((زَكَاةُ الْحُبوبِ وَالثِّمَارِ))
الْجُمُعَةُ ١٢ مِنْ رَجَبٍ ١٤٣٦ه / 1-5-2015م.
إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّـهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّـهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ.
أَمَّا بَعْدُ:
فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّـهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.
أَمَّا بَعْدُ:
((هَدْيُ النَّبِيِّ ﷺ فِي الزَّكَاةِ))
فَـ«هَدْيُ النَّبِيِّ ﷺ فِي الزَّكَاةِ أَكْمَلُ هَدْيٍ، فِي وَقْتِهَا، وَقَدْرِهَا، وَنِصَابِهَا، وَمَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ، وَمَصْرِفِهَا.
وَقَدْ رَاعَى فِيهَا مَصْلَحةَ أَرْبَابِ الْأَمْوَالِ وَمَصْلَحَةَ الْمَسَاكِينَ، وَجَعَلَهَا اللهُ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- طُهْرَةً لِلْمَالِ وَلِصَاحِبِهِ، وَقَيْدَ النِّعْمَةِ بِهَا عَلَى الْأَغْنِيَاءِ، فَمَا زَالَتِ النِّعْمَةُ بِالْمَالِ عَلَى مَنْ أَدَّى زَكَاتَهُ، بَلْ يَحْفَظُهُ عَلَيْهِ وَيُنَمِّيهِ لَهُ، وَيَدْفَعُ عَنْهُ بِهَا الْآفَاتِ، وَيَجْعَلُهَا سُورًا عَلَى الْمَالِ، وَحِصْنًا لَهُ، وَحَارِسًا لَهُ.
ثُمَّ إنَّهُ جَعَلَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَصْنَافٍ مِنَ الْمَالِ، وَهِيَ أَكْثَرُ الْأَمْوَالِ دَوَرَانًا بَيْنَ الْخَلْقِ وَحَاجَتُهُمْ إلَيْهَا ضَرُورِيَّةٌ.
أَحَدُهَا: الزُّرُوعُ وَالثِّمَارُ.
الثَّانِي: بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ.
الثَّالِثُ: الْجَوْهَرَانِ اللَّذَانِ بِهِمَا قِوَامُ الْعَالَمِ، وَهُمَا الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ.
الرَّابِعُ: أَمْوَالُ التِّجَارَةِ عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهَا.
ثُمَّ إنَّهُ أَوْجَبَهَا مَرَّةً كُلَّ عَامٍ، وَجَعَلَ حَوْلَ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ عِنْدَ كَمَالِهَا وَاسْتِوَائِهَا، وَهَذَا أَعْدَلُ مَا يَكُونُ؛ إذْ وُجُوبُهَا كُلَّ شَهْرٍ أَوْ كُلَّ جُمُعَةٍ يَضُرُّ بِأَرْبَابِ الْأَمْوَالِ، وَوُجُوبُهَا فِي الْعُمْرِ مَرَّةً مِمَّا يَضُرُّ بِالْمَسَاكِينِ، فَلَمْ يَكُنْ أَعْدَلَ مِنْ وُجُوبِهَا كُلَّ عَامٍ مَرَّةً.
ثُمَّ إِنَّهُ فَاوَتَ بَيْنَ مَقَادِيرِ الْوَاجِبِ بِحَسْبِ سَعْيِ أَرْبَابِ الْأَمْوَالِ فِي تَحْصِيلِهَا وَسُهُولَةِ ذَلِكَ وَمَشَقَّتِهِ:
* فَأَوْجَبَ (الْخُمُسَ) فِيمَا صَادَفَهُ الْإِنْسَانُ مَجْمُوعًا مُحَصَّلًا مِنَ الْأَمْوَالِ، وَهُوَ الرِّكَازُ؛ وَلَمْ يَعْتَبِرْ لَهُ حَوْلًا، بَلْ أَوْجَبَ فِيهِ (الْخُمُسَ) مَتَى ظَفِرَ بِهِ.
* وَأَوْجَبَ (نِصْفَهُ -وَهُوَ الْعُشْرُ-) فِيمَا كَانَتْ مَشَقَّةُ تَحْصِيلِهِ وَتَعَبُهُ وَكُلْفَتُهُ فَوْقَ ذَلِكَ، وَذَلِكَ فِي الثِّمَارِ وَالزُّرُوعِ الَّتِي يُبَاشِرُ حَرْثَ أَرْضِهَا وَسَقْيَهَا وَبَذْرَهَا، وَيَتَولَّى اللهُ سَقْيَهَا مِنْ عِنْدِهِ؛ بِلَا كُلْفَةٍ مِنَ الْعَبْدِ، وَلَا شِرَاءِ مَاءٍ، وَلَا إثَارَةِ بِئْرٍ وَلَا دُولَابٍ.
* وَأَوْجَبَ (نِصْفَ الْعُشْرِ) فِيمَا تَوَلَّى الْعَبْدُ سَقْيَهُ بِالْكُلْفَةِ وَالدَّوَالِي وَالنَّوَاضِحِ وَغَيْرِهَا.
* وَأَوْجَبَ (نِصْفَ ذَلِكَ -وَهُوَ رُبُعُ الْعُشْرُ-) فِيمَا كَانَ النَّمَاءُ فِيهِ مَوْقُوفًا عَلَى عَمَلٍ مُتَّصِلٍ مِنْ رَبِّ الْمَالِ؛ بِالضَّرْبِ فِي الْأَرْضِ تَارَةً، وَبِالْإِدَارَةِ تَارَةً، وَبِالتَّرَبُّصِ تَارَةً، وَلَا رَيْبَ أَنَّ كُلْفَةَ هَذَا أَعْظَمُ مِنْ كُلْفَةِ الزَّرْعِ وَالثِّمَارِ، وَأَيْضًا فَإِنَّ نُمُوَّ الزَّرْعِ وَالثِّمَارِ أَظْهَرُ وَأَكْثَرُ مِنْ نُمُوِّ التِّجَارَةِ؛ فَكَانَ وَاجِبُهَا أَكْثَرَ مِنْ وَاجِبِ التِّجَارَةِ، وَظُهُورُ النِّمُوِّ فِيمَا يُسْقَى بِالسَّمَاءِ وَالْأَنْهَارِ أَكْثَرُ مِمَّا يُسْقَى بِالدَّوَالِي وَالنَّوَاضِحِ، وَظُهُورُهُ فِيمَا وُجِدَ مُحَصَّلًا مَجْمُوعًا -كَالْكَنْزِ وَالرِّكَازِ- أَكْثَرُ وَأَظْهَرُ مِنَ الْجَمِيعِ.
ثُمَّ إِنَّهُ لَمَّا كَانَ لَا يَحْتَمِلُ الْمُوَاسَاةَ كُلُّ مَالٍ وَإِنْ قَلَّ؛ جَعَلَ لِلْمَالِ الَّذِي تَحْتَمِلُهُ الْمُوَاسَاةُ نُصُبًا مُقَدَّرَةً الْمُوَاسَاةُ فِيهَا، وَالْمُوَاسَاةُ فِيهَا لَا تُجْحِفُ بِأَرْبَابِ الْأَمْوَالِ، وَتَقَعُ مَوْقِعَهَا مِنَ الْمَسَاكِينِ:
* فَجَعَلَ لِلْوَرِقِ -أَيْ: لِلفِضَّةِ- مِائَتَيْ دِرْهَمٍ.
* وَجَعَلَ لِلذَّهَبِ عِشْرِينَ مِثْقَالًا.
* وَجَعَلَ لِلْحُبُوبِ وَالثِّمَارِ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ؛ وَهِيَ خَمْسَةُ أَحْمَالٍ مِنْ أَحْمَالِ إِبِلِ الْعَرَبِ.
* وَلِلْغَنَمِ أَرْبَعِينَ شَاةً، وَلِلْبَقَرِ ثَلَاثِينَ بَقَرَةً، وَلِلْإِبِلِ خَمْسًا، لَكِنْ لَمَّا كَانَ نِصَابُهَا لَا يَحْتَمِلُ الْمُوَاسَاةَ مِنْ جِنْسِهَا -يَعْنِي: الْإِبِلَ- أَوْجَبَ فِيهَا شَاةً، فَإِذَا تَكَرَّرَتِ الْخُمُسُ خَمْسَ مَرَّاتٍ وَصَارَتْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ احْتَمَلَ نِصَابُهَا وَاحِدًا مِنْهَا، فَكَانَ هُوَ الْوَاجِبُ.
ثُمَّ إنَّهُ لَمَّا قَدَّرَ سِنَّ هَذَا الْوَاجِبِ فِي الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ بِحَسْبِ كَثْرَةِ الْإِبِلِ وَقِلَّتِهَا مِنَ ابْنِ مَخَاضٍ، وَبِنْتِ مَخَاضٍ -وَبِنْتُ الْمَخَاضِ مِنَ الْإِبِلِ: مَا أَتَى عَلَيْهَا حَوْلٌ وَطَعَنَتْ فِي الثَّانِي-، وَفَوْقَهُ ابْنُ لَبُونٍ، وَبِنْتُ لَبُونٍ -وَهِيَ: الَّتِي مَرَّ عَلَيْهَا حَوْلَانِ وَطَعَنَتْ فِي الثَّالِثِ-، وَفَوْقَهُ الْحِقُّ وَالْحِقَّةُ -وَهِيَ: الَّتِي أَتَى عَلَيْهَا ثَلَاثُ سِنِينَ وَطَعَنَتْ فِي الرَّابِعَةِ-، وَفَوْقَهُ الْجَذَعُ وَالْجَذَعَةُ -وَهِيَ: الَّتِي أَتَى عَلَيْهَا أَرْبَعُ سِنِينَ وَطَعَنَتْ فِي السَّنَةِ الْخَامِسَةِ-، وَكُلَّمَا كَثُرَتِ الْإِبِلُ زَادَ السِّنُّ إِلَى أَنْ يَصِلَ السِّنُ إِلَى مُنْتَهَاهُ، فَحِينَئِذٍ جَعَلَ زِيَادَةَ عَدَدِ الْوَاجِبِ فِي مُقَابَلَةِ زِيَادَةِ عَدَدِ الْمَالِ.
فَاقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ أَنْ جَعَلَ فِي الْأَمْوَالِ قَدْرًا يَحْتَمِلُ الْمُوَاسَاةَ، وَلَا يُجْحِفُ بِهَا، وَيَكْفِي الْمَسَاكِينَ، وَلَا يَحْتَاجُونَ مَعَهُ إلَى شَيْءٍ، فَفَرَضَ فِي أَمْوَالِ الْأَغْنِيَاءِ مَا يَكْفِي الْفُقَرَاءَ؛ فَوَقَعَ الظُّلْمُ مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ؛ الْغَنِيُّ يَمْنَعُ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ، وَالْآخِذُ يَأْخُذُ مَا لَا يَسْتَحِقُّهُ، فَتَوَلَّدَ مِنْ بَيْنِ الطَّائِفَتَيْنِ ضَرَرٌ عَظِيمٌ عَلَى الْمَسَاكِينِ وَفَاقَةٌ شَدِيدَةٌ أَوْجَبَتْ لَهُمْ أَنْوَاعَ الْحِيَلِ وَالْإِلْحَافَ فِي الْمَسْأَلَةِ.
وَالرَّبُّ -سُبْحَانَهُ- تَوَلَّى قَسْمَ الصَّدَقَةِ بِنَفْسِهِ، وَجَزَّأَهَا ثَمَانِيَةَ أَجْزَاءٍ يَجْمَعُهَا -أَيْ: يَجْمَعُ الْأَجْزَاءَ الثَّمَانِيَةَ- صِنْفَانِ مِنَ النَّاسِ:
أَحَدُهُمَا: مَنْ يَأْخُذُ لِحَاجَةٍ؛ فَيَأْخُذُ بِحَسَبِ شِدَّةِ الْحَاجَةِ وَضَعْفِهَا، وَكَثْرَتِهَا وَقِلَّتِهَا، وَهُمُ الْفُقَرَاءُ وَالْمَسَاكِينُ، وَفِي الرِّقَابِ، وَابْنُ السَّبِيلِ، فَهَذَا صِنْفٌ.
وَالثَّانِي: مَنْ يَأْخُذُ لِمَنْفَعَتِهِ: وَهُمُ الْعَامِلُونَ عَلَيْهَا، وَالْمُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُمْ، وَالْغَارِمُونَ لِإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ، وَالْغُزَاةُ فِي سَبِيلِ اللهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْآخِذُ مُحْتَاجًا، وَلَا فِيهِ مَنْفَعَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ؛ فَلَا سَهْمَ لَهُ فِي الزَّكَاةِ».
((مَنْزِلَةُ الزَّكَاةِ وَحُكْمُ تَارِكِهَا))
الزَّكاةُ هِيَ أَهَمُّ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، وَالصَّلَاةُ أَهَمُّ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ بَعْدَ الشَّهَادَتَيْنِ، وَاللهُ -جَلَّ وَعَلَا- يَقْرِنُ الزَّكَاةَ بِالصَّلَاةِ كَثِيرًا فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ، قَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [البقرة: 110].
وَالنَّبِيُّ ﷺ قَالَ -كَمَا فِي ((الصَّحِيحَيْنِ)) مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ-: «بُنِيَ الإِسْلامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ، وَحَجِّ الْبَيْتِ لِمَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا».
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: «وَاللَّهِ! لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ». أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ فِي «صَحِيحَيْهِمَا».
فَالصَّلَاةُ أَهَمُّ رُكْنٍ فِي الْإِسْلَامِ بَعْدَ الشَّهَادَتَيْنِ، وَالزَّكَاةُ أَهَمُّ رُكْنٍ فِي الْإِسْلَامِ بَعْدَ الصَّلَاةِ.
«وَقَدْ ثَبَتَ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- فِي إِحْدَى الرِّوَايَاتِ عَنْهُ: أنَّ تَارِكَ الزَّكَاةِ بُخْلًا يَكْفُرُ كَتَارِكِ الصَّلَاةِ كَسَلًا.
وَلَكِنَّ الصَّحِيحَ: أَنَّ تَارِكَهَا لَا يَكْفُرُ، وَالَّذِيِنَ كَفَّرُوا مَانِعَهَا إِنَّمَا ذَهَبُوا إِلَى نُصُوصٍ، وَأَمَّا النُّصُوصُ الَّتِي أَخَذَ بِهَا الْجُمْهُورُ فَشَيْءٌ آخَرُ.
لَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى فَرْضِيَّةِ الزَّكَاةِ، وَأَنَّهَا الرُّكْنُ الثَّالِثُ مِنْ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ، وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى كُفْرِ مَنْ جَحَدَ الزَّكَاةَ، وَأَجْمَعُوا -أَيْضًا- عَلَى قِتَالِ مَنْ مَنَعَ إِخْرَاجَهَا.
وَقَدْ فُرِضَتِ الزَّكَاةُ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ (2هـ)، وَبَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ السُّعَاةَ لِقَبْضِهَا لِإِيصَالِهَا إِلَى مُسْتَحِقِّيهَا.
فَالَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- أَنَّ تَارِكَهَا بُخْلًا يَكْفُرُ كَتَارِكِ الصَّلَاةِ كَسَلًا، الصَّحِيحُ عَلَى خِلَافِهِ، وَهُوَ أَنَّ تَارِكَهَا لَا يَكْفُرُ.
وَالَّذِينَ كَفَّرُوا مَانِعَهَا بُخْلًا قَالُوا: إِنَّ اللهَ -جَلَّ وَعَلَا- قَالَ: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ} [التوبة: 11].
فَرَتَّبَ ثُبُوتَ الْأُخَوَّةِ عَلَى هَذِهِ الْأَوْصَافِ الثَّلَاثَةِ: إِنْ تَابُوا مِنَ الشِّرْكِ، وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ، وَآتَوُا الزَّكَاةَ.
وَلَا يُمْكِنُ أَنْ تَنْتَفِيَ الْأُخُوَّةُ فِي الدِّينِ إِلَّا إِذَا خَرَجَ الْإِنْسَانُ مِنْهُ، أَمَّا إِذَا فَعَلَ الْكَبَائِرَ فَهُوَ أَخٌ لَنَا، فَالْقَاتِلُ عَمْدًا، قَالَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا- فِيهِ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى ۖ الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنثَىٰ بِالْأُنثَىٰ ۚ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 178].
فَقَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {مِنْ أَخِيهِ} أَيْ: الْمَقْتُولُ، وَالضَّمِيرُ يَعُودُ عَلَى الْقَاتِلِ، فَجَعَلَ اللهُ الْمَقْتُولَ أَخًا لِلْقَاتِلِ.
وَقَالَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا- فِي الْمُقْتَتِلِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ: {إنَّما اَلْمُؤمِنونَ إِخْوَة فَأصْلِحوا بَيْنَ أَخَوَيْكُم} [الحجرات: 10]، مَعَ أَنَّ قَتْلَ الْمُؤْمِنِ وَقِتَالَهُ مِنْ كَبَائِرِ الذُّنُوبِ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ تَنْتَفِيَ الْأُخُوَّةُ فِي الدِّينِ إِلَّا بِكُفْرٍ، فَدَلَّ عَلَى كُفْرِ تَارِكِ الزَّكَاةِ.
لَا شَكَّ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ لَهُ وَجْهٌ جَيِّدٌ فِي الِاسْتِدْلَالِ بِهَذِهِ الْآيَةِ.
لَكِنْ دَلَّ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- -وَهُوَ عِنْدَ مُسْلِمٍ فِي «صَحِيحِهِ»- عَلَى أَنَّ الزَّكَاةَ لَيْسَ حُكْمُهَا حُكْمَ الصَّلَاةِ، حَيْثُ ذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ مَانِعَ زَكَاةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَذَكَرَ عُقُوبَتَهُ، ثُمَّ قَالَ: «ثُمَّ يَرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ»، وَلَوْ كَانَ كافرًا لَمْ يَكُنْ لَهُ إِلَى الْجَنَّةِ مِنْ سَبِيلٍ».
«فَالِاتِّفَاقُ وَاقِعٌ عَلَى أَنَّ مَنْ جَحَدَ وُجُوبَ الزَّكَاةِ وَأَنْكَرَ فَرْضِيَّتَهَا، فَهُوَ كَافِرٌ مُرْتَدٌّ بِالْإِجْمَاعِ.
وَأَمَّا مَنْ أَقَرَّ بِوُجُوبِهَا، وَامْتَنَعَ مِنْ أَدَائِهَا؛ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ كَفَّرَ تَارِكَهَا بُخْلًا، كَتَارِكِ الصَّلَاةِ كَسَلًا، وَقَوَّى هَذِهِ الرِّوَايَةَ بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ.
وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ مَنْ مَنَعَ الزَّكَاةَ بُخْلًا مِنْ غَيْرِ جُحُودٍ لِفَرْضِيَّتِهَا وَلِرُكْنِيَّتِهَا فِي الْإِسْلَامِ الْعَظِيمِ فَهُوَ مُرْتَكِبٌ لِكَبِيرَةٍ مِنْ كَبَائِرِ الْإِثْمِ، وَعَظِيمَةٍ مِنْ عَظَائِمِهِ؛ لَكِنَّهُ لَا يَخْرُجُ مِنَ الْمِلَّةِ مَا دَامَ مُقِرَّا بِوُجُوبِهَا، وَهَذَا هوَ الصَّوَابُ».
((فَوَائِدُ الزَّكَاةِ وَحِكَمُهَا))
وَأَمَّا الزَّكَاةُ فَمَعْلُومٌ أَنَّ اللهَ -جَلَّ وَعَلَا- مَا مِنْ أَمْرٍ مِنْ أَوَامِرِهِ، وَمَا مِنْ نَهْيٍ مِنْ نَوَاهِيهِ، مَا مِنْ تَكْلِيفٍ كَلَّفَ بِهِ الْإِنْسَانَ -هَذَا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِمَا شَرَعَ-، فَمَا مِنْ أَمْرٍ مِنَ الشَّرَائِعِ، وَكَذَا مَا مِنْ أَمْرٍ مِنْ هَذَا الْكَوْنِ مِمَّا قَدَّرَهُ اللهُ وَقَضَاهُ إِلَّا وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْحِكْمَةِ.
فَالْحِكْمَةُ ظَاهِرَةٌ لَائِحَةٌ جَلِيَّةٌ، فِي كَوْنِهِ -جَلَّ وَعَلَا-، وَفِي شَرْعِهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-.
فَفَوَائِدَ الزَّكَاةِ الَّتِي تَبْدُو لِلْإِنْسَانِ عِنْدَ النَّظَرِ، كَثِيرَةٌ جِدًّا كَمَا بَيَّنَهَا عُلَمَاؤُنَا:
«فَأُولَى فَوَائِدِهَا: إِتْمَامُ إِسْلَامِ الْعَبْدِ وَإِكْمَالُهِ؛ لِأَنَّهَا أَحَدُ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ، فَإِذَا قَامَ بِهَا الْإِنْسَانُ تَمَّ إِسْلَامُهُ وَكَمُلَ، وَهَذَا لَا شَكَّ أَنَّهُ غَايَةٌ عَظِيمَةٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ؛ فَكُلُّ مُسْلِمٍ مُؤْمِنٍ يَسْعَى لِإِكْمَالِ دِينِهِ.
الثَّانِيَةُ: أَنَّهَا دَلِيلٌ عَلَى صِدْقِ إِيمَانِ الْمُزَكِّي، وَذَلِكَ أَنَّ الْمَالَ مَحْبُوبٌ لِلنُّفُوسِ، وَالْمَحْبُوبُ لَا يُبْذَلُ إِلَّا ابْتِغَاءَ مَحْبُوبٍ مِثْلِهِ أَوْ أَكْثَرَ، بَلِ ابْتِغَاءَ مَحْبُوبٍ أَكْثَرَ مِنْهُ، وَلِهَذَا سُمِّيَتْ صَدَقَةً،؛ لِأَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى صِدْقِ طَلَبِ صَاحِبِهَا لِرِضَا اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ-.
الثَّالِثَةُ مِنَ الْفَوَائِدِ: أَنَّهَا تُزَكِّي أَخْلَاقَ الْمُزَكِّي، فَتَنْتَشِلُهُ مِنْ زُمْرَةِ الْبُخَلَاءِ الْأَشِحَّاءِ، وَتُدْخِلُهُ فِي زُمْرَةِ الْبَاذِلِينَ الْكُرَمَاءِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا عَوَّدَ نَفْسَهُ عَلَى الْبَذْلِ، سَوَاءٌ عَلَى بَذْلِ الْعِلْمِ أَوْ بَذْلِ الْمَالِ أَوْ بَذْلِ الْجَاهِ؛ صَارَ ذَلِكَ الْبَذْلُ سَجِيَّةً لَهُ وَطَبِيعَةً فِيهِ، حَتَّى إِنَّهُ لَيَتَكَدَّرُ إِذَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الْيَوْمَ قَدْ بَذَلَ مَا اعْتَادَهُ؛ كَصَاحِبِ الصَّيْدِ الَّذِي اعْتَادَ الصَّيْدَ، تَجِدُهُ إِذَا كَانَ ذَلِكَ الْيَوْمَ مُتَأَخِّرًا عَنِ الصَّيْدِ.. تَجِدُهُ ضَيِّقَ الصَّدْرِ، وَكَذَلِكَ الَّذِي عَوَّدَ نَفْسَهُ عَلَى الْكَرَمِ، يَضِيقُ صَدْرُهُ إِذَا فَاتَ يَوْمٌ مِنَ الْأَيَّامِ لَمْ يَبْذُلْ فِيهِ مَالَهُ أَوْ جَاهَهُ أَوْ عِلْمَهُ.
الرَّابِعَةُ مِنَ الْفَوَائِدِ: أَنَّهَا تَشْرَحُ الصَّدْرَ؛ فَالْإِنْسَانُ إِذَا بَذَلَ الشَّيْءَ -لِاسِيَّمَا الْمَالُ- يَجِدُ فِي نَفْسِهِ انْشِرَاحًا، وَهَذَا شَيْءٌ مُجَرَّبٌ، لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ بَذْلُهُ بِسَخَاءٍ وَطِيبِ نَفْسٍ، لَا أَنْ يَكُونَ بَذْلُهُ وَقَلبُهُ تَابِعٌ لَهُ.
وَقَدْ ذَكَرَ الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ -رَحِمَهُ اللهُ- فِي «الزَّادِ»: «أَنَّ الْبَذْلَ وَالْكَرَمَ مِنْ أَسْبَابِ انْشِرَاحِ الصَّدْرِ، لَكِنْ لَا يَسْتَفِيدُ مِنْهُ إِلَّا الَّذِي يُعْطِي بِسَخَاءٍ وَطِيبِ نَفْسٍ، وَيُخْرِجُ الْمَالَ مِنْ قَلْبِهِ قَبْلَ أَنْ يُخْرِجَهُ مِنْ يَدِهِ، أَمَّا مَنْ أَخْرَجَ الْمَالَ مِنْ يَدِهِ لَكِنَّهُ فِي قَرَارَةِ قَلْبِهِ فَلَنْ يَنْتَفِعَ بِهَذَا الْبَذْلِ».
مِنْ أَسْبَابِ شَرْحِ الصَّدْرِ: «الْإِحْسَانُ إِلَى الْخَلْقِ وَنَفْعُهُمْ بِمَا يُمْكِنُهُ مِنَ الْمَالِ وَالْجَاهِ وَالنَّفْعِ بِالْبَدَنِ وَأَنْوَاعِ الْإِحْسَانِ، فَإِنَّ الْكَرِيمَ الْمُحْسِنَ أَشْرَحُ النَّاسِ صَدْرًا، وَأَطْيبُهُمْ نَفْسًا، وَأَنْعَمُهُمْ عَيْشًا وَقَلْبًا، وَالْبَخِيلُ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ إِحْسَانٌ، أَضْيَقُ النَّاسِ صَدْرًا وَأَنْكَدُهُمْ عَيْشًا، وَأَعْظَمُهُمْ هَمًّا وَغَمًّا.
وَقَدْ ضَرَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَثَلًا لِلْبَخِيلِ وَالْمُتَصَدِّقِ، «كَمَثَلِ رَجُليْنِ عَلَيْهِمَا جُنَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ، كُلَّمَا هَمَّ الْمُتَصَدِّقُ بِصَدَقَةٍ اتَّسَعَتْ عَلَيْهِ وَانْبَسَطَتْ، حَتَّى يَجُرَّ ثِيَابَهُ وَيُعْفِيَ أَثَرَهُ، وَكُلَّمَا هَمَّ الْبَخِيلُ بِالصَّدَقَةِ لَزِقَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ مَكَانَهَا وَلَمْ تَتَّسِعْ عَلَيْهِ». أَخْرَجَاهُ فِي «الصَّحِيحَيْنِ».
فَهَذَا مَثَلُ انْشِرَاحِ صَدْرِ الْمُؤْمِنِ الصَّادِقِ الْمُتَصَدِّقِ وَانْفِسَاحِ قَلْبِهِ، وَمَثَلُ ضِيقِ صَدْرِ الْبَخِيلِ وَانْحِصَارِ قَلْبِهِ».
«الْخَامِسَةُ مِنَ الْفَوَائِدِ: أَنَّ الزَّكَاةَ تُلْحِقُ الْإِنْسَانَ بِالْمُؤْمِنِ الْكَامِلِ، «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبُّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
فَكَمَا أَنَّكَ تُحِبُّ أَنْ يُبْذَلَ لَكَ الْمَالُ الَّذِي تَسُدُّ بِهِ حَاجَتَكَ، فَأَنْتَ تُحِبُّ أَنْ تُعْطِيَهُ أَخَاكَ، فَتَكُونُ بِذَلِكَ كَامِلَ الْإِيمَانِ.
السَّادِسَةُ: أَنَّهَا مِنْ أَسْبَابِ دُخُولِ الْجَنَّةِ؛ فَإِنَّ الْجَنَّةَ لِمَنْ أَطَابَ الْكَلَامَ، وَأَفْشَى السَّلَامَ، وَأَطْعَمَ الطَّعَامَ، وَصَلَّى بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ، حَدِيثُ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلَامٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ! أَفْشُوا السَّلَامَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصِلُوا الْأَرْحَامَ، وَصَلُّوا وَالنَّاسُ نِيَامٌ، تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ». أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَه، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
وَكُلُّنَا يَسْعَى إِلَى دُخُولِ الْجَنَّة.
السَّابِعَةُ مِنَ الْفَوَائِدِ: أَنَّهَا تَجْعَلُ الْمُجْتَمَعَ الْإِسْلَامِيَّ كَأَنَّهُ أُسْرَةٌ وَاحِدَةٌ، يُضْفِي فِيهِ الْقَادِرُ عَلَى الْعَاجِزِ، وَالْغَنِيُّ عَلَى الْمُعْسِرِ، فَتُصْبِحُ -حِينَئِذٍ- أُخُوَّةُ الْإِسْلَامِ ظَاهِرَةً، وَيُصْبِحُ الْإِنْسَانُ يَشْعُرُ بِأَنَّ لَهُ إِخْوَةً يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُحْسِنَ إِلَيْهِمْ، كَمَا أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْهِ، {وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ} [القصص: 77]، فَتُصْبِحُ الْأُمَّةُ الْإِسْلَامِيَّةُ وَكَأَنَّهَا أُسْرَةٌ وَاحِدَةٌ، وَهَذَا مَا يُعْرَفُ عِنْدَ الْمُعَاصِرِينَ بِالتَّكَافُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ.
وَالزَّكَاةُ هِيَ خَيْرُ مَا يَكُونُ لِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ يُؤَدِّي بِهَا فَرِيضَةً، وَيَنْفَعُ إِخْوَانَهُ.
الثَّامِنَةُ: أَنَّ الزَّكَاةَ تُطْفِئُ حَرَارَةَ ثَوْرَةِ الْفُقَرَاءِ؛ لِأَنَّ الْفَقِيرَ قَدْ يَغِيظُهُ أَنْ يَجِدَ هَذَا الرَّجُلَ يَرْكَبُ مَا شَاءَ مِنَ الْمَرَاكِبِ، وَيَسْكُنُ مَا شَاءَ مِنَ الْقُصُورِ، وَيَأْكُلُ مَا يَشْتَهِي مِنَ الطَّعَامِ، وَأَمَّا هَذَا الْفَقِيرُ؛ فَلَا يَرْكَبُ إِلَّا رِجْلَيْهِ، وَلَا يَنَامُ إِلَّا عَلَى الْأَسْمَالِ وَمَا أَشْبَهَ، لَا شَكَّ أَنَّهُ يَجِدُ فِي نَفْسِهِ شَيْئًا، فَإِذَا جَادَ الْأَغْنِيَاءُ عَلَى الْفُقَرَاءِ؛ كَسَرُوا ثَوْرَتَهُمْ، وَهَدَّءُوا غَضْبَتَهُمْ، وَقَالُوا لَنَا إِخْوَةٌ يَعْرِفُونَنَا فيِ الشِّدَّةِ، فَيَأْلَفُونَ الْأَغْنِيَاءَ وَيُحِبُّونَهُمْ.
التَّاسِعَةُ مِنَ الْفَوَائِدِ: أَنَّهَا تَمْنَعُ الْجَرَائِمَ الْمَالِيَّةَ، كَالسَّرِقَاتِ وَالنَّهْبِ وَالسَّطْوِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْفُقَرَاءَ يَأْتِيهِمْ مَا يَسُدُّ شَيْئًا مِنْ حَاجَتِهِمْ، وَيَعْذُرُونَ الْأَغْنِيَاءَ؛ لِكَوْنِهِمْ يُعْطُونَهُمْ مِنْ مَالِهِمْ، يُعْطُونُ رُبُعَ الْعُشْرِ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْعُرُوضِ، وَالْعُشْرَ أَوْ نِصْفَهُ فِي الْحُبُوبِ وَالثِّمَارِ، وَفِي الْمَوَاشِي يُعْطُونَهُمْ نِسْبَةً كَبِيرَةً، فَيَرَوْنَ أَنَّهُمْ مُحْسِنُونَ إِلَيْهِمْ، فَلَا يَعْتَدُونَ عَلَيْهِمْ.
الْعَاشِرَةُ: النَّجَاةُ مِنْ حَرِّ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ الصَّدَقَةَ لَتُطْفِئُ عَنْ أَهْلِهَا حَرَّ الْقُبُورِ، وَإِنَّمَا يَسْتَظِلُّ الْمُؤْمِنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي ظِلِّ صَدَقَتِهِ». أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي «الْكَبِيرِ»، وَالْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَن.
وَقَالَ فِي الَّذِينَ يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: «رَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا، حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا أَنْفَقَتْ يَمِينُهُ». أَخْرَجَاهُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-.
الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ مِنَ الْفَوَائِدِ: أَنَّهَا تُلْجِئُ الْإِنْسَانَ إِلَى مَعْرِفَةِ حُدُودِ اللهِ وَشَرَائِعِهِ؛ لِأَنَّهُ لَنْ يُؤَدِّيَ زَكَاتَهُ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَعْرِفَ أَحْكَامَهَا، وَأَمْوَالَهَا، أَنْصِبَاءَهَا وَمُسْتَحِقِّيهَا، وَغَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا تَدْعُو الْحَاجَةُ إِلَى تَعَلُّمِهِ وَمَعْرِفَتِهِ.
الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: أَنَّهَا تُزَكِّي الْمَالَ؛ يَعْنِي تُنَمِّي الْمَالَ حِسًّا وَمَعْنًى؛ فَإِذَا تَصَدَّقَ الْإِنْسَانُ مِنْ مَالِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ الْمَالَ يَقِيهِ الْآفَاتِ، وَرُبَّمَا يَفْتَحُ اللهُ لَهُ زِيَادَةَ رِزْقٍ بِسَبَبِ هَذِهِ الصَّدَقَةِ، وَلِهَذَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- يَرْفَعُهُ: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ».
وَهَذَا شَيْءٌ مُشَاهَدٌ؛ أَنَّ الْإِنْسَانَ الْبَخِيلَ رُبَّمَا يُسَلَّطُ عَلَى مَالِهِ، وَقَدْ يُسَلِّطُ اللهُ عَلَى مَالِهِ مَا يَقْضِي عَلَيْهِ أَوْ عَلَى أَكْثَرِهِ؛ بِاحْتِرَاقِهِ أَوْ خَسَائِرَ كَثِيرَةٍ أَوْ أَمْرَاضٍ تُلْجِئُهُ إِلَى الْعِلَاجَاتِ الَّتِي تَسْتَنْزِفُ مِنْهُ أَمْوَالًا طَائِلَةً.
الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: أَنَّ الزَّكَاةَ سَبَبٌ لِنُزُولِ الْخَيْرَاتِ، وَفِي الْحَدِيثِ: «مَا مَنَعَ قَوْمٌ زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ». أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَه، وَحَسَّنَهُ الْأَلْبَانِيُّ فِي «صَحِيحِ سُنَنِ ابْنِ مَاجَه».
وَهُنَالِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ بِعَقِبِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: «وَلَوْلَا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا».
الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: أَنَّ الصَّدَقَةَ تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ، كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ: «إِنَّ صَدَقَةَ السِّرِّ تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- ». أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ بِشَوَاهِدِهِ الْأَلْبَانِيُّ.
الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ مِنْ فَوَائِدِهَا: أَنَّهَا -يَعْنِي: الزَّكَاةَ- تَدْفَعُ مِيتَةَ السُّوءِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «صَنَائِعُ الْمَعْرُوفِ تَقِي مَصَارِعَ السُّوءِ، وَصَدَقَةُ السِّرِّ تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ، وَصِلَةُ الرَّحِمِ تَزِيدُ فِي الْعُمُرِ». أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ.
السَّادِسَةَ عَشْرَةَ: أَنَّهَا تُكَفِّرُ الْخَطَايَا، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «الصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ»». أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَه؛ وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ وَغَيْرُهُ.
((مَتَى فُرِضَتِ الزَّكَاةُ؟))
وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ -رَحِمَهُمُ اللهُ- مَتَى فُرِضَتِ الزَّكَاةُ:
«فَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: فُرِضَتْ فِي مَكَّةَ، وَاسْتَدَلُّوا بِآيَاتِ الزَّكَاةِ الَّتِي نَزَلَتْ فِي مَكَّةَ:
كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ (6) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ} [فصلت: 6-7].
وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ (24) لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} [المعارج: 24-25].
وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِندَ اللَّهِ ۖ وَمَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ} [الروم: 39].
وَكَقَوْلِهِ: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام: 141].
وَقَالَ بَعْضُهُمْ -وَهُوَ الصَّحِيحُ-: إِنَّ فَرْضَهَا فِي مَكَّةَ، وَأَمَّا تَقْدِيرُ أَنْصَبِائِهَا وَتَقْدِيرُ الْأَمَوَالِ الزَّكَوِيَّةِ وَتِبْيَانُ أَهْلِهَا؛ فَهَذَا فِي الْمَدِينَةِ.
وَعَلَيْهِ فَيَكُونُ ابْتِدَاءُ فَرْضِهَا فِي مَكَّةَ مِنْ بَابِ تَهْيِئَةِ النُّفُوسِ وَإِعْدَادِهَا لِتَتَقَبَّلَ هَذَا الْأَمْرَ؛ حَيْثُ إِنَّ الْإِنْسَانَ يُخْرِجُ مِنْ مَالِهِ الَّذِي يُحِبُّهُ حُبًّا جَمًّا، يُخْرِجُ مِنْهُ فِي أُمُورٍ لَا تَعُودُ عَلَيْهِ ظَاهِرًا بِالنَّفْعِ فِي الدُّنْيَا، فَلَمَّا تَهَيَّأَتِ النُّفُوسُ لِقَبُولِ مَا يُفْرَضُ عَلَيْهَا مِنْ ذَلِكَ، فَرَضَهُ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا- فَرْضًا بَيِّنًا مُفَصَّلًا، وَذَلِكَ فِي الْمَدِينَةِ».
((فَضَائِلُ وَثَمَرَاتُ الزَّكَاةِ))
عَنْ ابْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «بُنِيَ الإِسْلامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُه، وَإِقَامِ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَحَجِّ الْبَيْتِ، وصَوْمِ رَمَضَانَ». أَخْرَجَاهُ.
وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «خَمْسٌ مَنْ جَاءَ بِهِنَّ مَعَ إِيمَانٍ دَخَلَ الْجَنَّةَ: مَنْ حَافَظَ عَلَى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ عَلَى وُضُوئِهِنَّ وَرُكُوعِهِنَّ وَسُجُودِهِنَّ وَمَوَاقِيتِهِنَّ، وَصَامَ رَمَضَانَ، وَحَجَّ الْبَيْتَ إِنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا، وَأَعْطَى الزَّكَاةَ طَيِّبَةً بِهَا نَفْسُهُ,...» الْحَدِيثَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي «السُّنَنِ» بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ.
وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: ((كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَأَصْبَحْتُ يَوْمًا قَرِيبًا مِنْهُ، وَنَحْنُ نَسِيرُ، فَقُلْتُ: ((يَا رَسُولَ اللهِ! أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الْجنَّةَ وَيُبَاعِدُنِي مِنَ النَّارِ؟)).
قَالَ: «لَقَدْ سَأَلْتَ عَنْ عَظِيمٍ، وَإِنَّهُ لَيَسِيرٌ عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللهُ عَلَيْهِ، تَعْبُدُ اللهَ وَلَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ، وَتَحُجُّ الْبَيْتَ». الْحَدِيثَ. أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ -أَيْ: صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ-، وَأَخْرَجَهُ -أَيْضًا- النَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَه، وَحَسَّنَهُ الْأَلْبَانِيُّ.
وَعَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «ثَلَاثٌ أَحْلِفُ عَلَيْهِنَّ، لَا يَجْعَلُ اللَّهُ مَنْ لَهُ سَهْمٌ فِي الْإِسْلامِ كَمَنْ لَا سَهْمَ لَهُ، وَأَسْهُمُ الْإِسْلَامِ ثَلَاثَةٌ: الصَّلَاةُ، وَالصَّوْمُ، وَالزَّكَاةُ، وَلَا يَتَوَلَّى اللَّهُ عَبْدًا فِي الدُّنْيَا فَيُوَلِّيَهُ غَيْرَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» الْحَدِيثَ. أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَهُوَ صَحِيحٌ لِغَيْرِهِ.
وَعَنْ حُذَيْفَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْإِسْلامُ ثَمَانِيَةُ أَسْهُمٍ: الْإِسْلامُ سَهْمٌ، وَالصَّلاةُ سَهْمٌ، وَالزَّكَاةُ سَهْمٌ، وَالصَّوْمُ سَهْمٌ، وَحَجُّ الْبَيْتِ سَهْمٌ، وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ سَهْمٌ، وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ سَهْمٌ، وَالْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ سَهْمٌ، وَقَدْ خَابَ مَنْ لَا سَهْمَ لَهُ». أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ مَرْفُوعًا بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ لِغَيْرِهِ، وَأَبُو يَعْلَى مَوْقُوفًا، وَالْمَوْقُوفُ صَحِيحٌ.
وَعَنْ جَابِرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: ((يَا رَسُولَ اللهِ! أَرَأَيْتَ إِنْ أَدَّى الرَّجُلُ زَكَاةَ مَالِهِ؟)).
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ أَدَّى زَكَاةَ مَالِهِ فَقَدْ ذَهَبَ عَنْهُ شَرُّهُ». أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي «الْأَوْسَطِ»، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَهُوَ حَسَنٌ لِغَيْرِهِ.
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَا مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا إِلَّا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائِحُ مِنْ نَارٍ، فَأُحْمِيَ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ، فَيُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ وَجَبِينُهُ وَظَهْرُهُ، كُلَّمَا بَرَدَتْ أُعِيدَتْ لَهُ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ».
قِيلَ: ((يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَالْإِبِلُ؟)).
قَالَ: «وَلَا صَاحِبُ إِبِلٍ لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا، وَمِنْ حَقِّهَا حَلَبُهَا يَوْمَ وِرْدِهَا، إِلَّا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ بُطِحَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ -وَالْقَرْقَرُ: الْمُسْتَوِي مِنَ الْأَرْضِ الْوَاسِعُ- إِلَّا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ بُطِحَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ أَوْفَرَ مَا كَانَتْ، لا يَفْقِدُ مِنْهَا فَصِيلًا وَاحِدًا، تَطَؤُهُ بِأَخْفَافِهَا، وَتَعَضُّهُ بِأَفْوَاهِهَا، كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ أُولاهَا رُدَّ عَلَيْهِ أُخْرَاهَا فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ، فَيَرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ».
قِيلَ: ((يَا رَسُولَ اللهِ! فَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ؟)).
قَالَ: «وَلا صَاحِبُ بَقَرٍ وَلا غَنَمٍ لا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا إِلاَّ إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ بُطِحَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ أوْفَرَ مَا كَانت لا يَفْقِدُ مِنْهَا شَيْئًا لَيْسَ فِيهَا عَقْصَاءُ -وَهِيَ: مُلْتَوِيَةُ الْقَرْنَيْنِ-، وَلا جَلْحَاءُ -وَهِيَ: الَّتِي لَا قَرْنَ لَهَا- وَلا عَضْبَاءُ -وَهِيَ: مَكْسُورَةُ الْقَرْنِ- تَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا وَتَطَؤُهُ بِأَظْلافِهَا، كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ أُولاهَا رُدَّ عَلَيْهِ أُخْرَاهَا فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ، فَيَرَى سَبِيلَهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ».
قِيلَ: ((يَا رَسُولَ اللهِ! فَالْخَيْلُ؟)).
قَالَ: «الْخَيْلُ ثَلاثَة؛ هِيَ لِرَجُلٍ وِزْرٌ، وَهِيَ لِرَجُلٍ سِتْرٌ، وَهِيَ لِرَجُلٍ أَجْرٌ، فَأَمَّا الَّتِي هِيَ لَهُ وِزْرٌ فَرَجُلٌ رَبَطَهَا رِيَاءً وَفَخْرًا وَنِوَاءً لِأَهْلِ الإِسْلامِ -أَيْ: مُنَاوَأَةً وَمُعَادَاةً لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ- فَهِيَ لَهُ وِزْرٌ، وَأَمَّا الَّتِي هِيَ لَهُ سِتْرٌ فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ لَمْ يَنْسَ حَقَّ اللَّهِ فِي ظُهُورِهَا وَلا رِقَابِهَا، فَهِيَ لَهُ سِتْرٌ.
وَأَمَّا الَّتِي هِيَ لَهُ أَجْرٌ، فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ لأَهْلِ الإِسْلَامِ فِي مَرْجٍ وَرَوْضَةٍ -وَالْمَرْجُ: الْأَرْضُ الْوَاسِعَةُ ذَاتُ النَّبَاتِ الْكَثِيرِ الرَّطْبِ، وَالرَّوْضَةُ أَخَصُّ-، فَمَا أَكَلَتْ مِنْ ذَلِكَ الْمَرْجِ أَوْ الرَّوْضَةِ مِنْ شَيْءٍ إلَّا كُتِبَ لَهُ عَدَدَ مَا أَكَلَتْ حَسَنَاتٌ، وَكُتِبَ لَهُ عَدَدَ أَرْوَاثَهَا وَأَبْوَالَهَا حَسَنَاتٌ، وَلَا تَقْطَعُ طِوَلَهَا -وَهُوَ حَبْلُهَا الطَّوِيلُ، طَرَفُهُ فِي يَدِ الْفَرَسِ وَالْآخَرُ فِي الْوَتِدِ- وَلَا تَقْطَعُ طِوَلَهَا فَاسْتَنَّت شَرَفًا أَوْ شَرَفَيْنِ إلَّا كُتِبَ لَهُ عَدَدَ آثَارِهَا وَأَرْوَاثِهَا حَسَنَاتٌ، وَلَا مَرَّ بِهَا صَاحِبُهَا عَلَى نَهْرٍ فَشَرِبَتْ مِنْهُ وَلَا يُرِيدُ أَنْ يَسْقِيَهَا إلَّا كَتَبَ اللَّهُ -تعالى- لَهُ عَدَدَ مَا شَرِبَتْ حَسَنَاتٍ».
قِيلَ: ((يَا رَسُولَ اللهِ! فَالْحُمُرُ؟)).
قَالَ: «ما أُنْزِلَ عَلَيَّ فِي الْحُمُرِ إِلَّا هَذِهِ الْآيَةُ الْفَاذَّةُ الْجَامِعَةُ: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [الزلزلة: 7-8]». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ وَاللَّفْظُ لَهُ.
وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ! خِصَالٌ خَمْسٌ إِنِ ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ وَنَزَلْنَ بِكُمْ -وأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ-.
ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِهَا وَتَفْصِيلِهَا: لَمْ تَظْهَرِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بها إِلا فَشَا فِيهِمُ الطاعونُ والأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ فِي أَسْلافِهِمْ، وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلا أُخِذُوا بِالسِّنِينَ وَشِدَّةِ الْمؤْونَةِ، وَجَوْرِ السُّلْطَانِ.
وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلا مُنِعُوا الْقَطَرَ مِنَ السَّمَاءِ، وَلَوْلا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا، وَلا نَقَضُوا عَهْدَ اللَّهِ وَعَهْدَ رَسُولِهِ إِلا سُلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوٌّ مِنْ غَيْرِهِمْ فَيَأْخُذُ بَعْضَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ، وَمَا لَمْ تحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بكتابِ الله إِلا جُعِلَ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ». أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ، وَابْنُ مَاجَه، وَالْبَيْهَقِيُّ وَاللَّفْظُ لَهُ، وَهُوَ ثَابِتٌ صَحِيحٌ.
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «خَمْسٌ بِخَمْسٍ».
قِيلَ: ((يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا خَمْسٌ بِخَمْسٍ؟)).
قَالَ: «مَا نَقَضَ قَوْمٌ العَهْدَ إِلاَّ سُلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوُّهُمْ، وَمَا حَكَمُوا بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلاَّ فَشَا فِيهِمُ الفَقْرُ، وَلا ظَهَرَتْ فِيهِمُ الفَاحِشَةُ إِلاَّ فَشَا فِيهِمُ المَوْتُ، وَلَا مَنَعُوا الزَّكَاةَ إِلَّا حُبِسَ عَنْهُمُ الْقَطْرُ، وَلَا طفَّفُوا الْمِكْيَالَ إِلَّا حُبِسَ عَنْهُمُ النَّبَاتُ، وَأُخِذُوا بِالسِّنِينَ -أَيْ: بِالْمَجَاعَةِ وَالْقَحْطِ-». أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي «الْكَبِيرِ»، وَهُوَ صَحِيحٌ لِغَيْرِهِ.
قَالَ رَبُّنَا -جَلَّ وَعَلَا-: {مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ ۗ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 261].
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ، وَلَا يَقْبَلُ اللهُ إِلَّا الطَّيِّبَ، فَإِنَّ اللهَ يَتَقَبَّلُهَا بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهَا كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُّوَهُ -أَيْ: مُهْرَهُ- حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الْجَبَلِ». أَخْرَجَاهُ فِي «الصَّحِيحَيْنِ».
فَهَذِهِ الصَّدَقَةُ إِذَا كَانَتْ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ وَتَصَدَّقَ بِهَا مُخْلِصًا وَهِيَ بِقَدْرِ تَمْرَةٍ؛ فإنَّ اللهَ يُرَبِّيهَا حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الْجَبَلِ، وَمَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ، بَلْ تَزِيدُهُ بَرَكَةً فِي الدُّنْيَا وَأَجْرًا عَظِيمًا عِنْدَ اللهِ.
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَيُّكُمْ مَالُ وَارِثِهِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ مَالِهِ؟».
قَالُوا: ((يَا رَسُولَ اللهِ! مَا مِنَّا أَحَدٌ إِلَّا مَالُهُ أَحَبُّ إِلَيْهِ)) أَيْ: مِنْ مَالِ وَارِثِهِ.
قَالَ: «فَإِنَّ مَالَهُ مَا قَدَّمَ، وَمَالَ وَارِثِهِ مَا أَخَّرَ». أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي «الصَّحِيحِ».
الَّذِي يُمْسِكُهُ وَلَا يُنْفِقُهُ يَؤُولُ إِلَى وَارِثِهِ، وَهُوَ أَحْرَصُ عَلَى هَذَا الْمُمْسَكِ مِنْ حِرْصِهِ عَلَى الْمُنْفَقِ، وَالْمُنْفَقُ مَالُهُ، وَالَّذِي يُبْقِيهِ وَيُمْسِكُهُ مَالُ وَارِثِهِ، فَوَقَعَ التَّنَاقُضُ هَاهُنَا، وَهَذَا مِمَّا لَا يُسِيغُهُ الْعَقْلُ.
قَالَ ﷺ: «بَيْنَا رَجُلٌ فِي فَلَاةٍ مِنَ الْأَرْضِ، فَسَمِعَ صَوْتًا فِي سَحَابَةٍ: اسْقِ حَدِيقَةَ فُلَانٍ -يَقُولُ لِلسَّحَابِ مُخَاطِبًا: اسْقِ حَدِيقَةَ فُلَانٍ، بِاسْمِهِ-.
فَتَنَحَّى ذَلِكَ السَّحَابُ، فَأَفْرَغَ مَاءَهُ فِي حَرَّةٍ، فَإِذَا شَرْجَةٌ مِنَ الشِّرَاج -يَعْنِي: مَسِيلًا مِنْ مَسَايَلِ الْمَاءِ- قَدْ اسْتَوْعَبَتْ ذَلِكَ الْمَاءَ كُلَّهُ، فَتَتَبَّعَ -الرَّجُلُ الَّذِي سَمِعَ الصَّوْتَ- فَتَتَبَّعَ الْمَاءَ؛ فَإِذَا رَجُلٌ قَائِمٌ فِي حَدِيقَةٍ يُحَوِّلُ الْمَاءَ بِمِسْحَاتِهِ -وَالْمِسْحَاةُ مِجْرَفَةٌ مِنْ حَدِيدٍ-.
فَقَالَ لَهُ: يَا عَبْدَ اللهِ! مَا اسْمُكَ؟
قَالَ: فُلَانٌ -لِلْاسْمِ الَّذِي سَمِعَ فِي السَّحَابَةِ-.
فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللهِ! لِمَ سَأَلْتَنِي عَنْ اسْمِي؟
قَالَ: سَمِعْتُ صَوْتًا فِي السَّحَابِ الَّذِي هَذَا مَاؤُهُ، يَقُولُ: اسْقِ حَدِيقَةَ فُلَانٍ -لِاسْمِكَ-، فَمَا تَصْنَعُ فِيهَا؟
قَالَ: أَمَّا إِذْ قُلْتَ هَذَا، فَإِنِّي أَنْظُرُ إِلَى مَا يَخْرُجُ مِنْهَا، فَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثِهِ، وَآكُلُ أَنَا وَعِيَالِي ثُلُثَهُ، وَأَرُدُّ فِيهَا ثُلُثَهُ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.
فَيَرُدُّ فِيهَا ثُلُثَهُ، يَعْنِي: فِي إِصْلَاحِهَا.
قَالَ ﷺ: «مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَتِرَ مِنَ النَّارِ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ -وَلَوْ بِنِصْفِ تَمْرًةٍ- فَلْيَفْعَلْ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ بِنَحْوِهِ.
فَلَا يَحْقِرَنَّ أَحَدُكُمْ مِنَ الصَّدَقَةِ شَيْئًا، فَإِنَّ الثَّوَابَ يَتَفَاضَلُ بِحَسَبِ مَا فِي الْقَلْبِ مِنَ الْإِخْلَاصِ.
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «سَبَقَ دِرْهَمٌ مِائَةَ أَلْفٍ دِرْهَمٍ».
قَالُوا: ((كَيْفَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟)).
قَالَ: «رَجُلٌ لَيْسَ لَهُ سِوَى دِرْهَمَيْنِ تَصَدَّقَ بِأَحَدِهِمَا، وَرَجُلٌ عِنْدَهُ مَالٌ كَثِيرٌ فَتَصَدَّقَ مِنْ عُرْضِ مَالِهِ بِمَائَةِ أَلْفٍ».
الدِّرْهَمُ أَفْضَلُ..
«سَبَقَ دِرْهَمٌ مِئَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ».
وَالثَّوَابُ يَتَفَاضُلُ بِتَفَاضُلِ مَا فِي الْقُلُوبِ، مَنْ أَخْرَجَ صَدَقَةً مُخْلِصًا بِهَا للهِ تَقَبَّلَ اللهُ مِنْهُ وَإِنْ لَمْ تَصِلْ إِلَى أَهْلِهَا.
فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «قَالَ رَجُلٌ: لَأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدِ سَارِقٍ.
فَأَصْبَحَ النَّاسُ يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ اللَّيْلَةَ عَلَى سَارِقٍ.
فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى سَارِقٍ.
ثُمَّ قَالَ: لَأَتَصَدَّقَنَّ اللَّيْلَةَ بِصَدَقَةٍ، فَتَصَدَّقَ فَوَضَعَهَا فِي يَدِ زَانِيَةٍ.
فَقَالَ: لَمَّا أَصْبَحَ النَّاسُ يَقُولُونَ: تُصُدِّقَ اللَّيْلَةَ عَلَى زَانِيَةٍ.
قَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى زَانِيَةٍ.
ثُمَّ قَالَ: لَأَتَصَدَّقَنَّ اللَّيْلَةَ بِصَدَقَةٍ، فَوَضَعَهَا فِي يَدِ غَنِيٍّ.
فَأَصْبَحَ النَّاسُ يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ اللَّيْلَةَ عَلَى غَنِيٍّ.
فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى سَارِقٍ وَزَانِيَةٍ وَغَنِيٍّ.
فَأُتِيَ فَقِيلَ لَهُ: أَمَّا صَدَقَتُكَ فَقَدْ تُقُبِّلَتْ.
أَمَّا صَدَقَتُكَ عَلَى سَّارِقَ فلعلَّهُ أنْ يَسْتَعِفَّ عَنْ سَرِقَتِهِ، وأَمَّا الزَّانِيَةُ فَلَعَلَّهَا أَنْ تَسْتَعِفَّ عَنْ زِنَاهَا، وَأمَّا الغَنيُّ فلعلَّه أنْ يَعْتَبِرَ فَيُنْفِقَ مِمَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ». وَالْحَدِيثُ فِي «الصَّحِيحَيْنِ» مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-.
قُبِلَتْ صَدَقَةُ هَذَا بِسَبَبِ مَا قَامَ فِي قَلْبِهِ مِنَ الْإِخْلَاصِ، وَاللهُ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُخْلِصِينَ الْمُحْسِنِينَ.
الصَّدَقَةُ -عِبَادَ اللهِ- وَالِاسْتِغْفَارُ سَبَبٌ لِحُصُولِ الْخَيْرَاتِ، وَنُزُولِ الْبَرَكَاتِ، وَتَفْرِيجِ الْكُرُبَاتِ، وَالْإِخْرَاجِ مِنَ الْمُلِمَّاتِ.
نَسْأَلُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ أَنْ يَجْعَلَ الدُّنْيَا فِي أَيْدِينَا لَا فِي قُلُوبِنَا، وَأَنْ يَقِيَنَا شُحَّ أنْفُسِنَا، إِنَّهُ هُوَ الْجَوَادُ الْكَرِيمُ.
وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ.
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ:
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ هُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ صَلَاةً وَسَلَامًا دَائِمَيْنِ مُتَلَازِمَيْنِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ:
((زَكَاةُ الْحُبُوبِ وَالثِّمَارِ))
أَدِلَّةُ وُجُوبِ زَكَاةِ الْحُبُوبِ وَالثِّمَارِ
|
((الْأَصْلُ فِي وُجُوبِ زَكَاةِ الْحُبُوبِ وَالثِّمَارِ:
قَوْلُ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الْأَرْضِ} [البقرة: 267].
وَ «مِنْ»: هُنَا لِلتَّبْعِيضِ بِاعْتِبَارِ الْجِنْسِ وَبِاعْتِبَارِ الْفَرْدِ، أَيْ: لَا كُلَّ الْمُخْرَجِ، وَلَا كُلَّ مَا يَخْرُجُ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ ۚ كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام: 141])).
{وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ} أَيْ: بَسَاتِينَ، {مَعْرُوشَاتٍ} أَيْ: مَسْمُوَكاتٍ مَرْفُوعَاتٍ، {وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ}: وَغَيْرَ مَرْفُوعَاتٍ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-: (({مَعْرُوشَاتٍ}: مَا انْبَسَطَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ فَانْتَشَرَ مِمَّا يَعْرُشُ كَالْكَرْمِ وَالْبِطِّيخِ، {وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ}: مَا قَامَ عَلَى سَاقٍ وَنَسَقٍ، أَيْ: مَا كَانَ عَلَى نِظَامٍ وَاحِدٍ كَالنَّخْلِ وَالزَّرْعِ وَسَائِرِ الْأَشْجَارِ)).
{وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ ۚ كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام: 141].
{وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ}: ثَمَرُهُ وَطَعْمُهُ، {وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ}: مُتَشَابِهًا فِي النَّظَرِ، غَيْرَ مُتَشَابِهٍ فِيهِ وَلَا فِي الطَّعْمِ.
((وَقَالَ ﷺ: «فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالْعُيُونُ أَوْ كَانَ عَثَرِيًّا الْعُشْرُ -أَيْ: عَشْرَةٌ بِالْمِائَةِ (10%)-، وَفِيمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ -أَيْ: بِنَضْحِ الْمَاءِ وَالتَّكَلُّفِ فِي اسْتِخْرَاجِهِ-وَفِيمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ الْعُشْرِ». الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي «صَحِيحِهِ».
((فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالْعُيُونُ أَوْ كَانَ عَثَرِيًا)): عَثَرِيًا: هُوَ مَا يَشْرَبُ مِنْ غَيْرِ سَقْيٍ؛ إِمَّا بِعُرُوقِهِ، أَوْ بِوَاسِطَةِ الْمَطَرِ وَالسُّيُولِ وَالْأَنْهَارِ، وَهُوَ مَا يُسَمَّى بِالْبَعْلِ، سُمِّيَ عَثَريًا مِنَ الْعَاثُورَاءِ -وَهِيَ: الْحُفْرَةُ لِتَعَثُّرِ الْمَاءِ بِهَا-.
وَقَالَ ﷺ: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِة أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ». أَخْرَجَاهُ.
وَالْأَوْسُقُ: جَمْعُ وَسْقً وَوِسْقٍ -بِالْفَتْحِ وَالْكَسْرِ-، وَأَصْلُهَا فِي اللُّغَةِ: الْحِمْلُ، وَالْمُرَادُ بِالْوَسْقِ: «سِتُّونَ صَاعًا».
فَهَذِهِ النُّصُوصُ تَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيمَا يَخْرُجُ مِنَ الْأَرْضِ، لَكِنْ لَا فِي كُلِّ شَيْءٍ يَخْرُجُ مِنْهَا، وَلَا فِي كُلِّ نَوْعٍ، بَلْ هُوَ مَخْصُوصٌ نَوْعًا، مُقَدَّرٌ كَمًّا.
فِيمَ تَجِبُ الزَّكَاةُ مِنَ الْحُبُوبِ وَالثِّمَارِ؟
|
فَمَا هُوَ الضَّابِطُ فِي هَذَا؟
اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذَا اخْتِلَافًا غَيْرَ قَلِيلٍ.
* الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: تَجِبُ فِي الْحُبُوبِ كُلِّهَا، وَلَوْ لَمْ تَكُنْ قُوتًا، وَفِي كُلِّ ثَمَرٍ يُكَالُ وَيُدَّخَرُ، وَالْحُبُوبُ مَا يَخْرُجُ مِنَ الزُّرُوعِ وَالْبُقُولِ وَمَا أَشْبَهَ، كَالْبُرِّ، وَالشَّعِيرِ، وَالْأُرْزِ، وَالذُّرَةِ، وَالدُّخْنِ وَغَيْرِهَا.
وَالدُّخْنُ: نَبَاتٌ عُشْبِيٌّ مِنَ النَّجِيلِيَّاتِ، حَبُّهُ صَغِيرٌ أَمْلَسُ كَحَبِّ السُّمْسُمِ يَنْبُتُ بَرِّيًّا وَمَزْرُوعًا.
* بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُ: مَا لَيْسَ بِقُوتٍ فَلَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةٌ، كَحَبِّ الرَّشَادِ، وَالْكُسْبَرَةِ، وَالْحبَّةِ السَّوْدَاءِ وَمَا أَشْبَهَ، فَهَذِهِ غَيْرُ قُوتٍ، وَلَكِنَّهَا حَبٌّ يَخْرُجُ مِنَ الزُّرُوعِ.
* فِي كُلِّ ثَمَرٍ يُكَالُ وَيُدَّخَرُ: الثَّمَرُ: مَا يُخْرَجُ مِنَ الْأَشْجَارِ، فَكُلُّ ثَمَرٍ يُكَالُ وَيُدَّخَرُ تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ.
وَالثَّمَرُ الَّذِي لَا يُكَالُ وَلَا يُدَّخَرُ لَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ وَلَوْ كَانَ يُؤْكَلُ، كَالْفَوَاكِهِ، وَالْخَضْرَوَاتِ، لَيْسَ فِيهَا زَكَاةٌ؛ لِأَنَّهَا لَا تُكَالُ وَلَا تُدَّخَرُ.
فِي كُلِّ ثَمَرٍ يُكَالُ وَيُدَّخَرُ، كَتَمْرٍ وَزَبِيبٍ، التَّمْرُ يُكَالُ وَيُدَّخَرُ، وَالزَّبِيبُ يُكَالُ وَيُدَّخَرُ، وَلَا عِبْرَةَ بِاخْتِلَافِ الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ؛ فَإِنَّ التَّمْرَ فِي عُرْفِنَا يُوزَنُ، وَكَذَلِكَ الزَّبِيبُ، لَكِنْ لَا عِبْرَةَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِمَا كَانَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ.
وَإِنْ كَانَ الثَّمَرُ يُدَّخَرُ وَلَا يُكَالُ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ.
وَإِنْ كَانَ يُكَالُ وَلَا يُدَّخَرُ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ.
* فَهُنَا شَرْطَانِ: أَنْ يُكَالَ، وَأَنْ يُدَّخَرَ.
وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عِدَّةُ أَقْوَالٍ هَذَا أَحَدُهَا.
وَالْمُرَادُ بِالِادِّخَارِ: أَنَّ عَامَّةَ النَّاسِ يَدَّخِرُونَهُ؛ لِأَنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ لَا يَدَّخِرُ التَّمْرَ، بَلْ يَأْكُلُهُ رُطَبًا، وَكَذَلِكَ الْعِنَبُ قَدْ يُؤْكَلُ رُطَبًا، لَكِنَّ الْعِبْرَةَ بِمَا عَلَيْهِ عَامَّةُ النَّاسِ فِي هَذَا النَّوْعِ، فَهَذَا قَوْلٌ.
* الثَّانِي: أَنَّهَا لَا تَجِبُ إِلَّا فِي أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ: فِي الْحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرِ، وَالزَّبِيبِ؛ لِوُرُودِ الْحَدِيثِ بِذَلِكَ، مِنْ رِوَايَةِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُمَا: «لَا تَأْخُذَا فِي اَلصَّدَقَةِ إِلَّا مِنْ هَذِهِ اَلْأَصْنَافِ اَلْأَرْبَعَةِ: اَلشَّعِيرِ، وَالْحِنْطَةِ، وَالزَّبِيبِ، وَالتَّمْرِ». أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَالْحَاكِمُ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ، وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ فِي «الْإِرْوَاءِ» وَ«الصَّحِيحَةِ».
وَهَذَا الْقَوْلُ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ.
* الْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّهَا تَجِبُ فِي كُلِّ مَا يَخْرُجُ مِنَ الْأَرْضِ مِمَّا يَزْرَعُهُ الْآدَمِيُّ، مِنْ فَوَاكِهَ وَغَيْرِ فَوَاكِهَ.
وَاسْتَدَلُّوا بِعُمُومِ قَوْلِهِ -جَلَّ وَعَلَا-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ} [البقرة: 267].
وَبِقَوْلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ: «فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ الْعُشْرَ». أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-.
* الْقَوْلُ الرَّابِعُ: أَنَّهَا لَا تَجِبُ إِلَّا فِيمَا هُوَ قُوتٌ يُدَّخَرُ سَوَاءٌ يُكَالُ أَوْ لَا يُكَالُ، قَالَ بِهِ شَيْخُ الْإِسْلَامِ -رَحِمَهُ اللهُ-.
أَقْرَبُ الْأَقْوَالِ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ.
وَالدَّلِيلُ: قَوْلُ رَسُولِ اللهِ ﷺ: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ». أَخْرَجَاهُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي سَعِيدٍ.
فَدَلَّ هَذَا عَلَى اعْتِبَارِ التَّوْسِيق، وَالتَّوْسِيقُ: التَّحْمِيلُ.
وَالْوَسْقُ: الْحِمْلُ.
نِصَابُ زَكَاةِ الْحُبُوبِ وَالثِّمَارِ
|
وَالْمَعْرُوفُ أَنَّ: (الْوَسْقَ: سِتُّونَ صَاعًا بِصَاعِ النَّبِيِّ ﷺ ).
وَهِيَ بِأَصْوَاعِنَا نَحْنُ: (مِئَتَانِ وَثَلَاثُونَ صَاعًا وَزِيَادَةُ صَاعٍ نَبَوِيٍّ).
وَعَلَى حَسَبِ مَا يُعْتَبَرُ فِي الْوَزْنِ إِذَا جُعِلَ (الصَّاعُ: كِيلُوَيْنِ وَأَرْبَعِينَ جِرَامًا)، (فَثَلَاثُ مِائَةِ صَاعٍ: تَعْدِلُ سِتَّ مِائَةٍ وَاثْنَيْ عَشَرَ كِيلُوَ -612كجم- بِالْبُرِّ الرَّزِينِ الْجَيِّدِ).
فيُتَّخَذُ إِنَاءُ يَسَعُ مِثْلَ هَذَا فِي الْوَزْنِ أَوْ عِدَّةُ أَوَانٍ، ثُمَّ يُقَاسُ عَلَيْهِمْ)).
(خَمْسَةُ أَوْسُقٍ بِالْكَيْلِ الْمِصْرِيِّ: تُسَاوِي خَمْسِينَ كَيْلَةً مِصْرِيَّةٍ، وَهِيَ أَرْبَعَةُ أَرَادِبٍّ وَسُدُسُ إِرْدَبٍّ -أَيْ: وَوَيْبَةٌ-).
فَإِذَا بَلَغَ الْخَارِجُ هَذَا الْقَدْرَ فَقَدْ وَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ.
(الصَّاعُ بِالْأَرْطَالِ الْمِصْرِيَّةِ: أَرْبَعَةُ أَرْطَالٍ وَثَمَانِيَةَ عَشْرَ رِطْلٍ مِنَ الْقَمْحِ، وَهُوَ قَدَحٌ وَثُلُثٌ -أَيْ: سُدُسُ كِيلَةٍ مِصْرِيَّةٍ-).
(الْوَسْقُ بِالْجِرَامَاتِ: هُوَ مِائَةٌ وَثَلَاثُونَ كِيلُو جِرَامًا وَسِتَّةٌ وَخَمْسُونَ مِنَ الْكِيلُو).
فَالْخَمْسَةُ أَوْسُقٍ -وَالْوَسْقُ: سِتُّونَ صَاعًا-، (زِنَةُ صَاعٍ نَبَوِيٍّ بِالْبُرِّ الْجَيِّدِ: أَلْفَانِ وَأَرْبَعُونَ جِرَامًا)، فَتَكُونُ (زِنَةُ النِّصَابِ بِالْبُرِّ الْجَيِّدِ: سِتَّ مَائِةٍ وَاثْنَي عَشَرَ كِيلُو (612كجم) ).
وَلَا زَكَاةَ فِيمَا دُونَهَا.
هِيَ بِالْكَيْلِ الْمِصْرِيِّ: تُسَاوِي: (خَمْسِينَ كَيْلَةً مِصْرِيَّةً)، وَهِيَ: (أَرْبَعَةُ أَرَادِبٍّ وَسُدُسُ إِرْدَبٍّ)، أَيْ: (أَرْبَعَةُ أَرَادِبٍّ وَوَيْبَةُ)، فَإِذَا بَلَغَ هَذَا الْقَّدْرَ وَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ.
شُرُوطُ وُجُوبِ زَكَاةِ الْحُبُوبِ وَالثِّمَارِ
|
((وَالْخُلَاصَةُ: أَنَّ الْحُبُوبَ وَالثِّمَارَ تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ: بِشَرْطِ أَنْ تَكُونَ مَكِيلَةً، مُدَّخَرَةً.
فَإِنْ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ فَلَا زَكَاةَ فِيهَا.
هَذَا هُوَ أَقْرَبُ الْأَقْوَالِ، وَعَلَيْهِ الْمُعْتَمَدُ -إِنْ شَاءَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا--.
وَالْخُلَاصَةُ: أَنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ فِي كُلِّ مَكِيلٍ مُدَّخَرٍ مِنَ الْحُبُوبِ وَالثِّمَارِ سَوَاءٌ كَانَ قُوتًا أَمْ لَمْ يَكُنْ.
وَيُشْتَرَطُ لِذَلِكَ شَرْطَانِ:
الْأَوَّلُ: بُلُوغُ النِّصَابِ.
الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مَمْلُوكًا لَهُ وَقْتَ وُجُوبِ الزَّكَاةِ.
هَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْحَبُّ وَالثَّمَرُ قُوتًا؟
قَالَتِ الْحَنَابِلَةُ: لَا يُشْتَرَطُ، فَمَا دَامَ مَكِيلًا مُدَّخَرًا فَفِيهِ الزَّكَاةُ.
وَقَوْلٌ ثَانٍ: يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ قُوتًا.
لَكِنَّ ظَاهِرَ عُمُومِ قَوْلِ رَسُول اللهِ ﷺ: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ» يَشْمَلُ مَا كَانَ قُوتًا وَمَا كَانَ غَيْرَ قُوتٍ.
مِقْدَارُ مَا يَجِبُ إِذَا بَلَغَ النِّصَابَ
|
وَأَمَّا مِقْدَارُ مَا يَجِبُ إِذَا بَلَغَ النِّصَابَ:
النِّصَابُ -كَمَا مَرَّ-: (أَرْبَعَةُ أَرَادِبٍّ وَوَيْبَةٌ بِالْكَيْلِ الْمِصْرِيِّ).
إِذَا بَلَغَ هَذَا الْقَدْرَ فَقَدْ بَلَغَ النِّصَابَ، هَذَا نِصَابُهُ.
مَا الَّذِي يَجِبُ فِيهِ؟
الْوَاجِبُ: الْعُشْرُ، أَوْ نِصْفُ الْعُشْرِ، أَوْ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ عَلَى حَسَبِ الْمَؤُونَةِ.
* فَإِنْ سُقِيَ بِلَا مَؤُونَةٍ فَالْوَاجِبُ الْعُشْرُ، فَنَفَقَتُهُ أَقَلُّ.
وَالَّذِي يُسْقَى بِلَا مَؤُونَةٍ يَشْمَلُ ثَلَاثَةَ أَشْيَاءٍ:
- مَا يَشْرَبُ بِعُرُوقِهِ -يَعْنِي: لَا يَحْتَاجُ إِلَى مَاءٍ-.
- مَا يَكُونُ مِنَ الْأَنْهَارِ وَالْعُيُونِ.
- مَا يَكُونُ مِنَ الْأَمْطَارِ.
إِذَا قَالَ قَائِلٌ: إِذَا كَانَ مِنَ الْأَنْهَارِ وَشَقَقْتُ السَّاقِيَةَ أَوِ الْخَلِيجَ لِيَسْقِيَ الْأَرْضَ، هَلْ يَكُونُ سُقِيَ بِمَؤُونَةٍ أَوْ بِغَيْرِ مَؤُونَةٍ؟
الْجَوَابُ: سُقِيَ بِغَيْرِ مَؤُونَةٍ، نَظِيرُ ذَلِكَ إِذَا حَفَرْتَ بِئْرًا؛ فَخَرَجَ الْمَاءُ نَبْعًا فَإِنَّهُ بِلَا مَؤُونَةٍ؛ لِأَنَّهُ إِيصَالٌ لِلْمَاءِ إِلَى الْمَكَانِ بِمَا لَا مَؤُونَةَ فِيهِ.
فَالْمَؤُونَةُ تَكُونُ فِي نَفْسِ السَّقْيِ، أَيْ: يَحْتَاجُ إِلَى إِخْرَاجِهِ عِنْدَ السَّقْيِ بِمَكَائِنَ أَوْ بِسَوَانٍ -السَّانِيَةُ: الْإِبِلُ يُسْتَقَى عَلَيْهَا الْمَاءُ مِنَ الدَّوَالِيبِ-، يَحْتَاجُ إِلَى إِخْرَاجِ الْمَاءِ عِنْدَ السَّقْيِ إِلَى الْمَاكِينَةِ أَوْ إِلَى السَّانِيَةِ أَوْ إِلَى السَّاقِيَةِ.
أَمَّا مُجَرَّدُ إِيصَالِهِ إِلَى الْمَكَانِ، وَلَيْسَ فِيهِ إِلَّا مَؤُونَةُ الْحَفْرِ أَوْ مَؤُونَةُ شَقِّ الْخَلِيجِ مِنَ النَّهْرِ، أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَهَذَا يُعْتَبَرُ بِلَا مَؤُونَةٍ.
دَلِيلُ ذَلِكَ: قَوْلُ رَسُولِ اللهِ ﷺ: «وَفِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالْعُيُونُ أَوْ كَانَ عَثَرِيًّا الْعُشْرُ، وَفيمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ الْعُشْرِ». أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ.
وَالْعَثَريُّ: الَّذِي يَشْرَبُ بِعُرُوقِهِ.
الْحِكْمَةُ مِنْ ذَلِكَ: كَثْرَةُ الْإِنْفَاقِ فِي الَّذِي يُسْقَى بِمُؤُونَةٍ، وَقِلَّةُ الْإِنْفَاقِ فِي الَّذِي يُسْقَى بِلَا مَؤُونَةٍ، فَرَاعَى الشَّارِعُ الْمَؤُونَةَ وَالنَّفَقَةَ، وَخَفَّفَ عَلَى مَا يُسْقَى بِمَؤُونَةٍ.
* وَأَمَّا ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْعُشْرِ: فَفِيمَا يَشْرَبُ بِمَؤُونَةٍ وَبِغَيْرِ مَؤُونَةٍ -نِصْفَيْنِ-، يَجِبُ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْعُشْرِ.
مِثَالُهُ: نَخْلٌ يُسْقَى نِصْفَ الْعَامِ بِمَؤُونَةٍ، وَنِصْفَ الْعَامِ بِغَيْرِ مَؤُونَةٍ، فِي الصَّيْفِ يُسْقَى بِمَؤُونَةٍ، وَفِي الشِّتَاءِ يَشْرَبُ مِنَ الْأَمْطَارِ؛ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْعُشْرِ.
فَإِنْ تَفَاوَتَا -يَعْنِي: أَنَّنَا لَمْ نَتَمَكَّنْ مِنَ الضَّبْطِ هَلْ هُوَ النِّصْفُ أَوْ أَقَلُّ أَوْ أَكْثَرُ- فَبِأَكْثَرِهِمَا نَفْعًا -أَيِ: الَّذِي يَكْثُرُ بِهِ نَفْعُ النَّخْلِ أَوِ الشَّجَرِ أَوِ الزَّرْعِ-، فَهَذَا هُوَ الْمُعْتَبَرُ.
فَإِذَا كَانَ نُمُوُّهُ بِمَؤُونَةٍ أَكْثَرَ مِنْهُ فِيمَا إِذَا شَرِبَ بِلَا مَؤُونَةٍ؛ فَالْمُعْتَبَرُ نِصْفُ الْعُشْرِ؛ لِأَنَّ سَقْيَهُ بِالْمَؤُونَةِ أَكْثَرُ نَفْعًا، فَاعْتُبِرَ بِهِ.
فَصَارَتِ الْأَحْوَالُ أَرْبَعَةً:
مَا سُقِيَ بِمَؤُونَةٍ خَالِصَةٍ.
وَبِلَا مَؤُونَةٍ خَالِصَةٍ.
وَبِمَؤُونَةٍ وَغَيْرِهَا عَلَى النِّصْفِ.
وَبِمَؤُونَةٍ وَغَيْرِهَا مَعَ الِاخْتِلَافِ.
* فَإِنْ كَانَ يُسْقَى بِمَؤُونَةٍ خَالِصَةٍ: فَنِصْفُ الْعُشْرِ.
* وَبِلَا مَؤُونَةٍ خَالِصَةٍ: الْعُشْرُ.
* وَبِهِمَا نِصْفْيَنْ: ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْعُشْرِ.
* وَمَعَ التَّفَاوُتُ: يُعْتَبَرُ الْأَكْثَرُ نَفْعًا.
فَإِنْ جَهِلْنَا نَؤُولُ إِلَى الْعُشْرِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْأَحْوَطُ، وَالَّذِي هُوَ أَبْرَأُ لِلذِّمَّةِ.
وَقْتُ وُجُوبِ زَكَاةِ الْحُبُوبِ والثمار:
|
إِذَا اشْتَدَّ الْحَبُّ وَبَدَا صَلَاحُ الثَّمَرِ وَجَبَتِ الزَّكَاةُ:
فَوَقْتُ الْوُجُوبِ إِذَا اشْتَدَّ الْحَّبُّ أَوْ قَوِيَ وَصَارَ شَدِيدًا لَا يَنْضَغِطُ بِضَغْطِهِ، وَبَدَا صَلَاحُ الثَّمَرِ، وَذَلِكَ فِي ثَمَرِ النَّخِيلِ أَنْ يَحْمَرَّ أَوْ يَصْفَرَّ، وَفِي الْعِنَبِ أَنْ يَتَمَوَّهَ حُلْوًا بَدَلًا مِنْ أَنْ يَكُونَ قَاسِيًا، يَكُونُ لَيِّنًا مُتَمَوِّهًا، وَبَدَلًا مِنْ أَنْ يَكُونَ حَامِضًا يَكُونَ حُلْوًا.
فَإِذَا اشْتَدَّ الْحَّبُّ وَبَدَا صَلَاحُ الثَّمَرِ وَجَبَتِ الزَّكَاةُ، قَبْلَ ذَلِكَ لَا تَجِبُ.
مَا الَّذِي يَتَأَسَّسُ عَلَى هَذَا؟
يَتَأَسَّسُ عَلَيْهِ:
* أَنَّهُ لَوِ انْتَقَلَ الْمِلْكُ قَبْلَ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فَإِنَّهُ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ، بَلْ تَجِبُ عَلَى مَنِ انْتَقَلَتْ إِلَيْهِ، كَمَا لَوْ مَاتَ الْمَالِكُ قَبْلَ وُجُوبِ الزَّكَاةِ أَوْ قَبْلَ اشْتِدَادِ الْحَبِّ أَوْ بُدُوِّ صَلَاحِ الثَّمَرِ فَإِنَّ الزَّكَاةَ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ، بَلْ تَجِبُ عَلَى الْوَارِثِ، وَكَذَلِكَ لَوْ بَاعَ النَّخْلَ وَعَلَيْهَا ثِمَارٌ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهَا، أَوْ بَاعَ أَرْضًا وَفِيهَا زَرْعٌ لَمْ يَشْتَدَّ حَبُّهُ؛ فَإِنَّ الزَّكَاةَ عَلَى الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهُ أَخْرَجَهَا مِنْ مِلْكِهِ قَبْلَ وُجُوبِ الزَّكَاةِ عَلَيْهِ.
* يَتَفَرَّعُ عَلَى هَذَا -أَيْضًا-: أَنَّهُ لَوْ تَلِفَتْ -وَلَوْ بِفِعْلِهِ- بِأَنْ حَصَدَ الزَّرْعَ قَبْلَ اشْتِدَادِهِ، وَهَذَا يَحْدُثُ كَثِيرًا مَعَ الذُّرَةِ.. لَوْ أَنَّهُ حَصَدَ الزَّرْعَ قَبْلَ اشْتِدَادِهِ، أَوْ قطَعَ الثَّمَرَ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ؛ فَإِنَّهُ لَا زَكَاةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ قَبَلَ وُجُوبِ الزَّكَاةِ عَلَيْهِ.
إِلَّا أَنَّهُمْ قَالُوا: إِنْ فَعَلَ ذَلِكَ فِرَارًا مِنَ الزَّكَاةِ وَجَبَتْ عَلَيْهِ؛ عُقُوبَةً لَهُ بِنَقِيضِ قَصْدِهِ، وَلِأَنَّ كُلَّ مَنْ تَحَيَّلَ لِإِسْقَاطِ وَاجِبٍ فَإِنَّهُ يُلْزَمُ بِهِ.
وَلَا يَسْتَقِرُّ الْوُجُوبُ إِلَّا بِجَعْلِهَا فِي (الْبَيْدَرِ)، فَإِنْ تَلِفَتْ قَبْلَهُ بِغَيْرِ تَعَدٍّ مِنْهُ سَقَطَتِ الزَّكَاةُ عَنْهُ، فَلَا يَسْتَقِرُّ وُجُوبُ الزَّكَاةِ إِلَّا بِجَعْلِهَا فِي (الْبَيْدَرِ).
وَ (الْبَيْدَرُ): الْمَحَلُّ الَّذِي تُجْمَعُ فِيهِ الثِّمَارُ وَالزُّرُوعُ، وَيُسَمَّى (الْجَرِينُ) أَوِ (الْجُرْنُ) وَ (الْبَيْدَرُ).
وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا جَذَّوُا الثَّمَرَ جَعَلُوا لَهُ مَكَانًا فَسِيحًا يَضَعُونَهُ فِيهِ، وَكَذَلِكَ إِذَا حَصَدُوا الزَّرْعَ جَعَلُوا لَهُ مَكَانًا فَسِيحًا يَدُوسُونَهُ فِيهِ.
فَلَا يَسْتَقِرُّ الْوُجُوبُ إِلَّا إِذَا جَعَلَهَا فِي (الْبَيْدَرِ).
وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ اسْتِقْرَارَ الْوُجُوبِ يَكُونُ بِجَعْلِهَا فِي (الْبَيْدَرِ): قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ}.
وَإِذَا حُصِدَ الزَّرْعُ فَإِنَّهُ يُجْعَلُ فِي (الْبَيَادِرِ) فَوْرًا، فَإِنْ تَلِفَتْ بَعْدَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ وَاشْتِدَادِ الْحَّبِّ قَبْلَ جَعْلِهَا فِي الْبَيْدَرِ فَإِنَّهَا تَسْقُطُ مَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِتَعَدٍّ مِنْهُ أَوْ تَفْرِيطٍ؛ فَإِنَّهَا لَا تَسْقُطُ -حِينَئِذٍ-.
الْمُسْلِمُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُؤَدِّيَ زَكَاةَ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ، وَأَنْ يَتَّقِيَ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ فِيمَا آتَاهُ مِنْ رِزْقِهِ.
زَكَاةُ الْحُبُوبِ والثمارِ عَلَى الْمَالِكِ أَمِ الْمُسْتَأْجِرِ؟
|
لَوْ أَنَّ لَهُ أَرْضًا أَجَّرَهَا؛ فَزَكَاةُ مَا خَرَجَ مِنَ الْأَرْضِ عَلَى مَنْ إِذَا بَلَغَتْ نِصابًا، وَوُضِعَتْ فِي (الْبَيْدَرِ)، وَبَدَا صَلَاحُهَا؟
عَلَى مُسْتَأْجِرِ الْأَرْضِ دُونَ مَالِكِهَا؛ فَتَجِبُ الزَّكَاةُ -زَكَاةُ الثِّمَارِ وَالْحُبُوبِ- عَلَى مُسْتَأْجِرِ الْأَرْضِ دُونَ مَالِكِهَا، أَيْ: أَنَّ زَكَاةَ الثَّمَرِ وَزَكَاةَ الْحُبُوبِ تَجِبُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ دُونَ الْمَالِكِ.
وَعِلَّةُ الْوُجُوبِ: أَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ هُوَ مَالِكُ الْحُبُوبِ وَالثِّمَارِ، وَأَمَّا مَالِكُ الْأَرْضِ فَلَيْسَ لَهُ إِلَّا الْأُجْرَةُ.
قَدْ يَقُولُ قَائِلٌ -وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ مُهِمَّةٌ جِدًّا، يَحُلُّ اللهُ رَبَّ الْعَالَمِينَ لَنَا بِهَا كَثِيرًا مِنَ الْإِشْكَالَاتِ، وَيَرْفَعُ عَنَّا بِهَا كَثِيرًا مِنَ الْحَرَجِ- لَوْ قَالَ قَائِلٌ: كَيْفَ يُسْتَأْجَرُ النَّخْلُ؟ هَلْ يُسْتَأْجَرُ النَّخْلُ، وَكَذَا أَشْجَارُ الْمَوَالِحِ وَالْمَانْجُو وَمَا أَشْبَهَ.. هَلْ تُسْتَأْجَرُ أَوْ لَا تُسْتَأْجَرُ؟
عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ -وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ-: أَنَّ النَّخْلَ لَا يُسْتَأْجَرُ، أَيْ: لَا يُمْكِنُ أَنْ آتِيَ إِلَى صَاحِبِ الْبُسْتَانِ وَأَقُولُ لَهُ: أَجِّرْنِي هَذَا النَّخْلَ لِمُدَّةِ عَشْرِ سَنَوَاتٍ -مَثَلًا-؛
لِأَنَّ الثَّمَرَ مَعْدُومٌ، وَلَا يُعْلَمُ هَلْ يَخْرُجُ مِنَ الثَّمَرِ مِقْدَارُ الْأُجْرَةِ أَوْ أَقَلُّ أَوْ أَكْثَرُ، وَالنَّبِيُّ ﷺ -فِيمَا رَوَاهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- وَهُوَ فِي «الصَّحِيحَيْنِ»-: «نَهَى عَنِ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا».
فَهَذَا مِنْ بَابِ أَوْلَى، فَهُوَ مَعْدُومٌ؛ لِأَنَّ هَذَا قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ، فَيَكُونُ فِيهِ جَهَالَةٌ.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ -رَحِمَهُ اللهُ-: «إِنَّ اسْتِئْجَارَ أَشْجَارِ الْبَسَاتِينِ كَاسْتِئْجَارِ أَرَاضِيهَا، فَكَمَا أَنَّكَ تَسْتَأْجِرُ هَذِهِ الْأَرْضَ مِنْ صَاحِبِهَا وَتَزْرَعُهَا؛ فَقَدْ يَكُونُ زَرْعُكَ أَكْثَرَ مِنَ الْأُجْرَةِ، وَقَدْ يَكُونُ أَقَلَّ؛ فَكَذَلِكَ النَّخْلُ، وَيُجْعَلُ النَّخْلُ أَصْلًا كَمَا تُجْعَلُ الْأَرْضُ أَصْلًا بِالْمُزَارَعَةِ».
وَقَالَ: «إِنَّ هَذَا هُوَ الثَّابِتَ عَنْ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- حَيْثُ ضَمَّنَ حَدِيقَةَ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- الَّذِي لَزِمَهُ دُيُونٌ، فَضَمَّنَ بُسْتَانَهُ مَنْ يَسْتَأْجِرُهُ لِمُدَّةِ كَذَا وَكَذَا سَنَةٍ، وَيُقَدِّمُ الْأُجْرَةَ مِنْ أَجْلِ قَضَاءِ الدَّيْنِ، وَعُمَرُ فَعَلَ ذَلِكَ وَالصَّحَابَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- مُتَوَافِرُونَ، وَلِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ اسْتِئْجَارِ النَّخِيلِ وَاسْتِئْجَارِ الْأَرْضِ؛ لِأَنَّ هَذَا أَقْطَعُ لِلنِّزَاعِ بَيْنَ الْمُسْتَأْجِرِ وَصَاحِبِ الْأَرْضِ؛ ذَلِكَ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُسَاقِيَ صَاحِبُ النَّخْلِ الْعَامِلَ بِجُزْءٍ مِنَ الثَّمَرِ، وَهَذَا رُبَّمَا يَحْصُلُ فِيهِ نِزَاعٌ، أَمَّا إِذَا كَانَتِ الْأُجْرَةُ مَقْطُوعَةً فَإِنَّ صَاحِبَ النَّخِيلِ قَدْ عَرَفَ نَصِيبَهُ وَأَخَذَهُ، وَالْمُسْتَأْجِرُ قَدْ عَرَفَ أَنَّ الثَّمَرَ كُلَّهُ لَهُ لَا يُنَازِعُهُ فِيهِ أَحَدٌ، يَتَصَرَّفُ فِيهِ كَامِلًا».
وَهَذَا هُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الْعَمَلُ الْآنَ عِنْدَ النَّاسِ، أَنَّهُ يَصِحُّ اسْتِئْجَارُ النَّخِيلِ وَكَذَا الْبَسَاتِينُ مِنْ أَشْجَارِ الْمَوَالِحِ وَمَا أَشْبَهَ، يَصِحُّ اسْتِئْجَارُهَا بِأُجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ لِمُدَّةٍ مُعَيَّنَةٍ عَلَى حَسَبِ مَا يَتَّفِقَانِ عَلَيْهِ.
أَجَابَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ -رَحِمَهُ اللهُ- عَنِ اسْتِدْلَالِهِمْ بِالْحَدِيثِ وَهُوَ: ((نَهْيُ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ قَبْلِ بُدُوِّ صَلَاحِهِ)) بِأَنَّهُ يَثْبُتُ تَبَعًا مَا لَا يَثْبُتُ اسْتِقْلَالًا، وَلِهَذَا أَجَازُوا بَيْعَ أَصْلِ النَّخِيلِ وَعَلَيْهِ ثَمَرُهِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ، وَأَجَازُوا بَيْعَ الْحَيَوَانِ الْحَامِلِ مَعَ النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الْحَمْلِ)).
((اتَّقُوا اللهَ وَأَخْرِجُوا زَكَاةَ أَمْوَالِكُمْ!))
فَاتَّقُوا اللهَ -عِبَادَ اللهِ-، وَاشْكُرُوهُ عَلَى مَا أَمَدَّكُمْ بِهِ مِنْ أَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ!
وَاعْلَمُوا أَنَّ الَّذِي تُقَدِّمُونَ هُوَ الَّذِي تُبْقُونَ، وَأَنَّ الَّذِي تَسْتَبْقُونَ هُوَ الَّذِي تَفْقِدُونَ وَلَا تَجِدُونَ!
ذَبَحَ آلُ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ ﷺ شَاةً، فَتَصَدَّقُوا بِهَا، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلَّا كَتِفٌ، فَدَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: «مَا بَقِيَ مِنْهَا؟».
فَقَالَتْ عَائِشَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا-: ((مَا بَقِيَ مِنْهَا إِلَّا كَتِفُهَا)).
فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «بَقِيَ كُلُّهَا غَيْرَ كَتِفِهَا». أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ رِوَايَةِ عَائِشَةَ.
وَهَذَا ثَابِتٌ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ.
وَاللهُ يَتَوَلَّانِي وَيَتَوَلَّاكُمْ، وَيَرْعَانِي وَيَرْعَاكُمْ، وَيَحْفَظُنِي وَيَحْفَظُكُمْ، وَهُوَ -تَعَالَى- الْحَفِيظُ الْكَرِيمُ الْجَوَادُ.
وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ.