رَمَضَانُ شَهْرُ الْإِرَادَةِ وَالْكَرَمِ

رَمَضَانُ شَهْرُ الْإِرَادَةِ وَالْكَرَمِ

((رَمَضَانُ شَهْرُ الْإِرَادَةِ وَالْكَرَمِ))

إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّه مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ.

أَمَّا بَعْدُ:

فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.

أَمَّا بَعْدُ:

((جُمْلَةٌ مِنْ نِعَمِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- فِي رَمَضَانَ))

((فَاتَّقُوا اللهَ -أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ-، وَاشْكُرُوهُ عَلَى مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْكُمْ مِنْ نِعَمٍ وَافِرَةٍ وَآلَاءٍ سَابِغَةٍ فِي هَذَا الشَّهْرِ الْكَرِيمِ -شَهْرِ رَمَضَانَ-؛ فَفِيهِ أَنْزَلَ اللهُ كِتَابَهُ الْمُبِينَ؛ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، وَنُورًا لِلْمُسْتَضِيئِينَ، وَهُدًى لِلْمُتَّقِينَ، وَعِبْرَةً لِلْمُعْتَبِرِينَ، وَآيَاتٍ لِلْعَالَمِينَ.

{كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} [هود: 1].

{لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ۖ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [فصلت: 42].

فِيهِ خَبَرُ مَا قَبْلَكُمْ، وَنَبَأُ مَا بَعْدَكُمْ، وَحُكْمُ مَا بَيْنَكُمْ، مَنْ تَمَسَّكَ بِهِ نَجَا، وَمَنْ طَلَبَ الْهُدَى مِنْهُ اهْتَدَى، وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ وَقَعَ فِي الْهَلَاكِ وَالرَّدَى، فَبُؤْسًا لِلْمُعْرِضِينَ الْهَالِكِينَ.

وَفِي هَذَا الشَّهْرِ الْكَرِيمِ أَنْعَمَ اللهُ عَلَى عِبَادِهِ بِفَرْضِ الصِّيَامِ، وَجَعَلَهُ أَحَدَ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ؛ لِتَسْتَكْمِلَ هَذِهِ الْأُمَّةُ مِنَ الْفَضَائِلِ مَا حَصَلَ لِغَيْرِهَا، وَلِيَتِمَّ لَهَا بِذَلِكَ تَقْوَى اللهِ، وَلِيَحْصُلَ لِمَنْ صَامَهُ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا مَغْفِرَةُ الذُّنُوبِ وَالْآثَامِ.

وَفِي هَذَا الشَّهْرِ الْكَرِيمِ أَنْعَمَ اللهُ عَلَى عِبَادِهِ بِمَشْرُوعِيَّةِ الْقِيَامِ؛ لِتَعْمُرَ أَوْقَاتَهُ لَيْلًا وَنَهَارًا بِطَاعَةِ الْمَلِيكِ الْعَلَّامِ، ((فَمَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ))، وَ((مَنْ قَامَ مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ كُتِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ)).

وَفِي هَذَا الشَّهْرِ الْكَرِيمِ أَنْعَمَ اللهُ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ بِفَضِيلَةِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، الَّتِي هِيَ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، وَ((مَنْ قَامَهَا إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غَفَرَ اللهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ)))).

وَطَاعَتُهُ -تَعَالَى- تُورِثُ مَحَبَّتَهُ وَمُرَاقَبَتَهُ فِي الْخَلَوَاتِ وَالْجَلَوَاتِ، وَمَحَبَّةُ اللهِ هِيَ الَّتِي تُنَوِّرُ الْوَجْهَ، وَتَشْرَحُ الصَّدْرَ، وَتُحْيِي الْقَلْبَ، وَتُطَيِّبُ الْحَيَاةَ عَلَى الْحَقِيقَةِ، لَا مَحَبَّةَ الصُّوَرِ الْمُحَرَّمَةِ، وَإِذَا بُلِيَتِ السَّرَائِرُ يَوْمَ اللِّقَاءِ كَانَتْ سَرِيرَةُ صَاحِبِهَا مِنْ خَيْرِ سَرَائِرِ الْعِبَادِ، كَمَا قِيلَ:

سَيَبْقَى لَكُمْ فِي مُضْمَرِ الْقَلْبِ وَالْحَشَا    =    سَرِيرَةُ حُبٍّ يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ

وَكُلُّ مَحَبَّةٍ لِغَيْرِ اللهِ فَهِيَ عَذَابٌ عَلَى صَاحِبِهَا وَحَسْرَةٌ عَلَيْهِ إِلَّا مَحَبَّتَهُ وَمَحَبَّةَ مَا يَدْعُو إِلَى مَحَبَّتِهِ، وَيُعِينُ عَلَى مَرْضَاتِهِ وَطَاعَتِهِ، فَهَذِهِ هِيَ الَّتِي تَبْقَى فِي الْقَلْبِ يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ.

فَحَقِيقٌ بِمَنِ اتَّقَى اللهَ وَخَافَ نَكَالَهُ أَنْ يُصْلِحَ سَرِيرَتَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ تُنْسَفُ فِيهِ الْجِبَالُ، وَتَتَرَادِفُ فِيهِ الْأَهْوَالُ، وَتَشْهَدُ فِيهِ الْجَوَارِحُ وَالْأَوْصَالُ، وَتُبْلَى فِيهِ السَّرَائِرُ، وَتَظْهَرُ فِيهِ الضَّمَائِرُ، وَيَصِيرُ الْبَاطِلُ فِيهِ ظَاهِرًا، وَالسِّرُّ عَلَانِيَةً، وَالْمَسْتُورُ مَكْشُوفًا، وَالْمَجْهُولُ مَعْرُوفًا.

وَيُحَصَّلُ وَيَبْدُو مَا فِي الصُّدُورِ، كَمَا يُبَعْثَرُ وَيُخْرَجُ مَا فِي الْقُبُورِ، وَتَجْرِي أَحْكَامُ الرَّبِّ -تَعَالَى- هُنَالِكَ عَلَى الْقُصُودِ وَالنِّيَّاتِ، كَمَا جَرَتْ أَحْكَامُهُ فِي هَذِهِ الدَّارِ عَلَى ظَوَاهِرِ الْأَقْوَالِ وَالْحَرَكَاتِ، يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ بِمَا فِي قُلُوبِ أَصْحَابِهَا مِنَ النَّصِيحَةِ للهِ وَكِتَابِهِ وَرَسُولِهِ، وَمَا فِيهَا مِنَ الْبِرِّ وَالصِّدْقِ وَالْإِخْلَاصِ لِلْكَبِيرِ الْمُتَعَالِ، وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ بِمَا فِي قُلُوبِ أَصْحَابِهَا مِنَ الْخَدِيعَةِ وَالْغِشِّ وَالْكَذِبِ وَالْمَكْرِ وَالِاحْتِيَالِ، هُنَالِكَ يَعْلَمُ الْمُخَادِعُونَ أَنَّهُمْ لِأَنْفُسِهِمْ كَانُوا يَخْدَعُونَ، وَبِدِينِهِمْ كَانُوا يَتَلَاعَبُونَ، وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ.

عَنْ أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((مَا كَرِهَ اللهُ مِنْكَ شَيْئًا فَلَا تَفْعَلْهُ إِذَا خَلَوْتَ)). أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ.

وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ يَزِيدَ الْأَنْصَارِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ: ((أَوْصِنِي)).

قَالَ: ((أُوصِيكَ أَنْ تَسْتَحِيَ اللهَ -عَزَّ وَجَلَّ- كَمَا تَسْتَحِي رَجُلًا صَالِحًا مِنْ قَوْمِكَ)). أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي ((الزُّهْدِ)) بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ.

((جُمْلَةٌ مِنْ فَضَائِلِ شَهْرِ رَمَضَانَ))

إِنَّ شَهْرَ رَمَضَانَ لَهُ كَثِيرٌ مِنَ الْفَضَائِلِ، مِنْهَا:

أَنَّ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- أَنْزَلَ فِيهِ الْقُرْآنَ، قَالَ تَعَالَى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ} [البقرة: 185].

وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَى صِحَّتِهِ: ((مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللهِ؛ بَعَّدَ اللهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا)).

وَقَالَ ﷺ: ((رَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ ثُمَّ انْسَلَخَ قَبْلَ أَنْ يُغْفَرَ لَهُ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ.

وَفِي ((الصَّحِيحَيْنِ)) مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا؛ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ)).

وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((قَالَ اللهُ تَعَالَى: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصَّوْمَ؛ فَإِنَّهُ لِي، وَأَنَا أَجْزِي بِهِ)).

وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((الصِّيَامُ وَالْقُرْآنُ يَشْفَعَانِ لِلْعَبْدِ، يَقُولُ الصِّيَامُ: أَيْ رَبِّ؛ إِنِّي مَنَعْتُهُ الطَّعَامَ وَالشَّهَوَاتِ بِالنَّهَارِ؛ فَشَفِّعْنِي فِيهِ، وَيَقُولُ الْقُرْآنُ: مَنَعْتُهُ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ؛ فَشَفِّعْنِي فِيهِ، فَيُشَفَّعَانِ)).

شَهْرُ رَمَضَانَ جَعَلَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- لَهُ كَثِيرًا مِنَ الْفَضَائِلِ، وَقَدْ مَيَّزَهُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- عَنِ الشُّهُورِ بِأَنْ أَنْزَلَ فِيهِ الْقُرْآنَ، وَجَعَلَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- فِيهِ لَيْلَةً هِيَ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، أَنْزَلَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- فِيهَا الْقُرْآنَ الْمَجِيدَ.

((فَوَائِدُ الصِّيَامِ وَمَقَاصِدُهُ))

وَقَدْ فَرَضَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ صِيَامَ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَجَعَلَ لِلصِّيَامِ فَوَائِدَ عَظِيمَةً، وَمُمَيِّزَاتٍ جَزِيلَةً، يَنَالُ الْمُسْلِمُ -بِإِذْنِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-- إِذَا مَا أَتَى بِهَا الرِّضْوَانَ عِنْدَ اللهِ، مِنْ ذَلِكَ:

* بُلُوغُ التَّقْوَى، قَالَ رَبُّنَا -جَلَّ وَعَلَا-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183].

فَتَحْصِيلُ التَّقْوَى الْغَايَةُ مِنْ فَرْضِ الصِّيَامِ.

وَالتَّقْوَى فِي أَخْصَرِ تَعْرِيفَاتِهَا: ((فِعْلُ الْمَأْمُورَاتِ، وَاجْتِنَابُ الْمَنْهِيَّاتِ)).

فَمَنْ فَعَلَ مَا أُمِرَ بِهِ، وَاجْتَنَبَ مَا نُهِيَ عَنْهُ؛ فَهُوَ الْمُتَّقِي حَقًّا.

وَ((هِيَ اسْمٌ جَامِعٌ لِكُلِّ مَا يُحِبُّهُ اللهُ وَيَرْضَاهُ مِنَ الْمَحْبُوبَاتِ، مَعَ تَرْكِ الْمَنْهِيَّاتِ)).

فَمَنْ لَمْ يَتَّقِ اللهَ فِي رَمَضَانَ، وَلَمْ يَتَغَيَّرْ سُلُوكُهُ إِلَى مَا يُحِبُّهُ اللهُ، وَأَكَبَّ عَلَى فِعْلِ الْمُحَرَّمَاتِ وَهُوَ صَائِمٌ؛ فَهَذَا يَتَحَقَّقُ فِيهِ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: ((رُبَّ صَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ صِيَامِهِ الْجُوعُ وَالْعَطَشُ، وَرُبَّ قَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ قِيَامِهِ السَّهَرُ)).

* إِذَا أَخَذَ الْإِنْسَانُ بِهَذَا الْفَرْضِ الْعَظِيمِ -كَمَا يُحِبُّ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ-؛ حَقَّقَ أَصْلًا مِنْ أُصُولِ الدِّينِ، وَأَتَى بِرُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ الْعَظِيمِ.

قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَلَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالْحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ)). وَالْحَدِيثُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

*الْإِنْسَانُ إِذَا صَامَ صِيَامًا صَحِيحًا؛ تَقَرَّبَ إِلَى اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ بِتَرْكِ الْمُحَرَّمَاتِ.

مِنْ أَمْثَالِ هَذِهِ الْمُحَرَّمَاتِ الَّتِي ذَكَرَهَا الرَّسُولُ ﷺ: كَقَوْلِ الزُّورِ، وَالْعَمَلِ بِهِ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي ((صَحِيحِهِ)): ((مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ، وَالْعَمَلَ بِهِ؛ فَلَيْسَ للهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ)).

وَالْإِنْسَانُ يَدَعُ الْمُحَرَّمَاتِ؛ لِعَارِضِ الصَّوْمِ، فَهِيَ مُحَرَّمَةٌ تَحْرِيمًا عَارِضًا، وَهِيَ مَا أَحَلَّ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ فِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالشَّهْوَةِ الَّتِي أَحَلَّهَا اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ، وَيَتْرُكُ الشَّهَوَاتِ؛ كَالْجِمَاعِ وَدَوَاعِيهِ، وَالنَّظَرِ وَالِاسْتِمْتَاعِ بِالْمُحَرَّمَاتِ.

وَعَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يُرَاقِبَ ذَلِكَ فِي الْوَسَائِلِ الَّتِي جَدَّتْ فِي الْحَيَاةِ الْمُعَاصِرَةِ؛ كَالْهَاتِفِ النَّقَّالِ، وَكَمَا يَكُونُ فِي الْمِذْيَاعِ، وَفِي التِّلْفَازِ، وَفِي الشَّبَكَةِ الْعَنْكَبُوتِيَّةِ الَّتِي ابْتُلِيَ بِهَا كَثِيرٌ مِنَ الْخَلْقِ، يُكِبُّونَ عَلَيْهَا كَمَا يُكِبُّ الْعَابِدُ عَلَى صَنَمِهِ!!

وَهِيَ تَأْخُذُ مِنْهُمْ تَقْوَاهُمْ، وَتَسْتَلِبُ مِنْهُمْ إِيمَانَهُمْ، وَتُعَلِّمُهُمُ الْكَذِبَ، وَالنِّفَاقَ، وَالْخِدَاعَ.

فَعَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يَلْتَفِتَ إِلَى أَمْثَالِ هَذِهِ الْأُمُورِ الَّتِي جَدَّتْ؛ فَإِنَّهَا -بِلَا شَكٍّ- تُؤَثِّرُ فِي حَيَاتِهِ؛ فَضْلًا عَنْ تَأْثِيرِهَا فِي صِيَامِهِ.

* وَالنَّاسُ إِذَا صَامُوا الشَّهْرَ؛ اجْتَمَعُوا جَمِيعًا كَأُمَّةٍ وَاحِدَةٍ يَأْكُلُونَ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، وَيَصُومُونَ مُمْسِكِينَ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ.

* وَيَشْعُرُ الْغَنِيُّ بِنِعْمَةِ اللهِ، فَيَعْطِفُ عَلَى الْفَقِيرِ.

* وَيُقَلِّلُ مِنْ مَزَالِقِ وَوَسَاوِسِ الشَّيْطَانِ الَّذِي يَجْرِي مِنِ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ، كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ.

وَفِي الصِّيَامِ الَّذِي يَأْتِي بِهِ الْإِنْسَانُ كَمَا يُحِبُّهُ اللهُ فَضْلٌ عَظِيمٌ، مِنْ ذَلِكَ:

* أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَخْبَرَ عَنْ رَبِّنَا -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- أَنَّهُ قَالَ: ((كُلُّ عَمَلِ آبْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصَّوْمَ، فَإِنَّهُ لِي، وَأَنَا أَجْزِي بِهِ))؛ لِأَنَّ الصِّيَامَ نِيَّةٌ بَيْنَ الْعَبْدِ وَرَبِّهِ؛ حَتَّى إِنَّ كَثِيرًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ قَالُوا: إِنَّ الصَّوْمَ لَهُ رُكْنٌ وَاحِدٌ وَهُوَ النِّيَّةُ -نِيَّةُ الْإِمْسَاكِ عَنِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالشَّهْوَةِ مِنَ الْفَجْرِ الصَّادِقِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ-.

وَقَرَّرَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ الْإِنْسَانَ يَصِيرُ مُفْطِرًا بِعَزْمِهِ عَلَى فَسْخِ نِيَّتِهِ، فَإِذَا عَزَمَ الْفَسْخَ وَإِنْ لَمْ يَتَنَاوَلْ شَيْئًا مِنْ طَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ، وَلَمْ يَأْتِ شَيْئًا مِمَّا يُفْطِرُ بِهِ الصَّائِمُ؛ فَهُوَ مُفْطِرٌ، وَلَيْسَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ شَيْءٌ.

وَالصِّيَامُ لَا رِيَاءَ فِيهِ، كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: ((الصَّوْمُ لَا رِيَاءَ فِيهِ)).

وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((جَمِيعُ الْعِبَادَاتِ تَظْهَرُ بِفِعْلِهَا، وَقَلَّ أَنْ يَسْلَمَ مَا يَظْهَرُ مِنْ شَوْبٍ يَشُوبُهُ، وَمِنْ شَيْءٍ يُفْسِدُهُ بِخِلَافِ الصَّوْمِ)).

بَلْ إِنَّ كَثِيرًا مِنَ السَّلَفِ كَانُوا يُخْفُونَ الصَّوْمَ عَنْ أَقْرَبِ النَّاسِ إِلَيْهِمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ صَامَ أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَلَا يَعْلَمُ أَهْلُهُ بِصِيَامِهِ، كَانَ يَأْخُذُ الطَّعَامَ مُصْبِحًا وَهُوَ يَعْمَلُ فِي السُّوقِ، فَإِذَا كَانَ بِظَاهِرِ الْبَيْتِ تَصَدَّقَ بِطَعَامِهِ، ثُمَّ إِنَّهُ يَكُونُ فِي السُّوقِ مُمْسِكًا، فَإِذَا أَرَادَ عَارِفُوهُ أَنْ يُقَدِّمُوا إِلَيْهِ شَيْئًا مِنْ طَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ؛ امْتَنَعَ، يَظُنُّونَ أَنَّهُ إِنَّمَا يُؤَخِّرُ ذَلِكَ حَتَّى يَعُودَ إِلَى بَيْتِهِ.

فَهَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ لَا يَعْلَمُونَ عَنْ صِيَامِهِ شَيْئًا، حَتَّى قَضَى وَمَضَى رَاشِدًا حَمِيدًا.

وَشَهْرُ رَمَضَانَ شَهْرُ الصَّوْمِ، وَهُوَ شَهْرُ الصَّبْرِ، فَفِي رَمَضَانَ صَبْرٌ عَنِ الشَّهَوَاتِ وَالْمَلَذَّاتِ، وَعَلَى قَدْرِ الصَّبْرِ يَأْتِي الْأَجْرُ مِنَ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا-: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر: 10].

وَتَأْتِي مَغْفِرَةُ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- لِلصَّائِمِينَ؛ فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: ((الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتُنِبَتِ الْكَبَائِرُ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

وَالصَّوْمُ يَمْنَعُ مِنْ غِشْيَانِ الرَّذَائِلِ؛ فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: ((الصِّيَامُ جُنَّةٌ - وَالْجُنَّةُ: الْوِقَايَةُ- فَلَا يَرْفُثُ وَلَا يَجْهَلُ، وَإِنْ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ؛ فَلْيَقُلْ إِنِّي صَائِمٌ، إِنِّي صَائِمٌ -مَرَّتَيْنِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَى صِحَّتِهِ-)).

إِنَّ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- جَعَلَ لِلْعِبَادَاتِ مَقَاصِدَ، وَبَيَّنَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ لَنَا بَعْضَ تِلْكَ الْمَقَاصِدِ، وَالْإِنْسَانُ عِنْدَمَا يَأْتِي بِالْعِبَادَةِ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ؛ يَأْتِي بِهَا مُمْتَثِلًا، مُحْتَسِبًا الْمَشَقَّةَ الَّتِي يُلَاقِيهَا وَالْعَنَتَ، كَمَا يَكُونُ فِي الصِّيَامِ إِذَا أَتَى فِي أَيَّامِ الْحَرِّ؛ فَعَلَى الظَّمَأِ وَشِدَّةِ الْعَطَشِ، وَعَلَى الْمُعَانَاةِ فِيهِ، عَلَى قَدْرِ ذَلِكَ يَكُونُ الْأَجْرُ مِنَ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

هَذِهِ الْأُمُورُ الَّتِي بَيَّنَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ لَنَا مَا فِيهَا مِنَ الْمَقَاصِدِ، عَلِمْنَا مِنْهَا مَا عَلِمْنَا، وَوَرَاءَ ذَلِكَ أَنَّنَا نَتَعَبَّدُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ بِالْإِتْيَانِ بِهَا؛ لِأَنَّ الْعِبَادَاتِ غَيْرُ مَعْلُومَةِ الْمَعْنَى، بِمَعْنَى أَنَّنَا نَتَعَبَّدُ بِهَا للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَلَا نَبْحَثُ عَنِ الْعِلَلِ.

لَا نَقُولُ: لِمَ فَرَضَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ عَلَيْنَا الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَاتِ خَمْسًا بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ؟ لِمَ لَمْ تَكُنْ زِيَادَةً عَنْ ذَلِكَ أَوْ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ؟ وَكَذَلِكَ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى عَدَدِ تِلْكَ الْفَرَائِضِ الَّتِي فَرَضَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ تِلْكَ الْأُمُورِ الَّتِي نَتَعَبَّدُ بِهَا للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

وَلِذَلِكَ لَمَّا سَأَلَتِ الْمَرْأَةُ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- عَنِ الْمَرْأَةِ تَقْضِي الصِّيَامَ وَلَا تَقْضِي الصَّلَاةَ -تَعْنِي مَا يُصِيبُهَا مِنَ الْحَيْضِ- فَإِذَا كَانَ بَعْدَ رَمَضَانَ قَضَتِ الصِّيَامَ وَلَمْ تَقْضِ الصَّلَاةَ؟

فَقَالَتْ عَائِشَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- مُسْتَنْكِرَةً: ((أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ -يَعْنِي هَلْ أَنْتِ مِنَ الْخَوَارِجِ-؟))

فَقَالَتْ: لَا، وَلَكِنِّي أَسْأَلُ.

فَقَالَتْ عَائِشَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا-: ((كَانَ ذَلِكَ يُصِيبُنَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ، فَنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصِّيَامِ، وَلَا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ)).

فَالْحِكْمَةُ أَنَّ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- فَرَضَ ذَلِكَ.

وَعَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي تَغْيِيرِ سُلُوكِهِ إِذَا أَخَذَ بِالْعِبَادَاتِ الْمَفْرُوضَةِ عَلَيْهِ؛ فَإِنَّ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ جَعَلَ الصَّلَاةَ نَاهِيَةً عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ، فَإِذَا كَانَ الْإِنْسَانُ مُصَلِيًّا لَا يَنْتَهِي عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ، وَلَا يَتَحَصَّلُ عَلَى ثَمَرَةِ الصَّلَاةِ؛ فَعَلَيْهِ أَنْ يَتَّهِمَ صَلَاتَهُ.

الصِّيَامُ يُحَصِّلُ بِهِ الْمَرْءُ التَّقْوَى، وَيَجْعَلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّارِ وِقَايَةً وَحِجَابًا، فَإِذَا لَمْ يَتَغَيَّرْ سُلُوكُ الصَّائِمِ؛ فَمَا صَامَ ،كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((رُبَّ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إِلَّا الْجُوعُ وَالْعَطَشُ)).

((مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ؛ فَلَيْسَ للهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ)).

إِنَّمَا يُعَذِّبُ نَفْسَهُ!!

فَعَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي تَغْيِيرِ سُلُوكِهِ، وَعَلَى الْمَرْءِ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي الْإِتْيَانِ بِالْعِبَادَةِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يُحِبُّهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ، وَعَلَيْنَا أَنْ نُفَتِّشَ فِي قُلُوبِنَا، فَهَذَا هُوَ الْمَقْصِدُ الْأَعْظَمُ.

عَلَى الْمَرْءِ أَنْ يَبْحَثَ عَنِ الْآفَاتِ الَّتِي تُمَازِجُ الْقُلُوبَ وَتُخَالِطُ الْأَرْوَاحَ، حَتَّى يُخَلِّصَ نَفْسَهُ مِنْ ذَلِكَ؛ فَإِنَّ الْعَمَلَ مَهْمَا كَثُرَ مَعَ هَذَا الشَّوْبِ لَا يُتَقَبَّلُ عِنْدَ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالْعَمَلُ إِذَا كَانَ يَسِيرًا بِإِخْلَاصٍ وَصِدْقٍ؛ تَقَبَّلَهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} [المائدة: 27].

((رَمَضَانُ شَهْرُ الْإِرَادَةِ وَالْمُجَاهَدَةِ))

إِنَّ رُوحَ الْجِهَادِ تَسْمُو فِي رَمَضَانَ بِسُمُوِّ رُوحِ الْمُجَاهَدَةِ فِيهِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ جِهَادَ النَّفْسِ هُوَ مُقَدِّمَةُ كُلِّ جِهَادٍ صَحِيحٍ؛ فَالْأَمْرُ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((الْمُجَاهِدُ مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ فِي طَاعَةِ اللهِ، وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ الْخَطَايَا وَالذُّنُوبَ)). أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ.

وَقَدْ لَا يَرَى الْبَعْضُ عَلَاقَةً وَطِيدَةً بَيْنَ مُجَاهَدَةِ النَّفْسِ وَبَيْنَ الِاجْتِهَادِ فِي الْعِبَادَةِ، وَلَكِنَّ الْحَدِيثَ -الَّذِي مَرَّ- يُوَضِّحُ تِلْكَ الْعَلَاقَةَ، ((الْمُجَاهِدُ مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ فِي طَاعَةِ اللهِ)).

فَالِاجْتِهَادُ فِي الطَّاعَاتِ كُلِّهَا -وَمِنْهَا الصِّيَامُ- يَبْنِي شَخْصِيَّةً خَاصَّةً جَادَّةً فِي مَلَامِحِهَا، صَادِقَةً فِي تَوَجُّهِهَا، وَهَذَا مَا نَرْجُو أَنْ يُثْمِرَهُ رَمَضَانُ فِينَا.

إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ هُوَ الْأُسْوَةُ وَالْقُدْوَةُ لَنَا فِي كُلِّ خَيْرٍ، وَهُوَ الدَّاعِي إِلَى كُلِّ مَا فِيهِ الصَّالِحُ فِي الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ.

وَالْمُؤْمِنُ يَجْتَمِعُ لَهُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ جِهَادَانِ:

* جِهَادٌ لِنَفْسِهِ بِالنَّهَارِ عَلَى الصِّيَامِ.

* وَجِهَادٌ بِاللَّيْلِ عَلَى الْقِيَامِ.

فَمَنْ جَمَعَ بَيْنَ هَذَيْنِ الْجِهَادَيْنِ وَوَفَّى بِحُقُوقِهِمَا، وَصَبَرَ عَلَيْهِمَا، وَفَّى اللهُ لَهُ الْأَجْرَ بِغَيْرِ حِسَابٍ.

عِبَادَ اللهِ! فَلْنُوقِنْ جَمِيعًا أَنَّهُ لَنْ يَفُوزَ بِخَيْرَاتِ شَهْرِ رَمَضَانَ وَفَضَائِلِهِ إِلَّا مَنْ كَانَ جَادًّا فِيهِ، حَافِظًا لِوَقْتِهِ، عَارِفًا قِيمَةَ شَهْرِهِ، عَازِمًا عَلَى اغْتِنَامِهِ.

أَمَّا غَيْرُ هَذَا فَسَيَمْضِي عَلَيْهِ الشَّهْرُ وَهُوَ فِي غَفْلَةٍ ظَاهِرَةٍ، وَسُبَاتٍ عَمِيقٍ، وَيَضِيعُ عَلَيْهِ هَذَا الزَّمَانُ الْفَاضِلُ وَهُوَ فِي خَسَارَةٍ بَيِّنَةٍ.

فَكُنْ جَادًّا مَعَ نَفْسِكَ فِي الْقِيَامِ بِالْعِبَادَاتِ عَلَى أَكْمَلِ وَجْهٍ وَأَحْسَنِ حَالٍ، وَلَا تَتَكَاسَلْ فِي أَيِّ عِبَادَةٍ، وَاضْرِبْ بِسَهْمٍ فِي كُلِّ طَاعَةٍ.

أَخْبَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَصْحَابَهُ (ض3) يَوْمًا بِعَدَدِ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، وَأَنَّهَا ثَمَانِيَةٌ، وَلِكُلِّ بَابٍ عَمَلٌ تَمَيَّزَ بِهِ أَهْلُهُ، فَبَعْضُهُمْ يَكُونُ كَثِيرَ الصَّلَاةِ، فَيُدْعَى مِنْ بَابِ الصَّلَاةِ، وَبَعْضُهُمْ أَحَبَّ الصِّيَامَ، فَصَارَ أَكْثَرَ الدَّهْرِ صَائِمًا، فَيَدْخُلُ مِنْ بَابِ الرَّيَّانِ، وَثَالِثٌ كَثِيرُ الصَّدَقَةِ، فَيَفُوزُ بِالدُّخُولِ مِنْ بَابِ الصَّدَقَةِ.

لَمَّا سَمِعَ الصِّدِّيقُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- هَذَا الْخَبَرَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ طَمِعَ أَنْ يَدْخُلَ مِنْ جَمِيعِ هَذِهِ الْأَبْوَابِ -يَعْنِي: أَنْ يُدْعَى مِنْ جَمِيعِهَا-؛ لِأَنَّهُ عَبْدٌ عَالِي الْهِمَّةِ، تَتُوقُ نَفْسُهُ لِكُلِّ مَا هُوَ شَرِيفٌ، فَلْتَعْلُ هِمَّتُكَ مِثْلَهُ؛ لِتَتَأَهَّلَ وَتَدْخُلَ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ شِئْتَ، وَلَا يُمْكِنُ بُلُوغُ هَذَا إِلَّا بِنَفْسٍ شَرِيفَةٍ، وَهِمَّةٍ عَالِيَةٍ، وَجِدٍّ وَصَبْرٍ.

وَمِنْ مُتَأَخِّرِي أَفْرَادِ هَذِهِ الْأُمَّةِ مَنْ سَيُدْعَى مِنْ هَذِهِ الْأَبْوَابِ كُلِّهَا؛ فَالْخَيْرُ فِي أَفْرَادِ هَذِهِ الْأُمَّةِ بَاقٍ، وَالْهِمَّةُ لَا تَزَالُ فِي بَعْضِ النُّفُوسِ حَيَّةً، فَيَا لَشَرَفِ أَهْلِهَا، وَيَا لَعُلُوِّ شَأْنِهِمْ، اقْرَأْ عَنِ الْجَادِّينَ فِي حَيَاتِهِمْ كُلِّهَا عَامَّةً، وَفِي رَمَضَانَ خَاصَّةً؛ سَتَجِدُ صُوَرًا عَجِيبَةً فِي قُوَّةِ الْعِبَادَةِ، وَاسْتِغْلَالِ رَمَضَانَ، وَفِي تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ، وَهُمْ كَثِيرُونَ فِي كُلِّ بَابٍ.

لَقَدْ ضَرَبُوا لِلْأُمَّةِ أَرْوَعَ الْأَمْثِلَةِ فِي اغْتِنَامِ الْعُمُرِ، فَفَازُوا بِالذِّكْرِ الْحَسَنِ فِي الدُّنْيَا، وَنَحْسَبُهُمْ فَائِزِينَ بِالْأَجْرِ وَالدَّرَجَاتِ الْعُلَى فِي الْآخِرَةِ، فَالْجَادُّونَ الْمُجَاهِدُونَ لِأَنْفُسِهِمْ فِي ذَاتِ اللهِ -تَعَالَى- هُمْ مَنْ بَرَزُوا فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَاغْتَنَمُوا حَيَاتَهُمْ عَامَّةً، وَمَوَاسِمَ الْخَيْرَاتِ خَاصَّةً.

رَمَضَانُ أَيَّامٌ مَعْدُودَاتٌ، كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ رَبُّنَا -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، فَهِيَ أَيَّامٌ مَعْدُودَاتٌ قَصِيرَاتٌ، فَاجْعَلْ مِنْ هَذَا الْقِصَرِ لِأَيَّامِهِ سَبِيلًا مَمْهُودَةً لِاغْتِنَامِهِ كُلِّهِ، رُبَّمَا تَجِدُ صُعُوبَةً فِي أَوَّلِ أَمْرِكَ فِي الْجِدِّيَّةِ، وَعُلُوِّ الْهِمَّةِ، لَكِنْ سَرْعَانَ مَا تَرَى مِنْ نَفْسِكَ أَنَّهَا قَدْ أَقْبَلَتْ عَلَى الْخَيْرِ، وَصِرْتَ مِنَ الْجَادِّينَ خُصُوصًا مَعَ الصِّدْقِ وَكَثْرَةِ الدُّعَاءِ، فَجِدَّ وَاجْتَهِدْ؛ لِتَفُوزَ بِخَيْرَاتِ شَهْرِكَ وَفَضَائِلِهِ.

((أَسْبَابُ زِيَادَةِ الْإِيمَانِ فِي رَمَضَانَ))

مِنْ أَعْظَمِ مَا يَحْرِصُ الْجَادُّ عَلَيْهِ زِيَادَةُ إِيمَانِهِ، فَرَمَضَانُ شَهْرُ اللَّذَّةِ الْإِيمَانِيَّةِ، وَالْحَلَاوَةِ التَّعَبُّدِيَّةِ الَّتِي وَعَدَهَا اللهُ الْعَامِلِينَ الْمُخْلِصِينَ مِنْ عِبَادِهِ، وَأَنَّهُمْ سَيَجِدُونَهَا أَوْفَرَ مَا تَكُونُ فِي عِبَادَاتِهِمْ وَقُرُبَاتِهِمُ الَّتِي يَتَقَرَّبُونَ بِهَا لِرَبِّهِمْ، فَقَدْ قَالَ -تَعَالَى- فِي حَقِّهِمْ: {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَٰذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ ۚ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ ۚ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ} [النحل: 30].

حَسَنَةُ الدُّنْيَا هِيَ الْحَيَاةُ الطَّيِّبَةُ الَّتِي يَجِدُهَا الصَّالِحُونَ فِي الدُّنْيَا، وَهِيَ أَنْفَسُ مَا يَحْرِصُ عَلَيْهِ النَّاصِحُونَ لِأَنْفُسِهِمْ.

وَلْتَعْلَمْ أَنَّ أَعْظَمَ طَرِيقٍ لِإِدْرَاكِ هَذِهِ اللَّذَّةِ هُوَ الْإِكْثَارُ مِنَ الطَّاعَاتِ، وَالْبُعْدُ عَنِ الْمُحَرَّمَاتِ، وَالْبُعْدُ عَنْ أَكْلِ الْحَرَامِ، وَالتَّخْفِيفُ مِنَ الْمُخَالَطَاتِ، وَجَعْلُ وَقْتٍ لِلْخَلْوَةِ بِاللهِ لِلدُّعَاءِ وَالْمُنَاجَاةِ.

فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ أَسْبَابٍ رَئِيسَةٍ تَجِدُ مَعَهَا -بِإِذْنِ اللهِ- حَلَاوَةَ الطَّاعَةِ، وَيَتَجَدَّدُ إِيمَانُكَ مَعَهَا كُلَّ سَاعَةٍ، فَاحْرِصْ عَلَيْهَا كُلِّهَا مُجْتَمِعَةً؛ فَإِنَّهَا الرِّفْعَةُ عِنْدَ اللهِ بِالْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ، كَمَا قَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [المجادلة: 11].

وَرَمَضَانُ فُرْصَةٌ لِتَحْقِيقِ هَذَا الْمَطْلُوبِ الْعَزِيزِ؛ ذَلِكَ أَنَّ النُّفُوسَ مُقْبِلَةٌ، وَكَذَلِكَ مَا يُحِيطُ بِالْمَرْءِ مِنْ أَجْوَاءٍ إِيمَانِيَّةٍ، مَعَ كَثْرَةِ الْعُبَّادِ حَوْلَكَ، فَهَذَا يَكُونُ كَفِيلًا -بِإِذْنِ رَبِّكَ- لِتَحْقِيقِ هَذَا الْمَطْلَبِ النَّفِيسِ.

وَاعْلَمْ أَنَّ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ الْإِيمَانِ تَأْدِيَةَ الْعِبَادَةِ بِحُضُورِ قَلْبٍ، وَعَلَى أَكْمَلِ وَجْهٍ، مَعَ مُجَاهَدَةِ النَّفْسِ فِي ذَلِكَ، فَإِذَا صَلَّيْتَ فَأَحْسِنْ صَلَاتَكَ، وَأَحْضِرْ قَلْبَكَ فِيهَا، خُصُوصًا أَنَّكَ تُصَلِّي كَثِيرًا فِي رَمَضَانَ، فَهُنَاكَ صَلَاةُ التَّرَاوِيحِ، وَلَعَلَّكَ مِمَّنْ يُحَافِظُ عَلَى السُّنَنِ الرَّوَاتِبِ، وَرُبَّمَا تَنَفَّلْتَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَهُوَ وَقْتُ غَفْلَةٍ عَنِ الْعِبَادَةِ، فَهَذِهِ الرَّكَعَاتُ مَعَ حُضُورِ الْقَلْبِ لَا شَكَّ أَنَّ لَهَا أَثَرَهَا فِي صَلَاحِ الْقَلْبِ وَزِيَادَةِ الْإِيمَانِ.

وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَأَحْضِرْ قَلْبَكَ عِنْدَ التِّلَاوَةِ، وَإِذَا مَرَرْتَ بِآيَةٍ تَصِفُ الْجَنَّةَ فَعِشْ مَعَهَا كَأَنَّكَ فُزْتَ بِنَعِيمِهَا، تَشْرَبُ مِنْ أَنْهَارِهَا، وَتَأْكُلُ مِنْ طَعَامِهَا وَثَمَرَاتِهَا، وَتَسْتَمْتِعُ بِحُورِهَا، وَتَتَّكِئُ عَلَى فُرُشِهَا، وَتَسْعَدُ مَعَ أَهْلِكَ عَلَى أَنْهَارِهَا.

وَإِذَا مَرَرْتَ بِذِكْرِ النَّارِ تَخَيَّلْتَ عَذَابَ أَهْلِهَا، وَمَا هُمْ فِيهِ مِنَ الْهَوَانِ وَالذِّلَّةِ، وَشِدَّةِ الْآلَامِ، فَاجْتَهَدْتَ أَنْ تَنْجُوَ مِنْ هَذِهِ الْحَالِ.

وَإِذَا مَرَرْتَ بِأَهْوَالِ الْقِيَامَةِ عِشْتَهَا بِقَلْبِكَ.

وَإِذَا مَرَرْتَ بِآيَاتِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ وَالْأَفْعَالِ للهِ عَرَفْتَ عَظَمَةَ رَبِّكَ، وَكَمَالَ أَفْعَالِهِ.

وَهَكَذَا مَعَ سَائِرِ الْآيَاتِ.

فَتِلَاوَةُ الْآيَاتِ بِتَأَمُّلٍ مِنْ أَنْفَعِ الْأَشْيَاءِ لِلْقَلْبِ، وَهِيَ مِنْ أَسْبَابِ زِيَادَةِ الْإِيمَانِ.

وَمِنْ أَسْبَابِ زِيَادَةِ الْإِيمَانِ: ذِكْرُ اللهِ بِحُضُورِ قَلْبٍ، وَلَذِيذِ مُنَاجَاةٍ، فَاجْتَهِدْ أَنْ تُحْضِرَ قَلْبَكَ عِنْدَ الذِّكْرِ، فَلِلذِّكْرِ خَاصِيَّةٌ عَجِيبَةٌ فِي التَّأْثِيرِ فِي الْقُلُوبِ.

وَمِنْ أَسْبَابِ الْإِيمَانِ: كَثْرَةُ الدُّعَاءِ، وَالصِّدْقُ فِي الْمُنَاجَاةِ، فَأَحْضِرْ قَلْبَكَ عِنْدَ سُؤَالِ اللهِ، وَاسْتَحْضِرْ فَقْرَكَ وَحَاجَتَكَ وَأَنْتَ تُنَاجِي رَبَّكَ، وَأَظْهِرِ اضْطِرَارَكَ، وَتَعَلُّقَ قَلْبِكَ بِاللهِ.

وَفِي الْجُمْلَةِ؛ فَإِنَّ كُلَّ طَاعَةٍ لَهَا أَثَرٌ فِي زِيَادَةِ الْإِيمَانِ، فَالْإِيمَانُ يَزِيدُ بِالطَّاعَةِ، وَيَنْقُصُ بِالْمَعْصِيَةِ.

فاللهم زِدْ إِيمَانَنَا، وَارْزُقْنَا حَلَاوَتَهُ، وَلَذِيذَ مُنَاجَاتِكَ.

((رَمَضَانُ شَهْرُ الْجُودِ وَالْعَطَاءِ))

لَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُرَبِّي أَصْحَابَهُ عَلَى الْبَذْلِ وَالْجُودِ وَالْكَرَمِ، وَيَحُضُّهُمْ عَلَى الصَّدَقَةِ، كَمَا فِي «الصَّحِيحِ» عَنْ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: رَغَّبَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الصَّدَقَةِ يَوْمًا، وَقَدْ صَادَفَ ذَلِكَ مَالًا عِنْدِي، فَقُلْتُ: الْيَوْمَ أَسْبِقُ أَبَا بَكْرٍ إِنْ سَبَقْتُه يَوْمًا.

قَالَ: فَانْقَلَبْتُ إِلَى أَهْلِي فَأَتَيْتُ بِشَطْرِ مَالِي -يَعْنِي بِنِصْفِهِ- حَتَّى وَضَعَتُهُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ ﷺ.

 فَقَالَ: «مَا أَبْقَيْتَ لِأَهْلِكَ؟».

 قُلْتُ: مِثْلَهُ.

 قَال: ثُمَّ جَاءَ أَبُو بَكْرٍ، فَوَضَعَ مَا أَتَى بِهِ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ ﷺ.

فَقَالَ: «مَا أَبْقَيْتَ لِأَهْلِكَ؟»

 قَالَ: أَبْقَيْتُ لَهُمُ اللهَ وَرَسُولَهُ .

فَقَالَ عُمَرُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: لَا جَرَمَ، لَا أُسَابِقُكَ إِلَى شَيْءٍ بَعْدَهَا أَبَدًا .

 فَأَذْعَنَ لَهُ بِالسَّبْقِ، وَصَدَّقَ فِعْلُ أَبِي بَكْرٍ مَا كَانَ فِي نَفْسِ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: الْيَوْمَ أَسْبِقُهُ إِنْ كُنْتُ سَابِقَهُ يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ، وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يَسْبِقْهُ.

 وَهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَكْنِزُونَ شَيْئًا مِنَ الْمَالِ، وَلَا يَحْرِصُونَ عَلَيْهِ؛ بَلْ كَانُوا أَجْوَدَ الْخَلْقِ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ بِعَطِيَّةٍ وَهِبَةٍ، وَصِلَةٍ وَبِرٍّ.

 وَالرَّسُولُ ﷺ يُعَلِّمُهُمْ، وَيَدْعُوهُمْ إِلَى ذَلِكَ، وَيُرَبِّيهِمْ عَلَيْهِ، حَتَّى إِنَّهُ ﷺ كَانَ جُودُهُ لَا يُبْقِي لَدَيْهِ شَيْئًا مِمَّا يُمْكِنُ أَنْ يُقِيتَ ذَا كَبِدٍ رَطْبَةٍ.

فِي الْحَدِيثِ الَّذِي هُو حَسَنٌ بِشَوَاهِدِهِ، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي «سُنَنِهِ»، عَن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «هَلْ أَطْعَمَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ مِسْكِينًا؟».

 فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ؛ دَخَلْتُ الْـمَسْجِدَ فَرَأَيْتُ مِسْكِينًا، وَكِسْرَةٌ مِنْ خُبْزٍ فِي يَدِ وَلَدِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَأَخَذْتُهَا مِنْهُ، وَأَعْطَيْتُهَا الْمِسْكِينَ.

عَبْدَ اللهِ! لَا تَبْغِ عَلَى الْإِطْعَامِ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا، وَإِنَّمَا تَقَعُ صدَقَتُكَ فِي يَدِ اللهِ، فَيُرَبِّيهَا لَكَ، كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ، يَعْنِي مُهْرَهُ، فَمَا يَزَالُ يَرْبُو وَيَرْبُو حَتَّى تَكُونَ التَّمْرَةُ جَبَلًا مِنْ تَمْرٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ أَنَّى هَذَا، وَمَا امْتَلَكْتُ عُشْرَ مِعْشَارِهِ فِي الدُّنْيَا أَبَدًا.

يَقُولُ: «صَدَقَتُكَ فِي يَوْمِ كَذَا، مَا زِلْتُ أُرَبِّيهَا لَكَ» يَعْنِي: أَزِيدُهَا لَكَ بَرَكَةً، وَعَطَاءً، وَبِرًّا، حَتَّى صارَتْ إِلَى مَا تَرَى.

وَقَدْ كَانَ الرَّسُولُ ﷺ يُخْبِرُ النَّاسَ مِنْ أَصْحَابٍ وَمَنْ يَلِي، يُخْبِرُهُمْ أَنَّهُ مَا مِنْ يَوْمٍ جَدِيدٍ إِلَّا وَاللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- يَجْعَلُ مَلَكَيْنِ هُنَالِكَ قَائِمِينَ، يَقُولُ أَحَدُهُمَا: «اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَيَقُولُ الْآخَرُ: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا».

لَقَدْ أَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الَّذِي رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي «الْكَبِيرِ», وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي «الْحِلْيَةِ»: «إِنَّ اللهَ كَرِيمٌ يُحِبُّ الْكُرَمَاءَ، جَوَادٌ يُحِبُّ الْجَوَدَةَ، يُحِبُّ مَعَالِيَ الْأُمُورِ، وَيَكْرَهُ سَفْسَافَهَا».

وَقَالَ ﷺ: «إِنَّ اللهَ كَرِيمٌ يُحِبُّ الْكَرَمَ، يُحِبُّ مَعَالِيَ الْأُمُورِ، وَيَكْرَهُ سَفْسَافَهَا».

فَاللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- هُوَ الْكَرِيمُ وَهُوَ الْجَوَادُ، وَيُحِبُّ الْكَرَمَ وَأَهْلَهُ، وَيُحِبُّ الْجُودَ وَأَهْلَهُ، وَيُحِبُّ مَعَالِيَ الْأُمُورِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْكَرَمَ وَالْجُودَ مِنْ مَعَالِي الْأُمُورِ.

وَيَكْرَهُ اللهُ -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ- السَّفَاسِفَ، وَالْأُمُورَ الْـمُسْتَصَغَرَةَ، وَالْأَحْوَالَ الْـمُسْتَرْذَلَةَ، يَكْرَهُ اللهُ سَفْسَافَ الْأَخْلاقِ، ومُنحَطَّهَا، وَيُحِبُّ اللهُ -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ- مَعَالِيَ الْأُمُورِ.

إِنَّ الرَّسُولَ ﷺ كَانَ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ؛ فَهَذَا مَحَلٌّ لِلتَّرْبِيَةِ الْعَمَلِيَّةِ عَلَى الْجُودِ، وَالْبَذْلِ، وَالْعَطَاءِ.

وَالنَّبِيُّ ﷺ يُمَارِسُ ذَلِك فِي وَاقِعِ الْحَيَاةِ، وَفِي ظَاهِرِ الْأَمْرِ؛ لِيَقْتَدِيَ بِهِ مَنْ هُنَالِكَ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَمَنْ يَأْتِي بَعْدُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، حَتَّى يَرِثَ اللهُ الْأَرْضَ وَمَن عَلَيْهَا.

 «وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ» يَعْنِي: يَبْلُغُ الْجُودُ مِنْهُ غَايَةَ الْوُسْعِ بِحَيْثُ لَا جُودَ فَوْقَ جُودِهِ يَكُونُ لِمَخْلُوقٍ أَبَدًا ﷺ.

اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ يُبَيِّنُ لَنَا عَلَى لِسَانِ نَبِيِّنَا ﷺ طَرِيقَةً عَمَلِيَّةً لِلْخُرُوجِ مِنْ قَيْدِ النَّفْسِ، وَمِنْ أَسْرِ شُحِّهَا؛ مِنْ أَجْلِ أَنْ يَتَدَرَّبَ الْإِنْسَانُ عَلَى الْعَطَاءِ، وَيَجْعَلُهَا النَّبِيُّ ﷺ حَالَةً مِن حَالَاتِ الْبَذْلِ الَّذِي لَا يَتَنَاهَى؛ حَتَّى إِنَّهُ لَيَقُولُ: «وَابْتِسَامُكَ فِي وَجْهِ أَخِيكَ صدَقَةٌ».

 وَمَا هِيَ بِشَيْءٍ فِي حَقِيقَةِ الْأَمْرِ، وَلَكِنَّهَا عُنْوَانٌ عَلَى بَاطِنٍ مُنْبَسِطٍ لِخَلْقِ اللهِ الْـمُؤْمِنِينَ، وَأَمَّا كَذَاذَةُ الطَّبْعِ، وَأَمَّا الْغِلْظَةُ وَالْجَفَاءُ وَالفَظَاظَةُ؛ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ تُبِضَّ شَيْئًا مِنِ ابْتِسَامٍ، وِلَا شَيْئًا مِنْ فَرَحٍ يَلْقَى بِهِ مُؤْمِنٌ مَؤْمِنًا، وَيُلَاقِي بِهِ مُسْلِمٌ مُسْلِمًا.

فَالنَّبِيُّ ﷺ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ كَمَا وَصَفَ ابْنُ عبَّاسٍ حَالَهُ «أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْـمُرْسَلَةِ».

وَكَانَ هُوَ فِي حَالَتِهِ فِي غَيْرِ شَهْرِ رَمَضَانَ أَكْرَمَ النَّاسِ, وَأَجْوَدَ النَّاسِ ﷺ؛ فَفِي «الصَّحِيحِ» أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِبُرْدَةٍ فَأَهْدَتْهَا إِلَيْهِ.

تَدْرُونَ مَا الْبُرْدَةُ؟

 قَالُوا: الشَّمْلَةُ.

 قَالَ: شَمْلَةٌ مُطَرَّزَةٌ بِحَاشِيَتِهَا، مَنْسُوجَةٌ بِحَاشِيَتِهَا.

فَأَخَذَهَا النَّبِيُّ ﷺ مُحْتَاجًا إِلَيْهَا فَلَبِسَهَا.

 فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ: يَا رَسُولَ اللهِ, اكْسُنِيهَا.

 فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «هِيَ لَكَ». وَأَعْطَاهُ إِيَّاهَا.

 ثُمَّ دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْتَهُ, فَأَقْبَلَ أَصْحَابُهُ -أَيْ أَصْحَابُ الرَّجُلِ، أَقْبَلُوا عَلَيْهِ لَائِمِينَ، وَقَالُوا: تَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَرُدُّ السَّائِلَ، وَأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ لِشَيْءٍ: لَا، قَطُّ، وَأَنَّكَ مَتَى سَأَلْتَهُ أَنْ يُعْطِيَكَهَا أَعْطَاكَهَا مِنْ غَيْرِ مَا تَسْوِيفٍ وَلَا مَنَظَرَةٍ - يَعْنِي مِنْ غَيْرِ مَا انْتِظَارٍ وَلَا تَرَيُّثٍ-، وَأَخَذُوا يَلُومُونَهُ يَقُولُونَ: إِنَّهُ إِنَّمَا أَخَذَهَا وَهُوَ مُحْتَاجٌ إِلَيْهَا ﷺ.

فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ: وَاللهِ مَا أَخَذْتُهَا إِلَّا رَجَاءَ بَرَكَتِهَا؛ إِذْ جَعَلَهَا عَلَى جِلْدِهِ، إِذْ جَعَلَهَا عَلَى جَسَدِهِ، وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ كَفَنِي. فَكَانَتْ.

فَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ فِي حَالَاتِهِ جَمِيعِهَا أَجْوَدَ الْخَلْقِ، لَا يَرُدُّ سَائِلًا، وَيُعْطِي عَطَاءَ مَنْ لَا يَخْشَى الْفَقْرَ, كَمَا فِي «الصَّحِيحِ» أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ غَنَمًا فِي شِعْبٍ بَيْنَ جَبَلَيْنِ.

فَأَعْطَاهُ الرَّسُولُ ﷺ إِيَّاهَا جَمِيعَهَا.

فَعَادَ الرَّجُلُ إِلَى قَوْمِهِ يَقُولُ: إِنَّ مُحَمَّدًا يُعْطِي عَطَاءً لَا يَخْشَى الْفَقْرَ.

 يُعْطِي النَّبِيُّ ﷺ عَطَاءً بِلَا حُدُودٍ، وَهُوَ يُعْطِي عَطَاءَ مَنْ لَا يَخْشَى الْفَقْرَ.

 وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَأَلَّفُ بِالْعَطَاءِ وَبِالْبَذْلِ قُلُوبَ أَقْوَامٍ لَا تُقَادُ إِلَّا بِزِمَامِ الْعَطَاءِ وَلَا تَنْقَادُ إِلَّا لَه.

كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَجْوَدَ النَّاسِ, وَأَكْرَمَ النَّاسِ, وَأَحْسَنَ النَّاسِ, وَأَجْمَلَ النَّاسِ.

عِبَادَ اللهِ! يَقُولُ رَبُّنَا -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ-: «يَا ابْنَ آدَمَ! أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ».

يَقُولُ النَّبِيُّ : «يَمِينُهُ مَلْئَى، سَحَّاءَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، لَا تَغِيضُهَا نَفَقَةٌ».

نَعَمْ! لَو أَنَّكَ نَظَرْتَ مَا أَنْفَقَ، وَكَمْ أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَق الْخَلْقَ؛ لَعَلِمْتَ أَنَّ ذَلِكَ مُسْتَعْظَمٌ عِنْدَ الْخَلْقِ، وَأَمَّا عِنْدَ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-؛ فَشَيْءٌ هَيَّنٌ يَسِيرٌ.

إِنَّ الأَعْمَالَ الَّتِي تُعْمَلُ فِي رَمَضَانَ مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ الرَّحِيمِ الرَّحْمَنِ كَثِيرَةٌ؛ مِنْهَا: الصَّدَقَةُ:

*فَالصَّدَقَةُ مِنْ أَعْمَالِ هَذَا الشَّهْرِ، وَمِمَّا يتَأَكَّدُ فِيهِ: الصَّدَقَةُ وَالجُودُ بِالمَوْجُودِ؛ فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَجْوَدَ النَّاسِ بِالخَيْرِ، وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ».

لَقَدْ رَغَّبَ النَّبِيُّ فِي تَفْطِيرِ الصَّائِمِ، وَإِطْعَامِ الطَّعَامِ، وَسَقْيِ المَاءِ:

النَّبِيُّ ﷺ يُخْبِرُنَا النَّبِيُّ أَنَّ مَنْ فَطَّرَ فِيهِ- أَيْ فِي رَمَضَانَ- صائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ؛ وَلَوْ بِمَذْقَةٍ مِنْ مَاءٍ أَوْ لَبَنٍ، وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، يَجْعَلُ اللهُ -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ- الثَّوَابَ وَافِرًا، وَيَجْعَلُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ الْعَطَاءَ وَاصِلًا؛ وَلَوْ عَلَى جَرْعَةِ مَاءٍ.

فَمَا أَبْلَغَهُ مِنْ عَطَاءٍ لَا يُقَابِلُ إِلَّا جَرْعَةً مِنْ مَاءٍ هِيَ مَبْذُولَةٌ فِي كُلِّ حِينٍ لِطَالِبِهَا بِفَضْل رَبِّهَا وَقُدْرَتِهِ.

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : «مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ غَيْرَ أَنَّهُ لا يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيْئًا»، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: «حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ».

 وَفِي «الصَّحِيحَيْنِ» عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللهِ قَالَ: أَيُّ الإِسْلَامِ خَيْرٌ؟

قَالَ: «تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ».

وَعَنْ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ : أَيُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟

قَالَ: «إِدْخَالُكَ السُّرُورَ عَلَى مُؤْمِنٍ، أشْبَعْتَهُ مِنْ جُوعٍ، كَسَوْتَهُ مِنْ عُرْيٍ، قَضْيْتَ لَهُ حَاجَةً، أَعَنْتَهُ، فَرَّجْتَ لَهُ كَرْبًا بِإِذْنِ رَبِّهِ».

وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: «فِي كُلِّ ذَاتِ كَبِدٍ حَرَّى أَجْرٌ». رَوَاهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ.

وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: «لَيْسَ صَدَقَةٌ أَعْظَمَ أَجْرًا مِنْ مَاءٍ». رَوَاهُ البَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ لِغَيْرِهِ.

يَحْفِرُ بِئْرًا، يَجْعَلُ لِلنَّاسِ صُنْبُورًا فِي سَبِيلٍ، يَبْذُلُ المَاءَ لِابْنِ السَّبِيلِ وَالعَطْشَانِ.

سَقْيُ المَاءِ؛ حَتَّى وَلَوْ لِلكِلَابِ؛ حَتَّى وَلَوْ كَانَ لِلكَلْبِ الضَّالِّ؛ فِيهِ أَجْرٌ عِنْدَ الكَبِيرِ المُتَعَالِ.

 وَتَلَوُّثُ المِيَاهِ شَائِعٌ ذَائِعٌ لَا يَخْفَى، وَتَدِبُّ بِسَبَبِهِ أَمْرَاضٌ تَفْتِكُ بِالأَجْسَادِ وَتَفْرِيهَا فَرْيًا، فَمَنْ شَارَكَ أَوْ صَنَعَ لَهُمْ صَنِيعًا لِيَكُونَ مَاؤُهُ بَعِيدًا عَنْ هَذَا التَّلَوُّثِ؛ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي الحَدِيثِ، وَقَدْ أَتَى بِأَعْظَمِ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَتَقَرَّبَ بِهِ عَبْدٌ إِلَى اللهِ.

عِبَادَ اللهِ! مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَّقِيَ النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ فَلْيَفْعَلْ؛ لِأَنَّهُ إِذَا قَامَ النَّاسُ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ أَيْمَنَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلَّا النَّارَ، وَيَنْظُرَ أَشْأَمَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلَّا النَّارَ، وَيَنْظُرُ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ فَلَا يَرَى إِلَّا النَّارَ؛ فَمَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَتَّقِيَ النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ فَلْيَفْعَلْ.          

يَا لَهُ مِنْ دِينٍ لَوْ كَانَ لَهُ رِجَالٌ، يَا لَهُ مِن دِينٍ لَوْ كَانَ لَهُ رِجَالٌ!!

اللَّهُمَّ أَصْلِحْ أَحْوَالَنَا، وَارْزُقْنَا الْجُودَ وَالْكَرَمَ؛ وَأَنْت الْجَوَادُ الْكَرِيمُ.

نَسْأَلُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ أَنْ يَتَقَبَّلَ صِيَامَنَا، وَقِيَامَنَا، وَتِلَاوَتَنَا، وَذِكْرَنَا، وَأَنْ يُوَفِّقَنَا لِلْعَمَلِ الصَّالِحِ، وَأَنْ يَرْزُقَنَا الْعِلْمَ النَّافِعَ، وَأَنْ يَهْدِيَنَا، وَأَنْ يَهْدِيَ بِنَا، وَأَنْ يَجْعَلَنَا سَبَبًا لِمَنِ اهْتَدَى، وَأَنْ يُبَصِّرَنَا سُبُلَ الرَّشَادِ وَالْخَيْرِ، وَأَنْ يَرْزُقَنَا الْإِنَابَةَ وَالْإِخْبَاتَ وَالْخُشُوعَ، وَأَنْ يُحْسِنَ خِتَامَنَا أَجْمَعِينَ.

اللهم أَحْسِنْ خِتَامَنَا أَجْمَعِينَ.

اللهم أَحْسِنْ خِتَامَنَا أَجْمَعِينَ.

وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ علَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعلَى آلِهِ وَأصحَابِهِ أَجمَعِين.

المصدر: رَمَضَانُ شَهْرُ الْإِرَادَةِ وَالْكَرَمِ

 

التعليقات


خطب مفرغة قد تعجبك


  إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً لَا يَسْقُطُ وَرَقُهَا!
  هَذَا هُوَ الْإِسْلَامُ الْعَظِيمُ
  سُنَنُ العِيدِ وَآدَابُهُ
  مَسْئُولِيَّةُ الْمُسْلِمِ الْمُجْتَمَعِيَّةُ وَالْإِنْسَانِيَّةُ وَشَعْبَانُ وَحَصَادُ الْعَامِ
  الحج كأنك تراه
  بِرُّ الْوَالِدَيْنِ وَإِكْرَامُ ذِي الشَّيْبَةِ رُؤْيَةٌ شَرْعِيَّةٌ وَإِنْسَانِيَّةٌ
  إِذَا اسْتَنَارَ الْعَقْلُ بِالْعِلْمِ أَنَارَ الدُّنْيَا
  الْحَذَرُ وَالْيَقَظَةُ وَالْإِعْدَادُ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ
  الصِّدْقُ وَأَثَرُهُ فِي صَلَاحِ الْفَرْدِ وَالْمُجْتَمَعِ
  التَّفَوُّقُ الْعِلْمِيُّ وَأَثَرُهُ فِي تَقَدُّمِ الْأُمَمِ
  • شارك

نبذة عن الموقع

موقع تفريغات العلامة رسلان ، موقع يحتوي على العشرات من الخطب والمحاضرات والمقاطع المفرغة لفضيلة الشيخ العلامة أبي عبدالله محمد بن سعيد رسلان-حفظه الله- . كما يعلن القائمون على صفحة وموقع تفريغات العلامة رسلان -حفظه الله- أن التفريغات للخطب ليست هي الشكل النهائي عند الطباعة، ولكن نحن نفرغ خطب الشيخ حفظه الله ونجتهد في نشرها ليستفيد منها طلاب العلم والدعاة على منهاج النبوة في كل أنحاء الدنيا، ونؤكد على أنَّ الخطب غير مُخرَّجة بشكل كامل كما يحدث في خطب الشيخ العلامة رسلان المطبوعة وليست الكتب المنشورة على الصفحة والموقع هي النسخة النهائية لكتب الشيخ التي تُطبع...وهذه الكتب ما هي إلا تفريغ لخطب الشيخ، غير أنَّ كتب الشيخ التي تُطبع تُراجع من الشيخ -حفظه الله- وتُخرج. والتفريغ عملٌ بشريٌ، ونحن نجتهد في مراجعة التفريغات مراجعة جيدة، فإذا وقع خطأ أو شكل الخطب كما نخرجها -إنما نُحاسب نحن عليها والخطأ يُنسب لنا وليس للشيخ -حفظه الله-.

الحقوق محفوظة لكل مسلم موقع تفريغات العلامة رسلان