تفريغ مقطع : مَن لم يحْكمْه الدينُ؛ لم يكُن له حاكمٌ سِوَى هواه وشيطانِهِ

قد يقولُ قائلٌ: حتَّى الطَّعامُ والشَّرابُ لمْ تُعْفُوهُما مِنَ الآدابِ؟!
هذهِ الآدابُ مِن لدُنْ ربِّنا, والدينُ كلُّه خُلُقٌ؛ مَنْ زادَ علَيكَ في الخُلُقِ؛ زادَ علَيكَ في الدِّينِ. 
الدِّينُ كلُّه خُلُقٌ، فَمَنْ زادَ عَليكَ في الخُلُقِ؛ زادَ عليْك في الدِّينِ, فالَّذي يتمسَّك بالدين... هُوَ أزْعَرٌ!! مُهْتَاجٌ، لا يَسْتَقِرُّ على قرارٍ! لا حِلْمَ عِندَه، وإنَّما السَّفَاهَةُ قد رُكِّبَتْ في طَبْعِهِ، وَجُبِلَ عليها؛ فَهُوَ نَزِقٌ، طَائِشٌ، مُهْتَاجٌ، مُسْتَفَزٌّ.
فَقُل لَه: مَاذَا صَنَعَ بك الدِّينُ؟
إنَّما جَاءَ الدِّينُ ليُغَيِّرَنَا، إنَّما جَاءَ الدِّينُ ليُعيدَ صِيَاغَتَنَا؛ الْكَافِرُ يَصِيرُ بهِ مُسْلِمًا، والأحْمَقُ الطَّائِشُ يَصِيرُ بهِ حليمًا رَزِينًا.
الدِّينُ يَجْعَلُ المُهْتَاجَ مُسْتَقِرًّا، الدِّينُ يجْعلُ الإنسانَ خَلْقًا جديدًا، وقدْ مرَّ أنَّ ذلك يَتَعَلَّقُ بالْجَسَدِ كمَا يتعلَّقُ بالرُّوحِ والقلْبِ والسُّلُوكِ، كمَا في حديثِ ((الصَّحِيحِ)) في شأنِ الكافرِ الذيِ قُدِّمَ له حِلابٌ وحِلابٌ وحِلَابٌ إلى سبْعَةٍ، شَرِبَ ذلك كُلَّهُ؛ فأمْسَى مِن لَيلتِهِ مُسْلِمًا، وأصبَحَ علَى ذَلك، فقُدِّمَ إليهِ حِلَابٌ فَشَرِبَهُ، وثَانٍ فَلَمْ يَسْتَتِمَّهُ، وَلمْ يَمُرَّ علَيهِ سِوَى سوادِ اللَّيْلِ، فَذُكِرَ ذَلك لرَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ علَيهِ وَسلَّم- فقال: ((الْمُؤْمِنُ يَأْكُلُ فِي مِعًى وَاحِدٍ وَالْكَافِرُ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ ((.
كَافرٌ قَالَ: لَا إله إِلَّا الله، مُحمَّدٌ رَسولُ الله، كَانَ يَأكُلُّ فِي سَبعَةِ أَمعَاءٍ فلمَّا قَالَ: لَا إله إِلَّا الله، مُحمَّدٌ رَسولُ الله, وَصَارَ مُسلمًا مُؤمنًا يأكل في معًى واحدٍ، هل تغيَّرَتْ أمْعاؤُه؟! هَل تغيَّرتْ بطْنُهُ؟!
كَانَ بطينًا فَصارَ خَميصًا؟!!
كَانَ بدينًا سمينًا فصَار نحيفًا؟!
هُوَ هُوَ، مَا مرَّ عَليهِ سِوى سوادِ الليلِ، ولكِنَّ قَلْبَهُ تَغَيَّرَ؛ لأنَّه صارَ مُسلمًا؛ فالدِّينُ يَحْكُمُكَ، وَإذا لَم يَحْكُمْكَ الدِّينُ فاعْلمْ أنَّهُ لَيسَ لَكَ حَاكِمٌ؛ أنت مُطْلَقٌ، تَفعَلُ مَا تَشَاء كمَا تَشَاء ممَّا يَشاءُ لكَ هَواكَ والشيطانُ!!
فاتَّقِ اللهَ ربَّك، وَاحْكُمْ نفسَكَ بقَالَ اللهُ قَالَ رسُولُهُ صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّم-.
كُنْ وَقَّافًا عِند حُدودِ مَا أنزلَ اللهُ علَى رَسُولِه, وَكذَلكَ كانَ الصَّحابة، وَكانَ مِنهم وعلَى رَأسِهِم عُمرُ رِضوانُ اللهِ عَليهِ - كانَ وَقَّافًا عِندَ كِتابِ الله -كمَا قَالَ ابنُ عباسٍ -.
كَانَ عُمرُ رِضوانُ اللهِ عَليهِ - يُدني القُرَّاء وكانوا أصحابَ مَشورَتِه شَبانًا كَانوا أوْ شِيبًا؛ فَجاءَ عُيَينَة بنُ حِصن إِلَى ابنِ أخِيه, وكانَ مِن القُرَّاء ومِن أصحابِ مَشورَةِ عُمر, فَقالَ لهُ: يا ابن أخِي لكَ وَجهٌ عندَ هَذا الأمير فَاستَأذِن لِي عَليهِ؛ فَفَعَل.
فَلمَّا دَخلَ علَى عُمر قَالَ: هِي يَا ابنَ الخَطاب وَاللهِ مَا تُعطِينَا الجَزْل وَلَا تَمضِي فِينَا بِالعَدلِ؛ فَغَضِبَ عُمر!!
يَعنِي: أَذِنتُ لَكَ مِن أَجلِ أَنْ تَقولَ هَذا بَينَ يَدَي؟!
لَقد استَأذَن لَك عَلَيَّ ابنُ أَخِيك, وَهُوَ مِن أَصحَابِ المَشورَة وَمِن القُرَّاء؛ مِن أَجلِ أَن تَدخُلَ لِتَقولَ هَذا؟!
فَهَمَّ بهِ عُمر, فِعندَ ذَلكَ انتَفَضَ ابنُ أَخيهِ فَقَال: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} قَالَ ذَلكَ رَبُّنا لَنَبِيِّهِ الأَمِين, وَإنَّا هَذا مِن الجَاهِلينَ يَا أَمِيرَ المُؤمِنين.
فَسَكَن؛ عُمَر وَكَانَ وَقَّافًا عِندَ كِتابِ الله.
الغَضبُ كمَا تَعلمُون شَيءٌ يتعَلَّقُ بالجَسدِ الإنسَانيِّ, تَتغَيَّرُ فِيهِ الأمُور مِن إفرَازَاتٍ, تَتَغَيَّرُ فيهِ الأُمُور مِن الحَركَاتِ وَالسَّكَنَاتِ...
أمرٌ عضويٌ بَاعِثهُ نَفسيٌ أَوْ بَاعِثهُ عُضويٌ أَيضًا؛ وَلكِنَّهُ فِي المُنتَهَى يُتَرجَمُ إلَى أَمرٍ عُضويٍ فَاعِلٍ.
فَهَذا يَسكُنُ بآيةٍ مِن كِتابِ الله {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ {
هَذَا مِن الجَاهِلينَ يَا أَميرَ المُؤمِنينَ, أَعرِض عَنهُ, لَا يَسَعُكَ إلَّا أنْ تُعرِضَ عَنهُ؛ فَأعرِض عَنهُ.
فَكُنْ كَذلِك وَاللهُ يَرعَاكَ وَيُسدِّد علَى طَريقِ الحَقِّ خُطَاكَ, وصَلَّى اللهُ وَسلَّم علَى نَبيِّنا مُحمَّد وعلَى آلِه وَأصحَابهِ أَجمَعِين.

التعليقات


مقاطع قد تعجبك


  الدِّفَاعُ بالبُرْهَانِ عَن الشَّيْخِ عَبْدِ الله رَسْلَان
  هؤلاء يسكبون النِّفطَ على نارِ الإرهاب والتطَرُّف
  لماذا لا تتغير؟! ألا توقن أنك ستموت؟!
  رسالة إلى الخونة دُعَاة التقريب بين السُّنَّة وبين الشيعة الأنجاس
  المحاضرة السابعة: تتمة بيان أقسام المعلوم , بيان أحكام الممكن
  لقد غزت الإباحية مخادعكم معشر المسلمين
  يأتي بالرجال العراة إلى زوجته وابنته ثم يسأل لماذا ينحرفون؟!
  موَاصَلَةُ الْعَمَلِ بَعْدَ رَمَضَانَ
  أبكيكِ
  العلامة رسلان: خطورة تكفير المسلمين بلا مُوجِب
  كُفر طوائف الحكام عند الخوارج
  سقوط القاهرة... سقوط غرناطة الحديثة
  لماذا يحاربون المصريين في لقمة العيش
  معنى الكلمة الطيبة
  مقطع تاريخي : حول تعامل الإعلام مع أحداث البطرسية
  • شارك

نبذة عن الموقع

موقع تفريغات العلامة رسلان ، موقع يحتوي على العشرات من الخطب والمحاضرات والمقاطع المفرغة لفضيلة الشيخ العلامة أبي عبدالله محمد بن سعيد رسلان-حفظه الله- . كما يعلن القائمون على صفحة وموقع تفريغات العلامة رسلان -حفظه الله- أن التفريغات للخطب ليست هي الشكل النهائي عند الطباعة، ولكن نحن نفرغ خطب الشيخ حفظه الله ونجتهد في نشرها ليستفيد منها طلاب العلم والدعاة على منهاج النبوة في كل أنحاء الدنيا، ونؤكد على أنَّ الخطب غير مُخرَّجة بشكل كامل كما يحدث في خطب الشيخ العلامة رسلان المطبوعة وليست الكتب المنشورة على الصفحة والموقع هي النسخة النهائية لكتب الشيخ التي تُطبع...وهذه الكتب ما هي إلا تفريغ لخطب الشيخ، غير أنَّ كتب الشيخ التي تُطبع تُراجع من الشيخ -حفظه الله- وتُخرج. والتفريغ عملٌ بشريٌ، ونحن نجتهد في مراجعة التفريغات مراجعة جيدة، فإذا وقع خطأ أو شكل الخطب كما نخرجها -إنما نُحاسب نحن عليها والخطأ يُنسب لنا وليس للشيخ -حفظه الله-.

الحقوق محفوظة لكل مسلم موقع تفريغات العلامة رسلان