رِعَايَةُ الْأَيْتَامِ وَاجِبٌ دِينِيٌّ وَمُجْتَمَعِيٌّ

رِعَايَةُ الْأَيْتَامِ وَاجِبٌ دِينِيٌّ وَمُجْتَمَعِيٌّ

((رِعَايَةُ الْأَيْتَامِ وَاجِبٌ دِينِيٌّ وَمُجْتَمَعِيٌّ))

إنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّـهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّـهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ.

وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّـهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ.

أَمَّا بَعْدُ:

فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّـهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.  

أَمَّا بَعْدُ:

((الْإِحْسَانُ هُوَ أَسَاسُ الْعَلَاقَاتِ فِي الْإِسْلَامِ))

فَقَدْ أَمَرَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ بِالْإِحْسَانِ فِي عَلَاقَةِ الْمُسْلِمِ بِأُسْرَتِهِ وَمُجْتَمَعِهِ {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى} [النساء: 36].

{وَبِذِي الْقُرْبَى}: أَيْ وَبِذِي الْقُرْبَى إِحْسَانًا، أَحْسِنُوا إِلَى الْوَالِدَيْنِ وَإِلَى ذِي الْقُرْبَى، {وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء: 36].

فَأَمَرَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ بِالْإِحْسَانِ؛ إِحْسَانِ الْمَرْءِ فِي أُسْرَتِهِ، وَإِحْسَانِ الْمَرْءِ فِي مُجْتَمَعِهِ.

وَجَاءَ الْأَمْرُ فِي الْقُرْآنِ بِإِحْسَانِ الْفِعَالِ وَالْمَقَالِ، بِإِحْسَانِ الْأَفْعَالِ وَإِحْسَانِ الْأَقْوَالِ {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} [البقرة: 83].

فَكَمَا أَمَرَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- بِالْإِحْسَانِ فِي الْأَفْعَالِ، أَمَرَ بِالْإِحْسَانِ فِي الْأَقْوَالِ {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ} [البقرة: 43].

 ((الْإِحْسَانُ إِلَى الْأَيْتَامِ وَرِعَايَتُهُمْ))

عِبَادَ اللهِ! إِنَّ مِنْ صِفَاتِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ وَطَرِيقَتِهِمُ: الْإِحْسَانَ إِلَى الْيَتَامَى  وَالْمَسَاكِينِ.

وَالْيَتَامَى: جَمْعُ يَتِيمٍ، وَهُوَ لُغَةً: الْمُنْفَرِدُ.

وَشَرْعًا: مَنْ مَاتَ أَبُوهُ قَبْلَ بُلُوغِهِ، فَالْيُتْمُ لَا يَكُونُ بَعْدَ الِاحْتِلَامِ، وَإِنَّمَا هُوَ وَصْفٌ لِمَنْ لَمْ يَبْلُغِ الْحُلُمَ مِمَّنْ مَاتَ أَبُوهُ.

وَأَمَّا مَنْ مَاتَتْ أُمُّهُ قَبْلَ بُلُوغِهِ، فَهُوَ لَطِيمٌ.

فَمَنْ مَاتَ أَبُوهُ وَأُمُّهُ قَبْلَ الْبُلُوغِ، فَهُوَ عَدِيمٌ.

فَأَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ يَأْمُرُونَ بِالْإِحْسَانِ إِلَى هَؤُلَاءِ الْأَصْنَافِ الثَّلَاثَةِ.

لَقَدْ أَمَرَ اللهُ تَعَالَى بِالْإِحْسَانِ إِلَى الْيَتَامَى، وَهُوَ: رِعَايَةُ أَحْوَالِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، وَالشَّفَقَةُ بِهِمْ، وَكَذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ حَثَّ عَلَيْهِ فِي عِدَّةِ أَحَادِيثَ.

وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْيَتِيمَ قَدِ انْكَسَرَ قَلْبُهُ بِفَقْدِ أَبِيهِ، فَهُوَ فِي حَاجَةٍ إِلَى الْعِنَايَةِ وَالرِّفْقِ.

وَالْإِحْسَانُ إِلَى الْيَتَامَى يَكُونُ بِحَسَبِ الْحَالِ فَقَدْ يَكُونُ الْيَتِيمُ غَنِيًّا لَا يَحْتَاجُ إِلَى مَالٍ، وَلَكِنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى التَّعَقُّلِ؛ حَتَّى لَا يَكُونَ بِفَقْدِ رِقَابَةِ الْأَبِ عُرْضَةً لِإِغْوَاءِ أَهْلِ الشَّرِّ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُمْكِنُ أَنْ يَصِلَ بِهِ الْمَرْءُ ذَلِكَ الْيَتِيم فِي كَثِيرٍ مِنَ الْإِحْسَانِ فِي أَخْلَاقِهِ وَدِينِهِ وَتَعْلِيمِهِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ كَفِّهِ عَنِ الشُّرُورِ وَمُخَالَطَةِ أَهْلِ السُّوءِ.

وَكَانُوا قَدِيمًا إِذَا فَقَدَ الْيَتِيمُ أَبَاهُ، فَإِنَّهُ لَا يَفْقِدُ مِنْهُ إِلَّا شَخْصَهُ، يَعْنِي إِذَا مَاتَ الْعَائِلُ، فَإِنَّ الْأُسْرَةَ لَا تَفْقِدُ إِلَّا شَخْصَهُ، وَأَمَّا الْمَصَالِحُ كُلُّهَا فَتُقْضَى؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا عَلَى حَسَبِ مَا دَلَّهُمْ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ كَالْجَسَدِ الْوَاحِدِ.

وَالْمَسَاكِينُ: هُمُ الْفُقَرَاءُ، وَهُوَ هُنَا شَامِلٌ لِلْمِسْكِينِ وَالْفَقِيرِ.

فَالْإِحْسَانُ إِلَيْهِمْ مِمَّا أَمَرَ بِهِ الشَّرْعُ فِي آيَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ، وَجَعَلَ لَهُمْ حُقُوقًا خَاصَّةً فِي الْفَيْءِ وَغَيْرِهِ.

وَوَجْهُ الْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ أَنَّ الْفَقْرَ أَسْكَنَهُمْ، وَأَضْعَفَهُمْ، وَكَسَرَ قُلُوبَهُمْ، فَكَانَ مِنْ مَحَاسِنِ الْإِسْلَامِ أَنْ نُحْسِنَ إِلَيْهِمْ؛ جَبْرًا لِمَا حَصَلَ لَهُمْ مِنَ النَّقْصِ وَالِانْكِسَارِ.

((الْحَثُّ عَلَى رِعَايَةِ الْأَيْتَامِ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ))

لَقَدْ حَثَّ اللهُ عَلَى حُسْنِ رِعَايَةِ الْيَتِيمِ، وَإِحْسَانِ تَدْبِيرِ مَالِهِ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، فَقَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [الأنعام: 152] فِيهَا الْوِلَايَةُ عَلَى الْيَتِيمِ، وَإِحْسَانُ تَدْبِيرِ مَالِهِ.

وَقَدْ أَمَرَ بِاخْتِبَارِهِ عِنْدَ بُلُوغِهِ، فَإِذَا عَلِمَ رُشْدَهُ وَهُوَ حِفْظُ مَالِهِ وَمَعْرِفَتُهُ لِلتَّصَرُّفِ وَالتَّصْرِيفِ دُفِعَ لَهُ مَالُهُ.

وَقَالَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: {وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلاَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا} [الكهف: 82].

يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ مُخْبِرًا عَنْ قَوْلِ صَاحِبِ مُوسَى: وَأَمَّا الْجِدَارُ الَّذِي عَدَّلْتُ مَيْلَهُ حَتَّى صَارَ مُسْتَوِيًا؛ فَهُوَ مِلْكُ غُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ، وَكَانَ تَحْتَ الْجِدَارِ مَالٌ مَدْفُونٌ مُخَبَّأٌ لَهُمَا.

وَكَانَ أَبُوهُمَا رَجُلًا صَالِحًا مِنَ الْأَتْقِيَاءِ، فَأَرَادَ رَبُّكَ بِسَبَبِ صَلَاحِ وَالِدِهِمَا أَنْ يَبْلُغَا قُوَّتَهُمَا وَكَمَالَ عَقْلِهِمَا، وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا إِذَا بَلَغَا وَعَقَلَا وَقَوِيَا؛ رَحْمَةً وَعَطَاءً مِنْ رَبِّكَ لَهُمَا.

وَقَالَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: {وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا} [النساء: 9].

وَلْيَخَفِ اللهَ الَّذِينَ لَوْ مَاتُوا وَتَرَكُوا خَلْفَهُمْ أَبْنَاءً صِغَارًا ضِعَافًا؛ خَافُوا عَلَيْهِمُ الظُّلْمَ وَالضَّيَاعَ مِنْ بَعْدِهِمْ، فَلْيَتَّقُوا اللهَ فِيمَنْ تَحْتَ أَيْدِيهِمْ مِنَ الْيَتَامَى بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ، وَحِفْظِ أَمْوَالِهِمْ، وَفِعْلُ مَا يُحَبُّ أَنْ يُفْعَلَ بِأَوْلَادِهِمْ مِنْ بَعْدِهِمْ.

وَلْيَقُولُوا قَوْلًا عَدْلًا وَصَوَابًا، يُصِيبُ مَوْقِعَهُ الْمُلَائِمَ لَهُ، فَيُكَلِّمُوا الْيَتَامَى كَمَا يُكَلِّمُونَ أَوْلَادَهُمْ، وَلَا يُؤْذُوهُمْ بِقَوْلٍ وَلَا فِعْلٍ.

 ((رِعَايَةُ اللهِ لِيَتَامَى مِنْ خَيْرِ الْبَشَرِ))

لَقَدِ ابْتَلَى اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- أُنَاسًا مِنْ خَيْرِ الْبَرِيَّةِ؛ فَجَعَلَهُمْ أَيْتَامًا، فَأَحْسَنَ إِلَيْهِمْ، وَآوَاهُمْ -جَلَّ وَعَلَا-، وَمِنْهُمْ: نَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ ﷺ، فَقَالَ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- لَهُ ﷺ: {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى} [الضحى: 6].

أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا صَغِيرًا فَقِيرًا حِينَ مَاتَ أَبَوَاكَ وَلَمْ يُخَلِّفَا لَكَ مَالًا وَلَا مَأْوًى، فَجَعَلَ لَكَ مَأْوًى تَأْوِي إِلَيْهِ، وَضَمَّكَ إِلَى عَمِّكَ أَبِي طَالِبٍ حَتَّى أَحْسَنَ تَرْبِيَتَكَ وَكَفَاكَ الْمَئونَةَ.

وَتَقَبَّلَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- مَرْيَمَ -عَلَيْهَا السَّلَامُ- بِالْقَبُولِ الْحَسَنِ، وَضَمَّهَا إِلَى زَكَرِيَّا -عَلَيْهِ السَّلَامُ-؛ مِنْ أَجْلِ تَرْبِيَتِهَا وَرِعَايَتِهَا؛ فقال -جَلَّ وَعَلَا-: {فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [آل عمران: 37].

فَتَقَبَّلَ اللهُ تَعَالَى مَرْيَمَ قَبُولًا حَسَنًا، وَأَجْرَى الْأَسْبَابَ الْمَعْرُوفَةَ عِنْدَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لِقَبُولِهَا فِي خِدْمَةِ الْهَيْكَلِ، وَأَنْبَتَهَا رَبُّهَا نَبَاتًا حَسَنًا، فَنَبَتَتْ نَبَاتًا حَسَنًا.

وَضَمَّهَا اللهُ تَعَالَى إِلَى زَكَرِيَّا، وَجَعَلَهُ كَافِلًا لَهَا، وَمَسْئُولًا عَنْ رِعَايَتِهَا وَتَرْبِيَتِهَا، وَضَامِنًا لِمَصَالِحِهَا، بِالْقُرْعَةِ الَّتِي أَجْرَوْهَا حِينَمَا اخْتَلَفُوا فِيمَنْ يَكْفُلُهَا.

وَأَسْكَنَهَا فِي مَكَانِ عِبَادَتِهِ، وَكَانَ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا مَكَانَ عِبَادَتِهَا؛ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا هَنِيئًا مُعَدًّا، وَفَاكِهَةً فِي غَيْرِ وَقْتِهَا، قَالَ زَكَرِيَّا -عَلَيْهِ السَّلَامُ-: يَا مَرْيَمُ! مِنْ أَيْنَ لَكِ هَذَا الرِّزْقُ الطَّيِّبُ؟

قَالَتْ مَرْيَمُ: هُوَ رِزْقٌ مِنْ عِنْدَ اللهِ، لَيْسَ مِنْ عِنْدِ أَحَدٍ مِنَ الْبَشَرِ، إِنَّ اللهَ تَعَالَى يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ رِزْقًا كَثِيرًا بِغَيْرِ عَدَدٍ وَلَا إِحْصَاءٍ.

 ((فَضَائِلُ رِعَايَةِ الْأَيْتَامِ وَالْحَثُّ عَلَيْهَا فِي السُّنَّةِ))

*مِنْ فَضَائِلِ رِعَايَةِ الْأَيْتَامِ: أَنَّ كَافِلَهُمْ وَالسَّاعِي عَلَيْهِمْ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي أَعْلَى الْجَنَّاتِ:

عِبَادَ اللهِ! إِنَّ فِي السَّعْيِ عَلَى الْيَتِيمِ أَجْرًا، وَفِي الْإِحْسَانِ إِلَيْهِ أَجْرًا، لَاسِيَّمَا مَنْ وُجِدَ يَتِيمًا فِي بَيْتِهِ، سَوَاءٌ لِقَرَابَتِهِ أَوْ لِإِخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَحْسَنَ إِلَيْهِ وَعَلَّمَهُ وَأَدَّبَهُ حَتَّى بَلَغَ الْحِنْثَ، فَكَمْ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ عِنْدَ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-!

وَقَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ فِي الْجَنَّةِ كَهَاتَيْنِ»، وَجَمَعَ بَيْنَ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى ؛ يَعْنِي  أَنَّهُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْجَنَّةِ، وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ الثَّوَابِ وَالْأَجْرِ، أَنْ يُحْشَرَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْجَنَّةِ بِسَبَبِ عَمَلٍ صَالِحٍ قَدَّمَهُ فِي الدُّنْيَا.

وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ فِي ((الصَّحِيحِ)) ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ فِي الْجَنَّةِ هَكَذَا»، وَقَالَ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى.

قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ -رَحِمَهُ اللهُ- : «حُقَّ عَلَى مَنْ سَمِعَ هَذَا الْحَدِيثَ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ؛ لِيَكُونَ رَفِيقَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْجَنَّةِ وَلَا مَنْزِلَةَ فِي الْآخِرَةِ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ».

فَكَفَالَةُ الْيَتِيمِ جَزَاؤُهَا عَظِيمٌ جِدًّا، فَلْيَحْرِصِ الْإِنْسَانُ عَلَى أَنْ يُصِيبَ مِنْ ذَلِكَ مَا تَقَرُّ بِهِ عَيْنُهُ فِي الْآخِرَةِ.

*السَّاعِي عَلَى الْأَرَامِلِ وَالْمَسَاكِينِ -وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الْأَيْتَامُ- كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللهِ: فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «السَّاعِي عَلَى الْأَرْمَلَةِ وَالْمَسَاكِينِ كَالْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَكَالَّذِي يَصُومُ النَّهَارَ وَيَقُومُ اللَّيْلَ». أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي «الصَّحِيحِ»، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي «صَحِيحِهِ» .

«السَّاعِي»: الَّذِي يَذْهَبُ وَيَجِيءُ فِي تَحْصِيلِ مَا يَنْفَعُ الْأَرْمَلَةَ وَالْمِسْكِينَ.

«الْأَرْمَلَةُ»: الَّتِيْ مَاتَ عَنْهَا زَوْجُهَا، سُمِّيَتْ أَرْمَلَةً؛ لِمَا يَحْصُلُ لَهَا مِنَ الْإِرْمَالِ، وَالْإِرِمَالُ: الْفَقْرُ وَذَهَابُ الزَّادِ؛ لِفَقْدِ الزَّوْجِ، يُقَالُ: أَرْمَلَ الرَّجُلُ إِذَا فَنِيَ زَادُهُ.

«الْمَسَاكِينُ»: جَمْعُ مِسْكِينٍ: وَهُوَ الَّذِي لَا شَيْءَ لَهُ، وَقِيلَ: هُوَ الَّذِي لَهُ بَعْضُ شَيْءٍ.

مِنْ مَزَايَا دِينِ الْإِسْلَامِ كَثْرَةُ الْأُجُورِ عَلَى الْعَمَلِ الْقَلِيلِ، فَهَذَا السَّاعِي عَلَى الْأَرْمَلَةِ؛ أَيِ الْمَرْأَةِ الَّتِي بِجَانِبِهِ، سَوَاءٌ فَقَدَتِ الزَّوْجَ، أَمْ أَنَّهَا فِي جَانِبِ وَلِيِّ أَمْرِهَا، وَهُوَ يَسْعَى عَلَيْهَا لِيُؤَمِّنَ حَاجَاتِهَا الضَّرُورِيَّةَ، مُحْتَسِبًا الْأَجْرَ عِنْدَ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِ الْقُرُبَاتِ.

وَالسَّاعِي عَلَى الْمِسْكِينِ، سَوَاءٌ مِنْ قَرَابَتِهِ، أَوْ مِنْ غَيْرِ قَرَابَتِهِ، يَسْعَى لِيُؤَمِّنَ قُوتَهُ الضَّرُورِيَّ، وَيَكْفِيهِ مُؤْنَةَ الْعَيْشِ مِنْ مَأْكَلٍ وَمَشْرَبٍ وَمَسْكَنٍ بِقَدْرِ مَا يَسْتَطِيعُ.

وَكَذَلِكَ يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الْأَيْتَامُ، وَهُمْ أَحْوَجُ الْأَصْنَافِ إِلَى الْعِنَايَةِ بِهِمْ، وَالْيَتِيمُ هُوَ مَنْ فَقَدَ أَبَاهُ مِنْ بَنِي آدَمَ؛ لِأَنَّ الْأَبَ هُوَ الْمُتَكَفِّلُ بِالْإِنْفَاقِ عَلَى الْوَلَدِ، ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى، وَهُوَ الْمُرَبِّي التَّرْبِيَةَ الدِّينِيَّةَ، فَيَكُونُ أَحْرَصَ عَلَى وَلَدِهِ مِنْ حِرْصِهِ عَلَى نَفْسِهِ.

فَالسَّاعِي عَلَيْهِ -عَلَى الْيَتِيمِ- كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَفَضْلُ الْجِهَادِ مَعْلُومٌ فِي شَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ، بِأَنَّ اللهَ -عَزَّ وَجَلَّ- يُبَوِّئُ الْمُجَاهِدَ الْمَنَازِلَ الْعَالِيَةَ فِي الْجَنَّةِ، وَفِي الْحَدِيثِ: «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ مِئَةَ دَرَجَةٍ أَعَدَّهَا اللهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِهِ، كُلُّ دَرَجَتَيْنِ مَا بَيْنَهُمَا كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ» .

فَالسَّاعِي عَلَى الْأَرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ وَالْفَقِيرِ، كَأَنَّهُ مُجَاهِدٌ فِي سَبِيلِ اللهِ، بَلْ وَزِيَادَةٌ عَلَى ذَلِكَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ الصَّائِمِ الْقَائِمِ، صَائِمِ النَّهَارِ تَنَفُّلًا وَتَطَوُّعًا، وَالْقَائِمِ بِاللَّيْلِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ تَطَوُّعًا، وَكَمْ فِي ذَلِكَ مِنَ الْأَجْرِ!

فَفِي الصَّوْمِ قَالَ النَّبِيُّ الْكَرِيمُ ﷺ: «مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللهِ بَاعَدَ اللهُ النَّارَ عَنْ وَجْهِهِ سَبْعِينَ خَرِيفًا» .

وَفِي قِيَامِ اللَّيْلِ يُبَيِّنُ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- بِأَنَّهُ دَأْبُ الصَّالِحِينَ ، وَأَنَّهُ مِنْ عَلَامَاتِ أَهْلِ الْإِيمَانِ، أَنَّهُمْ يَقُومُونَ مِنَ اللَّيْلِ مَا تَيَسَّرَ لَهُمْ مِنَ الصَّلَاةِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَالدُّعَاءِ وَالِاسْتِغْفَارِ، وَالتَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ.

وَأَحْسَنُ أَوْقَاتِ اللَّيْلِ الثُّلُثُ الْأَخِيرُ مِنْهُ؛ لِحَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «يَنْزِلُ رَبُّنَا -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ، فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، وَمَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، وَمَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ» .

فَهَذَا الْوَقْتُ مِنْ أَغْلَى سَاعَاتِ طَلَبِ الْمُؤْمِنِ رَبَّهُ مِنْ خَيْرَيِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَلْيَكُنْ عَلَى ثِقَةٍ أَنَّهُ يُجَابُ فِي طَلَبِهِ هَذَا.

وَالْإِجَابَةُ إِمَّا أَنْ تَكُونَ مُعَجَّلَةً، وَإِمَّا أَنْ يَدْفَعَ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- عَنْهُ مِنَ السُّوءِ وَالْمَكْرُوهِ مَا لَا يَعْلَمُهُ بِهَذِهِ الدَّعْوَةِ وَالطَّلَبِ، وَإِمَّا أَنْ يَدَّخِرَهَا اللهُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ عِنْدَمَا يَكُونُ النَّاسُ أَحْوَجَ شَيْءٍ إِلَى الْحَسَنَاتِ الَّتِي تَرْفَعُ دَرَجَاتِهِمْ وَتَحُطُّ خَطَايَاهُمْ.

فَالدُّعَاءُ وَالطَّلَبُ مِنَ اللهِ مِنْ خَيْرَيِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَا يَضِيعُ صَاحِبُهُ أَبَدًا، بَلْ يُحَقِّقُ اللهُ لَهُ إِحْدَى هَذِهِ الْمَسَائِلِ الثَّلَاثِ: إِمَّا أَنْ يُعَجِّلَ لَهُ طَلَبَهُ، وَإِمَّا أَنْ يَدْفَعَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ وَالْمَكْرُوهِ مَا لَا يَعْلَمُهُ، وَإِمَّا أَنْ يَدَّخِرَهَا اللهُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَيُجَازِيهِ بِهَا بِرَفْعِ دَرَجَاتِهِ وَتَكْفِيرِ خَطَايَاهُ.

فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْعَظِيمِ: بَيَانُ أَنَّ السَّعْيَ عَلَى الْأَرْمَلَةِ وَالْيَتِيمِ وَالْمَسَاكِينِ، وَالْإِنْفَاقَ عَلَيْهِمْ، وَالْقِيَامَ عَلَى أُمُورِهِمْ جِهَادٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَكَالَّذِي يَصُومُ النَّهَارَ، وَيَقُومُ اللَّيْلَ.

وَفِيهِ: أَنَّ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ يَتَحَصَّلُ الْمَرْءُ مِنْهُ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ الْحَسَنَاتِ، وَعَلَى الْإِنْسَانِ أَلَّا يَحْقِرَنَّ مِنَ الْمَعْرُوفِ شَيْئا.

وَيَنْبَغِي عَلَيهِ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي تَوْصِيلِ الْخَيْرَاتِ إِلَى الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْأَرَامِلِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْأَيْتَامِ وَالْمُعْوِزِينَ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ أَعْظَمِ وُجُوهِ الْبِرِّ وَالْقُرَبِ وَالطَّاعَاتِ، حَتَّى جَعَلَهُ ﷺ كَالْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَصِيَامِ النَّهَارِ، وَقِيَامِ اللَّيْلِ.

 ((ضَوَابِطُ تَرْبِيَةِ الْيَتِيمِ وَتَأْدِيبِهِ))

*عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَكُونَ لِلْيَتِيمِ كَالْأَبِ الرَّحِيمِ: فَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى قَالَ: قَالَ دَاوُدُ: «كُنْ لِلْيَتِيمِ كَالْأَبِ الرَّحِيمِ، وَاعْلَمْ أَنَّكَ كَمَا تَزْرَعُ كَذَلِكَ تَحْصُدُ، مَا أَقْبَحَ الْفَقْرَ بَعْدَ الْغِنَي، وَأَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَقْبَحُ مِنْ ذَلِكَ الضَّلَالَةُ بَعْدَ الْهُدَى. وَإِذَا وَعَدْتَ صَاحِبَكَ فَأَنْجِزْ لَهُ مَا وَعَدْتَهُ، فَإِن لَا تَفْعَلْ يُؤَرَّثْ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ، وَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ صَاحِبٍ إِنْ ذَكَرْتَ لَمْ يُعِنْكَ وَإِنْ نَسِيتَ لَمْ يُذَكِّرْكَ» . وَهَذَا الْأَثَرُ صَحِيحٌ.

«وَاعْلَمْ أَنَّكَ كَمَا تَزْرَعُ تَحْصُدُ...» الْحَدِيثَ:

هَذِهِ مِنَ الْحِكَمِ الْبَلِيغَةِ الَّتِي يَنْبَغِي عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَتَأَمَّلَ فِيهَا مَلِيًّا، وَأَنْ يَجْعَلَهَا دَائِمًا شِعَارَهُ وَرَائِدَهُ.

«وَاعْلَمْ أَنَّكَ كَمَا تَزْرَعُ كَذَلِكَ تَحْصُدُ»: فَإِنَّهُ لَا يُجْتَنَى مِنَ الشَّوْكِ الْعِنَبُ.

كَمَا يَزْرَعُ الزَّارِعُ يَحْصُدُ الثَّمَرَةَ، قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا، خَيْرًا أَوْ شَرًّا، وَهَذِهِ وَصِيَّةٌ عَامَّةٌ بِكَفَالَةِ الْيَتِيمِ، وَبِغَيْرِهَا مِنْ صَالِحِ الْأَعْمَالِ، فَالْجَزَاءُ عِنْدَ اللهِ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ، مَنْ بَذَرَ الْخَيْرَ حَصَدَ خَيْرًا جَزَاءً حَسَنًا مِنَ اللهِ، وَمَنْ بَذَرَ الشَّرَّ -وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ- مِنْ كُفْرٍ وَشِرْكٍ وَبِدْعَةٍ وَكَبِيرَةٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الشُّرُورِ، فَإِنَّهُ لَا يَحْصُدُ إِلَّا النَّارَ وَبِئْسَ الْقَرَارُ، وَغَضَبَ الْمَلِكِ الْجَبَّارِ.

*عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يُعَامِلَ الْيَتِيمَ وَيَرْعَاهُ كَمَا يَرْعَى وَلَدَهُ، فَعَنْ أَسْمَاءِ بْنِ عُبَيْدٍ ، قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ سِيرِينَ: عِنْدِي يَتِيمٌ.

قَالَ: «اصْنَعْ بِهِ مَا تَصْنَعُ بِوَلَدِكَ، اضْرِبْهُ مَا تَضْرِبُ وَلَدَكَ» . وَالْحَدِيثُ إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ.

«عِنْدِي يَتِيمٌ»؛ يَعْنِي: مَاذَا أَصْنَعُ مَعَهُ؟

«اضْرِبْهُ»؛ أَيْ: كَيْ لَا يَفْسُدَ؛ لِأَنَّكَ لَا تَضْرِبُ وَلَدَكَ إِلَّا وَتَرَى فِي ذَلِكَ مَنْفَعَةً وَمَصْلَحَةً لِوَلَدِكَ فِي دِينِهِ وَدُنْيَاهُ، فَافْعَلْ هَذَا مَعَ يَتِيمِكَ.

فَيَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَرْعَى يَتِيمَهُ كَمَا يَرْعَى وَلَدَهُ، وَابْنُ سِيرِينَ -رَحِمَهُ اللهُ- -وَهُوَ مِنَ التَّابِعِينَ- يُوَجِّهُ الْمُكَلَّفِينَ إِلَى رِعَايَةِ الْأَيْتَامِ، وَأَنْ يُعَامِلُوا الْأَيْتَامَ كَمَا يَنْبَغِي أَنْ يُعَامِلَ الْأَبْنَاءَ.

فَكَمَا يَنْبَغِي أَنْ يُعَامِلَ وَلَدَهُ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ رُبَّمَا يُعَامِلُ وَلَدَهُ كَمَا أَمَرَ الشَّرْعُ فَيَدَعُهُ فِي غَيِّهِ، وَلَا يُحَاسِبُهُ عَلَى شَيْءٍ أَتَاهُ، وَهَذَا خَطَأٌ، وَإِنَّمَا تُعَلِّقُ سَوْطَكَ بِحَيْثُ يَرَاهُ أَهْلُكَ «عَلِّقْ سَوْطَكَ بِحَيْثُ يَرَاهُ أَهْلُكَ» ؛ لِأَنَّ مَنْ أَمِنَ الْعُقُوبَةَ أَسَاءَ الْأَدَبَ.

عَامِلِ الْيَتِيمَ كَمَا تُعَامِلُ وَلَدَكَ، أَدِّبْهُ كَمَا تُؤَدِّبُ وَلَدَكَ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ رُبَّمَا يَظُنُّ أَنَّهُ إِذَا تَرَكَ لَهُ الْحَبْلَ عَلَى الْغَارِبِ فَإِنَّ ذَلِكَ يُقَرِّبُهُ مِنَ اللهِ تَعَالَى فَيَفْسُدُ الْيَتِيمُ تَبَعًا لِذَلِكَ، فَيَكُونُ وَلِيُّهُ، وَمَنْ قَامَ عَلَى شَأْنِهِ وَكَفَلَهُ يَكُونُ قَدْ أَسَاءَ إِلَيْهِ مِنْ حَيْثُ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ يُحْسِنُ إِلَيْهِ.

عِبَادَ اللهِ! إِنَّ أَفْضَلَ مَا أَعْطَاهُ الْوَالِدُ لِوَلَدِهِ وَوَرَّثَهُ لِوَلَدِهِ الْأَدَبُ الْحَسَنُ، أَنْ يُؤَدِّبَهُ أَدَبًا حَسَنًا؛ لِكَي يَسْتَقِيمَ أَمْرُهُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْحَيَاةِ، وَلِكَي يَكُونَ قَرِيبًا مِنَ الدِّينِ، قَائِمًا عَلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، قَرِيبًا مِنَ اللهِ تَعَالَى، فَكَذَلِكَ يَتِيمُكَ، كَمَا قَالَ ابْنُ سِيرِينَ -رَحِمَهُ اللهُ-.

*ضَوَابِطُ يَنْبَغِي مُرَاعَاتُهَا عِنْدَ تَأْدِيبِ الْيَتِيمِ:

عِبَادَ اللهِ! على الرَّجُلِ أَلَّا يَفْحُشَ، وَلَا يُعَاقِبَ بِعِقَابٍ مُرِيعٍ، وَلَا يَضْرِبَ ضَرْبًا مُبَرِّحًا، وَلَكِنْ يَنْبَغِي عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَعْمِلَ الْحَزْمَ، فَيَأْتِيَ بِالْأَمْرِ عَلَى وَجْهِهِ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ، فَيَلِينَ مِنْ غَيْرِ ضَعْفٍ، وَيَأْتِيَ بِالْحَسْمِ مِنْ غَيْرِ عُنْفٍ، وَبِذَلِكَ يَسْتَقِيمُ أَمْرُهُ فِي التَّرْبِيَةِ عَلَى النَّحْوِ الَّذِي أَتَى بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ.

فَعَنْ شُمَيْسَةَ الْعَتَكِيَّةِ ، قَالَتْ: ذُكِرَ أَدَبُ الْيَتِيمِ عِنْدَ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- فَقَالَتْ: «إِنِّي لَأَضْرِبُ الْيَتِيمَ حَتَّى يَنْبَسِطَ» . وَالْحَدِيثُ حَدِيثٌ صَحِيحٌ.

«حَتَّى يَنْبَسِطَ»: لَعَلَّ الْمُرَادَ مِنَ الِانْبِسَاطِ هَاهُنَا: الِامْتِدَادُ وَالِانْبِطَاحُ عَلَى الْأَرْضِ، كَمَا جَرَتْ عَادَةُ الصِّبْيَانِ، فَإِنَّهُمْ إِذَا أَغْضَبَهُمْ أَحَدٌ يَنْبَطِحُونَ عَلَى الْأَرْضِ، وَيَتَمَرَّغُونَ، وَيَبْكُونَ، وَقَدْ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ إِذَا أُوجِعُوا بِالضَّرْبِ.

فَالِانْبِسَاطُ هَاهُنَا: الِامْتِدَادُ وَالِانْبِطَاحُ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْغَضَبِ وَعَدَمِ الرِّضَا بِمَا يُعَامَلُ بِهِ.

عَلَى الْمُؤْمِنِ أَنْ يُحَاسِبَ نَفْسَهُ فِي ضَرْبِ الْيَتِيمِ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يَضْرِبَهُ ضَرْبًا مُوْجِعًا، إِذَا كَانَ يَرَى فِيهِ مَصْلَحَتَهُ، وَيَعْرِفَ مِنْ نَفْسِهِ صِدْقَ الْمَحَبَّةِ، وَالشَّفَقَةِ عَلَيْهِ، فَإِذَا كَانَ خَالِصَ النِّيَّةِ، وَكَانَ مُؤَدِّبًا لَهُ لِلَّهِ تَعَالَى؛ يَعْنِي: يُؤَدِّبُ الْيَتِيمَ لِلَّهِ تَعَالَى وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِهِ، فَإِنَّهُ لَا بَأْسَ حِينَئِذٍ أَنْ يَضْرِبَهُ، كَمَا فَعَلَتْ عَائِشَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا-.

فَعَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يُعَامِلَ يَتِيمَهُ كَمَا يُعَامِلُ وَلَدَهُ، وَيَنْبَغِي عَلَيْهِ أَنْ يُعَامِلَ وَلَدَهُ كَمَا قَضَتْ بِذَلِكَ الشَّرِيعَةُ، لَا أَنَّهُ يَأْخُذُ يَتِيمَهُ بِمَا يَأْخُذُ بِهِ وَلَدَهُ -وَهُوَ قَدْ تَرَكَ الْحَبْلَ عَلَى الْغَارِبِ- فَلَا يُؤَدِّبُ وَلَدًا وَلَا يَتِيمًا، قَدْ أَسَاءَ فِي الْحَالَيْنِ، وَإِنَّمَا يَلْتَزِمُ الشَّرْعَ فِي الْحَالَيْنِ كِلَيْهِمَا.

*وِقَايَةُ الْأَيْتَامِ النَّارَ كَالْأَبْنَاءِ سَوَاءً بِسَوَاءٍ:

إِنَّ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- أَمَرَنَا أَنْ نَقِيَ أَنْفُسَنَا النَّارَ، وَوَصَفَهَا اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- بِبَعْضِ صِفَاتِهَا كَمَا وَصَفَ الْقَائِمِينَ عَلَيْهَا بِبَعْضِ صِفَاتِهِمْ، وَحَذَّرَنَا اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- مِنْ ذَلِكَ.

وَأَمَرَنَا أَنْ نَقِيَ أَنْفُسَنَا وَأَهْلِينَا ذَلِكَ الْأَمْرَ الْكَبِيرَ، وَهُوَ وُرُودُ النَّارِ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم:6].

فَاللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- نَادَانَا بِوَصْفِ الْإِيمَانِ؛ لَكِيْ يَكُونَ ذَلِكَ حَافِزًا لَنَا عَلَى إِلْقَاءِ سَمْعِ الْقَلْبِ لِمَا يَأْمُرُنَا بِهِ وَمَا يَنْهَانَا عَنْهُ.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا}: يَا مَنْ أَعْلَنْتُمْ إِيمَانَكُمْ بِرَبِّكِمْ -جَلَّ وَعَلَا-، فَآمَنْتُمْ بِهِ وَبِمَا أَنْزَلَ مِنْ كِتَابٍ، وَبِالرَّسُولِ الَّذِي أَرْسَلَهُ إِلَيْكُمْ، إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ حَقًّا؛ فَاسْمَعُوا وَعُوا، وَامْتَثِلُوا أَمْرَ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، وَاجْتَنِبُوا مَسَاخِطَهُ.

{قُوا أَنفُسَكُمْ}: اجْعَلُوا بَيْنَ أَنْفُسِكُمْ وَبَيْنَ نَارِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- وِقَايَةً وَجُنَّةً، {وَأَهْلِيكُمْ}: فَإِنَّكُمْ رُعَاةٌ فِيهِمْ، وَكُلُّ رَاعٍ فِي رَعِيَّةٍ هُوَ مَسْئُولٌ عَنْهَا، وَالرَّجُلُ فِي أَهْلِهِ رَاعٍ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ.

*عَلِّمُوا الْأَيْتَامَ أُصُولَ الِاعْتِقَادِ كَتَعْلِيمِكُمْ أَبْنَائِكُمْ:

قَالَ ابْنُ سِيرِينَ -رَحِمَهُ اللهُ-: «اصْنَعْ بِالْيَتِيمِ مَا تَصْنَعُ بِوَلَدِكَ)).

عِبَادَ اللهِ! عَلِّمُوهُمْ دِينَ رَبِّهِمْ: عَقِيدَتَهُ، وَعِبَادَتَهُ، وَمُعَامَلَتَهُ، وَأَخْلَاقَهُ، وَسُلُوكَهُ؛ لِيَفُوزُوا بِالرِّضْوَانِ فِي الْآخِرَةِ مَعَ السَّعَادَةِ فِي الدُّنْيَا.

تَعَلَّمُوا أُصُولَ الِاعْتِقَادِ وَعَلِّمُوهَا، قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ مِنَ الشِّرْكِ الَّذِي يُوَرِّطُ الْخَلْقَ فِي النَّارِ تَوَرُّطًا، وَاللهُ لَا يَغْفِرُهُ {إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} [النِّسَاء: 48].

عَلِّمُوهُمْ أَنْ يَنْذِروا للهِ، إِنْ نَذَرُوا.

عَلِّمُوهُمْ أَلَّا يَذْبَحُوا إِلَّا للهِ، وَأَلَّا يَتَوَكَّلُوا إِلَّا عَلَى اللهِ، أَلَّا يُحِبُّوا إِلَّا فِي اللهِ، وَأَلَّا يُبْغِضُوا إِلَّا فِي اللهِ.

عَلِّمُوهُمْ أَسْمَاءَ اللهِ وَصِفَاتِهِ.

دُلُّوهُمْ عَلَى الصَّوَابِ وَالْحَقِيقَةِ فِي مَسَائِلِ الْإِيمَانِ وَالْكُفْرِ، ألَّا يَكُونُوا مُرْجِئَةً، وَأَلَّا يَكُونُوا خَوَارِجَ؛ فَيَخْسَرُوا الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ.

عَلِّمُوهُمْ الْحَقَّ الْحَقِيقَ فِي بَابِ الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ، وَإِلَّا صَارُوا مُتَوَاكِلِينَ، لَا يَنْهَضُونَ لِهِمَّةٍ، وَلَا يَأْتُونَ بِعَزْمٍ فِي مُلِمَّةٍ.

عَلِّمُوهُمُ الْوَاجِبَ تِجَاهَ آلِ بَيْتِ رَسُولِ اللهِﷺ، وَأَلَّا يَكُونُوا رَافِضَةً، وَأَلَّا يَكُونُوا نَاصِبَةً؛ حَتَّى يَكُونُوا عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ مَعَ أَهْلِ السُّنَّةِ.

عَلِّمُوهُمُ الْحَقَّ الْحَقِيقَ في أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، حَتَّى يُجَانِبُوا الشِّيعَةَ الرَّوَافِضَ الْمَلَاعِينَ فِي سَبِّهِمْ لِأَصْحَابِ النَّبِيِّ الْأَمِينِﷺ، وَفِي تَكْفِيرِهِمْ لَهُمْ، وَفِي رَمْيِهِمْ بِالْخِيَانَةِ لِلدِّينِ، وَارْتِدَادِهِمْ عَنْهُ بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ الْأَمِينِ؛ حَتَّى لَا يَنْجُمَ فِي بَيْتِكَ مَنْ يَقُولُ: هَؤُلَاءِ إِخْوَانُنَا، وَهَؤُلَاءِ نَتَقَارَبُ مَعَهُمْ!!

عَلِّمُوهُمُ الْحَقَّ الْحَقِيقَ فِي كِتَابِ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا-.

عَلِّمُوهُمْ أَلَّا يَنْظُرُوا إِلَى كِتَابِ رَبِّهِمْ -جَلَّ وَعَلَا- نَظْرَةَ السُّوءِ؛ فَيَرَوْهُ مُفَكَّكًا لَا يَتَمَاسَكُ كَمَا يَزْعُمُ الْعَلْمَانِيُّونَ وَالْمُسْتَشْرِقُونَ، وَكَمَا يَزْعُمُ الْمُكَفِّرُونَ الْمُنَصِّرُونَ، فَإِنَّهُمْ يَزْعُمُونَ فِي الْقُرْآنِ كَثِيرًا وَكَثِيرًا.

عَلِّمُوهُمْ حَقَّ رَسُولِ اللهِ، وَعَرِّفُوهُمْ بِهِ.

فَمَا وَقَيْتَهُ النَّارَ، وَأَسَأْتَ، وَتَعَدَّيْتَ، وَظَلَمْتَ! وَلَمْ تَرْعَ فِيهِ أَمَانَةَ اللهِ!

عَلِّمْهُ دِينَ اللهِ، وَدِينُ اللهِ لَا فُرْقَةَ فِيهِ، وَإِنَّمَا هُوَ قِيَامٌ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ، الَّذِي جَاءَ بِهِ رَسُولُ اللهِﷺ.

*عَلِّمُوا الْيَتَامَى صَلَاةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ:

عِبَادَ اللهِ! إِنَّ الصَّلَاةَ الَّتِي فَرَضَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا- عَلَى عِبَادِهِ، وَهِيَ الرُّكْنُ الثَّانِي مِنْ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ الْعَظِيمِ، وَأَعْظَمُ رُكْنٍ عَمَلِيٍّ فِيهِ، هَذِهِ الصَّلَاةُ ضَيَّعَهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، إِمَّا إِضَاعَةً كَامِلَةٌ بِحَيْثُ لَا يُصَلُّونَ، وَإِمَّا إِضَاعَةً جُزْئِيَّةً بِحَيْثُ إِنَّهُمْ يُصَلُّونَ وَيَتْرُكُونَ أَوْ عَنِ الصَّلَاةِ يَتَهَاوَنُونَ.

وَالرَّسُولُ ﷺ قَدْ بَيَّنَ عَظِيمَ قَدْرِهَا، فَقَالَ: ((الْعَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ الصَّلَاةُ، فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ)) .

وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُوصِي سَرَايَاهُ وَأُمَرَاءَ السَّرَايَا إِذَا بَعَثَهُمْ أَلَّا يَدْهَمُوا مَحَلَّةً وَلَا قَرْيَةً وَلَا تَجَمُّعًا حَتَّى يَتَلَبَّثُوا، فَإِنْ سَمِعُوا الْأَذَانَ كَفُّوا، وَإِنْ لَمْ يَسْمَعُوا الْأَذَانَ صَبَّحُوهُمْ .

فَجَعَلَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- هَذِهِ الشَّعِيرَةَ الْعَظِيمَةَ مِنْ شَعَائِرِ الدِّينِ الْعَظِيمِ وَهِيَ شَعِيرَةُ الْأَذَانِ، وَلَهُ مَا لَهُ مِنَ الْقَدْرِ فِي دِينِ اللهِ، لِأَنَّهُ كُلَّمَا كَثُرَ الْمُؤَذِّنُونَ كَثُرَ الْخَيْرُ، فَإِنَّ الْمُؤَذِّنَ يشْهَدَ لَهُ مَدَى صَوْتِهِ مِنْ إِنْسٍ وَجِنٍّ، وَحَجَرٍ وَشَجَرٍ وَنَبَاتٍ .

جَعَلَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- الْأَذَانَ مَطْرَدَةً لِلشَّيْطَانِ ، وَجَعَلَهُ مِنْ أَعْظَمِ الشَّعَائِرِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى الْإِذْعَانِ.

الصَّلَاةُ أَعْظَمُ شَعَائِرِ الدِّينِ، وَهِيَ أَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْمَرْءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ .

عَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يَلْتَفِتَ إِلَيْهَا، وَأَنْ يُصَحِّحَ هَذِهِ الْفَرِيضَةَ الْعَظِيمَةَ؛ عِلْمًا وَعَمَلًا، وَأَدَاءً وَدَعْوَةً؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ رُبَّمَا صَلَّى عُمُرَهُ كُلَّهُ وَلَا يُعَدُّ مُصَلِّيًا عِنْدَ رَبِّ الْعَالَمِينَ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِلرَّجُلِ الَّذِى قَامَ يُصَلِّي بَيْنَ يَدَيْهِ -هُوَ يُصَلِّي فِي مَحْضَرٍ عَظِيمٍ، هُوَ مَحْضَرُ الرَّسُولِ الْكَرِيمِ ﷺ، وَفِي مَكَانٍ جَلِيلٍ فَخِيمٍ وَهُوَ مَسْجِدُ النَّبِيِّ الْكَرِيمِ- هُوَ يُصَلِّي وَجَاءَ الْمَسْجِدَ لِيُصَلِّيَ وَقَدْ تَوَضَّأَ وَتَأَهَّبَ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يُصَلِّ فِي حَقِيقَةِ الْأَمْرِ إِذْ كَانَ مُسِيئًا لِلصَّلَاةِ، فَلَمَّا فَرَغَ مِمَّا أَتَى بِهِ مِمَّا لَا يُسَمَّى فِي الشَّرْعِ صَلَاةً، قَالَ: ((ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ)).

فَصَلَّى كَمَا صَلَّى قَبْلُ، قَالَ ((ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ))، فَصَلَّى كَمَا صَلَّى، ثُمَّ قَالَ لَمَّا رُوجِعَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا أَعْرِفُ سِوَى مَا رَأَيْتَ، فَعَلَّمَهُ رَسُولَ اللهِ ﷺ .

كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ يُصَلِّي وَلَا يُصَلِّي!! ((ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ))، هُوَ يُعَنِّي نَفْسَهُ زَمَانًا طَوِيلًا وَلَا يَأْتِي بِالصَّلَاةِ كَمَا يُرِيدُهَا اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ.

هَذِهِ الصَّلَاةُ عَلَّمَنَا إِيَّاهَا رَسُولُ اللهُ ﷺ، فَعَلَى الْمُسْلِمِ أَلَّا يَكُونَ مُصَلِّيًا فَقَطْ، وَإِنَّمَا عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ مُصَلِّيًا صَلَاةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ.

عِبَادَ اللهِ! عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي مَعْرِفَةِ الصَّلَاةِ مَعْرِفَةً عِلْمِيَّةً؛ لِيَعْرِفَ كَيْفَ يُصَلِّي كَمَا كَانَ يُصَلِّي رَسُولُ اللهِ ﷺ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِذَلِكَ، فَقَالَ: ((صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي)) .

بَلْ إِنَّهُ ﷺ مِنْ حِرْصِهِ عَلَى الْبَيَانِ لِكَيْفِيَّةِ الصَّلَاةِ؛ كَانَ أَحْيَانًا يُصَلِّي عَلَى الْمِنْبَرِ، فَيُصَلِّي عَلَى الْمِنْبَرِ؛ لِيَرَاهُ مَنْ هُوَ قَاصٍ كَمَا يَرَاهُ مَنْ هُوَ دَانٍ، وَلِيَكُونَ عَمَلُهُ فِي الصَّلَاةِ ﷺ مَنْظُورًا مَرْئِيًّا لِجَمِيعِ مَنْ حَضَرَ حَتَّى يَتَأَسُّوا بِهِ فِي الْإِتْيَانِ بِهَذِهِ الْعِبَادَةِ الْعَظِيمَةِ وَهِيَ الصَّلَاةُ.

فَكَانَ ﷺ أَحْيَانًا يُصَلِّي عَلَى الْمِنْبَرِ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَسْجُدَ؛ رَجَعَ الْقَهْقَرَى؛ حَتَّى لَا يَخْرُجَ عَنِ التَّوَجُّهِ إِلَى الْقِبْلَةِ، فَنَزَلَ عَنِ الْمِنْبَرِ فَيَسْجُدُ فِي أَصْلِهِ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْ سُجُودِهِ قَامَ فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَصَلَّى عَلَى الْمِنْبَرِ ، يَقُولُ ﷺ: ((صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي)).

*اتَّقُوا اللهَ فِي أَبْنَائِكُمْ، وَفِي الْيَتَامَى، وَعَلِّمُوهُمْ صَلَاةَ النَّبِيِّ ﷺ؛ فَقَدْ قَالَ ﷺ: ((مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ لِسَبْعٍ, وَاضْرِبُوهُم عَلَيْهَا لِعَشْرٍ, وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي المَضَاجِعِ)) .

((اسْتِحْبَابُ إِكْرَامِ الْيَتِيمِ وَالدُّعَاءِ لَهُ))

يُسْتَحَبُّ مَسْحُ رَأْسِ الْيَتِيمِ وَإِكْرَامُهُ؛ لِحَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ: لَوْ رَأَيْتَنِي وَقُثَمَ وَعُبَيْدَ اللهِ ابْنَيْ عَبَّاسٍ، وَنَحْنُ صِبْيَانٌ نَلْعَبُ، إِذْ مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى دَابَّةٍ، فَقَالَ: ((ارْفَعُوا هَذَا إِلَيَّ)).

قَالَ: فَحَمَلَنِي أَمَامَهُ.

وَقَالَ لِقُثَمَ: ((ارْفَعُوا هَذَا إِلَيَّ))؛ فَجَعَلَهُ وَرَاءَهُ.

وَكَانَ عُبَيْدُ اللهِ أَحَبَّ إِلَى عَبَّاسٍ مِنْ قُثَمَ، فَمَا اسْتَحَى مِنْ عَمِّهِ ﷺ أَنْ حَمَلَ قُثَمَ وَتَرَكَهُ -أَيْ وَتَرَكَ عُبَيْدَ اللهِ، مَعَ أَنَّهُ كَانَ أَحَبَّ إِلَى أَبِيهِ مِنْ أَخِيهِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ((ارْفَعُوهُ إِلَيَّ))، فَحَمَلَهُ وَرَاءَهُ ﷺ-، قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-: ثُمَّ مَسَحَ عَلَى رَأْسِي ثَلاثًا، وَقَالَ كُلَّمَا مَسَحَ: ((اللهُمَّ اخْلُفْ جَعْفَرًا فِي وَلَدِهِ)).

قَالَ: قُلْتُ لِعَبْدِ اللهِ: مَا فَعَلَ قُثَمُ؟

قَالَ: اسْتُشْهِدَ.

قَالَ: قُلْتُ: اللهُ أَعْلَمُ بِالْخَيْرِ وَرَسُولُهُ بِالْخَيْرِ.

قَالَ: أَجَلْ .

أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالسِّيَاقُ لَهُ، وَالْحَاكِمُ، وَالْبَيْهَقِيُّ، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ، وَقَالَ الْحَاكِمُ: ((صَحِيحٌ))، وَوَافَقَهُ الذَّهَبِيُّ، وَالْحَقُّ أَنَّ الْحَدِيثَ -أَيْضًا- أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي ((التَّارِيخِ الْكَبِيرِ))، وَالنَّسَائِيُّ فِي ((الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ)).

 ((أَفْضَلُ النَّفَقَةِ وَالصَّدَقَاتِ عَلَى الْأَيْتَامِ وَالْمَسَاكِينِ))

إِنَّ الصَّدَقَةَ مُسْتَحَبَّةٌ، وَتُشْرَعُ فِي كُلِّ وَقْتٍ، لِإِطْلَاقِ الْحَثِّ عَلَيْهَا فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَلِلتَّرْغِيبِ فِيهَا.

لَقَدْ حَثَّ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- عَلَى إِنْفَاقِ الْمَالِ الْحَلَالِ، وَإِطْعَامِ الطَّعَامِ، وَالصَّدَقَةِ عَلَى أَصْنَافٍ مِنَ النَّاسِ، وَمِنْ أَهَمِّهِمْ: الْيَتَامَى، فَقَالَ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ-: {وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ} [البقرة: 177].

{وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ} أَيْ: أَخْرَجَهُ، وَهُوَ مُحِبٌّ لَهُ، رَاغِبٌ فِيهِ، كَمَا فِي ((الصَّحِيحَيْنِ))  مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: ((أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ، تَأْمُلُ الْغِنَى، وَتَخْشَى الْفَقْرَ)).

وَقَوْلُهُ: {ذَوِي الْقُرْبَى}: وَهُمْ: قَرَابَاتُ الرَّجُلِ، وَهُمْ أَوْلَى مَنْ أُعْطِيَ مِنَ الصَّدَقَةِ، كَمَا ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ: ((الصَّدَقَةُ عَلَى الْمَسَاكِينِ صَدَقَةٌ، وَعَلَى ذَوِي الرَّحِمِ اثِنْتَانِ: صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ)) .

فَهُمْ أَوْلَى النَّاسِ بِكَ وَبِبِرِّكَ وَإِعْطَائِكَ، وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ -أَيْ إِلَى ذِي الْقُرْبَةِ- فِي غَيْرِ مَا مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِهِ الْعَزِيزِ.

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَالْيَتَامَى}: هُمُ الَّذِينَ لَا كَاسِبَ لَهُمْ، وَقَدْ مَاتَ آبَاؤُهُمْ، وَهُمْ ضُعَفَاءُ صِغَارٌ دُونَ الْبُلُوغِ وَالْقُدْرَةِ عَلَى التَّكَسُّبِ، فَعَنْ عَلِيٍّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((لَا يُتْمَ بَعْدَ حُلُمٍ)) . أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ.

{وَالْمَسَاكِينَ}: وَهُمُ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يَكْفِيهِمْ فِي قُوتِهِمْ وَكِسْوَتِهِمْ وَسُكْنَاهُمْ، فَيُعْطَوْنَ مَا تُسَدُّ بِهِ حَاجَتُهُمْ وَخَلَّتُهُمْ.

وَقَالَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَآ أَنْفَقْتُمْ مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} [البقرة: 215].

يَسْأَلُكَ أَصْحَابُكَ يَا رَسُولَ اللهِ! مَاذَا يُنْفِقُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ؟

قُلْ لَهُمْ: مَا تَفْعَلُوا مِنْ إِنْفَاقِ شَيْءٍ مِنَ الْمَالِ الْحَلَالِ الطَّيِّبِ، قَلَّ أَوْ كَثُرَ؛ فَأَنْفِقُوهُ فِي هَذِهِ الْوُجُوهِ الْخَمْسَةِ:

الْأَوَّلُ: الْوَالِدَانِ؛ لِمَا لَهُمَا مِنْ فَضْلِ الْوِلَادَةِ وَالْعَطْفِ وَالتَّرْبِيَةِ.

وَالثَّانِي: الْأَقْرَبُونَ مِنْ أَهْلِكُمْ وَذَوِي أَرْحَامِكُمْ.

الثَّالِثُ: الْيَتَامَى الَّذِينَ مَاتَ آبَاؤُهُمْ فِي الصِّغَرِ دُونَ سِنِّ الْبُلُوغِ.

الرَّابِعُ: الْمَسَاكِينُ الْمُتَعَرِّضُونَ لِلْعَطَاءِ الَّذِينَ يَسْأَلُونَ الصَّدَقَةَ.

الْخَامِسُ: الْمُسَافِرُ الْمُنْقَطِعُ عَنْ بَلَدِهِ، وَلَيْسَ لَهُ مَا يَقْطَعُ بِهِ مَسَافَةَ سَفَرِهِ.

وَمَا تَفْعَلُوا -أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ- مِنْ خَيْرٍ قَلَّ أَوْ كَثُرَ مَعَ هَؤُلَاءِ أَوْ غَيْرِهِمْ؛ طَلَبًا لِوَجْهِ اللهِ وَرِضْوَانِهِ؛ فَإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ بِهِ عَلِيمٌ، فَيُجَازِيكُمْ عَلَيْهِ.

وَقَالَ تَعَالَى: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (9) إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا (10)} [الإنسان: 8-10].

وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِمْ لِلْطَعَامِ وَقِلَّتِهِ، وَتَعَلُّقِ شَهْوَتِهِمْ بِهِ، وَحَاجَتِهِمْ إِلَيْهِ، يُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا لَا مَالَ لَهُ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى الْكَسْبِ، وَصَغِيرًا لَا أَبَ لَهُ، يَكْتَسِبُ لَهُ، وَيُنْفِقُ عَلَيْهِ، وَأَسِيرًا بِيَدِي الْأَعْدَاءِ أَوْ مَسْجُونًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرِهِمْ.

يَقُولُونَ لِمَنْ أَطْعَمُوهُمْ: مَا نُطْعِمُكُمْ إِلَّا لِأَجْلِ وَجْهِ اللهِ تَعَالَى، وَرَجَاءَ ثَوَابِهِ، لَا نُرِيدُ مُكَافَأَةً، وَلَا طَلَبَ حَمْدٍ وَثَنَاءٍ مِنْكُمْ.

إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا شَدِيدًا تَعْبَثُ فِيهِ الْوُجُوهُ مِنْ هَوْلِهِ وَشِدَّتِه، كَرِيهًا تَتَقَطَّبُ فِيهِ الْجِبَاهُ مِنْ فَظَاعَةِ أَمْرِهِ وَمَا يَؤُولُ إِلَيْهِ.

وَمِنْ أَعْظَمِ الْإِنْفَاقِ؛ الْإِنْفَاقُ عَلَى يَتِيمٍ جَائِعٍ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ قَرَابَةٌ، قال الله -عَزَّ وَجَلَّ-: {أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (14) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (15)} [البلد: 15].

أَوْ إِطْعَامٍ فِي يَوْمٍ ذِي مَجَاعَةٍ عَامَّةٍ صَغِيرًا مَاتَ أُبُوهُ قَبْلَ الْبُلُوغِ، بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ قَرَابَةٌ.

هَذَا كُلُّهُ مِنْ مَحَاسِنِ دِينِ الْإِسْلَامِ الْعَظِيمِ؛ لِأَنَّهُ دِينُ الْمُوَاسَاةِ وَالرَّحْمَةِ، دِينُ التَّعَاوُنِ وَالتَّآخِي فِي اللهِ، فَمَا أَجْمَلَهُ! وَمَا أَجَلَّهُ! وَمَا أَحْكَمَ تَشْرِيعَهُ!

 ((التَّحْذِيرُ مِنْ إِيذَاءِ الْيَتِيمِ وَقَهْرِهِ))

*لَقَدْ حَذَّرَ اللهُ تَعَالَى مِنْ إِيذَاءِ الْيَتَامَى، وَالْقَسْوَةِ عَلَيْهِمْ، فَأَوْصَى اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- نَبِيَّهُ ﷺ بِالْيَتَامَى وَالْفُقَرَاءِ؛ فَقَالَ: {فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ}، قَالَ مُجَاهِدٌ: «لَا تَحْتَقِرِ الْيَتِيمَ فَقَدْ كُنْتَ يَتِيمًا» .

وَقَالَ الْفَرَّاءُ , وَالزَّجَّاجُ : «لَا تَقْهَرْهُ عَلَى مَالِهِ فَتَذْهَبَ بِحَقِّهِ لِضَعْفِهِ ، وَكَذَا كَانَتِ الْعَرَبُ تَفْعَلُ فِي أَمْرِ الْيَتَامَى ، تَأْخُذُ أَمْوَالَهُمْ وَتَظْلِمُهُمْ حُقُوقَهُمْ».

وَقَدْ يَكُونُ الْخِطَابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَتُقْصَدُ الْأُمَّةُ بِخِطَابِهِ ﷺ.

وَيَقُولُ اللهُ تَعَالَى ذَامًّا لِمَنْ تَرَكَ حُقُوقَهُ وَحُقُوقَ عِبَادِهِ: {أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ} أَيْ: بِالْبَعْثِ وَالْجَزَاءِ، فَلَا يُؤْمِنُ بِمَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ.

{فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ} أَيْ: يَدْفَعُهُ بِعُنْفٍ وَشِدَّةٍ، وَلَا يَرْحَمُهُ لِقَسَاوَةِ قَلْبِهِ، وَلِأَنَّهُ لَا يَرْجُو ثَوَابًا، وَلَا يَخَافُ عِقَابًا.

 ((التَّحْذِيرُ مِنْ أَكْلِ أَمْوَالِ الْيَتَامَى))

لَقَدْ حَذَّرَ اللهُ مِنْ أَكْلِ أَمْوَالِ الْيَتَامَى ظُلْمًا، وَرَتَّبَ عَلَى ذَلِكَ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ، وَأَمَرَ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- بِأَلَّا يَقْرَبَ النَّاسُ مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالْعَدْلِ وَالْحَقِّ، قَالَ رَبُّنَا -جَلَّ وَعَلَا-: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} [النساء: 10].

إِنَّ الَّذِينَ يَعْتَدُونَ عَلَى أَمْوَالِ الْيَتَامَى بِسَائِرِ أَنْوَاعِ التَّصَرُّفَاتِ الرَّدِيئَةِ، الْمُتْلِفَةِ لِلْمَالِ؛ حَرَامًا بِغَيْرِ حَقٍّ، سَيَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ نَارًا، تَحْرِقُ بُطُونَهُمْ، وَتَشْوِي أَحْشَاءَهُمْ، وَسَيَدْخُلُونَ نَارًا هَائِلَةً مُشْتَعِلَةً، يَحْتَرِقُونَ فِيهَا؛ جَزَاءَ أَكْلِهِمْ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا.

وَقَالَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [ الْأَنْعَامِ: 152].

مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ: الِاقْتِرَابُ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ الَّذِي مَاتَ أَبُوهُ قَبْلَ الْحُلُمِ، فَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ الَّذِي أَنْتُمْ أَوْلِيَاءُ أَوْ أَوْصِيَاءُ عَلَيْهِ، إِلَّا بِالْخَصْلَةِ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ؛ بِالْمُحَافَظَةِ عَلَى الْأَمْوَالِ الثَّابِتَةِ كَالْأَرَاضِينَ وَالدُّورِ وَالْأَغْرَاسِ، وَتَثْمِيرِ الْمَنْقُولِ، وَتَحْصِيلِ الرِّبْحِ فِيهِ.

فَاحْفَظُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَى أَنْ يَبْلُغَ الْحُلُمَ، مَعَ إِينَاسِ الرُّشْدِ، فَإِذَا بَلَغَ ذَلِكَ فَادْفَعُوا إِلَيْهِ مَالَهُ.

وَقَالَ رَبُّنَا -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [البقرة: 220].

قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ : عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- قَالَ: «لَمَّا نَزَلَتْ: {وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [الْإِسْرَاءِ: 34]، وَ {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} [النِّسَاءِ: 10]، انْطَلَقَ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ يَتِيمٌ فَعَزَلَ طَعَامَهُ عَنْ طَعَامِهِ، وَشَرَابَهُ عَنْ شَرَابِهِ، فَجَعَلَ يَفْضُلُ لَهُ الشَّيْءُ مِنْ طَعَامِهِ، فَيُحْبَسُ لَهُ حَتَّى يَأْكُلَهُ أَوْ يَفْسَدَ.

فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ}، فَخَلَطُوا طَعَامَهُمْ بِطَعَامِهِمْ، وَشَرَابَهُمْ بِشَرَابِهِمْ».

 

وَرَوَى وَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاحِ : عَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا-: «إِنِّي لَأَكْرَهُ أَنْ يَكُونَ مَالُ الْيَتِيمِ عِنْدِي عُرَّةً -وَالْعُرَّةُ: الْقَدَرُ، تُرِيدُ أَنْ تَتَجَّنَبَهُ تَجَنُّبَ الْقَدَرِ-(وَفِي رِوَايَةٍ: أَنْ يَكُونَ مَالُ الْيَتِيمِ عِنْدِي عَلَى حِدَةٍ)، حَتَّى أَخْلُطَ طَعَامَهُ بِطَعَامِي وَشَرَابَهُ بِشَرَابِي».                                                                                                                     

فَقَوْلُهُ: {قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ} أَيْ : عَلَى حِدَةٍ.

{وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ} أَيْ: وَإِنْ خَلَطْتُمْ طَعَامَكُمْ بِطَعَامِهِمْ وَشَرَابَكُمْ بِشَرَابِهِمْ، فَلَا بَأْسَ عَلَيْكُمْ; لِأَنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ; وَلِهَذَا قَالَ: {وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ} أَيْ: يَعْلَمُ مَنْ قَصْدُهُ وَنِيَّتُهُ الْإِصْلَاحُ أَوْ الْإِفْسَادُ.

وَقَوْلُهُ: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} أَيْ: وَلَوْ شَاءَ لَضَيَّقَ عَلَيْكُمْ وَأَحْرَجَكُمْ، وَلَكِنَّهُ وَسَّعَ عَلَيْكُمْ، وَخَفَّفَ عَنْكُمْ، وَأَبَاحَ لَكُمْ مُخَالَطَتَهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، كَمَا قَالَ تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [ الْأَنْعَامِ : 152 ]، بَلْ قَدْ جَوَّزَ الْأَكْلَ مِنْهُ لِلْفَقِيرِ بِالْمَعْرُوفِ، إِمَّا بِشَرْطِ ضَمَانِ الْبَدَلِ لِمَنْ أَيْسَرَ، أَوْ مَجَّانًا.

 ((رِعَايَةُ الْأَيْتَامِ وَاجِبٌ مُجْتَمَعِيٌّ))

*الْمُسْلِمُونَ جَمِيعًا جَسَدٌ وَاحِدٌ:

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ! لَقَدْ مَثَّلَ النَّبِيُّ ﷺ الْمُؤْمِنَ لِلْمُؤْمِنِ بِالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا، وَهَذَا هُوَ الْمِثَالُ الصَّحِيحُ لِكُلِّ شَعْبٍ مُؤْمِنٍ، أَنْ يَتَعَاوَنَ أفْرَادُهُ فِي إِقَامَةِ بِنَائِهِ، بِحَيْثُ يَكُونُ الْغَرَضُ تَشْيِيدَ هَذَا الْبِنَاءِ وَتَمَاسَكَهُ وَتَرَاصَّهُ، بِحَيْثُ يُكَمِّلُ بَعْضُهُ بَعْضًا، وَيُقَوِّمُ بَعْضُهُ بَعْضًا، فَلَا إِيمَانَ كَامِلَ مَعَ التَّفَرُّقِ، وَلَا بِنَاءَ مُحْكَمٌ مَعَ التَّفَكُّكِ.

أَرَأَيْتُمْ لَوْ أُخِذَ مِنَ الْبِنَاءِ لَبِنَةٌ؛ أَلَا يَنْقُصُ هَذَا الْبِنَاء؟! فَكَيْفَ إِذَا كَانَتِ اللَّبِنَاتُ مُتَنَاثِرَةً مُتَنَافِرَةً، بَلْ كُلُّ وَاحِدَةٍ تَهْدِمُ الْأُخْرَى وَتُزَلْزِلُهَا؟!!

فَيَا أَيُّهَا النَّاسُ! اجْتَمِعُوا عَلَى الْحَقِّ، وَتَعَاوَنُوا عَلَيْهِ.

قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ الْمُؤْمِنَ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا» .

وَقَالَ ﷺ: ((مَثَلُ الْمُؤْمِنينَ في تَوَادِّهِمْ وتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ، مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ والْحُمَّى)) .

وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((مَثَلُ الْمُؤْمِنينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ، مَثَلُ الْجَسَدِ)).

إِذَنْ، الْمُؤْمِنُونَ جَمِيعًا جَسَدٌ وَاحِدٌ.

فَالْمُؤْمِنُونَ يَتَعَاضَدُونَ، يَتَنَاصَرُونَ، يَتَحَابُّونَ، يَتَوَادُّونَ، إِذَا اشْتَكَى عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى.

 

فَالْجَسَدُ الْوَاحِدُ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ، وَلَوْ مِنْ أَصْغَرِ الْأَعْضَاءِ؛ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ؛ فَإِذَا أَوْجَعَكَ أُصْبُعُكَ الْخِنْصَرُ الَّذِي هُوَ مِنْ أَصْغَرِ الْأَعْضَاءِ؛ فَإِنَّ الْجَسَدَ كُلَّهُ يَتَأَلَّمُ، إِذَا أَوْجَعَتْكَ الْأُذُنُ؛ تَأَلَّمَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا أَوْجَعَتْكَ الْعَيْنُ؛ تَأَلَّمَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَغَيْرُ ذَلِكَ.

فَهَذَا الْمَثَلُ الَّذِي ضَرَبَهُ النَّبِيُّ ﷺ مَثَلٌ مُصَوِّرٌ لِلْمَعْنَى، وَمُقَرِّبٌ لَهُ غَايَةَ التَّقْرِيبِ.

عِبَادَ اللهِ! إِنَّ الْإِنْسَانَ مَدَنِيٌّ بِالطَّبْعِ؛ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَحْيَا وَحْدَهُ، الْإِنْسَانُ مَخْلُوقٌ بِفِطْرَةٍ مَغْرُوزَةٍ فِيهِ، هِيَ أَنَّهُ: لَا يُمْكِنُ أَنْ يَحْيَا وَحْدَهُ، لَا أَنْ يَسْتَغْنِيَ عَنْ إِخْوَانِهِ مِنْ بَنِي الْبَشَرِ.

فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ الشَّرْعَ الْأَغَرَّ قَدْ حَدَّدَ الْعَلَاقَاتِ بَيْنَ الْإِنْسَانِ وَأَخِيهِ، وَحَدَّدَ الْعَلَاقَةَ بَيْنَ الْإِنْسَانِ وَمُجْتَمَعِهِ، فَإِذَا لَمْ يَعْرِفِ الْإِنْسَانُ دِينَ رَبِّهِ؛ فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُؤَدِّيَ حَقَّهُ عَلَيْهِ، وَلا يُمْكِنُ أَنْ يَعْرِفَ وَاجِبَهُ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ جَاهِلًا مُتَخَبِّطًا.

وَالنَّبِيُّ ﷺ رَاعَى حُقُوقَ الْمُجْتَمَعِ الْمُسْلِمِ كَمَا عَلَّمَهُ اللهُ تَعَالَى.

*وَمِنْ أَهَمِّ الْحُقُوقِ الَّتِي وَصَّى بِهِ اللهُ وَرَسُولُهُ ﷺ الْمُجْتَمَعَ الْمُسْلِمَ حُقُوقُ الْيَتَامَى: فَقَدْ قَالَ رَبُّنَا -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: {وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيم} [النساء: 127].

إِنَّ اللهَ -جَلَّ وَعَلَا- يُبَيِّنُ لَكُمْ فِي شَأْنِ الْيَتَامَى -ذُكُورًا كَانُوا أَوْ إِنَاثًا- أَنْ تَقُومُوا لِأَجْلِهِمْ وَمَصْلَحَتِهِمْ بِالْعَدْلِ فِي مِيرَاثِهِمْ، وَسَائِرِ أَمْوَالِهِمْ وَأَحْوَالِهِمْ، وَأَنْ تَتَعَاهَدُوهُمْ بِالْعَطْفِ وَالْمَحَبَّةِ، وَالْإِكْرَامِ وَالتَّرْبِيَةِ وَالتَّهْذِيبِ؛ لِأَنَّهُمْ قُوَّةٌ لِلْأُمَّةِ إِنْ صَلَحُوا.

أَمَّا إِذَا لَمْ تَقُومُوا لِمَصْلَحَتِهِمْ، وَتَعْتَنُوا بِحَالِهِمْ؛ فَإِنَّهُمْ يَنْشَئُونَ وَبَيْنَهُمْ وَبَيْنَ النَّاسِ عَدَاوَاتٌ مُسْتَمِرَّةٌ وَنُفُورٌ مُسْتَحْكِمٌ، يَدْفَعُهُمْ إِلَى أَنْ يَكُونُوا عَنَاصِرَ فَسَادٍ وَتَخْرِيبٍ فِي مُجْتَمَعِهِمْ؛ بِسَبَبِ حِرْمَانِهِمْ مِنَ الْمَوَدَّةِ وَالرَّحْمَةِ فِي طُفُولَتِهِمْ.

وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ لِأَنْفُسِكُمْ وَأُمَّتِكُمْ؛ فَإِنَّ اللهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا عِلْمًا دَقِيقًا، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْهُ شَيْءٌ، فَيُجَازِيكُمْ عَلَيْهِ.

وَجَعَلَ اللهُ فِي الْغَنَائِمِ حَقًّا لِلْيَتَامَى، قَالَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ} [الأنفال: 41].

وَاعْلَمُوا -أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ- أَنَّ الَّذِي ظَفِرْتُمْ بِهِ مِنْ أَمْوَالِ الْكُفَّارِ بِقَهْرٍ وَغَلَبَةٍ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ كَانَ مِنَ الْغَنِيمَةِ، قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا، فَقَدْ ثَبَتَ وَتَقَرَّرَ أَنَّ أَرْبَعَةَ أَخْمَاسِهِ لِلْمُقَاتِلِينَ الَّذِينَ حَضَرُوا الْمَعْرَكَةَ، وَأَحْرَزُوا أَمْوَالَ الْكُفَّارِ، وَأَنَّ الْخُمُسَ الْبَاقِيَ يُجَزَّأُ لِخَمْسَةِ أَصْنَافٍ:

الْأَوَّلُ: للهِ وَلِلرَّسُولِ، فَيُجْعَلُ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ.

وَالثَّانِي: لِأَقَارِبِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَهُمْ بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ.

وَالثَّالِثُ: لِأَطْفَالِ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ مَاتَ آبَاؤُهُمْ وَهُمْ فُقَرَاءُ.

وَالرَّابِعُ: لِلْمَسَاكِينِ الْمُتَعَرِّضِينَ لِلْعَطَاءِ، الَّذِينَ يَسْأَلُونَ الصَّدَقَةَ.

وَالْخَامِسُ: لِلْمُسَافِرِ سَفَرًا مُبَاحًا، وَلَيْسَ لَهُ مَا يَقْطَعُ بِهِ مَسَافَةَ سَفَرِهِ.

*وَهَذِهِ صُورَةٌ مِنْ صُوَرِ الْبِرِّ وَالرِّفْقِ الْمُجْتَمَعِيِّ بِالْيَتَامَى، وَثَمَرَاتُهَا؛ فَقَدْ قَالَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا} [النساء: 7].

وَإِذَا حَضَرَ قِسْمَةَ الْمِيرَاثِ الْقَرَابَةُ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ نَصِيبٌ مَفْرُوضٌ مِنَ الْمِيرَاثِ، أَوْ حَضَرَهَا مَنْ مَاتَ آبَاؤُهُمْ وَهُمْ صِغَارٌ، أَوْ مَنْ لَا مَالَ لَهُمْ، فَأَعْطُوهُمْ مِنَ الْمَالِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ؛ عَلَى سَبِيلِ التَّرْضِيَةِ، وَجَبْرِ الْخَاطِرِ.

وَلَا تَتَبَرَّمُوا وَتَتَضَايَقُوا إِذَا حَضَرَ مَنْ لَيْسَ لَهُ فِي الْمَالِ نَصِيبٌ مَفْرُوضٌ، وَلَا تُسِيئُوا إِلَيْهِمْ بِقَوْلٍ، أَوْ تَجْرَحُوا عِزَّتَهُمْ بِكَلِمَةٍ، وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا حَسَنًا، وَلَا تُتْبِعُوا الْعَطِيَّةَ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى.

وَفِي تَحْقِيقِ هَذِهِ الْوَصِيَّةِ تَرَابُطٌ اجْتِمَاعِيٌّ عَظِيمٌ، وَتَوْثِيقٌ لِوَشَائِجِ الْمَوَدَّةِ وَالْمَحَبَّةِ بَيْنَ أَعْضَاءِ الْأُسْرَةِ الْوَاحِدَةِ، وَتَعْمِيقٌ لِخُلُقِ الرَّحْمَةِ بِالضُّعَفَاءِ فِي نُفُوسِ الْمُسْلِمِينَ.

 ((رِعَايَةُ النَّبِيِّ ﷺ لِلْيَتِيمِ وَالْكَسِيرِ وَالضَّعِيفِ))

عِبَادَ اللهِ! إِنَّ أَفْضَلَ الْأَعْمَالِ سَلَامَةُ الصُّدُورِ، وَسَخَاوَةُ النَّفْسِ، وَالنَّصِيحَةُ لِلْأُمَّةِ، وَبِهَذِهِ الْخِصَالِ بَلَغَ الذُّرَى مَنْ بَلَغَ.

سَلَامَةُ الصَّدْرِ، سَخَاوَةُ النَّفْسِ، النَّصِيحَةُ لِلْأُمَّةِ، وَبَذْلُ النَّفْسِ لِلْمُسْلِمِينَ، كَمَا كَانَ نَبِيُّنَا الْأَمِينُ ﷺ فِي حَاجَةِ الْمَرْأَةِ الْمِسْكِينَةِ وَالضَّعِيفِ.

كَانَ فِي حَاجَةِ الْكَسِيرِ.. كَانَ فِي حَاجَةِ الْحَسِيرِ.. كَانَ فِي حَاجَةِ الْفُقَرَاءِ وَالْمُعْوزِينَ.. كَانَ فِي حَاجَةِ الثَّكَالَى وَالْأَرَامَلِ وَالْمَسَاكِينِ، يَبْذُلُ نَفْسَهُ، وَتَأْخُذُ الْجَارِيَةُ بِكُمِّهِ بِيَدِهِ، تَسِيرُ مَعَهُ فِي أَيِّ طَرِيقٍ مِنْ طُرُقِ الْمَدِينَةِ شَاءَتْ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهَا ﷺ .

كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْضِي حَاجَاتِ الْخَلْقِ، وَذَلِكَ حِينَ حَطَمَهُ النَّاسُ .

وَالنَّبِيُّ ﷺ فِي رَحْمَتِهِ يَمْسَحُ عَلَى رَأْسِ الْيَتِيمِ.

عِبَادَ اللهِ! لَقَدْ أَدْرَكْتُ عَهْدًا كَانَ الْمُسْلِمُونَ فِيهِ يَحُثُّونَ أَهَالِيَهُمْ عَلَى خِدْمَةِ الْيَتِيمِ، وَالْمِسْكِينِ وَالْجَارِ، وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ وُجِدَ بَعْدَ ذَلِكَ زَمَانٌ ضَعُفَ فِيهِ الْوَازِعُ الدِّينِيُّ، وَكَثُرَ فِيهِ الْمَالُ مَعَ الشُّحِّ الْمُطَاعِ، وَفَسَدَتْ فِيهِ الْأَخْلَاقُ، وَقَلَّ فِيهِ أَهْلُ الْحَمِيَّةِ وَالدِّينِ.

عَبْدَ اللهِ! كُنْ لِلْيَتِيمِ كَالْأَبِ الرَّحِيمِ، وَاعْلَمْ أَنَّكَ كَمَا تَزْرَعُ كَذَلِكَ تَحْصُدُ..

وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ أَجمَعِينَ.

 

المصدر:رِعَايَةُ الْأَيْتَامِ وَاجِبٌ دِينِيٌّ وَمُجْتَمَعِيٌّ

التعليقات


خطب مفرغة قد تعجبك


  دَوْرُ الشَّبَابِ فِي بِنَاءِ الْأُمَّةِ الْمِصْرِيَّةِ وَالْإِسْلَامِيَّةِ
  ماذا لو حكم الإخوان مصر؟
  رد الاعتداء على السنة النبوية
  الْهِجْرَةُ غَيْرُ الشَّرْعِيَّةِ وَالْحِفَاظُ عَلَى الْأَنْفُسِ
  أَكْلُ السُّحْتِ وَسُوءُ عَاقِبَتِهِ فِي ​الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ
  لو صدق لكان خيرًا له
  الْحِفَاظُ عَلَى الْمَالِ وَحَتْمِيَّةُ مُوَاجَهَةِ الْفَسَادِ
  جماعات التكفير والحكم بغير ما أنزل الله
  دُرُوسٌ مِنْ حَيَاةِ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ وَدَوْرُهُ التَّجْدِيدِيُّ فِي عَصْرِهِ
  الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ وَأَثَرُهُ فِي زِيَادَةِ الْإِيمَانِ وَتَرْسِيخِ الْقِيَمِ الْأَخْلَاقِيَّةِ
  • شارك

نبذة عن الموقع

موقع تفريغات العلامة رسلان ، موقع يحتوي على العشرات من الخطب والمحاضرات والمقاطع المفرغة لفضيلة الشيخ العلامة أبي عبدالله محمد بن سعيد رسلان-حفظه الله- . كما يعلن القائمون على صفحة وموقع تفريغات العلامة رسلان -حفظه الله- أن التفريغات للخطب ليست هي الشكل النهائي عند الطباعة، ولكن نحن نفرغ خطب الشيخ حفظه الله ونجتهد في نشرها ليستفيد منها طلاب العلم والدعاة على منهاج النبوة في كل أنحاء الدنيا، ونؤكد على أنَّ الخطب غير مُخرَّجة بشكل كامل كما يحدث في خطب الشيخ العلامة رسلان المطبوعة وليست الكتب المنشورة على الصفحة والموقع هي النسخة النهائية لكتب الشيخ التي تُطبع...وهذه الكتب ما هي إلا تفريغ لخطب الشيخ، غير أنَّ كتب الشيخ التي تُطبع تُراجع من الشيخ -حفظه الله- وتُخرج. والتفريغ عملٌ بشريٌ، ونحن نجتهد في مراجعة التفريغات مراجعة جيدة، فإذا وقع خطأ أو شكل الخطب كما نخرجها -إنما نُحاسب نحن عليها والخطأ يُنسب لنا وليس للشيخ -حفظه الله-.

الحقوق محفوظة لكل مسلم موقع تفريغات العلامة رسلان