سَلَامَةُ الصَّدْرِ وَأَثَرُهَا فِي السِّلْمِ الْمُجْتَمَعِيِّ

سَلَامَةُ الصَّدْرِ وَأَثَرُهَا فِي السِّلْمِ الْمُجْتَمَعِيِّ

((سَلَامَةُ الصَّدْرِ وَأَثَرُهَا فِي السِّلْمِ الْمُجْتَمَعِيِّ))

إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّـهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ.

أَمَّا بَعْدُ:

فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّـهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.

أَمَّا بَعْدُ:

 ((مَثَلُ الْمُوَحِّدِ وَالْمُشْرِكِ))

فَيَقُولُ رَبُّنَا -جَلَّ وَعَلَا- فِي مُحْكَمِ التَّنْزِيلِ: {وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَٰذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (27) قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (28) ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا ۚ الْحَمْدُ لِلَّهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [الزمر: 26-29].

يَضْرِبُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ فِي هَذَا الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ, لَعَلَّهُ يُصَادِفُ فِي قُلُوبِهِمْ مَوَاطِنَ الذِّكْرَى فَيَعْلَمُونَ وَيَتَعَلَّمُونَ.

وَاللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ قَدْ أَنْزَلَ الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَا عِوَجَ فِيهَ وَلَا خَلَلَ فِيهِ, وَإِنَّمَا هُوَ مُسْتَقِيمٌ عَلَى قَانُونِ الْعَرَبِيَّةِ الْمَتِينِ.

ضَرَبَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ مَثَلًا لِلْمُوَحِّدِ وَالْمُشْرِكِ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، وَاسْتَنْطَقَ النَّاسَ, سَأَلَ النَّاسَ مِنْ أَجْلِ أَنْ يُجِيبُوا بِأَنْفُسِهِمْ, وَمِنْ أَجْلِ أَنْ يَنْطِقُوا بِأَلْسِنَتِهِمْ, وَلِكَيْ تَقُومَ الْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ مِنْ ذَوَاتِهِمْ, وَمِنْ إِقْرَارَاتِهِمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا}: رَجُلٌ هُوَ عَبْدٌ مَمْلُوكٌ لِشُرَكَاءَ مُتَشَاكِسِينَ, كُلٌّ يَأْمُرُ بِأَمْرٍ، وَكُلٌّ يَرْغَبُ فِي رَغْبَةٍ, وَكُلٌّ يُرِيدُ إِرَادَةً يُشَاكِسُ بِهَا الْآخَرِينَ, فَهُوَ مُوَزَّعُ الْقُوَى، مُبَدَّدُ الطَّاقَاتِ، لَا يَسْتَقِيمُ لَهُ قَدَمٌ عَلَى سَوَاءِ  الصِّرَاطِ.

 وَفِي الْمُقَابِلِ يَضْرِبُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ مَثَلًا رَجُلًا سَلَمًا؛ سَالِمًا خَالِصًا لَيْسَتْ فِيهِ شَرِكَةٌ لِأَحَدٍ سِوَى هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَمْلِكُهُ: {وَرَجُلًا سَلَمًا لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا ۚ الْحَمْدُ لِلَّهِ}.

يَقُولُ الْعُقَلَاءُ مِنَ الْمُسْتَفْهِمِينَ مِنَ الْمَسْؤُولِينَ: إِنَّهُمَا لَا يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا.

* هَذَا فِي قَلَقٍ وَضَيْعَةٍ، وَحَيْرَةٍ وَاضْطِرَابٍ، وَشَتَاتِ أَمْرٍ، لَا يَسْتَقِيمُ لَهُ عَلَى الطَّرِيقِ قَدَمٌ؛ مُبَدَّدُ الْقُوَى, مُوَزَّعُ الطَّاقَاتِ، لَا يَسْتَقِيمُ لَهُ قَلْبٌ إِلَّا مِنْ أَجْلِ أَنْ يَتَبَدَّدَ شَمْلُهُ بَعْدَ حِينٍ، وَلَا يَكَادُ يَسْتَقِرُّ عَلَى جَنْبٍ حَتَّى يُقِضَّ مَضْجَعَهُ أَمْرٌ لِسَيِّدٍ مِنْ سَادَاتِهِ الْمُتَشَاكِسِينَ.

* {وَرَجُلًا سَلَمًا لِّرَجُلٍ}: هُوَ خَالِصٌ لِهَذَا الرَّجُلِ الَّذِي وُصِفَ بِهَذِهِ الرُّجُولَةِ الْمُطْلَقَةِ: {وَرَجُلًا سَلَمًا لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا}.

لَا يَسْتَوِي الْمُوَحِّدُ الَّذِي لَا يَرَى عَلَى سَمْتِ الْأُفُقِ إِلَّا نَجْمًا وَاحِدًا, فَهُوَ يَهْدِيهِ فِي الدَّيَاجِيرِ، تَسْتَقِيمُ الْقَدَمُ عَلَى ضَوْئِهِ عَلَى سَمْتِهِ، وَتَؤُمُّهُ مِنْ أَجْلِ أَنْ يَسْتَقِيمَ عَلَى دَرْبٍ لَاحِبٍ لَا عِوَجَ فِيهِ وَلَا أَمْتَ.

وَأَمَّا الْمُشْرِكُ فَإِنَّهُ تَتَبَدَّدُهُ وَتَتَوَزَّعُهُ طَاقَاتٌ عِدَّةٌ لَا يَكَادُ يَأْتِيهِ اسْتِقْرَارٌ إِلَّا مَعَ الْقَلَقِ الْمُبِينِ, وَإِلَّا مَعَ الْحَيْرَةِ الْمُضْنِيَةِ, وَإِلَّا   مَعَ الْعَذَابِ الْأَلِيمِ.

{هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا ۚ الْحَمْدُ لِلَّهِ}.

اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ يَسُوقُ الْحَمْدَ هَا هُنَا؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ لَنَا سَمْتًا وَاحِدًا, وَجَعَلَ لَنَا سَمْتًا نَؤُمُّهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ لَا تَزِيغُ فِيهِ الْأَقْدَامُ, وَلَا تَضِلُّ فِي هَدْيِهِ الْأَفْهَامُ، وَإِنَّمَا نَمْضِي فِيهِ قُدُمًا إِلَى أَمَامَ أَمَامَ, وَالْأَعْيُنُ مُعَلَّقَاتٌ بِالنَّجْمِ الَّذِي لَا يَغِيبُ.. بِنَجْمِ هِدَايَةٍ جَعَلَهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ آتِيًا مِنْ هُنَاكَ، يَأْتِي بِهِ مُحَمَّدٌ الْأَمِينُ ﷺ.

{الْحَمْدُ لِلَّهِ}: أَنْ جَعَلَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ الْأَمْرَ أَمْرًا وَاحِدًا لَا تَتَبَدَّدُ فِيهِ الْقُوَى وَلَا تَتَوَزَّعُ فِيهِ الطَّاقَاتُ.

النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: ((مَنْ جَعَلَ الْهُمُومَ هَمًّا وَاحِدًا، هَمَّ آخِرَتِهِ؛ كَفَاهُ اللَّهُ هَمَّ دُنْيَاهُ، وَمَنْ تَشَعَّبَتْ بِهِ الْهُمُومُ فِي أَحْوَالِ الدُّنْيَا لَمْ يُبَالِ اللَّهُ فِي أَيِّ أَوْدِيَتِهَا هَلَكَ)).

((مَنْ جَعَلَ الْهُمُومَ هَمًّا وَاحِدًا)): {وَرَجُلًا سَلَمًا لِّرَجُلٍ}، ((وَمَنْ تَشَعَّبَتْ بِهِ الْهُمُومُ فِي أَحْوَالِ الدُّنْيَا)): {رَّجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ}.

أَمَّا الْأَوَّلُ؛ فَإِنَّ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ يَكْفِيهِ مَا أَهَمَّهُ مِنْ أُمُورِ دُنْيَاهُ.

 وَأَمَّا الثَّانِي؛ فَإِنَّ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ لَا يُبَالِي فِي أَيِّ وَادٍ مِنْ أَوْدِيَةِ الدُّنْيَا هَلَكَ.

يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ : ((مَنْ كَانَتِ الْآخِرَةُ هَمَّهُ جَعَلَ اللهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ، وَجَمَعَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ، وَمَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ فَرَّقَ اللهُ عَلَيْهِ شَمْلَهُ، وَجَعَلَ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللهُ لَهُ)).

((الْقَلْبُ السَّلِيمُ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ))

إِنَّ اللهَ -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ وَتَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ- ذَكَرَ الْقَلْبَ السَّلِيمَ فِي الْقُرْآنِ مَرَّتَيْنِ عِنْدَمَا قَالَ إِبْرَاهِيمُ دَاعِيًا رَبَّهُ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (87) يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الشعراء: 87-89].

إِبْرَاهِيمُ وَهُوَ مَنْ هُوَ عِنْدَ رَبِّهِ -جَلَّ وَعَلَا-، إِبْرَاهِيمُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- أَبُو الْحُنَفَاءِ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-، إِبْرَاهِيمُ يَعْلَمُ قِيمَةَ الْخِزْيِ فِي الْمَقَامِ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا- فِي الْآخِرَةِ, وَيَعْلَمُ أَنَّ الْقِيَمَ الزَّائِفَةَ, وَأَنَّ الِانْحِرَافَاتِ الْمُغْرِضَةَ, وَأَنَّ مَا يَتَوَاضَعُ عَلَيْهِ النَّاسُ مِمَّا لَا قِيمَةَ لَهُ عِنْدَ رَبِّ النَّاسِ.. كُلُّ ذَلِكَ زَائِلٌ هُنَاكَ إِذَا مَا صُفَّتِ الْأَقْدَامُ بَيْنَ يَدَيِ الْمَلِيكِ الْعَلَّامِ فِي يَوْمِ الْقِيَامَةِ فِي يَوْمِ الزِّحَامِ.

إِبْرَاهِيمُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- يَضْرَعُ إِلَى اللهِ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (87) يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ}.

إِبْرَاهِيمُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- يَعْلَمُ أَنَّ الْقِيَمَ جَمِيعَهَا زَائِلَةٌ لَا اسْتِقْرَارَ لَهَا إِلَّا مَا كَانَ مِنَ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ بِسَبَبٍ, وَإِلَّا مَا كَانَ مَوْصُولًا بِاللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ, فَعُرْوَتُهُ وُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا.

وَأَمَّا مَا دُونَ ذَلِكَ فَزَائِلٌ زَائِلٌ، وَبَاطِلٌ بَاطِلٌ، لَا قِيمَةَ لَهُ, وَلَا اسْتِقْرَارَ لَهُ.

{وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (87) يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ}: وَلَوْ كَانَ مَالًا مِنْ حَلَالٍ أُنْفِقَ فِي حَلَالٍ إِلَّا أَنْ يَكُونَ خَالِصًا لِوَجْهِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ, وَإِلَّا أَنْ يَكُونَ الْبَنُونَ مُخْلَصِينَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ, إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ، {يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}.

جَاءَ رَبَّهُ بِالْقَلْبِ السَّلِيمِ؛ لِأَنَّ اللهَ -جَلَّ وَعَلَا- قَدْ أَخْبَرَ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- قَدْ جَاءَ رَبَّهُ -جَلَّ وَعَلَا- بِقَلْبٍ سَلِيمٍ, فَإِنَّ اللهَ -جَلَّ وَعَلَا- ذَكَرَ نُوحًا -عَلَيْهِ السَّلَامُ- وَحَكَى قِصَّتَهُ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ, ثُمَّ أَتْبَعَ ذَلِكَ وَأَرْدَفَهُ بِذِكْرِ إِبْرَاهِيمَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-: {وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ (83) إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الصافات: 83-84]: إِنَّ مِنْ شِيعَةِ نُوحٍ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- عَلَى مَنْهَجِهِ فِي صَلَابَةِ التَّوْحِيدِ، وَفِي قُوَّةِ التَّمَسُّكِ بِالدِّينِ الْمَجِيدِ, وَفِي الْقِيَامِ بِأَمْرِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ تَلَقِّيًا وَعَمَلًا وَأَدَاءً لِخَلْقِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، {وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ}: مِنْ شِيعَةِ نُوحٍ فِي أُصُولِ الدِّينِ، فِي التَّوْحِيدِ، فِي أَصْلِ الدِّينِ الْمَجِيدِ، فِي أَصْلِ الْإِسْلَامِ الْحَنِيفِ الَّذِي مَا جَاءَ نَبِيٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ إِلَّا وَقَدْ جَاءَ بِهِ, كُلُّهُمْ يَأْمُرُ قَوْمَهُ أَنَّهُ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ), مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ، {اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ} [هود: 84]، وَهِيَ كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ.

{وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ (83) إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}.

ذَكَرَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ قَدْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ.

 وَانْظُرْ فِي هَذَا التَّرْتِيبِ فِي النَّظْمِ الْقُرْآنِيِّ الْمَجِيدِ؛ إِذْ يَذْكُرُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ أَنَّ إبْرَاهِيمَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- قَدْ جَاءَ رَبَّهُ, يَعْنِي: جَاءَ إِلَى رَبِّهِ, كَأَنَّمَا يَحْمِلُ قَلْبَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ, جَاءَ رَبَّهُ بِهَدِيَّةٍ يَهْدِيهَا إِلَيْهِ, وَيُلْقِيهَا بَيْنَ يَدَيْهِ, جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ, وَهِيَ اسْتِعَارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ ذَكَرَهَا اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ فِي هَذَا الْكِتَابِ الْمَجِيدِ: {إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}, وَلَمْ يَقُلِ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ: جَاءَ رَبَّهُ سَلِيمَ الْقَلْبِ, فَشَتَّانَ شَتَّانَ مَا بَيْنَهُمَا فِي اللَّفْظِ, وَفِي التَّرْكِيبِ، وَفِي الْمَعْنَى عَلَى السَّوَاءِ، {إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}: سَالِمًا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سِوَى اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

وَلَا يَنْفَعُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا الْقَلْبُ الَّذِي جَاءَ سَالِمًا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَا اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ، إِلَّا الَّذِي لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ إِلَّا اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ.

 الْقَلْبُ السَّلِيمُ الَّذِي يَعْلَمُ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَعْبُدُهُ, وَأَنَّ لَهُ أَوَامِرَ يَقِفُ عِنْدَهَا عَامِلًا، وَلَهُ نَوَاهِيًا يَقِفُ عِنْدَهَا مُنْزَجِرًا.

اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ لَا يَقْبَلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا الْقَلْبَ السَّلِيمَ الَّذِي سَلِمَ مِنْ مَرَضِ الشُّبْهَةِ, وَمِنْ مَرَضِ الشَّهْوَةِ, مِنْ مَرَضِ الشُّبْهَةِ يَعْرِضُ لِلْقَلْبِ, فَيَجْعَلُ بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ رَبِّهِ حِجَابًا مِنَ الشَّكِّ, وَمِنَ الْقَلَقِ, وَمِنَ الْحَيْرَةِ, وَمِنَ الْمُرَاجَعَةِ, وَمِنْ عَدَمِ التَّسْلِيمِ, مَرَضُ الشُّبْهَةِ زَائِلٌ هَاهُنَا عُوفِيَ مِنْهُ الْقَلْبُ السَّلِيمُ، وَمَرَضُ الشَّهْوَةِ، فَلَا أَمْرَ لَهُ مَعَ أَمْرِ اللهِ, وَلَيْسَ لَهُ مِنْ إِرَادَةٍ مَعَ إِرَادَةِ سَيِّدِهِ وَمَوْلَاهُ, وَإِنَّمَا هُوَ مُطِيعٌ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ لَا شُبْهَةَ فِي قَلْبِهِ, وَلَا شَهْوَةَ, وَإِنَّمَا تَسْلِيمُ الْقَلْبِ وَالْقَالَبِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ فِي ((سُنَنِهِ)), وَتَكَلَّمَ عَنْهُ كَلَامًا يُوحِي بِأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ فِيهِ ضَعْفٌ؛ لِأَنَّ إِسْنَادَهُ عِنْدَهُ فِيهِ رَجُلٌ مَجْهُولٌ، وَأِمَّا هُوَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ, فَبِإِسْنَادٍ حَسَنٍ كَمَا قَالَ الشَّيْخُ شَاكِرٌ -رَحِمَهُ اللهُ- يَقُولُ: وَأَقَلُّ دَرَجَاتِهِ أَنَّهُ حَسَنٌ.

عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((لَا يُبْلِغُنِي أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِي عَنْ أَحَدٍ شَيْئًا؛ فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَخْرُجَ إِلَيْكُمْ وَأَنَا سَلِيمُ الصَّدْرِ)).

وَهُوَ كَذَلِكَ ﷺ بَلْ قَلْبُهُ إِمَامُ الْقُلوبِ السَّلِيمَةِ الَّتِي سَلِمَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سِوَى اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ, وَالَّتِي لَيْسَ فِيهَا إِلَّا اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ بِمَحَبَّتِهِ, وَبِأَمْرِهِ وَنَهْيِهِ, وَبِمَعْرِفَتِهِ, وَمَحَبَّتِهِ, وَالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ, وَالْإِنَابَةِ إِلَيْهِ.

وَفِي «صَحِيحِ سُنَنِ ابْنِ مَاجَه» عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرو -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-: قِيلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: ((مَنْ أَفْضَلُ النَّاسِ؟)).

فقال ﷺ: ((كُلُّ مَخْمُومِ الْقَلْبِ صَدُوقِ اللِّسَانِ)).

 كُلُّ مَخْمُومِ الْقَلْبِ صَدُوقِ اللِّسَانِ هَذَا أَفْضَلُ النَّاسِ.

فَقَالُوا: ((يَا رَسُولَ اللهِ! صَدُوقُ اللِّسَانِ عَرَفْنَاهُ, فَمَا مَخْمُومُ الْقَلْبِ؟)).

قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((هُوَ التَّقِيُّ النَّقِيُّ الَّذِي لَا إِثْمَ فِيهِ وَلَا بَغْيَ وَلَا غِلَّ فِيهِ وَلَا حَسَدَ».

فَأَفْضَلُ الْأَعْمَالِ عِنْدَ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَأَفْضَلُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا- سَلَامَةُ الصَّدْرِ وَمَنْ كَانَ عَنِ الْغِلِّ وَالْحَسَدِ مُنَزَّهًا, وَمِنْ ذَلِكَ مُبَرَّئًا.

((انْقِسَامُ الْقُلُوبِ إِلَى صَحِيحٍ وَسَقِيمٍ وَمَيِّتٍ))

((لَمَّا كَانَ الْقَلْبُ يُوصَفُ بِالْحَيَاةِ وَضِدِّهَا، انْقَسَمَ بِحَسَبِ ذَلِكَ إِلَى هَذِهِ الْأَحْوَالِ الثَّلَاثَةِ:

 

* فَالْقَلْبُ الصَّحِيحُ: هُوَ الْقَلَبُ السَّلِيمُ الَّذِي لَا يَنْجُو يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا مَنْ أَتَى اللهَ بِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الشعراء: ٨٨ - ٨٩].

وَالسَّلِيمُ هُوَ السَّالِمُ، وَجَاءَ عَلَى هَذَا الْمِثَالِ؛ لِأَنَّهُ لِلصِّفَاتِ، كَالطَّوِيلِ وَالْقَصِيرِ وَالظَّرِيفِ.

فَالسَّلِيمُ: الْقَلْبُ الَّذِي قَدْ صَارَتِ السَّلَامَةُ صِفَةً ثَابِتَةً لَهُ، كَالْعَلِيمِ وَالْقَدِيرِ، وَأَيْضًا فَإِنَّهُ ضِدُّ الْمَرِيضِ وَالسَّقِيمِ وَالْعَلِيلِ.

وَقَدِ اخْتَلَفَتْ عِبَارَاتُ النَّاسِ فِي مَعْنَى الْقَلْبِ السَّلِيمِ، وَالْأَمْرُ الْجَامِعُ لِذَلِكَ: أَنَّهُ الَّذِي قَدْ سَلِمَ مِنْ كُلِّ شَهْوَةٍ تُخَالِفُ أَمْرَ اللهِ وَنَهْيَهُ، وَمِنْ كُلِّ شُبْهَةٍ تُعَارِضُ خَبَرَهُ، فَسَلِمَ مِنْ عُبُودِيَّةِ مَا سِوَاهُ، وَسَلِمَ مِنْ تَحْكِيمِ غَيْرِ رَسُولِهِ؛ فَسَلِمَ مِنْ مَحَبَّةِ غَيْرِ اللهِ مَعَهُ، وَمِنْ خَوْفِهِ وَرَجَائِهِ وَالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، وَالْإِنَابَةِ إِلَيْهِ، وَالذُّلِّ لَهُ، وَإِيثَارِ مَرْضَاتِهِ فِي كُلِّ حَالٍ، وَالتَّبَاعُدِ مِنْ سَخَطِهِ بِكُلِّ طَرِيقٍ.

وَهَذَا هُوَ حَقِيقَةُ الْعُبُودِيَّةِ الَّتِي لَا تَصْلُحُ إِلَّا للهِ وَحْدَهُ.

فَالْقَلْبُ السَّلِيمُ هُوَ الَّذِي سَلِمَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِغَيْرِ اللهِ فِيهِ شِرْكٌ بِوَجْهٍ مَا، بَلْ قَدْ خَلُصَتْ عُبُودِيَّتُهُ للهِ -تَعَالَى-؛ إِرَادَةً، وَمَحَبَّةً، وَتَوَكُّلًا، وَإِنَابَةً، وَإِخْبَاتًا، وَخَشْيَةً، وَرَجَاءً، وَخَلُصَ عَمَلُهُ للهِ، فَإِنَّ أَحَبَّ أَحَبَّ فِي اللهِ، وَإِنْ أَبْغضَ أَبْغضَ فِي اللهِ، وَإِنْ أَعْطَى أَعْطَى للهِ، وَإِنْ مَنَعَ مَنَعَ للهِ.

وَلَا يَكْفِيهِ هَذَا حَتَّى يَسْلَمَ مِنَ الِانْقِيَادِ وَالتَّحْكِيمِ لِكُلِّ مَنْ عَدَا رَسُولِهِ ﷺ، فَيَعْقِدُ قَلْبَهُ مَعَهُ عَقْدًا مُحْكَمًا عَلَى الِائْتِمَامِ وَالِاقْتِدَاءِ بِهِ وَحْدَهُ دُونَ كُلِّ أَحَدٍ، فِي الْأَقْوَالِ وَالْأَعْمَالِ؛ أَقْوَالِ الْقَلْبِ وَهِيَ الْعَقَائِدُ، وَأَقْوَالِ اللِّسَانِ وَهِيَ الْخَبَرُ عَمَّا فِي الْقَلْبِ، وَأَعْمَالِ الْقَلْبِ، وَهِيَ الْإِرَادَةُ، وَالْمَحَبَّةُ وَالْكَرَاهَةُ وَتَوَابِعُهَا، وَأَعْمَالِ الْجَوَارِحِ، فَيَكُونُ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ دِقِّهِ وَجِلِّهِ هُوَ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ، فَلَا يَتَقَدَّمُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِعَقِيدَةٍ وَلَا قَوْلٍ وَلَا عَمَلٍ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} [الحجرات: ١].

أَيْ: لَا تَقُولُوا حَتَّى يَقُولَ، وَلَا تَفْعَلُوا حَتَّى يَأْمُرَ.

فَهَذِهِ حَقِيقَةُ سَلَامَةِ الْقَلْبِ الَّذِي ضَمِنَتْ لَهُ النَّجَاةَ وَالسَّعَادَةَ.

* وَالْقَلْبُ الثَّانِي ضِدُّ هَذَا، وَهُوَ الْقَلْبُ الْمَيِّتُ الَّذِي لَا حَيَاةَ بِهِ، فَهُوَ لَا يَعْرِفُ رَبَّهُ، وَلَا يَعْبُدُهُ بِأَمْرِهِ وَمَا يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ، بَلْ هُوَ وَاقِفٌ مَعَ شَهَوَاتِهِ وَلَذَّاتِهِ، وَلَوْ كَانَ فِيهَا سَخَطُ رَبِّهِ وَغَضَبُهِ، فَهُوَ لَا يُبَالِي -إِذَا فَازَ بِشَهْوَتِهِ وَحَظِّهِ- رَضِيَ رَبُّهُ أَمْ سَخِطَ، فَهُوَ مُتَعَبِّدٌ لِغَيْرِ اللهِ؛ حُبًّا، وَخَوْفًا وَرَجَاءً، وَرِضًا وَسَخَطًا، وَتَعْظِيمًا وَذُلًّا، إِنْ أَحَبَّ أَحَبَّ لِهَوَاهُ، وَإِنْ أَبْغَضَ أَبْغَضَ لِهَوَاهُ، وَإِنْ أَعْطَى أَعْطَى لِهَوَاهُ، وَإِنْ مَنَعَ مَنَعَ لِهَوَاهُ، فَهَوَاهُ آثَرُ عِنْدَهُ وَأَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ رِضَا مَوْلَاهُ؛ فَالْهَوَى إِمَامُهُ، وَالشَّهْوَةُ قَائِدُهُ، وَالْجَهْلُ سَائِسُهُ، وَالْغَفْلَةُ مَرْكَبُهُ.

فَهُو بِالْفِكْرِ فِي تَحْصِيلِ أَغْرَاضِهِ الدُّنْيَوِيَّةِ مَعْمُورٌ، وَبِسَكْرَةِ الْهَوَى وَحُبِّ الْعَاجِلَةِ مَغْمُورٌ، يُنَادَى إِلَى اللهِ وَإِلَى الدَّارِ الْآخِرَةِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ، فَلَا يَسْتَجِيبُ لِلنَّاصِحِ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ؛ الدُّنْيَا تُسْخِطُهُ وَتُرْضِيهِ، وَالْهَوَى يُصِمُّهُ عَمَّا سِوَى الْبَاطِلِ وَيُعْمِيهِ؛ فَهُوَ فِي الدُّنْيَا كَمَا قِيلَ فِي لَيْلَى:

عَدُوٌّ لِمَنْ عَادَتْ وَسِلْمٌ لأهْلِهَا       =        وَمَنْ قَرَّبَتْ لَيْلَى أَحَبَّ وَقَرَّبَا

فَمُخَالَطَةُ صَاحِبِ هَذَا الْقَلْبِ سُقْمٌ، وَمُعَاشَرَتُهُ سُمٌّ، وَمُجَالَسَتُهُ هَلَاكٌ.

* وَالْقَلْبُ الثَّالِثُ: قَلْبٌ لَهُ حَيَاةٌ وَبِهِ عِلَّةٌ؛ فَلَهُ مَادَّتَانِ، تَمُدُّهُ هَذِهِ مَرَّةً وَهَذِهِ أُخْرَى، وَهُوَ لِمَا غَلَبَ عَلَيْهِ مِنْهُمَا، فَفِيهِ مِنْ مَحَبَّةِ اللهِ -تَعَالَى- وَالْإِيمَانِ بِهِ وَالْإِخْلَاصِ لَهُ وَالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ مَا هُوَ مَادَّةُ حَيَاتِهِ، وَفِيهِ مِنْ مَحَبَّةِ الشَّهَوَاتِ، وَإِيثَارِهَا، وَالْحِرْصِ عَلَى تَحْصِيلِهَا، وَالْحَسَدِ، وَالْكِبْرِ، وَالْعُجْبِ، وَحُبِّ الْعُلُوِّ فِي الْأَرْضِ بِالرِّيَاسَةِ مَا هُوَ مَادَّةُ هَلَاكِهِ وَعَطَبِهِِ، وَهُوَ مُمْتَحَنٌ بَيْنَ دَاعِيَيْنِ: دَاعٍ يَدْعُوهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ وَالدَّارِ الْآخِرَةِ، وَدَاعٍ يَدْعُوهُ إِلَى الْعَاجِلَةِ، وَهُوَ إِنَّمَا يُجِيبُ أَقْرَبَهُمَا مِنْهُ بَابًا، وَأَدْنَاهُمَا إِلَيْهِ جِوَارًا.

فَالْقَلْبُ الْأَوَّلُ حَيٌّ مُخْبِتٌ لَيِّنٌ وَاعٍ.

وَالثَّانِي يَابِسٌ مَيِّتٌ.

وَالثَّالِثُ مَرِيضٌ؛ فَإِمَّا إِلَى السَّلَامَةِ أَدْنَى، وَإِمَّا إِلَى الْعَطَبِ أَدْنَى.

وَقَدْ جَمَعَ اللهُ -سُبْحَانَهُ- بَيْنَ هَذِهِ الْقُلُوبِ الثَّلَاثَةِ فِي قَوْلِهِ: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (52) لِّيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ ۗ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (53) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ ۗ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [الحج: ٥٢-54].

فَجَعَلَ اللهُ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- الْقُلُوبَ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ ثَلَاثَةً: قَلْبَيْنِ مَفْتُونَيْنِ، وَقَلْبًا نَاجِيًا، فَالْمَفْتُونَانِ: الْقَلْبُ الَّذِي فِيهِ مَرَضٌ، وَالْقَلْبُ الْقَاسِي، وَالنَّاجِي: الْقَلْبُ الْمُؤْمِنُ الْمُخْبِتُ إِلَى رَبِّهِ؛ وَهُوَ الْمُطْمَئِنُّ إِلَيْهِ، الْخَاضِعُ لَهُ، الْمُسْتَسْلِمُ الْمُنْقَادُ)).

((صِفَاتُ الْقَلْبِ السَّلِيمِ))

((لَقَدْ أَثْنَى اللهُ -تَعَالَى- عَلَى خَلِيلِهِ بِسَلَامَةِ قَلْبِهِ، فَقَالَ: {وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ (٨٣) إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الصافات: ٨٣-٨٤].

وَقَالَ حَاكِيًا عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: {يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الشعراء: ٨٨-٨٩].

وَالْقَلْبُ السَّلِيمُ: هُوَ الَّذِي سَلِمَ مِنَ الشِّرْكِ، وَالْغِلِّ، وَالْحِقْدِ، وَالْحَسَدِ، وَالشُّحِّ، وَالْكِبْرِ، وَحُبِّ الدُّنْيَا وَالرِّيَاسَةِ، فَسَلِمَ مِنْ كُلِّ آفَةٍ تُبْعِدُهُ مِنَ اللهِ، وَسَلِمَ مِنْ كُلِّ شُبْهَةٍ تُعَارِضُ خَبَرَهُ، وَمِنْ كُلِّ شَهْوَةٍ تُعَارِضُ أَمْرَهُ، وَسَلِمَ مِنْ كُلِّ إِرَادَةٍ تُزَاحِمُ مُرَادَهُ، وَسَلِمَ مِنْ كُلِّ قَاطِعٍ يَقْطَعُ عَنِ اللهِ.

فَهَذَا الْقَلْبُ السَّلِيمُ فِي جَنَّةٍ مُعَجَّلَةٍ فِي الدُّنْيَا، وَفِي جَنَّةٍ فِي الْبَرْزَخِ، وَفِي الْجَنَّةِ يَوْمَ الْمَعَادِ.

وَلَا تَتِمُّ لَهُ سَلَامَتُهُ مُطْلَقًا حَتَّى يَسْلَمَ مِنْ خَمْسَةِ أَشْيَاءٍ:

* مِنْ شِرْكٍ يُنَاقِضُ التَّوْحِيدَ.

* وَبِدْعَةٍ تُخَالِفُ السُّنَّةَ.

* وَشَهْوَةٍ تُخَالِفُ الْأَمْرَ.

* وَغَفْلَةٍ تُنَاقِضُ الذِّكْرَ.

* وَهَوًى يُنَاقِضُ التَّجْرِيدَ وَالْإِخْلَاصَ.

وَهَذِهِ الْخَمْسَةُ حُجُبٌ عَنِ اللهِ، وَتَحْتَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا أَنْوَاعٌ كَثِيرَةٌ تَتَضَمَّنُ أَفْرَادًا لَا تَنْحَصِرُ.

وَلِذَلِكَ اشْتَدَّتْ حَاجَةُ الْعَبْدِ بَلْ ضَرُورَتُهُ إِلَى أَنْ يَسْأَلَ اللهَ أَنْ يَهْدِيَهُ الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، فَلَيْسَ الْعَبْدُ أَحْوَجَ مِنْهُ إِلَى هَذِهِ الدَّعْوَةِ، وَلَيْسَ شَيْءٌ أَنْفَعَ لَهُ مِنْهَا؛ فَإِنَّ الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ يَتَضَمَّنُ عُلُومًا وَإِرَادَاتٍ وَأَعْمَالًا وَتُرُوكًا ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً تَجْرِي عَلَيْهِ كُلَّ وَقْتٍ)).

((نِعْمَةُ سَلَامَةِ الصَّدْرِ))

سَلَامَةُ الصَّدْرِ مَطْلَبٌ شَرِيفٌ، وَخُلُقٌ عَزِيزٌ.

وَسَلَامَةُ الصَّدْرِ: طَهَارَتُهُ مِنَ الْغِلِّ وَالْحِقْدِ، وَالْبَغْيِ وَالْحَسَدِ؛ حَتَّى تَشِيعَ الْمَحَبَّةُ، وَتُرَفْرِفُ رَايَاتُ الْأُلْفَةِ وَالْمَوَدَّةِ، وَتَزُولَ الْعَدَاوَاتُ وَالشَّحْنَاءُ وَالْبَغْضَاءُ، وَالْغِلُّ وَالْحَسَدُ وَالتَّقَاطُعُ.

لِهَذَا امْتَنَّ اللهُ -تَعَالَى- عَلَى الْمُؤْمِنِينَ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ الْعَظِيمَةِ، فَقَالَ -سُبْحَانَهُ-: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا} [آل عمران: 103].

بَلِ امْتَنَّ عَلَى نَبِيِّهِ ﷺ بِأَنْ أَوْجَدَ لَهُ طَائِفَةً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ تَأَلَّفَتْ قُلُوبُهُمْ وَتَآلَفَتْ، قَالَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-: {هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (62) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ۚ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ} [الأنفال: 62-63].

مِنَّةٌ يَمْتَنُّهَا اللهُ الْمَانُّ بِالْخَيْرِ وَحْدَهُ عَلَى نَبِيِّهِ ﷺ؛ أَنْ أَوْجَدَ لَهُ طَائِفَةً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ تَآلَفَتْ قُلُوبُهُمْ وَتَأَلَّفَتْ.

لَقَدْ عَلَّقَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا- النَّجَاةَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِسَلَامَةِ الْقُلُوبِ، فَقَالَ -سُبْحَانَهُ-: {يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الشعراء: 88-89].

الْقَلْبُ السَّلِيمُ: هُوَ الَّذِي سَلِمَ مِنَ الشِّرْكِ، وَالْغِلِّ، وَالْحِقْدِ، وَالْحَسَدِ، وَالْغِشِّ، وَغَيْرِهَا مِنَ الْآفَاتِ وَالشُّبُهَاتِ وَالشَّهَوَاتِ الْمُهْلِكَاتِ.

وَالْمُؤْمِنُ يَسْأَلُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَ صَدْرَهُ سَلِيمًا لِإِخْوَانِهِ مِنْ أَنْوَاعِ الشَّحْنَاءِ كُلِّهَا، قَالَ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} [الحشر: 10]؛ لِأَنَّ عَدَمَ سَلَامَةِ الصَّدْرِ يُورِثُ الْعَذَابَ النَّفْسِيَّ لِصَاحِبِهِ، لِهَذَا كَانَتْ سَلَامَةُ الصَّدْرِ صِفَةً مِنْ صِفَاتِ أَهْلِ الْجَنَّةِ؛ فَقَدْ قَالَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ} [الأعراف: 43].

فَفِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: يُبَيِّنُ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا- أَنَّ سَلَامَةَ الصَّدْرِ وَنَقَاءَ الْقَلْبِ مِنْ أَمْرَاضِهِ -وَمِنْهَا الْغِلُّ- صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَمِيزَةٌ مِنْ مِيزَاتِهِمْ، وَنَعِيمٌ يَتَنَعَّمُونَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.

قَالَ تَعَالَى: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ} [الحجر: 47].

وَهَذَا إِخْبَارٌ مِنَ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا- أَنَّهُ يُنَقِّي قُلُوبَ سَاكِنِي الْجَنَّةِ مِنَ الْغِلِّ وَالْحِقْدِ، ذَلِكَ أَنَّ صَاحِبَ الْغِلِّ مُعَذَّبٌ بِهِ، وَلَا عَذَابَ فِي الْجَنَّةِ، لِذَلِكَ جَاءَتْ سَلَامَةُ صُدُورِ أَهْلِ الْجَنَّةِ.

((أَهَمِّيَّةُ سَلَامَةِ الصَّدْرِ))

مَا أَكْثَرَ مَا يَذْكُرُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- فِي الْقُرْآنِ الْمَجِيدِ الْإِيمَانَ مَقْرُونًا بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ!

فَمَا أَكْثَرَ مَا تَجِدُ فِي الْكِتَابِ الْعَزِيزِ: {الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}؛ لِأَنَّ الْإِيمَانَ لَيْسَ مُجَرَّدَ التَّصْدِيقِ، بَلِ الْعَمَلُ دَاخِلٌ فِي مُسَمَّى الْإِيمَانِ، وَالَّذِينَ يُخْرِجُونَ الْعَمَلَ مِنْ مُسَمَّى الْإِيمَانِ هُمُ الْمُرْجِئَةُ، وَهَؤُلَاءِ مِنْ شِرَارِ الْخَلْقِ، وَمِنْ أَضَرِّ الْفِرَقِ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ الْمَرْحُومَةِ؛ لِأَنَّهُمْ يُهَوِّنُونَ مِنْ شَأْنِ الْأَعْمَالِ، فَيَسْتَهِينُ النَّاسُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ وَفِعْلِ الْخَيْرَاتِ؛ لِأَنَّ الْإِيمَانَ هُوَ مُجَرَّدُ التَّصْدِيقِ عِنْدَهُمْ.

وَأَمَّا أَهْلُ السُّنَّةِ فَيَقُولُونَ: إِنَّ الْإِيمَانَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ.

تَسْمَعُ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ يَقُولُ لَكَ: الْعِبْرَةُ بِالْقَلْبِ! وَالَّذِينَ يُصَلُّونَ؛ يُصَلُّونَ الْفَرْضَ وَيَنْقُبُونَ الْأَرْضَ، فَيُهَوِّنُونَ مِنْ شَأْنِ الصَّلَاةِ، وَرُبَّمَا تَرَكُوهَا، وَهَذَا عَيْنُ الْإِرْجَاءِ، وَهَذَا ضَلَالٌ مُبِينٌ.

الْعَمَلُ دَاخِلٌ فِي الْإِيمَانِ، وَهُوَ مِنْ مُسَمَّى الْإِيمَانِ، وَالْإِيمَانُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ، الْإِيمَانُ: قَوْلٌ الْقَلْبِ، وَقَوْلُ اللِّسَانِ، وَعَمَلُ الْقَلْبِ، وَعَمَلُ الْجَوَارِحِ، وَعَمَلُ اللِّسَانِ -أَيْضًا-، هَذَا هُوَ الْإِيمَانُ، {الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}.

وَلَكِنَّ الْعَمَلَ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَسْتَقِيمَ إِلَّا بِسَلَامَةِ الصَّدْرِ، وَمَنْ لَمْ يَأْتِ اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ فَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ اللهِ مِنْ خَلَاقٍ، أَيْ: مِنْ نَصِيبٍ وَلَا حَظٍّ.

فَتَدُورُ الْمَسْأَلَةُ بَدْءًا عَلَى سَلَامَةِ الصَّدْرِ، وَعَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يُفَتِّشَ فِي قَلْبِهِ، وَأَنْ يُنَقِّبَ فِي أَطْوَاءِ ضَمِيرِهِ، وَأَنْ يَسْأَلَ نَفْسَهُ عَنْ دَوَافِعِهِ وَبَوَاعِثِهِ وَنِيَّاتِهِ؛ لِيَضْبِطَ عَلَى ذَلِكَ حَرَكَةَ حَيَاتِهِ.

إِنَّ سَلَامَةَ الصَّدْرِ مَعَ الْعَمَلِ الْقَلِيلِ أَجْدَى بِكَثِيرٍ مِنَ الضَّغِينَةِ فِي الْقَلْبِ وَسَخِيمَةِ الصَّدْرِ مَعَ الْعَمَلِ الْكَثِيرِ، بَلِ الْعَمَلُ -حِينَئِذٍ- كَأَنَّهُ لَا قِيمَةَ لَهُ.

وَالنَّبِيُّ ﷺ أَخْبَرَ عَنْ أَقْوَامٍ يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَعْمَالٍ بَيْضَاءَ عَظِيمَةٍ كَأَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ، وَجِبَالُ تِهَامَةَ: سِلْسِلَةٌ مِنَ الْجِبَالِ الْعَظِيمَةِ بِحِذَاءِ الْبَحْرِ الْأَحْمَرِ إِلَى الْجَنُوبِ إِلَى الْيَمَنِ، تَمْتَدُّ امْتِدَادًا طَوِيلًا، وَتَرْتَفِعُ ارْتِفَاعًا عَظِيمًا، فَهِيَ ثَقِيلَةٌ جِدًّا، فَيَأْتِي أَقْوَامٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَعْمَالٍ بَيْضَاءَ عَظِيمَةٍ كَأَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ، فَيَجْعَلُهَا اللهُ هَبَاءً مَنْثُورًا، لَا شَيْءَ!

عَنْ ثَوْبَانَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- مَوْلَى رَسُولِ اللهِ قَالَ: قَالَ ﷺ: ((لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا، فَيَجْعَلُهَا اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- هَبَاءً مَنْثُورًا)).

الصَّحَابَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- لَمْ يَكُونُوا يُفَوِّتُونَ أَمْرًا مِنَ الْأُمُورِ يُمْكِنُ أَنْ يُدَلُّوا بِهِ عَلَى خَيْرٍ إِلَّا سَأَلُوا عَنْهُ وَفَحَصُوهُ وَتَأَمَّلُوا فِيهِ؛ لِيَزْدَادُوا خَيْرًا، أَوْ لِيَنْفُوا عَنْ أَنْفُسِهِمْ شَرًّا، قَالُوا: ((يَا رَسُولَ اللهِ! صِفْهُمْ لَنَا، جَلِّهِمْ لَنَا، أَلَّا نَكُونَ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ)).

يَا رَسُولَ اللهِ! هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَأْتُونَ بِهَذِهِ الْأَعْمَالِ مِنَّا؟!

فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ، وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ، وَيَأْخُذُونَ مِنَ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ، وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلْوا بِمَحَارِمِ اللهِ انْتَهَكُوهَا)).

عُقْدَةُ الْمَسْأَلَةِ: أَنْ يَكُونَ لَكَ بَاطِنٌ كَظَاهِرِكَ، أَوْ يَكُونَ لَكَ ظَاهِرٌ كَبَاطِنِكَ، إِذَا اسْتَوَى الظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ فَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ، بِحَيْثُ إِنَّكَ إِذَا كُنْتَ وَحْدَكَ لَا تَزِيدُ فِي صَلَاتِكَ شَيْئًا عَمَّا تَكُونُ عَلَيْهِ بَيْنَ النَّاسِ، فَالَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ هُوَ الَّذِي يَرَاكَ وَأَنْتَ بَيْنَ النَّاسِ، فَلَا فَرْقَ.

لِذَلِكَ كَانَ السَّلَفُ -رَحِمَهُمُ اللهُ- يَجْعَلُونَ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ فِي أَحْوَالِ عِبَادَاتِهِمْ كَلَا شَيْءٍ، لَيْسَ لَهُمْ وُجُودٌ، حَتَّى إِنَّهُمْ نَصَحُوا الْأَئِمَّةَ عِنْدَ الصَّلَاةِ بِنَصِيحَةٍ غَالِيَةٍ، فَكَانُوا يَقُولُونَ لِلْإِمَامِ: انْظُرْ إِلَى مَنْ أَمَامَكَ وَلَا تَلْتَفِتْ إِلَى مَنْ خَلْفَكَ، لَا تُرَاعِ أَحَدًا وَرَاءَكَ، لَيْسَ وَرَاءَكَ أَحَدٌ، وَاللهُ بَيْنَكَ وَبَيْنَ قِبْلَتِكَ، فَلَا تَلْتَفِتْ فَيَلْتَفِتُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- عَنْكَ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ اسْتَقَامَ بَاطِنًا وَظَاهِرًا وَلِسَانًا.

إِذَنْ؛ أَعْمَالٌ بَيْضَاءُ عَظِيمَةٌ كَأَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ لَيْسَتْ بِشَيْءٍ يَجْعَلُهَا هَبَاءً مَنْثُورًا؛ لِأَنَّ لَهُمْ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَظَاهِرٌ يَخْتَلِفُ عَنِ الْبَاطِنِ، لَهُمْ بَيْنَ النَّاسِ حَالٌ، وَلَهُمْ مَعَ اللهِ وَحْدَهُ حَالٌ أُخْرَى.

إِذَا اسْتَوَى الظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ، فَكُنْتَ فِي الْجَلْوَةِ كَمَا أَنْتَ فِي الْخَلْوَةِ فَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ.

وَإِذَا كَانَ فِي الْجَلْوَةِ أَكْثَرَ مِمَّا هُوَ فِي الْخَلْوَةِ فَهَذَا مُنَافِقٌ سَخِيفٌ؛ أَنْ يَكُونَ فِي الظَّاهِرِ خَيْرًا مِنْهُ مِنَ الْبَاطِنِ، هَذَا مُنَافِقٌ سَخِيفٌ.

وَأَمَّا إِذَا اسْتَوَى الظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَالْجَلْوَةُ وَالْخَلْوَةُ فَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ.

 أَلَّا أَجِدَ فِي نَفْسِي عَلَى أَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمينَ غِشًّا، وَلَا أَحْسُدُهُ عَلَى خَيْرٍ أَعْطَاهُ اللهُ إِيَّاهُ!

فَتِّشْ عَنْ هَذِهِ، وَاجْتَهِدْ فِي أَنْ تُحَصِّلَ مِنْهَا مُحَصَّلًا، وَأَنْ تَأْخُذَ مِنْهَا بِنَصِيبٍ مَا اسْتَطَعْتَ، {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286].

وَعَلَيْنَا أَنْ نَجْتَهِدَ، وَاللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- إِذَا وَجَدَ مِنَّا بَذْلَ الْوُسْعِ، وَبَذْلَ الْمَجْهُودِ فَإِنَّهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- ذُو الْعَطَاءِ الَّذِي لَا يَنْفَدُ وَالْجُودِ الَّذِي لَا حَدَّ لَهُ.

وَهَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانَ؟!

فَيُجَازِينَا بِالْإِحْسَانِ إِحْسَانًا.

((خَطَرُ الْفِتَنِ عَلَى الْقُلُوبِ السَّلِيمَةِ))

النَّبِيُّ ﷺ يُخْبِرُنَا كَمَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ -أَخْرَجَ بَعْضَهُ- وَالْحَدِيثِ الَّذِي أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ -رَحِمَهُ اللهُ- عَنْ حُذَيْفَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: ((كُنَّا عِنْدَ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- فَقَالَ: ((مَنْ مِنْكُمْ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَتَحَدَّثُ عَنِ الْفِتَنِ؟)).

 فَقَالُوا: ((كُلُّنَا سَمِعْنَاهُ)) ﷺ.

 فَقَالَ عُمَرُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: ((لَيْسَ ذَلِكَ, إِنَّكُمْ تَتَحَدَّثُونَ عَنِ الْفِتَنِ فِتَنِ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَجَارِهِ وَمَالِهِ وَوَلَدِهِ, وَأَمَّا أَنَا فَأُرِيدُ الْفِتْنَةَ الَّتِي تَمُوجُ مَوْجَ الْبَحْرِ)).

 فَقَالَ حُذَيْفَةُ: ((أَنَا سَمِعْتُهُ)).

 قَالَ: ((أَنْتَ لِلَّهِ أَبُوكَ)).

 وَهِيَ إِضَافَةٌ لِلتَّكْرِيمِ وَلِلتَّشْرِيفِ, كَمَا تَقُولُ: بَيْتُ اللهِ, وَكَمَا تَقُولُ: نَاقَةُ اللهِ.

 قَالَ: ((أَنْتَ لِلَّهِ أَبُوكَ)).

 فقَالَ حُذَيْفَةُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ((تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَعَرْضِ الْحَصِيرِ عُودًا عُودًا)).

 النَّبِيُّ ﷺ يَأْتِي بِهَذَا التَّمْثِيلِ؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ عِنْدَ صُنْعِ الْحُصْرِ يَأْتُونَ بِطَاقَاتٍ مِنَ الْأَعْوَادِ, ثُمَّ يَجْعَلُ صَانِعَ الْحُصْرِ عُودًا إِلَى عُودٍ, وَعُودًا إِلَى عُودٍ.

يَقُولُ النَّبِيُّ: ((تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَعَرْضِ الْحَصِيرِ عُودًا عُودًا, فَأَىُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا -أَيْ: أُشْرِبَ الْفِتَنُ عِنْدَمَا تُعْرَضُ عَلَيْهِ- نُكِتَتْ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ, حَتَّى يَعُودَ هَذَا الْقَلْبُ أَسْوَدَ مُرْبَادًّا كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا, لاَ يَعْرِفُ مَعْرُوفًا, وَلاَ يُنْكِرُ مُنْكَرًا إِلاَّ مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ, وَأَىُّ قَلْبٍ رَدَّهَا)), رَفَضَهَا, تَأَبَّى عَلَيْهَا, اسْتَعْلَى عَلَيْهَا بِطَاعَتِهِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ, جَعَلَهَا تَحْتَ مَوَاطِئِ الْأَقْدَامِ فِي الرَّدْغَةِ فِي الْوَحْلِ فِي الرَّغَامِ, حَيْثُ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ.

((وَأَىُّ قَلْبٍ رَدَّهَا -أَيْ: رَدَّ الْفِتَنَ, وَأَعْرَضَ عَنْهَا- نُكِتَتْ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ, حَتَّى يَصِيرَ هَذَا الْقَلْبُ -الَّذِي يَرْفُضُ الْفِتَنَ وَيَرُدُّهَا- أَبْيَضَ مِثْلَ الصَّفَا, فَلاَ تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ)).

يَقُولُ حُذَيْفَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- لِعُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: ((وَإِنَّ بَيْنَكَ وَبَيْنَ هَذِهِ الْفِتَنِ -بَيْنَ الْفِتَنِ الَّتِي تَمُوجُ مَوْجَ الْبَحْرِ وَبَيْنَكَ يَا عُمَرُ- إِنَّ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا بَابًا مُغْلَقًا)).

إِنَّ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا لَبَابًا إِذَا كُسِرَ لَنْ يُغْلَقَ مِنْ بَعْدِهَا إِلَى يَوْمِ الدِّينِ!

 قَالَ: ((يُفْتَحُ الْبَابُ أَوْ يُكْسَرُ؟!)).

 قَالَ: ((بَلْ يُكْسَرُ)).

قَالَ: ((ذَاكَ أَحْرَى أَلَّا يُغْلَقَ)).

قَالُوا: ((عَلِمَ عُمَرُ الْبَابَ؟)) يَعْنِي: الَّذِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْفِتَنِ, الْبَابُ الَّذِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْفِتَنِ.

 قَالَ: ((نَعَمْ، كَمَا أَنَّ دُونَ غَدٍ اللَّيْلَةَ، إِنِّي حَدَّثْتُهُ حَدِيثًا لَيْسَ بِالْأَغَالِيطِ)).

الْبَابُ هُوَ عُمَرُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- وَكَسْرُهُ قَتْلُهُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-؛ فَإِنَّهُ لَمَّا قُتِلَ شَهِيدًا عِنْدَ الْمِحْرَابِ فِي مَسْجِدِ سَيِّدِ الْأَحْبَابِ ﷺ فُتِحَ الْبَابُ كَسْرًا, فَلَا يُؤَمَّلُ أَنْ يُرَدَّ بَعْدُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُفْتَحْ, وَإِنَّمَا كُسِرَ كَسْرًا.

هَذَا هُوَ سِيَاقُ مُسْلِمٍ -رَحِمَهُ اللهُ-, وَفِيهِ يُبَيِّنُ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ الْفِتَنَ تُعْرَضُ عَلَى الْقُلُوبِ -عِبَادَ اللهِ- شَيْئًا مِنْ بَعْدِ شَيْءٍ، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ} [البقرة: 208]؛ لِأَنَّهُ يَأْتِي بِشَيْءٍ مِنْ بَعْدِ شَيْءٍ, وَلَا يَأْتِي إِلَيْكَ مُبَاشَرَةً, يُرِيدُ أَنْ يَحْمِلَكَ عَلَى ضَلَالٍ, وَإِنَّمَا يَأْتِي إِلَيْكَ بِفِتْنَةٍ, فَإِنْ رَدَدْتَهَا أَتَى مِنْ بَابٍ آخَرَ.

يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ: ((تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَعَرْضِ الْحَصِيرِ عُودًا عُودًا, فَأَىُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا)) يَعْنِي: خَالَطَتْهُ وَمَازَجَتْهُ, وَأَصْبَحَ مِنْهَا كَالشَّرَابِ فِي الْإِنَاءِ, كَمَا قَالَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ فِي حَقِّ عُبَّادِ الْعِجْلِ أَنَّهُمْ أُشْرِبُوا مَحَبَّةَ الْعِجْلِ، هَؤُلَاءِ خَالَطَتْ قُلُوبَهُمْ مَحَبَةُ الْعِجْلِ الَّذِي يُؤَلِّهُونَهُ, وَيَعْبُدُونَهُ مِنْ دُونِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

((فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا)) يَعْنِي: أُشْرِبَ الْفِتَنَ ((نُكِتَتْ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ)), فَمَا تَزَالُ تِلْكَ النُّكَتُ -أَيْ: تِلْكَ النُّقَطُ- تَتَرَاكَمُ فِي الْقَلْبِ ((حَتَّى يَصِيرَ مُرْبَادًّا)), فِيهِ شَيْءٌ مِنْ سَوَادٍ مُخَالِطٍ لِشَيْءٍ مِنْ بَيَاضٍ, وَلَكِنَّهُ لَا يَصِيرُ إِلَى أَيِّهِمَا, كَمَا أَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ, ثُمَّ هُوَ مَنْكُوسٌ بَعْدُ, يَقُولُ: ((كَالْكُوزِ مُجَخِّيًّا)): فَلَا يُؤَدِّي وَظِيفَتَهُ؛ لِأَنَّ الْكُوزَ لَا يُؤَدِّي وَظِيفَتَهُ إِلَّا إِذَا كَانَ مُعْتَدِلًا, لَا يُؤَدِّي وَظِيفَتَهُ إِذَا كَانَ مَنْكُوسًا،  وَكَذَلِكَ الْقَلْبُ الَّذِي أُشْرِبَ الْفِتَنَ.

يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ, وَعِنْدَئِذٍ يَأْتِيهِ آفَتَانِ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَتَعَامَلَ مَعَ أَيَّتِهِمَا،  يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ: ((لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا, وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ)), فَإِنَّهُ تَنْعَكِسُ عِنْدَهُ الْآيَاتُ, وَيَجْعَلُ أَمْرَ نَبِيِّهِ ﷺ مَحْكُومًا بِأَمْرِ هَوَاهُ, لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا, وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ.

وَفِي الْمُقَابِلِ قَلْبٌ أَبْيَضُ مُزْهِرٌ بِنُورِ الْإِيمَانِ وَجَلَالِ التَّوْحِيدِ وَاتِّبَاعِ النَّبِيِّ الْكَرِيمِ ﷺ تُنْكَتُ فِيهِ النُّكْتَةُ الْبَيْضَاءُ؛ لِأَنَّهُ يَرُدُّ الْفِتَنَ؛ لِأَنَّهُ كَالصَّفَا, كَالصَّخْرَةِ الصَّمَّاءِ, تَزِلُّ عَنْهَا قَطَرَاتُ الْمَاءِ .

وَأَمَّا الْقَلْبُ الْمَنْكُوسُ فَإِنَّهُ قَلْبٌ كَالْإِسْفِنْجَةِ, يَتَشَرَّبُ أَيَّ شَيْءٍ مِنْ أَيِّ وَسَطٍ وُضِعَ فِيهِ, فَلَوْ وُضِعَ فِي وَسَطِ الْبَوْلِ لِتَشَرَّبَهُ, وَلَوْ وُضِعَ فِي وَسَطِ الْقَاذُورَاتِ لَتَشَرَّبَهَا, قَلْبٌ تُؤَثِّرُ فِيهِ الْآفَاتُ, وَتُحِيطُ بِهِ الْفِتَنُ مِنْ جَمِيعِ الْجَنَبَاتِ.

وَأَمَّا الْقَلْبُ الْآخَرُ كَالسِّرَاجِ الْمُزْهِرِ, تَزِلُّ عَنْهُ كُلُّ مَا يُمْكِنُ أَنْ تَأْتِيَهُ مِنْ قَطَرَاتٍ بِقَدَرِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ذِي الرَّحَمَاتِ رَبِّ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتِ.

((اللهُ يُرِيدُ قُلُوبًا سَلِيمَةً))

عِبَادَ اللهِ! إِنَّ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ يُرِيدُ قُلُوبًا سَلِيمَةً, إِنَّ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ يَضَعُ الْإِنْسَانَ فِي إِشْكَالِيَّةِ الْإِنْسَانِ: كَيْفَ تَصِيرُ وَأَنْتَ فِي وَسَطِ الْحَمْأَةِ طَاهِرًا؛ طَاهِرَ الذَّيْلِ وَطَاهِرَ الْقَلْبِ, وَطَاهِرَ الضَّمِيرِ, وَعَفَّ الْجَنَانِ؟!

كَيْفَ تَصِيرُ وَأَنْتَ تَحُوطُكَ وَتَنُوشُكَ الْأَحْقَادُ, كَيْفَ تَصِيرُ عَلَى قَدَمِ نَبِيِّكَ ﷺ قَائِمًا وَسَائِرًا؟!

كَيْفَ تَسِيرُ وَالْمُجْتَمَعُ يُحِيطُكَ بِآفَاتِهِ مِنْ كُلِّ صَوْبٍ وَيَنُوشُكَ بِرِمَاحِ آفَاتِهِ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ؟!

 كَيْفَ تَصِيرُ فِي مَهَبِّ الرِّيَاحِ الْأَرْبَعِ مُتَمَسِّكًا بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى؛ لِأَنَّكَ تَعْرِفُ طَرِيقَكَ وَلِأَنَّكَ تَجْعَلُ الْقَدَمَيْنِ عَلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ؟!

هَذِهِ الْإِشْكَالِيَّةُ الْعَظِيمَةُ الَّتِي جَعَلَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ فِيهَا الْإِنْسَانَ بِمَا حَمَّلَهُ مِنَ الْأَمَانَةِ أَمَانَةِ التَّكْلِيفِ: بِـ(افْعَلْ) وَ (لَا تَفْعَلْ), حَيْثُ رَفَضَتْهَا وَأَشْفَقَتْ مِنْهَا الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَالسَّمَاوَاتُ، وَحَمَلَهَا الْإِنَسانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا.. هَذِهِ الْإِشْكَالِيَّةُ الْعَظِيمَةُ.. أَنْ تَحْتَفِظَ بِنَقَائِكَ وَبِطَهَارَتِكَ وَأَنْتَ فِي وَسَطِ الْحَمْأَةِ!

أَنْ تُحَافِظَ عَلَى نَظَافَةِ ثَوْبِكَ وَجَنَانِكَ وَبَدَنِكَ وَضَمِيرِكَ وَفُؤَادِكَ وَأَنْتَ فِي وَسَطِ بَوْلٍ وَعَذُرَةٍ وَقَاذُورَاتٍ مِمَّا يَنُوشُكَ مِنْ أَلْسِنَةِ النَّاسِ, وَتَعَامُلَاتِ النَّاسِ, وَأَنْتَ تَأْخُذُ بِالْقَانُونِ الْأَكْبَرِ الَّذِي قَالَهُ الْمُتَقَدِّمُونَ مِنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ الصَّالِحِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ-: ((مَا عَاقَبْتَ مَنْ عَصَى اللهَ فِيكَ بِمِثْلِ أَنْ تُطِيعَ اللهَ فِيهِ)).

يَقُولُ النَّبِيُّ الْأَكْرَمُ ﷺ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَى صِحَّتِهِ مِنْ رِوَايَةِ أَنَسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: ((لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ)).

 سُبْحَانَ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ! ((لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ)).

كَيْفَ؟!!

فِي مِثْلِ هَذِهِ الظُّرُوفِ وَفِي مِثْلِ هَذِهِ الْمُقَدَّرَاتِ: أَتُحِبُّ لِأَخِيكَ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ؟!

دُونَهَا خَرْطُ الْقَتَادِ!

بَلْ, إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: ((لَا يَبْلُغُ الرَّجُلُ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ حَتَّى يُحِبَّ لِلنَّاسِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ)). وَهَذَا السِّيَاقُ عِنْدَ ابْنِ حِبَّانَ, وَهُوَ صَحِيحٌ -إِنْ شَاءَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ-.

 ((لَا يَبْلُغُ الْعَبْدُ.. لَا يَبْلُغُ الرَّجُلُ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ حَتَّى يُحِبَّ لِلنَّاسِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ)): حَتَّى يُحِبَّ لِلنَّاسِ -مُطْلَقَ النَّاسِ-, يُحِبَّ لَهُمْ مَا يُحِبُّهُ لِنَفْسِهِ.

أَمَّا الْكَافِرُ فَيُحِبُّ لَهُ أَنْ يُؤْمِنَ, وَأَنْ يُسْلِمَ زِمَامَهُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ؛ لِأَنَّهُ كَذَلِكَ كَانَ الْأَمِينُ الْأَكْبَرُ ﷺ حَتَّى عَاتَبَهُ رَبُّهُ -جَلَّ وَعَلَا- مِنْ شِدَّةِ حِرْصِهِ وَمِنْ سُوءِ مَا يَجِدُ مِنْ أَلَمِ الْحُزْنِ الْمُمِضِّ بِجَنْبِهِ حُزْنًا عَلَيْهِمْ أَنَّهُمْ يَسِيرُونَ بِأَقْدَامِهِمْ إِلَى حَيْثُ هَاوِيَةُ النَّارِ وَبِئْسَ الْقَرَارُ.

اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ يَقُولُ لِلنَّبِيِّ ﷺ: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَٰذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا} [الكهف: 6].

لَعَلَّكَ قَاتِلٌ نَفْسَكَ حُزْنًا وَغَمًّا عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يُرِيدُونَ الْإِيمَانَ, وَيَرْفُضُونَ الْإِسْلَامَ, وَيُرِيدُونَ الْكُفْرَانَ, وَيَرُدُّونَ أَمْرَ الرَّحِيمِ الرَّحْمَنِ, وَيَرُدُّونَ فِي وَجْهِ النَّبِيِّ الْعَدْنَانِ ﷺ وَيَجْعَلُونَ أَيْدِيَهُمْ فِي فَمِ النَّبِيِّ ﷺ، {يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} [الصف: 8]، {وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [الصف: 9].

((حَتَّى يُحِبَّ لِلنَّاسِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ))..

تُحِبُّ لِلْكَافِرِ الْإِسْلَامَ, تَحِبُّ لِلْعَالَمِ أَنْ يُطْبِقَ عَلَى قَوْلِ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ), تَأْخُذُهُمْ فِي الْأَغْلَالِ مِنْ أَجْلِ أَنْ تُدْخِلَهُمُ الْجَنَّةَ دَارَ السَّلَامِ, كَذَلِكَ شَأْنُ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ.

أَتَرَى هَاهُنَا ظِلًّا لِغِلٍّ؟!

أَتَرَى هَاهُنَا بَقِيَّةً مِنْ حَسَدٍ؟!

أَتَرَى هَاهُنَا أَثَارَةً مِنْ حِقْدٍ؟!

 كَلَّا وَاللَّهِ, وَإِنَّمَا هُوَ قَلْبٌ خَالِصٌ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ؛ لِأَنَّ الْقَلْبَ الَّذِي يَنْطَوِي عَلَى أَيِّ شَائِبَةٍ مِنْ حَسَدٍ، أَوْ أَيِّ شَائِبَةٍ مِنْ حِقْدٍ, أَوْ أَيِّ أَثَارَةٍ مِنْ غِلٍّ, أَوْ أَيِّ أَثَارَةٍ مِنْ دَغَلٍ.. كُلُّ ذَلِكَ لَا يَسْتَقِيمُ مَعَ الْقَلْبِ السَّلِيمِ الَّذِي لَا يُنْقَذُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ النَّارِ إِلَّا هُوَ, وَلَا يَنْجُو مِنَ الْعَذَابِ إِلَّا هُوَ -بِرَحْمَةِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ-.

((أَسْبَابُ حَيَاةِ الْقَلْبِ وَسَلَامَةِ الصَّدْرِ))

عِبَادَ اللهِ! لَا بُدَّ مِنَ الْبَحْثِ عَنِ الْأَسْبَابِ الَّتِي تُؤَدِّي إِلَى سَلَامَةِ الصَّدْرِ؛ أَنْ تَكُونَ سَلِيمَ الصَّدْرِ، لَا تَحْمِلُ فِي نَفْسِكَ غِشًّا وَلَا غِلًّا وَلَا حَسَدًا وَلَا حِقْدًا، وَلَا ضَغِينَةً وَلَا دَسِيسَةً لِأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ، وَهَذَا مَقَامٌ مُتَفَرِّدٌ.

وَأَسْبَابُ سَلَامَةِ الصَّدْرِ كَثِيرَةٌ، وَكُلُّهَا دَلَّ عَلَيْهَا كِتَابُ رَبِّنَا وَسُنَّةِ نَبِيِّنَا ﷺ.

* أَعْظَمُ أَسْبَابِ طَهَارَةِ الْقَلْبِ وَسَلَامَةِ الصَّدْرِ: التَّوْحِيدُ، وَمُجَانَبَةُ الشِّرْكِ.

كَيْفَ يَصْلُحُ الْقَلْبُ؟

يَصْلُحُ الْقَلْبُ بِالْخُلُوصِ مِنَ الشِّرْكِ، وَالْبِدْعَةِ، وَالْحِقْدِ، وَمَذْمُومِ الْخِصَالِ.. هَذَا صَلَاحُ الْقَلْبِ.

وَالنَّبِيُّ ﷺ رَتَّبَ الْجَزَاءَ عَلَى الشَّرْطِ: «إِذَا صَلَحَتْ؛ صَلَحَ».

«أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً -قِطْعَةٌ مِنَ اللَّحْمِ بِمِقْدَارِ مَا يُمْضَغُ -صَغِيرَةٌ هِيَ-، إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ؛ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ».

هُنَا جَزَاءٌ قَدْ رُتِّبَ عَلَى شَرْطِهِ؛ فَلَا صَلَاحَ إِلَّا بِصَلَاحٍ، لَا صَلَاحَ لِلْجَسَدِ لَا صَلَاحَ لِلْحَيَاةِ إِلَّا بِصَلَاحِ الْقَلْبِ -كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ-، وَإِذَا فَسَدَ الْقَلْبُ فَسَدَ الْجَسَدُ وَفَسَدَتِ الْحَيَاةُ.

كَيْفَ صَلَاحُ الْقَلْبِ -إِذَنْ-؟!

بِخُلُوصِهِ مِنَ الشِّرْكِ، وَخُلُوصِهِ مِنَ الْبِدْعَةِ، وَخُلُوصِهِ مِنَ الْحِقْدِ وَمَذْمُومِ الْخِصَالِ.

فعِنْدَمَا يَمْتَلِئُ الْقَلْبُ بِتَوْحِيدِ الرَّبِّ وَمَعْرِفَتِهِ -سُبْحَانَهُ- بِأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى وَصِفَاتِهِ الْعُلَى، وَيَمْتَلِئُ الْقَلْبُ بِالْيَقِينِ بِوَعْدِهِ، وَالثِّقَةِ بِحِكْمَتِهِ وَانْتِظَارِ رَحْمَتِهِ؛ فَإِنَّ كُلَّ ذَلِكَ يُضْفِي عَلَى الْقَلْبِ صَفَاءً وَنُورًا وَطَهَارَةً تَسُلُّ بِهَا مِنَ الْقَلْبِ أَمْرَاضًا كَثِيرَةً، وَآفَاتٍ عَظِيمَةً، فَيُصْبِحُ الْقَلْبُ سَلِيمًا صَحِيحًا، وَيَنْعَمُ بِهِ صَاحِبُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، قَالَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (87) يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الشعراء: 87-89].

وَمِنْ سَلَامَةِ الْقَلْبِ: السَّلَامَةُ مِنَ الْحِقْدِ.

وَالْحِقْدُ -كَمَا عَرَّفَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ-: إِمْسَاكُ الْعَدَاوَةِ فِي الْقَلْبِ، وَالتَّرَبُّصُ لِفُرْصَتِهَا.

وَسَبَبُ الْحِقْدِ -كَمَا قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ-: مَنْ آذَاهُ شَخْصٌ بِسَبَبٍ مِنَ الْأَسْبَابِ، وَخَالَفَهُ فِي غَرَضٍ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ أَبْغَضَهُ قَلْبُهُ، وَغَضِبَ عَلَيْهِ، وَرَسَخَ فِي نَفْسِهِ الْحِقْدُ.

وَالْحِقْدُ يَقْتَضِي التَّشَفِّيَ وَالِانْتِقَامَ، فَإِنْ عَجَزَ الْمُبْغِضُ عَنْ أَنْ يَتَشَفَّى بِنَفْسِهِ أَحَبَّ أَنْ يَتَشَفَّى مِنْهُ الزَّمَانُ.

* مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ حَيَاةِ الْقَلْبِ وَسَلَامَةِ الصَّدْرِ: التَّمَسُّكُ بِكِتَابِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-؛ فَهُوَ رُوحٌ تَحْيَا بِهِ الْقُلُوبُ، وَنُورٌ تَسْتَضِيءُ وَتُشْرِقُ بِهِ، فَـ((أصْلُ كُلِّ خَيْرٍ وَسَعَادَةٍ لِلْعَبْدِ، بَلْ لِكُلِّ حَيٍّ نَاطِقٍ: كَمَالُ حَيَاتِهِ وَنُورِهِ، فَالْحَيَاةُ وَالنُّورُ مَادَّةُ الْخَيْرِ كُلِّهِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: {أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا} [الأنعام: ١٢٢].

فَجَمَعَ بَيْنَ الْأَصْلَيْنِ: الْحَيَاةِ، وَالنُّورِ، فَبِالْحَيَاةِ تَكُونُ قُوَّتُهُ، وَسَمْعُهُ، وَبَصَرُهُ، وَحَيَاؤُهُ، وَعِفَّتُهُ، وَشَجَاعَتُهُ، وَصَبْرُهُ، وَسَائِرُ أَخْلَاقِهِ الْفَاضِلَةِ، وَمَحَبَّتُهُ لِلْحُسْنِ، وَبُغْضُهُ لِلْقَبِيحِ، فَكُلَّمَا قَوِيَتْ حَيَاتُهُ قَوِيَتْ فِيهِ هَذِهِ الصِّفَاتُ، وَإِذَا ضَعُفَتْ حَيَاتُهُ ضَعُفَتْ فِيهِ هَذِهِ الصِّفَاتُ.

وَحَيَاؤُهُ مِنَ الْقَبَائِحِ هُوَ بِحَسَبِ حَيَاتِهِ فِي نَفْسِهِ، فَالْقَلْبُ الصَّحِيحُ الْحَيُّ إِذَا عُرِضَتْ عَلَيْهِ الْقَبَائِحُ نَفَرَ مِنْهَا بِطَبْعِهِ وَأَبْغَضَهَا، وَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهَا، بِخِلَافِ الْقَلْبِ الْمَيِّتِ فَإِنَّهُ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ الْحُسْنِ وَالْقَبِيحِ، كَمَا قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: ((هَلَكَ مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ قَلْبٌ يَعْرِفُ بِهِ الْمَعْرُوفَ وَالْمُنْكَرَ)).

وَكَذَلِكَ الْقَلْبُ الْمَرِيضُ بِالشَّهْوَةِ فَإِنَّهُ لِضَعْفِهِ يَمِيلُ إِلَى مَا يَعْرِضُ لَهُ مِنْ ذَلِكَ بِحَسَبِ قُوَّةِ الْمَرَضِ وَضَعْفِهِ.

وَكَذَلِكَ إِذَا قَوِيَ نُورُهُ وَإِشْرَاقُهُ انْكَشَفَتْ لَهُ صُوَرُ الْمَعْلُومَاتِ وَحَقَائِقُهَا عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ، فَاسْتَبَانَ حُسْنُ الْحَسَنِ بِنُورِهِ، وَآثَرَهُ بِحَيَاتِهِ، وَكَذَلِكَ قُبْحُ الْقَبِيحِ.

وَقَدْ ذَكَرَ -سُبْحَانَهُ- هَذَيْنِ الْأَصْلَيْنِ فِي مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِهِ، قَالَ تَعَالَى: {وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا ۚ مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَٰكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا} [الشورى: ٥٢].

فَجَمَعَ بَيْنَ الرُّوحِ الَّذِي يَحْصُلُ بِهَا الْحَيَاةُ، وَالنُّورُ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ الْإِضَاءَةُ وَالْإِشْرَاقُ، وَأَخْبَرَ أَنَّ كِتَابَهُ الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى رَسُولِهِ مُتَضَمِّنٌ لِلْأَمْرَيْنِ، فَهُوَ رُوحٌ تَحْيَا بِهِ الْقُلُوبُ، وَنُورٌ تَسْتَضِيءُ وَتُشْرِقُ بِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ} [الأنعام: ١٢٢].

أَيْ: أَوَمَنْ كَانَ كَافِرًا مَيِّتَ الْقَلْبِ، مَغْمُورًا فِي ظُلْمَةِ الْجَهْلِ، فَهَدَيْنَاهُ لِرُشْدِهِ، وَوَفَّقْنَاهُ لِلْإِيمَانِ، وَجَعَلْنَا قَلْبَهُ حَيًّا بَعْدَ مَوْتِهِ، مُشْرِقًا مُسْتَنِيرًا بَعْدَ ظُلْمَتِهِ؟! فَجَعَلَ الْكَافِرَ -لِانْصِرَافِهِ عَنْ طَاعَتِهِ، وَجَهْلِهِ بِمَعْرِفَتِهِ وَتَوْحِيدِهِ وَشَرَائِعِ دِينِهِ، وَتَرْكِهِ الْأَخْذَ بِنَصِيبِهِ مِنْ رِضَاهُ، وَالْعَمَلَ بِمَا يُؤَدِّيهِ إِلَى نَجَاتِهِ وَسَعَادَتِهِ- بِمَنْزِلَةِ الْمَيِّتِ الَّذِي لَا يَنْفَعُ نَفْسَهُ بِنَافِعَةٍ، وَلَا يَدْفَعُ عَنْهَا مِنْ مَكْرُوهٍ، فَهَدَيْنَاهُ لِلْإِسْلَامِ وَنَعَشْنَاهُ بِهِ، فَصَارَ يَعْرِفُ مَضَارَّ نَفْسِهِ وَمَنَافِعَهَا، وَيَعْمَلُ فِي خَلَاصِهَا مِنْ سَخَطِ اللهِ وَعِقَابِهِ، فَأَبْصَرَ الْحَقَّ بَعْدَ عَمَاهُ عَنْهُ، وَعَرَفَهُ بَعْدَ جَهْلِهِ بِهِ، وَاتَّبَعَهُ بَعْدَ إِعْرَاضِهِ عَنْهُ، وَحَصَلَ لَهُ نُورٌ وَضِيَاءٌ يَسْتَضِيءُ بِهِ، فَيَمْشَي بِنُورِهِ بَيْنَ النَّاسِ، وَهُمَ فيِ سَدَفِ الظَّلَامِ.

وَلِهَذَا يَضْرِبُ اللهُ -سُبْحَانَهُ- الْمَثَلَيْنِ الْمَائِيَّ وَالنَّارِيَّ لِوَحْيِهِ وَلِعِبَادِهِ.

أَمَّا الْأَوَّلُ: فَكَمَا قَالَ فِي سُورَةِ الرَّعْدِ: {أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيًا ۚ وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ ۚ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ ۚ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ ۚ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ} [الرعد: ١٧].

فَضَرَبَ لِوَحْيِهِ الْمَثَلَ بِالْمَاءِ لِمَا يَحْصُلُ بِهِ مِنَ الْحَيَاةِ، وَبِالنَّارِ لِمَا يَحْصُلُ بِهَا مِنَ الْإِضَاءَةِ وَالْإِشْرَاقِ، وَأَخْبَرَ -سُبْحَانَهُ- أَنَّ الْأَوْدِيَةَ تَسِيلُ بِقَدَرِهَا، فَوَادٍ كَبِيرٌ يَسَعُ مَاءً كَثِيرًا، وَوَادٍ صَغِيرٌ يَسَعُ مَاءً قَلِيلًا، كَذَلِكَ الْقُلُوبُ مُشْبَّهَةٌ بِالْأَوْدِيَةِ، فَقَلْبٌ كَبِيرٌ يَسَعُ عِلْمًا كَثِيرًا، وَقَلْبٌ صَغِيرٌ إِنَّمَا يَسَعُ بِقَدَرِهِ.

وَشَبَّهَ مَا تَحْتَمِلُهُ الْقُلُوبُ مِنَ الشُّبُهَاتِ وَالشَّهَوَاتِ -بِسَبَبِ مُخَالَطَةِ الْوَحْيِ لَهَا، وَإِثَارَتِهِ لِمَا فِيهَا مِنْ ذَلِكَ- بِمَا يَحْتَمِلُهُ السَّيْلُ مِنَ الزَّبَدِ، وَشَبَّهَ بُطْلَانَ تِلْكَ الشُّبُهَاتِ -بِاسْتِقْرَارِ الْعِلْمِ النَّافِعِ فِيهَا- بِذَهَابِ ذَلِكَ الزَّبَدِ، وَإِلْقَاءِ الْوَادِي لَهُ، وَإِنَّمَا يَسْتَقِرُّ فِيهِ الْمَاءُ الَّذِي بِهِ النَّفْعُ.

وَكَذَلِكَ فِي الْمَثَلِ الَّذِي بَعْدَهُ: يَذْهَبُ الْخَبَثُ الَّذِي فِي ذَلِكَ الْجَوْهَرِ، وَيَسْتَقِرُّ صَفْوُهُ.

وَأَمَّا ضَرْبُ هَذَيْنِ الْمَثَلَيْنِ لِلْعِبَادِ، فَكَمَا قَالَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَّا يُبْصِرُونَ (17) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ} [البقرة: ١٧-١٨].

فَهَذَا الْمَثَلُ النَّارِيُّ.

ثُمَّ قَالَ: {أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ} إِلَى آخِرِهِ [البقرة: ١٩].

فَهَذَا الْمَثَلُ الْمَائِيُّ.

وَالْمَقْصُودُ أَنَّ صَلَاحَ الْقَلْبِ وَسَعَادَتَهُ وَفَلَاحَهُ مَوْقُوفٌ عَلَى هَذَيْنِ الْأَصْلَيْنِ، قَالَ تَعَالَى: {إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ (69) لِّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيًّا} [يس: ٦٩-٧٠].

فَأَخْبَرَ أَنَّ الِانْتِفَاعَ بِالْقُرْآنِ وَالْإِنْذَارِ بِهِ إِنَّمَا يَحْصُلُ لِمَنْ هُوَ حَيُّ الْقَلْبِ، كَمَا قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: {إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ} [ق: ٣٧].

وَقَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} [الأنفال: ٢٤].

فَأَخْبَرَ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- أَنَّ حَيَاتَنَا إِنَّمَا هِيَ بِمَا يَدْعُونَا إِلَيْهِ الرَّسُولُ مِنَ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ، فَعُلِمَ أَنَّ مَوْتَ الْقَلْبِ وَهَلَاكَهُ بِفَقْدِ ذَلِكَ.

وَشَبَّهَ -سُبْحَانَهُ- مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لِرَسُولِهِ بِأَصْحَابِ الْقُبُورِ، وَهَذَا مِنْ أَحْسَنِ التَّشْبِيهِ؛ فَإِنَّ أَبْدَانَهُمْ قُبُورٌ لِقُلُوبِهِمْ، فَقَدْ مَاتَتْ قُلُوبُهُمْ وَقُبِرَتْ فِي أَبْدَانِهِمْ، فَقَالَ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَاءُ ۖ وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ} [فاطر: ٢٢].

وَلَقَدْ أَحْسَنَ الْقَائِلُ:

وَفِي الْجَهْلِ قَبْلَ الْمَوْتِ مَوْتٌ لِأَهْلِهِ       =        وَأَجْسَامُهُمْ قَبْلَ الْقُبُورِ قُبُورُ

وَأَرْوَاحُهُمْ فِي وَحْشَةٍ مِنْ جُسُومِهِمْ      =        وَلَيْسَ لَهُمْ حَتَّى النُّشُورِ نُشُورُ

وَلِهَذَا جَعَلَ -سُبْحَانَهُ- وَحْيَهُ الَّذِي يُلْقِيهِ إِلَى الْأَنْبِيَاءِ رُوحًا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ} [غافر: 15] فِي مَوْضَعَيْنِ مِنْ كِتَابِهِ، وَقَالَ: {وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا} [الشورى: ٥٢]؛ لِأَنَّ حَيَاةَ الْأَرْوَاحَ وَالْقُلُوبِ بِهِ.

وَهَذِهِ الْحَيَاةُ الطَّيِّبَةُ الَّتِي خَصَّ بِهَا -سُبْحَانَهُ- مَنْ قَبِلَ وَحْيَهُ، وَعَمِلَ بِهِ، فَقَالَ: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النحل: ٩٧].

فَخَصَّهُمْ -سُبْحَانَهُ- بِالْحَيَاةِ الطَّيِّبَةِ فِي الدَّارَيْنِ.

وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعًا حَسَنًا إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ} [هود: ٣].

وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً ۖ وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (41) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [النحل: ٤١-٤٢].

وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَٰذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ ۚ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ ۚ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ} [النحل: ٣٠].

فَبَيَّنَ -سُبْحَانَهُ- أَنَّهُ يُسْعِدُ الْمُحْسِنَ بِإِحْسَانِهِ فِي الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ، كَمَا أَخْبَرَ أَنَّهُ يُشْقِي الْمُسِيءَ بِإِسَاءَتِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، قَالَ تَعَالَى: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ} [طه: ١٢٤].

وَقَالَ -تَعَالَى- وَجَمَعَ بَيْنَ النَّوْعَيْنِ فَقَالَ: {فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ ۖ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ ۚ كَذَٰلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ} [الأنعام: ١٢٥].

فَأَهْلُ الْهُدَى وَالْإِيمَانِ لَهُمْ شَرْحُ الصَّدْرِ وَاتِّسَاعُهُ وَانْفِسَاحُهُ، وَأَهْلُ الضَّلَالِ لَهُمْ ضِيقُ الصَّدْرِ وَالْحَرَجِ.

وَقَالَ تَعَالَى: {أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ} [الزمر: ٢٢].

فَأَهْلُ الْإِيمَانِ فِي النُّورِ وَانْشِرَاحِ الصُّدُورِ، وَأَهْلُ الضَّلَالِ فِي الظُّلْمَةِ وَضِيقِ الصُّدُورِ.

وَالْمَقْصُودُ: أَنَّ حَيَاةَ الْقَلْبِ وَإِضَاءَتَهُ مَادَّةُ كُلِّ خَيْرٍ فِيهِ، وَمَوْتَهُ وَظُلْمَتَهُ مَادَّةُ كُلِّ شَرٍّ فِيهِ.

إِنَّهُ لَا سَعَادَةَ لِلْقَلْبِ وَلَا لَذَّةَ وَلَا نَعِيمَ وَلَا صَلَاحَ إِلَّا بِأَنْ يَكُونَ إِلَهُهُ وَفَاطِرُهُ وَحْدَهُ هُوَ مَعْبُودُهُ وَغَايَةُ مَطْلُوبِهِ، وَأَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ.

مَعْلُومٌ أَنَّ كُلَّ حَيٍّ سِوَى اللهِ -سُبْحَانَهُ- مِنْ مَلَكٍ أَوْ إِنْسٍ أَوْ جِنٍّ أَوْ حَيَوَانٍ فَهُوَ فَقِيرٌ إِلَى جَلْبِ مَا يَنْفَعُهُ وَدَفْعِ مَا يَضُرُّهُ، وَلَا يَتِمُّ لَهُ إِلَّا بِتَصَوُّرِهِ لِلنَّافِعِ وَالضَّارِّ، وَالْمَنْفَعَةُ مِنْ جِنْسِ النَّعِيمِ وَاللَّذَّةِ، وَالْمَضَرَّةُ مِنْ جِنْسِ الْأَلَمِ وَالْعَذَابِ.

فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ أَمْرَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: هُوَ الْمَحْبُوبُ الْمَطْلُوبُ الَّذِي يَنْتَفِعُ بِهِ، وَيَلْتَذُّ بِإِدْرَاكِه.

وَالثَّانِي: الْمُعِينُ الْمُوصِلُ الْمُحَصِّلُ لِذَلِكَ الْمَقْصُودِ.

وَبِإِزَاءِ ذَلِكَ أَمْرَانِ آخَرَانِ:

أَحَدُهُمَا: مَكْرُوهٌ بَغِيضٌ ضَارٌّ.

وَالثَّانِي: مُعِينٌ دَافِعٌ لَهُ عَنْهُ.

فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ أَشْيَاءٍ:

أَحَدُهَا: أَمْرٌ هُوَ مَحْبُوبٌ مَطْلُوبُ الْوُجُودِ.

الثَّانِي: أَمْرٌ مَكْرُوهٌ مَطْلُوبُ الْعَدَمِ.

الثَّالِثُ: الْوَسِيلَةُ إِلَى حُصُولِ الْمَحْبُوبِ.

الرَّابِعُ: الْوَسِيلَةُ إِلَى دَفْعِ الْمَكْرُوهِ.

فَهَذِهِ الْأُمُورُ الْأَرْبَعَةُ ضَرُورِيَّةٌ لِلْعَبْدِ، بَلْ وَلِكُلِّ حَيَوَانٍ، لَا يَقُومُ وُجُودُهُ وَصَلَاحُهُ إِلَّا بِهَا.

فَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ؛ فَاللهُ -تَعَالَى- هُوَ الَّذِي يَجِبُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمَقْصُودَ الْمَدْعُوَّ الْمَطْلُوبَ، الَّذِي يُرَادُ وَجْهُهُ، وَيُبْتَغَى قُرْبُهُ، وَيُطْلَبُ رِضَاهُ، وَهُوَ الْمُعِينُ عَلَى حُصُولِ ذَلِكَ.

وَعُبُودِيَّةُ مَا سِوَاهُ وَالِالْتِفَاتُ إِلَيْهِ وَالتَّعَلُّقُ بِهِ هُوَ الْمَكْرُوهُ الضَّارُّ، وَهُوَ الْمُعِينُ عَلَى دَفْعِهِ.

فَهُوَ -سُبْحَانَهُ- الْجَامِعُ لِهَذِهِ الْأُمُورِ الْأَرْبَعَةِ دُونَ مَا سِوَاهُ، فَهُوَ الْمَعْبُودُ الْمَحْبُوبُ الْمُرَادُ، وَهُوَ الْمُعِينُ لِعَبْدِهِ عَلَى وُصُولِهِ إِلَيْهِ وَعِبَادَتِهِ لَهُ، وَالْمَكْرُوهُ الْبَغِيضُ هُوَ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ، وَهُوَ الْمُعِينُ لِعَبْدِهِ عَلَى دَفْعِهِ عَنْهُ، كَمَا قَالَ أَعْرَفُ الْخَلْقِ بِهِ: «أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَأَعُوذُ بِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ»، وَقَالَ: «اللهم إِنِّي أَسْلَمْتُ نَفْسِي إِلَيْكَ، وَوَجَّهْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ، وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ، رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ، لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَى مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ».

 فَمِنْهُ الْمَنْجَى، وَإِلَيْهِ الْمَلْجَأُ، وَبِهِ الِاسْتِعَاذَةُ مِنْ شَرِّ مَا هُوَ كَائِنٌ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ، فَالْإِعَاذَةُ فِعْلُهُ، وَالْمُسْتَعَاذُ مِنْهُ فِعْلُهُ أَوْ مَفْعُولُهُ الَّذِي خَلَقَهُ بِمَشِيئَتِهِ.

فَالْأَمْرُ كُلُّهُ لَهُ، وَالْحَمْدُ كُلُّهُ لَهُ، وَالْمُلْكُ كُلُّهُ لَهُ، وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْهِ، لَا يُحْصِي أَحَدٌ مِنْ خَلْقِهِ ثَنَاءً عَلَيْهِ، بَلْ هُوَ كَمَا أَثْنَى عَلَى نَفْسِهِ، وَفَوْقَ كُلِّ مَا يُثْنِي عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِهِ، وَلِهَذَا كَانَ صَلَاحُ الْعَبْدِ وَسَعَادَتُهُ فِي تَحْقِيقِ مَعْنَى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: ٥]؛ فَإِنَّ الْعُبُودِيَّةَ تَتَضَمَّنُ الْمَقْصُودَ الْمَطْلُوبَ، لَكِنْ عَلَى أَكْمَلِ الْوُجُوهِ، وَالْمُسْتَعَانُ هُوَ الَّذِى يُسْتَعَانُ بِهِ عَلَى الْمَطْلُوبِ، فَالْأَوَّلُ مِنْ مَعْنَى أُلُوهِيَّتِهِ، وَالثَّانِي مِنْ مَعْنَى رُبُوبِيَّتِهِ؛ فَإِنَّ الْإِلَهَ هُوَ الَّذِي تَأْلَهُهُ الْقُلُوبُ مَحَبَّةً، وَإِنَابَةً، وَإِجْلَالًا وَإِكْرَامًا وَتَعْظِيمًا، وَذُلًّا وَخُضُوعًا، وَخَوْفًا وَرَجَاءً، وَتَوَكُّلًا، وَالرَّبُّ هُوَ الَّذِي يَرُبُّ عَبْدَهُ، فَيُعْطِيهِ خَلْقَهُ، ثُمَّ يَهْدِيهِ إِلَى مَصَالِحِهِ، فَلَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، وَلَا رَبَّ إِلَّا هُوَ، فَكَمَا أَنَّ رُبُوبِيَّةَ مَا سِوَاهُ أَبْطَلُ الْبَاطِلِ، فَكَذَلِكَ إِلَهِيَّةُ مَا سِوَاهُ.

وَقَدْ جَمَعَ اللهُ -سُبْحَانَهُ- بَيْنَ هَذَيْنِ الْأَصْلَيْنِ فِي مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِهِ، كَقَوْلِهِ: {فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ} [هود: ١٢٣].

وَقَوْلِهِ عَنْ نَبِيِّهِ شُعَيْبٍ: {وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} [هود: ٨٨].

وَقَوْلِهِ: {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ} [الفرقان: ٥٨].

وَقَوْلِهِ: {وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (8) رَّبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا} [المزمل: ٨-٩].

وَقَوْلِهِ: {قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ} [الرعد: ٣٠].

وَقَوْلِهِ عَنِ الْحُنَفَاءِ أَتْبَاعِ إِبْرَاهِيمَ: {رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [الممتحنة: ٤].

فَهَذِهِ سَبْعَةُ مَوَاضِعَ تَنْتَظِمُ هَذَيْنِ الْأَصْلَيْنِ الْجَامِعَيْنِ لِمَعْنَيَيِ التَّوْحِيدِ، اللَّذَيْنِ لَا سَعَادَةَ لِلْعَبْدِ بِدُونِهِمَا الْبَتَّةَ.

الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ اللهَ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- خَلَقَ الْخَلْقَ لِعِبَادَتِهِ، الْجَامِعَةِ لِمَعْرِفَتِهِ، وَالْإِنَابَةِ إِلَيْهِ، وَمَحَبَّتِهِ، وَالْإِخْلَاصِ لَهُ، فَبِذْكْرِهِ تَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ، وَتَسْكُنُ نُفُوسُهُمْ، وَبِرُؤْيَتِهِ فِي الْآخِرَةِ تَقَرُّ عُيُونُهُمْ، وَيَتِمُّ نَعِيمُهُمْ، فَلَا يُعْطِيهِمْ فِي الْآخِرَةِ شَيْئًا هُوَ أَحَبُّ إِلَيْهِمْ وَلَا أَقَرُّ لِعُيُونِهِمْ وَلَا أَنْعَمُ لِقُلُوبِهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَيْهِ، وَسَمَاعِ كَلَامِهِ مِنْهُ بِلَا وَاسِطَةٍ، وَلَمْ يُعْطِهِمْ فِي الدُّنْيَا شَيْئًا خَيْرًا لَهُمْ وَلَا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ، وَلَا أَقَرَّ لِعُيُونِهِمْ مِنَ الْإِيمَانِ بِهِ، وَمَحَبَّتِهِ، وَالشَّوْقِ إِلَى لِقَائِهِ، وَالْأُنْسِ بِقُرْبِهِ، وَالتَّنَعُّمِ بِذِكْرِهِ.

وَقَدْ جَمَعَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ فِي الدُّعَاءِ الَّذِي رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي «صَحِيحِهِ» وَغَيْرُهُمْ مِنْ حَدِيثِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَدْعُو بِهِ: «اللهم بِعِلْمِكَ الْغَيْبَ، وَقُدْرَتِكَ عَلَى الْخَلْقِ، أَحْيِنِي مَا عَلِمْتَ الْحَيَاةَ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي، وَأَسْأَلُكَ خَشْيَتَكَ فِي الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، وَأَسْأَلُكَ كَلِمَةَ الْحَقِّ فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَا، وَأَسْأَلُكَ الْقَصْدَ فِي الْفَقْرِ وَالْغِنَى، وَأَسْأَلُكَ نَعِيمًا لَا يَنْفَدُ، وَأَسْأَلُك قُرَّةَ عَيْنٍ لَا تَنْقَطِعُ، وَأَسْأَلُكَ الرِّضَا بَعْدَ الْقَضَاءِ، وَأَسْأَلُكَ بَرْدَ الْعَيْشِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَأَسْأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ، وَالشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ، فِي غَيْرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ، وَلَا فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ، اللهم زَيِّنَّا بِزِينَةِ الْإِيمَانِ، وَاجْعَلْنَا هُدَاةً مُهْتَدِينَ)).

فَجَمَعَ فِي هَذَا الدُّعَاءِ الْعَظِيمِ الْقَدْرِ بَيْنَ أَطْيَبِ شَيْءٍ فِي الدُّنْيَا وَهُوَ الشَّوْقُ إِلَى لِقَائِهِ -سُبْحَانَهُ-، وَأَطْيَبِ شَيْءٍ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ النَّظَرُ إِلَى وَجْهِهِ -سُبْحَانَهُ-.

وَلَمَّا كَانَ كَمَالُ ذَلِكَ وَتَمَامُهُ مَوْقُوفًا عَلَى عَدَمِ مَا يَضُرُّ فِي الدُّنْيَا وَيَفْتِنُ فِي الدِّينِ  قَالَ: ((فِي غَيْرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ، وَلَا فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ)) )).

* مِنْ أَسْبَابِ سَلَامَةِ الصَّدْرِ: الرَّغْبَةُ فِيمَا عِنْدَ اللهِ -تَعَالَى- لِمَنْ كَظَمَ غَيْظًا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران: 134].

عَنْ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: ((مَنْ كَظَمَ غَيْظًا وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنْفِذَهُ دَعَاهُ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- عَلَى رُؤُوسِ الْخَلَائِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُخَيِّرَهُ اللهُ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ مَا شَاءَ)). أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَه بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ.

وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ((الْمُؤْمِنُ الَّذِي يُخَالِطُ النَّاسَ وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ أَعْظَمُ أَجْرًا مِنَ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لَا يُخَالِطُ النَّاسَ وَلَا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ)). لَفْظُ ابْنِ مَاجَه.

وَلَفْظُ التِّرْمِذِيِّ: ((الْمُسْلِمُ إِذَا كَانَ مُخَالِطًا النَّاسَ وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ خَيْرٌ مِنَ الْمُسْلِمِ الَّذِي لَا يُخَالِطُ النَّاسَ وَلَا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ)). وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ.

* مِنْ أَسْبَابِ سَلَامَةِ الصَّدْرِ: الدُّعَاءُ بِإِذْهَابِ سَخِيمَةِ الصَّدْرِ، وَهَذَا مِنْ دُعَاءِ الْمَعْصُومِ، وَهُوَ أَطْهَرُ النَّاسِ قَلْبًا، وَأَنْقَى النَّاسِ سَرِيرَةً، وَمَعَ ذَلِكَ يَدْعُو اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- أَنْ يَسْلُلَ سَخِيمَةَ قَلْبِهِ، فَفِي الدُّعَاءِ: ((رَبِّ أَعِنِّي وَلَا تُعِنْ عَلَيَّ)). الْحَدِيثَ، فِيهِ: ((وَسَدِّدْ لِسَانِي، وَاسْلُلْ سَخِيمَةَ قَلْبِي)). أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَه بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ.

السَّخِيمَةُ مَا هِيَ؟

الْحِقْدُ.. الْحِقْدُ فِي النَّفْسِ وَالْقَلْبِ.

النَّبِيُّ ﷺ يَسْأَلُ رَبَّهُ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ قَلْبِهِ سَخِيمَةَ الصَّدْرِ، وَهُوَ مَنْ هُوَ، فَكَيْفَ بِنَا نَحْنُ؟!

نَسْأَلُ اللهَ أَنْ يُحْسِنَ خِتَامَنَا، وَأَنْ يُعَافِيَنَا.

* صَوْمُ رَمَضَانَ مَعَ صَوْمِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ يُذْهِبْنَ حِقْدَ وَغِشَّ وَوَسْوَسَةَ الصَّدْرِ.

قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:((صَوْمُ شَهْرِ الصَّبْرِ وَثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ يُذْهِبْنَ وَحَرَ الصَّدْرِ)).

وَ ((وَحَرُ الصَّدْرِ)): غِشُّهُ وَوَسَاوِسُهُ.

وَقِيلَ: الْحِقْدُ وَالْغَيْظُ.

وَقِيلَ: الْعَدَاوَةُ.

وَقِيلَ: أَشَدُّ الْغَضَبِ.

مَنْ حَافَظَ عَلَى صِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ مَعَ صِيَامِ رَمَضَانَ أَذْهَبَ اللهُ -تَعَالَى- بِإِذْنِهِ مِنْ قَلْبِهِ الْحَسَدَ وَالْغِشَّ وَالْحِقْدَ وَالْوَسَاوِسَ وَالْغَضَبَ وَالْغَيْظَ.

فَهَذِهِ مِنْ أَعْظَمِ الْوَسَائِلِ لِسَلَامَةِ الصَّدْرِ.

* طَهَارَةُ الْقَلْبِ وَسَلَامَتُهُ مِنَ الْغِلِّ وَالْحَسَدِ مِنْ أَسْبَابِ السَّلَامَةِ، وَهَذَا أَسَاسٌ فِي سَلَامَةِ الصَّدْرِ؛ فَيَجِبُ إِخْرَاجُ دَغَلِ الْقَلْبِ مِنَ الصِّفَاتِ الْمَذْمُومَةِ الَّتِي تُوجِبُ ضِيقَهُ وَعَذَابَهُ، كَالْحَسَدِ، وَالْبَغْضَاءِ، وَالْغِلِّ وَالْعَدَاوَةِ وَالشَّحْنَاءِ، وَالْبَغْيِ.

وَلِهَذَا أَمْثِلَةٌ كَثِيرَةٌ، مَا أَخْبَرَ اللهُ بِهِ عَنْ أَصْحَابِ نَبِيِّهِ ﷺ، وَبَيَّنَ -سُبْحَانَهُ- سَلَامَةَ صُدُورِهِمْ مِنَ الْغِلِّ وَالْحَسَدِ، {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (8) وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9) وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} [الحشر: 8-10].

{وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا}: لَا يَجِدُ الْأَنْصَارُ فِي أَنْفُسِهِمْ حَسَدًا لِلْمُهَاجِرِينَ فِيمَا فَضَّلَهُمُ اللهُ بِهِ مِنَ الْمَنْزِلَةِ وَالشَّرَفِ وَالتَّقْدِيمِ فِي الذِّكْرِ وَالرُّتْبَةِ.

كَذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ يُوَضِّحُ لَنَا فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَحَادِيثِ أَنَّ الْقَلْبَ التَّقِيَّ هُوَ الَّذِي يَفُوزُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَيُنَجِّيهِ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- مِنْ كُلِّ خَطَرٍ وَمِنْ كُلِّ سُوءٍ.

النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: ((دَبَّ إِلَيْكُمْ دَاءُ الْأُمَمِ قَبْلَكُمُ؛ الْحَسَدُ وَالْبَغْضَاءُ، وَهِيَ الْحَالِقَةُ، لَا أَقُولَ تَحْلِقُ الشَّعْرَ، وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! لَا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَفَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِمَا يُثَبِّتُ ذَلِكَ لَكُمْ؛ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ)). أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ.

* تُخْلِصُ الْعَمَلَ للهِ، وَتُنَاصِحُ أَئِمَّةَ الْمُسْلِمِينَ، وَتَلْزَمُ جَمَاعَتَهُمْ.

((نَضَّرَ اللهُ امْرَءًا سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا، وَحَفِظَهَا وَبَلَّغَهَا، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ، ثَلَاثٌ لَا يُغِلُّ عَلَيْهِنَّ قَلْبُ مُسْلِمٍ: إِخْلَاصُ الْعَمَلِ للهِ، وَمُنَاصَحَةُ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَلُزُومُ جَمَاعَتِهِمْ؛ فَإِنَّ الدَّعْوَةَ تُحِيطُ مِنْ وَرَائِهِمْ -وَفِي رِوَايَةٍ: مَنْ وَرَاءَهُمْ)). أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ.

* سَلَامَةُ الصَّدْرِ هِيَ الْأَصْلُ، وَهِيَ سَبَبُ النَّجَاةِ، وَهِيَ سَبَبُ قَبُولِ الْأَعْمَالِ، وَكُلُّ ذَلِكَ إِنَّمَا يَتَحَصَّلُ عَلَيْهِ الْمَرْءُ بِـ(الْمُجَاهَدَةِ).

وَقَدِيمًا قَالُوا: لَا يَكُونُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْمَوْتِ الْأَبْيَضِ -يَعْنُونَ بِهِ: الْجُوعَ-، أَنْ تُقَلِّلَ مِنَ الطَّعَامِ، وَكَذَلِكَ مِنَ الْكَلَامِ، وَأَنْ تُقَلِّلَ مِنْ فُضُولِ النَّظَرِ، فَلَا تَنْظُرْ إِلَّا إِلَى مَا يَنْفَعُكَ وَمَا يَعُودُ عَلَيْكَ نَفْعُهُ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَلَا تُطْلِقْ نَظَرَكَ رَائِدًا هُنَا وَهُنَالِكَ يَجْلِبُ إِلَيْكَ الْمَتَاعِبَ، وَيُحِلُّ بِكَ مَا لَا يُحِبُّهُ اللهُ وَلَا يَرْضَاهُ مِنَ الذُّنُوبِ وَالْآثَامِ.

فِي وَقْتٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ لَمْ يَكُنْ هُنَالِكُ مَزِيدُ عِلْمٍ، وَلَكِنْ كَانَتْ هُنَالِكَ سَلَامَةُ صَدْرٍ، فَكَانَ الْعَمَلُ عَلَى قَدْرِ هَذَا الْعِلْمِ الْقَلِيلِ، وَلَكِنْ كَانَ لَهُ مَذَاقٌ فُقِدَ، وَصَارَ الْإِنْسَانُ بِحَيْثُ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَنْثُرَ مَكْنُونَ قَلْبِهِ وَمَخْبُوءَ ضَمِيرِهِ، وَسَرِيرَةَ نَفْسِهِ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ، حَتَّى هَذِهِ صَارَ الْقَلْبُ كَأَنَّهُ صَخْرَةٌ صَمَّاءُ، لَا تَسْتَجِيبُ لِشَيْءٍ، وَهَذَا أَمْرٌ مُفْظِعٌ، وَأَمْرٌ مَخُوفٌ، وَيَحْيَا بِهِ الْإِنْسَانُ عَلَى مَخَافَةٍ أَنْ يَلْقَى اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- بِهِ وَهُوَ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ.

((سَلَامَةُ الصَّدْرِ مُجَسَّدَةٌ))

عِبَادَ اللهِ! إِنَّ الْمَرْءَ لَيَتَأَمَّلُ مَلِيًّا, وَيَقِفُ مَاكِثًا مُكْثًا طَوِيلًا, بَلْ يَثْوِي ثَوَاءً مُسْتَمِرًّا عِنْدَ هَذَا الْمَعْنَى وَحْدَهُ يَتَأَمَّلُ فِيهِ, كَيْفَ يَكُونُ الْقَلْبُ سَلِيمًا مِمَّا سِوَى اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، سَالِمًا لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ؟!

 كَيْفَ؟!

كَيْفَ بِاللَّهِ عَلَيْكَ؟!

أَتَسْتَطِيعُ أَنْ تَأْتِيَ بِالْوَصْفَةِ الَّتِي يُمْكِنُ لِلْمَرْءِ بِهَا أَنْ يَكُونَ سَلِيمَ الْقَلْبِ حَتَّى يُنْقَذَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْعَذَابِ بِالنِّيرَانِ, وَحَتَّى يَحْيَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَأْتِي بِمَا يُحِبُّهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَيَرْضَاهُ؟!

كَيْفَ وَالْقُلُوبُ مُنْطَوِيَةٌ عَلَى مَا هِيَ مُنْطَوِيَةٌ عَلَيْهِ مِنَ الْغِلِّ, وَمِنَ الْحِقْدِ, وَمِنَ الدَّغَلِ, وَمِنَ الْحَيْدِ وَمِنَ النُّفْرَةِ، مُنْطَوِيَةً عَلَى الْأَثَرَةٍ, وَحُبِّ الْأَنَا, وَرِفْعَةِ مَحَبَّةِ الذَّاتِ فِي سَوَائِهَا, لَا تَكَادُ تَسْتَقِيمُ، وَلَا تَذُوقُ لَذَّةَ الْيَقِينِ, وَلَا تَكَادُ تَسْتَشْعِرُ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ؟!

النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: ((مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ, كَمَثَلِ الْجَسَدِ الْوَاحِدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى)).

أَتُحِسُّهَا؟!

أَتَجِدُ لَهَا فِي نَفْسِكَ ظِلًّا؟!

بَلْ أَتَجِدُ لَهَا فِي عَقْلِكَ مَعْنًى؛ أَنَّكَ عُضْوٌ فِي جَسَدٍ، أَنَّكَ بَعْضٌ مِنْ جُثْمَانٍ قَائِمٍ حَيٍّ يُحِسُّ وَيَشْعُرُ, وَيُحِبُّ وَيَكْرَهُ, وَيُسَرُّ وَيَحْزَنُ, وَيَرُوحُ وَيَجِيءُ, كَأَنَّمَا هُوَ قَدْ مَلَأَ الْعَالَمَ كُلَّهُ، كَأَنَّمَا هُوَ قَدْ مَلَأَ الْوُجُودَ بِأَجْمَعِهِ؟!

 أَتُحِسُّ أَنَّكَ بَعْضٌ مِنْ أَخِيكَ, وَأَنَّهُ بَعْضٌ مِنْكَ؟!

 كَذَلِكَ كَانُوا عَلَى عَهْدِ مُحَمَّدٍ ﷺ.

الصَّحَابِيُّ يَلْقَى أَخَاهُ بَاكِيًا, فَيَبْكِي لِمَرْآهُ بَاكِيًا, ثُمَّ إِذَا مَا قَضَى مَعَهُ نَهْمَتَهُ مِنَ الْبُكَاءِ أَقْبَلَ عَلَيْهِ, فَقَالَ: ((مَا يُبْكِيكَ؟))، يَقُولُ لَهُ: ((وَأَنْتَ مَا الَّذِي يُبْكِيكَ؟ يَكْفِي أَنِّي رَأَيْتُكَ بَاكِيًا!))، يَكْفِي أَنِّي أُحِسُّ أَلَمَ الْحُزْنِ فِي صَدْرِكَ, فَيَنْبَعِثُ بِنَبْضَاتِهِ كَأَنَّمَا نُقِلَ قَلْبُكَ فِي صَدْرِي, أُحِسُّ إِحْسَاسَكَ, وَأَجِدُ شُعُورَكَ, وَأَتَجَاوَبُ مَعَكَ؛ لِأَنَّهَا لُغَةُ الْأَرْوَاحِ وَلُغَةُ الْقُلُوبِ, وَلَيْسَ بِلُغَةِ الْأَجْسَادِ, وَلُغَةِ الْحِجَارَةِ, وَلُغَةِ الْحَدِيدِ, وَإِنَّمَا هِيَ لُغَةٌ شَفَّافَةٌ شَفِيفَةٌ, إِنَّمَا هِيَ لُغَةٌ نَابِضَةٌ, رَهِيفَةٌ, لُغَةُ قَلْبٍ يَسْتَشْعِرُ قَلْبًا.

وَعِنْدَ الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ رِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ, وَكَذَا أَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ, وَأَبُو نُعَيْمٍ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- كَمَا أَخْبَرَ أَنَسٌ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- شَتَمَ رَجُلٌ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-, فَقَالَ: ((إِنَّكَ لَتَشْتِمُنِي وَفِيَّ ثَلَاثُ خِصَالٍ )).

مَا هِيَ؟

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ((إِنِّي لَآتِي عَلَى الْآيَةِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ -تَعَالَى- فَلَوَدِدْتُ أَنَّ جَمِيعَ النَّاسِ يَعْلَمُونَ مِنْهَا مَا أَعْلَمُ)).

 وَعِلْمُهُ فِيهَا لَا يُبَارَى -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَعَا لَهُ: ((اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ)).

إِنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ يَمُرُّ عَلَى الْآيَةِ فِي كِتَابِ اللهِ فَيَرْجُو وَيُحِبُّ لَوْ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ يَعْلَمُ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ مَا يَعْلَمُ هُوَ.

وَيَقُولُ ابْنُ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: ((وَإِنِّي لَأَسْمَعُ بِالْحَاكِمِ مِنْ حُكَّامِ الْمُسْلِمِينَ يَعْدِلُ فِي حُكْمِهِ فَأَفْرَحُ بِهِ، وَلَعَلِّي لَا أُقَاضِي إِلَيْهِ أَبَدًا)).

وَأَمَّا الْخَصْلَةُ الثَّانِيَةُ فَإِنِّي أَسْمَعُ عَنِ الْقَاضِي مِنْ قُضَاةِ الْمُسْلِمِينَ فِي أَيِّ بُقْعَةٍ مِنْ بِقَاعِ الْأَرْضِ أَسْمَعُ أَنَّهُ يَعْدِلُ فِي حُكْمِهُ فَأَفْرَحُ فِي ذَلِكَ وَأُسَرُّ بِهِ, وَلَعَلِّي لَا أُقَاضَى لَهُ أَبَدًا, وَلَا أَمْثُلُ بَيْنَ يَدَيْهِ مُقَاضِيًا لِأَحَدٍ وَلَا مُقَاضًى مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا.

يَقُولُ ابْنُ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-: أَسْمَعُ بِالْحَاكِمِ مِنْ حُكَّامِ الْمُسْلِمِينَ يَعْدِلُ فِي الْقَضِيَّةِ، وَيَسِيرُ عَلَى السَّوِيَّةِ, وَيُعْطِي وَيَتَرَفَّعُ عَنِ الدَّنِيَّةِ, فَأَفْرَحُ, وَلَعَلِّي لَا يَنَالُنِي مَعْرُوفُهُ يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ, وَلَكِنَّهُ يُصِيبُ بِعَدْلِهِ وَيُصِيبُ بِبُعْدِهِ عَنِ الْجَوْرِ طَائِفَةً مِنَ الْمُسْلِمِينَ، هُمْ بَعْضِي, وَأَنَا بَعْضُهُمْ, هُمْ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُمْ؛ لِأَنَّنَا جَسَدٌ وَاحِدٌ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ.

((وَإِنِّي لَأَسْمَعُ بِالْغَيْثِ قَدْ أَصَابَ الْبَلَدَ مِنْ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ، فَأَفْرَحُ بِهِ وَمَا لِي بِهِ مِنْ سَائِمَةٍ)).

وَأَمَّا الثَّالِثَةُ فَأَسْمَعُ بِالْغَيْثِ يَنْزِلُ عَلَى الْبَلَدِ مِنْ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ وَلَيْسَتْ لِي فِيهِ مِنْ سَائِمَةٍ, وَلَيْسَتْ لِي بِهِ مِنْ رَاعِيَةٍ لَيْسَتْ لِي بِهِ مِنْ أَغْنَامٍ, وَلَا إِبِلٍ, وَلَيْسَ لِي بِهِ مِنْ حَاجَةٍ, وَلَا مَصْلَحَةٍ, تَسْتَخْرِجُ نَبْتَهَا بِقَدَرِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَرَحْمَتِهِ لِأُنَاسٍ يُوَحِّدُونَ وَيَشْهَدُونَ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ, وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.

الْآنَ, تُحِسُّ مِثْلَ هَذَا الْإِحْسَاسِ, وَتَجِدُ مِثْلَ هَذَا الشُّعُورِ؟!!

 شَتَّانَ شَتَّانَ!

إِنَّمَا هِيَ جُزُرٌ مُعَلَّقَةٌ هُنَالِكَ فِي عُرْضِ الْمُحِيطِ تَتَلَاطَمُ بِهَا الْأَمْوَاجُ, وَتَصْفَعُهَا وَجْهًا لِقَفًا, وَهِيَ مُنْعَزِلَةٌ تَنُوحُ عَلَيْهَا الرِّيَاحُ الْأَرْبَعُ الصَّرْصَرُ, وَتَتَنَاوَشُهَا أَمْوَاجُ الْبَحْرِ بِزَبَدِهَا، هِيَ لَا تَبِينُ وَلَا تُفْصِحُ عَمَّا تُرِيدُ, وَلَا يُحِسُّ بِهَا أَحَدٌ, وَلَا تُحِسُّ بِأَحَدٍ!

وَمَا كَذَلِكَ يَكُونُ الشَّأْنُ بَيْنَ الْإِخْوَةِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ -وَكُلُّهُمْ إِخْوَةٌ-: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 10]، كَمَا قَالَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ.

 فَاللَّهُمَّ اجْعَلْنَا إِخْوَةً فِيكَ مُتَحَابِّينَ, وَاجْعَلِ اللَّهُمَّ الْمُسْلِمِينَ جَمِيعًا فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا عَلَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.

 

((ثَمَرَاتُ سَلَامَةِ الصَّدْرِ))

الَّذِي يَجِبُ عَلَى الْمُؤْمِنِ أَنْ يَكُونَ قَلْبُهُ سَلِيمًا لِإِخْوَانِهِ، بَعِيدًا عَنْ وَسَاوِسِ الضَّغِينَةِ، وَثَوَرَانِ الْأَحْقَادِ.

وَمِنْ دُعَاءِ الْمُؤْمِنِينَ: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} [الحشر: 10].

وَالْغِلُّ هُوَ الْحِقْدُ.

وَفِي تَرْكِ الْحِقْدِ:

* سَلَامَةُ الْقَلْبِ، وَرَاحَتُهُ.

* وَالتَّعَرُّضُ لِمَغْفِرَةِ اللهِ وَرَحْمَتِهِ؛ فَفِي ((صَحِيحِ مُسْلِمٍ)) مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((تُفْتَحُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ، فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا، إِلَّا رَجُلًا كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ، فَيُقَالُ: أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا، أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا، أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا)).

((بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ)): الشَّحْنَاءُ: الْحِقْدُ وَالْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ.

وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي عَاصِمٍ فِي ((السُّنَّةِ)) بِسَنَدٍ صَحِيحٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ثَعْلَبَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((إِذَا كَانَ لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ اطَّلَعَ اللهُ إِلَى خَلْقِهِ، فَيَغْفِرُ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَيُمْلِي لِلْكَافِرِينَ، وَيَدَعُ أَهْلَ الْحِقْدِ بِحِقْدِهِمْ حَتَّى يَدَعُوهُ)).

وَمِنْ دُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ: ((وَاسْلُلْ سَخِيمَةَ قَلْبِي)). كَمَا جَاءَ فِي ((مُسْنَدِ أَحْمَدَ)) بِسَنَدٍ صَحِيحٍ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-.

وَالسَّخِيمَةُ: هِيَ الْحِقْدُ، وَقَدْ طَهَّرَهُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- مِنْهَا ﷺ.

* إِنَّ التَّسَامُحَ بِلَسْمُ الرُّوحِ، وَرَاحَةُ الْجِسْمِ؛ لِأَنَّ الْحِقْدَ يُوقِعُ النَّفْسَ فِي الْأَمْرَاضِ الْفَتَّاكَةِ، وَالْعِلَلِ الْمُفْسِدَةِ.

* وَفِي تَرْكِ الْحِقْدِ وَمُعَامَلَةِ الْخَلْقِ بِسَلَامَةِ الصَّدْرِ رَاحَةٌ وَأَيُّ رَاحَةٍ.

قَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ-:

لَمَّا عَفَوْتُ وَلَمْ أَحْقِدْ عَلَى أَحَدٍ       =        أَرَحْتُ نَفْسِي مِنْ هَمِّ الْعَدَاوَاتِ

وَأَهْلُ الْمَرَاتِبِ وَالشَّرَفِ يَتَعَامَلُونَ عَلَى هَذَا الْقَانُونِ، وَيَتَعَامَوْنَ عَنِ الْأَحْقَادِ، كَمَا قِيلَ:

لَا يَحْمِلُ الْحِقْدَ مَنْ تَعْلُو بِهِ الرُّتَبُ       =      وَلَا يَنَالُ الْعُلَا مَنْ طَبْعُهُ الْغَضَبُ

وَقَالَ آخَرُ:

وَلَا أَحْمِلُ الْحِقْدَ الْقَدِيمَ عَلَيْهِمُ         =    وَلَيْسَ رَئِيسُ الْقَوْمِ مَنْ يَحْمِلُ الْحِقْدَ

رَبَّنَا لَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا.

* وَسَلَامَةُ الصَّدْرِ طَرِيقٌ إِلَى الْجَنَّةِ؛ فَفِي ((الصَّحِيحَيْنِ)) مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((أَوَّلُ زُمْرَةٍ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، وَالَّذِينَ عَلَى أَثَرِهِمْ كَأَشَدِّ كَوْكَبٍ دُرِّيٍّ فِي السَّمَاءِ إِضَاءَةً، قُلُوبُهُمْ عَلَى قَلْبٍ رَجُلٍ وَاحِدٍ، لَا اخْتِلَافَ بَيْنَهُمْ، وَلَا تَبَاغُضَ، وَلَا تَحَاسُدَ)).

سَلَامَةُ الصَّدْرِ طَرِيقٌ إِلَى الْجَنَّةِ، ((قُلُوبُهُمْ عَلَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، لَا اخْتِلَافَ بَيْنَهُمْ، وَلَا تَبَاغُضَ، وَلَا تَحَاسُدَ)).

عِنْدَمَا يَكُونُ الصَّدْرُ سَلِيمًا فَإِنَّنَا نُحِبُّ لِغَيْرِنَا مَا نُحِبُّ لِأَنْفُسِنَا مِنَ الْخَيْرِ، وَذَلِكَ مِنْ كَمَالِ الْإِيمَانِ؛ فَفِي ((الصَّحِيحَيْنِ)) مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ)).

وَعِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ، وَيُدْخَلَ الْجَنَّةَ، فَلْتُدْرِكْهُ مَنِيَّتُهُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَلْيَأْتِ إِلَى النَّاسِ الَّذِي يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إِلَيْهِ)).

مَا أَعْدَلَ هَذَا!

وَمَا أَنْصَفَهُ!

((وَلْيَأْتِ إِلَى النَّاسِ الَّذِي يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إِلَيْهِ)).

هُوَ يُحِبُّ أَنْ يَحْتَرِمَهُ النَّاسُ؛ فَلْيَحْتَرِمِ النَّاسَ!

هُوَ يُحِبُّ أَلَّا يَظْلِمَهُ النَّاسُ؛ فَلَا يَظْلِمِ النَّاسَ!

هُوَ يُحِبُّ أَنْ يُقَدِّرَهُ النَّاسُ؛ فَلْيُقَدِّرِ النَّاسَ!

((وَلْيَأْتِ إِلَى النَّاسِ الَّذِي يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إِلَيْهِ)).

((مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ، وَيُدْخَلَ الْجَنَّةَ، فَلْتُدْرِكْهُ مَنِيَّتُهُ -أَيْ: فَلْيَأْتِهِ أَجَلُهُ- وَهُوَ مُؤْمِنٌ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ))، وَضَمَّ إِلَى ذَلِكَ ضَمِيمَةً عَظِيمَةً تَضْبِطُ الْعَلَاقَةَ بَيْنَ الْإِنْسَانِ وَخَلْقِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ: ((وَلْيَأْتِ إِلَى النَّاسِ الَّذِي يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إِلَيْهِ)).

أَمَّا أَنْ يُحِبَّ أَنْ يَحْتَرِمَهُ النَّاسُ وَهُوَ لَا يَحْتَرِمُهُمْ فَهَذَا جَوْرٌ وَعُدْوَانٌ!

أَنْ يُقَدِّرُوهُ وَهُوَ لَا يُقَدِّرُهُمْ!

أَلَّا يَظْلِمُوهُ وَهُوَ يَظْلِمُهُمْ، هَذَا جَوْرٌ وَظُلْمٌ وَعُدْوَانٌ!

فِي ((الصَّحِيحَيْنِ)) مِنْ حَدِيثِ النُّعْمَانِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى)).

قَالَ ابْنُ رَجَبٍ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُؤْمِنَ يَسُوءُهُ مَا يَسُوءُ أَخَاهُ الْمُؤْمِنَ، وَيُحْزِنُهُ مَا يُحْزِنُهُ، وَحَدِيثُ أَنَسٍ: ((لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ)): يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُؤْمِنَ يَسُرُّهُ مَا يَسُرُّ أَخَاهُ الْمُؤْمِنَ، وَيُرِيدُ لِأَخِيهِ الْمُؤْمِنِ مَا يُرِيدُهُ لِنَفْسِهِ مِنَ الْخَيْرِ.

وَهَذَا كُلُّهُ إِنَّمَا يَأْتِي مِنْ كَمَالِ سَلَامَةِ الصَّدْرِ مِنَ الْغِشِّ وَالْغِلِّ وَالْحِقْدِ وَالْحَسَدِ؛ فَإِنَّ الْحَسَدَ يَقْتَضِي أَنْ يَكْرَهَ الْحَاسِدُ أَنْ يَفُوقَهُ أَحَدٌ فِي خَيْرٍ أَوْ يُسَاوِيَهُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ يُحِبُّ أَنْ يَمْتَازَ عَلَى النَّاسِ بِفَضَائِلِهِ، وَيَنْفَرِدَ بِهَا عَنْهُمْ، وَالْإِيمَانُ يَقْتَضِي خِلَافَ ذَلِكَ، هُوَ أَنْ يَشْرَكَهُ الْمُؤْمِنُونَ كُلُّهُمْ فِيمَا أَعْطَاهُ اللهُ مِنَ الْخَيْرِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ عَلَيْهِ مِنْهُ شَيْءٌ.

وَقَدْ مَدَحَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا- فِي كِتَابِهِ مَنْ لَا يُرِيدُ الْعُلُوَّ فِي الْأَرْضِ وَلَا الْفَسَادَ، فَقَالَ تعالى: {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا ۚ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [القصص: 83])).

* إِنَّ لِسَلَامَةِ الصَّدْرِ أَكْبَرَ الْأَثَرِ فِي وَقْفِ الْعُنْفِ الْمُجْتَمَعِيِّ؛ فَالْجَرَائِمُ تَبْدَأُ بِغَضَبٍ ثُمَّ حِقْدٍ ثُمَّ تَنْفِيذٍ، وَقَدْ بَدَأَتْ قِصَّةُ ابْنَيْ آدَمَ بِحَسَدٍ فِي الْقَلْبِ: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ} [المائدة: ٢٧].

(({إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا} أَيْ: أَخْرَجَ كُلٌّ مِنْهُمَا شَيْئًا مِنْ مَالِهِ لِقَصْدِ التَّقَرُّبِ إِلَى اللهِ، {فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ}: بِأَنْ عَلِمَ ذَلِكَ بِخَبَرٍ مِنَ السَّمَاءِ، أَوْ بِالْعَادَةِ السَّابِقَةِ فِي الْأُمَمِ، أَنَّ عَلَامَةَ تَقَبُّلِ اللهِ لِقُرْبَانٍ أَنْ تَنْزِلَ نَارٌ مِنَ السَّمَاءِ فَتُحْرِقُهُ، {قَالَ}: الِابْنُ الَّذِي لَمْ يُتَقَبَّلْ مِنْهُ لِلْآخَرِ حَسَدًا وَبَغْيًا {لَأَقْتُلَنَّكَ})).

* وَلِسَلَامَةِ الصَّدْرِ وَتَآلُفِ الْقُلُوبِ أَثَرٌ عَظِيمٌ فِي تَحَقُّقِ النَّصْرِ، قَالَ تَعَالَى: {هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (62) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ۚ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [الأنفال: 62-63].

((‏{‏هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ‏}‏ أَيْ‏:‏ أَعَانَكَ بِمَعُونَةٍ سَمَاوِيَّةٍ، وَهُوَ النَّصْرُ مِنْهُ الَّذِي لَا يُقَاوِمُهُ شَيْءٌ، وَمَعُونَةٍ بِالْمُؤْمِنِينَ بِأَنْ قَيَّضَهُمْ لِنَصْرِكَ، ‏{‏وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ‏}‏: فَاجْتَمَعُوا وَائْتَلَفُوا، وَازْدَادَتْ قُوَّتُهُمْ بِسَبَبِ اجْتِمَاعِهِمْ، وَلَمْ يَكُنْ هَذَا بِسَعْيِ أَحَدٍ وَلَا بِقُوَّةٍ غَيْرِ قُوَّةِ اللهِ، فَلَوْ أَنْفَقَتْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ وَغَيْرِهِمَا لِتَأْلِيفِهِمْ بَعْدَ تِلْكَ النُّفْرَةِ وَالْفُرْقَةِ الشَّدِيدَةِ ‏{‏مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ‏}؛‏ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى تَقْلِيبِ الْقُلُوبِ إِلَّا اللهُ -تَعَالَى-، ‏{‏وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ‏}،‏ وَمِنْ عِزَّتِهِ أَنْ أَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَجَمَعَهَا بَعْدَ الْفُرْقَةِ)).

وَسَلَامَةُ الصَّدْرِ تُثْمِرُ طِيبَ النَّفْسِ، وَسَمَاحَةَ الْوَجْهِ، وَإِرَادَةَ الْخَيْرِ لِكُلِّ أَحَدٍ، وَالشَّفَقَةَ وَالْمَوَدَّةَ، وُحُسْنَ الظَّنِّ؛ فَإِنَّهُ يُذْهِبُ الشَّحْنَاءَ وَالْبَغْضَاءَ، وَالْحِقْدَ وَالْحَسَدَ، وَيَقْضِي عَلَى الْقَلَقِ، وَعَلَى كَثِيرٍ مِنَ الْأَوْجَاعِ النَّفْسِيَّةِ وَالْبَدَنِيَّةِ، وَحَسْبُكَ أَنَّهُ خُلُقٌ مِنْ أَخْلَاقِ أَهْلِ الْجَنَّةِ.

فَلْنُحَوِّلْ هَذَا إِلَى وَاقِعٍ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إِلَّا بِمَعْرِفَةِ الدَّاءِ.

وَلْيَنْظُرْ كُلٌّ فِي نَفْسِهِ: هَلْ يُحِبُّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِه؟!

((أَيْنُ سَلَامَةُ الصَّدْرِ؟!!))

يَقُولُ إِبْرَاهِيمُ الْخَلِيلُ -عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا أَفْضَلُ الصَّلَاةُ وَأَزْكَى التَّسْلِيمُ-: {وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (87) يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الشعراء: 87-89].

وَهِيَ لَفْظَةٌ مُوحِيَةٌ بِذَاتِهَا, مُعَبِّرَةٌ بِجَرْسِهَا وَأَدَائِهَا, لَوْ أَرَادَ إِنْسَانٌ أَنْ يَشْرَحَهَا أَفْسَدَ فِي الْأَسْمَاعِ مَذَاقَهَا, وَفِي الْقُلُوبِ حَلَاوَتَهَا، بِقَلْبٍ سَلِيمٍ سَالِمٍ مِنْ كُلِّ مَنْ سِوَى اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ, مُنْطَوٍ عَلَى إِكْبَارِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ, وَإِعْزَازِ أَمْرِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ, وَمَحَبَّةِ النَّبِيِّ الْكَرِيمِ ﷺ.

سَلِيمٌ: هُوَ ضِدُّ الْعَلِيلِ, ضِدُّ السَّقِيمِ, ضِدُّ الْمَرِيضِ, قَلْبًا هُوَ غَيْرُ مَرِيضٍ.

 فَاللَّهُمَّ ارْزُقْنَا قُلُوبًا بَرِيئَةً مِنَ الْمَرَضِ شَهْوَةً وَشُهْرَةً يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.

وَلَقَدْ مَضَى عَلَيَّ حِقْبَةٌ مِنَ الدَّهْرِ وَحِينٌ مِنْهُ مُتَطَاوِلٌ لَا يَرِيمُ، كَأَنَّهُ لَيْلَةٌ نَابِغِيَّةٌ لَيْسَ لَهَا مِنْ صُبْحٍ يَسْتَبِينُ ضِيَاؤُهُ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ.

حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ, أَتَسْمَعُ بِالرَّجُلِ تَعْرِفُهُ, وَتَعْرِفُهُ, وَتُحَقِّقُهُ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ الْمَوَدَّةُ وَالنَّسَبُ, وَالْقَرَابَةُ الْقَرِيبَةُ, وَالصِّلَةُ الْوَثِيقَةُ، وَالنَّسَبُ الْمَتِينُ, تَسْمَعُ عَنِ الرَّجُلِ تُصِيبُهُ النِّعْمَةُ, ثُمَّ لَا تَجِدُ فِي قَلْبِكَ لَذْعًا كَلَذْعِ الْجَمْرِ, وَلَوْ كَانَ خَفِيفًا حَاشَا وَكَلَّا, تَجِدُه وَتَجِدُهُ، وَمِنْ قَالَ أَنَّهُ لَا يَجِدُهُ فَمَا مَكَانُهُ هَاهُنَا وَإِنَّمَا مَكَانُهُ هُنَاكَ فِي جَنَّةِ الْخُلْدِ وَنِعْمَ الْقَرَارُ، وَأَمَّا هَاهُنَا فِي دُنْيَا النَّاسِ وَفِي هَذَا الْوَقْتِ مِمَّا يُعَاصِرُهُ الْخَلْقُ فِي تَارِيخِ الْإِسْلَامِ, فَتَجِدُ لَهُ أَخَفَّ وَطْءٍ كَلَذْعِ الْجَمْرِ هُوَ أَخَفُّ الْوَطْءِ مِمَّا يَجِدُهُ الرَّجُلُ عِنْدَمَا يَعْلَمُ أَنَّ النِّعْمَةَ أَصَابَتْ رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ،  وَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ.

النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ لِأَصْحَابِهِ: ((لَا يُخْبِرُنِي أَحَدٌ مِنْكُمْ عَنْ أَحَدٍ شَيْئًا؛ فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَخْرُجَ إِلَيْكُمْ, وَأَنَا سَلِيمُ الصَّدْرِ)).

تَأْتُونَ مَا تَأْتُونَ, وَتَفْعَلُونَ مَا تَفْعَلُونَ, وَيُخَالِفُ الْمُخَالِفُونَ, وَيُعَانِدُ الْمُعَانِدُونَ, وَيُشَاقُّ الْمُشَاقُّونَ, وَيُحَادُّ الْمُحَادُّونَ, وَلَكِنْ لَا أُرِيدُ أَنْ أَعْلَمَ عَنْ أَحَدٍ شَيْئًا, فَأَخْرُجُ إِلَيْهِمْ مُتَعَادِلًا، عِنْدِي جَمِيعُهُمْ سَوَاءٌ، هُمْ جَمِيعًا عِنْدِي عَلَى السَّوَاءِ أَخْرُجُ إِلَيْهِمْ سَلِيمَ الصَّدْرِ.

سَلَامَةُ الصَّدْرِ أَيْنَ هِيَ؟!!

أَيْنَ هِيَ سَلَامَةُ الصَّدْرِ؟!!

وَأَيْنَ يَلْقَاهَا الْمَرْءُ؟!!

وَأَيْنَ تُوصَفَ فِي أَيِّ دُكَّانٍ مِنْ دَكَاكِينِ الْعَطَّارِينَ؟!!

الصَّبْرَ -عِبَادَ اللهِ- حَتَّى يَشْتَرِيَ الْمَرْءُ مِنْهَا وَلَوْ دِرْهَمًا, إِنَّهَا هُنَاكَ عِنْدَ مُحَمَّدٍ ﷺ.

إِنَّ كُلَّ مَا فَوْقَ التُّرَابِ تُرَابٌ, وَأَنَّنَا بِأَوْهَامِنَا الْهَزِيلَةِ، وَأَطْمَاعِنَا الْحَقِيرَةِ, وَدَوَافِعِنَا غَيْرِ النَّبِيلَةِ, وَأَنَّنَا بِمَا تَرَبَّيْنَا عَلَيْهِ مِنْ كُلٍّ يُخَالِفُ الشَّرْعَ، وَمِنْ كُلِّ مَا لَا يَسْتَقِيمُ مَعَ الدِّينِ بِكُلِّ انْدفَاعَاتِنَا، بِكُلِّ انْحِرَافَاتِنَا، بِكُلِّ شَهَوَاتِنَا, بِكُلِّ انْطِلَاقِ غَرَائِزِنَا وَنَزَوَاتِنَا, وَأَنَّنَا بِكُلِّ ذَلِكَ، بِكُلِّ عَجْزِنَا، بِكُلِّ قُصُورِنَا, بِكُلِّ الْتِصَاقِنَا بِالْأَرْضِ, بِكُلِّ عَجْزِنَا عَنِ الِارْتِفَاعِ فَوْقَ الطِّينِ، بِعَجْزِ الْأَجْنِحَةِ عَنِ التَّحْلِيقِ بَعِيدًا عَنِ الْحَمْأَةِ، بَعِيدًا عَنِ هَذَا الطِّينِ الَّذِي فِيهِ مَا فِيهِ مِنْ كُلِّ مَعَانِي التَّسَّفُّلِ, وَفِيهِ مَا فِيهِ مِنْ كُلِّ مَعَانِي الْبُعْدِ عَنِ التَّرَفُّعِ، بِكُلِّ هَذَا الْعَجْزِ، بِكُلِّ هَذَا الْقُصُورِ, لَا يَسْتَطِيعُ الْمَرْءُ أَنْ يُخْلِصَ إِلَّا حِينًا بَعْدَ حِينٍ.

لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ يَمُدُّ الْيَدَ -كَمَا قَالَ هُوَ ﷺ-: ((إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ النَّاسِ كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَوْقَدَ نَارًا، فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ جَعَلَ الْفَرَاشُ وَهَذِهِ الدَّوَابُّ الَّتِي تَقَعُ فِي النَّارِ يَقَعْنَ فِيهَا، فَجَعَلَ يَنْزِعُهُنَّ وَيَغْلِبْنَهُ فَيَقْتَحِمْنَ فِيهَا، فَأَنَا آخُذُ بِحُجَزِكُمْ عَنِ النَّارِ)).

((آخُذُ بِحُجَزِكُمْ)) يَعْنِي: بِمَجْمَعِ الْإِزَارِ مِنَ الْوَاحِدِ مِنْكُمْ؛ لِكَيْ أَرْفَعَهُ عَنِ التَّرَدِّي فِي الْهُوَّةِ السَّحِيقَةِ حَيْثُ لَا قَرَارَ؛ لِكَيْ يَرْتَفِعَ، لِكَيْ يَسْمُوَ، لِكَيْ يَكُونَ رَجُلًا، لِكَيْ يَكُونَ إِنْسَانًا فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا.

إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ النَّاسِ كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَوْقَدَ نَارًا، فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ جَعَلَ الْفَرَاشُ وَهَذِهِ الدَّوَابُّ الَّتِي تَقَعُ فِي النَّارِ يَقَعْنَ فِيهَا، فَجَعَلَ يَنْزِعُهُنَّ وَيَغْلِبْنَهُ فَيَقْتَحِمْنَ فِيهَا، فَأَنَا آخُذُ بِحُجَزِكُمْ عَنِ النَّارِ، وهم يَقتَحِمونَ فيها.

يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ: ((فَأَنَا آخُذُ بِحُجَزِكُمْ عَنِ النَّارِ، وَهُمْ يَقْتَحِمُونَ فِيهَا)).

وَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ.

صُورَةٌ تَمَثَّلَهَا مُحَمَّدٌ ﷺ أَشْرَفُ الْخَلْقِ طُرًّا.

مُحَمَّدٌ خَيْرُ الْقُلُوبِ الَّتِي خُلِقَتْ وَتُخْلَقُ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

 مُحَمَّدٌ ﷺ أَكْمَلُ مَنْ خَلَقَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ.

يَقِفُ عَلَى فُوَّهَةِ النَّارِ هُنَاكَ يَأْخُذُ بِالْحُجَزِ يَذُودُ وَيَدْفَعُ إِبِلًا ضَالَّةً هَارِبَةً تَأْبَى إِلَّا أَنْ تُورَدَ الْمَوَارِدَ, وَإِلَّا أَنْ تَتَرَدَّى فِي الرَّدْغَةِ وَفِي الْخَبَالِ، وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَرْفَعَهَا.. يَرْفَعَهَا فَوْقَ الشَّهَوَاتِ وَالنَّزَوَاتِ, وَتَأْبَى إِلَّا أَنْ تَتَفَلَّتَ مِنْ يَدَيْهِ ﷺ.

 تَصَوَّرْهُ الْآنَ, تَصَوَّرْ نَبِيَّكَ ﷺ, كُلَّمَا ذَادَ وَاحِدًا جَاءَهُ وَاحِدٌ، يَدْفَعُ هَذَا فَيَتَفَلَّتُ مِنْهُ ذَاكَ, وَيَذُودُ ذَلِكَ فَيَتَفَلَّتُ مِنْهُ مِنْ هُنَالِكَ وَمِنْ هُنَاكَ, وَالنَّبِيُّ ﷺ مَا يَصْنَعِ؟!

إِنَّهُ ﷺ قَدْ رَسَمَ الطَّرِيقَ، وَوَضَّحَ الْمَحَجَّةَ, وَدَلَّنَا عَلَى مَا بِهِ سَلَامَةُ الصُّدُورِ.

أَلَا يَا سَلَامَةَ الصَّدْرِ يَا سَلَامَةَ الصَّدْرِ أَيْنَ أَنْتِ؟!!

 وَأَيْنَ أَلْقَاكِي؟!!

وَهَلْ عَسَى يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ يَكُونُ بَيْنِي وَبَيْنَكِ لِقَاءٌ, لِقَاءٌ أَجْعَلُ بِهِ رَأْسِي عَلَى صَدْرِكِ أُحِبُّكِ, وَإِنْ كَانَ قَلْبِي عِنْدَ قَدَمَيْكِ؟!!

يَا سَلَامَةَ الصَّدْرِ أَنَّى تَكُونِينَ لِي وِسَادَةً فِي الْمَنَامِ؟!!

إِنَّمَا أَنْتِ خَيَالٌ فِي خَيَالِ!!

يَا دُنْيَا النَّاسِ, وَيَا أَيُّهَا النَّاسُ! أَسْلِمُوا تَسْلَمُوا, وَاعْلَمُوا أَنَّ الْخَلَاصَ فِي الْإِخْلَاصِ!

اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا, وَارْحَمْنَا.

اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا, وَارْحَمْنَا, وَعَافِنَا وَاعْفُ عَنَّا.

اللَّهُمَّ اهْدِنَا فِيمَنْ هَدَيْتَ, وَعَافِنَا فِيمَنْ عَافَيْتَ, وَتَوَلَّنَا فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ, وَقِنَا وَاصْرِفْ عَنَّا شَرَّ مَا قَضَيْتَ.

اللَّهُمَّ خُذْ بِأَيْدِينَا إِلَيْكَ, وَأَقْبِلْ بِقُلُوبِنَا عَلَيْكَ.

اللَّهُمَّ ثَبِّتْ أَقْدَامَنَا, وَسَدِّدْ أَلْسِنَتَنَا, وَبَيِّضْ وُجُوهَنَا, وَاهْدِ قُلُوبَنَا.

اللَّهُمَّ ثَقِّلْ مَوَازِينَنَا, وَاسْلُلْ سَخِيمَةَ صُدُورِنَا.

اللَّهُمَّ عَافِنَا فِيمَنْ عَافَيْتَ, وَتَوَلَّنَا فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ, وَقِنَا وَاصْرِفْ عَنَّا شَرَّ مَا قَضَيْتَ, وَعَامِلْنَا بِالْإِحْسَانِ إِذِ الْإِحْسَانُ مِنْكَ وَإِلَيْكَ.

اللَّهُمَّ خُذْ بِأَيْدِينَا إِلَيْكَ, وَأَقْبِلْ بِقُلُوبِنَا عَلَيْكَ, وَاسْتُرْنَا بِسِتْرِكَ الْجَمِيلِ, وَاجْعَلْ تَحْتَ السِّتْرِ مَا يُرْضِيكَ.

اللَّهُمَّ أَغْنِنَا بِالِافْتِقَارِ إِلَيْكَ, وَلَا تُفْقِرْنَا بِالِاسْتِغْنَاءِ عَنْكَ.

اللَّهُمَّ أَغْنِنَا بِالِافْتِقَارِ إِلَيْكَ, وَلَا تُفْقِرْنَا بِالِاسْتِغْنَاءِ عَنْكَ, وَخُذْ بَنَوَاصِينَا إِلَيْكَ, أَخْذَ الْكِرَامِ عَلَيْكَ, يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ, وَيَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ, وَيَا أَكْرَمَ الْأَكْرَمِينَ.

اللَّهُمَّ تُبْ عَلَيْنَا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا.

اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا مَا قَدَّمْنَا وَمَا أَخَّرْنَا, وَمَا أَسْرَرْنَا وَمَا أَعْلَنَّا, وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنَّا, أَنْتَ الْمُقَدِّمُ, وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ, وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.

اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنَ التَّوَكُّلِ إِلَّا عَلَيْكَ, وَمِنَ الِالْتِجَاءِ إِلَّا إِلَيْكَ, وَمِنَ الِاحْتِمَاءِ إِلَّا بِكَ.

اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا إِخْلَاصَ الْعِبَادَةِ لِوَجْهِكَ الْكَرِيمِ, وَطَهِّرْنَا مِنَ النِّفَاقِ.

اللَّهُمَّ طَهِّرْ قُلُوبَنَا مِنَ النِّفَاقِ, طَهِّرْ قُلُوبَنَا مِنَ النِّفَاقِ, وَطَهِّرْ جَوَارِحَنَا مِنَ الرِّيَاءِ, وَطَهِّرْ أَلْسِنَتَنَا مِنَ الْكَذِبِ, وَطَهِّرْ أَعْيُنَنَا مِنَ الْخِيَانَةِ.

اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ الْعَافِيَةَ, وَنَسْأَلُكَ كَمَالَ الْعَافِيَةَ، وَنَسْأَلُكَ دَوَامَ الْعَافِيَةِ, وَنَسْأَلُكَ تَمَامَ الْعَافِيَةِ وَنَسْأَلُكَ دَوَامَ الْغِنَى عَنِ النَّاسِ.

اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ الْجَنَّةَ, وَنَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ, نَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ, نَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ.

يَا عَزِيزُ يَا غَفَّارُ, أَجِرْنَا مِنَ النَّارِ, وَاكْتُبْ لَنَا الْبَرَاءَةَ مِنَ النَّارِ, وَأَعْتِقْ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ رِقَابَنَا مِنَ النَّارِ, بِكَرَمِكَ وَأَنْتَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ. 

اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِنَا, وَآمِنْ رَوْعَاتِنَا, وَاحْرُسْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِينَا وَمِنْ خَلْفِنَا وَعَنْ أَيْمَانِنَا, وَعَنْ شَمَائِلِنَا, وَمِنْ فَوْقِنَا, وَنَعُوذُ بِعَظَمَتِكَ أَنْ نُغْتَالَ مِنْ تَحْتِنَا.

اللَّهُمَّ أَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِ الْمُسْلِمِينَ.

 اللَّهُمَّ انْصُرِ الْمُسْلِمِينَ فِي كُلِّ مَكَانٍ.

اللَّهُمَّ اجْمَعْ شَمْلَ الْمُسْلِمِينَ.

وَوَحِّدْ صُفُوفَ الْمُسْلِمِينَ.

وَأَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِ الْمُسْلِمِينَ حُكَّامًا وَمَحْكُومِينَ وَاجْمَعِ الْجَمِيعَ عَلَى طَاعَتِكَ يَا أَكْرَمَ الْأَكْرَمِينَ.

وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ.

 

التَّحْذِيرُ مِنَ التَّشْكِيكِ وَنَشْرِ رُوحِ التَّشَاؤُمِ

 

 

 

 


الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ هُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ صَلَاةً وَسَلَامًا دَائِمَيْنِ مُتَلَازِمَيْنِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

أَمَّا بَعْدُ:

فَمِنْ مُعَطِّلَاتِ الْعَقْلِ، وَمِنْ عَدَمِ الِاسْتِفَادَةِ بِهِ: التَّطَيُّرُ وَالتَّشَاؤُمُ، وَالِاعْتِقَادَاتُ الْجَاهِلِيَّةُ، لِذَا حَثَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى تَنْقِيَةِ الْعَقْلِ مِنَ الْخُرَافَةِ وَالْوَهْمِ وَادِّعَاءِ عِلْمِ الْغَيْبِ؛ كَيْ لَا تُسَيْطِرَ عَلَى الْعَقْلِ الْخُرَافَاتُ وَالْأَوْهَامُ الَّتِي يَهْذِي بِهَا أَهْلُ الشَّعْوَذَةِ وَالدَّجَلِ وَالسِّحْرِ وَالْكَهَانَةِ وَالْعِرَافَةِ وَالطِّيَرَةِ، وَلِكَيْ لَا يَتَصَوَّرَ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ أَنَّ أَحَدًا مِنَ الْبَشَرِ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَعْلَمَ الْغَيْبَ؛ فَاللهُ -سُبْحَانَهُ- هُوَ الَّذِي اسْتَأْثَرَ بِعِلْمِ الْغَيْبِ وَحْدَهُ.

قَالَ تَعَالَى: {الِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا} [الجن: 26-27].

إِنَّ التَّشَكُّكَ الْمُفْرِطَ وَالْحَيْرَةَ الْمُسْتَمِرَّةَ وَنَشْرَ رُوحِ التَّشَاؤُمِ مِنْ أَخْطَرِ الظَّوَاهِرِ السَّلْبِيَّةِ الَّتِي تُؤَثِّرُ عَلَى الْأَفْرَادِ وَالْمُجْتَمَعَاتِ، فَتُفْضِي إِلَى حُبُوطِ الْمَرْءِ بِإِرَادَتِهِ، وَتَقْضِي عَلَى الْأَمَلِ، وَتُنْشِئُ بِيئَةً نَفْسِيَّةً وَاجْتِمَاعِيَّةً مُلَبَدَّةً بِالسَّلْبِيَّةِ وَالْإِحْبَاطِ، تَعُوقُ التَّقَدُّمَ، وَتَعُوقُ التَّنْمِيَةَ.

إِنَّ أَعْمَالَ الْقُلُوبِ كُلَّهَا مِنَ الْيَقِينِ، وَالْإِيمَانُ فِي النُّفُوسِ يَكُونُ عَلَى قَدْرِ الْيَقِينِ عِنْدَ الْعَبْدِ، كَمَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: ((إِنَّ أَعْظَمَ الْخَطَايَا اللِّسَانُ الْكَذُوبُ، وَخَيْرَ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ، وَخَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى، وَرَأْسَ الْحِكْمَةِ مَخَافَةُ اللهِ، وَخَيْرَ مَا أُلْقِيَ فِي الْقُلُوبِ الْيَقِينُ)).

وَفِي عِلَاجِ التَّشْكِيكِ وَالْحَيْرَةِ جَاءَ الْإِسْلَامُ بِالْيَقِينِ، وَطَرْدِ الشَّكِّ وَرُوحِ التَّشَاؤُمِ.

وَلِلْيَقِينِ فِي كَلَامِ الْعُلَمَاءِ أَقْوَالٌ كَثِيرَةٌ تَدُورُ فِي مَجْمُوعِهَا حَوْلَ الْإِيمَانِ الَّذِي لَا يُدَاخِلُهُ شَكٌّ، وَلَا يُزَعْزِعُهُ رَيْبٌ، وَلَا تَدْخُلُهُ شُبْهَةٌ.

وَالتَّشَاؤُمُ رُوحٌ سَلْبِيَّةٌ تَتَسَلَّلُ إِلَى النُّفُوسِ، فَتُثْقِلُهَا بِالْهُمُومِ، وَتَغْرِسُ فِيهَا الْيَأْسَ، وَتَجْعَلُ الْإِنْسَانَ يُرَكِّزُ عَلَى الْعَقَبَاتِ بَدَلَ الْفُرَصِ.

وَقَدْ حَذَّرَ الْإِسْلَامُ مِنْ هَذِهِ النَّظْرَةِ الْمُظْلِمَةِ لِلْحَيَاةِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مُجَرَّدَ شُعُورٍ، بَلْ تُؤَثِّرُ عَلَى السُّلُوكِ وَالْقَرَارِ وَالْمُسْتَقْبَلِ.

وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((الطِّيَرَةُ شِرْكٌ، الطِّيَرَةُ شِرْكٌ، الطِّيَرَةُ شِرْكٌ، وَمَا مِنَّا إِلَّا؛ وَلَكِنَّ اللهَ يُذْهِبُهُ)). أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي ((الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ))، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ.

وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((لَيْسَ مِنَّا مِنْ تَطَيَّرَ أَوْ تُطُيِّرَ لَهُ، أَوْ تَكَهَّنَ أَوْ تُكُهِّنَ لَهُ، أَوْ سَحَرَ أَوْ سُحِرَ لَهُ)). رَوَاهُ الْبَزَّارُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ.

وَقَالَ ﷺ: ((لَا عَدْوَى، وَلَا طِيَرَةَ -وَالطِّيَرَةُ: التَّشَاؤُمُ-، وَأُحِبُّ الْفَأْلَ الصَّالِحَ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

وَصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ أَجمَعِينَ.

المصدر: سَلَامَةُ الصَّدْرِ وَأَثَرُهَا فِي السِّلْمِ الْمُجْتَمَعِيِّ

التعليقات


خطب مفرغة قد تعجبك


  ((الْفَسَادُ صُوَرُهُ وَمَخَاطِرُهُ)) مُهَذَّبٌ مِنْ كِتَاب: ((حَدِيثُ الْقُرْآنِ عَنْ بُغَاةِ الْفِتْنَةِ وَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ))
  أُصُولٌ وَمَعَالِمُ فِي تَرْبِيَةِ الْأَوْلَادِ
  عرفت فالزم
  طَلَاقَةُ الْقُدْرَةِ الْإِلَهِيَّةِ فِي الْعَطَاءِ وَالْمَنْعِ
  إِعْمَالُ الْعَقْلِ فِي فَهْمِ النَّصِّ.. الْإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَدْرَسَتُهُ الْفِقْهِيَّةُ أُنْمُوذَجًا
  دُرُوسٌ عَظِيمَةٌ مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ
  فَضْلُ يَوْمِ عَرَفَةَ،وَالدُّرُوسُ الْمُسْتَفَادَةُ مِنْ خُطْبَةِ حَجَّةِ الْوَدَاعِ
  ضَوَابِطُ الْأَسْوَاقِ وَآدَابُهَا
  كُنْ جَمِيلًا تَرَ الْوُجُودَ جَمِيلًا!
  أَمَانَةُ الْعَامِلِ وَالصَّانِعِ وَإِتْقَانُهُمَا
  • شارك

نبذة عن الموقع

موقع تفريغات العلامة رسلان ، موقع يحتوي على العشرات من الخطب والمحاضرات والمقاطع المفرغة لفضيلة الشيخ العلامة أبي عبدالله محمد بن سعيد رسلان-حفظه الله- . كما يعلن القائمون على صفحة وموقع تفريغات العلامة رسلان -حفظه الله- أن التفريغات للخطب ليست هي الشكل النهائي عند الطباعة، ولكن نحن نفرغ خطب الشيخ حفظه الله ونجتهد في نشرها ليستفيد منها طلاب العلم والدعاة على منهاج النبوة في كل أنحاء الدنيا، ونؤكد على أنَّ الخطب غير مُخرَّجة بشكل كامل كما يحدث في خطب الشيخ العلامة رسلان المطبوعة وليست الكتب المنشورة على الصفحة والموقع هي النسخة النهائية لكتب الشيخ التي تُطبع...وهذه الكتب ما هي إلا تفريغ لخطب الشيخ، غير أنَّ كتب الشيخ التي تُطبع تُراجع من الشيخ -حفظه الله- وتُخرج. والتفريغ عملٌ بشريٌ، ونحن نجتهد في مراجعة التفريغات مراجعة جيدة، فإذا وقع خطأ أو شكل الخطب كما نخرجها -إنما نُحاسب نحن عليها والخطأ يُنسب لنا وليس للشيخ -حفظه الله-.

الحقوق محفوظة لكل مسلم موقع تفريغات العلامة رسلان