التَّكَاتُفُ الْوَطَنِيُّ فِي التَّعَامُلِ مَعَ الْأَزْمَاتِ

التَّكَاتُفُ الْوَطَنِيُّ فِي التَّعَامُلِ مَعَ الْأَزْمَاتِ

((التَّكَاتُفُ الْوَطَنِيُّ فِي التَّعَامُلِ مَعَ الْأَزْمَاتِ))

إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّـه مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّـهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّـهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ.

أَمَّا بَعْدُ:

فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّـهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.

أَمَّا بَعْدُ:

((الْمُسْلِمُونَ جَمِيعًا جَسَدٌ وَاحِدٌ))

فَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((مَثَلُ المُؤْمِنينَ في تَوَادِّهِمْ وتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الجَسَدِ بِالسَّهَرِ والحُمَّى((

إِذَنِ؛ الْمُؤْمِنُونَ جَمِيعًا جَسَدٌ وَاحِدٌ.

إِنَّ الْأُخُوَّةَ الَّتِي دَلَّ عَلَيْهَا الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ عَلَى نَوْعَيْنِ:

* أُخُوَّةٌ هِيَ أُخوَّةُ النَّسَبِ.

* وَأُخُوَّةٌ هِيَ أُخُوَّةُ الْعَقِيدَةِ.

الْأُخُوَّةُ الْأُولَى هِيَ أَوَّلُ مَا يَحْرِصُ الْمَرْءُ عَلَى الْإِتْيَانِ بِهِ، إِذَا مَا وَقَعَ عَلَيْهِ مَا يَسُوءُ؛ هِيَ أَوَّلُ مَا يَنْطِقُ بِهِ الْمَرْءُ إِذَا مَا أَتَاهُ مَا يُفْجِعُهُ وَيُفْظِعُهُ كَأَنَّمَا يَدْعُو أَخَاهُ؛ لِيُنْقِذَهُ بِقُدْرَتِهِ الَّتِي مَكَّنَهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ بِهَا وَمِنْهَا مِمَّا قَدْ أَلَّمَ بِهِ ((أَخ))، هِيَ أَوَّلُ مَا يَأْتِي لِلْإِنْسَانِ عِنْدَمَا يَقَعُ عَلى الْإِنْسَانِ مَا يَسُوؤُهُ.

* وَأَمَّا أُخُوَّةُ الْعَقِيدَةِ: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 10].

يَقُولُ نَبِيُّنَا ﷺ عَنْ أُخُوَّةِ الْعَقِيدَةِ لَا نَسَبَ وَلَا رَحِمَ: «إِنَّ مِنَ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَأُنَاسٌ مَا هُمْ بِأَنْبِيَاءَ وَلَا بِشُهَدَاءَ يَغْبِطُهُمُ الْأَنْبِيَاءُ وَالشُّهَدَاءُ بِمَقَامِهِمْ مِنَ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ».

قَالُوا: ((مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟)).

قَالَ: «هُمْ أَقْوَامٌ تَحَابُّوا عَلَى غَيْرِ أَرْحَامٍ بَيْنَهُمْ، وَعَلَى غَيْرِ أَمْوَالٍ يَتَعَاطُونَهَا».

أَلَيْسَ هَذَا مِنَ الْقَانُونِ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يَحْرِصَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُ صَاحِبُ الْبَيِّنَةِ؟!!

يَا للهِ الْعَجَبُ! إِنَّ النَّاسَ إِذَا مَا خَرَجُوا مِنْ ذَوَاتِهِمْ، وَإِذَا مَا أَخْرَجُوا ذَوَاتَهُمْ مِنْ ذَوَاتِهِمْ، وَإِذَا مَا عَادُوا إِلَى اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ عَلَى هَيْئَةِ الْإِنْسَانِ الَّذِي خَلَقَهُ اللهُ، لَا عَلَى هَيْئَةِ الْمُسُوخِ الْمُشَوَّهَةِ، الَّتِي عَدَا عَلَيْهَا الْحِرْصُ وَالْحِقْدُ وَالْحَسَدُ وَالطَّمَعُ، فَأَصَبَحَتْ مُشَوَّهَةَ الصُّورَةِ وَمُشَوَّهَةَ الْبَاطِنِ، مُشَوَّهَةَ الْقَلْبِ وَمُشَوَّهَةَ الْقَالَبِ.

إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ يَدْعُو الْأُمَّةَ لِكَيْ تَكُونَ جَسَدًا وَاحِدًا.

(( ((مَثَلُ المُؤْمِنينَ في تَوَادِّهِمْ وتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الجَسَدِ بِالسَّهَرِ والحُمَّى)).

هَكَذَا الْمُؤْمِنُونَ كَالْجَسَدِ الْوَاحِدِ، إِذَا اشْتَكَتْ عَيْنُهُ اشْتَكَى جِسْمُهُ كُلُّهُ، إِذَا اشْتَكَى يَدُهُ اشْتَكَى الْجِسْمُ كُلُّهُ، وَهَكَذَا.

الْمُؤْمِنُونَ جَسَدٌ وَاحِدٌ، وَالْمُؤْمِنَاتُ كَذَلِكَ، كُلُّهُمْ جَسَدٌ وَاحِدٌ، وَكُلٌّ يَعْلَمُ حَالَ الْجَسَدِ إِذَا أُصِيبَ بِمَرَضٍ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ مِنْهُ عَمَّ الْأَلَمُ وَعَمَّ التَّعَبُ.

وَهَذَا مَثَلٌ عَظِيمٌ.. هَذَا مَثَلٌ عَظِيمٌ مِنَ النَّبِيِّ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- يَدْعُو إِلَى التَّكَاتُفِ الْعَظِيمِ، وَالتَّعَاوُنِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَالتَّعَاطُفِ، فَيَرْفُقُ بِهِ وَيُوَاسِيهِ إِذَا احْتَاجَ، وَيُعِينُهُ عَلَى قَضَاءِ دَيْنِهِ، وَيَدْفَعُ عَنْهُ الظُّلْمَ، وَيَجْتَهِدُ فِي كُلِّ خَيْرٍ يَنْفَعُهُ، وَدَفْعِ كُلِّ شَرٍّ.

وَمِنْ أَجْمَعِ الْأَحَادِيثِ -أَيْضًا-: قَوْلُهُ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: ((الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا -وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ-)).

هَذَا الْمَثَلُ الْعَظِيمُ.. مَاذَا تَرَكَ هَذَا الْمَثَلُ وَالَّذِي قَبْلَهُ؟!!

قَالَ: ((الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا -وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ-))، لَوْ أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ امْتَثَلُوا هَذَا الْمَعْنَى لَصَارَ لَهُمْ شَأْنٌ عَظِيمٌ، وَلَاسْتَحَقُّوا النَّصْرَ عَلَى جَمِيعِ الْأَعْدَاءِ، وَلَفَازُوا بِكُلِّ أَسْبَابِ السَّعَادَةِ.

((الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا -وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ-))، مَعْنَى هَذَا: أَنَّ الْمُؤْمِنَ يَدْفَعُ الشَّرَّ عَنْ أَخِيهِ، وَيُعِينُهُ عَلَى الْخَيْرِ، وَيُوَاسِيهِ؛ حَتَّى يَسْتَقِيمَ وَيَثْبُتَ عَلَى الطَّرِيقِ السَّوِيِّ، وَحَتَّى لَا يُصَابَ بِشَيْءٍ مِنَ النَّقْصِ.

وَيَقُولُ أَيْضًا -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: ((لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ)).

وَهَذَا -أَيْضًا- جَامِعٌ، ((لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ))؛ يَعْنِي: الْإِيمَانَ الْوَاجِبَ، فَإِذَا أَحْسَسْتَ بِشَيْءٍ مِنَ النَّقْصِ فِي هَذَا الْمَعْنَى فَهُوَ نَقْصٌ فِي إِيمَانِكَ، وَضَعْفٌ فِي الْإِيمَانِ، ((حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ))، فَإِذَا كُنْتَ تُحِبُّ لِأَخِيكَ أَنْ يَفْتَقِرَ، وَأَنْ يَمْرَضَ، وَأَنْ يُضْرَبَ، وَأَنْ يُسْجَنَ؛ فَهَذَا خِلَافُ مَا يَجِبُ عَلَيْكَ، وَهَذَا -بِلَا شَكٍّ- ضَعْفٌ فِي إِيمَانِكَ، وَضَعْفٌ فِي وَلَايَتِكَ لِأَخِيكَ؛ لِأَنَّكَ مَأْمُورٌ بِخِلَافِ ذَلِكَ، وَهَذَا يَنْتُجُ عَنِ الْحَسَدِ الَّذِي فِي الْقُلُوبِ، وَعَمَّا يَقَعُ مِنَ الشَّحْنَاءِ، وَالْبَغْضَاءِ، وَالْخُصُومَاتِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ، فَالْوَاجِبُ عِلَاجُ ذَلِكَ.

وَقَدْ صَحَّ عَنْهُ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- أَنَّهُ قَالَ: ((لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ، يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هَذَا وَيُعْرِضُ هَذَا، وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ)).

لَمَّا كَانَ الْإِنْسَانُ قَدْ يُبْتَلَى بِالْخُصُومَةِ مَعَ أَخِيهِ، أَوْ بِأَسْبَابٍ تَجْعَلُ الشَّحْنَاءَ تَقَعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ؛ عَفَا اللهُ عَنِ الثَّلَاثِ؛ لِأَنَّ النَّفْسَ قَدْ لَا تَقْوَى عَلَى السَّلَامِ عَلَيْهِ فِي أَقَلَّ مِنَ الثَّلَاثِ بِسَبَبِ الْخُصُومَةِ وَالشَّحْنَاءِ الَّتِي وَقَعَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ، فَعَفَا اللهُ عَنِ الثَّلَاثِ؛ حَتَّى يَزُولَ بَعْضُ مَا فِي النَّفْسِ، وَحَتَّى يَقْوَى عَلَى بَدْئِهِ بِالسَّلَامِ، وَرَدِّ السَّلَامِ عَلَيْهِ، وَحَتَّى تَعُودَ الْمِيَاهُ إِلَى مَجَارِيهَا، وَتَعُودَ الْوَلَايَةُ وَالْمَحَبَّةُ، وَهَذَا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ وَإِحْسَانِهِ إِلَى عِبَادِهِ -جَلَّ وَعَلَا-.

فَالْوَاجِبُ عَلَى أَهْلِ الْإِيمَانِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ جَمِيعًا أَنْ يُعْنَوْا بِمَا أَمَرَهُمُ اللهُ بِهِ، وَبِمَا أَمَرَهُمْ بِهِ رَسُولُهُ ﷺ؛ مِنْ أَدَاءِ الْحُقُوقِ الَّتِي بَيْنَهُمْ، وَالصَّبْرِ عَلَيْهَا، وَإِيثَارِ مَا عِنْدَ اللهِ، وَطَلَبِ رِضَاهُ -جَلَّ وَعَلَا-، وَتَرْكِ مَا فِي النُّفُوسِ مِنْ آثَارٍ قَدْ تَطُولُ إِلَّا بِالْعِلَاجِ، وَعِلَاجُهَا بِتَذَكُّرِ مَا عِنْدَ اللهِ مِنَ الْمَثُوبَةِ، وَمَا فِي مُسَامَحَتِهِ لِأَخِيهِ وَعَفْوِهِ عَنْ أَخِيهِ وَرُجُوعِهِ إِلَى طَرِيقِ الصَّوَابِ مِنَ الْخَيْرِ الْعَظِيمِ.

وَمِنْ هَذَا قَوْلُهُ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: ((الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ؛ لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يُسْلِمُهُ)).

لَا يَظْلِمُهُ هُوَ؛ لَا فِي مَالٍ، وَلَا فِي نَفْسٍ، وَلَا فِي بَشَرَةٍ، وَلَا فِي عِرْضٍ، وَلَا يُسْلِمُهُ إِلَى مَنْ يَظْلِمُهُ، يَعْنِي: لَا يَخْذُلُهُ، لَا يُسْلِمُهُ: يَعْنِي لَا يَخْذُلُهُ.

((مَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللهُ فِي حَاجَتِهِ)).

هَذَا أَمْرٌ عَظِيمٌ، وَهَذَا فِي ((الصَّحِيحَيْنِ)) مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ -جَلَّ وَعَلَا-.

((الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يُسْلِمُهُ، مَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللهُ عَنْهُ بِهَا كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)).

وَفِي الْحَدِيثِ الثَّانِي -رَوَاهُ مُسْلِمٌ-: ((وَاللهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ)))).

((الْحَثُّ عَلَى التَّكَاتُفِ فِي الْأَزْمَاتِ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ))

لَقَدْ حَثَّ رَبُّنَا -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- عَلَى التَّكَاتُفِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ -خَاصَّةً فِي أَوْقَاتِ الْأَزْمَاتِ- فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ، ((قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر: ٩].

وَجْهُ إِيثَارِهِمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ: أَنَّ الْمُهَاجِرِينَ لَمَّا قَدِمُوا الْمَدِينَةَ تَلَقَّاهُمُ الْأَنْصَارُ بِالْإِكْرَامِ وَالِاحْتِرَامِ وَالْإِيثَارِ بِالْمَالِ؛ حَتَّى إِنَّ بَعْضَهُمْ يَقُولُ لِأَخِيهِ الْمُهَاجِرِيِّ: إِنْ شِئْتَ أَنْ أَتَنَازَلَ عَنْ إِحْدَى زَوْجَتَيَّ لَكَ فَعَلْتُ، يَعْنِي: يُطَلِّقُها، فَيَتَزَوَّجُهَا الْمُهَاجِرِيُّ بَعْدُ بِمُضِيِّ عِدَّتِهَا، وَهَذَا مِنْ شِدَّةِ إِيثَارِهِمْ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- لِإِخْوَانِهِمُ الْمُهَاجِرِينَ.

وَقَالَ تَعَالَى: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا} [لانسان: ٨] إِلَى آخِرِ الْآيَاتِ.

يَعْنِي: يُطْعِمُونَ الطَّعَامَ وَهُمْ يُحِبُّونَهُ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا، وَيَتْرُكُونَ أَنْفُسَهُمْ، هَذَا -أَيْضًا- مِنْ بَابِ الْإِيثَارِ.

الْإِيثَارُ: أَنْ يُقَدِّمَ الْإِنْسَانُ غَيْرَهُ عَلَى نَفْسِهِ.

وَالْمُوَاسَاةُ: أَنْ يُوَاسِيَ غَيْرَهُ بِنَفْسِهِ)).

وَمِنْ دَلَائِلِ أَهَمِّيَّةِ التَّكَاتُفِ فِي الْأَزْمَاتِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (14) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (15) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ} [البلد: 14-16].

((أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَجَاعَةٍ عَامَّةٍ صَغِيرًا مَاتَ أَبُوهُ قَبْلَ الْبُلُوغِ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ قَرَابَةٌ، أَوْ مِسْكِينًا ذَا حَاجَةٍ وَافْتِقَارٍ شَدِيدٍ، قَدْ لَصِقَ بِالتُّرَابِ مِنْ فَقْرِهِ وَضُرِّهِ، {أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ}؛ لَهُ عِنْدَكَ رَحِمٌ، {أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ})).

وَقَالَ تَعَالَى: {وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} [الذاريات: 19].

وَيَجِبُ إِطْعَامُ الْجَائِعِ، وَقِرَى الضَّيْفِ، وَكِسْوَةُ الْعَارِي، وَسَقْيُ الظَّمْآنِ؛ بَلْ ذَهَبَ الْإِمَامُ مَالِكٌ -رَحِمَهُ اللهُ- إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِدَاءُ أَسْرَاهُمْ وَإِنِ اسْتَغْرَقَ ذَلِكَ أَمْوَالَهُمْ كُلَّهَا.

هَذِهِ كُلُّهَا مِنْ مَحَاسِنِ دِينِ الْإِسْلَامِ الْعَظِيمِ؛ لِأَنَّهُ دِينُ الْمُوَاسَاةِ وَالرَّحْمَةِ، دِينُ التَّعَاوُنِ وَالتَّآخِي فِي اللهِ.

فَمَا أَجْمَلَهُ!

وَمَا أَجَلَّهُ!

وَمَا أَحْكَمَ تَشْرِيعَهُ!

وَأَوْلَى النَّبِيُّ ﷺ اهْتِمَامًا عَظِيمًا بِقِيمَةِ التَّكَاتُفِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ -خَاصَّةً فِي الْأَزْمَاتِ-؛ ((فَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: ((لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ أَتَاهُ الْمُهَاجِرُونَ فَقَالُوا: ((يَا رَسُولَ اللهِ! مَا رَأَيْنَا قَوْمًا أَبْذَلَ مِنْ كَثِيرٍ وَلَا أَحْسَنَ مُوَاسَاةً مِنْ قَلِيلٍ مِنْ قَوْمٍ نَزَلْنَا بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ، لَقَدْ كَفَوْنَا الْمُؤْنَةَ، وَأَشْرَكُونَا فِي الْمَهْنَأِ حَتَّى خِفْنَا أَنْ يَذْهَبُوا بِالْأَجْرِ كُلِّهِ)).

فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((لَا مَا دَعَوْتُمُ اللهَ لَهُمْ، وَأَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِمْ)).

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّهُ قَالَ: قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ ﷺ: «لَوْ سَلَكَتِ الْأَنْصَارُ وَادِيًا أَوْ شِعْبًا لَسَلَكْتُ شِعْبَ الْأَنْصَارِ أَوْ وَادِيَ الْأَنْصَارِ، وَلَوْ لَا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَءًا مِنَ الْأَنْصَارِ».

فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: ((فَمَا ظَلَمَ بِأَبِي وَأُمِّي ﷺ، آوَوْهُ وَنَصَرُوهُ، قَالَ: وَأَحْسَبُهُ قَالَ: وَوَاسَوْهُ)).

وَعَنْ أَبِي مُوسَى -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ الْأَشْعَرِيِّينَ إِذَا أَرْمَلُوا فِي الْغَزْوِ أَوْ قَلَّ طَعَامُ عِيَالِهِمْ بِالْمَدِينَةِ جَمَعُوا مَا كَانَ عِنْدَهُمْ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ اقْتَسَمُوهُ بَيْنَهُمْ فِي إِنَاءٍ وَاحِدٍ بِالسَّوِيَّةِ؛ فَهُمْ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُمْ»)).

 ((أَرْمَلُوا)): فَرَغَ زَادُهُمْ، أَوْ قَارَبَ الْفَرَاغَ.

((أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- وَأَصْحَابُهُ الَّذِينَ هُمْ مِنَ الْأَشْعَرِيِّينَ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ كَانُوا يَتَسَاعَدُونَ فِي أُمُورِهِمْ، فَإِذَا أَتَاهُمْ شَيْءٌ مِنَ الْمَالِ جَمَعُوهُ، ثُمَّ اقْتَسَمُوهُ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ.

قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((فَهُمْ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُمْ)). قَالَ ذَلِكَ تَشْجِيعًا لِمَا يَفْعَلُونَهُ.

وَهَذَا الْحَدِيثُ أَصْلٌ فِي الْجَمْعِيَّاتِ التَّعَاوُنِيَّةِ الَّتِي يَفْعَلُهَا بَعْضُ النَّاسِ الْيَوْمَ، تَجْتَمِعُ الْقَبِيلَةُ عَلَى أَنْ يَضَعُوا صُنْدُوقًا يَجْمَعُونَ فِيهِ مَا يُرِيدُ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- مِنَ الْمَالِ؛ إِمَّا بِالنِّسْبَةِ، وَإِمَّا بِالِاجْتِهَادِ وَالتَّرْشِيحِ، فَيَكُونُ -مَثَلًا- عَلَى  كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَدْفَعَ اثْنَيْنِ فِي الْمِائَةِ مِنْ رَاتِبِهِ، أَوْ مِنْ كَسْبِهِ، أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَيَكُونُ هَذَا الصُّنْدُوقُ مُعَدًّا لِلْحَوَائِجِ وَالنَّكْبَاتِ الَّتِي تَحْصُلُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ.

فَهَذَا أَصْلُهُ حَدِيثُ أَبِي مُوسَى -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، فَإِذَا جَمَعَ النَّاسُ صُنْدُوقًا عَلَى هَذَا النَّحْوِ لِيَتَسَاعَدُوا فِيهِ عَلَى نَكْبَاتِ الزَّمَانِ مِنَ الْحَوَادِثِ وَغَيْرِهَا؛ فَإِنَّ لِذَلِكَ أَصْلًا فِي السُّنَّةِ، وَهُوَ مِنَ الْأُمُورِ الْمَشْرُوعَةِ.

ثُمَّ إِنَّ هَذَا الْمَالَ الَّذِي يُوضَعُ فِي الصُّنْدُوقِ لَيْسَ فِيهِ زَكَاةٌ مَهْمَا بَلَغَ مِنَ الْقَدْرِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ مَالِكٌ، وَمِنْ شُرُوطِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ: أَنْ يَكُونَ الْمَالُ لَهُ مَالِكٌ، وَهَذَا الصُّنْدُوقُ لَيْسَ لَهُ مَالِكٌ؛ بَلْ مَنْ حَصَلَ عَلَيْهِ حَادِثٌ فَإِنَّهُ يُسَاعَدُ مِنْهُ، وَأَصْحَابُهُ الَّذِينَ وَضَعُوا هَذِهِ النُّقُودَ فِي هَذَا الصُّنْدُوقِ فَإِنَّهُمْ لَا يَمْلِكُونَ أَخْذَهَا؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ أَخْرَجُوهَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ لِمَالِ مَنْ؟ لَا لِأَحَدٍ، وَإِنَّمَا هُوَ لِلْمُسَاعَدَةِ، وَعَلَى هَذَا فَلَا يَكُونُ فِيهَا زَكَاةٌ)).

وَعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَطْعِمُوا الْجَائِعَ، وَعُودُوا الْمَرِيضَ، وَفُكُّوا الْعَانِيَ».

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَلَا رَجُلٌ يَمْنَحُ أَهْلَ بَيْتٍ نَاقَةً تَغْدُو بِعُسٍّ وَتَرُوحُ بِعُسٍّ؛ إِنَّ أَجْرَهَا لَعَظِيمٌ».

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «طَعَامُ الِاثْنَيْنِ كَافِي الثَّلَاثَةِ، وَطَعَامُ الثَّلَاثَةِ كَافِي الْأَرْبَعَةِ»)).

وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((طَعَامُ الْوَاحِدِ يَكْفِي الِاثْنَيْنِ، وَطَعَامُ الِاثْنَيْنِ يَكْفِي الْأَرْبَعَةَ، وَطَعَامُ الْأَرْبَعَةِ يَكْفِي الثَّمَانِيَةَ)).

((فِي الْحَدِيثَيْنِ بَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ طَعَامَ الْوَاحِدِ يَكْفِي الِاثْنَيْنِ، وَأَنَّ طَعَامَ الِاثْنَيْنِ يَكْفِي الْأَرْبَعَةَ، وَأَنَّ طَعَامَ الْأَرْبَعَةِ يَكْفِي الثَّمَانِيَةَ، وَهَذَا حَثٌّ مِنْهُ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- عَلَى الْإِيثَارِ، يَعْنِي: إِنَّكَ لَوْ أَتَيْتَ بِطَعَامِكَ الَّذِي قَدَّرْتَ أَنَّهُ يَكْفِيكَ، وَجَاءَ رَجُلٌ آخَرُ فَلَا تَبْخَلْ، لَا تَبْخَلْ عَلَيْهِ وَتَقُولُ: (هَذَا طَعَامِي وَحْدِي)، بَلْ أَعْطِهِ حَتَّى يَكُونَ كَافِيًا لِلِاثْنَيْنِ.

وَكَذَلِكَ لَوْ جَاءَ اثْنَانِ بِطَعَامِهِمَا، ثُمَّ جَاءَهُمَا اثْنَانِ؛ فَلَا يَبْخَلَانِ عَلَيْهِمَا وَيَقُولَانِ: (هَذَا طَعَامُنَا)، بَلْ يُطْعِمَانِهِمَا؛ فَإِنَّ طَعَامَهُمَا يَكْفِيهِمَا وَيَكْفِي الِاثْنَيْنِ، وَهَكَذَا الْأَرْبَعَةُ مَعَ الثَّمَانِيَةِ.

وَإِنَّمَا ذَكَرَ الرَّسُولُ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- هَذَا مِنْ أَجْلِ أَنْ يُؤْثِرَ الْإِنْسَانُ بِفَضْلِ طَعَامِهِ عَلَى أَخِيهِ)).

 ((وَعَنْ إِيَاسِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي غَزْوَةٍ، فَأَصَابَنَا جَهْدٌ؛ حَتَّى هَمَمْنَا أَنْ نَنْحَرَ بَعْضَ ظَهْرِنَا، فَأَمَرَ نَبِيُّ الله ﷺ جَمَعْنَا مَزَاوِدَنَا، فَبَسَطْنَا له نِطَعًا، فَاجْتَمع زَادُ القَوْمِ عَلَى النِّطَعِ، قالَ: فَتَطَاوَلْتُ لِأَحْزِرَهُ كَمْ هُوَ؟ فَحَزَرْتُهُ كَرَبْضَةِ العَنْزِ، وَنَحْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِئَةً، قالَ: فَأَكَلْنَا حتَّى شَبِعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ حَشَوْنَا جُرُبَنَا، فَقالَ نَبِيُّ اللهِ ﷺ: ((فَهَلْ مِنْ وَضُوءٍ؟)).

قالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ بإدَاوَةٍ له فِيهَا نُطْفَةٌ، فَأَفْرَغَهَا في قَدَحٍ، فَتَوَضَّأْنَا كُلُّنَا نُدَغْفِقُهُ دَغْفَقَةً أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِئَةً، قَالَ: ثُمَّ جَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ ثَمَانِيَةٌ، فَقَالُوا: هَلْ مِنْ طَهُورٍ؟ فَقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: ((فَرِغَ الوَضُوءُ)).

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: ((قَالَتِ الْأَنْصَارُ: اقْسِمْ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ النَّخْلَ)).

قَالَ: «لَا».

قَالَ: «يَكْفُونَنَا الْمَئُونَةَ، وَيَشْرَكُونَنَا فِي الثَّمَرِ».

قَالُوا: ((سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا)))).

قَالَتِ الْأَنْصَارُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ-: «اقْسِمْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ إِخْوَانِنَا النَّخِيلَ» أَي: الْمُهَاجِرِينَ؛ لِأَنَّ الْمُهَاجِرِينَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- تَرَكُوا دِيَارَهُمْ وَأَرْضَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ، وخَرَجُوا فَارِّينَ بِدِينِهِمْ، فَخَلَّفُوا وَرَاءَهُمْ كُلَّ مَا يَمْلِكُونَهُ، فَصَارُوا فِي دَارِ غُرْبَةٍ لَيْسَ لَهُمْ فِيهَا مِنْ أَمْلَاكٍ يَمْتَلِكُونَهَا، ولَا أَرَاضٍ يَزْرَعُونَهَا، وَلَا نَخِيلٍ يَحُوزُونَهُ.

فَأَرَادَ الْأَنْصَارُ أَنْ يُوَاسُوا إِخْوَانَهُمْ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ فِيمَا يَمْلِكُونَ، فَقَالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ: «اقْسِمْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ إِخْوَانِنَا النَّخِيلَ».

وَهَذَا فِيهِ حُبُّ الْأَنْصَارِ لِإِخْوَانِهِمْ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَإِيْثَارُهُمْ وَتَضْحِيَتُهُمْ بِالْمَالِ وَالزَّرْعِ فِي سَبِيلِ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ-.

قَالَ ﷺ: «لَا»، إِنَّمَا قَالَ: لَا؛ لِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّ الْفُتُوحَ سَتُفْتَحُ، فَكَرِهَ أَنْ يَخْرُجَ شَيْءٌ مِنْ مُلْكِ الْأَنْصَارِ عَنْهُمْ، فَلَمَّا فَهِمَ الْأَنْصَارُ ذَلِكَ جَمَعُوا بَيْنَ الْمَصْلَحَتَيْنِ؛ مَصْلَحَةِ امْتِثَالِ مَا أمَرَهُمْ بِهِ نَبِيُّهُمْ ﷺ، ومَصْلَحَةِ تَعْجِيلِ مُوَاسَاةِ إِخْوَانِهِمُ الْمُهَاجِرِينَ، فَسَأَلُوهُمْ أَنْ يُسَاعِدُوهُمْ فِي الْعَمَلِ، وَيُشْرِكُوهُمْ فِي الثَّمَرِ.

وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ فِي «الصَّحِيحِ» عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: «لَمَّا قَدِمَ الْمُهَاجِرُونَ الْمَدِينَةَ مِنْ مَكَّةَ وَلَيْسَ بِأَيْدِيهِمْ شَيْءٌ، وَكَانَتِ الْأَنْصَارُ أَهْلَ الْأَرْضِ وَالْعَقَارِ، فَقَاسَمَهُمُ الْأَنْصَارُ عَلَى أَنْ يُعْطُوهُمْ ثِمَارَ أَمْوَالِهِمْ كُلَّ عَامٍ، وَيَكْفُوهُمُ الْعَمَلَ وَالْمَئُونَةَ».

«تَكْفُونَا الْمَئُونَةَ» أَيِ: الْعَمَلَ فِي الْبَسَاتِينِ؛ مِنْ سَقْيِهَا وَالْقِيَامِ عَلَيْهَا.

«وَنُشْرِكُكُمْ فِي الثَّمَرَةِ»: فِي الْحَاصِلِ وَالنَّاتِجِ مِنْ ذَلِكَ، فَتَكُونُ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ.

فِي الْحَدِيثِ: الْمُوَاسَاُة بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْقَحْطِ وَالْجَدْبِ، وَفِي الْمَجَاعَةِ وَالْحَاجَةِ، وَالتَّعَاوُنُ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى، وَاسْتِثْمَارُ الطَّاقَاتِ الْمُتَعَدِّدَةِ، وتَبَادُلُ الْخَيْرَاتِ.

وَفِيهِ: جَمْعُ الْمَصْلَحَتَيْنِ، وَهُوَ امْتِثَالُ مَا أَمَرَهُمْ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ، وَتَعْجِيلُ مُوَاسَاةِ الْمُهَاجِرِينَ؛ وَذَلِكَ بِأَنْ يَكْفِيَ الْمُهَاجِرُونَ الْأَنْصَارَ الْمَئُونَةَ وَالْعَمَلَ فِي مَزَارِعِهِمْ، وَهُمْ يُشْرِكُونَهُمُ الثَّمَرَ مُزَارَعَةً.

وَفِي الْحَدِيثِ: دَلِيلٌ عَلَى صِدْقِ الْأَنْصَارِ، وَسَخَاءِ النَّفْسِ بِمَا مَعَهُمْ لِإِخْوَانِهِمُ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ هَجَرُوا أَوْطَانَهُمْ فِرَارًا بِدِينِهِمْ، وَمَحَبَّةً فِي صُحْبَةِ نَبِيِّهِمْ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَدَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْمُزَارَعَةِ عَلَى مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الطَّرَفَانِ؛ كَالنِّصْفِ، وَالرُّبُعِ، وَنَحْوِهِمَا.

((وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا يَزَالُ اللهُ فِي حَاجَةِ الْعَبْدِ مَا دَامَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ».

 وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((مَنْ أَقَالَ مُسْلِمًا أَقَالَهُ اللهُ عَثْرَتَهُ».

وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ ضَحَّى مِنْكُمْ فَلَا يُصْبِحَنَّ فِي بَيْتِهِ بَعْدَ ثَالِثَةٍ شَيْءٌ)).

فَلَمَّا كَانَ فِي الْعَامِ الْمُقْبِلِ قَالُوا: ((يَا رَسُولَ اللهِ! نَفْعَلُ كَمَا فَعَلْنَا عَامَ أَوَّلَ؟)).

فَقَالَ: «لَا؛ إِنَّ ذَاكَ عَامٌ كَانَ النَّاسُ فِيهِ بِجَهْدٍ، فَأَرَدْتُ أَنْ يَفْشُوَ فِيهِمْ)))).

((وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «ضَحَايَاكُمْ، لَا يُصْبِحُ أَحَدُكُمْ بَعْدَ ثَالِثَةٍ وَفِي بَيْتِهِ مِنْهُ شَيْءٌ».

فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ قَالُوا: ((يَا رَسُولَ اللهِ! نَفْعَلُ كَمَا فَعَلْنَا الْعَامَ الْمَاضِيَ؟)).

قَالَ: «كُلُوا، وَادَّخِرُوا؛ فَإِنَّ ذَلِكَ الْعَامَ كَانُوا فِي جَهْدٍ، فَأَرَدْتُ أَنْ تُعِينُوا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

قَالَ: «كُلُوا وَادَّخِرُوا»: زَادَ الْمُصَنِّفُ فِي «الصَّحِيحِ»: «وَأَطْعِمُوا».

فِي لَفْظِ الشَّيْخَيْنِ: «مَنْ ضَحَّى فَلَا يُصْبِحَنَّ بَعْدَ ثَالِثَةٍ وَبَقِيَ فِي بَيْتِهِ مِنْهُ شَيْءٌ».

أَكْلُ لُحُومِ الْأَضَاحِي وَإِمْسَاكُ لُحُومِهَا بَعْدَ الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ جَائِزٌ مُبَاحٌ، وَالنَّهْيُ مَنْسُوخٌ؛ لِأَنَّ نَهْيَ الرَّسُولِ ﷺ أَصْحَابَهُ عَنِ ادِّخَارِ اللُّحُومِ كَانَ بِسَبَبِ الْقَحْطِ الطَّارِئِ عَلَى النَّاسِ؛ حَتَّى يُوَزِّعُوهَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ لَمْ يُضَحُّوا، وَالَّذِينَ لَمْ يَمْلِكُوا.

قَوْلُهُ ﷺ: «لَا يُصْبِحُ أَحَدُكُمْ بَعْدَ ثَالِثَةٍ»: أَيْ: ثَالِثَةٍ مِنْ وَقْتِ التَّضْحِيَةِ «وَفِي بَيْتِهِ مِنْهُ شَيْءٌ» أَيْ: مِنْ لَحْمِ الْأُضْحِيَةِ.

قَالُوا: «نَفْعَلُ كَمَا فَعَلْنَا الْعَامَ الْمَاضِيَ؟» نَفْعَلُ بِتَقْدِيرِ الِاسْتِفْهَامِ.

قَالَ ابْنُ الْمُنَيِّرِ: ((وَجْهُ قَوْلِهِمْ: هَلْ نَفْعَلُ كَمَا كُنَّا نَفْعَلُ؟ مَعَ أَنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي الِاسْتِمْرَارَ؛ لِأَنَّهُمْ فَهِمُوا أَنَّ ذَلِكَ النَّهْيَ وَرَدَ بِسَبَبٍ خَاصٍّ؛ وَهُوَ مَا وَقَعَ مِنَ الشِّدَّةِ وَالْحَاجَةِ، فَلَمَّا احْتَمَلَ عِنْدَهُمْ عُمُومَ النَّهْيِ أَوْ خُصُوصَهُ مِنْ أَجْلِ السَّبَبِ سَأَلُوا، فَأَرْشَدَهُمْ إِلَى أَنَّهُ خَاصٌّ بِذَلِكَ الْعَامِ؛ مِنْ أَجْلِ السَّبَبِ الْمَذْكُورِ.

وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْعَامَّ إِذَا وَرَدَ عَلَى سَبَبٍ خَاصٍّ؛ ضَعُفَتْ دَلَالَةُ الْعُمُومِ؛ حَتَّى لَا يَبْقَى عَلَى أَصَالَتِهِ)).

«كَانُوا فِي جَهْدٍ»: الْجَهْدُ: الْمَشَقَّةُ وَالطَّاقَةُ.

«الْجُهْدُ» بِالضَّمِّ: الْجُوعُ، وَ«الْجَهْدُ» بِالْفَتْحِ: الْمَشَقَّةُ، وَقَدْ يَتَعَاقَبَانِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ قِيلَ: هُمَا لُغَتَانِ (الْجَهْدُ)، وَ(الْجُهْدُ).

«قَالَ فَأَرَدْتُ أَنْ تُعِينُوا»: أَيْ: تُعِينُوا الْفُقَرَاءَ وَالْمُحْتَاجِينَ.

وَعِنْدَ مُسْلِمٍ فِي «الصَّحِيحِ»: «فَأَرَدْتُ أَنْ يَفْشُوَ فِيهِمْ» أَيْ: أَنْ يَشِيعَ لَحْمُ الْأَضَاحِي فِي النَّاسِ، وَأَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ الْمُحْتَاجُونَ؛ لِأَنَّ الْمُجْتَمَعَ الْمُسْلِمَ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ، لَا يَبْقَى فِيهِ مُحْتَاجٌ، وَإِذَا أَخَذَ النَّاسُ بِنُصُوصِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَامْتَثَلُوا أَوَامِرَ اللهِ وَأَوَامِرَ رَسُولِ اللهِ ﷺ؛ لَمْ يُوجَدْ فِي الْأَرْضِ مُحْتَاجٌ، فَهُوَ حَقُّهُ فِي مَالِ مَنْ آتَاهُ اللهُ مَالًا.

فِي الْحَدِيثِ: الْحَثُّ عَلَى الْمُسَاعَدَةِ وَالْمَعُونَةِ لِلَّذِينَ أَصَابَهُمُ الْبَلَايَا، وَنَزَلَتْ بِهِمُ النَّوَائِبُ)).

وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ -جَلَّ وَعَلَا-: أَنَّ أَصْحَابَ الصُّفَّةِ كَانُوا نَاسًا فُقَرَاءَ، وَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ مَرَّةً: ((مَنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ اثْنَيْنِ فَلْيَذْهَبْ بثَالِثٍ، وإنْ أرْبَعٌ فَخَامِسٌ أوْ سَادِسٌ، وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ جَاءَ بثَلَاثَةٍ، فَانْطَلَقَ النَّبِيُّ ﷺ بعَشَرَةٍ، قَالَ: فَهُوَ أنَا وأَبِي وأُمِّي -فَلَا أدْرِي قَالَ: وَامْرَأَتي وخَادِمٌ بيْنَنَا وبيْنَ بَيْتِ أبِي بَكْرٍ، وَإِنَّ أبَا بَكْرٍ تَعَشَّى عِنْدَ النبيِّ ﷺ، ثُمَّ لَبِثَ حَيْثُ صُلِّيَتِ الْعِشَاءُ، ثُمَّ رَجَعَ، فَلَبِثَ حتَّى تَعَشَّى النبيُّ ﷺ.

فَجَاءَ بَعْدَما مَضَى مِنَ اللَّيْلِ ما شَاءَ اللَّهُ، قَالَتْ له امْرَأَتُهُ: ((وما حَبَسَكَ عَنْ أضْيَافِكَ -أوْ قَالَتْ: ضَيْفِكَ-؟)).

قَالَ: ((أَوَمَا عَشَّيْتِيهِمْ؟)).

قَالَتْ: ((أَبَوْا حَتَّى تَجِيءَ، قَدْ عُرِضُوا فَأَبَوْا)).

قَالَ: ((فَذَهَبْتُ أنَا فَاخْتَبَأْتُ، فَقَالَ: يَا غُنْثَرُ! فَجَدَّعَ وسَبَّ، وقَالَ: كُلُوا لَا هَنِيئًا، فَقَالَ: واللَّهِ لا أَطْعَمُهُ أبَدًا، وَايْمُ اللَّهِ! ما كُنَّا نَأْخُذُ مِنْ لُقْمَةٍ إلَّا رَبَا مِنْ أَسْفَلِهَا أَكْثَرُ مِنْهَا -قَالَ: يَعْنِي: حَتَّى شَبِعُوا- وصَارَتْ أكْثَرَ ممَّا كَانَتْ قَبْلَ ذلكَ، فَنَظَرَ إلَيْهَا أَبُو بَكْرٍ، فَإِذَا هِيَ كَمَا هِيَ أَوْ أَكْثَرُ مِنْهَا، فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: ((يا أُخْتَ بَنِي فِرَاسٍ مَا هَذَا؟)).

قَالَتْ: ((لَا وَقُرَّةِ عَيْنِي! لَهِيَ الْآنَ أَكْثَرُ مِنْهَا قَبْلَ ذَلِكَ بثَلَاثِ مَرَّاتٍ)).

فَأَكَلَ مِنْهَا أَبُو بَكْرٍ، وَقَالَ: ((إنَّما كانَ ذلكَ مِنَ الشَّيْطَانِ)) يَعْنِي: يَمِينَهُ-، ثُمَّ أَكَلَ مِنْهَا لُقْمَةً، ثُمَّ حَمَلَهَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فأَصْبَحَتْ عِنْدَهُ، وكانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمٍ عَقْدٌ، فَمَضَى الْأَجَلُ، فَفَرَّقَنَا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا، مَعَ كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ أُنَاسٌ، اللَّهُ أعْلَمُ كَمْ مَعَ كُلِّ رَجُلٍ، فَأَكَلُوا مِنْهَا أَجْمَعُونَ، أَوْ كَمَا قَالَ)) .

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّهُ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: ((إِنِّي مَجْهُودٌ)).

فَأَرْسَلَ إِلَى بَعْضِ نِسَائِهِ، فَقَالَتْ: ((وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ! مَا عِنْدِي إِلَّا مَاءٌ))‏.

ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى أُخْرَى، فَقَالَتْ مِثْلَ ذَلِكَ، حَتَّى قُلْنَ كُلُّهُنَّ مِثْلَ ذَلِكَ: ((لَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ! مَا عِنْدِي إِلَّا مَاءٌ)).‏

فَقَالَ: ((مَنْ يُضِيفُ هَذَا اللَّيْلَةَ؛ رَحِمَهُ اللَّهُ؟)).‏

فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَالَ: ((أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ))،‏ فَانْطَلَقَ بِهِ إِلَى رَحْلِهِ، فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: ((هَلْ عِنْدَكِ شَىْءٌ؟)).‏

قَالَتْ: ((لَا؛ إِلَّا قُوتَ صِبْيَانِي)).‏

قَالَ: ((فَعَلِّلِيهِمْ بِشَيْءٍ، فَإِذَا دَخَلَ ضَيْفُنَا فَأَطْفِئِي السِّرَاجَ، وَأَرِيهِ أَنَّا نَأْكُلُ، فَإِذَا أَهْوَى لِيَأْكُلَ فَقُومِي إِلَى السِّرَاجِ حَتَّى تُطْفِئِيهِ)).‏

قَالَ: فَقَعَدُوا وَأَكَلَ الضَّيْفُ.‏

فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: ((قَدْ عَجِبَ اللَّهُ مِنْ صَنِيعِكُمَا بِضَيْفِكُمَا اللَّيْلَةَ)).

وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ -جَلَّ وَعَلَا- قَالَ: ((كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ثَلَاثِينَ وَمِائَةً، فَقالَ النَّبيُّ ﷺ: ((هَلْ مَعَ أَحَدٍ مِنْكُمْ طَعَامٌ؟)).

فَإِذَا مَعَ رَجُلٍ صَاعٌ مِنْ طَعَامٍ أَوْ نَحْوُهُ، فَعُجِنَ، ثُمَّ جَاءَ رَجُلٌ مُشْرِكٌ مُشْعَانٌّ طَوِيلٌ بغَنَمٍ يَسُوقُهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((بَيْعًا أمْ عَطِيَّةً؟ -أوْ قالَ: أمْ هِبَةً؟-)).

قالَ: ((لَا، بَلْ بَيْعٌ)).

فَاشْتَرَى مِنْهُ شَاةً، فَصُنِعَتْ، وَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِسَوَادِ الْبَطْنِ أَنْ يُشْوَى، وَايْمُ اللَّهَِ! مَا فِي الثَّلَاثِينَ وَالْمِائَةِ إِلَّا قَدْ حَزَّ النَّبِيُّ ﷺ له حُزَّةً مِنْ سَوَادِ بَطْنِهَا؛ إِنْ كَانَ شَاهِدًا أَعْطَاهَا إِيَّاهُ، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا خَبَأَ لَهُ، فَجَعَلَ مِنْهَا قَصْعَتَيْنِ، فَأَكَلُوا أَجْمَعُونَ وَشَبِعْنَا، فَفَضَلَتِ الْقَصْعَتَانِ، فَحَمَلْنَاهُ عَلَى الْبَعِيرِ، أَوْ كَمَا قَالَ)).

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «كَانَ رَجُلٌ يُدَايِنُ النَّاسَ، فَكَانَ يَقُولُ لِفَتَاهُ: إِذَا أَتَيْتَ مُعْسِرًا فَتَجَاوَزْ عَنْهُ؛ لَعَلَّ اللهَ يَتَجَاوَزُ عَنَّا، فَلَقِيَ اللهَ -تَعَالَى- فَتَجَاوَزَ عَنْهُ».

وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ طَلَبَ غَرِيمًا لَهُ، فَتَوَارَى عَنْهُ، ثُمَّ وَجَدَهُ، فَقَالَ: ((إِنِّي مُعْسِرٌ)).

فَقَالَ: ((آللهِ؟)).

قَالَ: ((آللهِ)).

قَالَ: فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُنْجِيَهُ اللهُ مِنْ كَرْبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلْيُنَفِّسْ عَنْ مُعْسِرٍ، أَوْ يَضَعْ عَنْهُ»)).

وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: ((بَيْنَمَا نَحْنُ فِي سَفَرٍ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ جَاءَ رَجُلٌ عَلَى رَاحِلَةٍ لَهُ، فَجَعَلَ يَصْرِفُ بَصَرَهُ يَمِينًا وَشِمَالًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((مَنْ كَانَ مَعَهُ فَضْلُ ظَهْرٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا ظَهْرَ لَهُ، وَمَنْ كَانَ لَهُ فَضْلُ زَادٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا زَادَ لَهُ)). فَذَكَرَ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ مَا ذَكَرَ؛ حَتَّى رَأَيْنَا أَنَّهُ لَا حَقَّ لِأَحَدٍ مِنَّا فِي فَضْلٍ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

((هَذَا الْحَدِيثُ فِي قِصَّةِ الرَّجُلِ الَّذِي جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ عَلَى رَحْلٍ لَهُ، فَجَعَلَ يَلْتَفِتُ يَمِينًا وَشِمَالًا، وَكَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَهِمَ أَنَّ الرَّجُلَ مُحْتَاجٌ، فَقَالَ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-: ((مَنْ كَانَ لَهُ فَضْلُ ظَهْرٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا ظَهْرَ لَهُ، وَمَنْ كَانَ لَهُ فَضْلٌ مِنْ زَادٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا زَادَ لَهُ)) .

وَذَكَرَ أَنْوَاعًا، وَلَمْ يُبَادِرْ فَيَقُولُ: مَنْ كَانَ لَهُ فَضْلُ زَادٍ مَثَلًا-؛ لِئَلَّا يَخْجَلَ الرَّجُلُ، بَلْ قَالَ: ((مَنْ كَانَ لَهُ فَضْلُ ظَهْرٍ))، وَالرَّجُلُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى الظَّهْرِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ؛ لَكِنْ هَذَا مِنْ حُسْنِ خِطَابِ النَّبِيِّ ﷺ.

يَقُولُ الرَّاوِي: ((حَتَّى رَأَيْنَا أَنَّهُ لَا حَقَّ لِأَحَدٍ مِنَّا فِي فَضْلٍ)) يَعْنِي: أَنَّ الْإِنْسَانَ يَبْذُلُ كُلَّ مَا عِنْدَهُ حَتَّى لَا يَبْقَى مَعَهُ فَضْلٌ، يَعْنِي: مِنَ الطَّعَامِ، وَالشَّرَابِ، وَالرَّحْلِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَهَذَا كُلُّهُ مِنْ بَابِ الْإِيثَارِ)).

«مَنْ كَانَ عِنْدَهُ فَضْلُ زَادٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا زَادَ لَهُ، مَنْ كَانَ عِنْدَهُ فَضْلُ ظَهْرٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا ظَهْرَ لَهُ، مَنْ كَانَ عِنْدَهُ فَضْلُ ثَوْبٍ، فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا ثَوْبَ لَهُ»، فَمَا زَالَ يُعَدِّدُ مِنْ أَصْنَافِ الفَضْلِ حَتَّى ظَنَّ الصَّحَابَةُ أَنَّهُ لَا حَقَّ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ فِي الْفَضْلِ، يَعْنِي: فِي الزِّيَادَةِ عَمَّا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ مِنْ ثِيَابٍ، أَوْ طَعَامٍ، أَوْ شَرَابٍ، أَوْ مَرْكُوبٍ، أَوْ مَا أَشْبَهَ.

فَذَلِكَ فِي الْمُوَاسَاةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ.

((وَعَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ سَالِمًا أَخْبَرَهُ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ أَخْبَرَهُ أَنَّ عُمَرَ ابْنَ الْخَطَّابِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ عَامَ الرَّمَادَةِ، وَكَانَتْ سَنَةً شَدِيدَةً مُلِمَّةً، بَعْدَمَا اجْتَهَدَ عُمَرُ فِي إِمْدَادِ الْأَعْرَابِ بِالْإِبِلِ وَالْقَمْحِ وَالزَّيْتِ مِنَ الْأَرْيَافِ كُلِّهَا؛ حَتَّى بَلَحَتِ الْأَرْيَافُ كُلُّهَا مِمَّا جَهَدَهَا ذَلِكَ.

فَقَامَ عُمَرُ يَدْعُو فَقَالَ: ((اللَّهُمَّ اجْعَلْ رِزْقَهُمْ عَلَى رُءُوسِ الْجِبَالِ))، فَاسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ وَلِلْمُسْلِمِينَ.

فَقَالَ حِينَ نَزَلَ بِهِ الْغَيْثُ: ((الْحَمْدُ لِلَّهِ، فَوَاللَّهِ! لَوْ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يُفْرِجْهَا مَا تَرَكْتُ بِأَهْلِ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لَهُمْ سَعَةٌ إِلَّا أَدْخَلْتُ مَعَهُمْ أَعْدَادَهُمْ مِنَ الْفُقَرَاءِ، فَلَمْ يَكُنِ اثْنَانِ يَهْلِكَانِ مِنَ الطَّعَامِ عَلَى مَا يُقِيمُ وَاحِدًا)). أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي ((الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ))، وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ فِي «صَحِيحِ الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ»

«عَامَ الرَّمَادَةِ»: هُوَ الْعَامُ الثَّامِنَ عَشَرَ مِنْ هِجْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ، وَسُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّ الرِّيحَ كَانَتْ تَسْفِي التُّرَابَ كَالرَّمَادِ، وَتَشَقَّقَتِ الْأَرْضُ أَخَادِيدَ، وَصَارُوا فِي جُهْدٍ جَهِيدٍ؛ حَتَّى إِنَّهُ يُقَالُ: إِنَّمَا سُمِّيَ عَامَ الرَّمَادَةِ بِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ لَمَّا أَجْدَبُوا صَارَتْ أَلْوَانُهُمْ كَلَوْنِ الرَّمَادِ، وَأَكَلُوا كُلَّ شَيْءٍ يُؤْكَلُ، وَصَارَتِ الذَّبَائِحُ بِحَيْثُ لَا تُؤْكَلُ، فَكَانَ الْوَاحِدُ مِنْهُمْ رُبَّمَا ذَبَحَ الشَّاةَ فَلَمْ يَجِدْ فِيهَا شَيْئًا يُؤْكَلُ، فَيَتْرُكُهَا بَعْدَ أَنْ يَذْبَحَهَا مِنَ الشِّدَّةِ، وَالْجُوعِ، وَالْقَحْطِ، وَالْمَجَاعَةِ، وَمَا ابْتَلى اللهُ -تَعَالَى- بِهِ الْمُسْلِمِينَ فِي ذَلِكَ الْعَامِ، وَكَانَتْ سَنَةً شَدِيدَةً مُلِمَّةً.

«وَكَانَتْ سَنَةً شَدِيدَةً مُلِمَّةً»: الشَّدِيدَةُ مِنَ النَّوَازِلِ، فَالْمُلِمَّةُ: النَّازِلَةُ الشَّدِيدَةُ مِنْ نَوَازِلِ الدُّنْيَا.

«الْأَرْيَافِ»: جَمْعُ رِيفٍ، وَهُوَ أَرْضٌ فِيهَا زَرْعٌ وَخِصْبٌ، وَيُطْلَقُ عَلَى مَا عَدَا الْمُدُنَ، فَمَا عَدَا الْمُدُنَ أَرْيَافٌ.

«بَلَحَتْ»: كَلَّتْ وَعَجَزَتْ عَنْ إِعْطَاءِ الْمَزِيدِ.

«فَقَامَ عُمَرُ يَدْعُو»: فَعَلَى الْإِمَامِ وَالسُّلْطَانِ أَنْ يَسْتَغِيثَ اللهَ -تَعَالَى- فِي الْجَفَافِ، وَفِي السُّيُولِ، وَفِي الْفَيَضَانَاتِ بَكُلِّ تَضَرُّعٍ وَإِلْحَاحٍ، كَمَا فَعَلَ عُمَرُ.

وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَقُومَ بِتَوْزِيعِ الْمَوَادِّ الْغِذَائِيَّةِ فِي الْمَنَاطِقِ الْمُصَابَةِ بِالْقَحْطِ وَالْجَدْبِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَمِمَّا يَجْمَعُهُ مِنَ الْأَرْيَافِ الَّتِي بِهَا الزَّرْعُ وَالنَّخِيلُ، وَإِذَا اقْتَضَى الْأَمْرُ فَيُوَزِّعُ الْفُقَرَاءَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْأُسَرِ الْمُسْلِمَةِ الْغَنِيَّةِ الَّتِي عِنْدَهَا سَعَةٌ مِنَ الرِّزْقِ، كَمَا قَرَّرَ ذَلِكَ عُمَرُ.

«حَتَّى بَلَحَتِ الْأَرْيَافُ كُلُّهَا مِمَّا جَهَدَهَا ذَلِكَ»، فَذَهَبَ زَرْعُهَا وَنَخْلُهَا، وَانْقَطَعَ.

«الْغَيْثُ»: الْمَطَرُ، غَاثَ الْغَيْثُ الْأَرْضَ: إِذَا أَصَابَهَا.

«فَلَمْ يَكُنِ اثْنَانِ يَهْلِكَانِ مِنَ الطَّعَامِ» أَيْ: مِنْ عَدَمِهِ.

«عَلَى مَا يُقِيمُ وَاحِدًا»: وَهَذَا مِنْ بَابِ قَوْلِ الرَّسُولِ ﷺ: «طَعَامُ الْوَاحِدِ يَكْفِي الِاثْنَيْنِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، قَالَ: «طَعَامُ الْوَاحِدِ يَكْفِي الِاثْنَيْنِ، وَطَعَامُ الِاثْنَيْنِ يَكْفِي الأَرْبَعَةَ».

بَلْ إِنَّهُمْ لَمَّا اشْتَكَوْا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُمْ يَأْكُلُونَ وَلَا يَشْبَعُونَ، وَيُعَانُونَ الْجُوعَ؛ فَقَالَ ﷺ: لَعَلَّكُمْ تَأْكُلُونَ فُرَادَى، وَأَمَرَهُمْ بِالِاجْتِمَاعِ عَلَى طَعَامِهِمْ.

فِي هَذَا الْحَدِيثِ: الْمُوَاسَاةُ فِي السَّنَةِ وَالْمَجَاعَةِ، وَإِخْلَاصُ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- وَاهْتِمَامُهُ بِالرَّعِيَّةِ، وَمَشْرُوعِيَّةُ الِاسْتِسْقَاءِ فِي الْإِقْلِيمِ الَّذِي يُصَابُ أَهْلُهُ بِالْقَحْطِ؛ وَحَبَّذَا لَوْ كَانَ الْأَمْرُ بِهِ مِنَ السُّلْطَانِ، وَحَبَّذَا لَوْ يَقُومُ بِهِ الْخِيَارُ مِنَ النَّاسِ؛ كَأَهْلِ الْعِلْمِ وَالتُّقَى، وَمِثْلُ الْقَحْطِ فِي مَشْرُوعِيَّةِ الِاسْتِغَاثَةِ مَا تُصَابُ بِهِ بَعْضُ الْبُلْدَانِ مِنْ كَثْرَةِ الْأَمْطَارِ وَالسُّيُولِ وَالْفَيَضَانَاتِ؛ فَإِنَّهُ يُشْرَعُ كَثْرَةُ الدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ وَالْإِلْحَاحِ فِي الدُّعَاءِ؛ حَتَّى يَنْكَشِفَ مَا بِهِمْ.

وَفِي الْحَدِيثِ: وُجُوبُ الِاهْتِمَامِ مِنَ الْوَالِي الْمُسْلِمِ بِحَالِ مَنْ سَبَقَ ذِكْرُهُمْ، فَيُعْطِيهِمْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ مَا يَسُدُّ حَاجَتَهُمْ حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ، وَأَنَّ مِنْ حَقِّ الْأُسَرِ الْفَقِيرَةِ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ: الْمُوَاسَاةَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ؛ لِيُحَقِّقُوا مَشْرُوعَ التَّكَافُلِ فِي الْإِسْلَامِ بِالزَّكَاةِ وَغَيْرِهَا)).

((مَنْ تَأَمَّلَ سُنَّةَ الرَّسُولِ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- وَهَدْيَهُ وَهَدْيَ أَصْحَابِهِ؛ وَجَدَ فِيهَا مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَمَعَالِي الْآدَابِ مَا لَوْ سَارَ النَّاسُ عَلَيْهِ لَنَالُوا بِذَلِكَ رِفْعَةَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ -وَفَّقَنَا اللهُ وَإِيَّاكُمْ لِمَا فِيهِ الْخَيْرُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ-)).

وَمِنْ دَلَائِلِ أَهَمِّيَّةِ التَّكَاتُفِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي أَزْمَاتِهِمْ: مَا فَعَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ مَعَ جَابِرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- مِنْ مُسَاعَدَتِهِ لِقَضَاءِ دَيْنِهِ؛ فَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا- قَالَ: ((غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: فَتَلَاحَقَ بِيَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَنَا عَلَى نَاضِحٍ لَنَا قَدْ أَعْيَا فَلَا يَكَادُ يَسِيرُ، فَقَالَ لِي: ((مَا لِبَعِيرِكَ؟)).

قَالَ: قُلْتُ: ((عَيِيَ)).

قَالَ: فَتَخَلَّفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَزَجَرَهُ، وَدَعَا لَهُ، فَمَا زَالَ بَيْنَ يَدَيِ الْإِبِلِ قُدَّامَهَا يَسِيرُ، فَقَالَ لِي: ((كَيْفَ تَرَى بَعِيرَكَ؟)).

قَالَ: قُلْتُ: ((بِخَيْرٍ، قَدْ أَصَابَتْهُ بَرَكَتُكَ)).

قَالَ: ((أَفَتَبِيعُنِيهِ؟)).

قَالَ: ((فَاسْتَحْيَيْتُ، وَلَمْ يَكُنْ لَنَا نَاضِحٌ غَيْرُهُ))، قَالَ: فَقُلتُ: ((نَعَمْ)).

قَالَ: ((فَبِعْنِيهِ)).

فَبِعْتُهُ إيَّاهُ عَلَى أَنَّ لِي فَقَارَ ظَهْرِهِ حَتَّى أَبْلُغَ الْمَدِينَةَ، قَالَ: فَقُلْتُ: ((يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي عَرُوسٌ)). فَاسْتَأْذَنْتُهُ، فَأَذِنَ لِي، فَتَقَدَّمْتُ النَّاسَ إِلَى الْمَدِينَةِ حَتَّى أَتَيْتُ الْمَدِينَةَ، فَلَقِيَنِي خَالِي، فَسَأَلَنِي عَنِ الْبَعِيرِ، فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا صَنَعْتُ فِيهِ، فَلَامَنِي، قَالَ: وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِي حِينَ اسْتَأْذَنْتُهُ: ((هَلْ تَزَوَّجْتَ بِكْرًا أَمْ ثَيِّبًا؟)).

فَقُلْتُ: ((تَزَوَّجْتُ ثَيِّبًا)).

فَقالَ: ((هَلَّا تَزَوَّجْتَ بِكْرًا تُلَاعِبُهَا وتُلَاعِبُكَ؟)).

قُلْتُ: ((يَا رَسولَ اللَّهِ! تُوُفِّيَ وَالِدِي -أَوِ اسْتُشْهِدَ- وَلِي أَخَوَاتٌ صِغَارٌ، فَكَرِهْتُ أَنْ أَتَزَوَّجَ مِثْلَهُنَّ، فَلَا تُؤَدِّبُهُنَّ، وَلَا تَقُومُ عَلَيْهِنَّ، فَتَزَوَّجْتُ ثَيِّبًا لِتَقُومَ عَلَيْهِنَّ وَتُؤَدِّبَهُنَّ)).

قَالَ: ((فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ غَدَوْتُ عَلَيْهِ بِالْبَعِيرِ، فَأَعْطَانِي ثَمَنَهُ وَرَدَّهُ عَلَيَّ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

((جُمْلَةٌ مِنْ صُوَرِ التَّكَاتُفِ فِي الْأَزْمَاتِ الْيَوْمَ))

إِنَّ الْمُجْتَمَعَاتِ الرَّاقِيَةَ مُجْتَمَعَاتٌ مُتَرَابِطَةٌ، مُتَعَاوِنَةٌ، مُتَكَافِلَةٌ؛ لَاسِيَّمَا فِي أَوْقَاتِ الْأَزْمَاتِ، وَفِقْهُ الْأَزْمَاتِ يَتَطَلَّبُ تَكَاتُفًا وَطَنِيًّا مِنْ خِلَالِ أُمُورٍ؛ مِنْهَا: الْبُعْدُ عَنْ جَمِيعِ صُوَرِ الْغِشِّ وَالِاحْتِكَارِ وَالِاسْتِغْلَالِ؛ فَقَدْ نَهَى الدِّينُ الْحَنِيفُ عَنْ تِلْكَ الْأَدْوَاءِ السَّلْبِيَّةِ نَهْيًا شَدِيدًا، فَجَاءَ التَّشْدِيدُ فِي النَّهْيِ عَنِ الْغِشِّ بِكُلِّ صُوَرِهِ، قَالَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: {وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ (1) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (2) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (3) أَلَا يَظُنُّ أُولَٰئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ (4) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (5) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [المطففين: 1-6].

هَلَاكٌ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ مِنَ اللهِ لِلَّذِينَ يَنْقُصُونَ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ؛ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا مِنَ النَّاسِ اسْتَوْفَوْا لِأَنْفُسِهِمُ الْكَيْلَ وَالْوَزْنَ تَامًّا غَيْرَ نَاقِصٍ، وَإِذَا كَالُوا لِغَيْرِهِمْ أَوْ وَزَنُوا لَهُمْ يَنْقُصُونَ الْكَيْلَ وَالْوَزْنَ، فَيُعْطُونَهُمْ عَنْ طَرِيقِ التَّلَاعُبِ بِالْكَيْلِ أَوِ الْوَزْنِ أَقَلَّ مِنْ حَقِّهِمْ.

أَلَا يَكْفِي أُولَئِكَ الْبُعَدَاءَ إِلَى جِهَةِ أَسْفَلَ سَافِلِينَ، الَّذِينَ يَأْخُذُونَ لِأَنْفُسِهِمْ زِيَادَةً، وَيَدْفَعُونَ إِلَى غَيْرِهِمْ نَقْصًا أَنْ يَظُنُّوا أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ بَعْدَ مَوْتِهِمْ لِيَوْمٍ عَظِيمِ الْهَوْلِ؛ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ مِنْ قُبُورِهِمْ لِلْحُضُورِ فِي مَحْكَمَةِ خَالِقِ الْخَلَائِقِ أَجْمَعِينَ، وَمَالِكِهِمْ، وَالْمُتَصَرِّفِ فِيهِمْ بِسُلْطَانِ رُبُوبِيَّتِهِ؛ لِمُحَاسَبَتِهِمْ وَمُجَازَاتِهِمْ، كَأَنَّهُمْ لَا يَخْطُرُ بِبَالِهِمْ وَلَا يُخَمِّنُونَ تَخْمِينًا أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ، {أَلَا يَظُنُّ أُولَٰئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ (4) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (5) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ}؟!! وَهُمْ مَسْؤُولُونَ فِيهِ عَنْ مِقْدَارِ الذَّرَّةِ؛ فَإِنَّ مَنْ يَظُنُّ ذَلِكَ -وَلَوْ ظَنًّا ضَعِيفًا- لَا يَكَادُ يَجْتَرِئُ عَلَى بَخْسِ الْحَقِّ؛ فَكَيْفَ وَقَدْ قَامَتْ عَلَى الْبَعْثِ الْبَرَاهِينُ الْقَطْعِيَّةُ الَّتِي تُفِيدُ الْيَقِينَ؟!!

وَيَقُولُ -سُبْحَانَهُ- عَلَى لِسَانِ شُعَيْبٍ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-: {وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ} [هود: 85].
 وَيَا قَوْمِ! أَتِمُّوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ وَافِيَيْنِ بِالْعَدْلِ، وَلَا تُطَفِّفُوا فِيهِمَا، وَلَا تَنْقُصُوا النَّاسَ مِمَّا اسْتَحَقُّوهُ شَيْئًا، وَلَا تَتَمَادَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ بِأَعْمَالِكُمُ الْإِجْرَامِيَّةِ الظَّالِمَةِ، وَمَنْعِ النَّاسِ حُقُوقَهُمْ، وَقَطْعِ الطَّرِيقِ عَلَى الْمُسَافِرِينَ.

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَرَّ عَلَى صُبْرَةٍ مِنْ طَعَامٍ -مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى كَوْمَةٍ مِنْ طَعَامٍ-، فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا، فَنَالَتْ أَصَابِعُهُ بَلَلًا، فَقَالَ: «مَا هَذَا يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ؟!»

قَالَ: ((أَصَابَتْهُ السَّمَاءُ يَا رَسُولَ اللَّهِ)).

قَالَ ﷺ: «أَفَلَا جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ كَيْ يَرَاهُ النَّاسُ؟! مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي». وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي ((صَحِيحِهِ)) .

قَالَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: ((لَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يَبِيعُ سِلْعَةً يَعْلَمُ أَنَّ بِهَا دَاءً إِلَّا أَخْبَرَهُ))؛ أَيْ: إِلَّا أَخْبَرَ الْمُشْتَرِيَ.

هَذِهِ آدَابُ الْإِسْلَامِ، وَهَذِهِ قَوَاعِدُهُ: لَا غِشَّ، وَلَا خِدَاعَ، وَلَا تَدْلِيسَ، وَلَا تَزْيِيفَ.

وَمِنْ آدَابِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ: عَدَمُ تَرْوِيجِ السِّلْعَةِ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ؛ فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- فِيمَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: ((الْحَلِفُ مُنْفَقَةٌ لِلسِّلْعَةِ، مَمْحَقَةٌ لِلْبَرَكَةِ)).

وَوَرَدَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: ((الْحَلِفُ الْكَاذِبُ..)).

وَمَعْنَى: ((مَنْفَقَةٌ))؛ أَيْ: يَكْثُرُ الْمُشْتَرُونَ وَيَرْغَبُونَ فِي سِلْعَتِهِ بِسَبَبِ حَلِفِهِ، ((مَمْحَقَةٌ)): مِنَ الْمَحْقِ وَهُوَ النَّقْصُ وَالْإِعْطَالُ.

وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ))، قَالَهَا النَّبِيُّ ﷺ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.

قَالَ أَبُو ذَرٍّ: خَابُوا وَخَسِرُوا.. مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟

قَالَ: ((الْمُسْبِلُ))؛ وَهُوَ الَّذِي يُطِيلُ ثَوْبَهُ أَسْفَلَ الْكَعْبَيْنِ، وَالْكَعْبُ: الْعَظْمُ النَّاتِئُ فِي جَانِبِ الرِّجْلِ.. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لَمَا سُئِلَ عَنْهُمْ، قَالَ: ((الْمُسْبِلُ، وَالْمَنَّانُ، وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ)) .

فَهَذَا -كَمَا تَرَى- مِنَ الْأُمُورِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي يَنْبَغِي أَنْ يُجَانِبَهَا الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ عِنْدَ بَيْعِهِ وَشِرَائِهِ وَمُعَامَلَتِهِ مَعَ إِخْوَانِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَمَعَ غَيْرِهِمْ -أَيْضًا-؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ لَيْسَ بِغَشَّاشٍ بِحَالٍ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي)).

قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: الْمُسْبِلُ، وَالْمَنَّانُ -الَّذِي يَمُنُّ بِالْعَطِيَّةِ يُعْطِيهَا، لَوْ لَمْ يُعْطِ لَكَانَ أَحْسَنَ- وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ))؛ الَّذِي يُرَوِّجُ السِّلْعَةَ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ، هَذَا مِنَ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، وَهَؤُلَاءِ خَابُوا وَخَسِرُوا كَمَا قَالَ أَبُو ذَرٍّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-.

كَمَا نَهَى الشَّرْعُ الْحَنِيفُ عَنْ كُلِّ صُوَرِ الِاحْتِكَارِ وَالِاسْتِغْلَالِ؛ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّلَاعُبِ بِأَقْوَاتِ النَّاسِ وَمُقَوِّمَاتِ حَيَاتِهِمْ، وَالِاسْتِحْوَاذِ عَلَيْهَا؛ لِتَحْقِيقِ مَكَاسِبَ غَيْرِ مَشْرُوعَةٍ عَلَى حِسَابِ عَنَتِ النَّاسِ وَمَشَقَّتِهِمْ، حَيْثُ يَقُولُ الْحَقُّ -سُبْحَانَهُ-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ ۚ وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء: 29].

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ صَدَّقُوا بِاللهِ وَاتَّبَعُوا رَسُولَهُ! لَا يَأْخُذْ بَعْضُكُمْ مَالَ بَعْضٍ بِالْحَرَامِ الَّذِي لَا يَحِلُّ فِي الشَّرْعِ؛ كَالرِّبَا، وَالْقِمَارِ، وَالْغَصْبِ، وَالسَّرِقَةِ، وَشَهَادَةِ الزُّورِ، وَجَمِيعِ التَّصَرُّفَاتِ الْوَاقِعَةِ عَلَى وَجْهِ الْبَاطِلِ وَالْعُقُودِ الْفَاسِدَةِ، لَكِنْ يَحِلُّ لَكُمْ أَخْذُ الْمَالِ بِالتِّجَارَةِ النَّاشِئَةِ عَنْ تَرَاضٍ بِطِيبِ نَفْسِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ، التَّرَاضِي أَسَاسُ الْعُقُودِ عَامَّةً، وَأَسَاسُ الْمُبَادَلَاتِ الْمَالِيَّةِ خَاصَّةً، فَلَا بَيْعَ، وَلَا شِرَاءَ، وَلَا إِجَارَةَ، وَلَا شَرِكَةَ، وَلَا غَيْرَهَا مِنْ عُقُودِ التِّجَارَةِ مَا لَمْ يَتَحَقَّقِ الرِّضَا.

احْتِكَارُ السِّلَعِ حَرَامٌ لَا يَجُوزُ، وَقَدْ نَهَى عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ؛ فَعَنْ مَعْمَرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: ((لَا يَحْتَكِرُ إِلَّا خَاطِئٌ)). أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي ((صَحِيحِهِ)).

فَرَهَّبَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الِاحْتِكَارِ.

وَالِاحْتِكَارُ: هُوَ شِرَاءُ الشَّيْءِ وَحَبْسُهُ لِيَقِلَّ بَيْنَ النَّاسِ؛ فَيَغْلُوَ سِعْرُهُ، وَيُصِيبَهُمْ بِسَبَبِ ذَلِكَ الضَّرَرُ.

وَالِاحْتِكَارُ حَرَّمَهُ الشَّارِعُ وَنَهَى عَنْهُ؛ لِمَا فِيهِ مِنَ الجَشَعِ، وَالطَّمَعِ، وَسُوءِ الخُلُقِ، وَالتَّضْيِيقِ عَلَى النَّاسِ.

رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ مَعْمَرٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنِ احْتَكَرَ فَهُوَ خَاطِئٌ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَفِي رِوَايَةٍ: «لَا يَحْتَكِرُ إِلَّا خَاطِئٌ»، وَالخَاطِئُ: الآثِمُ، وَالمَعْنَى: لا يَجْتَرِئُ عَلَى هَذَا الفِعْلِ الشَّنِيعِ إِلَّا مَنِ اعْتَادَ المَعْصِيَةَ.

إِنَّ الأُمَّةَ تُعَانِي فِي هَذَا الوَقْتِ مِنْ هَذَا الدَّاءِ الوَبِيلِ الَّذِي حَرَّمَهُ الشَّرْعُ الشَّرِيفُ، وَنَدَّدَ النَّبِيُّ ﷺ بِمَنْ فَعَلَهُ؛ وَهُوَ الِاحْتِكَارُ، فَإِنَّ أَكْثَرَ التُّجَّارِ الَّذِينَ يُتَاجِرُونَ فِي السِّلَعِ الغِذَائِيَّةِ، وَمَا أَشْبَهَ مِمَّا يَحْتَاجُهُ النَّاسُ حَاجَةً مَاسَّةً، يَقُومُونَ بِهَذَا العَمَلِ الشَّنِيعِ، وَيَتَوَفَّرُونَ عَلَى صَنِيعِهِ، مِمَّا يُؤَدِّي بِالأُمَّةِ إِلَى الوُقُوعِ فِي الفَوْضَى، وَالِاضْطِرَابِ فِي النِّظَامِ، وَهَذَا كُلُّهُ إِنَّمَا يُعَجِّلُ بِالوُصُولِ إِلَى غَايَةِ المُؤَامَرَةِ الَّتِي يَأْتَمِرُ بِهَا وَفِيهَا أَعْدَاءُ الإِسْلَامِ.

فَأَمْثَالُ هَؤُلَاءِ يَدْعُوهُمْ جَشَعُهُمْ، وَعَدَمُ حِرْصِهِمْ عَلَى آخِرَتِهِمْ، إِلَى إِنْفَاذِ هَذَا الْمُخَطَّطِ الْمَلْعُونِ، الَّذِي يُؤَدِّي فِي النِّهَايَةِ إِلَى دُخُولِ الْأُمَّةِ فِي الْمَأْزِقِ الَّذِي لَا مَخْرَجَ لَهَا مِنْهُ، وَهَذَا كُلُّهُ يَصْنَعُونَهُ لِشَيْءٍ مَوْهُومٍ، فَإِنَّهُ إِذَا وَقَعَتِ الْفَوْضَى، أَوْ سَقَطَتِ الدَّوْلَةُ، أَوْ ذَهَبَ النِّظَامُ، فَإِنَّ أَصْحَابَ الْأَمْوَالِ لَنْ يَنْتَفِعُوا بِأَمْوَالِهِمْ، وَمَا سَيَكُونَ عِنْدَهُمُ حِينَئِذٍ مِنَ الْأَمْوَالِ فَإِنَّهَا لَا تُسَاوِي الْوَرَقَ الَّذِي طُبِعَتْ عَلَيْهِ، وَهَذَا يَقْضِي بِهِ الْعَقْلُ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ الْوَاقِعُ، وَالسَّعِيدُ مَنِ اتَّعَظَ بِغَيْرِهِ.

وَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الِاحْتِكَارَ يَكُونُ فِي حَالِ الضِّيقِ وَالضَّرُورَةِ، لَا فِي وَقْتِ السَّعَةِ؛ وَفِي الْبَلَدِ الصَّغِيرِ عَادَةً؛ وَمِنْ طَرِيقِ الشِّرَاءِ وَالِامْتِنَاعِ عَنِ الْبَيْعِ مِمَّا يَضُرُّ بِالنَّاسِ؛ لِأَنَّ فِي الْحَبْسِ ضَرَرًا بِالْمُسْلِمِينَ.

وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ -أَيْضًا- عَلَى أَنَّ الِاحتِكَارَ حَرَامٌ فِي كُلِّ وَقْتٍ فِي الْأَقْوَاتِ، وَالطَّعَامِ؛ طَعَامِ الْإِنْسَانِ، مِثْلِ: الحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ، وَالذُّرَةِ، وَالْأُرْزِ، وَمَا أَشْبَهَ، وَالتِّينِ، وَالْعِنَبِ، وَالتَّمْرِ، وَالزَّبِيبِ، وَاللَّوْزِ، وَنَحْوِهَا مِمَّا يَقُومُ بِهِ الْبَدَنُ.

وَكَذِلِكَ يَحْرُمُ الِاحْتِكَارُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَالشَّافِعِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ فِي طَعَامِ الْبَهَائِمِ؛ كَتِبْنٍ وَغَيْرِهِ مِنْ عَلَفِ الدَّوَابِّ؛ فَيَحْرُمُ الِاحْتِكَارُ فِيهَا.

وَيَحْرُمُ الِاحْتِكَارُ -أَيْضًا- عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَأَبِي يُوسُفَ فِي غَيْرِ الطَّعَامِ فِي وَقْتِ الضَّرُورَةِ، لَا فِي وَقْتِ السَّعَةِ، فَلَا يَجُوزُ عِنْدَهُمْ الِاحْتِكَارُ فِي الطَّعَامِ وَغَيْرِهِ، مِنَ الْكَتَّانِ، وَالْقُطْنِ، وَجَمِيعِ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْإِنْسَانُ، أَوْ كُلِّ مَا أَضَرَّ بِالنَّاسِ حَبْسُهُ، قُوتًا كَانَ أَوْ لَا، وَلَوْ ثِيَابًا، أَوْ دَرَاهِمَ.

كَمَا يَصْنَعُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ مِمَّنْ يُرِيدُونَ الشَّرَّ لِلْأُمَّةِ، وَمِمَّنْ يَتَعَامَلُونَ عَلَى غَفْلَةٍ، وَلَا يَنْظُرُونَ فِي مَآلَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّهُ كُلَّمَا تَوَفَّرَتْ عُمْلَةٌ صَعْبَةٌ، تَوَفَّرُوا هُمْ عَلَى الِاسْتِحْوَاذِ عَلَيْها وَكَنْزِهَا؛ فَتَظَلُّ الْأَزْمَةُ قَائِمَةً، بَلْ إِنَّهَا تَزْدَادُ عُتُوًّا -وَإِلَى اللهِ الْمشْتَكَى-.

وَالْخُلَاصَةُ: أَنَّ الْجُمْهُورَ خَصُّوا الِاحْتِكَارَ بِالْقُوتَيْنِ: قُوتِ النَّاسِ، وَقُوتِ الْبَهَائِمِ؛ نَظَرًا لِلْحِكْمَةِ الْمُنَاسِبَةِ لِلتَّحْرِيمِ؛ وَهِيَ: دَفْعُ الضَّرَرِ عَنِ النَّاسِ، وَالْأَغْلَبُ فِي ذَلِكَ إِنَّما يَكُونُ فِي الْقُوتَيْنِ. وَمَنَعَهُ الْمَالِكِيَّةُ -أَيْ: مَنَعُوا الِاحْتِكَارَ- مُطْلَقًا.

فَلْيَتَّقِ اللهَ أَقْوَامٌ لَا يَنْظُرُونَ إِلَى مَآلَاتِ الْأُمُورِ، وَلْيَحْرِصُوا عَلَى أَنْ يُرْضُوا اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، وَلْيَعْلَمُوا أَنَّ كُلَّ لَحْمٍ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ فَالنَّارُ أَوْلَى بِهِ.

وَعَلَيْهِمْ أَنْ يَتَّقُوا اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- فِي دِينِهِمْ، وَفِي إِخْوَانِهِمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَعَلَيْهِمُ أَنْ يَتَّقُوا اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- فِي الدَّوَابِّ؛ فَإِنَّ الِاحْتِكَارَ لِقُوتِ الدَّوَابِّ وَالْبَهَائِمِ مِمَّا حَرَّمَهُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- -كَمَا مَرَّ-.

 فَإِنَّ هَذَا الِاحْتِكَارَ لِقُوتِ الدَّوَابِّ لَا يَجُوزُ، بَلْ هُوَ مُحَرَّمٌ، فَكَيْفَ بِاحْتِكَارِ أَقْوَاتِ الْبَشَرِ، أَقْوَاتِ الْمُسْلِمِينَ؟!!

عَلَيْهِمْ أَنْ يَتَّقُوا اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، وَأَنْ يَفِيئُوا إِلَيْهِ، وَأَنْ يَخْرُجُوا مِنْ مَعَاصِيهِمْ، بِالْإِقْبَالِ عَلَى اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، وَبَذْلِ مَا فِي أَيْدِيهِمْ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ -وَهُوَ عَلَى عَكْسِ مَا يَفْعَلُونَ-: «مَنْ كَانَ عِنْدَهُ فَضْلُ زَادٍ، فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا زَادَ لَهُ، مَنْ كَانَ عِنْدَهُ فَضْلُ ظَهْرٍ، فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا ظَهْرَ لَهُ، مَنْ كَانَ عِنْدَهُ فَضْلُ ثَوْبٍ، فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا ثَوْبَ لَهُ»، فَمَا زَالَ يُعَدِّدُ مِنْ أَصْنَافِ الفَضْلِ، حَتَّى ظَنَّ الصَّحَابَةُ أَنَّهُ لَا حَقَّ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ فِي الْفَضْلِ؛ يَعْنِي فِي الزِّيَادَةِ عَمَّا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ مِنْ ثِيَابٍ أَوْ طَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ أَوْ مَرْكُوبٍ أَوْ مَا أَشْبَهَ.

إِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فِي الْمُوَاسَاةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، فَكَيْفَ بِهَذَا الْعَمَلِ الشَّنِيعِ: وَهُوَ احْتِكَارُ مُتَطَلَّبَاتِ الْمُسْلِمِينَ وَحَبْسُهَا حَتَّى يَغْلُوَ سِعْرُهَا وَثَمَنُهَا مِنْ أَجْلِ أَنْ يَتَكَسَّبُوا بِمُسْتَقْبَلِ بَلَدِهِمُ الْمُسْلِمِ، حَتَّى يَنْهَارَ وَحَتَّى تَضْمَحِلَّ قُوَى الْإِسْلَامِ فِيهِ؟!! فَهَذِهِ خِيَانَةٌ عُظْمَى.

((عَلَى أَنَّنَا نُؤَكِّدُ أَنَّ الرِّقَابَةَ عَلَى الْأَسْوَاقِ مِنَ الْوِلَايَاتِ الْعَامَّةِ لِلدَّوْلَةِ، وَأَنَّهُ يَجِبُ التَّعَاوُنُ مَعَ كُلِّ الْأَجْهِزَةِ الْمَعْنِيَّةِ لِمَنْعِ كُلِّ جَرَائِمِ الْغِشِّ وَالِاحْتِكَارِ وَاسْتِغْلَالِ الْمُسْتَهْلِكِ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ عَلَى الظَّوَاهِرِ السَّلْبِيَّةِ يُسْهِمُ بِقُوَّةٍ فِي تَحْقِيقِ الْأَمْنِ النَّفْسِيِّ لِلْمُجْتَمَعِ، وَيُسْهِمُ فِي دَفْعِ عَجَلَةِ الِاقْتِصَادِ الْجَادِّ، وَفِي التَّمَيُّزِ وَالْإِتْقَانِ مَحَلِّيًّا وَدَوْلِيًّا، أَمَّا الْغِشُّ فَبَابٌ وَاسِعٌ مِنْ أَبْوَابِ الْفَسَادِ وَتَدْمِيرِ اقْتِصَادِيَّاتِ الدُّوَلِ.

كَمَا أَنَّنَا نُؤَكِّدُ عَلَى أَنَّ الْإِشْرَافَ عَلَى الْأَسْوَاقِ وَمُرَاقَبَتَهَا أَمَانَةٌ كَبِيرَةٌ وَمَسْئُولِيَّةٌ عَظِيمَةٌ فِي أَيْدِي كُلِّ مَنْ كُلِّفَ بِمَهَمَّةٍ مِنْ مَهَامِّهَا، وَإِنَّ اللهَ -عَزَّ وَجَلَّ- سَائِلٌ كُلَّ إِنْسَانٍ عَمَّا كُلِّفَ بِهِ أَحَفِظَ أَوْ ضَيَّعَ!!)).

فَأُولُو الْأَمْرِ لَهُمْ -كَمَا حَدَّدَ الشَّرْعُ- أَنْ يَأْخُذُوا عَلَى أَيْدِي هَؤُلَاءِ -وَلَا يُبَالُونَ- مِنْ أَجْلِ إِعَادَةِ الْأَمْرِ إِلَى نِصَابِهِ، مَعَ عَدَمِ ظُلْمِهِمْ، وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ مَا احْتَكَرُوهُ بِثَمَنِ الْمِثْلِ، وَلَوْ عَذَّرَهُمْ وَلِيُّ الْأَمْرِ بِأَنْ أَخَذَ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْمُحْتَكَرَاتِ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ لِيَرُدَّهَا عَلَى الْمُحْتَاجِينَ؛ فَلَعَلَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ.

وَاللهُ الْمُسْتَعَانُ، وَعَلَيْهِ التُّكْلَانُ.

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ! إِنَّ أَمْنَ النَّاسِ فِي طَعَامِهِمْ وَشَرَابِهِمْ وَحَوَائِجِهِمْ قَضِيَّةٌ مُجْتَمَعِيَّةٌ وَإِنْسَانِيَّةٌ تَأْتِي عَلَى رَأْسِ الْأَوْلَوِيَّاتِ فِي حُقُوقِ الْإِنْسَانِ الْمَادِّيَّةِ؛ إِذْ لَا يُمْكِنُ تَصَوُّرُ حَيَاةٍ كَرِيمَةٍ بِدُونِ أَنْ يَكُونَ الْإِنْسَانُ آمِنًا عَلَى غِذَائِهِ وَدَوَائِهِ، فَيَجِبُ أَنْ تَتَضَافَرُ الْجُهُودُ فِي مُوَاجَهَةِ جَمِيعِ ظَوَاهِرِ الْغِشِّ وَالِاحْتِكَارِ، وَلَا سِيَّمَا مَا يَتَّصِلُ بِشُؤُونِ الْغِذَاءِ وَالدَّوَاءِ.

إِنَّ التَّاجِرَ الْوَطَنِيَّ الصَّدُوقَ هُوَ الَّذِي لَا يَخْدَعُ، وَلَا يَغُشُّ، وَلَا يَخُونُ، بَلْ يَدْفَعُهُ دِينُهُ وَتَؤُزُّهُ وَطَنِيَّتُهُ -وَلَاسِيَّمَا وَقْتَ الْأَزْمَاتِ- إِلَى أَنْ يُخَفِّفَ عَلَى النَّاسِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ ذَلِكَ مِنَ التَّرَاحُمِ الَّذِي يُثَابُ عَلَيْهِ، وَقَدْ أَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِعُلُوِّ مَنْزِلَةِ التَّاجِرِ الصَّدُوقِ الْأَمِينِ، وَرِفْعَةِ دَرَجَتِهِ؛ فَرَغَّبَ النَّبِيُّ ﷺ التُّجَّارَ فِي الصِّدْقِ، وَرَهَّبَهُمْ مِنَ الْكَذِبِ وَمِنَ الْحَلِفِ وَإِنْ كَانُوا صَادِقِينَ؛ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «التَّاجِرُ الصَّدُوقُ الْأَمِينُ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: «حَدِيثٌ حَسَنٌ»، وَقَالَ الْأَلْبَانيُّ: «صَحِيحٌ لِغَيْرِهِ».

وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَلَفْظُهُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «التَّاجِرُ الْأَمِينُ الصَّدُوقُ الْمُسْلِمُ مَعَ الشُّهَدَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». وَهُوَ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

وَعَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، فَإِنْ صَدَقَا الْبَيِّعَانِ وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَتَمَا وَكَذَبَا فَعَسَى أَنْ يَرْبَحَا رِبْحًا وَيُمْحَقَا بَرَكَةَ بَيْعِهِمَا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَعَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ رِفَاعَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّهُ خَرَجَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَى الْمُصَلَّى؛ فَرَأَى النَّاسَ يَتَبَايَعُونَ، فَقَالَ: «يَا مَعْشَرَ التُّجَّارِ! »، فَاسْتَجَابُوا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَرَفَعُوا أَعْنَاقَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ إِلَيْهِ، فَقَالَ: «إِنَّ التُّجَّارَ يُبْعَثُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فُجَّارًا إِلَّا مَنِ اتَّقَى اللهَ وَبَرَّ وَصَدَقَ». أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ حِبَّانَ، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ.

وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شِبْلٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ التُّجَّارَ هُمُ الْفُجَّارُ».

قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! أَلَيْسَ قَدْ أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ؟

قَالَ: «بَلَى، وَلَكِنَّهُمْ يَحْلِفُونَ فَيَأْثَمُونَ، وَيُحَدِّثُونَ فَيَكْذِبُونَ». أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ، وَهُوَ كَمَا قَالَ.

وَعَنْ سَلْمَانَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «ثَلَاثَةٌ لَا يَنْظُرُ اللهُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ أُشَيْمِطٌ زَانٍ -وَهُوَ مَنِ ابْيَضَّ شَعْرُ رَأْسِهِ مِنَ الْكِبَرِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَقَعُ فِي فَاحِشَةِ الزِّنَا-، وَعَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ -وَالْعَائِلُ: الْفَقِيرُ-، وَرَجُلٌ جَعَلَ اللهَ بِضَاعَتَهُ؛ لَا يَشْتَرِي إِلَّا بِيَمِينِهِ، وَلَا يَبِيعُ إِلَّا بِيَمِينِهِ».

رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي «الْكَبِيرِ»، وَفِي «الصَّغِيرِ» وَ«الْأَوْسَطِ»؛ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ فِيهِمَا: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ...». فَذَكَرَهُ.

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: رَجُلٌ عَلَى فَضْلِ مَاءٍ بِفَلَاةٍ يَمْنَعُهُ ابْنَ السَّبِيلِ، وَرَجُلٌ بَايَعَ رَجُلًا بِسِلْعَتِهِ بَعْدَ الْعَصْرِ فَحَلَفَ بِاللهِ لَأَخَذَهَا بِكَذَا وَكَذَا، فَصَدَّقَهُ فَأَخَذَهَا وَهُوَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَرَجُلٌ بَايَعَ إِمَامًا لَا يُبَايِعُهُ إِلَّا لِلدُّنْيَا؛ فَإِنْ أَعْطَاهُ مِنْهَا مَا يُرِيدُ وَفَى لَهُ، وإِنْ لَمْ يُعْطِهِ لَمْ يَفِ».

وَفِي رِوَايَةٍ نَحْوُهُ، وَقَالَ: «وَرَجُلٌ حَلَفَ عَلَى سِلْعَتِهِ لَقَدْ أُعْطِيَ بِهَا أَكْثَرَ مِمَّا أُعْطِيَ وَهُوَ كَاذِبٌ، وَرَجُلٌ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ كَاذِبَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، وَرَجُلٌ مَنَعَ فَضْلَ مَاءٍ، فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ: الْيَوْمَ أَمْنَعُكَ فَضْلِي كَمَا مَنَعْتَ فَضْلَ مَا لَمْ تَعْمَلْ يَدَاكَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَعَنْهُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَرْبَعَةٌ يُبْغِضُهُمُ اللهُ: الْبَيَّاعُ الْحَلَّافُ، وَالْفَقِيرُ الْمُخْتَالُ، وَالشَّيْخُ الزَّانِي، وَالْإِمَامُ الْجَائِرُ». أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ، وَهُوَ فِي مُسْلِمٍ بِنَحْوِهِ.

وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- رَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللهَ يُحِبُّ ثَلَاثَةً وَيُبْغِضُ ثَلَاثَةً...))، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، إِلَى أَنْ قَالَ: قُلْتُ: فَمَنِ الثَّلَاثَةُ الَّذِينَ يُبْغِضُهُمُ اللهُ؟

قَالَ: «الْمُخْتَالُ الْفَخُورُ، وَأَنْتُمْ تَجِدُونَهُ فِي كِتَابِ اللهِ الْمُنْزَّلِ: {إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} [لقمان: 81]، وَالْبَخِيلُ الْمَنَّانُ، وَالتَّاجِرُ أَوِ الْبَائِعُ الْحَلَّافُ». أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ.

وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: ((مَرَّ أَعْرَابِيٌّ بِشَاةٍ، فَقُلْتُ: تَبِيعُهَا بِثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ؟)).

فَقَالَ: ((لَا وَاللهِ!)). ثُمَّ بَاعَهَا، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: «بَاعَ آخِرَتَهُ بِدُنْيَاهُ». أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ.

وَعَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَخْرُجُ إِلَيْنَا وَكُنَّا تُجَّارًا، وَكَانَ يَقُولُ: «يَا مَعْشَرَ التُّجَّارِ! إِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ». أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ لِغَيْرِهِ)) .

حَضَّ النَّبِيُّ ﷺ التُّجَّارَ عَلَى الصِّدْقِ وَعَلَى الْأَمَانَةِ، وَحَذَّرَهُمْ مِنَ الْكَذِبِ وَالْخِيَانَةِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْبِيئَةَ وَالزَّمَانَ الَّذِي نَعِيشُ يُمَهِّدَانِ لِمَا يُسَمَّى بِالْغِنَى عَنْ طَرِيقِ أَسَالِيبِ تُجَّارِ الْحُرُوبِ، فَفِي مِثْلِ هَذَا الْوَقْتِ وَهَذِهِ الْبِيئَةِ وَهَذِهِ الْأَحْوَالِ الَّتِي قَدَّرَهَا اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- يَغْتَنِي كَثِيرٌ مِمَّنْ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخِيَانَةِ وَالْغِشِّ وَالِاحْتِكَارِ، يَأْخُذُونَ السِّلَعَ ثُمَّ يَحْتَكِرُونَهَا؛ يَعْنِي يُغَيِّبُونَهَا وَلَا يُظِهرُونَهَا، حَتَّى إِذَا شَحَّتْ فِي الْأَسْوَاقِ وَعَلَا ثَمَنُهَا وَغَلَا؛ فَإِنَّهُمْ يُخرِجُونَهَا لِإِحْدَاثِ هَذَا الْغَلَاءِ الَّذِي تَرَوْنَ وَتَسْمَعُونَ وَتُعَانُونَ.

قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا يَحْتَكِرُ إِلَّا خَاطِئٌ».

فَالَّذِي يَحْتَكِرُ السِّلَعَ، وَيُضَيِّقُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ؛ يُضَيِّقُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- عَلَيْهِ، وَمَهْمَا جَمَعَ فَإِنَّهُ سَيُحَاسَبُ عَلَيْهِ فِي الْآخِرَةِ إِنْ لَمْ يُؤَاخَذْ بِهِ فِي الدُّنْيَا؛ مِنْ مَرَضٍ يَمْحَقُ مَا عِنْدَهُ؛ لِأَنَّ هَذَا الَّذِي أَخَذَ بِهِ وَإِنْ كَانَ مَنْفَقَةً لِلسِّلْعَةِ -يَعْنِي جَالِبًا لِارْتِفَاعِ السِّعْرِ لَهَا- إِلَّا أَنَّهُ مَمْحَقَةٌ لِلْبَرَكَةِ، فَلَا يَبْقَى عِنْدَهُ شَيْءٌ، فَكُلُّ هَذَا مِمَّا يُبَهْرَجُ بِهِ أَمَامَ الْعَيْنِ وَهُوَ مِنْ فِعْلِ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ.

عَلَيْنَا أَنْ نَتَّقِيَ اللهَ فِي دِينِنَا وَفِي بَلَدِنَا؛ فَإِنَّهَا عَلَى شَفَا، ثَبَّتَهَا اللهُ وَحَفِظَهَا وَحَمَاهَا، وَهُوَ الْبَرُّ الْجَوَادُ الرَّحِيمُ.

((أَيْنَ تَكَاتُفُ الْمُسْلِمِينَ فِي الْأَزْمَاتِ الْيَوْمَ؟!!))

عباد الله! الرَّسُولُ ﷺ يُرِيدُ مِنْ هَؤُلَاءِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَكُونُوا جَسَدًا وَاحِدًا، إِذَا مَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى سَائِرُ الْجَسَدِ لَهُ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى كَمَا فِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَى صِحَّتِهِ مِنْ رِوَايَةِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرُاحِمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ كَمَثَلِ الْجَسَدِ الْوَاحِدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى)).

إِنَّ الرَّسُولَ ﷺ يُبَيِّنُ لَنَا أَنَّ الْمُسْلِمِينَ كَالْجَسَدِ الْوَاحِدِ فِي الْأَرْضِ كُلِّهَا، وَالنَّبِيُّ ﷺ يُعَلِّمُ أَنَّ الْعَقْلَ السَّوِيَّ يَقْضِي بِأَنَّهُ إِذَا مَا أُصِيبَ عُضْوٌ مِنْ أَعْضَاءِ الْجِسْمِ فَإِنَّ الْجَسَدَ يُكْرَبُ بِإِصَابَتِهِ، وَيَأْلَمُ لِأَلَمِهِ، وَيَسْهَرُ لِمُعَانَاتِهِ، وَلَا يَسْتَطِيعُ بِحَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ أَنْ يُغْضِيَ ذَلِكَ الْأَلَمَ، وَلَا أَنْ يَجْعَلَهُ دَبْرَ أُذُنَيْهِ وَلَا تَحْتَ مَوَاطِئِ قَدَمَيْهِ، وَإِنَّمَا هُوَ مَفْرُوضٌ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ الْحَالُ مَعَ الْمُسْلِمِينَ فِي بِقَاعِ الْأَرْضِ كُلِّهَا.

وَأَمَّا الَّذِي يَتَنَاسَى ذَلِكَ، وَأَمَّا الَّذِي لَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهِ، وَأَمَّا الَّذِي يَسْتَعْلِي عَلَى قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: ((مَنْ كَانَ عِنْدَهُ فَضْلُ زَادٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا زَادَ لَهُ، وَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ فَضْلُ ظَهْرٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا ظَهْرَ لَهُ)).

مَنْ كَانَ عِنْدَهُ فَضْلُ كِسَاءٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا كِسَاءَ لَهُ، مَنْ كَانَ عِنْدَهُ فَضْلُ حِذَاءٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا حِذَاءَ لَهُ..

((مَا زَالَ يُعَدِّدُ أَصْنَافَ الْفَضْلِ وَأَصْنَافَ الْعَطَاءِ حَتَّى  ظَنَنَّا أَنَّهُ لَا حَقَّ لِأَحَدٍ مِنَّا فِي الْفَضْلِ)).

عِبَادَ اللهِ! إِنَّ الْإِسْلَامَ مَعْنًى يَتَوَسَّدُ فِي النُّفُوسِ؛ فَيُخْرِجُهَا مِنْ أَثَرَتِهَا؛ لِأَنَّ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ بِهَذَا الْإِسْلَامِ يُؤَلِّفُ بَيْنَ الْقُلُوبِ، {لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [الأنفال: 63].

هُوَ وَحْدَهُ بِعِزَّتِهِ وَحِكْمَتِهِ الَّذِي يُؤَلِّفُ بَيْنَ الْقُلُوبِ، فَاللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ أَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ، فَأَيْنَ هِيَ الْأُلْفَةُ الَّتِي تَكُونُ بَيْنَ قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ؟!! وَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ لَيَتَضَوَّرُونَ جُوعًا دَاخِلًا وَخَارِجًا، وَأَقْوَامٌ يُتْخَمُونَ وَيُبْشَمُونَ وَلَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَجِدُوا مَصْرَفًا لِمَا آتَاهُمُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ إِلَّا أَنْ يُنْفَقَ عَلَى الْكِلَابِ وَأَشْبَاهِ الْكِلَابِ!!

الرَّسُولُ ﷺ يُبَيِّنُ لَنَا أَنَّ الْجَارَ لَهُ حَقٌّ عَلَى أَخِيهِ، حَتَّى إِنَّ الْعُلَمَاءَ -رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِمْ- يَقُولُونَ: حَقُّ الْجَارِ مَحْدُودٌ فِيمَا بَيَّنَهُ النَّبِيُّ ﷺ هِيَ أَرْبَعُونَ جَارًا مِنْ أَمَامَ، وَأَرْبَعُونَ جَارًا مِنْ خَلْفٍ، وَأَرْبَعُونَ جَارًا عَنْ يَمِينٍ، وَأَرْبَعُونَ جَارًا عَنْ شِمَالٍ، فَإِذَا مَا وَجَدْتَ ذَلِكَ كَذَلِكَ وَأَرَدْتَ تَطْبِيقَهُ وَجَدْتَ أَنَّ أَهْلَ كُلِّ مَحَلَّةٍ وَأَنَّ أَهْلَ كُلِّ بَلَدٍ إِنَّمَا هُمْ جِيرَانٌ عَلَى هَذَا الِاعْتِبَارِ.

عِبَادَ اللهِ! إِنَّ لِلْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ مِنَ الْحُقُوقِ مَا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُفَرَّطَ فِيهِ وَلَا أَنْ يُتَهَاوَنَ بِحَقِّهِ.

فَاتَّقُوا اللهَ -عِبَادَ اللهِ- وَالْزَمُوا الْجَادَّةَ، وَاسْلُكُوا سَوَاءَ السَّبِيلِ، عَسَى اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ أَنْ يَرْحَمَنَا دُنْيَا وَآخِرَةً، إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.

إِنَّ مَا دَعَا إِلَيْهِ الْإِسْلَامُ نُصْرَةُ الْمُسْلِمِ، وَكَشْفُ الْكُرْبَةِ عَنْهُ، وَسَدُّ جَوْعَتِهِ، وَسَتْرُ عَوْرَتِهِ، وَقَضَاءُ حَاجَتِهِ هُوَ أَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

فَهَذَا الطَّبَرَانِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ- يُخْرِجُ فِي مَعَاجِمِهِ الثَّلَاثِةِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ -جَلَّ وَعَلَا-: ((أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ أَحَبِّ الْخَلْقِ إِلَى اللهِ وَأَحَبِّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللهِ)).

فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى اللهِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ، وَأَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللهِ سُرُورٌ تُدْخِلُهُ عَلَى قَلْبِ عَبْدٍ مُسْلِمٍ، تَسُدُّ عَنْهُ جَوْعَةً، أَوْ تَقْضِي عَنْهُ دَيْنًا، أَوْ تَسْتُرُ لَهُ عَوْرَةً)).

ثُمَّ يُخْبِرُ النَّبِيُّ ﷺ مُقْسِمًا -وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ- أَنَّ سَيْرَهُ ﷺ مَعَ أَخٍ لَهُ مُسْلِمٍ مِنْ أَجْلِ قَضَاءِ حَاجَتِهِ هُوَ خَيْرٌ مِنَ اعْتِكَافِهِ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ شَهْرًا، فَيَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ: ((وَمَنْ مَشَى مَعَ أَخِيهِ فِي حَاجَتِهِ كَانَ كَصِيَامِ شَهْرٍ وَاعْتِكَافِهِ))؛ لِقَضَاءِ حَاجَةٍ لِعَبْدٍ مُسْلِمٍ مِنْ أَجْلِ أَنْ يُفَرِّجَ عَنْهُ كُرْبَةً وَقَعَ فِيهَا، مِنْ أَجْلِ أَنْ يَسُدَّ جَوْعَتَهُ، أَوْ يَسْتُرَ عَوْرَتَهُ، أَوْ يَقْضِيَ حَاجَتَهُ.

الْمُؤَاخَاةُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ جَعَلَهَا النَّبِيُّ ﷺ مِنَ أَوَّلِ مَا يُعْقَدُ عَلَيْهِ الْخُنْصُرُ فِي مَدِينَةِ النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ الْهِجْرَةِ فَأَيْنَ هِيَ؟!!

أَيْنَ الْمُؤَاخَاةُ بَيْنَكُمْ؟!!

وَأَيْنَ الْمُوَاسَاةُ بَيْنَكُمْ؟!!

إِنَّ الَّذِينَ يَئِنُّونَ فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا، وَإِنَّ الَّذِينَ يَمُوتُونَ جُوعًا فِي هَذِهِ الْقَارَّةِ الَّتِي نَنْتَمِي إِلَيْهَا وَفِي الْقَارَّاتِ الَّتِي نَنْتَمِي إِلَيْهَا فِي دُنْيَا اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ بِإِسْلَامِنَا.. إِنَّ الَّذِينَ يَمُوتُونَ جُوعًا كُثْرٌ كُثْرُ، وَلَكِنْ لَا يَلْتَفِتُ أَحَدٌ مَا امْتَلَأَتْ بَطْنُهُ، وَمَا رَفَلَ فِي ثِيَابِهِ، وَمَا اسْتَقَامَتْ حَيَاتُهُ، وَمَا ظَنَّ أَنَّهُ قَدْ أَعَدَّ لِأَبْنَائِهِ مِنْ بَعْدِهِ أَوْ فِي حَالِ حَيَاتِهِ، مَعَ أَنَّ النَّظَرَ الثَّاقِبَ لَوْ مَحَّصَ الْأَحْوَالَ وَنَظَرَ فِيهَا مُمْعِنًا مُتَمَلِّيًا لَعَلِمَ أَنَّ مَا يَجْرِي هُنَالِكَ سَيَجْرِي هُنَا إِذَا لَمْ يَلْطُفْ بِنَا اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ، وَعِنْدَئِذٍ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا.

((ثَمَرَاتُ التَّكَاتُفِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ))

إِنَّ أَوْقَاتَ الْأَزْمَاتِ تَتَطَلَّبُ الْإِيثَارَ، لَا الْأَثَرَةَ وَالِاسْتِغْلَالَ، كَمَا تَتَطَلَّبُ التَّرَاحُمَ، لَا الْقَسْوَةَ وَالْأَنَانِيَّةَ؛ حَيْثُ يَقُولُ نَبِيُّنَا ﷺ: ((مَا آمَنَ بي مَنْ بَاتَ شَبْعَانَ وَجَارُهُ جَائِعٌ إِلَى جَنْبِهِ وَهُوَ يَعْلَمُ بهِ)).

كَمَا تَتَطَلَّبُ التَّرَاحُمَ وَالْبَذْلَ وَالْعَطَاءَ؛ حَيْثُ يَقُولُ الْحَقُّ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر: 9].

(({وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} أَيْ: وَمِنْ أَوْصَافِ الْأَنْصَارِ الَّتِي فَاقُوا بِهَا غَيْرَهُمْ، وَتَمَيَّزُوا بِهَا عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ: الْإِيثَارُ، وَهُوَ أَكْمَلُ أَنْوَاعِ الْجُودِ، وَهُوَ الْإِيثَارُ بِمَحَابِّ النَّفْسِ مِنَ الْأَمْوَالِ وَغَيْرِهَا، وَبَذْلُهَا لِلْغَيْرِ مَعَ الْحَاجَةِ إِلَيْهَا؛ بَلْ مَعَ الضَّرُورَةِ وَالْخَصَاصَةِ، وَهَذَا لَا يَكُونُ إِلَّا مِنْ خُلُقٍ زَكِيٍّ، وَمَحَبَّةٍ لِلَّهِ -تَعَالَى- مُقَدَّمَةٍ عَلَى مَحَبَّةِ شَهَوَاتِ النَّفْسِ وَلَذَّاتِهَا، وَمِنْ ذَلِكَ: قِصَّةُ الْأَنْصَارِيِّ الَّذِي نَزَلَتِ الْآيَةُ بِسَبَبِهِ، حِينَ آثَرَ ضَيْفَهُ بِطَعَامِهِ وَطَعَامِ أَهْلِهِ وَأَوْلَادِهِ، وَبَاتُوا جِيَاعًا، وَالْإِيثَارُ عَكْسُ الْأَثَرَةِ، فَالْإِيثَارُ مَحْمُودٌ، وَالْأَثَرَةُ مَذْمُومَةٌ؛ لِأَنَّهَا مِنْ خِصَالِ الْبُخْلِ وَالشُّحِّ، وَمَنْ رُزِقَ الْإِيثَارَ فَقَدْ وُقِيَ شُحَّ نَفْسِهِ {وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}، وَوِقَايَةُ شُحِّ النَّفْسِ يَشْمَلُ وِقَايَتَهَا الشُّحَّ فِي جَمِيعِ مَا أُمِرَ بِهِ، فَإِنَّهُ إِذَا وُقِيَ الْعَبْدُ شُحَّ نَفْسِهِ سَمَحَتْ نَفْسُهُ بِأَوَامِرِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَفَعَلَهَا طَائِعًا مُنْقَادًا، مُنْشَرِحًا بِهَا صَدْرُهُ، وَسَمَحَتْ نَفْسُهُ بِتَرْكِ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ وَإِنْ كَانَ مَحْبُوبًا لِلنَّفْسِ تَدْعُو إِلَيْهِ وَتَطَّلِعُ إِلَيْهِ، وَسَمَحَتْ نَفْسُهُ بِبَذْلِ الْأَمْوَالِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِهِ؛ وَبِذَلِكَ يَحْصُلُ الْفَلَاحُ وَالْفَوْزُ، بِخِلَافِ مَنْ لَمْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ، بَلِ ابْتُلِيَ بِالشُّحِّ بِالْخَيْرِ الَّذِي هُوَ أَصْلُ الشَّرِّ وَمَادَّتُهُ، فَهَذَانِ الصِّنْفَانِ الْفَاضِلَانِ الزَّكِيَّانِ هُمُ الصَّحَابَةُ الْكِرَامُ وَالْأَئِمَّةُ الْأَعْلَامُ الَّذِينَ حَازُوا مِنَ السَّوَابِقِ وَالْفَضَائِلِ وَالْمَنَاقِبِ مَا سَبَقُوا بِهِ مَنْ بَعْدَهُمْ، وَأَدْرَكُوا بِهِ مَنْ قَبْلَهُمْ، فَصَارُوا أَعْيَانَ الْمُؤْمِنِينَ، وَسَادَاتِ الْمُسْلِمِينَ، وَقَادَاتِ الْمُتَّقِينَ)).

وَعَنْ أَبِي مُوسَى -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ الْأَشْعَرِيِّينَ إِذَا أَرْمَلُوا فِي الْغَزْوِ أَوْ قَلَّ طَعَامُ عِيَالِهِمْ بِالْمَدِينَةِ جَمَعُوا مَا كَانَ عِنْدَهُمْ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ اقْتَسَمُوهُ بَيْنَهُمْ فِي إِنَاءٍ وَاحِدٍ بِالسَّوِيَّةِ؛ فَهُمْ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُمْ».

 ((أَرْمَلُوا)): فَرَغَ زَادُهُمْ، أَوْ قَارَبَ الْفَرَاغَ.

وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا التَّكَاتُفَ لَهُ دَوْرٌ عَظِيمٌ فِي تَقْوِيَةِ الرَّوَابِطِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ وَالْإِنْسَانِيَّةِ، وَتَنْمِيَةِ الْأُلْفَةِ وَالْمَحَبَّةِ بَيْنَ أَفْرَادِ الْمُجْتَمَعِ؛ لِذَلِكَ جَاءَتِ الشَّرِيعَةُ الْغَرَّاءُ بِالْحَثِّ عَلَيْهِ.

إِنَّ ثَمَرَاتِ التَّكَاتُفِ -خَاصَّةً فِي الْأَزْمَاتِ- جَلِيلَةٌ وَعَظِيمَةٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمِنْ أَعْظَمِ ثَمَرَاتِهَا: دُخُولُ الْجَنَّةِ؛ فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ صَائِمًا؟».

قَالَ أَبُو بَكْرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: ((أَنَا)).

قَالَ: «مَنْ أَطْعَمَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ مِسْكِينًا؟».

قَالَ أَبُو بَكْرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: ((أَنَا)).

قَالَ: «مَنْ تَبِعَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ جَنَازَةً؟».

قَالَ أَبُو بَكْرٍ: ((أَنَا)).

فَقَالَ: «مَنْ عَادَ الْيَوْمَ مَرِيضًا؟».

قَالَ أَبُو بَكْرٍ: ((أَنَا)).

فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا اجْتَمَعَتْ هَذِهِ الْخِصَالُ قَطُّ فِي رَجُلٍ فِي يَوْمٍ إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ لِغَيْرِهِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو -جَلَّ وَعَلَا- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ : «اعْبُدُوا الرَّحْمَنَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَأَفْشُوا السَّلَامَ؛ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ».

وَعَنْهُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، عَنْ رَسُولِ اللهِ  قَالَ: «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ غُرَفًا يُرَى ظَاهِرُهَا مِنْ بَاطِنِهَا، وَبَاطِنُهَا مِنْ ظَاهِرِهَا».

فَقَالَ أَبُو مَالِكٍ الْأَشْعَرِيُّ: لِمَنْ هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟

قَالَ: «لِمَنْ أَطَابَ الْكَلَامَ، وَأَطْعَمَ الطَّعَامَ، وَبَاتَ قَائِمًا وَالنَّاسُ نِيَامٌ». رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي «الْكَبِيرِ»، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ.

مِنْ فَوَائِدِ التَّكَاتُفِ فِي الْأَزْمَاتِ وَالْمُوَاسَاةِ: أَنَّهَا تُورِثُ حُبَّ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ-، ثُمَّ حُبَّ الْخَلْقِ، وَهِيَ دَلِيلُ حُبِّ الْخَيْرِ لِلْآخَرِينَ، وَتُشِيعُ رُوحَ الْأُخُوَّةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَتُقَوِّي الْعَلَاقَاتِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ.

الْمُوَاسَاةُ تُسَاعِدُ عَلَى قَضَاءِ حَاجَاتِ الْمُحْتَاجِينَ، وَسَدِّ عَوَزِ الْمُعْوِزِينَ، وَتُدْخِلُ السُّرُورَ عَلَى الْمُسْلِمِ، وَتَرْفَعُ مِنْ مَعْنَوِيَّاتِهِ؛ فَيُقْبِلُ عَلَى الْحَيَاةِ مَسْرُورًا.

الْمُوَاسَاةُ تَجْعَلُ صَاحِبَهَا مِنَ الْمَسْرُورِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَهِيَ مِنْ أَحَبِّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ-.

الْمُوَاسَاةُ تَدْعُو إِلَى الْأُلْفَةِ، وَتُؤَكِّدُ مَعْنَى الْإِخَاءِ، وَتَنْشُرُ الْمَحَبَّةَ، وَالْمُوَاسَاةُ تَدْفَعُ الْغَيْظَ، وَتُذْهِبُ الْغِلَّ، وَتُمِيتُ الْأَحْقَادَ.

اللَّهُمَّ أَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِ الْمُسْلِمِينَ، أَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِ الْمُسْلِمِينَ، وَاجْمَعْ شَمْلَ الْمُسْلِمِينَ.

اللَّهُمَّ أَحْسِنْ خِتَامَنَا أَجْمَعِينَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ وَيَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.

وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ.

المصدر: التَّكَاتُفُ الْوَطَنِيُّ فِي التَّعَامُلِ مَعَ الْأَزْمَاتِ

التعليقات


خطب مفرغة قد تعجبك


  إرهاب الطابور الخامس
  وَحْدَةُ الْوَطَنِ سَبِيلُ قُوَّتِهِ
  رَمَضَانُ شَهْرُ الْجُودِ وَالْكَرَمِ وَالِانْتِصَارَاتِ
  الْعَدْلُ وَأَثَرُهُ فِي اسْتِقْرَارِ الْمُجْتَمَعِ
  مُوَاجَهَةُ الْفَسَادِ.. مَسْؤُولِيَّةٌ دِينِيَّةٌ وَوَطَنِيَّةٌ وَمُجْتَمَعِيَّةٌ
  الإِسْلَامُ دِينُ العَمَلِ وَقَضِيَّةُ الرِّزْقِ
  من آفات اللسان: الجدال والمراء والمخاصمة
  مَفْهُومُ الْعِرْضِ وَالشَّرَفِ
  حياة النبي صلى الله عليه وسلم من الميلاد إلى البعثة
  الصَّلَابَةُ فِي مُوَاجَهَةِ الْجَوَائِحِ وَالْأَزْمَاتِ
  • شارك

نبذة عن الموقع

موقع تفريغات العلامة رسلان ، موقع يحتوي على العشرات من الخطب والمحاضرات والمقاطع المفرغة لفضيلة الشيخ العلامة أبي عبدالله محمد بن سعيد رسلان-حفظه الله- . كما يعلن القائمون على صفحة وموقع تفريغات العلامة رسلان -حفظه الله- أن التفريغات للخطب ليست هي الشكل النهائي عند الطباعة، ولكن نحن نفرغ خطب الشيخ حفظه الله ونجتهد في نشرها ليستفيد منها طلاب العلم والدعاة على منهاج النبوة في كل أنحاء الدنيا، ونؤكد على أنَّ الخطب غير مُخرَّجة بشكل كامل كما يحدث في خطب الشيخ العلامة رسلان المطبوعة وليست الكتب المنشورة على الصفحة والموقع هي النسخة النهائية لكتب الشيخ التي تُطبع...وهذه الكتب ما هي إلا تفريغ لخطب الشيخ، غير أنَّ كتب الشيخ التي تُطبع تُراجع من الشيخ -حفظه الله- وتُخرج. والتفريغ عملٌ بشريٌ، ونحن نجتهد في مراجعة التفريغات مراجعة جيدة، فإذا وقع خطأ أو شكل الخطب كما نخرجها -إنما نُحاسب نحن عليها والخطأ يُنسب لنا وليس للشيخ -حفظه الله-.

الحقوق محفوظة لكل مسلم موقع تفريغات العلامة رسلان