التَّفَوُّقُ الْعِلْمِيُّ وَأَثَرُهُ فِي تَقَدُّمِ الْأُمَمِ

التَّفَوُّقُ الْعِلْمِيُّ وَأَثَرُهُ فِي تَقَدُّمِ الْأُمَمِ

((التَّفَوُّقُ الْعِلْمِيُّ وَأَثَرُهُ فِي تَقَدُّمِ الْأُمَمِ))

إنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّه مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ؛ وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ؛ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ.

أَمَّا بَعْدُ:

فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّـهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَة، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَة، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.

أَمَّا بَعْدُ:

((الْإِسْلَامُ دِينُ الْعِلْمِ))

فَمِنْ خَصَائِصِ الْإِسْلَامِ: أَنَّهُ دِينُ الْعِلْمِ، لِلْعِلْمِ فِي الْإِسْلَامِ مَكَانَةٌ سَامِيَةٌ، وَيَكْفِي دَلَالَةً عَلَى ذَلِكَ أَنَّ أَوَّلَ كَلِمَةٍ نَزَلَتْ مِنْ عِنْدِ اللهِ -تَعَالَى- عَلَى نَبِيِّ الْهُدَى ﷺ: هِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {اقْرَأْ} [العلق: 1].

فَالْإِسْلَامُ دِينٌ يَحْتَرِمُ الْعِلْمَ، وَيُجِلُّ الْعُلَمَاءَ، وَيُقَرِّرُ أَنَّ الْعِلْمَ طَرِيقٌ لِلْخَشْيَةِ وَالْخُضُوعِ وَالِانْقِيَادِ لِأَمْرِ اللهِ -تَعَالَى-، كَمَا قَالَ -سُبْحَانَهُ-: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 28].

 

الْإِسْلَامُ دِينٌ يَرْفَعُ مِنْ شَأْنِ الْعِلْمِ: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ} [الزمر: 9].

وَآيَاتُ الْقُرْآنِ الْمَجِيدِ تُوَجِّهُ إِلَى التَّفَكُّرِ وَالتَّدَبُّرِ وَالنَّظَرِ وَإِعْمَالِ الْعَقْلِ وَاللُّبِّ فِي الْوُصُولِ إِلَى الْحَقِّ وَالصَّوَابِ؛ وَلِهَذَا خَتَمَ اللهُ -تَعَالَى- كَثِيرًا مِنَ الْآيَاتِ بِالْأَمْرِ بِذَلِكَ وَالْحَثِّ عَلَيْهِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ -سُبْحَانَهُ-: {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}.

{أَفَلَا تَعْقِلُونَ}.

{لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}.

{وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ}.

{إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ}.

{كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ}.

{لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}.

{كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}.

{إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}.

وَقَدْ أَرْشَدَ اللهُ -تَعَالَى- فِي الْقُرْآنِ الْمَجِيدِ إِلَى أَنَّ الْكَوْنَ بِحَقَائِقِهِ يَتَّفِقُ مَعَ مَا جَاءَ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، وَأَنَّ الْعِلْمَ الصَّادِقَ يَزِيدُ الْإِيمَانَ فِي النَّفْسِ، فَقَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ۗ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [فصلت: 53].

هَذَا هُوَ الْعِلْمُ، وَهَذَا شَيْءٌ مِنْ مَوْقِفِ الْإِسْلَامِ مِنْهُ.

وَقَالَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- فِي شَرَفِ الْعِلْمِ لِنَبِيِّهِ ﷺ: {وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا} [طه: 114].

فَلَوْ كَانَ شَيْءٌ أَشْرَفَ مِنَ الْعِلْمِ لَأَمَرَ اللهُ -تَعَالَى- نَبِيَّهُ ﷺ أَنْ يَسْأَلَهُ الْمَزِيدَ مِنْهُ كَمَا أَمَرَ أَنْ يَسْتَزِيدَهُ مِنَ الْعِلْمِ.

قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((إِنَّ اللهَ -سُبْحَانَهُ- أَمَرَ نَبِيَّهُ أَنْ يَسْأَلَهُ مَزِيدَ الْعِلْمِ، وَكَفَى بِهَذَا شَرَفًا لِلْعِلْمِ أَنْ أَمَرَ نَبِيَّهُ أَنْ يَسْأَلَهُ الْمَزِيدَ مِنْهُ)).

وَمِنْ فَضَائِلِ الْعِلْمِ: أَنَّهُ طَرِيقُ الْجَنَّةِ، وَقَدْ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: ((مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا؛ سَهَّلَ اللهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

وَمِنْ أَهَمِّ فَضَائِلِ الْعِلْمِ: أَنَّهُ إِرْثُ الْأَنْبِيَاءِ؛ فَالْأَنْبِيَاءُ -عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- لَمْ يُوَرِّثُوا دِرْهَمًا وَلَا دِينَارًا، وَإِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَ بِالْعِلْمِ فَقَدْ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ مِنْ إِرْثِ الْأَنْبِيَاءِ.

إِذَا كُنْتَ فِي هَذَا الْقَرْنِ الْخَامِسَ عَشَرَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ فَأَنْتَ مِنْ وُرَّاثِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ، وَهَذَا مِنْ أَكْثَرِ الْفَضَائِلِ.

عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ((مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا؛ سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا لِطَالِبِ الْعِلْمِ، وَإِنَّ طَالِبَ الْعِلْمِ يَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ؛ حَتَّى الْحِيتَانُ فِي الْمَاءِ، وَإِنَّ فَضْلَ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ، إِنَّ الْعُلَمَاءَ هُمْ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا، إِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ)).

قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((قَوْلُهُ ﷺ: ((إِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ)): هَذَا مِنْ أَعْظَمِ الْمَنَاقِبِ لِأَهْلِ الْعِلْمِ؛ فَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ خَيْرُ خَلْقِ اللهِ، فَوَرَثَتُهُمْ خَيْرُ الْخَلْقِ بَعْدَهُمْ، وَلَمَّا كَانَ كُلُّ مَوْرُوثٍ يَنْتَقِلُ مِيرَاثُهُ إِلَى وَرَثَتِهِ، إِذْ هُمُ الَّذِينَ يَقُومُونَ مَقَامَهُ مِنْ بَعْدِهِ؛ لَمْ يَكُنْ بَعْدَ الرُّسُلِ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُمْ فِي تَبْلِيغِ مَا أُرْسِلُوا بِهِ إِلَّا الْعُلَمَاءَ؛ كَانُوا أَحَقَّ النَّاسِ بِمِيرَاثِهِمْ.

وَفِي هَذَا تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّهُمْ أَقْرَبُ النَّاسِ إِلَيْهِ؛ فَإِنَّ الْمِيرَاثَ إِنَّمَا يَكُونُ لِأَقْرَبِ النَّاسِ إِلَى الْمَوْرُوثِ، وَهَذَا كَمَا أَنَّهُ ثَابِتٌ فِي مِيرَاثِ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ فَكَذَلِكَ هُوَ فِي مِيرَاثِ النُّبُوَّةِ، وَاللهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ.

وَفِيهِ -أَيْضًا- إِرْشَادٌ وَأَمْرٌ لِلْأُمَّةِ بِطَاعَتِهِمْ، وَاحْتِرَامِهِمْ، وَتَعْزِيرِهِمْ، وَتَوْقِيرِهِمْ، وَإِجْلَالِهِمْ؛ فَإِنَّهُمْ وَرَثَةُ مَنْ هَذِهِ بَعْضُ حُقُوقِهِمْ عَلَى الْأُمَّةِ، وَخُلَفَاؤُهُمْ فِيهِمْ.

وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ مَحَبَّتَهُمْ مِنَ الدِّينِ، وَبُغْضَهُمْ مُنَافٍ لِلدِّينِ، كَمَا هُوَ ثَابِتٌ لِمَوْرُوثِهِمْ.

وَكَذَلِكَ مُعَادَاتُهُمْ وَمُحَارَبَتُهُمْ مُعَادَاةٌ وَمُحَارَبَةٌ للهِ كَمَا هُوَ فِي مَوْرُوثِهِمْ.

قَالَ عَلِيٌّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: ((مَحَبَّةُ الْعُلَمَاءِ دِينٌ يُدَانُ بِهِ)).

وَقَالَ ﷺ فِيمَا يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ -عَزَّ وَجَلَّ-: ((مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ بَارَزَنِي بِالْمُحَارَبَةِ)).

وَوَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ سَادَاتُ أَوْلِيَاءِ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ- )).

 

 

((الْإِسْلَامُ دِينُ الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْمَادِّيَّةِ وَالْبَحْثِ الْعِلْمِيِّ))

إِنَّ اللهَ -جَلَّ وَعَلَا- قَدْ جَعَلَ الْمُسْلِمِينَ بِكِتَابِهِمْ -بِالْقُرْآنِ الْعَظِيمِ- نَاظِرِينَ فِي أَحْوَالِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، مُقْبِلِينَ عَلَى عِلْمٍ لَا يَنْحَصِرُ وَلَا يَقْتَصِرُ عَلَى مَا هُوَ مَعْهُودٌ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ؛ وَإِنْ كَانَتْ أَجَلَّ الْعُلُومِ عَلَى وَجْهِ الْإِطْلَاقِ، وَعَلَى رَأْسِهَا عِلْمُ الْمَعْرِفَةِ بِاللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ؛ بِمَا يَلِيقُ وَمَا لَا يَلِيقُ بِذَاتِهِ الْمُقَدَّسَةِ، وَمَا يَلِيقُ وَمَا لَا يَلِيقُ بِأَفْعَالِهِ الْمُشَرَّفَةِ، وَمَا يَلِيقُ وَمَا لَا يَلِيقُ بِأَسْمَائِهِ الْمُثْلَى وَصِفَاتِهِ الْحُسْنَى.

الْعِلْمُ فِي الْإِسْلَامِ هُوَ كُلُّ مَعْرِفَةٍ مَبْنِيَّةٍ عَلَى اسْتِدْلَالٍ، وَالْمَنْهَجُ الْعِلْمِيُّ الَّذِي وَصَلَ الْيَوْمَ إِلَى تَعْرِيفِهِ أُولَئِكَ الْغَرْبِيُّونَ مِنَ الْبَاحِثِينَ وَغَيْرِ الْبَاحِثِينَ.. الْمَنْهَجُ الْعِلْمِيُّ الَّذِي يَتَشَدَّقُونَ الْيَوْمَ بِالسَّيْرِ عَلَى دَرْبِهِ؛ حَتَّى رَجُلُ الشَّارِعِ هُنَاكَ يَسِيرُ عَلَى ضَوْءِ الْمَنْهَجِ الْعِلْمِيِّ فِي النَّظَرِ إِلَى إِعْلَانَاتِ الصُّحُفِ، وَإِلَى إِعْلَانَاتِ الْمَحِلَّاتِ التِّجَارِيَّةِ، وَفِي التَّعَامُلِ مَعَ الْأَحْدَاثِ الْيَوْمِيَّةِ.. الْمَنْهَجُ الْعِلْمِيُّ مَا هُوَ فِي أَفْضَلِ تَعْرِيفَاتِهِ عِنْدَهُمْ؟

هُوَ: أَلَّا تَقْبَلَ رَأْيًا وَلَا تَأْخُذَ بِهِ إِلَّا إِذَا قَامَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ، وَهُوَ بِعَيْنِهِ مَعْنَى الْعِلْمِ وَتَعْرِيفُهُ عِنْدَ عُلَمَائِنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ هُوَ كُلُّ مَعْرِفَةٍ مَبْنِيَّةٍ عَلَى اسْتِدْلَالٍ، وَالْمَنْهَجُ الْعِلْمِيُّ عِنْدَ الْغَرْبِيِّينَ مِنَ الْمُحْدَثِينَ الَّذِينَ تَوَصَّلُوا إِلَى مَا تَوَصَّلُوا إِلَيْهِ مِنَ الْمُخْتَرَعَاتِ وَالِاسْتِكْشَافَاتِ.. الْمَنْهَجُ الْعِلْمِيُّ الَّذِي يَسِيرُونَ عَلَيْهِ وَوَصَلُوا بِهِ إِلَى مَا وَصَلُوا إِلَيْهِ وَسَيَصِلُونَ إِذَا اسْتَمَرَّ الْحَالُ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ إِلَى مَا لَا يُمْكِنُ أَنْ يُتَخَيَّلَ الْيَوْمَ.. الْمَنْهَجُ الْعِلْمِيُّ هُوَ فِي أَفْضَلِ التَّعْرِيفَاتِ عِنْدَهُمْ- أَلَّا تَقْبَلَ رَأْيًا إِلَّا إِذَا قَامَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ.

وَالْإِسْلَامُ قَالَهَا مِنْ قَبْلُ، مُنْذُ أَرْبَعَةَ عَشَرَ قَرْنًا مِنَ الزَّمَانِ أَوْ يَزِيدُ؛ إِنَّ الْعِلْمَ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ: هُوَ كُلُّ مَعْرِفَةٍ يُمْكِنُ أَنْ تَقُومَ عَلَى أَسَاسٍ مِنَ الِاسْتِدْلَالِ.

وَلَكِنَّ هُنَاكَ فَارِقًا بَيْنَ الْعِلْمِ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ وَالْعِلْمِ عِنْدَ الْغَرْبِيِّينَ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ يَتَحَرَّكُ عَلَى ثَلَاثَةِ مَحَاوِرَ:

فَأَمَّا الْمِحْوَرُ الْأَوَّلُ؛ فَيَنْفِيهِ الْغَرْبِيُّونَ، وَيُخْرِجُونَهُ خَارِجَ إِطَارِ الْعِلْمِ جُمْلَةً، وَيَجْعَلُونَهُ تَحْتَ أَقْدَامِهِمْ وَوَرَاءَ أَقْفِيَتِهِمْ، هَذَا الْمَجَالُ وَالْمِحْوَرُ مِنْ عُلُومِ الْمُسْلِمِينَ هُوَ الْعِلْمُ الْأَعْلَى عِنْدَنَا -بِفَضْلِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ-، وَهُوَ الْعِلْمُ بِمَا جَاءَ بِهِ الْوَحْيُ كِتَابًا وَسُنَّةً؛ لِكَيْ يَحُلَّ لَنَا مُشْكِلَاتِ الْبَشَرِيَّةِ وَمُشْكِلَاتِ الْمُفَكِّرِينَ؛ مِنْ أَيْنَ؟ وَإِلَى أَيْنَ؟ وَلِمَ؟ مِنْ أَيْنَ جِئْنَا؟ وَإِلَى أَيْنَ الْمَصِيرُ؟ وَلِمَ كَانَ هَذَا الْوُجُودُ كُلُّهُ؟

جَاءَ الْوَحْيُ الْمَعْصُومُ كِتَابًا وَسُنَّةً مِنْ أَجْلِ أَنْ يَحُلَّ لَنَا مُعْضِلَاتِ الْبَشَرِيَّةِ، وَهَذَا الْعِلْمُ لَيْسَ عِنْدَهُمْ وَلَا يَلْتَفِتُونَ إِلَيْهِ.

وَأَمَّا الْعِلْمُ عِنْدَهُمْ -وَهُوَ عِنْدَنَا أَيْضًا-؛ فَيَقُومُ عَلَى الْمِحْوَرِ الْأَوَّلِ عِنْدَهُمْ وَالْمِحْوَرِ الثَّانِي عِنْدَنَا بَعْدَ الْعِلْمِ بِالْوَحْيِ الْأَغَرِّ كِتَابًا وَسُنَّةً، وَالْبَحْثِ فِيمَا أَمَرَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ، وَفِيمَا نَهَى عَنْهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ، وَفِي مَعْرِفَةِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَمَعْرِفَةِ النَّبِيِّ الْأَمِينِ ﷺ، وَمَا أَخْبَرَ بِهِ الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ وَالنَّبِيُّ الْكَرِيمُ مِنَ الْغَيْبِيَّاتِ الَّتِي لَا تَخْضَعُ لِلْمُشَاهَدَةِ، وَالَّتِي لَا تَخْضَعُ لِلْحِسِّ، وَالَّتِي لَا يُمْكِنُ أَنْ تَدْخُلَ الْمَعْمَلَ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ تَتَعَرَّضَ فِي الْمُخْتَبَرِ لِتَجْرُبَةٍ حِسِّيَّةٍ تَرَاهَا الْأَعْيُنُ، وَتُبْصِرُهَا وَتَسْمَعُهَا الْآذَانُ، وَتُدْرِكُهَا وَتَلْمَسُهَا الْأَيْدِي وَتُحِسُّهَا، هَذَا الْعِلْمُ الْأَعْلَى عِنْدَنَا فَقَطْ.

وَأَمَّا الْعِلْمُ عِنْدَهُمْ؛ فَمَبْنِيٌّ عَلَى الْمِحْوَرِ الثَّانِي عِنْدَنَا؛ وَهُوَ الْبَحْثُ فِي الْإِنْسَانِ بِكُلِّ مَجَالَاتِهِ وَعَلَاقَاتِهِ الزَّمَانِيَّةِ وَالْمَكَانِيَّةِ، بِعَلَاقَاتِهِ وَدِرَاسَاتِهِ الِاقْتِصَادِيَّةِ، وَالنَّفْسِيَّةِ، وَالِاجْتِمَاعِيَّةِ، وَالسِّيَاسِيَّةِ، وَمَا يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ مِنْ دِرَاسَاتٍ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِالْإِنْسَانِ فِي نِظَامِهِ الْفَرْدِيِّ وَفِي مُجْتَمَعِهِ الْعَامِّ، وَفِي تَشَابُكِ الْعَلَاقَاتِ مِنْ حَوْلِهِ بِبَنِي الْإِنْسَانِ، مَا يَمْلِكُونَهُ وَمَا لَا يَمْلِكُونَهُ، فَهَذَا هُوَ الْعِلْمُ عِنْدَهُمْ فِي مِحْوَرِهِ الثَّانِي.

ثُمَّ يَأْتِي الْعِلْمُ الْأَعْلَى عِنْدَهُمْ -وَهُوَ عِنْدَنَا أَيْضًا- مِحْوَرًا ثَالِثًا، وَهُوَ الْعِلْمُ بِالْمَادَّةِ؛ سَوَاءٌ كَانَ فِي أَقَلِّ وَحْدَاتِهَا، فَهُوَ عِلْمُ الْكِيمْيَاءِ الْمَبْنِيُّ عَلَى الْبَحْثِ فِي تَفَاعُلَاتِ الْجُزَيْئَاتِ بِذَرَّاتِهَا، أَوْ عَلَى النَّظَرِ فِي الطَّبِيعَةِ فِي الذَّرَّاتِ بِعَيْنِهَا، ثُمَّ تَأْتِي الْكِيمْيَاءُ بَعْدُ.

فَهَذَا عِنْدَنَا كَمَا أَنَّ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ -بِفَضْلِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَبِحَوْلِهِ وَبِقُوَّتِهِ-.

إِنَّهُمْ قَدْ حَازُوا وَتَمَتَّعُوا -وَلَمْ نَتَمَتَّعْ نَحْنُ فِي الْمُقَابِلِ، وَتَمَلَّكَنَا نَحْنُ الْكَسَلُ، وَأَمَّا هُمْ فَأَخَذُوا بِالنَّشَاطِ وَالْجِدِّ- وَأَمَّا هُمْ؛ فَتَمَتَّعُوا بِالنَّظْرَةِ الْعِلْمِيَّةِ وَبِالْفِكْرِ الْعِلْمِيِّ، وَأَمَّا نَحْنُ فَتَمَتَّعْنَا بِالْعَقْلِيَّةِ الْعَامِّيَّةِ الْخُرَافِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْعَقْلِيَّةَ الْإِنْسَانِيَّةَ تَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ؛ عَقْلِيَّةٍ عَامِّيَّةٍ خُرَافِيَّةٍ تَتْبَعُ كُلَّ نَاعِقٍ، وَتَسِيرُ وَرَاءَ كُلِّ هَاتِفٍ، وَتَأْخُذُ بِكُلِّ مَا يُقَالُ مِنْ غَيْرِ أَنْ تُمَحِّصَ الْآرَاءَ، وَمِنْ غَيْرِ أَنْ تُنَاقِشَ فِي الْأَقْوَالِ، وَمِنْ غَيْرِ أَنْ تَطْلُبَ بُرْهَانًا وَدَلِيلًا، فَهَذِهِ عَقْلِيَّةٌ عَامِّيَّةٌ خُرَافِيَّةٌ، وَهَذِهِ مَرْفُوضَةٌ فِي دِينِ الْإِسْلَامِ الْعَظِيمِ.

وَأَمَّا الْعَقْلِيَّةُ الْعِلْمِيَّةُ الْمَوْضُوعِيَّةُ؛ فَإِنَّهَا لَا تَقْبَلُ رَأْيًا إِلَّا بِدَلِيلٍ، وَلَا تَأْخُذُ بِشَيْءٍ إِلَّا إِذَا سَارَ عَلَى دَرْبِ قَانُونٍ، تُنَاقِشُ، وَتُشَاهِدُ، وَتُحَلِّلُ، وَتُخْضِعُ أَقْوَالَ الْقَائِلِينَ مَهْمَا كَانُوا وَمَهْمَا قَالُوا.. تُخْضِعُ كُلَّ ذَلِكَ لِلْعَقْلِ، وَتَنْظُرُ فِيهِ، فَهَذِهِ عَقْلِيَّةٌ عِلْمِيَّةٌ مَوْضُوعِيَّةٌ.

وَأَمَّا الْعَقْلِيَّةُ الْعَامِّيَّةُ الْخُرَافِيَّةُ؛ فَهِيَ مَا نَتَمَتَّعُ نَحْنُ بِهِ وَمَا فَقَدُوهُ هُمْ، وَهِيَ -أَيْضًا- الْأَمْرُ الَّذِي فَقَدُوهُ وَحَازُوا ضِدَّهُ؛ إِذْ يَتَمَتَّعُونَ وَقَدْ تَمَتَّعُوا مِنْ أَوَّلِ عَصْرِ النَّهْضَةِ بِهَذِهِ الْعَقْلِيَّةِ الْعِلْمِيَّةِ الْمَوْضُوعِيَّةِ الَّتِي تَتَشَمَّمُ كَالْكِلَابِ وَرَاءَ الْآثَارِ؛ مِنْ أَجْلِ أَنْ تَنْظُرَ فِي مَخْلُوقَاتِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

فَانْظُرْ إِلَى مَا يَتَمَتَّعُ بِهِ النَّاسُ مِنَ الْعَقْلِيَّةِ الْعِلْمِيَّةِ الْمَوْضُوعِيَّةِ، وَانْظُرْ إِلَى مَا يَتَمَتَّعُ بِهِ غَيْرُهُمْ مِنَ الْعَقْلِيَّةِ الْعَامِّيَّةِ الْخُرَافِيَّةِ الَّتِي مَا زَالَتْ إِلَى الْيَوْمَ فِي خُزَعْبَلَاتِهَا تَسِيرُ، وَالَّتِي تُسْنِدُ التَّصَرُّفَ إِلَى الْأَمْوَاتِ الَّذِينَ صَارُوا رِمَمًا فِي قُبُورِهِمْ، وَالَّتِي تَخَافُ مِنَ الْوَهْمِ وَمِمَّا لَا حَقِيقَةَ لَهُ، وَتَحْيَا فِي الْحَيَاةِ كَأَنَّمَا هِيَ هَبَاءٌ؛ بَلْ هِيَ أَصْغَرُ مِنَ الْهَبَاءِ.

إِنَّ الْإِسْلَامَ الْعَظِيمَ قَدْ جَاءَ مِنْ أَجْلِ أَنْ يُنَمِّيَ فِينَا هَذِهِ الْعَقْلِيَّةَ الْمَوْضُوعِيَّةَ الْعِلْمِيَّةَ، وَهَلْ أَبْلَغُ مِنْ أَنَّ الْإِسْلَامَ أَمَرَنَا كِتَابًا وَسُنَّةً أَلَّا نَقْبَلَ رَأْيًا وَلَا نَأْخُذَ بِقَوْلٍ إِلَّا إِذَا قَامَ عَلَيْهِ بُرْهَانٌ وَدَلِيلٌ؟! وَالْبُرْهَانُ يَكُونُ بُرْهَانًا نَظَرِيًّا فِي الْعَقْلِيَّاتِ {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة: 111]، وَيَكُونُ بُرْهَانًا مَبْنِيًّا عَلَى الْحِسِّ وَعَلَى الْمُشَاهَدَةِ وَعَلَى التَّجْرِبَةِ فِي الْمَحْسُوسَاتِ؛ وَلِذَلِكَ يَرُدُّ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ عَلَى أُولَئِكَ الَّذِينَ قَالُوا: إِنَّ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ قَدْ خَلَقَ الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا؛ فَإِنَّهُمْ عِنْدَمَا قَالُوا: جَعَلَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا؛ طَالَبَهُمُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ بِالْبُرْهَانِ وَبِالْمُشَاهَدَةِ وَبِالدَّلِيلِ: {أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ ۚ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ} [الزخرف: 19].

وَإِنَّمَا شَهَادَتُهُمْ خَبْطُ عَشْوَاءَ، وَعَمَايَةٌ فِي ظَلْمَاءَ لَا يَسْتَطِيعُونَ فِيهَا رُؤْيَةَ بَصِيصٍ مِنْ ضَوْءٍ، لَمْ يَرَوُا الْمَلَائِكَةَ وَهُمْ يُخْلَقُونَ، وَلَمْ يَشْهَدُوا خَلْقَهُمْ، فَفِي الْمَحْسُوسَاتِ -وَالْمَلَائِكَةُ مِمَّا يُرَى- يُرْجِعُنَا اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ فِي الْمَحْسُوسَاتِ بِالْبُرْهَانِ وَبِالدَّلِيلِ إِلَى الْمُشَاهَدَةِ وَإِلَى التَّجْرِبَةِ الْقَائِمَةِ.

{قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ} فِي الْمَعْقُولَاتِ، وَأَمَّا فِي الْمَحْسُوسَاتِ فَيَقُولُ: {أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ ۚ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ}.

وَأَمَّا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ؛ فَإِنَّ اللهَ -جَلَّ وَعَلَا- يَأْمُرُنَا أَلَّا نَأْخُذَ بِالْهَوَى، وَأَلَّا نَمِيلَ مَعَهُ، وَلَا نَأْخُذَ بِالظَّنِّ؛ حَيْثُ لَا يُغْنِي إِلَّا الْيَقِينُ؛ حَتَّى إِنَّ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ يُحَذِّرُ نَبِيًّا مِنْ أَنْبِيَائِهِ الْكِرَامِ أَنْ يَأْخُذَ بِالْهَوَى وَأَنْ يَتَّبِعَهُ، {يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللهِ} [ص: 26].

فَيَأْمُرُنَا اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ بِنَبْذِ الْهَوَى؛ حَيْثُ لَا يُغْنِي إِلَّا الْيَقِينُ، وَيَأْمُرُنَا اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ بِنَبْذِ الظَّنِّ، وَبِنَبْذِ الْعَاطِفَةِ؛ حَيْثُ لَا تُغْنِي إِلَّا الْحَقِيقَةُ، وَحَيْثُ لَا يُغْنِي إِلَّا الْوَاقِعُ الْمُشَاهَدُ الْمَاثِلُ لِلْعَيَانِ بِحَقٍّ.

يَأْمُرُنَا اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ أَلَّا نَمِيلَ مَعَ الْأَهْوَاءِ، وَأَلَّا نَأْخُذَ بِالظُّنُونِ، وَمَا عِنْدَ هَؤُلَاءِ مِنْ عِلْمٍ {إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ} [النجم: 28]، وَمَا عِنْدَهُمْ مِنْ عِلْمٍ يَقُولُونَ بِهِ، وَيَتَحَرَّكُونَ عَلَى دَرْبِهِ، وَيَسِيرُونَ عَلَى مِنْهَاجِهِ؛ وَلَكِنْ عِنْدَهُمُ الظَّنُّ {وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا}.

فَيَأْمُرُ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا- بِالْبُعْدِ عَنِ الْهَوَى، وَيَأْمُرُ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا- بِالْمُطَالَبَةِ بِالدَّلِيلِ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ الَّذِي مَرَّ، وَيَأْمُرُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ بِالْبُعْدِ عَنِ الظَّنِّ، وَيَأْمُرُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ بِعَدَمِ الرَّجْعِيَّةِ وَالسَّلْبِيَّةِ الْفِكْرِيَّةِ فِي اتِّبَاعِ الْآبَاءِ مِنْ أَصْحَابِ هَذِهِ الْعَقْلِيَّةِ الْعَامِّيَّةِ الْجَاحِدَةِ الْمُتَطَرِّفَةِ فِي غُلَوَائِهَا وَانْحِطَاطِهَا؛ فَإِنَّ الْعَقْلِيَّةَ الْعَامِّيَّةَ الْخُرَافِيَّةَ تَسِيرُ عَلَى قَانُونٍ عَجِيبٍ جِدًّا، وَهَذَا الْقَانُونُ مَفَادُهُ: ((هَذَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا))!! وَأَيْضًا تَسِيرُ عَلَى مَا نَهَى عَنْهُ النَّبِيُّ الْكَرِيمُ ﷺ؛ فَإِنَّ الرَّسُولَ ﷺ يَقُولُ: ((إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ؛ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ))، وَفِي حَدِيثٍ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ -فِي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ- يَقُولُ الرَّسُولُ ﷺ: ((لَا يَكُنْ أَحَدُكُمْ إِمَّعَةً، يَقُولُ أَنَا مَعَ النَّاسِ إِنْ أَحْسَنُوا أَحْسَنْتُ وَإِنْ أَسَاءُوا أَسَأْتُ، وَلَكِنْ وَطِّنُوا أَنْفُسَكُمْ عَلَى أَنَّهُ إِذَا أَحْسَنَ النَّاسُ أَنْ تُحْسِنُوا، وَإِذَا أَسَاءُوا أَنْ تَجْتَنِبُوا إِسَاءَتَهُمْ)).

وَقَدْ جَمَعَ النَّبِيُّ ﷺ فِي هَذَا الْحَدِيثِ -وَإِنْ كَانَ فِي إِسْنَادِهِ مِنَ الْمَقَالِ مَا فِيهِ- بَيْنَ الَعَقْلِيَّتَيْنِ؛ تَحْذِيرًا وَتَرْغِيبًا، تَرْغِيبًا وَتَرْهِيبًا ﷺ، يُحَذِّرُ مِنْ أَنْ يَكُونَ الْمَرْءُ صَاحِبَ عَقْلِيَّةٍ عَامِّيَّةٍ خُرَافِيَّةٍ، تَقُولُ أَنَا مَعَ النَّاسِ؛ إِنْ أَحْسَنُوا أَحْسَنْتُ، وَإِنْ أَسَاءُوا أَسَأْتُ، فَهَذَا إِمَّعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ الْعَقْلِيَّةِ الْعَامِّيَّةِ الْخُرَافِيَّةِ، وَإِنَّمَا يَأْمُرُ النَّبِيُّ ﷺ الْمُسْلِمِينَ بِأَنْ يَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ الْعَقْلِيَّاتِ الْعِلْمِيَّةِ الَّتِي تَأْخُذُ بِالْمَوْضُوعِيَّةِ فِي الْبَحْثِ وَفِي النَّظَرِ، فَيَقُولُ ﷺ فِيمَا يُرْوَى عَنْهُ: ((وَلَكِنْ وَطِّنُوا أَنْفُسَكُمْ عَلَى أَنَّهُ إِذَا أَحْسَنَ النَّاسُ أَنْ تُحْسِنُوا، وَإِذَا أَسَاءُوا أَنْ تَجْتَنِبُوا إِسَاءَتَهُمْ)).

ثُمَّ مِنْ أَجْلِ تَرْبِيَةِ الْعَقْلِيَّةِ الْعِلْمِيَّةِ الْمَوْضُوعِيَّةِ يَأْمُرُنَا اللهُ -جَلَّ وَعَلَا- بِالنَّظَرِ فِي مَخْلُوقَاتِهِ الَّتِي بَثَّهَا فِي هَذَا الْكَوْنِ الْعَرِيضِ؛ سَمَاءً وَأَرْضًا، بَرًّا وَبَحْرًا، جَبَلًا وَسَهْلًا، نَبَاتًا وَحَيَوَانًا، حَشَرَاتٍ وَطَيْرًا، يَأْمُرُنَا اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ بِالتَّأَمُّلِ فِي مَخْلُوقَاتِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَنْ عَسَى أَنْ مَا خَلَقَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ مِنْ شَيْءٍ أَنْ يَدُلَّكَ دَلَالَةً ظَاهِرَةً عَلَى مَا وَرَاءَهُ مِنْ خَالِقٍ عَظِيمٍ، وَأَيْضًا مِنْ قَوَانِينَ وَمِنْ أَسْرَارٍ جَعَلَهَا اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ مَكْنُونَةً فِيهِ؛ فَقَدْ تَسْتَخْرِجُهَا وَتَسْتَنْبِطُ مِنْهَا مَا يُمْكِنُ أَنْ يُرَقِّيَ الْحَيَاةَ وَأَنْ يُنَمِّيَهَا عَلَى مُقْتَضَى دِينِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَعَلَى مُقْتَضَى كِتَابِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَسُنَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ.

وَأَمَرَنَا اللهُ -جَلَّ وَعَلَا- بِالنَّظَرِ فِي الْأَنْفُسِ {وَفِي أَنفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ} [الذاريات: 21]، وَهَذَا اسْتِفْهَامٌ اسْتِنْكَارِيٌّ تَوْبِيخِيٌّ، {أَفَلَا تُبْصِرُونَ}؛ أَعَمِيتُمْ -أَيُّهَا الْبُعَدَاءُ- فَلَمْ تُبْصِرُوا مَا جَعَلَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ فِي أَجْسَامِكُمْ مِنْ هَذِهِ الْآيَاتِ الظَّاهِرَاتِ الَّتِي تَدُلُّكُمْ عَلَى هَذَا الْخَالِقِ الْعَظِيمِ الَّذِي سَوَّاكُمْ وَخَلَقَكُمْ وَأَنْشَاكُمْ وَفَطَرَكُمْ، ثُمَّ تَسْتَجْلُوا بَعْدَ ذَلِكَ أَسْرَارَ وَقَوَانِينَ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ فِي خَلْقِهِ فِي هَذَا الْجَسَدِ الْإِنْسَانِيِّ؟!! لَعَلَّ وَعَسَى أَنْ تَتَوَصَّلُوا إِلَى مَا يُرَقِّي الْحَيَاةَ، وَأَنْ يُقِيمَ الْإِنْسَانَ جَسَدًا وَرُوحًا -بِقَدَرِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ- عَلَى دَرْبِ السَّعَادَةِ وَالْهَنَاءِ بِالْأَخْذِ بِكِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ.

وَلَكِنَّ غَايَةَ الْقَوْمِ الْيَوْمَ مِمَّنْ عِنْدَهُمْ تِلْكَ الْعَقْلِيَّةُ الْعِلْمِيَّةُ الْمَوْضُوعِيَّةُ أَنْ يُرَقُّوا الْحَيَاةَ وَأَنْ يُنَمُّوا الْحَيَاةَ لَا عَلَى مَنْهَجِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَإِنَّمَا عَلَى مَنْهَجِ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، وَلِذَلِكَ كُلَّمَا جَدَّ مُخْتَرَعٌ وَكُلَّمَا اسْتُحْدِثَ مُسْتَحْدَثٌ مِنْ وَسَائِلِ الْحَيَاةِ -عَلَى غَيْرِ مِنْهَاجِ الْإِسْلَامِ الْعَظِيمِ الَّذِي أَتَى بِهِ النَّبِيُّ ﷺ- زَادَ الْحَيَاةَ نَكَدًا وَزَادَ الْحَيَاةَ كَرْبًا..

وَالْإِنْسَانُ تَكْتَظُّ بِهِ مَدَائِنُهُ، فَيَخْرُجُ مِنْ تِلْكَ الْبِيئَةِ الْفِطْرِيَّةِ الَّتِي قَدْ نَشَأَ مُعَدًّا لَهَا إِلَى بِيئَةٍ مُعَقَّدَةٍ لَمْ يَدْرُسْهَا الْإِنْسَانُ، وَلَمْ يُجَهِّزْ نَفْسِيَّتَهُ لِلتَّفَاعُلِ مَعَهَا وَلِلْعَيْشِ فِي وَسَطِهَا، وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ يَكْثُرُ الْيَوْمَ فِي الْمُسْتَشْفَيَاتِ فِي الْعَالَمِ كُلِّهِ مَرْضَى الْأَمْرَاضِ النَّفْسِيَّةِ وَالْعَقْلِيَّةِ وَالْعَصَبِيَّةِ، وَهُمْ أَعْلَى نِسْبَةٍ فِي الْعَالَمِ كُلِّهِ، وَكَثِيرٌ جِدًّا مِنْ تِلْكَ الْأَمْرَاضِ الْجَسَدِيَّةِ تَعُودُ فِي النِّهَايَةِ إِلَى مَا يُسَمِّيهِ عُلَمَاءُ الْقَوْمِ بِالْأَمْرَاضِ الْجَسَدِيَّةِ النَّفْسِيَّةِ، أَوِ النَّفْسِ جَسَدِيَّةِ، وَمَنْشَؤُهَا النَّفْسُ، ثُمَّ تَظْهَرُ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى الْجَسَدِ وَعَلَى الْجَوَارِحِ؛ وَكُلُّ ذَلِكَ لِأَنَّ الْقَوْمَ إِنَّمَا أَتَوْا بِمَا أَتَوْا بِهِ عَلَى غَيْرِ مِنْهَاجٍ مُسْتَقِيمٍ.

وَأَمَّا عِنْدَنَا نَحْنُ؛ فَلَا حَظْرَ عَلَى الْعُقُولِ أَنْ تَبْحَثَ فِي أَسْرَارِ الْكَوْنِ، وَأَنْ نُرَقِّيَ الْحَيَاةَ؛ بَلْ نَحْنُ أَوْلَى مِنْ كُلِّ أَحَدٍ بِأَنْ نَسْتَكْشِفَ مَا اسْتَكْشَفُوا، وَأَنْ نَكُونَ لَهُ سَابِقِينَ.

 ((الدَّلَائِلُ الْقُرْآنِيَّةُ فِي أَنَّ الْعُلُومَ وَالْأَعْمَالَ النَّافِعَةَ الْعَصْرِيَّةَ

دَاخِلَةٌ فِي الدِّينِ الْإِسْلَامِيِّ))

إِنَّ الْعِلْمَ فِي الْإِسْلَامِ هُوَ: كُلُّ مَعْرِفَةٍ مُسْتَنِدَةٍ إِلَى اسْتِدْلَالٍ، وَالْمَنْهَجُ الْعِلْمِيُّ هُوَ: أَلَّا تَقْبَلَ فِكْرَةً مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقُومَ عَلَيْهَا دَلِيلٌ صَحِيحٌ.

وَأَقْسَامُ الْعِلْمِ فِي دِينِ الْإِسْلَامِ الْعَظِيمِ ثَلَاثَةٌ:

فَعِلْمُ مَا جَاءَ بِهِ الْوَحْيُ الْمَعْصُومُ؛ مِنْ عِلْمٍ بِاللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَبِالنَّبِيِّ الْأَمِينِ ﷺ، وَبِالْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَالْمَلَائِكَةِ، وَالْجِنَّةِ، وَبِكُلِّ مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ مِمَّا لَا يَخْضَعُ لِلْحِسِّ وَلَا يَقَعُ تَحْتَ طَائِلِ التَّجْرِبَةِ؛ فَهَذَا قِسْمٌ أَوَّلُ.

وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي مِنْ أَقْسَامِ الْعِلْمِ فِي الْإِسْلَامِ الْعَظِيمِ؛ فَهُوَ الْإِنْسَانُ بِكُلِّ مَا يُحِيطُ بِهِ مِنْ زَمَانٍ وَمَكَانٍ، وَأَيْضًا بِمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ أُمُورٍ نَفْسِيَّةٍ وَعُلُومٍ اجْتِمَاعِيَّةٍ، وَاقْتِصَادِيَّةٍ، وَسِيَاسِيَّةٍ.. إِلَى آخِرِ تِلْكَ الْعُلُومِ.

وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ: فَهُوَ قِسْمُ الْمَادِّيَّاتِ؛ مِنَ الْكِيمْيَاءِ، وَالطَّبِيعَةِ، وَمَا أَشْبَهَ.

وَأَمَّا عِنْدَ الْغَرْبِ؛ فَإِنَّ الْعِلْمَ يَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ:

إِلَى قِسْمِ الْعُلُومِ التَّجْرِيدِيَّةِ؛ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْفَلْسَفَةِ، وَالْمَنْطِقِ، وَالْفِكْرِ الْأَدَبِيِّ، وَمَا أَشْبَهَ.

وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي مِنْ أَقْسَامِ الْعِلْمِ عِنْدَهُمْ، أَوْ مِنْ قِسْمَيِ الْعِلْمِ عِنْدَهُمْ: فَهُوَ الْعُلُومُ التَّجْرِيبِيَّةُ الَّتِي تَخْضَعُ لِلتَّجْرِبَةِ وَالْمُشَاهَدَةِ، وَتَدْخُلُ الْمُخْتَبَرَ، وَيُمْكِنُ أَنْ تَقَعَ تَحْتَ طَائِلِ الْحِسِّ وَالْقِيَاسِ، وَهَذِهِ الْعُلُومُ عِنْدَهُمْ هِيَ: الْكِيمْيَاءُ، وَالْفِيزْيَاءُ، وَمَا أَشْبَهَ.

وَلَكِنَّهُمْ لَا يَعُدُّونَهُ عِلْمًا ذَلِكَ الَّذِي لَا يَخْضَعُ لِلْحِسِّ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَدْخُلَ تَحْتَ طَائِلِ الْمُخْتَبَرِ بِالْقِيَاسِ وَالْمُشَاهَدَةِ.

وَعَلَيْهِ؛ فَإِنَّ عِلْمَ الْوَحْيِ عِنْدَهُمْ إِنَّمَا هُوَ خُرَافَةٌ مِنَ الْخُرَافَاتِ، وَلَا يَعُدُّونَهُ عِلْمًا!!

 إِنَّ دِينَ الْإِسْلَامِ الْعَظِيمِ يَحُضُّ الْمُسْلِمِينَ عَلَى التَّرَقِّي فِي الْعُلُومِ، وَفِي النَّظَرِ فِي آفَاقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَعَلَى النَّظَرِ فِي الْأَنْفُسِ، بَلْ وَعَلَى النَّظَرِ فِيمَا تَحْتَ الثَّرَى، وَهُوَ مَا وَصَلَ إِلَيْهِ مَنْ وَصَلَ مِمَّنْ نَظَرُوا فِي أَمْثَالِ هَذَا الْأَمْرِ الَّذِي حَدَّدَهُ الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ، وَهُوَ مَا تَحْتَ الثَّرَى، فَاسْتَخْرَجُوا الْمَعَادِنَ، وَاسْتَخْرَجُوا تِلْكَ الْمَادَّةَ الَّتِي صَارَتْ طَاقَةً لَا يَسْتَغْنِي عَنْهَا الْعَالَمُ الْيَوْمَ.

وَكُلُّ ذَلِكَ أَشَارَ إِلَيْهِ الْقُرْآنُ إِشَارَةً مُجْمَلَةً {وَمَا تَحْتَ الثَّرَى} [طه: 6].

فَالْمُسْلِمُونَ لَمَّا أَخَذُوا بِتَعَالِيمِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ تَقَدَّمُوا حَتَّى مَلَكُوا الْعَالَمَ الْقَدِيمَ كُلَّهُ.

قَالَ الْعَلَّامَةُ السَّعْدِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((فَهَذَا الدِّينُ الْإِسْلَامِيُّ يَحُثُّ عَلَى الرُّقِّيِّ الصَّحِيحِ وَالْقُوَّةِ مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ، عَكْسَ مَا افْتَرَاهُ أَعْدَاؤُهُ أَنَّهُ -أَيْ: الْإِسْلَامُ- مُخَدِّرٌ مُفَتِّرٌ، وَهُمْ يَعْلَمُونَ كَذِبَهُمْ وَافْتَرَاءَهُمْ عَنْهُ، وَلَكِنَّ الْمُبَاهَتَاتِ وَالْمُكَابَرَاتِ سَهَّلَتْ عَلَيْهِمْ، وَظَنُّوا مِنْ جَهْلِهِمْ أَنَّهَا تَرُوجُ عَلَى الْعُقَلَاءِ.

وَكُلُّ عَاقِلٍ يَعْلَمُ كَذِبَهُمْ وَافْتِرَاءَهُمْ، وَإِنَّمَا يَغْتَرُّ بِهِمُ الْجَاهِلُونَ الضَّالُّونَ الَّذِينَ لَا يَعْرِفُونَ عَنِ الْإِسْلَامِ لَا قَلِيلًا وَلَا كَثِيرًا.

بَلْ يُصَوِّرُ لَهُمْ هَؤُلَاءِ الْأَعْدَاءُ الْإِسْلَامَ بِصُوَرٍ شَنِيعَةٍ؛ لِيُرَوِّجُوا مَا يَقُولُونَهُ مِنَ الْبَاطِلِ، وَإِلَّا فَمَنْ عَرَفَ الْإِسْلَامَ مَعْرِفَةً صَحِيحَةً عَرَفَ أَنَّهُ لَا تَسْتَقِيمُ أُمُورُ الْبَشَرِ دِينِيُّهَا وَدُنْيَوِيُّهَا إِلَّا بِهِ، وَأَنَّ تَعَالِيمَهُ الْحَكِيمَةَ أَكْبَرُ بُرْهَانٍ عَلَى أَنَّهُ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ، عَالِمٍ بِالْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، رَحِيمٍ بِعِبَادِهِ؛ حَيْثُ شَرَعَ لَهُمْ هَذَا الدِّينَ)). انْتَهَى كَلَامُ السَّعْدِيِّ -رَحِمَهُ اللهُ-.

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ! طِيبُوا نَفْسًا بِهَذَا الدِّينِ الْخَاتَمِ الَّذِي رَضِيَهُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- لَكُمْ، وَالَّذِي أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْكُمْ بِهِ.

إِنَّ دِينَ الْإِسْلَامِ الْعَظِيمِ يَأْمُرُنَا أَنْ نَعْبُدَ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، وَأَنْ نَجْتَهِدَ فِي النَّظَرِ فِي الْآفَاقِ وَفِي الْأَنْفُسِ وَفِيمَا بَثَّ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- فِي تَضَاعِيفِ هَذَا الْكَوْنِ مِنَ الْآيَاتِ؛ لِكَيْ نَضَعَ أَيْدِيَنَا عَلَى الْأَسْرَارِ الَّتِي تَرْتَقِي بِهَا الْحَيَاةُ.

فَجَعَلَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- كُلَّ مَا يُؤَدِّي إِلَى تَرْقِيَةِ الْإِنْسَانِ فِيمَا هُوَ مَخْلُوقٌ لَهُ، جَعَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ عِبَادَةً للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

فَهَذَا الدِّينُ الْعَظِيمُ هُوَ دِينُ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- الَّذِي أَكْمَلَهُ وَرَضِيَهُ لِخَلْقِهِ فِي أَرْضِهِ، وَهُوَ يَحْمِلُ فِي آيَاتِهِ وَتَضَاعِيفِهِ الْبَرَاهِينَ الدَّالَّةَ عَلَى صِدْقِ مَنْ أَتَى بِهِ مِنْ لَدُنْ رَبِّهِ.

قَدْ يَظُنُّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ أَنَّ الْإِسْلَامَ لَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى الْعِلْمِ الْمَادِّيِّ، وَإِنَّمَا رَكَّزَ جُهْدَهُ كُلَّهُ عَلَى هَذَا الْقِسْمِ الْأَوَّلِ مِنْ أَقْسَامِ الْعُلُومِ عِنْدَهُ، وَهُوَ مَا يَتَعَلَّقُ بِمَا جَاءَ بِهِ الْوَحْيُ الْأَغَرُّ، وَهَذَا خَطَأٌ مَحْضٌ؛ لِأَنَّ مِمَّا جَاءَ بِهِ الْوَحْيُ الْأَغَرُّ: اسْتِفْزَازَ النَّاسِ؛ لِكَيْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَرَبَّى الْإِسْلَامُ الْمُسْلِمِينَ الْأُوَلَ عَلَى هَذَا النَّظَرِ، فَكَانُوا قَادَةً سَادَةً بِحَقٍّ، وَمَلَكُوا الدُّنْيَا فِي وَقْتٍ قِيَاسِيٍّ لَمْ يَحْدُثْ فِي التَّارِيخِ مِنْ قَبْلُ وَلَا مِنْ بَعْدُ؛ لِأَنَّهُمُ اسْتَلْهَمُوا آيَاتِ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ؛ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ، وَمَا هُوَ مُنْتَظِمٌ بِهَا وَبِفَحْوَاهَا وَكُنْهِهَا مِنْ أَسْرَارٍ، فَتَحَرَّكُوا عَلَى تِلْكَ الْقَوَاعِدِ، فَكَانُوا السَّادَةَ الرَّادَةَ الْقَادَةَ بِحَقٍّ، وَمَا زَالُوا مَفْخَرَةَ الْأَجْيَالِ.

إِلَّا أَنَّ الْإِسْلَامَ إِذَا مَا نَظَرْتَ فِيهِ نَظْرَةَ الْحَقِّ؛ عَلِمْتَ أَنَّهُ لَا يُقَسِّمُ الْعُلُومَ تَقْسِيمًا، وَإِنَّمَا الْعِلْمُ فِي الْإِسْلَامِ جُزْءٌ لَا يَنْقَسِمُ، وَمَا هَذَا التَّقْسِيمُ إِلَّا مِنْ أَجْلِ التَّيْسِيرِ وَالتَّسْهِيلِ عَلَى الدَّارِسِينَ وَالنَّاظِرِينَ فِيهِ، وَالْمُسْتَجْلِينَ لِعَظَمَتِهِ الَّتِي لَا تَتَبَدَّى لِأَعْيُنِ الْقُلُوبِ الَّتِي طُمِسَتْ أَعْيُنُهَا بِطَمْسِ بَصَائِرِهَا.

وَأَمَّا الَّذِينَ يُحْسِنُونَ النَّظَرَ فِي آيَاتِ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ؛ فَيَعْلَمُونَ أَنَّ فِي هَذَا  الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ الَّذِي أَنْزَلَهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ هِدَايَةً وَنُورًا وَشِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ ظَاهِرٍ وَبَاطِنٍ.. يَعْلَمُونَ أَنَّ فِي هَذَا الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ مِنَ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى قُدْرَةِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ بِالنَّظَرِ فِي أَجْوَازِ الْفَضَاءِ وَفِي أَغْوَارِ الْأَرْضِ وَفِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ مَا يَدُلُّ عَلَى الْوَحْدَانِيَّةِ الْمُطْلَقَةِ الَّتِي تَفَرَّدَ بِهَا اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ.

وَأَيْضًا تَدُلُّ عَلَى صِدْقِ الرَّسُولِ مُحَمَّدٍ ﷺ؛ لِأَنَّ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- ذَكَرَ لَنَا فِي الْقُرْآنِ مَا لَا يُحْصَى، وَدَلَّنَا -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- عَلَى عِنَادِ الْمُكَذِّبِينَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ؛ وَلَوْ جَاءَهُمْ بِكُلِّ آيَةٍ، {وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (14) لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ} [الحجر: 14-15]. وَهَاتَانِ الْآيَتَانِ تَدُلَّانِ عَلَى عِظَمِ عِنَادِهِمْ، وَتَكْذِيبِهِمْ، وَاسْتِهْزَائِهِمْ بِرَسُولِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ.

وَيُبَيِّنُ الْحَقُّ -جَلَّ وَعَلَا- أَنَّهُ لَوْ فَتَحَ لَهُمْ بَابًا إِلَى السَّمَاءِ مَمْدُودًا إِلَيْهَا، فَظَلُّوا يَصْعَدُونَ فِيهِ عَارِجِينَ، {يَعْرُجُونَ} أَيْ: يَصْعَدُونَ فِي ذَلِكَ الْبَابِ الَّذِي فَتَحَهُ لَهُمْ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ فِي السَّمَاءِ، فَنَظَرُوا فِي كُلِّ آيَةٍ مِنْ مَلَكُوتِ السَّمَاءِ؛ مَا زَادَهُمْ ذَلِكَ إِلَّا عِنَادًا وَتَكْذِيبًا لِمُحَمَّدٍ ﷺ.

ثُمَّ بَيَّنَ لَنَا رَبُّنَا -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- وَقْعَ الْمُفَاجَأَةِ الْمُذْهِلَةِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَعَلَى أَعْيُنِهِمْ مَعًا {لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا} أَيْ: سُدَّتْ مَسَالِكُ الْبَصَرِ فِيهَا وَالرُّؤْيَةِ، أَوْ أَصَابَهَا سَكَرُ الشَّرَابِ وَسُكْرُهُ، فَهِيَ لَا تُبْصِرُ شَيْئًا، وَلَا تُدْرِكُهُ، وَلَا تَعْلَمُ كُنْهَهُ وَفَحْوَاهُ.

{لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ} [الحجر: 14-15]؛ وَهَذَا الَّذِي نَرَاهُ عِنْدَ عُرُوجِنَا بِالْبَابِ الَّذِي أَعْرَجَنَا وَأَصْعَدَنَا فِيهِ رَبُّنَا؛ هَذَا الَّذِي نَرَاهُ إِنَّمَا هُوَ سِحْرٌ مِنَ السِّحْرِ وَبَاطِلٌ مِنَ الْوَهْمِ.

وَهَذَا تَفْسِيرُ الْقُدَامَى مِنْ عُلَمَائِنَا -عَلَيْهِمُ الرَّحْمَةُ-، وَهُوَ تَفْسِيرٌ مُسْتَقِيمٌ؛ وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ لِتَعْلَمَ كَيْفَ أَنَّ الْعِلْمَ الْعَظِيمَ فِي مَادَّةِ الْأَرْضِ وَفِي فَحْوَى السَّمَاوَاتِ إِنَّمَا هُوَ مَسْبُورٌ هُنَاكَ لِمَنْ سَبَرَهُ فِي آيَاتِ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ.

{وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (14) لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ} [الحجر: 14-15].

وَرَائِدُ الْفَضَاءِ إِذَا مَا صَعَدَ الْيَوْمَ إِلَى السَّمَاءِ إِلَى الْفَضَاءِ -وَكُلُّ مَا عَلَاكَ فَأَظَلَّكَ فَهُوَ سَمَاءٌ-، فَتَجَاوَزَ تِلْكَ الطَّبَقَةَ الَّتِي يَتَشَتَّتُ فِيهَا ضَوْءُ الشَّمْسِ وَيَنْتَثِرُ، وَيَصِيرُ إِلَى هَذِهِ الْمِزَقِ الْمُتَفَاوِتَةِ لِكَيْ نُبْصِرَ، إِذَا مَا تَجَاوَزَ مِائَتَيْ كِيلُو مِتْرٍ مِنْ طَبَقَةِ الْهَوَاءِ الْجَوِيِّ الَّتِي تَعْلُو إِلَى أَلْفِ كِيلُو مِتْرٍ فِي أَجْوَازِ الْفَضَاءِ حَوْلَ الْأَرْضِ طَبَقَةً جَوِيَّةً جَعَلَهَا اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ لِتَصْلُحَ فِي الْأَرْضِ الْحَيَاةُ؛ وَإِلَّا مَا اسْتَقَامَتْ فِي الْأَرْضِ صُورَةٌ مِنْ صُوَرِ الْحَيَاةِ.

إِذَا مَا صَعَدَ رَائِدُ الْفَضَاءِ فَوْقَ هَذِهِ الطَّبَقَةِ.. فَوْقَ مِائَتَيْ كِيلُو مِتْرٍ مِنْ هَذِهِ الطَّبَقَةِ الْجَوِيَّةِ فِي غُلَافِ الْأَرْضِ الْجَوِيِّ؛ فَإِنَّهُ يُبْصِرُ الْأَرْضَ إِذَا مَا صَعَدَ فِي النَّهَارِ مُضِيئَةً مِنْ أَثَرِ تَشَتُّتِ الضَّوْءِ وَانْتِثَارِهِ عَلَى تِلْكَ الطَّبَقَةِ مِنْ طَبَقَاتِ الْجَوِّ فِي الْغُلَافِ الْجَوِيِّ.

وَأَمَّا مَا عَدَا ذَلِكَ فَيَرَى شَيْئًا مَهُولًا مِنْ ظَلَامٍ دَامِسٍ لَيْسَ فِيهِ مِنْ بَصِيصٍ مِنْ نُورٍ، وَيَرَى مَلَايِينَ النُّجُومِ قَدْ تَبَدَّتْ لَهُ فِي أَجْوَازِ الْفَضَاءِ، وَيَرَى الشَّمْسَ نَجْمًا مِنْ تِلْكَ النُّجُومِ كَمِثْلِ النُّجُومِ الَّتِي تَرَاهَا فِي اللَّيْلِ إِذَا مَا هَدَأَ وَلَمْ يَعْتَكِرْ.

يَرَى ذَلِكَ فَيُحِسُّ أَنَّهُ قَدْ سُحِرَ، أَوْ أَنَّ مَسْلَكَ الرُّؤْيَةِ فِيهِ قَدْ سُدَّ، فَهَذَا تَأْوِيلُ قَوْلِ رَبِّكِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: {لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ} [الحجر : 15].

وَهُوَ الظَّلَامُ الْجَوِيُّ الشَّامِلُ، وَأَنْتَ عِنْدَمَا تَرَى -هَكَذَا- فِي النَّهَارِ تِلْكَ الْقُبَّةَ الزَّرْقَاءَ الَّتِي جَعَلَهَا اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ سَقْفًا مَرْفُوعًا مَحْفُوظًا لِلْأَرْضِ؛ فَمَا تَرَاهُ مِنْ هَذَا اللَّوْنِ الْأَزْرَقِ لَيْسَ هُوَ السَّمَاءَ، وَإِنَّمَا هِيَ ظَاهِرَةٌ ضَوْئِيَّةٌ تَحْدُثُ عِنْدَمَا يَأْتِي ضَوْءُ الشَّمْسِ إِلَى هَذِهِ الطَّبَقَةِ الْقَرِيبَةِ مِنَ الْأَرْضِ عَلَى ارْتِفَاعِ مِائَتَيْ كِيلُو مِتْرٍ فَقَطْ مِنْ سَطْحِ الْأَرْضِ.

وَأَمَّا الطَّبَقَةُ الَّتِي تَعْلُو هَذِهِ الطَّبَقَةَ وَمَا يَعْلُوهَا مِنْ طَبَقَاتٍ؛ فَإِنَّهَا تَضْغَطُ عَلَيْهَا فَتَزِيدُ كَثَافَتُهَا نِسْبِيًّا، وَعَلَيْهِ؛ فَإِذَا مَا أَصَابَهَا ضَوْءُ الشَّمْسِ تَشَتَّتَ وَانْتَشَرَ وَانْتَثَرَ، وَعِنْدَ ذَلِكَ يَأْتِي هَذَا الطَّيْفُ الَّذِي تَرَاهُ بَعْدَ امْتِصَاصِ غَيْرِهِ مِنْ أَلْوَانِ الضَّوْءِ؛ لِكَيْ تَرَى هَذِهِ الْقُبَّةَ الزَّرْقَاءَ تَحْسَبُهَا سَمَاءً وَمَا هِيَ بِسَمَاءٍ!!

وَأَمَّا السَّمَاءُ الْحَقَّةُ؛ فَالَّتِي تَرَاهَا فِي لَيْلٍ مُظْلِمٍ لَا قَمَرَ فِيهِ وَلَا هِلَالَ، وَعِنْدَ ذَلِكَ تَرَى مِنَ الْأَبْعَادِ السَّحِيقَةِ مَا يَخْدَعُكَ فِيهِ الْبَصَرُ أَحْيَانًا، فَتَظُنُّ أَنَّ النُّجُومَ الَّتِي جَعَلَهَا اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ مَبْثُوثَةً مُنْتَثِرَةً فِي الْفَضَاءِ.. تَظُنُّ أَنَّهَا وَاقِعَةٌ عَلَى سَطْرٍ وَاحِدٍ، أَوْ أَنَّهَا قَدْ لَزِقَتْ بِقُبَّةٍ وَسَقْفٍ وَاحِدٍ، وَمَا هِيَ كَذَلِكَ.

إِنَّكَ إِذَا مَا نَظَرْتَ إِلَى هَذِهِ الْأُمُورِ عَلِمْتَ قَوْلَ رَبِّكَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: {فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ} [الواقعة: 75-76].

وَقَدْ ظَنَّ الْقُدَامَى أَنَّ مَوَاقِعَ النُّجُومِ ثَابِتَةٌ لَا تَتَحَرَّكُ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، وَلَكِنَّ اللهَ -جَلَّ وَعَلَا- دَلَّنَا عَلَى ذَلِكَ فِي مُحْكَمِ التَّنْزِيلِ {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ} [الذاريات: 47].

اللهُ -جَلَّ وَعَلَا- يَدُلُّنَا عَلَى أَنَّهُ قَدْ بَنَى السَّمَاءَ بِقُوَّةٍ وَقُدْرَةٍ لَا يَقْوَى عَلَى ذَلِكَ إِلَّا اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-، ثُمَّ يَقُولُ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ} [الذاريات: 47]

يَقُولُ الْقُدَمَاءُ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ -عَلَيْهِمُ الرَّحْمَةُ- وَهُمْ مُصِيبُونَ فِي قَوْلِهِمْ كُلَّ الْإِصَابَةِ، يَقُولُونَ: {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا} بِقُوَّةٍ وَقُدْرَةٍ، وَإِنَّا لَقَادِرُونَ عَلَى أَنْ نُوَسِّعَ مَا قَدْ بَنَيْنَاهُ تَوْسِعَةً، وَأَنْ نَزِيدَ فِيهِ زِيَادَةً لَا حَدَّ لَهَا، وَهَذَا قَوْلٌ صَحِيحٌ لَا غُبَارَ عَلَيْهِ وَلَا اعْتِرَاضَ.

وَيَقُولُونَ: إِنَّ مَا أَوْدَعَهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ مِنَ الْمَادَّةِ وَالطَّاقَةِ فِي هَذَا الْكَوْنِ؛ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا- قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَزِيدَ فِيهِ مَا يَشَاءُ، وَهُوَ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- الْقَادِرُ الْمُقْتَدِرُ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ، وَهَذَا -أَيْضًا- تَفْسِيرٌ لَا غُبَارَ عَلَيْهِ.

وَلَكِنَّكَ لَوْ نَظَرْتَ إِلَى مَا قَدْ جَدَّ مِنْ عِلْمٍ نُوَظِّفُهُ مِنْ أَجْلِ أَنْ يَكُونَ بِفَضْلِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ- خَادِمًا لِكِتَابِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ؛ لَوَجَدْتَ مِنْ ذَلِكَ بُغْيَتَكَ، وَلَوَضَعْتَ يَدَكَ عَلَى مَا تُحِبُّ وَتَرْضَى.

وَكَانَ الْأَوْلَى بِالْمُسْلِمِينَ أَنْ يَكُونُوا أَوَّلَ النَّاسِ مَعْرِفَةً بِأَمْثَالِ هَذِهِ الْأُمُورِ؛ لِأَنَّ الْقُرْآنَ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ.

{وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ} [الذاريات : 47] يَعْنِي: سَنُدُلُّ الْإِنْسَانَ بِتَقَدُّمِ عِلْمِهِ وَنَظَرِهِ فِي الْكَوْنِ عَلَى أَنَّهُ كُلَّ حِينٍ يَسْتَكْشِفُ بُعْدًا يَتَّسِعُ بِهِ الْكَوْنُ فِي نَظَرِهِ هُوَ، وَالْكَوْنُ وَاسِعٌ فِي حَقِيقَتِهِ عَلَى مُرَادِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

وَقَدْ كَانُوا يَظُنُّونَ أَنَّ الْكَوْنَ فِي عَصْرِ نُزُولِ الْقُرْآنِ إِنَّمَا تَدُورُ هَذِهِ الشَّمْسُ حَوْلَ الْأَرْضِ، وَلَمْ يَكُونُوا يَعْرِفُونَ مِنَ الْكَوَاكِبِ السَّيَّارَةِ الَّتِي تَدُورُ حَوْلَ نَجْمِ الشَّمْسِ إِلَّا أَرْبَعًا مِنْ تِلْكَ الْكَوَاكِبِ السَّيَّارَاتِ.

وَقَدْ وَصَلُوا الْيَوْمَ إِلَى عَشْرٍ مِنْ تِلْكَ الْكَوَاكِبِ بَعْدَمَا اكْتُشِفَ التَّاسِعُ، وَجَدَّ عَلَيْهِ عَاشِرٌ -وَإِنْ لَمْ يُسَمَّ بَعْدُ-.

إِلَّا إِنَّ هَذَا التَّاسِعَ الْمُكْتَشَفَ لَمْ نَكْتَشِفْهُ نَحْنُ بِعِلْمِنَا الشَّرْعِيِّ الَّذي يجْنَحُ إِلَى صَبْغِ الْوُجُودِ بِمَا هُوَ خَلِيقٌ بِأَنْ يُصْبَغَ بِهِ مِنْ أَنَّهُ يَدِينُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ بِالْخَلْقِ، وَأَنَّهُ يَدِينُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ بِالْأُلُوهِيَّةِ وَالْعُبُودِيَّةِ وَالرُّبُوبِيَّةِ.

وَلِذَلِكَ لَمَّا اكْتَشَفُوا ذَلِكَ الْكَوْكَبَ السَّيَّارَ مِنْ حَوْلِ الشَّمْسِ؛ سَمَّوْهُ (بْلُوتُو)، وَ(بْلُوتُو) هَذَا فِي الْمِيثُولُوجِيَا الْإِغْرِيقِيَّةِ الْقَدِيمَةِ -أَيْ: فِي عِلْمِ الْأَسَاطِيرِ- يُدْعَى عِنْدَهُمْ بِإِلَهِ الْجَحِيمِ!!

وَانْظُرْ -أَيُّهَا الْمُسْلِمُ الْمُوَحِّدُ الَّذِي تَشْهَدُ أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ ﷺ- كَيْفَ أُجْبِرْتَ -لِتَقَاعُسِكَ عَنِ النَّظَرِ فِي أَجْوَازِ الْفَضَاءِ،  وَالتَّأَمُّلِ فِي خَلْقِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا، وَفِي خَلْقِ النَّفْسِ-؛ انْظُرْ كَيْفَ أُجْبِرْتَ عَلَى أَنْ تُسَمِّيَ خَلْقًا مِنْ خَلْقِ اللهِ بِاسْمِ إِلَهٍ وَثَنِيٍّ لِلْإِغْرِيقِ الْقُدَمَاءِ، فَيُسَمَّى بِإِلَهِ الْجَحِيمِ عِنْدَ هَؤُلَاءِ الْإِغْرِيقِ الْوَثَنِيِّينَ، يُسَمَّى كَوْكَبٌ سَيَّارٌ فِي مَجْمُوعَتِنَا الشَّمْسِيَّةِ، وَهُوَ خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

كَانُوا يَظُنُّونَ أَنَّ الْكَوْنَ قَدْ وَقَفَ عِنْدَ هَذِهِ الْحُدُودِ، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّ هَذَا وَهْمٌ مِنَ الْوَهْمِ وَخَبْطٌ فِي خَيَالٍ، ثُمَّ إِنَّهُمْ بِوَسَائِلِهِمُ الْحَدِيثَةِ قَدِ اسْتَطَاعُوا أَنْ يَعْلَمُوا أَنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ (سَدِيمِ الْمَرْأَةِ الْمُسَلْسَلَةِ) -وَهُوَ أَيْضًا اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ أَسَاطِيرِهِمْ وَاسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ وَثَنِيَّاتِهِمْ- بَيْنَنَا وَبَيْنَ هَذَا السَّدِيمِ مِلُيون سَنَةً ضَوْئِيَّةً يَعْنِي: بِسُرْعَةِ الضَّوْءِ فِي الثَّانِيَةِ الْوَاحِدَةِ ثَلَاثُ مِائَةِ أَلْفِ كِيلُو مِتْرٍ (300000كم/ث)- يَقْطَعُ الضَّوْءُ لِكَيْ يَصِلَ إِلَيْنَا مِنْ (سَدِيمِ) أَيْ: مِنْ مَجَرَّةِ الْمَرْأَةِ الْمُسَلْسَلَةِ- مِلْيُونًا مِنْ السِّنِينَ بِسُرْعَةِ الضَّوْءِ؛ هَذِهِ لِكَيْ يَصِلَ إِلَيْنَا.

ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّ هُنَاكَ مِنَ السُّدُمِ وَمِنَ الْمَجَرَّاتِ فِي أَجْوَازِ الْفَضَاءِ مَا هُوَ عَلَى بُعْدٍ شَاسِعٍ جِدًّا يَبْلُغُ عَشْرَةَ آلَافِ مِلْيُون سَنَةٍ ضَوْئِيَّةٍ، وَلَا يَعْلَمُ مُلْكَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ  -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-!!

فَهَذَا الْكَوْنُ الْمُتَّسِعُ يَقُولُ عُلَمَاؤُنَا: إِنَّكَ إِذَا مَا نَظَرْتَ فِيهِ عَلَى مُقْتَضَى نَظَرِ الْعِلْمِ الْحَدِيثِ؛ اتَّسَعَ لَكَ الْحِينَ بَعْدَ الْحِينِ، فَهَذَا وَجْهٌ مِنْ وُجُوهِ تَأْوِيلِ قَوْلِ رَبِّكَ: {وَإِنَّا لِمُوسِعُونَ}.

اللهُ -جَلَّ وَعَلَا- حَضَّنَا فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ عَلَى النَّظَرِ فِي أَحْوَالِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَأَمَرَنَا اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ بِالنَّظَرِ فِي أَنْفُسِنَا، وَأَمَرَنَا اللهُ -جَلَّ وَعَلَا- أَلَّا نَكُونَ مِنْ قِصَارِ النَّظَرِ الَّذِينَ لَا يُبْصِرُونَ أَمَامَهُمْ، وَإِنَّمَا يُبْصِرُونَ تَحْتَ مَوَاقِعِ أَقْدَامِهِمْ وَلَا يَزِيدُونَ، وَلَحَانَا اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ عَلَى التَّقَاعُسِ فِي ذَلِكَ.

فَبَيَّنَ لَنَا أَنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ، لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ، لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ.

وَإِذَنْ؛ فَفِي هَذَا تَعْرِيضٌ لِمَنْ لَا يَدُلُّهُ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَلَى عَظَمَةِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَتَفَرُّدِهِ بِالْوَحْدَانِيَّةِ -سُبْحَانَهُ-، وَعَلَى صِدْقِ مُحَمَّدٍ ﷺ الَّذِي جَاءَ لَنَا بِهَذَا كُلِّهِ، وَمِنْ أَيْنَ عَلِمَ مُحَمَّدٌ ﷺ أَمْثَالَ هَذِهِ الْأُمُورِ؟! كَمَا قَالَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ} [الحجر: 22].

وَقَدْ ظَنَّ عُلَمَاؤُنَا -عَلَيْهِمُ الرَّحْمَةُ- ظَنًّا صَحِيحًا فِيمَا وَرَدَ عَنِ الضَّحَّاكِ -رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ- يَقُولُ: ((إِنَّ الرِّيَاحَ تُلْقِحُ السَّحَابَ فَيُمْطِرُ)).

وَيَقُولُ الثَّوْرِيُّ: ((إِنَّمَا تُلْقِحُ النَّبَاتَ بَعْدَ نُزُولِ الْغَيْثِ، فَيَنْبُتُ بِفَضْلِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)).

وَهُمَا قَوْلَانِ صَحِيحَانِ لَا غُبَارَ عَلَيْهِمَا.

{وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ} [الحجر: 22].

مَا الْعَلَاقَةُ بَيْنَ هَذَا اللِّقَاحِ الَّذِي ذَكَرَهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ مِنْ أَمْرِ الرِّيحِ لِلسَّحَابِ، وَبَيْنَ إِنْزَالِ الْمَطَرِ؟!!

يَقُولُ لَنَا الْعِلْمُ الْحَدِيثُ الَّذِي أَغْفَلَهُ الْمُسْلِمُونَ وَلَمْ يَلْتَفِتُوا إِلَيْهِ، وَالْقُرْآنُ يَدُلُّهُمْ عَلَيْهِ، فَوَا حَسْرَتَاهُ ثُمَّ وَا حَسْرَتَاهُ ثُمَّ وَا حَسْرَتَاهُ عَلَى الْمُفَرِّطِينَ!!

لَوْ أَنَّكَ نَظَرْتَ إِلَى مَا يَقُولُهُ الْعِلْمُ الْحَدِيثُ؛ لَعَلِمْتَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّ اللِّقَاحَ الَّذِي تُحْدِثُهُ الرِّيَاحُ فِي السَّحَابِ إِنَّمَا هُوَ شَبِيهٌ بِقَضِيَّةِ اللِّقَاحِ الَّتِي تَتِمُّ وَالتَّلْقِيحِ الَّذِي يَحْدُثُ بَيْنَ الْكَائِنَاتِ الْحَيَّةِ، فَيَتَوَلَّدُ عَنْهَا مَا يَتَوَلَّدُ.

وَقَالُوا: إِنَّ هُنَاكَ مَا يُسَمَّى بِنُوَى التَّكَاثُفِ أَيْ: بِأَنْوِيَةِ التَّكَاثُفِ- الَّتِي يَتَكَاثَفُ وَيَتَكَثَّفُ عَلَيْهَا الْمَاءُ، فَأَمَّا الرِّيَاحُ فَتَحْمِلُ بُخَارَ الْمَاءِ وَنُوَى التَّكَاثُفِ، وَهُوَ مَا ثَارَ مِنْ غُبَارِ الْأَرْضِ وَمَا حَمَلَتْهُ الرِّيحُ مِمَّا تَنَاثَرَ مِنْ مِلْحِ الْبَحْرِ، فَإِذَا مَا تَمَّ ذَلِكَ الْحَمْلُ، وَحَمَلَتْهُ إِلَى السَّمَاءِ أَنْوِيَةً؛ أَلْقَحَتْ بِهِ تِلْكَ السُّحُبَ فِي عَلْيَاءِ الْفَضَاءِ؛ كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ مَدْعَاةً لِإِنْزَالِ الْمَطَرِ، كَمَا قَالَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً}؛ فَالْفَاءُ هُنَا لِلسَّبَبِيَّةِ؛ لِأَنَّ اللِّقَاحَ إِنَّمَا جَاءَ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ.

وَكَانَ الْأَوْلَى بِالْمُسْلِمِينَ أَنْ يَنْظُرُوا فِي ذَلِكَ وَأَنْ يَتَتَبَّعُوهُ، لَا أَنْ يُغْفِلُوهُ حَتَّى يَقَعَ عَلَيْهِ غَيْرُهُمْ، ثُمَّ يُرْجِعُونَ الْأَمْرَ كُلَّهُ لَا إِلَى اللهِ الْخَلَّاقِ الْعَلِيمِ، وَإِنَّمَا يُرْجِعُونَهُ إِلَى مَا يَعْلَمُونَهُ مِنْ أَمْرِ الْمَادَّةِ الصَّمَّاءِ الْمَيِّتَةِ الْجَامِدَةِ الَّتِي لَا حَيَاةَ فِيهَا وَلَا حِسَّ، وَيُرْجِعُونَهُ لِلْمُصَادَفَةِ الْعَمْيَاءِ الَّتِي لَمْ تُخْلَقْ قَطُّ؛ فَكَيْفَ تَخْلُقُ هِيَ بَعْدُ؟!!

اللهُ -جَلَّ وَعَلَا- يَدُلُّنَا فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ وَفِي سُنَّةِ النَّبِيِّ الْأَمِينِ ﷺ بِوَسَائِلَ شَتَّى أَنَّ هَذَا الْعِلْمَ الْمَادِّيَّ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَلْتَفِتَ إِلَيْهِ، وَأَنْ نَحْرِصَ عَلَيْهِ، لَا أَنْ نَنْتَظِرَ حَتَّى يَصْنَعَ غَيْرُنَا مَا صَنَعَ، ثُمَّ نَقَعَ بَعْدَ ذَلِكَ بَيْنَ فَكَّيِ الْأَسَدِ، فَلَا نَسْتَطِيعُ فَكَاكًا، وَلَا نَسْتَطِيعُ إِلَّا التَّسْلِيمَ وَالِانْخِذَالَ وَالْهَزِيمَةَ مِنْ بَعْدِ التَّسْلِيمِ وَالِانْهِزَامِ وَالْخِذْلَانِ -نَسْأَلُ اللهَ السَّلَامَةَ وَالْعَافِيَةَ-.

وَخُذْ إِلَيْكَ شَيْئًا وَاحِدًا مِمَّا صَنَعَهُ الْقَوْمُ الْيَوْمَ، فَاللهُ -جَلَّ وَعَلَا- يَدُلُّنَا عَلَى كُلِّ ذَلِكَ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ؛ إِنَّ الْقُنْبُلَةَ الْهَيُدْرُوجِينِيَّةَ مَا هِيَ إِلَّا لَوْنٌ مِنْ أَلْوَانِ الْإِفْنَاءِ لِجُزْءٍ مِنَ الطَّاقَةِ، وَمَعْلُومٌ بِوَسَائِلَ مَادِّيَّةٍ مَحْضَةٍ أَنَّ أَيَّ جُزْءٍ مِنَ الْمَادَّةِ يَفْنَى لَا بُدَّ أَنْ يَنْتُجَ عَنْهُ قَدْرٌ هَائِلٌ مِنَ الطَّاقَةِ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-؛ حَتَّى إِنَّهُمْ لَيُقَدِّرُونَ بِحِسَابَاتٍ دَقِيقَةٍ جِدًّا أَنَّكَ لَوِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تُفْنِيَ مِنَ الْمَاءِ فَوْقَ النِّصْفِ لِتْرٍ بِقَلِيلٍ، لَوِ اسْتَطَعْتَ إِفْنَاءَهُ إِفْنَاءً تَامًّا بِمَعْنَى تَحْوِيلِ هَذِهِ الْكُتْلَةِ أَوْ هَذِهِ الْمَادَّةِ إِلَى طَاقَةٍ؛ لَنَتَجَتْ عِنْدَكَ طَاقَةٌ تَكْفِي لِإِنَارَةِ وَلِتَدْفِئَةِ وَلِإِدَارَةِ الْمَصَانِعِ الثَّقِيلَةِ فِي الْأَرْضِ قَاطِبَةً، يَنْتُجُ ذَلِكَ عِنْدَمَا تُحَوِّلُ نِصْفَ لِتْرٍ مِنَ الْمَاءِ إِلَى طَاقَةٍ، فَهَذَا أَمْرٌ مَهُولٌ جِدًّا.

وَهَذَا هُوَ الِالْتِحَامُ وَالِانْدِمَاجُ النَّوَوِيُّ الَّذِي دَلَّنَا عَلَيْهِ رَبُّنَا -جَلَّ وَعَلَا- عِنْدَمَا أَخْبَرَنَا عَنِ الشَّمْسِ الْمُنِيرَةِ فِي أَجْوَازِ الْفَضَاءِ، فَحَرَارَتُهَا إِنَّمَا تَنْشَأُ -كَمَا يَقُولُ الْعُلَمَاءُ- مِنْ هَذَا الِانْدِمَاجِ النَّوَوِيِّ؛ حَتَّى إِنَّ دَرَجَةَ الْحَرَارَةِ فِي بَعْضِ الْمَرَاكِزِ الَّتِي تَنْدَلِعُ فِيهَا الشَّمْسُ وَتَنْدَفِقُ لَهَبًا مُتَوَهِّجَةً تَبْلُغُ سَبْعَةً وَعِشْرِينَ مِلْيُونًا مِنَ الدَّرَجَاتِ الَّتِي سَعَّرَهَا اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ.

سَبْعَةٌ وَعِشْرُونَ مِلْيُونًا مِنَ الدَّرَجَاتِ الْحَرَارِيَّةِ فِي بَعْضِ الْمَنَاطِقِ الْمَرْكَزِيَّةِ مِنْ هَذَا النَّجْمِ الْيَسِيرِ، وَمَا الشَّمْسُ فِي حَجْمِهَا وَفِي إِشْعَاعِهَا وَفِي لَمَعَانِهَا وَفِي طَاقَتِهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى هَذِهِ النُّجُومِ الَّتِي تَرَاهَا بِاللَّيْلِ إِلَّا كَالْهَبَاءَةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى كُتْلَةِ الْأَرْضِ وَحَجْمِهَا مَعًا!!

وَمَعَ ذَلِكَ يَجْعَلُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ هَذَا الِانْدِمَاجَ النَّوَوِيَّ، وَهِيَ الْفِكْرَةُ الَّتِي أَخَذَهَا أَعْدَاؤُنَا، وَلَمْ يَكُونُوا إِلَّا أَعْدَاءً لَنَا، وَكُلُّ الَّذِي صَنَعُوهُ أَنَّهُمْ جَعَلُوهُ فِي جَوْفِ وَبَاطِنِ تِلْكَ الْقُنْبُلَةِ الْهَيُدْرُوجِينِيَّةِ غَازَ الْهَيُدْرُوجِين، وَهُوَ غَازٌ مِثَالِيٌّ جِدًّا؛ لِأَنَّ نَوَاتَهُ لَا تَحْوِي إِلَّا بُرُوتُونًا وَاحِدًا، وَأَمَّا الْمَدَارُ حَوْلَهَا فَمَدَارٌ وَاحِدٌ بِإِلِكْتُرُونٍ وَاحِدٍ؛ أي: تُوجَدُ شُحْنَةٌ مُوجَبَةٌ فِي وَسَطِ تِلْكَ الذَّرَّةِ مِنْ غَازِ الْهَيُدْرُوجِين، وَأَمَّا حَوْلَ هَذِهِ الشُّحْنَةِ الْمُوجَبَةِ؛ فَشُحْنَةٌ سَالِبَةٌ طَائِرَةٌ دَائِرَةٌ كَمَا تَدُورُ الْأَرْضُ مِنْ حَوْلِ الشَّمْسِ؛ وَلِذَلِكَ جَاءُوا بِالتَّسْخِينِ، فَإِذَا مَا ارْتَفَعَتِ الْحَرَارَةُ إِلَى دَرَجَةٍ عَالِيَةٍ جِدًّا؛ فَمَاذَا يَحْدُثُ؟

تَتَطَايَرُ تِلْكَ الشُّحْنَاتُ السَّالِبَةُ، ثُمَّ إِنَّ الْأَنْوِيَةَ بِشُحْنَاتِهَا الْمُوجَبَةِ تَنْدَمِجُ، فَإِذَا مَا انْدَمَجَتْ أَرْبَعَةٌ مِنْ أَنْوِيَةِ ذَرَّاتِ الْهَيُدْرُوجِين؛ تَكَّوَنَ عِنْدَنَا عُنْصُرٌ جَدِيدٌ، هُوَ عُنْصُرُ الْهِيلْيوم، وَهُوَ مِنْ أَرْبَعِ ذَرَّاتٍ مِنْ تِلْكَ الذَّرَّاتِ مِنْ ذَرَّاتِ الْهَيُدْرُوجِين.

وَلَكِنَّكَ لَوْ نَظَرْتَ عِنْدَ هَذَا الِانْدِمَاجِ النَّوَوِيِّ لِأَنْوِيَةِ ذَرَّاتِ الْهَيُدْرُوجِين هَذَا الْغَازِ الْخَفِيفِ.. لَوْ نَظَرْتَ إِلَى هَذَا الِانْدِمَاجِ، وَوَزَنْتَ تِلْكَ الذَّرَّاتِ فَبَلَغَتْ أَرْبَعَ مِائَةٍ (400) -مَثَلًا-، ثُمَّ إِنَّكَ بَعْدَ ذَلِكَ وَزَنْتَ نَوَاةَ ذَرَّةِ الْهِيلْيوم -هَذَا الْغَازُ الْخَفِيفُ النَّادِرُ-؛ فَسَتَجِدُهَا تَبْلُغُ ثَلَاثَ مِائَةٍ وَسَبْعَةً وَتِسْعِينَ (397)؛ فَأَيْنَ الثَّلَاثَةُ أَيِ: الْوَاحِدُ بِالْمِائَةِ (1%)- مِنْ هَذِهِ الْكُتْلَةِ الَّتِي ذَهَبَتْ إِنَّمَا فَنِيَتْ؛ مَا مَعْنَى فَنَائِهَا؟

مَعْنَى فَنَائِهَا: أَنَّهَا قَدْ تَحَوَّلَتْ إِلَى طَاقَةٍ، هِيَ هَذِهِ الطَّاقَةُ الْمُسْتَغَلَّةُ الْآنَ فِي التَّدْمِيرِ، وَالَّتِي يُرْهَبُ بِهَا كُلُّ مَنْ يَقُولُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؛ أَفِي هَذَا مِنَ الْعُسْرِ شَيْءٌ؟!!

لَيْسَ فِي هَذَا مِنَ الْعُسْرِ شَيْءٌ وَللهِ الْحَمْدُ رَبِّ الْعَالَمِينَ؛ إِلَّا إنَّ الْعُقُولَ قَدْ كَلَّتْ!!

 مَطْلَبُ الْعِلْمِ الْمَادِّيِّ الَّذِي تَحْتَاجُهُ الْأُمَّةُ وَتَسْتَغْنِي بِهِ عَنْ سِوَاهَا مِنَ الْأُمَمِ الْكَافِرَةِ وَاجِبٌ مِنَ الْوَاجِبَاتِ؛ وَذَلِكَ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ اسْتِقْلَالِ الْأُمَّةِ، وَغَلَبَتِهَا، وَتَمَكُّنِهَا مِنَ الصِّنَاعَةِ، وَالْإِنْتَاجِ، وَالتَّسْلِيحِ.

وَالْإِنْسَانُ مَهْمَا بَلَغَ فِي دَرَجَاتِ الْعِلْمِ الْمَادِّيِّ الْبَحْتِ فَإِنَّهُ يَظَلُّ قَاصِرًا عَنْ أَنْ يُحِيطَ عِلْمًا بِكُلِّ شَيْءٍ؛ فَاللهُ -تَعَالَى- يُخْبِرُ عَنْ ذَلِكَ فَيَقُولُ: {وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} [الإسراء: 85].

وَقَدْ أَثَّرَ ذَلِكَ تَأْثِيرًا حَضَارِيًّا قَوِيًّا فِي الْأُمَمِ، وَكَانَ ذَلِكَ بِدَافِعٍ مِنَ الدِّينِ الْإِسْلَامِيِّ الَّذِي شَجَّعَ الْعِلْمَ، وَقَدَّرَ الْعُلَمَاءَ، وَدَعَا إِلَى التَّأَمُّلِ وَالتَّفَكُّرِ وَالتَّجْرِيبِ، وَأُورُبَّةُ مَدِينَةٌ لَهُمْ بِذَلِكَ؛ وَلِهَذَا فَهُنَاكَ فَرْقٌ شَاسِعٌ بَيْنَ مَوْقِفِ الْإِسْلَامِ مِنَ الْعِلْمِ -وَخَاصَّةً الْعُلُومَ التَّجْرِيبِيَّةَ- وَمَوْقِفِ الْكَنِيسَةِ مِنْ ذَلِكَ؛ خَاصَّةً مَا كَانَ فِي أُورُبَّةَ قَبْلَ الثَّوْرَةِ الْفَرَنْسِيَّةِ، وَسَيْطَرَةِ الْكَنِيسَةِ وَرِجَالَاتِهَا عَلَى عُقُولِ النَّاسِ وَتَفْكِيرِهِمْ، وَتَحْرِيمِهَا كُلَّ مُحَاوَلَةٍ لِلتَّحَرُّرِ مِنَ الْعُبُودِيَّةِ لِرِجَالِ الْكَنِيسَةِ، وَمَا نَتَجَ عَنْ ذَلِكَ مِنَ الثَّوْرَاتِ عَلَى الْكَنِيسَةِ وَرِجَالِهَا، بَيْنَمَا الْإِسْلَامُ قَامَ أَصْلًا عَلَى الْعِلْمِ، وَالتَّوْجِيهِ إِلَيْهِ، وَالتَّحَاكُمِ إِلَيْهِ، فَلَا يَصِحُّ عَقْلًا وَلَا وَاقِعًا إِسْقَاطُ أَخْطَاءِ الْكَنِيسَةِ الْبَاطِلَةِ عَلَى دِينِ الْإِسْلَامِ الْعَظِيمِ، وَادِّعَاءُ أَنَّ الدِّينَ الْإِسْلَامِيَّ عَائِقٌ عَنِ الْعِلْمِ، وَمَانِعٌ مِنَ التَّقَدُّمِ التِّقْنِيِّ وَالصِّنَاعِيِّ؛ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مِنْهَاجًا لِمَنْ لَا مَعْرِفَةَ عِنْدَهُ، أَوْ مَنْ كَانَ قَصْدُهُ غَيْرَ الْحَقِّ.

وَإِنَّ الْمُطَّلِعَ عَلَى قَرَارَاتِ الْمَجَامِعِ الْعِلْمِيَّةِ؛ وَخَاصَّةً مَا يَخْتَصُّ مِنْهَا بِالْإِعْجَازِ الْعِلْمِيِّ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَمَا تَوَصَّلَ إِلَيْهِ الْعُلَمَاءُ مِنْ حَقَائِقَ عِلْمِيَّةٍ وَاضِحَةٍ ثَابِتَةٍ تَتَطَابَقُ مَعَ مَا جَاءَ بِهِ الْخَبَرُ فِي دِينِ اللهِ -تَعَالَى-.. الْمُطَّلِعُ يَرَى إِعْجَازَ دِينِ الْإِسْلَامِ، فَيَجِدُ فِي ذَلِكَ الطُّمَأْنِينَةَ وَالثِّقَةَ وَالْأُنْسَ بِأَنَّ اللهَ -تَعَالَى- أَنْعَمَ عَلَيْهِ بِالْهِدَايَةِ لِلْإِسْلَامِ، وَأَكْرَمَهُ بِاتِّبَاعِ سِيرَةِ خَيْرِ الْأَنَامِ مُحَمَّدٍ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَأَزْكَى السَّلَامِ-.

وَحَيْثُ إِنَّنَا نَعِيشُ عَصْرَ حَضَارَةٍ مَادِّيَّةٍ طَغَتْ عَلَى مَشَاعِرِ الْإِنْسَانِ وَشَغَلَتْ أَحَاسِيسَهُ؛ فَإِنَّ نِعْمَةَ اللهِ -تَعَالَى- عَلَى أُمَّةِ الْإِسْلَامِ فِي أَنْ يَتَوَاكَبَ هَذَا الدِّينُ بِأُصُولِهِ مَعَ مُقْتَضَيَاتِ الْمَرْحَلَةِ، وَتَظْهَرُ دَلَائِلُ الْإِعْجَازِ وَإِقَامَةُ الْحُجَّةِ عَلَى النَّاسِ فِي صُوَرٍ ظَاهِرَةٍ وَصَرِيحَةٍ لَا يُمْكِنُ لِأَيِّ بَشَرٍ أَنْ يُنْكِرَهَا وَلَا أَنْ يَتَنَكَّرَ لَهَا؛ إِنَّ هَذِهِ لَهِيَ دَلَائِلُ عَلَى عَظَمَةِ هَذَا الدِّينِ وَعِنَايَتِهِ بِالْعِلْمِ.

وَلِهَذَا فَتَجْدُرُ الْإِشَارَةُ إِلَى بَعْضٍ مِنَ الصُّوَرِ الدَّالَّةِ عَلَى هَذَا الْأَمْرِ الْمُهِمِّ مِمَّا تَتَجَلَّى فِيهِ صُورَةُ الْإِعْجَازِ الْعِلْمِيِّ فِي الْقُرْآنِ الْمَجِيدِ وَالسُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ الْمُطَهَّرَةِ، مِنْ ذَلِكَ:

عِلْمُ الْفَلَكِ وَمَا فِي هَذَا الْكَوْنِ الْفَسِيحِ مِنْ عَظِيمِ صُنْعِ اللهِ -تَعَالَى-، وَمَا تَوَصَّلَ لَهُ الْبَشَرُ مِنْ حَقَائِقَ فِي هَذَا الْعِلْمِ سَبَقَ  إِلَيْهَا الْإِسْلَامُ الْعَظِيمُ.

الْأَرْضُ وَمَا طَرَأَ عَلَيْهَا مِنْ تَغَيُّرَاتٍ، وَحَرَكَةُ دَوْرَةِ الْمَاءِ فِيهَا، وَالْجِبَالُ وَتَثْبِيتُهَا لِلْأَرْضِ، وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَجَرَيَانُهُمَا  كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ.

قَالَ تَعَالَى: {أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (15) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا} [نوح: 15-16].

(({أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا} أَيْ: كُلُّ سَمَاءٍ فَوْقَ الْأُخْرَى، {وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا} لِأَهْلِ الْأَرْضِ، {وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا}؛ فَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى عِظَمِ خَلْقِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، وَكَثْرَةِ الْمَنَافِعِ فِي الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ الدَّالَّةِ عَلَى رَحْمَةِ اللَّهِ وَسِعَةِ إِحْسَانِهِ؛ فَالْعَظِيمُ الرَّحِيمُ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُعَظَّمَ، وَيُحَبَّ، وَيُخَافَ، وَيُرْجَى)).

وَقَالَ رَبُّنَا -جَلَّ وَعَلَا-: {لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ ۚ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} [يس: 40].

((وَكُلٌّ مِنَ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ قَدَّرَهُ اللَّهُ تَقْدِيرًا لَا يَتَعَدَّاهُ، وَكُلٌّ لَهُ سُلْطَانٌ وَوَقْتٌ إِذَا وُجِدَ عُدِمَ الْآخَرُ؛ وَلِهَذَا قَالَ: {لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ} أَيْ: فِي سُلْطَانِهِ الَّذِي هُوَ اللَّيْلُ، فَلَا يُمْكِنُ أَنْ تُوجَدَ الشَّمْسُ فِي اللَّيْلِ، {وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ}، فَيَدْخُلُ عَلَيْهِ قَبْلَ انْقِضَاءِ سُلْطَانِهِ، وَكُلٌّ مِنَ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالنُّجُومِ {فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} أَيْ: يَتَرَدَّدُونَ عَلَى الدَّوَامِ؛ فَكُلُّ هَذَا دَلِيلٌ ظَاهِرٌ وَبُرْهَانٌ بَاهِرٌ عَلَى عَظَمَةِ الْخَالِقِ، وَعَظَمَةِ أَوْصَافِهِ؛ خُصُوصًا وَصْفَ الْقُدْرَةِ وَالْحِكْمَةِ وَالْعِلْمِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ)).

وَقَالَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: {يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ} [النور: 44].

يُغَيِّرُ اللهُ أَحْوَالَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ بِالطُّولِ وَالْقِصَرِ، وَالِابْتِدَاءِ وَالِانْتِهَاءِ؛ بِسَبَبِ حَرَكَةِ الْأَرْضِ حَوْلَ نَفْسِهَا وَحَوْلَ الشَّمْسِ؛ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَدَلَالَةً لِأَهْلِ الْعُقُولِ وَالْبَصَائِرِ عَلَى قُدْرَةِ اللهِ وَوَحْدَانِيَّتِهِ.

وَقَالَ تَعَالَى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [البقرة: 164].

إِنَّ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ الْكَوْنِيَّةِ لَدَلَائِلَ وَاضِحَاتٍ عَلَى رُبُوبِيَّتِهِ تَعَالَى وَإِلَهِيَّتِهِ، وَمِنْ هَذِهِ الْآيَاتِ:

الْآيَةُ الْأُولَى: آيَةُ خَلْقِ السَّمَوَاتِ بِارْتِفَاعِهَا بِغَيْرِ عَمَدٍ، وَمَا فِيهَا مِنَ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالنُّجُومِ، وَفِي مَدِّ الْأَرْضِ وَبَسْطِهَا، وَمَا فِيهَا مِنَ الْجِبَالِ، وَالْبِحَارِ، وَالْأَنْهَارِ، وَالْأَشْجَارِ.

وَالْآيَةُ الثَّانِيَةُ: تَعَاقُبُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ عَلَى مُحِيطِ الْأَرْضِ فِي الْمَجِيءِ وَالذَّهَابِ، وَالظُّلْمَةِ وَالنُّورِ بِنِظَامٍ مُحْكَمٍ وَدَقِيقٍ.

وَالْآيَةُ الثَّالِثَةُ: السُّفُنُ الَّتِي تَجْرِي عَلَى وَجْهِ الْمَاءِ مُوخَرَةً مُحَمَّلَةً بِالْأَثْقَالِ، وَتَنْقُلُهَا مِنْ بَلَدٍ إِلَى آخَرَ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ فِي تِجَارَاتِهِمْ وَمَنَافِعِهِمْ.

وَالْآيَةُ الرَّابِعَةُ: الدَّوْرَةُ الْمَائِيَّةُ وَنِظَامُ تَحْلِيَةِ الْمَاءِ بِالتَّبَخُّرِ وَالِاجْتِمَاعِ فِي السَّحَابِ، ثُمَّ هُطُولُهُ مَطَرًا عَلَى مَا يَشَاءُ اللهُ، وَلِمَنْ يَشَاءُ اللهُ، وَآيَةُ دَوْرَةِ الْحَيَاةِ النَّبَاتِيَّةِ.

وَالْآيَةُ الْخَامِسَةُ: مَا فَرَّقَ اللهُ فِي الْأَرْضِ مِنْ أَنْوَاعِ الدَّوَابِّ كُلِّهَا عَلَى اخْتِلَافِ أَحْجَامِهَا، وَأَشْكَالِهَا، وَأَلْوَانِهَا، وَأَصْوَاتِهَا، وَمُدَدِ حَمْلِهَا، وَكَيْفِيَّةِ تَنَاسُلِهَا، وَوُجُوهِ الِانْتِفَاعِ بِهَا.

وَالْآيَةُ السَّادِسَةُ: تَقْلِيبُ اللهِ الرِّيَاحَ، وَتَنْوِيعُهَا فِي جِهَاتِهَا شَرْقًا وَغَرْبًا، وَشَمَالًا وَجَنُوبًا، وَفِي أَحْوَالِهَا حَارَّةً وَبَارِدَةً، وَعَاصِفَةً وَلَيِّنَةً، وَمُلَقِّحَةً لِلنَّبَاتِ وَعَقِيمًا.

وَالْآيَةُ السَّابِعَةُ: الْغَيْمُ الْمُذَلَّلُ الْمُسَيَّرُ وَفْقَ مَقَادِيرِ اللهِ وَأَوَامِرِهِ الْحَكِيمَةِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ.

فَفِي هَذِهِ الْآيَاتِ الْكَوْنِيَّةِ السَّبْعِ دَلَائِلُ عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ، وَعَجَائِبُ دَالَّةٌ عَلَى عَظَمَةِ قُدْرَتِهِ، وَإِبْدَاعِهِ لِمَخْلُوقَاتِهِ، وَكَمَالِ إِرَادَتِهِ، وَوَاسِعِ عِلْمِهِ، وَجَلِيلِ حِكْمَتِهِ وَإِتْقَانِهِ، مَعَ عِنَايَتِهِ بِعِبَادِهِ.

كُلُّهَا آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ عَقْلًا عِلْمِيًّا، فَيَعْلَمُونَ أَنَّ لِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ خَالِقًا وَمُدَبِّرًا قَادِرًا عَلَى مَا يُرِيدُ.

وَقَالَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ} [النور: 43].

أَلَمْ تَرَ -أَيُّهَا الْعَاقِلُ الْبَصِيرُ- نَاظِرًا إِلَى آثَارِ صُنْعِ رَبِّكَ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ أَنَّ اللهَ يَسُوقُ سَحَابًا رَفِيقًا بِأَمْرِهِ حَيْثُ يَشَاءُ، ثُمَّ يَجْمَعُ بَيْنَ قِطَعِ السَّحَابِ الْمُتَفَرِّقَةِ بَعْضِهَا إِلَى بَعْضٍ، ثُمَّ يَجْعَلُهُ مُتَرَاكِمًا بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ، فَتَرَى الْمَطَرَ يَنْفُذُ مِنْ خِلَالِ السَّحَابِ، وَاللهُ يُنَزِّلُ مِنْ مَجْمُوعَاتِ السُّحُبِ الْمُتَكَاثِفَةِ الَّتِي تُشْبِهُ الْجِبَالَ فِي عَظَمَتِهَا.. يُنَزِّلُ بَرَدًا كَالْحَصَا، وَيُصِيبُ اللهُ سُبْحَانَهُ بِالْبَرَدِ الْمُنَزَّلِ مِنَ السَّحَابِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ؛ فَيُهْلِكُهُ وَأَمْوَالَهُ، وَيَصْرِفُهُ عَمَّنْ يَشَاءُ مِنْهُمْ فَلَا يَضُرُّهُ.

يَقْرُبُ ضَوْءُ بَرْقِ السَّحَابِ وَلَمَعَانُهُ الْحَادِثُ مِنَ اصْطِكَاكِ السُّحُبِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ مِنْ شِدَّةِ ضَوْئِهِ وَبَرِيقِهِ.

فَجَمِيعُ مَرَاحِلِ الْمَطَرِ مِنْ خَلْقِ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا-، وَتَقْدِيرِهِ.

وَقَالَ تَعَالَى: {اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} [الروم: 48].

اللهُ -سُبْحَانَهُ- هُوَ وَحْدَهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهَا، وَشِدَّتِهَا وَضَعْفِهَا، وَدَرَجَاتِ حَرَارَتِهَا وَبُرُودَتِهَا، فَتَنْشُرُ الرِّيَاحُ السَّحَابَ وَتُحَرِّكُهُ وَتُهَيِّجُهُ، فَيَمُدُّهُ اللهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ، هُنَا وَهُنَاكَ فِي قِلَّةٍ أَوْ كَثْرَةٍ، وَيَجْعَلُهُ قِطَعًا مُتَفَرِّقَةً، فَتَرَى أَيُّهَا الرَّائِي الْمَطَرَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِ السُّحُبِ وَفُرَجِهِ بِتَقْدِيرِ اللهِ تَعَالَى وَقَضَائِهِ وَعِلْمِهِ وَحِكْمَتِهِ.

فَإِذَا أَصَابَ اللهُ بِالْمَطَرِ مَوَاضِعَ حَاجَاتِ وَمَطَالِبِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ؛ فَاجَئُوا النَّاظِرَ إِلَيْهِمُ الْمُتَفَكِّرَ فِي أَحْوَالِهِمْ بِأَنَّهُمْ يَفْرَحُونَ وَيُسَرُّونَ.

وَقَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ} [الرعد: 12].

اللهُ وَحْدَهُ هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ -أَيُّهَا النَّاسُ- الْبَرْقَ اللَّامِعَ مِنْ خِلَالِ السَّحَابِ، فَتَخَافُونَ أَنْ تَنْزِلَ عَلَيْكُمْ مِنْهُ الصَّوَاعِقُ الْمُحْرِقَةُ، وَتَطْمَعُونَ بِنُزُولِ الْمَطَرِ عَلَيْكُمْ.

وَيُنْشِئُ -سُبْحَانَهُ- بِقُدْرَتِهِ عَلَى سَبِيلِ التَّدَرُّجِ بِمَرَاحِلَ مُتَتَابِعَةٍ مِنْ ذَرَّاتِ الْأَبْخِرَةِ الْمُتَصَاعِدَةِ فِي الْجَوِّ وَالْمُتَجَمِّعَةِ شَيْئًا فَشَيْئًا؛ يُنْشِئُ الْغَيْمَ الْمُنْسَحِبَ فِي الْهَوَاءِ، الْمُحَمَّلَ بِالْمَطَرِ لِمَنَافِعِكُمْ.

وَقَالَ اللهُ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 28] فِي مَعْرِضِ الْحَدِيثِ عَنِ الْعُلُومِ الْكَوْنِيَّةِ: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ} [فاطر: 27-28].

((يَذْكُرُ -تَعَالَى- خَلْقَهُ لِلْأَشْيَاءِ الْمُتَضَادَّاتِ الَّتِي أَصْلُهَا وَاحِدٌ، وَمَادَّتُهَا وَاحِدَةٌ، وَفِيهَا مِنَ التَّفَاوُتِ وَالْفَرْقِ مَا هُوَ مُشَاهَدٌ مَعْرُوفٌ؛ لِيَدُلَّ الْعِبَادَ عَلَى كَمَالِ قُدْرَتِهِ وَبَدِيعِ حِكْمَتِهِ.

فَمِنْ ذَلِكَ: أَنَّ اللَّهَ -تَعَالَى- أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً، فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ الْمُخْتَلِفَاتِ وَالنَّبَاتَاتِ الْمُتَنَوِّعَاتِ مَا هُوَ مُشَاهَدٌ لِلنَّاظِرِينَ، وَالْمَاءُ وَاحِدٌ، وَالْأَرْضُ وَاحِدَةٌ.

وَمِنْ ذَلِكَ: الْجِبَالُ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ أَوْتَادًا لِلْأَرْضِ، تَجِدُهَا جِبَالًا مُشْتَبِكَةً؛ بَلْ جَبَلًا وَاحِدًا، وَفِيهَا أَلْوَانٌ مُتَعَدِّدَةٌ، فِيهَا {جُدَدٌ بِيضٌ} أَيْ: طَرَائِقُ بِيضٌ، وَفِيهَا طَرَائِقُ صُفْرٌ وَحُمْرٌ، وَفِيهَا {غَرَابِيبُ سُودٌ} أَيْ: شَدِيدَةُ السَّوَادِ جِدًّا.

وَمِنْ ذَلِكَ: النَّاسُ، وَالدَّوَابُّ، وَالْأَنْعَامُ؛ فِيهَا مِنَ اخْتِلَافِ الْأَلْوَانِ وَالْأَوْصَافِ وَالْأَصْوَاتِ وَالْهَيْئَاتِ مَا هُوَ مَرْئِيٌّ بِالْأَبْصَارِ، مَشْهُودٌ لِلنُّظَّارِ، وَالْكُلُّ مِنْ أَصْلٍ وَاحِدٍ وَمَادَّةٍ وَاحِدَةٍ.

فَتَفَاوُتُهَا دَلِيلٌ عَقْلِيٌّ عَلَى مَشِيئَةِ اللَّهِ -تَعَالَى- الَّتِي خَصَّصَتْ مَا خَصَّصَتْ مِنْهَا بِلَوْنِهِ، وَوَصْفِهِ، وَقُدْرَةِ اللَّهِ -تَعَالَى- حَيْثُ أَوْجَدَهَا كَذَلِكَ، وَحِكْمَتِهِ وَرَحْمَتِهِ حَيْثُ كَانَ ذَلِكَ الِاخْتِلَافُ وَذَلِكَ التَّفَاوُتُ فِيهِ مِنَ الْمَصَالِحِ وَالْمَنَافِعِ، وَمَعْرِفَةِ الطُّرُقِ، وَمَعْرِفَةِ النَّاسِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا مَا هُوَ مَعْلُومٌ، وَذَلِكَ -أَيْضًا- دَلِيلٌ عَلَى سِعَةِ عِلْمِ اللَّهِ -تَعَالَى-، وَأَنَّهُ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ؛ وَلَكِنَّ الْغَافِلَ يَنْظُرُ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَغَيْرِهَا نَظَرَ غَفْلَةٍ لَا تُحْدِثُ لَهُ تَّذَكُّرًا، وَإِنَّمَا يَنْتَفِعُ بِهَا مَنْ يَخْشَى اللَّهَ -تَعَالَى-، وَيَعْلَمُ بِفِكْرِهِ الصَّائِبِ وَجْهَ الْحِكْمَةِ فِيهَا.

وَلِهَذَا قَالَ: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}؛ فَكُلُّ مَنْ كَانَ بِاللَّهِ أَعْلَمَ كَانَ أَكْثَرَ لَهُ خَشْيَةً، وَأَوْجَبَتْ لَهُ خَشْيَةُ اللَّهِ الِانْكِفَافَ عَنِ الْمَعَاصِي، وَالِاسْتِعْدَادَ لِلِقَاءِ مَنْ يَخْشَاهُ، وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى فَضِيلَةِ الْعِلْمِ؛ فَإِنَّهُ دَاعٍ إِلَى خَشْيَةِ اللَّهِ، وَأَهْلُ خَشْيَتِهِ هُمْ أَهْلُ كَرَامَتِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ}.

{إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ} كَامِلُ الْعِزَّةِ، وَمِنْ عِزَّتِهِ: خَلْقُ هَذِهِ الْمَخْلُوقَاتِ الْمُتَضَادَّاتِ {غَفُورٌ} لِذُنُوبِ التَّائِبِينَ)).

الْإِنْسَانُ وَخَلْقُهُ وَمَا فِي ذَلِكَ مِنْ حَقَائِقَ جَاءَتْ صَرِيحَةً فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، وَوَقَفَ عَلَى بَعْضِهَا الْمُكْتَشِفُونَ مِنَ الْغَرْبِيِّينَ وَالشَّرْقِيِّينَ؛ كَعِلْمِ الْأَجِنَّةِ وَمَا فِيهِ، وَمَرَاحِلِ خَلْقِ الْإِنْسَانِ وَطَبِيعَتِهِ وَنَفْسِهِ وَنِهَايَتِهِ.

قَالَ رَبُّنَا -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ-: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ (12) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ (13) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ ۚ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (14) ثُمَّ إِنَّكُم بَعْدَ ذَٰلِكَ لَمَيِّتُونَ} [المؤمنون: 12-15].

((ذَكَرَ اللَّهُ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ أَطْوَارَ الْآدَمِيِّ وَتَنَقُّلَاتِهِ مِنِ ابْتِدَاءِ خَلْقِهِ إِلَى آخِرِ مَا يَصِيرُ إِلَيْهِ، فَذَكَرَ ابْتِدَاءَ خَلْقِ أَبِي النَّوْعِ الْبَشَرِيِّ آدَمَ (سلم)، وَأَنَّهُ {مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ} أَيْ: قَدْ سُلَّتْ وَأُخِذَتْ مِنْ جَمِيعِ الْأَرْضِ؛ وَلِذَلِكَ جَاءَ بَنُوهُ عَلَى قَدْرِ الْأَرْضِ، مِنْهُمُ الطَّيِّبُ وَالْخَبِيثُ وَبَيْنَ ذَلِكَ، وَالسَّهْلُ وَالْحَزَنُ وَبَيْنَ ذَلِكَ.

{ثُمَّ جَعَلْنَاه} أَيْ: جِنْسَ الْآدَمِيِّينَ نُطْفَةً تَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ، فَتَسْتَقِرُّ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ -وَهُوَ الرَّحِمُ- مَحْفُوظَةً مِنَ الْفَسَادِ، وَالرِّيحِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ.

{ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ} الَّتِي قَدِ اسْتَقَرَّتْ قَبْلُ {عَلَقَةً} أَيْ: دَمًا أَحْمَرَ بَعْدَ مُضِيِّ أَرْبَعِينَ يَوْمًا مِنَ النُّطْفَةِ، {فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ} بَعْدَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا {مُضْغَةً} أَيْ: قِطْعَةَ لَحْمٍ صَغِيرَةً بِقَدْرِ مَا يَمْضُغُ مِنْ صِغَرِهَا، {فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ} اللَّيِّنَةَ {عِظَامًا} صُلْبَةً قَدْ تَخَلَّلَتِ اللَّحْمَ بِحَسَبِ حَاجَةِ الْبَدَنِ إِلَيْهَا، {فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا} أَيْ: جَعَلْنَا اللَّحْمَ كُسْوَةً لِلْعِظَامِ، كَمَا جَعَلْنَا الْعِظَامَ عِمَادًا لِلَّحْمِ، وَذَلِكَ فِي الْأَرْبَعِينَ الثَّالِثَةِ، {ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ} نُفِخَ فِيهِ الرُّوحُ، فَانْتَقَلَ مِنْ كَوْنِهِ جَمَادًا إِلَى أَنْ صَارَ حَيَوَانًا، {فَتَبَارَكَ اللَّهُ} أَيْ: تَعَالَى وَتَعَاظَمَ وَكَثُرَ خَيْرُهُ {أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} {الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلا مَا تَشْكُرُونَ}، فَخَلْقُهُ كُلُّهُ حَسَنٌ، وَالْإِنْسَانُ مِنْ أَحْسَنِ مَخْلُوقَاتِهِ؛ بَلْ هُوَ أَحْسَنُهَا عَلَى الْإِطْلَاقِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ}؛ وَلِهَذَا كَانَ خَوَاصُّهُ أَفْضَلَ الْمَخْلُوقَاتِ وَأَكْمَلَهَا.

 

{ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ} الْخَلْقِ وَنَفْخِ الرُّوحِ {لَمَيِّتُونَ} فِي أَحَدِ أَطْوَارِكُمْ وَتَنَقُّلَاتِكُمْ)).

عَالَمُ الْبِحَارِ وَأَمْوَاجِهَا، وَوُجُودُ الْمَاءِ الْعَذْبِ فِي أَمَاكِنَ مِنَ الْبِحَارِ الْمَالِحَةِ لَا تَمْتَزِجُ، وَتَمَايُزُ مِيَاهِ الْأَنْهَارِ عِنْدَ اخْتِلَاطِهَا بِمِيَاهِ الْبَحْرِ، فَلَا يَطْغَى مَاءُ الْبَحْرِ عَلَى مَاءِ النَّهْرِ.

وَكُلُّ ذَلِكَ الْعِلْمِ مَعَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَا رَكِبَ بَحْرًا وَلَا عَاشَ قُرْبَ شَاطِئٍ.

قَالَ تَعَالَى: {وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَّحْجُورًا} [الفرقان: 53].

((وَاللهُ هُوَ الَّذِي خَلَطَ الْبَحْرَيْنِ: الْعَذْبَ السَّائِغَ الشَّرَابِ، وَالْمِلْحَ الشَّدِيدَ الْمُلُوحَةِ، وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا حَاجِزًا يَمْنَعُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ إِفْسَادِ الْآخَرِ، وَمَانِعًا مِنْ أَنْ يَصِلَ أَحَدُهُمَا إِلَى الْآخَرِ)).

((وَهُوَ وَحْدَهُ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ؛ الْبَحْرَ الْعَذْبَ، وَهِيَ الْأَنْهَارُ السَّارِحَةُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، وَالْبَحْرَ الْمِلْحَ، وَجَعَلَ مَنْفَعَةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَصْلَحَةً لِلْعِبَادِ، {وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا} أَيْ: حَاجِزًا يَحْجِزُ مِنَ اخْتِلَاطِ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ، فَتَذْهَبُ الْمَنْفَعَةُ الْمَقْصُودَةُ مِنْهَا {وَحِجْرًا مَحْجُورًا} أي: حَاجِزًا حَصِينًا)).

وَقَالَ تَعَالَى: {أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ۚ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا} [النور: 40].

{يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ} ظُلْمَةُ الْبَحْرِ اللُّجِّيِّ، ثُمَّ فَوْقَهُ ظُلْمَةُ الْأَمْوَاجِ الْمُتَرَاكِمَةِ، ثُمَّ فَوْقَ ذَلِكَ ظُلْمَةُ السُّحُبِ الْمُدْلَهِمَّةِ، ثُمَّ فَوْقَ ذَلِكَ ظُلْمَةُ اللَّيْلِ الْبَهِيمِ، فَاشْتَدَّتِ الظُّلْمَةُ جِدًّا؛ بِحَيْثُ إِنَّ الْكَائِنَ فِي تِلْكَ الْحَالِ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا مَعَ قُرْبِهَا إِلَيْهِ؛ فَكَيْفَ بِغَيْرِهَا؟!)).

إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ دَلَائِلِ الْحَقِّ وَبَرَاهِينِ الصِّدْقِ الَّتِي تَقُومُ عَلَى الْبَشَرِ فِي صِدْقِ مَا جَاءَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ.

وَمَنْ تَأَمَّلَ فِي خَلْقِ اللهِ لِمَخْلُوقَاتِهِ فِي أَرْضِهِ، وَتَسْخِيرِهَا لِلْإِنْسَانِ، يَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ الصِّنَاعَاتِ الْحَدِيثَةِ قَامَتْ بِسَبَبِ هَذَا التَّسْخِيرِ وَالتَّذْلِيلِ: قَالَ تَعَالَى: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (80) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ (81)} [النحل: 80-81].

اللهُ سُبْحَانَهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمُ الَّتِي هِيَ مِنَ الْحَجَرِ رَاحَةً وَاسْتِقْرَارًا وَمَسْكَنًا تَسْكُنُونَهُ وَأَنْتُمْ مُقِيمُونَ فِي الْحَضَرِ، وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ -وَهِيَ الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ- خِيَامًا يَخِفُّ عَلَيْكُمْ حَمْلُهَا فِي يَوْمِ سَيْرِكُمْ وَرَحِيلِكُمْ فِي أَسْفَارِكُمْ، وَتَخِفُّ عَلَيْكُمْ -أَيْضًا- فِي إِقَامَتِكُمْ وَحَضَرِكُمْ، وَلَا تَثْقُلُ عَلَيْكُمْ فِي الْحَالَيْنِ.

وَتَتَّخِذُونَ مِنْ أَصْوَافِ الضَّأْنِ وَأَوْبَارِ الْإِبِلِ وَأَشْعَارِ الْمَعْزِ أَثَاثًا لِبُيُوتِكُمْ مِنَ الْفُرُشِ وَالْأَكْسِيَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَبَلَاغًا تَتَمَتَّعُونَ بِهِ إِلَى حِينِ الْمَوْتِ.

اسْتُدِلَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى طَهَارَةِ جُلُودِ الْأَنْعَامِ الَّتِي حَلَّ أَكْلُهَا، وَطَهَارَةِ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا إِذَا جُزَّ فِي الْحَيَاةِ، وَكَذَلِكَ جِلْدُ الْمَيْتَةِ مِنَ الْأَنْعَامِ إِذَا دُبِغَ.

وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ ظِلَالِ الْأَبْنِيَةِ وَالْجُدْرَانِ وَالْأَشْجَارِ مَا تَسْتَظِلُّونَ بِهِ مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ، وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِدَارِ مَا تَسْتَكِنُّونَ فِيهِ مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ، كَالْأَسْرَابِ وَالْمَغَارَاتِ وَالْكُهُوفِ وَنَحْوِهَا، وَجَعَلَ لَكُمْ قُمُصًا وَثِيَابًا مِنَ الْقُطْنِ وَالصُّوفِ وَالْكَتَّانِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، تَمْنَعُكُمْ مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ، وَدُرُوعًا تَقِيكُمْ فِي الْحَرْبِ بَأْسَ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ، وَلَا تَصِلُ السُّيُوفُ وَالرِّمَاحُ إِلَى جَسَدِ مَنْ يُضْرَبُ بِشَيْءٍ مِنْهَا.

كَذَلِكَ الَّذِي جَعَلَهُ اللهُ لَكُمْ فِيمَا مَضَى، سَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ؛  فَيُمَكِّنُكُمْ مِنْ صُنْعِ أَشْيَاءَ لَا حَصْرَ لَهَا فِي الْعُصُورِ الْقَادِمَةِ بَعْدَ عَصْرِ التَّنْزِيلِ، مِمَّا تَوَصَّلَ إِلَيْهِ النَّاسُ مِنْ صِنَاعَاتٍ مُذْهِلَةٍ بِإِلْهَامِ اللهِ لَهُمْ؛ رَغْبَةً فِي أَنْ تُؤْمِنُوا بِالْحَقِّ الَّذِي أَنْزَلَهُ اللهُ لَكُمْ فِي كِتَابِهِ، وَفِي أَنْ تُسْلِمُوا مُنْقَادِينَ لَهُ فِي شَرَائِعِهِ وَأَحْكَامِهِ.

إِنَّ دِينَ الْإِسْلَامِ الْعَظِيمِ يَأْمُرُنَا بِأَنْ نَعْبُدَ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، وَأَنْ نَجْتَهِدَ فِي النَّظَرِ فِي الْآفَاقِ وَفِي الْأَنْفُسِ وَفِيمَا بَثَّ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- فِي تَضَاعِيفِ هَذَا الْكَوْنِ مِنَ الْآيَاتِ؛ لِكَيْ نَضَعَ أَيْدِيَنَا عَلَى الْأَسْرَارِ الَّتِي تَرْتَقِي بِهَا الْحَيَاةُ.

فَجَعَلَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- كُلَّ مَا يُؤَدِّي إِلَى تَرْقِيَةِ الْإِنْسَانِ فِيمَا هُوَ مَخْلُوقٌ لَهُ، جَعَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ عِبَادَةً للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

فَهَذَا الدِّينُ الْعَظِيمُ هُوَ دِينُ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- الَّذِي أَكْمَلَهُ وَرَضِيَهُ لِخَلْقِهِ فِي أَرْضِهِ، وَهُوَ يَحْمِلُ فِي آيَاتِهِ وَتَضَاعِيفِهِ الْبَرَاهِينَ الدَّالَّةَ عَلَى صِدْقِ مَنْ أَتَى بِهِ مِنْ لَدُنْ رَبِّهِ.

دِينُ الْإِسْلَامِ الْعَظِيمِ يَحُضُّ الْمُسْلِمِينَ عَلَى التَّرَقِّي فِي الْعُلُومِ، وَفِي النَّظَرِ فِي آفَاقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَعَلَى النَّظَرِ فِي الْأَنْفُسِ، بَلْ وَعَلَى النَّظَرِ فِيمَا تَحْتَ الثَّرَى، وَهُوَ مَا وَصَلَ إِلَيْهِ مَنْ وَصَلَ مِمَّنْ نَظَرُوا فِي أَمْثَالِ هَذَا الْأَمْرِ الَّذِي حَدَّدَهُ الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ، وَهُوَ مَا تَحْتَ الثَّرَى، فَاسْتَخْرَجُوا الْمَعَادِنَ، وَاسْتَخْرَجُوا تِلْكَ الْمَادَّةَ الَّتِي صَارَتْ طَاقَةً لَا يَسْتَغْنِي عَنْهَا الْعَالَمُ الْيَوْمَ.

وَكُلُّ ذَلِكَ أَشَارَ إِلَيْهِ الْقُرْآنُ إِشَارَةً مُجْمَلَةً {وَمَا تَحْتَ الثَّرَى} [طه: 6].

فَالْمُسْلِمُونَ لَمَّا أَخَذُوا بِتَعَالِيمِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ تَقَدَّمُوا حَتَّى مَلَكُوا الْعَالَمَ الْقَدِيمَ كُلَّهُ.

قَالَ السَّعْدِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((قَالَ تَعَالَى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحديد: 25].

أَخْبَرَ -تَعَالَى- أَنَّهُ أَرْسَلَ الرُّسُلَ لِهِدَايَةِ الْخَلْقِ، وَأَيَّدَهُمْ بِالْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ الْمُبَيِّنَةِ لِلْحَقَائِقِ الدَّالَّةِ عَلَى صِدْقِهِمْ وَحَقِيقَةِ مَا جَاؤُوا بِهِ، وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ الَّذِي فِيهِ الْهُدَى وَالرَّحْمَةُ، وَأَنْزَلَ مَعَهُمْ أَيْضًا الْمِيزَانَ الَّذِي هُوَ الْعَدْلُ وَمَا يُعْرَفُ بِهِ الْعَدْلُ مِنْ أُصُولِ الْعَدْلِ وَفُرُوعِهِ، وَذَلِكَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ إِذَا عَمِلُوا بِهَا فِي عَقَائِدِهِمْ وَأَخْلَاقِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ وَسُلُوكِهِمْ وَجَمِيعِ أُمُورِهِمْ.

فَمَتَى عَمِلُوا بِمَا أَنْزَلَهُ اللهُ مِنَ الْكِتَابِ وَالْمِيزَانِ صَلَحَتْ مِنْهُمْ هَذِهِ الْأُمُورُ وَاسْتَقَامَتْ أَحْوَالُهُمْ.

وَأَخْبَرَ -تَعَالَى- أَنَّهُ أَنْزَلَ الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ، فَخَصَّ مَنَافِعَهُ فِي أُمُورِ الْحَرْبِ، ثُمَّ عَمَّمَهَا فِي سَائِرِ الْأُمُورِ، فَالْحَدِيدُ أَنْزَلَهُ اللهُ لِهَذِهِ الْمَنَافِعِ الضَّرُورِيَّةِ وَالْكَمَالِيَّةِ الْخَاصَّةِ وَالْعَامَّةِ.

فَجَمِيعُ الْأَشْيَاءِ إِلَّا النَّادِرَ مِنْهَا تَحْتَاجُ إِلَى الْحَدِيدِ، وَقَدْ سَاقَهَا اللهُ فِي سِيَاقِ الِامْتِنَانِ عَلَى الْعِبَادِ بِهَا، وَمُقْتَضَى ذَلِكَ؛ الْأَمْرُ بِاسْتِخْرَاجِ هَذِهِ الْمَنَافِعِ بِكُلِّ وَسِيلَةٍ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي تَعَلُّمَ الْفُنُونِ الْعَسْكَرِيَّةِ وَالْحَرْبِيَّةِ وَصِنَاعَةِ الْأَسْلِحَةِ وَتَوَابِعِهَا، وَالْمَرَاكِبِ الْبَحْرِيَّةِ وَالْبَرِّيَّةِ وَالْهَوَائِيَّةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَنْتَفِعُ بِهِ الْعِبَادُ فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} [الأنفال: 60])).

((هَذَا الدِّينُ الْإِسْلَامِيُّ يَحُثُّ عَلَى الرُّقِيِّ الصَّحِيحِ وَالْقُوَّةِ مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ)).

فَهَذِهِ آيَاتُ اللهِ الْمَسْطُورَةُ فِي كِتَابِهِ الْعَظِيمِ، وَالْمَبْثُوثَةُ فِي سُنَّةِ نَبِيِّهِ الْكَرِيمِ، وَهَذِهِ آيَاتُ اللهِ الْمَنْظُورَةُ فِي وَاقِعِ الْكَوْنِ وَالْحَيَاةِ يَهْدِي بِهَا اللهُ عِبَادَهُ إِلَى وَحْدَانِيَّتِهِ، وَإِلَهِيَّتِهِ، وَأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ -جَلَّ وَعَلَا-.

إِنَّ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ أَرَادَنَا أَنْ نَكُونَ آخِذِينَ بِالْعَقْلِيَّةِ الْعِلْمِيَّةِ الْمَوْضُوعِيَّةِ، بَعِيدِينَ عَنْ كُلِّ عَقْلِيَّةٍ خُرَافِيَّةٍ عَامِّيَّةٍ، فَأَمَرَنَا اللهُ -جَلَّ وَعَلَا- أَلَّا نَأْخُذَ فِي كُلِّ أَمْرٍ إِلَّا بِبُرْهَانٍ وَدَلِيلٍ، فَأَمَّا الْبُرْهَانُ فَيَكُونُ عَقْلِيًّا عِنْدَ النَّظَرِ فِي النَّظَرِيَّاتِ وَفِي الْعَقْلِيَّاتِ، فَهَذَا بُرْهَانٌ ثَابِتٌ قَائِمٌ وَدَلِيلٌ {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} فِي الْأُمُورِ الْعَقْلِيَّةِ.

وَأَمَّا فِي الْحِسِّ، وَفِي الْمُشَاهَدَةِ، وَفِي التَّجْرِبَةِ؛ فَيُطَالِبُكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ فِي الْمَحْسُوسِ بِالتَّجْرِبَةِ وَبِالْمُشَاهَدَةِ: {وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَٰنِ إِنَاثًا ۚ أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ ۚ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ} [الزحرف: 19].

{أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ}.. فَفِي الْمَحْسُوسَاتِ لَا بُدَّ مِنَ الْمُشَاهَدَةِ، وَأَمَّا فِي النَّقْلِيَّاتِ فَلَا بُدَّ مِنَ التَّوْثِيقِ؛ وَلِذَلِكَ يَأْتِي لَنَا قَانُونُنَا الْكَبِيرُ الَّذِي يَحْكُمُ عِلْمَنَا كُلَّهُ، لَا يَحْكُمُهُ حُكْمًا شَرْعِيًّا، وَإِنَّمَا يَحْكُمُهُ حُكْمًا عَقْلِيًّا عَلَى مُقْتَضَي الدَّلِيلِ: ((إِذَا كُنْتَ نَاقِلًا فَالصِّحَّةُ، أَوْ مُدَّعِيًا فَالدَّلِيلُ)).

إِذَا كُنْتَ نَاقِلًا تَأْتِي بِالنَّقْلِيَّاتِ فَنَحْنُ نُطَالِبُكَ بِصِحَّةِ النَّقْلِ، وَصِحَّةِ الْإِسْنَادِ، وَصِحَّةِ الْمَتْنِ سَوَاءً، وَإِذَا كُنْتَ مُدَّعِيًا فِي أُمُورٍ عَقْلِيَّةٍ فَنَحْنُ نُطَالِبُكَ بِالدَّلِيلِ.

ثُمَّ إِنَّ اللهَ -جَلَّ وَعَلَا- لَمْ يَرْضَ لَنَا الظَّنَّ حَيْثُ لَا يَنْفَعُ إِلَّا الْيَقِينُ، {وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا} [النجم: 28].

فَرَدَّنَا اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ إِلَى الْحَقِّ الَّذِي هُوَ الْيَقِينُ، وَنَفَى عَنَّا الظَّنَّ حَيْثُ لَا يُغْنِي فِي الْمَسْأَلَةِ إِلَّا الْيَقِينُ، وَأَمَرَنَا أَيْضًا -سُبْحَانَهُ- بِأَنْ نَأْخُذَ بِالْمَوْضُوعِيَّةِ وَبِالْحِيَادِ حَيْثُ لَا يَنْفَعُ إِلَّا الْحِيَادُ وَالْمَوْضُوعِيَّةُ، وَأَنْ نَبْتَعِدَ عَنِ الْهَوَى، {يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [ص: 26].

وَأَمَرَنَا أَلَّا نَتْبَعَ كُلَّ نَاعِقٍ، وَأَلَّا نَكُونَ أَسْرَى لِتِلْكَ الْخُرَافَاتِ  وَالْخُزَعْبَلَاتِ مِنْ زِبَالَةِ الْأَفْكَارِ الَّتِي تَتَمَخَّضُ عَنْهَا عُقُولٌ لَا تُؤْمِنُ بِاللهِ رَبًّا، وَلَا بِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَلَا بِمُحَمَّدٍ ﷺ نَبِيًّا وَرَسُولًا، {بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ} [البقرة: 170]؛ لَا يَهْتَدُونَ شَيْئًا فَيَسِيرُونَ عَلَى هَدْيِهِ؛ لِأَنَّهُمْ مِنْ أَصْحَابِ الضَّلَالَةِ وَالْغِوَايَةِ، وَلَيْسُوا مِنْ أَهْلِ الْعَقْلِ فَيُعْمِلُونَ عُقُولَهُمْ بِالنَّظَرِ فِيمَا أَوْدَعَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ فِي هَذَا الْكَوْنِ الْهَائِلِ بِمَا يَمُوجُ بِهِ مِنْ أَسْرَارٍ أَمَرَنَا اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ بِالسَّيْرِ فِيهِ، وَالْأَخْذِ بِتِلْكَ الْأَسْرَارِ، وَالْبَحْثِ عَنْهَا.

وَأَمَّا أَمْرُ التَّوَاكُلِ فِي أَمْرِ الْعِلْمِ؛ فَإِنَّ اللهَ -جَلَّ وَعَلَا- لَا يَقْبَلُهُ وَلَا يَرْضَاهُ، فَانْظُرْ كَيْفَ جَعَلَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ الْعَقْلِيَّةَ الْعِلْمِيَّةَ الْمَوْضُوعِيَّةَ مُسْتَقِرَّةً فِي كِتَابِهِ -سُبْحَانَهُ- وَفِي سُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ عَلَى مَعَالِمِهَا الْحَقَّةِ.

إِنَّ الْإِسْلَامَ لَمْ يُحَارِبِ الْعِلْمَ الْمَادِّيَّ، بَلْ إِنَّهُ قَدْ حَضَّ عَلَيْهِ وَحَثَّ عَلَيْهِ، وَالْمُسْلِمُونَ مُقَصِّرُونَ فِي الْأَخْذِ بِهِ، وَإِنَّ نَظْرَةً وَاحِدَةً مِنْ فَلَكِيٍّ حَاذِقٍ فِي أَجْوَازِ السَّمَاوَاتِ وَفِي عُلْيَا الْفَضَاءِ لَتَجْعَلُنَا عَلَى قَدْرٍ مِنَ الْإِيمَانِ وَالْيَقِينِ -بِقَدَرِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ-، وَتَفْعَلُ فِينَا مَا لَا يَفْعَلُهُ أَلْفُ وَاعِظٍ تَهْدِرُ أَشْدَاقُهُمْ بِكَلِمَاتِ الْوَعْظِ الْفَارِغَةِ الَّتِي قَدْ فُرِّغَتْ مِنْ مَعَانِيهَا!!

إِنَّ هَذَا الْعَصْرَ يَعْبُدُ فِيهِ النَّاسُ شَرْقًا وَغَرْبًا هَذَا الْعِلْمَ الْمَادِّيَّ، وَمَا هُوَ فِي النِّهَايَةِ إِلَّا مُسْتَنْبَطٌ مِنْ كِتَابِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَوْ أَحْسَنْتَ النَّظَرَ فِيهِ؛ وَلَكِنَّ النَّاسَ لَا يَنْظُرُونَ، وَإِذَا نَظَرُوا لَا يُبْصِرُونَ، وَإِذَا أَبْصَرُوا لَا يَعْقِلُونَ، وَإِذَا عَقِلُوا لَا يَعْمَلُونَ؛ فَإِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ!!

إِنَّ الْإِسْلَامَ الْعَظِيمَ كِتَابًا وَسُنَّةً قَدْ حَضَّ عَلَى الْأَخْذِ بِهَذَا الْجَانِبِ مِنْ جَوَانِبِ الْعِلْمِ الثَّلَاثَةِ، وَهُوَ: النَّظَرُ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَاسْتِنْبَاطُ أَسْرَارِهِمَا؛ مِنْ أَجْلِ تَمَلُّكِ زِمَامِ الْقُوَّةِ الَّتِي يُفْرَضُ بِهَا الدِّينُ؛ لَا فَرْضًا هُوَ الْجَبْرُ عَلَى خَلْقِ اللهِ، وَلَكِنَّهُ بِسُلْطَانِهِ الْآسِرِ وَبِمُمَازَجَتِهِ لِلْفِطْرَةِ فِي أَصْلِهَا، إِذَا مَا خُلِّيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا يَكُونُ آسِرًا لَهَا مُهَيْمِنًا عَلَيْهَا -بِرَحْمَةِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ-.

وَقَدْ سَلَكَ الْإِسْلَامُ إِلَى ذَلِكَ مِنَ السُّبُلِ مَا سَلَكَ، فَأَوَّلُ ذَلِكَ أَنَّ الْإِسْلَامَ حَرِصَ عَلَى تَرْبِيَةِ الْعَقْلِيَّةِ الْعِلْمِيَّةِ الْمَوْضُوعِيَّةِ، وَأَلَّا تَقْبَلَ فِكْرَةً إِلَّا إِذَا قَامَ عَلَيْهَا دَلِيلٌ صَحِيحٌ، فَهَذَا وَاجِبٌ شَرْعِيٌّ يَنْبَغِي عَلَى النَّاسِ أَنْ يَأْخُذُوا بِهِ؛ وَإِلَّا فَقَدْ فَرَّطُوا فِي أَمْرِ رَبِّهِمْ وَأَمْرِ نَبِيِّهِمْ ﷺ.

وَأَيْضًا مِنَ الْوَسَائِلِ وَالْمَعَالِمِ الَّتِي دَلَّنَا عَلَيْهَا الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ وَسُنَّةُ النَّبِيِّ الْكَرِيمِ ﷺ: أَنَّ الْإِسْلَامَ حَارَبَ الْأُمِّيَّةَ، وَيَكْفِي أَنْ تَرَى أَنَّ أَوَّلَ كَلِمَةٍ أُنْزِلَتْ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى قَلْبِ مُحَمَّدٍ ﷺ هِيَ: {اقْرَأْ}، وَفِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ سُورَةٌ عَظِيمَةٌ تُسَمَّى بِسُورَةِ الْقَلَمِ، وَاللهُ -جَلَّ وَعَلَا- أَقْسَمَ بِهَذَا الْقَلَمِ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ: {ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ} [القلم: 1]، فَأَقْسَمَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا- بِالْقَلَمِ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ.

وَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَيَحُضُّ عَلَى هَذَا الْأَمْرِ؛ فَفِي ((طَبَقَاتِ ابْنِ سَعْدٍ -رَحِمَهُ اللهُ- )): ((أَنَّهُ بَعْدَ غَزْوَةِ بَدْرٍ، وَبَعْدَ أَنْ وَقَعَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ مَنْ وَقَعَ فِي أَسْرِ النَّبِيِّ ﷺ، ثُمَّ جَنَحَ إِلَى الَّتِي هِيَ أَرْفَقُ، وَأَخَذَ بِفِدَاءِ الْأَسْرَى؛ كَانَ مِنَ الْفِدَاءِ عِنْدَ رَسُولِنَا ﷺ: أَنْ يَقُومَ كُلُّ رَجُلٍ مُتَعَلِّمٍ حَاذِقٍ لِلْقِرَاءَةِ وَالْكِتَابَةِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ بِتَعْلِيمِ عَشْرَةٍ مِنَ الْغِلْمَانِ مِنْ أَبْنَاءِ الْإِسْلَامِ الْعَظِيمِ)).

وَالنَّبِيُّ ﷺ لَا يَفُكُّ أَسْرَ الْأَسِيرِ إِلَّا إِذَا حَذِقُوا؛ بِمَعْنَى: أَنَّهُ لَا يَكْتَفِي بِتَعْلِيمِهِمْ حَتَّى يَفُكُّوا الْخَطَّ، وَإِنَّمَا يَحْذِقُونَ الْقِرَاءَةَ وَالْكِتَابَةَ حِذْقًا.

يَكْفِي أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ الشِّفَاءَ بِنْتَ عَبْدِ اللهِ قَدْ عَلَّمَتْ حَفْصَةَ بِنْتَ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- الْقِرَاءَةَ وَالْكِتَابَةَ.

يَكْفِي أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ -وَهُوَ أُمِّيٌّ ﷺ- قَدْ أُرْسِلَ فِي الْبَدْءِ إِلَى الْأُمِّيِّينَ: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ} [الجمعة: 2].

فَهَذِهِ الْأُمَّةُ الْعَرَبِيَّةُ كَانَتْ تُعْرَفُ بَدْءًا بِالْأُمَّةِ الْأُمِّيَّةِ، أَوْ بِالْأُمِّيِّينَ الَّذِينَ أُرْسِلَ فِيهِمُ النَّبِيُّ الْأُمِّيُّ الْكَرِيمُ ﷺ.

بَلْ إِنَّهُ لَيَقُولُ: «إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسِبُ»، وَمَعَ ذَلِكَ فَهُوَ حَرِيصٌ عَلَى تَعْلِيمِ الْأُمَّةِ كَيْفَ تَقْرَأُ، وَكَيْفَ تَكْتُبُ.

فَالنَّبِيُّ ﷺ عَلَى مَنْهَجِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي هِيَ وَحْيٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ قَدْ جَعَلَ لَنَا ﷺ جُهُودَهُ الَّتِي يُحَارِبُ فِيهَا الْأُمِّيَّةَ وَيُطَارِدُهَا فِي كُلِّ فَجٍّ وَفِي كُلِّ سَبِيلٍ، ثُمَّ إِنَّهُ يَحُضُّ عَلَى تَعَلُّمِ اللُّغَاتِ الْأَجْنَبِيَّةِ ﷺ، لَا عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِ لِلُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ الَّتِي هِيَ أَصْلُ الدِّينِ وَفَحْوَاهُ، وَالَّتِي وَسِعَتْ كِتَابَ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ -وَلَا تَسَعُهُ-، وَإِنَّمَا اخْتَارَهَا اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ لِكَيْ يُنْزِلَ بِهَا الْكِتَابَ الْخَاتَمَ مُعْجِزَةً بَاقِيَةً إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ، وَالَّتِي جَاءَ بِهَا كَلَامُ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ لَا عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِ، وَإِنَّمَا عَلَى سَبِيلِ تَعَلُّمِ مَا عِنْدَ الْقَوْمِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ، وَأَمَّا أَنْ تُزَاحِمَ لُغَتَنَا نَحْنُ؛ فَبِلُغَةِ الشَّرْعِ: لَا يَجُوزُ، وَهُوَ حَرَامٌ كَبِيرٌ وَإِثْمٌ عَظِيمٌ، وَبِلُغَةِ الْقَوْمِيَّةِ الْمَذْمُومَةِ؛ فَإِنَّ اللُّغَةَ الْقَوْمِيَّةَ يَنْبَغِي أَنْ يُحْرَصَ عَلَيْهَا مِنْ أَجْلِ وَحْدَةِ الشَّعْبِ، وَمِنْ أَجْلِ أَنْ يَكُونَ كُتْلَةً مُتَلَاحِمَةً لَا تَنْفَكُّ وَلَا تَنْحَلُّ أَبَدًا.

إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ عِنْدَهُ مِنَ الْأَصْحَابِ مَنْ يَعْلَمُ الرُّومِيَّةَ، وَمَنْ يَعْلَمُ الْحَبَشِيَّةَ، وَمَنْ يَعْلَمُ الْفَارِسِيَّةَ، وَيَتَكَلَّمُ بِهَا كَأَهْلِهَا؛ بَلْ أَفْضَلُ مِنْ أَهْلِهَا؛ وَلَكِنَّ الرَّسُولَ ﷺ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَنْ يَقْرَأُ وَلَا يَحْذِقُ الْقِرَاءَةَ وَالْحَدِيثَ بِالسُّرْيَانِيَّةِ، وَكَانَتْ لُغَةَ الْيَهُودِ، وَكَانُوا يَكْتُبُونَ إِلَى الرَّسُولِ ﷺ، وَيَكْتُبُ إِلَيْهِمْ، وَفِي يَوْمٍ مِنَ الْأَيَّامِ -كَمَا فِي ((صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ)) عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- كَاتِبِ النَّبِيِّ قَالَ: دَعَانِي النَّبِيُّ ﷺ يَوْمًا، فَقَالَ: ((إِنِّي لَا آمَنُ الْيَهُودَ عَلَى كِتَابِي، وَإِنِّي أُرِيدُكَ أَنْ تَتَعَلَّمَ السُّرْيَانِيَّةَ؛ لِكَيْ نَكْتُبَ بِهَا إِلَيْهِمْ يَعْنِي: عَنْ طَرِيقِهِ-، وَنَقْرَأَ مَا يَأْتِي إِلَيْنَا -أَيْ: عَنْ طَرِيقِهِ- إِذَا مَا كَانَ مَكْتُوبًا بها)).

يَقُولُ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: ((فَتَعَلَّمْتُهَا لِلنَّبِيِّ ﷺ فِي نِصْفِ شَهْرٍ،  فَكُنْتُ أَكْتُبُ بِهَا إِلَيْهِمْ، وَأَقْرَأُ لَهُ الْكُتُبَ الَّتِي تَرِدُ عَلَيْهِ مِنَ الْيَهُودِ))؛ فَرِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ، مَا أَثْقَبَ ذِهْنَهُ، وَمَا أَحَدَّ عَقْلَهُ! كَلَّا -وَاللهِ- بَلْ قُلْ: مَا أَعْظَمَ فَتْحَ اللهِ عَلَيْهِ!

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ! لَقَدْ أَنْزَلَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ عَلَى قَلْبِ مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ ﷺ، وَأَمَرَنَا اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ صَرَاحَةً وَضِمْنًا أَنْ نَتَأَمَّلَ وَأَنْ نَتَدَبَّرَ فِي آيَاتِهِ الْعَظِيمَةِ، وَأَنْ نَتَأَمَّلَ فِي أَحْوَالِ الْخَلْقِ فِي آفَاقِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الَّتِي جَعَلَهَا تَحْتَ نَوَاظِرِنَا، وَأَنْ نَتَأَمَّلَ فِي أَنْفُسِنَا، وَأَنْ نَتَأَمَّلَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى.

أَمَرَنَا اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ أَنْ نَتَأَمَّلَ فِي هَذَا كُلِّهِ؛ مِنْ أَجْلِ أَنْ نَسْتَخْلِصَ أَسْرَارَ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الَّتِي أَوْدَعَهَا اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ فِي الْمَادَّةِ الَّتِي سَخَّرَهَا اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ لَنَا.

وَلَكِنْ وَا حَسْرَتَاهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَغْفَلُوا مَا آتَاهُمُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ مِنَ الْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ الْمَتْلُوَّةِ عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَأَغْفَلُوا الْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ الَّتِي خَلَقَهَا اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَجَعَلَهَا نَاطِقَةً شَاهِدَةً عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ وَعَلَى قُدْرَتِهِ وَعَلَى عِلْمِهِ وَحِكْمَتِهِ، فَلَا هُمْ بِالَّذِينَ نَظَرُوا فِي آيَاتِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الْمَقْرُوءَةِ الْمَتْلُوَّةِ، وَلَا هُمْ بِالَّذِينَ نَظَرُوا إِلَى آيَاتِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الْمُشَاهَدَةِ الْمَنْظُورَةِ!!

وَسَبَقَهُمْ مَنْ سَبَقَهُمْ مِمَّنِ اسْتَخْلَصُوا مِنْ أَسْرَارِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الْقُوَّةَ الَّتِي دَوَّخُوا بِهَا الْمُسْلِمِينَ وَأَذَلُّوا بِهَا أُنُوفَهُمْ، وَمَا ذَلِكَ إِلَّا لِبُعْدِهِمْ عَنِ النَّظَرِ وَالتَّأَمُّلِ فِي خَلْقِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ مِنْ آيَاتِهِ الْبَيِّنَاتِ الَّتِي جَعَلَهَا مَنْظُورَةً مُشَاهَدَةً مَحْسُوسَةً، وَقَبْلَ ذَلِكَ أَغْفَلُوا النَّظَرَ فِي كِتَابِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَالتَّأَمُّلَ وَالتَّدَبُّرَ فِيهِ، وَجَعَلُوهُ حُجُبًا لِكَيْ تَمْنَعَ الْعَيْنَ الْحَاسِدَةَ النَّاظِرَةَ، وَجَعَلُوهُ تَمَائِمَ وَتَعَاوِيذَ، وَجَعَلُوهُ لِلْقِرَاءَةِ عِنْدَ الْمَقَابِرِ لِجَمْعِ الصَّدَقَاتِ!!

وَأَمَّا أَنْ يَنْظُرُوا فِيهِ لِيَسْتَخْلِصُوا مِنْ أَسْرَارِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الَّتِي أَوْدَعَهَا اللهُ -جَلَّ وَعَلَا- فِي آيَاتِهِ الْمُحْكَمَاتِ مَا يَجْعَلُهُمْ سَادَةً، وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونُوا كَذَلِكَ مُسْتَمِرِّينَ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ صَدْرُ الْأُمَّةِ الصَّالِحِ عِنْدَمَا تَأَمَّلُوا فِي كِتَابِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَنَظَرُوا فِي خَلْقِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَاسْتَخْلَصُوا وَاسْتَنْبَطُوا وَجَرَّبُوا وَوَضَعُوا أَيْدِيهِمْ عَلَى مَفَاتِيحِ قُوَّةٍ اسْتَغَلَّهَا مِنْ أَعْدَائِهِمْ مَنْ بَعْدَهُمْ حَتَّى وَصَلَ الْحَالُ إِلَى مَا وَصَلَ إِلَيْهِ -وَإِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ-.

((حَضَارَةُ الْغَرْبِ الْمَادِّيَّةُ مَسْرُوقَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ))

((إِنَّ الْأُورُبِّيِّينَ يَرَوْنَ أَنَّ أُورُبَّةَ سَقَطَتْ فِي حَمْأَةِ (الْقُرُونِ الْوُسْطَى) الْمُظْلِمَةِ مُنْدُ سُقُوطِ الْإِمْبِرَاطُورِيَّةِ الرُّومَانِيَّةِ سَنَةَ (476م) -أَيْ: قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِنَحْوِ مِائَةٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً-، وَالْحَقِيقَةُ أَنَّ أُورُبَّةَ الَّتِي هِيَ قَلْبُ الْقَارَّةِ كَانَتْ سَاقِطَةً فِيمَا هُوَ أَسْوَأُ مِنَ (الْقُرُونِ الْوُسْطَى) قَبْلَ ذَلِكَ بِقُرُونٍ طَوِيلَةٍ، كَانُوا فِي جَاهِلِيَّةٍ جَهْلَاءَ، أَهْلُهَا هَمَجٌ هَامِجٌ، لَا دِينَ يَجْمَعُهُمْ، حَتَّى جَاءَ (عَصْرُ النَّهْضَةِ) فِي الْقَرْنِ السَّادِسَ عَشَرَ الْمِيلَادِيِّ (1600م) -أَيْ: بَعْدَ عَشْرَةِ قُرُونٍ-.

وَفِي خِلَالِ هَذِهِ الْفَتْرَةِ حَدَثَ أَمْرَانِ مُهِمَّانِ، إِغْفَالُ النَّظَرِ إِلَيْهِمَا مِنْ قِبَلِنَا نَحْنُ يَضُرُّ بِتَصَوُّرِنَا لِلْحَقِيقَةِ الَّتِي يَنْبَغِي أَنْ يَعْرِفَهَا صَغِيرُنَا وَكَبِيرُنَا، وَرِجَالُنَا وَنِسَاؤُنَا عَلَى وَجْهِهَا الصَّحِيحِ، لَا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي عُلِّمْنَاهُ فِي الْمَدَارِسِ صِغَارًا؛ بَلْ لَا نَزَالُ نُعَلِّمُهُ أَوْلَادَنَا.

الْأَمْرُ الْأَوَّلُ: (الْحُرُوبُ الصَّلِيبِيَّةُ) الَّتِي بَدَأَتْ سَنَةَ (1096م / 489هـ) -أَيْ: بَعْدَ سِتَّةِ قُرُونٍ مِنْ سُقُوطِ الْإِمْبِرَاطُورِيَّةِ الرُّومَانِيَّةِ-، فِي خِلَالِهَا كَانَ الْإِسْلَامُ قَدْ ظَهَرَ بِدِينِهِ وَثَقَافَتِهِ، وَغَلَبَ عَلَى رُقْعَةٍ مُمْتَدَّةٍ مِنْ حُدُودِ الصِّينِ إِلَى الْهِنْدِ، إِلَى أَقْصَى الْأَنْدَلُسِ، إِلَى قَلْبِ إِفْرِيقِيَّةَ، وَأَنْشَأَ حَضَارَةً نَبِيلَةً مُتَمَاسِكَةً كَامِلَةً بَعْدَ أَنْ رَدَّ النَّصْرَانِيَّةَ وَأَخْرَجَهَا مِنَ الْأَرْضِ، وَحَصَرَهَا فِي الرُّقْعَةِ الشَّمَالِيَّةِ الَّتِي فِيهَا هَذَا الْهَمَجُ الْهَامِجُ الَّذِي كَانَ يَعِيشُ فِيمَا يُعْرَفُ الْيَوْمَ بِاسْمِ (أُورُبَّةَ).

وَظَلَّ الصِّرَاعُ مُشْتَعِلًا مُدَّةَ خَمْسَةِ قُرُونٍ بَيْنَ النَّصْرَانِيَّةِ الْمَحْصُورَةِ فِي الشَّمَالِ وَبَيْنَ الْإِسْلَامِ الَّذِي يُتَاخِمُهَا جَنُوبًا؛ وَلَكِنَّ جُيُوشَ النَّصْرَانِيَّةِ لَمْ تَسْتَطِعْ أَنْ تَفْعَلَ شَيْئًا يُذْكَرُ مَعَ تَطَاوُلِ الْأَمْرِ.

الْأَمْرُ الثَّانِي: بَطَلَ عَمَلُ السِّلَاحِ بِالْإِخْفَاقِ وَالْيَأْسِ، وَخَمَدَتِ الْحُرُوبُ تَقْرِيبًا بَيْنَ الْإِسْلَامِ وَالصَّلِيبِيَّةِ نَحْوَ قَرْنٍ وَنِصْفِ قَرْنٍ، ثُمَّ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ، اكْتُسِحَتِ الْأَرْضُ الْمَسِيحِيَّةُ فِي آسِيَةَ فِي شَمَالِ الشَّامِ، وَدَخَلَتْ بِرُمَّتِهَا فِي حَوْزَةِ الْإِسْلَامِ.

فِي يَوْمِ الثُّلَاثَاءِ (20 مِنْ جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ 857هـ /29 مَايُو سَنَةَ 1453م)، سَقَطَتِ (الْقُسْطَنْطِينِيَّةُ) عَاصِمَةُ الْمَسِيحِيَّةِ -كَذَا-، وَدَخَلَهَا (مُحَمَّدٌ الْفَاتِحُ) بِالتَّكْبِيرِ وَالتَّهْلِيلِ، وَارْتَفَعَ الْأَذَانُ فِي طَرَفِ أُورُبَّةَ الشَّرْقِيِّ.

إِذَنْ؛ فَقَدْ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ، وَاهْتَزَّ الْعَالَمُ الْأُورُبِّيُّ كُلُّهُ هَزَّةً عَنِيفَةً مَمْزُوجَةً بِالْخِزْيِ وَالْخَوْفِ وَالرُّعْبِ وَالْغَضَبِ وَالْحِقْدِ؛ وَلَكِنْ قَارَنَ ذَلِكَ إِصْرَارٌ مُسْتَمِيتٌ عَلَى دَفْعِ هَذَا الْخِزْيِ، وَإِمَاطَةِ هَذَا الْخَوْفِ وَالرُّعْبِ وَإِشْعَالِ نِيرَانِ الْغَضَبِ وَالْحِقْدِ بِحَمِيَّةٍ تَأْنَفُ مِنَ الِاسْتِكَانَةِ لِذُلِّ الْقَهْرِ الَّذِي أَحْدَثَهُ مُحَمَّدٌ الْفَاتِحُ وَرِجَالُهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ الظَّافِرِينَ.

وَمِنْ يَوْمِئِذٍ بَدَأَتْ أُورُبَّةُ تَتَغَيَّرُ؛ لِتَخْرُجَ مِنْ هَذَا الْمَأْزِقِ الضَّنْكِ، وَبِهِمَّةٍ لَا تَفْتُرُ وَلَا تَعْرِفُ الْكَلَلَ بَدَأَ الرُّهْبَانُ وَتَلَامِيذُهُمْ مَعْرَكَةً أُخْرَى أَقْسَى مِنْ مَعَارِكِ الْحَرْبِ؛ مَعْرَكَةَ الْمَعْرِفَةِ وَالْعِلْمِ الَّذِي هَيَّأَ لِلْمُسْلِمِينَ مَا هَيَّأَ مِنْ أَسْبَابِ الظَّفَرِ وَالْغَلَبَةِ، لَقَدْ عَلِمُوا الْآنَ أَنَّ مَعْرَكَةَ السِّلَاحِ لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ شَيْئًا، وَهَذِهِ أَمْوَاجُ الْمُسْلِمِينَ تَتَدَفَّقُ فِي قَلْبِ أُورُبَّةَ غَرْبًا، وَيَدْخُلُ الْإِسْلَامَ سِلْمًا بِلَا إِكْرَاهٍ جَمَاهِيرُ غَفِيرَةٌ كَانُوا بِالْأَمْسِ نَصَارَى مُتَحَمِّسِينَ فِي قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ -الْوَثَنِيِّينَ كَمَا أَوْهَمَهُمُ الرُّهْبَانُ، فَلَمْ يُغْنِ هَذَا الْإِيهَامُ عَنْهُمْ شَيْئًا-.

وَصَارَتْ دَارُ الْإِسْلَامِ كُلُّهَا دِيَارَ ثَقَافَةٍ وَعِلْمٍ وَخُلُقٍ وَحَضَارَةٍ تُبْهِرُ الْأَنْظَارَ وَالْعُقُولَ فِي الْمَشْرِقِ حَيْثُ مَقَرُّ الْخِلَافَةِ فِي دِمَشْقَ وَبَغْدَادَ، وَفِي الْمَغْرِبِ حَيْثُ دِيَارُ الْأَنْدَلُسِ؛ كَيْفَ حَدَثَ هَذَا؟!!

سُؤَالٌ جَوَابُهُ جَوَابٌ طَوِيلٌ لَيْسَ هَذَا مَكَانَهُ؛ وَلَكِنَّهُ كَانَ سُؤَالًا يَتَرَدَّدُ فِي ضَمِيرِ الْمَسِيحِيَّةِ كُلِّهَا.

كَانَ جُزْءًا مِنْ جَوَابِ هَذَا السُّؤَالِ: أَنْ جَاهَدَتِ الدَّوْلَةُ الْبِيزَنْطِيَّةُ فِي الشَّمَالِ لِتَسْتَرِدَّ مَا ضَاعَ، وَظَلَّتْ أَرْبَعَةَ قُرُونٍ تُحَاوِلُ أَنْ تَعُودَ فَتَخْتَرِقَ هَذَا الْعَالَمَ الْإِسْلَامِيَّ مِنْ طَرَفِهِ الشَّمَالِيِّ عِنْدَ الشَّامِ، وَذَهَبَ جُهْدُهَا هَدَرًا، وَلَمْ يُغْنِ عَنْهُمُ السِّلَاحُ شَيْئًا، وَكُلُّ يَوْمٍ يَمُرُّ يَزْدَادُ رَعَايَا الرُّهْبَانِ وَالْمُلُوكِ انْبِهَارًا بِالْإِسْلَامِ وَخُلُقِهِ وَثَقَافَتِهِ وَحَضَارَتِهِ، وَلَمْ يَنْجُ مِنْ هَذَا الِانْبِهَارِ لَا الْمُلُوكُ وَلَا الرُّهْبَانُ أَنْفُسُهُمْ.

وَضَاقَ الْأَمْرُ، وَكَادَ الْيَأْسُ يُخَامِرُ قَلْبَ الْمَسِيحِيَّةِ؛ لَا تَدْرِي مَاذَا تَفْعَلُ فِي تَسَاقُطِ رَعَايَاهَا فِي الْإِسْلَامِ، أَوْ فِي ثَقَافَتِهِ وَحَضَارَتِهِ طَوْعًا بِلَا إِكْرَاهٍ؛ مَا مَعْنَى هَذَا؟!!

أَيَكُونُ مَعْنَاهُ: أَنَّ الْمَسِيحِيَّةَ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ غَيْرُ مُقْنِعَةٍ لِجَمَاهِيرِ الرَّعَايَا؟

وَلَمْ يُحِيرُوا جَوَابًا، وَلَا وَجَدُوا لِأَنْفُسِهِمْ مَخْرَجًا، وَالْتَقَتْ حَلْقَتَا الْبِطَانِ -وَالْبِطَانُ: حِزَامُ الرَّحْلِ عَلَى الْبَعِيرِ-، وَهُوَ مَثَلٌ يُضْرَبُ لِلْأَمْرِ إِذَا اشْتَدَّ وَضَاقَ.

ثُمَّ جَاءَ مَا يُبَدِّدُ هَذَا الْيَأْسَ، هَذِهِ هِيَ الْجُيُوشُ الْجَرَّارَةُ مِنَ الْهَمَجِ الْهَامِجِ تَتَدَفَّقُ مِنْ قَلْبِ أُورُبَّةَ، تُرِيدُ -أَيْضًا- مَرَّةً أُخْرَى اخْتِرَاقَ الْعَالَمِ الْإِسْلَامِيِّ مِنْ شَمَالِهِ فِي الشَّامِ.

وَنَشِبَتِ الْحُرُوبُ الصَّلِيبِيَّةُ الَّتِي سَتَسْتَمِرُّ قَرْنَيْنِ كَامِلَيْنِ (1096 - 1291م / 489 - 690هـ)، فِي خِلَالِهَا اسْتَوْلَوْا عَلَى جُزْءٍ مِنْ أَرْضِ الشَّامِ، وَأَقَامَ بِهِ بَعْضُهُمْ إِقَامَةً دَائِمَةً، وَأَنْشَأُوا مَمَالِكَ، وَخَالَطُوا الْمُسْلِمِينَ مُخَالَطَةً طَوِيلَةً، وَأَحْرَزُوا مِنْ كُنُوزِ الْعَالَمِ الْإِسْلَامِيِّ ثَرْوَةً هَائِلَةً يَسْتَمْتِعُونَ بِهَا، وَعَرَفَ الْهَمَجُ الْهَامِجُ مَا لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ، وَامْتَلَأَتْ قُلُوبُهُمْ شَهْوَةً وَرَغْبَةً فِيمَا فَتَنَتْهُمْ بِهِ دِيَارُ الْإِسْلَامِ وَحَضَارَتُهُ.

وَيَعُودُ الْعَائِدُونَ بَعْدَ كُلِّ حَمْلَةٍ مِنَ الْحَمْلَاتِ السَّبْعِ الصَّلِيبِيَّةِ إِلَى دِيَارِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ يَتَحَدَّثُونَ بِمَا رَأَوْا، وَيَصِفُونَ مَا حَازُوا، وَيُبَالِغُونَ فِي كُلِّ ذَلِكَ، وَيَنْبَهِرُ السَّامِعُونَ وَيَتُوقُونَ إِلَى الرِّحْلَةِ وَالِانْضِمَامِ إِلَى كَتَائِبِ الْمُجَاهِدِينَ الصَّلِيبِيِّينَ؛ لِتَحْقِيقِ آمَالِهِمْ فِي الْغِنَى وَالثَّرْوَةِ وَالِاسْتِمْتَاعِ؛ وَلَكِنَّ طُولَ مُعَاشَرَةِ هَذِهِ الْجَمَاهِيرِ لِلْمُسْلِمِينَ أَحْدَثَ لِكَثِيرٍ مِنْهُمْ قَلَقًا فِي صِدْقِ مَا كَانُوا يَسْمَعُونَهُ مِنَ الرُّهْبَانِ الْمُتَحَمِّسِينَ الْمُحَرِّضِينَ عَلَى الْحَرْبِ، وَهُمْ يُبَشِّعُونَ لَهُمْ أَمْرَ الْمُسْلِمِينَ وَدِينَهُمْ وَأَخْلَاقَهُمْ، وَحَمَلَ الْعَائِدُونَ -أَيْضًا- هَذَا الْقَلَقَ وَتَحَدَّثُوا بِهِ.

هَكَذَا كَانَ شَأْنُ جَمَاهِيرِ الْهَمَجِ الْهَامِجِ فِي دِيَارِهِمْ، فَإِذَا طَالَ هَذَا وَتَكَاثَرَ؛ فَإِنَّهُ مِمَّا يُهَدِّدُ الْمَسِيحِيَّةَ فِي عُقْرِ دِيَارِهَا فِي الشَّمَالِ كُلِّهِ بِلَا شَكٍّ.

وَانْتَبَهَ بَعْضُ الرُّهْبَانِ وَالْمُلُوكُ وَعُقَلَاءُ الرِّجَالِ، وَبَحَثُوا عَنْ مَخْرَجٍ قَبْلَ أَنْ يَتَفَاقَمَ الْأَمْرُ.

فَكَانَ بَيِّنًا لِعُقَلَائِهِمْ أَنَّ سِرَّ قُوَّةِ الْحَضَارَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ هُوَ الْعِلْمُ؛ عِلْمُ الدُّنْيَا وَعِلْمُ الْآخِرَةِ)).

هُمْ مَا زَالُوا فِي هَذَا الْقَيْدِ، هَمَجٌ هَامِجٌ لَا حَضَارَةَ وَلَا مَدَنِيَّةَ وَلَا أَخْلَاقَ، بَلْ هُمْ هَمَجٌ هَامِجٌ، وُحُوشٌ ضَارِيَةٌ، وَذِئَابٌ شَرِسَةٌ عَادِيَةٌ، لَا خُلُقَ يَؤُولُونَ إِلَيْهِ، وَلَا دِينَ يَسْتَنِدُونَ عَلَيْهِ، بَلْ هُمْ هَمَجٌ هَامِجٌ.

الْآنَ هُمْ يَبْحَثُونَ بَعْدَ أَنْ فَشِلُوا فِي كُلِّ صِدَامٍ بِالسِّلَاحِ وَالْقُوَّةِ، بَعْدَ أَنْ تَأَثَّرَ الْهَمَجُ الْهَامِجُ نَفْسُهُ بِحَضَارَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَبِتُرَاثِ الْمُسْلِمِينَ، وَبِعِلْمِ الْمُسْلِمِينَ، وَبِأَخْلَاقِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَصَابَ الْقَلَقُ قُلُوبَهُمْ وَعُقُولَهُمْ، وَنَقَلُوا ذَلِكَ الْقَلَقَ إِلَى ذَوِيهِمْ فِي دِيَارِهِمْ، فَكَانَ عَلَى الْعُقَلَاءِ وَعَلَى الرُّهْبَانِ وَالْمُلُوكِ أَنْ يَبْحَثُوا عَنْ مَخْرَجٍ قَبْلَ أَنْ يَتَفَاقَمَ الْأَمْرُ.

((فَعِلْمُ الْآخِرَةِ هُوَ الدِّينُ، وَهُوَ مُقْنِعٌ لِجَمَاهِيرِ الْبَشَرِ، فَهُمْ يَدْخُلُونَهُ طَوْعًا وَاخْتِيَارًا، وَعِلْمُ الدُّنْيَا -كَمَا رَأَوْا- هُوَ الَّذِي مَكَّنَ لِهَذِهِ الْحَضَارَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ أَنْ تَمْتَلِكَ هَذِهِ الْقُوَّةَ الْهَائِلَةَ الْمُتَمَاسِكَةَ الَّتِي شَعَرُوا أَنَّهَا مُسْتَعْصِيَةٌ عَلَى الِاخْتِرَاقِ، وَهَذِهِ الْأُبَّهَةَ الْهَائِلَةَ الَّتِي تَعِيشُ فِيهَا دَارُ الْإِسْلَامِ.

وَمَضَى نَحْوُ قَرْنٍ وَنِصْفٍ مِنَ الْحَمْلَاتِ الصَّلِيبِيَّةِ، وَأَصْبَحَ الْأَمْرُ أَشَدَّ حَرَجًا، وَصَارَ بَيِّنًا أَنَّ الْحُرُوبَ الصَّلِيبِيَّةَ تُوشِكُ أَنْ تَؤُوبَ بِالْإِخْفَاقِ مَرَّةً أُخْرَى، فَانْبَعَثَ مِنْهُمْ رِجَالٌ يَطْلُبُونَ الْعِلْمَ وَالْمَعْرِفَةَ فِي أَرْضِ الْإِسْلَامِ مَا اسْتَطَاعُوا)).

تَأَمَّلْ فِي فُصُولِ هَذِهِ الْقِصَّةِ، وَلْتَكُنْ دَائِمًا إِزَاءَ عَيْنِ بَصِيرَتِكَ، وَلْتَكُنْ مِنْكَ دَائِمًا عَلَى ذُكْرٍ؛ لِكَيْ تَعْلَمَ: كَيْفَ صِرْنَا إِلَى مَا صِرْنَا إِلَيْهِ، وَكَيْفَ انْتَهَيْنَا إِلَى مَا أُلْنَا إِلَيْهِ، وَكَيْفَ اسْتُلِبْنَا، وَكَيْفَ فُرِّغْنَا مِنْ حَضَارَتِنَا، وَثَقَافَتِنَا، وَدِيَانَتِنَا، وَمَبَادِئِنَا، وَمَوْرُوثِنَا؛ حَتَّى صِرْنَا هَيَاكِلَ مِنْ عَظْمٍ كُسِيَتْ جِلْدًا فَحَسْبُ، وَحُشِينًا جَهْلًا، وَحُشِينًا وَهْمًا، وَأَرْضَعُونَا مِنْ صِغَرِنَا أَوْهَامًا وَخَيَالَاتٍ، وَمَبَادِئَ وَخُزَعْبَلَاتٍ مِمَّا يُجَافِي الْعَقْلَ وَالْفِطْرَةَ الْقَوِيمَةَ الْمُسْتَقِيمَةَ؛ فَضْلًا عَنْ مُجَافَاتِهِ لِحَقِيقَةِ الْوَحْيِ الَّذِي أَنْزَلَ اللهُ عَلَى خَاتَمِ رُسُلِهِ ﷺ.

((وَهَبَّ رِجَالٌ مِنَ الرُّهْبَانِ ذَوِي الْحَمِيَّةِ أَحَسُّوا بِالْخَلَلِ الْوَاقِعِ فِي الْحَيَاةِ الْمَسِيحِيَّةِ الَّتِي لَمْ تَحْمِ رَعَايَاهُمْ مِنَ التَّسَاقُطِ السَّهْلِ فِي الْإِسْلَامِ عَلَى طُولِ الْقُرُونِ، هَبُّوا لِإِصْلَاحِ هَذَا الْخَلَلِ، فَكَانَ مِنْ أَكْبَرِهِمْ رَجُلٌ ذَكِيٌّ مُتَوَقِّدٌ، جَاهَدَ جِهَادًا عَظِيمًا فِي سَبِيلِ دِينِهِ، أَرَادَ أَنْ يُزِيلَ جَهَالَةَ الرُّهْبَانِ وَالْمُلُوكِ، وَيُمَكِّنَ لَهُمْ حُجَّةً مُقْنِعَةً تَحُولُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ هَذَا الِانْبِهَارِ بِالْإِسْلَامِ وَثَقَافَتِهِ وَحَضَارَتِهِ.

ذَلِكَ الرَّجُلُ هُوَ (تُومَا الْإِكْوِينِيُّ) الْإِيطَالِيُّ الْكَاثُولِيكِيُّ (1225-1274م / 622-673هـ)، وَبِذَكَائِهِ وَحَمِيَّتِهِ وَإِخْلَاصِهِ اسْتَطَاعَ أَنْ يُحَصِّلَ قَدْرًا كَبِيرًا مِنَ الْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ، مُتَّكِئًا اتِّكَاءً كَامِلًا عَلَى الْقَدْرِ الَّذِي اسْتَطَاعَ أَنْ يَفْهَمَهُ وَيَظْفَرَ بِهِ مِنْ عِنْدِ كُتَّابِ الْإِسْلَامِ وَعُلَمَائِهِ وَفَلَاسِفَتِهِ وَمُتَكَلِّمِيهِ؛ كَابْنِ رُشْدٍ، وَابْنِ سِينَا، وَغَيْرِهِمْ، مُرِيدًا بِكُلِّ ذَلِكَ إِصْلَاحَ الْخَلَلِ الْوَاقِعِ فِي الْحَيَاةِ الْمَسِيحِيَّةِ، وَالَّذِي أَضْعَفَ سُلْطَانَ الْكَنِيسَةِ وَالرُّهْبَانِ عَلَى نُفُوسِ رَعَايَاهُمُ الَّذِينَ لَا سَبِيلَ لَهُمْ إِلَى مَعْرِفَةِ شَيْءٍ مِنْ دِينِهِمْ إِلَّا عَنْ طَرِيقِ الْكَنِيسَةِ وَالْقِسِّيسِينَ وَالرُّهْبَانِ.

وَلَكِنْ كَانَ الْعَائِقُ عَنْ أَنْ تُؤْتِيَ هَذِهِ النَّهْضَةُ ثِمَارَهَا -يَوْمَئِذٍ- أَنَّ لُغَةَ الرُّهْبَانِ ثُمَّ الْعُلَمَاءِ كَانَتْ هِيَ (اللَّاتِينِيَّةُ الْقَدِيمَةُ)، وَهِيَ لُغَةٌ لَا تَعْرِفُهَا جَمَاهِيرُ رَعَايَا الْكَنِيسَةِ، وَكَانَتْ أُورُبَّةُ كُلُّهَا تَتَكَلَّمُ لُغَاتٍ كَثِيرَةً مُخْتَلِفَةً، وَلَهْجَاتٍ شَدِيدَةَ التَّبَايُنِ؛ وَلَكِنَّهَا لُغَاتٌ قَلِقَةٌ فِي دَوْرِ التَّكْوِينِ، وَكَانَ أَكْثَرُ هَذِهِ الْجَمَاهِيرِ أُمِّيًّا لَا يَقْرَأُ وَلَا يَكْتُبُ، فَأَصْبَحَ الرُّهْبَانُ وَالْعُلَمَاءُ يَسِيرُونَ فِي طَرِيقٍ، وَرَعَايَا الرُّهْبَانِ يَسِيرُونَ فِي طَرِيقٍ آخَرَ، فَهُمْ قَطِيعٌ يَنْعِقُ فِيهِ نَاعِقٌ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً؛ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْىٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ.

قَضَى رَبُّكَ أَنْ تَعِيشَ أُورُبَّةُ كُلُّهَا قَرْنًا وَنِصْفَ قَرْنٍ بَعْدَ إِخْفَاقِ الْحُرُوبِ الصَّلِيبِيَّةِ (1291-1453م / 690-857هـ) فِي إِصْرَارٍ لَا يَتَزَعْزَعُ وَفِي دَأَبٍ لَا يَعُوقُهُ مَلَلٌ عَلَى أَنْ تُصْلِحَ الْخَلَلَ الْوَاقِعَ فِي الْحَيَاةِ الْمَسِيحِيَّةِ، وَعَلَى تَحْصِيلِ الْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ بِكُلِّ وَسِيلَةٍ مَا اسْتَطَاعَتْ إِلَى ذَلِكَ سَبِيلًا؛ رَجَاءَ أَنْ تَجِدَ مَخْرَجًا مِنْ هَذَا الْمَأْزِقِ الضَّنْكِ الَّذِي حُصِرَتْ فِيهِ.

وَهُوَ تَارِيخٌ طَوِيلٌ حَافِلٌ يُعْجِزُنِي أَنْ أَقُصَّهُ عَلَيْكَ الْآنَ!!

 بِالْيَقَظَةِ الْمُتَوَهِّجَةِ دَارَ الصِّرَاعُ فِي جَنَبَاتِ أُورُبَّةَ بَيْنَ جَمِيعَ الْقُوَى الَّتِي كَانَتْ تَحْكُمُ جَمَاهِيرَ الْهَمَجِ الْهَامِجِ، وَمِنْ قَلْبِ هَذَا الصِّرَاعِ خَرَجَتْ طَبَقَةُ إِصْلَاحِ خَلَلِ الْمَسِيحِيَّةِ الشَّمَالِيَّةِ مَرَّةً أُخْرَى، فَخَرَجَ الرَّاهِبُ الْأَلْمَانِيُّ (مَارْتِن لُوثَر) [1483-1546م / 894-953هـ]، وَالرَّاهِبُ الْفَرَنْسِيِّ (جُون كَالْفَنْ) [1509-1564م / 914-971هـ]، وَخَرَجَ السِّيَاسِيُّ الْإِيطَالِيُّ الْفَاجِرُ (نِيكُولُو مِكْيَافِيلِّي)، [1469-1527م / 870-934هـ].

وَخَرَجَ -أَيْضًا- صِرَاعُ اللُّغَاتِ وَاللَّهْجَاتِ الْمُتَبَايِنَةِ؛ طَلَبًا لِاسْتِقْرَارِ لُغَةٍ مُوَحَّدَةٍ لِكُلِّ إِقْلِيمٍ، وَإِخْرَاجِ سَيْطَرَةِ (اللَّاتِينِيَّةِ) الْعَتِيقَةِ مِنْ طَرِيقِ الرُّهْبَانِ وَالْعُلَمَاءِ وَالْكُتَّابِ؛ لِكَيْ يُمْكِنَ نَشْرُ التَّعْلِيمِ عَلَى أَوْسَعِ نِطَاقٍ بَيْنَ جَمَاهِيرِ الْهَمَجِ الْهَامِجِ مِنْ رَعَايَا الْكَنِيسَةِ.

وَتَارِيخٌ طَوِيلٌ حَافِلٌ مُتَنَوِّعٌ، وَجِهَادٌ مَرِيرٌ قَاسٍ فِي سَبِيلِ الْيَقَظَةِ الْعَامَّةِ وَالتَّنَبُّهِ وَالتَّجَمُّعِ لِإِعْدَادِ أُمَّةٍ نَصْرَانِيَّةٍ قَادِرَةٍ عَلَى دَفْعِ رُعْبِ (التُّرْكِ) -أَيِ: الْمُسْلِمِينَ- عَنْ أَرْضِ أُورُبَّةَ (الْمُقَدَّسَةِ).

وَبَدَأَتِ الْيَقَظَةُ ذَاتُ الْهَدَفِ الْوَاحِدِ الَّذِي لَا يَغْفُلُ عَنْهُ رَاهِبٌ وَلَا عَالِمٌ، وَلَا صَغِيرٌ وَلَا كَبِيرٌ، وَلَا عَامِّيٌّ وَلَا مُتَعَلِّمٌ، وَلَا رَجُلٌ وَلَا امْرَأَةٌ، وَمَعَ الْيَقَظَةِ تَفَجَّرَ أَعْظَمُ سَيْلٍ يَكْتَسِحُ أُمِّيَّةَ الْهَمَجِ الْهَامِجِ، وَيُخْرِجُهُ مِنْ أَغْلَالِ الْجَهَالَةِ، وَيَجْعَلُ هَذَا الْهَدَفَ الْوَاحِدَ مُسْتَقِرًّا فِي جَوْفِ الْعِظَامِ، مَعَ الْبَغْضَاءِ وَالْحِقْدِ، وَمَعَ التَّصْمِيمِ وَالْإِرَادَةِ، وَمَعَ الْيَقَظَةِ وَالتَّنَبُّهِ، وَطَالَتِ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامُ، فَمَا هُوَ إِلَّا قَلِيلٌ حَتَّى كَانَ مَا كَانَ..

وَبَغْتَةً، كَمَا كَانَ اقْتِحَامُ الْمُسْلِمِينِ قَلْبَ أُورُبَّةَ بَغْتَةً تَهَاوَتِ الْحَوَاجِزُ الَّتِي كَانَتْ تَمْنَعُ حَرَكَةَ الْيَقَظَةِ وَالتَّنَبُّهِ فِي أَعْقَابِ الْحُرُوبِ الصَّلِيبِيَّةِ لِأَنْ تُؤْتِيَ ثِمَارَهَا، وَخَرَجَتْ أُورُبَّةُ مِنْ أَصْفَادِ (الْقُرُونِ الْوُسْطَى)، وَدَخَلَتْ بَعْدَ جِهَادٍ طَوِيلٍ مَرِيرٍ فِي (الْقُرُونِ الْحَدِيثَةِ) كَمَا يُسَمُّونَهَا.

وَمَعَ تَقَوُّضِ هَذِهِ الْحَوَاجِزِ ظَهَرَتْ بَرَاعِيمُ الثِّمَارِ الشَّهِيَّةِ، وَبِظُهُورِهَا غَضَّةً نَاضِرَةً زَادَتِ الْحَمَاسَةُ، وَتَعَالَتِ الْهِمَمُ، وَمُهِّدَ الطَّرِيقُ الْوَعْرُ، وَدَبَّتِ النَّشْوَةُ فِي جَمَاهِيرِ الْمُجَاهِدِينَ، وَتَحَدَّدَتِ الْأَهْدَافُ وَالْوَسَائِلُ، وَتَبَيَّنَ الطَّرِيقُ اللَّاحِبُ، وَمِنْ يَوْمِئِذٍ بَدَأَ الْمِيزَانُ يَشُولُ، فَارْتَفَعَتْ إِحْدَى الْكِفَّتَيْنِ شَيْئًا مَا، وَانْخَفَضَتِ الْأُخْرَى شَيْئًا مَا، ارْتَفَعَتْ كِفَّةُ أُورَبَّةَ بِهَذِهِ الْيَقَظَةِ الْهَائِلَةِ الشَّامِلَةِ الَّتِي أَحْدَثَتْهَا الْهَزَائِمُ الْقَدِيمَةُ وَالْحَدِيثَةُ، وَانْخَفَضَتْ كِفَّةُ الْمُسْلِمِينَ بِهَذِهِ الْغَفْلَةِ الْهَائِلَةِ الشَّامِلَةِ الَّتِي أَحْدَثَهَا الْغُرُورُ بِالنَّصْرِ الْقَدِيمِ وَبِالنَّصْرِ الْحَدِيثِ وَفَتْحِ الْقُسْطَنْطِينِيَّةَ.

وَكَذَلِكَ شَالَ الْمِيزَانُ، وَكَانَتْ فَرْحَةً مَحْسُوسَةً فِي جَانِبٍ، وَكَانَتْ غَفْلَةً لَا تُحَسُّ فِي جَانِبٍ، تَارِيخٌ طَوِيلٌ مَضَى وَغَابَ، وَتَارِيخٌ طَوِيلٌ سَوْفَ يَأْتِي، ثُمَّ لَا يَعْلَمُ إِلَّا اللهُ مَتَى يَكُونُ غِيَابُهُ!!

إِنَّ صِرَاعَ الْغَضَبِ الْمُشْتَعَلِ بَعْدَ فَتْحِ الْقُسْطَنْطِينِيَّةَ يَزِيدُهُ اشْتِعَالًا وَتَوَهُّجًا وَقُودٌ مِنْ لَهِيبِ الْبَغْضَاءِ وَالْحِقْدِ الْغَائِرِ فِي الْعِظَامِ عَلَى (التُّرْكِ) -أَيِ: الْمُسْلِمِينَ-، وَهُمْ شَبَحٌ مُخِيفٌ مُنْدَفِعٌ فِي قَلْبِ أُورُبَّةَ، يُلْقِي ظِلَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، وَيُفَزِّعُ كُلَّ كَائِنٍ حَيٍّ أَوْ غَيْرَ حَيٍّ بِاللَّيْلِ وَبِالنَّهَارِ.

صِرَاعُ الْغَضَبِ الْمُشْتَعِلِ بِلَهِيبِ الْبَغْضَاءِ وَالْحِقْدِ هُوَ وَحْدَهُ الَّذِي صَنَعَ لِأُورُبَّةَ كُلَّ شَيْءٍ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا، صَنَعَ كُلَّ شَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَدَّى بِهِمْ إِلَى يَقَظَةٍ شَامِلَةٍ قَامَتْ عَلَى الْإِصْرَارِ وَعَلَى الْمُجَاهَدَةِ الْمُثَابِرَةِ عَلَى تَحْصِيلِ الْعِلْمِ وَعَلَى إِصْلَاحِ خَلَلِ الْحَيَاةِ الْمَسِيحِيَّةِ.

وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا يَوْمَئِذٍ مِنْ سَبِيلِ وَلَا مَدَدٍ إِلَّا الْمَدَدُ الْكَائِنُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ مِنَ الْعِلْمِ الْحَيِّ عِنْدَ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ الْعِلِمِ الْمُسَطَّرِ فِي كُتُبِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، فَلَمْ يَتَرَدَّدُوا، وَبِالْجِهَادِ الْخَارِقِ، وَبِالْحَمَاسَةِ الْمُتَوَقِّدَةِ، وَبِالصَّبْرِ الطَّوِيلِ انْفَكَّتْ أَغْلَالُ (الْقُرُونِ الْوُسْطَى) بَغْتَةً عَنْ قَلْبِ أُورُبَّةَ، وَانْبَعَثَتْ (نَهْضَةُ الْعُصُورِ الْحَدِيثَةِ) مُسْتَمِرَّةً إِلَى هَذَا الْيَوْمِ.

وَمِنْ يَوْمَئِذٍ عِنْدَ أَوَّلِ بَدْءِ الْيَقَظَةِ تَحَدَّدَتْ أَهْدَافُ الْمَسِيحِيَّةُ الشَّمَالِيَّةُ، وَتَحَدَّدَتْ وَسَائِلُهَا، لَمْ يَغِبْ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ قَطُّ أَنَّهُمْ فِي سَبِيلِ إِعْدَادِ أَنْفُسِهِمْ لِحَرْبٍ صَلِيبِيَّةٍ رَابِعَةٍ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَوْمَئِذٍ يَعِيشُونَ فِي ظِلِّ شَبَحٍ مُخِيفٍ مُتَوَغِّلٍ فِي أَرْضِ أُورَبَّةَ الْمُقَدَّسَةِ -بِزَعْمِهِمْ- بِبَأْسٍ شَدِيدٍ وَقُوَّةٍ لَا تُرْدَعُ، بَلْ هُوَ شَبَحٌ مُتَجَوِّلٌ يَطُوفُ أَنْحَاءَ الْقَارَّةِ كُلِّهَا، لَا يَطْرِفُ فِيهَا جَفْنٌ حَتَّى يَرَاهُ مَاثِلًا فِي عَيْنِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ، (التُّرْكَ التُّرْكَ!!) -أَيِ: الْمُسْلِمِينَ الْمُسْلِمِينَ-.

وَهَذِهِ (التُّرْكُ) -وَهُمُ الْمُسْلِمُونَ- طَلَائِعُ عَالَمٍ إِسْلَامِيٍّ زَاخِرٍ هَائِلٍ مُخِيفٍ غَيْرِ مَعْرُوفٍ لَهُمْ مَا فِي جَوْفِهِ، مُسَيْطِرٍ عَلَى رُقْعَةٍ مُتَرَاحِبَةٍ مُمْتَدَّةٍ مِنَ الْأَنْدَلُسِ إِلَى أَطْرَافٍ تُحِيطُ بِأَرْضِ رُوسْيَا، إِلَى جَوْفِ قَارَّةِ آسِيَةَ، إِلَى جَوْفِ قَارَّةِ إِفْرِيقِيَّةَ.

وَهُمْ يَعْلَمُونَ الْآنَ عِلْمًا لَيْسَ بِالظَّنِّ أَنَّ السِّلَاحَ فِي هَذِهِ الْمَرْحَلَةِ -وَهُوَ يَوْمَئِذٍ قَرِيبٌ مِنْ قَرِيبٍ- لَيْسَ يُغْنِي غَنَاءً حَاسِمًا، فَقَدْ وَعَظَتْهُمُ الْمَرَاحِلُ الْأُوَلُ، فَنَحَّوْا أَمْرَهُ جَانِبًا إِلَى أَنْ يَحِينَ حِينُهُ وَيُصْبِحَ قَادِرًا وَحَاسِمًا.

لَمْ يَبْقَ لَهُمْ -إِذَنْ- إِلَّا سِلَاحُ الْعَقْلِ وَالْعِلْمِ وَالتَّفَوُّقِ وَالْيَقَظَةِ وَالْفَهْمِ وَحُسْنِ التَّدْبِيرِ، ثُمَّ الْمَكْرُ وَالدَّهَاءُ وَاللِّينُ وَالْمُدَاهَنَةُ وَتَرْكُ الِاسْتِثَارَةِ؛ اسْتِثَارَةِ عَالَمٍ ضَخْمٍ مَجْهُولٍ مَا فِي جَوْفِهِ، وَلَا قِبَلَ لَهُمْ بِتَدَفُّقِ أَمْوَاجِهِ الزَّاخِرَةِ، وَالَّتِي كَادَ (التُّرْكُ) الظَّافِرُونَ طَلَائِعَهَا الظَّاهِرَةَ لَهُمْ عِيَانًا فِي قَلْبِ أُورُبَّةَ.

وَهَذِهِ رَعَايَا الْمَسِيحِيَّةِ أَمَامَ أَعْيُنِهِمْ تَتَسَاقَطُ فِي الْإِسْلَامِ مَرَّةً أُخْرَى طَائِعَةً مُخْتَارَةً، وَتَدْخُلُ بِحَمَاسَةٍ وَيَقِينٍ ثَابِتٍ فِي جَحَافِلِ الْإِسْلَامِ الطَّاغِيَةِ، يَا لَهَا مِنْ فَجِيعَةٍ!!

وَيَرْتَاعُ مَعَ كُلِّ فَجْرِ قَلْبُ الْمَسِيحِيَّةِ، وَيَغْلِي رُهْبَانُهَا وَرَعَايَاهُمْ بُغْضًا لِلْإِسْلَامِ، وَحَمَاسَةً وَغَضَبًا لِلْمَسِيحِيَّةِ، وَيَرْسَخُ الْإِصْرَارُ فِي الْقُلُوبِ عَلَى دَفْعِ غَائِلَةِ الْإِسْلَامِ، وَعَلَى الْتِمَاسِ قَهْرِهِ بِكُلِّ وَسِيلَةٍ وَمِنْ كُلِّ سَبِيلٍ، وَتَتَلَهَّبُ أَمَانِيُّ الِاسْتِيلَاءِ عَلَى كُنُوزِهِ الْبَاهِرَةِ الَّتِي لَا تَنْفَدُ، وَالَّتِي غَالَى فِي تَصْوِيرِهَا لَهُمُ الْعَائِدُونَ مِنَ الْحَرْبِ الصَّلِيبِيَّةِ الثَّالِثَةِ (وَهِيَ الْحَمْلَاتُ السَّبْعُ الْمَعْرُوفَةُ بِاسْمِ  الْحُرُوبِ الصَّلِيبِيَّةِ)، وَصَارَتْ أَحْلَامًا بَهِيجَةً يَحْلُمُ بِهَا كُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ، وَعَالِمٍ وَجَاهِلٍ، وَرَاهِبِ وَرَعِيَّةٍ، بَلْ صَارَتْ شَهْوَةً عَارِمَةً تَدُبُّ دَبِيبًا فِي كُلِّ نَفْسٍ، بَلْ صَارَتْ غَرِيزَةً مُسْتَحْكِمَةً مِنْ غَرَائِزِ النَّفْسِ الْأُورُبِّيَّةِ.

هَذَا إِيجَازٌ شَدِيدٌ لِمَا كَانَ، وَلْيَكُنْ مِنْكَ عَلَى ذُكْرٍ أَبَدًا لَا تَنْسَاهُ.

كَانَ كُلُّ مَدَدٍ الْيَقَظَةِ -كَمَا قَدَّمْتُ- مُسْتْجَلَبًا كُلُّهُ مِنْ عُلُومِ دَارِ الْإِسْلَامِ، مِنَ الْعِلْمِ الْحَيِّ مِنْ عُلَمَائِهِ، وَمِنَ الْعِلْمِ الْمُسَطَّرِ فِي كُتُبِهِ، وَالسَّبِيلُ إِلَى ذَلِكَ فِي الْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا كَانَ مَعْرِفَةَ لِسَانِ الْعَرَبِ، وَلَنْ أَقُصَّ عَلَيْكَ التَّارِيخَ الطَّوِيلَ؛ وَلَكِنِ اعْلَمْ أَنَّ لِسَانَ الْعَرَبِ كَانَ لَهُ السِّيَادَةُ الْمُطْلَقَةُ عَلَى الْعَالَمِ قُرُونًا قَبْلَ ذَلِكَ طِوَالًا.

وَكَانَتِ الْمَسِيحِيَّةُ الشَّمَالِيَّةُ مُجَاوِرَةً لِهَذَا السُّلْطَانِ الْمُطْلَقِ، وَمُصَارِعَةً لِأَهْلِهِ صِرَاعًا طَوِيلًا تَارَةً، وَمُخَالِطَةً لَهُمْ بِالتِّجَارَةِ وَالرِّحْلَةِ وَغَيْرِهِمَا زَمَنًا طَوِيلًا تَارَةً أُخْرَى، وَلِذَلِكَ كَانَ هَذَا اللِّسَانُ الْعَرَبِيُّ مَعْرُوفًا مَعْرِفَةً جَيِّدَةً لِطَوَائِفَ مِنَ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ فِي دِيَارِ بِيزْنَطَةَ مِنْ نَاحِيَةٍ، وَفِي قَلْبِ أُورُبَّةَ نَفْسِهَا لِمُجَاوَرَتِهَا الْأَنْدَلُسِ.

فَبِالْهِمَّةِ وَالْإِخْلَاصِ وَالْعَقْلِ -أَيْضًا- كَانَ لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ أَنْ يَزْدَادَ عَدَدُ الَّذِينَ يَعْرِفُونَ اللِّسَانَ الْعَرَبِيَّ وَيُجِيدُونَهُ زِيَادَةً وَافِرَةً؛ لِحَاجَتِهِمْ يَوْمَئِذٍ إِلَى أَنْ يَعْتَمِدُوا اعْتِمَادًا مُبَاشِرًا عَلَى الِاتِّصَالِ بِالْعِلْمِ الْحَيِّ فِي عُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ، لِكَيْ يَتَمَكَّنُوا مِنْ حَلِّ الرُّمُوزِ اللُّغَوِيَّةِ الْكَثِيرَةِ الْمُسَطَّرَةِ فِي الْكُتُبِ الْعَرَبِيَّةِ، وَلَا سِيَّمَا كُتُبُ الرِّيَاضَةِ وَالْجَبْرِ وَالْكِيمْيَاءِ وَالطِّبِّ وَالْفَلَكِ وَسَائِرِ عُلُومِ الصِّنَاعَةِ الَّتِي قَلَّ مَنْ يَعْرِفُهَا.

فَكَانَ مِنَ الْأَهْدَافِ وَالْوَسَائِلِ -كَمَا ذَكَرْتُ قَبْلُ- بِعْثَةُ أَعْدَادٍ كَبِيرَةٍ مِمَّنْ تَعَلَّمُوا الْعَرَبِيَّةَ وَأَجَادُوهَا إِجَادَةً مَّا، تَخْرُجُ لِتَسِيحَ فِي أَرْضِ الْإِسْلَامِ، وَتَجْمَعُ الْكُتُبَ شِرَاءً أَوْ سَرِقَةً، وَتُلَاقِي الْخَاصَّةَ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَتُخَالِطُ الْعَامَّةَ مِنَ الْمُثَقَّفِينَ وَالدَّهْمَاءِ، وَتُدَوِّنُ فِي الْعُقُولِ وَفِي الْقَرَاطِيسِ مَا عَسَى أَنْ يَنْفَعَهُمْ فِي فَهْمِ هَذَا الْعَالَمِ الَّذِي اسْتَعْصَى عَلَى الْمَسِيحِيَّةِ وَاسْتَعْلَى قُرُونًا طِوَالًا.

لَمْ يَقْتَصِرْ أَمْرُهُمْ عَلَى تَعَلُّمِ اللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ، بَلِ انْطَلَقُوا يَتَعَلَّمُونَ كُلَّ لِسَانٍ كَانَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ كَالتُّرْكِيِّ وَالْفَارِسِيِّ وَغَيْرِهِمَا مِنْ لُغَاتٍ كَانَتْ لِلْمُسْلِمِينَ مَنْطُوقَةً أَوْ فِي الْقَرَاطِيسِ مَكْتُوبَةً.

يَخْرُجُونَ أَفْوَاجًا تَتَكَاثَرُ عَلَى الْأَيَّامِ، وَيَجُوبُونَ أَرْجَاءَ هَذَا الْعَالَمِ، وَيَعُودُونَ لِإِتْمَامِ عَمَلَيْنِ عَظِيمَيْنِ: إِمْدَادِ عُلَمَاءِ الْيَقَظَةِ بِهَذِهِ الْكُنُوزِ النَّفِيسَةِ مِنَ الْكُتُبِ الَّتِي حَازُوهَا أَوْ سَطَوْا عَلَيْهَا!!)). مِنَ الْمَخْطُوطَاتِ الَّتِي خَطَّتْهَا أَنَامِلُ عُلَمَائِنَا، سُرِقَتْ، أَوْ نُهِبَتْ، أَوْ أُخِذَتْ، أَوْ بِيعَتْ مِنْ قِبَلِ مُغَفَّلِينَ فِي الْمَسَاجِدِ وَغَيْرِهَا بِدَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ لِأُولَئِكَ الَّذِينَ سَطَوْا عَلَيْهَا، فَأَخَذُوهَا فَأَطْلَعُوا عُلَمَاءَ الْيَقَظَةِ عَلَى هَذِهِ الْكُنُوزِ النَّفِيسَةِ مِنَ الْكُتُبِ الَّتِي حَازُوهَا أَوْ سَطَوْا عَلَيْهَا، ((وَإِطْلَاعِهِمْ عَلَى مَا وَقَفُوا عَلَيْهِ فِيهَا، بَاذِلِينَ كُلَّ جُهْدٍ وَمَعُونَةٍ فِي تَرْجَمَتِهَا لَهُمْ، وَفِي تَفْسِيرِ رُمُوزِهَا بِقَدْرِ مَا اسْتَفَادُوا مِنَ الْعِلْمِ بِهَا، وَأَيْضًا إِطْلَاعِ رُهْبَانِ الْكَنِيسَةِ وَمُلُوكِهَا عَلَى كُلِّ مَا عَلِمُوا مِنْ أَحْوَالِ دَارِ الْإِسْلَامِ -فَكَانُوا جَوَاسِيسَ-، وَمَا رَأَوْهُ عَيَانًا فِيهَا، وَمَا لَاحَظُوهُ اسْتِبْصَارًا.

وَكَانَ أَهَمُّ مَا لَاحَظُوهُ أَوْ خَبَرُوهُ هَذِهِ الْغَفْلَةَ الْمُطْبِقَةَ عَلَى أَرْضِ الْإِسْلَامِ، وَالَّتِي أَوْرَثَهُمْ إِيَّاهَا الِاسْتِنَامَةُ إِلَى النَّصْرِ الْقَدِيمِ عَلَى الْمَسِيحِيَّةِ، وَالِاغْتِرَارُ بِالنَّصْرِ الْحَادِثِ بِفَتْحِ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ، ثُمَّ سَمَاحَةُ أَهْلِ الْإِسْلَامِ عَامَّتِهِمْ وَخَاصَّتِهِمْ مَعْ مَنْ دِينُهُ يُخَالِفُ دِينَهُمْ، وَلَا سِيَّمَا الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى؛ لِأَنَّهُمْ أَهْلُ كِتَابٍ وَأَهْلُ ذِمَّةٍ، وَلِأَنَّهُمْ أَتْبَاعُ الرَّسُولَيْنِ الْكَرِيمَيْنِ مُوسَى وَعِيسَى بْنِ مَرْيمَ -عَلَيْهِمَا السَّلَامُ-، وَلِأَنَّ دِينَ أَحَدِهِمْ لَا يَسْلَمُ لَهُ حَتَّى يُؤْمِنَ بِاللهِ وِمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ -سُبْحَانَهُ-، وَأَعْلَمُوا رُهْبَانَهُمْ وَمُلُوكَهُمْ أَنَّ هَذَا هُوَ الَّذِي يَسَّرَ لَهُمْ أَنْ يَجُوبُوا فِي الْأَرْضِ غَيْرَ مُرَوَّعِينَ، وَيَسَّرَ لَهُمْ خَاصَّةً أَنْ يُدَاهِنُوا الْعُلَمَاءَ وَالْعَامَّةَ وَيُنَافِقُوهُمْ وَيُوهِمُوهُمْ بِالْمَكْرِ وَالْمِحَالِ أَنَّهُمْ طُلَّابُ عِلْمٍ لَا غَيْرَ -وَلَيْسُوا مِنَ الْعَنَاصِرِ الِاسْتِخْبَارَاتِيَّةِ- خَالِصَةٌ قُلُوبُهُمْ لِحُبِّ الْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ، وَاللهُ عَلِيمٌ بِالسَّرَائِرِ.

وَمِنْ يَوْمَئِذٍ نَشَأَتْ هَذِهِ الطَّبَقَةُ مِنَ الْأُورُبِّيِّينَ الَّذِينَ عُرِفُوا فِيمَا بَعْدُ بِاسْمِ (الْمُسْتَشْرِقِينَ) )).

كَانُوا يَنْقُلُونَ الْمَعْرِفَةَ وَالْعِلْمَ الَّذِي خَطَّهُ الْعُلَمَاءُ الْمُسْلِمُونَ، وَأَيْضًا كَانُوا جَوَاسِيسَ يَنْقُلُونَ أَحْوَالَ الْمُسْلِمِينَ إِلَى الرُّهْبَانِ وَالْمُلُوكِ، فَتَعَرَّتِ الْأُمَّةُ عَقْلًا وَدِيَارًا أَمَامَ عَدُوِّهَا، وَصَارَ السَّبِيلُ إِلَيْهَا مُمَهَّدًا؛ سُرِقَ عِلْمُنَا وَمَا زَالَ إِلَى الْيَوْمَ مَسْرُوقًا.

مَخْطُوطَاتُنَا فِي مَكْتَبَاتِ الْغَرْبِ، وَكَانَتْ مَسْلُوبَةً مَنْهُوبَةً مُغْتَصَبَةً مَسْرُوقَةً إِلَى يَوْمِ النَّاسِ هَذَا، وَمِنْهَا مَا لَمْ يَخْرُجْ إِلَى دُنْيَا الطِّبَاعَةِ إِلَى يَوْمِ النَّاسِ هَذَا، وَكَانَتْ فِي الْأَدْيِرَةِ، عَكَفُوا عَلَى حَلِّ الرُّمُوزِ، وَأَخَذُوا سِرَّ التَّقَدُّمِ وَالْحَضَارَةِ، فَبَنَوْا عَلَيْهَا مَعَ الْغَفْلَةِ الَّتِي شَمَلَتِ الْعَالَمَ الْإِسْلَامِيَّ، وَنُقِلَتْ أَحْوَالُ الْعَالَمِ الْإِسْلَامِيِّ إِلَى الرُّهْبَانِ وَالْمُلُوكِ.

وَمَعَ ارْتِفَاعِ مَدِّ التَّعَلُّمِ وَامْتِلَاكِ الْقُوَّةِ عِنْدَهُمْ، وَمَعَ كَثْرَةِ الْغَفْلَةِ الْمُحِيطَةِ الْمُطْبِقَةِ بِدِيَارِ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الْإِسْلَامِ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ!!

 ((الْمُسْتَشْرِقُونَ هُمْ أَهَمُّ وَأَعْظَمُ طَبَقَةٍ تَمَخَّضَتْ عَنْهَا الْيَقَظَةُ الْأُورُبِّيَّةُ؛ لِأَنَّهُمْ جُنْدُ الْمَسِيحِيَّةِ الشَّمَالِيَّةِ الَّذِينَ وَهَبُوا أَنْفُسَهُمْ لِلْجِهَادِ الْأَكْبَرِ، وَرَضُوا لِأَنْفُسِهِمْ أَنْ يَظَّلُوا مَغْمُورِينَ فِي حَيَاةٍ بَدَأَتْ تَمُوجُ بِالْحَرَكَة وَالْغِنَى وَالصِّيتِ الذَّائِعِ، وَحَبَسُوا أَنْفُسَهُمْ بَيْنَ الْجُدْرَانِ الْمُخْتَفِيَةِ وَرَاءَ أَكْدْاسٍ مِنَ الْكُتُبِ، مَكْتُوبَةٍ بِلِسَانٍ غَيْرِ لِسَانِ أُمَمِهِمُ الَّتِي يَنْتَمُونَ إِلَيْهَا، وَفِي قُلُوبِهِمْ كُلُّ اللَّهِيبِ الْمُمِضِّ الَّذِي فِي قَلْبِ أُورُبَّةَ، وَالَّذِي أَحْدَثَتْهُ فَجِيعَةُ سُقُوطِ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ فِي حَوْزَةِ الْإِسْلَامِ، وَلَكِنْ لَا هَمَّ لَهُمْ لَيْلًا وَلَا نَهَارًا إِلَّا حِيَازَةُ كُنُوزِ عِلْمِ دَارِ الْإِسْلَامِ بِكُلِّ سَبِيلٍ، تَتَوَهَّجُ أَفْئِدَتُهُمْ نَارًا أَعْتَى مِنْ كُلِّ مَا فِي قُلُوبِ رُهْبَانِ الْكَنِيسَةِ، وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا يَمْلِكُونَ مِنَ الْقُدْرَةِ الْخَارِقَةِ أَنْ يُخَالِطُوا أَهْلَ الْإِسْلَامِ في دِيَارِهِمْ، وَعَلَى وُجُوهِهِمْ سِيمْيَاءُ الْبَرَاءَةِ وَاللِّينِ وَالتَّوَاضُعِ وَسَلَامَةِ الطَّوِيَّةِ وَالْبِشْرِ.

وَبِفَضْلِ هَؤُلَاءِ الْمُتَبَتِّلِينَ الْمُنْقَطِعِينَ عَنْ زُخْرُفِ الْحَيَاةِ الْجَدِيدَةِ، وَبِفَضْلِهِمْ وَحْدَهُمْ، وَبِفَضْلِ مُلَاحَظَاتِهِمُ الَّتِي جَمَعُوهَا مِنَ السِّيَاحَةِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَمِنَ الْكُتُبِ، وَبَذَلُوهَا لِمُلُوكِ الْمَسِيحِيَّةِ الشَّمَالِيَّةِ نَشَأَتْ طَبَقَةُ السَّاسَةِ الَّذِينَ يُعِدُّونَ مَا اسْتَطَاعُوا مِنْ عُدَّةٍ لِرَدِّ غَائِلَةِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ قَهْرِهِ فِي عُقْرِ دِيَارِهِ، وَلِتَحْقِيقِ الْأَحْلَامِ وَالْأَشْوَاقِ الَّتِي كَانَتْ تُخَامِرُ قَلْبَ كُلِّ أُورُبِّيٍّ أَنْ يَظْفَرَ بِكُنُوزِ الدُّنْيَا الْمَدْفُونَةِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَمَا وَرَاءَ دَارِ الْإِسْلَامِ، وَهُمُ الَّذِينَ عُرِفُوا فِيمَا بَعْدُ بِاسْمِ رِجَالِ (الِاسْتِعْمَارِ).

وَبِفَضْلِهِمْ وَحْدَهُمْ -أَيْضًا-، وَبِفَضْلِ مُلَاحَظَاتِهِمُ الَّتِي زَوَّدُوا بِهَا رُهْبَانَ الْكَنِيسَةِ؛ ثَارَتْ حَمِيَّةُ الرُّهْبَانِ، وَنَشَأَتِ الطَّائِفَةُ الَّتِي نَذَرَتْ نَفْسَهَا لِلْجِهَادِ فِي سَبِيلِ الْمَسِيحِيَّةِ -يَعْنِي: فِي سَبِيلِ النَّصْرَانِيَّةِ-، وَلِلدُّخُولِ فِي قَلْبِ الْعَالَمِ الْإِسْلَامِيِّ لِكَيْ تحَوِّلَ مَنْ تَسْتَطِيعُ تَحْوِيلَهُ عَنْ دِينِهِ إِلَى الْمِلَّةِ الْمَسِيحِيَّةِ، وَأَنْ يَنْتَهِيَ الْأَمْرُ إِلَى قَهْرِ الْإِسْلَامِ فِي عُقْرِ دَارِهِ، -هَكَذَا ظَنُّوا يَوْمَئِذٍ- وَهَذِهِ الطَّائِفَةُ هِيَ الَّتِي عُرِفَتْ فِيمَا بَعْدُ بِاسْمِ رِجَالِ (التَّبْشِيرِ).

فَهَذِهِ ثَلَاثَةٌ مُتَعَاوِنَةٌ مُتَآزِرَةٌ مُتَظَاهِرَةٌ، وَجَمِيعُهُمْ يَدٌ وَاحِدَةٌ؛ لِأَنَّهُمْ إِخْوَةٌ أَعْيَانٌ، أَبُوهُمْ وَاحِدٌ، وَأُمُّهُمْ وَاحِدَةٌ، وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ، وَأَهْدَافُهُمْ وَاحِدَةٌ، وَوَسَائِلُهُمْ وَاحِدَةٌ.

تَهَاوَتْ فِي أُورُبَّةَ سُدُودُ الْجَهْلِ، وَانْبَثَقَتِ الْيَقَظَةُ، وَفُتِحِتْ بَعْضُ مَغَالِيقِ خَزَائِنِ الْعِلْمِ، وَانْقَشَعَتْ ظُلْمَةُ (الْقُرُونُ الْوُسْطَى)، وَلَاحَتْ تَبَاشِيرُ فَجْرٍ جَدِيدِ، وَاصْطَفَّ الْهَمَجُ الْهَامِجُ كَتَائِبَ تَزْحُفُ فِي أَيْدِيهَا مَصَابِيحُ يَنْبَعِثُ مِنَهَا بَصِيصٌ يُضِيءُ لِيَكْشِفَ غَيَاهِبَ الظُّلُمَاتِ، وَاسْتَنَارَتِ الطُّرُقُ، وَازْدَحَمَ عَلَى سُلُوكِهَا كُلُّ مُطِيقٍ لِلزَّحْفِ؛ وَبِالصَّبْرِ وَبِالْجُهْدِ، وَبِالْجُرْأَةِ وَبِالْعَزِيمَةِ وَبِنَبْذِ التَّوَانِي صَارَتْ أُورُبَّةُ قُوَّةً تُمُدُّهَا فُتُوحُ الْعِلْمِ الْجَدِيدِ بِمَا يَزِيدُهَا بَأْسًا وَصَرَامَةً.

وَلَا أَقُولُ شَالَ الْمِيزَانُ، بَلْ أَقُولُ بَطَلَ عَمَلُ الْمِيزَانِ، وَصَارَ فِي الْأَرْضِ عَالَمَانِ؛ عَالَمٌ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ مُفَتَّحَةٌ عُيُونُهُمْ نِيَامٌ، يُتَاخِمُ مِنْ أُورُبَّةَ عَالَمًا أَيْقَاظًا عُيُوُنُهُمْ لَا تَنَامُ، وَقُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ!

وَكَانَ مَا كَانَ.. فَمَعَ الْيَقَظَةِ ازْدَادَتِ الْأَهْدَافُ وُضُوحًا وَجَلًاء، وَازْدَادَتِ الْوَسَائِلُ دِقَّةً وَتَحْدِيدًا وَشُمُولًا، بَعْدَ أَنْ وَعَظَتْ أُورُبَّةَ الْمَرَاحِلُ الثَّلَاثُ الْأُوَلُ الَّتِي لَمْ تَصْنَعْ لِلْمَسِيحِيَّةِ الْمَحْصُورَةِ فِي الشَّمَالِ شَيْئًا ذَا بَالٍ.

(الْأَهْدَافُ) مَعْرُوفَةٌ لَكَ الْآنَ، أَكْبَرُهَا شَأْنًا هُوَ اخْتِرَاقُ دَارِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ تَمْزِيقُهَا مِنْ قَلْبِهَا، ثُمَّ الظَّفَرُ بِالْكُنُوزِ الْغَالِيَةِ الَّتِي كَانَتْ، وَلَمْ تَزَلْ تُرَاوِدُ كُلَّ قَلْبٍ يَنْبِضُ فِي أُورُبَّةَ بِأَحْلَامٍ شَرِهَةٍ مَسْعُورَةٍ إِلَى الْغِنَى وَالثَّرْوَةِ وَالْمَتَاعِ، غَرَسَتْ بُذُورَهَا فِي أَعْمَاقِ النُّفُوسِ أَحَادِيثُ الْعَائِدِينَ مِنْ حَمَلَاتِ الْحُرُوبِ الصَّلِيبِيَّةِ الْقَدِيمَةِ.

أَمَّا (الْوَسَائِلُ) فَقَدْ وُضِعَتْ لَهَا قَوَاعِدُ رَاسِخَةٌ تُجَنِّبُهُمْ أَخْطَاءَ الْمَرَاحِلِ الثَّلَاثِ السَّابِقَةِ الَّتِي مُنِيَتْ بِالْإِخْفَاقِ، كَانَ عَلَى رَأْسِ هَذِهِ الْقَوَاعِدِ: تَنْحِيَةُ السِّلَاحِ جَانِبًا بَعْدَ أَنْ ثَبَتَ لَهُمْ إِخْفَاقُهُ فِي اخْتِرَاقِ دَارِ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَثِيرُ مَا لَا يَعْلَمُونَ مَغَبَّتَهُ مِنْ سُوءِ الْعَوَاقِبِ، وَكَفَى بِالتَّجَارِبِ الثَّلَاثِ الْغَابِرَةِ وَاعِظًا، فَمِنْ يَوْمِئِذٍ صَارَتِ الْقَاعِدَةُ الرَّاسِخَةُ فِي سِيَاسَةِ أُورُبَّةَ هِيَ اجْتِنَابَ اسْتِثَارَةِ هَذَا الْعَالَمِ الضَّخْمِ الْمُبْهَمِ الَّذِي كَانَ (التُّرْكُ) هُمْ طَلَائِعَهُ الْمُظَفَّرَةَ النَّاشِبَةَ أَظَافِيرُهَا فِي صَمِيمِ الْمَسِيحِيَّةِ الشَّمَالِيَّةِ فِي قَلْبِ أُورُبَّةَ، ثُمَّ الْعَمَلَ الدَّائِبَ الْبَصِيرَ الصَّامِتَ الَّذِي يُتِيحُ لَهُمْ يَوْمًا مَّا تَقْلِيمَ هَذِهِ الْأَظَافِرِ وَخَلْعَهَا مِنْ جُذُورِهَا، ثُمَّ اسْتِنْفَادَ قُوَّتِهِ بِالْمُنَاوَشَةِ وَالْمُطَاوَلَةِ وَالْمُثَابَرَةِ، بِالدَّهَاءِ وَالْمَكْرِ وَالسِّيَاسَةِ وَالصَّبْرِ الْمُتَمَادِي، حَتَّى يَأْتِيَ عَلَيْهِ يَوْمٌ لَا يَمْلِكُ فِيهِ إِلَّا أَنْ يَسْتَكِينَ وَيَسْتَسْلِمَ، وَلْيَكُنْ كُلُّ ذَلِكَ مِنْ وَرَاءِ الْغَفْلَةِ، وَبِالدَّهَاءِ وَالرِّفْقِ تَارَةً، وَبِالتَّنَمُّرِ وَالتَّكْشِيرِ عَنِ الْأَنْيَابِ تَارَّةً أُخْرَى!!

 وَكَذَلِكَ كَانَ مَا كَانَ، وَمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى هَذِهِ السَّاعَةِ، وَللهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ.

وَفَضَّتِ الْمَسِيحِيَّةُ الشَّمَالِيَّةُ قُيُودَ الْحِصَارِ عَنْ نَفْسِهَا، وَخَرَجَتْ جَحَافِلُهَا مُكْتَسِحَةً تَجُوبُ الْبَحْرَ وَالْبَرَّ.

انْطَلَقَتِ الْأَسَاطِيلُ مِنْ شَوَاطِئِ أُورُبَّةَ مُزَوَّدَةً بِالْعُدَّةِ وَالْعَتَادِ وَالرِّجَالِ الْأَشِدَّاءِ وَالْمُغَامِرِينَ، وَالْعُلَمَاءِ وَالرُّهْبَانِ، وَهَدَفُهَا أَنْ تُطَوِّقَ دَارَ الْإِسْلَامِ مُحِيطَةً بِهَا مِنْ شَوَاطِئِ الْمَغْرِبِ إِلَى شَوَاطِئِ الْهِنْدِ، تَتَحَسَّسُ مَوَاطِنَ الضَّعْفِ فِي أَقَالِيمِهَا الْمُتَطَرِّفَةِ، فَانْقَضُّوا عَلَى الضَّعِيفِ وَالْعَاجِزِ وَالْغَافِلِ، وَخَادَعُوا وَنَافَقُوا، وَاسْتَغْفَلُوا وَأَرْهَبُوا، وَاسْتَنْزَفُوا وَنَهَبُوا، وَازْدَادُوا شَهْوَةً وَشَرَاهَةً وَجُوعًا إِلَى الْكُنُوزِ الْمَخْبُوءَةِ فِي قَلْبِ دَارِ الْإِسْلَامِ، وَاسْتَضْعَفُوا وَسَيْطَرُوا، وَلَهِيبٌ فِي الْقُلُوبِ لَا تُطْفَأُ نَارُهُ.

وَمَعَ هَذِهِ الْأَسَاطِيلِ الْفَاجِرَةِ خَرَجَتْ مِنْ مَكَامِنِهَا أَعْدَادٌ وَافِرَةٌ مِنْ رِجَالٍ يُجِيدُونَ اللِّسَانَ الْعَرَبِيِّ وَأَلْسِنَةَ دَارِ الْإِسْلَامِ الْأُخَرِ، وَمِنْهُمْ رُهْبَانٌ وَغَيْرُ رُهْبَانٍ، وَرَكِبُوا الْبَرَّ وَالْبَحْرَ، وَزَحَفُوا زَرَافَاتٍ وَوُحْدَانًا فِي قَلْبِ دَارِ الْإِسْلَامِ: عَلَى دِيَارِ الْخِلَافَةِ فِي تُرْكِيَّةَ، وَعَلَى الشَّامِ، وَعَلَى مِصْرَ، وَعَلَى جَوْفِ إِفْرِيقِيَّةَ وَمَمَالِكِهَا الْمُسْلِمَةِ، خَرَجُوا وَفِي الْقُلُوبِ حَمِيَّةُ الْحِقْدِ الْمُكَتَّمِ، وَفِي النُّفُوسِ الْعَزِيمَةُ الْمُصَمِّمَةُ، وَفِي الْعُيُونِ الْيَقَظَةُ، وَفِي الْعُقُولِ التَّنَبُّهُ وَالذَّكَاءُ، وَعَلَى الْوُجُوهِ الْبِشْرُ وَالطَّلَاقَةُ وَالْبَرَاءَةُ، وَفِي الْأَلْسِنَةِ الْحَلَاوَةُ وَالْخِلَابَةُ وَالْمُمَاذَقَةُ.

وَلَبِسُوا لِجَمْهَرَةِ الْمُسْلِمِينَ كُلَّ زِيٍّ؛ زِيَّ التَّاجِرِ، وَزِيَّ السَّائِحِ، وَزِيَّ الصَّدِيقِ النَّاصِحِ، وَزِيَّ الْعَابِدِ الْمُسْلِمِ الْمُتَبَتِّلِ، وَتَوَغَّلُوا يَسْتَخْرِجُونَ كُلَّ مَخْبُوءٍ كَانَ عَنْهُمْ مِنْ أَحْوَالِ دَارِ الْإِسْلَامِ، أَحْوَالِ عَامَّتِهِ وَخَاصَّتِهِ، وَعُلَمَائِهِ وَجُهَّالِهِ، وَحُلَمَائِهِ وَسُفَهَائِهِ، وَمُلُوكِهِ وَسُوقَتِهِ، وَجُيُوشِهِ وَرَعِيَّتِهِ، وَعِبَادَتِهِ وَلَهْوِهِ، وَقُوَّتِهِ وَضَعْفِهِ، وَذَكَائِهِ وَغَفْلَتِهِ، حَتَّى تَدَسَّسُوا إِلَى أَخْبَارِ النِّسَاءِ فِي خُدُورِهِنَّ، فَلَمْ يَتْرُكُوا شَيْئًا إِلَّا خَبَرُوهُ وَعَجَمُوهُ، وَفَتَّشُوهُ وَسَبَرُوهُ، وَذَاقُوهُ وَاسْتَشَفُّوهُ.

وَمِنْ هَؤُلَاءِ وَمِنْ خِبْرَتِهِمْ وَتَجْرِبَتِهِمْ خَرَجَتْ أَهَمُّ طَبَقَةٍ تَمَخَّضَتْ عَنْهَا الْيَقَظَةُ الْأُورُبِّيَّةُ (طَبَقَةُ الْمُسْتَشْرِقِينَ) الْكِبَارِ، وَعَلَى عِلْمِهِمْ وَخِبْرَتِهِمْ وَتَجَارِبِهِمْ رَسَتْ دَعَائِمُ (الِاسْتِعْمَارِ)، وَرَسَخَتْ قَوَاعِدُ (التَّبْشِيرُ)، وَالْتَقَتْ حَلْقَتَا الْبِطَانِ هَذِهِ الْمَرَّةَ عَلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، وَاسْتَرْخَتْ حَلْقَتَاهُ عَنِ الْمَسِيحِيَّةِ الشَّمَالِيَّةِ.

وَمَا هُوَ إِلَّا قَلِيلٌ حَتَّى كَانَ تَحْتَ يَدِ (الِاسْتِشْرَاقِ) آلَافٌ مُؤَلَّفَةٌ مِنْ مَخْطُوطَاتٍ مِنْ كُتُبِ دَارِ الْإِسْلَامِ نَفِيسَةٍ مُنْتَقَاةٍ، مُشْتَرَاةً أَوْ مَسْرُوقَةً، مُوَزَّعَةً مُفَرَّقَةً فِي جَمِيعِ أَرْجَاءِ أُورُبَّةَ وَأَدْيِرَتِهَا وَمَكْتْبَاتِهَا وَجَامِعَاتِهَا، وَأَكَبَّ عَلَيْهَا (الْمُسْتَشْرِقُونَ) الْمُجَاهِدُونَ الصَّابِرُونَ الَّذِينَ هَجَرُوا دُنْيَا النَّاسِ الْمَائِجَةَ بِكُلِّ زُخْرُفٍ وَمَتَاعٍ، وَعَكَفُوا بَيْنَ جُدْرَانٍ صَامِتَةٍ مُغْلَقَةٍ وَأَكْدَاسٍ مِنَ الْأَوْرَاقِ الْمَكْتُوبَةِ بِلِسَانٍ غَيْرِ لِسَانِ أَقْوَامِهِمْ، يَقْضُونَ سَحَابَةَ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ يَفْرِزُونَهَا وَرَقَةً وَرَقَةً، وَسَطْرًا سَطْرًا، وَكَلِمَةً كَلِمَةً، بَصَبْرٍ لَا يَنْفَدُ وَعَزِيمَةٍ لَا تَكِلُّ، وَيَكَابِدُونَ كُلَّ مَشَقَّةٍ فِي الْفَهْمِ وَالْوُقُوفِ عَلَى أَسْرَارِ الْمَعَانِي الْمَخْبُوءَةِ تَحْتَ رُمُوزِ الْأَلْفَاظِ الْعَرَبِيَّةِ أَوْ غَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ فِي كُلِّ عِلْمٍ وَمَعْرِفَةٍ وَفَنٍّ، دُيْنَا كَانَ، أَوْ أَدَبًا، أَوْ لُغَةً، أَوْ شِعْرًا، أَوْ تَارِيخًا، أَوْ عِلْمَ بُلْدَانَ (جُغْرَافِيَّةً)، أَوْ طِبًّا، أَوْ رِيَاضَةً، أَوْ فَلَكًا، أَوْ صِنَاعَاتٍ وَآلَاتٍ.

كُلُّ ذَلِكَ يَدْرِسُونَهُ بِدِقَّةٍ وَنِظَامٍ وَتَرْتِيبٍ، وَبِتَعَاوُنٍ كَامِلٍ بَيْنَهُمْ مَهْمَا تَبَاعَدَتْ بِلَادُهُمْ وَأَوْطَانُهُمْ.

ثُمَّ لَا تَنْقَطِعُ لَهُمْ رِحْلَةٌ فِي قَلْبِ دَارِ الْإِسْلَامِ وَفِي أَطْرَافِهَا، يَجِسُّونَ وَيُجَرِّبُونَ وَيَخْتَبِرُونَ، وَيَتَعَلَّمُونَ وَيَسْأَلُونَ، وَيَجْمَعُونَ كُلَّ خِبْرَةٍ وَكُلَّ تَجْرِبَةٍ وَكُلَّ مَعْرِفَةٍ، وَكُلَّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ يُعِينُهُمْ عَلَى الدَّرْسِ وَالِاسْتِفَادَةِ، وَعَلَى فَهْمِ أَسْرَارِ هَذَا الْعَالَمِ الْغَرِيبِ الَّذِي كَانَ بِالْأَمْسِ مُمْتَنِعًا عَلَى الِاخْتِرَاقِ قُرُونًا طِوَالًا.

وَلَمَّا كَانَتْ هَذِهِ الْمَخْطُوطَاتُ الَّتِي يَعْكِفُ نَفَرٌ مِنْهُمْ عَلَى دِرَاسَتِهَا مُتَفَرِّقَةً فِي الْبِلَادِ وَحَبِيسَةً تَحْتَ يَدِ عَدَدٍ قَلِيلٍ جِدًّا قَدْ يَكُونُ رَجُلًا وَاحِدًا فِي قَرْيَةٍ أَوْ دَيْرٍ، عَمَدُوا إِلَى نَشْرِ بَعْضِهَا مَطْبُوعَةً؛ لِتَكُونَ تَحْتَ يَدِ كُلِّ دَارِسٍ مُسْتَشْرِقٍ فِي أَيِّ بَلَدٍ كَانَ مِنْ بِلَادِ أُورُبَّةَ، وَلِكَيْ تَكُونَ الْفَائِدَةُ أَكْثَرَ تَمَامًا، وَالْجُهْدُ أَكْثَرَ جَدْوَى؛ أَنْشَئُوا -أَيْضًا- مَجِلَّاتٍ بِكُلِّ لِسَانٍ مِنْ أَلْسِنَتِهِمْ، يَنْشُرُ فِيهَا كُلُّ مُسْتَشْرِقٍ نَتَائِجَ بَحْثِهِ وَدِرَاسَتِهِ، وَيَعْرِضُ كُلَّ تَجَارِبِهِ وَخِبْرَتِهِ وَمُلَاحَظَاتِهِ، لِتَكُونَ عَوْنًا لِكُلِّ دَارِسٍ مُسْتَشْرِقٍ وَغَيْرِ مُسْتَشْرِقٍ، وَهِيَ مَجِلَّاتُ الدِّرَاسَاتِ الْإِسْلَامِيَّةِ أَوِ الشَّرْقِيَّةِ)).

حَمَلَ الْمُسْتَشْرِقُونَ الْعِبْءَ الْأَوَّلَ، فَنَقَلُوا إِلَى أَقْوَامِهِمْ مِنَ الْمُشْتَغِلِينَ بِالْعِلْمِ عِنْدَهُمْ كُلَّ مَا يَتَعَلَّقُ بِعُلُومِ الْمُسْلِمِينَ الَّتِي اسْتَنْبَطُوهَا وَاسْتَخْرَجُوهَا، وَجَادَتْ بِهَا قَرَائِحُهُمْ، فَصَنَّفُوهَا وَحَرَّرُوهَا، وَجَاءَ هَؤُلَاءِ فَنَقَلُوا ذَلِكَ كُلَّهُ إِلَى أُورُبَّةَ، ثُمَّ تَجَسَّسُوا عَلَى كُلِّ أَمْرٍ يَخُصُّ دَارَ الْإِسْلَامِ، حَتَّى وَصَلُوا إِلَى النِّسَاءِ بِأَخْبَارِهِنَّ فِي خُدُورِهِنَّ، فَنَقَلُوا ذَلِكَ إِلَى أَقْوَامِهِمْ، حَتَّى إِذَا أَرَادُوا أَنْ يَغْزُوا دَارَ الْإِسْلَامِ كَانُوا عَلَى بَصِيرَةٍ مِنْ مَوَاطِئِ أَقْدَامِهِمْ.

ثُمَّ حَمَلُوا هَذَا الْعِبْءَ الْجَدِيدَ الثَّالِثَ، وَهُوَ أَنْ يُشَوِّهُوا صُورَةَ الْإِسْلَامِ، وَصُورَةَ الْمُسْلِمِينَ، وَصُورَةَ عُلُومِ الْإِسْلَامِ الْعَظِيمِ، وَصُورَةَ النَّبِيِّ الْكَرِيمِ ﷺ عَلَى مَنْهَجٍ مَقْبُولٍ عِنْدَ كُلِّ أُورُبِّيٍّ؛ فَالْمُسْتَشْرِقُونَ إِنَّمَا كَتَبُوا ذَلِكَ لِأَجْلِ قَوْمِهِمْ، لَمْ يَكْتُبِ الْمُسْتَشْرِقُونَ مَا كَتَبُوهُ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْقُرْآنِ، وَبِالنَّبِيِّ، وَبِاللُّغَةِ، وَبِالْأَدَبِ، وَبِالشِّعْرِ، وَبِمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمُسْلِمِينَ وَعُلُومِهِمْ وَأَحْوَالِهِمْ وَعَادَاتِهِمْ وَتَقَالِيدِهِمْ.. لَمْ يَكْتُبُوا ذَلِكَ لِلْعَامَّةِ، وَإِنَّمَا كَتَبُوهُ لِلْمُثَقَّفِ الْأُورُبِّيِّ؛ لِكَيْ يُكَوِّنَ مَنَاعَةً بِذَلِكَ عِنْدَهُ مِنْ أَنْ يَتَوَرَّطَ فِي الدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ، وَفِي الِانْبِهَارِ بِحَضَارَةِ الْمُسْلِمِينَ!!

هَذَا أَمْرٌ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ رَاسِخًا فِي قُلُوبِنَا؛ لِأَنَّ كَثِيرًا مِنَ الَّذِينَ يُقَالُ لَهُمْ رَادَةً، وَمِمَّنْ يُوصَفُونَ بِأَنَّهُمْ قَادَةٌ يُزَيِّفُونَ ذَلِكَ كُلَّهُ عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْمُثَقَّفِينَ وَطُلَّابِ الْعِلْمِ، وَيَقُولُونَ: إِنَّ هَؤُلَاءِ الْمُسْتَشْرِقِينَ إِنَّمَا كَتَبُوا مَا كَتَبُوا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْإِسْلَامِ وَعُلُومِهِ، وَأَحْوَالِهِ، وَأَحْوَالِ أَهْلِهِ، وَأَحْوَالِ دِيَارِهِمْ.. كَتَبُوا ذَلِكَ بِطَرِيقَةٍ مَوْضُوعِيَّةٍ، وَعَلَى مَنْهَجٍ عِلْمِيٍّ مُنْضَبِطٍ!! حَاشَا وَكَلَّا، وَإِنَّمَا أَرَادُوا أَنْ يُصَوِّرُوا صُورَةً لِلْعَالَمِ الْإِسْلَامِيِّ لِلْمُثَقَّفِ الْأُورُبِّيِّ.

لَقَدْ سُرِقْنَا.. ارْجِعْ إِلَى كِتَابِ ((تَارِيخِ الْعِلْمِ)) لِـ(جُورْج سَارْتُون).. ارْجِعْ فَقَدْ شَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا.

وَارْجِعْ إِلَى ((شَمْسُ اللهِ تُشْرِقُ عَلَى الْغَرْبِ)) أَوْ ((شَمْسُ الْإِسْلَامِ تُشْرِقُ عَلَى الْغَرْبِ)) أَوْ فِي التَّحْرِيفِ الْأَخِيرِ لِلِاسْمِ، سَمَّوُا الْكِتَابَ ((شَمْسُ الْعَرَبِ تُشْرِقُ عَلَى الْغَرْبِ)) لِـ(زِغْرِيد هُونْكَه).

وَهِيَ امْرَأَةٌ أَلْمَانِيَّةٌ مُنْصِفَةٌ، وَقَدْ كَتَبَتْ فِي هَذَا الْكِتَابِ مَا يَنْبَغِي أَنْ يَلتَفِتَ إِلَيْهِ كُلُّ مُثَقَّفٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ؛ لِكَيْ يَتَأَمَّلَ فِي حَضَارَةِ أَسْلَافِهِ؛ حَتَّى لَا يُحِسَّ بِالْهَزِيمَةِ النَّفْسِيَّةِ.

كُلُّ مَا حَدَثَ أَنَّنَا تَوَقَّفْنَا عِنْدَ قَدْرٍ مُعَيَّنٍ، فَجَاءَ الْآخَرُونَ فَأَخَذُوا الزِّمَامَ فَتَقَدَّمُوا وَمَا زِلْنَا وَاقِفِينَ، ثُمَّ يُرَادُ الْآنَ إِقْنَاعُنَا بِأَنَّنَا لَا هُنَا وَلَا هُنَاكَ، وَأَنَّنَا لَيْسَ لَنَا مُشَارَكةٌ فِي الْعِلْمِ وَلَا فِي الْحَضَارَةِ.

وَآبَاءُ الْعِلْمِ فِي جَمِيعِ فُرُوعِ الْمَعْرِفَةِ مِنَّا نَحْنُ، وَقَدْ سُرِقْنَا.. نَحْنُ سُرِقْنَا!!

مَنِ الَّذِي اكْتَشَفَ الدَّوْرَةَ الدَّمَوِيَّةَ؟!!

(ابْنُ النَّفِيسِ).

وَمَنِ الَّذِي سَرَقَهَا؟!!

(وِلْيَام هَارْفِي) سَرَقَهَا سَرِقَةً قَبِيحَةً.

وَكَذَلِكَ مَا تَوَصَّلَ إِلَيْهِ ابْنُ الْهَيْثَمِ فِي مَسْأَلَةِ الْبَصَرِيَّاتِ مَا زَالَ تُرَاثًا إِلَى الْيَومِ مُعْجِبًا جِدًّا، وَقَائمًا عَلَى أُصُولٍ عِلْمِيَّةٍ أَسَاسِيَّةٍ لَا تَخْتَلُّ، وَسُرِقَ هَذَا التُّرَاثُ كُلُّهُ!!

نُسِخَ وَمُسِخَ، ثُمَّ نُسِبَ إِلَى الْآخَرِينَ، وَنَحْنُ مَا زِلْنَا إِلَى الْيَومَ نَتَفَرَّجُ -وَهِيَ فَصِيحَةٌ- عَلَى هَذَا الرَّكْبِ يَسِيرُ وَكَأَنَّ الْأَمرَ لَا يَعْنِينَا لَا فِي قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ، وَالْأَمْرُ جِدُّ خَطِيرٍ.

هَذَا الْمُحْتَوَى اللُّغَوِيُّ تَحَمَّلَ هَذِهِ الْعُلُومَ فِي حِرْفِيَّتِهَا وَتِقْنِيَّتِهَا.. كَذَا نَقُولُ، نَعَمْ؛ نَحْنُ الَّذِينَ أَسَّسْنَا فِكْرَةَ الْمُحَرِّكِ السُّدَاسِيِّ الَّذِي غَيَّرَ وَجْهَ الْأَرْضِ، وَتَغَيَّرَت بِسَبَبِهِ أُصُولُ وَسُبُلُ وَصُوَرُ الْحَضَارَةِ.

نَحنُ الَّذِينَ صَنَعْنَاهُ، الْمُسْلِمُونَ هُمُ الَّذِينَ وَضَعُوا هَذِهِ الْأُصُولَ؛ بَلْ عَمِلُوا بِهَا، وَقَدْ تَظُنُّ أَنَّ الَّذِينَ فَعَلُوا ذَلِكَ كَانُوا حِرْفِيِّينَ بِدَرَجَةٍ فَائِقَةٍ، فَلَا يَدْرُونَ مِنْ أَمْرِ الشَّرْعِ شَيئًا.

كَلَّا؛ الْإِمَامُ الْقَرَافِيُّ الْمَالِكِيُّ إِمَامٌ أُصُولِيٌّ فَقِيهٌ مِنْ أَعْظَمِ الْأَئِمَّةِ، وَمِنْ أَعْظَمِ الْفُقَهَاءِ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ، وَمِنْ أَعْظَمِ الْعُلَمَاءِ عَلَى مَدَارِ تَارِيخِ هَذِهِ الْحَضَارَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ فِي الْمَسَائلِ الْعَمَلِيَّةِ، وَلَيْسَ فِي الْمَسَائِلِ النَّظَرِيَّةِ، وَهَذَا الرَّجُلُ صَنَعَ أَمرًا غَرِيبًا -فَقِيهٌ أُصُولِيٌّ يَكتُبُ فِي ((تَنْقِيحِ الْفُصُولِ)) كَلَامًا فِي الْأُصُولِ لَا يَفْهَمُهُ الْآنَ إِلَّا أَقَلُّ الْقَلِيلِ-، الرَّجُلُ صَنَعَ صَنِيعًا بَدِيعًا عَجِيبًا.

صَنَعَ آلَةً لهَا شُرُفَاتٌ مِنْ أَعْلَى، وَهَذِهِ الشُّرُفَاتُ تَدُورُ مَعَ دَوَرانِ الْآلَةِ عَلَى مِحْورٍ بِطَرِيقَةٍ مَا صَمَّمَهَا هُوَ، وَوَضَعَ أُصُولَهَا وَنَظرِيَّتَهَا، وَقَامَ عَلَى أَسَاسِهَا هَذَا الِاخْتِرَاعُ الَّذِي اخْتَرَعَهُ؛ بِحَيْثُ إنَّهُ فِي كُلِّ سَاعَةٍ أَنْوَارٌ مُخْتَلِفَاتٌ فِي اثْنَيْ عَشَرَ مَنْفَذًا، تُفْتَحُ شُرْفَتَانِ مِنْ كُلِّ مَنْفَذٍ بِضَوءٍ مُعَيَّنٍ، وَيَخْرُجُ مِنْهَا دِيكٌ يُعْلِنُ عَنِ السَّاعَةِ.

فَهَذِهِ سَاعَةٌ مُتَحَرِّكَةٌ صَنَعَهَا الرَّجُلُ -رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ-؛ وَلَكِنْ يَقُولُ مَعَ الْأَسَى وَالْأَسَفِ: وَلَكِنِّي لَمْ أسْتَطِعْ أَنْ أَجْعَلَ الدِّيكَ يَصِيحُ -رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ-.

وَهُوَ فَقِيهٌ أُصُولِيٌّ نَظَّارٌ! لَا عَلَاقَةَ لَهُ بِأَمْثَالِ هَذِهِ الأَشْيَاءِ!!

هَذِهِ تُسَمَّى عِنْدَ الْعَرَبِ الْمُتَقَدِّمِينَ: الْحِيَلُ الْمِيكَانِيكِيَّةُ.

وَهُمُ الَّذِينَ اكْتَشَفُوا قُوَّةَ الْبُخَارِ.

وَلَكِنْ كَانَ رَكْبُ الْعِلْمِ الْمَادِّيِّ يَتَقَدَّمُ، وَرَكْبُ الْإِدَارَةِ يَتَخَلَّفُ، وَوَقَعَتِ الْأُمَّةُ فِي الْخِلَافِ الْمَذْهَبِيِّ مِنْ حَيْثُ الْفِقْهُ، وَمِنْ حَيْثُ الِاعْتِقَادُ، وَمِنْ حَيْثُ الْأَجْنَاسُ؛ فَصَارَتْ دُوَيْلَاتٍ مُتَطَاحِنَاتٍ؛ وَحِينَئِذٍ تَخَلَّفَتِ الْأُمَّةُ عَنْ مُسَايَرَةِ الرَّكْبِ مِنْ حَيْثُ مُوَاصَلَةُ هَذَا الطَّرِيقِ الْعِلْمِيِّ إِلَى نِهَايَتِهِ، وَكَانَ هُنَاكَ مَنْ يَتَلَمَّظُ مِنْ أَجْلِ أَنْ يَلْتَهِمَ هَذَا الَّذِي وَصَلَ إِلَيْهِ العَرَبُ وَالمُسْلِمُونَ عَامَّةً.

فَلَمَّا ضَعُفَ الْعَرَبُ وَضَعُفَ الْمُسْلِمُونَ؛ أَتَى هَؤُلَاءِ فَأَسَّسُوا عِلْمًا عَلَى مَا وَصَلَ إِلَيْهِ الْعَرَبُ، وَأَمَّا نَحْنُ فَرُحْنَا فِي سُبَاتٍ عَمِيقٍ!!

((رَدُّ شُبُهَاتِ الطَّاعِنِينَ فِي أَنَّ الْإِسْلَامَ دِينُ الرُّقِيِّ وَالتَّقَدُّمِ))

لَقَدِ اعْتَرَفَ الْمُحَقِّقُونَ الْمُنْصِفُونَ أَنَّ كُلَّ عِلْمٍ نَافِعٍ دِينِيٍّ أَوْ دُنْيَوِيٍّ أَوْ سِيَاسِيٍّ قَدْ دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ دَلَالَةً لَا شَكَّ فِيهَا؛ فَلَيْسَ فِي شَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ مَا تُحِيلُهُ الْعُقُولُ، وَإِنَّمَا فِيهِ مَا تَشْهَدُ الْعُقُولُ السَّلِيمَةُ الزَّكِيَّةُ بِصِدْقِهِ وَنَفْعِهِ وَصَلَاحِهِ، وَكَذَلِكَ أَوَامِرُهُ كُلُّهَا عَدْلٌ، لَا حَيْفَ فِيهَا وَلَا ظُلْمَ؛ فَمَا أَمَرَ بِشَيْءٍ إِلَّا وَهُوَ خَيْرٌ خَالِصٌ أَوْ رَاجِحٌ، وَمَا نَهَى عَنْ شَيْءٍ إِلَّا وَهُوَ شَرٌّ خَالِصٌ، أَوْ مَا تَزِيدُ مَفْسَدَتُهُ عَلَى مَصْلَحَتِهِ، وَكُلَّمَا تَدَبَّرَ الْعَاقِلُ اللَّبِيبُ أَحْكَامَ الْإِسْلَامِ قَوِيَ إِيمَانُهُ وَإِخْلَاصُهُ، وَعِنْدَمَا يَتَأَمَّلُ مَا يَدْعُو إِلَيْهِ هَذَا الدِّينُ الْقَوِيمُ يَجِدُهُ يَدْعُو إِلَى مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، يَدْعُو إِلَى الصِّدْقِ وَالْعَفَافِ وَالْعَدْلِ، وَحِفْظِ الْعُهُودِ، وَأَدَاءِ الْأَمَانَاتِ، وَالْإِحْسَانِ إِلَى الْيَتِيمِ وَالْمِسْكِينِ، وَحُسْنِ الْجِوَارِ، وَإِكْرَامِ الضَّيْفِ، وَالتَّحَلِّي بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ.

يَدْعُو إِلَى تَحْصِيلِ التَّمَتُّعِ بِلَذَائِذِ الْحَيَاةِ فِي قَصْدٍ وَاعْتِدَالٍ، يَدْعُو إِلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى، وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ، وَالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ، لَا يَأْمُرُ إِلَّا بِمَا يَعُودُ عَلَى الْعَالَمِ بِالسَّعَادَةِ وَالْفَلَاحِ، وَلَا يَنْهَى إِلَّا عَمَّا يَجْلِبُ الشَّقَاءَ وَالْمَضَرَّةَ لِلْعِبَادِ.

فَلَيْسَ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ جُحُودًا وَلَا رُجُوعًا إِلَى الْوَرَاءِ، وَإِنَّمَا هُوَ الْحَقُّ وَالنُّورُ وَالْحَيَاةُ وَالرُّشْدُ الَّذِي لَا حَيَاةَ لِلْوُجُودِ وَلَا لِلْقُلُوبِ وَلَا لِلدُّنْيَا إِلَّا بِهِ، وَلَا نُورَ إِلَّا بِاقْتِبَاسِ نُورِهِ، وَهُوَ الْمُوقِظُ لِلْهِمَمِ وَالْعَزَائِمِ إِلَى كُلِّ خَصْلَةٍ حَمِيدَةٍ، وَإِلَى كُلِّ رُقِيٍّ صَحِيحٍ وَتَقَدُّمٍ نَافِعٍ.

فَإِنَّ مِنْ أُصُولِ الشَّرِيعَةِ الْكُبْرَى: وُجُوبَ الْعَمَلِ بِالْأَسْبَابِ النَّافِعَةِ، مَقَاصِدِهَا وَوَسَائِلِهَا، وَالْحَثَّ عَلَى كُلِّ عَمَلٍ صَالِحٍ وَمَصْلَحَةٍ، وَالِاسْتِعَانَةَ بِاللهِ فِي تَحْقِيقِ ذَلِكَ مَعَ بَذْلِ الْجُهْدِ.

وَمِنَ الْمَعْلُومِ: أَنَّ مَنْ تَحَقَّقَ بِهَذَيْنِ الْأَصْلَيْنِ وَهُمَا: بَذْلُ الْمَجْهُودِ فِي كُلِّ أَمْرٍ نَافِعٍ، وَالِاسْتِعَانَةُ بِالْمَعْبُودِ-؛ فَإِنَّهُ لَا يَزَالُ فِي تَقَدُّمٍ وَرُقِيٍّ مُطَّرِدٍ فِي إِصْلَاحِ الدِّينِ، وَفِي إِصْلَاحِ الدُّنْيَا الْمُعِينَةِ عَلَى الدِّينِ، كَمَا قَالَ ﷺ: ((احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللهِ)).

وَكَمْ فِي كِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ الرَّسُولِ مِنَ الْأَمْرِ بِكُلِّ عَمَلٍ نَافِعٍ، وَالْحَثِّ عَلَى التَّقَدُّمِ الصَّحِيحِ النَّافِعِ لِلْأَفْرَادِ وَالْجَمَاعَاتِ وَالشُّعُوبِ وَالْحُكُومَاتِ، وَأَمَّا الْعُلُومُ الْمَادِّيَّةُ الْخَالِيَةُ مِنْ رُوحِ الدِّينِ وَرَحْمَتِهِ؛ فَإِنَّهَا تُقَدِّمُ إِلَى الْهَلَاكِ وَالدَّمَارِ، وَتُقَدِّمُ إِلَى هَدْمِ كُلِّ خُلُقٍ جَمِيلٍ، وَالِاتِّصَافِ بِكُلِّ خُلُقٍ رَذِيلٍ، وَالْمُشَاهَدَةُ وَالْحِسُّ أَكْبَرُ شَاهِدٍ عَلَى ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ مُحَالٌ أَنْ يَحْصُلَ التَّقَدُّمُ الصَّحِيحُ إِلَّا إِذَا صَحِبَهُ الدِّينُ الصَّحِيحُ الْمُلَازِمُ لِلْحَقِّ؛ فَإِنَّ الْبَاطِلَ -وَإِنْ كَانَ لَهُ نَوْعُ صَوْلَةٍ- فَعَاقِبَتُهُ الزَّوَالُ وَالِاضْمِحْلَالُ، وَمُنْتَهَاهُ الْخَسَارَةُ وَالْهَلَاكُ.

عِنْدَ الْمُلْحِدِينَ أَنَّ التَّجْدِيدَ وَالرُّقِيَّ هُوَ الِانْدِمَاجُ فِي مَعْنَوِيَّةِ الْأَجَانِبِ أَعْدَاءِ الْأَدْيَانِ كُلِّهَا، وَزَوَالُ شَخْصِيَّاتِهِمْ فِي شَخْصِيَّاتِ أُولَئِكَ، وَالتَّشَبُّهُ بِهِمْ فِي أَخْلَاقِهِمْ، وَلِبَاسِهِمْ، وَحَرَكَاتِهِمْ، وَعَوَائِدِهِمُ الدَّقِيقَةِ وَالْجَلِيلَةِ، فَيَرَوْنَ الِانْسِلَاخَ مِنْ دِينِ اللهِ الَّذِي هُوَ الْحَقُّ، وَمِنْ أَخْلَاقِهِ الْجَمِيلَةِ.. يَرَوْنَ ذَلِكَ التَّقَدُّمَ وَالرُّقِيَّ!!

فَاسْتَبْدَلُوا الْأَدْنَى الْخَسِيسَ بِالْأَعْلَى الْكَامِلِ النَّفِيسِ -وَالْبَاءُ تَدْخُلُ عَلَى الْمَتْرُوكِ-، وَصَارُوا مَعَ أَعْدَائِهِمْ فِي ظَاهِرِهِمْ وَبَاطِنِهِمْ، وَكَانُوا بِذَلِكَ أَكْبَرَ سِلَاحٍ لِلْأَعْدَاءِ عَلَى دِينِهِمْ وَقَوْمِهِمْ؛ وَلِهَذَا كَانُوا يُقَلِّدُونَ الْأَجَانِبَ فِي الْأُمُورِ الضَّارَّةِ، وَأَمَّا مَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي تَنْفَعُ إِذَا انْضَمَّ إِلَيْهَا الدِّينُ؛ فَهُمْ أَبْعَدُ النَّاسِ عَنْهَا كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ مِنْ أَحْوَالِهِمْ.

وَمِمَّا يُرَوِّجُ بِهِ الْمُنْحَرِفُونَ بَاطِلَهُمْ: لَهْجُهُمُ الشَّدِيدُ بِالثَّقَافَةِ الْعَصْرِيَّةِ؛ زَاعِمِينَ أَنَّ الْأَخْلَاقَ لَا تَتَهَذَّبُ وَلَا تَتَعَدَّلُ إِلَّا بِالثَّقَافَةِ الْعَصْرِيَّةِ، وَيَطْنِبُونَ فِي مَدْحِهَا وَمَدْحِ الْمُثَقَّفِينَ فِيهَا، وَفِي ذَمِّ مَنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ هَذِهِ الثَّقَافَةُ وَالسُّخْرِيَةُ مِنْهُمْ، وَهُمْ يُفَسِّرُونَهَا تَفَاسِيرَ مُتَبَايِنَةً مُنْحَرِفَةً، كُلٌّ يَتَكَلَّمُ بِمَا يَخْطُرُ لَهُ؛ لِأَنَّ الْعُلُومَ إِذَا كَانَتْ فَوْضَى وَالْأَخْلَاقَ تَتْبَعُهَا هَكَذَا؛ يَكُونُ أَهْلُهَا لَا يَتَّفِقُونَ فِي آرَائِهِمْ وَنَظَرِيَّاتِهِمْ عَلَى شَيْءٍ.

وَكُلُّ أَقْوَالِهِمْ تَرْجِعُ إِلَى هُبُوطِ الدِّينِ وَالْأَخْلَاقِ، وَإِنَّمَا الثَّقَافَةُ الصَّحِيحَةُ وَالتَّهْذِيبُ النَّافِعُ هُوَ مَا جَاءَ بِهِ الدِّينُ الْإِسْلَامِيُّ الَّذِي هَذَّبَ الْعَقَائِدَ عَنِ الشِّرْكِ وَالْوَثَنِيَّاتِ، وَهَذَّبَ الْأَخْلَاقَ عَنْ كُلِّ خُلُقٍ رَذِيلٍ، وَهَذَّبَ الْأَعْمَالَ وَالْآدَابَ حَتَّى اسْتَقَامَتْ بِهَا الْأُمُورُ، وَصَلَحَتْ بِهَا الْأَحْوَالُ، وَجَمَعَتْ بَيْنَ الدِّينِ وَالدُّنْيَا، وَبَيْنَ تَقْوِيمِ الْمَعْنَوِيَّاتِ النَّافِعَةِ وَالْمَادِّيَّاتِ الْمُعِينَةِ عَلَيْهَا.

وَذَلِكَ أَنَّ الْمُشَاهَدَةَ شَاهِدَةٌ بِمَا ذَكَرْنَا؛ فَإِنَّ الْعُلُومَ الْعَصْرِيَّةَ وَالْمُخْتَرَعَاتِ مَعَ تَوَسُّعِهَا وَتَبَحُّرِهَا حَيْثُ كَانَتْ خَالِيَةً مِنَ الدِّينِ عَجَزَتْ كُلَّ الْعَجْزِ عَنْ إِصْلَاحِ الْأَخْلَاقِ، وَاكْتِسَابِهَا لِلْفَضَائِلِ الصَّحِيحَةِ، وَعَنْ تَرَفُّعِهَا عَنِ الرَّذَائِلِ، وَإِنَّمَا الَّذِي يَتَكَفَّلُ بِهَذَا الْإِصْلَاحِ، وَيَتَوَلَّى هَذَا التَّهْذِيبَ النَّافِعَ، وَيُوَجِّهُ إِلَى كُلِّ خَيْرٍ، وَيَزْجُرُ عَنْ كُلِّ شَرٍّ: هُوَ دِينُ الْإِسْلَامِ؛ فَإِنَّهُ مُصْلِحٌ لِلظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ، لِأُمُورِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا، وَمَنْ نَظَرَ إِلَى أُصُولِهِ وَفُرُوعِهِ، وَإِلَى مَا دَعَا إِلَيْهِ وَحَثَّ، وَإِلَى مَا زَجَرَ عَنْهُ وَنَفَّرَ مِنْهُ؛ وَجَدَ الْأَمْرَ كَمَا ذَكَرْنَا؛ بَلْ فَوْقَ ذَلِكَ، وَاللهُ الْمُوَفِّقُ.

وَلَا تَنْظُرْ إِلَى مَنْ تَسَمَّى بِالْإِسْلَامِ وَنَبَذَ أَخْلَاقَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ وَتَحْتَجَّ بِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ فِي ضَعَتِهِ وَجُمُودِهِ وَهُبُوطِ أَخْلَاقِهِ؛ فَإِنَّ الْإِسْلَامَ بَرِيءٌ مِمَّنْ هَذِهِ حَالُهُ، وَإِنْ تَسَمَّى بِالْإِسْلَامِ فَلَيْسَ لَهُ مِنْهُ إِلَّا رَسْمُهُ؛ فَإِنَّ دِينَ الْإِسْلَامِ دِينُ الرِّفْعَةِ وَالرُّقِيِّ الصَّحِيحِ، فَتَعَالِيمُهُ وَإِرْشَادَاتُهُ وَأَخْلَاقُهُ وَأَعْمَالُهُ كُلُّهَا فِي غَايَةِ الْإِحْكَامِ وَالِانْتِظَامِ فِي رَسَائِلِهَا وَمَقَاصِدِهَا، وَهِيَ الْغَايَةُ فِي تَوْجِيهِ الْمُتَّصِفِينَ بِهَا إِلَى كُلِّ خَيْرٍ وَصَلَاحٍ وَإِصْلَاحٍ كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ مِنْ حَالِ أَوَّلِ هَذِهِ الْأُمَّةِ الْقَائِمِينَ بِهِ حَقِيقَةً، الَّذِينَ مَلَأُوا الدُّنْيَا عَدْلًا وَرَحْمَةً وَصَلَاحًا وَإِصْلَاحًا لِلْأَحْوَالِ كُلِّهَا، وَبِهِمْ يُضْرَبُ الْمَثَلُ فِي الْكَمَالِ الْإِنْسَانِيِّ، فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَعْرِفَ آثَارَ الدِّينِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى أَمْثَالِ هَؤُلَاءِ، وَأَمَّا مَنْ أَرَادَ الْمُكَابَرَةَ وَالتَّغْرِيرَ فَلَهُ نَظَرٌ آخَرُ!

يَقُولُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: هَذَا وَقْتُ الْعِلْمِ وَالْمَعَارِفِ وَالرُّقِيِّ، وَمَقْصُودُهُمْ بِهَذَا: الْإِعْرَاضُ عَنِ الْمَاضِي وَعَنْ عُلُومِ الدِّينِ، وَالتَّزْهِيذُ فِيهَا، وَقَدْ صَدَقُوا مِنْ جِهَةٍ، وَكَذَبُوا مِنْ جِهَاتٍ أُخَرَ.

قَدْ صَدَقُوا أَنَّهُ وَقْتُ التَّرَقِّي فِي الْعُلُومِ وَالصِّنَاعَاتِ وَالْمُخْتَرَعَاتِ وَمَا يَرْجِعُ إِلَى الْمَادِّيَّاتِ وَالطَّبِيعِيَّاتِ، وَقَدْ كَذَبُوا أَفْظَعَ الْكَذِبِ؛ حَيْثُ حَصَرُوا الْعِلْمَ بِهَذَا النَّوْعِ، وَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ الْعِلْمَ الْحَقِيقِيَّ النَّافِعَ هُوَ الْعِلْمُ بِمَا جَاءَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، الْكَفِيلُ بِكُلِّ خَيْرٍ دِينِيٍّ وَدُنْيَوِيٍّ وَأُخْرَوِيٍّ.

وَالْعِلْمُ النَّافِعُ مِنْ عُلُومِ الصِّنَاعَاتِ وَالْمُخْتَرَعَاتِ دَاخِلٌ فِي ضِمْنِ هَذَا؛ بَلِ الْعِلْمُ الدِّينِيُّ هُوَ الَّذِي يُصَيِّرُ الْعُلُومَ الطَّبِيعِيَّةَ وَالصِّنَاعِيَّةَ نَافِعَةً نَفْعًا صَحِيحًا، وَهُوَ الَّذِي يُوَجِّهُهَا إِلَى نَفْعِ النَّوْعِ الْإِنْسَانِيِّ، وَيَمْنَعُهَا مِنَ التَّهَوُّرِ الْمُهْلِكِ.

وَلِهَذَا نَقُولُ: وَقَدْ كَذَبُوا -أَيْضًا- مِنْ جِهَةِ أَنَّ هَذِهِ الْعُلُومَ الَّتِي افْتَخَرُوا بِهَا لَمْ يُوَجِّهُوهَا التَّوْجِيهَ النَّافِعَ، بَلِ اسْتَعْمَلُوهَا فِيمَا يَضُرُّ الْخَلْقَ، فِي الْإِهْلَاكِ وَالْإِفْنَاءِ وَالتَّدْمِيرِ، فَهِيَ مِنْ أَعْظَمِ النِّعَمِ؛ وَلَكِنَّهَا بِاسْتِعْمَالِهِمْ إِيَّاهَا كَانَتْ مِنْ أَكْبَرِ النَّكْبَاتِ وَالنِّقَمِ.

وَهَذَا مِنَ الْمَعْلُومِ الَّذِي لَا رَيْبَ فِيهِ؛ أَنَّ الشَّيْءَ الَّذِي لَا يَتَوَلَّى الدِّينُ الصَّحِيحُ تَوْجِيهَهُ فَهُوَ مُنْعَكِسٌ ضَرَرُهُ أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِ.

وَقَدْ صَدَقُوا أَنَّهُ زَمَانُ تَرَقِّي الْمَادِّيَّاتِ الْجَافَّةِ، وَقَدْ كَذَبُوا فِي إِطْلَاقِهِمُ التَّرَقِّي، فَيَظُنُّ الظَّانُّ أَنَّهُ تَرَقٍّ فِي كُلِّ شَيْءٍ، إِنَّمَا هُوَ تَرَقٍّ فِي الصِّنَاعَاتِ وَالْمُخْتَرَعَاتِ، لَا فِي الْأَخْلَاقِ الْفَاضِلَةِ وَالدِّيَانَاتِ، فَلَا يَنْفَعُ التَّرَقِّي فِي الْمَادِّيَّاتِ إِذَا هَبَطَتِ الْأَخْلَاقُ الَّتِي عَلَيْهَا الْمَدَارُ فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَالْأَخْلَاقُ هِيَ الَّتِي تُصْلِحُ الْأَشْيَاءَ، وَلَا تَصْلُحُ الْأُمُورُ بِدُونِهَا كَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ مَحْسُوسٌ؛ فَأَيُّ تَرَقٍّ صَيَّرَ أَهْلَهُ بِمَنْزِلَةِ السِّبَاعِ الضَّارِيَةِ دَأْبُهَا الظُّلْمُ وَالْفَتْكُ وَالِاسْتِعْمَارُ لِلْأُمَمِ الضَّعِيفَةِ، وَسَلْبُهَا حُقُوقَهَا؟!!

فَالتَّرَقِّي الصَّحِيحُ -الَّذِي هُوَ مِنْ آثَارِ الدِّينِ- مِنْ آثَارِهِ الْعَدْلُ، وَالرَّحْمَةُ، وَالْوَفَاءُ بِالْحُقُوقِ، وَالْحَثُّ عَلَى كُلِّ خَيْرٍ، وَالتَّحْذِيرُ مِنْ كُلِّ شَرٍّ، هَذَا هُوَ التَّرَقِّي الَّذِي لَمْ يَشُمُّوا لَهُ رَائِحَةً وَلَا خَطَرَ بِقُلُوبِهِمْ، وَكَيْفَ يَخْطُرُ بِقُلُوبِهِمْ وَقُلُوبُهُمْ مَلْآى بِالْهَلَعِ، وَالْجَشَعِ، وَالزَّهْوِ وَالْكِبْرِ وَالْغُرُورِ، وَمِنْ كُلِّ خُلُقٍ رَذِيلٍ؟!!

وَقَدْ كَذَبُوا -أَيْضًا- فِي زَعْمِهِمْ أَنَّ الْعُلُومَ الْعَصْرِيَّةَ وَالْفُنُونَ الِاخْتِرَاعِيَّةَ النَّافِعَةَ هُمُ الَّذِينَ ابْتَدَأُوهَا، وَأَنَّ الشَّرِيعَةَ الْإِسْلَامِيَّةَ لَمْ تَهْدِ إِلَيْهَا وَلَمْ تُرْشِدْ إِلَى أُصُولِهَا!

وَهَذَا بَهْتٌ عَظِيمٌ وَمُكَابَرَةٌ يَعْرِفُهَا مَنْ لَهُ أَدْنَى نَظَرٍ فِي الدِّينِ الْإِسْلَامِيِّ، وَكَيْفَ أَصَّلَ لِلْعِبَادِ أُصُولًا عَظِيمَةً نَافِعَةً بِهَا صَلَاحُ دُنْيَاهُمْ، كَمَا أَصَّلَ لَهُمْ أُصُولًا نَافِعَةً فِيهَا صَلَاحُ دِينِهِمْ.

نَعَمْ.. لَوْ قَالُوا أَنَّ النَّاسَ فِي هَذَا الْوَقْتِ انْتَفَعُوا بِالْأُصُولِ وَالتَّعَالِيمِ الدِّينِيَّةِ فِي تَرْقِيَةِ الصِّنَاعَاتِ، وَابْتِكَارِ الْمُخْتَرَعَاتِ، وَمَعْرِفَةِ طُرُقِ الِاقْتِصَادِيَّاتِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ؛ وَلَكِنَّهُمْ رَقَّوْهَا تَرْقِيَةً مَبْتُورَةً مَقْطُوعَةَ الصِّلَةِ بِاللهِ وَبِدِينِ اللهِ؛ فَلِهَذَا نَفَعَتْ مِنْ جِهَةٍ، وَضَرَّتْ مِنْ جِهَاتٍ.

نَفَعَتْ بِمَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنْ مَنَافِعِ الْعِبَادِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وَنَفَعَتْ مَنِ اسْتَعَانَ بِهَا عَلَى الدِّينِ وَالْخَيْرِ.

وَضَرَّتْ مِنْ جِهَةِ أَنَّهَا سَبَّبَتْ لِأَهْلِهَا الْوَحْشِيَّةَ وَالْهَمَجِيَّةَ الَّتِي مِنْ آثَارِهَا: الْإِهْلَاكُ، وَالتَّدْمِيرُ، وَالشُّرُورُ الَّتِي لَمْ يُوجَدْ لَهَا نَظِيرٌ فِيمَا سَبَقَتْ، وَضَرَّتْ -أَيْضًا- مِنْ جِهَةِ مَا أَحْدَثَتْ فِي نُفُوسِ أَهْلِهَا مِنَ الزَّهْوِ وَالْغُرُورِ وَالْكِبْرِيَاءِ، وَاسْتِعْبَادِ الضُّعَفَاءِ وَظُلْمِهِمْ، وَهَضْمِ الْحُقُوقِ، وَالشُّرُورِ الْمُتَنَوِّعَةِ.

فَلَوْ أَنَّ هَذِهِ الْمُخْتَرَعَاتِ تَوَلَّى الدِّينُ تَوْجِيهَهَا؛ لَحَصَلَ فِيهَا مِنَ الْمَنَافِعِ أَضْعَافُ أَضْعَافِ مَا شُوهِدَ، وَلَانْدَفَعَتْ مَضَارُّهَا وَشُرُورُهَا، وَلَكَانَتْ مَبْنِيَّةً عَلَى الْخَيْرِ وَالصَّلَاحِ، وَآثَارُهَا الْخَيْرُ وَالْإِصْلَاحُ لِلدِّينِ وَالدُّنْيَا؛ وَلَكِنْ للهِ فِي خَلْقِهِ شُؤُونٌ!!

لَقَدْ أَيْقَظَ الإِسْلامُ لِلْمَجْدِ وَالعُلا   =   بَصَائِرَ أَقْوَامٍ عَنِ المَجْدِ نُوَّمِ

 

فَأشْرَقَ نُورُ الْعِلْمِ مِنْ حُجُرَاتِهِ   =   عَلَى وَجْهِ عَصْرٍ بِالجَهَالَةِ مُظْلِمِ

 

وَدَكَّ حُصُونَ الْجَاهِلِيَّةِ بِالْهُدَى   =   وَقَوَّضَ أَطْنَابَ الضَّلَالِ الْمُخَيَّمِ

 

وَأَنْشَطَ بِالْعِلْمِ الْعَزَائِمَ وَابْتَنَى   =   لِأَهْلِيهِ مَجْدًا لَيْسَ بَالْمُتَهَدِّمِ

 

وَأَطْلَقَ أَذْهَانَ الْوَرَى مِنْ قُيُودِهَا   =   فَطَارَتْ بِأَفْكَارٍ عَلَى الْمَجْدِ حُوَّمِ

 

وَفَكَّ أُسَارَى الْقَوْمِ حَتَّى تَحَفَّزُوا   =   نُهُوضًا إِلَى الْعَلْيَاءِ مِنْ كُلِّ مَجْثِمِ

 

فَخَلُّوا طَرِيقًا لِلْبَدَاوَةِ مَجْهَلَا   =   وَسَارُوا بِنَهْجٍ لِلْحَضَارَةِ مُعْلِمِ

 

فَدَوَّتْ بِمُسْتَنِّ الْعُلَى نَهَضَاتُهُمْ   =   كَزَعْزَعِ رِيحٍ أَوْ كَتَيَّارِ غَيْلَمِ

 

وَعَمَّا قَلِيلٍ طَبَّقَ الْأَرْضَ حُكْمُهُ  =   بِأَسْرَعَ مِنْ رَفْعِ الْيَدَيْنِ إِلَى الْفَمِ

((الْعَقِيدَةُ الصَّحِيحَةُ وَالتَّفَوُّقُ الْعِلْمِيُّ سَبِيلُ تَقَدُّمِ الْأُمَمِ))

لَا شَكَّ أَنَّ الْعِلْمَ -بَعْدَ الْإِيمَانِ بِاللهِ، وَالْعَقِيدَةِ الصَّحِيحَةِ، وَتَوْحِيدِ الرَّبِّ الْعَلِيِّ الْأَعْلَى- أَهَمُّ سُبُلِ تَقَدُّمِ الْأُمَمِ؛ فَبِالْعِلْمِ تُبْنَى الْأُمَمُ، وَتُسْتَصْلَحُ الْأَرَاضِي، وَتَعْظُمُ السُّلَالَاتُ، وَتُدَارُ التِّجَارَاتُ، وَتُطَوَّرُ الصِّنَاعَاتُ، وَتُعَالَجُ الْآفَاتُ، وَتُسْتَخْرَجُ كُنُوزُ الْأَرْضِ مِنَ الْمَعَادِنِ وَغَيْرِهَا.

وَالْأُمَّةُ الْعَظِيمَةُ هِيَ الَّتِي تَبْهَرُ الْعَالَمَ بِمَا تُقَدِّمُهُ مِنْ صَحِيحِ الِاعْتِقَادِ، وَصَادِقِ الْإِيمَانِ، وَخَالِصِ التَّوْحِيدِ، وَمَا تُنْتِجُهُ مِنْ عِلْمٍ وَمَعْرِفَةٍ، وَمَا تُتْقِنُهُ مِنْ زِرَاعَةٍ، وَصِنَاعَةٍ، وَتِجَارَةٍ، وَثَقَافَةٍ، وَمَا تُخْرِجُهُ مِنَ الْأَطِبَّاءِ الْبَارِعِينَ وَالْمُهَنْدِسِينَ الْمُتْقِنِينَ، وَالصُّنَّاعِ الْحِرَفِيِّينَ الْمَاهِرِينَ.

فَمَا أَحْوَجَنَا إِلَى أَنْ نَأْخُذَ بِأَسْبَابِ التَّفَوُّقِ الْعِلْمِيِّ فِي مُخْتَلَفِ الْمَجَالَاتِ، يَقُولُ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة: 123].

((يَقُولُ تَعَالَى -مُنَبِّهًا لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا يَنْبَغِي لَهُمْ- {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً} أَيْ: جَمِيعًا لِقِتَالِ عَدُوِّهِمْ؛ فَإِنَّهُ يَحْصُلُ عَلَيْهِمُ الْمَشَقَّةُ بِذَلِكَ، وَيَفُوتُ بِهِ كَثِيرٌ مِنَ الْمَصَالِحِ الْأُخْرَى، {فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ} أَيْ: مِنَ الْبُلْدَانِ، وَالْقَبَائِلِ، وَالْأَفْخَاذِ {طَائِفَةٌ} تَحْصُلُ بِهَا الْكِفَايَةُ وَالْمَقْصُودُ لَكَانَ أَوْلَى.

ثُمَّ نَبَّهَ عَلَى أَنَّ فِي إِقَامَةِ الْمُقِيمِينَ مِنْهُمْ وَعَدَمِ خُرُوجِهِمْ مَصَالِحَ لَوْ خَرَجُوا لَفَاتَتْهُمْ، فَقَالَ: {لِيَتَفَقَّهُوا} أَيِ: الْقَاعِدُونَ {فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ} أَيْ. لِيَتَعَلَّمُوا الْعِلْمَ الشَّرْعِيَّ، وَيَعْلَمُوا مَعَانِيَهُ، وَيَفْقَهُوا أَسْرَارَهُ، وَلِيُعَلِّمُوا غَيْرَهُمْ، وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ.

فَفِي هَذَا فَضِيلَةُ الْعِلْمِ؛ وَخُصُوصًا الْفِقْهَ فِي الدِّينِ، وَأَنَّهُ أَهَمُّ الْأُمُورِ، وَأَنَّ مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا فَعَلَيْهِ نَشْرُهُ وَبَثُّهُ فِي الْعِبَادِ، وَنَصِيحَتُهُمْ فِيهِ؛ فَإِنَّ انْتِشَارَ الْعِلْمِ عَنِ الْعَالِمِ مِنْ بَرَكَتِهِ وَأَجْرِهِ الَّذِي يُنَمِّي.

وَأَمَّا اقْتِصَارُ الْعَالِمِ عَلَى نَفْسِهِ، وَعَدَمُ دَعْوَتِهِ إِلَى سَبِيلِ اللَّهِ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ، وَتَرْكُ تَعْلِيمِ الْجُهَّالِ مَا لَا يَعْلَمُونَ؛ فَأَيُّ مَنْفَعَةٍ حَصَلَتْ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْهُ؟! وَأَيُّ نَتِيجَةٍ نَتَجَتْ مِنْ عِلْمِهِ؟! وَغَايَتُهُ أَنْ يَمُوتَ؛ فَيَمُوتَ عِلْمُهُ وَثَمَرَتُهُ، وَهَذَا غَايَةُ الْحِرْمَانِ لِمَنْ آتَاهُ اللَّهُ عِلْمًا وَمَنَحَهُ فَهْمًا.

وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ -أَيْضًا- دَلِيلٌ وَإِرْشَادٌ وَتَنْبِيهٌ لَطِيفٌ لِفَائِدَةٍ مُهِمَّةٍ، وَهِيَ: أَنَّ الْمُسْلِمِينَ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يُعِدُّوا لِكُلِّ مَصْلَحَةٍ مِنْ مَصَالِحِهِمُ الْعَامَّةِ مَنْ يَقُومُ بِهَا، وَيُوَفِّرُ وَقْتَهُ عَلَيْهَا، وَيَجْتَهِدُ فِيهَا، وَلَا يَلْتَفِتُ إِلَى غَيْرِهَا؛ لِتَقُومَ مَصَالِحُهُمْ، وَتَتِمَّ مَنَافِعُهُمْ، وَلِتَكُونَ وُجْهَةُ جَمِيعِهِمْ وَنِهَايَةُ مَا يَقْصِدُونَ قَصْدًا وَاحِدًا، وَهُوَ قِيَامُ مَصْلَحَةِ دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ؛ وَلَوْ تَفَرَّقَتِ الطُّرُقُ وَتَعَدَّدَتِ الْمَشَارِبُ؛ فَالْأَعْمَالُ مُتَبَايِنَةٌ، وَالْقَصْدُ وَاحِدٌ، وَهَذِهِ مِنَ الْحِكْمَةِ الْعَامَّةِ النَّافِعَةِ فِي جَمِيعِ الْأُمُورِ)).

((رِسَالَةٌ إِلَى شَبَابِ الْأُمَّةِ))

إِنَّ الْأُمَّةَ الَّتِي عَقَدَتْ رَجَاءَهَا عَلَى رَبِّهَا بِأَخْذِ شَبَابِهَا بِأَسْبَابِ الْقُوَّةِ تَحْصِيلًا وَإِعْمَالًا لَهَا فِي كَوْنِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ؛ لِتَعُودَ لِلْأُمَّةِ رِيَادَتُهَا، وَلِيَعُودَ لِلْأُمَّةِ سَبْقُهَا بِفَضْلِ رَبِّهَا؛ لِأَنَّ الضَّعِيفَ الْعَاجِزَ يُؤَثَّرُ فِيهِ وَلَا يُؤَثِّرُ، وَيَتَأَثَّرُ وَلَا يُؤَثِّرُ، لِأَنَّ الضَّعِيفَ الْعَاجِزَ يَكُونُ الطَّمَعُ فِيهِ قَائِمًا، وَلِأَنَّ الشَّرَّ مَتَى مَا وَجَدَ الْحَقَّ مُتَهَاوِنًا؛ عَدَا عَلَيْهِ بجُنْدِهِ وَرَجِلِهِ وَخَيْلِهِ، وَحَاوَلَ أَنْ يَئِدَهُ فِي مَهْدِهِ -وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ-.

إِنَّ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ أَمَرَنَا بِإِعْدَادِ مَا نَسْتَطِيعُ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ -أَمَرَنَا رَبُّ الْعَالَمِينَ-، وَالْأَمْرُ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ مَتَى مَا أَتَى مِنْ غَيْرِ قَرِينَةٍ صَارِفَةٍ عَنِ الْوُجُوبِ فَهُوَ عَلَى أَصْلِهِ لِلْوُجُوبِ؛ فَهُوَ إِذًا أَمْرٌ وَاجِبٌ حَتْمٌ إِذَا مَا فَرَّطَتْ فِيهِ الْأُمَّةُ عَاقَبَهَا اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ فِي الدُّنْيَا بِذُلٍّ وَخَسْفٍ وَمَهَانَةٍ وَإِحْبَاطٍ، وَعَاقَبَهَا اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ فِي الْآخِرَةِ؛ جَزَاءً وِفَاقًا لِمَا فَرَّطَتْ فِيهِ مِنْ حَمْلِ الْأَمَانَةِ، وَالْأَخْذِ بِتَنْفِيذِ الْأَمْرِ الَّذِي أَمَرَ بِهِ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ.

إِنَّ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ يَعْلَمُ حَالَ الْعَالَمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَخْلُقَهُ، وَيَعْلَمُ حَالَ الْمُسْلِمِينَ فِي كُلِّ حَالٍ وَحِينٍ، وَالْمُسْلِمُونَ يُنَادُونَ فِي الصَّبَاحِ وَفِي الْمَسَاءِ: أَيْنَ أَنْتَ يَا صَلَاحَ الدِّينِ؟!!

وَهَذَا وَهْمٌ كَبِيرٌ جِدًّا؛ لِأَنَّ لِكُلِّ عَصْرٍ دَوْلَةً وَرِجَالًا، وَلِأَنَّهُ لَوْ فُرِضَ أَنَّ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ بَعَثَ الرَّجُلَ الْمُجَاهِدَ الصَّالِحَ -رَحِمَهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ-، فَقَامَ فِي الْأُمَّةِ الْيَوْمَ؛ فَإِنَّهُ لَنْ يُجَيِّشَ الْجُيُوشَ عَلَى سَهْمٍ وَسَيْفٍ، وَلَا عَلَى رُمْحٍ وَخَيْلٍ، وَإِنَّمَا سَيَنْظُرُ فِي أَحْوَالِ الْعَالَمِ مُتَبَصِّرًا، وَيَنْظُرُ فِي أَحْوَالِ الْعَالَمِ مُعْتَبِرًا.

ثُمَّ يُحَاوِلُ أَنْ يَتَمَلَّكَ أَسْبَابَ الْقُوَّةِ الَّتِي عَقَدَتِ الْأُمَّةُ رَجَاءَهَا فِي رَبِّهَا عَلَى شَبَابِهَا؛ مِنْ أَجْلِ أَنْ يَكُونُوا لَهَا مُحَصِّلِينَ وَلَهَا مُهْتَدِينَ؛ مِنْ أَجْلِ أَنْ يَأْخُذُوا بِهَذَا الَّذِي يَبْدَؤُونَهُ مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ الَّذِي يَأْخُذُونَ فِيهِ بِأَسْبَابِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ فِي الْإِقْبَالِ عَلَى الدَّرْسِ، وَبَذْلِ الْجُهْدِ وَالْمَجْهُودِ فِي التَّحْصِيلِ مِنْ غَيْرِ مَا شَقٍّ لِلْحَنَاجِرِ فِي هُتَافٍ وَبِهُتَافٍ لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ، وَإِنَّمَا هُوَ تَبْدِيدٌ لِلطَّاقَاتِ، وَتَضْيِيعٌ لِلْأَوْقَاتِ، ثُمَّ يَبْقَى الْعِلْمُ يَتِيمًا لَيْسَ لَهُ مِنْ أَبٍ يَرْعَاهُ، وَلَا أُمٍّ يُمْكِنُ أَنْ تَحُوطَهُ بِعِنَايَةٍ وَلَا رِعَايَةٍ وَلَا كَلَاءَةٍ، وَيَبْقَى الْعِلْمُ مَهْجُورًا لَا يُقْبِلُ عَلَيْهِ أَحَدٌ.

إِنَّ الْأَمْرَ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ أَنْتُمْ يَا شَبَابَ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْمُتَعَلِّمِينَ فِي الْجَامِعَاتِ الْمِصْرِيَّةِ عَلَى وَجْهِ الْخُصُوصِ، وَمِمَّنْ يَعْمَلُونَ فِيهَا مُعَلِّمِينَ أَوْ مُسَاعِدِينَ، كُلُّ هَؤُلَاءِ جَعَلَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ الْأَمْرَ فِي أَيْدِيهِمْ، وَأَمَّا أَنْ يَذْهَبُوا إِلَى جَامِعَاتِهِمْ يَتَحَلَّقُونَ حِلَقًا هَاتِفِينَ: يَسْقُطُ وَيَعِيشُ، مُتَظَاهِرِينَ مُعْتَصِمِينَ!! وَأَمَّا الْمَعَامِلُ فَخَالِيَةٌ، وَأَمَّا الْبَحْثُ الْعِلْمِيُّ فَدَمَارٌ وَخَرَابٌ!! فَهَذَا أَمْرٌ لَا يَسْتَقِيمُ بِحَالٍ أَبَدًا فِي مَنْطِقِ عَقْلٍ سَوِيٍّ صَحِيحٍ، وَلَا فِي فِطْرَةٍ مُسْتَقِيمَةٍ صَحِيحَةٍ، وَلَا يَسْتَقِيمُ فَضْلًا عَنْ ذَلِكَ فِي دِينٍ.

نَسْأَلُ اللهَ أَنْ يَرْزُقَنَا الْعِلْمَ الصَّحِيحَ الْمُؤَيَّدَ بِالْعَقْلِ وَالنَّقْلِ وَالْفِطْرَةِ، وَهُوَ الْعِلْمُ النَّافِعُ الَّذِي يَعْرِفُهُ الْعَبْدُ مِنْ جَمِيعِ نَوَاحِيهِ، وَهُوَ الْعِلْمُ الَّذِي يَرْبِطُ الْفُرُوعَ بِأُصُولِهَا، وَيَرُدُّ الْأَسْبَابَ وَآثَارَهَا وَنَتَائِجَهَا إِلَى مُسَبِّبِهَا وَإِلَى الَّذِي جَعَلَهَا كَذَلِكَ، وَهُوَ الْعِلْمُ الَّذِي لَا يَنْقَطِعُ صَاحِبُهُ بِالْمَخْلُوقِ عَنْ خَالِقِهِ، وَبِالْآثَارِ عَنْ مُؤَثِّرِهَا، بِالْحِكَمِ وَالْأَسْرَارِ وَالنِّظَامَاتِ الْعَجِيبَةِ عَنْ مُحْكِمِهَا وَمُنَظِّمِهَا وَمُبْدِعِهَا.

وَهَذَا الْعِلْمُ هُوَ الَّذِي يُثْمِرُ الْيَقِينَ، وَتَحْصُلُ بِهِ الطُّمَأْنِينَةُ، وَتَتِمُّ بِهِ السَّعَادَةُ وَالْفَلَاحُ، وَيُثْمِرُ الْأَخْلَاقَ الْجَمِيلَةَ وَالْأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ الْمُصْلِحَةَ لِلدِّينِ

وَالدُّنْيَا.

أَسْأَلُ اللهَ -جَلَّ وَعَلَا- أَنْ يَفْتَحَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فُتُوحَ الْعَارِفِينَ بِحِكْمَتِهِ، وَأَنْ يَهْدِيَهُمْ لِلْأَخْذِ بِأَسْبَابِ الْقُوَّةِ وَالنَّظَرِ فِي وَسَائِلِ الْعِلْمِ وَفِي وَسَائِطِهِ؛ مِنْ أَجْلِ أَنْ يُعِزَّ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ بِهِمُ الْإِسْلَامَ، وَأَنْ يُثَبِّتَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ بِهِمُ الدِّينَ، هُوَ وَلِيُّ ذَلِكَ وَالْقَادِرُ عَلَيْهِ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.

وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ أَجمَعِينَ.

المصدر:التَّفَوُّقُ الْعِلْمِيُّ وَأَثَرُهُ فِي تَقَدُّمِ الْأُمَمِ

 

التعليقات


خطب مفرغة قد تعجبك


  تَكْرِيمُ الْمَرْأَةِ فِي الْإِسْلَامِ وَرَدُّ الشُّبُهَاتِ الْمُثَارَةِ حَوْلَهَا
  أهداف المجوس في المملكة السعودية
  جناية التنوير على المسلمين
  مَفْهُومُ الشَّهَادَةِ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالِادِّعَاءِ
  الصِّدْقُ وَأَثَرُهُ فِي صَلَاحِ الْفَرْدِ وَالْمُجْتَمَعِ
  حرق البشر بين داعش والمجوس
  مِنْ مَظَاهِرِ الْعَظَمَةِ فِي الشَّرِيعَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ السَّمَاحَةُ وَالتَّيْسِيرُ
  مَعَانِي الْخِيَانَةِ وَخَطَرُهَا عَلَى الْأَفْرَادِ وَالْمُجْتَمَعَاتِ
  جناية التكفيريين على الدين
  الْعَدْلُ وَأَثَرُهُ فِي اسْتِقْرَارِ الْمُجْتَمَعِ
  • شارك

نبذة عن الموقع

موقع تفريغات العلامة رسلان ، موقع يحتوي على العشرات من الخطب والمحاضرات والمقاطع المفرغة لفضيلة الشيخ العلامة أبي عبدالله محمد بن سعيد رسلان-حفظه الله- . كما يعلن القائمون على صفحة وموقع تفريغات العلامة رسلان -حفظه الله- أن التفريغات للخطب ليست هي الشكل النهائي عند الطباعة، ولكن نحن نفرغ خطب الشيخ حفظه الله ونجتهد في نشرها ليستفيد منها طلاب العلم والدعاة على منهاج النبوة في كل أنحاء الدنيا، ونؤكد على أنَّ الخطب غير مُخرَّجة بشكل كامل كما يحدث في خطب الشيخ العلامة رسلان المطبوعة وليست الكتب المنشورة على الصفحة والموقع هي النسخة النهائية لكتب الشيخ التي تُطبع...وهذه الكتب ما هي إلا تفريغ لخطب الشيخ، غير أنَّ كتب الشيخ التي تُطبع تُراجع من الشيخ -حفظه الله- وتُخرج. والتفريغ عملٌ بشريٌ، ونحن نجتهد في مراجعة التفريغات مراجعة جيدة، فإذا وقع خطأ أو شكل الخطب كما نخرجها -إنما نُحاسب نحن عليها والخطأ يُنسب لنا وليس للشيخ -حفظه الله-.

الحقوق محفوظة لكل مسلم موقع تفريغات العلامة رسلان