مَخَاطِرُ الطَّلَاقِ

مَخَاطِرُ الطَّلَاقِ

((مَخَاطِرُ الطَّلَاقِ))

إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ.

وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ, وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ.

أَمَّا بَعْدُ:

فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.

أَمَّا بَعْدُ:

((نِعْمَةُ الزَّوَاجِ وَجُمْلَةٌ مِنْ ثَمَرَاتِهِ))

فَإِنَّ مِنْ أَجَلِّ نِعَمِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- عَلَى الْعَبْدِ أَنْ يَرْزُقَهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ زَوْجَةً صَالِحَةً.

إِنَّ هَذِهِ النِّعْمَةَ الْعَظِيمَةَ -نِعْمَةَ الزَّوَاجِ- الَّتِي يُنْعِمُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- بِهَا عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ الصَّالِحِينَ نِعْمَةٌ يَتَعَلَّقُ بِهَا آثَارٌ فِي الدُّنْيَا، وَآثَارٌ فِي الْآخِرَةِ.

فَمِنْ نَتَائِجِهَا فِي الدُّنْيَا: أَنْ يَكُونَ مُعَانًا عَلَى طَاعَةِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ؛ بِغَضِّ بَصَرِهِ، وَهُدُوءِ خَاطِرِهِ، وَاسْتِقْرَارِ نَفْسِهِ، وَقَضَاءِ حَوَائِجِهِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ تِلْكَ الْأُمُورِ الَّتِي يَتَحَصَّلُ عَلَيْهَا فِي دُنْيَاهُ.

وَأَمَّا فِي آخِرَتِهِ: فَإِنَّ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- يَجْعَلُ لَهُ وَلَدًا صَالِحًا فِي الدُّنْيَا يَتَأَتَّى مِنْهُ دُعَاءٌ صَالِحٌ فِي الْآخِرَةِ يَصِلُ إِلَيْهِ فِيهَا أَجْرُهُ -بِفَضْلِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ-، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((إِذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ -مِنْهَا-: أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو اللهَ لَهُ)).

فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا الْعَمَلَ الَّذِي يَتَأَتَّى مِنَ الْوَلَدِ الصَّالِحِ بِالدُّعَاءِ لِأَبَوَيْهِ بَعْدَ مَوْتِهِمَا هُوَ اسْتِمْرَارٌ لِحَيَاتِهِ هُوَ، كَأَنَّهُ لَمْ يَمُتْ.

وَمِنْ ذَلِكَ: مَا فِيهِ مِنْ تَحْصِينِ فَرْجَيِ الزَّوْجَيْنِ، وَقَصْرِ كُلٍّ مِنْهُمَا بِهَذَا الْعَهْدِ نَظَرَهُ عَلَى صَاحِبِهِ عَنِ الْخِلَّانِ وَالْخَلِيلَاتِ.

وَمِنْ ذَلِكَ: مَا فِي النِّكَاحِ مِنْ تَكْثِيرِ الْأُمَّةِ بِالتَّنَاسُلِ؛ لِيَكْثُرَ عِبَادُ اللهِ تَعَالَى، وَأَتْبَاعُ نَبِيِّهِ ﷺ، فَتَتَحَقَّقُ الْمُبَاهَاةُ، وَيَتَسَاعَدُوا عَلَى أَعْمَالِ الْحَيَاةِ.
وَمِنْهَا: حِفْظُ الْأَنْسَابِ، الَّتِي يَحْصُلُ بِهَا التَّعَارُفُ، وَالتَّآلُفُ، وَالتَّعَاوُنُ، وَالتَّنَاصُرُ.
وَلَوْلَا عَقْدُ النِّكَاحِ وَحِفْظُ الْفُرُوجِ بِهِ لَضَاعَتِ الْأَنْسَابُ، وَلَأَصْبَحَتِ الْحَيَاةُ فَوْضَى، لَا وِرَاثَةَ، وَلَا حُقُوقَ، وَلَا أُصُولَ، وَلَا فُرُوعَ.

وَمِنْهَا: مَا يَحْصُلُ بِالزَّوَاجِ مِنَ الْأُلْفَةِ وَالْمَوَدَّةِ وَالرَّحْمَةِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ؛ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ شَرِيكٍ فِي حَيَاتِهِ يُشَاطِرُهُ هُمُومَهُ وَغُمُومَهُ، وَيُشَارِكُهُ فِي أَفْرَاحِهِ وَسُرُورِهِ.

وَفِي عَقْدِ الزَّوَاجِ سِرٌّ إِلَهِيٌّ عَظِيمٌ يَتِمُّ عِنْدَ عَقْدِهِ إِذَا قَدَّرَ اللهُ الْأُلْفَةَ، فَيَحْصُلُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ مِنْ مَعَانِي الْوُدِّ وَالرَّحْمَةِ مَا لَا يَحْصُلُ بَيْنَ الصَّدِيقَيْنِ أَوِ الْقَرِيبَيْنِ إِلَّا بَعْدَ الْخُلْطَةِ الطَّوِيلَةِ.

وَإِلَى هَذَا الْمَعْنَى أَشَارَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- بِقَوْلِهِ: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الروم: 21].

وَمِنْهَا: مَا يَحْصُلُ فِي اجْتِمَاعِ الزَّوْجَيْنِ مِنْ قِيَامِ الْبَيْتِ وَالْأُسْرَةِ الَّذِي هُوَ نَوَاةُ قِيَامِ الْمُجْتَمَعِ وَصَلَاحِهِ.

وَفَوَائِدُ النِّكَاحِ لَا تُحْصِيهَا الْأَقْلَامُ، وَلَا تُحِيطُ بِهَا الْأَفْهَامُ؛ لِأَنَّهُ نِظَامٌ شَرْعِيٌّ إِلَهِيٌّ سُنَّ لِيُحَقِّقَ مَصَالِحَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى.

((مَكَانَةُ الزَّوَاجِ فِي الْإِسْلَامِ))

إِنَّ الْمُتَأَمِّلَ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ يَجِدُ أَنَّ اللهَ -عَزَّ وَجَلَّ- قَدْ سَمَّى الزَّوَاجَ مِيثَاقًا غَلِيظًا؛ لِيَدُلَّ عَلَى وُجُوبِ احْتِرَامِهِ، وَلِيُحَذِّرَ مِنْ خُطُورَةِ هَدْمِهِ وَنَقْضِهِ؛ حَيْثُ يَقُولُ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ-: {وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآَتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (20) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا} [النساء: 20-21].

وَإِنْ أَرَدْتُمْ -يَا مَعْشَرَ الرِّجَالِ- طَلَاقَ زَوْجَةٍ وَاسْتِبْدَالَ زَوْجَةٍ أُخْرَى مَكَانَهَا، وَكَانَ صَدَاقُ مَنْ تُرِيدُونَ طَلَاقَهَا مَالًا كَثِيرًا؛ فَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا إِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ قِبَلِهَا نُشُوزٌ وَسُوءُ عِشْرَةٍ.

أَفَتَأْخُذُونَهُ مُفْتَرِينَ فَاعِلِينَ فِعْلًا تَتَحَيَّرُ الْعُقُولُ فِي سَبَبِهِ، آثِمِينَ بِفِعْلِهِ إِثْمًا وَاضِحًا مُعْلَنَ الْوُضُوحِ، مُسْتَنْكَرَ الْوُقُوعِ؟!

فَلَا تَفْعَلُوا هَذَا الْفِعْلَ مَعَ ظُهُورِ قُبْحِهِ فِي الشَّرْعِ وَالْعَقْلِ.

وَلِأَيِّ وَجْهٍ تَفْعَلُونَ مِثْلَ هَذَا الْفِعْلِ، وَكَيْفَ يَلِيقُ بِالْعَاقِلِ أَنْ يَسْتَرِدَّ شَيْئًا بَذَلَهُ لِزَوْجَتِهِ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ، وَقَدْ وَصَلَ بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ بِالْجِمَاعِ وَالْخَلْوَةِ، وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ عَهْدًا شَدِيدًا مُؤَكَّدًا، وَهِيَ كَلِمَةُ النِّكَاحِ الَّتِي تُسْتَحَلُّ بِهَا فُرُوجُ النِّسَاءِ؟!

لَقَدْ جَعَلَ الْإِسْلَامُ لِلْحَيَاةِ الزَّوْجِيَّةِ مَنْزِلَةً خَاصَّةً، وَمَكَانَةً سَامِيَةً، وَسَنَّ مِنَ الْحُقُوقِ وَالْوَاجِبَاتِ وَالْآدَابِ مَا يَضْمَنُ اسْتِقْرَارَهَا، وَتَرَابُطَهَا، وَتَمَاسُكَهَا، وَاسْتِدَامَتَهَا فِي إِطَارِ السَّكَنِ، وَالْمَوَدَّةِ، وَالرَّحْمَةِ، وَالِاحْتِرَامِ الْمُتَبَادَلِ، وَقَدْ دَعَتِ الشَّرِيعَةُ الْإِسْلَامِيَّةُ الزَّوْجَيْنِ إِلَى أَنْ يَنْظُرَ كُلٌّ مِنْهُمَا إِلَى شَرِيكِ حَيَاتِهِ بِعَيْنِ الْإِنْصَافِ، وَيَتَأَمَّلَ جَوَانِبَ الْخَيْرِ فِيهِ، وَيَتَبَصَّرَ مَزَايَا الْإِبْقَاءِ عَلَى الْحَيَاةِ الْأُسَرِيَّةِ مِنَ السَّكَنِ وَالِاسْتِقْرَارِ النَّفْسِيِّ وَالسُّلُوكِيِّ، وَسَعَادَةِ الذُّرِّيَّةِ؛ حَيْثُ يَقُولُ الْحَقُّ -سُبْحَانَهُ-: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} [النساء: 19].

وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُعَامَلَةً تَلِيقُ بِأَمْثَالِهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ مِنْكُمْ مَا يُسْتَنْكَرُ عَقْلًا أَوْ شَرْعًا، وَذَلِكَ بِإِعْطَائِهِنَّ حُقُوقَ الزَّوْجِيَّةِ، وَالْإِحْسَانِ إِلَيْهِنَّ، وَالتَّلَطُّفِ بِهِنَّ، وَالْإِنْفَاقِ عَلَيْهِنَّ، وَالصَّبْرِ عَلَى عِوَجِهِنَّ، وَعَدَمِ إِيذَائِهِنَّ، فَإِنْ كَرِهْتُمْ عِشْرَتَهُنَّ وَصُحْبَتَهُنَّ، وَآثَرْتُمْ فِرَاقَهُنَّ؛ فَاصْبِرُوا عَلَيْهِنَّ مَعَ الْفِرَاقِ.

فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللهُ فِي ذَلِكَ الشَّيْءِ خَيْرًا كَثِيرًا؛ فَكَمْ مِنِ امْرَأَةٍ لَمْ تَأْتِ عَلَى مِزَاجِ الزَّوْجِ، وَلَا عَلَى ذَوْقِهِ، وَلَيْسَ فِيهَا سُوءُ خُلُقٍ، أَوْ ضَعْفُ دِينٍ، أَوْ قِلَّةُ أَمَانَةٍ، فَصَبَرَ عَلَيْهَا زَوْجُهَا، وَعَاشَرَهَا بِالْمَعْرُوفِ، وَتَغَاضَى عَنِ الْجَوَانِبِ الَّتِي لَا تَمِيلُ إِلَيْهَا نَفْسُهُ فِيهَا، فَجَعَلَ اللهُ مِنْهَا خَيْرًا كَثِيرًا، فَكَانَتْ مُعِينَةً لَهُ، وَحَافِظَةً لَهُ وَلِمَالِهِ وَلِوَلَدِهِ، وَأَنْجَبَتْ لَهُ ذُرِّيَّةً صَالِحَةً يَسْعَدُ بِهَا.

وَيَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ: ((لَا يَفْرَكُ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً، إِنْ سَخِطَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا خُلُقًا آخَرَ)).

وَيَقُولُ ﷺ: ((خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي)).

وَالْقَانُونُ: أَنَّ الْإِحْسَانَ إِلَى الْمَرْأَةِ، وَأَنَّ حُسْنَ مُعَامَلَتِهَا لَا يَكُونُ بِكَفِّ الْأَذَى عَنْهَا، وَإِنَّمَا بِتَحَمُّلِ الْأَذَى مِنْهَا، فَإِنَّهُ مَا أَحْسَنَ إِلَيْهِنَّ إِلَّا كَرِيمٌ، وَمَا أَسَاءَ إِلَيْهِنَّ إِلَّا لَئِيمٌ.

فَالْكَمَالُ للهِ وَحْدَهُ، وَالْعِصْمَةُ لِأَنْبِيَائِهِ وَرُسُلِهِ، وَللهِ دَرُّ الْقَائِلِ:

وَمَنْ ذَا الَّذِي تُرْضَى سَجَايَاهُ كُلُّهَا     =       كَفَى الْمَرْءَ نُبْلًا أَنْ تُعَدَّ مَعَايِبُهْ

((الْعِلَاجُ الشَّرْعِيُّ لِلْمَشَاكِلِ الزَّوْجِيَّةِ وَالنُّشُوزِ))

لَا شَكَّ أَنَّ الْحَيَاةَ الزَّوْجِيَّةَ قَدْ تَعْتَرِيهَا بَعْضُ الْأُمُورِ الَّتِي قَدْ تَنَالُ مِنَ الصَّفَاءِ الْأُسَرِيِّ؛ لِذَلِكَ نَجِدُ أَنَّ الْقُرْآنَ الْكَرِيمَ قَدْ وَضَعَ الْعِلَاجَ النَّاجِعَ لَهَا، وَبَيَّنَ أَنَّ الْخَيْرَ كُلَّهُ فِي الصُّلْحِ، وَالتَّوَافُقِ، وَالتَّرَاضِي، وَالْإِحْسَانِ؛ حَيْثُ يَقُولُ -سُبْحَانَهُ-: {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا ۚ وَالصُّلْحُ خَيْرٌ ۗ وَأُحْضِرَتِ الْأَنفُسُ الشُّحَّ ۚ وَإِن تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا}.

((النُّشُوزُ: مَعْصِيَتُهَا إِيَّاهُ فِيمَا يَجِبُ عَلَيْهَا، فَإِذَا ظَهَرَ مِنْهَا أَمَارَاتُهُ بِأَلَّا تُجِيبَهُ إِلَى الِاسْتِمْتَاعِ، أَوْ تُجِيبُهُ مُتَبَرِّمَةً أَوْ مُتَكَرِّهَةً؛ وَعَظَهَا.

وَالنُّشُوزُ يَكُونُ مِنَ الزَّوْجِ، وَيَكُونُ مِنَ الزَّوْجَةِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ} [النساء: 34].

وَقَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا} [النساء: 128].

وَالنُّشُوزُ شَرْعًا: «مَعْصِيَتُهَا إِيَّاهُ» أَيْ: مَعْصِيَتُهَا الزَّوْجَ فِيمَا يَجِبُ عَلَيْهَا مِنْ حُقُوقِهِ، أَمَّا مَا لَا يَجِبُ فَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِنُشُوزٍ وَلَوْ صَرَّحَتْ بِمَعْصِيَتِهِ، فَلَوْ قَالَ لَهَا: أُرِيدُ مِنْكِ أَنْ تُصْبِحِي دَلَّالَةً فِي السُّوقِ تَبِيعِينَ، فَقَالَتْ: لَا؛ مَا يَلْزَمُهَا، وَلَوْ قَالَ: أُرِيدُ مِنْكِ أَنْ تَكُونِي خَادِمَةً عِنْدَ النَّاسِ؛ فَلَا يَلْزَمُهَا.

((فَإِذَا ظَهَرَ مِنْهَا أَمَارَاتُهُ بِأَلَّا تُجِيبَهُ إِلَى الِاسْتِمْتَاعِ» يَعْنِي: دَعَاهَا إِلَى الِاسْتِمْتَاعِ فَأَبَتْ، أَوْ أَرَادَ أَنْ يَسْتَمْتِعَ بِهَا بِتَقْبِيلٍ أَوْ غَيْرِهِ فَأَبَتْ؛ فَهَذِهِ نَاشِزٌ.

«أَوْ مُتَكَرِّهَةً» أَيْ: تُجِيبُهُ لَكِنَّهَا مُتَكَرِّهَةٌ، يَظْهَرُ فِي وَجْهِهَا الْكَرَاهَةُ وَالْبُغْضُ لِهَذَا الشَّيْءِ، وَرُبَّمَا تُسْمِعُهُ مَا لَا يَلِيقُ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فَهَذِهِ فِي الْحَقِيقَةِ أَجَابَتْهُ؛ لَكِنْ مَا أَجَابَتْهُ عَلَى وَجْهٍ يَحْصُلُ بِهِ كَمَالُ الِاسْتِمْتَاعِ، حَتَّى الزَّوْجُ لَا شَكَّ أَنَّهُ يَكُونُ فِي نَفْسِهِ أَنَفَةٌ إِذَا رَأَى مِنْهَا أَنَّهَا تُعَامِلُهُ هَذِهِ الْمُعَامَلَةَ، فَهَذَا نُشُوزٌ؛ لَكِنْ مَاذَا يَصْنَعُ مَعَهَا؟

((يَعِظُهَا)): وَالْمَوْعِظَةُ: هِيَ التَّذْكِيرُ بِمَا يُرَغِّبُ أَوْ يُخَوِّفُ، فَيَعِظُهَا بِذِكْرِ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى وُجُوبِ الْعِشْرَةِ بِالْمَعْرُوفِ، وَبِذِكْرِ الْأَحَادِيثِ الْمُحَذِّرَةِ مِنْ عِصْيَانِ الزَّوْجِ؛ مِثْلَ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «إِذَا دَعَا الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ إِلَى فِرَاشِهِ فَأَبَتْ أَنْ تَجِيءَ لَعَنَتْهَا الْمَلَائِكَةُ حَتَّى تُصْبِحَ»، وَأَمْثَالُ ذَلِكَ.

فَيَعِظُهَا أَوَّلًا، وَإِذَا اسْتَجَابَتْ لِلْوَعْظِ خَيْرٌ مِنْ كَوْنِهَا تَسْتَجِيبُ لِلْوَعِيدِ، أَيْ: خَيْرٌ مِنْ كَوْنِهِ يَقُولُ: اسْتَقِيمِي وَإِلَّا طَلَّقْتُكِ، كَمَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ الْجُهَّالِ، تَجِدُهُ يَتَوَعَّدُهَا بِالطَّلَاقِ، وَمَا عَلِمَ الْمِسْكِينُ أَنَّ هَذَا يَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ أَشَدَّ نُفُورًا مِنَ الزَّوْجِ، كَأَنَّهَا شَاةٌ، إِنْ شَاءَ بَاعَهَا، وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا!!

لَكِنِ الطَّرِيقُ السَّلِيمُ أَنْ يَعِظَهَا، وَيُذَكِّرَهَا بِآيَاتِ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ-؛ حَتَّى تَنْقَادَ امْتِثَالًا لِأَمْرِ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ-، فَإِنِ امْتَثَلَتْ وَعَادَتْ إِلَى الطَّاعَةِ فَهَذَا الْمَطْلُوبُ.

((فَإِنْ أَصَرَّتْ هَجَرَهَا فِي الْمَضْجَعِ مَا شَاءَ)) أَيْ: يَتْرُكُهَا فِي الْمَضْجَعِ مَا شَاءَ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ} [النساء: 34] وَلَمْ يُقَيِّدْ، وَهَذِهِ هِيَ الْمَرْتَبَةُ الثَّانِيَةُ، وَتَرْكُهَا فِي الْمَضْجَعِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:

الْأَوَّلُ: أَلَّا يَنَامَ فِي حُجْرَتِهَا، وَهَذَا أَشَدُّ شَيْءٍ.

الثَّانِي: أَلَّا يَنَامَ عَلَى الْفِرَاشِ مَعَهَا، وَهَذَا أَهْوَنُ مِنَ الْأَوَّلِ.

الثَّالِثُ: أَنْ يَنَامَ مَعَهَا فِي الْفِرَاشِ؛ وَلَكِنْ يُلْقِيهَا ظَهْرَهُ وَلَا يُحَدِّثُهَا، وَهَذَا أَهْوَنُهَا.

فَيَبْدَأُ بِالْأَهْوَنِ فَالْأَهْوَنِ.

«مَا شَاءَ»: مُقَيَّدٌ بِمَا إِذَا بَقِيَتْ عَلَى نُشُوزِهَا، فَالْحُكْمُ يَدُورُ مَعَ عِلَّتِهِ، وَالتَّأْدِيبُ يَرْتَفِعُ إِذَا اسْتَقَامَ الْمُؤَدَّبُ، فَإِذَا اسْتَقَامَتْ حِينَ هَجَرَهَا أُسْبُوعًا فَالْحَمْدُ للهِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَزِيدَ؛ لِأَنَّ هَذَا مِثْلُ الدَّوَاءِ، يَتَقَيَّدُ بِالدَّاءِ، فَمَتَى شُفِيَ الْإِنْسَانُ لَا يَسْتَعْمِلُ الدَّوَاءَ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ ضَرَرًا، وَعَلَيْهِ فَمَتَى اسْتَقَامَتْ وَجَبَ عَلَيْهِ قَطْعُ الْهَجْرِ.

«وَفِي الْكَلَامِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ» أَيْ: يَهْجُرُهَا فِي الْكَلَامِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَلَا يَزِيدُ عَلَى هَذَا؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «لَا يَحِلُّ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ، يَلْتَقِيَانِ، فَيُعْرِضُ هَذَا وَيُعْرِضُ هَذَا، وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ».

فَلَهُ أَنْ يَهْجُرَهَا يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَلَا يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ، وَيَزُولُ الْهَجْرُ بِالسَّلَامِ.

«فَإِنْ أَصَرَّتْ ضَرَبَهَا غَيْرَ مُبَرِّحٍ» هَذِهِ الْمَرْتَبَةُ الثَّالِثَةُ.

فَيَضْرِبُهَا ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ؛ لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: {وَاضْرِبُوهُنَّ}.

لَكِنْ لَوْ قَالَ قَائِلٌ: إِنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ: {فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ}، فَذَكَرَهَا بِالْوَاوِ الدَّالَّةِ عَلَى الِاشْتِرَاكِ وَعَدَمِ التَّرْتِيبِ؟

فَالْجَوَابُ: تَقْدِيمُ الشَّيْءِ يَدُلُّ عَلَى التَّرْتِيبِ فِي الْأَصْلِ.

فَعَلَيْهِ نَقُولُ: الْمَسْأَلَةُ عِلَاجٌ وَدَوَاءٌ، فَنَبْدَأُ بِالْأَخَفِّ: الْمَوْعِظَةُ، ثُمَّ الْهَجْرُ فِي الْمَضَاجِعِ، وَيُضَافُ إِلَيْهَا الْهَجْرُ فِي الْمَقَالِ، ثُمَّ الضَّرْبُ.

لَيْسَ الضَّرْبُ كَمَا يُرِيدُ، فَلَا يَأْتِي بِخَشَبَةٍ مِثْلَ الذِّرَاعِ وَيَضْرِبُهَا، مَعَ أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَضْرِبَهَا بِسَوْطٍ مِثْلِ الْأُصْبَعِ، فَنَقُولُ: إِنَّهُ أَخْطَأَ لَا شَكَّ، فَيَضْرِبُهَا ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ.

وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَضْرِبَهَا فِي الْوَجْهِ، وَلَا فِي الْمَقَاتِلِ، وَلَا فِيمَا هُوَ أَشَدُّ أَلَمًا؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ هُوَ التَّأْدِيبُ.

فَإِنْ لَمْ يُفِدْ؛ أَيْ: أَنَّهُ وَعَظَهَا، ثُمَّ هَجَرَهَا، ثُمَّ ضَرَبَهَا وَلَا فَائِدَةَ؛ فَمَاذَا نَصْنَعُ؟

قَالَ رَبُّنَا -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُّرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا} [النساء: 35].

وَإِنْ عَلِمْتُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ شِقَاقًا وَمُخَالَفَةً بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ يُؤَدِّي إِلَى الْفِرَاقِ؛ فَأَرْسِلُوا إِلَيْهِمَا حَكَمًا عَدْلًا مِنْ أَهْلِ الزَّوْجِ، وَحَكَمًا عَدْلًا مِنْ أَهْلِ الزَّوْجَةِ؛ لِيَنْظُرَا فِي أَمْرِهِمَا، وَيَحْكُمَا بِمَا يَرَيَانِهِ مَصْلَحَةً مِنَ الْجَمْعِ أَوِ التَّفْرِيقِ.

إِنْ يُرِدِ الزَّوْجَانِ إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللهُ بَيْنَهُمَا، فَيَجْعَلُ كُلَّ قَلْبٍ يَلْتَقِي مَعَ الْآخَرِ، إِنَّ اللهَ كَانَ مِنَ الْأَزَلِ إِلَى الْأَبَدِ عَلِيمًا عِلْمًا كَامِلًا شَامِلًا، خَبِيرًا بِظَوَاهِرِ الْأَشْيَاءِ وَبَوَاطِنِهَا عِلْمَ حُضُورٍ وَشُهُودٍ وَتَدْبِيرِ.

فَصَارَتِ الْمَرَاتِبُ أَرْبَعًا:

وَعْظٌ، هَجْرٌ، ضَرْبٌ، إِقَامَةُ الْحَكَمَيْنِ.

قَالَ تَعَالَى: {وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ ۖ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا} [النساء: 34].

وَالزَّوْجَاتُ اللَّاتِي تَعْلَمُونَ دَلَالَاتِ تَرَفُّعِهِنَّ عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ بِالْقَوْلِ أَوْ بِالْفِعْلِ، فَإِذَا ظَهَرَ مِنْهُنَّ بَوَادِرُ الْعِصْيَانِ فَانْصَحُوهُنَّ نُصْحًا مَقْرُونًا بِمَا يُثِيرُ الرَّغْبَةَ فِي دَوَامِ الْحَيَاةِ الزَّوْجِيَّةِ، وَالتَّخْوِيفِ مِنْ نَتَائِجِ التَّرَفُّعِ وَالْإِعْرَاضِ وَالْعِصْيَانِ.

فَإِنْ لَمْ يَنْزَعْنَ عَنْ ذَلِكَ بِالْقَوْلِ الْمُؤَثِّرِ فَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْفِرَاشِ، وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ، فَإِنْ لَمْ يَنْزَعْنَ بِالْهِجْرَانِ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ وَلَا شَائِهٍ، فَإِنْ رَجَعْنَ عَنْ تَمَرُّدِهِنَّ وَاسْتِعْصَائِهِنَّ إِلَى طَاعَتِكُمْ عِنْدَ هَذَا التَّأْدِيبِ فَلَا تَطْلُبُوا بَعْدَ طَاعَتِهِنَّ لَكُمْ طَرِيقًا مُسْتَعْلِيًا عَلَيْهِنَّ يَكُونُ لَكُمْ بِهِ عَلَيْهِنَّ تَسَلُّطٌ بِغَيْرِ حَقٍّ؛ لِأَنَّ هَذَا ظُلْمٌ، وَاسْتِعْمَالٌ لِسُلْطَةِ الْقِوَامَةِ فِي غَيْرِ مَا أَذِنَ اللهُ بِهِ.

إِنَّ اللهَ كَانَ مِنَ الْأَزَلِ إِلَى الْأَبَدِ عَلِيًّا كَبِيرًا، لَهُ كَمَالُ الْعُلُوِّ وَكُلِّ غَايَاتِهِ، وَهُوَ الْكَبِيرُ الَّذِي لَيْسَ فِي الْوُجُودِ كُلِّهِ مِثْلُ وَصْفِهِ بِالْكِبَرِ، فَهُوَ سُبْحَانَهُ أَعْلَى مِنْكُمْ سُلْطَانًا، وَأَكْبَرُ قُدْرَةً، فَإِذَا تَجَاوَزْتُمْ حُدُودَكُمْ فِيمَنْ جَعَلَ اللهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ فَإِنَّ اللهَ أَقْدَرُ عَلَى عُقُوبَتِكُمْ، وَسُلْطَانُهُ أَعْلَى مِنْ سُلْطَانِكُمْ.

*عِلَاجُ نُشُوزِ الزَّوْجِ:

مَا الْحُكْمُ إِذَا خَافَتِ الزَّوْجَةُ نُشُوزَ زَوْجِهَا؟ لِأَنَّهُ أَحْيَانًا يَكُونُ النُّشُوزُ مِنَ الزَّوْجِ، يُعْرِضُ عَنْهَا، وَلَا يُلَبِّي طَلَبَهَا الْوَاجِبَ عَلَيْهِ، أَوْ يُلَبِّيهِ لَكِنْ بِتَكَرُّهٍ وَتَثَاقُلٍ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.

قَالَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الأنْفُسُ الشُّحَّ وَإِن تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} [النساء: 128].

وَإِنْ تَوَقَّعَتِ امْرَأَةٌ مِنْ زَوْجِهَا تَرَفُّعًا عَلَيْهَا، أَوْ تَجَافِيًا عَنْهَا؛ كَأَنْ يَمْنَعَهَا نَفْسَهُ وَنَفَقَتَهُ وَمَوَدَّتَهُ، وَيُؤْذِيَهَا بِسَبٍّ أَوْ ضَرْبٍ، أَوِ انْصَرَفَ عَنْهَا وَقَلَّلَ مُحَادَثَتَهَا وَمُؤَانَسَتَهَا؛ فَلَا حَرَجَ عَلَى الزَّوْجِ وَالْمَرْأَةِ أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا بِتَسَامُحِ كُلٍّ مِنْهُمَا عَنْ بَعْضِ حَقِّهِ؛ لِيَنَالَا خَيْرًا مِمَّا تَسَامَحَا فِيهِ.

وَيَكُونُ هَذَا الصُّلْحُ صُلْحًا نَفْسِيًّا تَتَلَاقَى فِيهِ الْقُلُوبُ، وَتَصْفُو النُّفُوسُ، وَالصُّلْحُ فِي ذَاتِهِ خَيْرٌ يَعُمُّ الطَّرَفَيْنِ.

وَإِقَامَةُ الزَّوْجَةِ بَعْدَ تَخْيِيرِ الزَّوْجِ لَهَا، وَالْمُصَالَحَةُ عَلَى تَرْكِ بَعْضِ حَقِّهَا مِنَ الْقَسْمِ وَالنَّفَقَةِ أَوْلَى وَأَفْضَلُ مِنَ الْفُرْقَةِ.

وَطُبِعَتِ النُّفُوسُ عَلَى أَشَدِّ الْبُخْلِ، وَأُحْضِرَ فِي دَاخِلِ الْأَنْفُسِ بِالتَّكْوِينِ الْفِطْرِيِّ لَهَا، فَكَأَنَّ الْبُخْلَ حَاضِرُهَا لَا يَنْفَكُّ عَنْهَا، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الزَّوْجَيْنِ يَحْرِصُ عَلَى مَنْعِ الْخَيْرِ عَنِ الْآخَرِ، وَيَلْتَزِمُ مَوْقِفَهُ مُتَمَسِّكًا بِحُقُوقِهِ الشَّكْلِيَّةِ.

وَإِنْ تُحْسِنُوا -أَيُّهَا الْأَزْوَاجُ- الصُّحْبَةَ وَالْعِشْرَةَ، وَتَتَّقُوا اللهَ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ فَلَا تَظْلِمُوهَا، وَلَا تَجُورُوا عَلَيْهَا؛ فَإِنَّ اللهَ كَانَ مِنَ الْأَزَلِ إِلَى الْأَبَدِ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمًا عِلْمًا تَامًّا شَامِلًا، شَامِلًا لِكُلِّ ظَوَاهِرِ الْأَشْيَاءِ وَبَوَاطِنِهَا، عِلْمَ حُضُورٍ وَشُهُودٍ وَتَدْبِيرٍ، فَيُجَازِيكُمْ عَلَيْهِ.

((الطَّلَاقُ بِإِحْسَانٍ هُوَ السَّبِيلُ الْأَخيِرُ))

عِبَادَ اللهِ! إِذَا كَانَ يَتِمُّ النِّكَاحُ بِالْعَقْدِ لِمَصَالِحِهِ وَأَغْرَاضِهِ فَإِنَّهُ يُفْسَخُ ذَلِكَ الْعَقْدُ بِالطَّلَاقِ لِلْمَقَاصِدِ الصَّحِيحَةِ.

وَالْأَصْلُ فِي الطَّلَاقِ الْكَرَاهَةُ؛ لِأَنَّهُ حَلٌّ لِعُرَى النِّكَاحِ الَّذِي رَغَّبَ فِيهِ الشَّارِعُ، وَحَثَّ عَلَيْهِ، وَجَعَلَهُ سَبَبًا لِكَثِيرٍ مِنْ مَصَالِحِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا.

لِذَا فَإِنَّ الطَّلَاقَ سَبَبٌ فِي إِبْطَالِ هَذِهِ الْمَصَالِحِ وَإِفْسَادِهَا، وَاللهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ.

فَمِنْ هُنَا كَرِهَهُ الشَّارِعُ؛ لَكِنَّهُ عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ نِعْمَةٌ كَبِيرَةٌ وَفَضْلٌ عَظِيمٌ؛ إِذْ يَحْصُلُ بِهِ الْخَلَاصُ مِنَ الْعِشْرَةِ الْمُرَّةِ، وَفِرَاقِ مَنْ لَا خَيْرَ فِي الْبَقَاءِ مَعَهُ، إِمَّا لِضَعْفٍ فِي الدِّينِ، أَوْ سُوءٍ فِي الْأَخْلَاقِ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُسَبِّبُ قَلَقَ الْحَيَاةِ وَنَكَدَ الِاجْتِمَاعِ، وَاللهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ وَاسِعُ الرَّحْمَةِ.

وَبِهَذَا تَعْرِفُ جَلَالَ هَذَا الدِّينِ، وَسُمُوَّ تَشْرِيعَاتِهِ، وَأَنَّهَا الْمُوَافِقَةُ لِلْعَقْلِ الصَّحِيحِ، وَالْمُتَمَشِّيَةُ مَعَ مَصَالِحِ النَّاسِ، وَبِشَرْعِ الطَّلَاقِ عَلَى الْكَيْفِيَّةِ الْآتِيَةِ فِي وَسَطِ الْأَحْكَامِ وَقِوَامٍ لِلْأُمُورِ؛ خِلَافًا لِلْيَهُودِ وَالْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ يُطَلِّقُونَ وَيُرَاجِعُونَ بِلَا عَدٍّ وَلَا حَدٍّ.

وَخِلَافًا لِلنَّصَارَى الَّذِينَ لَا يُبِيحُونَ الطَّلَاقَ، فَتَكُونُ الزَّوْجَةُ غُلًّا فِي عُنُقِ زَوْجِهَا وَإِنْ لَمْ تُوَافِقْهُ، أَوْ لَمْ تُحَقِّقْ مَصَالِحَ النِّكَاحِ؛ وَلِذَا أَخَذَتْ بِهِ أُورُبَّا وَأَمْرِيكَا لَمَّا رَأَوْا مَصَالِحَهُ وَمَنَافِعَهُ، وَاللهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ.

وَلَوْ قُدِّمَ هَذَا الدِّينُ وَتَشْرِيعَاتُهُ السَّمْحَةُ إِلَى النَّاسِ كَمَا هِيَ، بَعِيدَةً عَنْ أَكَاذِيبِ الْمُفْتَرِينَ وَخُرَافَاتِ الْمُتْنَطِّعِينَ؛ لَأَخَذَ بِهِ كُلُّ مُنْصِفٍ، وَلَأَصْبَحَ الدِّينُ هُوَ النِّظَامَ الْعَامَّ، وَتَحَقَّقَتْ رِسَالَتُهُ الْعَامَّةُ.

وَإِذَا تَأَمَّلْتَ وَجَدْتَ أَنَّ الزَّوْجَ هُوَ الَّذِي بِيَدِهِ الْأَمْرُ، وَأَنَّ الْمَرْأَةُ عِنْدَهُ كَالنَّاقَةِ الْمَعْقُولَةِ؛ وَلِهَذَا أَمَرَ النَّبِيُّ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- أَنْ نَتَّقِيَ اللهَ فِي النِّسَاءِ، وَقَالَ: «إِنَّهُنَّ عَوَانٌ عِنْدَكُمْ»، وَالْعَانِي: هُوَ الْأَسِيرُ.

وَبِهِ يَظْهَرُ مَا فَضَّلَ اللهُ بِهِ الرَّجُلَ عَلَى الْمَرْأَةِ، وَنَعْرِفُ أَنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَ بِتَسْوِيَةِ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ قَدْ ضَادُّوا اللهَ -تَعَالَى- فِي حُكْمِهِ الْكَوْنِيِّ وَالشَّرْعِيِّ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تُسَاوِي الرَّجُلَ؛ لَا مِنْ حَيْثُ الْخِلْقَةِ، وَلَا مِنْ حَيْثُ الْخُلُقِ، وَلَا مِنْ حَيْثُ الْعَقْلِ، فَلَا تُسَاوِيهِ بِأَيِّ حَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ.

لَكِنْ أُولَئِكَ قَوْمٌ -وَالْعِيَاذُ بِاللهِ- تَشَبَّعُوا بِمَا عِنْدَ أَعْدَاءِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ تَقْدِيسِ الْمَرْأَةِ وَتَسْيِيدِهَا؛ حَتَّى إِنَّهُمْ يُقَدِّمُونَهَا عَلَى الرِّجَالِ حِينَمَا تُذْكَرُ مَعَ الرَّجُلِ، فَصَارَ هَؤُلَاءِ الْجُهَّالُ وَالسُّفَهَاءُ التَّابِعُونَ لِكُلِّ نَاعِقٍ يُقَلِّدُونَهُمْ، وَيَرَوْنَ أَنَّهُمْ إِنَّمَا صَنَعُوا الطَّائِرَاتِ وَالْمَرَاكِبَ وَالدَّبَّابَاتِ وَالْأَسْلِحَةَ الْفَتَّاَكةَ؛ لِأَنَّهُمْ سَاوَوُا الْمَرْأَةَ بِالرَّجُلِ، فَظَنُّوا أَنَّ انْحِطَاطَهُمْ فِي الْأَخْلَاقِ هُوَ الَّذِي أَرْقَاهُمْ إِلَى هَذَا، وَأَنَّ تَأَخُّرَنَا نَحْنُ بِسَبَبِ أَنَّنَا تَمَسَّكْنَا بِهَذَا الدِّينِ الَّذِي يَزْعُمُ بَعْضُ الْمَلَاحِدَةِ أَنَّهُ أَفْيُونُ الشُّعُوبِ -وَالْعِيَاذُ بِاللهِ-، يَعْنِي: مُخَدِّرُ الشُّعُوبِ، وَالْحَقِيقَةُ أَنَّ الَّذِي أَخَّرَنَا لَيْسَ هُوَ الْإِسْلَامُ، وَلَكِنْ تَخَلُّفُنَا عَنِ الْإِسْلَامِ، وَتَعْطِيلُنَا لِتَوْجِيهَاتِ الْإِسْلَامِ؛ وَإِلَّا فَالرَّبُّ -عَزَّ وَجَلَّ- يَقُولُ: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} [الأنفال: 60].

وَلَمَّا كَانَتِ الْأُمَّةُ الْإِسْلَامِيَّةُ مِنْ قَبْلُ مُتَمَسِّكَةً بِالْإِسْلَامِ صَارَ لَهَا مِنَ الظُّهُورِ وَالْعَظَمَةِ مَا جَعَلَ أُولَئِكَ يُقَلِّدُونَهَا؛ حَتَّى إِنَّهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّ هَارُونَ الرَّشِيدَ لَمَّا أَهْدَى إِلَى شَارْلمَان مَلِكِ فَرَنْسَا سَاعَةً، وَشُغِّلَتْ عِنْدَهُ نَفَرَ وَهَرَبَ، وَقَالَ: إِنَّ هَذَا سِحْرٌ مِنَ الْعَرَبِ!

وَالْآنَ انْقَلَبَتِ الْمَسْأَلَةُ، وَصَارَتْ آلَاتُهُمُ الَّتِي يَجْلِبُونَهَا لَنَا نَقُولُ: هَذِهِ سِحْرٌ!

هَذَا كُلُّهُ بِسَبَبِ تَخَلُّفِنَا عَنِ الْإِسْلَامِ، فَلَوْ أَنَّنَا أَنْزَلْنَا الْقُرْآنَ فِي قُلُوبِنَا مَنْزِلَةَ الشَّيْءِ الْمَحْبُوبِ الْمَرْغُوبِ، وَفِي أَعْمَالِنَا مَنْزِلَةَ الْمِنْهَاجِ الَّذِي نَسِيرُ عَلَيْهِ؛ مَا غَلَبَتْنَا قُوَّةٌ فِي الْأَرْضِ؛ لَكِنْ بِالتَّخَلُّفِ حَصَلَ مَا حَصَلَ.

فَالْمُهِمُّ أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْنَا -نَحْنُ طَلَبَةَ الْعِلْمِ- أَنْ نُكَرِّسَ جُهُودَنَا ضِدَّ هَذَا السَّيْلِ الْجَارِفِ الَّذِي يُنَادِي بِتَسْوِيَةِ الْمَرْأَةِ بِالرَّجُلِ، وَالَّذِي حَقِيقَتُهُ هَدْمُ أَخْلَاقِ الْمَرْأَةِ، وَفَسَادُ الْأُسْرَةِ، وَانْطِلَاقُ الْمَرْأَةِ فِي الشَّوَارِعِ مُتَبَرِّجَةً مُتَبَهِّيَةً بِأَحْسَنِ جَمَالٍ وَثِيَابٍ -وَالْعِيَاذُ بِاللهِ- حَتَّى تَتَفَكَّكَ الْأُسْرَةُ.

لَقَدْ أَبَاحَ الْإِسْلَامُ الطَّلَاقَ عِنْدَمَا يَشْتَدُّ الشِّقَاقُ وَالنِّزَاعُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، وَتُصْبِحُ الْحَيَاةُ بَيْنَهُمَا مُسْتَحِيلَةً، وَحَدَّدَ الدِّينُ الْحَنِيفُ طُرُقًا شَرْعِيَّةً وَسُبُلًا أَخْلَاقِيَّةً لِلطَّلَاقِ؛ حَتَّى يَكُونَ التَّسْرِيحُ بِإِحْسَانٍ.

قَالَ تَعَالَى: {وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِّن سَعَتِهِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا} [البقرة: 130].

وَإِنْ لَمْ يَصْطَلِحَا، وَتَعَذَّرَ عَلَيْهِمَا التَّلَاؤُمُ، وَأَرَادَا الْفُرْقَةَ؛ يُغْنِ اللهُ كُلًّا مِنْ فَضْلِهِ وَغِنَاهُ وَرِزْقِهِ، وَكَانَ اللهُ مِنَ الْأَزَلِ إِلَى الْأَبَدِ وَاسِعَ الْفَضْلِ وَالرَّحْمَةِ، حَكِيمًا فِيمَا أَمَرَ بِهِ وَنَهَى عَنْهُ.

وَتَشْرِيعُ الطَّلَاقِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالِ عِنْدَمَا يَتَعَذَّرُ إِزَالَةُ الْخِلَافِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ تَشْرِيعٌ حَكِيمٌ، فِيهِ دَرْءٌ لِمَفَاسِدَ كَثِيرَةٍ وَخَطِيرَةٍ تَتَرَتَّبُ عَلَى إِجْبَارِ الزَّوْجَيْنِ الْمُتَنَازِعَيْنِ أَنْ يَعِيشَا مَعَ بَعْضِهِمَا وَهُمْ فِي تَنَافُرٍ وَخِصَامٍ مُسْتَمِرَّيْنِ؛ فَإِنَّ هَذَا يُؤَثِّرُ عَلَى الْأَوْلَادِ، وَيَمْتَدُّ فَسَادُهُ إِلَى الْمُجْتَمَعِ الْمُحِيطِ بِالْأُسْرَةِ.

أَمَرَ -تَعَالَى- الْأَزْوَاجَ أَنْ يُمْسِكُوا زَوْجَاتِهِمْ بِمَعْرُوفٍ، أَوْ يُسَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ، فَإِنْ أَمْسَكَهَا أَمْسَكَهَا بِعِشْرَةٍ حَسَنَةٍ، وَإِنْ فَارَقَهَا فَلْيَكُنْ عَلَى وَجْهِ الشَّرْعِ بِطُمَأْنِينَةٍ مِنْ غَيْرِ مُغَاضَبَةٍ وَلَا مُشَاتَمَةٍ وَلَا عَدَاوَاتٍ تَقَعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا، أَوْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَهْلِهَا.  

وَمِنَ التَّسْرِيحِ بِالْمَعْرُوفِ: أَنْ يُعْطِيَهَا شَيْئًا مِنَ الْمَالِ تَتَمَتَّعُ بِهِ، وَيَنْجَبِرُ بِهِ خَاطِرُهَا، وَتَذْهَبُ عَنْ زَوْجِهَا شَاكِرَةً، وَلَا يَكُونُ لِهَذَا الْفِرَاقِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ إِلَّا الْعَوَاقِبُ الطَّيِّبَةُ لِلطَّرَفَيْنِ.

وَلَمَّا بَيَّنَ الْبَارِي هَذِهِ الْأَحْكَامَ الْجَلِيلَةَ غَايَةَ التَّبْيِينِ، وَكَانَ الْقَصْدُ بِهَا أَنْ يَعْلَمَهَا الْعِبَادُ وَيَعْمَلُوا بِهَا، وَيَقِفُوا عِنْدَهَا وَلَا يَتَجَاوَزُوهَا؛ فَإِنَّهُ لَمْ يُنْزِلْهَا عَبَثًا، بَلْ أَنْزَلَهَا بِالْعِلْمِ وَالصِّدْقِ وَالْحَقِّ النَّافِعِ وَالْجِدِّ، نَهَى عَنِ اتِّخَاذِهَا هُزُوًا، أَيْ: لَعِبًا بِهَا، وَهُوَ التَّجَرِّي عَلَيْهَا، وَعَدَمُ الِامْتِثَالِ لِوَاجِبِهَا؛ مِثْلَ الْمُضَارَّةِ فِي الْإِمْسَاكِ وَالْإِرْسَالِ، أَوْ كَثْرَةِ الطَّلَاقِ.

قَالَ رَبُّنَا -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ۚ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِّتَعْتَدُوا ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ۚ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [البقرة: 231].

وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ طَلَاقًا رَجْعِيًّا مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ، فَقَارَبْنَ انْقِضَاءَ عِدَّتِهِنَّ، وَشَارَفَتِ الْعَلَاقَةُ الزَّوْجِيَّةُ عَلَى الِانْقِطَاعِ التَّامِّ؛ فَرَاجِعُوهُنَّ بِنِيَّةِ الْقِيَامِ بِحُقُوقِهِنَّ عَلَى الْوَجْهِ الْمُسْتَحْسَنِ شَرْعًا وَعُرْفًا؛ وَذَلِكَ بِأَنْ تُشْهِدُوا عَلَى رَجْعَتِهِنَّ، وَتُرَاجِعُوهُنَّ بِالْقَوْلِ لَا بِالْوَطْأِ، أَوِ اتْرُكُوهُنَّ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهُنَّ فَيَمْلِكْنَ أَنْفُسَهُنَّ مِنْ غَيْرِ مُشَاحَنَةٍ، وَلَا مُعَانَدَةٍ، وَلَا إِيذَاءٍ.

وَالتَّسْرِيحُ بِالْمَعْرُوفِ يَقْتَضِي أَنْ يُؤَدِّيَ لَهَا كُلَّ حُقُوقِهَا، وَأَنْ يُعَاوِنَهَا إِنْ كَانَتْ فِي حَاجَةٍ إِلَى مُعَاوَنَتِهِ، وَأَلَّا يَذْكُرَهَا بَعْدُ إِلَّا بِخَيْرٍ.

وَلَا تَقْصِدُوا بِاسْتِئْنَافِ الْحَيَاةِ الزَّوْجِيَّةِ الضَّرَرَ وَالْأَذَى بِأَنْ تَكُونَ أَسْبَابُ النُّفْرَةِ قَائِمَةً مُسْتَحْكِمَةً، أَوْ أَنْ يَكُونَ إِمْسَاكُ الزَّوْجَةِ مُكَايَدَةً وَمُبَالَغَةً فِي الظُّلْمِ؛ لِتَكُونَ عَاقِبَةُ الرَّجْعَةِ الِاعْتِدَاءَ وَالظُّلْمَ بِمُجَاوَزَتِكُمْ فِي أُمُورِهِنَّ حُدُودَ اللهِ الَّتِي بَيَّنَهَا لَكُمْ.

وَمَنْ يُرْجِعْ مُطَلَّقَتَهُ إِضْرَارًا فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ظُلْمًا مُؤَكَّدًا بِمُخَالَفَةِ أَمْرِ اللهِ، وَتَعْرِيضِهَا لِعَذَابِهِ، وَلِأَنَّهُ جَعَلَ الْبَيْتَ الَّذِي هُوَ بِمَثَابَةِ الرَّاحَةِ وَالْقَرَارِ مَكَانَ نَكَدٍ وَاضْطِرَابٍ، تُسْتَبْدَلُ فِيهِ الْمَوَدَّةُ بِالْبَغْضَاءِ.

وَلَا تَتَّخِذُوا مَا بَيَّنَ اللهُ لَكُمْ مِنْ حَلَالِهِ وَحَرَامِهِ فِي وَحْيِهِ وَتَنْزِيلِهِ سُخْرِيَةً، بِالتَّهَاوُنِ فِي الْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا.

وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ بِالْإِيمَانِ، وَالْإِسْلَامِ، وَتَفْصِيلِ الْأَحْكَامِ، وَاذْكُرُوا مَا أَنْزَلَهُ اللهُ عَلَيْكُمْ فِيمَا بَلَّغَهُ الرَّسُولُ ﷺ مِنَ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، وَاشْكُرُوا لَهُ عَلَى هَذِهِ النِّعَمِ الْجَلِيلَةِ، يَنْصَحُكُمُ اللهُ بِالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى نَبِيِّهِ ﷺ نُصْحًا مَقْرُونًا بِمَا يُثِيرُ الرَّغْبَةَ وَالرَّهْبَةَ فِي النَّفْسِ؛ لِلِانْتِفَاعِ بِالنُّصْحِ، وَاتِّبَاعِ مَا هَدَى اللهُ إِلَيْهِ.

وَاجْعَلُوا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ غَضَبِ اللهِ تَعَالَى وَعَذَابِهِ وِقَايَةً، وَذَلِكَ بِاتِّبَاعِ أَوَامِرِهِ، وَاجْتِنَابِ نَوَاهِيهِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ تَعَالَى يَعْلَمُ مَا أَخْفَيْتُمْ مِنْ طَاعَةٍ وَمَعْصِيَةٍ فِي سِرٍّ وَعَلَنٍ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَسَيُجَازِي كُلًّا بِمَا يَسْتَحِقُّ.

وَقَالَ تَعَالَى: {الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلاَّ أَن يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّهِ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [البقرة: 229].

إِنَّ عَدَدَ الطَّلَاقِ الَّذِي لَكُمْ فِيهِ رَجْعَةٌ عَلَى أَزْوَاجِكُمْ إِذَا كُنَّ مَدْخُولًا بِهِنَّ؛ عَدَدُهُ: تَطْلِيقَتَانِ، وَإِذَا رَاجَعَهَا بَعْدَ التَّطْلِيقَةِ الثَّانِيَةِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُمْسِكَهَا بِالْمَعْرُوفِ، بِحُسْنِ الصُّحْبَةِ، وَأَدَاءِ حُقُوقِ النِّكَاحِ، أَوْ يَتْرُكَهَا بَعْدَ الطَّلَاقِ، فَلَا يُرَاجِعُهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا مِنْ غَيْرِ مُضَارَّةٍ.

وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَيُّهَا الْأَزْوَاجُ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا أَعْطَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا مِنْ مَهْرٍ أَوْ غَيْرِهِ إِلَّا أَنْ يَعْلَمَ الزَّوْجَانِ مِنْ أَنْفُسِهِمَا أَلَّا يُقِيمَا بَيْنَهُمَا مَا تَقْتَضِيهِ الزَّوْجِيَّةُ مِنْ حُقُوقٍ وَالْتِزَامَاتٍ مَادِّيَّةٍ وَأَدَبِيَّةٍ عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ.

فَإِنْ خَشِيتُمْ أَيُّهَا الْأَوْلِيَاءُ مَا أَوْجَبَ اللهُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الزَّوْجَيْنِ مِنْ حُسْنِ الصُّحْبَةِ وَالْمُعَاشَرَةِ بِالْمَعْرُوفِ؛ فَلَا حَرَجَ عَلَى الْمَرْأَةِ فِيمَا أَعْطَتْ لِلزَّوْجِ مِنَ الْمَالِ، وَلَا عَلَى الزَّوْجِ فِيمَا أَخَذَ مِنَ الْمَالِ إِذَا أَعْطَتْهُ الْمَرْأَةُ طَائِعَةً رَاضِيَةً مُقَابِلَ طَلَاقِهَا.

هَذِهِ الْأَحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالطَّلَاقِ، وَالرَّجْعَةِ، وَكَذَلِكَ بِالْخُلْعِ.. أَوَامِرُ اللهِ وَنَوَاهِيهِ؛ فَلَا تُجَاوِزُوهَا، فَمَنْ يُجَاوِزْهَا وَيَمَسَّ مِنْطَقَةَ الْحَرَامِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ أَنْفُسَهُمْ بِتَعْرِيضِهَا لِعَذَابِ اللهِ تَعَالَى.

وَقَالَ تَعَالَى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ۖ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ ۚ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 233].

وَالْأُمَّهَاتُ سَوَاءٌ أَكُنَّ أَزْوَاجًا لِآبَاءِ الْأَوْلَادِ، أَوْ كُنَّ مُطَلَّقَاتٍ مِنْهُنَّ... يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ فِي حُكْمِ اللهِ الَّذِي نَدَبَ إِلَيْهِ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ شَهْرًا لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَ.

فَلَيْسَ مِنْ شَأْنِ الْوَالِدَاتِ ذَوَاتِ الْحَنَانِ وَالشَّفَقَةِ عَلَى أَطْفَالِهِنَّ وَهُنَّ مُؤْمِنَاتٌ بِرَبِّهِنَّ أَنْ يَتْرُكْنَ إِرْضَاعَ أَوْلَادِهِنَّ دُونَ ضَرُورَةٍ أَوْ حَاجَةٍ شَدِيدَةٍ.

وَعَلى الْآبَاءِ الَّذِينَ يُنْسَبُ الْوَلَدُ إِلَيْهِمْ أَنْ يَكْفُلُوا لِلْمُرْضِعَاتِ الْمُطَلَّقَاتِ طَعَامَهُنَّ وَلِبَاسَهُنَّ عَلَى الْوَجْهِ الْمُسْتَحْسَنِ شَرْعًا وَعُرْفًا مِنْ غَيْرِ إِسْرَافٍ وَلَا تَقْتِيرٍ، لَا يُكَلَّفُ أَبُو الْوَلَدِ فِي الْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ وَعَلَى أُمِّهِ إِلَّا قَدْرَ مَا تَتَّسِعُ بِه مَقْدِرَتُهُ، مَعَ بَقَاءِ فَضْلٍ مِنْ جُهْدِهِ بِحَيْثُ لَا يَسْتَغْرِقُ أَقْصَى قُدُرَاتِهِ.

وَقَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ ۚ وَإِن كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّىٰ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ۚ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ۖ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُم بِمَعْرُوفٍ} [الطلاق: 6].

أَسْكِنُوا الْمُطَلَّقَاتِ مِنْ نِسَائِكُمْ فِي أَثْنَاءِ عِدَّتِهِنَّ مَكَانًا مِنْ مَسْكَنِكُمْ عَلَى قَدْرِ سَعَتِكُمْ وَطَاقَتِكُمْ، وَلَا تُؤْذُوهُنَّ فِي مَسَاكِنِهِنَّ فَيَخْرُجْنَ، وَإِنْ كَانَتْ نِسَاؤُكُمُ الْمُطَلَّقَاتُ ذَوَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَيَخْرُجْنَ مِنْ عِدَّتِهِنَّ، فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ أَوْلَادَكُمْ بَعْدَ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ عَلَى إِرْضَاعِهِنَّ.

وَلْيَأْتَمِرْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا بِمَا تُعُورِفَ عَلَيْهِ مِنْ سَمَاحَةٍ وَطِيبِ نَفْسٍ، فَلَا يُقَصِّرُ الرَّجُلُ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ وَنَفَقَتِهَا، وَلَا الْمَرْأَةُ فِي حَقِّ الْوَلَدِ وَرَضَاعِهِ.

وَقَالَ رَبُّنَا -جَلَّ وَعَلَا-: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ ۖ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ ۚ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ۚ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ۚ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَٰلِكَ أَمْرًا} [الطلاق: 1].

يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ الَّذِي شَرَّفْنَاكَ بِالنُّبُوَّةِ! قُلْ لِأُمَّتِكَ إِذَا أَرَدْتُمْ تَطْلِيقَ نِسَائِكُمْ الْمَدْخُولِ بِهِنَّ مِنَ الْمُعْتَدَّاتِ بِالْحَيْضِ فَطَلِّقُوهُنَّ فِي وَقْتٍ يَسْتَقْبِلْنَ فِيهِ عِدَّتَهُنَّ، وَهُوَ الطُّهْرُ الَّذِي لَمْ يَقَعْ فِيهِ جِمَاعٌ.

وَاضْبِطُوا الْعِدَّةَ لِلْعِلْمِ بِبَقَاءِ زَمَنِ الرَّجْعَةِ، وَمُرَاعَاةِ أَمْرِ النَّفَقَةِ وَالسُّكْنَى، وَاخْشَوُا اللهَ خَالِقَكُمْ وَرَازِقَكُمْ وَمُربِّيَكُمْ بِنِعَمِهِ، وَلَا تَعْصُوهُ فِيمَا أَمَرَكُمْ بِهِ وَنَهَاكُمْ عَنْهُ.

فَلَا تُطَلِّقُوا إِلَّا طَلَاقًا سُنِّيًّا وَاحِدًا فِي طُهْرٍ لَمْ تُوَاقِعُوا فِيهِ نِسَاءَكُمْ، وَعَلى الزَّوْجَةِ أَنْ تَقْضِيَ الْعِدَّةَ فِي بَيْتِ الزَّوْجِيَّةِ فِي الطَّلْقَةِ الرَّجْعِيَّةِ؛ لَعَلَّ قُرْبَهُمَا مِنْ بَعْضِهِمَا يُحَرِّكُ الشَّوْقَ، وَيُحْدِثُ النَّدَامَةَ، وَيَسْتُرُ الْخِصَامَ، وَيُعِيدُ الْوِئَامَ.

لَا تُخْرِجُوا الْمُطَلَّقَاتِ مِنَ الْبُيُوتِ اللَّاتِي يَسْكُنَّ فِيهَا مَا لَمْ تَنْقَضِ عِدَّتُهُنَّ، وَهِيَ ثَلَاثُ حَيْضَاتٍ أَوْ أَطْهَارٍ لِغَيْرِ الصَّغِيرَةِ وَالْآيِسَةِ وَالْحَامِلِ، وَلَا يَجُوزُ لَهُنَّ الْخُرُوجُ مِنْهَا بِأَنْفُسِهِنَّ إِلَّا إِذَا فَعَلْنَ فِعْلَةً مُنْكَرَةً واضِحَةً مِمَّا يُؤَدِّي إِلَى إِيذَاءِ الْعِرْضِ أَوْ جَرْحِ الْكَرَامَةِ، أَوْ يَأْبَاهُ الْعُرْفُ السَّلِيمُ، فَيُحِلُّ إِخْرَاجَهَا مِنْ مَنْزِلِ الزَّوْجِيَّةِ لِتَقْضِيَ عِدَّتَهَا عِنْدَ أَهْلِهَا؛ لِأَنَّهَا هِيَ الَّتِي أَسَاءَتْ إِلَى الزَّوْجِ إِيذَاءً شَدِيدًا، وَخَرَجَتْ عَنْ حُدُودِهَا، فَلَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ الْإِسَاءَةُ الزَّوْجِيَّةُ وَاضِحَةً بَلِيغَةً.

فَلَا تَتَوَسَّعُوا أَيُّهَا الْأَزْوَاجُ بِعَدِّ الْهَفَوَاتِ وَالْأَخْطَاءِ الْيَسِيرَةِ عَلَى زَوْجَاتِكُمْ، وَلَا تَتَشَدَّدُوا فِي احْتِسَابِ كُلِّ شَيْءٍ عَلَيْهِنَّ، وَلَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ الْحَيَاةُ الزَّوْجِيَّةُ قَائِمَةً عَلَى كَثِيرٍ مِنَ التَّسَامُحِ.

وَتِلْكَ أَحْكَامُ الطَّلَاقِ الَّتِي شَرَعَهَا اللهُ لِعِبَادِهِ، وَمَنْ يَتَجَاوَزْ هَذِهِ الْأَحْكَامَ فَقَدْ ضَرَّ نَفْسَهُ وَظَلَمَهَا، وَأَوْرَدَهَا مَوْرِدَ الْهَلَاكِ، وَالنَّهْيُ عَنْ تَجَاوُزِ حُدُودِ اللهِ نَهْيٌ تَحْرِيمِيٌّ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ فِيهَا إِلَّا بِأَنْ يَمَسَّ مَنْطِقَةَ الْحَرَامِ.

لَا تَدْرِي أَيُّهَا الْمُطَلِّقُ لَعَلَّ اللهَ يُوقِعُ فِي قَلْبِكَ مُرَاجَعَةَ زَوْجَتِكَ بَعْدَ الطَّلْقَةِ وَالطَّلْقَتَيْنِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى اسْتِحْبَابِ تَفْرِيقِ الطَّلْقاتِ، وَأَلَّا تُوقَعَ الثَّلَاثُ دَفْعَةً وَاحِدَةً؛ حَتَّى إِذَا نَدِمَ الْمُطَلِّقُ أَمْكَنَهُ الرَّجْعَةَ.

وَقَالَ تَعَالَى: {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ۚ ذَٰلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} [الطلاق: 2].

فَإِذَا قَرُبْنَ مِنَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهِنَّ، وَشَارَفَتِ الْعَلَاقَةُ الزَّوْجِيَّةُ عَلَى الِانْقِطَاعِ التَّامِّ؛ فَرَاجِعُوهُنَّ بِنِيَّةِ الْقِيَامِ بِحُقُوقِهِنَّ عَلَى الْوَجْهِ الْمُسْتَحْسَنِ شَرْعًا وَعُرْفًا، أَوِ اتْرُكُوهُنَّ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهُنَّ فَتَبِينَ مِنْكُمْ.

وَالْمُفَارَقَةُ بِالْمَعْرُوفِ تَقْتَضِي أَنْ يُؤدِّيَ لَهَا كُلَّ حُقُوقِهَا، وَأَنْ يُعَاوِنَهَا إِنْ كَانَتْ فِي حَاجَةٍ إِلَى مُعَاوَنَةٍ، وَأَلَّا يَذْكُرَهَا بَعْدَ تَطْلِيقِهَا إِلَّا بِخَيْرٍ.

وَأَشْهِدُوا عَلَى الرَّجْعَةِ أَوْ عَلَى الطَّلَاقِ رَجُلَيْنِ عَدْلَيْنِ فِي سُلُوكِهِمْ وَأَحْكَامِهِمْ وَأَقْوَالِهِمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَدُّوا الشَّهَادَةَ أَيُّهَا الشُّهُودُ طَلَبًا لِمَرْضَاةِ اللهِ وَقِيَامًا بِوَصِيَّتِهِ.

ذَلِكَ الَّذِي أَمَرَكُمُ اللهُ بِهِ مِنْ أَحْكَامٍ تَتَعَلَّقُ بِالطَّلَاقِ وَالْعِدَّةِ وَحُقُوقِ الْمُطَلَّقَاتِ يُنْصَحُ بِهِ نُصْحًا مَقْرُونًا بِمَا يُثِيرُ الرَّغْبَةَ وَالرَّهْبَةَ فِي النَّفْسِ؛ لِلِانْتِفَاعِ بِالنُّصْحِ، وَاتِّبَاعِ مَا هَدَى اللهُ إِلَيْهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ إِيمَانًا صَحِيحًا صَادِقًا.

((مَعْنَى الطَّلَاقِ وَأَدِلَّتُهُ وَحِكْمَةُ مَشْرُوعِيَّتِهِ))

الْأَصْلُ فِي الزَّوَاجِ: اسْتِمْرَارُ الْحَيَاةِ الزَّوْجِيَّةِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، وَقَدْ شَرَعَ اللهُ -تَعَالَى- أَحْكَامًا كَثِيرَةً وَآدَابًا جَمَّةً فِي الزَّوَاجِ لِاسْتِمْرَارِهِ، وَضَمَانِ بَقَائِهِ؛ إِلَّا إِنَّ هَذِهِ الْآدَابَ قَدْ لَا تَكُونُ مَرْعِيَّةً مِنْ قِبَلِ الزَّوْجَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا، فَيَقَعُ التَّنَافُرُ بَيْنَهُمَا حَتَّى لَا يَبْقَى مَجَالٌ لِلْإِصْلَاحِ، فَكَانَ لَا بُدَّ مِنْ تَشْرِيعِ أَحْكَامٍ تُؤَدِّي إِلَى حَلِّ عُقْدَةِ الزَّوَاجِ عَلَى نَحْوٍ لَا تُهْدَرُ فِيهِ حُقُوقُ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ مَا دَامَتْ أَسْبَابُ التَّعَايُشِ قَدْ بَاتَتْ مَعْدُومَةً فِيمَا بَيْنَهُمَا.

الطَّلَاقُ فِي اللُّغَةِ: حَلُّ الْوِثَاقِ، مُشْتَقٌّ مِنَ الْإِطْلَاقِ، وَهُوَ التَّرْكُ وَالْإِرْسَالُ.
وَفِي الشَّرْعِ: حَلُّ عُقْدَةِ التَّزْوِيجِ، وَالتَّعْرِيفُ الشَّرْعِيُّ فَرْدٌ مِنْ مَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ الْعَامِّ.

وَالطَّلَاقُ مَشْرُوعٌ بِالْكِتَابِ، وَالسُّنَّةِ، وَالْإِجْمَاعِ.

أَمَّا الْكِتَابُ: فَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} [البقرة: 229].

وَقَالَ -عَزَّ وَجَلَّ-: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} [الطلاق: 1]. وَمِنَ السُّنَّةِ: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-، أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعُمَرَ: ((لِيُرَاجِعْهَا، فَإِذَا طَهُرَتْ فَإِنْ شَاءَ فَلْيُطَلِّقْهَا)).

 وَأَجْمَعَ عُلَمَاءُ الْأُمَّةِ عَلَى جَوَازِ الطَّلَاقِ وَمَشْرُوعِيَّتِهِ.

حِكْمَةُ مَشْرُوعِيَّتِهِ:

شُرِعَ الطَّلَاقُ لِأَنَّ فِيهِ حَلًّا لِلْمُشْكِلَاتِ الزَّوْجِيَّةِ عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ؛ وَبِخَاصَّةٍ عِنْدَ عَدَمِ الْوِفَاقِ، وَحُلُولِ الْبَغْضَاءِ الَّتِي لَا يَتَمَكَّنُ الزَّوْجَانِ مَعَهَا مِنْ إِقَامَةِ حُدُودِ اللهِ، وَاسْتِمْرَارِ الْحَيَاةِ الزَّوْجِيَّةِ، وَهُوَ بِذَلِكَ مِنْ مَحَاسِنِ الدِّينِ الْإِسْلَامِيِّ.

 ((حُكْمُ الطَّلَاقِ))

إِنَّ الطَّلَاقَ لَا يَكُونُ إِلَّا بَعْدَ نِكَاحٍ؛ لِأَنَّهُ حَلُّ قَيْدِ النِّكَاحِ.

حُكْمُ الطَّلَاقِ تَجْرِي فِيهِ الْأَحْكَامُ الْخَمْسَةُ؛ وَاجِبًا، وَحَرَامًا، وَسُنَّةً، وَمَكْرُوهًا، وَمُبَاحًا.

وَالْأَصْلُ الْكَرَاهَةُ، وَالدَّلِيلُ: قَوْلُهُ تَعَالَى فِي الَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ -يَعْنِي: يَحْلِفُ أَنَّهُ مَا يَطَأُهَا- قَالَ: {فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}.

{وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاَقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}.

 فَفِي الطَّلَاقِ قَالَ: {وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاَقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}، وَهَذَا فِيهِ شَيْءٌ مِنَ التَّهْدِيدِ.

لَكِنْ فِي الْفَيْئَةِ قَالَ: {فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}.

فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ الطَّلَاقَ غَيْرُ مَحْبُوبٍ إِلَى اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ-، وَأَنَّ الْأَصْلَ الْكَرَاهَةُ، وَأَمَّا حَدِيثُ: «أَبْغَضُ الْحَلَالِ إِلَى اللهِ الطَّلَاقُ»؛ فَهُوَ ضَعِيفٌ وَلَا يَصِحُّ؛ حَتَّى مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى، يُغْنِي عَنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاَقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}.

الطَّلَاقُ يُبَاحُ لِلْحَاجَةِ؛ أَيْ: حَاجَةِ الزَّوْجِ، فَإِذَا احْتَاجَ فَإِنَّهُ يُبَاحُ لَهُ؛ مِثْلَ أَلَّا يَسْتَطِيعَ الصَّبْرَ عَلَى امْرَأَتِهِ، مَعَ أَنَّ اللهَ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- أَشَارَ إِلَى أَنَّ الصَّبْرَ أَوْلَى، فَقَالَ: {فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} [النساء: 19].

وَقَالَ ﷺ: «لَا يَفْرَكُ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً، إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا خُلُقًا آخَرَ».

لَكِنْ -أَحْيَانًا- لَا يَتَمَكَّنُ الْإِنْسَانُ مِنَ الْبَقَاءِ مَعَ هَذِهِ الزَّوْجَةِ، فَإِذَا احْتَاجَ فَإِنَّهُ يُبَاحُ لَهُ أَنْ يُطَلِّقَ، وَالدَّلِيلُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} [الطلاق: 1].

وَلَمْ يَقُلْ: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لَا تُطَلِّقُوا النِّسَاءَ.

وَقَالَ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا} [الأحزاب: 49].

وَلِأَنَّ الَّذِينَ طَلَّقُوا فِي عَهْدِ الرَّسُولِ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- لَمْ يَكُنْ يَنْهَاهُمْ عَنْهُ، وَلَوْ كَانَ حَرَامًا لَمَنَعَهُمْ، وَلَوْ كَانَ مَكْرُوهًا لَاسْتَفْصَلَ مِنْهُمْ.

ثُمَّ عِنْدَنَا قَاعِدَةٌ فِقْهِيَّةٌ مَعْرُوفَةٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَهِيَ: ((أَنَّ الْمَكْرُوهَ يَزُولُ عِنْدَ الْحَاجَةِ)).

وَهَذَا مِنْ حِكْمَةِ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ-، وَقَدْ كَانَ أَعْدَاءُ الْمُسْلِمِينَ يَطْعَنُونَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي جَوَازِ الطَّلَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ مَا يَوَدُّونَ أَنْ تَحْزَنَ الْمَرْأَةُ، مَعَ أَنَّ هَذَا هُوَ الْعَيْبُ حَقِيقَةً؛ لِأَنَّنَا نَعْلَمُ عِلْمَ الْيَقِينِ أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا أَمْسَكَهَا عَلَى هُونٍ وَهُوَ لَا يُرِيدُهَا وَلَا يُحِبُّهَا؛ يَحْصُلُ لَهَا مِنَ التَّعَاسَةِ شَيْءٌ لَا يُطَاقُ، لَكِنْ إِذَا طَلَّقَهَا يَرْزُقُهَا اللهُ {وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلاًّ مِنْ سَعَتِهِ} [النساء: 130].

فَكَانَ مَا جَاءَ بِهِ الْإِسْلَامُ هُوَ الْحِكْمَةُ وَالرَّحْمَةُ -أَيْضًا-؛ وَإِلَّا فَإِلْزَامُ الْإِنْسَانِ بِمُعَاشَرَةِ مَنْ لَا يُحِبُّ مِنْ أَصْعَبِ الْأُمُورِ؛ حَتَّى قَالَ الْمُتَنَبِّي:

وَمِنْ نَكَدِ الدُّنْيَا عَلَى الْحُرِّ أَنْ يَرَى     =     عَدُوًّا لَهُ مَا مِنْ صَدَاقَتِهِ بُدُّ

فَمِنْ نَكَدِ الدُّنْيَا أَنَّكَ تَرَى عَدُوًّا لَكَ؛ لَكِنْ لَا بُدَّ أَنْ تُصَادِقَهُ!

((وَيُكْرَهُ الطَّلَاقُ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ)): فَمَعَ اسْتِقَامَةِ الْحَالِ يُكْرَهُ؛ فَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاَقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} فِيهِ الْإِيمَاءُ وَالتَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ الطَّلَاقَ مَكْرُوهٌ عِنْدَ اللهِ، وَهَذَا دَلِيلٌ أَثَرِيٌّ.

وَالدَّلِيلُ النَّظَرِيُّ: أَنَّ الطَّلَاقَ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ تَشَتُّتُ الْأُسْرَةِ، وَضَيَاعُ الْمَرْأَةِ، وَكَسْرُ قَلْبِهَا؛ لَاسِيَّمَا إِذَا كَانَ مَعَهَا أَوْلَادٌ، أَوْ كَانَتْ فَقِيرَةً، أَوْ لَيْسَ لَهَا أَحَدٌ فِي الْبَلَدِ؛ فَإِنَّهُ يَتَأَكَّدُ كَرَاهَةُ طَلَاقِهَا، وَرُبَّمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ضَيَاعُ الرَّجُلِ -أَيْضًا-؛ فَقَدْ لَا يَجِدُ زَوْجَةً، ثُمَّ إِنَّهُ إِذَا عُلِمَ أَنَّ الْإِنْسَانَ مِطْلَاقٌ فَإِنَّهُ لَا يُزَوِّجُهُ النَّاسُ، فَلِعِلَلٍ كَثِيرَةٍ نَقُولُ: إِنَّهُ يُكْرَهُ.

((وَيُسْتَحَبُّ الطَّلَاقُ لِلضَّرَرِ)) أَيْ: ضَرَرِ الْمَرْأَةِ، فَإِذَا رَأَى أَنَّهَا مُتَضَرِّرَةٌ فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُطَلِّقَهَا وَلَوْ كَانَ رَاغِبًا فِيهَا؛ كَمَا لَوْ فُرِضَ أَنَّ الْمَرْأَةَ لَمَّا تَزَوَّجَهَا أَصَابَهَا مَرَضٌ نَفْسِيٌّ، كَمَا يَقَعُ كَثِيرًا -نَسْأَلُ اللهَ الْعَافِيَةَ-، وَضَجِرَتْ وَتَعِبَتْ، وَلَا اسْتَقَامَتِ الْحَالُ مَعَ زَوْجِهَا، وَهُوَ يُحِبُّهَا، هُنَا يُسْتَحَبُّ أَنْ تُطَلِّقَهَا؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْإِحْسَانِ إِلَيْهَا بِإِزَالَةِ الضَّرَرِ عَنْهَا، أَمَّا مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ الْجَبَابِرَةِ  -وَالْعِيَاذُ بِاللهِ- يَقُولُ: أَنَا مَا أُطَلِّقُ حَتَّى تَرُدَّ عَلَيَّ مَا أَمْهَرْتُهَا أَوْ أَكْثَرَ؛ فَهَذَا -وَالْعِيَاذُ بِاللهِ- ظُلْمٌ، فَالَّذِي يَنْبَغِي إِذَا رَأَى أَنَّهَا مُتَضَرِّرَةٌ أَنْ يُطْلِقَ سَرَاحَهَا.

((وَيَجِبُ لِلإِيلَاءِ)): الْإِيلَاءُ: الْحَلِفُ، وَهُوَ أَنْ يَحْلِفَ الرَّجُلُ عَلَى تَرْكِ وَطْءِ زَوْجَتِهِ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ؛ بِأَنْ يَقُولَ: وَاللهِ! لَا أُجَامِعُكِ، إِمَّا لِمُدَّةِ سَنَةٍ، أَوْ يُطْلِقُ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: {لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}، {وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاَقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}.

فَحَدَّدَ اللهُ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، فَإِذَا تَمَّتِ الْأَرْبَعَةُ وَجَبَ عَلَيْهِ وَاحِدٌ مِنْ أَمْرَيْنِ: إِمَّا الرُّجُوعُ، وَيُكَفِّرُ كَفَّارَةَ يَمِينٍ، وَإِمَّا الطَّلَاقُ، وَإِذَا لَمْ يَفْعَلْ أَلْزَمَ أَوْ طَلَّقَ عَلَيْهِ الْحَاكِمُ.

كَذَلِكَ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُطَلِّقَ إِذَا اخْتَلَّتْ عِفَّةُ الْمَرْأَةِ وَلَمْ يُمْكِنْهُ الْإِصْلَاحَ، فَلَوْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ -وَالْعِيَاذُ بِاللهِ- تَفْعَلُ الْفَاحِشَةَ وَهُوَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَمْنَعَهَا؛ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُطَلِّقَ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ صَارَ دَيُّوثًا.

((مَخَاطِرُ الطَّلَاقِ))

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ! لَا شَكَّ أَنَّ الطَّلَاقَ تَدْمِيرٌ لِبَيْتٍ أَمَرَ الشَّرْعُ أَنْ يُبْنَى عَلَى أَسَاسٍ مِنَ السَّكَنِ وَالْمَوَدَّةِ وَالرَّحْمَةِ، كَمَا أَنَّهُ يَحْمِلُ الْعَدِيدَ مِنَ الْمَخَاطِرِ وَالْآثَارِ السَّلْبِيَّةِ عَلَى الْأُسْرَةِ، وَعَلَى الْمُجْتَمَعِ؛ وَلَاسِيَّمَا الْأَبْنَاءُ بِمَا يُسَبِّبُ لَهُمُ انْفِصَالُ الْوَالِدَيْنِ مِنْ مُشْكِلَاتٍ نَفْسِيَّةٍ، وَاجْتِمَاعِيَّةٍ، وَاقْتِصَادِيَّةٍ يَفْتَقِدُونَ مَعَهَا مُقَوِّمَاتِ التَّرْبِيَةِ الْحَسَنَةِ، وَالتَّنْشِئَةِ السَّلِيمَةِ بِسَبَبِ ذَلِكَ التَّفَكُّكِ الْأُسَرِيِّ، مِمَّا يَجْعَلُهُمْ عُرْضَةً لِلِاضْطِرَابِ النَّفْسِيِّ، وَالتَّأَخُّرِ الدِّرَاسِيِّ.

يَنْبَغِي لِلزَّوْجَيْنِ أَلَّا يَجْعَلَا أَوْلَادَهُمَا ضَحِيَّةً لِلْعِنَادِ وَالتَّعَنُّتِ وَالْمُهَاتَرَاتِ؛ بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْأَوْلَادُ بِمَعْزِلٍ عَنِ الْمُشْكِلَاتِ، وَأَنْ يُؤْثِرَ الْوَالِدَانِ مَصْلَحَةَ الْأَوْلَادِ.

إِنَّ الشَّيْطَانَ يَعْمَلُ عَمَلَهُ عَلَى إِغْوَاءِ أَيٍّ مِنَ الزَّوْجَيْنِ لِتَدْمِيرِ بُنْيَانِ الْأُسْرَةِ، يَقُولُ نَبِيُّنَا ﷺ: ((إِنَّ إِبْلِيسَ يَضَعُ عَرْشَهُ عَلَى الْمَاءِ، ثُمَّ يَبْعَثُ سَرَايَاهُ، فَأَدْنَاهُمْ مِنْهُ مَنْزِلَةً أَعْظَمُهُمْ فِتْنَةً، يَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ: فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا، فَيَقُولُ: مَا صَنَعْتَ شَيْئًا، قَالَ: ثُمَّ يَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ: مَا تَرَكْتُهُ حَتَّى فَرَّقْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ، قَالَ: فَيُدْنِيهِ مِنْهُ وَيَقُولُ: نِعْمَ أَنْتَ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

((بَدَأَتِ الْمَعْرَكَةُ بَيْنَ إِبْلِيسَ وَآدَمَ مُنْذُ بِدَايَةِ خَلْقِ آدَمَ، وَكَانَتْ نَتِيجَةُ الْجَوْلَةِ الْأُولَى أَنْ يَهْبِطُوا إِلَى الْأَرْضِ آدَمُ وَحَوَّاءُ وَإِبْلِيسُ، لِيَحْتَنِكَ إِبْلِيسُ وَذُرِّيَّتُهُ آدَمَ وَذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا، مُتَوَعِّدًا إِبْلِيسُ آدَمَ وَذُرِّيَّتَهُ: {قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ ۖ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ} [الأعراف: 16-17].

وَبَدَأَتِ الْجَوْلَةُ الثَّانِيَةُ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ، وَبِعَدَدِ بَنِي آدَمَ يَكُونُ عَدَدُ الشَّيَاطِينِ ذُرِّيَّةُ إِبْلِيسَ وَجُنُودُهُ، مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ وَاحِدٌ قَرِينُهُ وَمُلَازِمُهُ يَجْرِي مِنْهُ مَجْرَى الدَّمِ، يُزَيِّنُ لَهُ مَا يُغْضِبُ اللهَ؛ لِيُوقِعَ الْآدَمِيَّ فِي الْمَعْصِيَةِ، لِيُشَارِكَ إِبْلِيسَ الْمَصِيرَ وَالنَّارَ، وَبِقَدْرِ نَجَاحِ الشَّيْطَانِ فِي الْوَسْوَسَةِ وَالْغِوَايَةِ يَكُونُ حُبُّ إِبْلِيسَ لَهُ وَتَقْدِيرُهُ لِجُهُودِهِ وَتَقْرِيبُهُ مِنْهُ وَاحْتِضَانُهُ، أَمَّا مَنْ غُلِبَ مِنَ الشَّيَاطِينِ أَمَامَ مُؤْمِنٍ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَوْ مَنْ عَجَزَ مِنَ الشَّيَاطِينِ أَنْ يَصِلَ إِلَى إِضْلَالِ وَإِغْوَاءِ مُؤْمِنٍ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَذَاكَ الْمَغْضُوبُ عَلَيْهِ مِنْ إِبْلِيسَ وَالْمُعَاقَبُ مِنْهُ بِشَتَّى الْعُقُوبَاتِ.

وَقَدْ حَذَّرَ اللهُ -تَعَالَى- الْمُؤْمِنِينَ مِنَ الشَّيْطَانِ فَقَالَ: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا ۚ إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [فاطر: 6])).

(( ((إِنَّ إِبْلِيسَ يَضَعُ عَرْشَهُ)) أَيْ: سَرِيرَهُ ((عَلَى الْمَاءِ))، وَفِي رِوَايَةٍ: ((عَلَى الْبَحْرِ))، وَالصَّحِيحُ حَمْلُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَيَكُونُ مِنْ جُمْلَةِ تَمَرُّدِهِ وَطُغْيَانِهِ وَضْعُ عَرْشِهِ عَلَى الْمَاءِ؛ يَعْنِي: جَعْلَهُ اللَّهُ -تَعَالَى- قَادِرًا عَلَيْهِ اسْتِدْرَاجًا؛ لِيَغْتَرَّ بِأَنَّ لَهُ عَرْشًا.

 ((ثُمَّ يَبْعَثُ)) أَيْ: يُرْسِلُ ((سَرَايَاهُ)): جَمْعُ سَرِيَّةٍ، وَهِيَ قِطْعَةٌ مِنَ الْجَيْشِ تُوَجَّهُ نَحْوَ الْعَدُوِّ لِتَنَالَ مِنْهُ، وَفِي النِّهَايَةِ هِيَ طَائِفَةٌ مِنَ الْجَيْشِ، وَسُمُّوا بِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ يَكُونُونَ خُلَاصَةَ الْعَسْكَرِ وَخِيَارَهُمْ مِنَ الشَّيْءِ النَّفِيسِ، يَفْتِنُونَ النَّاسَ؛ أَيْ: يُضِلُّونَهُمْ، أَوْ يَمْتَحِنُونَهُمْ بِتَزْيِينِ الْمَعَاصِي إِلَيْهِمْ حَتَّى يَقَعُوا فِيهَا.

((فَأَدْنَاهُمْ مِنْهُ مَنْزِلَةً)) أَيْ: أَقْرَبُهُمْ مِنْ إِبْلِيسَ مَرْتَبَةً ((أَعْظَمُهُمْ فِتْنَةً)) أَيْ: أَكْبَرُهُمْ إِضْلَالًا، أَوْ أَشَدُّهُمُ ابْتِلَاءً.

((يَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ: فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا)): أَيْ: أَمَرْتُ بِالسَّرِقَةِ، وَشُرْبِ الْخَمْرِ -مَثَلًا-، ((فَيَقُولُ)) أَيْ: إِبْلِيسُ ((مَا صَنَعْتَ شَيْئًا)) أَيْ: أَمْرًا كَبِيرًا أَوْ شَيْئًا مُعْتَدًّا بِهِ.

 ((قَالَ)) أَيِ: النَّبِيُّ ﷺ: ((ثُمَّ يَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ: مَا تَرَكْتُهُ)) أَيْ: فُلَانًا ((حَتَّى فَرَّقْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ)): هَذَا وَإِنْ كَانَ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ أَمْرًا مُبَاحًا، وَظَاهِرُهُ خَيْرٌ، وَلِذَا قَالَ تَعَالَى: {وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ} [النساء: 130]، وَلَكِنَّهُ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ قَدْ يَجُرُّ إِلَى الْمَفَاسِدِ يَصِيرُ مَذْمُومًا، وَيَحُثُّ عَلَيْهِ الشَّيَاطِينُ، وَيَفْرَحُ بِهِ كَبِيرُهُمْ، قَالَ تَعَالَى: {فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ} [البقرة: 102].

((قَالَ)): عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: ((فَيُدْنِيهِ مِنْهُ)) أَيْ: فَيُقَرِّبُ إِبْلِيسُ ذَلِكَ الْمُغْوِيَ مِنْ نَفْسِهِ ((وَيَقُولُ)) أَيْ: إِبْلِيسُ لِلْمُغْوِي: ((نِعْمَ أَنْتَ)) أَيْ: نِعْمَ الْوَلَدُ أَوِ الْعَوْنُ أَنْتَ عَلَى أَنَّهُ فِعْلُ مَدْحٍ، أَوْ: أَنْتَ صَنَعْتَ شَيْئًا عَظِيمًا، وَذَلِكَ مِنْ غَايَةِ حُبِّ إِبْلِيسَ التَّفْرِيقَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ مُحِبُّ كَثْرَةِ الزِّنَا)).

 ((فِي هَذَا الْحَدِيثِ تَعْظِيمُ أَمْرِ الْفِرَاقِ وَالطَّلَاقِ، وَكَثِيرُ ضَرَرِهِ وَفِتْنَتِهِ، وَعَظِيمُ الْإِثْمِ فِى السَّعْي فِيهِ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ قَطْعِ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ، وَشَتَاتِ مَا جَعَلَ اللهُ فِيهِ رَحْمَةً وَمَوَدَّةً، وَهَدْمِ بَيْتٍ بُنِيَ فِي الْإِسْلَامِ)).

((نَصِيحَةٌ نَافِعَةٌ لِكُلِّ مَنْ يُفَكِّرُ فِي طَلَاقِ زَوْجَتِهِ))

كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ يَتَهَاوَنُ بِشَأْنِ الطَّلَاقِ، فَتَرَاهُ يُرْسِلُ لِسَانَهُ بِكَلِمَةِ الطَّلَاقِ دُونَمَا نَظَرٍ فِي عَوَاقِبِهِ.

وَكَثِيرًا مَا يَقَعُ الطَّلَاقُ لِأَسْبَابٍ تَافِهَةٍ، فَيُقَوِّضُ سَعَادَةً قَائِمَةً، وَيُبَدِّدُ شَمْلَ أُسْرَةٍ مُتَمَاسِكَةٍ.

مِنْ هَذِهِ الْأَسْبَابِ: نَزْوَةُ غَضَبٍ رَعْنَاءُ تَسْتَبِدُّ بِالْمَرْءِ، فَتُعْمِي بَصَرَهُ، وَتَشَلُّ تَفْكِيرَهُ، وَتَطِيشُ بِعَقْلِهِ، وَتَقُودُهُ إِلَى الطَّلَاقِ.  

وَمِنْهَا: تَوْجِيهُ أَصْدِقَاءِ السُّوءِ الَّذِينَ يُشِيرُونَ بِالرَّأْيِ الْفَطِيرِ الْمُعْوَجِّ, وَرُبَّمَا حَمَلَهُمْ عَلَى ذَلِكَ الْحِقْدُ, وَالْمَكْرُ، وَالْحَسَدُ، وَالْغَيْرَةُ.

وَقَدْ يَخْرُجُ الرَّجُلُ إِلَى السُّوقِ، أَوْ يَجْلِسُ فِي الْمَقْهَى، فَيَخْتَلِفُ مَعَ آخَرَ فِي شَأْنٍ جَلِيلٍ أَوْ حَقِيرٍ، فَيَحْلِفُ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا بِالطَّلَاقِ حَانِثًا، فَتَكُونُ النَّتِيجَةُ خَرَابَ بَيْتٍ، وَتَمْزِيقَ أُسْرَةٍ، وَتَشْرِيدَ أَوْلَادٍ.

وَقَدْ يَتَنَاقَشُ آخَرُ مَعَ صِهْره فِي زِيَارَةٍ أَوِ اسْتِزَارَةٍ، فَيَحْلِفُ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا بِالطَّلَاقِ، فَتَكُونُ الْعَاقِبَةُ تَقْطِيعَ أَرْحَامٍ، وَإِذْكَاءَ فِتْنَةٍ، وَانْفِصَامَ عُرًى.

وَيَتَنَازَعُ اثْنَانِ فِي السِّيَاسَةِ، أَوْ فِي التَّفْضِيلِ بَيْنَ شَخْصَيْنِ، أَوْ فِي حَالِ الْجَوِّ مِنْ غَيْمٍ أَوْ صَحْوٍ، فَتَجْرِي أَلْفَاظُ الطَّلَاقِ مُتَنَاثِرَةً مُتَعَدِّدَةً كَأَنَّهَا لَازِمَةٌ لِلْحَدِيثِ.

وَيَسْتَضِيفُ أَحَدُهُمْ صَاحِبَهُ، فَإِذَا تَمَنَّعَ صَاحِبُهُ حَلَفَ عَلَيْهِ بِالطَّلَاقِ إِلَّا حَضَرَ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ.

وَكَأَنَّ الْكَثِيرَ مِنْ هَؤُلَاءِ لَمْ يَتَزَوَّجْ إِلَّا لِيَجْعَلَ الزَّوْجَةَ أَدَاةَ يَمِينٍ لِيُصَدِّقَهُ النَّاسُ حِينَ يَحْلِفُ.

وَكَثِيرًا مَا تَطْلُقُ الزَّوْجَةُ بِتِلْكَ الْأَيْمَانِ الْعَابِثَةِ وَهِيَ لَا تَعْلَمُ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا!!

وَكَثِيرًا مَا تَكُونُ آمِنَةً فِي سِرْبِهَا، سَعِيدَةً بِزَوْجِيَّتِهَا، فَتُفَاجَئُ بِالطَّلَاقِ مِنْ زَوْجٍ أَحْمَقَ بِسَبَبِ خِلَافٍ شَجَرَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ جَارٍ، أَوْ زَمِيلٍ، أَوْ بَائِعٍ، أَوْ مُشْتَرٍ عَلَى أَتْفَهِ الْأَسْبَابِ؛ فَتَكُونُ الْغَضْبَةُ الْمُضَرِيَّةُ مِنْ نَصِيبِ تِلْكَ الزَّوْجَةِ الْمِسْكِينَةِ.

وَقَدْ يَسْتَعْجِلُ الزَّوْجُ فِي طَلَاقِ زَوْجَتِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا مُبَاشَرَةً؛ إِمَّا لِطُولِهَا الْمُفْرِطِ، أَوْ لِقِصَرِهَا، أَوْ لِنُحُولِهَا، أَوْ لِامْتِلَائِهَا، أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا تَخْتَلِفُ فِيهِ الْأَذْوَاقُ، فَيُبَادِرُ إِلَى تَطْلِيقِهَا دُونَمَا تَأَنٍّ أَوْ تَرَيُّثٍ.

وَقَدْ يُطَلِّقُهَا بِسَبَبِ زِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ فِي مِلْحِ الطَّعَامِ، أَوْ بِسَبَبِ بَعْضِ التَّقْصِيرِ الْيَسِيرِ.

وَبِمِثْلِ هَذِهِ الْأَسْبَابِ التَّافِهَةِ يَحْدُثُ كَثِيرٌ مِنْ حَالَاتِ الطَّلَاقِ.

وَكَثِيرًا مَا يَنْدَمُ الزَّوْجُ إِذَا طَلَّقَ، فَبَعْدَ أَنْ كَانَ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، تُرَفْرِفُ عَلَيْهِ السَّعَادَةُ وَالطُّمَأْنِينَةُ؛ إِذَا بِهِ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ، وَيَقْرَعُ سِنَّهُ، وَيَعَضُّ عَلَى يَدَيْهِ بِسَبَبِ تَفْرِيطِهِ وَحُمْقِهِ، وَعَجَلَتِهِ وَرُعُونَتِهِ.

وَقَدْ يَبْحَثُ فِيمَا بَعْدُ عَمَّنْ يُفْتِيهِ فِي إِمْكَانِيَّةِ الرَّجْعَةِ، أَوْ أَنَّ الطَّلَاقَ لَمْ يَقَعْ لِمُلَابَسَاتٍ مَا.

وَمِنْ هُنَا تَتَنَغَّصُ حَيَاتُهُ، وَيَتَكَدَّرُ عَيْشُهُ؛ فَالطَّلَاقُ حَلُّ عُقْدَةٍ، وَبَتُّ حِبَالٍ، وَتَمْزِيقُ شَمْلٍ، وَزِيَالُ خَلِيطٍ، وَانْفِضَاضُ سَامِرٍ؛ فَفِيهِ كُلُّ مَا فِي هَذِهِ الْمُرَكَّبَاتِ الْإِضَافِيَّةِ الَّتِي اسْتَعْمَلَهَا الْعَرَبُ، وَجَرَتْ فِي آدَابِهِمْ مَجْرَى الْأَمْثَالِ؛ مِنَ الْتِيَاعٍ، وَحَرَارَةٍ، وَحَسْرَةٍ، وَمَرَارَةٍ، مَعَ مَا يَصْحَبُهُ مِنَ الْحِقْدِ، وَالْبُغْضِ، وَالتَّأَلُّمِ، وَالتَّظَلُّمِ.

فَلِهَذِهِ الْمُلَابَسَاتِ الَّتِي هِيَ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ الْفِطَرِ السَّلِيمَةِ وَالطِّبَاعِ الرَّقِيقَةِ الْمُسْتَقِيمَةِ شَرَعَ الْإِسْلَامُ الطَّلَاقَ مُقَيَّدًا بِقُيُودٍ فِطْرِيَّةٍ، وَقُيُودٍ شَرْعِيَّةٍ، فَاعْتَمَدَ فِي تَنْفِيذِ الطَّلَاقِ بَعْدَ فَهْمِ الْمُرَادِ مِنْهُ عَلَى إِيمَانِ الْمُؤْمِنِ، وَشَرَعَ لَهُ مِنَ الْمُخَفِّضَاتِ مَا يُهَوِّنُ وَقْعَهُ؛ كَالتَّمْتِيعِ، وَمَدِّ الْأَمَلِ بِالْمُرَاجَعَةِ، وَتَوْسِيعِ الْعِصْمَةِ إِلَى الثَّلَاثِ؛ حَتَّى تُمْكِنَ الْفَيْئَةُ إِلَى الْعِشْرَةِ.

وَمَا وَصْفُ الطَّلَاقِ فِي الْقُرْآنِ بِالسَّرَاحِ الْجَمِيلِ وَالتَّسْرِيحِ بِالْإِحْسَانِ إِلَّا تَلْطِيفٌ إِلَهِيٌّ مِنْ غِلَظِ الْإِحْسَاسِ؛ حَتَّى يَصِيرَ الطَّلَاقُ خَفِيفَ الْوَقْعِ عَلَى النُّفُوسِ قَدْرَ الْإِمْكَانِ، فَلَقَدْ اقْتَضَتْ حِكْمَةُ الشَّارِعِ بِأَنْ تَكُونَ الْعِصْمَةُ بِيَدِ الزَّوْجِ؛ لَكِنَّهُ كَرِهَ الطَّلَاقَ، وَوَضَعَ أَمَامَهُ أَحْكَامًا وَمَوَاعِظَ شَأْنُهَا أَنْ تَكُفَّ الْأَزْوَاجَ عَنْ الِاسْتِعْجَالِ بِهِ، وَتَجْعَلَ حَوَادِثَهُ قَلِيلَةً جِدًّا.

لِهَذَا أَمَرَ الشَّارِعُ الزَّوْجَ بِأَنْ يُعَاشِرَ زَوْجَتَهُ بِالْمَعْرُوفِ، وَدَعَاهُ إِلَى التَّأَنِّي إِذَا وَجَدَ فِي نَفْسِهِ كَرَاهَةً لَهَا، فَلَا يُبَادِرُ إِلَى كَلِمَةِ الطَّلَاقِ؛ فَقَدْ تَكُونُ الْكَرَاهَةُ عَارِضَةً ثُمَّ تَزُولُ.

وَمِنْ شِدَّةِ تَحْذِيرِ الشَّارِعِ مِنَ الْمُبَادَرَةِ إِلَى الطَّلَاقِ: أَنْ جَعَلَ احْتِمَالَ أَنْ يَكُونَ فِي الزَّوْجَةِ خَيْرٌ كَثِيرٌ كَافِيًا فِي الِاحْتِفَاظِ بِعِصْمَتِهَا، وَالِاسْتِمْرَارِ عَلَى حُسْنِ مُعَاشَرَتِهَا.

ثُمَّ إِنْ كَانَ فِي الزَّوْجَةِ بَعْضُ مَا يَكْرَهُ فَلْيَصْبِرْ، وَلْيَتَحَرَّ الْخِيَرَةَ، فَعَامَّةُ مَصَالِحِ النُّفُوسِ فِي مَكْرُوهَاتِهَا، وَعَامَّةُ مَضَارِّهَا وَأَسْبَابُ هَلَكَتِهَا فِي مَحْبُوبَاتِهَا، فَكَثِيرًا مَا يَأْتِي الْمَكْرُوهُ بِالْمَحْبُوبِ، وَكَثِيرًا مَا يَأْتِي الْمَحْبُوبُ بِالْمَكْرُوهِ، كَيْفَ وَقَدْ قَال اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} [النساء: 19].

قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ -رَحِمَهُ اللهُ- فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ: ((وَقَدْ نَدَبَتِ الْآيَةُ إِلَى إِمْسَاكِ الْمَرْأَةِ مَعَ الْكَرَاهَةِ لَهَا، وَنَبَّهَتْ عَلَى مَعْنَيَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَعْلَمُ وُجُوهَ الصَّلَاحِ، فَرُبَّ مَكْرُوهٍ عَادَ مَحْبُوبًا، وَمَحْمُودٍ عَادَ مَذْمُومًا.

وَالثَّانِي مِنَ الْمَعْنَيَيْنِ: أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَكَادُ يَجِدُ مَحْبُوبًا لَيْسَ فِيهِ مَا يُكْرَهُ، فَلْيَصْبِرْ عَلَى مَا يَكْرَهُ لِمَا يُحِبُّ)).

لِهَذَا فَكَمْ مِنْ رَجُلٍ كَرِهَ امْرَأَةً، فَأَمْسَكَ عَلَيْهَا، فَأَنْجَبَتْ لَهُ أَوْلَادًا أَبْرَارًا قَامُوا بِنَفْعِهِ، وَنَشْرِ فَخْرِهِ وَذِكْرِهِ!

وَكَمْ مِنْ رَجُلٍ فُتِنَ بِامْرَأَةٍ غَدَتْ بِلُبِّهِ، وَأَفْسَدَتْ عَلَيْهِ دِينَهُ وَدُنْيَاهُ وَأَهْلَهُ!

إِضَافَةً إِلَى ذَلِكَ فَالْمُؤْمِنَةُ لَا تُكْرَهُ مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ، فَإِنْ وَجَدَ فِيهَا الزَّوْجُ خُلُقًا يُكْرَهُ وَجَدَ فِيهَا خُلُقًا مُرْضِيًّا.

قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((لَا يَفْرَكُ -أَيْ: لَا يُبْغِضُ وَلَا يَكْرَهُ- مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً؛ إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا خُلُقًا آخَرَ)).

ثُمَّ إِنَّ الْحَيَاةَ تَقُومُ عَلَى أُسُسٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وَرُبَّمَا كَانَ الْحُبُّ -فِي نَظَرِ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ- أَهَمَّهَا، أَوْ أَنَّهُ وَحْدَهُ هُوَ الَّذِي تَقُومُ عَلَيْهِ الْحَيَاةُ، وَالْحَقِيقَةُ أَنَّ الْحُبَّ لَهُ أَثَرُهُ وَدَوْرُهُ؛ وَلَكِنَّ الْحَيَاةَ لَا تَقُومُ عَلَيْهِ وَحْدَهُ؛ فَهُنَاكَ التَّذَمُّمُ، وَالرِّعَايَةُ، وَالتَّوَدُّدُ، وَالتَّحَمُّلُ، وَالْخُلُقُ، وَالِاحْتِسَابُ، وَالْوَفَاءُ، وَغَيْرُهَا مِنَ الْمَعَانِي النَّبِيلَةِ الْجَمِيلَةِ.

لِهَذَا كَانَ الْكِرَامُ يَقْضُونَ هَذِهِ الْحُقُوقَ، وَيَرْعُونَهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا.

قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((قِيلَ لِأَبِي عُثْمَانَ النَّيْسَابُورِيِّ: مَا أَرْجَى عَمَلِكَ عِنْدَكَ؟

قَالَ: كُنْتُ فِي صَبْوَتِي يَجْتَهِدُ أَهْلِي فِي تَزْوِيجِي، فَآبَى -أَيْ: أَمْتَنِعُ وَأَرْفُضُ-، فَجَاءَتْنِي امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: يَا أَبَا عُثْمَانَ! إِنِّي قَدْ هَوِيتُكَ، وَأَنَا أَسْأَلُكَ بِاللهِ أَنْ تَتَزَوَّجَنِي.

فَأَحْضَرْتُ أَبَاهَا وَكَانَ فَقِيرًا، فَزَوَّجَنِي مِنْهَا، وَفَرِحَ بِذَلِكَ، فَلَمَّا دَخَلَتْ إِلَيَّ رَأَيْتُهَا عَوْرَاءَ عَرْجَاءَ مُشَوَّهَةً.

وَكَانَتْ لِمَحَبَّتِهَا لِي تَمْنَعُنِي مِنَ الْخُرُوجِ، فَأَقْعُدُ حِفْظًا لِقَلْبِهَا، وَلَا أُظْهِرُ لَهَا مِنَ الْبُغْضِ شَيْئًا، وَكَأَنِّي عَلَى جَمْرِ الْغَضَا مِنْ بُغْضِهَا، فَبَقِيتُ -هَكَذَا- خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً حَتَّى مَاتَتْ، فَمَا مِنْ عَمَلِي شَيْءٌ هُوَ أَرْجَى عِنْدِي مِنْ حِفْظِي قَلْبَهَا)).

وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((وَقِيلَ: تَزَوَّجَ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ، فَلَمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ رَأَى بِهَا الْجُدَرِيَّ، فَقَالَ: اشْتَكَيْتُ عَيْنِي، ثُمَّ قَالَ: عَمِيتُ، فَبَعْدَ عِشْرِينَ سَنَةً مَاتَتْ، وَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّهُ بَصِيرٌ، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: كَرِهْتُ أَنْ يُحْزِنَهَا رُؤْيَتِي لِمَا بِهَا، فَقِيلَ لَهُ: سَبَقْتَ الْفِتْيَانَ)).

قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: حَدَّثَنِي صَدِيقٌ أَنَّ شَيْخَهُ أَسَرَّ لَهُ بِحَقِيقَةٍ تَقُومُ فِي حَيَاتِهِ: قَالَ: ((إِنَّ زَوْجَتِي هَذِهِ مَضَى عَلَى زَوَاجِي مِنْهَا أَرْبَعُونَ سَنَةً، وَمَا رَأَيْتُ يَوْمًا سَارَّا، وَإِنَّنِي مِنَ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ مِنْ دُخُولِي بِهَا عَرَفْتُ أَنَّهَا لَا تَصْلُحُ لِي بِحَالٍ؛ وَلَكِنَّهَا كَانَتِ ابْنَةَ عَمِّي، وَأَيْقَنْتُ أَنَّ أَحَدًا لَا يُمْكِنُ أَنْ يَحْتَمِلَهَا، فَصَبَرْتُ وَاحْتَسَبْتُ، وَأَكْرَمَنِي اللهُ مِنْهَا بِأَوْلَادٍ بَرَرَةٍ صَالِحِينَ، وَسَاعَدَنِي نُفُورِي مِنْهَا عَلَى الِاشْتِغَالِ بِالْعِلْمِ، فَكَانَ مِنْ ذَلِكَ مُؤَلَّفَاتٌ كَثِيرَةٌ، أَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنَ الْعِلْمِ الَّذِي يُنْتَفَعُ بِهِ، وَمِنَ الصَّدَقَةِ الْجَارِيَةِ، وَأَتَاحَتْ لِي عَلَاقَتِي السَّيِّئَةُ بِهَا أَنْ أُقِيمَ مَعَ النَّاسِ حَيَاةً اجْتِمَاعِيَّةً نَامِيَةً، وَرُبَّمَا لَوْ تَزَوَّجْتُ غَيْرَهَا لَمْ يَتَحَقَّقْ لِي شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ)).

قَالَ: وَحَدَّثَنِي صَدِيقٌ آخَرُ قَالَ: ((إِنَّنِي مِنَ الْأَيَّامِ الْأُولَى لِزَوَاجِنَا لَمْ أَجِدْ فِي قَلْبِي مَيْلًا لِهَذِهِ الْمَرْأَةِ وَلَا حُبًّا لَهَا؛ وَلَكِنَّنِي عَاهَدْتُ اللهَ عَلَى أَنْ أَصْبِرَ عَلَيْهَا، وَلَا أَظْلِمَهَا، وَرَضِيتُ قِسْمَةَ اللهِ لِي، وَوَجَدْتُ الْخَيْرَ الْكَثِيرَ مِنَ الْمَالِ، وَالْوَلَدِ، وَالْأَمْنِ، وَالتَّوْفِيقِ)).

وَقَدْ كَانَ هَذَا مِنْ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ بِرِضًا دَاخِلِيٍّ، وَإِيثَارًا، كَانَ ذَلِكَ لِمَصْلَحَةٍ رَأَيَاهَا، وَلَمْ يَسْلُكَا هَذَا الْمَسْلَكَ لِأَنَّهُ فَرْضٌ عَلَيْهِمَا لَازِمٌ، فَحَقَّقَ اللهُ لَهُمَا الْخَيْرَ الْعَظِيمَ، وَمِنْ هَذَا الْخَيْرِ: الثَّوَابُ الْعَظِيمُ الَّذِي أَعَدَّهُ اللهُ لِلصَّابِرِينَ، وَكَذَلِكَ الْحُورُ الْعِينُ الَّتِي سَتَكُونُ لَهُمْ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ.

أَمَّا إِذَا أَرَادَ الْإِنْسَانُ الْعَافِيَةَ مِنَ الصَّبْرِ، وَأَرَادَ الْبَحْثَ عَنِ الْمُتْعَةِ وَالْهَنَاءَةِ وَالسَّعَادَةِ وَالصَّفَاءِ، وَوَجَدَ امْرَأَةً صَالِحَةً تُحَقِّقُ لَهُ فِي تَوَقُّعِهِ ذَلِكِ كُلَّهُ؛ فَلَيْسَ هُنَاكَ مَانِعٌ شَرْعِيٌّ أَنْ يَتَزَوَّجَ مِنْهَا، وَيَعْدِلُ بَيْنَ الزَّوْجَتَيْنِ بِمَا يَسْتَطِيعُ مِنْ وَسَائِلَ.

إِنَّ مَا مَضَى إِنَّمَا هُوَ حَثٌّ عَلَى التَّرَيُّثِ فِي شَأْنِ الطَّلَاقِ إِنْ كَرِهَ الرَّجُلُ مِنْ زَوْجَتِهِ شَيْئًا.

وَالْأَمْرُ لَا يَقِفُ عِنْدَ هَذَا الْحَدِّ، بَلْ إِذَا نَشَزَتِ الزَّوْجَةُ، فَارْتَفَعَتْ عَلَى زَوْجِهَا، وَخَالَفَتْ أَمْرَهُ، وَخَرَجَتْ عَنْ طَاعَتِهِ، وَلَمْ تَرْضَ بِالْمَنْزِلَةِ الَّتِي وَضَعَهَا اللهُ لَهَا؛ فَلَا يَنْبَغِي الْمُبَادَرَةُ إِلَى تَطْلِيقِهَا؛ ذَلِكَ أَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَتْرُكِ الْحَبْلَ عَلَى الْغَارِبِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَإِنَّمَا شَرَعَ مَا يُقَوِّمُ اعْوِجَاجَ الْمَرْأَةِ، وَمَا يُصْلِحُ عَيْبَهَا.

قَالَ تَعَالَى: {وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ} [النساء: 34].

((الطَّلَاقُ بَيْنَ الْإِفْرَاطِ وَالتَّفْرِيطِ))

عَلَى الرِّجَالِ أَنْ يُحْسِنُوا اخْتِيَارَ الزَّوْجَاتِ، ثُمَّ عَلَيْهِمْ أَنْ يَصْبِرُوا عَلَى التَّرْوِيضِ وَالتَّرْبِيَةِ، وَأَنْ يُعَامِلُوا زَوْجَاتِهِمْ بِالْحُسْنَى، وَأَنْ يُصْلِحُوا مَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ اللهِ؛ حَتَّى يُصْلِحَ لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ، وَأَزْوَاجَهُمْ، وَجَمِيعَ مَنْ يُعَاشِرُونَ.

وَإِذَا ثَبَتَ لَدَى الْأَزْوَاجِ اسْتِحَالَةُ اسْتِمْرَارِ الْحَيَاةِ الزَّوْجِيَّةِ؛ فَعَلَيْهِمْ أَلَّا يُؤْذُوا الزَّوْجَاتِ، وَأَلَّا يُهْلِكُوا أَنْفُسَهُمْ {إِنَّ اللهَ كَانَ بِهِمْ رَحِيمًا}.

إِنَّ الطَّلَاقَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْخُطْوَةَ الْأُولَى فِي حَسْمِ الْخِلَافِ، بَلْ هُنَاكَ خُطُوَاتٌ أُخْرَى يُلْجَأُ إِلَيْهَا.

فَإِذَا اسْتَمَرَّ الْحَالُ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنَ اسْتِحَالَةِ الْحَيَاةِ كَانَ الطَّلَاقُ الْخِيَارَ الْأَخِيرَ، وَلَعَلَّ الْخَيْرَ يَكُونُ لِلزَّوْجَيْنِ مَعًا بَعْدَ الطَّلَاقِ، كَيْفَ وَقَدْ قَالَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِّن سَعَتِهِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا}.

قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ -رَحِمَهُ اللهُ- فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ: ((وَقَدْ أَخْبَرَ -تَعَالَى- أَنَّهُمَا إِذَا تَفَرَّقَا فَإِنَّ اللهَ يُغْنِيهِ عَنْهَا، وَيُغْنِيهَا عَنْهُ؛ بِأَنْ يُعَوِّضَهُ عَنْهَا مَنْ هُوَ خَيْرٌ لَهُ مِنْهَا، وَيُعَوِّضَهَا عَنْهُ بِمَنْ هُوَ خَيْرٌ لَهَا مِنْهُ: {وَكَانَ اللهُ وَاسِعًا حَكِيمًا} أَيْ: وَاسِعَ الْفَضْلِ، عَظِيمَ الْمَنِّ، حَكِيمًا فِي جَمِيعِ أَفْعَالِهِ، وَأَقْدَارِهِ، وَشَرْعِهِ)).

وبِالْجُمْلَةِ؛ فَمَوْضُوعُ الطَّلَاقِ كَغَيْرِهِ مِنَ الْمَوْضُوعَاتِ الَّتِي تَقُومُ فِي حَيَاتِنَا بَيْنَ إِفْرَاطٍ وَتَفْرِيطٍ؛ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الطَّلَاقُ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ مَمْنُوعًا مَهْمَا كَانَ الْوَضْعُ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ أُلْعُوبَةً يُصَارُ إِلَيْهَا عِنْدَ أَدْنَى سَبَبٍ وَأَيْسَرِ نَزْوَةٍ.

أَسْأَلُ اللهَ -جَلَّ وَعَلَا- بِأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى وَصِفَاتِهِ الْمُثْلَى أَنْ يُصْلِحَ أَحْوَالَنَا، وَأَنْ يُصْلِحَ أَحْوَالَ الْمُسْلِمِينَ أَجْمَعِينَ، وَأَنْ يُصْلِحَ بُيُوتَ الْمُسْلِمِينَ، إِنَّهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- هُوَ الْبَرُّ الْكَرِيمُ، وَالْجَوَادُ الرَّحِيمُ.

وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّد، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ.

المصدر:مَخَاطِرُ الطَّلَاقِ

التعليقات


خطب مفرغة قد تعجبك


  مصر بين مطامع الأعداء وجحود الأبناء
  المخرج من الفتن
  الْقُدْسُ عَرَبِيَّةٌ إِسْلَامِيَّةٌ وَسَتَظَلُّ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى...
  الْحَجُّ بَيْنَ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَفِقْهِ الْمَنَاسِكِ
  فَضْلُ الدِّفَاعِ عَنِ الْأَوْطَانِ وَالْعَمَلُ عَلَى وَحْدَةِ صَفِّهَا
  ((دُرُوسٌ وَعِظَاتٌ مِنْ تَفْسِيرِ الْآيَاتِ)) ​((الدَّرْسُ السَّادِسُ: احْذَرُوا عَوَاقِبَ الذُّنُوبِ!))
  خَيْرِيَّةُ الْأُمَّةِ وَخَيْرِيَّةُ نَبِيِّهَا ﷺ
  الرد على الملحدين:تحديد الصلة بين المدنية الحديثة والإسلام، وبيان أن العلم الحديث قرآني في موضوعه
  عاشوراء والإخوان
  أهداف المجوس في المملكة السعودية
  • شارك

نبذة عن الموقع

موقع تفريغات العلامة رسلان ، موقع يحتوي على العشرات من الخطب والمحاضرات والمقاطع المفرغة لفضيلة الشيخ العلامة أبي عبدالله محمد بن سعيد رسلان-حفظه الله- . كما يعلن القائمون على صفحة وموقع تفريغات العلامة رسلان -حفظه الله- أن التفريغات للخطب ليست هي الشكل النهائي عند الطباعة، ولكن نحن نفرغ خطب الشيخ حفظه الله ونجتهد في نشرها ليستفيد منها طلاب العلم والدعاة على منهاج النبوة في كل أنحاء الدنيا، ونؤكد على أنَّ الخطب غير مُخرَّجة بشكل كامل كما يحدث في خطب الشيخ العلامة رسلان المطبوعة وليست الكتب المنشورة على الصفحة والموقع هي النسخة النهائية لكتب الشيخ التي تُطبع...وهذه الكتب ما هي إلا تفريغ لخطب الشيخ، غير أنَّ كتب الشيخ التي تُطبع تُراجع من الشيخ -حفظه الله- وتُخرج. والتفريغ عملٌ بشريٌ، ونحن نجتهد في مراجعة التفريغات مراجعة جيدة، فإذا وقع خطأ أو شكل الخطب كما نخرجها -إنما نُحاسب نحن عليها والخطأ يُنسب لنا وليس للشيخ -حفظه الله-.

الحقوق محفوظة لكل مسلم موقع تفريغات العلامة رسلان