أَمَانَةُ الْكَلِمَةِ

أَمَانَةُ الْكَلِمَةِ

((أَمَانَةُ الْكَلِمَةِ))

إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ.

وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ, وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ .

أَمَّا بَعْدُ:

فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.

أَمَّا بَعْدُ:

«عِظَمُ شَأْنِ الْأَمَانَةِ وَخُطُورَةُ رَفْعِهَا»

فَقَدْ قَالَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} [الأحزاب: 72].

إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ الَّتِي ائْتَمَنَ اللهُ عَلَيْهَا الْمُكَلَّفِينَ؛ بِأَنْ يَعْبُرُوا رِحْلَةَ امْتِحَانِهِمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ الْإِرَادَةَ وَالِاخْتِيَارَ، وَقُدُرَاتِ الْإِدْرَاكِ وَالْفَهْمِ، عَلَى أَنْ تُسَخَّرَ لَهُمْ -بِخَلْقِ اللهِ- الْأَشْيَاءُ وَالْقُوَى فِي ذَاتِ أَنْفُسِهِمْ وَفِي الْكَوْنِ مِنْ حَوْلِهِمْ؛ لِيُمْتَحَنُوا فِي ظُرُوفِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا بِالْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ وَالْعِبَادَةِ.

فَمَنْ كَفَرَ بِاللهِ كَانَ مَصِيرُهُ إِلَى الْخُلُودِ فِي النَّارِ، وَمَنْ آمَنَ وَكَسَبَ فِي إِيمَانِهِ خَيْرًا كَانَ مَصِيرُهُ إِلَى الْخُلُودِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ.

عَرَضْنَا تِلْكَ الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ -وَكَانَ الْعَرْضُ عَلَيْهِنَّ تَخْيِيرًا لَا إِلْزَامًا- فَأَبَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَالْجِبَالُ -رَغْمَ كِبَرِهَا وَضَخَامَتِهَا- مِنْ حَمْلِ هَذِهِ الْأَمَانَةِ، بَلْ خِفْنَ مِنْ حَمْلِهَا بَعْدَ أَنْ أَعْطَاهُنَّ اللهُ الْقُدْرَةَ عَلَى إِدْرَاكِهَا؛ إِذْ لَا تَمْلِكُ اسْتِعْدَادًا فِطْرِيًّا لِحَمْلِ الْأَمَانَةِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَمْلِكُ إِرَادَةً وَاخْتِيَارًا حَتَّى تُخْتَبَرَ أَمَانَتُهَا وَخِيَانَتُهَا.

وَحَمَلَ الْإِنْسَانُ الْأَمَانَةَ؛ لِأَنَّهُ يَحْمِلُ الِاسْتِعْدَادَ الْفِطْرِيَّ الْكَامِلَ لِحَمْلِ الْأَمَانَةِ بِمَا مَنَحَهُ اللهُ سُبْحَانَهُ مِنْ خَصَائِصِ التَّفْكِيرِ وَالْعَقْلِ، وَمَعْرِفَةِ صِفَاتِ الْأَشْيَاءِ، وَالْإِرَادَةِ وَالِاخْتِيَارِ مِمَّا يَسْتَطِيعُ التَّصَرُّفَ فِيهِ بِفِعْلِ الْخَيْرِ أَوْ بِفِعْلِ الشَّرِّ.

وَإِذْ وَضَعَ اللهُ هَذِهِ الْخَصَائِصَ أَمَانَةً تَحْتَ يَدِهِ؛ وَضَعَ لَهُ مِنْهَاجًا يَسِيرُ عَلَيْهِ.

فَإِذَا اسْتَعْمَلَ الْإِنْسَانُ مَا اسْتَوْدَعَ اللهُ إِرَادَتَهُ مِنْ قُوًى وَطَاعَاتٍ فِي طَاعَةِ اللهِ، وَفِيمَا أَذِنَ لَهُ بِهِ؛ فَإِنَّهُ يُثْبِتُ أَنَّهُ صَاحِبُ أَمَانَةٍ، أَمَّا إِذَا اسْتَعْمَلَهَا فِيمَا لَا يُرْضِي اللهَ أَوْ فِيمَا فِيهِ ظُلْمٌ أَوْ عُدْوَانٌ عَلَى أَحَدٍ مِنْ خَلْقِ اللهِ؛ فَهُوَ خَائِنٌ فِيمَا اسْتَأْمَنَهُ اللهُ عَلَيْهِ، وَجَعَلَهُ وَدِيعَةً عِنْدَهُ.

إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا لِنَفْسِهِ؛ لِكَثْرَةِ خِيَانَتِهِ لِلْأَمَانَةِ وَعُدْوَانِهِ عَلَى حُقُوقِهَا؛ اسْتِجَابَةً لِأَهْوَائِهِ وَشَهَوَاتِهِ وَوَسَاوِسِ الشَّيَاطِينِ، جَهُولًا بِأَمْرِ رَبِّهِ، لَمْ يَتَبَصَّرْ بِعَوَاقِبِ ظُلْمِهِ، وَلَمْ يَحْسِبْ حِسَابًا لِمَسْؤُولِيَّتِهِ، وَلَمْ يَخْشَ عِقَابَ رَبِّهِ كَمَا هُوَ الْمُشَاهَدُ فِي وَصْفِ مُعْظَمِ النَّاسِ.

أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ بِسَنَدَيْهِمَا مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ صَاحِبِ سِرِّ رَسُولِ اللهِ ﷺ، قَالَ: حَدَّثَنَا النَّبِيُّ ﷺ: «أَنَّ الْأَمَانَةَ نَزَلَتْ فِي جَذْرِ قُلُوبِ الرِّجَالِ، ثُمَّ نَزَلَ الْقُرْآنُ فَعَلِمُوا مِنَ الْقُرْآنِ ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ السُّنَّةِ».

ثُمَّ حَدَّثَنَا عَنْ رَفْعِ الأَمَانَةِ، فَقَالَ: «يَنَامُ الرَّجُلُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ الْأَمَانَةُ مِنْ قَلْبِهِ، فَيُصْبِحُ فَيَظَلُّ أَثَرُهَا مِثْلَ أَثَرِ الوَكْتِ، ثُمَّ يَنَامُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ الْأَمَانَةُ، فَيَبْقَى فِيهَا أَثَرُهَا مِثْلَ أَثَرِ المَجْلِ كَجَمْرٍ دَحْرَجْتَهُ عَلَى رِجْلِكَ، فَنَفِطَ فَأَصْبَحَ مُنْتَبِرًا   وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ»، ثُمَّ أَخَذَ حَصَاةً فَدَحْرَجَهَا عَلَى رِجْلِهِ ﷺ.

ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «وَيُصْبِحُ النَّاسُ يَتَبَايَعُونَ لَا يَكَادُ أَحَدٌ يُؤَدِّي الْأَمَانَةَ، حَتَّى يُقَالَ إِنَّ فِي بَنِي فُلَانٍ رَجُلًا أَمِينًا؛ وَحَتَّى يُقَالَ لِلرَّجُلِ مَا أَعْقَلَهُ وَمَا أَظْرَفَهُ وَمَا أَجْلَدَهُ وَمَا فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ».

النَّبِيُّ ﷺ يُخْبِرُ أَنَّ الْإِيمَانَ نَزَلَ فِي جَذْرِ؛ أَيْ: فِي أَصْلِ قُلُوبِ الرِّجَالِ، ثُمَّ نَزَلَ الْقُرْآنُ فَعَمِلُوا مِنَ الْقُرْآنِ وَعَمِلُوا مِنَ السُّنَّةِ.

ثُمَّ حَدَّثَهُمْ عَنْ قَبْضِ الْأَمَانَةِ، عَنْ قَبْضِ الْإِيمَانِ مِنَ الْقُلُوبِ، يَنَامُ الرَّجُلُ فَيُقْبَضُ الْإِيمَانُ مِنْ قَلْبِهِ، وَتُنْزَعُ الْأَمَانَةُ مِنْ فُؤَادِهِ، فَيُصْبِحُ وَلَيْسَ فِي قَلْبِهِ مِنَ الْأَمَانَةِ إِلَّا كَمِثْلِ أَثَرِ الْوَكْتِ؛ وَهُوَ الْأَثَرُ الْيَسِيرُ يَبْقَى فِي الشَّيْءِ عَلَامَةً بَاهِتَةً تَكَادُ تُخطِئُهَا الْعَيْنُ.

ثُمَّ يَنَامُ النَّوْمَةَ فَيُقْبَضُ الْإِيمَانُ مِنْ قَلْبِهِ وَتُقْبَضُ الْأَمَانَةُ مِنْ فُؤَادِهِ، فَيُصْبِحُ وَلَيْسَ فِي قَلْبِهِ مِنَ الْأَمَانَةِ إلَّا كَمِثْلِ أَثَرِ الْمَجْلِ؛ وَهُوَ مَا يُصِيبُ الْيَدَ مِنَ الْعَمَلِ بِالْفَأْسِ وَنَحْوِهَا فَإِذَا هِيَ مُنْتَبِرَةٌ قَدْ نَفِطَتْ، وَتَجَمَّعَ الْمَاءُ بَيْنَ الْجِلْدِ وَاللَّحْمِ، فَنَفِطَ، فَتَرَاهُ مُنْتَبِرًا وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ كَالَّذِي دَحْرَجْتَهُ عَلَى رِجْلِكَ وَأَخَذَ حَصَاةً فَدَحْرَجَهَا عَلَى رِجْلِهِ ﷺ.

ثُمَّ أَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ الْأَمَانَاتِ تُنْزَعُ مِنَ النَّاسِ حَتَّى تُصْبِحَ أَنْدَرَ مِنْ عَنْقَاءَ مَغْرَبٍ أَوْ مِنَ الْكِبْرِيتِ الْأَحْمَرِ!!

لَا يَكَادُ الرَّجُلُ الْأَمِينُ يُوجَدُ فِي الْقَوْمِ إِلَّا عَلَى النُّدْرَةِ، يَتَحَدَّثُ بِنُدْرَتِهِ النَّاسُ! يَقُولُون: إِنَّ فِي بَنِي فُلاَنٍ رَجُلًا أَمِينًا؛ لِنُدْرَتِهِ وَعَدَمِ وُجُودِهِ وَعِزَّتِهِ: «يُقَالُ إِنَّ فِي بَنِي فُلَانٍ رَجُلًا أَمِينًا».

وَيُخْبِرُ النَّبِيُّ ﷺ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْأَمَانَةَ عِنْدَمَا تُنْزَعُ مِنَ النَّاسِ تَخْتَلُّ الْمَقَايِيسُ، فَيُقَالُ لِلرَّجُلِ مَا أَعْقَلَهُ وَمَا أَظْرَفَهُ وَمَا أَحْسَنَهُ وَمَا أَجْلَدَهُ! وَمَا فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ، وَإِنَّمَا هُوَ الشَّكْلُ الظَّاهِرُ عَلَى غَيْرِ حَقِيقَةٍ كَالْقَبْرِ لَهُ ظَاهِرٌ يَسُرُّ وَبَاطِنٌ مِنْ دُونِهِ يَضُرُّ، يَحْوِي الْجِيَفَ.

 ((أَمَانَةُ الْكَلِمَةِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ))

عِبَادَ اللهِ! اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ أَمَرَ بِأَدَاءِ الْأَمَانَاتِ، وَأَدَاءُ الْأَمَانَاتِ يَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ شَيْءٍ فِي الْحَيَاةِ، فَالْعِبَادَاتُ أَمَانَةٌ، وَالْخِيَانَةُ فِيهَا أَنْ تُنْتَقَصَ، فَإِذَا انْتَقَصَ الْإِنْسَانُ مِنَ الْعِبَادَةِ فَهُوَ خَائِنٌ.

وَالْمُعَامَلَاتُ أَمَانَةٌ، وَمَا يُسْتَأْمَنُ عَلَيْهِ الْمَرْءُ أَمَانَةٌ، وَالسِّرُّ أَمَانَةٌ، وَكُلُّ أَمْرٍ تَعَلَّقَ بِهِ أَمْرٌ وَنَهْيٌ فِي دِينِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- فَهُوَ أَمَانَةٌ، وَالْخِيَانَةُ فِيهِ أَلَّا يُؤْتَى بِهِ عَلَى الْوَجْهِ الشَّرْعِيِّ الْمَطْلُوبِ.

وَالْكَلِمَةُ أَمَانَةٌ؛ فَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 70-71].

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا! خَافُوا عِقَابَ اللهِ إِذَا عَصَيْتُمُوهُ، وَقُولُوا قَوْلًا صَوَابًا قَاصِدًا إِلَى الْحَقِّ وَالسَّدَادِ؛ يَتَقَبَّلِ اللهُ حَسَنَاتِكُمْ، وَيَمْحُو ذُنُوبَكُمْ.

وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ظَفِرَ بِالْخَيْرِ الْعَظِيمِ بِالنَّجَاةِ مِنَ النَّارِ وَدُخُولِ الْجَنَّةِ.

وَقَالَ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ-: {وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى} [الأنعام: 152].

مِمَّا حَرَّمَهُ اللهُ حَقًّا يَقِينًا: عَدَمُ الْعَدْلِ بِالْقَوْلِ فِي حُكْمٍ، أَوْ شَهَادَةٍ، أَوْ رِوَايَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَإِذَا قُلْتُمْ قَوْلًا فَاصْدُقُوا فِيهِ، وَقُولُوا الْحَقَّ وَلَوْ كَانَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ وَكَذَا الْمَشْهُودُ لَهُ الَّذِينَ تُرِيدُونَ مَحَابَاتَهُ بِقَوْلٍ مَائِلٍ عَنِ الْحَقِّ وَإِنْ كَانَ ذَا قَرَابَةٍ.

وَقَالَ رَبُّنَا -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق: 18].

مَا يَتَكَلَّمُ الْإِنْسَانُ مِنْ كَلَامٍ يَخْرُجُ مِنْ فِيهِ، وَمَا يَعْمَلُ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا عِنْدَهُ مَلَكٌ حَافِظٌ يَكْتُبُ قَوْلَهُ، مُعَدٌّ مُهَيَّأٌ لِذَلِكَ، حَاضِرٌ عِنْدَهُ لَا يُفَارِقُهُ.

عِبَادَ اللهِ! إِنَّ مِنْ أَدَلِّ مَا يَدُلُّ عَلَى قِيمَةِ الْكَلِمَةِ فِي الْإِسْلَامِ؛ ذَلِكَ الْجُزءُ مِنْ حَدِيثِ الْمَنَامِ الطَّوِيلِ, الَّذِي بَيَّنَ فِيهِ جِبْرِيلُ لِلنَّبيِّ ﷺ جَزَاءَ الرَّجُلِ يَكذِبُ الْكِذبَةَ فَتَطِيرُ كُلَّ مَطَارٍ، وَتَسِيرُ كُلَّ مَسَارٍ, وَيَظُنُّ الْمِسكِينُ أَنَّهُ بِمَنأًى مِنْ عَذَابِ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ-, وَأَنَّ الْكَلِمَةَ لَا قِيمَةَ لهَا وَلَا وَزْنَ, وَهِيَ فِي الْمِيزَانِ أَثْقَلُ مِنْ كَثِيرٍ مِنَ الذُّنُوبِ وَالْآثَامِ!!

أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي ((صَحِيحِهِ))  عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا صَلَّى صَلَاةً أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ, فَقَالَ: ((مَنْ رَأَى مِنْكُمُ اللَّيْلَةَ رُؤْيَا؟))

قَالَ: فَإِنْ رَأَى أَحَدٌ، قَصَّهَا، فَيَقُولُ مَا شَاءَ اللَّهُ، فَسَأَلَنَا يَوْمًا, فَقَالَ: ((هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رُؤْيَا؟))

قُلْنَا: لَا.

قَالَ: ((لَكِنِّي رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ أَتَيَانِي، فَأَخَذَا بِيَدِي فَأَخْرَجَانِي إِلَى الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ، فَإِذَا رَجُلٌ جَالِسٌ وَرَجُلٌ قَائِمٌ بِيَدِهِ كَلُّوبٌ مِنْ حَدِيدٍ -وَالْكَلُّوبُ: الْحَدِيدَةُ الَّتِي يُنْشَلُ بِهَا اللَّحْمُ وَيُعَلَّقُ- يُدْخِلُه فِي شِدْقِهِ حَتَّى يَبْلُغَ قَفَاهُ، ثُمَّ يَفْعَلُ بِشِدْقِهِ الْآخَرِ مِثْلَ ذَلِكَ, وَيَلْتَئِمُ شِدْقُهُ هَذَا فَيَعُودُ فَيَصْنَعُ مِثْلَهُ، قُلْتُ: مَا هَذَا؟ قَالَا: انْطَلِقْ.. )).

ثُمَّ تَعَدَّدَتِ الْمَرَائِي، وَجَاءَ التَّأوِيلُ.

 قَالَ ﷺ: ((قُلْتُ: طَوَّفْتُمَانِي اللَّيْلَةَ فَأَخْبِرَانِي عَمَّا رَأَيْتُ، قَالَا: نَعَمْ، أَمَّا الَّذِي رَأَيْتَهُ يُشَقُّ شِدْقُهُ، فَكَذَّابٌ يُحَدِّثُ بِالْكَذْبَةِ فَتُحْمَلُ عَنْهُ حَتَّى تَبْلُغَ الْآفَاقَ, فَيُصْنَعُ بِهِ مَا رَأيتَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ)).

((رَجُلٌ جَالِسٌ وَرَجُلٌ قَائِمٌ بِيَدِهِ كَلُّوبٌ مِنْ حَدِيدٍ يُدْخِلُه فِي شِدْقِهِ حَتَّى يَبْلُغَ قَفَاهُ، ثُمَّ يَفْعَلُه بِشِدْقِهِ الْآخَرِ مِثْلَ ذَلِكَ, وَيَلْتَئِمُ شِدْقُهُ هَذَا فَيَعُودُ فَيَصْنَعُ مِثْلَهُ)).

هَذَا جَزَاءُ الْكَذَّابِ، يُحَدِّثُ بِالْكَذْبَةِ فَتُحْمَلُ عَنْهُ حَتَّى تَبْلُغَ الْآفَاقَ, فَيُصْنَعُ بِهِ مَا رَأَيْتَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، يَعنِى: هَذَا هُوَ عَذَابُهُ فِي الْبَرزَخِ.

فَانْظُر إِلَى هَذَا الْعَذَابِ -هُدِيتَ-, كَيْفَ تَنَاوَلَ مِنَ الْكَذَّابِ آلَةَ كَذِبِه وَمَوْضِعَ إِفْكِهِ؟!! وَكَيْفَ يُشَقُّ شِدْقُهُ إِلَى قَفَاهُ بِكَلُّوبٍ مِنْ حَدِيدٍ, ثُمَّ يُثَنَّى بِالْآخَرِ، فَيَلْتَئِمُ الْأَوَّلُ, فَيُعَادُ عَلَيْهِ بِالشَّقِّ كَمَا صُنِعَ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ، وَهَكَذَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ!!

وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ : ((فَأَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ مُسْتَلْقٍ لِقَفَاهُ, وَإِذَا آخَرُ قَائِمٌ عَلَيْهِ بِكَلُّوبٍ مِنْ حَدِيدٍ, وَإِذَا هُوَ يَأْتِي أَحَدَ شِقَّيْ وَجْهِهِ فَيُشَرْشِرُ شِدْقَهُ إِلَى قَفَاهُ, وَمَنْخِرَهُ إِلَى قَفَاهُ, وَعَيْنَهُ إِلَى قَفَاهُ, ثُمَّ يَتَحَوَّلُ إِلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ فَيَفْعَلُ بِهِ مِثْلَ مَا فَعَلَ بِالْجَانِبِ الْأَوَّلِ, فَمَا يَفْرُغُ مِنْ ذَلِكَ الْجَانِبِ حَتَّى يَصِحَّ ذَلِكَ الْجَانِبُ كَمَا كَانَ, ثُمَّ يَعُودُ عَلَيْهِ فَيَفْعَلُ مِثْلَ مَا فَعَلَ في الْمَرَّةَ الْأُولَى..)).

وَفِي تَأوِيلِهَا: ((أَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي أَتَيْتَ عَلَيْهِ يُشَرْشَرُ شِدْقُهُ إِلَى قَفَاهُ, وَمَنْخِرُهُ إِلَى قَفَاهُ, وَعَيْنُهُ إِلَى قَفَاهُ, فَإِنَّهُ الرَّجُلُ يَغْدُو مِنْ بَيْتِهِ فَيَكْذِبُ الْكَذْبَةَ تَبْلُغُ الْآفَاقَ)).

هَذَا جَزَاءُ مَنْ كَذَبَ الْكَذْبَةَ تُحْمَلُ عَنْهُ حَتَّى تَبْلُغَ الْآفَاقَ، هَذَا جَزَاءُ مَا أَتَى, وَكِفَاءُ مَا صَنَعَ, فَمَنْ لَا يَقْدُرُ الْكَلِمَةَ بَعْدَ ذَلِكَ قَدْرَهَا؟!!

وَمَنْ لَا يَعْرِفُ لِلْكَلِمَةِ بَعْدَ ذَلِكَ شَأْنَهَا؟!!

 ((مَعْنَى الْكَلِمَةِ وَبَيَانُ أَصْلِهَا وَمَعْدِنِهَا))

لَقَدْ مَيَّزَ اللهُ -سُبْحَانَهُ- الْإِنْسَانَ بِالْبَيَانِ، وَمَنَحَهُ نِعْمَةَ الْإِبَانَةِ، فَغَدَا بِفَضْلِ رَبِّهِ مُفْصِحًا مُبِينًا.

وَبِالْبَيَانِ خَرَجَ الْإِنْسَانُ عَنْ حَدِّ الْبَهِيمَةِ الْعَجْمَاءِ إِلَى حَدِّ الْإِنْسَانِ النَّاطِقِ الْمُبِينِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآَنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [الرحمن: 1-4].

وَلَمَّا كَانَتِ (الْكَلِمَةُ) حَجَرَ الزَّاوِيَةِ فِي ذَلِكَ الْبَيَانِ، كَانَ حَظُّهَا مِنَ الْفَضِيلَةِ إِنْ حَسُنَتْ فَسَمَتْ، عَلَى قَدْرِ نَصِيبِهَا مِنَ الرَّذِيلَةِ إِنْ سَاءَتْ فَتَرَدَّتْ، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللهِ تَعَالَى، مَا يُلْقِي لَهَا بَالًا، يَرْفَعُهُ اللهُ بِهَا دَرَجَاتٍ، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللهِ تَعَالَى، لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا، يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

وَ(الْكَلِمَةُ) قَدْ تُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهَا اللَّفْظُ الْمَوْضُوعُ لِمَعْنًى مُفْرَدٍ، وَقَدْ يُقْصَدُ بِهَا الْكَلَامُ، كَقَوْلِهِمْ فِي (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ): كَلِمَةُ الْإِخْلَاصِ.

وَكَقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «أَصْدَقُ كَلِمَةٍ قَالَهَا شَاعِرٌ، كَلِمَةُ لَبِيدٍ: أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللهَ بَاطِلُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَالْمَقْصُودُ هُنَا هُوَ (الْكَلِمَةُ) الْمُرَادُ بِهَا اللَّفْظُ الْمَوْضُوعُ لِمَعْنًى مُفْرَدٍ، وَ(الْكَلِمَةُ) الْمُرَادُ بِهَا الْكَلَامُ؛ كُلُّ أُولَئِكَ مَقْصُودٌ.

وَالْكَلَامُ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ (شَاهِدُ الْحَالِ) -وَإِنْ لَمْ يَلْفِظْ بِهِ لِسَانٌ- دَاخِلٌ فِي مُرَادِنَا أَيْضًا، عَلَى حَدِّ قَوْلِ الشَّاعِرِ:

أَشَارَتْ بِطَرْفِ الْعَيْنِ خِيفَةَ أَهْلِهَا

                   إِشَارَةَ مَحْزُونٍ، وَلَمْ تَتَكَلَّمِ

فَأَيْقَنْتُ أَنَّ الطَّرْفَ قَدْ قَالَ: مَرْحَبًا

                   وَأَهْلًا وَسَهْلًا بِالْحَبِيبِ الْمُتَيَّمِ

بَلْ إِنَّ (الْكَلَامَ) الْمُضْمَرَ الَّذِي يُكِنُّهُ الْفُؤَادُ، وَلَا تُبْدِيهِ الْجَوَارِحُ، مِمَّا هُوَ مَعْنِيٌّ فِيمَا نُحَاوِلُهُ مِنْ بَيَانِ شَأْنِ (الْكَلِمَةِ).

فَـ(الْكَلِمَةُ) إِنَّمَا تَصْدُرُ مِنْ قَائِلِهَا مُلَوَّنَةً بِأَلْوَانٍ بَاطِنَةٍ، مُبِينَةً عَنْ ذَاتِ نَفْسِهِ وَدَخِيلَةِ قَلْبِهِ، وَلَوْ أَنَّنَا جَرَيْنَا عَلَى سَنَنِ الْبَدَاهَةِ لَيَمَّمْنَا وُجُوهَنَا شَطْرَ (الْقَلْبِ) لَا شَطْرَ (اللِّسَانِ)، وَأَلْقَيْنَا عَلَى بَابِهِ رِحَالَنَا، ثُمَّ قَرَّرْنَا فِي تَسْلِيمٍ أَنَّهُ:

إِنْ كَانَ الْقَلْبُ صَالِحًا فَقَدْ صَلَحَتِ (الْكَلِمَةُ)، وَإِنْ كَانَ طَالِحًا فَقَدْ فَسَدَتِ (الْكَلِمَةُ)؛ فَصَلَاحُ (الْكَلِمَةِ) وَفَسَادُهَا، فَرْعُ صَلَاحِ الْقَلْبِ وَفَسَادِهِ، سُنَّةُ اللهِ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلًا.

وَالْعَلَاقَةُ بَيْنَ (أَدَبِ النَّفْسِ) وَ(أَدَبِ اللَّفْظِ) أَوْثَقُ مِنْ أَنْ يُنَبَّهَ عَلَيْهَا أَوْ يُشَارَ إِلَيْهَا، وَمَا مِنْ سُوءِ أَدَبٍ فِي اللَّفْظِ إِلَّا وَالنَّفْسُ مَنْبَعُهُ وَحَمْأَتُهُ، وَفِيهَا مَبَاءَتُهُ وَبُؤْرَتُهُ، وَمَا أَجْمَلَ وَأَصْدَقَ قَوْلَ مَنْ قَالَ: «إِنَّ نَفْسَ الْإِنْسَانِ إِذَا اتَّسَخَتْ، كَانَ كَلَامُهُ فِي حَاجَةٍ إِلَى أَنْ يُغْسَلَ بِالْمَاءِ وَالصَّابُونِ!».

وَوَاضِحٌ أَنِّي أَعْنِي بِـ(الْكَلِمَةِ) أَمْرًا تَكْمُنُ وَرَاءَهُ الْإِرَادَةُ وَالْخُلُقُ وَأَثَرُ الدِّينِ جَمِيعًا، وَمَنْ ظَنَّ أَنَّ كَلَامًا يُمْكِنُ أَلَّا يَدُلَّ عَلَى مَعْنًى مُسْتَكِنٍّ فِي النَّفْسِ، مُتَوَارٍ بَيْنَ الْحَنَايَا، فَقَدْ عَنَى مُسْتَحِيلًا وَقَصَدَ عَدَمًا.

فَحَتَّى أُولَئِكَ الَّذِينَ يُعَاقِرُونَ (أُمَّ الْكَبَائِرِ) وَيُصِيبُهُمُ الْخُمَارُ، يَهْذُونَ بِمَا فِي نُفُوسِهِمْ، وَيَهْرِفُونَ بِمَا يَعْرِفُونَ لَا بِمَا لَا يَعْرِفُونَ، بِمَعْنَى أَنَّهُمْ إِنَّمَا يُعَبِّرُونَ عَنْ خَيَالَاتِهِمْ وَإِنْ كَانَتْ فَاسِقَةً، وَيُعْرِبُونَ عَنْ خَوَاطِرِهِمْ، وَإِنْ كَانَتْ مَاجِنَةً، وَهَذِهِ وَتِلْكَ فِي النِّهَايَةِ خَيَالَاتُهُمْ هُمْ، وَخَوَاطِرُهُمْ هُمْ.

وَفَرْقٌ عَظِيمٌ بَيْنَ مَا أَقْصِدُ مِنْ دَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَى الْبَاطِنِ فِي كُلِّ حِينٍ وَحَالٍ مِنْ غَفْلَةٍ وَانْتِبَاهٍ، وَسُكْرٍ وَصَحْوٍ، فَرْقٌ بَيْنَ مَا أُرِيدُ مِنْ تَقْرِيرِ ذَلِكَ، وَسُقُوطِ الْمُجَازَاةِ عَنِ السَّاهِي وَمَنْ كَانَ فِي حُكْمِهِ عَلَى مَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي مَوَاضِعِهِ.

كَأَنِّي أُرِيدُ أَنْ أَقُولَ:

أَقْصِدُ بِـ(الْكَلِمَةِ): الْإِبَانَةَ عَنْ مَوْقِفِ إِنْسَانٍ.

وَأَقْصِدُ بِـ(الْكَلِمَةِ): الْإِفْصَاحَ عَنْ خَفَايَا نَفْسٍ تُظْهِرُ الْكَلِمَةُ مَا خَفِيَ فِيهَا، وَمَا اسْتَقَرَّ بِهَا.

وَأَقْصِدُ بِـ(الْكَلِمَةِ): الْعُنْوَانَ الَّذِي تَنْدَرِجُ تَحْتَهُ مَوَاقِفُ الْمُتَكَلِّمِ، فَتَظْهَرُ فِيهَا مَكْنُونَاتُ صَدْرِهِ، وَمُغَيَّبَاتُ ضَمِيرِهِ.

أَقْصِدُ بِـ(الْكَلِمَةِ): كُلَّ مَا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُعَبِّرَ عَنْ ذَاتِ الْمُتَكَلِّمِ، وَأَنْ يُعْرِبَ عَنْ حَقِيقَةِ نَفْسِهِ.

وَهَلْ كَانَ قَوْلُ مَنْ قَالَ مِنَ الْمُنَافِقِينَ فِي رَسُولِ اللهِ ﷺ: ﴿هُوَ أُذُنٌ﴾ [التوبة: 61]. يُرِيدُونَ: «مَنْ قَالَ لَهُ شَيْئًا صَدَّقَهُ فِينَا، وَمَنْ حَدَّثَهُ صَدَّقَهُ، فَإِذَا جِئْنَاهُ وَحَلَفْنَا لَهُ صَدَّقَنَا».

هَلْ كَانَ هَذَا الْقَوْلُ يَصْدُرُ عَنْ غَيْرِ نَفْسٍ تَشَبَّعَتْ بِنِفَاقِهَا، وَتَشَبَّثَتْ بِكُفْرِهَا حَتَّى نَضَحَ هَذَا الْقَوْلُ عَلَى لِسَانِهَا؟!!

وَانْظُرْ إِلَى دَفْعِ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ- عَنْ نَبِيِّهِ ﷺ، فَإِنَّهُ لَمْ يَنْفِ سُبْحَانَهُ كَلِمَتَهُمْ، وَإِنَّمَا نَفَى قَصْدَهُمْ، وَوَجَّهَ الْكَلِمَةَ: {هُوَ أُذُنٌ﴾ وِجْهَتَهَا الَّتِي هِيَ حَقٌّ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: {قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ﴾؛ أَيْ: هُوَ أُذُنٌ خَيْرٌ يَعْرِفُ الصَّادِقَ مِنَ الْكَاذِبِ، {يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾؛ أَيْ: وَيُصَدِّقُ الْمُؤْمِنِينَ، {وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ}؛ أَيْ: وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ.

ثُمَّ بَيَّنَ جَزَاءَ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ ﷺ، وَيَقُولُونَ فِيهِ مَا لَيْسَ إِلَيْهِ مِنْ سَبِيلٍ، فَقَالَ: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [التوبة: 61].

فَلَيْسَتِ (الْكَلِمَةُ) إِلَّا تَعْبِيرًا عَنْ (مَوْقِفِ) الْقَلْبِ، وَبَيَانًا لِحَالَةِ الرُّوحِ، وَإِعْرَابًا عَنْ ذَاتِ الضَّمِيرِ.

وَقَدِيمًا كَانَ الْمُنَافِقُونَ يَأْتُونَ النَّبِيَّ ﷺ، فَيَشْهَدُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ أَنَّهُمْ صَدَّقُوا وَآمَنُوا، وَقُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ مُكَذِّبَةٌ، فَيَقُولُونَ كَلَامًا لَا تُصَدِّقُهُ شَوَاهِدُ أَخْبَارِهِمْ، وَلَا يَنْطَبِقُ عَلَى وَاقِعِ حَالِهِمْ، وَيَقُولُ رَبُّ الْعَالَمِينَ فِيهِمْ: {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ} [المنافقون: 1].

قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ -رَحِمَهُ اللهُ-: «أَيْ: إِذَا حَضَرُوا عِنْدَكَ وَاجَهُوكَ بِذَلِكَ، وَأَظْهَرُوا لَكَ ذَلِكَ، وَلَيْسَ كَمَا يَقُولُونَ، وَلِهَذَا اعْتَرَضَ بِجُمْلَةٍ مُخْبِرَةٍ أَنَّهُ رَسُولُ اللهِ فَقَالَ: {وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ}.

ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: {وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ}؛ أَيْ: فِيمَا أَخْبَرُوا بِهِ، وَإِنْ كَانَ مُطَابِقًا لِلْخَارِجِ، لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَعْتَقِدُونَ صِحَّةَ مَا يَقُولُونَ وَلَا صِدْقَهُ؛ وَلِهَذَا كَذَّبَهُمْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى اعْتِقَادِهِمْ».

فَهَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونَ يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ كَلَامًا ظَاهِرُهُ حَقٌّ وَصِدْقٌ، وَلَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا التَّكْذِيبُ وَالشَّكُّ، وَهُمْ فِي حَقِيقَةِ الْأَمْرِ لَا يَعْنُونَ مَعْنَى مَا يَقُولُونَ، وَمِنْ هُنَا انْطَبَقَ نِفَاقُ قُلُوبِهِمْ عَلَى مُرَادِهِمْ مِنْ كَلَامِهِمْ، وَثَبَتَ أَنَّ الْكَلَامَ إِنَّمَا يُعَبِّرُ عَنِ الْقَلْبِ لَا عَنْ غَيْرِهِ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.

 ((الْكَلَامُ طَيِّبٌ وَخَبِيثٌ وَبَيَانُ شَأْنِهِ))

عِبَادَ اللهِ! لَقَدْ ضَرَبَ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- الْمَثَلَ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ لِلْكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ وَالْكَلِمَةِ الْخَبِيثَةِ؛ فَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ كَالشَّجَرَةِ الطَّيِّبَةِ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ، تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا، وَالْكَلِمَةُ الْخَبِيثَةُ كَالشَّجَرَةِ الْخَبِيثَةِ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ.

قَالَ تَعَالَى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (25) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ (26) يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ} [إبراهيم: 24-27].

قَالَ الشَّيْخُ السَّعْدِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ- : «يَقُولُ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾: وَهِيَ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَفُرُوعُهَا، ﴿ كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾: وَهِيَ النَّخْلَةُ، {أَصْلُهَا ثَابِتٌ﴾: فِي الْأَرْضِ، {وَفَرْعُهَا﴾: مُنْتَشِرٌ ﴿فِي السَّمَاءِ﴾: وَهِيَ كَثِيرَةُ النَّفْعِ دَائِمًا.

{تُؤْتِي أُكُلَهَا﴾؛ أَيْ: ثَمَرَتَهَا، {كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾: فَكَذَلِكَ شَجَرَةُ الْإِيمَانِ أَصْلُهَا ثَابِتٌ فِي قَلْبِ الْمُؤْمِنِ عِلْمًا وَاعْتِقَادًا، وَفَرْعُهَا مِنَ الْكَلِمِ الطَّيِّبِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ وَالْأَخْلَاقِ الْمَرْضِيَّةِ وَالْآدَابِ الْحَسَنَةِ فِي السَّمَاءِ دَائِمًا، يَصْعَدُ إِلَى اللهِ مِنْهُ مِنَ الْأَعْمَالِ وَالْأَقْوَالِ الَّتِي تُخْرِجُهَا شَجَرَةُ الْإِيمَانِ، مَا يَنْتَفِعُ بِهِ الْمُؤْمِنُ وَيَنْتَفِعُ بِهِ غَيْرُهُ.

 {وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾: مَا أَمَرَهُمْ بِهِ وَنَهَاهُمْ عَنْهُ؛ فَإِنَّ فِي ضَرْبِ الْأَمْثَالِ تَقْرِيبًا لِلْمَعَانِي الْمَعْقُولَةِ مِنَ الْأَمْثَالِ الْمَحْسُوسَةِ، وَيَتَبَيَّنُ الْمَعْنَى الَّذِي أَرَادَهُ اللهُ غَايَةَ الْبَيَانِ وَيَتَّضِحُ غَايَةَ الْوُضُوحِ، وَهَذَا مِنْ رَحْمَتِهِ وَحُسْنِ تَعْلِيمِهِ، فَلِلَّهِ أَتَمُّ الْحَمْدِ وَأَكْمَلُهُ وَأَعَمُّهُ.

فَهَذِهِ صِفَةُ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ، وَثَبَاتِهَا فِي قَلْبِ الْمُؤْمِنِ.

ثُمَّ ذَكَرَ ضِدَّهَا، وَهِيَ كَلِمَةُ الْكُفْرِ وَفُرُوعُهَا، فَقَالَ: ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ﴾: الْمَأْكَلَ وَالْمَطْعَمَ، وَهِيَ شَجَرَةُ الْحَنْظَلِ وَنَحْوُهَا.

{اجْتُثَّتْ﴾: هَذِهِ الشَّجَرَةُ {مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ﴾؛ أَيْ: مِنْ ثُبُوتٍ، فَلَا عُرُوقَ تُمْسِكُهَا وَلَا ثَمَرَةَ صَالِحَةً تُنْتِجُهَا، بَلْ إِنْ وُجِدَ فِيهَا ثَمَرَةٌ فَهِيَ ثَمَرَةٌ خَبِيثَةٌ، كَذَلِكَ كَلِمَةُ الْكُفْرِ وَالْمَعَاصِي، لَيْسَ لَهَا ثُبُوتٌ نَافِعٌ فِي الْقَلْبِ، وَلَا تُثْمِرُ إِلَّا كُلَّ قَوْلٍ خَبِيثٍ وَعَمَلٍ خَبِيثٍ يَسْتَضِرُّ بِهِ صَاحِبُهُ وَلَا يَنْتَفِعُ، وَلَا يَصْعَدُ إِلَى اللهِ مِنْهُ عَمَلٌ صَالِحٌ، وَلَا يَنْفَعُ نَفْسَهُ، وَلَا يَنْتَفِعُ بِهِ غَيْرُهُ.

﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾: يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّهُ يُثَبِّتُ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ؛ أَيِ: الَّذِينَ قَامُوا بِمَا عَلَيْهِمْ مِنَ الْإِيمَانِ الْقَلْبِيِّ التَّامِّ، الَّذِي يَسْتَلْزِمُ أَعْمَالَ الْجَوَارِحِ وَيُثْمِرُهَا، فَيُثَبِّتُهُمُ اللهُ:

فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا عِنْدَ وُرُودِ الشُّبُهَاتِ بِالْهِدَايَةِ إِلَى الْيَقِينِ، وَعِنْدَ عُرُوضِ الشَّهَوَاتِ بِالْإِرَادَةِ الْجَازِمَةِ عَلَى تَقْدِيمِ مَا يُحِبُّهُ اللهُ عَلَى هَوَى النَّفْسِ وَمُرَادِهَا.

وَفِي الْآخِرَةِ عِنْدَ الْمَوْتِ بِالثَّبَاتِ عَلَى الدِّينِ الْإِسْلَامِيِّ وَالْخَاتِمَةِ الْحَسَنَةِ.

وَفِي الْقَبْرِ عِنْدَ سُؤَالِ الْمَلَكَيْنِ لِلْجَوَابِ الصَّحِيحِ إِذَا قِيلَ لِلْمَيِّتِ: مَنْ رَبُّكَ؟ وَمَا دِينُكَ؟ وَمَنْ نَبِيُّكَ؟ هَدَاهُمْ لِلْجَوَابِ الصَّحِيحِ بِأَنْ يَقُولَ الْمُؤْمِنُ: ((اللهُ رَبِّي، وَالْإِسْلَامُ دِينِي، وَمُحَمَّدٌ نَبِيِّي)).

{وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ﴾: عَنِ الصَّوَابِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَا ظَلَمَهُمُ اللهُ وَلَكِنَّهُمْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ».

وَقَدْ بَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْرَ الْكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ وَالْكَلِمَةِ الْخَبِيثَةِ، فَقَالَ ﷺ: «إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللهِ، لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا، يَرْفَعُهُ اللهُ بِهَا دَرَجَاتٍ، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا، يَهْوِي بِهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ». أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ.

وَقَالَ ﷺ فِيمَا رَوَاهُ عَنْهُ أَبُو هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: «إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مَا يَتَبَيَّنُ فِيهَا، يَزِلُّ بِهَا إِلَى النَّارِ أَبْعَدَ مِمَّا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

قَالَ النَّوَوِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ- : «مَعْنَى: يَتَبَيَّنُ: يُفَكِّرُ أَنَّهَا خَيْرٌ أَمْ لَا».

وَقَالَ الْحَافِظُ -رَحِمَهُ اللهُ- فِي «الْفَتْحِ»: «قَوْلُهُ: «مَا يَتَبَيَّنُ فِيهَا»؛ أَيْ: لَا يَتَطَلَّبُ مَعْنَاهَا؛ أَيْ: لَا يُثْبِتُهَا بِفِكْرِهِ، وَلَا يَتَأَمَّلُهَا حَتَّى يَتَثَبَّتَ فِيهَا، فَلَا يَقُولُهَا إِلَّا إِنْ ظَهَرَتِ الْمَصْلَحَةُ فِي الْقَوْلِ».

وَعَنْ بِلَالِ بن الْحَارِثِ الْمُزَنِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللهِ تَعَالَى مَا كَانَ يَظُنُّ أَنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ، يَكْتُبُ اللهُ لَهُ بِهَا رِضْوَانَهُ إِلَى يَوْمِ يَلْقَاهُ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللهِ مَا كَانَ يَظُنُّ أَنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ يَكْتُبُ اللهُ بِهَا سَخَطَهُ إِلَى يَوْمِ يَلْقَاهُ». أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ.

وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ بَيَانٌ شَافٍ لِشَأْنِ الْكَلِمَةِ، وَأَيْنَ تَبْلُغُ بِصَاحِبِهَا مِنْ دَرَجَاتِ الرِّضْوَانِ فِي الْجِنَانِ إِنْ كَانَتْ طَيِّبَةً، وَكَيْفَ تَهْوِي بِقَائِلِهَا دَرَكَاتٍ فِي الشَّقَاءِ وَالنَّارِ إِنْ كَانَتْ غَيْرَ طَيِّبَةٍ.

وَقَدْ أَخْبَرَ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- فِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ أَنَّ أَلْفَاظَ الْعِبَادِ مُحْصَاةٌ عَلَيْهِمْ، لَا يَنِدُّ مِنْهَا عَنِ الْإِحْصَاءِ لَفْظٌ، فَقَالَ تَعَالَى:  {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: 18].

أَيْ: مَا يَلْفِظُ الْعَبْدُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا وَلَدَيْهِ مَلَكٌ يَرْقُبُهُ، عَتِيدٌ؛ أَيْ: حَاضِرٌ مَعَهُ لَا يَغِيبُ عَنْهُ.

قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: «﴿مَا يَلْفِظُ﴾؛ أَيْ: ابْنُ آدَمَ. ﴿مِنْ قَوْلٍ﴾؛ أَيْ: مَا يَتَكَلَّمُ بِكَلِمَةٍ، ﴿إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾؛ أَيْ: إِلَّا وَلَهَا مَنْ يَرْقُبُهَا مُعَدٌّ لِذَلِكَ يَكْتُبُهَا؛ لَا يَتْرُكُ كَلِمَةً وَلَا حَرَكَةً، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (10) كِرَامًا كَاتِبِينَ (11) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار: 10-12].

وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ:

هَلْ يَكْتُبُ الْمَلَكُ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ الْكَلَامِ؟! وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَقَتَادَةَ.

أَمْ يَكْتُبُ مَا فِيهِ ثَوَابٌ وَعِقَابٌ؟! كَمَا هُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-.

وَظَاهِرُ الْآيَةِ؛ الْأَوَّلُ لِعُمُومِ قَوْلِهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-:  {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾».

 ((خَطَرُ اللِّسَانِ))

قَالَ النَّوَوِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ- : «اعْلَمْ أَنَّهُ يَنْبَغِي لِكُلِّ مُكَلَّفٍ أَنْ يَحْفَظَ لِسَانَهُ عَنْ جَمِيعِ الْكَلَامِ إِلَّا كَلَامًا ظَهَرَتْ فِيهِ الْمَصْلَحَةُ، وَمَتَى اسْتَوَى الْكَلَامُ وَتَرْكُهُ فِي الْمَصْلَحَةِ، فَالسُّنَّةُ الْإِمْسَاكُ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَنْجَرُّ الْكَلَامُ الْمُبَاحُ إِلَى حَرَامٍ أَوْ مَكْرُوهٍ، وَذَلِكَ كَثِيرٌ فِي الْعَادَةِ، وَالسَّلَامَةُ لَا يَعْدِلُهَا شَيْءٌ».

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَهَذَا الْحَدِيثُ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ يَنْبَغِي أَلَّا يَتَكَلَّمَ إِلَّا إِذَا كَانَ الْكَلَامُ خَيْرًا، وَهُوَ الَّذِي ظَهَرَتْ مَصْلَحَتُهُ، وَمَتَى شَكَّ فِي ظُهُورِ الْمَصْلَحَةِ فَلَا يَتَكَلَّمُ».

وَقَدْ جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ حِفْظَ اللِّسَانِ مَعَ حِفْظِ الْفَرْجِ جَوَازًا إِلَى الْجَنَّةِ وَنَجَاةً مِنَ النَّارِ، فَمَنْ ضَمِنَ اللِّسَانَ وَالْفَرْجَ ضَمِنَ لَهُ النَّبِيُّ الْجَنَّةَ؛ قَالَ ﷺ: «مَنْ يَضْمَنْ لِي مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ، أَضْمَنْ لَهُ الْجَنَّةَ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

قَالَ الْحَافِظُ: «الضَّمَانُ بِمَعْنَى الْوَفَاءِ بِتَرْكِ الْمَعْصِيَةِ، فَأَطْلَقَ الضَّمَانَ وَأَرَادَ لَازِمَهُ، وَهُوَ أَدَاءُ الْحَقِّ الَّذِي عَلَيْهِ، فَالْمَعْنَى: مَنْ أَدَّى الْحَقَّ الَّذِي عَلَى لِسَانِهِ مِنَ النُّطْقِ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِ، أَوِ الصَّمْتِ عَمَّا لَا يَعْنِيهِ، وَأَدَّى الْحَقَّ الَّذِي عَلَى فَرْجِهِ مِنْ وَضْعِهِ فِي الْحَلَالِ وَكَفِّهِ عَنِ الْحَرَامِ.

وَقَوْلُهُ: «لَحْيَيْهِ» هُمَا الْعَظْمَانِ فِي جَانِبَيِ الْفَمِ، وَالْمُرَادُ بِمَا بَيْنَهُا: اللِّسَانُ وَمَا يَتَأَتَّى بِهِ النُّطْقُ، وَبِمَا بَيْنَ الرِّجْلَيْنِ: الْفَرْجُ».

وَفِي بَيَانِ أَنَّ اللِّسَانَ قَائِدُ الْأَعْضَاءِ فِي الِاسْتِقَامَةِ وَالِاعْوِجَاجِ، أَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ فِيمَا رَوَاهُ عَنْهُ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّهُ: «إِذَا أَصْبَحَ ابْنُ آدَمَ فَإِنَّ الْأَعْضَاءَ كُلَّهَا تُكَفِّرُ اللِّسَانَ، فَتَقُولُ لَهُ: اتَّقِ اللهَ فِينَا، فَإِنَّمَا نَحْنُ بِكَ، فَإِنِ اسْتَقَمْتَ اسْتَقَمْنَا، وَإِنِ اعْوَجَجْتَ اعْوَجَجْنَا». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ الْأَلْبَانِيُّ.

وَتَكْفِيرُ الْأَعْضَاءِ لِلِّسَانِ كِنَايَةٌ عَنْ تَنْزِيلِ الْأَعْضَاءِ اللِّسَانَ مَنْزِلَةَ الْكَافِرِ بِالنِّعَمِ.

وَقَدْ جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ اللِّسَانَ أَخْوَفَ مَا يَخَافُ عَلَى سُفْيَانَ بن عَبْدِ اللهِ الثَّقَفِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، فَقَدْ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، حَدِّثْنِي بِأَمْرٍ أَعْتَصِمُ بِهِ.

قَالَ: «قُلْ: رَبِّيَ اللهُ، ثُمَّ اسْتَقِمْ».

قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! مَا أَخْوَفُ مَا تَخَافُ عَلَيَّ؟!!

فَأَخَذَ بِلِسَانِ نَفْسِهِ، ثُمَّ قَالَ: «هَذَا». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ.

وَأَوَّلُ مَذْكُورٍ ذَكَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ لِعُقْبَةَ بن عَامِرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- فِي بَيَانِ النَّجَاةِ هُوَ: «أَمْسِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ».

فَعَنْ عُقْبَةَ بن عَامِرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا النَّجَاةُ؟!

قَالَ: «أَمْسِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ، وَلْيَسَعْكَ بَيْتُكَ، وَابْكِ عَلَى خَطِيئَتِكَ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ.

وَفِي حَدِيثِ مُعَاذِ بن جَبَلٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ كَفَّ الْمَرْءِ لِسَانَهُ مِلَاكَ الْأُمُورِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا مُعَاذٌ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، ثُمَّ بَيَّنَ ﷺ أَنَّهُ لَا يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ.

عَنْ مُعَاذٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَأَصْبَحْتُ يَوْمًا قَرِيبًا مِنْهُ، وَنَحْنُ نَسِيرُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ وَيُبَاعِدُنِي مِنَ النَّارِ.

قَالَ: «لَقَدْ سَأَلْتَ عَنْ عَظِيمٍ، وَإِنَّهُ لَيَسِيرٌ عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللهُ عَلَيْهِ: تَعْبُدُ اللهَ لَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ، وَتَحُجُّ الْبَيْتَ».

ثُمَّ قَالَ: «أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى أَبْوَابِ الْخَيْرِ؟! الصَّوْمُ جُنَّةٌ، وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ، وَصَلَاةُ الرَّجُلِ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ».

ثُمَّ تَلَا: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ حَتَّى بَلَغَ: ﴿يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: 16-17].

ثُمَّ قَالَ: «أَلَا أُخْبِرُكَ بِرَأْسِ الْأَمْرِ وَعَمُودِهِ، وَذُوْرَةُ سَنَامِهِ؟».

قُلْتُ: بَلَى، يَا رَسُولَ اللهِ.

قَالَ: «رَأْسُ الْأَمْرِ الْإِسْلَامُ، وَعَمُودُهُ الصَّلَاةُ، وَذُرْوَةُ سَنَامِهِ الْجِهَادُ».

ثُمَّ قَالَ: «أَلَا أُخْبِرُكَ بِمِلَاكِ ذَلِكَ كُلِّهِ؟»

قُلْتُ: بَلَى، يَا رَسُولَ اللهِ.

فَأَخَذَ بِلِسَانِهِ، وَقَالَ: «كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا».

قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ؟! !

فَقَالَ: «ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ! وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ؟». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ.

وَقَوْلُهُ ﷺ: «بِمِلَاكِ»؛ أَيْ: بِمَا يَمْلِكُ بِهِ الْإِنْسَانُ ذَلِكَ كُلَّهُ، بِحَيْثُ يَسْهُلُ عَلَيْهِ جَمِيعُ مَا ذُكِرَ.

وَقَوْلُهُ: «يَكُبُّ» مِنْ كَبَّهُ إِذَا صَرَعَهُ.

وَ«حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ»؛ بِمَعْنَى: «مَحْصُودَاتُهُمْ»، عَلَى تَشْبِيهِ مَا يَتَكَلَّمُ بِهِ الْإِنْسَانُ بِالزَّرْعِ الْمَحْصُودِ بِالْمِنْجَلِ، فَكَمَا أَنَّ الْمِنْجَلَ يَقْطَعُ مِنْ غَيْرِ تَمْيِيزٍ بَيْنَ رَطْبٍ وَيَابِسٍ وَجَيِّدٍ وَرَدِيءٍ، كَذَلِكَ لِسَانُ الْمِكْثَارِ، يَتَكَلَّمُ بِكُلِّ فَنٍّ مِنَ الْكَلَامِ، مِنْ غَيْرِ تَمْيِيزٍ بَيْنَ مَا يَحْسُنُ وَمَا يَقْبُحُ.

وَفِي إِعْرَاضِ الْمَرْءِ عَمَّا لَا يَعْنِيهِ سَمْتٌ حَسَنٌ، وَعَلَامَةٌ مِنْ عَلَامَاتِ حُسْنِ الْإِسْلَامِ، كَمَا أَخْبَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ: تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ». أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَحَسَّنَهُ الْأَلْبَانِيُّ.

قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ فِي «مُخْتَصَرِ مِنْهَاجِ الْقَاصِدِينَ»: «فَمَنْ عَرَفَ قَدْرَ زَمَانِهِ، وَأَنَّهُ رَأْسُ مَالِهِ، لَمْ يُنْفِقْهُ إِلَّا فِي فَائِدَةٍ، وَهَذِهِ الْمَعْرِفَةُ تُوجِبُ حَبْسَ اللِّسَانِ عَنِ الْكَلَامِ فِيمَا لَا يَعْنِي؛ لِأَنَّهُ مَنْ تَرَكَ ذِكْرَ اللهِ تَعَالَى، وَاشْتَغَلَ بِمَا لَا يَعْنِيهِ، كَانَ كَمَنْ قَدَرَ عَلَى أَخْذِ جَوْهَرَةٍ، فَأَخَذَ عِوَضَهَا مَدَرَةً، وَهَذَا مِنْ خُسْرَانِ الْعُمُرِ».

وَفِي إِنْفَاقِ الْعُمُرِ فِي غَيْرِ فَائِدَةٍ ضَيَاعٌ أَيُّ ضَيَاعٍ!! هَذَا إِذَا ذَهَبَ لَا لَهُ وَلَا عَلَيْهِ، فَكَيْفَ إِذَا كَانَتِ الْمُؤَاخَذَةُ عَلَيْهِ؟!!

فَكَيْفَ إِذَا كَانَتِ الْمُؤَاخَذَةُ عَلَى مَا لَا يَرَى بِهِ الْمَرْءُ بَأْسًا، وَهُوَ بَأْسٌ أَيُّ بَأْسٍ؟!!

وَلَا يَصِلُ الْأَمْرُ إِلَى هَذِهِ الدَّرَجَةِ إِلَّا بِانْعِدَامِ التَّقْدِيرِ، وَلَا يَنْعَدِمُ تَقْدِيرُ الْعَوَاقِبِ فِي الْكَلَامِ إِلَّا بِالْإِغْرَاقِ فِيهِ إِغْرَاقًا يُغَيِّبُ الْعَقْلَ، أَوْ يَكَادُ يُغَيِّبُهُ، فَلَا يُحْسِنُ عِنْدَ ذَلِكَ تَقْدِيرَ عَوَاقِبِ الْأُمُورِ.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ لَا يَرَى بِهَا بَأْسًا، يَهْوِي بِهَا سَبْعِينَ خَرِيفًا فِي النَّارِ». أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ.

فَانْظُرْ -هَدَانِي اللهُ وَإِيَّاكَ- إِلَى قَوْلِهِ ﷺ: «لَا يَرَى بِهَا بَأْسًا»، وَتَأَمَّلْ جَيِّدًا -أَسْأَلُ اللهَ أَنْ يَعْفُوَ عَنِّي وَعَنْكَ.

 ((أَمْثِلَةٌ لِلْكَلَامِ الطَّيِّبِ وَالْكَلَامِ الْخَبِيثِ))

لَقَدْ أَمَرَ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- بِالْإِحْسَانِ إِلَى النَّاسِ عُمُومًا فَقَالَ: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا}؛ وَمِنَ الْقَوْلِ الْحَسَنِ أَمْرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ، وَنَهْيُهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَتَعْلِيمُهُمُ الْعِلْمَ، وَبَذْلُ السَّلَامِ، وَالْبَشَاشَةُ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ كُلِّ كَلَامٍ طَيِّبٍ.

فِي الْمِيثَاقِ الَّذِي أَخَذَ اللهُ تَعَالَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: 83].

قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ -رَحِمَهُ اللهُ- : «قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾؛ أَيْ: كَلِّمُوهُمْ طَيِّبًا، وَلِينُوا لَهُمْ جَانِبًا، وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ بِالْمَعْرُوفِ، كَمَا قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾.

فَالْحَسَنُ مِنَ الْقَوْلِ: يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ، وَيَحْلُمُ وَيَعْفُو وَيَصْفَحُ، وَيَقُولُ لِلنَّاسِ حُسْنًا كَمَا قَالَ اللهُ، وَهُوَ كُلُّ خُلُقٍ حَسَنٍ رَضِيَهُ اللهُ».

وَبَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ الْقَوْلَ الطَّيِّبَ الْحَسَنَ لَا يَذْهَبُ سُدًى، وَلَا يَضِيعُ بَدَدًا، بَلْ صَاحِبُهُ مَأْجُورٌ عَلَيْهِ مُثَابٌ عَلَى قَوْلِهِ، فَفِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ: «وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ».

وَالْقَوْلُ السَّدِيدُ مِمَّا حَضَّ الْقُرْآنُ عَلَى الِالْتِزَامِ بِهِ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [النساء: 9].

وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 70-71].

قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ -رَحِمَهُ اللهُ- : «يَقُولُ تَعَالَى آمِرًا عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ بِتَقْوَاهُ، وَأَنْ يَعْبُدُوهُ عِبَادَةَ مَنْ كَأَنَّهُ يَرَاهُ، وَأَنْ يَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا؛ أَيْ: مُسْتَقِيمًا لَا اعْوِجَاجَ فِيهِ وَلَا انْحِرَافَ.

وَوَعَدَهُمْ أَنَّهُمْ إِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ أَثَابَهُمْ عَلَيْهِ بِأَنْ يُصْلِحَ لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ؛ أَيْ: يُوَفِّقَهُمْ لِلْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، وَأَنْ يَغْفِرَ لَهُمُ الذُّنُوبَ الْمَاضِيَةَ، وَمَا قَدْ يَقَعُ مِنْهُمْ فِي الْمُسْتَقْبَلِ يُلْهِمُهُمُ التَّوْبَةَ مِنْهَا.

قَالَ عِكْرِمَةُ: الْقَوْلُ السَّدِيدُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ.

وَقَالَ غَيْرُهُ: السَّدِيدُ: الصِّدْقُ.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هُوَ السَّدَادُ.

وَقَالَ غَيْرُهُ: هُوَ الصَّوَابُ.

وَالْكُلُّ حَقٌّ».

وَمِنْ أَمْثِلَةِ الْكَلَامِ الطَّيِّبِ الْحَسَنِ؛ بَلْ هِيَ أَفْضَلُ الْكَلَامِ وَأَعْظَمُهُ: كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ: ((لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ))؛ فَكَلِمَةُ التَّوحِيدِ أَفْضَلُ الذِّكْرِ، وَأَفْضَلُ الحَسَنَاتِ، وَحُقَّ لَهَا، فَإنَّها مِفْتَاحُ الإسْلَامِ، بَل بَابُهُ الَّذِي لَا يُدْخَلُ إِلَيهِ إلَّا مِنْهُ، وَهِي عِمَادُهُ الَّذِي لَا يَقُومُ بِغَيرِهِ.

وَهِي الفُرْقَان بَيْنَ الإسْلَامِ وَالكُفْرِ، وَبَيْنَ الحَقِّ وَالبَاطِلِ، وَهِي الكَلِمَةُ الَّتِي إِذَا مَاتَ العَبْدُ عَلَى قَوْلِهَا، وَكَانَت خَاتِمَةَ كَلَامِهِ الَّذِي يَتَكَلَّمُ بِهِ عَاقِلًا مُخْتَارًا أَوْجَبَتْ لَهُ الجَنَّةَ.

عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: ((أَفْضَلُ الذِّكْرِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَفْضَلُ الدُّعَاءِ: الحَمْدُ للهِ)) .

وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((مَا عَلَى الأَرْضِ أَحَدٌ يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ إِلَّا كُفِّرَتْ عَنْهُ خَطَايَاهُ، وَلَوْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ البَحْرِ)) . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ الأَلْبَانِيُّ.

وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((خَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِن قَبْلِي: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ)) . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ الأَلْبَانِيُّ.

فَأَكْثِرُوا مِنَ الذِّكْرِ بِهَا فَهِيَ أَفْضَلُ الذِّكْرِ وَأَحْسَنُهُ، وَهِيَ خَيْرُ مَا قَالَهُ النَّبِيُّ ﷺ وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِهِ.

*وَمِنْ أَجَلِّ الْكَلَامِ وَأَحَبِّهِ للهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: ذِكْرُهُ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-؛ فَذِكْرُ اللهِ هُوَ عِمَارَةُ الْأَوْقَاتِ, وَبِهِ تَزُولُ الْهُمُومُ وَالْغُمُومُ وَالْكُدُورَاتُ, وَبِهِ تَحْصُلُ الْأَفرَاحُ وَالْمَسَرَّاتُ, وَهُوَ عِمَارَةُ الْقُلُوبِ الْمُقْفِرَاتِ, كَمَا أَنَّهُ غِرَاسُ الْجَنَّاتِ.

وَهُوَ مُوصِلٌ لِأَعْلَى الْمَقَامَاتِ, وَفِيهِ مِنَ الْفَوَائِدِ مَا لَا يُحْصَى, وَمِنَ الْفَضَائِلِ مَا لَا يُعَدُّ وَلَا يُسْتَقْصَى, قَالَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (41) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الأحزاب: 41-42].

يَقُولُ الرَّسُولُ ﷺ: ((مَثَلُ الَّذِي يَذْكُرُ رَبَّهُ وَالَّذِي لَا يَذْكُرُ رَبَّهُ؛ مَثَلُ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ)) .

فَالْإِنْسَانُ الَّذِي يَذْكُرُ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-, وَيُدَاوِمُ عَلَى ذِكْرِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- حَيٌّ, حَيٌّ بِمَعْنَى الْحَيَاةِ الْحَقِيقِيَّةِ, وَأَمَّا الَّذِي لَا يَذْكُرُ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- ذِكْرًا كَثِيرًا, وَلَا يُقْبِلُ عَلَى ذِكْرِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ؛ فَهُوَ مَيِّتٌ.

وَفِي ((صَحِيحَيِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ))  عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ، حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ العَظيمِ)).

وَفِي ((صَحِيحِ مُسْلِمٍ))  عَنْ أَبِي ذَرٍّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((أَلَا أُخْبِرُكَ بِأَحَبِّ الْكَلامِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى؟

إِنَّ أَحَبَّ الْكَلامِ إِلَى اللهِ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ)).

إِنَّ الذِّكْرَ مِنْ أَيْسَرِ الْأُمُورِ، لَا يَحْتَاجُ إِلَى بَذْلِ مَالٍ, وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى كَبِيرِ مَجْهُودٍ.

*وَمِنْ أَفْضَلِ الْكَلَامِ وَأَعْظَمِهِ وَأَجَلِّهِ: الدَّعْوَةُ إِلَى اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-؛ فَالدَّعْوَةُ إِلَى اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ أَشْرَفُ وَأَكْرَمُ مَقَامَاتِ التَّعَبُّدِ للهِ.

هِيَ أَكْرَمُ مَقَامٍ يَقُومُهُ عَبْدٌ لِرَبِّهِ أَنْ يَكُونَ دَاعِيًا إِلَيْهِ، دَالًّا عَلَيْهِ، مُرْشِدًا إِلَى صِرَاطِهِ، مُتَّبِعًا لِسَبِيلِ نَبِيِّهِ، مُقِيمًا عَلَى ذَلِكَ، مُخْلِصًا فِيهِ، آتِيًا بِهِ عَلَى النَّحْوِ الَّذِي يُرْضِيهِ.

قَالَ تَعَالَى: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [فصلت: 33].

هَذَا اسْتِفَهَامٌ الْغَرَضُ مِنْهُ النَّفْيُ، {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ}: أَيْ: لَا أَحَدَ.

{وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ}: مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللهِ، لَا إِلَى نَفْسِهِ، وَلَا إِلَى مَنْهَجِهِ، وَلَا إِلَى طَرِيقَتِهِ، وَلَكِنْ إِلَى اللهِ.

{وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا}: فَالْتَزَمَ مَا يَدْعُو إِلَيْهِ، وَعَمِلَ بِهِ.

{وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ}: فَأَسْلَمَ الزِّمَامَ للهِ وَحْدَهُ بِالشَّرْعِ الْأَغَرِّ، بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، لَا يَبْتَدِعُ، وَلَا يَتَزَيَّدُ، وَلَا يَجِدُ حَظَّ نَفْسِهِ، بَلْ يَجْعَلُ ذَلِكَ تَحْتَ مَوَاطِئِ أَقْدَامِهِ، يَدْعُو إِلَى اللهِ مُخْلِصًا، إِلَى اللهِ خَالِصًا، للهِ وَحْدَهُ، فَلَا أَحَدَ هُوَ أَحْسَنُ مِنْهُ قَوْلًا، وَلَا أَكْرَمُ عَلَى اللهِ مِنْهُ فِعْلًا، وَلَا أَعْظَمُ عِنْدَ اللهِ مِنْهُ دَعْوَةً.

وَقَالَ تَعَالَى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران: 110].

أَنْتُمْ يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ خَيْرُ أُمَّةٍ أُظْهِرَتْ لِلنَّاسِ، وَحُمِّلَتْ وَظِيفَةَ الْخُرُوجِ بِتَبْلِيغِ النَّاسِ دِينَ اللهِ لَهُمْ، وَهَذِهِ الْخَيْرِيَّةُ قَدْ عَلِمَهَا اللهُ فِيكُمْ قَبْلَ أَنْ يُخْرِجَكُمْ؛ لِأَنَّ عِلْمَهُ يَشْمَلُ مَا كَانَ، وَمَا هُوَ كَائِنٌ، وَمَا سَيَكُونُ.

وَسَبَبُ بَقَاءِ تِلْكَ الْخَيْرِيَّةِ فِيكُمْ إِلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ أَنَّكُمْ سَتَظَلُّونَ تَأْمُرُونَ دَاخِلَ مُجْتَمَعِكُمُ الْمُسْلِمِ بِمَا عُرِفَ فِي الشَّرْعِ وَالْعَقْلِ حُسْنُهُ.

وَتَنْهَوْنَ عَنْ كُلِّ مَا عُرِفَ فِي الشَّرْعِ وَالْعَقْلِ قُبْحُهُ، فَتَحْمُونَ مُجْتَمَعَكُمْ بِهَذَا -أَيْ بِالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ مِنَ الِانْحِرَافِ الْخَطِيرِ، وَالِانْهِيَارِ إِلَى الْحَضِيضِ الَّذِي بَلَغَتْهُ الْأُمَمُ قَبْلَكُمْ.

وَأَنَّكُمْ سَتَظَلُّونَ تُصَدِّقُونَ بِاللهِ، وَتُخْلِصُونَ لَهُ التَّوْحِيدَ وَالْعِبَادَةَ مَهْمَا اشْتَدَّتْ عَلَيْكُمُ النَّكَبَاتُ مِنَ الْأُمَمِ الْأُخْرَى؛ بُغْيَةَ إِخْرَاجِكُمْ مِنَ الْإِيمَانِ إِلَى الْكُفْرِ.

*وَأَمَرَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- بِالصِّدْقِ فِي الْقَوْلِ، قَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} [التوبة: 119].

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ صَدَّقُوا بِأَرْكَانِ الْإِيمَانِ وَاتَّبَعُوا شَرِيعَةَ الْإِسْلَامِ! الْتَزِمُوا طَاعَةَ اللهِ وَرَسُولِهِ، وَلَا تَعْصُوا بِتَرْكِ الْوَاجِبَاتِ وَفِعْلِ الْمُحَرَّمَاتِ؛ لِتَتَّقُوا عِقَابَ اللهِ الْعَاجِلَ وَالْآجِلَ.

وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ الَّذِينَ صَدَقُوا فِي إِيمَانِهِمْ، وَإِسْلَامِهِمْ، وَأَقْوَالِهِمْ، وَأَعْمَالِهِمُ الَّتِي تُعَبِّرُ عَنْ إِيمَانِهِمْ تَعْبِيرًا صَادِقًا لَا رِيَاءَ فِيهِ وَلَا سُمْعَةً.

وَكُونُوا مَعَ مَنْ صَدَقَ النَّبِيَّ ﷺ وَأَصْحَابَهُ فِي الْغَزَوَاتِ، وَلَا تَكُونُوا مَعَ الْمُتَخَلِّفِينَ مِنَ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ قَعَدُوا فِي الْبُيُوتِ وَتَرَكُوا الْغَزْوَ.

وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((إِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الجَنَّةِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَصْدُقُ حَتَّى يُكتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا)) .

وَقَالَ النَّبِيُّ : ((فَإِنَّ الصِّدْقَ طُمَأْنِينَةٌ)) : الصِّدْقُ طُمْأَنِينَةٌ، لَا يَنْدَمُ صَاحِبُهُ أَبَدًا، وَلَا يَقُولُ: لَيْتَنِي وَلَيْتَنِي؛ لِأَنَّ الصِّدْقَ مَنْجَاةٌ، وَالصَّادِقُونَ يُنَجِّيهِمُ اللهُ تَعَالَى بِصِدْقِهِمْ.

وَتَجِدُ الصَّادِقَ دَائِمًا مُطْمَئِنًّا؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَأَسَّفُ عَلَى شَيْءٍ حَصَلَ أَوْ شَيْءٍ يَحْصُلُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَدَقَ، وَمَنْ صَدَقَ نَجَا.

*وَمِنَ الْكَلَامِ الطَّيِّبِ الْحَسَنِ: الدُّعَاءُ لِحُكَّامِ الْمُسْلِمِينَ؛ فَإِنَّ مَا عِنْدَ اللهِ لَا يُنَالُ إِلَّا بِطَاعَتِهِ، وَمَا نَزَلَ بَلَاءٌ إِلَّا بِذَنْبٍ، وَلَا رُفِعَ إِلَّا بِتَوْبَةٍ، فَلْنَتُبْ إِلَى اللهِ مِنْ ذُنُوبِنَا، وَلْنَسْتَقِمْ عَلَى أَمْرِ رَبِّنَا، وَلْنَتَّبِعْ هَدْيَ نَبِيِّنَا، وَمِنْ هَدْيِهِ ﷺ أَنْ نَحْتَرِمَ وُلَاةَ أُمُورِنَا، وَأَنْ نُمْسِكَ أَلْسِنَتَنَا عَنْهُمْ، وَأَنْ نَجْتَهِدَ فِي الدُّعَاءِ لَهُمْ، وَأَنْ نُطِيعَهُمْ فِي الْمَعْرُوفِ، وَأَلَّا نَخْرُجَ عَلَيْهِمْ.

وَمِنْ كَبَائِرِ الْإِثْمِ وَعَظَائِمِ الذُّنُوبِ: الْخُرُوجُ عَلَى وُلَاةِ الْأُمُورِ، وَالْخُرُوجُ يَكُونُ بِالْكَلِمَةِ، وَآخِرُهُ الْخُرُوجُ بِالسِّلَاحِ، فَإِطْلَاقُ الْأَلْسِنَةِ بِالشَّتْمِ وَالسَّبِّ، وَالِانْتِقَادِ وَالتَّجْرِيحِ خُرُوجٌ، وَقَائِلُهُ خَارِجِيٌّ بَغِيضٌ.

وَتَهْيِيجُ النَّاسِ عَلَى الْحُكَّامِ مَعَ الْقُعُودِ عَنِ الْخُرُوجِ بِالْبَدَنِ وَالسِّلَاحِ خُرُوجٌ، وَأَصْحَابُهُ هُمُ الْخَوَارِجُ الْقَعَدَةُ، وَهُمْ مِنْ شَرِّ وَأَخْبَثِ أَصْنَافِ الْخَوَارِجِ.

وَنَهَى الْإِسْلَامُ عَنْ آفَاتِ اللِّسَانِ كُلِّهَا، وَنَفَّرَ عَنْهَا، وَحَذَّرَ مِنْهَا؛ وَمِنْهَا: الْكَذِبُ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((.. ، وَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الفجُورِ، وَإِنَّ الفجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ حَتَّى يُكتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا)). وَالْحَدِيثُ فِي ((الصَّحِيحَيْنِ)) .

 وَالْكَذِبُ مِنَ الْأُمُورِ الْمُحَرَّمَةِ، بَلْ هُوَ مِنْ كَبَائِرِ الذُّنُوبِ؛ لِأَنَّ الرَّسُولَ ﷺ تَوَعَّدَ الْكَذَّابَ بِأَنَّهُ يُكْتَبُ عِنْدَ اللهِ كَذَّابًا.

وَمِنْ آفَاتِ اللِّسَانِ الَّتِي حَرَّمَهَا دِينُ الْإِسْلَامِ: السَّبُّ وَاللَّعْنُ, وَالْبَذَاءُ, وَالْهُجَرُ مِنَ الْقَوْلِ؛ فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: ((الْمُسْتَبَّانِ مَا قَالَا، فَعَلَى الْبَادِئِ مِنْهُمَا حَتَّى يَتَعَدَّى الْمَظْلُومُ)) . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ)) . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: ((لَا يَنْبَغِي لِصِدِّيقٍ أَنْ يَكُونَ لَعَّانًا)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ.

إِنَّ مِنْ أَخْطَرِ آفَاتِ اللِّسَانِ الَّتِي حَذَّرَ مِنْهَا وَنَهَى عَنْهَا دِينُ الْإِسْلَامِ: الْغِيبَةُ وَهِيَ: ذِكْرُ الْعَيْبِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ, ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ, سَوَاءٌ أَكَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ أَمْ لَمْ يَكُنْ.

فَهَكَذَا بَيَّنَهَا الرَّسُولُ ﷺ, قالَ عَنِ الْغِيبَةِ: ((ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ)).

قِيلَ: أَفَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُولُ؟

قَالَ: ((إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدْ بَهَتَّهُ)). أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.

قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ -رَحِمَهُ اللهُ- فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْحُجُرَاتِ: ((وَالْغِيبَةُ مُحَرَّمَةٌ بِالْإِجْمَاعِ ، وَلَا يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ إِلَّا مَا رَجَحَتْ مَصْلَحَتُهُ، كَمَا فِي الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ وَالنَّصِيحَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ)).

وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: ((الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّهَا مِنَ الْكَبَائِرِ, وَأَنَّهُ يَجِبُ التَّوْبَةُ مِنْهَا إِلَى اللهِ تَعَالَى)).

وَهَذَا بَيِّنٌ وَاضِحٌ فِي قَوْلِهِ -جَلَّ وَعَلَا-: {أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ} [الحجرات: 12].

*وَمِنْ أَكْبَرِ أَبْوَابِ الْخِيَانَةِ -خِيَانَةِ الْكَلِمَةِ-: الطَّعْنُ فِي ثَوَابِتِ دِينِ الْإِسْلَامِ الْعَظِيمِ فِي وَسَائِلِ الْإِعْلَامِ؛ فَإِنَّ التَّأْجِيجَ وَالخَبْطَ فِي ثَوَابِتِ الدِّينِ, مِمَّا يَجْعَلُ المُتَطَرِّفَ يَزْدَادُ تَطَرُّفًا, وَيَجْعَلُ المُحايِدَ يَنْتَقِلُ إِلَى مُعَسْكَرِ المُتَطَرِّفِينَ, وَيَجْعَلُ التَّكْفِيرَ سَارِيًا فِي الأُمَّةِ سَرَيَانَ النَّارِ مِنَ الهَشِيمِ؛ لِأَنَّهُمْ يَسْمَعُونَ فِي الصَّبَاحِ وَفِي المَسَاءِ هَرْطَقَةً وَزَنْدَقَةً وَكُفْرًا بِاللَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ!!

وَهَذَا لَا يَرْضَاهُ الشَّعْبُ المُسْلِمُ, لَا يَقْبَلُهُ وَلَا يُحِبُّ أَنْ يَسْمَعَهُ, وَلَا يُحِبُّ أَنْ يَرَى أَبْنَاءَهُ يُتَخَطَّفُونَ فِي الطُّرُقَاتِ إِلَى الإِلْحَادِ تَارَةً, وَإِلَى الشَّكِّ تَارَةً, وَإِلَى الفُجُورِ وَالمُجُونِ تَارَةً!!

فَليَتَّقُوا اللهَ رَبَّ العَالَمِينَ فِي البَلَدِ!!

فَلْيَتَّقُوا اللهَ رَبَّ العَالَمِينَ فِي الإِسْلَامِ!!

لَا؛ هُمْ لَا يُبَالُونَ بِذَلِكَ!!

فَلْيَتَّقُوا اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- فِي الأَنَاسِيِّ, فِي الحَيَوانَاتِ, فِي هَذَا الشَّعْبِ المُسْتَكِينِ الضَّارِعِ إِلَى رَبِّهِ أَنْ يُنَجِّيَهُ مِنَ الفِتَنِ, وَأَنْ يَرْزُقَهُ اللُّقْمَةَ الحَلَالَ؛ هَذَا أَمَلُهُ؛ فَليَبْتَعِدُوا عَنْ هَذَا التَّحْرِيشِ.

فَمَا الَّذِي يُفِيدُهُ العَامِّيُّ مِنْ عِلْمِهِ بِأَنَّ البُخَارِيَّ كَانَ كَذَا وَكَذَا, وَأَنَّ الأَئِمَّةَ الأَرْبَعَةَ كَانُوا كَذَا وَكَذَا, وَأَنَّ الصَّحَابَةَ سَالَتْ بَيْنَهُم أَنْهَارُ الدِّمَاءِ؟!!

هَذَا يُنَاقَشُ لَوْ كَانَتْ عَلَيْهِ حُجَّةٌ بَيْنَ المُتَخَصِّصِينَ, وَأَمَّا أَنْ يُذَاعَ هَذَا، فَهَذِهِ هِيَ الفِتْنَةُ بِعَيْنِهَا, وَيَجِبُ عَلَى وُلَاةِ الأَمْرِ أَنْ يَكُفُّوا أُولَئِكَ عَنْ إِثَارَةِ الفِتَنِ فِي البِلَادِ, وَإِلَّا فَالعَاقِبَةُ لَنْ تَسُرَّ أَحَدًا بِحَالٍ -نَسْأَلُ اللهَ السَّلَامَةَ وَالعَافِيَةَ-.

ثُمَّ إِنَّ آفَاتِ الْكَلَامِ مَا تَزَالُ تَهْبِطُ فِي دَرَكَاتِ الْبَاطِلِ حَتَّى تَسْتَوِيَ عَلَى حَمْأَةِ ((الْقَوْلِ عَلَى اللهِ بِلَا عِلْمٍ)).

وَلَمْ يُبِحِ اللهُ تَعَالَى لِأَحَدٍ أَنْ يَتَقَوَّلَ عَلَيْهِ، وَلَا أَنْ يُسْنِدَ لَهُ مَا لَمْ يَقُلْهُ، بَلْ قَالَ عَنْ صَفِيِّهِ وَخَلِيلِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (44) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (46) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة: 44-47].

وَحَرَّمَ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- الْقَوْلَ عَلَيْهِ بِلَا عِلْمٍ تَحْرِيمًا صَرِيحًا، فَقَالَ بَعْدَ أَنْ بَيَّنَ أَنْوَاعَ الْمُحَرَّمَاتِ، وَبَعْضُهَا أَغْلَظُ مِنْ بَعْضٍ: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: 33].

قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ -رَحِمَهُ اللهُ- فِي «مَدَارِجِ السَّالِكِينَ»: «الْقَوْلُ عَلَى اللهِ بِلَا عِلْمٍ هُوَ أَشَدُّ هَذِهِ الْمُحَرَّمَاتِ تَحْرِيمًا، وَأَعْظَمُهَا إِثْمًا؛ وَلِهَذَا ذُكِرَ فِي الْمَرْتَبَةِ الرَّابِعَةِ مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ الَّتِي اتَّفَقَتْ عَلَيْهَا الشَّرَائِعُ وَالْأَدْيَانُ، وَلَا تُبَاحُ بِحَالٍ، بَلْ لَا تَكُونُ إِلَّا مُحَرَّمَةً، وَلَيْسَتْ كَالْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ الَّذِي يُبَاحُ فِي حَالٍ دُونَ حَالٍ.

وَلَيْسَ فِي أَجْنَاسِ الْمُحَرَّمَاتِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللهِ مِنْهُ -أَيْ: مِنَ الْقَوْلِ عَلَى اللهِ بِلَا عِلْمٍ- وَلَا أَشَدُّ إِثْمًا، وَهُوَ أَصْلُ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ، وَعَلَيْهِ أُسِّسَتِ الْبِدَعُ وَالضَّلَالَاتُ، فَكُلُّ بِدْعَةٍ مُضِلَّةٍ فِي الدِّينِ أَسَاسُهَا الْقَوْلُ عَلَى اللهِ بِلَا عِلْمٍ».

وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ عَنْ آيَةِ (الْأَعْرَافِ) السَّابِقَةِ فِي «إِعْلَامِ الْمُوَقِّعِينَ»: «رَتَّبَ اللهُ الْمُحَرَّمَاتِ أَرْبَعَ مَرَاتِبَ، وَبَدَأَ بِأَسْهَلِهَا، وَهُوَ الْفَوَاحِشُ.

ثُمَّ ثَنَّى بِمَا هُوَ أَشَدُّ تَحْرِيمًا مِنْهُ وَهُوَ الْإِثْمُ وَالظُّلْمُ.

ثُمَّ ثَلَّثَ بِمَا هُوَ أَعْظَمُ تَحْرِيمًا مِنْهَا وَهُوَ الشِّرْكُ بِهِ سُبْحَانَهُ.

ثُمَّ رَبَّعَ بِمَا هُوَ أَشَدُّ تَحْرِيمًا مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ وَهُوَ الْقَوْلُ عَلَى اللهِ بِلَا عِلْمٍ، وَهَذَا يَعُمُّ الْقَوْلَ عَلَيْهِ سُبْحَانَهُ بِلَا عِلْمٍ فِي أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، وَأَفْعَالِهِ، وَفِي دِينِهِ وَشَرْعِهِ».

وَنَهَى الْإِسْلَامُ الْعَظِيمُ عَنِ الْأَرَاجِيفِ؛ فَقَالَ رَبُّنَا -جَلَّ وَعَلَا-: {لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا (60) مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا} [الأحزاب: 60-61].  

إِنَّ الْأَرَاجِيفَ وَالشَّائِعَاتِ الَّتِي تَنْطَلِقُ مِنْ مَصَادِرَ شَتَّى وَمَنَافِذَ مُتَعَدِّدَةٍ إِنَّمَا تَسْتَهْدِفُ التَّآلُفَ وَالتَّكَاتُفَ، وَتَسْعَى إِلَى إِثَارَةِ النَّعْرَاتِ وَالْأَحْقَادِ، وَنَشْرِ الظُّنُونِ السَّيِّئَةِ، وَتَرْوِيجِ السَّلْبِيَّاتِ، وَتَضْخِيمِ الْأَخْطَاءِ.

الْإِشَاعَاتُ وَالْأَرَاجِيفُ سِلَاحٌ بِيَدِ الْمُغْرِضِينَ وَأَصْحَابِ الْأَهْوَاءِ وَالْأَعْدَاءِ وَالْعُمَلَاءِ، يَسْلُكُهُ أَصْحَابُهُ؛ لِزَعْزَعَةِ الثَّوَابِتِ، وَهَزِّ الصُّفُوفِ وَخَلْخَلَةِ تَمَاسُكِهَا.

وَالْمُرْجِفُونَ: هُمُ الَّذِينَ يَنْشُرُونَ الشَّائِعَاتِ الْكَاذِبَةَ، أَوْ يُبَالِغُونَ فِي تَعْظِيمِ قُوَّةِ الْأَعْدَاءِ وَقُدُرَاتِهِمْ، وَاسْتِحَالَةِ هَزِيمَتِهِمْ، وَكَسْرِ شَوْكَتِهِمْ؛ مِنْ أَجْلِ تَخْذِيلِ الْمُؤْمِنِينَ، وَتَخْوِيفِهِمْ مِنْ أَعْدَائِهِمْ، وَقَدْ لَعَنَهُمُ اللهُ حَيْثُمَا وُجِدُوا، وَتَوَعَّدَهُمْ بِأَنْ يُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ مَنْ يَسْتَأْصِلُ شَأْفَتَهُمْ، وَيَقْطَعُ دَابِرَهُمْ.

 ((الْآثَارُ الْمُدَمِّرَةُ لِلْكَلِمَةِ الْخَبِيثَةِ عَلَى الْمُجْتَمَعِ الْمُسْلِمِ))

عِبَادَ اللهِ! مَنْ نَظَرَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ خَاصَّةً, وَفِي التَّارِيخِ عَامَّةً؛ يَعْلَمُ يَقِينًا مَا لِلشَّائِعَاتِ مِنْ خَطَرٍ عَظِيمٍ، وَأَثَرٍ بَلِيغٍ، فَالشَّائِعَاتُ تُعْتَبَرُ مِنْ أَخْطَرِ الْأَسْلِحَةِ الْفَتَّاكَةِ وَالْمُدَمِّرَةِ لِلْمُجْتَمَعَاتِ وَالْأَشْخَاصِ.

وَكَمْ أَقْلَقَتِ الْإِشَاعَةُ مِنْ أَبْرِيَاءَ, وَحَطَّمَتْ عُظَمَاءَ، وَهَزَمَتْ مِنْ جُيُوشٍ، وَهَدَمَتْ مِنْ وَشَائِجَ، وَتَسَبَّبَتْ فِي جَرَائِمَ, وَفَكَّكَتْ مِنْ عَلَاقَاتٍ وَصَدَاقَاتٍ، وَأَخَّرَتْ مِنْ سَيْرِ أَقْوَامٍ!!

لِخَطَرِهَا وَجَدْنَا الدُّوَلَ تَهْتَمُّ بِهَا، وَالْحُكَّامَ يَرْقُبُونَهَا، مُعْتَبِرينَ إِيَّاهَا مِقْيَاسَ مَشَاعِرِ الشَّعْبِ نَحْوَ الْإِدَارَةِ صُعُودًا وَهُبُوطًا، وَبَانِينَ عَلَيْهَا تَوقُّعَاتِهِمْ لِأَحْدَاثٍ مَا, سَوَاءٌ عَلَى الْمُسْتَوَى الْمَحَلِّيِّ أَوِ الْمُسْتَوَى الْخَارِجِيِّ.

وَثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ((كَفَى بِالْمَرْءِ إِثمًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ)).

وَفِي رِوَايَةٍ: ((كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي ((مُقَدِّمَةِ الصَّحِيحِ))

وَقَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ -رَحِمَهُ اللهُ-: «اعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ يَسْلَمُ رَجُلٌ حَدَّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ)) .

وَأَثَرُ الشَّائِعَاتِ سَيِّئٌ جِدُّ سَيِّئٍ, وَيَنْتُجُ عَنْهَا غَالِبًا آثَارٌ أُخْرَى أَسْوَءُ مِنْهَا، وَفِي تَارِيخِ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الشَّائِعَاتِ الْكَثِيرَةِ الَّتِي كَانَتْ نَتَائِجُهَا سَيِّئَةً فِي ظَاهِرِهَا قِصَصٌ كَثِيرَةٌ؛ مِنْهَا:

*الشَّائِعَةُ الَّتِي انْتَشَرَتْ أَنَّ كُفَّارَ قُرَيشٍ أَسْلَمُوا، وَذَلِكَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ الْأُولَى إِلَى الْحَبَشَةِ، فَكَانَ مِنْ نَتِيجَتِهَا أَنْ رَجَعَ عَدَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَى مَكَّةَ، وَقَبْلَ دُخُولِهِمْ عَلِمُوا أَنَّ الْخَبَرَ كَذِبٌ.

فَدَخَلَ مِنْهُمْ مَنَ دَخَلَ، وَعَادَ إِلَى الْحَبَشَةِ مَنْ عَادَ، فَأَمَّا الَّذِينَ دَخَلُوا فَأَصَابَ بَعضَهُمْ مِنْ عَذَابِ قُرَيْشٍ مَا كَانَ هُوَ فَارًّا مِنْهُ، فَللهِ الْأَمْرُ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-.

*وَفِي مَعْرَكَةِ أُحُدٍ، عِنْدَمَا أَشَاعَ الْكَافِرُونَ أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ قُتِلَ، فَتَّ ذَلِكَ فِي عَضُدِ كَثِيرٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، حَتَّى إِنَّ بَعْضَهُمْ أَلْقَى السِّلَاحَ، وَتَرَكَ الْقِتَالَ وَاسْتَحْسَرَ.

*وَأَدَّتِ الشَّائِعَاتُ الْكَاذِبَةُ ضِدَّ الْخَلِيفَةِ الرَّاشِدِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- إِلَى تَجَمُّعِ أَخْلَاطٍ مِنَ الْمُنَافِقِينَ وَدَهْمَاءِ النَّاسِ وَجَهَلَتِهِمْ, وَأَصْبَحَتْ لَهُمْ شَوْكَةٌ، وَقُتِلَ عَلَى إِثْرِهَا خَلِيفَةُ الْمُسْلِمِينَ بَعْدَ حِصَارِهِ فِي بَيتِهِ، وَقَطْعِ الْمَاءِ عَنْهُ.

بَلْ كَانَتْ مِنْ آثَارِ هَذِهِ الْفِتْنَةِ:

*أَنْ قَامَتْ حُرُوبٌ بَيْنَ بَعْضِ الصَّحَابَةِ الْكِرَامِ؛ كَمَعْرَكَةِ (الْجَمَلِ) وَ(صِفِّينَ)، وَخَرَجَتْ عَلَى إِثْرِهَا الْخَوارِجُ، وَتَزَنْدَقَتِ الشِّيعَةُ، وَتَرَتَّبَ عَلَيْهَا ظُهُورُ الْمُرْجِئَةِ وَالْقَدَرِيَّةِ الْأُولَى، ثُمَّ انْتَشَرَتِ الْبِدَعُ بِكَثْرَةٍ، وَظَهَرَتْ فِتَنٌ وَبِدَعٌ وَقَلَاقِلُ كَثِيرَةٌ, مَا تَزَالُ الْأُمَّةُ الْمُسْلِمَةُ تُعَانِي مِنْ آثَارِهَا وَنَتَائِجِهَا إِلَى الْيَوْمِ.

 

((وَاجِبُنَا عِنْدَ سَمَاعِ الْبَاطِلِ وَالزُّورِ))

ذَكَرَ رَبُّنَا -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- صِفَاتِ عِبَادِ الرَّحْمَنِ فِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ، وَمِنْهَا: أَنَّهُمْ لَا يَحْضُرُونَ الزُّورَ؛ أَيِ: الْقَوْلَ وَالْفِعْلَ الْمُحَرَّمَ، فَيَجْتَنِبُونَ جَمِيعَ الْمَجَالِسِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى الْأَقْوَالِ الْمُحَرَّمَةِ أَوِ الْأَفْعَالِ الْمُحَرَّمَةِ، كَالْخَوْضِ فِي آيَاتِ اللهِ، وَالْجِدَالِ الْبَاطِلِ، وَالْغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ، وَالسَّبِّ وَالْقَذْفِ وَالِاسْتِهْزَاءِ، وَالْغِنَاءِ الْمُحَرَّمِ، وَشُرْبِ الْخَمْرِ، وَفَرْشِ الْحَرِيرِ، وَالصُّوَرِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ.

وَإِذَا كَانُوا لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ فَمِنْ بَابِ أَوْلَى وَأَحْرَى أَلَّا يَقُولُوهُ وَيَفْعَلُوهُ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ دَاخِلَةٌ فِي قَوْلِ الزُّورِ.

وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ -وَهُوَ الْكَلَامُ الَّذِي لَا خَيْرَ فِيهِ، وَلَا فِيهِ فَائِدَةٌ دِينِيَّةٌ وَلَا دُنْيَوِيَّةٌ، كَكَلَامِ السُّفَهَاءِ وَنَحْوِهِمْ- مَرُّوا كِرَامًا؛ أَيْ: نَزَّهُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَكْرَمُوهَا عَنِ الْخَوْضِ فِيهِ، وَرَأَوْا أَنَّ الْخَوْضَ فِيهِ وَإِنْ كَانَ لَا إِثْمَ فِيهِ فَإِنَّهُ سَفَهٌ وَنَقْصٌ لِلْإِنْسَانِيَّةِ وَالْمُرُوءَةِ فَرَبَؤُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْهُ.

قَالَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} [الإسراء: 36].

وَلَا تَتَّبِعْ -أَيُّهَا الْإِنْسَانُ- فِي أَيِّ أَمْرٍ مِنْ أُمُورِ حَيَاتِكَ شَيْئًا لَا تَعْلَمُ أَنَّهُ حَقٌّ وَصَوَابٌ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ؛ فَإِنَّ لَدَيْكَ مِنْ أَدَوَاتِ الْمَعْرِفَةِ مَا تَسْتَطِيعُ بِهِ التَّبَصُّرَ فِي الْأُمُورِ.

فَإِذَا أَنْتَ اتَّبَعْتَ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ؛ فَقَدْ عَطَّلْتَ أَدَوَاتِ الْمَعْرِفَةِ الَّتِي لَدَيْكَ، إِنَّ الْإِنْسَانَ مَسْؤُولٌ عَمَّا اسْتَعْمَلَ فِيهِ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَعُمْقَ قَلْبِهِ الَّذِي هُوَ أَدَاةُ الْإِدْرَاكِ فِي الْإِنْسَانِ، وَمَرْكَزُ اسْتِقْرَارِ الْعُلُومِ وَالْمَعَارِفِ، وَالَّذِي تَنْطَلِقُ مِنْهُ الْإِرَادَاتُ.

وَقَالَ تَعَالَى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُون} [المؤمنون: 1-3].

قَدْ فَازَ الْمُصَدِّقُونَ بِاللهِ وَبِرَسُولِهِ، الْعَامِلُونَ بِشَرْعِهِ بِمَا يُرِيدُونَ -أَيْ: فَازُوا بِمَا يُرِيدُونَ- وَظَفِرُوا بِنَعِيمِ الْآخِرَةِ الْأَبَدِيِّ، وَهُمُ الْمَوْصُوفُونَ بِالْأَوْصَافِ الْآتِيَةِ؛ وَذَكَرَ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- مِنْهَا: الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ مُتَذَلِّلُونَ خَاضِعُونَ، جَمَعُوا بَيْنَ أَفْعَالِ الْقَلْبِ كَالْخَوْفِ وَالرَّهْبَةِ وَأَفْعَالِ الْجَوَارِحِ كَالسُّكُونِ وَتَرْكِ الِالْتِفَاتِ.

وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ كُلِّ بَاطِلٍ وَمَا لَا يُعْتَدُّ بِهِ مِنَ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ مُعْرِضُونَ.

وَقَالَ رَبُّنَا -جَلَّ وَعَلَا-: {وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ} [القصص: 55].

ذَكَرَ اللهُ أَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقُرْآنِ وَبِمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِهِ يُؤْتَوْنَ ثَوَابَ عَمَلِهِمْ مَرَّتَيْنِ؛ عَلَى إِيمَانِهِمْ بِالْكِتَابِ الْأَوَّلِ وَعَلَى إِيمَانِهِمْ بِالْكِتَابِ الْآخِرِ بِسَبَبِ تَحَلِّيهِمْ بِأَرْبَعِ صِفَاتٍ؛ مِنْهَا: أَنَّهُمْ إِذَا سَمِعُوا الطَّعْنَ فِي الدِّينِ، وَالِاسْتِهْزَاءَ بِالْمُؤْمِنِينَ، وَالْقَوْلَ الْقَبِيحَ مِنَ الْجَاهِلِينَ أَعْرَضُوا عَنْهُ؛ تَكَرُّمًا وَتَنَزُّهًا، وَقَالُوا لِأَصْحَابِ اللَّغْوِ: لَنَا أَعْمَالُنَا، وَنُحَاسَبُ عَلَيْهَا، وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَتُحَاسَبُونَ عَلَيْهَا.

أَمَانٌ مِنَّا عَلَيْكُمْ، وَمُفَارَقَةٌ لَكُمْ وَلِمَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ لَغْوٍ تَعْصُونَ بِهِ رَبَّكُمْ، وَتَظْلِمُونَ بِهِ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ.

لَا نُرِيدُ مُشَارَكَةَ الْجَاهِلِينَ السُّفَهَاءِ فِي جَهْلِهِمْ وَسَفَهِهِمْ.

وَقَالَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ۚ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَىٰ مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [الأنعام: 68].

وَإِذَا رَأَيْتَ -أَيُّهَا الرَّسُولُ- الْمُشْرِكِينَ يَتَكَلَّمُونَ فِي آيَاتِنَا بِالسُّخْرِيَةِ وَالِاسْتِهْزَاءِ فَلَا تَقْعُدْ مَعَهُمْ حَتَّى يَدْخُلُوا فِي حَدِيثٍ خَالٍ مِنَ السُّخْرِيَةِ وَالِاسْتِهْزَاءِ بِآيَاتِنَا.

وَإِذَا أَنْسَاكَ الشَّيْطَانُ وَقَعَدْتَ مَعَهُمْ ثُمَّ تَذَكَّرْتَ فَغَادِرْ مَجْلِسَهُمْ وَلَا تَقْعُدْ مَعَ هَؤُلَاءِ الْمُعْتَدِينَ.

وَقَالَ رَبُّنَا -عَزَّ وَجَلَّ-: {وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا} [الفرقان: 72].

ذَكَرَ اللهُ مِنْ صِفَاتِ عِبَادِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُمْ لَا يَحْضُرُونَ الْبَاطِلَ كَمَجَالِسِ أَهْلِ الشِّرْكِ وَالضَّلَالِ، وَلَا يُخْبِرُونَ بِالْبَاطِلِ وَالْكَذِبِ.

وَأَنَّهُمْ إِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ -مَعْنَى اللَّغْوِ: مَا لَا يُعْتَدُّ بِهِ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ، وَلَا يُحَصِّلُ مِنْهُ الْمَرْءُ فَائِدَةً وَلَا نَفْعًا- إِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا مُرُورًا عَابِرًا، حَالَةَ كَوْنِهِمْ كِرَامًا فِي أَنْفُسِهِمْ؛ إِذْ لَا يُهِينُوهَا بِالْهُبُوطِ إِلَى السَّفَاسِفِ وَمُحَقَّرَاتِ الْأُمُورِ، وَهُمْ يُدْرِكُونَ قِيمَةَ الْوَقْتِ، وَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ رَأْسُ مَالِهِمْ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ، فَيَخْشَوْنَ أَنْ يَخْسَرُوا مَقَادِيرَ مِنْ رَأْسِ مَالِهِمْ دُونَ تَحْقِيقِ رِبْحٍ وَفِيرٍ بِعَمَلٍ صَالِحٍ.

لَقَدْ حَذَّرَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ أَقْوَامٍ يُحَدِّثُونَ النَّاسَ بِمَا لَمْ يَسْمَعُوا هُمْ وَلَا آبَاؤُهُمْ، فَقَالَ ﷺ: «فَإِيَّاكُمْ وَإِيَّاهُمْ».

عَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- قَالَتْ: تَلَا رَسُولُ اللهِ ﷺ قَوْلَ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: {هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ۖ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} [آل عمران:7].

عَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- قَالَت: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((فَإِذَا رَأَيْتُمُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ، فَأُولَئِكَ الَّذِينَ سَمَّى اللهُ فَاحْذَرُوهُمْ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَذَكَرَ مُسْلِمٌ فِي «مُقَدِّمَةِ الصَّحِيحِ»، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((سَيَكُونُ فِي آخِرِ أُمَّتِي أُنَاسٌ يُحَدِّثُونَكُمْ مَا لَمْ تَسْمَعُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ، فَإِيَّاكُمْ وَإِيَّاهُمْ)).

وَعَنْهُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ دَجَّالُونَ كَذَّابُونَ، يَأْتُونَكُمْ مِنَ الْأَحَادِيثِ بِمَا لَمْ تَسْمَعُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ، فَإِيَّاكُمْ وَإِيَّاهُمْ، لَا يُضِلُّونَكُمْ وَلَا يَفْتِنُونَكُمْ».

عِبَادَ اللهِ! أَمْسِكُوا أَلْسِنَتَكُمْ -يَرحَمُكُمُ اللهُ- إِلَّا عَنْ خَيْرٍ، وَاعْلَمُوا أَنَّ ذِكْرَ اللهِ دَوَاءٌ، وَأَنَّ ذِكْرَ النَّاسِ دَاءٌ.

اتَّقُوا اللهَ فِي ثَوَانِيكُمْ, وَدَقَائقِكُمْ, وَسَاعَاتِكُمْ, وَأَيَّامِكُمْ.. فِي شُهُورِكُمْ وَأَعوَامِكُمْ.. فِي عُمُرِكُمْ، امْلَؤُوا تِلْكَ الْأَوْقَاتِ بِالطَّاعَةِ.

اتَّقُوا اللهَ!

اتَّقُوا اللهَ فِي بَلَدِكُمْ، فِي مُجْتَمَعِكُمْ، فِي إِسلَامِكُمْ.

اتَّقُوا اللهَ رَبَّ الْعَالمِينَ فِي ذُرِّيَّاتِكُمْ وَأَهْلِيكُمْ -وَفَّقَنِي اللهُ وَإِيَّاكُمْ إِلَى مَا يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ-.

وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ.

الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ

الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَشْهَدُ أَلَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ هُوَ يَتَوَلَّى الصَالِحِينَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ-, صَلَاةً وَسَلَامًا دَائِمَيْنِ مُتَلَازِمَيْنِ إِلَى يَومِ الدِّينِ.

أَمَّا بَعْدُ:

((أَمَانَةُ الْكَلِمَةِ وَرِسَالَةٌ إِلَى الدُّعَاةِ إِلَى اللهِ))

فَأَقُولُ لِأَهْلِ الدَّعْوَةِ إِلَى الْإِسْلَامِ: اتَّقُوا اللهَ، وَاتَّبِعُوا مِنْهَاجَ نَبِيِّكُمْ، وَسَبِيلَ سَلَفِكُمْ مِنَ الصَّحَابَةِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ فِي الْعَقِيدَةِ وَالْعَمَلِ.

عَلِّمُوا النَّاسَ مَا يَنْفَعُهُمْ، وَأَرْشِدُوهُمْ إِلَى صَالِحِهِمْ، وَانْشُرُوا الْحُبَّ وَالسَّلَامَ بَيْنَهُمْ.

عَلِّمُوا النَّاسَ مُجْمَلَ الِاعْتِقَادِ، وَكُفُّوا عَنِ الْعَوَامِّ خِلَافَاتِكُمْ، وَارْتَفِعُوا فَوْقَ مَآرِبِكُمُ الْخَاصَّةِ، وَخُصُومَاتِكُمُ الشَّخْصِيَّةِ، وَانْظُرُوا الْآنَ إِلَى مَصْلَحَةِ الدِّينِ الْعُلْيَا، فَإِنَّ مِصْرَ فِي هَذَا الْعَصْرِ هِيَ حَائِطُ الصَّدِّ لِلْإِلْحَادِ وَالزَّيْغِ وَالتَّكْفِيرِ وَالْإِرْهَابِ وَالْعُنْفِ.

وَوَرَاءَ مِصْرَ فِي هَذَا الْعَصْرِ -كَمَا كَانَ فِي عُصُورٍ خَلَتْ- أَقْطَارٌ وَدُوَلٌ إِسْلَامِيَّةٌ، جَعَلَ اللهُ ثَبَاتَهَا عَلَى الدِّينِ، وَتَمَاسُكَ بُنْيَانِهَا، وَاسْتِقْرَارَ أَهْلِهَا، جَعَلَ اللهُ ذَلِكَ رَهْنًا بِثَبَاتِ مِصْرَ وَتَمَاسُكِهَا وَاسْتِقْرَارِهَا.

فَيَا أَهْلَ الدَّعْوَةِ إِلَى الْإِسْلَامِ! اتَّقُوا اللهَ فِي أُمَّتِكُمْ، وَاعْلَمُوا أَنَّ وُقُوعَ الْفَوْضَى، وَقَطْعَ السُّبُلِ، وَنَهْبَ الْأَمْوَالِ، وَإِرَاقَةَ الدِّمَاءِ، وَإِزْهَاقَ الْأَرْوَاحِ، وَنَشْرَ الْفَوْضَى، وَبَثَّ الْفَزَعِ، وَالْقَتْلَ عَلَى الْهُوِيَّةِ؛ كُلُّ ذَلِكَ يَضُرُّ بِالدِّينِ وَلَا يَنْفَعُهُ، وَيُعَطِّلُ الشَّعَائِرَ، وَيَهْدِمُ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ، وَيُؤَصِّلُ لِمَسَاوِيهَا، وَيَزِيدُ الشَّرَّ، وَيُقَلِّلُ الْخَيْرَ.

فَاتَّقُوا اللهَ -مَعَاشِرَ الدُّعَاةِ- وَاجْتَمِعُوا عَلَى السُّنَّةِ، وَاتَّحِدُوا عَلَى التَّوْحِيدِ.

وَيَا مَنْ تَقَرَّحَتْ نُفُوسُهُمْ، وَوَرِمَتْ أُنُوفُهُمْ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالْأَهْوَاءِ وَمِنْ بَعْضِ أَهْلِ الدَّعْوَةِ إِلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ؛ خُصُومَاتُكُمْ شَخْصِيَّةٌ، وَمَآرِبُكُمْ ذَاتِيَّةٌ، وَالدَّعْوَةُ أَجَلُّ جَلَالًا مِنْ أَهْدَافِكُمْ، وَأَعْلَى كَعْبًا مِنْ مَقْصُودِكُمْ وَأَغْرَاضِكُمْ، فَدَعُوا هَذَا جَانِبًا، وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا.

يَا أَهْلَ الدَّعْوَةِ إِلَى الْإِسْلَامِ! عَلِّمُوا النَّاسَ مَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ تِجَاهَ وُلَاةِ أُمُورِهِمْ، وَبَيِّنُوا لَهُمْ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَآثَارِ الصَّحَابَةِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ كَيْفِيَّةَ مُعَامَلَةِ حُكَّامِهِمْ، وَعَلِّمُوهُمْ أَنْ يُؤَدُّوا مَا عَلَيْهِمْ، وَيَسْأَلُوا اللهَ الَّذِي لَهُمْ، وَلَا يَنْزِعُوا يَدًا مِنْ طَاعَةِ.

أَيُّهَا الدُّعَاةُ! بَصِّرُوا النَّاسَ بِحَقِيقَةِ دِينِهِمْ، وَجَلَالِ مُعْتَقَدِهِمْ، وَسَلَامَةِ مَنْهَجِهِمْ، وَحُثُّوهُمْ عَلَى أَنْ يَعِيشُوا بِالْوَحْيِ، فَإِنَّ الْوَحْيَ مَعْصُومٌ، قُولُوا لِلنَّاسِ: عِيشُوا بِالْوَحْيِ، وَاسْتَعِينُوا بِاللهِ رَبِّكُمْ، وَلَا يَحْمِلَنَّكُمُ اسْتِبْطَاءُ الرِّزْقِ عَلَى أَنْ تَطْلُبُوهُ بِمَعْصِيَةِ اللهِ، فَإِنَّ مَا عِنْدَ اللهِ لَا يُنَالُ إِلَّا بِطَاعَتِهِ، وَاصْبِرُوا أَيُّهَا الْمِصْرِيُّونَ عَلَى الْمُعَانَاةِ مَعَ حِفْظِ الْأَرْوَاحِ وَالْأَعْرَاضِ، فَهُوَ خَيْرٌ مِنَ الصَّبْرِ عَلَى الْمُعَانَاةِ مَعَ ضَيَاعِهِمَا.

وَاللهُ يَتَوَلَّاكُمْ، وَيَجْمَعُ شَمْلَكُمْ، وَيُوَحِّدُ كَلِمَتَكُمْ عَلَى الدَّعْوَةِ إِلَى التَّوْحِيدِ وَالِاتِّبَاعِ، وَهُوَ تَعَالَى الْهَادِي إِلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ.

 ((أَمَانَةُ الْكَلِمَةِ وَرِسَالَةٌ قَوِيَّةٌ إِلَى الْإِعْلَامِيِّينَ!!))

إِنَّ الْعَامِلِينَ فِي وَسَائِلِ الْإِعْلَامِ مِنْ أَفْرَادٍ وَمَسْؤُولِينَ يُمَارِسُونَ دَوْرًا مِنْ أَخْطَرِ الْأُمُورِ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَيَنْبَغِي عَلَيْهِمْ أَنْ يَتَّقُوا اللهَ -جَلَّ وَعَلَا-؛ لِيُوَفِّقَهُمُ اللهُ إِلَى مَرَاضِيهِ.

وَأَوَّلُ ذَلِكَ: أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْإِعْلَامِيِّ أَنْ يَسْتَشْعِرَ عَظِيمَ الْأَمَانَةِ الْمُلْقَاةِ عَلَى عَاتِقِهِ، وَأَنَّهُ عَلَى ثَغْرٍ عَظِيمٍ، فَلْيُخْلِصْ لِلَّهِ قَصْدَهُ، وَلْيَجْتَهِدْ فِي مُوَافَقَةِ مَرْضَاتِهِ.

وَعَلَيْهِ أَنْ يَأْخُذَ بِالصِّدْقِ، فَإِنَّهُ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، وَيَزِيدُ الْأَمْرُ فِي حَقِّ الْإِعْلَامِيِّ؛ لِأَنَّ كَلَامَهُ يَصِلُ إِلَى شَرِيحَةٍ كَبِيرَةٍ، وَيَتَأَثَّرُ بِهِ أُنَاسٌ كَثِيرُونَ.

وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} [التوبة: 119].

وَالنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: ((عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا)) . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَهَذَا لَفْظٌ لِمُسْلِمِ.

وَلْيَحْذَرِ الْإِعْلَامِيُّونَ مِنَ الْكَذِبِ أَشَدَّ الْحَذَرِ تَحْتَ أَيِّ ذَرِيعَةٍ، سَوَاءٌ بِذَرِيعَةِ الْفَوْزِ بِالسَّبْقِ الْإِعْلَامِيِّ كَمَا يُقَالُ أَوْ لِغَيْرِهِ مِنَ الذَّرَائِعِ، فَإِنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَكْذِبُ.

يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ: ((وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ.

وَلَا يُعْفَى الْإِعْلَامِيُّ الْمُسْلِمُ أَنْ يَنْقُلَ كَلَامَ الْغَيْرِ بِلَا تَحَرٍّ لِصِحَّةِ الْخَبَرِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((بِئْسَ مَطِيَّةُ الْقَوْمِ [زَعَمُوا])) .

وَفِي رِوَايَةٍ: ((بِئْسَ مَطِيَّةُ الرَّجُلِ زَعَمُوا)).

وَعَلَى الْإِعْلَامِيِّ الْمُسْلِمِ أَنْ يَحْرِصَ عَلَى التَّثَبُّتِ مِنَ الْأَخْبَارِ، فَلَيْسَ كُلُّ مَا يُقَالُ حَقًّا، وَلَا كُلُّ مَا يُنْشَرُ صِدْقًا، وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} [الحجرات: 6].

وَعَلَى الْإِعْلَامِيِّ أَنْ يَأْخُذَ بِالتَّأَنِّي فِي التَّعَاطِي مَعَ الْأُمُورِ الْعِظَامِ مِمَّا تَتَعَلَّقُ بِهِ مَصْلَحَةٌ عُظْمَى لِلْأُمَّةِ، فَلَيْسَ كُلُّ مَا يُعْلَمُ فِي هَذَا الْبَابِ يُقَالُ وَلَوْ كَانَ حَقًّا وَصِدْقًا.

يَقُولُ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء: 83].

فَالطَّرِيقُ الشَّرْعِيُّ عِنْدَ وُرُودِ الْأُمُورِ الْعَامَّةِ؛ سَوَاءٌ كَانَ الْأَمْرُ يَتَعَلَّقُ بِأَمْنٍ أَوْ خَوْفٍ، أَنْ يُرَدَّ إِلَى أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ مِنَ الرُّؤَسَاءِ وَالْعُلَمَاءِ، فَمَا رَأَوُا الْمَصْلَحَةَ فِي نَشْرِهِ وَإِذَاعَتِهِ نُشِرَ، وَمَا رَأَوُا الْمَصْلَحَةَ فِي عَدَمِ نَشْرِهِ لَا يُنْشَرُ؛ حِفَاظًا عَلَى دِينِ النَّاسِ وَأَمْنِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ.

وَالنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: ((مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ)) .

وَالَّذِي يُقَدِّرُ الْخَيْرَ مِنْ عَدَمِهِ فِي الْأُمُورِ الْعِظَامِ هُمْ أُولُو الْأَمْرِ، فَالْوَاجِبُ الرُّجُوعُ إِلَيْهِمْ فِيهَا.

وَالْإِعْلَامِيُّ الْمُسْلِمُ لَا تَقْتَصِرُ مُهِمَّتُهُ عَلَى نَقْلِ الْخَبَرِ مِنْ هُنَا وَهُنَاكَ، وَلَا تَقِفُ مَسْؤُولِيَّتُهُ عِنْدَ تَحْلِيلِ الْأَخْبَارِ، كَلَّا؛ بَلْ رِسَالَةُ الْإِعْلَامِيِّ الْمُسْلِمِ تَذْهَبُ إِلَى مَا هُوَ أَبْعَدُ مِنْ هَذَا بِكَثِيرٍ، فَالْإِعْلَامِيُّ يَحْمِلُ أَعْظَمَ رِسَالَةٍ إِعْلَامِيَّةٍ يَحْمِلُهَا إِعْلَامِيٌّ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا عِنْدَمَا يَكُونُ مُسْلِمًا، إِنَّهَا رِسَالَةُ الْإِسْلَامِ الَّتِي يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَسْعَى فِي إِبْلَاغِهاَ؛ كُلٌّ عَلَى حَسَبِ قُدْرَتِهِ وَاسْتِطَاعَتِهِ.

قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً)) . أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ.

وَنَشْرُ الْإِعْلَامِيِّ الْمُسْلِمِ لِعِلْمِ الْعُلَمَاءِ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ وَبَثُّهُ فِي النَّاسِ؛ لِيُعَرِّفَهُمْ مَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَقِّ اللهِ تَعَالَى وَمَا لَا يَجُوزُ لَهُمْ فِعْلُهُ وَيَرْسُمُ لَهُمُ الْمَنْهَجَ الصَّحِيحَ فِي كُلِّ وَقْتٍ بِحَسَبِهِ.

كُلُّ هَذَا وَاجِبٌ عَلَى الْإِعْلَامِيِّ الْمُسْلِمِ، وَهِيَ رِسَالَةٌ سَامِيَةٌ لَا يُمْكِنُ لِغَيْرِ الْإِعْلَامِيِّ الْمُسْلِمِ أَنْ يَصِلَ لِدَرَجَتِهَا وَلَا يُدَانِيَهَا مَهْمَا كَانَتْ رِسَالَتُهُ الْإِعْلَامِيَّةُ.

الْإِعْلَامُ يَجِبُ أَنْ يَبُثَّ صُورَةً مُشْرِقَةً وَصَحِيحَةً لِلدِّينِ الَّذِي يَنْتَسِبُ إِلَيْهِ، وَوَاجِبٌ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ خَالِيًا مِنَ الْمُنْكَرَاتِ الْعَقَدِيَّةِ وَالْعَمَلِيَّةِ وَالْأَخْلَاقِيَّةِ، وَأَنْ يَكُونَ قُدْوَةً لِغَيْرِهِ فِي نَشْرِ الْخَيْرَاتِ، كَمَا قَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النور: 19].

وَيَقُولُ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبَرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [المائدة: 2].

وَفِي حَالِ الْفِتَنِ وَالْمِحَنِ وَاشْتِدَادِ الْأُمُورِ وَاضْطِرَابِهَا؛ يَكُونُ لِلْإِعْلَامِ وَقْعٌ كَبِيرٌ وَدَوْرٌ عَظِيمٌ فِي تَسْيِيرِ الْأَحْدَاثِ.

وَهَذَا أَمْرٌ مَعْلُومٌ فِي عَصْرِنَا هَذَا، الَّذِي بَاتَ الْإِعْلَامُ فِي حَالِ الْمُدْلَهِمَّاتِ وَعَظَائِمِ الْأُمُورِ؛ يُؤَثِّرُ تَأْثِيرًا بَالِغًا فِي نُفُوسِ النَّاسِ، بِإِثَارَتِهَا أَوْ تَثْبِيطِهَا، بِتَخْوِيفِهَا أَوْ تَأْمِينِهَا؛ لِذَا كَانَ الْوَاجِبُ الْحَذَرَ فِي التَّعَاطِي مَعَ الْأَحْدَاثِ الْجَسِيمَةِ، فَلَا تَنْقُلْ مَا يُثَبِّطُ الْمُسْلِمِينَ وَيَفُتُّ فِي عَضُدِهِمْ، وَلَا مَا يُثِيرُهُمْ وَيُرْجِفُ بِهِمْ، فَإِنَّ هَذَا مُحَرَّمٌ، وَقَدْ كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ أُنَاسٌ يَسْتَغِلُّونَ الْأَحْدَاثَ بِمِثْلِ هَذِهِ الْأُمُورِ، فَفَضَحَ اللهُ أَمْرَهُمْ وَتَوَعَّدَهُمْ.

قَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَن يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ ۗ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا ۚ لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [التوبة: 81].

وَقَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلا قَلِيلا مَّلْعُونِينَ ۖ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا} [الأحزاب: 60].

فَمَا هُوَ مَوْقِفُ الْإِعْلَامِ مِنَ الْأَحْدَاثِ الْجِسَامِ الَّتِي تُؤَثِّرُ فِي الْأُمَّةِ؟!!

إِنَّ مَوْقِفَهُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَوْقِفَ الْمُؤْمِنِ الثَّابِتِ، فَالْوَاجِبُ أَنْ يُوَجَّهَ الْإِعْلَامُ لِتَقْوِيَةِ الْإِيمَانِ فِي نُفُوسِ الْمُؤْمِنِينَ وَتَعْزِيزِ تَعَلُّقِهِمْ بِرَبِّهِمْ وَتَوَكُّلِهِمْ عَلَيْهِ.

فَهَذِهِ بَعْضُ الضَّوَابِطِ الَّتِي يَنْبَغِي أَنْ يُرَاعِيَهَا الْإِعْلَامِيُّ، وَأَنْ يَتَّقِيَ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- فِي أُمَّتِهِ.

وَيُقَالُ لِجَمِيعِ هَؤُلَاءِ: لَئِنِ احْتَفَلَ غَيْرُكُمْ وَفَرِحُوا وَتَفَاخَرُوا بِسُرْعَةِ نَقْلِ الْأَخْبَارِ صَادِقًا أَوْ كَاذِبًا، مُصِحًّا أَوْ مُسْقِمًا، لَئِنْ تَبَجَّحُوا بِنَشْرِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ بِصُنُوفِهِ؛ فَإِنَّهُ حَقِيقٌ بِكُمْ -أَيُّهَا الْإِعْلَامِيُّونَ- أَنْ تَرْفَعُوا رُؤُوسَكُمْ بِهَذَا الدِّينِ الْقَوِيمِ، الَّذِي يَبْنِي إِعْلَامًا صَادِقًا مُخْلِصًا مُقَرِّرًا لِلْحَقِّ، دَاحِضًا لِلْبَاطِلِ، نَاشِرًا لِلْفَضِيلَةِ، مُحَارِبًا لِلرَّذِيلَةِ، يَسْتَمِدُّ تَعَالِيمَهُ وَضَوَابِطَهُ مِنَ الْوَحْيِ الصَّادِقِ مِنْ كِتَابِ اللهِ وَمِنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ.

وَكُلُّ خَبَرٍ يَنْشُرُهُ الْإِنْسَانُ مِمَّا يُثِيرُ الْفِتْنَةَ أَوِ الْغَوغَاءَ, أَوْ يُثِيرُ التَّسَخُّطَ, أَوْ يُسَبِّبُ شَتْمًا أَوْ أَذِيَّةً لِأَيِّ إِنْسَانٍ بَغَيْرِ وَجْهِ حَقٍّ, أَوْ يُنَبِّهُ بَعْضَ النَّاسِ عَلَى بَابٍ مِنْ أَبوَابِ الشَّرِّ كَانُوا عَنْهُ غَافِلِينَ, لَا يُجُوزُ نَشْرُهُ، وَنَاشِرُهُ آثِمٌ, يَحْمِلُ إِثْمَ كُلِّ مَا تَسَبَّبَ بِهِ خَبَرُهُ.

وَاللهُ تَعَالَى ذَمَّ كُلَّ نَاشِرٍ  لِلْأَخْبَارِ الَّتِي تُزَعْزِعُ أَمْنَ النَّاسِ, وَتُثِيرُ الْخَوفَ وَتَدْعُوا إِلَى الْفَوْضَى فِي الْمُجْتَمَعِ؛ لِأَنَّ السُّوقَةَ وَعَامَّةَ النَّاسِ لَا يَصْلُحُونَ لِمِثْلِ هَذِهِ الْأُمُور, وَلَا لِأُمُورِ السِّيَاسَةِ, وَلَيْسَ لِعَامَّةِ النَّاسِ أَنْ يَلُوكُوا أَلسِنَتَهُمْ بِسِيَاسَةِ وُلَاةِ الْأُمُورِ.

السِّيَاسَةُ لَهَا نَاسُهَا, وَلَوْ أَنَّ السِّيَاسَةَ صَارَتْ تُلَاكُ بَيْنَ أَلسُنِ عَامَّةِ النَّاسِ لَفَسَدَتِ الدُّنْيَا؛ لِأَنَّ الْعَامِّيَّ لَيْسَ عِنْدَهُ عِلْمٌ وَلَيْسَ عِنْدَهُ عَقْلٌ.

الْعَامَّةُ لَيْسُوا كَأُولِي الْأَمْرِ وَأُولِي الرَّأْيِ وَالْمَشُورَةِ, فَلَيْسَ الْكَلَامُ فِي السِّيَاسَةِ مِنَ الْمَجَالَاتِ الْعَامَّةِ الَّتِي يَتَكَلَّمُ فِيهَا أَفْرَادُ الْمُجْتَمَعِ جَمِيعًا!!

مَن أَرَادَ أَنْ تَكُونَ الْعَامَّة مُشَارِكَةً لِوُلَاةِ الْأُمُور فِي سِيَاسَتِهَا وَفِي رَأْيِهَا وَفِكْرِهَا؛ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا, وَخَرَجَ عَنْ هَدْيِ الصَّحَابَةِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ-.

هَذَا يَدُلُّ علَى أنَّ الإنسَانَ لَا يَنبَغِي لهُ أنْ يَكُونَ مُذِيعًا, كُلَّمَا سَمِعَ عَن خَبَرٍ مِن خَوفٍ أَوْ أَمنٍ أَذَاعَهُ, بَلْ قَد يَكُونُ مِن الخَيرِ أَنْ يَكتُمَ هَذا الخَبرَ الذِي حَصَل.

إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَنَا بِحِفْظِ مَنْطِقِنَا وَبحِفْظِ أَلْسِنَتِنَا.

فَأَمْسِكْ لِسَانَكَ, وَاتَّقِ اللهَ رَبَّكَ, وَخَفْ عَلَى بَلَدِكَ.

 ((الْكَلِمَةُ أَمَانَةٌ؛ فَأَمْسِكُوا أَلْسِنَتَكُمْ!))

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ! لَوْ أَنَّنَا كَفَفْنَا عَنِ الْكَلَامِ فِيمَا لَا يَعْنِي؛ فَلَنْ نَتَكَلَّمَ؛ لِأَنَّنَا لَا نَتَكَلَّمُ فِي الْحَقِيقَةِ إِلَّا فِيمَا لَا يَعْنِينَا!

ارْجِعْ إِلَى نَفْسِكَ صَادِقًا، وَفَتِّشْ فِي نَفْسِكَ وَاعِيًا؛ وَسَتَرَى صِدْقَ مَا أَقُولُ -إِنْ شَاءَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا--.

مَا نِسْبَةُ مَا يَعْنِيكَ إِلَى مَا لَا يَعْنِيكَ فِيمَا تَتَكَلَّمُ بِهِ إِلَّا كَتَفْلَةٍ فِي بَحْرٍ، إِلَّا كَرَمْلَةٍ فِي صَحْرَاءَ جَرْدَاءَ لَا أَمَدَ لَهَا.

أَمْسِكْ لِسَانَكَ حَتَّى تَتَوَفَّرَ عَلَيْكَ طَاقَةُ عَقْلِكَ وَطَاقَةُ قَلْبِكَ؛ مِنْ فَهْمِكَ، مِنْ حِفْظِكَ، مِنْ عِلْمِكَ، مِن ذِكْرِك، مِنْ تُقَاكَ وَتَقْوَاكَ، فَهَذَا كُلُّهُ بِسَبَبِ هَذِهِ الْآفَةِ.

فَلَوْ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ.. لَوْ أنَّ كُلَّ إِنْسَانٍ -فَهَذَا نَافِعٌ لِكُلِّ إِنْسَانٍ، هَذَا مَبْدَأٌ إِنْسَانِيٌّ عَامٌّ، كَقَوْلِهِ ﷺ: ((احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ)) ، هَذَا يَنْفَعُ الْكَافِرَ وَيَنْفَعُ الْمُسْلِمَ نَفْعًا مُضَاعَفًا؛ لِأَنَّ مَا يَنْفَعُهُ بِالضَّرُورَةِ وَبِالْأَوَّلِيَّةِ يَتَعَلَّقُ بِآخِرَتِهِ، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَإِنَّهُ يَحْرِصُ عَلَى مَا يَنْفَعُهُ مِنْ أَمْرِ دُنْيَاهُ فَيَسْتَفِيدُ أَيْضًا.

فَكَذَلِكَ لَا تَتَكَلَّمْ فِيمَا لَا يَعْنِيكَ، وَفِّرْ طَاقَةَ عَقْلِكَ وَطَاقَةَ قَلْبِكَ وَاحْفَظْ عَلَى نَفْسِكَ وَقْتَكَ وَاسْتَثْمِرْهُ؛ لِأَنَّهُ مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْمَالَ فَرْعُ الْوَقْتِ، وَمَنْ تَصَدَّقَ بِالْوَقْتِ فَقَدْ تَصَدَّقَ بِالْأَصْلِ؛ لِأَنَّ الْمَالَ إِنَّمَا هُوَ حَصِيلَةُ عَمَلٍ وَبَذْلِ مَجْهُودٍ فِي وَقْتٍ، وَالْوَقْتُ هُوَ الْأَصْلُ، وَعَلَيْهِ؛ فَعَلَيْكَ أَنْ تَتَصَدَّقَ بِهَذَا الْوَقْتِ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، فِي الْإِصْلَاحِ بَيْنَ الْمُتَخَاصِمِينَ، فِي تَقْرِيبِ مَا بَيْنَ الْمُتَنَازِعِينَ، فِي بَثِّ الْعِلْمِ النَّافِعِ، فِي الدَّعْوَةِ إِلَى الْعَمَلِ الصَّالِحِ.

خَطَرُ اللِّسَانِ عَظِيمٌ، وَلَا نَجَاةَ مِنْهُ إِلَّا بِالنُّطْقِ بِالْخَيْرِ؛ فَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((لَا يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ الْعَبْدِ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ، وَلَا يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ، وَلَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ رَجُلٌ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ)) . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي ((الصَّمْتِ))، وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ.

وَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- يَقُولُ: ((يَا لِسَانُ! قُلْ خَيْرًا تَغْنَمْ، وِاسْكُتْ عَنْ شَرٍّ تَسْلَمْ مِنْ قَبْلَ أَنْ تَنْدَمَ)) .

وَقَالَ ﷺ: ((مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ)) .

فَاخْزُنْ لِسَانَكَ إِلَّا مِنْ خَيْرٍ، فَإِنَّكَ بِذَلِكَ تَغْلِبُ الشَّيْطَانَ.

نَسْأَلُ اللهَ أَنْ يُطَهِّرَنَا مِنْ آفَاتِ اللِّسَانِ كُلِّهَا, وَأَنْ يُقِيمَ أَلْسِنَتَنَا عَلَى الْجَادَّةِ مُسْتَقِيمَةً بِغَيْرِ اعْوِجَاجٍ.

اللهم احْفَظْ أَلْسِنَتَنَا مِنْ كُلِّ سُوءٍ، وَقُلُوبَنَا مِنْ كُلِّ وَارِدِ شَرٍّ.

وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ.

 

المصدر:أَمَانَةُ الْكَلِمَةِ

التعليقات


خطب مفرغة قد تعجبك


  دُرُوسٌ مُهِمَّةٌ لِعُمُومِ المُسْلِمِينَ فِي رَمَضَانَ
  هَذَا هُوَ الْإِسْلَامُ الْعَظِيمُ
  جماعة الإخوان الإرهابية
  قِصَّةُ الذَّبِيحِ وَمَظَاهِرُ الِاسْتِسْلَامِ للهِ فِي الْحَجِّ
  [ طليعة الرد على الحلبي [ الجزء الأول
  الْحِفَاظُ عَلَى الْمَالِ وَحَتْمِيَّةُ مُوَاجَهَةِ الْفَسَادِ
  الْحَجُّ بَيْنَ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَفِقْهِ الْمَنَاسِكِ
  الْإِيمَانُ وَالْعِلْمُ
  داء الخوارج ودواؤهم
  تحقيق التوحيد في الكسوف والخسوف
  • شارك

نبذة عن الموقع

موقع تفريغات العلامة رسلان ، موقع يحتوي على العشرات من الخطب والمحاضرات والمقاطع المفرغة لفضيلة الشيخ العلامة أبي عبدالله محمد بن سعيد رسلان-حفظه الله- . كما يعلن القائمون على صفحة وموقع تفريغات العلامة رسلان -حفظه الله- أن التفريغات للخطب ليست هي الشكل النهائي عند الطباعة، ولكن نحن نفرغ خطب الشيخ حفظه الله ونجتهد في نشرها ليستفيد منها طلاب العلم والدعاة على منهاج النبوة في كل أنحاء الدنيا، ونؤكد على أنَّ الخطب غير مُخرَّجة بشكل كامل كما يحدث في خطب الشيخ العلامة رسلان المطبوعة وليست الكتب المنشورة على الصفحة والموقع هي النسخة النهائية لكتب الشيخ التي تُطبع...وهذه الكتب ما هي إلا تفريغ لخطب الشيخ، غير أنَّ كتب الشيخ التي تُطبع تُراجع من الشيخ -حفظه الله- وتُخرج. والتفريغ عملٌ بشريٌ، ونحن نجتهد في مراجعة التفريغات مراجعة جيدة، فإذا وقع خطأ أو شكل الخطب كما نخرجها -إنما نُحاسب نحن عليها والخطأ يُنسب لنا وليس للشيخ -حفظه الله-.

الحقوق محفوظة لكل مسلم موقع تفريغات العلامة رسلان