تفريغ مقطع : المُحَاضَرَةُ السادسة: بيان أقسام المعلوم

إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُه، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَلَّا إِلهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّم.

أَمَّا بَعْدُ:

فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.

أَمَّا بَعْدُ:

ففي سياقِ الرد على الملحدين بحولِ وقوةِ رب العالمين، مَرَّ ذِكْرُ بعضِ المقدماتِ بين يَدَيِ الردِّ الْمُفَصَّلِ، والحقُّ أنَّ هذه المقدماتِ هي مقدماتٌ ونتائجُ في الوقتِ نفسِهِ؛ ولَكِنْ لا بَأْس.

وهذه مقدمةٌ مِنْ هذه المقدماتِ:

في «قصةِ الإيمانِ» بيانٌ لِلْفَرْقِ بين التَّصَوُّرِ والتَّعَقُّلِ:

فالإيجادُ مِنَ العَدَمِ غيرُ مستحيلٍ عقلًا، وإنْ كَانَ الملحدُ يَجِدُهُ مُسْتَحِيلًا، ويَسْتَبْعِدُهُ، وَيَعْجِزُ عَنْ تَصَوُّرِهِ؛ ولَكِنْ عُقُولُنا فِي مَجَالِ الأعدادِ الكبيرةِ تَكِلُّ عَنْ تصورِ حقائقَ واضحةٍ، وهذه الْحَقائقُ الواضحةُ لا تَحْتَاجُ إلا لِتَأَمُّلٍ قليلٍ وحِسَابٍ يسيرٍ مِنْ نَوْعِ الْجَمْعِ مثلًا، ويكونُ كَلَالُ العقولِ حينئذٍ غريبًا جدًا؛ حتى إنَّهُا تُمَارِي فِي النتيجةِ؛ ولو أَخْبَرَهَا بتلك النتيجةِ أصدقُ الناسِ وَأَعْلَمُهُمْ، وَتَبْقَى العقولُ عاجزةً عَنْ تَصَوُّرِ النتيجةِ؛ ولو تَوَصَّلَتْ إِلَيْهِا بنفسِها.

ألَا تَعْرِفُ أُحْجِيَّةَ الورقةِ الْمُقَطَّعَةِ؟

لو أُعْطِيتَ ورقةً رقيقةً بَالِغَةَ الرِّقَّةِ، سُمْكُها جزءٌ مِنْ مائةِ جزءٍ مِنَ الْمِلِّي مِتْر، وطُلِبَ منك أنْ تَقْطَعَهَا نِصْفَيْنِ، ثم تَقْطَعَ النصفينِ ثانيةً لِيُصْبِحَا أربعةً، ثم تَقْطَعَ الأربعةَ لِتُصْبِحَ ثمانيةً، وهكذا إِلَى أَنْ تُكَرِّرَ القَطْعَ والتضعيفَ ثمانِيَ وأربعينَ مَرَّةً.

إذا سُئِلْتَ قبل أنْ تبدأ فِي القطع، وقبل أن تَحْسُبَ: كم تتوقعُ أنْ تُصْبِحَ سَمَاكَةُ هذه الأوراقِ الرقيقةِ بعد قَطْعِهَا ثَمِانِي وأربعينَ مرةً؟

فإنك مهما بالغتَ فِي التقدير؛ لم تَقُلْ: إنَّ سُمْكَهَا يَزِيدُ على مِتْرٍ واحدٍ، أو مِتْرَيْنِ، أو ثَلَاثَةٍ.

فإذا قيل لك: إنَّ سُمْكَهَا سوف يزيدُ على عَشْرَةِ كيلو متراتٍ؛ لم تُصَدِّقْ.

وأما إِذَا قيل لك: إنك إِذَا كَرَّرْتَ القطعَ إِلَى الْمَرَّةِ الثامنةِ والأربعين، ثم جَعَلْتَ الأوراقَ الْمُقَطَّعَةَ رُكَامًا مَرْصُوصًا صاعدًا إِلَى السماءِ؛ فإنه يَلْمَسُ أو يكادُ يَلْمَسُ القمرَ الَّذِي يَبْعُدُ عَنِ الْأَرْضِ أربعةً وثمانينَ وثلاثَمِائَةِ أَلْفِ كيلو مِتْر؛ إِذَا قيل لك ذَلِكَ نَفَرْتَ، وَحَسِبْتَ القائلَ يَسْخَرُ منك، وبعد أنْ تَتَحَقَّقَ أَنتَ بنفسِكَ مِنْ ذَلِكَ بالحسابِ اليسير، لو أَرَدْتَ تَصَوُّرَه؛ فإنك سَتَجِدُ عَقْلَكَ كَلِيلَا عاجزًا عَنْ تصورِه.

خُذْ قَلَمَكَ واحْسُبْ:

 ورقةٌ رقيقةٌ بَالِغَةُ الرِّقَّةِ، سُمْكُها جزءٌ مِنْ مائةِ جزءٍ مِنَ الْمِلِّي مِتْر، تَقْطَعُهَا نِصْفَيْنِ، ثم تَقْطَعُ النصفينِ ثانيةً لِيُصْبِحَا أربعةً، ثم تَقْطَعُ الأربعةَ لِتُصْبِحَ ثمانيةً، وهكذا إِلَى أَنْ تُكَرِّرَ القَطْعَ والتضعيفَ ثمانِيَ وأربعينَ مَرَّةً.

إذا جَعَلْتَ ذلك رُكَامًا مَرْصُوصًا صاعدًا إِلَى السماءِ؛ فإنه يَلْمَسُ أو يكادُ يَلْمَسُ القمر، على حسب المسافة التي بينك وبين القمر، وهي: أربعةٌ وثمانونَ وثلاثُمِائَةِ أَلْفِ كيلو مِتْر، وجرب هذا الحساب فِيما بينك وبين نفسك، والله المستعان.

إذا؛ العقل يقر ذَلِكَ ويثبته، ولا يماري فِيه؛ ولَكِن التصور لا يثبته، ويماري فِيه.

إذن؛ هُنَالِكَ فرق بين التعقل والتصور، فالإنسان قد يتعقل الشيء ويعجز فِي الوقت عينه عَنْ تصوره.

سمك هذه الورقة المقطعة يقرب من أربعة وثمانين وثلاثمائة ألف كيلو متر، حتى إنَّهُا لتكاد تلامس القمر كما مر؛ ولَكِن هل تستطيع أنت أن تتصور هذه النتيجة بعد أن صنعتها بيدك؟!

فهذه النتيجة الرياضية التي يقر بها العقل ولا يكذبها أحد لا يمكن أن يقرها التصور؛ فإنك ما تزال تشعر بعد إقرارها عقلا بكلالٍ عقلي عَنْ تصورها؛ فهل تدرك الآن أن عقولنا تكِل أحيانا عَنْ تصور حقائق كثيرة يقوم البرهان العقلي على صحتها؟

وذَلِكَ؛ لأن عقولنا خلقت عاجزة عَنْ تصور كثير من الأشياء؛ ولَكِنها تستطيع أن تحكم بوجودها عَنْ طريق البرهان العقلي القاطع؛ فالتصور غير التعقل.

هذه الشَّمْس التي تراها، العقل يثبت على حسب الحساب الدقيق الَّذِي لا يمارَى فِيه أَنَّهُا تبلغ مليون مرة مثلَ الْأَرْض، ومع ذَلِكَ فأنت تراها فِي السماء على هذا النحو، وعقلك يكل عَنْ تصور أَنَّهُا عَنْد التضعيف تزيد على مليون مرة من هذه الْأَرْض.

فإذًا؛ التصور غير التعقل، قد تستطيع تعقل شيء ولا تستطيع أن تتصوره؛ لأن التعقل يعتمد على بدهيات أولية يأخذ العقل فِي ترتيبها وتركيبها، واستنباط بعضها من بعض، وبناء بعضها على بعض؛ فيصل إِلَى حكم عقلي قاطع قد لا يستطيع العقل نفسه تصوره، وهو الَّذِي وصل إِلَيْهِ.

الْعِلْم الْحَدِيث اليوم يقر هذه الْحَقيقة التي مر ذكرها عن الفرق بين إمكان تصور الشيء وإمكان تعقله.

فلا يبالي الْعِلْم الْحَدِيث بعجز العقل عَنْ التصور، ويعتمد على التعقل وحده؛ لأن الْحَقائق الْعِلْمية أصبحت فِي مجالاتها وكميتها وأعدادها فوق التصور، ولأنهم يحسبونها ويعرفونها ويحكمون عليها عَنْ طريق التعقل، لا عَنْ طريق التصور.

خذ -مثلًا- أمواج النور:

أتحسب أن الْعلماء الَّذِينَ حسَبوا أن الأمواج التي تحدث، فتحدث اللون البنفسجي تكون بسرعة ستين ألف موجة فِي البوصة؛ هم الذين أتوا بذلك الحساب، فقرروا تلك الحقيقة التي لا مجال للامتراء فيها؛ ولكن هل هَؤُلَاءِ الْعلماء الَّذِينَ قرروا تلك الْحَقيقة يستطيعون تصور هذه السرعة لو أضمدوا عيونهم وأرهقوا خيالهم؟!

كلا؛ لأن هذا العدد الهائل فِي هذه المساحة الضئيلة يعجِز العقل عَنْ تصوره؛ ولَكِن لا يعجز عَنْ تعقله أي: عَنْ الحكم بصحته عَنْ طريق العقل-.

وقد تصل الأعداد فِي الأبحاث الذرية الْحَدِيثة إِلَى مرتبة هائلة يكون عجز العقل عَنْ تصورها أظهرَ لك.

خذ مثلًا:

إن الْعلماء يحسُبون لك أن سرعة ذبذبات الصوت قد تصل إِلَى نصف مليون ذبذبة فِي الثانية الواحدة، وهذا ثابت عَنْدهم ثبوتًا عقليًا علميًا قاطعًا لا ريب فِيه؛ ولَكِن أَتُراهم يستطيعون تصور حصول هذا العدد الهائل من الذبذبات فِي ثانية واحدة؟!

جرب أنت؛ هل تستطيع أن تتصور مهما أجهدت خيالك حصول ألف ذبذبة فِي الثانية؟! فضلًا عَنْ مائة ألف؟! فضلًا عَنْ نصف مليونِ ذبذبة فِي الثانية؟!

ولَكِنَّ هذا الشيء الَّذِي تعجز أنت والْعلماء عَنْ تصوره هو أمر واقع لا ريب فِيه؛ فبأي شيء عرفوه؟

إنهم عرفوه عَنْ طريق التعقل بالحساب.

فالآن نفهم أن التصور غير التعقل، وأن العبرة لقدرة العقل على التعقل، ولا عبرة لعجز العقل عَن التصور، وهذا معنى قول الْعلماء: إن الخلق من العدم يمكن تعقله؛ ولو كَانَ الإنسان يستبعده أو يَكِلَّ أو يعجز عَنْ تصوره.

فهذا هو المراد من أحجية الورقة المقطعة وما تلاها من هذه الأمثلة؛ من أجل أن يصل الإنسان إِلَى هذه القناعة العقلية، من أَنَّهُ يفرق بين التصور والتعقل؛ لنصل فِي النهاية إِلَى أن الخلق من العدم يمكن تعقله، ولَكِنْ العقل الإنساني مع إثباته عقلًا؛ فإنه يكل أو يعجز عَنْ تصوره؛ فلا عبرة لكلال العقل عن التصور، والعبرة بماذا؟

العبرة بإثبات ذلك بالطريقة العقلية.

فالعبرة بالتعقل، لا بالتصور.

إذن؛ الَّذِينَ يَقُولون: إننا يمكن أن نثبت عقلًا -والعقل لا ينفي ذَلِكَ- أن هذا الكون وجد من العدم.

يقولون: هذا يمكن عقلًا؛ ولَكِننا لا نتصوره.

نقول: لا عبرة لنا بتصوركم هذا.

لا نعتبره، ولا نلتفت إِلَيْهِ؛ للحقيقة التي مر ذكرها من أن العقل يثبت كثيرًا من الأمور يتعقلها، ويكل ويعجز فِي الوقت نفسه عَنْ تصورها.

هذه مقدمة من المقدمات، وتليها هذه المقدمة بحول رب الأرض والسماوات، وهي في أقسام المعلوم:

فالمباحث التي يَقُول عَنْها الْعلماء: الإلهيات، والنبوات، والسمعيات: تتضمن أحكامًا كثيرة فِيما يتعلق بالوجود والجواز والاستحالة؛ كقولنا مثلًا بأن وُجُود الله واجب، وأن وُجُود شريك له أمر مستحيل، وكقولنا بجواز فعله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لكل ممكن وتركه، وكحكمنا على الأنبياء باستحالة وقوع الكبائر منهم، وجواز المرض والموت فِي حقهم.

فمن الضروري إِذَا ما تعرضنا لهذه المسألة التي نحن بصدد التعرض بحول الله وقوته لها أن نعرف هذه الأحكام، وهي: الوجوب، والجواز، والاستحالة؛ لنعرف ما هو الواجب لذاته؟

وما هو الممكن؟

وما هو المستحيل؟

الأمور المعلومة تنقسم إِلَى مستحيل وواجب وممكن.

فهذه أقسام المعلوم.

فأقسام المعلوم ثلاثة: المستحيل، والواجب، والممكن.

فجميع الأمور التي نعلمها أو يمكن أن يتعلق بها علمنا تنقسم من حيث النظرُ إِلَى وُجُودها إِلَى ثلاثة أقسام:

الأول: مستحيل الوجود لذاته.

الثاني: واجب الوجود لذاته.

الثالث: ممكن الوجود لذاته.

وأما تعريف المستحيل لذاته ومثاله:

فالمستحيل لذاته هو: ما كَانَ عدمه لذاته من حيث هي.

أي: ما تقتضي ذاته العدم دائمًا بحيث لا تقبل الثبوت أصلًا، وذَلِكَ إِذَا نظرنا إِلَيْهِا دون اعتبار أمر خارجي عَنْها.

ومثال ذَلِكَ: اجتماع النقيضين؛ كالوجود والعدم، والحركة والسكون فِي شيء واحد، بأن يكون الشيء موجودًا معدومًا فِي آن واحد، أو متحركًا ساكنًا فِي آن واحد، فهذا مستحيل.

فاجتماع النقيضين مستحيل لذاته، فالشيء لا يمكن أن يكون موجودًا معدومًا، أو متحركًا ساكنًا فِي وقت واحد.

وكذلك من أمثلة المستحيل لذاته: وُجُود شريك لله -جَلَّ وَعَلَا-.

فهذا مستحيل.

فكل هذه الأمور يحكم العقل باستحالة وُجُودها بداهة أو عَنْ طريق الدليل إِذَا نظر إِلَيْهِا فِي حد ذاتها.

فهذا تعريف المستحيل لذاته، وهذا مثاله.

وأما الواجب لذاته ومثاله:

فالواجب لذاته هو: ما كَانَ وُجُوده لذاته من حيث هي.

المستحيل لذاته: ما كَانَ عدمه لذاته من حيث هي.

الواجب لذاته: ما كَانَ وُجُوده لذاته من حيث هي.

 أي: ما تقتضي ذاته الوجود دائمًا بحيث لا تقبل العدم أصلًا، وذَلِكَ إِذَا نظرنا إِلَيْهِا دون أمر خارجي عَنْها نعتبره.

مثال ذَلِكَ: وُجُود الله تعالى، ومنه: أخذ الجسم قدرًا من الفراغ.

أخذ الجسم قدرًا من الفراغ؛ هذا واجب لذاته.

فلا بد للجسم أن يشغل قدرًا من الفراغ.

وكذَلِكَ ثبوت الزوجية للعدد «أربعة»(4) مثلًا: فإننا نحكم بضرورة احتلال أي جسم من لأجسام قدرًا من الفراغ مهما صغر، يتحقق فِيه وُجُوده، وإلا لما كَانَ جسمًا موجودًا، وكذَلِكَ نحكم بضرورة كون العدد (4) عددًا زوجيًا، لا فرديًا بمجرد تصوره؛ وإلا لما كَانَ هو نفس ذَلِكَ العدد؛ بل كَانَ إما ثلاثةً أو خمسةً أو غيرَهما من الأعداد الفردية؛ ولَكِن لا بد من إثبات الزوجية له.

من أمثلة الواجب لذاته: تقدم الأب على ابنه فِي الوجود، وكون الكل أكبرَ من الجزء؛ فإن هذه أمور يحكم العقل بوجودها وبوجوبها بداهة، أو عَنْ طريق الدليل بمجرد النظر إِلَيْهِا فِي ذاتها.

وأما الممكن لذاته ومثاله:

فالممكن لذاته هو: ما لا وُجُود ولا عدم لذاته من حيث هي.

أي: ما لا تقتضي ذاته الوجود أو العدم.

وذَلِكَ إِذَا نظرنا إِلَيْهِا دون اعتبار أمر خارجي عَنْها، فإذا وجد؛ فلأن غيره أعطاه الوجود؛ لأن وُجُوده ليس من ذاته، وهو يستوي فِي حقه الوجود والعدم، فما دام يستوي فِي حقه الوجود والعدم؛ فإذا وجد؛ فلا بد من موجد له، وإذا وجد ثم عدم؛ فلا بد أن يكون هُنَالِكَ من أعدمه.

إذا عدم أَيْضًا؛ فلعدم سبب وُجُوده، وإذا وجد؛ فلأن غيره أعطاه الوجود.

مثال ذَلِكَ: جميع الكائنات التي نراها أمامنا من الحيوانات والنباتات والجمادات، وكذَلِكَ جميع أحوالها؛ كنزول الأمطار، وهبوب الرياح، إِلَى غير ذَلِكَ من هذه الأمور التي تقع فِي هذا العالم.

فكلها ممكنة تحتاج إِلَى موجد لها؛ لِأَنَّهُا يستوي فِي حقها الوجود والعدم، توجد بعد عدم، ثم يلحقها العدم بعد الوجود، فوجودها إِذَن ليس ضروريًا كوجود الواجب؛ وإلا لما عدمت؛ لأن الواجب لا يعدم، وعدمها ليس ضروريًا كعدم المستحيل، وإلا لما وجدت؛ لأن المستحيل لا يوجد؛ بل كل واحد من الوجود والعدم جائزان فِي حقها من حيث النظر ل........«كلمة غير واضحة»، وهذا هو معنى إمكانها.

هذه المقدمة مهمة جدًا، وستجدها إن شاء الله تبارك وتعالى في شرح العلامة ابن عثيمين على «السَّفَّارينية»، في آخر شرحه على «السَّفَّارينية»، فأتى بهذه الأقسام وهي أقسام المعلوم -، وميز بين الواجب لذاته والواجب لغيره، والمستحيل لذاته والمستحيل لغيره، كما مر ذكر ذلك في شرح العلامة ابن عثيمين على «السَّفَّارينية».

قد يصير الممكن لذاته واجبًا لغيره، وذَلِكَ إِذَا اقتضى ذَلِكَ الغير وُجُوده بالضرورة؛ كما إِذَا أراد الله وُجُود إنسان، فإن وُجُوده يكون واجبًا لذاته، لا يكون حينئذ واجبًا لذاته؛ بل واجبًا لغيره، وهو تعلق إرادة الله به؛ لِأَنَّهُ مادام أراد وُجُوده؛ فلا بد أن يوجد؛ ولَكِن هو ممكن فِي الْحَقيقة؛ لِأَنَّهُ استوى فِي حقه الوجود والعدم، كان معدومًا فأراد الله وجوده، فلما أراد الله وُجُود ذَلِكَ الإنسان؛ صار وُجُوده واجبًا، لا لذته؛ لِأَنَّهُ كَانَ معدومًا، والواجب لذاته لا يكون معدومًا، وإنما يكون حينئذ وُجُوده واجبًا لغيره، وهو تعلق إرادة الله تعالى به.

لِذَلِكَ مر فِي تعريف الواجب: أن وُجُوده لذاته حتى لا يعد منه؛ ما يكون واجبًا لغيره؛ لأن الواجب لغيره - كما مر فِي المثال من الممكنات.

كذَلِكَ قد يصير الممكن مستحيلًا؛ لَكِن لا لذاته، بل يصير مستحيلًا لغيره إِذَا اقتضى ذَلِكَ الغير عدم وُجُوده بالضرورة؛ كما إِذَا أراد الله عدم إنسان ما فِي وقت معين؛ فإن وُجُوده يكون مستحيلًا، لا لذاته؛ لأَنَّهُ هو نفسه معدوم، ولَكِن لغيره، وهو تعلق إرادة الله تبارك وتعالى  بعدمه، فيكون مستحيلًا لغيره، لا مستحيلًا لذاته؛ لأن هذا تعلقت إرادة الله عز وجل بعدمه، فإذا أراد الله عز وجل إيجاده؛ وُجِدَ.

إذًا هو يقبل الوجود والعدم، فلا يمكن أن يكون مستحيلًا؛ لأن المستحيل لا يقبل الوجود أصلًا، كما أن الواجب لذاته لا يقبل العدم أصلًا.

لِذَلِكَ مر فِي تعريف المستحيل أن عدمه لذاته؛ حتى لا يعد منه ما يكون مستحيلًا لغيره؛ لأن المستحيل لغيره من الممكنات.
والله المستعان

التعليقات


مقاطع قد تعجبك


  لقد غزت الإباحية مخادعكم معشر المسلمين
  كيـــف تعامـــل السلــف مـــع ظلــم الحكــام وجورهـــم؟؟
  فَضْلُ العِلْمِ وَطُلَّابِهِ
  الدفاع عن شيخ الإسلام ابن تيمية في مسألة التكفير بلا مُوجِب
  تَعَاهَدُوا أَبْنَائَكم
  قصة الجندي التركي المتعصب... بالمقص لا بالسكين
  بدعة الإحتفال بالمولد النبوي والرد على شبهات المجيزين
  كيف كان يتعامل السلف مع شيوخهم؟
  تعرف على تاريخ اليهود في القدس وقصة الهيكل
  انتبه... ربما يُختَم لك بالكُفر فتموت على غير ملة الإسلام!!
  ليست العِبرةُ أنْ تكونَ ثابتــًا
  الحلقة الرابعة: بيان بعض أساليب الملحدين الماكرة
  حافِظ على مال زوجتِك
  خوارجُ العصرِ وهدمُ المساجدِ
  من أعظم المقاطع فى الرد على المهرطقين أمثال البحيرى وناعوت وابراهيم عيسى ..!
  • شارك

نبذة عن الموقع

موقع تفريغات العلامة رسلان ، موقع يحتوي على العشرات من الخطب والمحاضرات والمقاطع المفرغة لفضيلة الشيخ العلامة أبي عبدالله محمد بن سعيد رسلان-حفظه الله- . كما يعلن القائمون على صفحة وموقع تفريغات العلامة رسلان -حفظه الله- أن التفريغات للخطب ليست هي الشكل النهائي عند الطباعة، ولكن نحن نفرغ خطب الشيخ حفظه الله ونجتهد في نشرها ليستفيد منها طلاب العلم والدعاة على منهاج النبوة في كل أنحاء الدنيا، ونؤكد على أنَّ الخطب غير مُخرَّجة بشكل كامل كما يحدث في خطب الشيخ العلامة رسلان المطبوعة وليست الكتب المنشورة على الصفحة والموقع هي النسخة النهائية لكتب الشيخ التي تُطبع...وهذه الكتب ما هي إلا تفريغ لخطب الشيخ، غير أنَّ كتب الشيخ التي تُطبع تُراجع من الشيخ -حفظه الله- وتُخرج. والتفريغ عملٌ بشريٌ، ونحن نجتهد في مراجعة التفريغات مراجعة جيدة، فإذا وقع خطأ أو شكل الخطب كما نخرجها -إنما نُحاسب نحن عليها والخطأ يُنسب لنا وليس للشيخ -حفظه الله-.

الحقوق محفوظة لكل مسلم موقع تفريغات العلامة رسلان