تفريغ مقطع : شَهْرُ رَجَبٍ لَا تَظْلِمْ فِيهِ نَفْسَكَ!

((شَهْرُ رَجَبٍ لَا تَظْلِمْ فِيهِ نَفْسَكَ!))

الثُّلَاثَاءُ 2 مِنْ رَجَب 1439هـ| 20-3-2018م.

إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّه نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ.

وَأَشْهَدُ أَلَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ.

أَمَّا بَعْدُ:

فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.

أَمَّا بَعْدُ:


((رَجَبٌ الْفَرْدُ الْأَصَمُّ))

فَشَهْرُ رَجَبٍ يُقَالُ لَهُ (رَجَبٌ الْفَرْدُ)، وَيُقَالُ لَهُ (الْأَصَبُّ)، وَيُقَالُ لَهُ (الْأَصَمُّ)؛ فَأَمَّا الْفَرْدُ؛ فَلِأَنَّ الْأَشْهُرَ الْحُرُمَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ، مِنْهَا ثَلَاثَةٌ سَرْدٌ وَوَاحِدٌ فَرْدٌ، فَأَمَّا الثَّلَاثَةُ فَهِيَ: (ذُو الْقِعْدَةِ، وَذُو الْحِجَّةِ، وَشَهْرُ اللهِ الْحَرَامُ الَّذِي تَدْعُونَهُ الْمُحَرَّمَ)، وَأَمَّا الْفَرْدُ فَهُوَ شَهْرُ رَجَبٍ.

وَأَمَّا (الْأَصَبُّ) وَ(الْأَصَمُّ)؛ لِأَنَّهُ كَانَ لَا يُسْمَعُ فِي رَجَبٍ صَوْتُ صَلِيلِ السِّلَاحِ، وَلَا صَوْتُ الْقَعْقَعَةِ بِالشِّنَانِ؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا يُعَظِّمُونَ الْأَشْهُرَ الْحُرُمَ، وَيَضَعُونَ فِيهَا الْحُرُوبَ، وَيَضَعُونَ فِيهَا الْعَدَاوَاتِ؛ حَتَّى كَانَ الرَّجُلُ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ يَلْقَى قَاتِلَ أَبِيهِ وَأَخِيهِ فَلَا يَهِيجُهُ، وَلَا يَمُدُّ لَهُ يَدَهُ بِأَذًى، فَلَمَّا انْقَطَعَ صَوْتُ الْأَسْلِحَةِ فِي الْمَعَارِكِ فِي هَذَا الشَّهْرِ؛ قِيلَ لَهُ (الْأَصَمُّ) الَّذِي لَا يُسْمَعُ فِيهِ صَوْتُ سِلَاحٍ.


((لَا تَظْلِمُوا فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ أَنْفُسَكُمْ!))

الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ أَمَرَنَا اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- فِيهَا بِأَلَّا نَظْلِمَ أَنْفُسَنَا؛ {فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ} يَعْنِي: بِارْتِكَابِ الْمَعَاصِي، وَأَكْبَرُ الْمَعَاصِي: الشِّرْكُ بِاللهِ -جَلَّ وَعَلَا-، وَهَذَا مَفْهُومُهُ؛ أَنَّنَا يَنْبَغِي لَنَا حَتَّى لَا نَظْلِمَ أَنْفُسَنَا فِي هَذِهِ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ أَنْ نَجْتَهِدَ فِي الْتِزَامِ طَاعَةِ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا-، وَالْأَخْذِ بِسُنَّةِ نَبِيِّنَا ﷺ، وَأَنْ نُعَظِّمَ حُرُمَاتِ اللهِ؛ لِأَنَّ الْأَشْهُرَ الْحُرُمَ حَرَّمَهَا اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، وَجَعَلَ الْإِسْلَامُ لَهَا حُرْمَةً يَنْبَغِي أَنْ تُرَاعَى.


((عَدَمُ ثُبُوتِ تَخْصِيصِ رَجَبٍ بِصِيَامٍ))

لَمْ يَثْبُتْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالصِّيَامِ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ حَدِيثٌ، وَإِنَّمَا وَرَدَ حَدِيثٌ فِيهِ ضَعْفٌ، وَهُوَ أَنَّهُ يَصُومُ مِنَ الْحُرُمِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِثَابِتٍ، وَعَلَيْهِ؛ فَالْمُعَوَّلُ -حِينَئِذٍ- أَنَّ الْإِنْسَانَ يَصُومُ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ كَعَادَتِهِ فِي الصِّيَامِ فِي غَيْرِ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ، عَلَى حَسَبِ مَا كَانَتْ عَلَيْهِ عَادَتُهُ فِي الصِّيَامِ؛ لِأَنَّ هُنَاكَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ الصَّالِحِينَ مَنْ يَجْتَهِدُ فِي عِبَادَةِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- بِالصِّيَامِ تَطَوُّعًا للهِ -جَلَّ وَعَلَا-، فَيَصُومُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ مِنْ أَوَّلِهِ، وَكَذَلِكَ يَصُومُ الْأَيَّامَ الْبِيضَ، وَهِيَ: (الثَّالِثَ عَشَرَ، وَالرَّابِعَ عَشَرَ، وَالْخَامِسَ عَشَرَ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ هِجْرِيٍّ)، وَيَصُومُ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسَ، وَيَصُومُ -أَيْضًا- يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا، وَهُوَ أَفْضَلُ الصِّيَامِ وَأَعْدَلُهُ، وَهُوَ صِيَامُ دَاوُدَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ الْهُمَامُ ﷺ: ((أَفْضَلُ الصِّيَامِ صِيَامُ دَاوُدَ، كَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا)).

فَالْإِنْسَانُ إِذَا كَانَتْ لَهُ عَادَةٌ فِي الصِّيَامِ؛ فَلْتَكُنْ مُسْتَمِرَّةً فِي هَذِهِ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ عَلَى عَادَتِهِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مَنْ يَلْتَزِمُ إِذَا دَخَلَ شَهْرُ رَجَبٍ أَنْ يَصُومَ رَجَبَ وَشَعْبَانَ وَرَمَضَانَ، وَالَّذِي ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي صِيَامِ التَّطَوُّعِ فِي هَذِهِ الْأَشْهُرِ هُوَ مَا يَتَعَلَّقُ بِشَهْرِ شَعْبَانَ؛ فَصِيَامُ رَمَضَانَ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، وَأَمَّا النَّفْلُ؛ ((فَالنَّبِيُّ ﷺ مَا كَانَ يَصُومُ فِي شَهْرٍ مَا كَانَ يَصُومُ فِي شَهْرِ شَعْبَانَ، فَكَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ إِلَّا قَلِيلًا)).

وَالْعُلَمَاءُ قَالُوا: إِنَّ ذَلِكَ رَاجِعٌ إِلَى قَوْلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي بَيَانِ وَجْهِ الْحِكْمَةِ مِنَ الْإِكْثَارِ مِنَ الصِّيَامِ فِي شَهْرِ شَعْبَانَ؛ فَعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! لَمْ أَرَكَ تَصُومُ شَهْرًا مِنَ الشُّهُورِ مَا تَصُومُ مِنْ شَعْبَانَ، قَالَ: «ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ، وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الْأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ».

((فَضَائِلُ الْعِبَادَةِ فِي أَوْقَاتِ الْغَفْلَةِ))

كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَحَرَّى أَوْقَاتَ الْغَفْلَةِ؛ لِأَنَّ الْعِبَادَةَ للهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- فِي وَقْتِ غَفْلَةِ النَّاسِ لَهَا أَجْرٌ عَظِيمٌ جِدًّا، عِنْدَمَا تَكْثُرُ الْفِتَنُ، وَيَسْتَشْرِي الْقَتْلُ بَيْنَ النَّاسِ، وَتُنْتَهَكُ الْحُرُمَاتُ، وَتُسَالُ الدِّمَاءُ؛ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا مَا الْتَزَمَ بِدِينِ رَبِّهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، وَأَخَذَ بِعِبَادَتِهِ؛ فَإِنَّهُ يَكُونُ آتِيًا بِأَمْرٍ كَبِيرٍ جِدًّا، كَأَنَّهُ يُهَاجِرُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ؛ فَفِي الْحَدِيثِ الَّذِي أَخْرَجَهُ الْإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي ((صَحِيحِهِ))، قَالَ: ((عِبَادَةٌ فِي الْهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ)).

قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! وَمَا الْهَرْجُ؟

قَالَ: ((الْقَتْلُ)).

لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَخْبَرَ أَنَّنَا كُلَّمَا ابْتَعَدْنَا عَنْ عَصْرِ النُّبُوَّةِ، وَاقْتَرَبْنَا مِنَ السَّاعَةِ؛ زَادَ الشَّرُّ، وَقَلَّ الْخَيْرُ، كَمَا أَنَّنَا كُلَّمَا كُنَّا أَدْنَى وَأَقْرَبَ إِلَى عَهْدِ النُّبُوَّةِ؛ كَانَ الْخَيْرُ كَثِيرًا، وَكَانَ الشَّرُّ قَلِيلًا، وَالْفِتَنُ تَزِيدُ مَعَ قُرْبِ النَّاسِ مِنَ السَّاعَةِ، وَمَعَ تَقَدُّمِ الْأَيَّامِ وَبُعْدِهَا عَنْ عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وَعَصْرِ النُّبُوَّةِ تَزِيدُ الْفِتَنُ؛ حَتَّى قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَا يَدْرِي الْقَاتِلُ فِي أَيِّ شَيْءٍ قَتَلَ، وَلَا يَدْرِي الْمَقْتُولُ عَلَى أَيِّ شَيْءٍ قُتِلَ!!».

سَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ تَنْطَلِقُ أَيْدِيهِمْ فِي دِمَاءِ بَعْضِهِمْ؛ فَلَا يَدْرِي الْقَاتِلُ لِمَاذَا قَتَلَ، وَلَا يَدْرِي الْمَقْتُولُ لِمَاذَا قُتِلَ!!

فَالنَّبِيُّ ﷺ قَالَ: ((عِبَادَةٌ فِي الْهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ)).

قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ! وَمَا الْهَرْجُ؟

قَالَ: ((الْقَتْلُ)).

وَمَفْهُومُ هَذَا -بَلْ وَلَازِمُهُ أَيْضًا-: أَنَّ الِاضْطِرَابَ يَكُونُ عَامًّا، وَأَنَّهُ يَقَعُ لَوْنٌ مِنْ أَلْوَانِ الْفَوْضَى؛ لِأَنَّهُ لَنْ يَكُونَ الْقَتْلُ عَلَى هَذَا النَّحْوِ وَهَذِهِ الصُّورَةِ إِلَّا إِذَا وَقَعَتِ اضْطِرَابَاتٌ بَيْنَ النَّاسِ، وَوَقَعَ تَفَكُّكٌ فِي الْمُجْتَمَعَاتِ، فَيَعْتَدِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، لَا يُرَاعُونَ حُرْمَةً لِدَمٍ وَلَا لِنَفْسٍ، بَلْ تَنْطَلِقُ أَيْدِيهِمْ فِي دِمَاءِ بَعْضِهِمْ، وَيَكْثُرُ الْقَتْلُ.

فَـ((عِبَادَةٌ فِي الْهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ))؛ كَهِجْرَةٍ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعِبَادَةَ فِي وَقْتِ الْغَفْلَةِ لَهَا أَجْرٌ كَبِيرٌ جِدًّا.

وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ -أَيْضًا-: أَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا مَا كَانَتْ لَهُ عِبَادَةٌ بِاللَّيْلِ.. فِي السَّحَرِ الْأَعْلَى مِنَ اللَّيْلِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ يَكُونُ شَدِيدَ الْقُرْبِ مِنَ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-؛ لِأَنَّ السَّحَرَ الْأَعْلَى هَذَا هُوَ وَقْتُ النُّزُولِ الْإِلَهِيِّ: ((يَنْزِلُ رَبُّنَا -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا فِي الثُّلُثِ الْأَخِيرِ مِنَ اللَّيْلِ، فَيُنَادِي: أَلَا هَلْ مِنْ تَائِبٍ فَأَتُوبَ عَلَيْهِ؟ أَلَا هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ فَأَغْفِرَ لَهُ؟ أَلَا هَلْ مِنْ سَائِلِ حَاجَةٍ فَأُعْطِيَهُ؟)).

فَالنَّبِيُّ ﷺ أَخْبَرَنَا أَنَّ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- يَنْزِلُ نُزُولًا حَقِيقِيًّا إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا فِي الثُّلُثِ الْأَخِيرِ مِنْ كُلِّ لَيْلَةٍ؛ فَالْعِبَادَةُ فِي هَذَا الْوَقْتِ لَهَا شَأْنٌ عَظِيمٌ جِدًّا عِنْدَ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، وَعِبَادُ اللهِ الْمُتَّقُونَ هُمُ الَّذِينَ بِالْأَسْحَارِ يَسْتَغْفِرُونَ، وَيَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- وَيَتَعَبَّدُونَ، وَيَذْكُرُونَ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ، هَذَا وَقْتُ غَفْلَةٍ بِالنِّسْبَةِ لِكَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ؛ بَلْ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَلَّنَا عَلَى ذَلِكَ؛ حَتَّى فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْفَرْضِ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَخْبَرَنَا ((أَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا صَلَّى الْعِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ؛ كُتِبَ لَهُ قِيَامُ نِصْفِ اللَّيْلِ، فَإِذَا صَلَّى الْفَجْرَ فِي جَمَاعَةٍ؛ كُتِبَ لَهُ قِيَامُ اللَّيْلِ))، هَذَانِ الْوَقْتَانِ هُمَا أَشَدُّ الْأَوْقَاتِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ.

يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ: ((لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي الْعِشَاءِ -أَيْ: فِي الْعَتَمَةِ-، وَمَا فِي الصُّبْحِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أَنْ يَأْتُوا إِلَيْهِمَا حَبْوًا؛ لَأَتَوْا إِلَيْهِمَا -يَعْنِي: حَبْوًا-))؛ مِنْ شِدَّةِ الْفَضْلِ لِهَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ بِشُهُودِهِمَا فِي الْجَمَاعَةِ فِي مَسَاجِدِ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا-.

فَهَذَانِ وَقْتَا غَفْلَةٍ -أَيْضًا-؛ لِأَنَّ النَّاسَ فِي الزَّمَانِ الْأَوَّلِ وَقَبْلَ كَثْرَةِ وَسَائِلِ اللَّهْوِ وَاللَّعِبِ الَّتِي هِيَ غَالِبَةٌ فِي هَذَا الْعَصْرِ.. كَانَ النَّاسُ رُبَّمَا نَامُوا قَبْلَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ، كَانُوا يَعْمَلُونَ بِجِدٍّ وَكَدٍّ، وَكَانُوا يَبْذُلُونَ الْمَجْهُودَ وَيَتْعَبُونَ، وَيَعُودُونَ إِلَى بُيُوتِهِمْ مَعَ الْمَغْرِبِ، فَرُبَّمَا أَكَلُوا شَيْئًا ثُمَّ نَامُوا، فَرُبَّمَا فَاتَتْهُمْ صَلَاةُ الْعِشَاءِ، فَهَذَا وَقْتُ غَفْلَةٍ، وَرُبَّمَا أَخَّرُوا الْعِشَاءَ، ثُمَّ تَكَاسَلُوا عَنْهَا أَوْ نَامُوا؛ فَتَضِيعُ عَلَيْهِمْ فِي وَقْتِهَا.

وَكَذَلِكَ الصُّبْحُ.. يَكُونُ الْإِنْسَانُ نَائِمًا وَيَتَلَذَّذُ بِنَوْمِهِ، وَرُبَّمَا كَانَ فِي حَالِ بَرْدٍ أَوْ فِي حَالِ تَعَبٍ؛ فَإِنَّهُ -حِينَئِذٍ- لَا يَقُومُ خَفِيفًا إِلَى صَلَاةِ الصُّبْحِ، وَرُبَّمَا لَمْ يَقُمْ، فَهَذَانِ -أَيْضًا- مِنْ أَوْقَاتِ الْغَفْلَةِ، فَدَلَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى فَضْلِ الْعِبَادَةِ فِي هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ، وَأَنَّ ((مَنْ شَهِدَ الصُّبْحَ فِي جَمَاعَةٍ، وَكَذَلِكَ مَنْ شَهِدَ الْعِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ؛ كَأَنَّمَا قَامَ اللَّيْلَ كُلَّهُ)) عَابِدًا للهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، مُصَلِّيًا وَذَاكِرًا.

الْمُهِمُّ أَنَّ ((النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ إِلَّا قَلِيلًا))، هَذَا هُوَ الثَّابِتُ بِالنِّسْبَةِ لِلشُّهُورِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِصِيَامِ النَّفْلِ، رَمَضَانُ صَوْمُهُ فَرْضٌ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ عَلَى حَسَبِ الشُّرُوطِ إِذَا تَوَفَّرَتْ، وَأَمَّا مَا دُونَ رَمَضَانَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالنَّفْلِ مِنَ الصِّيَامِ؛ فَإِنَّ ((النَّبِيَّ ﷺ مَا كَانَ يَصُومُ مِنْ شَهْرٍ مَا يَصُومُ مِنْ شَعْبَانَ، كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ))، وَفِي رِوَايَةٍ: ((كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ إِلَّا قَلِيلًا))؛ لِيَفْصِلَ بَيْنَ النَّفْلِ وَالْفَرْضِ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ مِنْ هَذَا الشَّرْعِ الْأَغَرِّ وَمِنْ سُنَّةِ النَّبِيِّ ﷺ.

فَهَذِهِ هِيَ الْحِكْمَةُ، قَالَ: ((هَذَا شَهْرٌ يَغْفُلُ عَنْهُ النَّاسُ))؛ لِأَنَّهُ بَيْنَ رَجَبٍ -وَهُوَ مِنَ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ، وَالنَّاسُ لَا يَظْلِمُونَ فِيهِ أَنْفُسَهُمْ، وَيَتَوَقَّوْنَ الْمَحَارِمَ- وَبَيْنَ رَمَضَانَ الَّذِي فَرْضُ صِيَامِهِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ وَمُسْلِمَةٍ؛ فَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُكْثِرُ مِنَ الصِّيَامِ فِيهِ.

قَالَ الْعُلَمَاءُ: يُمْكِنُ -أَيْضًا- أَنْ نَأْخُذَ حِكْمَةً -وَإِنْ لَمْ يُعْلِنْهَا النَّبِيُّ ﷺ-؛ وَذَلِكَ أَنَّ شَهْرَ شَعْبَانَ يَكُونُ كَالْمُقَدِّمَةِ بَيْنَ يَدَيْ رَمَضَانَ، فَإِذَا أَكْثَرَ الْمُسْلِمُ فِيهِ مِنَ الصِّيَامِ الَّذِي هُوَ غَيْرُ مَفْرُوضٍ عَلَيْهِ؛ فَإِنَّهُ بِذَلِكَ يَكُونُ مُتَهَيِّئًا وَمُسْتَعِدًّا لِأَنْ يَصُومَ شَهْرَ رَمَضَانَ الَّذِي فَرَضَ اللهُ -تَعَالَى- صِيَامَهُ عَلَيْهِ.

((كَيْفَ يَظْلِمُ الْعَبْدُ نَفْسَهُ؟!!))

عِنْدَنَا شَهْرُ رَجَبٍ، وَهُوَ مِنَ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ الَّتِي نَهَانَا اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- عَنْ أَنْ نَظْلِمَ فِيهِنَّ أَنْفُسَنَا، وَظُلْمُ الْعَبْدِ لِنَفْسِهِ يَتَعَلَّقُ أَوَّلَ مَا يَتَعَلَّقُ بِرَبِّهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، ثُمَّ بِخَلْقِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، يَظْلِمُ الْعَبْدُ نَفْسَهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ بِالتَّقْصِيرِ فِي طَاعَةِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-.

أَكْبَرُ الطَّاعَاتِ وَأَعْظَمُهَا: تَوْحِيدُ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، كَمَا أَنَّ أَعْظَمَ الذُّنُوبِ وَأَكْبَرَهَا: هُوَ الشِّرْكُ بِاللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَيَظْلِمُ الْإِنْسَانُ نَفْسَهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ بِتَضْيِيعِ حُدُودِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، وَبِالتَّعَدِّي عَلَى مَا حَدَّهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ مِنَ الْحُدُودِ الْقَائِمَةِ فِي دِينِهِ وَشَرِيعَتِهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، فَإِذَا مَا تَعَدَّى الْإِنْسَانُ حَدَّهُ، وَتَجَاوَزَ قَدْرَهُ، وَقَصَّرَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ، وَأَهْمَلَ بَعْضَ مَا فَرَضَهُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- عَلَيْهِ، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ الْمَنْهِيَّاتِ الَّتِي نَهَاهُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- عَنْهَا؛ فَإِنَّهُ يَكُونُ بِذَلِكَ قَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ -جَلَّ وَعَلَا-.

هُنَاكَ أَمْرٌ آخَرُ: وَهُوَ أَنْ يَظْلِمَ الْعَبْدُ نَفْسَهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَلْقِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَهَذَا مِنَ الْأُمُورِ الْكَبِيرَةِ الَّتِي لَا يُسَامِحُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ فِيهَا أَبَدًا، كَمَا قَالَ الْعُلَمَاءُ:

الدَّوَاوِينُ عِنْدَ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- ثَلَاثَةٌ:

* فَدِيوَانٌ لَا يَعْبَأُ اللهُ بِهِ شَيْئًا، وَهُوَ ظُلْمُ الْعَبْدِ نَفْسَهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-؛ مِنَ التَّقْصِيرِ فِي الْعِبَادَةِ، وَالْوُقُوعِ فِي بَعْضِ مَا حَرَّمَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- عَلَيْهِ، فَاللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ يَغْفِرُهُ لِعَبْدِهِ إِنْ شَاءَ.

فَدِيوَانٌ لَا يَعْبَأُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- بِهِ شَيْئًا.

* وَدِيوَانٌ لَا يَغْفِرُ اللهُ -تَعَالَى- مِنْهُ شَيْئًا، وَهُوَ الشِّرْكُ بِاللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ؛ فَاللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ.

* وَدِيوَانٌ لَا يَتْرُكُ اللهُ -تَعَالَى- مِنْهُ شَيْئًا، وَهُوَ ظُلْمُ الْعَبْدِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعِبَادِ؛ أَنْ يَتَجَاوَزَ حُدُودَهُ، أَنْ تَكُونَ لِأَخِيهِ عِنْدَهُ مَظْلِمَةٌ، فَهَذِهِ لَا يُسَامِحُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- فِي شَيْءٍ مِنْهَا؛ حَتَّى إِنَّ اللهَ -جَلَّ وَعَلَا- يَبْعَثُ الْحَيَوَانَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ أَجْلِ أَنْ يَقْتَصَّ لِلْمَظْلُومِ مِنْ ظَالِمِهِ مِنَ الْحَيَوَانَاتِ!! كَمَا أَخْبَرَ الرَّسُولُ ﷺ: ((أَنَّ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- يَبْعَثُ الشَّاةَ الْقَرْنَاءَ الَّتِي لَهَا قَرْنَانِ، وَالشَّاةَ الْجَلْحَاءَ الَّتِي لَا قُرُونَ لَهَا)).. تَكُونُ الْقَرْنَاءُ قَدْ نَطَحَتْ بِقَرْنَيْهَا الْجَلْحَاءَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَهِيَ لَمْ تَقْتَصَّ مِنْهَا، وَلَمْ تَأْخُذْ حَقَّهَا مِنْهَا، وَهِيَ مِنَ الْحَيَوَانَاتِ!! مِنَ الْعَجْمَاوَاتِ!! وَلَكِنَّ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- يَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا، لَا ظُلْمَ يَوْمَئِذٍ.

لَا بُدَّ مِنْ إِحْقَاقِ الْحَقِّ وَإِقَامَةِ الْعَدْلِ عَلَى وَجْهِهِ، حَقٌّ مُطْلَقٌ وعَدْلٌ مُطْلَقٌ، لَا مُهَاوَدَةَ فِيهِ لِأَحَدٍ، وَلَا مُحَابَاةَ فِيهِ لِأَحَدٍ، لَا بُدَّ فِيهِ مِنَ الْقِصَاصِ، وَمِنْ إِعْطَاءِ كُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ؛ وَلَوْ كَانَ مِنْ هَذِهِ الْبَهَائِمِ.

فَيَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ: ((فَيُنْشِئُ اللهُ -تَعَالَى- لِلْجَلْحَاءِ الَّتِي لَمْ تَكُنْ بِذَاتِ قَرْنَيْنِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا.. يُنْشِئُ لَهَا قَرْنَيْنِ؛ مِنْ أَجْلِ أَنْ تَنْطَحَ بِهَذَيْنِ الْقَرْنَيْنِ الْقَرْنَاءَ الَّتِي نَطَحَتْهَا كَمَا نَطَحَتْهَا فِي الدُّنْيَا، ثُمَّ يَقُولُ لِهَذِهِ الْحَيَوَانَاتِ: كُونِي تُرَابًا)).

فَلَا بُدَّ مِنْ إِقَامَةِ الْعَدْلِ وَالْحَقِّ، فَإِذَا كَانَ هَذَا بَيْنَ الْحَيَوَانَاتِ؛ فَكَيْفَ بَيْنَ الْبَشَرِ؟!! كَيْفَ بَيْنَ الْإِنْسَانِ الَّذِي كَرَّمَهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟!!

لَا هَوَادَةَ فِي ذَلِكَ وَلَا رَحْمَةَ فِيهِ، وَدِيوَانٌ لَا يَتْرُكُ اللهُ مِنْهُ شَيْئًا؛ وَلَوْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ، لَا بُدَّ مِنْ إِعْطَاءِ كُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، وَالْمَرْءُ فِي فُسْحَةٍ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ؛ مِنْ أَجْلِ أَنْ يُؤَدِّيَ الْحُقُوقَ إِلَى أَصْحَابِهَا، أَمَّا إِذَا ظَلَمَ؛ فَالظُّلْمُ حَرَّمَهُ اللهُ عَلَى نَفْسِهِ، فَشَيْءٌ حَرَّمَهُ اللهُ عَلَى نَفْسِهِ.. يَرْضَاهُ لِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ؟!!

يَقُولُ: ((يَا عِبَادِي! إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا؛ فَلَا تَظَالَمُوا)).

الظُّلْمُ مُحَرَّمٌ عَلَى النَّاسِ، حَرَّمَهُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- بِنَفْسِهِ عَلَى نَفْسِهِ، وَلَا يُمْكِنُ بِحَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ أَنْ يَتَصَوَّرَ عَاقِلٌ أَنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَى نَفْسِهِ شَيْئًا ثُمَّ يَقْبَلُهُ مِنْ خَلْقِهِ.

إِذَنْ؛ فَالْعَبْدُ فِي فُسْحَةٍ مِنْ أَمْرِهِ مَا دَامَ عِنْدَهُ نَفَسٌ يَتَرَدَّدُ، وَمَا دَامَتِ الرُّوحُ لَمْ تَبْلُغِ الْحُلْقُومَ؛ لِأَنَّ بَابَ التَّوْبَةِ مَفْتُوحٌ بِالنِّسْبَةِ لِكُلِّ أَحَدٍ حَتَّى تَبْلُغَ الرُّوحُ الْحُلْقُومَ، وَهُوَ مَفْتُوحٌ بِالنِّسْبَةِ لِلدُّنْيَا كُلِّهَا حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا، فَبِالنِّسْبِةِ لِكُلِّ إِنْسَانٍ مِنَّا بَابُ التَّوْبَةِ مَفْتُوحٌ؛ وَلَكِنْ عَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يُبَادِرَ وَأَنْ يُسَارِعَ؛ لِأَنَّ الْمَوْتَ يَأْتِي فَجْأَةً؛ فَالْإِنْسَانُ قَدْ يُبَاغَتُ بِالْمَوْتِ وَعَلَيْهِ حُقُوقٌ لِلْخَلْقِ، وَفِي الْآخِرَةِ لَا دِرْهَمَ وَلَا دِينَارَ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ الْمُخْتَارُ ﷺ؛ سَأَلَ أَصْحَابَهُ يَوْمًا فَقَالَ: ((أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ؟)).

قَالُوا: الْمُفْلِسُ مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا دِينَارَ.

هَذَا بِمِيزَانِ الدُّنْيَا، الْمُفْلِسُ: الَّذِي لَا يَمْلِكُ دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا.

قَالَ: ((الْمُفْلِسُ مَنْ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَعْمَالٍ كَثِيرَةٍ؛ بِصَلَاةٍ، وَزَكَاةٍ، وَصِيَامٍ، وَبَذْلٍ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ هَذِهِ الْخَيْرَاتِ، لَهُ حَسَنَاتٌ؛ وَلَكِنْ يَأْتِي وَقَدْ ضَرَبَ هَذَا، وَشَتَمَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَاعْتَدَى عَلَى هَذَا))، كَيْفَ يَكُونُ الْحِسَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟

لَا دِرْهَمَ وَلَا دِينَارَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ فَكَيْفَ يَكُونُ الْقَصَاصُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ، ((يَأْخُذُ هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، حَتَّى إِذَا فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ؛ أُخِذَ مِنْ ذُنُوبِهِمْ، ثُمَّ طُرِحَ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ)).

((لِمَاذَا تَظْلِمُ نَفْسَكَ؟!!))

لِمَاذَا تَظْلِمُ نَفْسَكَ؟!!

أَدِّ الْحُقُوقَ إِلَى أَصْحَابِهَا، وَمِنْ أَجْلِ أَنْ تُؤَدِّيَ الْحُقُوقَ إِلَى أَصْحَابِهَا لَا بُدَّ أَنْ تَعْرِفَ الْحُقُوقَ أَصْلًا؛ لِأَنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَا يَعْرِفُ الْحُقُوقَ، فَإِذَا قِيلَ لَهُ: أَدِّ الْحُقُوقَ إِلَى أَصْحَابِهَا؛ قَالَ: أَنَا أَدَّيْتُ الْحُقُوقَ إِلَى أَصْحَابِهَا، مَعَ أَنَّ لِلْخَلْقِ عِنْدَهُ حُقُوقًا كَأَمْثَالِ الْجِبَالِ؛ وَلَكِنَّهُ لَا يَدْرِي!!

إِذَا تَكَلَّمْتَ عَنْ أَخِيكَ بِكَلِمَةٍ؛ هَذَا حَقٌّ، وَهَذَا مِنْ حُقُوقِ الْعَبْدِ، وَاللهُ لَا يُسَامِحُ فِي حُقُوقِ الْعَبْدِ..

لَا بُدَّ مِنْ أَدَاءِ الْحُقُوقِ..

أَنْتَ إِذَا تَكَلَّمْتَ فِي أَخِيكَ بِكَلِمَةٍ لَا تُلْقِي لَهَا بَالًا؛ سَيَأْخُذُ حَقَّهُ مِنْكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.. مِنْ حَسَنَاتِكَ، وَأَنْتَ تَحْتَاجُ حَسَنَةً وَاحِدَةً، أَبُوكَ سَيَضِنُّ وَيَبْخَلُ بِهَذِهِ الْحَسَنَةِ عَلَيْكَ.. الَّتِي تُفَرِّطُ أَنْتَ فِيهَا هَاهُنَا!! الَّتِي تُعْطِيهَا لِهَذَا وَهَذَا!! وَتُعْطِيهَا لِمَنْ تَكْرَهُ؛ لِأَنَّكَ لَنْ تَقَعَ بِلِسَانِكَ فِيمَنْ تُحِبُّ، أَنْتَ لَنْ تَغْتَابَ وَلَنْ تَسُبَّ وَلَنْ تَشْتُمَ إِلَّا مَنْ تَكْرَهُ، وَهَذَا مِنْ أَشَدِّ الْحُمْقِ!! لَا يَفْعَلُ هَذَا إِلَّا مَنِ اسْتَمْكَنَ الْحُمْقُ مِنْ نَفْسِهِ وَعَقْلِهِ؛ لِأَنَّهُ يُهْدِي حَسَنَاتِهِ الَّتِي يَضِنُّ بِهَا عَلَى أَبِيهِ، وَيَضِنُّ بِهَا عَلَى أُمِّهِ، وَيَضِنُّ بِهَا عَلَى زَوْجَتِهِ، وَيَضِنُّ بِهَا عَلَى أَوْلَادِهِ، وَهُمْ كَذَلِكَ يَبْخَلُونَ بِهَذِهِ الْحَسَنَاتِ عَلَيْهِ.. يُعْطِي هَذِهِ الْحَسَنَاتِ لِمَنْ يَكْرَهُهُ!!

هَذَا عَقْلٌ؟!!

فَهَذِهِ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ تُشِيرُ بِهَا عَائِشَةُ، لَمْ تَنْطِقْ بِلِسَانِهَا، قَالَتْ: ((يَا رَسُولَ اللهِ! حَسْبُكَ مِنْ صَفِيَّةَ كَذَا وَكَذَا))؛ وَأَشَارَتْ بِيَدِهَا، تَعْنِي: أَنَّهَا قَصِيرَةٌ.

قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((لَقَدْ قُلْتِ كَلِمَةً لَوْ مُزِجَتْ بِمَاءِ الْبَحْرِ لَمَزَجَتْهُ!!)).

هَذِهِ الْكَلِمَةُ!! مَا تَبْلَغُ هَذِهِ الْكَلِمَةُ فِيمَا نَقُولُهُ نَحْنُ؟!!

النَّاسُ يَتَوَرَّطُونَ فِي الْكَلَامِ فِي الْأَعْرَاضِ، وَهِيَ مُسْتَوْجِبَةٌ لِلْحَدِّ فِي الدُّنْيَا، يَعْنِي: إِذَا تَكَلَّمَ الْإِنْسَانُ فِي عِرْضِ إِنْسَانٍ وَلَوْ بِالْكِنَايَةِ -كَمَا هُوَ مُفَصَّلٌ عِنْدَ أَهْلِ الْفِقْهِ- وَكَانَ قَاذِفًا لِأَخِيهِ؛ يَعْنِي: يَرْمِيهِ بِالْفَاحِشَةِ وَلَوْ بِالْكِنَايَةِ، يَعْنِي: لَوْ تَكَلَّمَ الرَّجُلُ عَنْ أُمِّهِ.. عَنْ أُمِّهِ هُوَ، يُرِيدُ لَمْزَ أُمِّ غَيْرِهِ؛ فَإِنَّهُ -حِينَئِذٍ- يَكُونُ قَاذِفًا؛ إِمَّا أَنْ يَأْتِيَ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ يَرَوْنَ ذَلِكَ مِنْهُ فِي ذَلِكَ مِنْهَا كَالْمِيلِ فِي الْمُكْحُلَةِ، وَإِمَّا أَنْ يُجْلَدَ ثَمَانِينَ جَلْدَةً، وَيُسْمَّى فَاسِقًا، وَلَا تُقْبَلُ لَهُ شَهَادَةٌ أَبَدًا بِنَصِّ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ.

لِمَاذَا تَظْلِمُ نَفْسَكَ؟!!

النَّاسُ يَتَكَلَّمُونَ؛ حَتَّى فِي الْأَعْرَاضِ!! لَا يُبَالُونَ!! وَفِي الْأَعْرَاضِ -كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ- هَذَا الْحَدُّ يُسَمَّى بِحَدِّ الْقَذْفِ، فَإِذَا لَمْ تَعْرِفِ الْحُقُوقَ أَصْلًا؛ فَكَيْفَ تَرُدُّ الْحُقُوقَ إِلَى أَصْحَابِهَا؟!!

وَعَلَى كُلِّ حَالٍ؛ حُقُوقُ الْعِبَادِ لَا بُدَّ مِنْ رَدِّهَا إِلَى أَصْحَابِهَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ كَذَلِكَ؛ فَبِمُسَامَحَتِهِمْ هُمْ لَكَ؛ وَلَكِنْ فِي الدُّنْيَا قَبْلَ الْآخِرَةِ، فِي الْآخِرَةِ لَا دِرْهَمَ وَلَا دِينَارَ، وَلَا مُسَامَحَةَ، الْحَسَنَةُ يَبْخَلُ عَلَيْكَ بِهَا أَبُوكَ، تَقُولُ: أَيَّ وَلَدٍ كُنْتُ لَكَ؟!!

يَقُولُ: كُنْتَ خَيْرَ وَلَدٍ.

فَتَقُولُ: أُرِيدُ مِنْكَ الْيَوْمَ حَسَنَةً.

فَيَقُولُ: يَا بُنَيَّ! أَخْشَى الْيَوْمَ مِمَّا مِنْهُ تَخْشَى.

بَلْ أَنْتَ تَقُولُ ذَلِكَ لِأُمِّكَ!! إِذَا طَلَبَتْ مِنْكَ حَسَنَةً فَلَنْ تُعْطِيَهَا شَيْئًا؛ فَلَا تُبَدِّدْ حَسَنَاتِكَ، وَلَا تُضَيِّعْ مَجْهُودَكَ، وَلَا تُذْهِبْ ثَمَرَةَ عَمَلِكَ الصَّالِحِ؛ بِأَنْ تَأْخُذَ بِأَمْثَالِ هَذِهِ الْأُمُورِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِحُقُوقِ الْعِبَادِ، فَأَنْتَ إِذَا اغْتَبْتَ إِنْسَانًا؛ فَلَا بُدَّ أَنْ تَسْتَسْمِحَهُ، وَأَنْتَ عَلِيمٌ بِأَنَّ أَخْلَاقَ النَّاسِ لَا تَجْعَلُهُمْ يُسَامِحُونَ فِي أَمْثَالِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ، تَذْهَبُ إِلَى فُلَانٍ فَتَقُولُ: تَكَلَّمْتُ فِيكَ، أَوْ قُلْتُ فِيكَ كَذَا وَكَذَا، وَوَقَعْتُ فِي عِرْضِكَ فَسَامِحْنِي!

فَيَقُولُ: لَنْ أُسَامِحَكَ أَبَدًا، وَرُبَّمَا وَقَعَ قِتَالٌ وَمُشَاجَرَةٌ وَسَالَتِ الدِّمَاءُ!!

يَقُولُ الْعُلَمَاءُ: إِنْ لَمْ يَرْضَ أَنْ يُسَامِحَكَ إِلَّا بِمَالٍ تُعْطِيهِ إِيَّاهُ؛ فَأَعْطِهِ مَالًا حَتَّى يُسَامِحَكَ، فَهَذَا أَهْوَنُ مِنْ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ حَسَنَاتِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.

عَلَيْنَا أَنْ نَكُونَ عَاقِلِينَ وَاعِينَ -عِبَادَ اللهِ-، وَأَنْ نَلْتَفِتَ لِمَا يَنْفَعُنَا، ((احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ)).

وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ.

التعليقات


مقاطع قد تعجبك


  فمتى نتوب؟!!
  المُبتدعُ أَشَدُّ خَطَرًا
  هل كان النبي إخوانيًا؟ أم كان قطبيًا؟! عليك بالأمر بالأول
  مَاذَا يَنْوِي الْإِنْسَانُ إِذَا أَرَادَ الزَّوَاجَ؟
  هل كان موسى عليه السلام عميلًا لفرعون؟ هل كان الحسن البصري عميلًا للحجاج؟!
  هَلْ المُصِرُّ عَلَى الكَبِيرَةِ لَا يَتُوبُ مِنْهَا يَكُونُ كَافِرًا؟!
  كُلَّمَا زَادَ تَعَبُ الإِنسَانِ فِي طَاعَةِ اللهِ زَادَ أَجرُهُ
  هل يلزم لكل يوم نية؟ وما حكم مَن نوى الإفطار ولم يأكل؟ وما هي المشقة التي يجوز من أجلها الفطر؟
  الواحدُ منكم يحمل المكتبة الشاملة في يده، فماذا تعلمتم؟!! ، وبماذا عمِلتُم مما عَلِمتُم؟!!
  رسالة إلى الخونة دُعَاة التقريب بين السُّنَّة وبين الشيعة الأنجاس
  أبكيكِ
  فائدة عزيزة جدًّا فى تفسير قوله تعالى {اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ}
  كيفية الجلوس في حِلَقِ العلم
  بين يدي الأسماء والصفات
  كيف تعرفُ الخارجيَّ
  • شارك

نبذة عن الموقع

موقع تفريغات العلامة رسلان ، موقع يحتوي على العشرات من الخطب والمحاضرات والمقاطع المفرغة لفضيلة الشيخ العلامة أبي عبدالله محمد بن سعيد رسلان-حفظه الله- . كما يعلن القائمون على صفحة وموقع تفريغات العلامة رسلان -حفظه الله- أن التفريغات للخطب ليست هي الشكل النهائي عند الطباعة، ولكن نحن نفرغ خطب الشيخ حفظه الله ونجتهد في نشرها ليستفيد منها طلاب العلم والدعاة على منهاج النبوة في كل أنحاء الدنيا، ونؤكد على أنَّ الخطب غير مُخرَّجة بشكل كامل كما يحدث في خطب الشيخ العلامة رسلان المطبوعة وليست الكتب المنشورة على الصفحة والموقع هي النسخة النهائية لكتب الشيخ التي تُطبع...وهذه الكتب ما هي إلا تفريغ لخطب الشيخ، غير أنَّ كتب الشيخ التي تُطبع تُراجع من الشيخ -حفظه الله- وتُخرج. والتفريغ عملٌ بشريٌ، ونحن نجتهد في مراجعة التفريغات مراجعة جيدة، فإذا وقع خطأ أو شكل الخطب كما نخرجها -إنما نُحاسب نحن عليها والخطأ يُنسب لنا وليس للشيخ -حفظه الله-.

الحقوق محفوظة لكل مسلم موقع تفريغات العلامة رسلان