الزَّارِعُ الْمُجِدُّ

الزَّارِعُ الْمُجِدُّ

((الزَّارِعُ الْمُجِدُّ))

إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ.

وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ.

أَمَّا بَعْدُ:

فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.

أَمَّا بَعْدُ:

((الزِّرَاعَةُ وَالنَّبَاتَاتُ وَالثِّمَارُ مِنْ نِعَمِ اللهِ الْعَظِيمَةِ))

فَإِنَّ مِنْ نِعَمِ اللهِ -تَعَالَى- عَلَى عِبَادِهِ: نِعْمَةَ الْأَرْضِ الَّتِي فَرَشَهَا الْخَالِقُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَجَعَلَهَا قَرَارًا، وَأَجْرَى فِي مَنَاكِبِهَا عُيُونًا وَأَنْهَارًا، فَأَنْبَتَتْ زُرُوعًا وَثِمَارًا بَعْدَ أَنْ أَرْسَلَ اللهُ السَّمَاءَ مِدْرَارًا.

وَلَا يُمْكِنُ لِلْإِنْسَانِ الَّذِي شَرَّفَهُ اللهُ بِاسْتِخْلَافِهِ فِي الْأَرْضِ، وَحَمَّلَهُ مَسْؤُولِيَّةَ عِمَارَتِهَا أَنْ يَعِيشَ فَوْقَهَا إِلَّا إِذَا قَامَ بِهَذِهِ الرِّسَالَةِ السَّامِيَةِ؛ وَذَلِكَ بِالْعَمَلِ الْمُتَوَاصِلِ عَلَى اسْتِخْرَاجِ كُنُوزِهَا وَخَيْرَاتِهَا، وَاسْتِغْلَالِ مَكْنُونَاتِهَا، وَهَذَا لَا يَتَأَتَّى لَهُ إِلَّا بِوَاسِطَةِ زِرَاعَتِهَا وَغَرْسِهَا بِجِدٍّ وَنَشَاطٍ دَائِمَيْنِ؛ لَعَلَّهُ يَقُومُ بِالْأَمَانَةِ الثَّقِيلَةِ الَّتِي حَمَلَهَا، وَهِيَ عِبَادَةُ اللهِ وَتَوْحِيدُهُ، وَسُلُوكُ السُّبُلِ الَّتِي تُعِينُهُ عَلَى عِبَادَةِ اللهِ، وَمِنْ ذَلِكَ: الْمَشْيُ وَالسَّعْيُ فِي أَرْجَاءِ الْأَرْضِ؛ بَحْثًا عَنِ الرِّزْقِ الَّذِي ضَمِنَهُ الْخَالِقُ -عَزَّ وَجَلَّ- لِلْمُشْتَغِلِينَ الْعَامِلِينَ السَّالِكِينَ مِنْهًا سُبُلًا فِجَاجًا.

 إِنَّ رَبَّكُمْ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا؛ لِتُسَهِّلَ حَيَاتَكُمْ عَلَيْهَا، وَالسَّمَاءَ مُحْكَمَةَ الْبِنَاءِ، وَأَنْزَلَ الْمَطَرَ مِنَ السَّحَابِ فَأَخْرَجَ لَكُمْ بِهِ مِنْ أَلْوَانِ الثَّمَرَاتِ وَأَنْوَاعِ النَّبَاتِ رِزْقًا لَكُمْ.

قَالَ تَعَالَى: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ} [البقرة: 22].

الَّذِي خَلَقَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا وَوِطَاءً مُذَلَّلًا، صَالِحَةً لِلسُّكْنَى وَالسَّعْيِ وَالْإِنْبَاتِ، وَجَعَلَ السَّمَاءَ سَقْفًا مَرْفُوعًا، تُشْرِقُ عَلَيْكُمْ شَمْسُهَا، وَتُضِيءُ كَوَاكِبُهَا، وَأَنْزَلَ مِنَ السَّحَابِ مَطَرًا؛ فَأَخْرَجَ بِذَلِكَ الْمَطَرِ مِنْ أَلْوَانِ الثَّمَرَاتِ وَأَصْنَافِ النَّبَاتَاتِ رِزْقًا لَكُمْ.

وَمِنَ الْآيَاتِ الَّتِي ذَكَّرَ اللهُ بِهَا عِبَادَهُ، وَلَفَتَ أَنْظَارَهُمْ إِلَى نِعْمَةِ الْأَرْضِ وَتَسْخِيرِهَا لَهُمْ بِإِعْدَادِهَا لِلزِّرَاعَةِ: قَوْلُهُ -تَعَالَى- فِي سُورَةِ الْمُلْكِ: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ ۖ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} [الملك: 15].

((هُوَ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْأَرْضَ وَذَلَّلَهَا؛ لِتَدْرُكُوا مِنْهَا كُلَّ مَا تَعَلَّقَتْ بِهِ حَاجَتُكُمْ؛ مِنْ غَرْسٍ، وَبِنَاءٍ، وَحَرْثٍ، وَطُرُقٍ يُتَوَصَّلُ بِهَا إِلَى الْأَقْطَارِ النَّائِيَةِ وَالْبُلْدَانِ الشَّاسِعَةِ؛ {فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا} أَيْ: لِطَلَبِ الرِّزْقِ وَالْمَكَاسِبِ.

{وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} أَيْ: بَعْدَ أَنْ تَنْتَقِلُوا مِنْ هَذِهِ الدَّارِ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ امْتِحَانًا، وَبُلْغَةً يُتَبَلَّغُ بِهَا إِلَى الدَّارِ الْآخِرَةِ.. تُبْعَثُونَ بَعْدَ مَوْتِكُمْ، وَتُحْشَرُونَ إِلَى اللَّهِ؛ لِيُجَازِيَكُمْ بِأَعْمَالِكُمُ الْحَسَنَةِ وَالسَّيِّئَةِ)).

اللهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مُنْقَادَةً سَهْلَةً مُطَوَّعَةً؛ تَحْرُثُونَهَا، وَتَزْرَعُونَهَا، وَتَسْتَخْرِجُونَ كُنُوزَهَا، وَتَنْتَفِعُونَ مِنْ طَاقَاتِهَا وَخَصَائِصِ عَنَاصِرِهَا؛ فَامْشُوا فِي جَوَانِبِهَا وَأَطْرَافِهَا وَنَوَاحِيهَا مَشْيًا رَفِيقًا لِتَحْصِيلِ مَطَالِبِ الْحَيَاةِ، وَكُلُوا مِمَّا خَلَقَهُ اللهُ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ، وَاكْتَسِبُوا الرِّزْقَ مِمَّا أَحَلَّ اللهُ -تَعَالَى- لَكُمْ، وَتَذَكَّرُوا يَوْمَ الْحِسَابِ، وَإِلَيْهِ وَحْدَهُ تُبْعَثُونَ مِنْ قُبُورِكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِلْحِسَابِ، وَفَصْلِ الْقَضَاءِ، وَتَنْفِيذِ الْجَزَاءِ.

((الزِّرَاعَةُ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ))

لَقَدْ وَرَدَتْ عِدَّةُ آيَاتٍ قُرْآنِيَّةٍ وَأَحَادِيثَ نَبَوِيَّةٍ تُبَيِّنُ نِعْمَةَ الزِّرَاعَةِ وَالْحِرَاثَةِ، وَأَهَمِّيَّتَهَا لِلْمُجْتَمَعِ، فَلَا شَكَّ أَنَّ الزِّرَاعَةَ تُمَثِّلُ فِي عَصْرِنَا إِحْدَى الرَّكَائِزِ الِاقْتِصَادِيَّةِ لِأَيِّ شَعْبٍ يَطْمَحُ فِي الِازْدِهَارِ الِاقْتِصَادِيِّ، وَزِيَادَةِ الدَّخْلِ الْوَطَنِيِّ، وَالِاكْتِفَاءِ الْغِذَائِيِّ الذَّاتِيِّ، مِنْ ذَلِكَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَىٰ طَعَامِهِ (24) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (25) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (26) فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (27) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (28) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (29) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (30) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (31) مَّتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ} [عبس: 24-32].

(({فَلْيَنْظُرِ الإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا} أَيْ: أَنْزَلْنَا الْمَطَرَ عَلَى الْأَرْضِ بِكَثْرَةٍ، {ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ} لِلنَّبَاتِ {شَقًّا فَأَنْبَتْنَا فِيهَا} أَصْنَافًا مُصَنَّفَةً مِنْ أَنْوَاعِ الْأَطْعِمَةِ اللَّذِيذَةِ وَالْأَقْوَاتِ الشَّهِيَّةِ {حَبًّا}: وَهَذَا شَامِلٌ لِسَائِرِ الْحُبُوبِ عَلَى اخْتِلَافِ أَصْنَافِهَا، {وَعِنَبًا وَقَضْبًا} وَهُوَ الْقَتُّ، {وَزَيْتُونًا وَنَخْلا}، وَخَصَّ هَذِهِ الْأَرْبَعَةَ لِكَثْرَةِ فَوَائِدِهَا وَمَنَافِعِهَا.

{وَحَدَائِقَ غُلْبًا} أَيْ: بَسَاتِينَ فِيهَا الْأَشْجَارُ الْكَثِيرَةُ الْمُلْتَفَّةُ، {وَفَاكِهَةً وَأَبًّا} الْفَاكِهَةُ: مَا يَتَفَكَّهُ فِيهِ الْإِنْسَانُ مِنْ تِينٍ، وَعِنَبٍ، وَخَوْخٍ، وَرُمَّانٍ، وَغَيْرِ ذَلِكَ.

وَالْأَبُّ: مَا تَأْكُلُهُ الْبَهَائِمُ وَالْأَنْعَامُ؛ وَلِهَذَا قَالَ: {مَتَاعًا لَكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ} الَّتِي خَلَقَهَا اللَّهُ وَسَخَّرَهَا لَكُمْ، فَمَنْ نَظَرَ فِي هَذِهِ النِّعَمِ أَوْجَبَ لَهُ ذَلِكَ شُكْرَ رَبِّهِ، وَبَذْلَ الْجُهْدِ فِي الْإِنَابَةِ إِلَيْهِ، وَالْإِقْبَالِ عَلَى طَاعَتِهِ، وَالتَّصْدِيقِ بِأَخْبَارِهِ)).

وَمِمَّا وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ مِنَ التَّنْوِيهِ إِلَى الزِّرَاعَةِ وَأَهَمِّيَّتِهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَالْأَرْضَ ‌فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ} [الذاريات: 48].

وَبَسَطْنَا الْأَرْضَ وَمَهَّدْنَاهَا لَكُمْ، فَنِعْمَ الْمُسَوُّونَ الْمُصْلِحُونَ لِهَذِهِ الْمُنْبَسَطَاتِ مِنَ الْأَرْضِ؛ عِنَايَةً مِنَّا لِمَصَالِحِ النَّاسِ.

الزِّرَاعَةُ مِهْنَةٌ مِنْ أَجَلِّ الْمِهَنِ، وَآيَةٌ مِنْ آيَاتِ اللهِ، وَسَبِيلٌ لِتَرْسِيخِ الْإِيمَانِ فِي الْقُلُوبِ، وَدَلِيلٌ عَلَى وَحْدَانِيَّةِ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ-؛ يَقُولُ اللهُ -سُبْحَانَهُ-: {أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ (63) أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ} [الواقعة: 63-64].

((وَهَذَا امْتِنَانٌ مِنْهُ عَلَى عِبَادِهِ، يَدْعُوهُمْ بِهِ إِلَى تَوْحِيدِهِ وَعِبَادَتِهِ وَالْإِنَابَةِ إِلَيْهِ؛ حَيْثُ أَنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِمَا يَسَّرَهُ لَهُمْ مِنَ الْحَرْثِ لِلزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ، فَتَخْرُجُ مِنْ ذَلِكَ مِنَ الْأَقْوَاتِ وَالْأَرْزَاقِ وَالْفَوَاكِهِ مَا هُوَ مِنْ ضَرُورَاتِهِمْ وَحَاجَاتِهِمْ وَمَصَالِحِهِمُ الَّتِي لَا يَقْدِرُونَ أَنْ يُحْصُوهَا؛ فَضْلًا عَنْ شُكْرِهَا وَأَدَاءِ حَقِّهَا، فَقَرَّرَهُمْ بِمِنَّتِهِ، فَقَالَ: {أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ} أَيْ: أَأَنْتُمْ أَخْرَجْتُمُوهُ نَبَاتًا مِنَ الْأَرْضِ؟!!

أَمْ أَنْتُمُ الَّذِينَ نَمَّيْتُمُوهُ؟!!

أَمْ أَنْتُمُ الَّذِينَ أَخْرَجْتُمْ سُنْبُلَهُ وَثَمَرَهُ حَتَّى صَارَ حَبًّا حَصِيدًا وَثَمَرًا نَضِيجًا؟!!

أَمِ اللَّهُ الَّذِي انْفَرَدَ بِذَلِكَ وَحْدَهُ، وَأَنْعَمَ بِهِ عَلَيْكُمْ؟!! وَأَنْتُمْ غَايَةُ مَا تَفْعَلُونَ أَنْ تَحْرُثُوا الْأَرْضَ، وَتَشُقُّوهَا، وَتُلْقُوا فِيهَا الْبِذْرَ، ثُمَّ لَا عِلْمَ عِنْدَكُمْ بِمَا يَكُونُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَلَا قُدْرَةَ لَكُمْ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَمَعَ ذَلِكَ فَنَبَّهَهُمْ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الْحَرْثَ مُعَرَّضٌ لِلْأَخْطَارِ لَوْلَا حَفِظُ اللَّهِ وَإِبْقَاؤُهُ لَكُمْ بُلْغَةً وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ)).

إِنَّ اخْتِلَافَ أَلْوَانِ الزَّرْعِ وَأَشْكَالِهِ وَطُعُومِهِ عِبَرٌ وَآيَاتٌ يُسْتَدَلُّ بِهَا عَلَى رَحْمَةِ اللَّهِ، وَسِعَةِ إِحْسَانِهِ وَجُودِهِ، وَكَمَالِ اقْتِدَارِهِ وَعِنَايَتِهِ بِعِبَادِهِ، يَقُولُ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ-: {وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُّتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ ۗ انظُرُوا إِلَىٰ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكُمْ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [الأنعام: 99].

اللهُ وَحْدَهُ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ الْمَطَرَ مِنَ السَّحَابِ، فَأَخْرَجْنَا بِهِ كُلَّ شَيْءٍ يَنْبُتُ وَيَنْمُو مِنْ جَمِيعِ أَصْنَافِ النَّبَاتَاتِ، فَأَخْرَجْنَا مِنَ النَّبَاتِ زَرْعًا غَضًّا أَخْضَرَ، نُخْرِجُ مِنَ الْخَضِرِ سَنَابِلَ فِيهَا الْحَبُّ يَرْكَبُ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ؛ كَالْقَمْحِ، وَالشَّعِيرِ، وَسَائِرِ الْحُبُوبِ، وَنُخْرِجُ مِنْ طَلْعِ النَّخْلِ -وَهُوَ أَوَّلُ مَا يَبْدُو وَيَخْرُجُ مِنْ ثَمَرِ النَّخْلِ- نُخْرِجُ مِنْ طَلْعِ النَّخْلِ عُذُوقًا قَرِيبَةَ التَّنَاوُلِ، وَأَخْرَجْنَا مِنْ ذَلِكَ الْخَضِرِ بَسَاتِينَ مِنْ أَشْجَارِ أَعْنَابٍ، وَأَخْرَجْنَا شَجَرَ الزَّيْتُونِ وَشَجَرَ الرُّمَّانِ وَثِمَارَهُمَا، وَمَا فِي ذَلِكَ مِنْ مُخْتَلِفَاتٍ مُشْتَبِهَةِ الصِّفَاتِ وَالْخَصَائِصِ وَالطُّعُومِ وَالْأَلْوَانِ، وَهَذَا فِي أَصْنَافِ النَّوْعِ الْوَاحِدِ؛ كَأَصْنَافِ الزَّيْتُونِ وَالرُّمَّانِ، وَمُخْتَلِفَاتٍ أُخْرَى غَيْرِ مُتَشَابِهَةٍ فِي خَصَائِصِهَا وَطُعُومِهَا وَأَلْوَانِهَا.

انْظُرُوا -أَيُّهَا النَّاسُ- نَظَرَ اسْتِدْلَالٍ وَاسْتِبْصَارٍ إِلَى ثَمَرِهِ أَوَّلَ مَا يَخْرُجُ ضَعِيفًا لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ، وَانْظُرُوا إِلَى حَالِ نُضْجِهِ وَإِدْرَاكِهِ كَيْفَ يَعُودُ شَيْئًا قَوِيًّا بَعْدَ الضَّعْفِ جَامِعًا لِمَنَافِعَ شَتَّى؛ إِنَّ فِي ذَلِكَ الَّذِي نَبَّهَ إِلَيْهِ -سُبْحَانَهُ- مِنْ آيَاتِهِ الْكَوْنِيَّةِ لَعَلَامَاتٍ جَلِيَّاتٍ لِقَوْمٍ لَدَيْهِمْ الِاسْتِعْدَادُ لِأَنْ يُؤْمِنُوا وَيُسْلِمُوا.

وَقَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ ۚ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [الرعد: 4].

وَفِي الْأَرْضِ بِقَاعٌ مُتَقَارِبَاتٌ مُتَلَاصِقَاتٌ مُخْتَلِفَةُ الطِّبَاعِ وَالصِّفَاتِ، وَفِيهَا بَسَاتِينُ مِنْ أَعْنَابٍ، وَفِيهَا زَرْعٌ مُخْتَلِفُ الْأَصْنَافِ وَالطُّعُومِ وَالْخَصَائِصِ، وَنَخْلَاتٌ يَجْتَمِعْنَ مِنْ أَصْلٍ وَاحِدٍ، وَنَخْلَاتٌ مُنْفَرِدَاتٌ بِأَصْلِهَا، تُسْقَى أَشْجَارُ الْبَسَاتِينِ وَزُرُوعُهَا بِمَاءٍ وَاحِدٍ، وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الطَّعْمِ وَالْفَائِدَةِ وَكَمِّيَّةِ الْغِذَاءِ.

إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعَلَامَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْتَعْمِلُونَ عُقُولَهُمُ الَّتِي وَهَبَهُمُ اللهُ إِيَّاهَا فِي التَّأَمُّلِ وَالْبَحْثِ عَنْ حَقَائِقِ الْأُمُورِ.

وَقَالَ تَعَالَى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ * يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالاَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل: 10- 11].

وَاللهُ الَّذِي خَلَقَ جَمِيعَ الْأَشْيَاءِ، وَالَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّحَابِ مَاءً حُلْوًا طَهُورًا نَافِعًا، لَكُمْ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ شَرَابٌ تَشْرَبُونَهُ، وَلَكُمْ -أَيُّهَا النَّاسُ- مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ شَجَرٌ يَكُونُ الْمَاءُ سَبَبًا فِي نَبَاتِهِ وَنَمَائِهِ، فَأَنْتُمْ فِيهِ تُطْلِقُونَ أَنْعَامَكُمُ السَّائِمَةَ تَرْعَى مِنْ أَشْجَارِ الْأَرْضِ وَنَبَاتِهَا.

يُنْبِتُ اللهُ لَكُمْ بِذَلِكَ الْمَاءِ الْحَبَّ الَّذِي يُقْتَاتُ بِهِ، وَالزَّيْتُونَ، وَالنَّخِيلَ، وَالْأَعْنَابَ، وَمِنْ سَائِرِ الثَّمَرَاتِ.

إِنَّ فِي ظَاهِرَةِ الْمَطَرِ وَمَا فِيهِ مِنْ شَرَابٍ لِلنَّاسِ، وَإِنْبَاتِ أَنْوَاعِ الثِّمَارِ لَعَلَامَةً دَالَّةً عَلَى قُدْرَتِنَا، وَشُمُولِ عِلْمِنَا، وَعَظِيمِ حِكْمَتِنَا لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ فِي دَلَائِلِ قُدْرَتِنَا، وَعَظِيمِ نِعَمِنَا عَلَى عِبَادِنَا.

وَقَالَ تَعَالَى: {وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأنعام: 141].

(({وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ} أَيْ: بَسَاتِينَ فِيهَا أَنْوَاعُ الْأَشْجَارِ الْمُتَنَوِّعَةِ وَالنَّبَاتَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ {مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ} أَيْ: بَعْضُ تِلْكَ الْجَنَّاتِ مَجْعُولٌ لَهَا عَرِيشٌ تَنْتَشِرُ عَلَيْهِ الْأَشْجَارُ، وَيُعَاوِنُهَا فِي النُّهُوضِ عَنِ الْأَرْضِ، وَبَعْضُهَا خَالٍ مِنَ الْعُرُوشِ، تَنْبُتُ عَلَى سَاقٍ، أَوْ تَنْفَرِشُ فِي الْأَرْضِ، وَفِي هَذَا تَنْبِيهٌ عَلَى كَثْرَةِ مَنَافِعِهَا وَخَيْرَاتِهَا، وَأَنَّهُ -تَعَالَى- عَلَّمَ الْعِبَادَ كَيْفَ يَعْرِشُونَهَا وَيُنَمُّونَهَا.

وَأَنْشَأَ تَعَالَى {النَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ} أَيْ: كُلُّهُ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ، وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ وَاحِدٍ، وَيُفَضِّلُ اللَّهُ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ.

وَخَصَّ -تَعَالَى- النَّخْلَ وَالزَّرْعَ عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهِ؛ لِكَثْرَةِ مَنَافِعِهَا، وَلِكَوْنِهَا هِيَ الْقُوتَ لِأَكْثَرِ الْخَلْقِ.

وَأَنْشَأَ -تَعَالَى- {الزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا} فِي شَجَرِهِ، وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ فِي ثَمَرِهِ وَطَعْمِهِ، كَأَنَّهُ قِيلَ: لِأَيِّ شَيْءٍ أَنْشَأَ اللَّهُ هَذِهِ الْجَنَّاتِ وَمَا عَطَفَ عَلَيْهَا؟

فَأَخْبَرَ أَنَّهُ أَنْشَأَهَا لِمَنَافِعِ الْعِبَادِ، فَقَالَ: {كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ} أَيِ: النَّخْلِ وَالزَّرْعِ إِذَا أَثْمَرَ، {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} أَيْ: أَعْطُوا حَقَّ الزَّرْعِ، وَهُوَ الزَّكَاةُ ذَاتُ الْأَنْصِبَاءِ الْمُقَدَّرَةِ فِي الشَّرْعِ، أَمَرَهُمْ أَنْ يُعْطُوهَا يَوْمَ حَصَادِهَا؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ حَصَادَ الزَّرْعِ بِمَنْزِلَةِ حَوَلَانِ الْحَوْلِ؛ لِأَنَّهُ الْوَقْتُ الَّذِي تَتَشَوَّفُ إِلَيْهِ نُفُوسُ الْفُقَرَاءِ، وَيَسْهُلُ -حِينَئِذٍ- إِخْرَاجُهُ عَلَى أَهْلِ الزَّرْعِ، وَيَكُونُ الْأَمْرُ فِيهَا ظَاهِرًا لِمَنْ أَخْرَجَهَا؛ حَتَّى يَتَمَيَّزَ الْمُخْرِجُ مِمَّنْ لَا يُخْرِجُ.

وَقَوْلُهُ: {وَلا تُسْرِفُوا} يَعُمُّ النَّهْيَ عَنِ الْإِسْرَافِ فِي الْأَكْلِ، وَهُوَ: مُجَاوَزَةُ الْحَدِّ وَالْعَادَةِ، وَأَنْ يَأْكُلَ صَاحِبُ الزَّرْعِ أَكْلًا يَضُرُّ بِالزَّكَاةِ، وَالْإِسْرَافُ فِي إِخْرَاجِ حَقِّ  الزَّرْعِ بِحَيْثُ يُخْرِجُ فَوْقَ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ، وَيَضُرُّ نَفْسَهُ، أَوْ عَائِلَتَهُ، أَوْ غُرَمَاءَهُ؛ فَكُلُّ هَذَا مِنَ الْإِسْرَافِ الَّذِي نَهَى اللَّهُ عَنْهُ، الَّذِي لَا يُحِبُّهُ اللَّهُ؛ بَلْ يَبْغَضُهُ وَيَمْقُتُ عَلَيْهِ.

وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الثِّمَارِ، وَأَنَّهُ لَا حَوْلَ لَهَا، بَلْ حَوْلُهَا حَصَادُهَا فِي الزُّرُوعِ، وَجِذَاذُ النَّخِيلِ، وَأَنَّهُ لَا تَتَكَرَّرُ فِيهَا الزَّكَاةُ لَوْ مَكَثَتْ عِنْدَ الْعَبْدِ أَحْوَالًا كَثِيرَةً إِذَا كَانَتْ لِغَيْرِ التِّجَارَةِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْمُرْ بِالْإِخْرَاجِ مِنْهُ إِلَّا وَقْتَ حَصَادِهِ.

وَأَنَّهُ لَوْ أَصَابَتْهَا آفَةٌ قَبْلَ ذَلِكَ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ مِنْ صَاحِبِ الزَّرْعِ وَالثَّمَرِ؛ أَنَّهُ لَا يَضْمَنُهَا، وَأَنَّهُ يَجُوزُ الْأَكْلُ مِنَ النَّخْلِ وَالزَّرْعِ قَبْلَ إِخْرَاجِ الزَّكَاةِ مِنْهُ، وَأَنَّهُ لَا يُحْسَبُ ذَلِكَ مِنَ الزَّكَاةِ، بَلْ يُزَكِّي الْمَالَ الَّذِي يَبْقَى بَعْدَهُ.

وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَبْعَثُ خَارِصًا يَخْرُصُ لِلنَّاسِ ثِمَارَهُمْ، وَيَأْمُرُهُ أَنْ يَدَعَ لِأَهْلِهَا الثُّلُثَ، أَوِ الرُّبُعَ، بِحَسْبِ مَا يَعْتَرِيهَا مِنَ الْأَكْلِ وَغَيْرِهِ، مِنْ أَهْلِهَا وَغَيْرِهِمْ)).

وَأَخْبَرَنَا اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- أَنَّهُ -سُبْحَانَهُ- إِنَّمَا أَجْرَى الْعُيُونَ وَالْيَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ؛ لِتُسْقَى بِهَا الْأَرَاضِي الزِّرَاعِيَّةُ، ثُمَّ يُجْنَى مِنْ ثَمَرَاتِهَا، وَيُنْتَفَعُ بِغَلَّاتِهَا، وَقَدْ ذَكَرَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا- ذَلِكَ فِي صَدَدِ الِامْتِنَانِ عَلَى الْبَشَرِ وَتَذْكِيرِهِمْ بِالنِّعْمَةِ.

وَشُكْرُ نِعْمَةِ الْأَرْضِ الَّتِي فَرَشَهَا الْخَالِقُ تَحْتَ أَرْجُلِنَا، وَأَجْرَى فِي جَنَبَاتِهَا الْعُيُونَ وَالْآبَارَ الْقَرِيبَةَ مِنْ مُتَنَاوَلِ أَيْدِينَا إِنَّمَا يَكُونُ بِالْحَرْثِ، وَالسَّقْيِ، وَالزَّرْعِ، وَالْغَرْسِ، مَعَ اسْتِعْمَالِ جَمِيعِ الْوَسَائِلِ الْعَصْرِيَّةِ؛ حَتَّى تُعْطِيَ إِنْتَاجَهَا أَطْيَبَ، وَمَحْصُولًا أَغْزَرَ وَأَكْثَرَ، وَكَذَلِكَ زَكَاةُ مَا تُنْبِتُهُ مِنْهَا، قَالَ تَعَالَى: {وَآيَةٌ لَّهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (33) وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (34) لِيَأْكُلُوا مِن ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ ۖ أَفَلَا يَشْكُرُونَ} [يس: 33-35].

وَحُجَّةٌ بُرْهَانِيَّةٌ لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ تَدُلُّهُمْ عَلَى كَمَالِ قُدْرَتِنَا عَلَى إِحْيَاءِ الْمَوْتَى؛ هَذِهِ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا بِالْمَطَرِ، وَأَخْرَجْنَا مِنَ الْأَرْضِ الَّتِي أَحْيَيْنَاهَا حَبًّا مِنْ مُخْتَلَفِ الْأَجْنَاسِ وَالْأَنْوَاعِ؛ فَمِنْهُ يَأْكُلُ النَّاسُ.

وَخَلَقْنَا فِي الْأَرْضِ بَسَاتِينَ مِنْ نَخْلٍ مُثْمِرٍ وَغَيْرِ مُثْمِرٍ، وَأَعْنَابٍ، وَأَخْرَجْنَا فِيهَا مُتَدَفِّقًا بِقُوَّةٍ مِنْ بَعْضِ عُيُونِ الْمَاءِ مَا يَرْوِي شَجَرَهَا، وَيُخْرِجُ ثَمَرَهَا؛ لِيَأْكُلُوا مِنْ بَعْضِ ثَمَرِ شَجَرِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ وَسَائِرِ الشَّجَرِ، وَلِيَأْكُلُوا وَلِيَنْتَفِعُوا مِمَّا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ بِالتَّصْنِيعِ؛ مِنَ الْغَرْسِ، وَالسَّقْيِ، وَالتَّلْقِيحِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَعْمَالِ؛ أَفَلَا يَشْكُرُونَ نِعَمَ اللهِ -تَعَالَى- الْكَثِيرَةَ؟!! إِنَّ عَدَمَ شُكْرِهِمْ رَبَّهُمْ عَلَى فُيُوضَاتِ نِعَمِهِ عَلَيْهِمْ لَأَمْرٌ مُسْتَنْكَرٌ جِدًّا؛ يَدْعُو إِلَى اشْمِئْزَازِ ذَوِي النُّفُوسِ السَّوِيَّةِ الرَّشِيدَةِ.

وَكَمَا كَثُرَ ذِكْرُ الزِّرَاعَةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ تَكَرَّرَ ذِكْرُهَا فِي سُنَّةِ النَّبِيِّ ﷺ؛ فَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا إِلَّا كَانَ مَا أُكِلَ مِنْهُ لَهُ صَدَقَةً، وَمَا سُرِقَ مِنْهُ لَهُ صَدَقَةً، وَلَا يَرْزَؤُهُ أَحَدٌ إِلَّا كَانَ لَهُ صَدَقَةً)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ .

وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: ((لَا يَغْرِسُ مُسْلِمٌ غَرْسًا وَلَا يَزْرَعُ زَرْعًا فَيَأْكُلُ مِنْهُ إِنْسَانٌ وَلَا دَابَّةٌ وَلَا شَيْءٌ إِلَّا كَانَتْ لَهُ صَدَقَةٌ)).

 فِي هَذَا الْحَدِيثِ: حَثٌّ عَلَى الزَّرْعِ وَعَلَى الْغَرْسِ، وَأَنَّ الزَّرْعَ وَالْغَرْسَ فِيهِ الْخَيْرُ الْكَثِيرُ، فِيهِ مَصْلَحَةٌ فِي الدِّينِ، وَمَصْلَحَةٌ فِي الدُّنْيَا.

أَمَّا مَصْلَحَةُ الدُّنْيَا: فَمَا يَحْصُلُ فِيهِ مِنْ إِنْتَاجٍ، وَمَصْلَحَةُ الْغَرْسِ وَالزَّرْعِ لَيْسَتْ كَمَصْلَحَةِ الدَّرَاهِمِ وَالنُّقُودِ؛ لِأَنَّ الزَّرْعَ وَالْغَرْسَ يَنْفَعُ نَفْسَ الزَّارِعِ وَالْغَارِسِ، وَيَنْفَعُ الْبَلَدَ كُلَّهُ، كُلُّ النَّاسِ يَنْتَفِعُونَ مِنْهُ بِشِرَاءِ الثَّمَرِ، وَشِرَاءِ الْحَبِّ، وَالْأَكْلِ مِنْهُ، وَيَكُونُ فِي هَذَا نُمُوٌّ لِلْمُجْتَمَعِ، وَتَكْثِيرٌ لِخَيْرَاتِهِ، بِخِلَافِ الدَّرَاهِمِ الَّتِي تُوضَعُ فِي الصَّنَادِيقِ وَلَا يَنْتَفِعُ بِهَا أَحَدٌ.

أَمَّا الْمَنَافِعُ الدِّينِيَّةُ: فَإِنَّهُ إِنْ أَكَلَ مِنْهُ طَيْرُ عُصْفُورٍ، أَوْ حَمَامَةٍ، أَوْ دَجَاجَةٍ، أَوْ غَيْرِهَا وَلَوْ حَبَّةً وَاحِدَةً فَإِنَّهُ لَهُ صَدَقَةٌ؛ سَوَاءٌ شَاءَ ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَشَأْ؛ حَتَّى لَوْ فُرِضَ أَنَّ الْإِنْسَانَ حِينَ زَرَعَ أَوْ حِينَ غَرَسَ لَمْ يَكُنْ بِبَالِهِ هَذَا الْأَمْرُ؛ فَإِنَّهُ إِذَا أُكِلَ مِنْهُ كَانَ لَهُ صَدَقَةً.

أَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ؛ لَوْ سَرَقَ مِنْهُ سَارِقٌ؛ كَمَا لَوْ جَاءَ شَخْصٌ -مَثَلًا- إِلَى نَخْلٍ وَسَرَقَ مِنْهُ تَمْرًا فَإِنَّ لَهُ فِي ذَلِكَ أَجْرًا، مَعَ أَنَّهُ لَوْ عَلِمَ بِهَذَا السَّارِقِ لَشَكَاهُ إِلَى الْمَحْكَمَةِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّ اللهَ -تَعَالَى- يَكْتُبُ لَهُ بِهَذِهِ السَّرِقَةِ صَدَقَةً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.

كَذَلِكَ -أَيْضًا- إِذَا أَكَلَ مِنْ هَذَا الزَّرْعِ دَوَابُّ الْأَرْضِ وَهَوَامُّهَا كَانَ لِصَاحِبِهِ صَدَقَةً.

فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ: دَلَالَةٌ وَاضِحَةٌ عَلَى حَثِّ النَّبِيِّ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- عَلَى الزَّرْعِ وَعَلَى الْغَرْسِ؛ لِمَا فِيهِ مِنَ الْمَصْلَحَةِ الدِّينِيَّةِ، وَالْمَصَالِحِ الدُّنْيَوِيَّةِ .

وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى كَثْرَةِ طُرُقِ الْخَيْرِ؛ فَإِنَّ لِصَاحِبِهِ أَجْرًا، وَلَهُ فِيهِ الْخَيْرُ؛ سَوَاءٌ نَوَى أَوْ لَمْ يَنْوِ، وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا}.

فَذَكَرَ اللهُ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- أَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ فِيهَا خَيْرٌ؛ سَوَاءٌ نَوَيْتَ أَوْ لَمْ تَنْوِ، مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ فَهُوَ خَيْرٌ وَمَعْرُوفٌ؛ نَوَى أَمْ لَمْ يَنْوِ، فَإِنْ نَوَى بِذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللهِ فَإِنَّ اللهَ يَقُولُ: {فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا}.

وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَصَالِحَ وَالْمَنَافِعَ إِذَا انْتَفَعَ النَّاسُ بِهَا كَانَتْ خَيْرًا لِصَاحِبِهَا وَأَجْرًا وَإِنْ لَمْ يَنْوِ، فَإِنْ نَوَى زَادَ خَيْرًا عَلَى خَيْرٍ، وَآتَاهُ اللهُ -تَعَالَى- مِنْ فَضْلِهِ أَجْرًا عَظِيمًا)).

((فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ مِنْ جُمْلَةِ الْأَحَادِيثِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ تَكُونَ لَهُ هِمَّةٌ عَالِيَةٌ، وَأَنْ يَسْتَكْثِرَ مِنَ الْخَيْرَاتِ وَالْأَعْمَالِ الصَّالِحَاتِ، وَأَلَّا يَرْغَبَ بِالْأَقَلِّ، بَلْ يَجْتَهِدُ فِي الِاسْتِكْثَارِ مِنَ الْخَيْرَاتِ، وَمُسَارَعَةٍ إِلَى الطَّاعَاتِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَزِيدُ فِي ثَوَابِهِ وَأَجْرِهِ وَرِفْعَةِ دَرَجَاتِهِ؛ فَيَنْبَغِي لَهُ الِاسْتِكْثَارُ مِنْ كُلِّ خَيْرٍ؛ وَلِهَذَا بَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ لِلْأُمَّةِ هَذَا الْمَعْنَى، وَأَرْشَدَهُمْ إِلَى أَسْبَابِ الْخَيْرِ؛ حَتَّى لَا يَضْعُفُوا وَيَكْسَلُوا، وَمِنْ ذَلِكَ: قَوْلُهُ ﷺ: ((مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا فَتَأْكُلُ مِنْهُ دَابَّةٌ أَوْ طَيْرٌ أَوْ إِنْسَانٌ إِلَّا كَانَ لَهُ صَدَقَةً))، وَفِي اللَّفْظِ الْآخَرِ: ((فَيُرْزَأُ بِشَيْءٍ، أَوْ يُسْرَقُ مِنْهُ شَيْءٌ إِلَّا كَانَ لَهُ صَدَقَةً)).

فَيَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ تَكُونَ لَهُ هِمَّةٌ عَالِيَةٌ وَنِيَّةٌ طَيِّبَةٌ فِي كُلِّ أَعْمَالِهِ؛ زِرَاعَةٍ، غِرَاسَةٍ، سَقْيِ مَاءٍ، أَيُّ شَيْءٍ يَنْفَعُ النَّاسَ تَكُونُ لَهُ فِيهِ نِيَّةٌ صَالِحَةٌ يَرْجُو فِيهَا ثَوَابَ اللهِ؛ كَالزَّرْعِ وَالْغَرْسِ)).

وَمِنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي ذَكَرَ فِيهَا النَّبِيُّ ﷺ الزِّرَاعَةَ؛ حَدِيثُ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- قَالَ: كُنَّا فِي زَمَانِ رَسُولِ اللهِ ﷺ نَأْخُذُ الأرْضَ بالثُّلُثِ أَوِ الرُّبُعِ بالمَاذِيَانَاتِ، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ في ذلكَ فَقالَ: ((مَنْ كَانَتْ له أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا، فإنْ لَمْ يَزْرَعْهَا فَلْيَمْنَحْهَا أَخَاهُ، فإنْ لَمْ يَمْنَحْهَا أَخَاهُ فَلْيُمْسِكْهَا)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((بَيْنَا رَجُلٌ بِفَلَاةٍ مِنَ الْأَرْضِ، فَسَمِعَ صَوْتًا في سَحَابَةٍ: اسْقِ حَدِيقَةَ فُلَانٍ، فَتَنَحَّى ذَلِكَ السَّحَابُ، فَأَفْرَغَ مَاءَهُ فِي حَرَّةٍ -وَالْحَرَّةُ: أَرْضٌ مُلَبَّسَةٌ بِحِجَارَةٍ سَوْدَاءَ-، فَإِذَا شَرْجَةٌ مِنْ تِلْكَ الشِّرَاجِ -وَالشَّرْجَةُ: هِيَ مَسَايِلُ الْمَاءِ فِي الْحِرَارِ- قَدِ اسْتَوْعَبَتْ ذَلِكَ الْمَاءَ كُلَّهُ، فَتَتَبَّعَ الْمَاءَ، فَإِذَا رَجُلٌ قَائِمٌ فِي حَدِيقَتِهِ يُحَوِّلُ الْمَاءَ بِمِسْحَاتِهِ، فَقَالَ لَهُ: يَا عَبْدَ اللهِ! مَا اسْمُكَ؟

قَالَ: فُلَانٌ، لِلِاسْمِ الَّذِي سَمِعَ فِي السَّحَابَةِ.

فَقَالَ لَهُ: يَا عَبْدَ اللهِ! لِمَ تَسْأَلُنِي عَنِ اسْمِي؟

قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ صَوْتًا فِي السَّحَابِ الَّذِي هَذَا مَاؤُهُ يَقُولُ: اسْقِ حَدِيقَةَ فُلَانٍ، لِاسْمِكَ؛ فَمَا تَصْنَعُ فِيهَا؟!!

قَالَ: أَمَا إِذْ قُلْتَ هَذَا فَإِنِّي أَنْظُرُ إِلَى مَا يَخْرُجُ مِنْهَا، فَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثِهِ، وَآكُلُ أَنَا وَعِيَالِي ثُلُثًا، وَأَرُدُّ فِيهَا ثُلُثَهُ)).

وَفِي لَفْظٍ: ((وَأَجْعَلُ ثُلُثَهُ فِي الْمَسَاكِينِ، وَالسَّائِلِينَ، وَابْنِ السَّبِيلِ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

وَمِنْ دَلَائِلِ أَهَمِّيَّةِ الزِّرَاعَةِ وَالْغِرَاسَةِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَعَلَ مِنَ الْأَعْمَالِ الَّتِي يَجْرِي ثَوَابُهَا عَلَى الْعَبْدِ بَعْدَ مَوْتِهِ: غَرْسَ النَّخْلِ؛ فَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «سَبْعٌ تَجْرِي لِلْعَبْدِ بَعْدَ مَوْتِهِ وَهُوَ فِي قَبْرِهِ: مَنْ عَلَّمَ عِلْمًا، أَوْ كَرَى نَهْرًا، أَوْ حَفَرَ بِئْرًا، أَوْ غَرَسَ نَخْلًا، أَوْ بَنَى مَسْجِدًا، أَوْ وَرَّثَ مُصْحَفًا، أَوْ تَرَكَ وَلَدًا يَسْتَغْفِرُ لَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ». رَوَاهُ الْبَزَّارُ، وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي «الْحِلْيَةِ»، وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ لِغَيْرِهِ.

((الزَّارِعُ الْمُجِدُّ))

لَقَدْ حَثَّ النَّبِيُّ ﷺ الْمُسْلِمَ عَلَى الْعَمَلِ، وَحَثَّهُ عَلَى الزِّرَاعَةِ وَالْغِرَاسِ، وَأَنَّ الْمُؤْمِنَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ ذَا عَمَلٍ، لَيْسَ ذَا بَطَالَةٍ وَكَسَلٍ كَمَا يَفْعَلُ بَعْضُ النَّاسِ، يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَكُونَ ذَا عَمَلٍ، ذَا نَشَاطٍ، ذَا هِمَّةٍ فِي الزِّرَاعَةِ، فِي غَرْسِ الْأَشْجَارِ، فِي أَنْوَاعِ الْمَكَاسِبِ؛ مِنْ نِجَارَةٍ، مِنْ حِدَادَةٍ، مِنْ غِرَاسَةٍ، مِنْ كِتَابَةٍ، مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ؛ فَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَفِي يَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ؛ فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَلَّا تَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَغْرِسْهَا». وَالْحَدِيثُ صَحِيحٌ، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ.

وَ«فَسِيلَةٌ»: هِيَ النَّخْلَةُ الصَّغِيرَةُ.

هَذَا فِيهِ مُبَالَغَةٌ فِي الْحَثِّ عَلَى غَرْسِ الْأَشْجَارِ وَحَفْرِ الْأَنْهَارِ؛ لِتَبْقَى هَذِهِ الدَّارُ عَامِرَةً إِلَى آخِرِ أَمَدِهَا الْمَحْدُودِ الْمَعْلُومِ عِنْدَ خَالِقِهَا، فَكَمَا غَرَسَ لَكَ غَيْرُكَ فَانْتَفَعْتَ بِهِ فَاغْرِسْ أَنْتَ لِمَنْ يَجِيءُ بَعْدَكَ لِيَنْتَفِعَ بِهِ؛ وَإِنْ لَمْ يَبْقَ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا صُبَابَةٌ، وَذَلِكَ بِهَذَا الْقَصْدِ لَا يُنَافِي الزُّهْدَ وَالتَّقَلُّلَ مِنَ الدُّنْيَا.

وَالنَّبِيُّ ﷺ ذَكَرَ أَحَادِيثَ فِي اسْتِثْمَارِ الْأَرْضِ وَزَرْعِهَا، وَالْحَثِّ عَلَى ذَلِكَ، وَلَا أَدَلَّ عَلَى الْحَضِّ عَلَى الِاسْتِثْمَارِ مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الْكَرِيمَةِ، كَمَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي مَعَنَا؛ فَإِنَّ فِيهِ تَرْغِيبًا عَظِيمًا عَلَى اغْتِنَامِ آخِرِ فُرْصَةٍ مِنَ الْحَيَاةِ فِي سَبِيلِ زَرْعِ مَا يَنْتَفِعُ بِهِ النَّاسُ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَيُجْرَى لَهُ أَجْرُهُ، وَتُكْتَبُ لَهُ صَدَقَتُهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.

قَوْلُهُ: «فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَلَّا تَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَغْرِسْهَا»، وَهَذَا -كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ- يَتَطَلَّبُ زَمَانًا مَمْدُودًا لِكَيْ يَتَحَصَّلَ الْمَرْءُ عَلَى نَتِيجَتِهِ وعَائِدِهِ؛ لِأَنَّ النَّخْلَةَ يَسْتَمِرُّ نُمُوُّهَا حَتَّى إِثْمَارِهَا سَنَواتٍ، وَمَعَ ذَلِكَ فَالنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: «إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَفِي يَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ؛ فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَلَّا تَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَغْرِسْهَا».

مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَنْتَفِعْ بِهَا يَقِينًا حِينَئِذٍ؛ وَلَكِنَّهُ ﷺ يَحُثُّ عَلَى غَرْسِ الْأَشْجَارِ، وَحَفْرِ الْأَنْهَارِ، وَعَلى الْعَمَلِ الصَّالِحِ النَّافِعِ بِصِفَةٍ عَامَّةٍ؛ وَإِنْ ظَهَرَتْ نَتَائِجُهُ وَعَوَاقِبُهُ عَلَى الْمَدَى الْبَعِيدِ، وَكَانَتْ نَتَائِجُهُ وَثِمَارُهُ بَطِيئَةً جِدًّا.

فِي هَذَا الْحَدِيثِ: التَّرْغِيبُ الْعَظِيمُ فِي اغْتِنَامِ آخِرِ فُرْصَةٍ مِنَ الْحَيَاةِ فِي سَبِيلِ زَرْعِ مَا يَنْتَفِعُ بِهِ النَّاسُ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَيُجْرَى لَهُ أَجْرُهُ، وَتُكْتَبُ لَهُ صَدَقَتُهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَالْحَثُّ عَلَى الطَّاعَةِ إِلَى آخِرِ لَحْظَةٍ مِنَ الْحَيَاةِ.

لِلزَّارِعِ الْمُجِدِّ مَنْزِلَةٌ عَظِيمَةٌ وَمَكَانَةٌ سَامِيَةٌ؛ فَهُوَ يُسْهِمُ فِي قُوَّةِ الْوَطَنِ، وَتَحْقِيقِ اسْتِقْرَارِهِ، وَتَحْقِيقِ فُرَصِ عَمَلٍ لِمُوَاطِنِيهِ؛ فَالْأُمَّةُ الَّتِي تُفَرِّطُ فِي عَقِيدَتِهَا وَثَوَابِتِ دِينِهَا وَأُصُولِهِ، وَالَّتِي لَا تَمْلِكُ غِذَاءَهَا؛ لَا تَمْلِكُ قَرَارَهَا، وَالزِّارِعُ بِجِدِّهِ فِي زِرَاعَتِهِ يُحَقِّقُ الْفَلَاحَ لِنَفْسِهِ وَلِوَطَنِهِ فِي هِمَّةٍ عَالِيَةٍ، وَتَضْحِيَةٍ صَادِقَةٍ، قال ﷺ: ((اللهم بَارِكْ لِأُمَّتِي فِي بُكُورِهَا)).

وَالزَّارِعُ الْمُجِدُّ يَتَوَكَّلُ عَلَى رَبِّهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- حَقَّ التَّوَكُّلِ؛ مُعْتَمِدًا بِقَلْبِهِ عَلَى رَبِّهِ، آخِذًا بِالْأَسْبَابِ، لَا يَعْرِفُ الِارْتِجَالَ وَالْعَشْوَائِيَّةَ، إِنَّمَا يَعْمَلُ بِتَخْطِيطٍ وَاعٍ، وَأَخْذٍ بِأَسْبَابِ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ، وَالْمُتَأَمِّلُ فِي قِصَّةِ يُوسُفَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ يَلْمَحُ مَشْرُوعَ تَخْطِيطٍ لِلِاقْتِصَادِ الزِّرَاعِيِّ أَسَّسَهُ نَبِيُّ اللهِ الْكَرِيمُ بَعْدَمَا عَلِمَ مِنْ خِلَالِ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةِ بِأَزْمَةٍ غِذَائِيَّةٍ سَتُصِيبُ الْمَنْطِقَةَ كُلَّهَا، فَاقْتَرَحَ خُطَّةَ إِصْلَاحٍ وَنَفَّذَهَا، فَكَانَ فِيهَا الْخَيْرُ وَالْبَرَكَةُ عَلَى مِصْرَ وَمَا حَوْلَهَا، حَيْثُ يَقُولُ -سُبْحَانَهُ-: {قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تَأْكُلُونَ (47) ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تُحْصِنُونَ (48) ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ} [يوسف: 47-49].

((قَالَ يُوسُفُ لِسَائِلِهِ عَنْ رُؤْيَا الْمَلِكِ:

تَفْسِيرُ هَذِهِ الرُّؤْيَا: أَنَّكُمْ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ مُتَتَابِعَةٍ جَادِّينَ؛ لِيَكْثُرَ الْعَطَاءُ، فَمَا حَصَدْتُمْ مِنْهُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ فَادَّخِرُوهُ، وَاتْرُكُوهُ فِي سُنْبُلِهِ؛ لِيَتِمَّ حِفْظُهُ مِنَ التَّسَوُّسِ، وَلِيَكُونَ أَبْقَى؛ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَهُ مِنَ الْحُبُوبِ.

ثُمَّ يَأْتِي بَعْدَ هَذِهِ السِّنِينَ الْخِصْبَةِ سَبْعُ سِنِينَ شَدِيدَةِ الْجَدْبِ، يَأْكُلُ أَهْلُهَا كُلَّ مَا ادَّخَرْتُمْ لَهُنَّ مِنْ قَبْلُ؛ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَحْفَظُونَهُ وَتَدَّخِرُونَهُ لِيَكُونَ بُذُورًا لِلزِّرَاعَةِ.

ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ هَذِهِ السِّنِينَ الْمُجْدِبَةِ عَامٌ يُغَاثُ فِيهِ النَّاسُ بِالْمَطَرِ، فَيَرْفَعُ اللهُ -تَعَالَى- عَنْهُمُ الشِّدَّةَ، وَيَعْصِرُونَ فِيهِ الثِّمَارَ مِنْ كَثْرَةِ الْخِصْبِ وَالنَّمَاءِ)).

كَمَا أَنَّ الزَّارِعَ الْمُجِدَّ يَسْتَشِيرُ أَهْلَ الْخِبْرَةِ وَالْعِلْمِ وَالِاخْتِصَاصِ فِي زِرَاعَتِهِ؛ لِيُقَدِّمَ مُنْتَجًا عَالِيَ الْجَوْدَةِ، يَنْفَعُ وَطَنَهُ وَمُجْتَمَعَهُ؛ مُمْتَثِلًا قَوْلَ الْحَقِّ -سُبْحَانَهُ-: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43]، وَمُقْتَدِيًا بِنَبِيِّنَا ﷺ فِي حَدِيثِ تَأْبِیرِ النَّخْلِ ، لَمَّا مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِقَوْمٍ يُلَقِّحُونَ، فَقَالَ: ((لَوْ لَمْ تَفْعَلُوا لَصَلُحَ)). قَالَ: ((فَخَرَجَ شِيصًا))، فَمَرَّ بهِمْ فَقَالَ: ((مَا لِنَخْلِكُمْ؟)).

قَالُوا: ((قُلْتَ كَذَا وَكَذَا)).

قالَ: ((أَنْتُمْ أَعْلَمُ بأَمْرِ دُنْيَاكُمْ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

((بَيَّنَ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- أَنَّ النَّاسَ أَعْلَمُ بِأُمُورِ دُنْيَاهُمْ؛ كَيْفَ يُلَقِّحُونَ النَّخْلَ، وَكَيْفَ يَغْرِسُونَ، وَكَيْفَ يَبْذُرُونَ وَيَحْصُدُونَ.

أَمَّا مَا يُخْبِرُ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ عَنِ اللهِ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- فَإِنَّهُمْ مَعْصُومُونَ)).

((أَهَمِّيَّةُ الزِّرَاعَةِ وَثَمَرَتُهَا لِلْأَفْرَادِ وَالْمُجْتَمَعَاتِ وَالْأُمَمِ))

عِبَادَ اللهِ! إِنَّ الزِّرَاعَةَ مِنْ أَهَمِّ الرَّكَائِزِ الِاقْتِصَادِيَّةِ لِبِنَاءِ الدُّوَلِ وَاسْتِقْرَارِهَا؛ فَهِيَ صِمَامُ الْأَمَانِ لِتَوْفِيرِ الْغِذَاءِ، وَتَحْقِيقِ الِاكْتِفَاءِ، قال تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ ۖ أَفَلَا يُبْصِرُونَ} [السجدة: 27].

أَعَمِيَ الْمُكَذِّبُونَ بِالْبَعْثِ وَلَمْ يَنْظُرُوا بِأَعْيُنِهِمْ وَيَتَفَكَّرُوا بِعُقُولِهِمْ أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْيَابِسَةِ الْغَلِيظَةِ الَّتِي لَا نَبَاتَ فِيهَا، فَتُخْرِجُ بِذَلِكَ الْمَاءِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنَ الْعُشْبِ وَالتِّبْنِ أَنْعَامُهُمْ، وَمِنَ الْحُبُوبِ وَالثِّمَارِ أَنْفُسُهُمْ؟!! أَمْ طُمِسَتْ أَبْصَارُهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ دَلَائِلَ قُدْرَةِ اللهِ عَلَى إِحْيَاءِ الْمَوْتَى فَيَعْتَبِرُوا؟!!

 أَفَلَا يُبْصِرُونَ؟!!

(({أَوَلَمْ يَرَوْا} هَؤُلَاءِ الْمُكَذِّبُونَ لِلرَّسُولِ بِأَبْصَارِهِمْ نِعْمَتَنَا وَكَمَالَ حِكْمَتِنَا {أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الأَرْضِ الْجُرُزِ} الَّتِي لَا نَبَاتَ فِيهَا، فَيَسُوقُ اللَّهُ الْمَطَرَ الَّذِي لَمْ يَكُنْ قَبْلُ مَوْجُودًا فِيهَا، فَيُفْرِغُهُ فِيهَا مِنَ السَّحَابِ أَوْ مِنَ الْأَنْهَارِ، {فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا} أَيْ: نَبَاتًا مُخْتَلِفَ الْأَنْوَاعِ {تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ}: وَهُوَ نَبَاتُ الْبَهَائِمِ {وَأَنْفُسُهُمْ}: وَهُوَ طَعَامُ الْآدَمِيِّينَ.

أَفَلا يُبْصِرُونَ تِلْكَ الْمِنَّةَ الَّتِي أَحْيَا اللَّهُ بِهَا الْبِلَادَ وَالْعِبَادَ فَيَسْتَبْصِرُونَ، فَيَهْتَدُونَ بِذَلِكَ الْبَصَرِ وَتِلْكَ الْبَصِيرَةِ إِلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ؟!! وَلَكِنْ غَلَبَ عَلَيْهِمُ الْعَمَى، وَاسْتَوْلَتْ عَلَيْهِمُ الْغَفْلَةُ، فَلَمْ يُبْصِرُوا فِي ذَلِكَ بَصَرَ الرِّجَالِ، وَإِنَّمَا نَظَرُوا إِلَى ذَلِكَ نَظَرَ الْغَفْلَةِ وَمُجَرَّدِ الْعَادَةِ، فَلَمْ يُوَفَّقُوا لِلْخَيْرِ)).

 إِنَّ فِي يَدِ الْمُزَارِعِ أَمَانَةً هِيَ قِوَامُ الْحَيَاةِ لِلنَّاسِ جَمِيعًا، وَهَذِهِ الْأَمَانَةُ يَجِبُ رِعَايَتُهَا، لَقَدْ كَانَ الزَّرْعُ إِغَاثَةً لِيُونُسَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- مِنَ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- بَعْدَ أَنِ الْتَقَمَهُ الْحُوتُ، ثُمَّ لَفَظَهُ إِلَى شَاطِئِ الْبَحْرِ، أَغَاثَهُ اللهُ بِشَجَرَةِ الْيَقْطِينِ؛ لِيُعِيدَ إِلَيْهِ عَافِيَتَهُ بِالْأَكْلِ مِنْهَا، وَالْمُكُوثِ فِي ظِلِّ أَوْرَاقِهَا: قَالَ تَعَالَى: {فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ (145) وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ} [الصافات: 145-146].

(({فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ}: بِأَنْ قَذَفَهُ الْحُوتُ مِنْ بَطْنِهِ بِالْعَرَاءِ، وَهِيَ الْأَرْضُ الْخَالِيَةُ الْعَارِيَةُ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ؛ بَلْ رُبَّمَا كَانَتْ عَارِيَةً مِنَ الْأَشْجَارِ وَالظِّلَالِ، {وَهُوَ سَقِيمٌ} أَيْ: قَدْ سَقِمَ وَمَرِضَ بِسَبَبِ حَبْسِهِ فِي بَطْنِ الْحُوتِ؛ حَتَّى صَارَ مِثْلَ الْفَرْخِ الْمَمْعُوطِ مِنَ الْبَيْضَةِ.

{وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ} تُظِلُّهُ بِظِلِّهَا الظَّلِيلِ؛ لِأَنَّهَا بَارِدَةُ الظِّلَالِ، وَلَا يَسْقُطُ عَلَيْهَا ذُبَابٌ، وَهَذَا مِنْ لُطْفِهِ بِهِ، وَبِرِّهِ)).

فَأَمَرْنَا الْحُوتَ بِطَرْحِهِ فِي الْفَضَاءِ الْوَاسِعِ مِنَ الْأَرْضِ عَلَى شَطِّ الْبَحْرِ قُرْبَ (نَيْنَوَى) مِنْ أَرْضِ (الْمَوْصِلِ) وَهُوَ عَلِيلٌ، وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنَ الْقَرْعِ تَمْتَدُّ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، فَغَطَّتْهُ وَظَلَّلَتْهُ أَوْرَاقُهَا، وَوَقَتْهُ غَوَائِلَ الْجَوِّ، قَالُوا: وَمِنْ خَصَائِصِهَا أَنَّهُ لَا تَقْرَبُهَا الْحَشَرَاتُ، وَكَانَ ضَعِيفًا عِنْدَمَا أُخْرِجَ مِنْ بَطْنِ الْحُوتِ.. كَانَ ضَعِيفًا؛ فَأَرَادَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- أَنْ يُنْعِمَ بِالظِّلِّ وَصَرْفِ الْأَذَى عَنْهُ، وَبِالطَّعَامِ وَالشَّرَابِ -كَذَلِكَ-.

وَكَذَلِكَ كَانَ الرُّطَبُ إِغَاثَةً من الله -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- لِمَرْيَمَ -عَلَيْهَا السَّلَامُ- وَهِيَ فِي مِحْنَتِهَا، وَمُعَانَاةِ أَلَمِ وَجَعِ الْوِلَادَةِ، قال تعالى: {وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا} [مريم: 25].

(({وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا} أَيْ: طَرِيًّا لَذِيذًا نَافِعًا، فَكُلِي مِنَ التَّمْرِ، وَاشْرَبِي مِنَ النَّهْرِ، وَقَرِّي عَيْنًا بِعِيسَى، فَهَذَا طُمَأْنِينَتُهَا مِنْ جِهَةِ السَّلَامَةِ مِنْ أَلَمِ الْوِلَادَةِ، وَحُصُولِ الْمَأْكَلِ وَالْمَشْرَبِ الْهَنِيِّ)).

لَقَدْ كَانَتِ الزِّرَاعَةُ وَالِاهْتِمَامُ بِازْدِهَارِهَا سَبَبًا فِي نَجَاةِ بِلَادٍ مِنَ الْفَقْرِ وَالْقَحْطِ الشَّدِيدِ، وَفِي قِصَّةِ يُوسُفَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- وَتَفْسِيرِهِ لِرُؤْيَا الْمَلِكِ دَلَائِلُ خُطُورَةِ الْجَدْبِ وَالْقَحْطِ، وَقِلَّةِ النَّبَاتِ وَالثَّمَرَاتِ، وَأَهَمِّيَّةِ الزِّرَاعَةِ وَازْدِهَارِهَا، وَأَنَّ كَثْرَةَ الْغَلَّاتِ وَالثَّمَرَاتِ مِنْ عَظِيمِ نِعَمِ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ، وَمِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ نَجَاةِ الْبِلَادِ وَالْعِبَادِ، وَمِنْ أَجَلِّ سُبُلِ تَحْقِيقِ الْأَمْنِ الْقَوْمِيِّ لِلْأُمَّةِ.

قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ (43) قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ (44) وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُم بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ (45) يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (46) قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تَأْكُلُونَ (47) ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ (48) ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ} [يوسف: 43-49].

وَقَالَ مَلِكُ مِصْرَ: إِنِّي رَأَيْتُ فِي مَنَامِي سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ، وَسَبْعَ بَقَرَاتٍ فِي غَايَةِ الْهُزَالِ، فَابْتَلَعَتِ الْعِجَافُ السِّمَانَ، وَدَخَلْنَ فِي بُطُونِهِنَّ، وَلَمْ يُرَ مِنْهُنَّ شَيْءٌ، وَلَمْ يَتَبَيَّنْ عَلَى الْهَزِيلَاتِ مِنْهَا شَيْءٌ، وَرَأَيْتُ سَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ قَدِ انْعَقَدَ حَبُّهَا، وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ أُخَرَ يَابِسَاتٍ قَدِ اسْتُحْصِدَتْ، فَالْتَوَتِ الْيَابِسَاتُ عَلَى الْخُضْرِ حَتَّى عَلَوْنَ عَلَيْهَا، وَلَمْ يَبْقَ مِنْ قُدْرَتِهَا شَيْءٌ.

يَا أَيُّهَا السَّادَةُ وَالْكُبَرَاءُ! يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ! أَخْبِرُونِي بِتَأْوِيلِ رُؤْيَايَ الْخَطِيرَةِ، وَعَبِّرُوهَا لِي، وَاذْكُرُوا بُعْدَهَا الْوَاقِعِيَّ فِي هَذَا الْكَوْنِ إِنْ كُنْتُمْ تُحْسِنُونَ عِلْمَ الْعِبَارَةِ وَتَفْسِيرِ رُمُوزِ الْأَحْلَامِ.

قَالَ الْمَلَأُ مِنَ السَّحَرَةِ وَالْكَهَنَةِ وَالْمُعَبِّرِينَ مُجِيبِينَ الْمَلِكَ: رُؤْيَاكَ هَذِهِ أَخْلَاطٌ مُشْتَبِهَةٌ، وَمَنَامَاتٌ مُتَدَاخِلَةٌ بَاطِلَةٌ، وَمَا نَحْنُ بِتَفْسِيرِ الْمَنَامَاتِ بِعَالِمِينَ.

وَقَالَ السَّاقِي الَّذِي نَجَا مِنَ الْقَتْلِ بَعْدَ هَلَاكِ صَاحِبِهِ الْخَبَّازِ، وَتَذَكَّرَ قَوْلَ يُوسُفَ بَعْدَ مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ مِنَ الزَّمَنِ: {اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ} [يوسف: 42]؛ قَالَ: أَنَا أُخْبِرُكُمْ بِتَأْوِيلِ هَذِهِ الرُّؤْيَا، إِذْ أَسْتَفْتِي فِيهَا السَّجِينَ الْعِبْرَانِيَّ الَّذِي كُنْتُ مُصَاحِبًا لَهُ فِي سِجْنِ رَئِيسِ الشُّرْطَةِ، فَأَرْسِلْنِي أَيُّهَا الْمَلِكُ إِلَى السِّجْنِ؛ فَفِيهِ رَجُلٌ عَالِمٌ يُعَبِّرُ الرُّؤْيَا، فَأَرْسَلَهُ، فَأَتَى السِّجْنَ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَيْهِ قَالَ لَهُ: يَا يُوسُفُ! أَيُّهَا الْعَظِيمُ الصِّدْقِ فِي كَلَامِكَ، وَتَأْوِيلِكَ، وَسُلُوكِكَ، وَتَصَرُّفَاتِكَ، وَصُحْبَتِكَ! فَسِّرْ لَنَا رُؤْيَا مَا رَأَى؛ سَبْعُ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعُ بَقَرَاتٍ هَزِيلَاتٍ، وَرَأَى سَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ؛ فَإِنَّ الْمَلِكَ رَأَى هَذِهِ الرُّؤْيَا، لَعَلِّي أَرْجِعُ بِتَأْوِيلِ هَذِهِ الرُّؤْيَا إِلَى الْمَلِكِ وَجَمَاعَتِهِ لِيَعْلَمُوا تَأْوِيلَ مَا سَأَلْتُكَ عَنْهُ، وَلِيَعْلَمُوا مَكَانَتَكَ وَفَضْلَكَ.

لَمْ يَشْتَرِطْ شَيْئًا، وَإِنَّمَا مَضَى فِي تَعْبِيرِ الرُّؤْيَا، كَانَ مِنَ الْمُمْكِنِ لَوْ كَانَ سِوَاهُ لَقَالَ: لَا أُعَبِّرُ لَكُمُ الرُّؤْيَا حَتَّى أَخْرُجَ مِنْ هَذَا الْحَبْسِ، أَوْ حَتَّى يُرَدَّ إِلَيَّ حَقِّي، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا أَفَادَهُمْ وَأَرَادَ نَفْعَهُمْ.

قَالَ يُوسُفُ مُعَبِّرًا لِتِلْكَ الرُّؤْيَا الَّتِي تُشِيرُ إِلَى الْوَضْعِ الزِّرَاعِيِّ وَالِاقْتِصَادِيِّ وَالْمَالِيِّ خِلَالَ الْخَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً الْقَادِمَةِ، بِمَا فِيهَا مِنْ رَخَاءٍ، ثُمَّ قَحْطٍ، ثُمَّ غَوْثٍ: ازْرَعُوا سَبْعَ سِنِينَ بِجِدٍّ وَاجْتِهَادٍ مِنْ غَيْرِ فُتُورٍ عَلَى عَادَتِكُمُ الْمُسْتَمِرَّةِ فِي الزِّرَاعَةِ، فَمَا حَصَدْتُمْ مِنَ الْحِنْطَةِ فَاتْرُكُوهُ فِي سُنْبُلِهِ؛ لِئَلَّا يَفْسُدَ وَيَقَعَ فِيهِ السُّوسُ، وَاحْفَظُوا أَكْثَرَهُ لِوَقْتِ الْحَاجَةِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَهُ مِنَ الْحُبُوبِ.

ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ الدَّأَبِ فِي الزِّرَاعَةِ -زِرَاعَةِ الْأَقْوَاتِ وَادِّخَارِهَا- طَوَالَ السِّنِينَ السَّبْعِ الْمُخْصِبَةِ، يَأْتِي سَبْعُ سِنِينَ مُجْدِبَةٍ، تَكُونُ مُمْحِلَةً شَدِيدَةً عَلَى النَّاسِ، يَأْكُلُ النَّاسُ وَتَأْكُلُ مَوَاشِيهِمْ فِيهَا مَا زَرَعْتُمْ وَادَّخَرْتُمْ لَهُنَّ مِنَ الطَّعَامِ فِي سَنَوَاتِ الْخِصْبِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَحْفَظُونَهُ وَتَدَّخِرُونَهُ؛ احْتِيَاطًا لِلطَّوَارِئِ الْمُلْجِئَةِ الَّتِي قَدْ يُسْمَحُ فِيهَا بِالْأَخْذِ مِنَ الِاحْتِيَاطِيِّ بِمَقَادِيرِ الضَّرُورَةِ.

{ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ}، لَيْسَ فِي الرُّؤْيَا الَّتِي رَآهَا الْمَلِكُ أَدْنَى إِشَارَةٍ إِلَى عَامِ الْغَوْثِ هَذَا، فَهَذَا التَّأْوِيلُ عَلَّمَهُ اللهُ إِيَّاهُ، فِيهَا سَبْعٌ مِنَ السَّنَوَاتِ -كَمَا أَوَّلَ- يَكُونُ فِيهَا الْخِصْبُ، ثُمَّ سَبْعٌ مِنَ السَّنَوَاتِ يَكُونُ فِيهَا الْجَدْبُ، وَلَيْسَ فِي الرُّؤْيَا أَدْنَى إِشَارَةٍ إِلَى عَامِ الْغَوْثِ هَذَا.

ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ هَذِهِ السِّنِينَ الْمُجْدِبَةِ عَامٌ تَرْجِعُ فِيهِ تَصَارِيفُ الْكَوْنِ إِلَى مِثْلِ مَا كَانَتْ عَلَيْهِ قَبْلَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَفِيهِ تَنْزِلُ الْأَمْطَارُ النَّافِعَةُ الَّتِي يُنْبِتُ اللهُ بِهَا الزُّرُوعَ، وَفِيهَا يَعْصِرُونَ مَا شَأْنُهُ أَنْ يُعْصَرَ مِنْ نَحْوِ الْعِنَبِ وَالزَّيْتُونِ وَالْقَصَبِ، وَتَكْثُرُ النِّعَمُ عَلَى النَّاسِ.

لَمْ يَكْتَفِ يُوسُفُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- بِتَعْبِيرِ الرُّؤْيَا، بَلْ بَادَرَ فَوَضَعَ لَهُمْ خُطَّةَ عَمَلٍ لِمُوَاجَهَةِ سَنَوَاتِ الْقَحْطِ وَالْجَفَافِ، وَهِيَ خُطَّةٌ اقْتِصَادِيَّةٌ تَتَنَاوَلُ الْحَيَاةَ الزِّرَاعِيَّةَ وَالتَّمْوِينِيَّةَ لِلْأُمَّةِ خِلَالَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً تَأْتِي عَلَى اسْتِقْلَالٍ.

((لَمَّا أَرَادَ اللَّهُ -تَعَالَى- أَنْ يُخْرِجَ يُوسُفَ مِنَ السِّجْنِ؛ أَرَى اللَّهُ الْمَلِكَ هَذِهِ الرُّؤْيَا الْعَجِيبَةَ، الَّتِي تَأْوِيلُهَا يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ الْأُمَّةِ؛ لِيَكُونَ تَأْوِيلُهَا عَلَى يَدِ يُوسُفَ، فَيُظْهِرُ مِنْ فَضْلِهِ، وَيُبَيِّنُ مِنْ عِلْمِهِ مَا يَكُونُ لَهُ رِفْعَةً فِي الدَّارَيْنِ، وَمِنَ التَّقَادِيرِ الْمُنَاسِبَةِ: أَنَّ الْمَلِكَ الَّذِي تَرْجِعُ إِلَيْهِ أُمُورُ الرَّعِيَّةِ هُوَ الَّذِي رَآهَا؛ لِارْتِبَاطِ مَصَالِحِهَا بِهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ رَأَى رُؤْيَا هَالَتْهُ، فَجَمَعَ لَهَا عُلَمَاءَ قَوْمِهِ وَذَوِي الرَّأْيِ مِنْهُمْ، وَقَالَ: {إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ} أَيْ: سَبْعٌ مِنَ الْبَقَرَاتِ عِجَافٌ، وَهَذَا مِنَ الْعَجَبِ؛ أَنَّ السَّبْعَ الْعِجَافَ الْهَزِيلَاتِ اللَّاتِي سَقَطَتْ قُوَّتُهُنَّ يَأْكُلْنَ السَّبْعَ السِّمَانَ الَّتِي كُنَّ نِهَايَةً فِي الْقُوَّةِ، وَرَأَيْتُ {سَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ} يَأْكُلُهُنَّ سَبْعُ سُنْبُلَاتٍ يَابِسَاتٍ، {يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ}؛ لِأَنَّ تَعْبِيرَ الْجَمِيعِ وَاحِدٌ، وَتَأْوِيلَهُ شَيْءٌ وَاحِدٌ {إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ}.

فَتَحَيَّرُوا، وَلَمْ يَعْرِفُوا لَهَا وَجْهًا، و{قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلامٍ} أَيْ: أَحْلَامٌ لَا حَاصِلَ لَهَا وَلَا لَهَا تَأْوِيلٌ، وَهَذَا جَزْمٌ مِنْهُمْ بِمَا لَا يَعْلَمُونَ، وَتَعَذُّرٌ مِنْهُمْ بِمَا لَيْسَ بِعُذْرٍ.

ثُمَّ قَالُوا: {وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأَحْلامِ بِعَالِمِينَ} أَيْ: لَا نَعْبُرُ إِلَّا الرُّؤْيَا، وَأَمَّا الْأَحْلَامُ الَّتِي هِيَ مِنَ الشَّيْطَانِ، أَوْ مِنْ حَدِيثِ النَّفْسِ؛ فَإِنَّا لَا نَعْبُرُهَا، فَجَمَعُوا بَيْنَ الْجَهْلِ، وَالْجَزْمِ بِأَنَّهَا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ، وَالْإِعْجَابِ بِالنَّفْسِ؛ بِحَيْثُ إِنَّهُمْ لَمْ يَقُولُوا: لَا نَعْلَمُ تَأْوِيلَهَا! وَهَذَا مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي لَا تَنْبَغِي لِأَهْلِ الدِّينِ وَالْحِجَا، وَهَذَا -أَيْضًا- مِنْ لُطْفِ اللَّهِ بِيُوسُفَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-؛ فَإِنَّهُ لَوْ عَبَرَهَا ابْتِدَاءً قَبْلَ أَنْ يَعْرِضَهَا عَلَى الْمَلَأِ مِنْ قَوْمِهِ وَعُلَمَائِهِمْ فَيَعْجِزُوا عَنْهَا؛ لَمْ يَكُنْ لَهَا ذَلِكَ الْمَوْقِعُ، وَلَكِنْ لَمَّا عَرَضَهَا عَلَيْهِمْ فَعَجَزُوا عَنِ الْجَوَابِ، وَكَانَ الْمَلِكُ مُهْتَمًّا لَهَا غَايَةً، فَعَبَرَهَا يُوسُفُ؛ وَقَعَتْ عِنْدَهُمْ مَوْقِعًا عَظِيمًا.

وَهَذَا نَظِيرُ إِظْهَارِ اللَّهِ فَضْلَ آدَمَ عَلَى الْمَلَائِكَةِ بِالْعِلْمِ بَعْدَ أَنْ سَأَلَهُمْ فَلَمْ يَعْلَمُوا، ثُمَّ سَأَلَ آدَمَ، فَعَلَّمَهُمْ أَسْمَاءَ كُلِّ شَيْءٍ، فَحَصَلَ بِذَلِكَ زِيَادَةُ فَضْلِهِ، وَكَمَا يُظْهِرُ فَضْلَ أَفْضَلِ خَلْقِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ فِي الْقِيَامَةِ، أَنْ يُلْهِمَ اللَّهُ الْخَلْقَ أَنْ يَتَشَفَّعُوا بِآدَمَ، ثُمَّ بِنُوحٍ، ثُمَّ إِبْرَاهِيمَ، ثُمَّ مُوسَى، ثُمَّ عِيسَى -عَلَيْهِمُ السَّلَامُ-، فَيَعْتَذِرُونَ عَنْهَا، ثُمَّ يَأْتُونَ مُحَمَّدًا ﷺ، فَيَقُولُ : ((أَنَا لَهَا، أَنَا لَهَا))، فَيَشْفَعُ فِي جَمِيعِ الْخَلْقِ، وَيَنَالُ ذَلِكَ الْمَقَامَ الْمَحْمُودَ الَّذِي يَغْبِطُهُ بِهِ الْأَوَّلُونَ وَالْآخِرُونَ.

فَسُبْحَانَ مَنْ خَفِيَتْ أَلْطَافُهُ، وَدَقَّتْ فِي إِيصَالِهِ الْبِرَّ وَالْإِحْسَانَ إِلَى خَوَاصِّ أَصْفِيَائِهِ وَأَوْلِيَائِهِ!

{وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا} أَيْ: مِنَ الْفَتَيَيْنِ، وَهُوَ: الَّذِي رَأَى أَنَّهُ يَعْصِرُ خَمْرًا، وَهُوَ الَّذِي أَوْصَاهُ يُوسُفُ أَنْ يَذْكُرَهُ عِنْدَ رَبِّهِ {وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ} أَيْ : وَتَذَكَّرَ يُوسُفَ وَمَا جَرَى لَهُ فِي تَعْبِيرِهِ لِرُؤْيَاهُمَا وَمَا وَصَّاهُ بِهِ، وَعَلِمَ أَنَّهُ كَفِيلٌ بِتَعْبِيرِ هَذِهِ الرُّؤْيَا بَعْدَ مُدَّةٍ مِنَ السِّنِينَ، فَقَالَ: {أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ} إِلَى يُوسُفَ لِأَسْأَلَهُ عَنْهَا.

فَأَرْسَلُوهُ، فَجَاءَ إِلَيْهِ، وَلَمْ يُعَنِّفْهُ يُوسُفُ عَلَى نِسْيَانِهِ، بَلِ اسْتَمَعَ مَا يَسْأَلُهُ عَنْهُ، وَأَجَابَهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: {يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ} أَيْ: كَثِيرُ الصِّدْقِ فِي أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ {أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ}: فَإِنَّهُمْ مُتَشَوِّقُونَ لِتَعْبِيرِهَا، وَقَدْ أَهَمَّتْهُمْ.

فَعَبَرَ يُوسُفُ السَّبْعَ الْبَقَرَاتِ السِّمَانَ وَالسَّبْعَ السُّنْبُلَاتِ الْخُضْرَ بِأَنَّهُنَّ سَبْعُ سِنِينَ مُخْصِبَاتٌ، وَالسَّبْعُ الْبَقَرَاتُ الْعِجَافُ، وَالسَّبْعُ السُّنْبُلَاتُ الْيَابِسَاتُ بِأَنَّهُنَّ سِنِينَ مُجْدِبَاتٌ، وَلَعَلَّ وَجْهَ ذَلِكَ -وَاللَّهُ أَعْلَمُ- أَنَّ الْخِصْبَ وَالْجَدْبَ لَمَّا كَانَ الْحَرْثُ مَبْنِيًّا عَلَيْهِ، وَأَنَّهُ إِذَا حَصَلَ الْخِصْبُ قَوِيَتِ الزُّرُوعُ وَالْحُرُوثُ وَحَسُنَ مَنْظَرُهَا وَكَثُرَتْ غِلَالُهَا، وَالْجَدْبُ بِالْعَكْسِ مِنْ ذَلِكَ، وَكَانَتِ الْبَقَرُ هِيَ الَّتِي تُحْرَثُ عَلَيْهَا الْأَرْضُ، وَتُسْقَى عَلَيْهَا الْحُرُوثُ فِي الْغَالِبِ، وَالسُّنْبُلَاتُ هِيَ أَعْظَمُ الْأَقْوَاتِ وَأَفْضَلُهَا؛ عَبَرَهَا بِذَلِكَ لِوُجُودِ الْمُنَاسَبَةِ، فَجَمَعَ لَهُمْ فِي تَأْوِيلِهَا بَيْنَ التَّعْبِيرِ وَالْإِشَارَةِ لِمَا يَفْعَلُونَهُ وَيَسْتَعِدُّونَ بِهِ مِنَ التَّدْبِيرِ فِي سِنِيِّ الْخِصْبِ إِلَى سَنِيِّ الْجَدْبِ، فَقَالَ: {تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا} أَيْ: مُتَتَابِعَاتٍ، {فَمَا حَصَدْتُمْ} مِنْ تِلْكَ الزُّرُوعِ {فَذَرُوهُ} أَيِ: اتْرُكُوهُ {فِي سُنْبُلِهِ}؛ لِأَنَّهُ أَبْقَى لَهُ، وَأَبْعَدُ مِنَ الِالْتِفَاتِ إِلَيْهِ {إِلا قَلِيلا مِمَّا تَأْكُلُونَ} أَيْ: دَبِّرُوا -أَيْضًا- أَكْلَكُمْ فِي هَذِهِ السِّنِينَ الْخِصْبَةِ، وَلْيَكُنْ قَلِيلًا؛ لِيَكْثُرَ مَا تَدَّخِرُونَ، وَيَعْظُمَ نَفْعُهُ وَوَقْعُهُ .

{ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ} أَيْ: بَعْدَ تِلْكَ السِّنِينَ السَّبْعِ الْمُخْصِبَاتِ {سَبْعٌ شِدَادٌ} أَيْ: مُجْدِبَاتٌ جِدًّا {يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ} أَيْ: يَأْكُلْنَ جَمِيعَ مَا ادَّخَرْتُمُوهُ وَلَوْ كَانَ كَثِيرًا؛ {إِلا قَلِيلا مِمَّا تُحْصِنُونَ} أَيْ: تَمْنَعُونَهُ مِنَ التَّقْدِيمِ لَهُنَّ.

{ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ} أَيْ: بَعْدَ السَّبْعِ الشِّدَادِ {عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ} أَيْ: فِيهِ تَكْثُرُ الْأَمْطَارُ وَالسُّيُولُ، وَتَكْثُرُ الْغَلَّاتُ وَتَزِيدُ عَلَى أَقْوَاتِهِمْ؛ حَتَّى إِنَّهُمْ يَعْصِرُونَ الْعِنَبَ وَنَحْوَهُ زِيَادَةً عَلَى أَكْلِهِمْ، وَلَعَلَّ اسْتِدْلَالَهُ عَلَى وُجُودِ هَذَا الْعَامِ الْخِصْبِ مَعَ أَنَّهُ غَيْرُ مُصَرَّحٍ بِهِ فِي رُؤْيَا الْمَلِكِ؛ لِأَنَّهُ فُهِمَ مِنَ التَّقْدِيرِ بِالسَّبْعِ الشِّدَادِ أَنَّ الْعَامَ الَّذِي يَلِيهَا يَزُولُ بِهِ شِدَّتُهَا، وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ لَا يَزُولُ الْجَدْبُ الْمُسْتَمِرُّ سَبْعَ سِنِينَ مُتَوَالِيَاتٍ إِلَّا بِعَامٍ مُخْصِبٍ جِدًّا؛ وَإِلَّا لَمَا كَانَ لِلتَّقْدِيرِ فَائِدَةٌ.

فَلَمَّا رَجَعَ الرَّسُولُ إِلَى الْمَلِكِ وَالنَّاسِ، وَأَخْبَرَهُمْ بِتَأْوِيلِ يُوسُفَ لِلرُّؤْيَا؛ عَجِبُوا مِنْ ذَلِكَ، وَفَرِحُوا بِهَا أَشَدَّ الْفَرَحِ)).

فَمِنَ الْفَوَائِدِ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ: حُسْنُ تَدْبِيرِ يُوسُفَ لَمَّا تَوَلَّى خَزَائِنَ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ مِنْ أَقْصَاهَا إِلَى أَقْصَاهَا، فَنَهَضَ بِالزِّرَاعَةِ حَتَّى كَثُرَتِ الْغِلَالُ جِدًّا، فَصَارَ أَهْلُ الْأَقْطَارِ يَقْصِدُونَ مِصْرَ لِطَلَبِ الْمِيَرَةِ مِنْهَا عِنْدَمَا فَقَدُوا مَا عِنْدَهُمْ؛ لِعِلْمِهِمْ بِوُفُورِهَا فِي مِصْرَ، وَمِنْ عَدْلِهِ، وَتَدْبِيرِهِ، وَخَوْفِهِ أَنْ يَتَلَاعَبَ بِهَا التُّجَّارُ: أَنَّهُ لَا يَكِيلُ لِأَحَدٍ إِلَّا مِقْدَارَ الْحَاجَةِ الْخَاصَّةِ أَوْ أَقَلَّ، لَا يَزِيدُ كُلُّ قَادِمٍ عَلَى كَيْلِ بَعِيرٍ وَحَمْلِهِ، وَظَاهِرُ حَالِهِ هَذَا أَنَّهُ لَا يُعْطِي أَهْلَ الْبَلَدِ إِلَّا أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ بِكَثِيرٍ؛ لِحُضُورِهِمْ عِنْدَهُ.

((التَّحْذِيرُ مِنَ الِاغْتِرَارِ بِنِعَمِ اللهِ مِنْ بَسَاتِينَ وَغَيْرِهَا))

لَقَدْ حَذَّرَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ مِنَ الِاغْتِرَارِ بِنِعَمِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- مِنْ مَالٍ، وَبَسَاتِينَ، وَوَلَدٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَرَهَّبَ مِنْ جُحُودِ نِعْمَتِهِ -عَزَّ وَجَلَّ- وَكُفْرَانِهَا، وَعَدَمِ شُكْرِهَا، وَضَرَبَ اللهُ الْمَثَلَ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ بِرَجُلَيْنِ؛ مُؤْمِنٍ فَقِيرٍ شَاكِرٍ، وَكَافِرٍ غَنِيٍّ جَاحِدٍ، قال تعالى: {وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلًا رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا} [الكهف: 32].

وَاضْرِبْ -يَا رَسُولَ اللهِ- لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ فِي الصَّبَاحِ وَالْمَسَاءِ مَعَ مُكَابَدَةِ مَشَاقِّ الْفَقْرِ، وَلِلْكَافِرِينَ الْمُسْتَكْبِرِينَ عَلَى اللهِ مَعَ تَقَلُّبِهِمْ فِي نِعَمِهِ -تَعَالَى-؛ اضْرِبْ لِهَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ قِصَّةَ رَجُلَيْنِ مِنَ الْأُمَمِ السَّابِقَةِ، أَحَدُهُمَا مُؤْمِنٌ فَقِيرٌ دَاعٍ إِلَى اللهِ، وَالْآخَرُ كَافِرٌ غَنِيٌّ، جَعَلْنَا لِلْكَافِرِ بُسْتَانَيْنِ مِنْ أَشْجَارِ الْعِنَبِ ذَوَاتِ الْعُرُوقِ وَالْفُرُوعِ الْمُمَدَّدَةِ عَلَى عُرُوشٍ مُرْتَفِعَةٍ عَنِ الْأَرْضِ بِأَعْمِدَةٍ، وَجَعَلْنَا أَشْجَارَ النَّخْلِ مُحِيطًا بِالْبُسْتَانَيْنِ، وَجَعَلْنَا فِي الْمِسَاحَاتِ الْفَارِغَاتِ بَيْنَ النَّخْلِ وَالْأَعْنَابِ زُرُوعًا أَرْضِيَّةً نَافِعَةً لِأَكْلِ النَّاسِ وَالْأَنْعَامِ.
وَضَرَبَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ هَذَا الْمَثَلَ -مَثَلَ الرَّجُلَيْنِ- لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْكَافِرِينَ، وَمَا يَؤُولُ إِلَيْهِ أَمْرُ كُلٍّ.

{وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلًا رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا (32) كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِم مِّنْهُ شَيْئًا ۚ وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا (33) وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا (34) وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَٰذِهِ أَبَدًا (35) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِّنْهَا مُنقَلَبًا (36) قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا (37) لَّٰكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا (38) وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ ۚ إِن تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنكَ مَالًا وَوَلَدًا (39) فَعَسَىٰ رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِّن جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِّنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا (40) أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا (41) وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَىٰ مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا (42) وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنتَصِرًا (43) هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ ۚ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا} [الكهف: 32-44].

 

((يَقُولُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ ﷺ: اضْرِبْ لِلنَّاسِ مَثَلَ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ: الشَّاكِرِ لِنِعْمَةِ اللَّهِ، وَالْكَافِرِ لَهَا، وَمَا صَدَرَ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا مِنَ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ، وَمَا حَصَلَ بِسَبَبِ ذَلِكَ مِنَ الْعِقَابِ الْعَاجِلِ وَالْآجِلِ، وَالثَّوَابِ؛ لِيَعْتَبِرُوا بِحَالِهِمَا، وَيَتَّعِظُوا بِمَا حَصَلَ عَلَيْهِمَا، وَلَيْسَ مَعْرِفَةَ أَعْيَانِ الرَّجُلَيْنِ وَفِي أَيِّ زَمَانٍ أَوْ مَكَانٍ هُمَا فِيهِ فَائِدَةٌ أَوْ نَتِيجَةٌ، فَالنَّتِيجَةُ تَحْصُلُ مِنْ قِصَّتِهِمَا فَقَطْ، وَالتَّعَرُّضُ لِمَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ التَّكَلُّفِ.

فَأَحَدُ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ -الْكَافِرُ لِنِعْمَةِ اللَّهِ الْجَلِيلَةِ- جَعَلَ اللَّهُ لَهُ {جَنَّتَيْنِ} أَيْ: بُسْتَانَيْنِ حَسَنَيْنِ {مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ} أَيْ: فِي هَاتَيْنِ الْجَنَّتَيْنِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ؛ وَخُصُوصًا أَشْرَفُ الْأَشْجَارِ: الْعِنَبُ وَالنَّخْلُ، فَالْعِنَبُ فِي وَسَطِهَا، وَالنَّخْلُ قَدْ حَفَّ بِذَلِكَ وَدَارَ بِهِ، فَحَصَلَ فِيهِ مِنْ حُسْنِ الْمَنْظَرِ وَبَهَائِهِ، وَبُرُوزِ الشَّجَرِ وَالنَّخْلِ لِلشَّمْسِ وَالرِّيَاحِ الَّتِي تَكْمُلُ بِهَا الثِّمَارُ، وَتَنْضُجُ وَتَتَجَوْهَرُ، وَمَعَ ذَلِكَ جَعَلَ بَيْنَ تِلْكَ الْأَشْجَارِ زَرْعًا.

فَلَمْ يُبْقَ عَلَيْهِمَا إِلَّا أَنْ يُقَالَ: كَيْفَ ثِمَارُ هَاتَيْنِ الْجَنَّتَيْنِ؟ وَهَلْ لَهُمَا مَاءٌ يَكْفِيهِمَا؟

فَأَخْبَرَ -تَعَالَى- أَنَّ كُلًّا مِنَ الْجَنَّتَيْنِ {آتَتْ أُكُلَهَا} أَيْ: ثَمَرَهَا وَزَرْعَهَا ضِعْفَيْنِ، أَيْ: مُتَضَاعِفًا، وَأَنَّهَا {لَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا} أَيْ: لَمْ تُنْقِصْ مِنْ أُكُلِهَا أَدْنَى شَيْءٍ، وَمَعَ ذَلِكَ فَالْأَنْهَارُ فِي جَوَانِبِهِمَا سَارِحَةٌ كَثِيرَةٌ غَزِيرَةٌ.

{وَكَانَ لَهُ} أَيْ: لِذَلِكَ الرَّجُلِ {ثَمَرٌ} أَيْ: عَظِيمٌ كَمَا يُفِيدُهُ التَّنْكِيرُ، أَيْ: قَدِ اسْتَكْمَلَتْ جَنَّتَاهُ ثِمَارَهُمَا، وَارْجَحَنَّتْ أَشْجَارُهُمَا، وَلَمْ تَعْرِضْ لَهُمَا آفَةٌ أَوْ نَقْصٌ، فَهَذَا غَايَةُ مُنْتَهَى زِينَةِ الدُّنْيَا فِي الْحَرْثِ؛ وَلِهَذَا اغْتَرَّ هَذَا الرَّجُلُ بِهِمَا، وَتَبَجَّحَ وَافْتَخَرَ، وَنَسِيَ آخِرَتَهُ.

فَقَالَ صَاحِبُ الْجَنَّتَيْنِ لِصَاحِبِهِ الْمُؤْمِنِ وَهُمَا يَتَحَاوَرَانِ، أَيْ: يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا فِي بَعْضِ الْمَاجَرَيَاتِ الْمُعْتَادَةِ مُفْتَخِرًا عَلَيْهِ: {أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالا وَأَعَزُّ نَفَرًا}: فَخْرٌ بِكَثْرَةِ مَالِهِ، وَعِزَّةِ أَنْصَارِهِ مِنْ عَبِيدٍ وَخَدَمٍ وَأَقَارِبَ، وَهَذَا جَهْلٌ مِنْهُ؛ وَإِلَّا فَأَيُّ افْتِخَارٍ بِأَمْرٍ خَارِجِيٍّ لَيْسَ فِيهِ فَضِيلَةٌ نَفْسِيَّةٌ، وَلَا صِفَةٌ مَعْنَوِيَّةٌ، وَإِنَّمَا هُوَ بِمَنْزِلَةِ فَخْرِ الصَّبِيِّ بِالْأَمَانِيِّ الَّتِي لَا حَقَائِقَ تَحْتَهَا!!

ثُمَّ لَمْ يَكْفِهِ هَذَا الِافْتِخَارُ عَلَى صَاحِبِهِ حَتَّى حَكَمَ بِجَهْلِهِ وَظُلْمِهِ، وَظَنَّ لَمَّا دَخَلَ جَنَّتَهُ فَـ {قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ} أَيْ: تَنْقَطِعَ وَتَضْمَحِلَّ هَذِهِ أَبَدًا، فَاطْمَأَنَّ إِلَى هَذِهِ الدُّنْيَا، وَرَضِيَ بِهَا، وَأَنْكَرَ الْبَعْثَ، فَقَالَ: {وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي} عَلَى ضَرْبِ الْمَثَلِ {لأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا} أَيْ: لَيُعْطِيَنِّي خَيْرًا مِنْ هَاتَيْنِ الْجَنَّتَيْنِ، وَهَذَا لَا يَخْلُو مِنْ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِحَقِيقَةِ الْحَالِ، فَيَكُونُ كَلَامُهُ هَذَا عَلَى وَجْهِ التَّهَكُّمِ وَالِاسْتِهْزَاءِ، فَيَكُونُ زِيَادَةَ كُفْرٍ إِلَى كُفْرِهِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ هَذَا ظَنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ، فَيَكُونُ مِنْ أَجْهَلِ النَّاسِ وَأَبْخَسِهِمْ حَظًّا مِنَ الْعَقْلِ؛ فَأَيُّ تَلَازُمٍ بَيْنَ عَطَاءِ الدُّنْيَا وَعَطَاءِ الْآخِرَةِ حَتَّى يَظُنَّ بِجَهْلِهِ أَنَّ مَنْ أُعْطِيَ فِي الدُّنْيَا أُعْطِيَ فِي الْآخِرَةِ؟!! بَلِ الْغَالِبُ أَنَّ اللَّهَ -تَعَالَى- يَزْوِي الدُّنْيَا عَنْ أَوْلِيَائِهِ وَأَصْفِيَائِهِ، وَيُوَسِّعُهَا عَلَى أَعْدَائِهِ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ نَصِيبٌ.

وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَعْلَمُ حَقِيقَةَ الْحَالِ؛ وَلَكِنَّهُ قَالَ هَذَا الْكَلَامَ عَلَى وَجْهِ التَّهَكُّمِ وَالِاسْتِهْزَاءِ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: {وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ}؛ فَإِثْبَاتُ أَنَّ وَصْفَهُ الظُّلْمُ فِي حَالِ دُخُولِهِ -الَّذِي جَرَى مِنْهُ مِنَ الْقَوْلِ مَا جَرَى- يَدُلُّ عَلَى تَمَرُّدِهِ وَعِنَادِهِ.

قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ الْمُؤْمِنُ -نَاصِحًا لَهُ- وَمُذَكِّرًا لَهُ حَالَهُ الْأُولَى الَّتِي أَوْجَدَهُ اللَّهُ فِيهَا فِي الدُّنْيَا {أكفرت بالذي خلقك مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا}؟!! فَهُوَ الَّذِي أَنْعَمَ عَلَيْكَ بِنِعْمَةِ الْإِيجَادِ وَالْإِمْدَادِ، وَوَاصَلَ عَلَيْكَ النِّعَمَ، وَنَقَلَكَ مِنْ طَوْرٍ إِلَى طَوْرٍ حَتَّى سَوَّاكَ رَجُلًا كَامِلَ الْأَعْضَاءِ وَالْجَوَارِحِ الْمَحْسُوسَةِ وَالْمَعْقُولَةِ، وَبِذَلِكَ يَسَّرَ لَكَ الْأَسْبَابَ، وَهَيَّأَ لَكَ مَا هَيَّأَ مِنْ نِعَمِ الدُّنْيَا؛ فَلَمْ تَحْصُلْ لَكَ الدُّنْيَا بِحَوْلِكَ وَقُوَّتِكَ، بَلْ بِفَضْلِ اللَّهِ -تَعَالَى- عَلَيْكَ؛ فَكَيْفَ يَلِيقُ بِكَ أَنْ تَكْفُرَ بِاللَّهِ الَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ، ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ، ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا، وَتَجْحَدَ نِعْمَتَهُ، وَتَزْعُمَ أَنَّهُ لَا يَبْعَثُكَ، وَإِنْ بَعَثَكَ أَنَّهُ يُعْطِيكَ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ؟!! هَذَا مِمَّا لَا يَنْبَغِي وَلَا يَلِيقُ.

وَلِهَذَا لَمَّا رَأَى صَاحِبُهُ الْمُؤْمِنُ حَالَهُ، وَاسْتِمْرَارَهُ عَلَى كُفْرِهِ وَطُغْيَانِهِ؛ قَالَ -مُخْبِرًا عَنْ نَفْسِهِ عَلَى وَجْهِ الشُّكْرِ لِرَبِّهِ، وَالْإِعْلَانِ بِدِينِهِ عِنْدَ وُرُودِ الْمُجَادَلَاتِ وَالشُّبَهِ-: {لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا}: فَأَقَرَّ بِرُبُوبِيَّتِهِ لِرَبِّهِ، وَانْفِرَادِهِ فِيهَا، وَالْتَزَمَ طَاعَتَهُ وَعِبَادَتَهُ، وَأَنَّهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا مِنَ الْمَخْلُوقِينَ، ثُمَّ أَخْبَرَهُ أَنَّ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ بِالْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ -وَلَوْ مَعَ قِلَّةِ مَالِهِ وَوَلَدِهِ- أَنَّهَا هِيَ النِّعْمَةُ الْحَقِيقِيَّةُ، وَأَنَّ مَا عَدَاهَا مُعَرَّضٌ لِلزَّوَالِ وَالْعُقُوبَةِ عَلَيْهِ وَالنَّكَالِ، فَقَالَ -أَيْ: قَالَ لِلْكَافِرِ صَاحِبُهُ الْمُؤْمِنُ-: أَنْتَ وَإِنْ فَخَرْتَ عَلَيَّ بِكَثْرَةِ مَالِكَ وَوَلَدِكَ، وَرَأَيْتَنِي أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا؛ فَإِنَّ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى، وَمَا يُرْجَى مِنْ خَيْرِهِ وَإِحْسَانِهِ أَفْضَلُ مِنْ جَمِيعِ الدُّنْيَا الَّتِي يَتَنَافَسُ فِيهَا الْمُتَنَافِسُونَ.

{فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِي خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا} أَيْ: عَلَى جَنَّتِكَ الَّتِي طَغَيْتَ بِهَا وَغَرَّتْكَ {حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ} أَيْ: عَذَابًا بِمَطَرٍ عَظِيمٍ أَوْ غَيْرِهِ، {فَتُصْبِحَ} بِسَبَبِ ذَلِكَ {صَعِيدًا زَلَقًا} أَيْ: قَدِ اقْتُلِعَتْ أَشْجَارُهَا، وَتَلَفَتْ ثِمَارُهَا، وَغَرِقَ زَرْعُهَا، وَزَالَ نَفْعُهَا، {أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا} الَّذِي مَادَّتُهَا مِنْهُ {غَوْرًا} أَيْ: غَائِرًا فِي الْأَرْضِ {فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا} أَيْ: غَائِرًا لَا يُسْتَطَاعُ الْوُصُولُ إِلَيْهِ بِالْمَعَاوِلِ وَلَا بِغَيْرِهَا، وَإِنَّمَا دَعَا عَلَى جَنَّتِهِ الْمُؤْمِنُ غَضَبًا لِرَبِّهِ؛ لِكَوْنِهَا غَرَّتْهُ وَأَطْغَتْهُ، وَاطْمَأَنَّ إِلَيْهَا؛ لَعَلَّهُ يُنِيبُ، وَيُرَاجِعُ رُشْدَهُ، وَيُبْصِرُ فِي أَمْرِهِ.

فَاسْتَجَابَ اللَّهُ دُعَاءَهُ {وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ} أَيْ: أَصَابَهُ عَذَابٌ أَحَاطَ بِهِ، وَاسْتَهْلَكَهُ فَلَمْ يَبْقَ مِنْهُ شَيْءٌ، وَالْإِحَاطَةُ بِالثَّمَرِ يَسْتَلْزِمُ تَلَفَ جَمِيعِ أَشْجَارِهِ وَثِمَارِهِ وَزَرْعِهِ، فَنَدِمَ كُلَّ النَّدَامَةِ، وَاشْتَدَّ لِذَلِكَ أَسَفُهُ، {فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا} أَيْ: عَلَى كَثْرَةِ نَفَقَاتِهِ الدُّنْيَوِيَّةِ عَلَيْهَا؛ حَيْثُ اضْمَحَلَّتْ وَتَلَاشَتْ، فَلَمْ يَبْقَ لَهَا عِوَضٌ، وَنَدِمَ -أَيْضًا- عَلَى شِرْكِهِ وَشَرِّهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: {وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا}.

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا} أَيْ: لَمَّا نَزَلَ الْعَذَابُ بِجَنَّتِهِ ذَهَبَ عَنْهُ مَا كَانَ يَفْتَخِرُ بِهِ مِنْ قَوْلِهِ لِصَاحِبِهِ: {أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالا وَأَعَزُّ نَفَرًا}؛ فَلَمْ يَدْفَعُوا عَنْهُ مِنَ الْعَذَابِ شَيْئًا، أَشَدَّ مَا كَانَ إِلَيْهِمْ حَاجَةً، وَمَا كَانَ بِنَفْسِهِ مُنْتَصِرًا، وَكَيْفَ يَنْتَصِرُ؛ أَيْ: يَكُونُ لَهُ أَنْصَارًا عَلَى قَضَاءِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ الَّذِي إِذَا أَمْضَاهُ وَقَدَّرَهُ؛ لَوِ اجْتَمَعَ أَهْلُ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ عَلَى إِزَالَةِ شَيْءٍ مِنْهُ لَمْ يَقْدِرُوا؟!!

وَلَا يُسْتَبْعَدُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ وَلُطْفِهِ أَنَّ صَاحِبَ هَذِهِ الْجَنَّةِ -الَّتِي أُحِيطَ بِهَا- تَحَسَّنَتْ حَالُهُ، وَرَزَقَهُ اللَّهُ الْإِنَابَةَ إِلَيْهِ، وَرَاجَعَ رُشْدَهُ، وَذَهَبَ تَمَرُّدُهُ وَطُغْيَانُهُ؛ بِدَلِيلِ أَنَّهُ أَظْهَرَ النَّدَمَ عَلَى شِرْكِهِ بِرَبِّهِ، وَأَنَّ اللَّهَ أَذْهَبَ عَنْهُ مَا يُطْغِيهِ، وَعَاقَبَهُ فِي الدُّنْيَا، وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا عَجَّلَ لَهُ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا، وَفَضْلُ اللَّهِ لَا تُحِيطُ بِهِ الْأَوْهَامُ وَالْعُقُولُ، وَلَا يُنْكِرُهُ إِلَّا ظَالِمٌ جَهُولٌ.

{هُنَالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا} أَيْ: فِي تِلْكَ الْحَالِ الَّتِي أَجْرَى اللَّهُ فِيهَا الْعُقُوبَةَ عَلَى مَنْ طَغَى، وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا، وَالْكَرَامَةَ لِمَنْ آمَنَ، وَعَمِلَ صَالِحًا، وَشَكَرَ اللَّهَ، وَدَعَا غَيْرَهُ لِذَلِكَ؛ تَبَيَّنَ وَتَوَضَّحَ أَنَّ الْوَلَايَةَ الْحَقَّ لِلَّهِ وَحْدَهُ، فَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا بِهِ تَقِيًّا كَانَ لَهُ وَلِيًّا، فَأَكْرَمَهُ بِأَنْوَاعِ الْكَرَامَاتِ، وَدَفَعَ عَنْهُ الشُّرُورَ وَالْمَثُلَاتِ، وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ وَيَتَوَلَّهُ خَسِرَ دِينَهُ وَدُنْيَاهُ، فَثَوَابُهُ الدُّنْيَوِيُّ وَالْأُخْرَوِيُّ خَيْرُ ثَوَابٍ يُرْجَى وَيُؤَمَّلُ.

فَفِي هَذِهِ الْقِصَّةِ الْعَظِيمَةِ اعْتِبَارٌ بِحَالِ الَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ نِعَمًا دُنْيَوِيَّةً، فَأَلْهَتْهُ عَنْ آخِرَتِهِ وَأَطْغَتْهُ، وَعَصَى اللَّهَ فِيهَا؛ أَنَّ مَآلَهَا الِانْقِطَاعُ وَالِاضْمِحْلَالُ، وَأَنَّهُ وَإِنْ تَمَتَّعَ بِهَا قَلِيلًا فَإِنَّهُ يُحْرَمُهَا طَوِيلًا، وَأَنَّ الْعَبْدَ يَنْبَغِي لَهُ -إِذَا أَعْجَبَهُ شَيْءٌ مِنْ مَالِهِ أَوْ وَلَدِهِ- أَنْ يُضِيفَ النِّعْمَةَ إِلَى مُولِيهَا وَمُسْدِيهَا، وَأَنْ يَقُولَ: ((مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ))؛ لِيَكُونَ شَاكِرًا لِلَّهِ، مُتَسَبِّبًا لِبَقَاءِ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِ؛ لِقَوْلِهِ: {وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ}.

وَفِيهَا: الْإِرْشَادُ إِلَى التَّسَلِّي عَنْ لَذَّاتِ الدُّنْيَا وَشَهَوَاتِهَا بِمَا عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الْخَيْرِ؛ لِقَوْلِهِ: {إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالا وَوَلَدًا فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِي خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ}.

وَفِيهَا: أَنَّ الْمَالَ وَالْوَلَدَ لَا يَنْفَعَانِ إِنْ لَمْ يُعِينَا عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا}.

وَفِيهَا: الدُّعَاءُ بِتَلَفِ مَالِ مَنْ كَانَ مَالُهُ سَبَبَ طُغْيَانِهِ وَكُفْرِهِ وَخُسْرَانِهِ؛ خُصُوصًا إِنْ فَضَّلَ نَفْسَهُ بِسَبَبِهِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، وَفَخَرَ عَلَيْهِمْ.

وَفِيهَا: أَنَّ وَلَايَةَ اللَّهِ وَعَدَمَهَا إِنَّمَا تَتَّضِحُ نَتِيجَتُهَا إِذَا انْجَلَى الْغُبَارُ، وَحُقَّ الْجَزَاءُ، وَوَجَدَ الْعَامِلُونَ أَجْرَهُمْ فَـ {هُنَالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا} أَيْ: عَاقِبَةً وَمَآلًا)).

((التَّرْهِيبُ مِنْ مَنْعِ الْفُقَرَاءِ حُقُوقَهُمْ مِنَ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ))

عِبَادَ اللهِ! لَقَدْ أَوْجَبَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- الزَّكَاةَ فِي الْحُبُوبِ وَالثِّمَارِ، وَالْأَصْلُ فِي وُجُوبِ زَكَاةِ الْحُبُوبِ وَالثِّمَارِ قَوْلُ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الْأَرْضِ} [البقرة: 267].

وَ«مِنْ» هُنَا لِلتَّبْعِيضِ، بِاعْتِبَارِ الْجِنْسِ، وَبِاعْتِبَارِ الْفَرْدِ، أَيْ: لَا كُلَّ الْمُخْرَجِ وَلَا كُلَّ مَا يَخْرُجُ.

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ} أَيْ: بَسَاتِينَ {مَعْرُوشَاتٍ} أَيْ: مَسْمُوكَاتٍ مَرْفُوعَاتٍ {وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ}: وَغَيْرَ مَرْفُوعَاتٍ.

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-: «{مَعْرُوشَاتٍ}: مَا انْبَسَطَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ فَانْتَشَرَ مِمَّا يَعْرُشُ؛ كَالْكَرْمِ وَالبِطِّيخِ، {وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ}: مَا قَامَ عَلَى سَاقٍ وَنَسَقٍ، أَيْ: مَا كَانَ عَلَى نِظَامٍ وَاحِدٍ؛ كَالنَّخْلِ، وَالزَّرْعِ، وَسَائِرِ الْأَشْجَارِ.

{وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ ۚ كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} ثَمَرُهُ وَطَعْمُهُ، {وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ} مُتَشَابِهًا فِي النَّظَرِ، غَيْرَ مُتَشَابِهٍ فِيهِ وَلَا فِي الطَّعْمِ، {وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ ۚ كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام: 141].

وَقَالَ ﷺ: «فِيمَا سَقَتِ السَّماءُ وَالْعُيُونُ أَوْ كَانَ عَثَرِيًّا الْعُشْرُ -أَيْ: عَشْرَةٌ بِالْمِئَةِ-، وَفِيمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ -أَيْ: بِنَضْحِ الْمَاءِ وَالتَّكَلُّفِ فِي اسْتِخْرَاجِهِ- نِصْفُ الْعُشْرِ». الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي «صَحِيحِهِ».

فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالْعُيُونُ أَوْ كَانَ عَثَرِيًّا -عَثَريًّا: هـُوَ مَا يَشْرَبُ مِنْ غَيْرِ سَقْيٍ، إِمَّا بِعُرُوقِهِ، أَوْ بِوَاسِطَةِ الْمَطَرِ وَالسُّيُولِ وَالْأَنْهَارِ، وَهُوَ مَا يُسَمَّى بِالْبَعْلِ، سُمِّيَ عَثَريًّا مِنَ الْعَاثُورَاءِ، وَهِيَ الْحُفْرَةُ؛ لِتَعَثُّرِ الْمَاءِ بِهَا-.

وَقَالَ ﷺ: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ». أَخْرَجَاهُ.

وَالْأَوْسُقُ: جَمْعُ وَسْقً ووِسْقٍ -بِالْفَتْحِ وَالْكَسْرِ-، وَأَصْلُهَا فِي اللُّغَةِ: الْحِمْلُ، وَالْمُرَادُ بِالوَسْقِ: «سِتُّونَ صَاعًا».

فَهَذِهِ النُّصُوصُ تَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيمَا يَخْرُجُ مِنَ الْأَرْضِ؛ لَكِنْ لَا فِي كُلِّ شَيْءٍ يَخْرُجُ مِنْهَا، وَلَا فِي كُلِّ نَوْعٍ، بَلْ هُوَ مَخْصُوصٌ نَوْعًا، مُقَدَّرٌ كَمًّا.

إِنَّ ((الْوَاجِبَ عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يُزَكِّيَ عِنْدَ نِهَايَةِ كُلِّ عَامٍ عَنْ جَمِيعِ الْأَمْوَالِ الَّتِي عِنْدَهُ؛ مِنَ الذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ، وَعُرُوضِ التِّجَارَةِ، وَهَكَذَا إِذَا كَانَ يَزْرَعُ؛ يُزَكِّي زَكَاةَ الزَّرْعِ.. زَكَاةَ التُّمُورِ، زَكَاةَ الْعِنَبِ، قَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام: 141]، قَالَ: {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [البقرة: 43]، هَذِهِ لِلْفَوْرِيَّةِ، أَقِيمُوا الصَّلَاةَ فِي وَقْتِهَا، وَآتُوا الزَّكَاةِ فِي وَقْتِهَا.

وَأَخْبَرَ -جَلَّ وَعَلَا- أَنَّ الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ، وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ أَنَّهُمْ مَوْعُودُونَ بِالْعَذَابِ الْأَلِيمِ، قَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ ۖ هَٰذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ} [التوبة: 34-35].

هَذَا جَزَاءُ مَنْ بَخِلَ بِالزَّكَاةِ وَلَمْ يُخْرِجْ حَقَّهَا، كُلُّ مَالٍ لَا تُؤَدَّى زَكَاتُهُ فَهُوَ كَنْزٌ يُعَذَّبُ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)).

وَقَالَ ﷺ: ((مَنْ آتَاهُ اللهُ مَالًا فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ؛ مُثِّلَ لَهُ مَالُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ لَهُ زَبِيبَتَانِ, يُطَوِّقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ, ثُمَّ يَأْخُذُ بِلَهْزَمَتَيْهِ -يَعْنِي: بِشِدْقَيْهِ-، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا مَالُكَ، أَنَا كَنْزُكَ، ثُمَّ تَلَا: {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ ۖ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ ۖ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [آل عمران: 180])). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَقَالَ ﷺ: ((مَا مِنْ صَاحِبِ كَنْزٍ لَا يُؤَدِّي زَكَاتَهُ إِلَّا أُحْمِيَ عَلَيْهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ, فَيُجْعَلُ صَفَائِحَ فَيُكْوَى بِهَا جَنْبَاهُ وَجَبِينُهُ، حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَ عِبَادِهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةً, ثُمَّ يَرَى سَبِيلَهُ: إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِمَّا إِلَى النَّارِ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

لَقَدْ قَصَّ اللهُ عَلَيْنَا فِي سُورَةِ الْقَلَمِ: { ن ۚ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ} [القلم: 1]؛ قَصَّ عَلَيْنَا فِيهَا قِصَّةً عَجِيبَةً هِيَ لِأَهْلِ الْإِيمَانِ وَلِأَهْلِ الْكُفْرَانِ عَلَى السَّوَاءِ؛ قِصَّةَ أَصْحَابِ الْجَنَّةِ الَّذِينَ تَقَاسَمُوا هَذِهِ الْجَنَّةَ بَعْدَ أَبِيهِمْ، وَفِي خَبَرِهَا مَا فِيهَا مِنَ الْعَجَائِبِ.

أَخْبَرَنَا رَبُّنَا -جَلَّ وَعَلَا- أَنَّهُ اخْتَبَرَ أَهْلَ مَكَّةَ بِالْقَحْطِ وَالْجُوعِ كَمَا ابْتَلَى وَاخْتَبَرَ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ، وَهَذِهِ الْجَنَّةُ كَانَتْ بُسْتَانًا بِالْيَمَنِ عَلَى فَرْسَخَيْنِ مِنْ (صَنْعَاءَ)، وَكَانَتْ لِرَجُلٍ يُؤَدِّي حَقَّ اللهِ مِنْهَا, فَمَاتَ، فَصَارَتْ إِلَى أَوْلَادِهِ، فَمَنَعُوا النَّاسَ خَيْرَهَا، وَبَخِلُوا بِحَقِّ اللهِ فِيهَا, فَصَارَتْ عَاقِبَتُهُمْ إِلَى مَا قَصَّهُ اللهُ -تَعَالَى- فِي كِتَابِهِ؛ إِذْ حَلَفُوا  لَيَقْطَعُنَّ ثَمَرَهَا إِذَا أَصْبَحُوا قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ بِذَلِكَ الْمَسَاكِينُ، وَلَا يَقُولُونَ: إِنْ شَاءَ اللهُ، قَالُوا: سَنَجْمَعُ ثِمَارَهَا صَبَاحًا، وَلَمْ يَقُولُوا: إِنْ شَاءَ اللهُ، لَنَقْطَعَنَّ الثِّمَارَ صَبَاحًا قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ الْمَسَاكِينُ بِأَوَانِ قَطْعِ الثِّمَارِ، فَيَأْتِيَ آتِيهِمْ مِنْ أَجْلِ أَنْ يُطَالِبَ بِحَقِّ اللهِ الَّذِي لَهُ عِنْدَنَا، فَسَنُبَكِّرُ فِي الصَّبَاحِ حَتَّى لَا يَعْلَمَ الْمَسَاكِينُ بِنَا، يَجْحَدُونَ حَقَّ اللهِ عِنْدَهُمْ فِيمَا آتَاهُمْ.

فَطَافَ عَلَيْهَا عَذَابٌ مِنْ رَبِّكَ لَيْلًا, وَكَانَ ذَلِكَ الطَّائِفُ نَارًا نَزَلَتْ مِنَ السَّمَاءِ فَأَحْرَقَتْهَا وَهُمْ نَائِمُونَ.

فَأَصْبَحَتْ كَاللَّيْلِ الْمُظْلِمِ الْأَسْوَدِ، أَوْ كَالْبُسْتَانِ الَّذِي قُطِعَتْ ثِمَارُهُ.

قَالَ تَعَالَى: {إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (17) وَلَا يَسْتَثْنُونَ (18) فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (19) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (20) فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ (21) أَنِ اغْدُوا عَلَىٰ حَرْثِكُمْ إِن كُنتُمْ صَارِمِينَ (22) فَانطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ (23) أَن لَّا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُم مِّسْكِينٌ (24) وَغَدَوْا عَلَىٰ حَرْدٍ قَادِرِينَ (25) فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (26) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (27) قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ (28) قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (29) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ (30) قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ (31) عَسَىٰ رَبُّنَا أَن يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِّنْهَا إِنَّا إِلَىٰ رَبِّنَا رَاغِبُونَ (32) كَذَٰلِكَ الْعَذَابُ ۖ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (33)} [القلم: 17-33].

إِنَّا اخْتَبَرْنَا كُبَرَاءَ مُشْرِكِي مَكَّةَ بِعَوْنِ الْمُحْتَاجِينَ وَإِطْعَامِ الْجَائِعِينَ كَمَا اخْتَبَرْنَا أَصْحَابَ الْحَدِيقَةِ حِينَ تَحَالَفُوا لَيْلًا لِتَأْكِيدِ مَا عَزَمُوا عَلَيْهِ؛ لَيَقْطَعُنَّ ثَمَرَهَا إِذَا أَصْبَحُوا قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ إِلَيْهِمُ الْمَسَاكِينُ، وَلَا يَسْتَثْنُونَ شَيْئًا لِلْمَسَاكِينِ مِنْ ثَمَرِ جَنَّتِهِمْ.

فَدَارَ عَلَيْهَا مُحِيطًا بِهَا رِيحٌ عَاصِفَةٌ وَهُمْ نَائِمُونَ، وَأَصْبَحَتْ كَالْقِطْعَةِ الْمُنْقَطِعَةِ مِنَ الرَّمْلِ، وَحَوْلَهَا الْبَسَاتِينُ وَالْمَزَارِعُ قَائِمَةٌ.

فَنَادَى بَعْضُهُمْ بَعْضًا لَمَّا أَصْبَحُوا: أَنِ اذْهَبُوا مُبَكِّرِينَ عَلَى الثِّمَارِ وَالزَّرْعِ وَالْأَعْنَابِ إِنْ كُنْتُمْ قَاطِعِينَ ثِمَارَكُمْ، فَأَسْرَعُوا إِلَى حَدِيقَتِهِمْ وَهُمْ يَتَحَادَثُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ بِصَوْتٍ مُنْخَفِضٍ، يَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ سِرًّا: أَلَّا تُمَكِّنُوا الْيَوْمَ أَحَدًا مِنَ الْمَسَاكِينِ مِنْ دُخُولِ جَنَّتِكُمْ.

وَسَارُوا أَوَّلَ النَّهَارِ إِلَى جَنَّتِهِمْ عَلَى قَصْدِهِمُ السَّيِّءِ فِي مَنْعِ الْمَسَاكِينِ، وَهُمْ فِي غَايَةِ الْقُدْرَةِ عَلَى جَنَّتِهِمْ وَثِمَارِهَا، لَا يَحُولُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهَا أَحَدٌ.

فَلَمَّا رَأَوْا جَنَّتَهُمْ هَالِكَةً قَالُوا: إِنَّا لَمُخْطِئُونَ الطَّرِيقَ عَنْ مَكَانِ جَنَّتِنَا، لَيْسَتْ هَذِهِ جَنَّتَنَا، فَلَمَّا عَرَفُوا أَنَّهَا جَنَّتُهُمْ قَالَ بَعْضُهُمْ: قَدْ حُرِمْنَا خَيْرَهَا وَنَفْعَهَا بِمَنْعِنَا الْمَسَاكِينَ مِنْ حَظِّهِمْ مِنْهَا.

قَالَ أَعْدَلُهُمْ وَأَعْقَلُهُمْ وَأَفْضَلُهُمْ: أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ: هَلَّا تُنَزِّهُونَ اللهَ -تَعَالَى- عَنْ تَصَوُّرِ أَنَّهُ حَرَمَكُمُ الْعَطَاءَ دُونَ أَنْ تَرْتَكِبُوا إِثْمًا؟!!

قَالُوا: تَنَزَّهَ اللهُ عَنِ الظُّلْمِ فِيمَا فَعَلَ، إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ بِمَنْعِنَا الْمَسَاكِينَ حُقُوقَهُمْ.

فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَلُومُ كُلٌّ مِنْهُمُ الْآخَرَ، قَالُوا: يَا هَلَاكَنَا! إِنَّا كُنَّا مُتَجَاوِزِينَ الْحَدَّ فِي مَنْعِنَا الْفُقَرَاءَ وَالْمَسَاكِينَ، عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُعَوِّضَنَا خَيْرًا مِنْ جَنَّتِنَا الْمُهْلَكَةِ، إِنَّا إِلَى رَبِّنَا وَحْدَهُ رَاغِبُونَ، طَالِبُونَ الْخَيْرَ، رَاجُونَ الْعَفْوَ.

كَمَا فَعَلْنَا بِأَصْحَابِ الْجَنَّةِ مِنْ إِهْلَاكِ حَرْثِهِمْ وَهُمْ فِي غَايَةِ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ وَالثِّقَةِ بِهِ نَفْعَلُ بِمَنْ تَعَدَّى حُدُودَنَا، وَخَالَفَ أَمْرَنَا.

وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَعْظَمُ وَأَشَدُّ مِنْ عَذَابِ الدُّنْيَا لَوْ كَانَ الْعُصَاةُ وَالْكَفَرَةُ وَالْمُذْنِبُونَ يَعْلَمُونَ كَمَالَ صِفَاتِ اللهِ -تَعَالَى-، وَحِكْمَتَهَ وَعَدْلَهَ، وَمَا أَعَدَّ فِي الْآخِرَةِ مِنْ حِسَابٍ وَجَزَاءٍ بِالْعَدْلِ.

((الزِّرَاعَةُ وَالْغَرْسُ حَيَاةٌ))

عِبَادَ اللهِ! إِنَّ الزِّرَاعَةَ وَالْغَرْسَ حَيَاةٌ.. قَالَ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ-: {وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُّبَارَكًا فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (9) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ (10) رِّزْقًا لِّلْعِبَادِ ۖ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا} [ق: 9-11].

(({وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُّبَارَكًا} أَيْ: نَافِعًا، {فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ} أَيْ: حَدَائِقَ مِنْ بَسَاتِينَ وَنَحْوِهَا، {وَحَبَّ الْحَصِيدِ}: وَهُوَ الزَّرْعُ الَّذِي يُرَادُ لِحَبِّهِ وَادِّخَارِهِ.

{وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ} أَيْ: طِوَالًا شَاهِقَاتٍ {لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ} أَيْ: مَنْضُودٌ.

{رِّزْقًا لِّلْعِبَادِ} أَيْ: لِلْخَلْقِ، {وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا} وَهِيَ: الْأَرْضُ الَّتِي كَانَتْ هَامِدَةً، فَلَمَّا نَزَلَ عَلَيْهَا الْمَاءُ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ، وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ؛ مِنْ أَزَاهِيرَ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَحَارُ الطَّرْفُ فِي حُسْنِهِ، وَذَلِكَ بَعْدَمَا كَانَتْ لَا نَبَاتَ بِهَا، فَأَصْبَحَتْ تَهْتَزُّ خَضْرَاءَ)).

لَقَدْ حَثَّ الْإِسْلَامُ عَلَى الزَّرْعِ وَالْغَرْسِ، وَقَدْ جَاءَتْ آيَاتٌ كَثِيرَةٌ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ تُذَكِّرُ الْمُسْلِمَ بِنِعْمَةِ النَّبَاتِ وَالشَّجَرِ؛ لِيَلْفِتَ اللهُ انْتِبَاهَ النَّاسِ إِلَى أَهَمِّيَّةِ هَذِهِ النِّعْمَةِ، فَيَشْكُرُوا اللهَ عَلَيْهَا، وَقَدْ جَعَلَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- حَيَاةَ النَّاسِ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مُرْتَبِطَةً بِالنَّبَاتَاتِ، فَهِيَ تَتَغَذَّى مِنَ الْأَرْضِ، وَالْإِنْسَانُ وَالْحَيَوَانُ يَتَغَذَّيَانِ مِنَ النَّبَاتِ، ثُمَّ يَتَغَذَّى الْإِنْسَانُ مِنْ بَعْضِ الْحَيَوَانَاتِ، وَلَيْسَ بِاسْتِطَاعَةِ الْإِنْسَانِ أَنْ يَتَغَذَّى مِنَ الْأَرْضِ مُبَاشَرَةً، وَحَيْثُمَا عُدِمَ الْغَرْسُ وَالشَّجَرُ عُدِمَتِ الْحَيَاةُ؛ وَلِذَا كَانَ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ أَنْ أَنْبَتَ لَنَا الزَّرْعَ وَالشَّجَرَ؛ لِتَكُونَ هَذِهِ الْأَرْضُ صَالِحَةً لِحَيَاةِ الْبَشَرِ عَلَيْهَا، قَالَ تَعَالَى: {وَآيَةٌ لَّهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (33) وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (34) لِيَأْكُلُوا مِن ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ ۖ أَفَلَا يَشْكُرُونَ} [يس: 33-35].

((وَدَلَالَةٌ لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ عَلَى قُدْرَةِ اللهِ عَلَى الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ: هَذِهِ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ الَّتِي لَا نَبَاتَ فِيهَا أَحْيَيْنَاهَا بِإِنْزَالِ الْمَاءِ، وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا أَنْوَاعَ النَّبَاتِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ، وَمَنْ أَحْيَا الْأَرْضَ بِالنَّبَاتِ أَحْيَا الْخَلْقَ بَعْدَ الْمَمَاتِ.

وَجَعَلْنَا فِي هَذِهِ الْأَرْضِ بَسَاتِينَ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ، وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنْ عُيُونِ الْمِيَاهِ مَا يَسْقِيهَا.

كُلُّ ذَلِكَ لِيَأْكُلَ الْعِبَادُ مِنْ ثَمَرِهِ، وَمَا ذَلِكَ إِلَّا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ بِهِمْ، لَا بِسَعْيِهِمْ وَلَا بِكَدِّهِمْ، وَلَا بِحَوْلِهِمْ وَلَا بِقُوَّتِهِمْ؛ أَفَلَا يَشْكُرُونَ اللهَ عَلَى مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنْ هَذِهِ النِّعَمِ الَّتِي لَا تُعَدُّ وَلَا تُحْصَى؟!!)).

وحَثَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى الزَّرْعِ وَالْغَرْسِ؛ فَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا، فَيَأْكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ أَوْ إِنْسَانٌ أَوْ بَهِيمَةٌ إِلَّا كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ)).

وَزَادَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: ((وَمَا سُرِقَ لَهُ مِنْهُ صَدَقَةٌ... وَلَا يَرْزَؤُهُ أَحَدٌ إِلَّا كَانَ لَهُ صَدَقَةٌ)).

بَلْ إِنَّ الْحِرْصَ عَلَى زِرَاعَةِ الْأَشْجَارِ وَلَوْ ظَهَرَتْ عَلَامَاتُ السَّاعَةِ؛ فَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَبِيَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ؛ فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَلَّا يَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَفْعَلْ)).

وَصَرَّحَ النَّبِيُّ ﷺ بِأَنَّ الْغَرْسَ مِنَ الْأَعْمَالِ الَّتِي تَبْقَى لِلرَّجُلِ بَعْدَ مَوْتِهِ؛ فَعَنْ أَنَسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((سَبْعَةٌ يجْرِي عَلَى الْعَبْدِ أَجْرُهُنَّ بَعْدَ مَوْتِهِ فِي بِرِّهِ: مَنْ عَلَّمَ عِلْمًا، أَوْ أَكْرَى نَهْرًا، أَو حَفَرَ بِئْرًا، أَوْ غَرَسَ نَخْلًا، أَوْ بَنَى مَسْجِدًا، أَوْ وَرَّثَ مُصْحَفًا، أَوْ تَرَكَ وَلَدًا يَسْتَغْفِرُ لَهُ)).

وَصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ أَجمَعِينَ.

المصدر: الزَّارِعُ الْمُجِدُّ

التعليقات


خطب مفرغة قد تعجبك


  أَحْوَالُ الْفَرَجِ وَالشِّدَّةِ
  وللظالمين أمثالُها
  من أحداث الهجرة
  مَفْهُومُ الْعِرْضِ وَالشَّرَفِ
  كَيْفَ نَسْتَمْطِرُ الرَّحَمَاتِ الرَّبَّانِيَّةَ؟
  ((دُرُوسٌ وَعِظَاتٌ مِنْ تَفْسِيرِ الْآيَاتِ)) ​((الدَّرْسُ الثَّانِي: أُصُولُ التَّوْحِيدِ وَمَعَالِمُهُ فِي سُورَةِ الْفَاتِحَةِ))
  مُوَاجَهَةُ الْفَسَادِ.. مَسْؤُولِيَّةٌ دِينِيَّةٌ وَوَطَنِيَّةٌ وَمُجْتَمَعِيَّةٌ
  خُطُورَةُ الشَّائِعَاتِ
  كيف تصحب النبي صلى الله عليه وسلم ؟
  الْإِسْلَامُ مَصْدَرُ السَّعَادَةِ وَالصَّلَاحِ لِلْعَالَمِ
  • شارك

نبذة عن الموقع

موقع تفريغات العلامة رسلان ، موقع يحتوي على العشرات من الخطب والمحاضرات والمقاطع المفرغة لفضيلة الشيخ العلامة أبي عبدالله محمد بن سعيد رسلان-حفظه الله- . كما يعلن القائمون على صفحة وموقع تفريغات العلامة رسلان -حفظه الله- أن التفريغات للخطب ليست هي الشكل النهائي عند الطباعة، ولكن نحن نفرغ خطب الشيخ حفظه الله ونجتهد في نشرها ليستفيد منها طلاب العلم والدعاة على منهاج النبوة في كل أنحاء الدنيا، ونؤكد على أنَّ الخطب غير مُخرَّجة بشكل كامل كما يحدث في خطب الشيخ العلامة رسلان المطبوعة وليست الكتب المنشورة على الصفحة والموقع هي النسخة النهائية لكتب الشيخ التي تُطبع...وهذه الكتب ما هي إلا تفريغ لخطب الشيخ، غير أنَّ كتب الشيخ التي تُطبع تُراجع من الشيخ -حفظه الله- وتُخرج. والتفريغ عملٌ بشريٌ، ونحن نجتهد في مراجعة التفريغات مراجعة جيدة، فإذا وقع خطأ أو شكل الخطب كما نخرجها -إنما نُحاسب نحن عليها والخطأ يُنسب لنا وليس للشيخ -حفظه الله-.

الحقوق محفوظة لكل مسلم موقع تفريغات العلامة رسلان