عُلُوُّ الْهِمَّةِ سَبِيلُ الْأُمَمِ الْمُتَحَضِّرَةِ

عُلُوُّ الْهِمَّةِ سَبِيلُ الْأُمَمِ الْمُتَحَضِّرَةِ

((عُلُوُّ الْهِمَّةِ سَبِيلُ الْأُمَمِ الْمُتَحَضِّرَةِ))

إِنَّ الْحَمْدَ لِلهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا الْحَمْدَ وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ.

أَمَّا بَعْدُ:

فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.

أَمَّا بَعْدُ:

((عُلُوُّ الْهِمَّةِ مِنْ صِفَاتِ عِبَادِ الرَّحْمَنِ))

فَقَدْ أَخْبَرَ -تَعَالَى- عَنْ أَحْوَالِ الْخَلْقِ، وَأَنَّ الْجَمِيعَ يَسْأَلُونَهُ مَطَالِبَهُمْ، وَيَسْتَدْفِعُونَهُ مَا يَضُرُّهُمْ؛ وَلَكِنَّ هِمَمَهُمْ وَمَقَاصِدَهُمْ مُتَبَايِنَةٌ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا}؛ أَيْ: يَسْأَلُ رَبَّهُ مِنْ مَطَالِبِ دُنْيَاهُ وَشَهَوَاتِهِ فَقَطْ {وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ} [البقرة: 200]؛ لَا رَغْبَةَ لَهُ فِيهَا، وَلَا حَظَّ لَهُ مِنْهَا.

وَمِنْهُمْ عَالِي الْهِمَّةِ مَنْ يَدْعُو اللهَ لِمَصْلَحَةِ الدَّارَيْنِ، وَيَفْتَقِرُ إِلَى رَبِّهِ فِي مُهِمَّاتِ دِينِهِ وَدُنْيَاهُ، وَكُلٌّ مِنْ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ لَهُ نَصِيبٌ مِنْ كَسْبِهِمْ وَعَمَلِهِمْ، وَسَيُجَازِيهِمُ اللهُ عَلَى حَسَبِ أَعْمَالِهِمْ وَنِيَّاتِهِمْ جَزَاءً دَائِرًا بَيْنَ الْفَضْلِ وَالْإِحْسَانِ وَالْكَرَمِ لِلْمَقْبُولِينَ، وَبَيْنَ الْعَدْلِ وَالْحِكْمَةِ لِغَيْرِهِمْ.

لَقَدْ وَصَفَ اللهُ عِبَادَهُ الْمُتَّقِينَ بِصِفَاتٍ تَعْكِسُ عُلُوَّ هِمَمِهِمْ وَسُمُوَّ آمَالِهِمْ، قَالَ رَبُّنَا -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: {وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (63) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (64) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ ۖ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (65) إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (66) وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا (67) وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَٰهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (69) إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا (70) وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللهِ مَتَابًا (71) وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا (72) وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا} [الفرقان: 63-73].

الْعُبُودِيَّةُ للهِ نَوْعَانِ:

* عُبُودِيَّةٌ لِرُبُوبِيَّةِ اللهِ وَمُلْكِهِ، فَهَذِهِ يَشْتَرِكُ فِيهَا سَائِرُ الْخَلْقِ؛ مُسْلِمُهُمْ وَكَافِرُهُمْ، فَكُلُّهُمْ عَبِيدٌ للهِ مَرْبُوبُونَ مُدَبَّرُونَ.

* وَعُبُودِيَّةٌ لِأُلُوهِيَّتِهِ وَرَحْمَتِهِ، وَهِيَ عُبُودِيَّةُ أَنْبِيَائِهِ وَأَوْلِيَائِهِ، وَهِيَ الْمُرَادُ هُنَا؛ وَلِهَذَا أَضَافَهَا إِلَى اسْمِهِ (الرَّحْمَنِ)؛ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّهُمْ إِنَّمَا وَصَلُوا إِلَى هَذِهِ الْحَالِ بِرَحْمَتِهِ بِهِمْ، وَلُطْفِهِ وَإِحْسَانِهِ، فَذَكَرَ صِفَاتِهِمْ أَكْمَلَ الصِّفَاتِ، وَبِالِاتِّصَافِ بِهَا يَكُونُ الْعَبْدُ مُتَحَقِّقًا بِعُبُودِيَّتِهِ الْخَاصَّةِ النَّافِعَةِ الْمُثْمِرَةِ لِلسَّعَادَةِ الْأَبَدِيَّةِ، فَوَصَفَهُمْ بِأَوْصَافٍ..

قَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا} أَيْ: قُرَنَائِنَا؛ مِنْ أَصْحَابٍ، وَأَخِلَّاءَ، وَأَقْرَانٍ، وَزَوْجَاتٍ، {وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ} أَيْ: تَقَرُّ بِهِمْ أَعْيُنُنَا، وَإِذَا اسْتَقْرَأْنَا حَالَهُمْ وَصِفَاتِهِمْ؛ عَرَفْنَا مِنْ عُلُوِّ هِمَمِهِمْ وَمَرَاتِبِهِمْ أَنَّ مَقْصُودَهُمْ بِهَذَا الدُّعَاءِ لِذُرِّيَّاتِهِمْ: أَنْ يَطْلُبُوا مِنْهُ صَلَاحَهُمْ؛ فَإِنَّ صَلَاحَ الذُّرِّيَّةِ عَائِدٌ إِلَيْهِمْ وَإِلَى وَالِدِيهِمْ؛ لِأَنَّ النَّفْعَ يَعُودُ عَلَى الْجَمِيعِ؛ بَلْ صَلَاحُهُمْ يَعُودُ إِلَى نَفْعِ الْمُسْلِمِينَ عُمُومًا؛ لِأَنَّ بِصَلَاحِ الْمَذْكُورِينَ صَلَاحًا لِكُلِّ مَنْ لَهُ تَعَلُّقٌ بِهِمْ، ثُمَّ يَتَسَلْسَلُ الصَّلَاحُ وَالْخَيْرُ.

{وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} [الفرقان: 74]؛ أَيْ: أَوْصِلْنَا يَا رَبَّنَا إِلَى هَذِهِ الدَّرَجَةِ الْعَالِيَةِ؛ دَرَجَةِ الصِّدِّيقِينَ وَالْكُمَّلِ مِنْ عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، وَهِيَ دَرَجَةُ الْإِمَامَةِ فِي الدِّينِ، وَأَنْ يَكُونُوا قُدْوَةً لِلْمُتَّقِينَ فِي أَقْوَالِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ، يُقْتَدَى بِأَقْوَالِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ، وَيُطْمَأَنُّ إِلَيْهَا؛ لِثِقَةِ الْمُتَّقِينَ بِعِلْمِهِمْ وَدِينِهِمْ، وَيَهْتَدِي الْمُهْتَدُونَ بِهِمْ.

وَمِنَ الْمَعْلُومِ؛ أَنَّ الدُّعَاءَ بِحُصُولِ شَيْءٍ دُعَاءٌ بِهِ، وَبِمَا لَا يَتِمُّ إِلَّا بِهِ، وَهَذِهِ الدَّرَجَةُ دَرَجَةُ الْإِمَامَةِ فِي الدِّينِ الَّتِي لَا تَتِمُّ إِلَّا بِالصَّبْرِ وَالْيَقِينِ، كَمَا قَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا ۖ وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} [السجدة: 24]؛ فَهَذَا الدُّعَاءُ يَسْتَلْزِمُ مِنْ حُصُولِ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، وَالصَّبْرِ عَلَى طَاعَةِ اللهِ، وَعَنْ مَعْصِيَتِهِ، وَعَلَى أَقْدَارِهِ الْمُؤْلِمَةِ، وَمِنَ الْعِلْمِ النَّافِعِ التَّامِّ الرَّاسِخِ الَّذِي يُوصِلُ صَاحِبَهُ إِلَى دَرَجَةِ الْيَقِينِ.. يَسْتَلْزِمُ خَيْرًا كَثِيرًا، وَعَطَاءً جَزِيلًا.

وَلَمَّا كَانَتْ هِمَمُهُمْ وَأَعْمَالُهُمْ عَالِيَةً؛ كَانَ الْجَزَاءُ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ، فَجَازَاهُمْ مِنْ جِنْسِ عَمَلِهِمْ، فَقَالَ: {أُولَٰئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا} أَيِ: الْمَنَازِلَ الْعَالِيَةَ الرَّفِيعَةَ الْجَامِعَةَ لِكُلِّ نَعِيمٍ رُوحِيٍّ وَبَدَنِيٍّ بِسَبَبِ صَبْرِهِمْ عَلَى الْقِيَامِ بِهَذِهِ الْأَعْمَالِ الْجَلِيلَةِ، {وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا} [الفرقان: 75] مِنْ رَبِّهِمْ، وَمِنَ الْمَلَائِكَةِ الْكِرَامِ، وَتَحِيَّةً مِنْ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، وَيَسْلَمُونَ مِنْ جَمِيعِ الْمُنَغِّصَاتِ وَالْمُكَدِّرَاتِ.

وَالْحَاصِلُ؛ أَنَّ اللهَ وَصَفَهُمْ بِالْوَقَارِ وَالسَّكِينَةِ، وَالتَّوَاضُعِ لَهُ وَلِعِبَادِهِ، وَحُسْنِ الْأَدَبِ، وَالْحِلْمِ، وَسَعَةِ الْخُلُقِ، وَالْعَفْوِ عَنِ الْجَاهِلِينَ وَالْإِعْرَاضِ عَنْهُمْ، وَمُقَابَلَةِ إِسَاءَتِهِمْ بِالْإِحْسَانِ، وَقِيَامِ اللَّيْلِ وَالْإِخْلَاصِ فِيهِ، وَالْخَوْفِ مِنَ النَّارِ، وَالتَّضَرُّعِ لِرَبِّهِمْ أَنْ يُنَجِّيَهُمْ مِنْهَا، وَأَنَّهُمْ يُخْرِجُونَ الْوَاجِبَاتِ وَالْمُسْتَحَبَّاتِ فِي النَّفَقَاتِ عَلَى وَجْهِ الِاقْتِصَادِ، وَإِذَا كَانُوا مُقْتَصِدِينَ فِي النَّفَقَاتِ الَّتِي جَرَتْ عَادَةُ أَكْثَرِ الْخَلْقِ بِالتَّفْرِيطِ فِيهَا أَوِ الْإِفْرَاطِ؛ فَاقْتِصَادُهُمْ وَتَوَسُّطُهُمْ فِي غَيْرِهَا مِنْ بَابِ أَوْلَى، وَوَصَفَهُمْ بِالسَّلَامَةِ مِنْ كَبَائِرِ الذُّنُوبِ وَفَوَاحِشِهَا، وَبِالتَّوْبَةِ مِمَّا يَصْدُرُ مِنْهُمْ مِنْهَا.

وَمِنْهَا: الْإِخْلَاصُ للهِ فِي عِبَادَتِهِ، وَأَنَّهُمْ لَا يَحْضُرُونَ مَجَالِسَ الْمُنْكَرِ وَالْفُسُوقِ الْقَوْلِيَّةَ وَالْفِعْلِيَّةَ، وَلَا يَفْعَلُونَهَا، وَأَنَّهُمْ يَتَنَزَّهُونَ عَنِ اللَّغْوِ وَالْأَقْوَالِ الرَّدِيئَةِ الَّتِي لَا خَيْرَ فِيهَا وَلَا نَفْعَ، وَذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ كَمَالَ إِنْسَانِيَّتِهِمْ وَمُرُوءَتِهِمْ، وَكَمَالَهُمْ، وَرِفْعَةَ نُفُوسِهِمْ عَنْ كُلِّ أَمْرٍ رَذِيلٍ، وَأَنَّهُمْ يُقَابِلُونَ آيَاتِ اللهِ بِالْقَبُولِ لَهَا، وَالتَّفَهُّمِ لِمَعَانِيهَا، وَالْعَمَلِ بِهَا، وَالِاجْتِهَادِ فِي تَنْفِيذِ أَحْكَامِهَا.

وَأَنَّهُمْ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِأَكْمَلِ دُعَاءٍ يَنْتَفِعُونَ بِهِ، وَيَنْتَفِعُ بِهِ مَنْ يَتَعَلَّقُ بِهِمْ، وَيَنْتَفِعُ بِهِ الْمُسْلِمُونَ؛ مِنْ صَلَاحِ أَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ، وَمِنْ لَوَازِمِ ذَلِكَ: سَعْيُهُمْ فِي تَعْلِيمِهِمْ، وَوَعْظُهُمْ وَنُصْحُهُمْ؛ لِأَنَّ مَنْ حَرِصَ عَلَى شَيْءٍ، وَدَعَا اللهَ فِي حُصُولِهِ؛ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مُجْتَهِدًا فِي تَحْصِيلِهِ بِكُلِّ طَرِيقٍ، مُسْتَعِينًا بِرَبِّهِ فِي تَسْهِيلِ ذَلِكَ، وَأَنَّهُمْ دَعَوُا اللهَ فِي حُصُولِ أَعْلَى الدَّرَجَاتِ الْمُمْكِنَةِ لَهُمْ، وَهِيَ دَرَجَةُ الْإِمَامَةِ وَالصِّدِّيقِيَّةِ.

فَللهِ مَا أَعْلَى هَذِهِ الصِّفَاتِ، وَأَرْفَعَ هَذِهِ الْهِمَمِ، وَأَجَلَّ هَذِهِ الْمَطَالِبِ، وَأَزْكَى تِلْكَ النُّفُوسِ!! وَللهِ مَا أَعْظَمَ فَضْلَ اللهِ عَلَيْهِمْ، وَلُطْفَهُ بِهِمُ الَّذِي أَوْصَلَهُمْ إِلَى هَذِهِ الْمَقَامَاتِ وَالْمَنَازِلِ!! وَللهِ الْحَمْدُ مِنْ جَمِيعِ عِبَادِهِ؛ إِذْ بَيَّنَ لَهُمْ أَوْصَافَهُمْ، وَحَثَّهُمْ عَلَيْهَا، وَأَعَانَ السَّالِكِينَ، وَيَسَّرَ الطَّرِيقَ لِمَنْ سَلَكَ رِضْوَانَهُ، وَاللهُ الْمُوَفِّقُ الْمُعِينُ.

تَأَمَّلْ فِي الْآيَاتِ! تَأَمَّلْ فِي مَعَانِيهَا، وَاصْنَعْ شَيْئًا آخَرَ بَعْدَ ذَلِكَ؛ وَهُوَ أَنْ تَنْظُرَ فِي الصِّفَاتِ، وَأَنْ تَنْظُرَ فِي نَفْسِكَ؛ مِنْ أَجْلِ أَنْ تَرَى: أَحَصَّلْتَ أَمْ لَمْ تُحَصِّلْ؟! وَإِنْ كُنْتَ حَصَّلْتَ؛ فَكَمْ حَصَّلْتَ؟!! وَإِنْ كُنْتَ فَقَدْتَ؛ فَكَمْ فَقَدْتَ؟!! ثُمَّ قِسْ نَفْسَكَ عَلَى عِبَادِ الرَّحْمَنِ، وَاللهُ يَرْعَاكَ.

عِبَادَ اللهِ! إِنَّ وُقُوفَ هِمَّةِ الْعَبْدِ عِنْدَ مُرَادِ نَفْسِهِ فَقَطْ مِنْ ضَعْفِ الْهِمَّةِ؛ وَلِهَذَا لَامَهُمُ اللهُ عَلَى عَدَمِ اهْتِمَامِهِمْ بِأَحْوَالِ الْخَلْقِ الْمُحْتَاجِينَ، فَقَالَ: {كَلا بَل لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ} الَّذِي فَقَدَ أَبَاهُ وَكَاسِبَهُ، وَاحْتَاجَ إِلَى جَبْرِ خَاطِرِهِ وَالْإِحْسَانِ إِلَيْهِ.

فَأَنْتُمْ لَا تُكْرِمُونَهُ؛ بَلْ تُهِينُونَهُ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الرَّحْمَةِ فِي قُلُوبِكُمْ، وَعَدَمِ الرَّغْبَةِ فِي الْخَيْرِ.

((التَّرْغِيبُ فِي عُلُوِّ الْهِمَّةِ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ))

((إِنَّ عُلُوَّ الْهِمَّةِ خُلُقٌ رَفِيعٌ وَغَايَةٌ نَبِيلَةٌ، تَتَعَشَّقُهُ النُّفُوسُ الْكَرِيمَةُ، وَتَهْفُو إِلَيْهِ الْفِطَرُ الْقَوِيمَةُ، وَعُلُوُّ الْهِمَّةِ مِنَ الْأُسُسِ الْأَخْلَاقِيَّةِ الْفَاضِلَةِ، وَإِلَيْهِ تَرْجِعُ مَجْمُوعَةٌ مِنَ الظَّوَاهِرِ الْخُلُقِيَّةِ؛ كَالْجِدِّ فِي الْأُمُورِ، وَالتَّرَفُّعِ عَنِ الصَّغَائِرِ وَالدَّنَايَا، وَكَالطُّمُوحِ إِلَى الْمَعَالِي)).

وَالْإِسْلَامُ يَحُثُّ عَلَى هَذَا الْخُلُقِ النَّبِيلِ، وَقَدْ وَرَدَتْ آيَاتٌ مِنَ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، وَمِنْهَا: قَوْلُهُ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134)} [آل عمران: 133-134].

((أَمَرَهُمُ اللهُ -تَعَالَى- بِالْمُسَارَعَةِ إِلَى مَغْفِرَتِهِ، وَإِدْرَاكِ جَنَّتِهِ الَّتِي عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ؛ فَكَيْفَ بِطُولِهَا؟! الَّتِي أَعَدَّهَا اللهُ -تَعَالَى- لِلْمُتَّقِينَ، فَهُمْ أَهْلُهَا، وَأَعْمَالُ التَّقْوَى هِيَ الْمُوصِلَةُ إِلَيْهَا.

ثُمَّ وَصَفَ الْمُتَّقِينَ وَأَعْمَالَهُمْ؛ فَقَالَ: {الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ}؛ أَيْ: فِي حَالِ عُسْرِهِم وَيُسْرِهِمْ، إِنْ أَيْسَرُوا أَكْثَرُوا مِنَ النَّفَقَةِ، وَإِنْ أَعْسَرُوا لَمْ يَحْتَقِرُوا مِنَ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا وَلَوْ قَلَّ.

{وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ}؛ أَيْ: إِذَا حَصَلَ لَهُمْ مِنْ غَيْرِهِمْ أَذِيَّةٌ تُوجِبُ غَيْظَهُمْ -وَهُوَ امْتِلَاءُ قُلُوبِهِمْ مِنَ الْحَنَقِ الْمُوجِبِ لِلِانْتِقَامِ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ-، هَؤُلَاءِ لَا يَعْمَلُونَ بِمُقْتَضَى الطِّبَاعِ الْبَشَرِيَّةِ، بَلْ يَكْظِمُونَ مَا فِي الْقُلُوبِ مِنَ الْغَيْظِ، وَيَصْبِرُونَ عَنْ مُقَابَلَةِ الْمُسِيءِ إِلَيْهِمْ.

{وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ}: يَدْخُلُ فِي الْعَفْوِ عَنِ النَّاسِ الْعَفْوُ عَنْ كُلِّ مَنْ أَسَاءَ إِلَيْكَ بِقَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ.

وَالْعَفْوُ أَبْلَغُ مِنَ الْكَظْمِ؛ لِأَنَّ الْعَفْوَ: تَرْكُ الْمُؤَاخَذَةِ مَعَ السَّمَاحَةِ عَنِ الْمُسِيءِ.

وَهَذَا إِنَّمَا يَكُونُ مِمَّنْ تَحَلَّى بِالْأَخْلَاقِ الْجَمِيلَةِ، وَتَخَلَّى مِنَ الْأَخْلَاقِ الرَّذِيلَةِ.

وَهَذَا إِنَّمَا يَكُونُ مِمَّنْ تَاجَرَ مَعَ اللهِ، وَعَفَا عَنْ عِبَادِ اللهِ؛ رَحْمَةً بِهِمْ، وَإِحْسَانًا إِلَيْهِمْ، وَكَرَاهَةً لِحُصُولِ الشَّرِّ عَلَيْهِمْ، وَلِيَعْفُوَ اللهُ عَنْهُ، وَلِيَكُونَ أَجْرُهُ عَلَى رَبِّهِ الْكَرِيمِ، لَا عَلَى الْعَبْدِ الْفَقِيرِ؛ كَمَا قَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ}.

ثُمَّ ذَكَرَ حَالَةً أَعَمَّ مِنْ غَيْرِهَا، وَأَحْسَنَ، وَأَعْلَى، وَأَجَلَّ؛ وَهِيَ الْإِحْسَانُ، فَقَالَ تَعَالَى: {وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}.

وَالْإِحْسَانُ نَوْعَانِ: الْإِحْسَانُ فِي عِبَادَةِ الْخَالِقِ، وَالْإِحْسَانُ إِلَى الْمَخْلُوقِ)).

لَقَدْ نَدَبَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى الْمُسَارَعَةِ، وَتَرْكِ التَّبَاطُؤِ فِي الْخَيْرَاتِ، وَالْمُسَابَقَةِ وَالْمُبَادَرَةِ إِلَى تَحْصِيلِ الْخَيْرَاتِ؛ حَتَّى نَلْقَى جَزَاءَ ذَلِكَ وَثَوَابَهُ فِي الْآخِرَةِ.

يَقُولُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: {أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ} [المؤمنون: 61]؛ يَعْنِي: يُسَابِقُونَ مَنْ سَابَقَهُمْ إِلَيْهَا، فَهُمْ يَتَسَابَقُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ إِلَى الْخَيْرَاتِ، وَكُلٌّ يَرْجُو أَنْ يَكُونَ إِلَى الْخَيْرَاتِ سَابِقًا.

وَمَعْنَى قَوْلِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} [البقرة: 148]: حَثٌّ واسْتِعْجَالٌ عَلَى جَمِيعِ الطَّاعَاتِ بِالْعُمُومِ.

الْمُسَارَعَةُ فِي الْخَيْرَاتِ: مُبَادَرَةٌ إِلَى الطَّاعَاتِ، وَسَبْقٌ إِلَيْهَا، وَاسْتِعْجَالٌ فِي أَدَائِهَا، وَعَدَمُ الْإِبْطَاءِ فِيهَا أَوْ تَأْخِيرِهَا.

وَقَالَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: {لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (113) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ} [آل عمران: 113-114].

وَذَكَرَ رَبُّنَا -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- مَا كَانَ مِنْ زَكَرِيَّا وَآلِهِ: {وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ (89) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} [الأنبياء: 90-89].

وَذَكَرَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- مِنْ صِفَاتِ الْمُؤْمِنِينَ: {إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (57) وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (58) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ (59) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (60) أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ} [المؤمنون: 57-61].

وَأَمَرَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- بِاسْتِبَاقِ الْخَيْرَاتِ: {وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: 148].

فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ أَمَرَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- فِيهَا بِالْمُسَارَعَةِ فِي الْخَيْرَاتِ وَالْمُسَابَقَةِ إِلَيْهَا، وَبَيَّنَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- أَنَّ التَّوَانِيَ فِي طَلَبِ الْخَيْرِ لَيْسَ بِالْخَيْرِ، وَأَنَّ الْإِسْرَاعَ فِي طَلَبِ الْخَيْرِ هُوَ الْخَيْرُ، وَأَنَّ الْإِنْسَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَكُونَ مُسَارِعًا فِي تَحْصِيلِ الْمَغْفِرَةِ بِأَسْبَابِهَا وَشُرُوطِهَا؛ وَإِلَّا كَانَ مِنَ الْمُقَصِّرِينَ.

وَقَالَ تَعَالَى: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ} [الأحقاف: 35].

فَاصْبِرْ -أَيُّهَا الرَّسُولُ- عَلَى تَكْذِيبِ قَوْمِكَ لَكَ مِثْلَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ.

فَإِنَّ النُّفُوسَ الْأَبِيَّةَ وَالْهِمَمَ الْعَلِيَّةَ لَا تَرْضَى لِأَنْفُسِهَا بِغَيْرِ هَذَا الْخُلُقِ الْفَاضِلِ -وَهُوَ الصَّبْرُ- الَّذِي هُوَ أَعْلَى الْأَخْلَاقِ وَأَنْفَعُهَا.

وَمِنْ دَلَائِلِ الْحَثِّ عَلَى عُلُوِّ الْهِمَّةِ فِي الْإِتْيَانِ بِالطَّاعَاتِ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ: قَوْلُهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (41) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (42) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۚ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا} [الأحزاب: 41-43].

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللهَ بِقُلُوبِكُمْ وَأَلْسِنَتِكُمْ ذِكْرًا كَثِيرًا فِي سَائِرِ الْأَوْقَاتِ وَكُلِّ الْأَحْوَالِ، وَلَا تَغْفُلُوا عَنْ ذِكْرِهِ أَبَدًا.

وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ ذِكْرُكُمْ إِيَّاهُ عَلَى وَجْهِ التَّعْظِيمِ وَالتَّنْزِيهِ مِنْ كُلِّ سُوءٍ أَوَّلَ النَّهَارِ وَآخِرَهُ؛ لِاجْتِمَاعِ مَلَائِكَةِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ فِيهِمَا، هُوَ -سُبْحَانَهُ- الَّذِي يَرْحَمُكُمْ، وَيُثْنِي عَلَيْكُمْ، وَتَدْعُو لَكُمْ مَلَائِكَتُهُ، وَتَسْتَغْفِرُ لَكُمْ؛ لِيُخْرِجَكُمْ بِرَحْمَتِهِ وَهِدَايَتِهِ وَدُعَاءِ الْمَلَائِكَةِ وَاسْتِغْفَارِهِ لَكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْكُفْرِ وَالْجَهْلِ وَالْمَعاصِي إِلَى نُورِ الْإِيمَانِ وَالْهِدَايَةِ وَالطَّاعَةِ، وَكَانَ اللهُ بِالْمُؤْمِنِينَ دَائِمَ الرَّحْمَةِ.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (41) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًاقَالَ الْبَغَوِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((أَيْ: بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، فِي الصِّحَّةِ وَالسُّقْمِ، فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ)).

وَقَالَ ابْنُ كَثِيرٍ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((أَمَرَ اللهُ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ بِكَثْرَةِ ذِكْرِهِمْ لِرَبِّهِمْ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- الْمُنْعِمِ عَلَيْهِمْ بِأَنْوَاعِ النِّعَمِ وَصُنُوفِ الْمِنَنِ؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ جَزِيلِ الثَّوَابِ وَجَمِيلِ الْمَآبِ)).

وَقَدْ ضَمِنَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- جَزِيلَ الْأَجْرِ لِمَنْ سَعَى وَجَدَّ وَاجْتَهَدَ فِي عِبَادَتِهِ، قَالَ تَعَالَى: {وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا} [الإسراء: 19].

وَمَنْ أَرَادَ ثَوَابَ الْآخِرَةِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ، وَسَعَى لِلْآخِرَةِ بِطَاعَةِ اللهِ وَالْتِزَامِ شَرِيعَتِهِ وَهُوَ مُؤمِنٌ إِيمَانًا صَحِيحًا صَادِقًا، وَمَاتَ عَلَى ذَلِكَ؛ فَأُولَئِكَ رَفِيعُو الْمَنْزِلَةِ كَانَ سَعْيُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ مَقْبُولًا مَثْنِيًّا عَلَيْهِ.

وَقَدْ وَرَدَتْ فِي السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ الْمُطَهَّرَةِ كَثِيرٌ مِنَ النُّصُوصِ الدَّالَّةِ عَلَى أَهَمِّيَّةِ عُلُوِّ الْهِمَّةِ، وَالْحَثِّ عَلَى التَّحَلِّي بِهَا؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ يَسْتَنْفِرُ الْهِمَمَ: ((إِذَا سَأَلْتُمُ اللهَ الْجَنَّةَ؛ فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ الْأَعْلَى؛ فَإِنَّهُ أَعْلَى الْجَنَّةِ وَأَوْسَطُهَا)).

((إِذَا سَأَلْتُمُ اللهَ الْجَنَّةَ؛ فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ الْأَعْلَى))، لَا تَكُنْ ضَعِيفَ الْهِمَّةِ؛ فَضْلًا عَنْ أَنْ تَكُونَ مَيِّتَهَا!!

وَعَنْ رَبِيعَةَ بْنِ كَعْبٍ الْأَسْلَمِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: كُنْتُ أَبِيتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَأَتَيْتُهُ بِوَضُوئِهِ وَحَاجَتِهِ، فَقَالَ لِي: ((سَلْ)).

فَقُلْتُ: أَسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ فِي الْجَنَّةِ.

فَقَالَ: ((أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ؟!!)).

قُلْتُ: هُوَ ذَاكَ.

قَالَ: ((فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ)).

وَحَثَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى عُلُوِّ الْهِمَّةِ فِي اسْتِغْلَالِ نِعْمَتَيِ الصِّحَّةِ وَالْفَرَاغِ، يَقُولُ ﷺ: ((نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ)).

عِنْدَمَا يُنْعِمُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- عَلَى الْعَبْدِ بِنِعْمَةِ الصِّحَّةِ؛ فَهُوَ لَا يَجْتَهِدُ فِي الْعِبَادَةِ، وَلَا فِي الطَّاعَةِ، وَلَا فِي أَدَاءِ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَاتِ، وَإِنَّمَا تَتَبَدَّدُ صِحَّتُهُ فِيمَا لَا يُفِيدُ، فَإِذَا مَا سُلِبَتْ مِنْهُ نِعْمَةُ الصِّحَّةِ، وَأَرَادَ أَمْرًا؛ لَمْ يَقْوَ عَلَيْهِ.

وَكَذَلِكَ إِذَا أَنْعَمَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- عَلَى الْإِنْسَانِ بِالْفَرَاغِ، وَلَمْ يَشْغَلْهُ بِشَيْءٍ مِنْ هُمُومِ الدُّنْيَا، وَفَرَّغَ قَلْبَهُ مِنَ الْهُمُومِ وَمِنَ الْأَحْزَانِ؛ فَهَذِهِ الْفَتْرَةُ مِنَ الْفَرَاغِ نِعْمَةٌ يَظْلِمُ الْعَبْدُ فِيهَا نَفْسَهُ؛ حَتَّى إِنَّكَ تَسْمَعُ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ يَقُولُ الْوَاحِدُ مِنْهُمْ: إِنَّ الْإِنْسَانَ مِنَ الْمَلَلِ لَا يَدْرِي كَيْفَ يُمَضِّي وَقْتَهُ، وَلَا كَيْفَ يُضَيِّعُ هَذَا الْوَقْتَ!!

وَكَثِيرًا مَا تَسْمَعُ مِنْ زَائِرٍ يَزُورُكَ أَنَّهُ إِنَّمَا زَارَكَ؛ مِنْ أَجْلِ أَنْ يُضَيِّعَ بَعْضَ الْوَقْتِ!! فَهُوَ جَاءَ لِيُضَيِّعَ وَقْتَ نَفْسِهِ!!

فَهَذِهِ نِعْمَةٌ هُوَ لَا يُحِسُّ بِهَا، وَلَا يَدْرِيهَا!!

وَفِي الْحَدِيثِ الَّذِي أَخْرَجَهُ الْإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي ((الصَّحِيحِ))، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، عَنِ النِّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ، احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللهِ، وَلَا تَعْجِزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ؛ فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ؛ كَانَ كَذَا وَكَذَا -يَعْنِي: لَوْ كَانَ كَذَا؛ لَكَانَ كَذَا وَكَذَا-، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللهِ، وَمَا شَاءَ فَعَلَ؛ فَإِنَّ (لَوْ) تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ)).

وَالْإِمَامُ النَّوَوِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ- عِنْدَ تَعَرُّضِهِ لِشَرْحِ هَذَا الْحَدِيثِ ذَكَرَ أَنَّ الْقُوَّةَ الَّتِي ذَكَرَهَا النَّبِيُّ ﷺ فِي الْحَدِيثِ إِنَّمَا هِيَ قُوَّةُ الْقَلْبِ، وَقُوَّةُ الرُّوحِ، وَعَزِيمَةُ النَّفْسِ، فَهِيَ الَّتِي تَدْفَعُ الْمَرْءَ فِي الْجِلَادِ عِنْدَ الْجِهَادِ لِأَنْ يَكُونَ سَابِقًا فِي مَوْطِنِ الْمَوْتِ، تَنُوشُهُ الرِّمَاحُ، وَتُمَزِّقُهُ السُّيُوفُ، وَلَا يَتَأَخَّرُ، وَلَا يَنْكُصُ عَلَى عَقِبَيْهِ.

وَلَكِنَّ جَمْهَرَةً غَالِبَةً مِنْ عُلَمَائِنَا -عَلَيْهِمُ الرَّحْمَةُ- أَخَذُوا بِالْإِطْلَاقِ: ((الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ)): قَوِيٌّ فِي بَدَنِهِ، قَوِيٌّ فِي إِيمَانِهِ، قَوِيٌّ فِي صِحَّتِهِ، قَوِيٌّ فِي يَقِينِهِ.

عِبَادَ اللهِ! إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُخْبِرُنَا أَنَّهُ يَنْبَغِي عَلَيْنَا أَلَّا نَظْلِمَ أَنْفُسَنَا فِي حَالِ صِحَّتِنَا، وَلَا فِي حَالِ فَرَاغِنَا وَعَدَمِ شُغُلِنَا، بَلْ عَلَيْنَا أَنْ نَأْخُذَ مِنَ الصِّحَّةِ لِلْمَرَضِ، وَأَنْ نَأْخُذَ مِنَ الْفَرَاغِ لِلشُّغُلِ.

فَاحْرِصْ -أَيُّهَا الْمُسْلِمُ- عَلَى أَوْقَاتِكَ وَسَاعَاتِكَ؛ حَتَّى لَا تَضِيعَ سُدَى، وَاجْعَلْ لَكَ نَصِيبًا مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ ﷺ: «اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: حَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغُلِكَ، وشَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ». أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ، وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ.

وَاحْرِصْ أَنْ تَكُونَ مِنْ خِيَارِ النَّاسِ، كَمَا حَثَّ عَلَى ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ؛ فَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ؟

قَالَ ﷺ: «مَنْ طَالَ عُمُرُهُ، وَحَسُنَ عَمَلُهُ».

قَالَ: فَأَيُّ النَّاسِ شَرٌّ؟

قَالَ ﷺ: «مَنْ طَالَ عُمُرُهُ، وَسَاءَ عَمَلُهُ». أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ.

وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَفِي يَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ؛ فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَلَّا يَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَغْرِسْهَا». وَالْحَدِيثُ صَحِيحٌ، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ.

وَحَثَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى التَّحَلِّي بِعُلُوِّ الْهِمَّةِ فِي الْعِبَادَاتِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «سَبَقَ الْمُفَرِّدُونَ».

قَالُوا: وَمَا الْمُفَرِّدُونَ يَا رَسُولَ اللهِ؟

قَالَ: «الذَّاكِرُونَ اللهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتُ».

فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَنْ يَعْمَلَ أَحَدٌ لَكَ بَعْدَ مَوْتِكَ؛ مِنْ صَلَاةٍ، وَصِيَامٍ، وَغَيْرِهَا، فَهُبَّ إِلَى الْإِكْثَارِ مِنْ ذِكْرِ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ-، وَالتَّزَوُّدِ مِنَ الطَّاعَاتِ وَالْقُرُبَاتِ، وَاحْرِصْ عَلَى قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ كُلَّ يَوْمٍ.

وَقَدْ وَرَدَ فِي فَضْلِ الْقُرْآنِ مَا تَقَرُّ بِهِ النُّفُوسُ، وَتَهْنَأُ بِهِ الْقُلُوبُ؛ فَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ، وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، لَا أَقُولُ: {الم} حَرْفٌ، وَلَكِنْ: (أَلْفٌ) حَرْفٌ، وَ(لَامٌ) حَرْفٌ، وَ(مِيمٌ) حَرْفٌ». أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ.

وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «اقْرَءُوا الْقُرْآنَ؛ فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفِيعًا لِأَصْحَابِهِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

وَفِي ((الصَّحِيحَيْنِ)) -وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((صَلَاةُ الرَّجُلِ فِي الْجَمَاعَةِ تُضَعَّفُ عَلَى صَلَاتِهِ فِي بَيْتِهِ وَفِي سُوقِهِ خَمْسًا وَعِشْرِينَ ضِعْفًا، وَذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْمَسْجِدِ لَا يُخْرِجُهُ إِلَّا الصَّلَاةُ؛ لَمْ يَخْطُ خُطْوَةً إِلَّا رُفِعَتْ لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ، وَحُطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ، فَإِذَا صَلَّى؛ لَمْ تَزَلِ الْمَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَيْهِ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ مَا لَمْ يُحْدِثْ؛ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، وَلَا يَزَالُ فِي صَلَاةٍ مَا انْتَظَرَ الصَّلَاةَ)).

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ صَائِمًا؟».

قَالَ أَبُو بَكْرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: أَنَا.

قَالَ: «مَنْ أَطْعَمَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ مِسْكِينًا؟».

قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا.

قَالَ: «مَنْ تَبِعَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ جَنَازَةً؟».

قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا.

فَقَالَ: «مَنْ عَادَ الْيَوْمَ مَرِيضًا؟».

قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا.

فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا اجْتَمَعَتْ هَذِهِ الْخِصَالُ قَطُّ فِي رَجُلٍ فِي يَوْمٍ إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

وَالنَّبِيُّ ﷺ أَخْبَرَنَا أَنَّ ((مَنْ قَامَ اللَّيْلَ بِعَشْرِ آيَاتٍ؛ لَمْ يُكْتَبْ مِنَ الْغَافِلِينَ، وَمَنْ قَامَ اللَّيْلَ بِمِائَةِ آيَةٍ؛ كُتِبَ مِنَ الْقَانِتِينَ، وَمَنْ قَامَ اللَّيْلَ بِأَلْفِ آيَةٍ؛ كُتِبَ مِنَ المُقَنْطِرِينَ)).

وَالمُقَنْطِرُونَ: الَّذِينَ يُعْطَوْنَ قِنْطَارًا مِنَ الْأَجْرِ، لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ.

فَمَنْ قَامَ بِعَشْرِ آيَاتٍ فِي لَيْلَةٍ؛ لَمْ يُكْتَبْ مِنَ الْغَافِلِينَ.

وَ((مَنْ قَامَ بِاللَّيْلِ، فَأَيْقَظَ امْرَأَتَهُ، فَصَلَّيَا جَمِيعًا رَكْعَتَينِ؛ كُتِبَا مِنَ الذَّاكِرِينَ اللهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ))، كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ.

وَدَعَا نَبِيُّنَا ﷺ بِالرَّحْمَةِ لِمَنْ يَقُومُ بِاللَّيْلِ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، وَيُوقِظُ امْرَأَتَهُ، فَإِنْ قَامَتْ؛ وَإِلَّا نَضَحَ فِي وَجْهِهَا المَاءَ: ((رَحِمَ اللهُ رَجُلًا قَامَ بِاللَّيْلِ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أَيْقَظَ أَهْلَهُ، فَإِنْ قَامَتْ؛ وَإِلَّا نَضَحَ فِي وَجْهِهَا المَاءَ، وَرَحِمَ اللهُ امْرَأَةً قَامَتْ بِاللَّيْلِ فَصَلَّتْ رَكْعَتَيْنِ، وَأَيْقَظَتْ زَوْجَهَا، فَإِنْ قَامَ؛ وَإِلَّا نَضَحَتْ فِي وَجْهِهِ المَاءَ)).

إِنَّ الْأَمْرَ جِدُّ خَطِيرٍ، وَالنَّبِيُّ ﷺ بَيَّنَ لَنَا أَنَّ ((فِي الجَنَّةِ غُرَفًا يُرَى ظَاهِرُهَا مِنْ بَاطِنِهَا، وَبَاطِنُهَا مِنْ ظَاهِرِهَا)).

قَالَ أَبُو مَالِكٍ الْأَشْعَرِيُّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: لِمَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللهِ؟

قَالَ: ((لِمَنْ أَطَابَ الْكَلَامَ، وَأَطْعَمَ الطَّعَامَ، وَأَفْشَى السَّلَامَ، وَقَامَ بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ)).

وَقَدْ أَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ -فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الَّذِي رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي ((جَامِعِهِ))، وَحَسَّنَهُ الْأَلْبَانِيُّ-: «إِنَّ اللهَ كَرِيمٌ يُحِبُّ الْكُرَمَاءَ، جَوَادٌ يُحِبُّ الْجَوَدَةَ، يُحِبُّ مَعَالِيَ الْأُمُورِ، وَيَكْرَهُ سَفْسَافَهَا».

فَاللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- هُوَ الْكَرِيمُ، وَهُوَ الْجَوَادُ، وَيُحِبُّ الْكَرَمَ وَأَهْلَهُ، وَيُحِبُّ الْجُودَ وَأَهْلَهُ، وَيُحِبُّ مَعَالِيَ الْأُمُورِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْكَرَمَ وَالْجُودَ مِنْ مَعَالِي الْأُمُورِ.

وَيَكْرَهُ اللهُ -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ- السَّفَاسِفَ، وَالْأُمُورَ الْـمُسْتَصْغَرَةَ، وَالْأَحْوَالَ الْـمُسْتَرْذَلَةَ، يَكْرَهُ اللهُ سَفْسَافَ الْأَخْلاقِ ومُنْحَطَّهَا، وَيُحِبُّ اللهُ -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ- مَعَالِيَ الْأُمُورِ.

((سُبُلُ عُلُوِّ الْهِمَّةِ))

إِنَّ عُلُوَّ الْهِمَّةِ يَحْتَاجُ إِلَى جَهْدٍ وَمُصَابَرَةٍ، وَلَهَا أَسْبَابٌ عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَلْتَمِسَهَا، وَسُبُلٌ عَلَيْهِ أَنْ يَسْلُكَهَا، وَمِنْهَا:

* تَحْقِيقُ التَّوْحِيدِ؛ فَالتَّوْحِيدُ يُسَهِّلُ عَلَى الْعَبْدِ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ، وَتَرْكَ الْمُنْكَرَاتِ، وَيُسَلِّيهِ عَنِ الْمُصِيبَاتِ، فَالْمُخْلِصُ لِلَّهِ فِي إِيمَانِهِ وَتَوْحِيدِهِ تَخِفُّ عَلَيْهِ الطَّاعَاتُ؛ لِمَا يَرْجُو مِنْ ثَوَابِ رَبِّهِ وَرِضْوَانِهِ، وَيَهُونُ عَلَيْهِ تَرْكُ مَا تَهْوَاهُ النَّفْسُ مِنَ الْمَعَاصِي؛ لِمَا يَخْشَى مِنْ سُخْطِهِ وَعِقَابِهِ.

وَمَتَى كَمُلَ التَّوْحِيدُ فِي الْقَلْبِ؛ حَبَّبَ اللَّهُ لِصَاحِبِهِ الْإِيمَانَ، وَزَيَّنَهُ فِي قَلْبِهِ، وَكَرَّهَ إِلَيْهِ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ، وَجَعَلَهُ مِنَ الرَّاشِدِينَ؛ فَالتَّوْحِيدُ يُخَفِّفُ عَنِ الْعَبْدِ الْمَكَارِهَ، وَيُهَوِّنُ عَلَيْهِ الْآلَامَ، وَبِحَسَبِ تَكْمِيلِ الْعَبْدِ لِلتَّوْحِيدِ وَالْإِيمَانِ يَكُونُ تَلَقِّيهِ لِلْمَكَارِهِ وَالْآلَامِ بِقَلْبٍ مُنْشَرِحٍ وَنَفْسٍ مُطْمَئِنَّةٍ، وَتَسْلِيمٍ وَرِضًا بِأَقْدَارِ اللَّهِ الْمُؤْلِمَةِ.

وَالتَّوْحِيدُ يُحَرِّرُ الْعَبْدَ مِنْ رِقِّ الْمَخْلُوقِينَ، وَالتَّعَلُّقِ بِهِمْ، وَخَوْفِهِمْ، وَرَجَائِهِمْ، وَالْعَمَلِ لِأَجْلِهِمْ، وَهَذَا هُوَ الْعِزُّ الْحَقِيقِيُّ وَالشَّرَفُ الْعَالِي.

وَقَدْ تَكَفَّلَ اللَّهُ لِأَهْلِ التَّوْحِيدِ بِالنَّصْرِ وَالْفَتْحِ فِي الدُّنْيَا، وَالْعِزِّ وَالشَّرَفِ، وَحُصُولِ الْهِدَايَةِ وَالتَّيْسِيرِ لِلْيُسْرَى، وَإِصْلَاحِ الْأَحْوَالِ، وَالتَّسْدِيدِ فِي الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ.

وَهُوَ -سُبْحَانَهُ- يَدْفَعُ عَنِ الْمُوَحِّدِينَ أَهْلِ الْإِيمَانِ.. يَدْفَعُ عَنْهُمْ شُرُورَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَيَمُنُّ عَلَيْهِمْ بِالْحَيَاةِ الطَّيِّبَةِ، وَالطُّمَأْنِينَةِ إِلَيْهِ، وَالِاطْمِئْنَانِ بِذِكْرِهِ.

وَالشِّرْكُ عَلَى الضِّدِّ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ.

* وَمِنْ أَعْظَمِ سُبُلِ عُلُوِّ الْهِمَّةِ: الدُّعَاءُ؛ دُعَاءُ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- أَنْ يَجْعَلَكَ عَالِيَ الْهِمَّةِ، وَاللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- يُحِبُّ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ يَسْأَلُوهُ مِنْ خَيْرَيِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَكَانَ السَّلَفُ الصَّالِحُ يَسْأَلُونَ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- حَاجَتَهُمُ الدِّينِيَّةَ وَالدُّنْيَوِيَّةَ؛ حَتَّى إِنَّ أَحَدَهُم إِذَا لَمْ يَجِدْ مِلْحَ طَعَامِهِ؛ سَأَلَ اللهَ أَنْ يَرْزُقَهُ مِلْحَ طَعَامِهِ، وَإِذَا انْقَطَعَ شِرَاكُ نَعْلِهِ؛ سَأَلَ اللهَ أَنْ يُعَوِّضَهُ خَيْرًا، فَيُعَوِّضُهُ اللهُ خَيْرًا.

وَإِنَّ اللهَ -عَزَّ وَجَلَّ- لَيَغْضَبُ إِنْ تَرَكَ النَّاسُ سُؤَالَهُ، بِخِلَافِ بَنِي آدَمَ؛ فَإِنَّكَ إِذَا سَأَلْتَ بَنِي آدَمَ الْمَالَ أَوِ الْعَوْنَ، وَكَرَّرْتَ ذَلِكَ؛ أَغْضَبْتَهُمْ، وَأَحْرَجْتَهُمْ؛ قال ﷺ: ((إِنَّهُ مَنْ لَمْ يَسْأَلِ اللهَ يَغْضَبْ عَلَيْهِ)).

وَاللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- صَاحِبُ الْخَزَائِنِ الَّتِي لَا تَنْقُصُ، يُحِبُّ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ يَسْأَلُوهُ فِي كُلِّ لَحْظَةٍ، وَفِي كُلِّ طَرْفَةِ عَيْنٍ، اسْأَلْ مَا شِئْتَ رَبَّكَ مِنْ خَيْرَيِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ.

اسْأَلْهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- أُمُورَ الآخِرَةِ بِالدَّرَجَةِ الْأُولَى، وَاسْأَلْهُ مَا شِئْتَ مِنْ دُنْيَاكَ، وَلَا تَتَجَاوَزْ حُدُودَ الشَّرْعِ، وَلا تَعْتَدِ فِي الدُّعَاءِ.

وقالَ اللهُ تَعَالَى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} [البقرة: 186].

أَيْ: وَإِذَا سَأَلَكَ -يَا رَسُولَ اللهِ- عِبَادِي عَنْ ذَاتِي أَوْ صِفَاتِي أَوْ أَفْعَالِي؛ فَقُلْ لَهُم: إِنِّي قَرِيبٌ بِالعِلْمِ وَالحِفْظِ، لَا يَخْفَى عَلَيَّ شَيْءٌ، أَسْمَعُ دُعَاءَ عَبْدِي إِذَا دَعَانِي، وَأُلَبِّي دَعْوَةَ الدَّاعِي، وَأُسْعِفُ السَّائِلَ إِذَا التْجَأَ إِلَيَّ؛ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي بِعِبَادَتِي وَطَاعَتِي، وَلْيُؤمِنُوا بِي الإِيمَانَ الصَّحِيحَ الوَاجِبَ عَلَيْهِم، بِالثَّبَاتِ وَالدَّوَامِ عَلَيْهِ؛ رَغْبَةَ أَنْ يَهْتَدُوا إِلَى مَصَالِحِ دِينِهِم وَدُنْيَاهُم، وَيَسِيرُوا فِي طَرِيقِ الرَّشَادِ الَّذِي لَا عِوَجَ فِيهِ، فيَصْلُحُونَ وَيُصْلِحُونَ.

فَإِذَا سَأَلَكَ -أَيُّهَا النَّبِيُّ- عِبَادِي عَنْ قُرْبِي، وَإِجَابَتِي لِدُعَائِهِم؛ فَإِنِّي قَرِيبٌ مِنْهُم، عَالِمٌ بِأَحْوَالِهِم، سَامِعٌ لِدُعَائِهِم، لَا يَحْتَاجُونَ إِلَى وُسَطَاءَ، وَلَا إِلَى رَفْعِ أَصْوَاتِهِم، أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي مُخْلِصًا فِي دُعَائِهِ؛ فَلْيَنْقَادُوا لِي وَلِأَوَامِرِي، وَلْيَثْبُتُوا عَلَى إِيمَانِهِم؛ فَإِنَّ ذَلِكَ أَنْفَعُ وَسِيلَةٍ لِإِجَابَتِهِمْ؛ لَعَلَّهُمْ يَسْلُكُونَ بِذَلِكَ سَبِيلَ الرُّشْدِ فِي شُئونِهِمُ الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ.

* مِنْ أَهَمِّ سُبُلِ عُلُوِّ الْهِمَّةِ: الِاسْتِعَانَةُ بِاللهِ -جَلَّ وَعَلَا-، قَالَ ﷺ: ((احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللهِ)): لِتَكُنِ اسْتِعَانَتُكَ بِاللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- وَحْدَهُ، ((وَلَا تَعْجِزْ)).

إِذَنْ؛ مَعَنَا فِي الْفَاتِحَةِ: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ}: لَا نَعْبُدُ إِلَّا أَنْتَ، {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}: لَا نَسْتَعِينُ إِلَّا بِكَ؛ فَمَدَارُ الدِّينِ عَلَى هَاتَيْنِ الْقَاعِدَتَيْنِ، وَهُمَا: الْعِبَادَةُ، وَالِاسْتِعَانَةُ.

* وَمِنْ أَعْظَمِ السُّبُلِ الْمُوصِلَةِ لِعُلُوِّ الْهِمَّةِ: الِاقْتِدَاءُ بِالْأَنْبِيَاءِ -عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-، قَالَ رَبُّنَا -جَلَّ وَعَلَا-: {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21].

لَقَدْ كَانَ لَكُمْ -أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ- فِي أَقْوَالِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَفْعَالِهِ وَأَخْلَاقِهِ، وَثِقَتِهِ بِاللهِ، وَثَبَاتِهِ فِي الشَّدَائِدِ وَالْمِحَنِ، وَصَبْرِهِ عَلَى الْمَكَارِهِ، وَقِتَالِهِ بِنَفْسِهِ، وَكُلِّ جُزْئِيَّاتِ سُلُوكِهِ فِي الْحَيَاةِ.. لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِ قُدْوَةٌ صَالِحَةٌ، وَخَصْلَةٌ حَسَنَةٌ، مِنْ حَقِّهَا: أَنْ يُؤْتَسَى وَيُقْتَدَى بِهَا لِمَنْ كَانَ يُؤَمِّلُ مُرْتَقِبًا ثَوَابَ اللهِ، وَيَرْجُو السَّعَادَةَ الْخَالِدَةَ يَوْمَ الدِّينِ، وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا فِي جَمِيعِ الْمَوَاطِنِ بِالسَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ.

وَقَالَ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ-: {أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۖ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} [الأنعام: 90].

أُولَئِكَ النَّبِيُّونَ هُمُ الْمَخْصُوصُونَ بِالْهِدَايَةِ؛ فَاتَّبِعْ -يَا رَسُولَ اللهِ- هُدَاهُمْ، وَاسْلُكْ سَبِيلَهُمْ.

* وَمِنْ سُبُلِ عُلُوِّ الْهِمَّةِ: عَزِيمَةُ النَّفْسِ، وَقُوَّةُ الْإِرَادَةِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ الْمُؤْمِن الضَّعِيفِ)).

((الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ)): يُرِيدُ بِالْقُوَّةِ هَاهُنَا: عَزِيمَةَ النَّفْسِ، وَقُدْرَتَهَا عَلَى أَنْ تُصَرِّفَ الْجَسَدَ مَعَهَا إِلَى طَاعَةِ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا-، وَلَيْسَ الْمُرَادُ -بِالدَّرَجَةِ الْأُولَى- مَا يَتَعَلَّقُ بِقُوَّةِ الْبِنْيَةِ، وَسَلَامَةِ الْجَسَدِ وَالصِّحَّةِ؛ فَإِنَّ هَذَا قَدْ يَكُونُ ابْتِلَاءً مِنَ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، يُخْفِقُ وَيَفْشَلُ فِيهِ مَنْ آتَاهُ اللهُ الْقُوَّةَ وَالصِّحَّةَ، فَيُصَرِّفُهَا فِي ظُلْمِ النَّاسِ، وَفِعْلِ السَّيِّئَاتِ.

وَلَكِنْ ((الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ)): يُرِيدُ عَزِيمَةَ النَّفْسِ الَّتِي تَدْعُو إِلَى طَلَبِ الْعِلْمِ النَّافِعِ، وَتَحُثُّ عَلَى الْعَمَلِ الصَّالِحِ، وَتَجْعَلُ الْإِنْسَانَ عَابِدًا لِرَبِّهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- كَمَا يُرِيدُهُ سَيِّدُهُ وَمَوْلَاهُ.

* وَالْعِلْمُ أَحَدُ أَسْبَابِ عُلُوِّ الْهِمَّةِ؛ فَهُوَ يُرْشِدُ مَنْ طَلَبَهُ إِلَى مَصَالِحِهِ، وَيَدْفَعُهُ إِلَى الْعَمَلِ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ هُوَ ثَمَرَةُ الْعِلْمِ، وَهُوَ نَتِيجَةُ الْعِلْمِ، وَحَامِلُ الْعِلْمِ.

* وَمِنْ وَسَائِلِ عُلُوِّ الْهِمَّةِ: الصِّدْقُ مَعَ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، قَالَ تَعَالَى: {مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا} [الأحزاب: 23].

هَذَا نَعْتُ رِجَالِ الدِّينِ؛ الصِّدْقُ الْكَامِلُ فِيمَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ؛ مِنَ الْقِيَامِ بِدِينِهِ، وَإِنْهَاضِ أَهْلِهِ، وَنَصْرِهِ بِكُلِّ مَا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ؛ مِنْ مَقَالٍ، وَمَالٍ، وَبَدَنٍ، وَظَاهِرٍ وَبَاطِنٍ.

وَمِنْ وَصْفِهِم: الثَّبَاتُ التَّامُّ عَلَى الشَّجَاعَةِ وَالصَّبْرِ، وَالْمُضِيُّ فِي كُلِّ وَسِيلَةٍ بِهَا نَصْرُ الدِّينِ، فَمِنْهُمُ الْبَاذِلُ لِنَفْسِهِ، وَمِنْهُمُ الْبَاذِلُ لِمَالِهِ، وَمِنْهُمُ الْحَاثُّ لِإِخْوَانِهِ عَلَى الْقِيَامِ بِكُلِّ مُسْتَطَاعٍ مِنْ شُؤُونِ الدِّينِ، وَالسَّاعِي بَيْنَهُمْ بِالنَّصِيحَةِ وَالتَّأْلِيفِ وَالِاجْتِمَاعِ، وَمِنْهُمُ الْمُنَشِّطُ بِقَوْلِهِ وَجَاهِهِ وَحَالِهِ، وَمِنْهُمُ الْفَذُّ الْجَامِعُ لِذَلِكَ كُلِّهِ.

فَهَؤُلَاءِ رِجَالُ الدِّينِ وَخِيَارُ الْمُسْلِمِينَ، بِهِمْ قَامَ الدِّينُ وَبِهِ قَامُوا، وَهُمُ الْجِبَالُ الرَّوَاسِي فِي إِيمَانِهِمْ وَصَبْرِهِمْ وَجِهَادِهِمْ، لَا يَرُدُّهُمْ عَنْ هَذَا الْمَطْلَبِ رَادٌّ، وَلَا يَصُدُّهُمْ عَنْ سُلُوكِ سَبِيلِهِ صَادٌّ، تَتَوَالَى عَلَيْهِمُ الْمَصَائِبُ وَالْكَوَارِثُ، فَيَتَلَقَّوْنَهَا بِقُلُوبٍ ثَابِتَةٍ، وَصُدُورٍ مُنْشَرِحَةٍ؛ لِعِلْمِهِمْ بِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ مِنَ الْخَيْرِ وَالثَّوَابِ، وَالْفَلَاحِ وَالنَّجَاحِ.

* مِنْ أَهَمِّ سُبُلِ عُلُوِّ الْهِمَّةِ: التَّحَلِّي بِالْجِدِّ وَالِاجْتِهَادِ فِي كُلِّ قَضَايَا الْحَيَاةِ، قَالَ تَعَالَى: {يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآَتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا} [مريم: 12].

وَهَبْنَا لِزَكَرِيَّا يَحْيَى، وَقُلْنَا لَهُ: خُذْ كِتَابَ التَّوْرَاةِ بِجِدٍّ وَاجْتِهَادٍ، وَذَلِكَ بِحُسْنِ حِفْظِهِ وَفَهْمِهِ وَتَدَبُّرِهِ، وَحُسْنِ الْعَمَلِ بِشَرَائِعِهِ وَأَحْكَامِهِ، وَحُسْنِ تَعْلِيمِهِ وَنَشْرِهِ، وَأَعْطَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ، وَسَدَادَ الرَّأْيِ، وَحُسْنَ الْفَهْمِ، وَالْبَصِيرَةَ، وَتَصْرِيفَ الْأَمْرِ، وَالْفَصْلَ بَيْنَ الْأَقْضِيَةِ وَالْخُصُومَاتِ وَهُوَ صَبِيٌّ صَغِيرٌ.

* مِنْ أَعْظَمِ سُبُلِ عُلُوِّ الْهِمَّةِ: النَّظَرُ فِي سِيَرِ السَّلَفِ الصَّالِحِينَ؛ فَعَلَى كُلِّ مُشْتَغِلٍ بِالْعِلْمِ؛ مِنْ طَالِبٍ لِلْعِلْمِ، وَدَاعٍ إِلَى اللهِ -جَلَّ وَعَلَا- أَنْ يَنْظُرَ فِي سِيَرِ السَّلَفِ السَّابِقِينَ؛ فَإِنَّمَا أُتِيَ الْقَوْمُ مِنْ قِبَلِ جَهْلِهِمْ بِسِيَرِ سَلَفِهِمُ الْمُتَقَدِّمِينَ!!

وَعَلَى طُلَّابِ الْعِلْمِ أَلَّا يُعَوِّلُوا عَلَى الْمُعَاصِرِينَ؛ فَلَيْسُوا بِأَمْثِلَةٍ تُحْتَذَى، وَعَلَيْكُمْ بِأَنْ تَكُونُوا أَصْحَابَ هِمَّةٍ عَالِيَةٍ، فَانْظُرُوا إِلَى سَلَفِكُمُ الْمُتَقَدِّمِينَ مِنْ أَئِمَّتِكُمُ السَّالِفِينَ، وَقُصُّوا عَلَى أَثَرِهِمْ؛ حَتَّى تُفْلِحُوا وَتَنْجَحُوا بِإِذْنِ رَبِّكُمْ.

((هَذَا هُوَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ -وَقَارِنْ بَيْنَ حَالِهِ وَحَالِ جُمْلَةٍ مِنَ الْمُتَصَدِّرِينَ فِي هَذَا الْعَصْرِ-، أَرَادَ رَجُلٌ مِنْ طُلَّابِهِ أَنْ يُقَبِّلَ يَدَهُ، فَمَنَعَهُ!!

فَقَالَ: أَلَيْسَ يَجُوزُ أَنْ تُقَبَّلَ يَدُ الْعَالِمِ؟!!

قَالَ: نَعَم؛ وَلَكِنْ هَلْ رَأَيْتَ عَالِمًا؟!! وَمَنَعَهُ -رَحِمَهُ اللهُ رَحْمَةً وَاسِعَةً-)).

فَهَذَا نَظَرُهُ إِلَى نَفْسِهِ؛ فَكَيْفَ بِالَّذِينَ يَبْسُطُونَ أَيْدِيَهُمْ فِي هَذَا الزَّمَانِ لِتُلْعَقَ؟!!

وَعَلَى طُلَّابِ الْعِلْمِ أَلَّا يَفْعَلُوا ذَلِك، وَلِمَ يَفْعَلُونَ؟!! وَأَيُّ جَدْوَى مِنْ وَرَائِهِ؟!! إِنَّمَا هُوَ فِتْنَةٌ عَلَى مَنْ فُعِلَ بِهِ ذَلِكَ، وَهُوَ مَذَلَّةٌ لِمَنْ فَعَلَهُ؛ فَدَعُونَا مِنْ هَذَا كُلِّهِ، وَتَأَمَّلُوا فِي حَالِ السَّلَفِ الْمُتَقَدِّمِينَ!

هَذَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ -رَحِمَهُ اللهُ رَحْمَةً وَاسِعَةً-؛ قَالَ لَهُ رَجُلٌ: ((بَلَغَنِي يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ أَنَّكَ مِنَ الْعَرَبِ)).

فَقَالَ: ((نَحْنُ قَوْمٌ مَسَاكِينُ)).

فَقَالَ: ((وَلَكِنْ بَلَغَنِي أَنَّكَ مِنَ الْعَرَبِ)).

قَالَ: ((نَحْنُ قَوْمٌ مَسَاكِينُ)).

فَمَا زَالَ يُدَافِعُهُ حَتَّى خَرَجَ وَلَمْ يُجِبْهُ بِشَيْءٍ، وَهُوَ مِنَ الْعَرَبِ صَلِيبَةً -رَحِمَهُ اللهُ رَحْمَةً وَاسِعَةً-.

يَأْتِيهِ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الشَّمَالِ، فَيْنُظُرُ فِي وَجْهِهِ وَيَقُولُ: ((يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ! وَاللهِ مَا كَانَ لِي مِنْ نِيَّةٍ فِي سَفَرِي هَذَا عَلَى طُولِهِ إِلَّا أَنْ أَنْظُرَ فِي وَجْهِكَ، ثُمَّ أَعُودَ، وَأَنَا الْآنَ أَعُودُ، وَأُبَشِّرُكَ.. إِنَّا كُنَّا إِذَا حَاصَرْنَا قَوْمًا فَاسْتَعْصَى عَلَيْنَا الْحِصْنُ، وَكَانَ الْعِلْجُ يَكُونُ عَلَى ظَهْرِ الْحِصْنِ؛ ضَرَبْنَا بِالْمِنْجَنِيقِ الْحَجَرَ، نَقُولُ: هَذِهِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، فَمَا هِيَ إِلَّا لَحْظَةٌ حَتَّى يُطَاحَ بِرَأْسِهِ!!)).

فَبَكَى أَحْمَدُ، وَقَالَ: ((لِمَ هَذَا؟!! وَعَلَى أَيِّ شَيْءٍ هَذَا؟!!)).

لَا يَرَى نَفْسَهُ شَيْئًا!!

وَهَذَا هُوَ الْبُخَارِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((اجْعَلْنِي فِي حِلٍّ؛ لِأَنِّي تَبَسَّمْتُ؛ إِذْ تُحَرِّكُ رَأْسَكَ يَمْنَةً وَيَسْرَةً -وَالرَّجُلُ ضَرِيرٌ لَا يُبْصِرُ تَبَسُّمَهُ-، فَقَالَ: اجْعَلْنِي فِي حِلٍّ، لَا أَلْقَى اللهَ وَهِيَ فِي صَحِيفَتِي!!)).

أَيُّ شَيْءٍ هَذَا؟!!

تَأَمَّلْ كَثِيرًا فِي سِيَرِ سَلَفِكَ الصَّالِحِينَ؛ حَتَّى تَعْرِفَ الرِّجَالَ بِحَقٍّ، وَحَتَّى تَعْرِفَ مَثَلَكَ الْحَقَّ؛ لِأَنَّكَ إِذَا نَظَرْتَ إِلَى أَهْلِ زَمَانِكَ؛ فَلَنْ تَجِدَ فِيهِمْ وَاحِدًا -مَهْمَا بَلَغَ- يَسْتَحِقُّ أَنْ يَكُونَ لَكَ قُدْوَةً، قُدْوَتُكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، قُدْوَتُكَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ الْمُخْتَارِ؛ فَلْتَكُنْ هِمَّتُكَ عَالِيَةً، أَنْتَ تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِثْلَ فُلَانٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي عَصْرِكَ؛ مَنْ يَكُونُ؟!!

مَا حِفْظُهُ؟!!

وَمَا فَهْمُهُ؟!!

وَمَا عِبَادَتُهُ؟!!

لِمَ لَا تَكُونُ مِثْلَ الْمُتَقَدِّمِينَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ؟!!

لِمَ لَا تَكُونُ كَشَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ الْقَيِّمِ؟!! كَشَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ؟!!

لِمَ لَا تَكُونُ كَالذَّهَبِيِّ؟!!

لِمَ لَا تَكُونُ كَتِلْكَ الْكَوْكَبَةِ الصَّالِحَةِ مِنَ الْعُلَمَاءِ الصَّالِحِينَ؟!!

ثُمَّ تَقَدَّمْ قَلِيلًا، فَتَأَمَّلْ فِي الْأَئِمَّةِ وَحَالِهِمْ؛ لِمَ لَا تَكُونُ كَالشَّافِعِيِّ؟!!

لِمَ لَا تَكُونُ كَأَحْمَدَ؟!!

لِمَ لَا تَكُونُ كَمَالِكٍ؟!!

لِمَ لَا تَكُونُ كَالْأَوْزَاعِيِّ؟!!

لِمَ لَا تَكُونُ كَأَحَدِ السُّفْيَانَيْنِ؟!!

ثُمَّ تَقَدَّمْ قَلِيلًا حَتَّى تَصِلَ إِلَى أَصْحَابِ نَبِيِّكَ، ثُمَّ تَقَدَّمْ حَتَّى تَصِلَ إِلَى نَبِيِّكَ، {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21].

لِتَكُنْ هِمَّتُكَ عَالِيَةً؛ كَالرَّجُلِ الَّذِي كَانَ يَقُولُ: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ أَنْ تُزَحْزِحَنِي عَنِ النَّارِ)).

هَذَا مِنْ أَعْظَمِ مَا يَكُونُ مِنَ الْفَوْزِ؛ كَمَا قَالَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-: {فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ} [آل عمران: 85]، وَلَكِنْ إِذَا لَمْ يُزَحْزِحْكَ؛ مَاذَا يَكُونُ الْعَمَلُ؟!!

يَا أَخِي! إِذَا دَعَوْتَ فَقُلْ: أَسْأَلُكَ الْفِرْدَوْسَ الْأَعْلَى مِنَ الْجَنَّةِ، فَإِذَا لَمْ يَسْتَجِبْ لَكَ؛ أَدْخَلَكَ جَنَّةَ عَدْنٍ، أَوْ جَنَّةَ الْخُلْدِ، أَوْ جَنَّةَ الْمَأْوَى، أَمَّا ((زَحْزِحْنِي عَنِ النَّارِ!!)) فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِبْ لَكَ وَلَمْ يُزَحْزِحْكَ؛ دَخَلْتَ النَّارَ -نَسْأَلُ اللهَ الْعَافِيَةَ وَالسَّتْرَ-.

((إِذَا سَأَلْتُمُ اللهَ الْجَنَّةَ؛ فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ الْأَعْلَى))، لِيَكُنْ لِسَانُكَ دَائِمًا رَطْبًا بِذِكْرِ اللهِ، لَا تُضَيِّعْ عُمُرَكَ؛ وَلَا ثَانِيَةً.

عَامِرُ بْنُ عَبْدِ الْقَيْسِ كَانَ لَا يُضَيِّعُ مِنْ عُمُرِهِ وَلَا ثَانِيَةً، لَقِيَهُ رَجُلٌ فِي الطَّرِيقِ، فَقَالَ لَهُ: ((قِفْ حَتَّى أُكَلِّمَكَ!)).

قَالَ: ((لَا)).

قَالَ: ((أُكَلِّمُكَ كَلِمَةً وَاحِدَةً)).

قَالَ: ((أَمْسِكِ الشَّمْسَ))؛ يَعْنِي: اجْعَلْ هَذَا الزَّمَانَ لَيْسَ مِنْ عُمُرِي، أَمْسِكِ الشَّمْسَ وَأَنَا أُكَلِّمُكَ!!

لِأَنَّا نُكَلِّمُ بَعْضَنَا فِي أَيِّ شَيْءٍ!! كَلَامُنَا لَغْوٌ، لَوْ مَرَّ لَا لَنَا وَلَا عَلَيْنَا؛ لَكَانَ ضَيَاعًا لِرَأْسِ الْمَالِ؛ فَكَيْفَ وَهُوَ فِي الْجُمْلَةِ لَا يَمُرُّ إِلَّا عَلَيْكَ؟!!

وَتَأَمَّلْ أَيَّ مَجْلِسٍ مِنْ مَجَالِسِكَ مَعَ أَخْلَصِ خُلَصَائِكَ مِنْ إِخْوَانِكَ؛ أَتُذَكِّرُهُ بِاللهِ وَيُذَكِّرُكَ؟!!

أَتَأْخُذَانِ فِي مُدَارَسَةِ الْقُرْآنِ وَالْعِلْمِ؟!!

هُوَ كَلَامٌ!! غِيبَةٌ، أَوْ وُقُوعٌ فِي الْأَعْرَاضِ!! كَلَامٌ فِيمَا لَا يُجْدِي وَلَا يَنْفَعُ!!

تَأَمَّلْ فِي حَالِكَ، وَتُبْ إِلَى رَبِّكَ.

هَؤُلَاءِ هُمُ الْأَئِمَّةُ؛ فَاقْتَدُوا بِهِمْ، وَدَعُوكُمْ مِنْ قَوَاطِي الصَّلْصَةِ!! فَقَدْ أَضَلُّوا الْعِبَادَ، وَأَفْسَدُوا الْبِلَادَ!!

وَأَنَّا أَوَّلُكُمْ أَقْتَدِي بِأُولَئِكَ، نَحْنُ جَمِيعًا طُلَّابُ عِلْمٍ، وَأَنَا طُوَيْلِبُ عِلْمٍ، لَمْ أَرْقَ بَعْدُ أَنْ أَكُونَ طَالِبَهُ، وَإِنَّمَا أَنَا طُوَيْلِبُ عِلْمٍ، أَقْتَدِي بِسَلَفِي الصَّالِحِينَ، وَأَجْتَهِدُ فِي الْقَصِّ عَلَى آثَارِهِمْ؛ فِي حَيَاتِهِمْ، فِي مَطْعَمِهِمْ، فِي مَشْرَبِهِمْ، فِي حَرَكَةِ حَيَاتِهِمْ، فِي سُلُوكِيَّاتِهِمْ.

دَعُونَا مِنْ هَذَا الْوَغَشِ الَّذِي أَفْسَدَ عَلَيْنَا الْبِلَادَ وَالْعِبَادَ، وَعُودُوا إِلَى الْحَقِّ تُفْلِحُوا.

* مِنَ السُّبُلِ الْعَظِيمَةِ لِعُلُوِّ الْهِمَّةِ: تَذَكُّرُ الْجَنَّةِ وَنَعِيمِهَا، وَالنَّارِ وَعَذَابِهَا؛ فَالنَّاسُ لَوْ عَرَفُوا الْجَنَّةَ عَلَى حَقِيقَتِهَا؛ مَا نَامَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ عَلَى فِرَاشِهِ لَيْلَةً؛ لِأَنَّ السَّلَفَ كَانُوا مُشْتَاقِينَ إِلَى الْجَنَّةِ؛ حَتَّى إِنَّ بَعْضَ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ كَانَ يَقُولُ: ((وَاهًا لَكِ يَا رِيحَ الْجَنَّةِ!))، ((إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ الْجَنَّةِ دُونَ أُحُدٍ))، ثُمَّ قَامَ إِلَى الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَالْكَسْرَةُ كَانَتْ حَاضِرَةً، فَلَمَّا جَاءَهُ رُمْحٌ غَادِرٌ، فَانْتَظَمَ حَبَّةَ قَلْبِهِ، فَانْفَجَرَتِ الدِّمَاءُ مِنْ أَمَامَ كَالنَّافُورَةِ؛ كَانَ يَحْفِنُهَا بِيَدَيْهِ لِيُلْقِيَ بِهَا إِلَى السَّمَاءِ، وَيَقُولُ: ((فُزْتُ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ!! فُزْتُ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ!!))؛ لِأَنَّهَا انْتِقَالَةٌ مِنْ أَعْظَمِ مَا يَكُونُ؛ مِنْ زَاوِيَةِ الدَّارِ إِلَى الْجَنَّةِ، وَنِعْمَ الْقَرَارُ، لَا مِنْ زَاوِيَةِ الدَّارِ إِلَى النَّارِ، وَبِئْسَ الْقَرَارُ.

لَوْ عَرَفَ النَّاسُ النَّارَ؛ مَا رَقَأَ لَهُمْ جَفْنٌ مِنْ دَمْعٍ، وَمَا اسْتَقَرَّ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ جَنْبٌ عَلَى فِرَاشٍ!!

كَانَ السَّلَفُ إِذَا بَلَغَ الْوَاحِدُ مِنْهُمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً؛ لَمْ يُعْرَفْ لَهُ فِي الْبَيْتِ فِرَاشٌ، وَإِنَّمَا يَنَامُ نَوْمَ الْغَلَبَةِ، وَنَوْمُ الصَّالِحِينَ غَلَبَةٌ.

لَقَدْ كَانَ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ مِنْ شِدَّةِ الطَّلَبِ -طَلَبِ الْعِلْمِ- يَنَامُ قَاعِدًا!!

ثَلَاثَةَ أَعْوَامٍ لَمْ يَضَعْ جَنْبًا عَلَى فِرَاشٍ، وَإِنَّمَا كَانَ يَنَامُ قَاعِدًا مِنْ شِدَّةِ الطَّلَبِ لِلْعِلْمِ، وَمَاتَ شَابًّا -كَمَا تَعْلَمُونَ-، وَخَلَّفَ مِنَ الْعِلْمِ مَا هُوَ مَعْلُومٌ، وَالَّذِينَ هُمْ فِي مِثْلِ سِنِّهِ الَّتِي مَاتَ عَنْهَا مَا زَالُوا يَلْعَبُونَ فِي التُّرَابِ فِي الشَّوَارِعِ!! هِمَمُهُمْ دَانِيَةٌ؛ بَلْ هِمَمُهُمْ مَيِّتَةٌ، وَلَا شَغَفَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا بِتَحْصِيلِ الْمَلَذَّاتِ، وَتَضْيِيعِ الْأَعْمَارِ، وَالْوُقُوعِ فِيمَا يُغْضِبُ الْعَزِيزَ الْجَبَّارَ، وَإِنَّمَا أُتِيَ الْقَوْمُ مِنْ قِلَّةِ عِلْمِهِمْ بِسِيرَةِ السَّلَفِ.

* وَمِنَ الْأَسْبَابِ الْعَظِيمَةِ لِلتَّحَلِّي بِالْهِمَمِ الْعَالِيَةِ وَالنُّفُوسِ السَّامِيَةِ: الصُّحْبَةُ الصَّالِحَةُ الْمُعِينَةُ عَلَى الْخَيْرِ وَالْبِرِّ؛ فَقَدْ أَمَرَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا- نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ -وَغَيْرُهُ أُسْوَتُهُ فِي الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي- أَنْ يَصْبِرَ نَفْسَهُ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ الْعُبَّادِ الْمُنِيبِينَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ؛ أَيْ: أَوَّلَ النَّهَارِ وَآخِرَهُ، يُرِيدُونَ بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ.

فَوَصَفَهُمْ بِالْعِبَادَةِ، وَالْإِخْلَاصِ فِيهَا.

فَأَمَرَ اللهُ بِصُحْبَةِ الْأَخْيَارِ، وَمُجَاهَدَةِ النَّفْسِ عَلَى صُحْبَتِهِمْ وَمُخَالَطَتِهِمْ؛ وَإِنْ كَانُوا فُقَرَاءَ؛ فَإِنَّ فِي صُحْبَتِهِمْ مِنَ الْفَوَائِدِ مَا لَا يُحْصَى.

قَالَ رَبُّنَا -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [الكهف: 28].

وَاحْبِسْ -يَا رَسُولَ اللهِ، وَيَا كُلَّ دَاعٍ إِلَى اللهِ- نَفْسَكَ، صَابِرًا عَلَى تَحَمُّلِ مَشَقَّاتِ التَّعْلِيمِ وَالتَّرْبِيَةِ وَالتَّزْكِيَةِ، مُصَاحِبًا وَمُلَازِمًا الَّذِينَ يَعْبُدُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ {بِالْغَدَاةِ}: مَا بَيْنَ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَطُلُوعِ الشَّمْسِ {وَالْعَشِيِّ}: مَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعَصْرِ وَغُرُوبِ الشَّمْسِ، يُرِيدُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَجْهَ اللهِ، لَا يُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا.

* مِنْ سُبُلِ عُلُوِّ الْهِمَّةِ: اسْتِشْعَارُ الْمَسْؤُولِيَّةِ، وَتَحَمُّلُ الْأَمَانَةِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ)).

* مِنَ السُّبُلِ الْمُهِمَّةِ لِعُلُوِّ الْهِمَّةِ: تَرْبِيَةُ النَّشْءِ عَلَى تَحَمُّلِ تَكَالِيفِ الْإِسْلَامِ:

مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ مَنَاطَ التَّكْلِيفِ فِي الْإِسْلَامِ: الْبُلُوغُ مَعَ الرُّشْدِ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ؛ وَلَكِنْ عَلَى أَوْلِيَاءِ الْأُمُورِ أَنْ يُرَاعُوا أَبْنَاءَهُمْ فِي صِغَرِهِمْ، وَيُرَبُّوهُمْ عَلَى تَحَمُّلِ تَكَالِيفِ الْإِسْلَامِ؛ حَتَّى تَسْهُلَ عَلَى نُفُوسِهِمْ، وَيَنْشَئُوا عَلَى حُبِّهَا، وَيُدَاوِمُوا عَلَيْهَا.

وَقَدْ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: ((مُرُوا أَبْنَاءَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرِ سِنِينَ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَغَيْرُهُ.

وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِلَفْظ: «عَلِّمُوا الصَّبِيَّ الصَّلَاةَ ابْنَ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُ عَلَيْهَا ابْنَ عَشْرٍ».

وَقَدْ كَانَ الرَّسُولُ ﷺ وَالصَّحَابَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- يَقُومُونَ بِتَرْبِيَةِ النَّاشِئَةِ عَلَى الْأَدَبِ الْكَرِيمِ، وَعَلَى الْتِزَامِ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ الْعَظِيمِ؛ فَقَدْ رَأَى الرَّسُولُ ﷺ رَبِيبَهُ فِي حَجْرِهِ عُمَرَ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-؛ رَآهُ تَطِيشُ يَدُهُ فِي الصَّحْفَةِ أَثْنَاءَ الأَكْلِ -وَكَانَ يَأْكُلُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ-، فَقَالَ لَهُ الرَّسُولُ ﷺ -مُعَلِّمًا، وَمُهَذِّبًا، وَمُؤَدِّبًا-: ((يَا غُلَامُ! سَمِّ اللهَ، وَكُلْ بِيَمِينِكَ، وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ)).

وَيَبْقَى أَثَرُ هَذَا التَّأْدِيبِ فِي نَفْسِ الْغُلَامِ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ حَيَاتَهُ كُلَّهَا، اسْتَمِعْ إِلَيْهِ وَهُوَ يَقُولُ بَعْدُ: ((فَمَا زَالَتْ تِلْكَ طِعْمَتِي بَعْدُ)) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ.

أَيْ: فَمَا زَالَتْ تِلْكَ هَيْئَةَ أَكْلَتِي بَعْدُ، عَلَى حَسَبِ مَا عَلَّمَهُ إِيَّاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ.

وَرَوَى الْبُخَارِيُّ فِي ((صَحِيحِهِ)) عَنِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- قَالَتْ: ((كُنَّا نُصَوِّمُ صِبْيَانَنَا، وَنَجْعَلُ لَهُمُ اللُّعْبَةَ مِنَ الْعِهْنِ -أَيْ: مِنَ الصُّوفِ-، فَإِذَا بَكَى أَحَدُهُمْ عَلَى الطَّعَامِ؛ أَعْطَيْنَاهُ ذَلِكَ -تَعْنِي: اللُّعْبَةَ-؛ حَتَّى يَكُونَ عِنْدَ الْإِفْطَارِ)).

فَهَكَذَا تَرْبِيَةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَكَذَلِكَ رَبَّى الصَّحَابَةُ الْكِرَامُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- أَبْنَاءَهُمْ، فَخَرَجَتْ أَجْيَالٌ مُسْلِمَةٌ تَنْشُرُ الْخَيْرَ فِي رُبُوعِ الْأَرْضِ، وَعَاشَتْ بِالْإِسْلَامِ وَلِلْإِسْلَامِ.


((أَسْبَابُ دُنُوِّ الْهِمَّةِ))

عِبَادَ اللهِ! فَكَمَا أَنَّ لِعُلُوِّ الْهِمَّةِ أَسْبَابًا تُلْتَمَسُ وَسُبُلًا تُرْتَقَى؛ فَلِدُنُوِّ الْهِمَّةِ طَرَائِقُ تُحْذَرُ وَوَسَائِلُ تُجْتَنَبُ، وَمِنْ أَسْبَابِ دُنُوِّ الْهِمَّةِ وَانْحِطَاطِهَا:

* الْهَمُّ وَالْحَزَنُ، وَالْعَجْزُ وَالْكَسَلُ؛ ((فَفِي ((الصَّحِيحَيْنِ)) عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، أَنَّهُ كَانَ يَسْتَعِيذُ بِاللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ، وَكَانَ يَقُولُ ﷺ فِي دُعَائِهِ: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ، وَالْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَالْجُبْنِ وَالْبُخْلِ، وَضَلَعِ الدَّيْنِ وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ)).

فَاسْتَعَاذَ ﷺ بِرَبِّهِ -جَلَّ وَعَلَا- مِنْ ثَمَانِيَةِ أَشْيَاءَ؛ كُلُّ شَيْئَيْنِ مِنْهَا قَرِينَانِ: فَالْهَمُّ وَالْحَزَنُ قَرِينَانِ، وَهُمَا الْأَلَمُ الْوَارِدُ عَلَى الْقَلْبِ، فَإِنْ كَانَ عَلَى مَا مَضَى فَهُوَ الْحَزَنُ، وَإِنْ كَانَ عَلَى مَا يُسْتَقْبَلُ فَهُوَ الْهَمُّ، فَالْأَلَمُ الْوَارِدُ إِنْ كَانَ مَصْدَرُهُ فَوْتَ الْمَاضِي؛ أَثَّرَ الْحَزَنَ، وَإِنْ كَانَ مَصْدَرُهُ خَوْفَ الْآتِي أَثَّرَ الْهَمَّ.

وَالْعَجْزُ وَالْكَسَلُ قَرِينَانِ، فَإِنْ تَخَلَّفَتْ عَنِ الْعَبْدِ مَصْلَحَتُهُ وَبَعُدَتْ عَنْهُ؛ إِنْ كَانَ مِنْ عَدَمِ الْقُدْرَةِ فَهُوَ عَجْزٌ، وَإِنْ كَانَ مِنْ عَدَمِ الْإِرَادَةِ فَهُوَ كَسَلٌ.

وَالْجُبْنُ وَالْبُخْلُ قَرِينَانِ؛ فَإِنَّ الْإِحْسَانَ يُفْرِحُ الْقَلْبَ، وَيَشْرَحُ الصَّدْرَ، وَيَجْلِبُ النِّعَمَ، وَيَدْفَعُ النِّقَمَ، وَتَرْكُ الْإِحْسَانِ يُوجِبُ الْغَمَّ وَالضِّيقَ، وَيَمْنَعُ وُصُولَ النِّعَمِ إِلَيْهِ، فَالْجُبْنُ تَرْكُ الْإِحْسَانِ بِالْبَدَنِ، وَالْبُخْلُ تَرْكُ الْإِحْسَانِ بِالْمَالِ.

وَضَلَعُ الدَّيْنِ وَغَلَبَةُ الرِّجَالِ قَرِينَانِ؛ فَإِنَّ الْقَهْرَ وَالْغَلَبَةَ الْحَاصِلَةَ لِلْعَبْدِ؛ إِمَّا مِنْهُ، وَإِمَّا مِنْ غَيْرِهِ، وَإِنْ شِئْتَ قُلْتَ: إِمَّا بِحَقٍّ وَإِمَّا بِبَاطِلٍ مِنْ غَيْرِهِ.

فَضَلَعُ الدَّيْنِ غَلَبَةٌ سَبَبُهَا مِنْهُ، وَهِيَ غَلَبَةٌ بِحَقٍّ، وَغَلَبَةُ الرِّجَالِ قَهْرٌ بِبَاطِلٍ مِنْ غَيْرِهِ.

وَالْمَقْصُودُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَعَلَ الْحَزَنَ مِمَّا يُسْتَعَاذُ مِنْهُ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْحَزَنَ يُضْعِفُ الْقَلْبَ، وَيُوهِنُ الْعَزْمَ، وَيُغَيِّرُ الْإِرَادَةَ، فَلَا شَيْءَ أَحَبُّ إِلَى الشَّيْطَانِ مِنْ حُزْنِ الْمُؤْمِنِ، قَالَ تَعَالَى: {إِنَّمَا النَّجْوَىٰ مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا} [المجادلة: 10])).

فَالْحَزَنُ مَرَضٌ مِنْ أَمْرَاضِ الْقَلْبِ، يَمْنَعُهُ مِنْ نُهُوضِهِ وَسَيْرِهِ وَتَشْمِيرِهِ.

إِنَّ الْحُزْنَ نَقِيضُ الْفَرَحِ وَخِلَافُ السُّرُورِ، وَهُوَ غَمٌّ يَلْحَقُ؛ مِنْ فَوَاتِ نَافِعٍ أَوْ حُصُولِ ضَارٍّ، وَهُوَ الْغَمُّ الْحَاصِلُ لِوُقُوعِ مَكْرُوهٍ أَوْ فَوَاتِ مَحْبُوبٍ، وَهُوَ مِنْ عَوَارِضِ الطَّرِيقِ، لَا مِنْ مَقَامَاتِ الْإِيمَانِ، وَلَا مِنْ مَنَازِلِ السَّائِرِينَ.

فَلَيْسَ الْحَزَنُ مِنْ مَنَازِلِ السَّائِرِينَ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَلَا هُوَ مِنْ مَقَامَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، وَإِنَّمَا هُوَ عَارِضٌ يَعْرِضُ فِي الطَّرِيقِ، وَنَاشِبٌ يَنْشِبُ أَظْفَارَهُ وَأَنْيَابَهُ فِي الْقُلُوبِ وَالْأَكْبَادِ.

* وَمِنْ أَسْبَابِ دُنُوِّ الْهِمَّةِ: حُبُّ الدُّنْيَا؛ فَإِنَّ الْقَلْبَ إِذَا تَشَتَّتَتْ إِرَادَتُهُ، وَتَوَزَّعَتْ هِمَّتُهُ، وَضَعُفَتْ نِيَّتُهُ، وَشُغِلَ بِهَذَا وَهَذَا، وَتِلْكَ وَتِلْكَ، وَمَا هُنَالِكَ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وَزِينَتِهَا؛ فَأَيْنَ يَجِدُ قُوَّةً عَلَى سَيْرِهِ إِلَى رَبِّهِ، وَأَوْبَتِهِ إِلَى خَالِقِهِ، عَابِدًا عُبُودِيَّةَ الْأَبْرَارِ، مُخْبِتًا إِخْبَاتَ الْمُنِيبِينَ الَّذِينَ خَالَفُوا طَرِيقَ الْأَشْرَارِ وَالْفُجَّارِ، فَسَلَّمَهُمُ اللهُ مِنَ الْمَعَايِبِ، وَأَنْعَمَ عَلَيْهِمْ -جَلَّ وَعَلَا- بِفَضْلِهِ وَمَنِّهِ وَنِعْمَتِهِ؟!!

فَأَكْبَرُ شَيْءٍ يُزَاوِلُهُ الْقَلْبُ بَدْءًا أَنْ يَتَشَتَّتَ مُتَفَرِّقًا، وَأَنْ يَتَنَاثَرَ مُتَبَعْثِرًا، فَمَهْمَا حَاوَلَ أَنْ يُجْمِعَ عَلَى رَبِّهِ أَبَى، وَإِنَّمَا هُوَ هَائِمٌ بِكُلِّ سَبِيلٍ، طَائِرٌ فِي كُلِّ وَادٍ، فَلَا يُحَصِّلُ خَيْرًا، وَلَا يَقَعُ عَلَى مَعْرُوفٍ!!

* وَمِنْ أَسْبَابِ دُنُوِّ الْهِمَّةِ وَانْحِطَاطِهَا: الْغَفْلَةُ عَنِ ذِكْرِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، وَالتَّعَلُّقُ الْمُحَرَّمُ، قَالَ تَعَالَى: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا} [طه: 124].

وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ} [الزخرف:36].

قَالَ الْعَلَّامَةُ السَّعْدِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((أَخْبَرَ -تَعَالَى- عَنْ عُقُوبَتِهِ الْبَلِيغَةِ بِمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِهِ، فَقَالَ: {وَمَن يَعْشُ}؛ أَيْ: يُعْرِضْ وَيَصُدَّ.

{عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ} الَّذِي هُوَ الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ، الَّذِي هُوَ أَعْظَمُ رَحْمَةٍ رَحِمَ بِهَا الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ، فَمَنْ قَبِلَهَا؛ فَقَدْ قَبِلَ خَيْرَ الْمَوَاهِبِ، وَفَازَ بِأَعْظَمِ الْمَطَالِبِ وَالرَّغَائِبِ، وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْهَا وَرَدَّهَا؛ فَقَدْ خَابَ وَخَسِرَ خَسَارَةً لَا يَسْعَدُ بَعْدَهَا أَبَدًا، وَقَيَّضَ لَهُ الرَّحْمَنُ شَيْطَانًا مَرِيدًا يُقَارِنُهُ وَيُصَاحِبُهُ، وَيَعِدُهُ وَيُمَنِّيهِ، وَيَؤُزُّهُ إِلَى الْمَعَاصِي أَزًّا))، وَمِنْ تَمَامِ عَدْلِهِ: أَنْ جَعَلَ الْجَزَاءَ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ)).

وَ«مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ ضِيقِ الصَّدْرِ: الْإِعْرَاضُ عَنِ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ-، وَتَعَلُّقُ الْقَلْبِ بِغَيْرِهِ، وَالْغَفْلَةُ عَنْ ذِكْرِهِ، وَمَحَبَّةُ سِوَاهُ؛ فَإِنَّ مَنْ أَحَبَّ شَيْئًا غَيْرَ اللهِ؛ عَذَّبَهُ اللهُ بِهِ لَا مَحَالَةَ، وَسُجِنَ قَلْبُهُ فِي مَحَبَّةِ ذَلِكَ الَّذِي أَحَبَّهُ مَعَ اللهِ.

فَمَا فِي الْأَرْضِ أَشْقَى مِنْهُ، وَلَا أَكْسَفَ بَالًا، وَلَا أَنْكَدَ عَيْشًا، وَلَا أَتْعَبَ قَلْبًا.

فَهُمَا مَحَبَّتَانِ؛ مَحَبَّةٌ هِيَ جَنَّةُ الدُّنْيَا، وَسُرُورُ النَّفْسِ، وَلَذَّةُ الْقَلْبِ، وَنَعِيمُ الرُّوحِ وَغِذَاؤُهَا، وَدَوَاؤُهَا؛ بَلْ حَيَاتُهَا، وَقُرَّةُ عَيْنِهَا، وَهِيَ مَحَبَّةُ اللهِ وَحْدَهُ بِكُلِّ الْقَلْبِ، وَانْجِذَابُ قُوَى الْمَيْلِ وَالْإِرَادَةِ وَالْمَحَبَّةِ كُلِّهَا إِلَيْهِ.

وَمَحَبَّةٌ هِيَ عَذَابُ الرُّوحِ، وَغَمُّ النَّفْسِ، وَهِيَ سِجْنُ الْقَلْبِ، وَضِيقُ الصَّدْرِ، وَهِيَ سَبَبُ الْأَلَمِ وَالنَّكَدِ وَالْعَنَاءِ، وَهِيَ مَحَبَّةُ مَا سِوَى اللهِ -سُبْحَانَهُ-)).

* وَمِنْ أَسْبَابِ مَوْتِ الْهِمَّةِ: الْيَأْسُ وَالْقُنُوطُ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، ((إِنَّ الْمُؤْمِنَ الْمُوَحِّدَ فِي كُلِّ أَحْوَالِهِ مُلَازِمٌ لِلْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ، وَهَذَا هُوَ الْوَاجِبُ، وَهُوَ النَّافِعُ، وَبِهِ تَحْصُلُ السَّعَادَةُ، وَيُخْشَى عَلَى الْعَبْدِ مِنْ خُلُقَيْنِ رَذِيلَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: أَنْ يَسْتَوْلِيَ عَلَيْهِ الْخَوْفُ حَتَّى يَقْنَطَ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ وَرَوْحِهِ.

الثَّانِي: أَنْ يَتَجَارَى بِهِ الرَّجَاءُ حَتَّى يَأْمَنَ مَكْرَ اللهِ وَعُقُوبَتَهُ، فَمَتَى بَلَغَتْ بِهِ الْحَالُ إِلَى هَذَا؛ فَقَدْ ضَيَّعَ وَاجِبَ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ اللَّذَيْنِ هُمَا مِنْ أَكْبَرِ أُصُولِ التَّوْحِيدِ وَوَاجِبَاتِ الْإِيمَانِ.

وَلِلْقُنُوطِ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ وَالْيَأْسِ مِنْ رَوْحِهِ سَبَبَانِ مَحْذُورَانِ:

أَحَدُهُمَا: أَنْ يُسْرِفَ الْعَبْدُ عَلَى نَفْسِهِ، وَيَتَجَرَّأَ عَلَى الْمَحَارِمِ، فَيُصِرَّ عَلَيْهَا، وَيُصَمِّمَ عَلَى الْإِقَامَةِ عَلَى الْمَعْصِيَةِ، وَيَقْطَعَ طَمَعَهُ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ؛ لِأَجْلِ أَنَّهُ مُقِيمٌ عَلَى الْأَسْبَابِ الَّتِي تَمْنَعُ الرَّحْمَةَ.

فَلَا يَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يَصِيرَ لَهُ هَذَا وَصْفًا وَخُلُقًا لَازِمًا، وَهَذَا غَايَةُ مَا يُرِيدُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْعَبْدِ، وَمَتَى وَصَلَ إِلَى هَذَا الْحَدِّ؛ لَمْ يُرْجَ لَهُ خَيْرٌ إِلَّا بِتَوْبَةٍ نَصُوحٍ وَإِقْلَاعٍ قَوِيٍّ.

الثَّانِي: أَنْ يَقْوَى خَوْفُ الْعَبْدِ بِمَا جَنَتْ يَدَاهُ مِنَ الْجَرَائِمِ، وَيَضْعُفَ عِلْمُهُ بِمَا لِلهِ مِنْ وَاسِعِ الرَّحْمَةِ وَالْمَغْفِرَةِ، وَيَظُنُّ بِجَهْلِهِ أَنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ لَهُ وَلَا يَرْحَمُهُ؛ وَلَوْ تَابَ وَأَنَابَ!! وَتَضْعُفَ إِرَادَتُهُ؛ فَيَيْأَسَ مِنَ الرَّحْمَةِ، وَهَذَا مِنَ الْمَحَاذِيرِ الضَّارَّةِ النَّاشِئَةِ مِنْ ضَعْفِ عِلْمِ الْعَبْدِ بِرَبِّهِ وَمَا لَهُ مِنَ الْحُقُوقِ، وَمِنْ ضَعْفِ النَّفْسِ، وَعَجْزِهَا وَمَهَانَتِهَا.

فَلَوْ عَرَفَ هَذَا رَبَّهُ، وَلَمْ يَخْلُدْ إِلَى الْكَسَلِ؛ لَعَلِمَ أَنَّ أَدْنَى سَعْيٍ يُوصِلُهُ إِلَى رَبِّهِ، وَإِلَى رَحْمَتِهِ وَجُودِهِ وَكَرَمِهِ.

وَالْيَأْسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ، وَالْقُنُوطُ مِنْ رَحْمَتِهِ مِنْ كَبَائِرِ الذُّنُوبِ وَعَظَائِمِ الْإِثْمِ)).

* وَمِنْ أَسْبَابِ دُنُوِّ الْهِمَّةِ: الْمَعَاصِي، فَـ((الْمَعَاصِي تُضْعِفُ الْقَلْبَ، وَمِنْ عُقُوبَتِهَا: أَنَّهَا تُضْعِفُ سَيْرَ الْقَلْبِ إِلَى اللهِ وَالدَّارِ الْآخِرَةِ، أَوْ تُعَوِّقُهُ، أَوْ تُوقِفُهُ وَتَقْطَعُهُ عَنِ السَّيْرِ؛ فَلَا تَدَعُهُ يَخْطُو إِلَى اللهِ خُطْوَةً، هَذَا إِنْ لَمْ تَرُدَّهُ عَنْ وِجْهَتِهِ إِلَى وَرَائِهِ، فَالذَّنْبُ يَحْجِبُ الْوَاصِلَ، وَيَقْطَعُ السَّائِرَ، وَيُنَكِّسُ الطَّالِبَ، وَالْقَلْبُ إِنَّمَا يَسِيرُ إِلَى اللهِ بِقُوَّتِهِ، فَإِذَا مَرِضَ بِالذُّنُوبِ؛ ضَعُفَتْ تِلْكَ الْقُوَّةُ الَّتِي تُسَيِّرُهُ، فَإِنْ زَالَتْ بِالْكُلِّيَّةِ؛ انْقَطَعَ عَنِ اللهِ انْقِطَاعًا يَبْعُدُ تَدَارُكُهُ، وَاللهُ الْمُسْتَعَانُ.

فَالذَّنْبُ إِمَّا يُمِيتُ الْقَلْبَ، أَوْ يُمْرِضُهُ مَرَضًا مَخُوفًا، أَوْ يُضْعِفُ قُوَّتَهُ وَلَا بُدَّ!!)).

* وَمِنْ أَسْبَابِ مَوْتِ الْهِمَّةِ: التَّأَثُّرُ بِالْمُخَذِّلِينَ؛ فَالْجُبَنَاءُ الْمُرْجِفُونَ لَا تَرَى مِنْهُمْ إِعَانَةً قَوْلِيَّةً وَلَا فِعْلِيَّةً وَلَا جِدِّيَّةً، قَدْ مَلَكَهُمُ الْبُخْلُ وَالْجُبْنُ وَالْيَأْسُ، وَفِيهِمُ السَّاعِي بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ بِإِيقَاعِ الْعَدَاوَاتِ وَالْفِتَنِ وَالتَّفْرِيقِ، فَهَذِهِ الطَّائِفَةُ أَضَرُّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْعَدُوِّ الظَّاهِرِ الْمُحَارِبِ؛ بَلْ هُمْ سِلَاحُ الْأَعْدَاءِ عَلَى الْحَقِيقَةِ.

قَالَ -تَعَالَى- فِيهِمْ وَفِي أَشْبَاهِهِمْ: {لَوْ خَرَجُوا فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ} [التوبة: 47]؛ أَيْ: يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ؛ تَغْرِيرًا أَوِ اغْتِرَارًا.

فَعَلَى الْمُسْلِمِينَ الْحَذَرُ مِنْ هَؤُلَاءِ الْمُفْسِدِينَ؛ فَإِنَّ ضَرَرَهُمْ كَبِيرٌ، وَشَرَّهُمْ خَطِيرٌ، وَمَا أَكْثَرَهُمْ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ الَّتِي اضْطُرَّ فِيهَا الْمُسْلِمُونَ إِلَى التَّعَلُّقِ بِكُلِّ صَلَاحٍ وَإِصْلَاحٍ، وَإِلَى مَنْ يُعِينُهُمْ وَيُنَشِّطُهُمْ!!

فَهَؤُلَاءِ الْمُفْسِدُونَ يُثَبِّطُونَ عَنِ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَمُقَاوَمَةِ الْأَعْدَاءِ، وَيُخَدِّرُونَ أَعْصَابَ الْمُسْلِمِينَ، وَيُؤَيِّسُونَهُمْ مِنْ مُجَارَاةِ الْأُمَمِ فِي أَسْبَابِ الرُّقِيِّ، وَيُوهِمُونَهُمْ أَنَّ كُلَّ عَمَلٍ يَعْمَلُونَهُ لَا يُفِيدُ شَيْئًا، وَلَا يُجْدِي نَفْعًا!!

فَهَؤُلَاءِ لَا خَيْرَ فِيهِمْ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ؛ لَا دِينَ صَحِيحَ، وَلَا شَهَامَةَ دِينِيَّةً، وَلَا قَوْمِيَّةً، وَلَا وَطَنِيَّةً، لَا دِينَ صَحِيحَ، وَلَا عَقْلَ رَجِيحَ؛ فَلْيَعْلَمْ هَؤُلَاءِ وَمَنْ يَسْتَجِيبُ لَهُمْ أَنَّ اللهَ لَمْ يُكَلِّفِ النَّاسَ إِلَّا وُسْعَهُمْ وَطَاقَتَهُمْ.

* وَمِنْ أَسْبَابِ ضَعْفِ الْهِمَّةِ: الصُّحْبَةُ الْفَاسِدَةُ؛ ((فَإِنَّ كَثْرَةَ الْخُلْطَةِ تُورِثُ الْقَلْبَ امْتِلَاءً مِنْ دُخَانِ أَنْفَاسِ بَنِي آدَمَ حَتَّى يَسْوَدَّ، وَيُوجِبَ لَهُ تَشَتُّتًا وَتَفَرُّقًا، وَهَمًّا وَغَمًّا، وَضَعْفًا، وَحَمْلًا لِمَا يَعْجِزُ عَنْ حَمْلِهِ؛ مِنْ مَئُونَةِ قُرَنَاءِ السُّوءِ، مَعَ إِضَاعَةِ مَصَالِحِهِ، وَالِاشْتِغَالِ عَنْهَا بِهِمْ وَبِأُمُورِهِمْ، وَتَقْسِيمِ فِكْرِهِ فِي أَوْدِيَةِ مَطَالِبِهِمْ وَإِرَادَاتِهِمْ؛ فَمَاذَا يَبْقَى مِنْهُ لِلَّهِ وَلِلدَّارِ الْآخِرَةِ؟!!

هَذَا؛ وَكَمْ جَلَبَتْ خُلْطَةُ النَّاسِ مِنْ نِقْمَةٍ، وَدَفَعَتْ مِنْ نِعْمَةٍ، وَأَنْزَلَتْ مِنْ مِحْنَةٍ، وَعَطَّلَتْ مِنْ مِنْحَةٍ، وَأَحَلَّتْ مِنْ رَزِيَّةٍ، وَأَوْقَعَتْ فِي بَلِيَّةٍ؟!! وَهَلْ آفَةُ النَّاسِ إِلَّا النَّاسُ؟!!

وَهَلْ كَانَ عَلَى أَبِي طَالِبٍ عِنْدَ الْوَفَاةِ أَضَرَّ مِنْ قُرَنَاءِ السُّوءِ؟!!

لَمْ يَزَالُوا بِهِ حَتَّى حَالُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ تُوجِبُ لَهُ سَعَادَةَ الْأَبَدِ، وَالنَّبِيُّ عِنْدَ رَأْسِهِ يَقُولُ: ((يَا عَمَّاهُ! قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ.. هِيَ كَلِمَةٌ أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللهِ)).

فَيَقُولُ لَهُ شَيْطَانُ الْإِنْسِ: أَتَدَعُ دِينَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَتَدْخُلُ فِي دِينِ مُحَمَّدٍ؟!!

فَكَانَ آخِرَ مَا قَالَ: أَنَّهُ عَلَى دِينِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؛ فَدَخَلَ النَّارَ.

فَاحْذَرْ أَهْلَ زَمَانِكَ، وَأَقْلِلْ مِنَ الْمُخَالَطَةِ عَلَى قَدْرِ وُسْعِكَ؛ إِلَّا أَنْ يَكُونَ حَقٌّ تُؤَدِّيهِ؛ مِنْ رَحِمٍ تَصِلُهُ، أَوْ بِرٍّ تَذْهَبُ بِهِ إِلَى مُسْتَحِقِّيهِ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ فَالْزَمْ قَعْرَ بَيْتِكَ، وَأَقْبِلْ عَلَى رَبِّكَ، كَمَا أَمَرَ بِذَلِكَ نَبِيُّكَ ﷺ، وَعَلَيْكَ بِخَاصَّةِ نَفْسِكَ، وَدَعْ عَنْكَ أَمْرَ عَامَّتِهِمْ؛ فَإِنَّهُمْ مِنْ أَضَرِّ مَا يَكُونُ مِنْ أَمْرٍ عَلَيْكَ-)).


((مَظَاهِرُ عُلُوِّ الْهِمَّةِ فِي حَيَاةِ الْمُسْلِمِ))

إِنَّ حَيَاةَ الْمُسْلِمِ كُلَّهَا تَحْتَاجُ إِلَى الْهِمَّةِ الْعَالِيَةِ، قَالَ تَعَالَى: {هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} [هود: 61]؛ أَيْ: جَعَلَكُمْ فِيهَا لِتَعْمُرُوهَا، وَمَكَّنَكُمْ بِمَا آتَاكُمْ مِنْ عِمَارَتِهَا.

وَقَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً} [لقمان: 20].

وَهَذَا التَّسْخِيرُ يَحْمِلُ فِي طِيَّاتِهِ كُلَّ مَظَاهِرِ التَّكْرِيمِ لِهَذَا الْإِنْسَانِ الَّذِي اسْتَخْلَفَهُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- فِي الْأَرْضِ؛ لِعِمَارَتِهَا، وَعِمَارَتُهَا بِعِبَادَةِ رَبِّنَا -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- فِيهَا، وَبِالْقِيَامِ عَلَى مَا يُصْلِحُهَا.

وَقَدْ زَوَّدَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- هَذَا الْإِنْسَانَ بِكُلِّ وَسَائِلِ الِاسْتِخْلَافِ فِي الْأَرْضِ، وَسَلَّحَهُ بِكُلِّ أَدَوَاتِ الْمَعْرِفَةِ، وَالْقُدْرَةِ عَلَى قِيَادَةِ دِفَّةِ هَذِهِ الْحَيَاةِ، وَإِدَارَةِ دَوَالِيبِ الْعَمَلِ فِيهَا، وَلِكَيْ لَا يَضِلَّ وَلَا يَشْقَى.. بَعَثَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- إِلَيْهِ الْمُرْسَلِينَ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِمُ الْكُتُبَ فِيْهَا الشَّرَائِعُ وَالْحَقُّ الْمُبِينُ، وَعَلَّمَهُمْ أُصُولَ التَّعَايُشِ وَمَبَادِئَ التَّعَامُلِ، وَلَفَتَ أَنْظَارَهُمْ إِلَى ضَرُورَةِ الِالْتِزَامِ بِآدَابِ الشَّرَائِعِ وَالْأَدْيَانِ، وَلَم يُبِحْ لِأَحَدٍ أَنْ يَخْرُجَ عَنْ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ طَائِعًا مُخْتَارًا، وَأَشْعَرَهُمْ عِظَمَ الْمَسْؤُولِيَّةِ عَنِ الْإِخْلَالِ وَالتَّقْصِيرِ، فَقَالِ رَبُّنَا -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ- فِي الْكِتَابِ الْعَزِيزِ: {وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [التوبة: 105].

وَأُمَّةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ تَنُوشُهَا الرِّيَاحُ مِنْ كُلِّ صَوْبٍ، وَتَتَجَمَّعُ عَلَيْهَا الْأَكَلَةُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ، كَمَا أَخْبَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((يُوشِكُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمُ الْأُمَمُ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا)).

قَالُوا: أَوَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ يَا رَسُولَ اللهِ؟

قَالَ: ((لَا، أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ؛ وَلَكِنْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ، وَلَيَنْزِعَنَّ اللهُ الْهَيْبَةَ مِنْكُمْ مِنْ صُدُورِ أَعْدَائِكُمْ، وَلَيَقْذِفَنَّ فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهْنَ)).

وَالْوَهْنُ: الضَّعْفُ وَالْعَجْزُ، وِالِالْتِصَاقُ بِالْأَرْضِ، وَضَعْفُ الْهِمَمِ؛ بَلْ مَوْتُهَا، وَالْحِرْصُ عَلَى الْمَصْلَحَةِ الشَّخْصِيَّةِ دُونَ مَصْلَحَةِ الْأُمَّةِ الْعُلْيَا، كَمَا كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَحْرِصُونَ عَلَى الْمَصْلَحَةِ الْعُلْيَا لِهَذِهِ الْأُمَّةِ الْمَرْحُومَةِ، وَلَكِنْ {وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم} [محمد: 38].

إِنَّمَا هُوَ التَّمْحِيصُ، وَمَنْ لَمْ يُثَبِّتْهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ؛ هَلَكَ وَضَاعَ، وَسَيْأَتِي اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ، يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ، سَيَسْتَبْدِلُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ أَقْوَامًا حَادُوا عَنْ دِينِهِ، وَغَيَّرُوا مَنْهَجَهُ، وَتَلَاعَبُوا بِشَرِيعَتِهِ، سَيَسْتَبْدِلُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ خَيْرًا مِنْهُمْ مِمَّنْ يَأْخُذُ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ، وَيَدْعُو إِلَى دِينِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ كَمَا أَنْزَلَهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ.

إِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ لَنَقُولُ فِي مَهَابِّ الرِّيَاحِ الْأَرْبَع؛ وَلَكِنَّهَا تُنَادِي أَبْنَاءَهَا أَنْ يَفِيئُوا إِلَى ظِلِّهَا، وَأَنْ يَعُودُوا إِلَيْهَا؛ لِيَحْمُوهَا مِنْ أَعْدَائِهَا.

إِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ أُمَّةٌ مَرْحُومَةٌ، إِلَّا تَكُنْ بِكُمْ تَكُنْ بِغَيْرِكُمْ، ثُمَّ لَا تُحَصِّلُونَ مِنَ الْخَيْرِ شَيْئًا.

دِينُ الْإِسْلَامِ الْعَظِيمِ إِنْ لَمْ يَكُنْ بِنَا؛ كَانَ بِغَيْرِنَا، وَيَخْسَرُ مَنْ يَخْسَرُ فِي ذَلِكَ؛ فَسَارِعُوا إِلَى نُصْرَةِ دِينِ رَبِّكُمْ بِالتَّمَسُّكِ بِدِينِهِ، وَمِنْهَاجِ نُبُوَّةِ نَبِيِّكُمْ ﷺ.

قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((إِنَّ لِي نَفْسًا تَوَّاقَةً، مَا وَصَلَتْ إِلَى شَيْءٍ إِلَّا تَاقَتْ إِلَى مَا هُوَ فَوْقَهُ)).

رَجُلٌ يُحِبُّ مَعَالِيَ الْأُمُورِ، وَلَا يَرْضَى بِالدُّونِ، فَهُوَ يَقُولُ: ((إِنَّ لِي نَفْسًا تَوَّاقَةً، مَا وَصَلَتْ إِلَى مَنْزِلَةٍ مِنَ الْمَنَازِلِ إِلَّا تَاقَتْ إِلَى مَنْزِلَةٍ فَوْقَهَا، وَأَنَا الْآنَ قَدْ آتَانِيَ اللهُ الْخِلَافَةَ، وَلَا شَيْءَ فَوْقَهَا فِي الدُّنْيَا، فَتَاقَتْ نَفْسِي إِلَى الْآخِرَةِ))؛ فَانْخَلَعَ مِنَ الدُّنْيَا، وَانْسَلَخَ مِنْهَا، مُقْبِلًا عَلَى الْآخِرَةِ -رَحْمَةُ اللهِ تَعَالَى عَلَيْهِ-.

((مِنْ مَظَاهِرِ عُلُوِّ الْهِمَّةِ فِي الْحَيَاةِ:

عُلُوُّ الْهِمَّةِ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ))

إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ مَيَادِينِ عُلُوِّ الْهِمَّةِ: مَيْدَانَ الْعِلْمِ، قَالَ تَعَالَى: {وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا} [طه: 114].

فَلَوْ كَانَ شَيْءٌ أَشْرَفَ مِنَ الْعِلْمِ؛ لَأَمَرَ اللهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ ﷺ أَنْ يَسْأَلَهُ الْمَزِيدَ مِنْهُ كَمَا أَمَرَ أَنْ يَسْتَزِيدَهُ مِنَ الْعِلْمِ)).

وَقَالَ تَعَالَى: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ} [الزمر: 9].

قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((إِنَّهُ -سُبْحَانَهُ- نَفَى التَّسْوِيَةَ بَيْنَ أَهْلِهِ وَبَيْنَ غَيْرِهِمْ كَمَا نَفَى التَّسْوِيَةَ بَيْنَ أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَأَصْحَابِ النَّارِ، فَقَالَ تَعَالَى: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُون} [الزمر: 9]، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ} [الحشر: 20]، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى غَايَةِ فَضْلِهِمْ وَشَرَفِهِمْ)).

وَقَالَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 28].

قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((أَخْبَرَ -سُبْحَانَهُ- أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ هُمْ أَهْلُ خَشْيَتِهِ؛ بَلْ خَصَّهُمْ مِنْ بَيْنِ النَّاسِ بِذَلِكَ، فَقَالَ تَعَالَى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ}. وَهَذَا حَصْرٌ لِخَشْيَتِهِ فِي أُولِي الْعِلْمِ)).

قَالَ تَعَالَى: {فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآَنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} [طه: 114].

قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((إِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ أَمَرَ نَبِيَّهُ أَنْ يَسْأَلَهُ مَزِيدَ الْعِلْمِ، وَكَفَى بِهَذَا شَرَفًا لِلْعِلْمِ؛ أَنْ أَمَرَ نَبِيَّهُ أَنْ يَسْأَلَهُ الْمَزِيدَ مِنْهُ)).

وَكَانَ مِنْ دُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ عِلْمًا نَافِعًا، وَرِزْقًا طَيِّبًا، وَعَمَلًا مُتَقَبَّلًا)).

وَبَيَّنَ لَنَا ﷺ: ((مَنْهُومَانِ لَا يَشْبَعَانِ: طَالِبُ عِلْمٍ، وَطَالِبُ مَالٍ)).

إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ سُبُلِ طَلَبِ الْعِلْمِ: عُلُوَّ الْهِمَّةِ؛ فَمِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُرَاعَى مِنْ طَرَائِقِ تَحْصِيلِ الْعِلْمِ: أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْمُتَعَلِّمِ أَنْ يَطْلُبَ الْعِلْمَ؛ مَهْمَا امْتَدَّ بِهِ الْعُمُرُ، فَعَلَى الْمُتَعَلِّمِ أَنْ يَطْلُبَ الْعِلْمَ؛ مَهْمَا بَلَغَ مِنَ الْعُمُرِ، وَمَهْمَا كَانَ لَهُ مِنَ الْعِلْمِ وَالرِّئَاسَةِ وَالْجَاهِ، وَقَانُونُ الْعُلَمَاءِ فِي الطَّلَبِ هُوَ: ((مَعَ الْمَحْبَرَةِ إِلَى الْمَقْبَرَةِ))، وَ((الْعِلْمُ مِنَ الْمَهْدِ إِلَى اللَّحْدِ)).

قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-: ((وَقَدْ تَعَلَّمَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ فِي كِبَرِ سِنِّهِمْ)).

وَقَدْ قِيلَ لِابْنِ الْمُبَارَكِ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((إِلَى مَتَى تَطْلُبُ الْعِلْمَ؟)).

قَالَ: ((حَتَّى الْمَمَاتِ -إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى-)).

وَقِيلَ لَهُ مَرَّةً أُخْرَى مِثْلُ ذَلِكَ؛ فَقَالَ: ((لَعَلَّ الْكَلِمَةَ الَّتِي تَنْفَعُنِي لَمْ أَكْتُبْهَا بَعْدُ)).

وَقَالَ الْمَنْصُورُ بْنُ الْمَهْدِيِّ لِلْمَأْمُونِ: ((أَيَحْسُنُ بِالشَّيْخِ أَنْ يَتَعَلَّمَ؟)).

فَقَالَ: ((إِذَا كَانَ الْجَهْلُ يَعِيبُهُ؛ فَالتَّعَلُّمُ يَحْسُنُ بِهِ)).

وَأَمَّا مَا قَالَهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ -رَحِمَهُ اللهُ- فِي الْإِجَابَةِ عَنِ السُّؤَالِ الَّذِي وُجِّهَ إِلَيْهِ: إِلَى مَتَى تَطْلُبُ الْعِلْمَ؟

قَالَ: ((حَتَّى الْمَمَاتِ -إِنْ شَاءَ اللهُ-، ثُمَّ قَالَ: لَعَلَّ الْكَلِمَةَ الَّتِي تَنْفَعُنِي لَمْ أَكْتُبْهَا بَعْدُ))؛ هَذَا يُفَسَّرُ بِمَا يَتَكَلَّمُ بِهِ النَّاسُ فِي هَذَا الْعَصْرِ مِنْ مُصْطَلَحَاتِهِمْ؛ حَيْثُ يَقُولُونَ: إِنَّ الْكَلِمَةَ قَدْ تَقَعُ فِي هَامِشِ الشُّعُورِ، وَلَا تَقَعُ فِي بُؤْرَةِ الشُّعُورِ، وَيَسْمَعُهَا الْإِنْسَانُ مَرَّاتٍ كَثِيرَةً مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَأَثَّرَ بِهَا؛ بَلْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَفْهَمَهَا، فَإِذَا قَدَّرَ اللهُ -تَعَالَى- أَنْ تُزَحْزَحَ مِنْ هَامِشِ الشُّعُورِ حَتَّى تَقَعَ فِي بُؤْرَةِ الشُّعُورِ؛ فَإِنَّهُ -حِينَئِذٍ- يَسْتَفِيدُ مِنْهَا، وَيَنْتَفِعُ بِهَا، وَكَأَنَّهُ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ يَسْمَعُهَا.

وَقَدْ ضَرَبْتُ عَلَى ذَلِكَ مِثَالًا بِمَا كَانَ مِنْ قَوْلِ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-؛ فَإِنَّهُ لَمَّا تُوُفِّيَ النَّبِيُّ ﷺ؛ كَانَ عُمَرُ ثَائِرًا، يَقُولُ: ((مَنْ قَالَ إِنَّ مُحَمَّدًا ﷺ قَدْ مَاتَ؛ ضَرَبْتُ عُنُقَهُ، وَإِنَّمَا ذَهَبَ مُحَمَّدٌ ﷺ إِلَى مِيقَاتِ رَبِّهِ كَمَا ذَهَبَ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ، وَلَيَعُودَنَّ مُحَمَّدٌ ﷺ، فَلَيُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَ أَقْوَامٍ وَأَرْجُلَهُمْ.. زَعَمُوا أَنَّهُ قَدْ مَاتَ)).

فَظَلَّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- عَلَى ذَلِكَ حَتَّى جَاءَ أَبُو بَكْرٍ -وَكَانَ غَائِبًا-، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَكَشَفَ عَنْ وَجْهِهِ؛ عَلِمَ أَنَّهُ قَدْ تُوُفِّيَ ﷺ، فَقَبَّلَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ بَاكِيًا، وَقَالَ: ((بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللهِ! طِبْتَ حَيًّا وَمَيِّتًا، أَمَّا الْمَوْتَةُ الَّتِي كَتَبَ اللهُ عَلَيْكَ فَقَدْ ذُقْتَهَا، فَلَنْ تَذُوقَ الْمَوْتَ بَعْدَهَا أَبَدًا))، ثُمَّ سَجَّى وَجْهَ النَّبِيِّ ﷺ وَخَرَجَ.

فَقَالَ: ((إِلَيْكَ يَا عُمَرُ عَنِّي))، وَهُوَ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ، يُرِيدُ أَنْ يُخَفِّضَ مِنْ ثَائِرَتِهِ، فَلَمْ يَسْتَجِبْ لَهُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-، فَأَقْبَلَ هُوَ مُتَكَلِّمًا، فَأَقْبَلَ النَّاسُ عَلَيْهِ وَتَرَكُوا عُمَرَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: ((مَنْ كَانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا؛ فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللهَ فَإِنَّ اللهَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ، ثُمَّ تَلَا قَوْلَ اللهِ تَعَالَى: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ۚ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا ۗ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ} [آل عمران: 144])).

قَالَ عُمَرُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- -وَهُنَا مَوْطِنُ الشَّاهِدِ-: ((فَكَأَنِّي وَاللهِ لَمْ أَسْمَعْهَا إِلَّا حِينَ تَلَاهَا أَبُو بَكْرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، فَعَلِمْتُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ مَاتَ)).

فَالْآيَةُ مَرَّتْ عَلَيْهِ قَبْلُ، وَكَانَ لَهَا حَامِلًا؛ وَلَكِنَّهَا لَمْ تَقَعْ مَوْقِعَهَا مِنْ نَفْسِهِ وَقَلْبِهِ إِلَّا حِينَ تَلَاهَا أَبُو بَكْرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-.

قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((لَعَلَّ الْكَلِمَةَ الَّتِي تَنْفَعُنِي لَمْ أَكْتُبْهَا بَعْدُ))؛ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ رُبَّمَا أَفَادَهُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- بِكَلِمَةٍ يَسْمَعُهَا؛ أَحْدَثَتْ فِي قَلْبِهِ خَشْيَةً وَإِنَابَةً، أَوْ فِي حَيَاتِهِ تَوْبَةً وَرُجُوعًا وَمَثُوبَةً إِلَى اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَكَانَ قَبْلُ يَسْمَعُهَا كَثِيرًا فَلَا تُفِيدُهُ شَيْئًا.

عَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يَطْلُبَ الْعِلْمَ عُمُرَهُ، وَأَلَّا يَتَوَانَى فِي الطَّلَبِ؛ عَسَى اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- أَنْ يُهَيِّئَ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ رَشَدًا.

وَلَمْ يَمْنَعْ عُلُوُّ الرُّتْبَةِ وَلَا ارْتِفَاعُ الْمَقَامِ مُوسَى -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-، وَلَا مَنَعَهُ سِنُّهُ أَنْ يَخْرُجَ لِلِقَاءِ الْعَبْدِ الصَّالِحِ لَمَّا أَخْبَرَهُ اللهُ -تَعَالَى- أَنَّ عِنْدَهُ عِلْمًا لَيْسَ يَعْلَمُهُ، وَفِي ((الصَّحِيحِ)): ((بَابٌ: مَا ذُكِرَ فِي ذَهَابِ مُوسَى ﷺ فِي الْبَحْرِ إِلَى الْخَضِرِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا} [الكهف: 66])).

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهَ تَمَارَى -أَيْ: تَجَادَلَ- هُوَ وَالْحُرُّ بْنُ قَيْسِ بْنِ حِصْنٍ الْفَزَارِيُّ فِي صَاحِبِ مُوسَى، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ((هُوَ خَضِرٌ))، فَمَرَّ بِهِمَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، فَدَعَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، فَقَالَ: ((إِنِّي تَمَارَيْتُ وَصَاحِبِي هَذَا فِي صَاحِبِ مُوسَى الَّذِي سَأَلَ مُوسَى السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ، هَلْ سَمِعْتَ النَّبِيَّ ﷺ يَذْكُرُ شَأْنَهُ؟)).

قَالَ: ((نَعَمْ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: ((بَيْنَمَا مُوسَى فِي مَلَأٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ؛ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: هَلْ تَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنْكَ؟

قَالَ مُوسَى: لَا، فَأَوْحَى اللهُ إِلَى مُوسَى؛ بَلَى عَبْدُنَا خَضِرٌ، فَسَأَلَ مُوسَى السَّبِيلَ إِلَيْهِ، فَجَعَلَ اللهُ لَهُ الْحُوتَ آيَةً، وَقِيلَ لَهُ: إِذَا فَقَدْتَ الْحُوتَ فَارْجِعْ؛ فَإِنَّكَ سَتَلْقَاهُ.

وَكَانَ يَتَّبِعُ أَثَرَ الْحُوتِ فِي الْبَحْرِ، فَقَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ: أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ؛ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ، وَمَا أَنسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ، قَالَ: ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِي، فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا، فَوَجَدَا خَضِرًا، فَكَانَ مِنْ شَأْنِهِمَا الَّذِي قَصَّ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- فِي كِتَابِهِ)).

قَالَ الْحَافِظُ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((قَوْلُهُ: ((بَابٌ: مَا ذُكِرَ فِي ذَهَابِ مُوسَى فِي الْبَحْرِ إِلَى الْخَضِرِ))؛ هَذَا الْبَابُ مَعْقُودٌ لِلتَّرْغِيبِ فِي احْتِمَالِ الْمَشَقَّةِ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ؛ لِأَنَّ مَا يُغْتَبَطُ بِهِ.. تُحْتَمَلُ الْمَشَقَّةُ فِيهِ، وَلِأَنَّ مُوسَى -عَلَيْهِ السَّلَامُ- لَمْ يَمْنَعْهُ بُلُوغُهُ مِنَ السِّيَادَةِ الْمَحَلَّ الْأَعْلَى مِنْ طَلَبِ الْعِلْمِ، وَرُكُوبِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ لِأَجْلِهِ -أَيْ: لِأَجْلِ طَلَبِ الْعِلْمِ-، وَفِي الْحَدِيثِ: لُزُومُ التَّوَاضُعِ فِي كُلِّ حَالٍ؛ وَلِهَذَا حَرَصَ مُوسَى عَلَى الِالْتِقَاءِ بِالْخَضِرِ (سلم2)، وَطَلَبِ التَّعَلُّمِ مِنْهُ؛ تَعْلِيمًا لِقَوْمِهِ أَنْ يَتَأَدَّبُوا بِأَدَبِهِ، وَتَنْبِيهًا لِمَنْ زَكَّى نَفْسَهُ أَنْ يَسْلُكَ مَسْلَكَ التَّوَاضُعِ)).

وَيَجْمَعُ الْمُرَادَ مِمَّا ذُكِرَ هُنَا: قَوْلُ الْبُخَارِيِّ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((وَقَدْ تَعَلَّمَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ فِي كِبَرِ سِنِّهِمْ))، وَهَذَا الْقَوْلُ الْجَامِعُ مِنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ الْبُخَارِيِّ -رَحِمَهُ اللهُ- دَالٌّ عَلَى تَمَامِ فِقْهِهِ، وَتَمَامِ مَعْرِفَتِهِ؛ فَمَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَتْرُكَ الْعِلْمَ وَالْفِقْهَ؛ لِكِبَرِ السِّنِّ؛ إِذْ مَا مَنَعَ ذَلِكَ أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ وَ-رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- أَنْ يَكُونُوا فِي الْعِلْمِ بِالْمَحَلِّ الَّذِي يَعْرِفُهُ كُلُّ مُسْلِمٍ.

وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَغَيْرُهُمْ مِنْ أَكَابِرِ عُلَمَاءِ الصَّحَابَةِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- مَا أَسْلَمُوا إِلَّا وَهُمْ كِبَارٌ؛ وَلَكِنَّهُمْ أَقْبَلُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ يَنْهَلُونَ مِنْ بِحَارِ عِلْمِهِ؛ حَتَّى أَوْفَوْا عَلَى الْغَايَةِ، وَبَلَغُوا الْمُنْتَهَى -رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ-.

أَخْرَجَ أَبُو خَيْثَمَةَ -رَحِمَهُ اللهُ- بِسَنَدِهِ عَنْ مَسْرُوقٍ -رَحِمَهُ اللهُ- قَالَ: ((جَالَسْتُ أَصْحَابَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَكَانُوا كَالْإِخَاذِ يَرْوِي الرَّاكِبَ، وَالْإِخَاذِ يَرْوِي الرَّاكِبَيْنِ، وَالْإِخَاذِ يَرْوِي الْعَشَرَةَ، وَالْإِخَاذِ لَوْ نَزَلَ بِهِ أَهْلُ الْأَرْضِ لَأَصْدَرَهُمْ، وَإِنَّ عَبْدَ اللهِ مِنْ تِلْكَ الْإِخَاذِ)).

قَالَ الْأَلْبَانِيُّ: ((الْإِخَاذُ -بِوَزْنِ كِتَابٍ-: مَجْتَمَعُ الْمَاءِ، وَالسَّنَدُ صَحِيحٌ، وَعَبْدُ اللهِ هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-)).

وَأَخْرَجَ أَبُو خَيْثَمَةَ -رَحِمَهُ اللهُ- بِسَنَدِهِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: ((لَوْ أَنَّ عِلْمَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- وُضِعَ فِي كِفَّةِ الْمِيزَانِ، وَوُضِعَ عِلْمُ أَهْلِ الْأَرْضِ فِي كِفَّةٍ؛ لَرَجَحَ عِلْمُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-)).

قَالَ الْأَلْبَانِيُّ: ((إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، وَكَذَا الَّذِي بَعْدَهُ)).

وَهُوَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ: ((إِنِّي لَأَحْسَبُ عُمَرَ قَدْ ذَهَبَ بِتِسْعَةِ أَعْشَارِ الْعِلْمِ)).

مَعَ أَنَّ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَسْلَمَ كَبِيرًا؛ وَلَكِنَّهُ فَتَحَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- لَهُ سُبُلَ التَّلَقِّي، وَلَزِمَ رَسُولَ اللهِ ﷺ، وَأَخْلَصَ للهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- فِي نِيَّتِهِ وَقَصْدِهِ، وَعَمِلَ بِعِلْمِهِ، وَدَعَا إِلَيْهِ، وَصَبَرَ عَلَى الْأَذَى فِي سَبِيلِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَآتَاهُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- ذَلِكَ الْفَضْلَ الْعَظِيمَ.

وَعَلَى طَالِبِ الْعِلْمِ أَنْ يَتَحَلَّى بِالْحِلْمِ وَالصَّبْرِ؛ فَعَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ -رَحِمَهُ اللهُ- قال: ((مَا أَوَى شَيْءٌ إِلَى شَيْءٍ أَزْيَنَ مِنْ حِلْمٍ إِلَى عِلْمٍ)).

وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَدْهَمَ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((مَا مِنْ شَيْءٍ أَشَدُّ عَلَى الشَّيْطَانِ مِنْ عَالِمٍ حَلِيمٍ، إِذَا تَكَلَّمَ تَكَلَّمَ بِعِلْمٍ، وَإِذَا سَكَتَ سَكَتَ بِحِلْمٍ، يَقُولُ الشَّيْطَانُ: انْظُرُوا إِلَيْهِ!! كَلَامُهُ أَشَدُّ عَلَيَّ مِنْ سُكُوتِهِ)).

وَقَالَ النَّوَوِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((مَنْ لَمْ يَصْبِرْ عَلَى ذُلِّ التَّعَلُّمِ؛ بَقِيَ عُمُرَهُ فِي عَمَايَةِ الْجَهْلِ، وَمَنْ صَبَرَ عَلَيْهِ؛ آلَ عُمُرُهُ إِلَى عِزِّ الْآخِرَةِ وَالدُّنْيَا)).

وَمِنْهُ الْأَثَرُ الْمَشْهُورُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- قَالَ: ((ذَلَلْتُ طَالِبًا؛ فَعَزَزْتُ مَطْلُوبًا)).

وَأَخْرَجَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ -رَحِمَهُ اللهُ- بِسَنَدِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- قَالَ: ((مَكَثْتُ سَنَةً وَأَنَا أَشُكُّ فِي ثِنْتَيْنِ، وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ عَنِ الْمُتَظَاهِرَتَيْنِ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَمَا أَجِدُ لَهُ مَوْضِعًا أَسْأَلُهُ فِيهِ، حَتَّى خَرَجَ حَاجًّا وَصَحِبْتُهُ، حَتَّى كُنَّا بِـ (مَرِّ الظَّهْرَانِ)؛ ذَهَبَ لِحَاجَتِهِ وَقَالَ: ((أَدْرِكْنِي بِإِدَاوَةٍ مِنْ مَاءٍ))، فَلَمَّا قَضَى حَاجَتَهُ وَرَجَعَ؛ أَتَيْتُهُ بِالْإِدَاوَةِ أَصُبُّهَا عَلَيْهِ، فَرَأَيْتُ مَوْضِعًا -أَيْ: فَرَأَيْتُ مَوْضِعًا وَمُنَاسَبَةً لِلسُّؤَالِ-، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! مَنِ الْمَرْأَتَانِ الْمُتَظَاهِرَتَانِ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ؟ فَمَا قَضَيْتُ كَلَامِي -يَعْنِي: فَمَا انْتَهَيْتُ مِنْ سُؤَالِي- حَتَّى قَالَ: ((عَائِشَةُ، وَحَفْصَةُ)))).

وَالْمُتَظَاهِرَتَانِ ذَكَرَهُمَا اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- فِي قَوْلِهِ: {إِن تَتُوبَا إِلَى اللهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ۖ وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ۖ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَٰلِكَ ظَهِيرٌ} [التحريم: 4].

فَبَقِيَ ابْنُ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- عَلَى هَذَا الْحِلْمِ مُقِيمًا سَنَةً كَامِلَةً: ((مَكَثْتُ سَنَةً وَأَنَا أَشُكُّ فِي ثِنْتَيْنِ))، حَتَّى وَجَدَ فُرْصَةً لِلسُّؤَالِ، فَسَأَلَ، فَعُلِّمَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-.

قَالَ أَبُو عُمَرَ: ((لَمْ يَمْنَعِ ابْنَ عَبَّاسٍ مِنْ سُؤَالِ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- عَنْ ذَلِكَ إِلَّا هَيْبَتُهُ، وَذَلِكَ مَذْكُورٌ فِي حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ))، وَهُوَ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ((مَكَثْتُ سَنَتَيْنِ أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ عَنْ حَدِيثٍ مَا مَنَعَنِي مِنْهُ إِلَّا هَيْبَتُهُ، حَتَّى تَخَلَّفَ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ فِي الْأَرَاكِ الَّذِي بِبَطْنِ (مَمَرِّ الظَّهْرَانِ) لِحَاجَتِهِ، فَلَمَّا جَاءَ؛ خَلَوْتُ بِهِ، قُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكَ عَنْ حَدِيثٍ مُنْذُ سَنَتَيْنِ مَا مَنَعَنِي إِلَّا هَيْبَةٌ لَكَ)).

قَالَ: ((فَلَا تَفْعَلْ -أَيْ: فَلَا تَمْتَنِعْ عَنِ السُّؤَالِ-، إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَسْأَلَ فَسَلْ، فَإِنْ كَانَ مِنْهُ عِنْدِي عِلْمٌ أَخْبَرْتُكَ؛ وَإِلَّا قُلْتُ: لَا أَعْلَمُ، فَسَأَلْتَ مَنْ يَعْلَمُ)).

قُلْتُ: ((مَنِ الْمَرْأَتَانِ اللَّتَانِ ذَكَرَهُمَا اللهُ أَنَّهُمَا تَظَاهَرَتَا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ؟)).

قَالَ: ((عَائِشَةُ، وَحَفْصَةُ)).

ثُمَّ قَالَ: ((كَانَ لِي أَخٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَكُنَّا نَتَعَاقَبُ النُّزُولَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، أَنْزِلُ يَوْمًا وَيَنْزِلُ يَوْمًا، فَمَا أَتَى مِنْ حَدِيثٍ أَوْ خَبَرٍ أَتَانِي بِهِ، وَأَنَا مِثْلُ ذَلِكَ -الَّذِي يَتَكَلَّمُ هُنَا هُوَ عُمَرُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ--، قَالَ: وَنَزَلَ ذَاتَ يَوْمٍ -يَعْنِي: أَخَاهُ الَّذِي كَانَ يُنَاوِبُهُ مِنَ الْأَنْصَارِ-، وَنَزَلَ ذَاتَ يَوْمٍ وَتَخَلَّفْتُ، فَجَاءَنِي..)) وَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ وَتَمَامِهِ.

قَالَ أَبُو عُمَرَ: ((الَّذِي آخَى رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ مِنَ الْأَنْصَارِ عِتْبَانُ بْنُ مَالِكٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-)).

فَانْظُرْ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-؛ كَيْفَ صَبْرُهُ؟! وَكَيْفَ أَدَبُهُ؟! وَكَيْفَ تَحَيُّنُهُ لِلْفُرَصِ حَتَّى يَتَعَلَّمَ؟!

فَمَنْ كَانَ مُتَأَسِّيًا فِي الصَّبْرِ عَلَى الطَّلَبِ؛ فَهَذَا عَلَمٌ مِنْ أَعْلَامِهِ شَامِخٌ، وَقِمَّةٌ مِنْ قِمَمِهِ سَامِقَةٌ.

لَقَدْ أَدْرَكَ تَوْفِيقُ اللهِ حَبْرَ الْأُمَّةِ وَتُرْجَمَانَ الْقُرْآنِ، وَأَدْرَكَتْهُ بَرَكَةُ دُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ دَعَا لَهُ أَنْ يُعَلِّمَهُ اللهُ الْكِتَابَ، كَمَا أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ -رَحِمَهُمَا اللهُ تَعَالَى-: عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- قَالَ: ((ضَمَّنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ وَقَالَ: ((اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الْكِتَابَ)).

قَالَ الْحَافِظُ: ((الْمُرَادُ بِالْكِتَابِ: الْقُرْآنُ؛ لِأَنَّ الْعُرْفَ الشَّرْعِيَّ عَلَيْهِ، وَالْمُرَادُ بِالتَّعْلِيمِ: مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ حِفْظِهِ، وَالتَّفَهُّمِ فِيهِ)).

وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ -رَحِمَهُ اللهُ- عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- قَالَ: ((ضَمَّنِي النَّبِيُّ ﷺ إِلَى صَدْرِهِ وَقَالَ: ((اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الْحِكْمَةَ)).

قَالَ الْبُخَارِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((وَالْحِكْمَةُ: الْإِصَابَةُ فِي غَيْرِ النُّبُوَّةِ)).

قَالَ الْحَافِظُ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِالْحِكْمَةِ هُنَا، فَقِيلَ: الْإِصَابَةُ فِي الْقَوْلِ، وَقِيلَ: الْفَهْمُ عَنِ اللهِ، وَقِيلَ: مَا يَشْهَدُ الْعَقْلُ بِصِحَّتِهِ، وَقِيلَ: نُورٌ يُفَرِّقُ بِهِ بَيْنَ الْإِلْهَامِ وَالْوَسَاوِسِ، وَقِيلَ: سُرْعَةُ الْجَوَابِ بِالصَّوَابِ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ)).

وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- أَعْلَمَ الصَّحَابَةِ بِتَفْسِيرِ الْقُرْآنِ الْمَجِيدِ.

يَحْكِي حَبْرُ الْأُمَّةِ ابْنُ عَبَّاسٍ كَيْفَ وَصَلَ إِلَى هَذِهِ الْمَنْزِلَةِ الْعَلِيَّةِ مِنَ الْعِلْمِ، فَيَقُولُ: ((لَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ؛ قُلْتُ لِرَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ: هَلُمَّ فَلْنَسْأَلْ أَصْحَابَ رَسُولِ اللهِ ﷺ؛ فَإِنَّهُمًُ الْيَوْمَ كَثِيرٌ، فَقَالَ: يَا عَجَبًا لَكَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ! أَتَرَى النَّاسَ يَفْتَقِرُونَ إِلَيْكَ وَفِي النَّاسِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مَنْ فِيهِمْ؟!

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَتَرَكْتُ ذَلِكَ، وَأَقْبَلْتُ أَنَا أَسْأَلُ أَصْحَابَ رَسُولِ اللهِ ﷺ؛ فَإِنَّهُ كَانَ لَيَبْلُغُنِي الْحَدِيثُ عَنِ الرَّجُلِ، فَآتِي بَابَهُ وَهُوَ قَائِلٌ -مِنْ: قَالَ يَقِيلُ؛ نَامَ نَوْمَةَ نِصْفِ النَّهَارِ، وَهِيَ الْقَائِلَةُ وَالْقَيْلُولَةُ-، فَأَتَوَسَّدُ رِدَائِي عَلَى بَابِهِ، تَسْفِي الرِّيحُ عَلَيَّ مِنَ التُّرَابِ؛ فَيَخْرُجُ فَيَرَانِي، فَيَقُولُ: يَا ابْنَ عَمِّ رَسُولِ اللهِ! مَا جَاءَ بِكَ؟! هَلَّا أَرْسَلْتَ إِلَيَّ فَآتِيَكَ؟!

فَأَقُولُ: لَا، أَنَا أَحَقُّ أَنْ آتِيَكَ، قَالَ: فَأَسْأَلُهُ عَنِ الْحَدِيثِ.

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَعَاشَ ذَلِكَ الرَّجُلُ الْأَنْصَارِيُّ حَتَّى رَآنِي وَقَدِ اجْتَمَعَ حَوْلِي النَّاسُ يَسْأَلُونَنِي، فَقَالَ: هَذَا الْفَتَى كَانَ أَعْقَلَ مِنِّي)).

وَقَدِيمًا قِيلَ: ((مَنْ طَلَبَ شَيْئًا وَجَدَّ؛ وَجَدَ، وَمَنْ قَرَعَ الْبَابَ وَلَجَّ؛ وَلَجَ)).

وَقِيلَ: ((بِقَدْرِ مَا تَتَعَنَّى؛ تَنَالُ مَا تَتَمَنَّى)).

وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- -مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِينَ يُضْرَبُ بِهِمُ الْمَثَلُ فِي الصَّبْرِ عَلَى التَّحْصِيلِ، وَالْجِدِّ فِي الطَّلَبِ حَتَّى بُلُوغِ الْغَايَةِ، وَهُوَ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ رِوَايَةً لِلْحَدِيثِ مَعَ قِصَرِ الْمُدَّةِ فِي الصُّحْبَةِ؛ وَلَكِنْ بِالْمُلَازَمَةِ وَالصَّبْرِ، وَالْجِدِّ وَالْإِقْبَالِ وَالْحَزْمِ- قَالَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: ((كُنْتُ أَلْزَمُ النَّبِيَّ ﷺ لِشِبَعِ بَطْنِي حِينَ لَا آكُلُ الْخَمِيرَ، وَلَا أَلْبَسُ الْحَبِيرَ، وَلَا يَخْدُمُنِي فُلَانٌ وَلَا فُلَانَةٌ، وَأُلْصِقُ بَطْنِي بِالْحَصْبَاءِ، وَأَسْتَقْرِأُ الرَّجُلَ الْآيَةَ وَهِيَ مَعِي؛ كَيْ يَنْقَلِبَ بِي فَيُطْعِمَنِي)).

قَالَ الْحَافِظُ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((الْحَبِيرُ؛ قَالَ عِيَاضٌ: ((هُوَ الثَّوْبُ الْمُحَبَّرُ))، وَهُوَ الْمُزَيَّنُ الْمُلَوَّنُ، مَأْخُوذٌ مِنَ التَّحْبِيرِ وَهُوَ التَّحْسِينُ، وَقِيلَ: الْحَبِيرُ: ثَوْبٌ وَشْيٌ مُخَطَّطٌ، وَقِيلَ: هُوَ الْجَدِيدُ)).

فَالصَّبْرُ عَلَى مَشَقَّةِ التَّحْصِيلِ أَهَمُّ مَا يَلْزَمُ طَالِبَ الْعِلْمِ فِي طَلَبِهِ، وَقَدْ رَأَيْتَ كَيْفَ بَلَغَ أَبُو هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- فِي الرِّوَايَةِ فِي مُدَّةٍ يَسِيرَةٍ مَبْلَغًا بَعِيدًا؛ وَلَكِنَّهُ ضَحَّى فِي سَبِيلِ ذَلِكَ بِرَاحَةِ الْجِسْمِ، وَشَهْوَةِ الْمَطْعَمِ، وَلَذِيذِ الْغُمْضِ، وَتَحَمَّلَ الْجُوعَ، وَصَبَرَ عَلَى الضَّنَى، وَانْقَطَعَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، يَسْمَعُ وَيَحْفَظُ، وَيَعِي وَيُدْرِكُ؛ إِذْ لَا يَشْغَلُهُ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا شَيْءٌ؛ حَتَّى بَلَغَ فِي الرِّوَايَةِ الْمَبَالِغَ -رَضِيَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَنْهُ-.

وَعَلَى طَالِبِ الْعِلْمِ أَنْ تَكُونَ هِمَّتُهُ عَالِيَةً؛ فَلَا يَرْضَى بِالْيَسِيرِ مِنَ الْعِلْمِ مَعَ إِمْكَانِ الْكَثِيرِ، وَعَلَيْهِ أَلَّا يُؤَخِّرَ وَاجِبَاتِ يَوْمِهِ لِغَدِهِ، وَلَا يَغْفُلَ عَنِ اسْتِحْضَارِهِ لِدُرُوسِهِ، وَلَا يُضَيِّعَ وَقْتَهُ.

قَالَ الرَّبِيعُ تِلْمِيذُ الشَّافِعِيِّ: ((لَمْ أَرَ الشَّافِعِيَّ آكِلًا بِنَهَارٍ، وَلَا نَائِمًا بِلَيْلٍ؛ لِاهْتِمَامِهِ بِالتَّصْنِيفِ -رَحِمَهُ اللهُ-)).

وَلَقَدْ كَانَ الْعُلَمَاءُ مِنْ سَلَفِ هَذِهِ الْأُمَّةِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- ذَوِي هِمَمٍ عَالِيَةٍ، وَآثَارُهُمْ فِي ذَلِكَ نَاطِقَةٌ بِأَحْوَالِهِمْ، مُخْبِرَةٌ بِدَفَائِنِ قُلُوبِهِمْ، وَهَذِهِ -فَانْتَبِهْ لَهَا- بَعْضُ أَخْبَارِهِمْ.

((الْإِمَامُ الْحَافِظُ الْجَوَّالُ مُحَدِّثُ الْعَصْرِ أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ مَنْدَه، وُلِدَ سَنَةَ عَشْرٍ وَثَلَاثِ مِائَةٍ (310هـ)، وَمَاتَ سَنَةَ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ وَثَلَاثٍ مِائَةٍ (395هـ)، وَعِدَّةُ شُيُوخِهِ الَّذِينَ سَمِعَ مِنْهُمْ وَأَخَذَ عَنْهُمْ أَلْفٌ وَسَبْعُ مِائَةِ شَيْخٍ، وَلَمَّا رَجَعَ مِنَ الرِّحْلَةِ الطَّوِيلَةِ؛ كَانَتْ كُتُبُهُ عِدَّةَ أَحْمَالٍ؛ حَتَّى قِيلَ: إِنَّهَا كَانَتْ أَرْبَعِينَ حِمْلًا!! وَمَا بَلَغَنَا أَنَّ أَحَدًا مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ سَمِعَ مَا سَمِعَ وَلَا جَمَعَ مَا جَمَعَ، وَكَانَ خِتَامَ الرَّحَّالِينَ، وَفَرْدَ الْمُكْثِرِينَ مَعَ الْحِفْظِ، وَ