! مِنْ كُلِّ غَازٍ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ.
يَا أَكْرَمَ الْأَكْرَمِينَ! وَيَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ! وَيَا ذَا الْقُوَّةِ الْمَتِينِ! أَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِ الْمُسْلِمِينَ حُكَّامًا وَمَحْكُومِينَ, وَاجْمَعِ الْجَمِيعَ عَلَى طَاعَتِكَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ!
اللهم! خُذْ بِأَيدِينَا إِلَيْكَ, وَأَقْبِلْ بِقُلُوبِنَا عَلَيْكَ.
اللهم! احْرُسْنَا بِعَيْنِكَ الَّتِي لَا تَنَامُ, وَبِرُكْنِكَ الَّذِي لَا يُضَامُ, وَبِقُدْرَتِكَ عَلَيْنَا, لَا نَهْلِكُ وَأَنْتَ رَجَاؤُنَا.
اللهم! اخْتِمْ لَنَا بِخَاتِمَةِ السَّعَادَةِ أَجْمَعِينَ.
وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ، وَأَقِمِ الصَّلاَةَ.
صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ.
المصدر: بُطُولَاتٌ لَا تُنْسَى وَفَضْلُ لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ