((كُنْ رَاضِيًا وَإِيَّاكَ وَالتَّبَاهِي!))
إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّـهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّـهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ.
أَمَّا بَعْدُ:
فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّـهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.
أَمَّا بَعْدُ:
((الرِّضَا جَنَّةُ الدُّنْيَا وَمُسْتَرَاحُ الْعَابِدِينَ))
((فَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 216].
وَقَالَ -عَزَّ وَجَلَّ-: {فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} [النساء: 19].
فَالْآيَةُ الْأُولَى فِي الْجِهَاد الَّذِي هُوَ كَمَالُ الْقُوَّةِ الْغَضَبِيَّةِ، وَالثَّانِيَةُ فِي النِّكَاحِ الَّذِي هُوَ كَمَالُ الْقُوَّةِ الشَّهْوَانِيَّةِ.
فَالْعَبْدُ يَكْرَهُ مُوَاجَهَةَ عَدُوِّهِ بِقُوَّتِهِ الْغَضَبِيَّةِ؛ خَشْيَةً عَلَى نَفْسِهِ مِنْهُ، وَهَذَا الْمَكْرُوهُ خَيْرٌ لَهُ فِي مَعَاشِهِ وَمَعَادِهِ، وَيُحِبُّ الْمُوَادَعَةَ وَالْمُتَارَكَةَ، وَهَذَا الْمَحْبُوبُ شَرٌّ لَهُ فِي مَعَاشِهِ وَمَعَادِهِ.
وَكَذَلِكَ يَكْرَهُ الْمَرْأَةَ لِوَصْفٍ مِنْ أَوْصَافِهَا، وَلَهُ فِي إِمْسَاكِهَا خَيْرٌ كَثِيرٌ لَا يَعْرِفُهُ، وَيُحِبُّ الْمَرْأَةَ لِوَصْفٍ مِنْ أَوْصَافِهَا، وَلَهُ فِي إِمْسَاكِهَا شَرٌّ كَثِيرٌ لَا يَعْرِفُهُ، فَالْإِنْسَانُ كَمَا وَصَفَهُ بِهِ خَالِقُهُ ظَلُومٌ جَهُولٌ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَجْعَلَ الْمِعْيَارَ عَلَى مَا يَضُرُّهُ وَيَنفَعُهُ مَيْلُهُ وَحُبُّهُ وَنُفْرَتُهُ وَبُغْضُهُ، بَلِ الْمِعْيَارُ عَلَى ذَلِكَ مَا اخْتَارَهُ اللهُ لَهُ بِأَمْرِهِ وَنَهْيِهِ.
فَأَنْفَعُ الْأَشْيَاءِ لَهُ عَلَى الْإِطْلَاقِ طَاعَةُ رَبِّهِ بِظَاهِرِهِ وَبَاطِنِهِ، وَأَضَرُّ الْأَشْيَاءِ عَلَيْهِ عَلَى الْإِطْلَاقِ مَعْصِيَتُهُ بِظَاهِرِهِ وَبَاطِنِهِ، فَإِذَا قَامَ بِطَاعَتِهِ وَعُبُودِيَّتِهِ مُخْلِصًا لَهُ فَكُلُّ مَا يَجْرِي عَلَيْهِ مِمَّا يَكْرَهُهُ يَكُونُ خَيْرًا لَهُ، وَإِذَا تَخَلَّى عَنْ طَاعَتِهِ وَعُبُودِيَّتِهِ فَكُلُّ مَا هُوَ فِيهِ مِنْ مَحْبُوبٍ هُوَ شَرٌّ لَهُ.
فَمَنْ صَحَّتْ لَهُ مَعْرِفَةُ رَبِّهِ وَالْفِقْهُ فِي أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ عَلِمَ يَقِينًا أَنَّ الْمَكْرُوهَاتِ الَّتِي تُصِيبُهُ وَالْمِحَنُ الَّتِي تَنْزِلُ بِهِ فِيهَا ضُرُوبٌ مِنَ الْمَصَالِحِ وَالْمَنَافِع الَّتِي لَا يُحْصِيهَا عِلْمُهُ وَلَا فِكْرَتُهُ، بَلْ مَصْلَحَةُ الْعَبْدِ فِيمَا يَكْرَهُ أَعْظَمُ مِنْهَا فِيمَا يُحِبُّ، فَعَامَّةُ مَصَالِحِ النُّفُوسِ فِي مَكْرُوهَاتِهَا كَمَا أَنَّ عَامَّةَ مَضَارِّهَا وَأَسْبَابِ هَلَكَتِهَا فِي مَحْبُوبَاتِهَا.
فَانْظُرْ إِلَى غَارِسِ جَنَّةٍ مِنَ الْجَنَّاتِ خَبِيرٍ بِالْفِلَاحَةِ غَرَسَ جَنَّةً، وَتَعَاهَدَهَا بِالسَّقْيِ وَالْإِصْلَاحِ حَتَّى أَثْمَرَتْ أَشْجَارُهَا، فَأَقْبَلَ عَلَيْهَا يَفْصِلُ أَوْصَالَهَا، وَيَقْطَعُ أَغْصَانَهَا؛ لِعِلْمِهِ أَنَّهَا لَوْ خُلِّيَتْ عَلَى حَالِهَا لَمْ تَطِبْ ثَمَرَتُهَا، فَيُطَعِّمُهَا مِنْ شَجَرَةٍ طَيِّبَةِ الثَّمَرَةِ، حَتَّى إِذَا الْتَحَمَتْ بِهَا وَاتَّحَدَتْ وَأَعْطَتْ ثَمَرَتَهَا، أَقْبَلَ يُقَلِّمُهَا، وَيَقْطَعُ أَغْصَانَهَا الضَّعِيفَةَ الَّتِي تُذْهِبُ قُوَّتَهَا، وَيُذِيقُهَا أَلَمَ الْقَطْعِ وَالْحَدِيدِ؛ لِمَصْلَحَتِهَا وَكَمَالِهَا، لِتَصْلُحَ ثَمَرَتُهَا أَنْ تَكُونَ بِحَضْرَةِ الْمُلُوكِ، ثمَّ لَا يَدَعُهَا وَدَوَاعِيَ طَبْعِهَا مِنَ الشُّرْبِ كُلَّ وَقْتٍ، بَلْ يُعَطِّشُهَا وَقْتًا، وَيَسْقِيهَا وَقْتًا، وَلَا يَتْرُكُ الْمَاءَ عَلَيْهَا دَائِمًا، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ أَنْضَرَ لِوَرَقِهَا وَأَسْرَعَ لِنَبَاتِهَا، ثُمَّ يَعْمِدُ إِلَى تِلْكَ الزِّينَةِ الَّتِي زُيِّنَتْ بِهَا مِنَ الْأَوْرَاقِ فَيُلْقِي عَنْهَا كَثِيرًا مِنْهَا؛ لِأَنَّ تِلْكَ الزِّينَةَ تَحُولُ بَيْنَ ثَمَرَتِهَا وَبَيْنَ كَمَالِ نُضْجِهَا وَاسْتِوَائِهَا، كَمَا فِي شَجَرِ الْعِنَبِ وَنَحْوِهِ، فَهُوَ يَقْطَعُ أَعْضَاءَهَا بِالْحَدِيدِ، وَيُلْقِي عَنْهَا كَثِيرًا مِنْ زِينَتِهَا، وَذَلِكَ عَيْنُ مَصْلَحَتِهَا، فَلَوْ أَنَّهَا ذَاتُ تَمْيِيزٍ وَإِدْرَاكٍ كَالْحَيَوَانِ لَتَوَهَّمَتْ أَنَّ ذَلِكَ إِفْسَادٌ لَهَا وَإِضْرَارٌ بِهَا، وَإِنَّمَا هُوَ عَيْنُ مَصْلَحَتِهَا.
وَكَذَلِكَ الْأَبُ الشَّفِيقُ عَلَى وَلَدِهِ الْعَالِمِ بِمَصْلَحَتِهِ إِذَا رَأَى مَصْلْحَتَهُ فِي إِخْرَاجِ الدَّمِ الْفَاسِدِ عَنْهُ بَضَعَ جِلْدَهُ -أَيْ: شَقَّهُ-، وَقَطَعَ عُرُوقَهُ، وَأَذَاقَهُ الْأَلَمَ الشَّدِيدَ، وَإِنْ رَأَى شِفَاهُ فِي قَطْعِ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ أَبَانَهُ عَنْهُ -أَيْ: فَصَلَهُ وَقَطَعَهُ مِنْهُ-، كَانَ ذَلِكَ رَحْمَةً بِهِ وَشَفَقَةً عَلَيْهِ، وَإِنْ رَأَى مَصْلْحَتَهُ فِي أَنْ يُمْسِكَ عَنْهُ الْعَطَاءَ لَمْ يُعْطِهِ وَلَمْ يُوَسِّعْ عَلَيْهِ؛ لِعِلْمِهِ أَنَّ ذَلِكَ أَكْبَرُ الْأَسْبَابِ إِلَى فَسَادِهِ وَهَلَاكِهِ، وَكَذَلِكَ يَمْنَعُهُ كَثِيرًا مِنْ شَهَوَاتِهِ؛ حِمْيَةً لَهُ وَمَصْلَحَةً، لَا بُخْلًا عَلَيْهِ.
فَأَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ وَأَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ وَأَعْلَمُ الْعَالِمِينَ الَّذِي هُوَ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْهُمْ بِأَنْفُسِهِمْ وَمِنْ آبَائِهِمْ وَأُمَّهَاتِهِمْ إِذَا أَنْزَلَ بِهِمْ مَا يَكْرَهُونَ كَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْ أَلَّا يُنْزِلَهُ بِهِمْ؛ نَظَرًا مِنْهُ لَهُمْ، وَإِحْسَانًا إِلَيْهِمْ، وَلُطْفًا بِهِمْ، وَلَوْ مُكِّنُوا مِنَ الِاخْتِيَارِ لِأَنْفُسِهِمْ لَعَجَزُوا عَنِ الْقِيَامِ بِمَصَالِحِهِمْ عِلْمًا وَإِرَادَةً وَعَمَلًا، لَكِنَّهُ -سُبْحَانَهُ- تَوَلَّى تَدْبِيرَ أُمُورِهِمْ بِمُوجِبِ عِلْمِهِ وَحِكْمَتِهِ وَرَحْمَتِهِ أَحَبُّوا أَمْ كَرِهُوا.
فَعَرَفَ ذَلِك الْمُوقِنُونَ بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، فَلَمْ يَتَّهِمُوهُ فِي شَيْءٍ مِنْ أَحْكَامِهِ، وَخَفِيَ ذَلِكَ عَلَى الْجُهَّالِ بِهِ وَبِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، فَنَازَعُوهُ تَدْبِيرَهُ، وَقَدَحُوا فِي حِكْمَتِهِ، وَلَمْ يَنْقَادُوا لِحُكْمِهِ، وَعَارَضُوا حُكْمَهُ بِعُقُولِهِمُ الْفَاسِدَةِ وَآرَائِهِمُ الْبَاطِلَةِ وَسِيَاسَاتِهِمُ الْجَائِرَةِ، فَلَا لِرَبِّهِمْ عَرَفُوا، وَلَا لِمَصَالِحِهِمْ حَصَّلُوا، وَاللهُ الْمُوَفِّقُ.
وَمَتَى ظَفِرَ الْعَبْدُ بِهَذِهِ الْمَعْرِفَةِ سَكَنَ فِي الدُّنْيَا قَبْلَ الْآخِرَةِ فِي جَنَّةٍ لَا يُشْبِهُ نَعِيمَهَا إِلَّا نَعِيمُ الْآخِرَةِ، فَإِنَّهُ لَا يَزَالُ رَاضِيًا عَنْ رَبِّهِ، وَالرِّضَا جَنَّةُ الدُّنْيَا، وَمُسْتَرَاحُ الْعَارِفِينَ، فَإِنَّهُ طَيِّبُ النَّفْسِ بِمَا يَجْرِي عَلَيْهِ مِنَ الْمَقَادِيرِ الَّتِي هِيَ عَيْنُ اخْتِيَارِ اللهِ لَهُ وطَمْأَنَتِهَا إِلَى أَحْكَامِهِ الدِّينِيَّةِ، وَهَذَا هُوَ الرِّضَا بِاللهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا، وَمَا ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ مَنْ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ ذَلِكَ.
وَهَذَا الرِّضَا هُوَ بِحَسَبِ مَعْرِفَتِهِ بِعَدْلِ اللهِ وَحِكْمَتِهِ وَرَحْمَتِهِ وَحُسْنِ اخْتِيَارِهِ، فَكُلَّمَا كَانَ بِذَلِكَ أَعْرَفَ كَانَ بِهِ أَرْضَى، فَقَضَاءُ الرَّبِّ -سُبْحَانَهُ- فِي عَبْدِهِ دَائِرٌ بَيْنَ الْعَدْلِ وَالْمَصْلَحَةِ، وَالْحِكْمَةِ وَالرَّحْمَةِ، لَا يَخْرُجُ عَنْ ذَلِكَ أَلْبَتَّةَ، كَمَا قَالَ فِي الدُّعَاءِ الْمَشْهُورِ: ((اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ، ابْنُ عَبْدِكَ، ابْنُ أَمَتِكَ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هـُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ، أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي، وَنُورَ صَدْرِي، وَجَلَاءَ حُزْنِي، وَذَهَابَ هَمِّي وَغَمِّي، مَا قَالَهَا أَحَدٌ قَطُّ إِلَّا أَذْهَبَ اللهُ هَمَّهُ وَغَمَّهُ، وَأَبْدَلَهُ مَكَانَهُ فَرَحًا)).
قَالُوا: ((أَفَلَا نَتَعَلَّمُهُنَّ يَا رَسُولَ اللهِ؟)).
قَالَ: ((بِلَى، يَنْبَغِي لِمَنْ يَسْمَعُهُنَّ أَنْ يَتَعَلَّمَهُنَّ)).
وَالْمَقْصُود قَوْلُهُ: ((عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ)): وَهَذَا يتَنَاوَل كُلَّ قَضَاءٍ يَقْضِيهِ عَلَى عَبْدِهِ مِنْ عُقُوبَةٍ أَوْ أَلَمٍ وَسَبَبِ ذَلِكَ، فَهُوَ الَّذِي قَضَى بِالسَّبَبِ وَقَضَى بِالْمُسَبَّبِ، وَهُوَ عَدْلٌ فِي هَذَا الْقَضَاءِ، وَهَذَا الْقَضَاءُ خَيْرٌ لِلْمُؤْمِنِ، كَمَا قَالَ ﷺ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! لَا يَقْضِي اللهُ لِلْمُؤْمِنِ قَضَاءً إِلَّا كَانَ خَيْرًا لَهُ، وَلَيْسَ ذَلِكَ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ)).
((مَنْزِلَةُ الرِّضَا وَحَقِيقَتُهُ))
الْإِنْسَانُ لَا يَصِحُّ لَهُ دِينٌ حَتَّى يَرْضَى عَنْ رَبِّهِ، وَمَنْ لَمْ يَرْضَ عَنْ رَبِّهِ فَمَا عَرَفَ فِي دِينِهِ شَيْئًا.
((قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا)).
وَقَالَ ﷺ: ((مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ: رَضِيتُ بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا؛ غُفِرَتْ لَهُ ذُنُوبُهُ)).
وَهَذَانِ الْحَدِيثَانِ عَلَيْهِمَا مَدَارُ مَقَامَاتِ الدِّينِ، وَإِلَيْهِمَا يَنْتَهِي، وَقَدْ تَضَمَّنَا الرِّضَا بِرُبُوبِيَّتِهِ -سُبْحَانَهُ- وَأُلُوهِيَّتِهِ، وَالرِّضَا بِرَسُولِهِ مَعَ الِانْقِيَادِ لَهُ، وَالرِّضَا بِدِينِهِ وَالتَّسْلِيمِ لَهُ.
وَمَنِ اجْتَمَعَتْ لَهُ هَذِهِ الْأَرْبَعَةُ فَهُوَ الصِّدِّيقُ حَقًّا، وَهِيَ سَهْلَةٌ بِالدَّعْوَى وَاللِّسَانِ، وَمِنْ أَصْعَبِ الْأُمُورِ عِنْدَ الْحَقِيقَةِ وَالِامْتِحَانِ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا جَاءَ مَا يُخَالِفُ هَوَى النَّفْسِ وَمُرَادَهَا مِنْ ذَلِكَ؛ تَبَيَّنَ أَنَّ الرِّضَا كَانَ عَلَى لِسَانِهِ لَا عَلَى حَالِهِ.
* فَالرِّضَا بِإِلَهِيَّتِهِ يَتَضَمَّنُ: الرِّضَا بِمَحَبَّتِهِ، وَخَوْفَهُ، وَرَجَاءَهُ، وَالْإِنَابَةَ إِلَيْهِ، وَالتَّبَتُّلَ إِلَيْهِ، وَانْجِذَابَ قُوَى الْإِرَادَةِ وَالْحُبِّ كُلِّهَا إِلَيْهِ فِعْلَ الرَّاضِي بِمَحْبُوبِهِ كُلَّ الرِّضَا، وَذَلِكَ يَتَضَمَّنُ عِبَادَتَهُ وَالْإِخْلَاصَ لَهُ.
* وَالرِّضَا بِرُبُوبِيَّتِهِ يَتَضَمَّنُ: الرِّضَا بِتَدْبِيرِهِ لِعَبْدِهِ، وَيَتَضَمَّنُ إِفْرَادَهُ بِالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، وَالِاسْتِعَانَةِ بِهِ، وَالثِّقَةِ فِيهِ، وَالِاعْتِمَادِ عَلَيْهِ، وَأَنْ يَكُونَ رَاضِيًا بِكُلِّ مَا يَفْعَلُهُ بِهِ.
وَمَا يَمْلِكُ الْعَبْدُ لِنَفْسِهِ مِنْ نَفْسِهِ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَمْلِكَ لِغَيْرِهِ شَيْئًا، وَإِنَّمَا الْفَاعِلُ فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ اللهُ، فَهُوَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ.
الْأَوَّلُ يَتَضَمَّنُ رِضَاهُ بِمَا يَأْمُرُهُ بِهِ، وَالثَّانِي يَتَضَمَّنُ رِضَاهُ بِمَا يُقَدِّرُهُ عَلَيْهِ.
* وَأَمَّا الرِّضَا بِنَبِيِّهِ رَسُولًا فَيَتَضَمَّنُ: كَمَالَ الِانْقِيَادِ لَهُ، وَالتَّسْلِيمَ الْمُطْلَقَ إِلَيْهِ، بِحَيْثُ يَكُونُ أَوْلَى بِهِ مِنْ نَفْسِهِ، فَلَا يَتَلَقَّى الْهُدَى إِلَّا مِنْ مَوَاقِعِ كَلِمَاتِهِ، وَلَا يُحَاكِمُ إِلَّا إِلَيْهِ، وَلَا يُحَكِّمُ عَلَيْهِ غَيْرَهُ، وَلَا يَرْضَى بِحُكْمِ غَيْرِهِ الْبَتَّةَ؛ لَا فِي شَيْءٍ مِنْ أَسْمَاءِ الرَّبِّ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ، وَلَا فِي شَيْءٍ مِنْ أَذْوَاقِ حَقَائِقِ الْإِيمَانِ وَمَقَامَاتِهِ، وَلَا فِي شَيْءٍ مِنْ أَحْكَامِ ظَاهِرِهِ وَبَاطِنِهِ، لَا يَرْضَى فِي ذَلِكَ بِحُكْمِ غَيْرِهِ، وَلَا يَرْضَى إِلَّا بِحُكْمِهِ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْهُ كَانَ تَحْكِيمُهُ غَيْرَهُ مِنْ بَابِ غِذَاءِ الْمُضْطَرِّ إِذَا لَمْ يَجِدْ مَا يُقِيتُهُ إِلَّا مِنَ الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ، وَأَحْسَنُ أَحْوَالِهِ أَنْ يَكُونَ مِنْ بَابِ التُّرَابِ الَّذِي إِنَّمَا يُتَيَمَّمُ بِهِ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنِ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ الطَّهُورِ.
* وَأَمَّا الرِّضَا بِدِينِهِ: فَإِذَا قَالَ أَوْ حَكَمَ أَوْ أَمَرَ أَوْ نَهَى رَضِيَ كُلَّ الرِّضَا، وَلَمْ يَبْقَ فِي قَلْبِهِ حَرَجٌ مِنْ حُكْمِهِ وَسَلَّمَ لَهُ تَسْلِيمًا وَلَوْ كَانَ مُخَالِفًا لِمُرَادِ نَفْسِهِ أَوْ هَوَاهَا أَوْ قَوْلِ مُقَلَّدِهِ وَشَيْخِهِ وَطَائِفَتِهِ.
وَهَاهُنَا يُوحِشُكَ النَّاسُ كُلُّهُمْ إِلَّا الْغُرَبَاءَ فِي الْعَالَمِ، وَهُمُ الَّذِينَ رَضُوا بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ ﷺ نَبِيًّا وَرَسُولًا.
هَاهُنَا يُوحِشُكَ النَّاسُ كُلُّهُمْ إِلَّا الْغُرَبَاءَ فِي الْعَالَمِ.
فَإِيَّاكَ أَنْ تَسْتَوْحِشَ مِنَ الِاغْتِرَابِ وَالتَّفَرُّدِ؛ فَإِنَّهُ -وَاللَّهِ- عَيْنُ الْعِزِّ وَالصُّحْبَةِ مَعَ اللهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ، وَرُوحُ الْأُنْسِ بِهِ وَالرِّضَا بِهِ رَبًّا وَبِمُحَمَّدٍ ﷺ رَسُولًا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا.
بَلِ الصَّادِقُ كُلَّمَا وَجَدَ مَسَّ الِاغْتِرَابِ وَذَاقَ حَلَاوَتَهُ وَتَنَسَّمَ رَوْحَهُ قَالَ: اللَّهُمَّ زِدْنِي اغْتِرَابًا وَوَحْشَةً مِنَ الْعَالَمِ وَأُنْسًا بِكَ!
وَكُلَّمَا ذَاقَ حَلَاوَةَ هَذَا الِاغْتِرَابِ وَهَذَا التَّفَرُّدِ رَأَى الْوَحْشَةَ عَيْنَ الْأُنْسِ بِالنَّاسِ، وَالذُّلَّ عَيْنَ الْعِزِّ بِهِمْ، وَالْجَهْلَ عَيْنَ الْوُقُوفِ عَلَى آرَائِهِمْ وَزِبَالَةِ أَذْهَانِهِمْ، وَالِانْقِطَاعَ عَيْنَ التَّقَيُّدِ بِرُسُومِهِمْ وَأَوْضَاعِهِمْ، فَلَمْ يُؤْثِرْ بِنَصِيبِهِ مِنَ اللهِ أَحَدًا مِنَ الْخَلْقِ، وَلَمْ يَبِعْ حَظَّهُ مِنَ اللهِ بِمُوَافَقَتِهِمْ فِيمَا لَا يُجْدِي عَلَيْهِ إِلَّا الْحِرْمَانَ، وَغَايَتُهُ مَوَدَّةُ بَيْنِهِمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا.
فَإِذَا انْقَطَعَتِ الْأَسْبَابُ، وَحَقَّتِ الْحَقَائِقُ، وَبُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ، وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ، وَبُلِيَتِ السَّرَائِرُ، وَلَمْ يَجِدْ مِنْ دُونِ مَوْلَاهُ الْحَقِّ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ؛ تَبَيَّنَ لَهُ -حِينَئِذٍ- مَوَاقِعُ الرِّبْحِ وَالْخُسْرَانِ، وَمَا الَّذِي يَخِفُّ أَوْ يَرْجَحُ بِهِ الْمِيزَانُ -وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ وَعَلَيْهِ التُّكْلَانُ-.
وَالتَّحْقِيقُ فِي الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الرِّضَا كَسْبِيٌّ بِاعْتِبَارِ سَبَبِهِ، مَوْهِبِيٌّ بِاعْتِبَارِ حَقِيقَتِهِ، فَيُمْكِنُ أَنْ يُنَالَ بِالْكَسْبِ لِأَسْبَابِهِ، فَإِذَا تَمَكَّنَ فِي أَسْبَابِهِ، وَغَرَسَ شَجَرَتَهُ؛ اجْتَنَى مِنْهَا ثَمَرَةَ الرِّضَا فَإِنَّ الرِّضَا آخِرُ التَّوَكُّلِ، فَمَنْ رَسَخَ قَدَمُهُ فِي التَّوَكُّلِ وَالتَّسْلِيمِ وَالتَّفْوِيضِ حَصَلَ لَهُ الرِّضَا، وَلَكِنْ لِعِزَّتِهِ، وَعَدَمِ إِجَابَةِ أَكْثَرِ النُّفُوسِ لَهُ وَصُعُوبَتِهِ عَلَيْهَا لَمْ يُوجِبْهُ اللهُ عَلَى خَلْقِهِ؛ رَحْمَةً بِهِمْ، وَتَخْفِيفًا عَنْهُمْ، وَإِنَّمَا أَوْجَبَ عَلَيْهِمُ الصَّبْرَ، وَلَمْ يُوجِبْ عَلَيْهِمُ الرِّضَا.
فَالْإِنْسَانُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ سَاخِطًا لِمَا يُؤْلِمُهُ، وَلَمْ يُكَلِّفْهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ بِالرِّضَا عَنْهُ، وَإِنَّمَا كَلَّفَهُ بِالصَّبْرِ عَلَيْهِ، فَلَمْ يُوجِبِ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ عَلَى خَلْقِهِ الرِّضَا؛ رَحْمَةً بِهِمْ، وَتَخْفِيفًا عَنْهُمْ، لَكِنْ نَدَبَهُمْ إِلَيْهِ، وَأَثْنَى عَلَى أَهْلِهِ، وَأَخْبَرَ أَنَّ ثَوَابَهُ رِضَاهُ عَنْهُمُ الَّذِي هُوَ أَعْظَمُ وَأَكْبَرُ وَأَجَلُّ مِنَ الْجِنَانِ وَمَا فِيهَا.
فَمَنْ رَضِيَ عَنْ رَبِّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، بَلْ رِضَا الْعَبْدِ عَنِ اللَّهِ مِنْ نَتَائِجِ رِضَا اللَّهِ عَنْهُ؛ فَهُوَ مَحْفُوفٌ بِنَوْعَيْنِ مِنْ رِضَاهُ عَنْ عَبْدِهِ -كَمَا أَنَّ الذِّكْرَ يَكُونُ مَحْفُوفًا بِذِكْرَيْنِ؛ فَإِنَّ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- إِذَا ذَكَرَهُ وَفَّقَهُ لِذِكْرِهِ فَذَكَرَهُ، فَإِذَا ذَكَرَ الْعَبْدُ رَبَّهُ ذَكَرَهُ؛ فَذِكْرُ الْعَبْدِ رَبَّهُ مَحْفُوفٌ بِذِكْرَيْنِ-.. فَمَنْ رَضِيَ عَنْ رَبِّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، بَلْ رِضَا الْعَبْدِ عَنِ اللَّهِ مِنْ نَتَائِجِ رِضَا اللَّهِ عَنْهُ؛ فَهُوَ مَحْفُوفٌ بِنَوْعَيْنِ مِنْ رِضَاهُ عَنْ عَبْدِهِ: رِضًا قَبْلَهُ أَوْجَبَ لَهُ أَنْ يَرْضَى عَنْهُ، وَرِضًا بَعْدَهُ هُوَ ثَمَرَةُ رِضَاهُ عَنْهُ -فَاللهم ارْضَ عَنَّا يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ-، وَلِذَلِكَ كَانَ الرِّضَا بَابَ اللَّهِ الْأَعْظَمَ، وَجَنَّةَ الدُّنْيَا، وَمُسْتَرَاحَ الْعَارِفِينَ، وَحَيَاةَ الْمُحِبِّينَ، وَنَعِيمَ الْعَابِدِينَ، وَقُرَّةَ عُيُونِ الْمُشْتَاقِينَ.
الرِّضَا بَابُ اللهِ الْأَعْظَمُ، وَجَنَّةُ الدُّنْيَا، وَمُسْتَرَاحُ الْعَارِفِينَ، وَحَيَاةُ الْمُحِبِّينَ، وَنَعِيمُ الْعَابِدِينَ، وَقُرَّةُ عُيُونِ الْمُشْتَاقِينَ)).
((سُبُلُ الْوُصُولِ إِلَى مَقَامِ الرِّضَا))
((مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ حُصُولِ الرِّضَا أَنْ يَلْزَمَ مَا جَعَلَ اللهُ رِضَاهُ فِيهِ؛ فَإِنَّهُ يُوصِلُهُ إِلَى مَقَامِ الرِّضَا وَلَا بُدَّ.
قِيلَ لِيَحْيَى بْنِ مُعَاذٍ: ((مَتَى يَبْلُغُ الْعَبْدُ إِلَى مَقَامِ الرِّضَا؟))
فَقَالَ: ((إِذَا أَقَامَ نَفْسَهُ عَلَى أَرْبَعَةِ أُصُولٍ فِيمَا يُعَامِلُ بِهِ رَبَّهُ، فَيَقُولُ: إِنْ أَعْطَيْتَنِي قَبِلْتُ، وَإِنْ مَنَعْتَنِي رَضِيتُ، وَإِنْ تَرَكْتَنِي عَبَدْتُ، وَإِنْ دَعَوْتَنِي أَجَبْتُ)).
فَإِذَا قَامَ عَلَى هَذِهِ الْأُصُولِ الْأَرْبَعَةِ فِيمَا يُعَامِلُ بِهِ رَبَّهُ بَلَغَ مَقَامَ الرِّضَا.
يَقُولُ: ((إِنْ أَعْطَيْتَنِي قَبِلْتُ، وَإِنْ مَنَعْتَنِي رَضِيتُ، وَإِنْ تَرَكْتَنِي عَبَدْتُ، وَإِنْ دَعَوْتَنِي أَجَبْتُ)) )).
((مَعْنَى الرِّضَا))
((قَالَ الْجُنَيْدُ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((الرِّضَا هُوَ صِحَّةُ الْعِلْمِ الْوَاصِلِ إِلَى الْقَلْبِ؛ فَإِذَا بَاشَرَ الْقَلْبَ حَقِيقَةُ الْعِلْمِ أَدَّاهُ إِلَى الرِّضَا)).
وَلَيْسَ الرِّضَا وَالْمَحَبَّةُ كَالرَّجَاءِ وَالْخَوْفِ؛ فَإِنَّ الرِّضَا وَالْمَحَبَّةَ حَالَانِ مِنْ أَحْوَالِ أَهْلِ الْجَنَّةِ لَا يُفَارِقَانِ الْمُتَلَبِّسَ بِهِمَا فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْبَرْزَخِ وَلَا فِي الْآخِرَةِ، بِخِلَافِ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ؛ فَإِنَّهُمَا يُفَارِقَانِ أَهْلَ الْجَنَّةِ لِحُصُولِ مَا كَانُوا يَرْجُونَهُ وَأَمْنِهِمْ مِمَّا كَانُوا يَخَافُونَهُ، وَإِنْ كَانَ رَجَاؤُهُمْ لِمَا يَنَالُونَ مِنْ كَرَامَتِهِ دَائِمًا، لَكِنَّهُ لَيْسَ رَجَاءً مَشُوبًا بِشَكٍّ، بَلْ هُوَ رَجَاءُ وَاثِقٍ بِوَعْدٍ صَادِقٍ مِنْ حَبِيبٍ قَادِرٍ، فَهَذَا لَوْنٌ، وَرَجَاؤُهُمْ فِي الدُّنْيَا لَوْنٌ.
الرِّضَا: سُكُونُ الْقَلْبِ إِلَى قَدِيمِ اخْتِيَارِ اللهِ لِلْعَبْدِ أَنَّهُ اخْتَارَ لَهُ الْأَفْضَلَ.
فَيَرْضَى بِهِ مَهْمَا كَانَ مُؤْلِمًا لَهُ، وَمَهْمَا كَانَ صَعْبًا عَلَيْهِ، وَمَهْمَا كَانَ ثَقِيلًا عَلَى قَلْبِهِ وَضَمِيرِهِ، إِلَّا أَنَّهُ يَخِفُّ عِنْدَ الرِّضَا، وَيَخِفُّ عِنْدَ الْمَحَبَّةِ.
وَهَذَا الرِّضَا بِمَا مِنْهُ.
وَأَمَّا الرِّضَا بِهِ فَأَعْلَى مِنْ هَذَا وَأَفْضَلُ.
فَفَرْقٌ بَيْنَ مَنْ هُوَ رَاضٍ بِمَحْبُوبِهِ، وَبَيْنَ مَنْ رِضَاهُ بِمَا يَنَالُهُ مِنْ مَحْبُوبِهِ مِنْ حُظُوظِ نَفْسِهِ)).
((الْإِحْسَاسُ بِالْآلَامِ وَالْمَكَارِهِ لَا يُضَادُّ الرِّضَا))
((لَيْسَ مِنْ شَرْطِ الرِّضَا أَلَّا يُحِسَّ بِالْأَلَمِ وَالْمَكَارِهِ، بَلْ أَلَّا يَعْتَرِضَ عَلَى الْحُكْمِ وَلَا يَتَسَخَّطَهُ.
لَيْسَ مِنْ شَرْطِ الرِّضَا أَلَّا يُحِسَّ بِالْأَلَمِ وَالْمَكَارِهِ، بَلْ يُحِسُّ بِالْأَلَمِ وَالْمَكَارِهِ، وَلَكِنْ يُنْسِيهِ الْأَلَمَ مَا يَجِدُ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ سَعَةٍ فِي قَلْبِهِ بِرِضَاهُ عَنْ رَبِّهِ، كَمَا قَالَتِ الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ لَمَّا جُرِحَتْ إِصْبَعُهَا فَضَحِكَتْ.
فَقِيلَ: ((تُجْرَحِينَ ثُمَّ تَضْحَكِينَ؟!)).
فَقَالَتْ: ((إِنَّ عِظَمَ وَلَذَّةَ أَجْرِهَا أَنْسَانِي مَرَارَةَ أَلَمِهَا)).
وَلِهَذَا أَشْكَلَ عَلَى بَعْضِ النَّاسِ الرِّضَا بِالْمَكْرُوهِ وَطَعَنُوا فِيهِ وَقَالُوا: هَذَا مُمْتَنِعٌ عَلَى الطَّبِيعَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ الصَّبْرُ، وَإِلَّا فَكَيْفَ يَجْتَمِعُ الرِّضَا وَالْكَرَاهَةُ وَهُمَا ضِدَّانِ!
وَالصَّوَابُ: أَنَّهُ لَا تَنَاقُضَ بَيْنَهُمَا، وَأَنَّ وُجُودَ التَّأَلُّمِ وَكَرَاهَةَ النَّفْسِ لَهُ لَا يُنَافِي الرِّضَا؛ كَرِضَا الْمَرِيضِ بِشُرْبِ الدَّوَاءِ الْكَرِيهِ، وَرِضَا الصَّائِمِ فِي الْيَوْمِ الشَّدِيدِ الْحَرِّ بِمَا يَنَالُهُ مِنْ أَلَمِ الْجُوعِ وَالظَّمَأِ، وَرِضَا الْمُجَاهِدِ بِمَا يَحْصُلُ لَهُ فِي سَبِيلِ اللهِ مِنْ أَلَمِ الْجِرَاحِ وَغَيْرِهَا)).
((الرِّضَا وَسِيلَةٌ لَا غَايَةٌ))
((قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: ((اسْتَعْمِلِ الرِّضَا جَهْدَكَ، وَلَا تَدَعِ الرِّضَا يَسْتَعْمِلُكَ، فَتَكُونَ مَحْجُوبًا بِلَذَّتِهِ وَرُؤْيَتِهِ عَنْ حَقِيقَةِ مَا تُطَالِعُ)).
وَهَذِهِ عَقَبَةٌ عَظِيمَةٌ؛ فَإِنَّ مُسَاكَنَةَ الْأَحْوَالِ وَالسُّكُونَ إِلَيْهَا، وَالْوُقُوفَ عِنْدَهَا اسْتِلْبَابًا وَمَحَبَّةً حِجَابٌ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَبِّهِمْ بِحُظُوظِهِمْ عَنْ مُطَالَعَةِ حُقُوقِ مَحْبُوبِهِمْ وَمَعْبُودِهِمْ.
وَهِيَ عَقَبَةٌ لَا يَجُوزُهَا إِلَّا أُولُوا الْعَزَائِمِ.
إِيَّاكُمْ وَاسْتِحْلَاءَ الطَّاعَاتِ؛ فَإِنَّهَا سُمُومٌ قَاتِلَاتٌ.
اسْتَعْمِلِ الرِّضَا جَهْدَكَ، وَلَا تَدَعِ الرِّضَا يَسْتَعْمِلُكَ.
لَا يَكُونُ عَمَلُكَ لِأَجْلِ حُصُولِ حَلَاوَةِ الرِّضَا بِحَيْثُ تَكُونُ هِيَ الْبَاعِثَةَ لَكَ عَلَيْهِ، بَلِ اجْعَلْهُ آلَةً لَكَ وَسَبَبًا مُوصِلًا إِلَى مَقْصُودِكَ وَمَطْلُوبِكَ؛ فَتَكُونَ مُسْتَعْمِلًا لَهُ، لَا أَنَّهُ مُسْتَعْمِلٌ لَكَ.
وَهَذَا لَا يَخْتَصُّ بِالرِّضَا، بَلْ هُوَ عَامٌّ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِ الْقَلْبِ الَّتِي يَسْكُنُ إِلَيْهَا الْقَلْبُ، حَتَّى إِنَّهُ -أَيْضًا- لَا يَكُونُ عَامِلًا عَلَى الْمَحَبَّةِ لِأَجْلِ الْمَحَبَّةِ وَمَا فِيهَا مِنَ اللَّذَّةِ وَالسُّرُورِ وَالنَّعِيمِ بِهِ، بَلْ يَسْتَعْمِلُ الْمَحَبَّةَ فِي مَرَاضِي الْمَحْبُوبِ لَا يَقِفُ عِنْدَهَا؛ فَالْوُقُوفُ عِنْدَهَا مِنْ عِلَلِ الْمَحَبَّةِ، بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَعْمِلَ الْمَحَبَّةَ فِي مَرَاضِي الْمَحْبُوبِ، وَعَلَيْهِ أَلَّا يَقِفَ عِنْدَهَا، فَهَذَا مِنْ عِلَلِ الْمَحَبَّةِ)).
((عَلَامَاتُ الرِّضَا وَدَلَائِلُهُ))
((ثَلَاثَةٌ مِنْ أَعْلَامِ الرِّضَا: تَرْكُ الِاخْتِيَارِ قَبْلَ الْقَضَاءِ، وَفِقْدَانُ الْمَرَارَةِ بَعْدَ الْقَضَاءِ، وَهَيَجَانُ الْحُبِّ فِي حَشْوِ الْبَلَاءِ.
قِيلَ لِلْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-: إِنَّ أَبَا ذَرٍّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- يَقُولُ: ((الْفَقْرُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الْغِنَى، وَالسَّقَمُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الصِّحَّةِ)).
فَقَالَ: ((رَحِمَ اللهُ أَبَا ذَرٍّ! أَمَّا أَنَا فَأَقُولُ: مَنِ اتَّكَلَ عَلَى حُسْنِ اخْتِيَارِ اللهِ لَهُ لَمْ يَتَمَنَّ غَيْرَ مَا اخْتَارَ اللهُ لَهُ)).
مَنِ اتَّكَلَ عَلَى حُسْنِ اخْتِيَارِ اللهِ لَهُ لَمْ يَتَمَنَّ غَيْرَ مَا اخْتَارَ اللهُ لَهُ.
الرِّضَا أَفْضَلُ مِنَ الزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا؛ لِأَنَّ الرَّاضِي لَا يَتَمَنَّى فَوْقَ مَنْزِلَتِهِ.
وَسُئِلَ أَبُو عُثْمَانَ عَنْ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: ((أَسْأَلُكَ الرِّضَا بَعْدَ الْقَضَاءِ)).
فَقَالَ: ((لِأَنَّ الرِّضَا قَبْلَ الْقَضَاءِ عَزْمٌ عَلَى الرِّضَا، وَالرِّضَا بَعْدَ الْقَضَاءِ هُوَ الرِّضَا)).
الرِّضَا قَبْلَ الْقَضَاءِ عَزْمٌ عَلَى الرِّضَا، وَأَمَّا الرِّضَا بَعْدَ الْقَضَاءِ فَهُوَ الرِّضَا)).
وَإِنَّمَا كَانَ مِنْ أَوَّلِ مَسَالِكِ أَهْلِ السَّعْيِ إِلَى جَنَّاتِ الْخُلْدِ وَتَحْصِيلِ مَرْضَاةِ الرَّبِّ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ لَا يَصِلُ إِلَى ذَلِكَ إِلَّا بِعِلْمٍ وَعَمَلٍ، وَمُجَاهَدَةٍ لِهَوَاهُ، وَاسْتِحْوَاذٍ عَلَى شَهَوَاتِ نَفْسِهِ وَلَذَّاتِهَا.
((حُكْمُ الرِّضَا بِاللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- وَعَنْهُ))
((الرِّضَا بِهِ -تَعَالَى- رَبًّا فَرْضٌ، بَلْ هُوَ مِنْ آكَدِ الْفُرُوضِ بِاتِّفَاقِ الْأُمَّةِ، فَمَنْ لَمْ يَرْضَ بِهِ رَبًّا لَمْ يَصِحَّ لَهُ إِسْلَامٌ وَلَا عَمَلٌ وَلَا حَالٌ.
وَأَمَّا الرِّضَا بِقَضَائِهِ فَأَكْثَرُ النَّاسِ عَلَى أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ.
فَفَرْقٌ بَيْنَ الرِّضَا بِهِ، وَالرِّضَا بِقَضَائِهِ.
فَأَمَّا الرِّضَا بِهِ رَبًّا فَوَاجِبٌ وَفَرْضٌ، وَمَنْ لَمْ يَرْضَ بِاللَّهِ رَبًّا فَلَيْسَ إِلَى الْإِسْلَامِ بِسَبَبٍ.
وَأَمَّا الرِّضَا بِقَضَائِهِ فَإِنَّهُ مُسْتَحَبٌّ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ؛ رَحْمَةً مِنَ اللهِ بِخَلْقِهِ.
وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: ((بَلِ الرِّضَا بِقَضَائِهِ وَاجِبٌ)).
وَهُمَا قَوْلَانِ فِي مَذْهَبِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ.
فَالْفَرْقُ بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ فَرْقُ مَا بَيْنَ الرِّضَا وَالنَّدْبِ.
وَفِي الْحَدِيثِ الْإِلَهِيِّ الصَّحِيحِ يَقُولُ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ-: ((مَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِمِثْلِ أَدَاءِ مَا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ)).
فَدَلَّ عَلَى أَنَّ التَّقَرُّبَ إِلَيْهِ -سُبْحَانَهُ- بِأَدَاءِ فَرَائِضِهِ أَفْضَلُ وَأَعْلَى مِنَ التَّقَرُّبِ إِلَيْهِ بِالنَّوَافِلِ، وَأَيْضًا فَإِنَّ الرِّضَا بِهِ رَبًّا يَتَضَمَّنُ الرِّضَا عَنْهُ وَيَسْتَلْزِمُهُ؛ فَإِنَّ الرِّضَا بِرُبُوبِيَّتِهِ هُوَ رِضَا الْعَبْدِ بِمَا يَأْمُرُهُ بِهِ وَيَنْهَاهُ عَنْهُ، وَيَقْسِمُهُ لَهُ، وَيُقَدِّرُهُ عَلَيْهِ، وَيُعْطِيهِ إِيَّاهُ، وَيَمْنَعُهُ حِرْمَانًا مِنْهُ.
فَمَتَى لَمْ يَرْضَ بِذَلِكَ كُلِّهِ لَمْ يَكُنْ قَدْ رَضيَ بِهِ رَبًّا مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ، وَإِنْ كَانَ رَاضِيًا بِهِ رَبًّا مِنْ بَعْضِهَا؛ فَالرِّضَا بِهِ رَبًّا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ يَسْتَلْزِمُ الرِّضَا عَنْهُ وَيَتَضَمَّنُهُ بِلَا رَيْبٍ.
وَأَيْضًا فَالرِّضَا بِهِ رَبًّا: يَتَعَلَّقُ بِذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَسْمَائِهِ وَرُبُوبِيَّتِهِ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ؛ فَهُوَ الرِّضَا بِهِ خَالِقًا، وَمُدَبِّرًا، وَآمِرًا وَنَاهِيًا، وَمَالِكًا، وَمُعْطِيًا، وَمَانِعًا وَحَكَمًا، وَحَاكِمًا، وَوَكِيلًا، وَوَلِيًّا، وَنَاصِرًا، وَمُعِينًا، وَكَافِيًا، وَحَسِيبًا، وَرَقِيبًا، وَمُبْتَلِيًا وَمُعَاقِبًا، وَقَابِضًا وَبَاسِطًا، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ صِفَاتِ رُبُوبِيَّتِهِ.
وَأَمَّا الرِّضَا عَنْهُ: فَهُوَ رِضَا الْعَبْدِ بِمَا يَفْعَلُهُ بِهِ وَيُعْطِيهِ إِيَّاهُ، وَلِهَذَا إِنَّمَا جَاءَ فِي الثَّوَابِ وَالْجَزَاءِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً} [الفجر: 27-28]، فَهَذَا رِضَاهَا عَنْهُ بِمَا حَصَلَ لَهَا مِنْ كَرَامَتِهِ.
وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: {جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۖ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۚ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ} [البينة: 8].
فَالرِّضَا بِهِ أَصْلٌ لِلرِّضَا عَنْهُ، وَالرِّضَا عَنْهُ ثَمَرَةُ الرِّضَا بِهِ.
فَاللهم ارْزُقْنَا الرِّضَا بِكَ وَعَنْكَ، وَارْضَ عَنَّا يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.
وَسِرُّ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الرِّضَا بِهِ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، وَالرِّضَا عَنْهُ مُتَعَلِّقٌ بِثَوَابِهِ وَجَزَائِهِ.
فَالرِّضَا بِهِ أَصْلٌ لِلرِّضَا عَنْهُ، وَالرِّضَا عَنْهُ ثَمَرَةُ الرِّضَا بِهِ.
وَالنَّبِيُّ ﷺ عَلَّقَ ذَوْقَ طَعْمِ الْإِيمَانِ بِمَنْ رَضِيَ بِهِ رَبًّا، وَلَمْ يُعَلِّقْهُ بِمَنْ رَضِيَ عَنْهُ، كَمَا قَالَ ﷺ: ((ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا)).
فَجَعَلَ الرِّضَا بِهِ قَرِينَ الرِّضَا بِدِينِهِ وَرَسُولِهِ، وَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ هِيَ أُصُولُ الْإِسْلَامِ الَّتِي لَا يَقُومُ إِلَّا بِهَا وَعَلَيْهَا؛ فَالرِّضَا بِهِ رَبًّا يَتَضَمَّنُ تَوْحِيدَهُ، وَعِبَادَتَهُ، وَالْإِنَابَةَ إِلَيْهِ، وَالتَّوَكُّلَ عَلَيْهِ، وَخَوْفَهُ، وَرَجَاءَهُ، وَمَحَبَّتَهُ، وَالصَّبْرَ لَهُ وَبِهِ، وَالشُّكْرَ عَلَى نَعْمَائِهِ، بَلْ يَتَضَمَّنُ رُؤْيَةَ كُلِّ مَا مِنْهُ نِعْمَةً وَإِحْسَانًا وَإِنْ سَاءَ عَبْدَهُ.
فَالرِّضَا بِهِ رَبًّا يَتَضَمَّنُ شَهَادَةَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ.
وَالرِّضَا بِمُحَمَّدٍ رَسُولًا يَتَضَمَّنُ شَهَادَةَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ.
وَالرِّضَا بِالْإِسْلَامِ دِينًا يَتَضَمَّنُ الْتِزَامَ عُبُودِيَّتِهِ وَطَاعَتِهِ وَطَاعَةِ رَسُولِهِ؛ فَجَمَعَتْ هَذِهِ الثَّلَاثَةُ الدِّينَ كُلَّهُ.
وَالرِّضَا بِهِ رَبًّا يَتَضَمَّنُ اتِّخَاذَهُ مَعْبُودًا دُونَ مَا سِوَاهُ، وَاتِّخَاذَهُ وَلِيًّا وَمَعْبُودًا وَإِبْطَالَ عِبَادَةِ كُلِّ مَا سِوَاهُ، وَقَدْ قَالَ -تَعَالَى- لِرَسُولِهِ ﷺ: {أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا} [الأنعام: 114].
وَقَالَ: {قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا} [الأنعام: 14].
وَقَالَ: {قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ} [الأنعام: 164].
فَهَذَا هُوَ عَيْنُ الرِّضَا بِهِ رَبًّا، جَعَلَ حَقِيقَةَ الرِّضَا بِهِ رَبًّا أَنْ يَسْخَطَ عِبَادَةَ مَا دُونَهُ؛ فَمَتَى سَخِطَ الْعَبْدُ عِبَادَةَ مَا سِوَاهُ مِنَ الْآلِهَةِ الْبَاطِلَةِ حُبًّا وَخَوْفًا وَرَجَاءً وَتَعْظِيمًا وَإِجْلَالًا فَقَدْ تَحَقَّقَ بِالرِّضَا بِهِ رَبًّا الَّذِي هُوَ قُطْبُ رَحَى الْإِسْلَامِ، وَإِنَّمَا كَانَ قُطْبَ رَحَى الدِّينِ؛ لِأَنَّ جَمِيعَ الْعَقَائِدِ وَالْأَعْمَالِ وَالْأَحْوَالِ إِنَّمَا تَنْبَنِي عَلَى تَوْحِيدِ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ- فِي الْعِبَادَةِ، وَسُخْطِ عِبَادَةِ مَا سِوَاهُ، فَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ هَذَا الْقُطْبُ لَمْ يَكُنْ لَهُ رَحًى تَدُورُ عَلَيْهِ، وَمَنْ حَصَلَ لَهُ هَذَا الْقُطْبُ ثَبَتَتْ لَهُ الرَّحَى الَّتِي تَدُورُ عَلَيْهِ، فَيَخْرُجُ -حِينَئِذٍ- مِنْ دَائِرَةِ الشِّرْكِ إِلَى دَائِرَةِ الْإِسْلَامِ، فَتَدُورُ رَحَى إِسْلَامِهِ وَإِيمَانِهِ عَلَى قُطْبِهَا الثَّابِتِ اللَّازِمِ؛ فَإِنَّهُ جَعَلَ حُصُولَ هَذِهِ الدَّرَجَةِ مِنَ الرِّضَا مَوْقُوفًا عَلَى كَوْنِ الْمَرْضِيِّ بِهِ رَبًّا سُبْحَانَهُ أَحَبَّ إِلَى الْعَبْدِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَأَوْلَى الْأَشْيَاءِ بِالتَّعظِيمِ، وَأَحَقَّ الْأَشْيَاءِ بِالطَّاعَةِ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا يَجْمَعُ قَوَاعِدَ الْعُبُودِيَّةِ، وَيَنْتَظِمُ فُرُوعَهَا وَشُعَبَهَا.
وَلَمَّا كَانَتِ الْمَحَبَّةُ التَّامَّةُ مَيْلَ الْقَلْبِ بِكُلِّيَّتِهِ إِلَى الْمَحْبُوبِ كَانَ ذَلِكَ الْمَيْلُ حَامِلًا عَلَى طَاعَتِهِ وَتَعْظِيمِهِ، وَكُلَّمَا كَانَ الْمَيْلُ أَقْوَى كَانَتِ الطَّاعَةُ أَتَمَّ وَالتَّعْظِيمُ أَوْفَرَ، وَهَذَا الْمَيْلُ يُلَازِمُ الْإِنْسَانَ، بَلْ هُوَ رُوحُ الْإِيمَانِ وَلُبُّهُ، فَأَيُّ شَيْءٍ يَكُونُ أَعْلَى مِنْ أَمْرٍ يَتَضَمَّنُ أَنْ يَكُونَ اللهُ سُبْحَانَهُ أَحَبَّ الْأَشْيَاءِ إِلَى الْعَبْدِ وَأَوْلَى الْأَشْيَاءِ بِالتَّعْظِيمِ، وَأَحَقَّ الْأَشْيَاءِ بِالطَّاعَةِ؟!
وَبِهَذَا يَجِدُ الْعَبْدُ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ كَمَا فِي ((الصَّحِيحِ)) عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: ((ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ: مَنْ كَانَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَمَنْ كَانَ يُحِبُّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَمَنْ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللهُ مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ)).
فَعَلَّقَ ذَوْقَ الْإِيمَانِ بِالرِّضَا بِاللَّهِ رَبًّا، وَعَلَّقَ وَجْدَ حَلَاوَتِهِ بِمَا هُوَ مَوْقُوفٌ عَلَيْهِ وَلَا يَتِمُّ إِلَّا بِهِ، وَهُوَ كَوْنُهُ -سُبْحَانَهُ- أَحَبَّ الْأَشْيَاءِ إِلَى الْعَبْدِ هُوَ وَرَسُولُهُ.
وَلَمَّا كَانَ هَذَا الْحُبُّ التَّامُّ وَالْإِخْلَاصُ الَّذِي هُوَ ثَمَرَتُهُ أَعْلَى مِنْ مُجَرَّدِ الرِّضَا بِرُبُوبِيَّتِهِ -سُبْحَانَهُ- كَانَتْ ثَمَرَتُهُ أَعْلَى وَهِيَ وَجْدُ حَلَاوَةِ الْإِيمَانِ، وَثَمَرَةُ الرِّضَا ذَوْقُ طَعْمِ الْإِيمَانِ؛ فَهَذَا وَجْدٌ لِحَلَاوَةٍ، وَذَاكَ ذَوْقٌ لِطَعْمٍ -وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ-)).
وَهُوَ الْمَسْؤُولُ وَحْدَهُ أَنْ يَرْزُقَنَا الرِّضَا بِهِ وَعَنْهُ، وَأَنْ يَرْزُقَنَا الرِّضا بِرَسُولِهِ ﷺ نَبِيًّا وَرَسُولًا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَأَنْ يُحْيِيَنَا مُؤْمِنِينَ، وَأَنْ يَتَوَفَّانَا مُؤْمِنِينَ، وَأَنْ يُلْحِقَنَا بِالصَّالِحِينَ.
((طَرِيقُ الرِّضَا وَسُبُلُهُ وَثَمَرَاتُهُ))
((الرِّضَا عَنِ اللَّهِ نَطَقَتْ بِهِ آيَاتُ التَّنْزِيلِ، وَهُوَ الرِّضَا عَنْهُ فِي كُلِّ مَا قَضَى وَقَدَّرَ. الرِّضَا بِالْقَضَاءِ الدِّينِيِّ الشَّرْعِيِّ وَاجِبٌ، وَهُوَ أَسَاسُ الْإِسْلَامِ وَقَاعِدَةُ الْإِيمَانِ، فَيَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ أَنْ يَكُونَ رَاضِيًا بِهِ بِلَا حَرَجٍ، وَلَا مُنَازَعَةٍ، وَلَا مُعَارَضَةٍ، وَلَا اعْتِرَاضٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: ٦٥].
فَأَقْسَمَ أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوا رَسُولَهُ، وَحَتَّى يَرْتَفِعَ الْحَرَجُ مِنْ نُفُوسِهِمْ مِنْ حُكْمِهِ، وَحَتَّى يُسَلِّمُوا لِحُكْمِهِ تَسْلِيمًا، وَهَذَا حَقِيقَةُ الرِّضَا بِحُكْمِهِ.
فَالتَّحْكِيمُ: فِي مَقَامِ الْإِسْلَامِ، وَانْتِفَاءُ الْحَرَجِ: فِي مَقَامِ الْإِيمَانِ، وَالتَّسْلِيمُ: فِي مَقَامِ الْإِحْسَانِ.
وَمَتَّى خَالَطَ الْقَلْبَ بَشَاشَةُ الْإِيمَانِ، وَاكْتَحَلَتْ بَصِيرَتُهُ بِحَقِيقَةِ الْيَقِينِ، وَحَيِيَ بِرُوحِ الْوَحْيِ، وَتَمَهَّدَتْ طَبِيعَتُهُ، وَانْقَلَبَتِ النَّفْسُ الْأَمَّارَةُ مُطَمَئِنَّةً رَاضِيَةً وَادِعَةً، وَتَلَقَّى أَحْكَامَ الرَّبِّ -تَعَالَى- بِصَدْرٍ وَاسِعٍ مُنْشَرِحٍ مُسَلِّمٍ؛ فَقَدْ رَضِيَ كُلَّ الرِّضَا بِهَذَا الْقَضَاءِ الدِّينِيِّ الْمَحْبُوبِ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ.
وَالرِّضَا بِالْقَضَاءِ الْكَوْنِيِّ الْقَدَرِيِّ، الْمُوَافِقِ لِمَحَبَّةِ الْعَبْدِ وَإِرَادَتِهِ وَرِضَاهُ -مِنَ الصِّحَّةِ، وَالْغِنَى، وَالْعَافِيَةِ، وَاللَّذَّةِ- أَمْرٌ لَازِمٌ بِمُقْتَضَى الطَّبِيعَةِ؛ لِأَنَّهُ مُلَائِمٌ لِلْعَبْدِ، مَحْبُوبٌ لَهُ، فَلَيْسَ فِي هَذَا الرِّضَا بِهِ عُبُودِيَّةٌ، بَلِ الْعُبُودِيَّةُ فِي مُقَابَلَةِ هَذَا بِالشُّكْرِ، وَالِاعْتِرَافِ بِالْمِنَّةِ، وَوَضْعِ النِّعْمَةِ مَوَاضِعَهَا الَّتِي يُحِبُّ اللَّهُ أَنْ تُوضَعَ فِيهَا، وَأَلَّا يُعْصَى الْمُنْعِمُ بِهَا، وَأَنْ يُرَى التَّقْصِيرُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ.
وَالرِّضَا بِالْقَضَاءِ الْكَوْنِيِّ الْقَدَرِيِّ، الْجَارِي عَلَى خِلَافِ مُرَادِ الْعَبْدِ وَمَحَبَّتِهِ -مِمَّا لَا يُلَائِمُهُ، وَلَا يَدْخُلُ تَحْتَ اخْتِيَارِهِ- مُسْتَحَبٌّ، وَهُوَ مِنْ مَقَامَاتِ أَهْلِ الْإِيمَانِ، وَفِي وُجُوبِهِ قَوْلَانِ، وَهَذَا كَالْمَرَضِ وَالْفَقْرِ، وَأَذَى الْخَلْقِ لَهُ، وَالْحَرِّ وَالْبَرْدِ، وَالْآلَامِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَالرِّضَا بِالْقَدَرِ الْجَارِي عَلَيْهِ بِاخْتِيَارِهِ - مِمَّا يَكْرَهُهُ اللَّهُ وَيَسْخَطُهُ، وَيَنْهَى عَنْهُ - كَأَنْوَاعِ الظُّلْمِ وَالْفُسُوقِ وَالْعِصْيَانِ: حَرَامٌ يُعَاقَبُ عَلَيْهِ، وَهُوَ مُخَالَفَةٌ لِرَبِّهِ -تَعَالَى-؛ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى بِذَلِكَ وَلَا يُحِبُّهُ)).
((طُرُقُ الرِّضَا طَرِيقٌ وَاحِدٌ، طَرِيقٌ مُخْتَصَرَةٌ قَرِيبَةٌ جِدًّا، مُوصِلَةٌ إِلَى أَجْلِّ غَايَةٍ، وَلَكِنَّ فِيهَا مَشَقَّةً، وَمَعَ هَذَا فَلَيْسَتْ مَشَقَّتُهَا بِأَصْعَبَ مِنْ مَشَقَّةِ طَرِيقِ الْمُجَاهَدَةِ، وَلَا فِيهَا مِنَ الْعَقَبَاتِ وَالْمَفَاوِزِ مَا فِيهَا، وَإِنَّمَا عَقَبَتُهَا هِمَّةٌ عَالِيَةٌ، وَنَفْسٌ زَكِيَّةٌ، وَتَوْطِينٌ لِلنَّفْسِ عَلَى كُلِّ مَا يَرِدُ عَلَيْهَا مِنَ اللهِ.
وَيُسَهِّلُ ذَلِكَ عَلَى الْعَبْدِ عِلْمُهُ بِضَعْفِهِ وَعَجْزِهِ، وَرَحْمَةِ رَبِّهِ، وَشَفَقَتِهِ عَلَيْهِ، وَبِرِّهِ بِهِ.
فَإِذَا شَهِدَ هَذَا وَهَذَا، وَلَمْ يَطْرَحْ نَفْسَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَيَرْضَ بِهِ وَعَنْهُ، وَلَمْ تَنْجَذِبْ دَوَاعِي حُبِّهِ وَرِضَاهُ كُلُّهَا إِلَيْهِ؛ فَنَفْسُهُ نَفْسٌ مَطْرُودَةٌ عَنِ اللهِ، بَعِيدَةٌ عَنْهُ، لَيْسَتْ مُؤَهَّلَةً لِقُرْبِهِ وَمُوَالَاتِهِ، أَوْ نَفْسٌ مُمْتَحَنَةٌ مُبْتَلَاةٌ بِأَصْنَافِ الْبَلَايَا وَالْمِحَنِ.
فَطَرِيقُ الرِّضَا وَالْمَحَبَّةِ تُسَيِّرُ الْعَبْدَ وَهُوَ مُسْتَلْقٍ عَلَى فِرَاشِهِ فَيُصْبِحُ أَمَامَ الرَّكْبِ بِمَرَاحِلَ.
مَنْ لِي بِمِثْلِ سَيْرِكَ الْمُدَلَّلِ = تَمْشِي الْهُوَيْنَا وَتَجِي فِي الْأَوَّلِ
فَطَرِيقُ الرِّضَا وَالْمَحَبَّةِ تُسَيِّرُ الْعَبْدَ وَهُوَ مُسْتَلْقٍ عَلَى فِرَاشِهِ فَيُصْبِحُ أَمَامَ الرَّكْبِ بِمَرَاحِلَ.
وَثَمَرَةُ الرِّضَا الْفَرَحُ وَالسُّرُورُ بِالرَّبِّ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- )).
لِلرِّضَا عَنِ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا- سُبُلٌ وَوَسَائِلُ، وَلَهُ ثَمَرَاتٌ عَظِيمَةٌ، قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((وَيَصِحُّ -الرِّضَا عَنِ اللهِ -تَعَالَى- بِثَلَاثَةِ شَرَائِطَ: بِاسْتِوَاءِ الْحَالَاتِ عِنْدَ الْعَبْدِ، وَسُقُوطِ الْخُصُومَةِ مَعَ الْخَلْقِ، وَالْخَلَاصِ مِنَ الْمَسْأَلَةِ وَالْإِلْحَاحِ.
يَعْنِي: أَنَّ الرِّضَا عَنِ اللَّهِ إِنَّمَا يَتَحَقَّقُ بِهَذِهِ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ؛ فَإِنَّ الرَّاضِيَ الْمُوَافِقَ تَسْتَوِي عِنْدَهُ الْحَالَاتُ -مِنَ النِّعْمَةِ وَالْبَلِيَّةِ- فِي رِضَاهُ بِحُسْنِ اخْتِيَارِ اللَّهِ -تَعَالَى- لَهُ.
وَلَيْسَ الْمُرَادُ اسْتِوَاءَهَا عِنْدَهُ فِي مُلَاءَمَتِهِ وَمُنَافَرَتِهِ؛ فَإِنَّ هَذَا خِلَافُ الطَّبْعِ الْبَشَرِيِّ، بَلْ خِلَافُ الطَّبْعِ الْحَيَوَانِيِّ.
وَلَيْسَ الْمُرَادُ -أَيْضًا- اسْتِوَاءَ الْحَالَاتِ عِنْدَهُ فِي الطَّاعَةِ وَالْمَعْصِيَةِ؛ فَإِنَّ هَذَا مُنَافٍ لِلْعُبُودِيَّةِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ.
وَإِنَّمَا تَسْتَوِي النِّعْمَةُ وَالْبَلِيَّةُ عِنْدَهُ فِي الرِّضَا بِهِمَا لِوُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ مُفَوَّضٌ، وَالْمُفَوَّضُ رَاضٍ بِكُلِّ مَا اخْتَارَهُ لَهُ مَنْ فَوَّضَ إِلَيْهِ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا عَلِمَ كَمَالَ حِكْمَتِهِ وَرَحْمَتِهِ وَلُطْفِهِ، وَعَلِمَ حُسْنَ اخْتِيَارِهِ لَهُ.
الثَّانِي: أَنَّهُ جَازِمٌ بِأَنَّهُ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ، وَلَا رَادَّ لِحُكْمِهِ، وَأَنَّهُ مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، فَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ كُلًّا مِنَ الْبَلِيَّةِ وَالنِّعْمَةِ بِقَضَاءٍ سَابِقٍ وَقَدَرٍ حَتْمٍ.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ عَبْدٌ مَحْضٌ، وَالْعَبْدُ الْمَحْضُ لَا يَسْخَطُ جَرَيَانَ أَحْكَامِ سَيِّدِهِ الْمُشْفِقِ الْبَارِّ النَّاصِحِ الْمُحْسِنِ، بَلْ يَتَلَقَّاهَا كُلَّهَا بِالرِّضَا بِهِ وَعَنْهُ.
الرَّابِعُ: أَنَّهُ مُحِبٌّ، وَالْمُحِبُّ الصَّادِقُ: مَنْ رَضِيَ بِمَا يُعَامِلُهُ بِهِ حَبِيبُهُ.
الْخَامِسُ: أَنَّهُ جَاهِلٌ بِعَوَاقِبِ الْأُمُورِ، وَسَيِّدُهُ أَعْلَمُ بِمَصْلَحَتِهِ وَبِمَا يَنْفَعُهُ.
مِنَ الْوُجُوهِ الَّتِي تَسْتَوِي النِّعْمَةُ وَالْبَلِيَّةُ عِنْدَ الْعَبْدِ فِي الرِّضَا بِهَا:
الْوَجْهُ السَّادِسُ: أَنَّهُ لَا يُرِيدُ إِلَّا مَصْلَحَتَهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَلَوْ عَرَفَ أَسْبَابَهَا فَهُوَ جَاهِلٌ ظَالِمٌ، وَرَبُّهُ -تَعَالَى- يُرِيدُ مَصْلَحَتَهُ، وَيَسُوقُ إِلَيْهِ أَسْبَابَهَا، وَمِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِهَا: مَا يَكْرَهُهُ الْعَبْدُ؛ فَإِنَّ مَصْلَحَتَهُ فِيمَا يَكْرَهُ أَضْعَافُ أَضْعَافِ مَصْلَحَتِهِ فِيمَا يُحِبُّ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: ٢١٦]، وَقَالَ تَعَالَى: {فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} [النساء: ١٩].
السَّابِعُ مِنَ الْوُجُوهِ الَّتِي تَسْتَوِي النِّعْمَةُ وَالْبَلِيَّةُ عِنْدَ الْعَبْدِ بِهَا: أَنَّهُ مُسْلِمٌ، وَالْمُسْلِمُ مَنْ قَدْ سَلَّمَ نَفْسَهُ لِلَّهِ، وَلَمْ يَعْتَرِضْ عَلَيْهِ فِي جَرَيَانِ أَحْكَامِهِ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَتَسَخَّطْ بِذَلِكَ.
الثَّامِنُ: أَنَّهُ عَارِفٌ بِرَبِّهِ، حَسَنُ الظَّنِّ بِهِ، لَا يَتَّهِمُهُ فِيمَا يُجْرِيهِ عَلَيْهِ مِنْ أَقَضَيْتِهِ وَأَقْدَارِهِ، فَحُسْنُ ظَنِّهِ بِهِ يُوجِبُ لَهُ اسْتِوَاءَ الْحَالَاتِ عِنْدَهُ، وَرِضَاهُ بِمَا يَخْتَارُهُ لَهُ سَيِّدُهُ -سُبْحَانَهُ-.
التَّاسِعُ: أَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ حَظَّهُ مِنَ الْمَقْدُورِ مَا يَتَلَقَّاهُ بِهِ مِنْ رِضًا وَسَخَطٍ، فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ، فَإِنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا، وَإِنْ سَخِطَ فَلَهُ السَّخَطُ.
الْعَاشِرُ: عِلْمُهُ بِأَنَّهُ إِذَا رَضِيَ انْقَلَبَ فِي حَقِّهِ نِعْمَةً وَمِنْحَةً، وَخَفَّ عَلَيْهِ حَمْلُهُ، وَأُعِينَ عَلَيْهِ، وَإِذَا سَخِطَهُ تَضَاعَفَ عَلَيْهِ ثِقَلُهُ وَكَلُّهُ، وَلَمْ يَزْدَدْ إِلَّا شِدَّةً، فَلَوْ أَنَّ السَّخَطَ يُجْدِي عَلَيْهِ شَيْئًا لَكَانَ لَهُ فِيهِ رَاحَةٌ، فَلَا أَنْفَعَ لَهُ مِنَ الرِّضَا بِهِ.
وَنُكْتَةُ الْمَسْأَلَةِ: إِيمَانُهُ بِأَنَّ قَضَاءَ الرَّبِّ -تَعَالَى- خَيْرٌ لَهُ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! لَا يَقْضِي اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِ قَضَاءً إِلَّا كَانَ خَيْرًا لَهُ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَلَيْسَ ذَلِكَ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي ((صَحِيحِهِ)).
الْحَادِيَ عَشَرَ: أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ تَمَامَ عُبُودِيَّتِهِ فِي جَرَيَانِ مَا يَكْرَهُهُ مِنَ الْأَحْكَامِ عَلَيْهِ، وَلَوْ لَمْ يَجْرِ عَلَيْهِ مِنْهَا إِلَّا مَا يُحِبُّ لَكَانَ أَبْعَدَ شَيْءٍ عَنْ عُبُودِيَّةِ رَبِّهِ، فَلَا تَتِمُّ لَهُ عُبُودِيَّتُهُ -مِنَ الصَّبْرِ، وَالتَّوَكُّلِ، وَالرِّضَا، وَالتَّضَرُّعِ، وَالِافْتِقَارِ، وَالذُّلِّ، وَالْخُضُوعِ، وَغَيْرِهَا- إِلَّا بِجَرَيَانِ الْقَدَرِ لَهُ بِمَا يَكْرَهُهُ، وَلَيْسَ الشَّأْنُ فِي الرِّضَا بِالْقَضَاءِ الْمُلَائِمِ لِلطَّبِيعَةِ، إِنَّمَا الشَّأْنُ فِي الْقَضَاءِ الْمُؤْلِمِ الْمُنَافِرِ لِلطَّبْعِ.
الْوَجْهُ الثَّانِي عَشَرَ: أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ رِضَاهُ عَنْ رَبِّهِ -عَزَّ وَجَلَّ- فِي جَمِيعِ الْحَالَاتِ يُثْمِرُ رِضَا رَبِّهِ عَنْهُ.
الثَّالِثَ عَشَرَ: أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ أَعْظَمَ رَاحَتِهِ وَسُرُورَهُ وَنَعِيمَهُ فِي الرِّضَا عَنْ رَبِّهِ فِي جَمِيعِ الْحَالَاتِ. فَإِنَّ الرِّضَا بَابُ اللَّهِ الْأَعْظَمُ، وَمُسْتَرَاحُ الْعَارِفِينَ، وَجَنَّةُ الدُّنْيَا، فَجَدِيرٌ بِمَنْ نَصَحَ نَفْسَهُ أَنْ تَشْتَدَّ رَغْبَتُهُ فِيهِ، لَا يَسْتَبْدِلَ بِغَيْرِهِ مِنْهُ.
الرَّابِعَ عَشَرَ: أَنَّ السُّخْطَ بَابُ الْهَمِّ وَالْغَمِّ وَالْحُزْنِ، وَشَتَاتِ الْقَلْبِ، وَكَسْفِ الْبَالِ، وَسُوءِ الْحَالِ، وَالظَّنِّ بِاللَّهِ خِلَافَ مَا هُوَ أَهْلُهُ، وَالرِّضَا يُخَلِّصُهُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، وَيَفْتَحُ لَهُ بَابَ جَنَّةِ الدُّنْيَا قَبْلَ جَنَّةِ الْآخِرَةِ.
الْخَامِسَ عَشَرَ: أَنَّ الرِّضَا يُوجِبُ لَهُ الطُّمَأْنِينَةَ، وَبَرْدَ الْقَلْبِ، وَسُكُونَهُ وَقَرَارَهُ، وَالسُّخْطَ يُوجِبُ اضْطِرَابَ قَلْبِهِ، وَرَيْبَهُ وَانْزِعَاجَهُ وَعَدَمَ قَرَارِهِ.
السَّادِسَ عَشَرَ: أَنَّ الرِّضَا يُنْزِلُ عَلَيْهِ السَّكِينَةَ الَّتِي لَا أَنْفَعَ لَهُ مِنْهَا، وَمَتَى نَزَلَتْ عَلَيْهِ السِّكِّينَةُ اسْتَقَامَ، وَصَلَحَتْ أَحْوَالُهُ، وَصَلَحَ بَالُهُ، وَالسُّخْطُ يُبْعِدُهُ مِنْهَا بِحَسَبِ قِلَّتِهِ وَكَثْرَتِهِ، وَإِذَا تَرَحَّلَتْ عَنْهُ السَّكِينَةُ تَرَحَّلَ عَنْهُ السُّرُورُ وَالْأَمْنُ وَالدَّعَةُ وَطِيبُ الْعَيْشِ.
فَمِنْ أَعْظَمِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَى عَبْدِهِ: تَنَزُّلُ السَّكِينَةِ عَلَيْهِ، وَمِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِهَا: الرِّضَا عَنْهُ فِي جَمِيعِ الْحَالَاتِ.
السَّابِعَ عَشَرَ: أَنَّ الرِّضَا يَفْتَحُ لَهُ بَابَ السَّلَامَةِ. فَيَجْعَلُ قَلْبَهُ سَلِيمًا نَقِيًّا مِنَ الْغِشِّ وَالدَّغَلِ وَالْغِلِّ، وَلَا يَنْجُو مِنْ عَذَابِ اللَّه إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ، كَذَلِكَ وَتَسْتَحِيلُ سَلَامَةُ الْقَلْبِ مَعَ السَّخَطِ وَعَدَمِ الرِّضَا، وَكُلَّمَا كَانَ الْعَبْدُ أَشَدَّ رِضًا كَانَ قَلْبُهُ أَسْلَمَ، فَالْخُبْثُ وَالدَّغَلُ وَالْغِشُّ قَرِينُ السُّخْطِ، وَسَلَامَةُ الْقَلْبِ وَبِرُّهُ وَنُصْحُهُ، قَرِينُ الرِّضَا، وَكَذَلِكَ الْحَسَدُ هُوَ مِنْ ثَمَرَاتِ السَّخَطِ، وَسَلَامَةُ الْقَلْبِ مِنْهُ مِنْ ثَمَرَاتِ الرِّضَا.
الثَّامِنَ عَشَرَ: أَنْ السَّخَطَ يُوجِبُ تَلَوُّنَ الْعَبْدِ، وَعَدَمَ ثَبَاتِهِ مَعَ اللَّهِ، فَإِنَّهُ لَا يَرْضَى إِلَّا بِمَا يُلَائِمُ طَبْعَهُ وَنَفْسَهُ، وَالْمَقَادِيرُ تَجْرِي دَائِمًا بِمَا يُلَائِمُهُ وَبِمَا لَا يُلَائِمُهُ، وَكُلَّمَا جَرَى عَلَيْهِ مِنْهَا مَا لَا يُلَائِمُهُ سَخِطَ، فَلَا تَثْبُتُ لَهُ قَدَمٌ عَلَى الْعُبُودِيَّةِ، فَإِذَا رَضِيَ عَنْ رَبِّهِ فِي جَمِيعِ الْحَالَاتِ اسْتَقَرَّتْ قَدَمُهُ فِي مَقَامِ الْعُبُودِيَّةِ، فَلَا يُزِيلُ التَّلَوُّنَ عَنِ الْعَبْدِ شَيْءٌ مِثْلُ الرِّضَا.
التَّاسِعَ عَشَرَ: أَنَّ السُّخْطَ يَفْتَحُ عَلَيْهِ بَابَ الشَّكِّ فِي اللَّهِ، وَقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ وَحِكْمَتِهِ وَعِلْمِهِ، فَقَلَّ أَنْ يَسْلَمَ السَّاخِطُ مِنْ شَكٍّ يُدَاخِلُ قَلْبَهُ وَيَتَغَلْغَلُ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَشْعُرُ بِهِ، فَلَوْ فَتَّشَ نَفْسَهُ غَايَةَ التَّفْتِيشِ لَوَجَدَ يَقِينَهُ مَعْلُولًا مَدْخُولًا، فَإِنَّ الرِّضَا وَالْيَقِينَ أَخَوَانِ مُصْطَحِبَانِ، وَالشَّكَّ وَالسُّخْطَ قَرِينَانِ.
الْوَجْهُ الْعِشْرُونَ: أَنَّ الرِّضَا بِالْمَقْدُورِ مِنْ سَعَادَةِ ابْنِ آدَمَ، وَسَخَطَهُ مِنْ شَقَاوَتِهِ.
فَالرِّضَا بِالْقَضَاءِ مِنْ أَسْبَابِ السَّعَادَةِ. وَالتَّسَخُّطُ عَلَى الْقَضَاءِ مِنْ أَسْبَابِ الشَّقَاوَةِ.
الْوَجْهُ الْحَادِيَ وَالْعِشْرُونَ: أَنَّ الرِّضَا يُوجِبُ لَهُ أَلَّا يَأْسَى عَلَى مَا فَاتَهُ، وَلَا يَفْرَحَ بِمَا آتَاهُ، وَذَلِكَ مِنْ أَفْضَلِ خِصَالِ الْإِيمَانِ.
أَمَّا عَدَمُ أَسَاهُ عَلَى الْفَائِتِ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا عَدَمُ فَرَحِهِ بِمَا آتَاهُ؛ فَلِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ الْمُصِيبَةَ فِيهِ مَكْتُوبَةٌ مِنْ قَبْلِ حُصُولِهِ، فَكَيْفَ يَفْرَحُ بِشَيْءٍ يَعْلَمُ أَنَّ لَهُ فِيهِ مُصِيبَةً مُنْتَظَرَةً وَلَا بُدَّ؟!
الْوَجْهُ الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ: أَنَّ مَنْ مَلَأَ قَلْبَهُ مِنَ الرِّضَا بِالْقَدَرِ مَلَأَ اللَّهُ صَدْرَهُ غِنًى وَأَمْنًا وَقَنَاعَةً، وَفَرَّغَ قَلْبَهُ لِمَحَبَّتِهِ، وَالْإِنَابَةِ إِلَيْهِ، وَالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، وَمَنْ فَاتَهُ حَظُّهُ مِنَ الرِّضَا امْتَلَأَ قَلْبُهُ بِضِدِّ ذَلِكَ، وَاشْتَغَلَ عَمَّا فِيهِ سَعَادَتُهُ وَفَلَاحُهُ.
فَالرِّضَا يُفَرِّغُ الْقَلْبَ لِلَّهِ، وَالسَّخَطُ يُفَرِّغُ الْقَلْبَ مِنَ اللَّهِ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ: أَنَّ الرِّضَا يُثْمِرُ الشُّكْرَ، الَّذِي هُوَ مِنْ أَعْلَى مَقَامَاتِ الْإِيمَانِ، بَلْ هُوَ حَقِيقَةُ الْإِيمَانِ، وَالسَّخَطَ يُثْمِرُ ضِدَّهُ، وَهُوَ كُفْرُ النِّعَمِ، وَرُبَّمَا أَثْمَرَ لَهُ كُفْرَ الْمُنْعِمِ.
فَإِذَا رَضِيَ الْعَبْدُ عَنْ رَبِّهِ فِي جَمِيعِ الْحَالَاتِ أَوْجَبَ لَهُ ذَلِكَ شُكْرَهُ، فَيَكُونُ مِنَ الرَّاضِينَ الشَّاكِرِينَ، وَإِذَا فَاتَهُ الرِّضَا كَانَ مِنَ السَّاخِطِينَ، وَسَلَكَ سَبِيلَ الْكَافِرِينَ.
الْوَجْهُ الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ: أَنَّ الرِّضَا يَنْفِي عَنْهُ آفَاتِ الْحِرْصِ وَالْكَلَبِ عَلَى الدُّنْيَا، وَذَلِكَ رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ، وَأَصْلُ كُلِّ بَلِيَّةٍ، وَأَسَاسُ كُلِّ رَزِيَّةٍ؛ فَرِضَاهُ عَنْ رَبِّهِ فِي جَمِيعِ الْحَالَاتِ يَنْفِي عَنْهُ مَادَّةَ هَذِهِ الْآفَاتِ.
الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ: أَنَّ الشَّيْطَانَ إِنَّمَا يَظْفَرُ بِالْإِنْسَانِ غَالِبًا عِنْدَ السَّخْطِ وَالشَّهْوَةِ، فَهُنَاكَ يَصْطَادُهُ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا اسْتَحْكَمَ سَخَطُهُ؛ فَإِنَّهُ يَقُولُ مَا لَا يُرْضِي الرَّبَّ، وَيَفْعَلُ مَا لَا يُرْضِيهِ، وَيَنْوِي مَا لَا يُرْضِيهِ، وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ عِنْدَ مَوْتِ ابْنِهِ إِبْرَاهِيمَ «يَحْزَنُ الْقَلْبُ، وَتَدْمَعُ الْعَيْنُ، وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يُرْضِي الرَّبَّ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، فَإِنَّ مَوْتَ الْبَنِينَ مِنَ الْعَوَارِضِ الَّتِي تُوجِبُ لِلْعَبْدِ التَّسَخُّطَ عَلَى الْقَدَرِ.
((لَمَّا مَاتَ ابْنُ الْفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ رُؤِيَ فِي الْجِنَازَةِ ضَاحِكًا.
فَقِيلَ لَهُ: ((أَتَضْحَكُ وَقَدْ مَاتَ ابْنُكَ؟!)).
فَقَالَ: ((إِنَّ اللَّهَ قَضَى بِقَضَاءٍ فَأَحْبَبْتُ أَنْ أَرْضَى بِقَضَائِهِ)).
فَأَنْكَرَتْ طَائِفَةٌ هَذِهِ الْمَقَالَةَ عَلَى الْفُضَيْلِ، وَقَالُوا: ((رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَكَى يَوْمَ مَاتَ ابْنُهُ، وَأَخْبَرَ أَنَّ «الْقَلْبَ يَحْزَنُ، وَالْعَيْنَ تَدْمَعُ»، وَهُوَ فِي أَعْلَى مَقَامَاتِ الرِّضَا، فَكَيْفَ يُعَدُّ هَذَا مِنْ مَنَاقِبِ الْفُضَيْلِ؟!)).
وَالتَّحْقِيقُ: أَنْ قَلْبَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اتَّسَعَ لِتَكْمِيلِ جَمِيعِ الْمَرَاتِبِ، مِنَ الرِّضَا عَنِ اللَّهِ، وَالْبُكَاءِ رَحْمَةً لِلصَّبِيِّ، فَكَانَ لَهُ مَقَامُ الرِّضَا، وَمَقَامُ الرَّحْمَةِ وَرِقَّةُ الْقَلْبِ، وَالْفُضَيْلُ لَمْ يَتَّسِعْ قَلْبُهُ لِمَقَامِ الرِّضَا وَمَقَامِ الرَّحْمَةِ، فَلَمْ يَجْتَمِعْ لَهُ الْأَمْرَانِ.
وَالنَّاسُ فِي ذَلِكَ عَلَى أَرْبَعِ مَرَاتِبَ:
أَحَدُهَا: مَنِ اجْتَمَعَ لَهُ الرِّضَا بِالْقَضَاءِ وَرَحْمَةُ الطِّفْلِ؛ فَدَمَعَتْ عَيْنَاهُ رَحْمَةً وَالْقَلْبُ رَاضٍ.
الثَّانِي: مَنْ غَيَّبَهُ الرِّضَا عَنِ الرَّحْمَةِ؛ فَلَمْ يَتَّسِعْ لِلْأَمْرَيْنِ، بَلْ غَيَّبَهُ أَحَدُهُمَا عَنِ الْآخَرِ.
الثَّالِثُ: مَنْ غَيَّبَتْهُ الرَّحْمَةُ وَالرِّقَّةُ عَنِ الرِّضَا فَلَمْ يَشْهَدْهُ، بَلْ فَنِيَ عَنِ الرِّضَا.
الرَّابِعُ: مَنْ لَا رِضَا عِنْدَهُ وَلَا رَحْمَةَ. وَإِنَّمَا كَانَ حُزْنُهُ لِفَوَاتِ حَظِّهِ مِنَ الْمَيِّتِ، وَهَذَا حَالُ أَكْثَرِ الْخَلْقِ؛ فَلَا إِحْسَانَ، وَلَا رِضَا عَنِ الرَّحْمَنِ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.
فَالْأَوَّلُ فِي أَعْلَى مَرَاتِبِ الرِّضَا، وَالثَّانِي دُونَهُ، وَالثَّالِثُ دُونَ الثَّانِي، وَالرَّابِعُ هُوَ السَّاخِطُ.
الْوَجْهُ السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ: أَنَّ الرِّضَا هُوَ اخْتِيَارُ مَا اخْتَارَهُ اللَّهُ لِعَبْدِهِ.
السَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ: أَنَّ الرِّضَا يُخْرِجُ الْهَوَى مِنَ الْقَلْبِ، فَالرَّاضِي هَوَاهُ تَبَعٌ لِمُرَادِ رَبِّهِ مِنْهُ، أَعْنِي: الَّذِي يُحِبُّهُ رَبُّهُ وَيَرْضَاهُ، فَلَا يَجْتَمِعُ الرِّضَا وَاتِّبَاعُ الْهَوَى فِي الْقَلْبِ أَبَدًا، وَإِنْ كَانَ مَعَهُ شُعْبَةٌ مِنْ هَذَا وَشُعْبَةٌ مِنْ هَذَا فَهُوَ لِلْغَالِبِ عَلَيْهِ مِنْهُمَا.
الْوَجْهُ الثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ: أَنَّ الرِّضَا عَنِ اللَّهِ فِي جَمِيعِ الْحَالَاتِ يُثْمِرُ لِلْعَبْدِ رِضَا اللَّهِ عَنْهُ.
التَّاسِعُ وَالْعِشْرُونَ: أَنَّ الرِّضَا بِالْقَضَاءِ أَشَقُّ شَيْءٍ عَلَى النَّفْسِ، بَلْ هُوَ ذَبْحُهَا فِي الْحَقِيقَةِ؛ فَإِنَّهُ مُخَالَفَةُ هَوَاهَا وَطَبْعِهَا وَإِرَادَتِهَا، وَلَا تَصِيرُ مُطَمَئِنَّةً قَطُّ حَتَّى تَرْضَى بِالْقَضَاءِ، فَحِينَئِذٍ تَسْتَحِقُّ أَنْ يُقَالَ لَهَا: {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً (28) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي} [الفجر: ٢٧-30].
الْوَجْهُ الثَّلَاثُونَ: أَنَّ الرَّاضِيَ مُتَلَقٍّ أَوَامِرَ رَبِّهِ -الدِّينِيَّةَ وَالْقَدَرِيَّةَ- بِالِانْشِرَاحِ وَالتَّسْلِيمِ، وَطِيبِ النَّفْسِ، وَالِاسْتِسْلَامِ.
الْحَادِي وَالثَّلَاثُونَ: أَنَّ الْمُخَالَفَاتِ كُلَّهَا أَصْلُهَا مِنْ عَدَمِ الرِّضَا، وَأَمَّا الطَّاعَاتِ كُلَّهَا أَصْلُهَا مِنَ الرِّضَا.
الْوَجْهُ الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ: أَنَّ عَدَمَ الرِّضَا يَفْتَحُ بَابَ الْبِدْعَةِ.
الثَّالِثُ وَالثَّلَاثُونَ: أَنَّ الرِّضَا مَعْقِدُ نِظَامِ الدِّينِ ظَاهِرِهِ وَبَاطِنِهِ؛ فَإِنَّ الْقَضَايَا لَا تَخْلُو مِنْ خَمْسَةِ أَنْوَاعٍ:
فَتَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ: دِينِيَّةٍ، وَكَوْنِيَّةٍ.
وَهِيَ مَأْمُورَاتٌ، وَمَنْهِيَّاتٌ، وَمُبَاحَاتٌ، وَنِعَمٌ مُلَذَّةٌ، وَبَلَايَا مُؤْلِمَةٌ.
فَإِذَا اسْتَعْمَلَ الْعَبْدُ الرِّضَا فِي ذَلِكَ كُلِّهِ فَقَدْ أَخَذَ بِالْحَظِّ الْوَافِرِ مِنَ الْإِسْلَامِ، وَفَازَ بِالْقِدْحِ الْمُعَلَّى.
الرَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ: أَنَّ الرِّضَا يُخَلِّصُ الْعَبْدَ مِنْ مُخَاصَمَةِ الرَّبِّ -تَعَالَى- فِي أَحْكَامِهِ وَأَقْضِيَتِهِ.
الْخَامِسُ وَالثَّلَاثُونَ: أَنَّ جَمِيعَ مَا فِي الْكَوْنِ أَوْجَبَتْهُ مَشِيئَةُ اللَّهِ وَحِكْمَتُهُ وَمُلْكُهُ،
فَهُوَ مُوجَبُ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، فَمَنْ لَمْ يَرْضَ بِمَا رَضِيَ بِهِ رَبُّهُ لَمْ يَرْضَ بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، فَلَمْ يَرْضَ بِهِ رَبًّا.
السَّادِسُ وَالثَّلَاثُونَ: أَنَّ كُلَّ قَدَرٍ يَكْرَهُهُ الْعَبْدُ وَلَا يُلَائِمُهُ لَا يَخْلُو: إِمَّا أَنْ يَكُونَ عُقُوبَةً عَلَى الذَّنْبِ فَهُوَ دَوَاءٌ لِمَرَضٍ، لَوْلَا تَدَارُكُ الْحَكِيمِ إِيَّاهُ بِالدَّوَاءِ لَتَرَامَى بِهِ الْمَرَضُ إِلَى الْهَلَاكِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ سَبَبًا لِنِعْمَةٍ لَا تُنَالُ إِلَّا بِذَلِكَ الْمَكْرُوهِ، فَإِذَا شَهِدَ الْعَبْدُ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ انْفَتَحَ لَهُ بَابُ الرِّضَا عَنْ رَبِّهِ فِي كُلِّ مَا يَقْتَضِيهِ لَهُ وَيُقَدِّرُهُ.
السَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ: أَنَّ حُكْمَ الرَّبِّ -تَعَالَى- مَاضٍ فِي عَبْدِهِ، وَقَضَاءَهُ عَدْلٌ فِيهِ، كَمَا فِي الْحَدِيثِ «مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ». وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَغَيْرُهُمَا، وَمَنْ لَمْ يَرْضَ بِالْعَدْلِ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الظُّلْمِ وَالْجَوْرِ.
وَقَوْلُهُ ﷺ: ((عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ)): يَعُمُّ قَضَاءَ الذَّنْبِ، وَقَضَاءَ أَثَرِهِ وَعُقُوبَتِهِ؛ فَإِنَّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ قَضَائِهِ -عَزَّ وَجَلَّ-، وَهُوَ أَعْدَلُ الْعَادِلِينَ فِي قَضَائِهِ بِالذَّنْبِ، وَفِي قَضَائِهِ بِعُقُوبَتِهِ.
الثَّامِنُ وَالثَّلَاثُونَ: أَنَّ عَدَمَ الرِّضَا إِمَّا أَنْ يَكُونَ لِفَوَاتِ مَا أَخْطَأَهُ مِمَّا يُحِبُّهُ وَيُرِيدُهُ، وَإِمَّا لِإِصَابَةِ مَا يَكْرَهُهُ وَيَسْخَطُهُ، فَإِذَا تَيَقَّنَ أَنَّ مَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ، وَمَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ؛ فَلَا فَائِدَةَ فِي سَخَطِهِ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَّا فَوَاتُ مَا يَنْفَعُهُ وَحُصُولُ مَا يَضُرُّهُ.
الْوَجْهُ التَّاسِعُ وَالثَّلَاثُونَ: أَنَّ الرِّضَا مِنْ أَعْمَالِ الْقُلُوبِ نَظِيرُ الْجِهَادِ مِنْ أَعْمَالِ الْجَوَارِحِ؛ فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ذِرْوَةُ سَنَامِ الْإِيمَانِ.
قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: ((ذِرْوَةُ سَنَامِ الْإِيمَانِ: الصَّبْرُ لِلْحُكْمِ، وَالرِّضَا بِالْقَدَرِ)).
الْأَرْبَعُونَ: أَنَّ أَوَّلَ مَعْصِيَةٍ عُصِيَ اللَّهُ بِهَا فِي هَذَا الْعَالَمِ إِنَّمَا نَشَأَتْ مِنْ عَدَمِ الرِّضَا؛ فَإِبْلِيسُ لَمْ يَرْضَ بِحُكْمِ اللَّهِ الَّذِي حَكَمَ بِهِ كَوْنًا مِنْ تَفْضِيلِ آدَمَ وَتَكْرِيمِهِ، وَلَا بِحُكْمِهِ الدِّينِيِّ مِنْ أَمْرِهِ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ، وَآدَمُ لَمْ يَرْضَ بِمَا أُبِيحَ لَهُ مِنَ الْجَنَّةِ، حَتَّى يَضُمَّ إِلَيْهِ الْأَكْلَ مِنْ شَجَرَةِ الْحِمَى.
الْوَجْهُ الْحَادِي وَالْأَرْبَعُونَ: أَنَّ الرَّاضِيَ وَاقِفٌ مَعَ اخْتِيَارِ اللَّهِ لَهُ، مُعْرِضٌ عَنِ اخْتِيَارِهِ لِنَفْسِهِ، وَهَذَا مِنْ قُوَّةِ مَعْرِفَتِهِ بِرَبِّهِ وَمَعْرِفَتِهِ بِنَفْسِهِ.
وَقَدِ اجْتَمَعَ وُهَيْبُ بْنُ الْوَرْدِ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَيُوسُفُ بْنُ أَسْبَاطٍ، فَقَالَ الثَّوْرِيُّ: ((قَدْ كُنْتُ أَكْرَهُ مَوْتَ الْفَجْأَةِ قَبْلَ الْيَوْمِ، فَأَمَّا الْيَوْمَ فَوَدِدْتُ أَنِّي مَيِّتٌ)).
فَقَالَ لَهُ يُوسُفُ بْنُ أَسْبَاطٍ: ((وَلِمَ؟)).
فَقَالَ: ((لِمَا أَتَخَوَّفُ مِنَ الْفِتْنَةِ)).
فَقَالَ يُوسُفُ: ((لَكِنِّي لَا أَكْرَهُ طُولَ الْبَقَاءِ)).
فَقَالَ الثَّوْرِيُّ: ((وَلِمَ تَكْرَهُ الْمَوْتَ؟)).
قَالَ: ((لَعَلِّي أُصَادِفُ يَوْمًا أَتُوبُ فِيهِ وَأَعْمَلُ صَالِحًا)).
فَقِيلَ لِوُهَيْبٍ: ((أَيُّ شَيْءٍ تَقُولُ أَنْتَ؟)).
فَقَالَ: ((أَنَا لَا أَخْتَارُ شَيْئًا، أَحَبُّ ذَلِكَ إِلَيَّ أَحَبُّهُ إِلَى اللَّهِ!)).
فَقَبَّلَ الثَّوْرِيُّ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَقَالَ: ((رُوحَانِيَّةٌ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ!)).
فَهَذَا حَالُ عَبْدٍ قَدِ اسْتَوَتْ عِنْدَهُ حَالَةُ الْحَيَاةِ وَالْمَوْتِ، وَوَقَفَ مَعَ اخْتِيَارِ اللَّهِ لَهُ مِنْهَا.
الثَّانِي وَالْأَرْبَعُونَ: أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ مَنْعَ اللَّهِ -سُبْحَانَهُ- لِعَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ بِهِ الْمُحِبِّ لَهُ عَطَاءٌ، وَابْتِلَاءَهُ إِيَّاهُ عَافِيَةٌ.
فَالْعَاقِلُ الرَّاضِي هُوَ الَّذِي يَعُدُّ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ فِيمَا يَكْرَهُهُ أَعْظَمَ مِنْ نِعَمِهِ عَلَيْهِ فِيمَا يُحِبُّهُ، كَمَا قَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ: ((يَا ابْنَ آدَمَ! نِعْمَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ فِيمَا تَكْرَهُ أَعْظَمُ مِنْ نِعْمَتِهِ عَلَيْكَ فِيمَا تُحِبُّ)).
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} [البقرة: ٢١٦].
وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ: ((ارْضَ عَنِ اللَّهِ فِي جَمِيعِ مَا يَفْعَلُهُ بِكَ؛ فَإِنَّهُ مَا مَنَعَكَ إِلَّا لِيُعْطِيَكَ، وَلَا ابْتَلَاكَ إِلَّا لِيُعَافِيَكَ، وَلَا أَمْرَضَكَ إِلَّا لِيَشْفِيَكَ، وَلَا أَمَاتَكَ إِلَّا لِيُحْيِيَكَ، فَإِيَّاكَ أَنْ تُفَارِقَ الرِّضَا عَنْهُ طَرْفَةَ عَيْنٍ فَتَسْقُطَ مِنْ عَيْنِهِ)).
الْوَجْهُ الثَّالِثُ وَالْأَرْبَعُونَ: أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ -سُبْحَانَهُ- هُوَ الْأَوَّلُ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، وَالْآخِرُ بَعْدَ كُلِّ شَيْءٍ، وَالْمُظْهِرُ لِكُلِّ شَيْءٍ، وَالْمَالِكُ لِكُلِّ شَيْءٍ، وَهُوَ الَّذِي يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ، وَلَيْسَ لِلْعَبْدِ أَنْ يَخْتَارَ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ مَعَهُ اخْتِيَارٌ، وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا، وَالْعَبْدُ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا، فَهُوَ -سُبْحَانَهُ- الَّذِي اخْتَارَ وُجُودَهُ، وَاخْتَارَ أَنْ يَكُونَ كَمَا قَدَّرَهُ لَهُ وَقَضَاهُ؛ مِنْ عَافِيَةٍ وَبَلَاءٍ، وَغِنًى وَفَقْرٍ، وَعِزٍّ وَذُلٍّ، وَنَبَاهَةٍ وَخُمُولٍ، فَكَمَا تَفَرَّدَ -سُبْحَانَهُ- بِالْخَلْقِ تَفَرَّدَ بِالِاخْتِيَارِ وَالتَّدْبِيرِ، وَلَيْسَ لِلْعَبْدِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ، وَقَدْ قَالَ -تَعَالَى- لِنَبِيِّهِ ﷺ: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} [آل عمران: ١٢٨].
فَإِذَا تَيَقَّنَ الْعَبْدُ أَنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ، وَلَيْسَ لَهُ مِنَ الْأَمْرِ قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ لَمْ يَكُنْ لَهُ مُعَوَّلٌ -بَعْدَ ذَلِكَ- غَيْرَ الرِّضَا بِمَوَاقِعِ الْأَقْدَارِ، وَمَا يَجْرِي بِهِ مِنْ رَبِّهِ الِاخْتِيَارُ.
الْوَجْهُ الرَّابِعُ وَالْأَرْبَعُونَ: أَنَّ رِضَا اللَّهِ عَنِ الْعَبْدِ أَكْبَرُ مِنَ الْجَنَّةِ وَمَا فِيهَا؛ لِأَنَّ الرِّضَا صِفَةُ اللَّهِ، وَالْجَنَّةَ خَلْقُهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ} [التوبة: ٧٢] بَعْدَ قَوْلِهِ: {وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ۚ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: ٧٢].
وَهَذَا الرِّضَا جَزَاءٌ عَلَى رِضَائِهِمْ عَنْهُ فِي الدُّنْيَا، وَلَمَّا كَانَ هَذَا الْجَزَاءُ أَفْضَلَ الْجَزَاءِ كَانَ سَبَبُهُ أَفْضَلَ الْأَعْمَالِ.
الْوَجْهُ الْخَامِسُ وَالْأَرْبَعُونَ: أَنَّ الْعَبْدَ إِذَا رَضِيَ بِهِ وَعَنْهُ فِي جَمِيعِ الْحَالَاتِ لَمْ يَتَخَيَّرْ عَلَيْهِ الْمَسَائِلَ. وَأَغْنَاهُ رِضَاهُ بِمَا يَقْسِمُهُ لَهُ وَيُقَدِّرُهُ وَيَفْعَلُهُ بِهِ عَنْ ذَلِكَ، وَجَعَلَ ذِكْرَهُ فِي مَحَلِّ سُؤَالِهِ، بَلْ يَكُونُ مِنْ سُؤَالِهِ لَهُ الْإِعَانَةُ عَلَى ذِكْرِهِ، وَبُلُوغُ رِضَاهُ، فَهَذَا يُعْطَى أَفْضَلَ مَا يُعْطَاهُ سَائِلٌ، كَمَا جَاءَ فِي الْأَثَرِ الْمَعْرُوفِ: «مَنْ شَغَلَهُ ذِكْرِي عَنْ مَسْأَلَتِي أَعْطَيْتُهُ أَفْضَلَ مَا أُعْطِي السَّائِلِينَ». أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي ((التَّارِيخِ الْكَبِيرِ))، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي ((الدُّعَاءِ))، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي ((شُعَبِ الْإِيمَانِ)) مِنْ حَدِيثَ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، وَضَعَّفَهُ الْأَلْبَانِيُّ فِي ((الضَّعِيفَةِ))، وَلَكِنْ لَهُ أَوْجُهٌ يَرْتَقِي بِهِ إِلَى دَرَجَةِ الْحُسْنِ.
فَإِنَّ السَّائِلِينَ سَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمُ الْفَضْلَ الَّذِي سَأَلُوهُ، وَالرَّاضِينَ رَضُوا عَنْهُ فَأَعْطَاهُمْ رِضَاهُ عَنْهُمْ، وَلَا يَمْنَعُ الرِّضَا سُؤَالَهُ أَسْبَابَ الرِّضَا، بَلْ أَصْحَابُهُ مُلِحُّونَ فِي سُؤَالِهِ ذَلِكَ.
السَّادِسُ وَالْأَرْبَعُونَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَنْدُبُ إِلَى أَعْلَى الْمَقَامَاتِ، فَإِنْ عَجَزَ الْعَبْدُ عَنْهُ حَطَّهُ إِلَى الْمَقَامِ الْوَسَطِ، كَمَا قَالَ ﷺ: «اعْبُدِ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ»؛ فَهَذَا مَقَامُ الْمُرَاقَبَةِ الْجَامِعُ لِمَقَامَاتِ الْإِسْلَامِ وَالْإِيمَانِ وَالْإِحْسَانِ، ثُمَّ قَالَ: «فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ»، فَحَطَّهُ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنِ الْمَقَامِ الْأَوَّلِ إِلَى الْمَقَامِ الثَّانِي، وَهُوَ الْعِلْمُ بِاطِّلَاعِ اللَّهِ عَلَيْهِ وَرُؤْيَتِهِ لَهُ، وَمُشَاهَدَتِهِ لِعَبْدِهِ فِي الْمَلَإِ وَالْخَلَاءِ، وَكَذَا الْحَدِيثُ الْآخَرُ: «إِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَعْمَلَ لِلَّهِ بِالرِّضَا مَعَ الْيَقِينِ فَافْعَلْ، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَإِنَّ فِي الصَّبْرِ عَلَى مَا تَكْرَهُ خَيْرًا كَثِيرًا». أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو نُعَيْمٍ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي ((الشُّعَبِ)) مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-، وَضَعَّفَهُ الْأَلْبَانِيُّ فِي ((الضَّعِيفَةِ))، وَلَكِنَّ لَهُ أَوْجُهًا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِهَا بِالصِّحَّةِ.
فَرَفَعَهُ إِلَى أَعْلَى الْمَقَامَاتِ، ثُمَّ رَدَّهُ إِلَى أَوْسَطِهَا إِنْ لَمْ يَسْتَطِعِ الْأَعْلَى، فَالْأَوَّلُ: مَقَامُ الْإِحْسَانِ، وَالَّذِي حَطَّهُ إِلَيْهِ: مَقَامُ الْإِيمَانِ، وَلَيْسَ دُونَ ذَلِكَ إِلَّا مَقَامُ الْخُسْرَانِ.
الْوَجْهُ السَّابِعُ وَالْأَرْبَعُونَ: أَنَّهُ ﷺ أَثْنَى عَلَى الرَّاضِينَ بِمُرِّ الْقَضَاءِ بِالْحُكْمِ وَالْعِلْمِ وَالْفِقْهِ، وَالْقُرْبِ مِنْ دَرَجَةِ النُّبُوَّةِ.
الْوَجْهُ الثَّامِنُ وَالْأَرْبَعُونَ: أَنَّ الرِّضَا آخِذٌ بِزِمَامِ مَقَامَاتِ الدِّينِ كُلِّهَا، وَهُوَ رُوحُهَا وَحَيَاتُهَا؛ فَإِنَّهُ رُوحُ التَّوَكُّلِ وَحَقِيقَتُهُ، وَرُوحُ الْيَقِينِ، وَرُوحُ الْمَحَبَّةِ، وَصِفَةُ الْمُحِبِّ، وَدَلِيلُ صِدْقِ الْمَحَبَّةِ، وَرُوحُ الشُّكْرِ وَدَلِيلُهُ.
قَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: ((عَلَامَةُ حُبِّ اللَّهِ: كَثْرَةُ ذِكْرِهِ؛ فَإِنَّكَ لَا تُحِبُّ شَيْئًا إِلَّا أَكْثَرْتَ مِنْ ذِكْرِهِ، وَعَلَامَةُ الدِّينِ: الْإِخْلَاصُ لِلَّهِ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ، وَعَلَامَةُ الشُّكْرِ: الرِّضَا بِقَدَرِ اللَّهِ وَالتَّسْلِيمُ لِقَضَائِهِ)).
فَصَارَ الرِّضَا كَالرُّوحِ لِهَذِهِ الْمَقَامَاتِ، وَالْأَسَاسِ الَّذِي تَنْبَنِي عَلَيْهِ، وَلَا يَصِحُّ شَيْءٌ مِنْهَا بِدُونِهِ أَلْبَتَّةَ.
الْوَجْهُ التَّاسِعُ وَالْأَرْبَعُونَ: أَنَّ الرِّضَا يَقُومُ مَقَامَ كَثِيرٍ مِنَ التَّعَبُّدَاتِ الَّتِي تَشُقُّ عَلَى الْبَدَنِ. فَيَكُونُ رِضَاهُ أَسْهَلَ عَلَيْهِ، وَأَلَذَّ لَهُ، وَأَرْفَعَ فِي دَرَجَتِهِ.
وَقَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ: ((مَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ، وَيَرْضَ بِقَدَرِ اللَّهِ فَقَدْ أَقَامَ الْإِيمَانَ، وَفَرَّغَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ لِكَسْبِ الْخَيْرِ، وَأَقَامَ الْأَخْلَاقَ الصَّالِحَةَ الَّتِي تُصْلِحُ لِلْعَبْدِ أَمْرَهُ)).
الْوَجْهُ الْخَمْسُونَ: أَنْ الرِّضَا يَفْتَحُ بَابَ حُسْنِ الْخُلُقِ مَعَ اللَّهِ وَمَعَ النَّاسِ؛ فَإِنَّ حُسْنَ الْخُلُقِ مِنَ الرِّضَا، وَسُوءَ الْخُلُقِ مِنَ السَّخَطِ؛ وَحُسْنَ الْخُلُقِ يَبْلُغُ بِصَاحِبِهِ دَرَجَةَ الصَّائِمِ الْقَائِمِ، وَسُوءَ الْخُلُقِ يَأْكُلُ الْحَسَنَاتِ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ.
الْحَادِي وَالْخَمْسُونَ: أَنَّ الرِّضَا يُثْمِرُ سُرُورَ الْقَلْبِ بِالْمَقْدُورِ فِي جَمِيعِ الْأُمُورِ، وَطِيبَ النَّفْسِ وَسُكُونَهَا فِي كُلِّ حَالٍ، وَطُمَأْنِينَةَ الْقَلْبِ عِنْدَ كُلِّ مُفْزِعٍ مُهْلِعٍ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا، وَكَذَلِكَ يُثْمِرُ بَرْدَ الْقَنَاعَةِ، وَاغْتِبَاطَ الْعَبْدِ بِقَسْمِهِ مِنْ رَبِّهِ، وَفَرَحَهُ بِقِيَامِ مَوْلَاهُ عَلَيْهِ، وَاسْتِسْلَامَهُ لِمَوْلَاهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَرِضَاهُ مِنْهُ بِمَا يُجْرِيهِ عَلَيْهِ، وَيُثْمِرُ تَسْلِيمَهُ لَهُ الْأَحْكَامَ وَالْقَضَايَا، وَاعْتِقَادَ حُسْنِ تَدْبِيرِهِ، وَكَمَالِ حِكْمَتِهِ، وَيُذْهِبُ عَنْهُ شَكْوَى رَبِّهِ إِلَى غَيْرِهِ وَتَبَرُّمَهُ بِأَقْضِيَتِهِ.
وَلِهَذَا سَمَّى بَعْضُ الْعَارِفِينَ الرِّضَا: حُسْنَ الْخُلُقِ مَعَ اللَّهِ.
وَفِي أَثَرٍ إِلَهِيٍّ: ((مَا لِأَوْلِيَائِي وَالْهَمُّ بِالدُّنْيَا؟ إِنَّ الْهَمَّ بِالدُّنْيَا يُذْهِبُ حَلَاوَةَ مُنَاجَاتِي مِنْ قُلُوبِهِمْ)).
وَقِيلَ: ((أَكْثَرُ النَّاسِ هَمًّا بِالدُّنْيَا أَكْثَرُهُمْ هَمًّا فِي الْآخِرَةِ، وَأَقَلُّهُمْ هَمًّا بِالدُّنْيَا أَقَلُّهُمْ هَمًّا فِي الْآخِرَةِ)).
فَالْإِيمَانُ بِالْقَدَرِ، وَالرِّضَا بِهِ: يُذْهِبُ عَنِ الْعَبْدِ الْهَمَّ وَالْغَمَّ وَالْحَزَنَ.
وَفِي أَثَرٍ آخَرَ: ((أَنَا اللَّهُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا، قَدَّرْتُ التَّقَادِيرَ، وَدَبَّرْتُ التَّدَابِيرَ، وَأَحْكَمْتُ الصُّنْعَ، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا مِنِّي حَتَّى يَلْقَانِي، وَمِنْ سَخِطَ فَلَهُ السَّخَطُ حَتَّى يَلْقَانِي)).
الْوَجْهُ الثَّانِي وَالْخَمْسُونَ: أَنَّ أَفْضَلَ الْأَحْوَالِ: الرَّغْبَةُ فِي اللَّهِ وَلَوَازِمُهَا، وَذَلِكَ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِالْيَقِينِ، وَالرِّضَا عَنِ اللَّهِ.
وَلِهَذَا قَالَ سَهْلٌ: ((حَظُّ الْخَلْقِ مِنَ الْيَقِينِ عَلَى قَدْرِ حَظِّهِمْ مِنَ الرِّضَا، وَحَظُّهُمْ مِنَ الرِّضَا عَلَى قَدْرِ رَغْبَتِهِمْ فِي اللَّهِ)).
الْوَجْهُ الثَّالِثُ وَالْخَمْسُونَ: أَنَّ الرِّضَا يُخَلِّصُهُ مِنْ عَيْبِ مَا لَمْ يَعِبْهُ اللَّهُ، وَمِنْ ذَمِّ مَا لَمْ يَذُمَّهُ اللَّهُ.
وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا صَنَعَ لَكَ طَعَامًا وَقَدَّمَهُ إِلَيْكَ فَعِبْتَهُ وَذَمَمْتَهُ لَكُنْتَ مُتَعَرِّضًا لِمَقْتِهِ وَإِهَانَتِهِ، وَمُسْتَدْعِيًا مِنْهُ أَنْ يَقْطَعَ ذَلِكَ عَنْكَ.
الرَّابِعُ وَالْخَمْسُونَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَأَلَ اللَّهَ الرِّضَا بِالْقَضَاءِ، كَمَا فِي ((الْمُسْنَدِ)) وَ((السُّنَنِ)): «اللَّهُمَّ بِعِلْمِكَ الْغَيْبَ، وَقُدْرَتِكَ عَلَى الْخَلْقِ، أَحْيِنِي إِذَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي، وَأَسْأَلُكَ خَشْيَتَكَ فِي الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، وَأَسْأَلُكَ كَلِمَةَ الْحَقِّ فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَا، وَأَسْأَلُكَ الْقَصْدَ فِي الْفَقْرِ وَالْغِنَى، وَأَسْأَلُكَ نَعِيمًا لَا يَنْفَدُ، وَأَسْأَلُكَ قُرَّةَ عَيْنٍ لَا تَنْقَطِعُ، وَأَسْأَلُكَ الرِّضَا بَعْدَ الْقَضَاءِ، وَأَسْأَلُكَ بَرْدَ الْعَيْشِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَأَسْأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ الْكَرِيمِ، وَأَسْأَلُكَ الشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ، فِي غَيْرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ، وَلَا فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ، اللَّهُمَّ زِيِّنَّا بِزِينَةِ الْإِيمَانِ، وَاجْعَلْنَا هُدَاةً مُهْتَدِينَ)).
فَسَمِعْتُ شَيْخَ الْإِسْلَامِ ابْنَ تَيْمِيَةَ يَقُولُ: ((سَأَلَهُ الرِّضَا بَعْدَ الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ تَبَيَّنَ حَقِيقَةَ الرِّضَا، وَأَمَّا الرِّضَا قَبْلَهُ فَإِنَّمَا هُوَ عَزْمٌ عَلَى أَنَّهُ يَرْضَى إِذَا أَصَابَهُ، وَإِنَّمَا يَتَحَقَّقُ الرِّضَا بَعْدَهُ)).
الْوَجْهُ الْخَامِسُ وَالْخَمْسُونَ: أَنَّ الرِّضَا بِالْقَدَرِ يُخَلِّصُ الْعَبْدَ مِنْ أَنْ يُرْضِيَ النَّاسَ بِسَخَطِ اللَّهِ، وَأَنْ يَذُمَّهُمْ عَلَى مَا لَمْ يُؤْتِهِ اللَّهُ، وَأَنْ يَحْمَدَهُمْ عَلَى مَا هُوَ مَحْضُ فَضْلِ اللَّهِ.
السَّادِسُ وَالْخَمْسُونَ: أَنَّ الرِّضَا يُفَرِّغُ قَلْبَهُ، وَيُقَلِّلُ هَمَّهُ وَغَمَّهُ، فَيَتَفَرَّغُ لِعِبَادَةِ رَبِّهِ بِقَلْبٍ خَفِيفٍ مِنْ أَثْقَالِ الدُّنْيَا وَهُمُومِهَا وَغُمُومِهَا.
قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((لَقَدْ تَرَكَتْنِي هَؤُلَاءِ الدَّعَوَاتُ وَمَا لِي فِي شَيْءٍ مِنَ الْأُمُورِ كُلِّهَا أَرَبٌ، إِلَّا فِي مَوَاقِعِ قَدَرِ اللَّهِ)).
وَكَانَ كَثِيرًا مَا يَدْعُو: ((اللَّهُمَّ رَضِّنِي بِقَضَائِكَ، وَبَارِكْ لِي فِي قَدَرِكَ؛ حَتَّى لَا أُحِبَّ تَعْجِيلَ شَيْءٍ أَخَّرْتَهُ، وَلَا تَأْخِيرَ شَيْءٍ عَجَّلْتَهُ)).
وَقَالَ: ((مَا أَصْبَحَ لِي هَوًى فِي شَيْءٍ سِوَى مَا قَضَى اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- )).
وَقَالَ شُعْبَةُ: قَالَ يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ: ((مَا تَمَنَّيْتُ شَيْئًا قَطُّ)).
وَقَالَ الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ: ((الرَّاضِي لَا يَتَمَنَّى فَوْقَ مَنْزِلَتِهِ)).
وَقَالَ ذُو النُّونِ: ((ثَلَاثَةٌ مِنْ أَعْلَامِ التَّسْلِيمِ: مُقَابَلَةُ الْقَضَاءِ بِالرِّضَا، وَالصَّبْرُ عِنْدَ الْبَلَاءِ، وَالشُّكْرُ عِنْدَ الرَّخَاءِ.
وَثَلَاثَةٌ مِنْ أَعْلَامِ التَّفْوِيضِ: تَعْطِيلُ إِرَادَتِكَ لِمُرَادِهِ، وَالنَّظَرُ إِلَى مَا يَقَعُ مِنْ تَدْبِيرِهِ لَكَ، وَتَرْكُ الِاعْتِرَاضِ عَلَى الْحُكْمِ.
وَثَلَاثَةٌ مِنْ أَعْلَامِ التَّوْحِيدِ: رُؤْيَةُ كُلِّ شَيْءٍ مِنَ اللَّهِ، وَقَبُولُ كُلِّ شَيْءٍ عَنْهُ، وَإِضَافَةُ كُلِّ شَيْءٍ إِلَى اللهِ)).
وَقَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ: ((أَصْلُ الْعِبَادَةِ ثَلَاثَةٌ: لَا تَرُدَّ مِنْ أَحْكَامِهِ شَيْئًا، وَلَا تَسْأَلْ غَيْرَهُ حَاجَةً، وَلَا تَدَّخِرْ عَنْهُ شَيْئًا)).
وَسُئِلَ ابْنُ سَمْعُونٍ: ((عَنِ الرِّضَا؟)).
فَقَالَ: ((أَنْ تَرْضَى بِهِ مُدَبِّرًا وَمُخْتَارًا، وَتَرْضَى عَنْهُ قَاسِمًا وَمُعْطِيًا وَمَانِعًا، وَتَرْضَاهُ إِلَهًا وَمَعْبُودًا وَرَبًّا)).
وَقَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ: ((الرِّضَا تَرْكُ الِاخْتِيَارِ، وَسُرُورُ الْقَلْبِ بِمُرِّ الْقَضَاءِ، وَإِسْقَاطُ التَّدْبِيرِ مِنَ النَّفْسِ، حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ لَهَا أَوْ عَلَيْهَا)).
وَقِيلَ: ((الرَّاضِي مَنْ لَمْ يَنْدَمْ عَلَى فَائِتٍ مِنَ الدُّنْيَا، وَلَمْ يَتَأَسَّفْ عَلَيْهَا)).
وَلِلَّهِ دَرُّ الْقَائِلِ:
الْعَبْدُ ذُو ضَجَرٍ وَالرَّبُّ ذُو قَدَرٍ = وَالدَّهْرُ ذُو دُوَلٍ وَالرِّزْقُ مَقْسُومُ
وَالْخَيْرُ أَجْمَعُ فِيمَا اخْتَارَ خَالِقُنَا = وَفِي اخْتِيَارِ سِوَاهُ اللَّوْمُ وَالشُّومُ
السَّابِعُ وَالْخَمْسُونَ: أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَرْضَ بِالْقَدَرِ وَقَعَ فِي لَوْمِ الْمَقَادِيرِ؛ إِمَّا بِقَالَبِهِ، وَإِمَّا بِقَلْبِهِ وَحَالِهِ، وَلَوْمُ الْمَقَادِيرِ لَوْمٌ لِمُقَدِّرِهَا، وَكَذَلِكَ يَقَعُ فِي لَوْمِ الْخَلْقِ، وَاللَّهُ وَالنَّاسُ يَلُومُونَهُ، فَلَا يَزَالُ لَائِمًا مَلُومًا، وَهَذَا مُنَافٍ لِلْعُبُودِيَّةِ.
قَالَ أَنَسٌ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: ((خَدَمْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَشْرَ سِنِينَ، فَمَا قَالَ لِي لِشَيْءٍ فَعَلْتُهُ: لِمَ فَعَلْتَهُ؟ وَلَا لِشَيْءٍ لَمْ أَفْعَلْهُ: أَلَا فَعَلْتَهُ؟ وَلَا قَالَ لِي لِشَيْءٍ كَانَ: لَيْتَهُ لَمْ يَكُنْ، وَلَا لِشَيْءٍ لَمْ يَكُنْ: لَيْتَهُ كَانَ، وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِهِ إِذَا لَامَنِي يَقُولُ: ((دَعُوهُ، فَلَوْ قُضِيَ شَيْءٌ لَكَانَ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَقَوْلُهُ: ((لَوْ قُضِيَ شَيْءٌ لَكَانَ)) يَتَنَاوَلُ أَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: مَا لَمْ يُوجَدْ مِنْ مُرَادِ الْعَبْدِ.
وَالثَّانِي: مَا وُجِدَ مِمَّا يَكْرَهُهُ، وَهُوَ يَتَنَاوَلُ فَوَاتَ الْمَحْبُوبِ، وَحُصُولَ الْمَكْرُوهِ.
فَهَذَا مُوجَبُ الْعُبُودِيَّةِ وَمُقْتَضَاهَا. يُوَضِّحُهُ:
الثَّامِنُ وَالْخَمْسُونَ: أَنَّهُ إِذَا اسْتَوَى الْأَمْرَانِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى رِضَا الرَّبِّ -تَعَالَى-؛ فَهَذَا رَضِيَهُ لِعَبْدِهِ فَقَدَّرَهُ، وَهَذَا لَمْ يَرْضَهُ لَهُ فَلَمْ يُقَدِّرْهُ، فَكَمَالُ الْمُوَافَقَةِ: أَنْ يَسْتَوِيَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعَبْدِ، فَيَرْضَى مَا رَضِيَهُ لَهُ رَبُّهُ فِي الْحَالَيْنِ.
التَّاسِعُ وَالْخَمْسُونَ: أَنَّ اللَّهَ نَهَى عَنِ التَّقَدُّمِ بَيْنَ يَدَيْهِ وَيَدَيْ رَسُولِهِ فِي حُكْمِهِ الدِّينِيِّ الشَّرْعِيِّ، وَذَلِكَ عُبُودِيَّةُ هَذَا الْأَمْرِ.
السِّتُّونَ: أَنَّ الْمَحَبَّةَ وَالْإِخْلَاصَ وَالْإِنَابَةَ لَا تَقُومُ إِلَّا عَلَى سَاقِ الرِّضَا.
فَالْمُحِبُّ رَاضٍ عَنْ حَبِيبِهِ فِي كُلِّ حَالِهِ، وَقَدْ كَانَ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- اسْتُسْقِيَ بَطْنُهُ، فَبَقِيَ مُلْقًى عَلَى ظَهْرِهِ مُدَّةً طَوِيلَةً، لَا يَقُومُ وَلَا يَقْعُدُ، وَقَدْ نُقِبَ لَهُ فِي سَرِيرِهِ مَوْضِعٌ لِحَاجَتِهِ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ، فَجَعَلَ يَبْكِي لِمَا رَأَى مِنْ حَالِهِ، فَقَالَ لَهُ عِمْرَانُ: ((لِمَ تَبْكِي؟)).
فَقَالَ: ((لِأَنِّي أَرَاكَ عَلَى هَذِهِ الْحَالِ الْفَظِيعَةِ)).
فَقَالَ: ((لَا تَبْكِ؛ فَإِنَّ أَحَبَّهُ إِلَيَّ أَحَبُّهُ إِلَيْهِ)).
وَقَالَ: ((أُخْبِرُكَ بِشَيْءٍ، لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَنْفَعَكَ بِهِ، وَاكْتُمْ عَلَيَّ حَتَّى أَمُوتَ، إِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَزُورُنِي فَآنَسُ بِهَا، وَتُسَلِّمُ عَلَيَّ فَأَسْمَعُ تَسْلِيمَهَا)). قِصَّةُ عِمْرَانَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- صَحِيحَةٌ، رَوَى بَعْضَهَا مُسْلِمٌ، وَرَوَى بَعْضَهَا أَحْمَدُ فِي ((الزُّهْدِ)).
الْوَجْهُ الْحَادِي وَالسِّتُّونَ: أَنَّ أَعْمَالَ الْجَوَارِحِ تُضَاعَفُ إِلَى حَدٍّ مَعْلُومٍ مَحْسُوبٍ، وَأَمَّا أَعْمَالُ الْقَلْبِ فَلَا يَنْتَهِي تَضْعِيفُهَا، وَذَلِكَ لِأَنَّ أَعْمَالَ الْجَوَارِحِ، لَهَا حَدٌّ تَنْتَهِي إِلَيْهِ وَتَقِفُ عِنْدَهُ، فَيَكُونُ جَزَاؤُهَا بِحَسَبِ حَدِّهَا، وَأَمَّا أَعْمَالُ الْقُلُوبِ فَهِيَ دَائِمَةٌ مُتَّصِلَةٌ، وَإِنْ تَوَارَى شُهُودُ الْعَبْدِ لَهَا.
مِثَالُهُ: أَنَّ الْمَحَبَّةَ وَالرِّضَا حَالُ الْمُحِبِّ الرَّاضِي، لَا تُفَارِقُهُ أَصْلًا، وَإِنْ تَوَارَى حُكْمُهَا، فَصَاحِبُهَا فِي مَزِيدٍ مُتَّصِلٍ، فَمَزِيدُ الْمُحِبِّ الرَّاضِي، مُتَّصِلٌ بِدَوَامِ هَذِهِ الْحَالِ لَهُ، فَهُوَ فِي مَزِيدٍ وَلَوْ فَتَرَتْ جَوَارِحُهُ، بَلْ قَدْ يَكُونُ مَزِيدُهُ فِي حَالِ سُكُونِهِ وَفُتُورِهِ أَكْثَرَ مِنْ مَزِيدِ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ النَّوَافِلِ بِمَا لَا نِسْبَةَ بَيْنَهُمَا، وَيَبْلُغُ ذَلِكَ بِصَاحِبِهِ إِلَى أَنْ يَكُونَ مَزِيدُهُ فِي حَالِ نَوْمِهِ أَكْثَرَ مِنْ مَزِيدِ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْقِيَامِ، وَأَكْلُهُ أَكْثَرَ مِنْ مَزِيدِ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْجُوعِ وَالصِّيَامِ.
فَإِنْ أَنْكَرْتَ هَذَا فَتَأَمَّلْ مَزِيدَ نَائِمٍ بِاللَّهِ وَقِيَامَ غَافِلٍ عَنِ اللَّهِ؛ فَاللَّهُ -سُبْحَانَهُ- إِنَّمَا يَنْظُرُ إِلَى الْقُلُوبِ وَالْهِمَمِ وَالْعَزَائِمِ، لَا إِلَى صُوَرِ الْأَعْمَالِ، وَقِيمَةُ الْعَبْدِ هِمَّتُهُ وَإِرَادَتُهُ، فَمَنْ لَا يُرْضِيهِ غَيْرُ اللَّهِ -وَلَوْ أُعْطِيَ الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا- لَهُ شَأْنٌ، وَمَنْ يُرْضِهِ أَدْنَى حَظٍّ مِنْ حُظُوظِهَا لَهُ شَأْنٌ، وَإِنْ كَانَتْ أَعْمَالُهُمَا فِي الصُّورَةِ الْوَاحِدَةِ، وَقَدْ تَكُونُ أَعْمَالُ هَذَا أَكْثَرَ وَأَشَقَّ، وَذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ، وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ.
الثَّانِي: سُقُوطُ الْخُصُومَةِ عَنِ الْخَلْقِ.
يَعْنِي: أَنَّ الرِّضَا إِنَّمَا يَصِحُّ بِسُقُوطِ الْخُصُومَةِ مَعَ الْخَلْقِ؛ فَإِنَّ الْخُصُومَةَ تُنَافِي حَالَ الرِّضَا، وَتُنَافِي نِسْبَةَ الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا إِلَى مَنْ بِيَدِهِ أَزِمَّةُ الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ.
الشَّرْطُ الثَّالِثُ: الْخَلَاصُ مِنَ الْمَسْأَلَةِ لِلْخَلْقِ وَالْإِلْحَاحِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَسْأَلَةَ فِيهَا ضَرْبٌ مِنَ الْخُصُومَةِ وَالْمُنَازَعَةِ وَالْمُحَارَبَةِ، وَالرُّجُوعِ عَنْ مَالِكِ الضَّرِّ وَالنَّفْعِ إِلَى مَنْ لَا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا بِرَبِّهِ، وَفِيهَا الْغَيْبَةُ عَنِ الْمُعْطِي الْمَانِعِ.
وَالْإِلْحَاحُ يُنَافِي حَالَ الرِّضَا وَوَصْفَهُ، وَقَدْ أَثْنَى اللَّهُ -سُبْحَانَهُ- عَلَى الَّذِينَ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا، فَقَالَ تَعَالَى {لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا} [البقرة: ٢٧٣].
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ((إِذَا كَانَ عِنْدَهُ غَدَاءٌ لَمْ يَسْأَلْ عَشَاءً، وَإِذَا كَانَ عِنْدَهُ عَشَاءٌ لَمْ يَسْأَلْ غَدَاءً)).
فَهَذَا أَحَدُ الْمَعْنَيَيْنِ فِي قَوْلِهِ: إِنَّ مِنْ شَرْطِ الرِّضَا: تَرْكَ الْإِلْحَاحِ فِي الْمَسْأَلَةِ، وَهُوَ أَلْيَقُ الْمَعْنَيَيْنِ وَأَوْلَاهُمَا؛ لِأَنَّهُ قَرَنَهُ بِتَرْكِ الْخُصُومَةِ مَعَ الْخَلْقِ، فَلَا يُخَاصِمُهُمْ فِي حَقِّهِ، وَلَا يَطْلُبُ مِنْهُمْ حُقُوقَهُ.
وَالْمَعْنَى الثَّانِي: أَنَّهُ لَا يُلِحُّ فِي الدُّعَاءِ، وَلَا يُبَالِغُ فِيهِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ يَقْدَحُ فِي رِضَاهُ، وَهَذَا يَصِحُّ فِي وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ؛ فَيَصِحُّ إِذَا كَانَ الدَّاعِي يُلِحُّ فِي الدُّعَاءِ بِأَغْرَاضِهِ وَحُظُوظِهِ الْعَاجِلَةِ، وَأَمَّا إِذَا أَلَحَّ عَلَى اللَّهِ فِي سُؤَالِهِ مَا فِيهِ رِضَاهُ وَالْقُرْبُ مِنْهُ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَقْدَحُ فِي مَقَامِ الرِّضَا أَصْلًا.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- يَوْمَ بَدْرٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ: ((يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَدْ أَلْحَحْتَ عَلَى رَبِّكَ، كَفَاكَ بَعْضُ مُنَادَتِكَ لِرَبِّكَ».
فَهَذَا الْإِلْحَاحُ عَيْنُ الْعُبُودِيَّةِ.
وَفِي ((سُنَنِ ابْنِ مَاجَه)) مِنْ حَدِيثِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ((مَنْ لَمْ يَسْأَلِ اللَّهَ يَغْضَبْ عَلَيْهِ)).
فَإِذَا كَانَ سُؤَالُهُ يُرْضِيهِ لَمْ يَكُنِ الْإِلْحَاحُ فِيهِ مُنَافِيًا لِرِضَاه)).
((الرِّضَا وَالْقَنَاعَةُ وَالْغِنَى الْحَقُّ))
لَقَدْ جُبِلَ الْإِنْسَانُ عَلَى حُبِّ الْخَيْرِ لِنَفْسِهِ، وَالتَّسَخُّطِ وَعَدَمِ الرِّضَا بِمَا فِي يَدِِه، وَالْحِرْصِ عَلَى أَنْ يَكُونَ أَعْلَى مِنْ غَيْرِهِ، أَوْ لَيْسَ أَحَدٌ أَعْلَى مِنْهُ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ} [العاديات: 8].
(({وَإِنَّهُ} أَيِ: الْإِنْسَانُ {لِحُبِّ الْخَيْرِ} أَيِ: الْمَالِ {لَشَدِيدُ} أَيْ: كَثِيرَ الْحُبِّ لِلْمَالِ.
وَحُبُّهُ لِذَلِكَ هُوَ الَّذِي أَوْجَبَ لَهُ تَرْكَ الْحُقُوقِ الْوَاجِبَةِ عَلَيْهِ، قَدَّمَ شَهْوَةَ نَفْسِهِ عَلَى حَقِّ رَبِّهِ، وَكُلُّ هَذَا لِأَنَّهُ قَصُرَ نَظَرُهُ عَلَى هَذِه الدَّارِ، وَغَفَلَ عَنِ الْآخِرَةِ)).
وَقَالَ تَعَالَى: {إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا} [المعارج: 19-21].
((وَهَذَا الْوَصْفُ لِلْإِنْسَانِ مِنْ حَيْثُ هُوَ وَصْفُ طَبِيعَتِهِ الْأَصْلِيَّةِ أَنَّهُ هَلُوعٌ، وَفُسِّرَ الْهَلُوعُ بِأَنَّهُ: {إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا}: فَيَجْزَعُ إِنْ أَصَابَهُ فَقْرٌ، أَوْ مَرَضٌ، أَوْ ذَهَابُ مَحْبُوبٍ لَهُ مِنْ مَالٍ أَوْ أَهْلٍ أَوْ وَلَدٍ، وَلَا يَسْتَعْمِلُ فِي ذَلِكَ الصَّبْرَ وَالرِّضَا بِمَا قَضَى اللهُ، {وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا}: فَلَا يُنْفِقُ مِمَّا آتَاهُ اللهُ، وَلَا يَشْكُرُ اللهَ عَلَى نِعَمِهِ وَبِرِّهِ، فَيَجْزَعُ فِي الضَّرَّاءِ وَيَمْنَعُ فيِ السَّرَّاءِ)).
وَمَنْ كَانَ كَذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا يَنَالُ السَّعَادَةَ الْحَقِيقِيَّةَ؛ لِأَنَّهُ إِنْ كَمُلَ فِي شَيْءٍ فَلَا بُدَّ أَنْ يُقَصِّرَ فِي شَيْءٍ آخَرَ، وَإِنْ فَاقَ غَيْرَهُ فِي أَمْرٍ مَا فَإِنَّ غَيْرَهُ قَدْ يَفُوقُهُ فِي أَمْرٍ آخَرَ، وَلَكِنْ هُنَاكَ أَمْرٌ مُهِمُّ مَنْ حَصَّلَهُ نَالَ السَّعَادَةَ، أَلَا وَهُوَ الرِّضَا وَالْقَنَاعَةُ بِمَا قَسَمَ اللهُ لَهُ، فَمَنْ مَلَكَ الْقَنَاعَةَ عَاشَ فِي رَاحَةِ بَالٍ، وَطُمَأْنِينَةِ نَفْسٍ، وَانْشِرَاحِ صَدْرٍ، وَذَهَابِ الْهُمُومِ وَالنَّكَدِ وَالْكَدَرِ، لِلْقَنَاعَةِ فَضْلُهَا الْعَظِيمُ، وَمَنْزِلَتُهَا الْجَلِيلَةُ، وَقَدْ رَغَّبَ الْإِسْلَامُ فِيهَا، فَمَنْ رُزِقَ الْقَنَاعَةَ فَقَدْ نَالَ خَيْرًا كَثِيرًا، قَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النحل: 97].
((هَذَا وَعْدٌ مِنَ اللهِ -تَعَالَى- لِمَنْ عَمِلَ صَالِحًا -وَهُوَ الْعَمَلُ الْمُتَابِعُ لِكِتَابِ اللهِ -تَعَالَى- وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى مِنْ بَنِي آدَمَ، وَقَلْبُهُ مُؤْمِنٌ بِاللهِ وَرَسُولِهِ، وَإِنَّ هَذَا الْعَمَلَ الْمَأْمُورَ بِهِ مَشْرُوعٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ- بِأَنْ يُحْيِيَهُ اللهُ حَيَاةً طَيِّبَةً فِي الدُّنْيَا، وَأَنْ يَجْزِيَهُ بِأَحْسَنِ مَا عَمِلَهُ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ.
وَالْحَيَاةُ الطَّيِّبَةُ تَشْمَلُ وُجُوهَ الرَّاحَةِ مِنْ أَيِّ جِهَةٍ كَانَتْ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَمَاعَةٍ أَنَّهُمْ فَسَّرُوهَا بِالرِّزْقِ الْحَلَالِ الطَّيِّبِ، وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّهُ: ((فَسَّرَهَا بِالْقَنَاعَةِ))، وَكَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَعِكْرَمَةُ، وَوَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ)).
إِنَّ مِمَّا حُكِيَ عَنِ الْمَسِيحِ ابْنِ مَرْيَمَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا وَسَلَّمَ-: أَنَّهُ قَالَ: «ثِيَابِي الصُّوفُ، وَطَعَامِي الشَّعِيرُ، وَسِرَاجِي الْقَمَرُ، وَفِرَاشِي الْأَرْضُ، وَلِحَافِي السَّمَاءُ، وَوِسَادَتِي ذِرَاعِي، وَدَابَّتِي رِجْلَايَ، أُمْسِي وَلَيْسَ عِنْدِي شَيْءٌ، وَأُصْبِحُ وَلَيْسَ عِنْدِي شَيْءٌ، وَلَيْسَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ أَحَدٌ أَغْنَى مِنِّي».
فِي هَذِهِ الْحَالَةِ الَّتِي وَصَفَهَا الْمَسِيحُ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا وَسَلَّمَ- لَا يَعْرِضُ فِي بَالِ الْعَبْدِ أَمْرُ الْغِنَى قَطُّ، فَإِذَا مَا جَاءَ الْغِنَى عَلَى أَتَمِّ وُجُوهِهِ وَأَوْفَرِهَا فَهَاهُنَا مَوْطِنُ الْعَجَبِ، وَهَاهُنَا تُسْكَبُ الْعَبَرَاتُ.
«وَأُصْبِحُ وَلَيْسَ عِنْدِي شَيْءٌ، وَأُمْسِي وَلَيْسَ عِنْدِي شَيْءٌ، وَلَيْسَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ أَحَدٌ هُوَ أَغْنَى مِنِّي».
لَمَّا تَجَرَّدَ مِمَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعِهِ مِنْ عَرَضٍ زَائِلٍ، وَوَهْمٍ حَائِلٍ، وَعَارِيَةٍ مُسْتَرَدَّةٍ، لَمَّا تَجَرَّدَ مِمَّا يَحْرِصُ عَلَيْهِ الْخَلْقُ، وَيَتَقَاتَلُ دُونَهُ الْأَنَامُ، وَلَمَّا عَرَفَ حَقِيقَةَ الدُّنْيَا؛ جَاءَ الْغِنَى حَقًّا، «وَلَيْسَ أَحَدٌ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ هُوَ أَغْنَى مِنِّي».
أَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ فِي «طَبَقَاتِهِ»، وَكَذَلِكَ أَوْرَدَهُ ابْنُ الْقَيِّمِ -رَحِمَهُ اللهُ- فِي «زَادِهِ»، وَذَكَرَهُ الصَّالِحِيُّ فِي «سُبُلِ الْهُدَى وَالرَّشَادِ»، وَأَتَى بِهِ الزُّرْقَانِيُّ فِي «شَرْحِهِ عَلَى الْمَوَاهِبِ» فِي ذِكْرِ قِصَّةِ وَفْدِ (تُجِيبَ)، وَهَؤُلَاءِ قَوْمٌ مِنَ الْيَمَنِ جَاءُوا فِي عَامِ الْوُفُودِ فِي السَّنَةِ التَّاسِعَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ مُبَايِعِينَ مُتَعَلِّمِينَ، وَكَانُوا ثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا، وَقَدْ سَاقُوا مَعَهُمْ زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ، فَنَزَلُوا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ الْمَدِينَةَ، فَشَهِدُوا شَهَادَةَ الْحَقِّ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَبَايَعُوهُ ﷺ مُجَدَّدًا، وَسأَلُوا عَنِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، وَأَخَذُوا بِتَفَقُّهِهِمْ فِي دِينِ رَبِّهِمْ -جَلَّ وَعَلَا-، فَأَكْرَمَ النَّبِيُّ ﷺ وِفَادَتَهُمْ، وَأَحْسَنَ اسْتِقْبَالَهُمْ، فَقَالُوا: «يَا رَسُولَ اللهِ! هَذِهِ زَكَاةُ أَمْوَالِنَا قَدْ سُقْنَاهَا بَيْنَ أَيْدِينَا إِلَيْكَ؛ لِتَجْعَلَهَا حَيْثُ تَشَاءُ».
فَقَالَ: «رُدُّوهَا، وَاجْعَلُوهَا مَقْسُومَةً عَلَى فُقَرَائِكُمْ».
فَقَالُوا: «وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ! مَا جِئْنَا إِلَيْكَ بِهَا إِلَّا بَعْدَ أَنِ اسْتَوْفَى الْفُقَرَاءُ حَقَّهُمْ، وَلَمْ يَعُدْ لَدَيْنَا مِنْ مُحْتَاجٍ».
وَأُعْجِبَ بِهِمْ أَبُو بَكْرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، فَقَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: «يَا رَسُولَ اللهِ! مَا جَاءَنَا وَفْدٌ مِنْ وُفُودِ الْعَرَبِ هُوَ أَهْدَى مِنْ هَؤُلَاءِ».
فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ الْهُدَى للهِ وَبِيَدِهِ، يَجْعَلُهُ حَيْثُ يَشَاءُ».
وَأَمَرَ بِلَالًا أَنْ يُحْسِنَ إِلَيْهِمْ، وَأَنْ يُكْرِمَ وِفَادَتَهُمْ، فَفَعَلَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، وَلَمْ يُطِيلُوا اللَّبْثَ وَلَا الْمُكْثَ وَلَا الْبَقَاءَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ، وَإِنَّمَا تَعَجَّلُوا الرَّوَاحَ، فَقِيلَ لَهُمْ: «مَا يُعْجِلُكُمْ وَالْبَقَاءُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ مَطْلُوبٌ مَحْبُوبٌ، وَهُوَ الْآنَ مَبْذُولٌ مَيْسُورٌ؟!!».
فَقَالُوا: «إِنَّا نَتَعَجَّلُ الذَّهَابَ إِلَى قَوْمِنَا؛ لِنُخْبِرَهُمْ بِرُؤْيَتِنَا لِنَبِيِّنَا ﷺ، وَبِاجْتِمَاعِنَا مَعَهُ، وَبِسَمَاعِنَا مِنْهُ، وَنَنْقُلُ إِلَيْهِمْ مَا تَعَلَّمْنَاهُ مِنَ الرَّسُولِ ﷺ ».
فَلَمَّا أَعَدُّوا حَاجَاتِهِمْ، وَأَرَادُوا الرَّحِيلَ؛ جَاءُوا النَّبِيَّ ﷺ مُوَدِّعِينَ، فَوَدَّعُوهُ ﷺ، وَاسْتَوْدَعَهُمُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ، وَأَجْزَلَ لَهُمُ الْعَطَاءَ بِمَا لَمْ يُعْطِهِ وَفْدًا أَتَاهُ قَطُّ، فَلَمَّا أَرَادُوا الرَّحِيلَ قَالَ: «هَلْ بَقِيَ مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ؟».
قَالُوا: «غُلَامٌ لَنَا عِنْدَ رَوَاحِلِنَا».
قَالَ: «فَابْعَثُوا بِهِ إِلَيَّ».
فَذَهَبُوا إِلَى رَوَاحِلِهِمْ، فَأَقْبَلُوا عَلَى الْغُلَامِ فَقَالُوا: «اذْهَبْ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ؛ لِيَقْضِيَ لَكَ حَاجَتَكَ كَمَا قَضَى لَنَا حَوَائِجَنَا».
فَذَهَبَ الْغُلَامُ -الْغُلَامُ!! لَمْ يَكُنْ رَجُلًا يَافِعًا، وَلَا كَهْلًا فِي السِّنِّ مُتَقَدِّمًا، وَلَا شَيْخًا أَحْنَتْ ظَهْرَهُ السُّنُونُ، وَإِنَّمَا كَانَ غُلَامًا بَعْدُ-، فَجَاءَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: «يَا رَسُولَ اللهِ! أَنَا مِنْ بَنِي أَبْذَى، مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَانُوا عِنْدَكَ آنِفًا فَقَضَيْتَ حَوَائِجَهُمْ، وَقَدْ جِئْتُ إِلَيْكَ لِتَقْضِيَ حَاجَتِي».
فَقَالَ: «وَمَا حَاجَتُكَ؟».
قَالَ: «يَا رَسُولَ اللهِ! أَمَا إِنَّ حَاجَتِي لَيْسَتْ كَحَاجَةِ قَوْمِي الَّذِينَ أَتَوْكَ فَقَضَيْتَ حَوَائِجَهُمْ، وَإِنْ كَانُوا جَاءُوكَ فِي الْإِسْلَامِ رَاغِبِينَ، وَسَاقُوا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ صَدَقَاتِ أَمْوَالِهِمْ، وَلَكِنِّي جِئْتُ قَاصِدَكَ فِي حَاجَةٍ أُخْرَى، وَاللهِ مَا أَخْرَجَنِي مِنْ أَرْضِي وَلَا اسْتَفَزَّنِي مِنْ قَوْمِي إِلَّا هَذِهِ الْحَاجَةُ الَّتِي جِئْتُكَ مِنْ أَجْلِ أَنْ تَقْضِيَهَا لِي».
فَقَالَ: «سَلْ حَاجَتَكَ».
فَقَالَ: «حَاجَتِي أَنْ تَسْأَلَ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ أَنْ يَغْفِرَ لِي وَيَرْحَمَنِي، وَيَجْعَلَ غِنَايَ فِي قَلْبِي».
فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «اللهم اغْفِرْ لَهُ، وَارْحَمْهُ، وَاجْعَلْ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ».
ثُمَّ زَوَّدَهُ كَمَا يُزَوِّدُ رَجُلًا مِنْ قَوْمِهِ وَأَصْحَابِهِ، وَانْطَلَقَ الْقَوْمُ رَاشِدِينَ، ثُمَّ وَافَوْا رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي الْمَوْسِمِ بِـ(مِنَى) فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَقَالُوا: «يَا رَسُولَ اللهِ! نَحْنُ الَّذِينَ جِئْنَاكَ قَبْلُ مِنْ بَنِي أَبْذَى»؛ فَمَا تَظُنُّ الرَّسُولَ ﷺ قَائِلًا؟!! وَهُوَ الدَّاعِي إِلَى اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ حَقًّا وَصِدْقًا، وَهُوَ الْمَبْعُوثُ مِنْ لَدُنْ رَبِّنَا الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ لِهِدَايَةِ الْخَلْقِ أَجْمَعِينَ، لا يَنْسَى مَنْ دَعَاهُ إِلَى سَبِيلِ الرُّشْدِ؛ فَكَيْفَ وَمَنْ دَعَاهُ كَانَ مُتَمَيِّزًا.. كَانَ مُتَفَرِّدًا؟!! لَا يَسْأَلُ عَلَى صِغَرِ السِّنِّ شَيْئًا مِنْ عَرَضِ الدُّنْيَا، وَلَا مِنْ حَاجَاتِ النَّاسِ، وَإِنَّمَا يَسْأَلُ أَمْرًا آخَرَ يُزَهِّدُ فِي الْحَيَاةِ، وَيَصْرِفُ الْوَجْهَ عَنْ عَرَضِهَا الزَّائِلِ وَحُطَامِهَا الَّذِي يَصِيرُ إِلَى الْفَنَاءِ، «أَنْ تَسْأَلَ اللهَ -جَلَّ وَعَلَا- أَنْ يَغْفِرَ لِي وَيَرْحَمَنِي، وَيَجْعَلَ غِنَايَ فِي قَلْبِي».
يُرِيدُ أَنْ يَحْمِلَ كَنْزَهُ فِي يَدَيْهِ، لَا عَلَى يَدَيْهِ، وَهُوَ فِي مَأْمَنٍ -حِينَئِذٍ- مِنْ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ وَمِنَ السُّرَّاقِ الْحَاذِقِينَ، بَلْ إِنَّهُ فِي مَأْمَنٍ -حِينَئِذٍ- إِذَا أَتَى الْإِيمَانُ حَافِظًا حَتَّى مِنَ الشَّيَاطِينِ؛ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِلْقَوْمِ لَمَّا ذَكَّرُوهُ -وَلَمْ يَكُنْ نَاسِيًا-، قَالُوا: «نَحْنُ الْقَوْمُ الَّذِينَ جِئْنَاكَ فِي الْمَدِينَةِ قَبْلُ مِنْ بَنِي أَبْذَى».
فَقَالَ: «مَا صَنَعَ الْغُلَامُ؟».
فَقَالُوا: «يَا رَسُولَ اللهِ! وَاللهِ لَقَدْ تَرَكْنَاهُ وَمَا عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ أَحَدٌ هُوَ أَزْهَدُ فِي الدُّنْيَا مِنْهُ، وَلَا سَمِعْنَا قَبْلُ قَطُّ بِأَحَدٍ كَانَ أَقْنَعَ بِمَا آتَاهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ مِنْ رِزْقِهِ مِنْهُ، وَقَدْ تَرَكْنَاهُ عَلَى خَيْرِ حَالٍ»، فَدَعَا لَهُ نَبِيُّنَا ﷺ، وَانْصَرَفَ الْقَوْمُ.
لَمَّا قَضَى اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ فِي نَبِيِّهِ ﷺ بِأَمْرِهِ، وَكَانَ أَمْرُ الرِّدَّةِ قَدْ نَجَمَ وَذَرَّ بِقَرْنِهِ، وَابْتَدَأَ أَمْرُهُ حَتَّى فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ، وَظَهَرَ الْأَسْوَدُ الْعَنْسِيُّ مُتَنَبِّأً بِأَرْضِ الْيَمَنِ، وَدَعَا النَّاسَ إِلَى الْإِيمَانِ بِوَحْيِهِ الَّذِي يَأْتِيهِ مِنْ لَدُنْ شَيْطَانِهِ الرَّجِيمِ، لَمَّا دَعَا النَّاسَ إِلَى ذَلِكَ، وَمَخْرَقَ عَلَيْهِمْ؛ أَطَاعَهُ مَنْ أَطَاعَهُ مِمَّنْ أَضَلَّهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ عَلَى عِلْمٍ، وَقَامَ الْغُلَامُ فِي حَيِّهِ فِي قَوْمِهِ لَمَّا رَجَعَ مَنْ رَجَعَ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ عَنْ دِينِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.. قَامَ الْغُلَامُ فِي حَيِّهِ فَذَكَّرَ اللهَ، وَدَعَا إِلَى سَبِيلِهِ، وَأَمَرَ بِالثَّبَاتِ عَلَى أَمْرِهِ وَاتِّبَاعِ نَبِيِّهِ ﷺ، فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْهُمْ عَنِ الْإِسْلَامِ أَحَدٌ، وَثَبَتُوا عَلَى الدِّينِ أَجْمَعِينَ.
وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- خَلِيفَةُ النَّبِيِّ ﷺ يَسْأَلُ عَنِ الْغُلَامِ فِي كُلِّ حِينٍ، فَلَمَّا أَتَاهُ خَبَرُهُ فِي أَثْنَاءِ الْمِحْنَةِ بِالرِّدَّةِ عَنْ دِينِ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا-؛ أَرْسَلَ إِلَى زِيَادِ بْنِ لَبِيدٍ عَامِلِهِ عَلَى أَرْضِ الْيَمَنِ يُوصِيهِ بِهِ خَيْرًا، وَظَلَّ حَتَّى صَارَ رَجُلًا مُكْتَمِلَ الْأَيْدِ شَدِيدَ الْقُوَّةِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-؛ فَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ الثَّابِتِينَ.
وَتَتَأَمَّلُ -الْآنَ- فِي طَلَبِهِ مِنَ نَبِيِّهِ ﷺ عَلَى صِغَرِ السِّنِّ: «أَنْ يَغْفِرَ لِي، وَيَرْحَمَنِي، وَيَجْعَلَ غِنَايَ فِي قَلْبِي»، هَذَا مَطْلَبٌ تَشْرَئِبُّ إِلَيْهِ الْأَعْنَاقُ، وَتَتَطَلَّعُ إِلَيْهِ النُّفُوسُ!
الرَّسُولُ ﷺ كَمَا فِي حَدِيثِ أَنَسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- الَّذِي أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ، وَابْنُ مَاجَه مِنْ طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ كَانَتِ الْآخِرَةُ هَمَّهُ جَعَلَ اللهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ، وَجَمَعَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ، وَمَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ فَرَّقَ اللهُ عَلَيْهِ شَمْلَهُ، وَجَعَلَ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللهُ لَهُ».
فِي صُورَتَيْنِ مُتَقَابِلَتَيْنِ -وَالضِّدُّ يُظْهِرُ حُسْنَهُ الضِّدُّ-؛ يَأْتِي الرَّسُولُ ﷺ بِصُورَةِ رَجُلٍ قَدْ جَمَعَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ عَلَيْهِ الشَّمْلَ كُلَّهُ، فَلَا يَتَفَرَّقُ عَلَيْهِ مِنْ شَمْلِهِ شَيْءٌ، وَإِنَّمَا هُوَ مَجْمُوعُ الشَّمْلِ بِوِحْدَةِ الْقَصْدِ لَا يَلْتَفِتُ، وَإِنَّمَا إِلَى أَمَامَ أَمَامَ، وَجَعَلَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ، وَجَعَلَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا، وَمِنْ عَاقِبَتِهِ رَشَدًا، وَجَعَلَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ لَهُ فِي الدُّنْيَا ثَبَاتًا وَنَصْرًا.
فَهَذِهِ صُورَةٌ.. يُقَابِلُهَا صُورَةٌ أُخْرَى؛ صُورَةُ الرَّجُلِ الَّذِى تَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلُهُ، فَطُرُقُهُ قِصَارٌ لَا تَسْتَتِمُّ؛ بَلْ لَا تَبِينُ، وَإِنَّمَا هِيَ مُتَقَاطِعَةٌ مُتَدَاخِلَةٌ مُتَمَاوِجَةٌ، لَا يَكَادُ يَتَبَيَّنُ مِنْهَا طَرِيقًا وَلَا يَقِفُ مِنْهَا عَلَى سَبِيلٍ، تَشَابَهَتْ عَلَيْهِ الْأُمُورُ، وَاخْتَلَطَتْ عَلَيْهِ الدُّرُوبُ، وَتَدَاخَلَتْ عِنْدَهُ الْخُطُوطُ، وَتَقَاطَعَتْ عِنْدَهُ الدَّوَائِرُ؛ لِأَنَّ شَمْلَهُ قَدْ تَفَرَّقَ عَلَيْهِ، فَمَا مِنْ هَدَفٍ هَاهُنَا يُمْكِنُ أَنْ يَسْعَى إِلَيْهِ.
وَالْآخَرُ مُشَمِّرٌ قَدْ أَجْمَعَ أَمْرَهُ عَلَى وِحْدَةِ قَصْدٍ لِهَدَفٍ مُحَدَّدٍ يَبْذُلُ لَهُ وُسْعَهُ، وَقَدْ آتَاهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ مِنَ الْغِنَى الْكَامِنِ فِي الصَّدْرِ الْمُسْتَقِرِّ فِي الْقَلْبِ مَا يَجْعَلُ أَمْرَهُ عَلَى سَوَاءٍ.
وَأَمَّا هَذَا الَّذِي فِي الصُّورَةِ الْمُقَابِلَةِ لِكَيْ يُظْهِرَ مَا هُنَالِكَ مِنْ حُسْنٍ بَارِزٍ، وَمِنْ بَهْجَةٍ ظَاهِرَةٍ؛ فَهَذَا لَمَّا تَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلُهُ جَاءَ فَقْرُهُ فَسَكَنَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ؛ فَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَتَحَوَّلَ عَنْهُ أَبَدًا؛ وَلَكِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لِكَيْ تَكُونَ الصُّورَةُ وَاضِحَةً فِي ذِهْنِ السَّامِعِ وَالْمُسْتَبْصِرِ يَأْتِي النَّبِيُّ ﷺ بِأَمْرَيْنِ:
فِي الصُّورَةِ الْأُولَى: صُورَةِ الْمَجْمُوعِ الشَّمْلِ، صَاحِبِ الْغِنَى فِي الْقَلْبِ، تَأْتِيهِ الدُّنْيَا رَاغِمَةً، وَتَأَمَّلِ -الْآنَ- فِي صُورَةِ الدُّنْيَا الرَّاغِمَةِ آتِيَةً إِلَيْهِ قَدْ جُمِعَتْ بِحَذَافِيرِهَا، تُسَاقُ وَالسِّيَاطُ عَلَى ظَهْرِهَا لَاهِبَةٌ، وَالسِّيَاطُ عَلَى ظَهْرِهَا لَاسِعَةٌ، تُسَاقُ سَوْقًا إِلَيْهِ وَهِيَ رَاغِمَةٌ، وَهُوَ لَفْظُ نَبِيِّكَ ﷺ: «وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ».
وَأَمَّا فِي الصُّورَةِ الْمُقَابِلَةِ: فَيَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ: «وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا مَا كُتِبَ لَهُ»؛ فَلِمَ الْعَنَاءُ إِذَنْ؟!!
وَلِمَ بَذْلُ النَّفْسِ فِي غَيْرِ سَبِيلٍ، وَإِضَاعَةُ الْعُمُرِ عَلَى غَيْرِ طَرِيقٍ؟!!
وَهَذَا بَيَانُ الْغِنَى، وَانْقِسَامِهِ إِلَى عَالٍ وَسَافِلٍ: قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((لَمَّا كَانَ الْفَقْرُ إِلَى اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ- هُوَ عَيْنَ الْغِنَى بِهِ -فَأَفْقَرُ النَّاسِ إِلَى اللهِ أَغْنَاهُمْ بِهِ، وَأَذَلُّهُمْ لَهُ أَعَزُّهُمْ، وَأَضْعَفُهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ أَقْوَاهُمْ، وَأَجْهَلُهُمْ عِنْدَ نَفْسِهِ أَعْلَمُهُمْ بِاللهِ، وَأَمْقَتُهُمْ لِنَفْسِهِ أَقْرَبُهُمْ إِلَى مَرْضَاةِ اللهِ- كَانَ ذِكْرُ الْغِنَى بِاللهِ مَعَ الْفَقْرِ إِلَيْهِ مُتَلَازِمَيْنِ مُتَنَاسِبَيْنِ.
فَنَذْكُرُ فَصْلًا نَافِعًا فِي الْغِنَى الْعَالِي.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْغِنَى عَلَى الْحَقِيقَةِ لَا يَكُونَ إِلَّا للَّهِ الْغَنِيِّ بِذَاتِهِ عَنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ.
وَكُلُّ مَا سِوَاهُ فَمَوْسُومٌ بِسِمَةِ الْفَقْرِ، كَمَا هُوَ مَوْسُومٌ بِسِمَةِ الْخَلْقِ وَالصُّنْعِ، فَكَمَا أَنَّ كَوْنَهُ مَخْلُوقًا أَمْرٌ ذَاتِيٌّ لَهُ، فَكَوْنُهُ فَقِيرًا أَمْرٌ ذَاتِيٌّ لَهُ، وَغِنَاهُ أَمْرٌ نِسْبِيٌّ إِضَافِيٌّ عَارِضٌ لَهُ؛ فَإِنَّهُ إِنَّمَا اسْتَغْنَى بِأَمْرٍ خَارِجٍ عَنْ ذَاتِهِ، فَهُوَ غَنِيٌّ بِهِ فَقِيرٌ إِلَيْهِ.
وَلَا يُوصَفُ بِالْغِنَى عَلَى الْإِطْلَاقِ إِلَّا مَنْ غِنَاهُ مِنْ لَوَازِمِ ذَاتِهِ، فَهُوَ الْغَنِيُّ بِذَاتِهِ عَمَّا سِوَاهُ، وَهُوَ الْأَحَدُ الصَّمَدُ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ.
وَالْغِنَى قِسْمَانِ: غِنًى سَافِلٌ، وَغِنًى عَالٍ.
* فَالْغِنَى السَّافِلُ: الْغِنَى بِالْعَوَارِيِّ الْمُسْتَرَدَّةِ؛ مِنَ النِّسَاءِ، وَالْبَنِينَ، وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقْنَطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ، وَالْأَنْعَامِ، وَالْحَرْثِ.
وَهَذَا أَضْعَفُ الْغِنَى؛ فَإِنَّهُ غِنًى بِظِلٍّ زَائِلٍ، وَعَارِيَّةٍ تَرْجِعُ عَنْ قَرِيبٍ إِلَى أَرْبَابِهَا -أَيْ: إِلَى أَصْحَابِهَا-، فَإِذَا الْفَقْرُ بِأَجْمَعِهِ بَعْدَ ذَهَابِهَا، وَكَأَنَّ الْغِنَى بِهَا كَانَ حُلُمًا فَانْقَضَى.
وَلَا هِمَّةَ أَضْعَفُ مِنْ هِمَّةِ مَنْ رَضِيَ بِهَذَا الْغِنَى الَّذِي هُوَ ظِلٌّ زَائِلٌ.
وَهَذَا غِنَى أَرْبَابِ الدُّنْيَا الَّذِي فِيهِ يَتَنَافَسُونَ، وَإِيَّاهُ يَطْلُبُونَ، وَحَوْلَهُ يَحُومُونَ، وَلَا أَحَبَّ إِلَى الشَّيْطَانِ وَأَبْعَدَ مِنَ الرَّحْمَنِ مِنْ قَلْبٍ مَلْآنَ بِحُبِّ هَذَا الْغِنَى وَبِالْخَوْفِ مِنْ فَقْدِهِ.
قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: ((إِذَا اجْتَمَعَ إِبْلِيسُ وَجُنُودُهُ لَمْ يَفْرَحُوا بِشَيْءٍ كَفَرْحِهِمْ بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءٍ: مُؤْمِنٌ قَتَلَ مُؤْمِنًا، وَرَجُلٌ يَمُوتُ عَلَى الْكُفْرِ، وَقَلْبٌ فِيهِ خَوْفُ الْفَقْرِ)).
وَهَذَا الْغِنَى مَحْفُوفٌ بِفَقْرَيْنِ: فَقْرٍ قَبْلَهُ، وَفَقْرٍ بَعْدَهُ، وَهُوَ كَالْغَفْوَةِ بَيْنَهُمَا، فَحَقِيقٌ بِمَنْ نَصَحَ نَفْسَهُ أَلَّا يَغْتَرَّ بِهِ، وَلَا يَجْعَلَهُ نِهَايَةَ مَطْلَبِهِ، بَلْ إِذَا حَصَلَ لَهُ جَعَلَهُ سَبَبًا لِغِنَاهُ الْأَكْبَرِ وَوَسِيلَةً إِلَيْهِ، وَيَجْعَلُهُ خَادِمًا مِنْ خَدَمِهِ، لَا مَخْدُومًا لَهُ، وَتَكُونُ نَفْسُهُ أَعَزَّ عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يُعَبِّدَهَا لِغَيْرِ مَوْلَاهُ الْحَقِّ، أَوْ يَجْعَلَهَا خَادِمَةً لِغَيْرِهِ.
* وَأَمَّا الْغِنَى الْعَالِي؛ فَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ -يَعْنِي: الْهَرَوِيُّ-: ((هُوَ عَلَى ثَلَاثِ دَرَجَاتٍ:
- الدَّرَجَةُ الْأُولَى: غِنَى الْقَلْبِ، وَهُوَ سَلَامَتُهُ مِنَ السَّبَبِ، وَمُسَالَمَتُهُ لِلْحُكْمِ، وَخَلَاصُهُ مِنَ الْخُصُومَةِ.
- وَالدَّرَجَةُ الثَّانِيَةُ: غِنَى النَّفْسِ، وَهُوَ اسْتِقَامَتُهَا عَلَى الْمَرْغُوبِ، وَسَلَامَتُهَا مِنَ الْمَسْخُوطِ، وَبَرَاءَتُهَا مِنَ الْمُرَايَاةِ.
- وَالدَّرَجَةُ الثَّالِثَةُ: الْغِنَى بِالْحَقِّ، وَهُوَ ثَلَاثُ مَرَاتِبَ: الْأُولَى: شُهُودُ ذِكْرِهِ إِيَّاكَ، وَالثَّانِيَةُ: دَوَامُ مُطَالَعَةِ أَوَّلِيَّتِهِ، وَالثَّالِثَةُ: الْفَوْزُ بِوُجُودِهِ)).
ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: ((لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ، وَلَكِنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ)).
وَمَتَى اسْتَغْنَتِ النَّفْسُ اسْتَغْنَى الْقَلْبُ.
إِنَّ الْغَنِيَّ إِنَّمَا يَصِيرُ غَنِيًّا بِحُصُولِ مَا يَسُدُّ فَاقَتَهُ وَيَدْفَعُ حَاجَتَهُ، وَفِي الْقَلْبِ فَاقَةٌ عَظِيمَةٌ وَضَرُورَةُ تَامَّةٌ وَحَاجَةٌ شَدِيدَةٌ لَا يَسُدُّهَا إِلَّا فَوْزُهُ بِحُصُولِ الْغِنَى الْحَمِيدِ الَّذِي إِنْ حَصَلَ لِلْعَبْدِ حَصَلَ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ، وَإِنْ فَاتَهُ فَاتَهُ كُلُّ شَيْءٍ.
فَكَمَا أَنَّهُ -سُبْحَانَهُ- الْغَنِيُّ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَلَا غَنِيَّ سِوَاهُ؛ فَالْغِنَى بِهِ هُوَ الْغِنَى فِي الْحَقِيقَةِ، وَلَا غِنًى بِغَيْرِهِ أَلْبَتَّةَ.
فَمَنْ لَمْ يَسْتَغْنَ بِهِ عَمَّا سِوَاهُ تَقَطَّعَتْ نَفْسُهُ عَلَى السِّوَى حَسَرَاتٍ، وَمَنِ اسْتَغْنَى بِهِ زَالَتْ عَنْهُ كُلُّ حَسْرَةٍ، وَحَضَرَهُ كُلُّ سُرُورٍ وَفَرَحٍ، وَاللهُ الْمُسْتَعَانُ.
وَإنَّمَا تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ((غِنَى الْقَلْبِ)) عَلَى الْكَلَامِ عَلَى ((غِنَى النَّفْسِ))؛ لِأَنَّ كَمَالَ صَلَاحِ النَّفْسِ وَغِنَاهَا بِالِاسْتِقَامَةِ مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ، وَبُلُوغَهَا إِلَى دَرَجَةِ الطُّمَأْنِينَةِ لَا يَكُونُ إِلَّا بَعْدَ صَلَاحِ الْقَلْبِ.
وَلَمَّا كَانَ الْقَلْبُ هُوَ الْمَلِكُ، وَكَانَ صَلَاحُهُ صَلَاحَ جَمِيعِ رَعِيَّتِهِ كَانَ أَوْلَى بِالتَّقْدِيمِ.
وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((إِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ لَهَا سَائِرُ الْجَسَدِ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ لَهَا سَائِرُ الْجَسَدِ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ)).
وَالْقَلْبُ إِذَا اسْتَغْنَى بِمَا فَاضَ عَلَيْهِ مِنْ مَوَاهِبِ رَبِّهِ وَعَطَايَاهُ السَّنِيَّةِ خَلَعَ عَلَى الْأُمَرَاءِ وَالرَّعِيَّةِ خِلَعًا تُنَاسِبُهَا؛ فَخَلَعَ عَلَى النَّفْسِ خِلَعَ الطُّمَأْنِينَةِ وَالسَّكِينَةِ وَالرِّضَا وَالْإِخْبَاتِ، فَأَدَّتِ الْحُقُوقَ سَمَاحَةً لَا كَظْمًا، بَلْ بِانْشِرَاحٍ وَرِضًا وَمُبَادَرَةٍ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهَا جَانَسَتِ الْقَلْبَ -حِينَئِذٍ-، وَوَافَقَتْهُ فِي أَكْثَرِ أُمُورِهِ، وَاتَّحَدَ مُرَادُهُمَا غَالِبًا، فَصَارَتْ لَهُ وَزِيرَ صِدْقٍ، بَعْدَ أَنْ كَانَتْ عَدُوًّا مُبَارِزًا بِالْعَدَاوَةِ، فَلَا تَسْأَلْ عَمَّا أَحْدَثَتْ هَذِهِ الْمُؤَازَرَةُ وَالْمُوَافَقَةُ مِنْ طُمَأْنِينَةٍ وَلَذَّةِ عَيْشٍ وَنَعِيمٍ هُوَ رَقِيقَةٌ مِنْ نَعِيمِ أَهْلِ الْجَنَّةِ -أَيْ: جُزْءٌ يَسِيرٌ جِدًّا مِنْ نَعِيمِ أَهْلِ الْجَنَّةِ-!
وَخَلَعَ -أَيِ: الْقَلْبُ، الْمَلِكُ- عَلَى الْجَوَارِحِ خِلَعَ الْخُشُوعِ وَالْوَقَارِ، وَعَلَى الْوَجْهِ خِلْعَةَ الْمَهَابَةِ وَالنُّورِ وَالْبَهَاءِ، وَعَلَى اللِّسَانِ خِلْعَةَ الصِّدْقِ وَالْقَوْلِ السَّدِيدِ الثَّابِتِ وَالْحِكْمَةِ النَّافِعَةِ، وَعَلَى الْعَيْنِ خِلْعَةَ الِاعْتِبَارِ فِي النَّظَرِ وَالْغَضِّ عَنِ الْمَحَارِمِ، وَعَلَى الْأُذُنِ خِلْعَةَ اسْتِمَاعِ النَّصِيحَةِ وَاسْتِمَاعِ الْقَوْلِ النَّافِعِ اسْتِمَاعُهُ لِلْعَبْدِ فِي مَعَاشِهِ وَمَعَادِهِ، وَعَلَى الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ خِلْعَةَ الْبَطْشِ فِي الطَّاعَاتِ أَيْنَ كَانَتْ بِقُوَّةٍ وَأَيْدٍ، وَعَلَى الْفَرْجِ خِلْعَةَ الْعِفَّةِ وَالْحِفْظِ؛ فَغَدَا الْعَبْدُ وَرَاحَ يَرْفُلُ فِي هَذِهِ الْخِلَعِ، وَيَجُرُّ لَهَا فِي النَّاسِ أَذْيَالًا وَأَرْدَانًا.
فَغِنَى النَّفْسِ مُشْتَقٌّ مِنْ غِنَى الْقَلْبِ وَفَرْعٌ عَلَيْهِ، فَإِذَا اسْتَغْنَى سَرَى الْغِنَى مِنْهُ إِلَى النَّفْسِ.
وَغِنَى الْقَلْبِ بِمَا يُنَاسِبُهُ مِنْ تَحَقُّقِهِ بِالْعُبُودِيَّةِ الْمَحْضَةِ الَّتِي هِيَ أَعْظَمُ خِلْعَةٍ تُخْلَعُ عَلَيْهِ، فَيَسَتْغَنِي -حِينَئِذٍ- بِمَا تُوجِبُهُ هَذِهِ الْعُبُودِيَّةُ لَهُ مِنَ الْمَعْرِفَةِ الْخَاصَّةِ وَالْمَحَبَّةِ النَّاصِحَةِ الْخَالِصَةِ، وَبِمَا يَحْصُلُ لَهُ مِنْ آثَارِ الصِّفَاتِ الْمُقَدَّسَةِ، وَمَا تَقْتَضِيهِ مِنَ الْأَحْكَامِ وَالْعُبُودِيَّاتِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِكُلِّ صِفَةٍ عَلَى الِانْفِرَادِ وَمَجْمُوعِهَا قَائِمَةً بِالذَّاتِ.
* الدَّرَجَةُ الْأُولَى -وَهِيَ غِنَى الْقَلْبِ-: وَهُوَ سَلَامَتُهُ مِنَ السَّبَبِ، أَيْ: مِنَ الْفَقْرِ إِلَى السَّبَبِ، وَشُهُودِهِ، وَالِاعْتِمَادِ عَلَيْهِ، وَالرُّكُونِ إِلَيْهِ، وَالثِّقَةِ بِهِ.
فَمَنْ كَانَ مُعْتَمِدًا عَلَى سَبَبٍ، غَنِيًّا بِهِ، وَاثِقًا بِهِ؛ لَمْ يُطْلَقْ عَلَيْهِ اسْمُ (الْغَنِىِّ)؛ لِأَنَّهُ فَقِيرٌ إِلَى الْوَسَائِطِ، بَلْ لَا يُسَمَّى صَاحِبُهُ غَنِيًّا إِلَّا إِذَا سَلِمَ مِنْ عِلَّةِ السَّبَبِ اسْتِغْنَاءً بِالْمُسَبِّبِ، بَعْدَ الْوُقُوفِ عَلَى رَحْمَتِهِ وَحِكْمَتِهِ وَتَصَرُّفِهِ وَحُسْنِ تَدْبِيرِهِ، فَلِذَلِكَ يَصِيرُ صَاحِبُهُ غَنِيًّا بِتَدْبِيرِ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ-.
فَمَتَى سَلِمَ الْعَبْدُ مِنْ عِلَّةِ فَقْرِهِ إِلَى السَّبَبِ، وَمِنْ عِلَّةِ مُنَازَعَتِهِ لِأَحْكَامِ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ-، وَمِنْ عِلَّةِ مُخَاصَمَتِهِ لِلْخَلْقِ عَلَى حُظُوظٍ اسْتَحَقَّ أَنْ يَكُونَ غَنِيًّا بِتَدْبِيرِ مَوْلَاهُ، مُفَوِّضًا إِلَيْهِ، لَا يَفْتَقِرُ قَلْبُهُ إِلَى غَيْرِهِ، وَلَا يَسْخَطُ شَيْئًا مِنْ أَحْكَامِهِ، وَلَا يُخَاصِمُ عِبَادَهُ إِلَّا فِي حُقُوقِ رَبِّهِ، فَتَكُونُ مُخَاصَمَتُهُ للَّهِ وَبِاللهِ، وَمُحَاكَمَتُهُ إِلَى اللهِ، كَمَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ فِي اسْتِفْتَاحِ صَلَاةِ اللَّيْلِ: ((اللهم لَكَ أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ، وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ)). كَمَا فِي ((الصَّحِيحَيْنِ)).
* الدَّرَجَةُ الثَّانِيَةُ: غِنَى النَّفْسِ: وَهُوَ اسْتِقَامَتُهَا عَلَى الْمَرْغُوبِ، وَسَلَامَتُهَا مِنَ الْمَسْخُوطِ، وَبَرَاءَتُهَا مِنَ الْمُرَايَاةِ.
يُرِيدُ بِهِ اسْتِقَامَتَهَا عَلَى الْأَمْرِ الدِّينِيِّ الَّذِي يُحِبُّهُ اللهُ وَيَرْضَاهُ، وَتَجَنُّبَهَا لِمَنَاهِيهِ الَّتِي يَسْخَطُهَا وَيُبْغِضُهَا، وَأَنْ تَكُونَ هَذِهِ الِاسْتِقَامَةُ عَلَى الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ تَعْظِيمًا للَّهِ وَأَمْرِهِ، وَإِيمَانًا بِهِ، وَاحْتِسَابًا لِثَوَابِهِ، وَخَشْيَةً مِنْ عِقَابِهِ، لَا طَلَبًا لِتَعْظِيمِ الْمَخْلُوقِينَ لَهُ وَمَدْحِهِمْ، وَهَرَبًا مِنْ ذَمِّهِمْ وَازْدِرَائِهِمْ، وَطَلَبًا لِلْجَاهِ وَالْمَنْزِلَةِ عِنْدَهُمْ؛ فَإِنَّ هَذَا دَلِيلٌ عَلَى غَايَةِ الْفَقْرِ مِنَ اللهِ، وَالْبُعْدِ مِنْهُ، وَأَنَّهُ أَفْقَرُ شَيْءٍ إِلَى الْمَخْلُوقِ.
فَسَلَامَةُ النَّفْسِ مِنْ ذَلِكَ وَاتِّصَافُهَا بِضِدِّهِ دَلِيلُ غِنَاهَا؛ لِأَنَّهَا إِذَا أَذْعَنَتْ مُنْقَادَةً لِأَمْرِ اللهِ طَوْعًا وَاخْتِيَارًا، وَمَحَبَّةً وَإِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، بِحَيْثُ تَصِيرُ لَذَّتُهَا وَرَاحَتُهَا وَنَعِيمُهَا وَسُرُورُهَا فِي الْقِيَامِ بِعُبُودِيَّتِهِ، كَمَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: ((يَا بِلَالُ! أَرِحْنَا بِالصَّلَاةِ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَقَالَ ﷺ: ((حُبِّبَ إِلَيَّ مِنْ دُنْيَاكُمْ النِّسَاءُ وَالطِّيبُ، وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ)). أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالْحَاكِمُ، وَالْبَيْهَقِيُّ، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
وَقُرَّةُ الْعَيْنِ فَوْقَ الْمَحَبَّةِ، فَجَعَلَ النِّسَاءَ وَالطِّيبَ مِمَّا يُحِبُّهُ، وَأَخْبَرَ أَنَّ قُرَّةَ الْعَيْنِ الَّتِي يَطْمَئِنُّ الْقَلْبُ بِالْوُصُولِ إِلَيْهَا، وَمَحْضَ لَذَّتِهِ وَفَرَحِهِ وَسُرُورِهِ وَبَهْجَتِهِ إِنَّمَا هُوَ فِي الصَّلَاةِ الَّتِي هِيَ صِلَةٌ بِاللهِ، وَحُضُورٌ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَمُنَاجَاةٌ لَهُ، وَاقْتِرَابٌ مِنْهُ، فَكَيْفَ لَا تَكُونُ قُرَّةَ الْعَيْنِ، وَكَيْفَ تَقَرُّ عَيْنُ الْمُحِبِّ بِسِوَاهَا؟!
فَإِذَا حَصَلَ لِلنَّفْسِ هَذَا الْحَظُّ الْجَلِيلُ فَأَيَّ فَقْرٍ تَخْشَى مَعَهُ، وَأَيُّ غِنًى فَاتَهَا حَتَّى تَلَتْفِتَ إِلَيْهِ؟!
وَلَا يَحْصُلُ لَهَا هَذَا حَتَّى يَنْقَلِبَ طَبْعُهَا، وَيَصِيرَ مُجَانِسًا لِطَبِيعَةِ الْقَلْبِ، فَتَصِيرَ بِذَلِكَ مُطْمَئِنَّةً بَعْدَ أَنْ كَانَتْ لَوَّامَةً، وَإِنَّمَا تَصِيرُ مُطْمَئِنَّةً بَعْدَ تَبَدُّلِ صِفَاتِهَا، وَانْقِلَابِ طَبْعِهَا؛ لِاسْتِغْنَاءِ الْقَلْبِ بِمَا وَصَلَ إِلَيْهِ مِنْ نُورِ الْحَقِّ -جَلَّ جَلَالُهُ-، فَجَرَى أَثَرُ ذَلِكَ النُّورِ فِي سَمْعِهِ وَبَصَرِهِ، وَشَعْرِهِ وَبَشَرِهِ، وَعَظْمِهِ وَلَحْمِهِ، وَسَائِرِ مَفَاصِلِهِ، وَأَحَاطَ بِجِهَاتِهِ مِنْ فَوْقِهِ وَتَحْتِهِ، وَيَمِينِهِ وَيَسَارِهِ، وَخَلْفِهِ وَأَمَامِهِ، وَصَارَتْ ذَاتُهُ نُورًا، فَصَارَ عَمَلُهُ نُورًا، وَقَوْلُهُ نُورًا، وَمَدْخَلُهُ نُورًا، وَمَخْرَجُهُ نُورًا، وَكَانَ فِي مَبْعَثِهِ مِمَّنْ أُتِمَّ لَهُ نُورُهُ، فَقَطَعَ بِهِ الْجِسْرَ.
وَإِذَا وَصَلَتِ النَّفْسُ إِلَى هَذِهِ الْحَالِ اسْتَغْنَتْ بِهَا عَنِ التَّطَاوُلِ إِلَى الشَّهَوَاتِ الَّتِي تُوجِبُ اقْتِحَامَ الْحُدُودِ الْمَسْخُوطَةِ، وَالتَّقَاعُدَ عَنِ الْأُمُورِ الْمَطْلُوبَةِ الْمَرْغُوبَةِ؛ فَإِنَّ فَقْرَهَا إِلَى الشَّهَوَاتِ هُوَ الْمُوجِبُ لَهَا التَّقَاعُدَ عَنِ الْمَرْغُوبِ الْمَطْلُوبِ، وَأَيْضًا فَتَقَاعَدُهَا عَنِ الْمَطْلُوبِ مِنْهَا مُوجِبٌ لِفَقْرِهَا إِلَى الشَّهَوَاتِ، فَكُلٌّ مِنْهُمَا مُوجِبٌ لِلْآخَرِ.
وَتَرْكُ الْأَوَامِرِ أَقْوَى لَهَا فِي افْتِقَارِهَا إِلَى الشَّهَوَاتِ؛ فَإِنَّهُ بِحَسَبِ قِيَامِ الْعَبْدِ بِالْأَمْرِ تُدْفَعُ عَنْهُ جُيُوشُ الشَّهْوَةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ} [العنكبوت: 45]، وَقَالَ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا} [الحج: ٣٨].
فَكَمَالُ الدَّفْعِ وَالْمُدَافَعَةِ بِحَسَبِ قُوَّةِ الْإِيمَانِ وَضَعْفِهِ.
فَإِذَا صَارَتِ النَّفْسُ حُرَّةً مُطْمَئِنَّةً غَنِيَّةً بِمَا أَغْنَاهَا بِهِ مَالِكُهَا وَفَاطِرُهَا مِنَ النُّورِ الَّذِي وَقَعَ فِي الْقَلْبِ، فَفَاضَ مِنْهُ إِلَيْهَا؛ اسْتَقَامَتْ بِذَلِكَ الْغِنَى عَلَى الْأَمْرِ الْمَرْغُوبِ، وَسَلِمَتْ بِهِ عَنِ الْأَمْرِ الْمَسْخُوطِ، وَبَرِئَتْ مِنَ الْمُرَاءَاةِ.
وَمَدَارُ ذَلِكَ كُلِّهِ عَلَى الِاسْتِقَامَةِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَلِهَذَا كَانَ الدِّينُ كُلُّهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ} [هود: ١١٢]، وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [الأحقاف: ١٣].
* وَهَذِهِ الِاسْتِقَامَةُ تُرَقِّيهَا إِلَى الدَّرَجَةِ الثَّالِثَةِ مِنَ الْغِنَى، وَهُوَ الْغِنَى بِالْحَقِّ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- عَنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ، وَهِيَ أَعْلَى دَرَجَاتِ الْغِنَى.
- فَأَوَّلُ هَذِهِ الدَّرَجَةِ أَنْ تَشْهَدَ ذِكْرَ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ- إِيَّاكَ قَبْلَ ذِكْرِكَ لَهُ، وَأَنَّهُ -تَعَالَى- ذَكَرَكَ فِيمَنْ ذَكَرَهُ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ ابْتِدَاءً قَبْلَ وُجُودِكَ وَطَاعَتِكَ وَذِكْرِكَ، فَقَدَّرَ خَلْقَكَ وَرِزْقَكَ وَعَمَلَكَ وَإِحْسَانَهُ إِلَيْكَ وَنِعَمَهُ عَلَيْكَ حَيْثُ لَمْ تَكُنْ شَيْئًا أَلْبَتَّةَ.
وَذَكَرَكَ -سُبْحَانَهُ- بِالْإِسْلَامِ، فَوَفَّقَكَ لَهُ، وَاخْتَاَرَكَ لَهُ دُونَ مَنْ خَذَلَهُ، قَالَ تَعَالَى: {هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ} [الحج: ٧٨]، فَجَعَلَكَ أَهْلًا لِمَا لَمْ تَكُنْ أَهْلًا لَهُ قَطُّ، وَإِنَّمَا هُوَ الَّذِي أَهَّلَكَ بِسَابِقِ ذِكْرِهِ، فَلَوْلَا ذِكْرُهُ لَكَ بِكُلِّ جَمِيلٍ أَوْلَاكَهُ لَمْ يَكُنْ لَكَ إِلَيْهِ سَبِيلٌ.
وَمَنِ الَّذِي ذَكَرَكَ بِالْيَقَظَةِ حَتَّى اسْتَيْقَظْتَ، وَغَيْرُكَ فِي رِقْدَةِ الْغَفْلَةِ مَعَ النُّوَّامِ؟!
وَمَنِ الَّذِي ذَكَرَكَ سِوَاهُ بِالتَّوْبَةِ حَتَّى وَفَّقَكَ لَهَا، وَأَوْقَعَهَا فِي قَلْبِكَ، وَبَعَثَ دَوَاعِيَكَ عَلَيْهَا، وَأَحْيَا عَزَمَاتِكَ الصَّادِقَةَ عَلَيْهَا، حَتَّى تُبْتَ إِلَيْهِ، وَأَقْبَلْتَ عَلَيْهِ، فَذُقْتَ حَلَاوَةَ التَّوْبَةِ وَبَرْدَهَا وَلَذَّتَهَا؟!
وَمَنِ الَّذِي ذَكَرَكَ سِوَاهُ بِمَحَبَّتِهِ حَتَّى هَاجَتْ مِنْ قَلْبِكَ لَوَاعِجُهَا، وَتَوَجَّهَتْ نَحْوَهُ -سُبْحَانَهُ- رَكَائِبُهَا، وَعَمَرَ قَلْبَكَ بِمَحَبَّتِهِ بَعْدَ طُولِ الْخَرَابِ، وَآنَسَكَ بِقُرْبِهِ بَعْدَ طُولِ الْوَحْشَةِ وَالِاغْتِرَابِ؟!
وَمَنْ تَقَرَّبَ إِلَيْكَ أَوَّلًا حَتَّى تَقَرَّبْتَ إِلَيْهِ، ثُمَّ أَثَابَكَ عَلَى هَذَا التَّقَرُّبِ تَقَرُّبًا آخَرَ، فَصَارَ التَّقَرُّبُ مِنْكَ مَحْفُوفًا بِتَقَرُّبَيْنِ مِنْهُ -تَعَالَى-: تَقَرُّبٍ قَبْلَهُ، وَتَقَرُّبٍ بَعْدَهُ، وَالْحُبُّ مِنْكَ مَحْفُوفًا بِحُبَّيْنِ مِنْهُ: حُبٍّ قَبْلَهُ، وَحُبٍّ بَعْدَهُ، وَالذِّكْرُ مِنْكَ مَحْفُوفًا بِذِكْرَيْنِ: ذِكْرٍ قَبْلَهُ، وَذِكْرٍ بَعْدَهُ؟!
فَلَوْلَا سَابِقُ ذِكْرِهِ إِيَّاكَ لَمْ يَكُنْ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ شَيْءٌ، وَلَا وَصَلَ إِلَى قَلْبِكَ ذَرَّةٌ مِمَّا وَصَلَ إِلَيْهِ مِنْ مَعْرِفَتِهِ وَتَوْحِيدِهِ، وَمَحَبَّتِهِ، وَخَوْفِهِ وَرَجَائِهِ، وَالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، وَالْإِنَابَةِ إِلَيْهِ، وَالتَّقَرُّبِ إِلَيْهِ، فَهَذِهِ كُلُّهَا آثَارُ ذِكْرِهِ لَكَ.
ثُمَّ إِنَّهُ -سُبْحَانَهُ- ذَكَرَكَ بِنِعَمِهِ الْمُتَرَادِفَةِ الْمُتَوَاصِلَةِ بِعَدَدِ الْأَنْفَاسِ، فَلَهُ عَلَيْكَ فِي كُلِّ طَرْفَةِ عَيْنٍ وَنَفَسٍ نِعَمٌ عَدِيدَةٌ ذَكَرَكَ بِهَا قَبْلَ وُجُودِكَ، وَتَعَرَّفَ بِهَا إِلَيْكَ، وَتَحَبَّبَ بِهَا إِلَيْكَ، مَعَ غِنَاهُ التَّامِّ عَنْكَ وَعَنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ مُجَرَّدُ إِحْسَانِهِ وَفَضْلِهِ وَجُودِهِ؛ إِذْ هُوَ الْجَوَادُ الْمُحْسِنُ لِذَاتِهِ، لَا لِمُعَاوَضَةٍ، وَلَا لِطَلَبِ جَزَاءٍ مِنْكَ، وَلَا لِحَاجَةٍ دَعَتْهُ إِلَى ذَلِكَ، كَيْفَ وَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ؟!
فَإِذَا وَصَلَ إِلَيْكَ أَدْنَى نِعْمَةٍ مِنْهُ فَاعْلَمْ أَنَّهُ ذَكَرَكَ بِهَا، فَلْتَعْظُمْ عِنْدَكَ لِذِكْرِهِ لَكَ بِهَا؛ فَإِنَّهُ مَا حَقَّرَكَ مَنْ ذَكَرَكَ بِإِحْسَانِهِ، وَابْتَدَأَكَ بِمَعْرُوفِهِ، وَتَحَبَّبَ إِلَيْكَ بِنِعْمَتِهِ، هَذَا كُلُّهُ مَعَ غِنَاهُ عَنْكَ.
فَإِذَا شَهِدَ الْعَبْدُ ذِكْرَ رَبِّهِ لَهُ، وَوَصَلَ شَاهِدُهُ إِلَى قَلْبِهِ؛ شَغَلَهُ ذَلِكَ عَمَّا سِوَاهُ، وَحَصَلَ لِقَلْبِهِ بِهِ غِنًى عَالٍ لَا يُشْبِهُهُ شَيْءٌ.
وَهَذَا كَمَا يَحْصُلُ لِلْمَمْلُوكِ الَّذِي لَا يَزَالُ أُسْتَاذُهُ وَسَيِّدُهُ يَذْكُرُهُ وَلَا يَنْسَاهُ، فَهُوَ يَحْصُلُ لَهُ -بِشُعُورِهِ بِذِكْرِ أُسْتَاذِهِ لَهُ- غِنًى زَائِدٌ عَلَى إِنْعَامِ سَيِّدِهِ عَلَيْهِ وَعَطَايَاهُ السَّنِيَّةِ لَهُ؛ فَهَذَا هُوَ غِنَى ذِكْرِ اللهِ لِلْعَبْدِ.
وَقَدْ قَالَ ﷺ فِيمَا يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: ((مَنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَمَنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَأٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَأٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
فَهَذَا ذِكْرٌ ثَانٍ بَعْدَ ذِكْرِ الْعَبْدِ لِرَبِّهِ غَيْرُ الذِّكْرِ الْأَوَّلِ الَّذِي ذَكَرَهُ بِهِ حَتَّى جَعَلَهُ ذَاكِرًا، وَشُعُورُ الْعَبْدِ بِكِلَا الذِّكْرَيْنِ يُوجِبُ لَهُ غِنًى زَائِدًا عَلَى إِنْعَامِ رَبِّهِ عَلَيْهِ وَعَطَايَاهُ لَهُ.
وَالْمَقْصُودُ أَنَّ شُعُورَ الْعَبْدِ وَشُهُودَهُ لِذِكْرِ اللهِ لَهُ يُغْنِي قَلْبَهُ وَيَسُدُّ فَاقَتَهُ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَنْ نَسَوُا اللهَ فَنَسِيَهُمْ؛ فَإِنَّ الْفَقْرَ مِنْ كُلِّ خَيْرٍ حَاصِلٌ لَهُمْ، وَمَا يَظُنُّونَ أَنَّهُ حَاصِلٌ لَهُمْ مِنَ الْغِنَى فَهُوَ مِنْ أَكْبَرِ أَسْبَابِ فَقْرِهِمْ.
- مِنْ دَرَجَاتِ الْغِنَى بِاللهِ -عَزَّ وَجَلَّ-: دَوَامُ شُهُودِ أَوَّلِيَّتِهِ -تَعَالَى-:
وَهَذَا الشُّهُودُ عِنْدَ أَرْبَابِ السُّلُوكِ أَعْلَى مِمَّا قَبْلَهُ، وَالْغِنَى بِهِ أَتَمُّ مِنَ الْغِنَى الْمَذْكُورِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ مَبَادِئِ الْغِنَى بِالْحَقِيقَةِ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ إِذَا فَتَحَ اللهُ لِقَلْبِهِ شُهُودَ أَوَّلِيَّتِهِ -سُبْحَانَهُ- حَيْثُ كَانَ وَلَا شَيْءَ غَيْرُهُ، وَهُوَ الْإِلَهُ الْحَقُّ الْكَامِلُ فِي أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، الْغَنِيُّ بِذَاتِهِ عَمَّا سِوَاهُ، الْحَمِيدُ الْمَجِيدُ بِذَاتِهِ قَبْلَ أَنْ يُخْلَقَ مَنْ يَحْمَدُهُ وَيَعْبُدُهُ وَيُمَجِّدُهُ، فَهُوَ مَعْبُودٌ مَحْمُودٌ حَيٌّ قَيُّومٌ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْأَزَلِ وَالْأَبَدِ، لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ مَوْصُوفًا بِصِفَاتِ الْجَلَالِ، مَنْعُوتًا بِنُعُوتِ الْكَمَالِ، وَكُلُّ شَيْءٍ سِوَاهُ فَإِنَّمَا كَانَ بِهِ، وَهُوَ -تَعَالَى- بِنَفْسِهِ لَيْسَ بِغَيْرِهِ، فَهُوَ الْقَيُّومُ الَّذِي قِيَامُ كُلِّ شَيْءٍ بِهِ، وَلَا حَاجَةَ بِهِ فِي قَيُّومِيَّتِهِ إِلَى غَيْرِهِ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ.
فَإِذَا شَهِدَ الْعَبْدُ سَبْقَهُ -تَعَالَى- بِالْأَوَّلِيَّةِ وَدَوَامَ وُجُودِهِ الْحَقِّ، وَغَابَ بِهَذَا عَمَّا سِوَاهُ مِنَ الْمُحْدَثَاتِ؛ فَنِيَ فِي وُجُودِهِ مَنْ لَمْ يَكُنْ، كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ، وَبَقِيَ مَنْ لَمْ يَزَلْ، وَاضْمَحَلَّتِ الْمُمْكِنَاتُ فِي وُجُودِهِ الْأَزَلِيِّ الدَّائِمِ، بِحَيْثُ صَارَتْ كَالظِّلَالِ الَّتِي يَبْسُطُهَا وَيَمُدُّهَا وَيَقْبِضُهَا، فَيَسْتَغْنِي الْعَبْدُ بِهَذَا الْمَشْهَدِ الْعَظِيمِ، وَيَتَغذَّى بِه عَنْ فَاقَاتِهِ وَحَاجَاتِهِ.
وَإنَّمَا كَانَ أَفْضَلَ عِنْدَهُمْ مِمَّا قَبْلَهُ؛ لِأَنَّ الشُّهُودَ الَّذِي قَبْلَهُ فِيهِ شَائِبَةٌ مُشِيرَةٌ إِلَى وُجُودِ الْعَبْدِ، وَهَذَا الشُّهُودُ الثَّانِي سَاتِرٌ لِلْمَوْجُودَاتِ كُلِّهَا سِوَى الْأَوَّلِ -تَعَالَى-، قَدِ اضْمَحَلَّتْ وَفَنِيَتْ فِيهِ، وَصَارَتْ كَأَوَّلِيَّتِهَا وَهُوَ الْعَدَمُ، فَأَفْنَتْهَا أَوَّلِيَّةُ الْحَقِّ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، فَبَقِيَ الْعَبْدُ مَحْوًا صِرْفًا وَعَدَمًا مَحْضًا، وَإِنْ كَانَتْ إِنِّيَّتُهُ مُتَشَخِّصَةً مُشَارًا إِلَيْهَا، لَكِنَّهَا لَمَّا نُسِبَتْ إِلَى أَوَّلِيَّةِ الْحَقِّ -عَزَّ وَجَلَّ- اضْمَحَلَّتْ وَفَنِيَتْ، وَبَقِيَ الْوَاحِدُ الْحَقُّ الَّذِي لَمْ يَزَلْ بَاقِيًا، فَاضْمَحَلَّ مَا دُونَ الْحَقِّ -تَعَالَى- فِي شُهُودِ الْعَبْدِ، كَمَا هُوَ مُضْمَحِلٌّ فِي نَفْسِهِ، وَشَهِدَ الْعَبْدُ -حِينَئِذٍ- أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ سِوَى اللهِ بَاطِلٌ، وَأَنَّ الْحَقَّ الْمُبِينَ هُوَ اللهُ وَحْدَهُ.
وَلَا رَيْبَ أَنَّ الْغِنَى بِهَذَا الشُّهُودِ أَتَمُّ مِنَ الْغِنَى بِالَّذِي قَبْلَهُ.
وَلَيْسَ هَذَا مُخْتَصًّا بِشُهُودِ أَوَّلِيَّتِهِ -تَعَالَى- فَقَطْ، بَلْ جَمِيعُ مَا يَبْدُو لِلْقُلُوبِ مِنْ صِفَاتِ الرَّبِّ -جَلَّ جَلَالُهُ- يَسْتَغْنِي الْعَبْدُ بِهَا بِقَدْرِ حَظِّهِ وَقَسْمِهِ مِنْ مَعْرِفَتِهَا وَقِيَامِهِ بِعُبُودِيَّتِهَا.
- الدَّرَجَةُ الثَّالِثَةُ مِنْ دَرَجَاتِ الْغِنَى بِالرَّبِّ -جَلَّ جَلَالُهُ-: الْفَوْزُ بِوُجُودِهِ.
هَذَا الْغِنَى أَعْلَى دَرَجَاتِ الْغِنَى؛ لِأَنَّ الْغِنَى الْأَوَّلَ وَالثَّانِيَ كَانَا مِنْ آثَارِ ذِكْرِ اللَّهِ وَالتَّوَجُّهِ، فَفَاضَ عَلَى الْقَلْبِ فِي صِدْقِ تَوَجُّهِهِ أَنْوَارُ الصِّفَاتِ الْمُقَدَّسَةِ، فَاسْتَغْنَى الْقَلْبُ بِذَلِكَ، وَحَصَلَ لَهُ -أَيْضًا- أَنْوَارُ الشُّعُورِ بِكَفَالَتِهِ وَكِفَايَتِهِ لِعَبْدِهِ، وَحُسْنِ وَكَالَتِهِ لَهُ، وَقَيُّومِيَّتِهِ بِتَدْبِيرِهِ، وَحُسْنِ تَدْبِيرِهِ، فَاسْتَغْنَتِ النَّفْسُ بِذَلِكَ -أَيْضًا-.
وَأَمَّا هَذَا الْغِنَى الثَّالِثُ الَّذِي هُوَ (الْغِنَى بِالْحَقِّ) فَهُوَ مِنْ آثَارِ وُجُودِ الْحَقِيقَةِ، وَهُوَ إِنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ تَرَقِّيهِ مِنْ آثَارِ الصِّفَاتِ إِلَى آثَارِ وُجُودِ الذَّاتِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ هَذَا الْوُجُودُ بَعْدَ مُكَاشَفَةِ عَيْنِ الْيَقِينِ عِنْدَمَا يَطْلُعُ فَجْرُ التَّوْحِيدِ، فَهَذَا أَوَّلُهُ، وَكَمَالُهُ عِنْدَ طُلُوعِ شَمْسِهِ، فَيَتَقَطَّعُ ضَبَابُ الْوُجُودِ الْفَانِي، وَتُشْرِقُ شَمْسُ الْوُجُودِ الْبَاقِي، فَيَتَقَطَّعُ لَهَا كُلُّ ضَبَابٍ، وَهَذَا عِبَارَةٌ عَنْ نُورٍ يُقْذَفُ فِي الْقَلْبِ يُكْشَفُ لَهُ بِذَلِكَ النُّورِ عَنْ عَظَمَةِ الذَّاتِ، كَمَا كُشِفَ لَهُ بِالنُّورِ الَّذِي قَبْلَهَ عَنْ عَظَمَةِ الصِّفَاتِ.
فَإِذَا كَانَ أَثَرٌ مِنْ آثَارِ صِفَاتِ الذَّاتِ أَوْ صِفَاتِ الْأَفْعَالِ يُغْنِي الْقَلْبَ وَالنَّفْسَ، فَمَا ظَنُّكَ بِمَا تُكَاشَفُ بِهِ الْأَرْوَاحُ مِنْ أَنْوَارِ قُدُسِ الذَّاتِ الْمُتَّصِفَةِ بِالْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ!
فَهَذَا غِنًى لَا يَنَالُهُ الْوَصْفُ، وَلَا يَدْخُلُ تَحْتَ الشَّرْحِ، فَيَسْتَغْنِي الْعَبْدُ الْفَقِيرُ بِوُجُودِ سَيِّدِهِ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ.
فَيَا لَكَ مِنْ فَقْرٍ تَقَضَّى، وَمِن غِنَى يَدُومُ، وَمِنْ عَيْشٍ أَلَذَّ مِنَ الْمُنَى!
فَلَا تَسْتَعْجِزْ نَفْسَكَ عَنِ الْبُلُوغِ إِلَى هَذَا الْمَقَامِ، فَبَيْنَكَ وَبَيْنَهُ صِدْقُ الطَّلَبِ، فَإِنَّمَا هِيَ عَزْمَةٌ صَادِقَةٌ، وَنَهْضَةُ حُرٍّ لِنَفْسِهِ عِنْدَهُ قَدْرٌ وَقِيمَةٌ، يَغَارُ عَلَيْهَا أَنْ يَبِيعَهَا بِالدُّونِ.
وَقَدْ جَاءَ فِي أَثَرٍ إِلَهِيٍّ: يَقُولُ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ-: ((ابْنَ آدَمَ! خَلَقْتُكَ لِنَفْسِي فَلَا تَلْعَبْ، وَتَكَفَّلْتُ بِرِزْقِكَ فَلَا تَتْعَبْ، ابْنَ آدَمَ! اطْلُبْني تَجِدْنِي، فَإِنْ وَجَدْتَنِي وَجَدْتَ كُلَّ شَيْءٍ، وَإِنْ فُتُّكَّ فَاتَكَ كُلُّ شَيْءٍ، وَأَنَا أَحَبُّ إِلَيْكَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ)). وَهَذَا أَثَرٌ إِسْرَائِيلِيٌّ، كَمَا نَصَّ علَىَ ذَلِكَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي ((الْفَتَاوَى)).
فَمَنْ طَلَبَ اللَّهَ بِصِدْقٍ وَجَدَهُ، وَمَنْ وَجَدَهُ أَغْنَاهُ وُجُودُهُ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ، فَأَصْبَحَ حُرًّا فِي غِنًى وَمَهَابَةٍ، عَلَى وَجْهِهِ أَنْوَارُهُ وَضِيَاؤُهُ، وَإِنْ فَاتَهُ مَوْلَاهُ -جَلَّ جَلَالُهُ- تَبَاعَدَ مَا يَرْجُو، وَطَالَ عَنَاؤُهُ.
وَمَنْ وَصَلَ إِلَى هَذَا الْغِنَى قَرَّتْ بِهِ كُلُّ عَيْنٍ؛ لِأَنَّهُ قَدْ قَرَّتْ عَيْنُهُ بِاللهِ، وَالْفَوْزِ بِوُجُودِهِ، وَمَنْ لَمْ يَصِلْ إِلَيْهِ تَقَطَّعَتْ نَفْسُهُ عَلَى الدُّنْيَا حَسَرَاتٍ.
وَقَدْ قَالَ ﷺ: ((مَنْ أَصْبَحَ وَالدُّنْيَا أَكْبَرُ هَمِّهِ جَعَلَ اللَّهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَشَتَّتَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ، وَلَمْ يأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا مَا قُدِّرَ لَهُ، وَمَنْ أَصْبَحَ وَالْآخِرَةُ أَكْبَرُ هَمِّهِ جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ فِي قَلْبهِ، وَجَمَعَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ، وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ خَيْرٍ إِلَيْهِ أَسْرَعَ)).
فَهَذَا هُوَ الْفَقْرُ الْحَقِيقِيُّ وَالْغِنَى الْحَقِيقِيُّ، وَإِذَا كَانَ هَذَا غِنَى مَنْ كَانَتِ الْآخِرَةُ أَكْبَرَ هَمِّهِ، فَكَيْفَ مَنْ كَانَ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- أَكْبَرَ هَمِّهِ، فَهَذَا مِنْ بَابِ التَّنْبِيهِ وَالْأَوْلَى)).
نَسْأَلُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ أَنْ يَرْزُقَنَا الرِّضَا بِهِ وَعَنْهُ؛ إِنَّهُ -تَعَالى- عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
ذَمُّ الْكِبْرِ وَالْحَثُّ عَلَى التَّوَاضُعِ
|
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ هُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ صَلَاةً وَسَلَامًا دَائِمَيْنِ مُتَلَازِمَيْنِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ:
((الْكِبْرُ أَصْلُ الْأَخْلَاقِ الْمَذْمُومَةِ))
فَصَلَاحُ ابْنِ آدَمَ فِي الْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ؛ وَالسَّعْيُ فِي إِصْلَاحِ الْقَلْبِ أَفْضَلُ مِنْ نَوَافِلِ الْعِبَادَاتِ.
وَأَعْمَالُ الْقُلُوبِ فِي الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ كَأَعْمَالِ الْجَوَارِحِ، يُثَابُ الْعَبْدُ عَلَى الْمُوَالَاةِ وَالْمُعَادَاةِ فِي اللهِ، وَعَلَى التَّوَكُّلِ، وَالرِّضَا، وَالْعَزْمِ عَلَى الطَّاعَةِ، وَيُعَاقَبُ عَلَى الْكِبْرِ، وَالْحَسَدِ، وَالْعُجْبِ، وَالرِّيَاءِ.
وَكُلَّمَا ازْدَادَ الْعَبْدُ تَوَاضُعًا وَعُبُودِيَّةً للهِ ازْدَادَ مِنَ اللهِ قُرْبًا وَعِنْدَهُ رِفْعَةً.
وَأَصْلُ الْأَخْلَاقِ الْمَذْمُومَةِ كُلِّهَا الْكِبْرُ وَالِاسْتِعْلَاءُ، بِهِ اتَّصَفَ إِبْلِيسُ، فَحَسَدَ آدَمَ وَاسْتَكْبَرَ وَامْتَنَعَ مِنَ الِانْقِيَادِ لِأَمْرِ رَبِّهِ.
{وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ} [البقرة: 34].
((مِنْ مَخَاطِرِ الْكِبْرِ وَعَوَاقِبِهِ))
وَبِهِ -أَيْ: بِالْكِبْرِ- تَخَلَّفَ الْإِيمَانُ عَنِ الْيَهُودِ، الَّذِينَ رَأَوُا النَّبِيَّ ﷺ وَعَرَفُوا صِحَّةَ نُبُوَّتِهِ.
وَكَذَلِكَ مَنَعَ ابْنَ أَبِي سَلُولٍ مِنْ صِدْقِ التَّسْلِيمِ.
وَبِهِ تَخَلَّفَ إِسْلَامُ أَبِي جَهْلٍ.
وَبِالْكِبْرِ اسْتَحَبَّتْ قُرَيْشٌ الْعَمَى عَلَى الْهُدَى.
قَالَ -سُبْحَانَهُ-: {إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ} [لصافات: 35].
وَدَعَا سُلَيْمَانُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- بَلْقِيسَ وَقَوْمَهَا إِلَى نَبْذِ الِاسْتِعْلَاءِ وَإِلَى الْإِذْعَانِ: {أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ} [النمل:31].
وَالْكِبْرُ سَبَبُ الْفُرْقَةِ وَالِاخْتِلَافِ وَالْبَغْضَاءِ، قَالَ -سُبْحَانَهُ- عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ: {فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ} [الجاثية: 17].
وَبِسَبَبِ الْكِبْرِ تَنَوَّعَتْ شَنَائِعُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مَعَ أَنْبِيَائِهِمْ بَيْنَ تَكْذِيبٍ وَقَتْلٍ، {أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَىٰ أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ} [البقرة: 87].
وَالْكِبْرُ مِنْ أَوْصَافِ أَهْلِ النِّفَاقِ، {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ} [المنافقون: 5].
وَعُذِّبَتِ الْأُمَمُ السَّالِفَةُ لِاتِّصَافِهِمْ بِهِ؛ قَالَ -تَعَالَى- عَنْ قَوْمِ نُوحٍ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-: {وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا} [نوح: 7].
وَقَالَ عَنْ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ: {وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ} [القصص: 39].
وَقَالَ -تَعَالَى- عَنْ قَوْمِ هُودٍ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-: {فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ۖ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ۖ وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (15) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ لِّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَىٰ ۖ وَهُمْ لَا يُنصَرُونَ} [فصلت: 15-16].
وَالْمُسْتَكْبِرُونَ هُمْ أَعْدَاءُ الْأَنْبِيَاءِ وَأَتْبَاعِهِمْ، {قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا} [الأعراف: 88].
وَمُوسَى -عَلَيْهِ السَّلَامُ- اسْتَعَاذَ بِاللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- مِنْهُمْ، قَالَ تَعَالَى: {وَقَالَ مُوسَىٰ إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُم مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَّا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ} [غافر: 27].
وَالْمُتَكَبِّرُ مُتَّبِعٌ لِهَوَاهُ، يَنْظُرُ إِلَى نَفْسِهِ بِعَيْنِ الْكَمَالِ، وَإِلَى غَيْرِهِ بِعَيْنِ النَّقْصِ، مَطْبُوعٌ عَلَى قَلْبِهِ، لَا يَقْبَلُ إِلَّا مَا يَهْوَى، {كَذَٰلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ} [غافر: 35].
وَاللهُ -تَعَالَى- يُبْغِضُهُ، {إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} [لقمان: 18].
وَالْمُتَّصِفُ بِالْكِبْرِ مَصْرُوفٌ عَنِ الِاعْتِبَارِ وَالِاتِّعَاظِ بِالْعِبَرِ وَالْآيَاتِ، {سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ} [الأعراف: 146].
وَالْمُسْتَكْبِرُ عَنِ الْحَقِّ يُبْتَلَى بِالِانْقِيَادِ لِلْبَاطِلِ، وَقَدْ تُعَجَّلُ لَهُ الْعُقُوبَةُ فِي الدُّنْيَا؛ فَقَدْ شَلَّتْ يَدُ رَجُلٍ فِي عَهْدِ النُّبُوَّةِ بِسَبَبِ الْكِبْرِ، قَالَ سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: ((إِنَّ رَجُلًا أَكَلَ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِشِمَالِهِ، فَقَالَ: ((كُلْ بِيَمِينِكَ)).
قَالَ: ((لَا أَسْتَطِيعُ)).
قَالَ: ((لَا اسْتَطَعْتَ، مَا مَنَعَهُ إِلَّا الْكِبْرُ)).
قَالَ رَاوِي الْحَدِيثِ: ((فَمَا رَفَعَهَا -يَعْنِي: يَدَهُ- إِلَى فِيهِ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَقَدْ خُسِفَتِ الْأَرْضُ بِمُتَكَبِّرٍ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي فِي حُلَّةٍ تُعْجِبُهُ نَفْسُهُ، مُرَجِّلٌ جُمَّتَهُ، إِذْ خَسَفَ اللهُ بِهِ، فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ فِي الْأَرْضِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي الْآخِرَةِ يُعَامَلُ الْمُتَكَبِّرُ بِنَقِيضِ قَصْدِهِ، فَمَنْ يَتَرَفَّعُ عَنِ النَّاسِ فِي الدُّنْيَا يَطَؤُهُ النَّاسُ بِأَقْدَامِهِمْ فِي الْآخِرَةِ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((يَبْعَثُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ نَاسًا فِي صُوَرِ الذَّرِّ -وَالذَّرُّ: جَمْعُ ذَرَّةٍ، وَالذَّرَّةُ: النَّمْلَةُ الدَّقِيقَةُ الصَّغِيرَةُ- يَبْعَثُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ نَاسًا فِي صُوَرِ الذَّرِّ، يَطَؤُهُمُ النَّاسُ بِأَقْدَامِهِمْ، فَيُقَالُ: مَا هَؤُلَاءِ فِي صُوَرِ الذَّرِّ؟ فَيُقَالُ: هَؤُلَاءِ الْمُتَكَبِّرُونَ فِي الدُّنْيَا)).
قَالَ فِي ((نَوَادِرِ الْأُصُولِ)): ((كُلُّ مَنْ كَانَ أَشَدَّ تَكَبُّرًا كَانَ أَقْصَرَ قَامَةً فِي الْآخِرَةِ، وَعَلَى هَذَا السَّبِيلِ كُلُّ مَنْ كَانَ أَشَدَّ تَوَاضُعًا للهِ فَهُوَ أَشْرَفُ قَامَةً عَلَى الْخَلْقِ)).
وَمَنْ حَمَلَ فِي قَلْبِهِ وَلَوْ شَيْئًا يَسِيرًا مِنَ الْكِبْرِ حُرِّمَ عَلَيْهِ دُخُولُ الْجَنَّةِ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَالنَّارُ دَارٌ لِلْمُتَكَبِّرِينَ، {أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ} [الزمر: 60].
قَالَ ﷺ: ((أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ النَّارِ؛ كُلُّ عُتُّلٍ جَوَّاظٍ مُسْتَكْبِرٍ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((احْتَجَّتِ النَّارُ وَالْجَنَّةُ، فَقَالَتْ هَذِهِ -أَيِ: النَّارُ-: يَدْخُلُنِي الْجَبَّارُونَ وَالْمُتَكَبِّرُونَ، وَقَالَتْ هَذِهِ -أَيِ: الْجَنَّةُ-: يَدْخُلُنِي الضُّعَفَاءُ وَالْمَسَاكِينُ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
الْكِبْرَيَاءُ مِنْ خَصَائِصِ الرُّبُوبِيَّةِ، لَا يُنَازَعُ فِيهِ، وَمَنِ اتَّصَفَ بِهِ مِنَ الْمَخْلُوقِينَ عَذَّبَهُ اللهُ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِيمَا يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ -عَزَّ وَجَلَّ-: ((يَقُولُ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ-: الْعِزُّ إِزَارِي، وَالْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، فَمَنْ نَازَعَنِي بِشَيْءٍ مِنْهُمَا عَذَّبْتُهُ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
((تَحْرِيمُ الْإِسْلَامِ الْكِبْرَ وَالْمُبَاهَاةَ))
اللهُ -جَلَّ وَعَلَا- هُوَ الْمُتَكَبِّرُ، قَالَ -سُبْحَانَهُ- عَنْ نَفْسِهِ: {الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ} [الحشر: 23].
وَالْإِسْلَامُ حَمَى جَنَابَ الْكِبْرِيَاءِ وَالْعَظَمَةِ للهِ، وَحَرَّمَ كُلَّ طَرِيقٍ يُنَازَعُ فِيهِ الرَّبُّ فِي كِبْرِيَائِهِ.
فَمَنَعَ لُبْسَ الذَّهَبِ وَالْحَرِيرِ لِلرَّجُلِ؛ لِكَوْنِهِمَا مَدْعَاةً لِلْكِبْرِ وَالْخُيَلَاءِ.
وَتَوَعَّدَ الْمُسْبِلَ إِزَارَهُ بِالْعَذَابِ، فَقَالَ ﷺ: ((ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)).
قَالَ: ((فَقَرَأَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ثَلَاثَ مِرَارٍ، قَالَ أَبُو ذَرٍّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: ((خَابُوا وَخَسِرُوا، مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟)).
قَالَ: ((الْمُسْبِلُ، وَالْمَنَّانُ، وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَنَهَى عَنْ مَيْلِ الْخَدِّ، وَالْإِعْرَاضِ بِهِ تَعَاظُمًا عَلَى الْآخَرِينَ، وَلَمْ يَأْذَنْ بِمِشْيَةِ الْخُيَلَاءِ تَبَخْتُرًا فِي غَيْرِ الْحَرْبِ، قَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} [لقمان: 18].
وَنَهَى عَنِ التَّشَدُّقِ فِي الْكَلَامِ اعْتِزَازًا، قَالَ ﷺ: ((وَإِنَّ أَبْغَضَكُمْ إِلَيَّ وَأَبْعَدَكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الثَّرْثَارُونَ وَالْمُتَشَدِّقُونَ وَالْمُتَفَيْهِقُونَ)).
فَانْزِعْ عَنْكَ رِدَاءَ الْكِبْرِ وَالتَّعَاظُمِ فَإِنَّهُمَا لَيْسَا لَكَ، بَلْ هُمَا لِلْخَالِقِ الْكَرِيمِ، وَالْبَسْ رِدَاءَ الِانْكِسَارِ وَالتَّوَاضُعِ، فَمَا دَخَلَ قَلْبَ امْرِئٍ شَيْءٌ مِنَ الْكِبْرِ قَطُّ إِلَّا نَقَصَ مِنْ عَقْلِهِ بِقَدْرِ مَا دَخَلَ مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَكْثَرَ.
((مَنْشَأُ الْكِبْرِ))
وَمَنْشَأُ هَذَا مِنْ جَهْلِ الْعَبْدِ بِرَبِّهِ، وَجَهْلِهِ بِنَفْسِهِ؛ فَإِنَّ الْعَبْدَ لَوْ عَرَفَ رَبَّهُ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ وَنُعُوتِ الْجَلَالِ، وَعَرَفَ نَفْسَهُ بِالنَّقَائِصِ وَالْآفَاتِ؛ لَمْ يَسْتَعْلِ وَلَمْ يَأْنَفْ.
قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((مَنْ كَانَتْ مَعْصِيَتُهُ فِي الْكِبْرِ فَاخْشَ عَلَيْهِ؛ فَإِبْلِيسُ عَصَى مُتَكَبِّرًا فَلُعِنَ)).
وَالْعَذَابُ يَقَعُ عَلَى مَنْ تَغَلْغَلَ ذَلِكَ فِي قَلْبِهِ، وَتَكُونُ خِفَّتُهُ وَشِدَّتُهُ بِحَسَبِ خِفَّتِهَا وَشِدَّتِهَا، وَمَنْ فَتَحَهَا عَلَى نَفْسِهِ فَتَحَ عَلَيْهِ أَبْوَابًا مِنَ الشُّرُورِ عَدِيدَةً، وَمَنْ أَغْلَقَهَا عَلَى نَفْسِهِ فُتِحَتْ لَهُ -بِإِذْنِ رَبِّهِ- أَبْوَابٌ مِنَ الْخَيْرَاتِ وَاسِعَةٌ.
((الْكِبْرُ الْمُبَايِنُ لِلْإِيمَانِ الْوَاجِبِ))
وَالْكِبْرُ الْمُبَايِنُ لِلْإِيمَانِ لَا يُدْخِلُ صَاحِبَهُ الْجَنَّةَ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} [غافر: 60].
وَمِنَ الْكِبْرِ مَا هُوَ مُبَايِنٌ لِلْإِيمَانِ الْوَاجِبِ، بَلْ كِبْرُهُ يُوجِبُ لَهُ جَحْدَ الْحَقِّ، وَاحْتِقَارَ الْخَلْقِ.
قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ)).
قَالَ رَجُلٌ: ((إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً)).
قَالَ: ((إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ، وَغَمْطُ النَّاسِ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَلَا تَفْخَرْ عَلَى أَحَدٍ؛ فَدُنْيَاكَ زَائِلَةٌ، قَالَ ﷺ: ((حَقٌّ عَلَى اللهِ أَلَّا يَرْتَفِعَ شَيْءٌ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا وَضَعَهُ)) أَيْ: وَضَعَهُ اللهُ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
((الْحَثُّ عَلَى التَّوَاضُعِ وَفَضَائِلُهُ))
فِي التَّوَاضُعِ: رِفْعَةُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، قَالَ ﷺ: ((وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ للهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللهُ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَالتَّوَاضُعُ مِنْ أَخْلَاقِ الْأَنْبِيَاءِ، وَشِيَمِ النُّبَلَاءِ.
مُوسَى -عَلَيْهِ السَّلَامُ- رَفَعَ الْحَجَرَ لِامْرَأَتَيْنِ أَبُوهُمَا شَيْخٌ كَبِيرٌ..
وَدَاوُدَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- كَانَ يَأْكُلُ مِنْ كَسْبِ يَدِهِ..
وَزَكَرِيَّا -عَلَيْهِ السَّلَامُ- كَانَ نَجَّارًا..
وَعِيسَى -عَلَيْهِ السَّلَامُ- يَقُولُ: {وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا} [مريم: 32]..
وَمَا بَعَثَ اللهُ نَبِيًّا إِلَّا رَعَى الْغَنَمَ، وَنَبِيُّنَا ﷺ كَانَ رَقِيقَ الْقَلْبِ، رَحِيمًا، خَافِضَ الْجَنَاحِ لِلْمُؤْمِنِينَ، لَيِّنَ الْجَانِبِ مَعَهُمْ، يَحْمِلُ الْكَلَّ، وَيَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَيُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الدَّهْرِ، وَرَكِبَ الْحِمَارَ وَأَرْدَفَ عَلَيْهِ، وَكَانَ يُسَلِّمُ عَلَى الصِّبْيَانِ، وَيَبْدَأُ مَنْ لَقِيَهُ بِالسَّلَامِ، وَيُجِيبُ دَعْوَةَ مَنْ دَعَاهُ وَلَوْ إِلَى ذِرَاعٍ أَوْ كُرَاعٍ.
وَلَمَّا سُئِلَتْ عَائِشَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا-: ((مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَصْنَعُ فِي بَيْتِهِ؟)).
قَالَتْ: ((كَانَ يَكُونُ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ -تَعْنِي: خِدْمَةَ أَهْلِهِ-، فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ)). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَالتَّوَاضُعُ سَبَبُ الْعَدْلِ وَالْأُلْفَةِ وَالْمَحَبَّةِ فِي الْمُجْتَمَعِ، قَالَ ﷺ: ((وَإِنَّ اللهَ أَوْحَى إِلَيَّ أَنْ تَوَاضَعُوا، حَتَّى لَا يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ، وَلَا يَبْغِيَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
((أَكْرَمُ التَّوَاضُعِ: التَّوَاضُعُ لِلْوَالِدَيْنِ))
وَهَذَا خُلُقٌ إِنَّمَا يُعْطِيهِ اللهُ مَنْ يُحِبُّهُ وَيُقَرِّبُهُ وَيُكْرِمُهُ؛ فَأَكْرَمُ التَّوَاضُعِ بَعْدَ حَقِّ اللهِ التَّوَاضُعُ فِي جَنْبِ الْوَالِدَيْنِ؛ بِبِرِّهِمَا، وَإِكْرَامِهِمَا، وَطَاعَتِهِمَا فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ، وَالْحُنُوِّ عَلَيْهِمَا، وَالْبِشْرِ فِي وَجْهِهِمَا، وَالتَّلَطُّفِ فِي الْخِطَابِ مَعَهُمَا، وَتَوْقِيرِهِمَا، وَالْإِكْثَارِ مِنَ الدُّعَاءِ لَهُمَا فِي حَيَاتِهِمَا وَبَعْدَ مَمَاتِهِمَا.
قَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} [الإسراء: 24].
وَالِاسْتِنْكَافُ عَنْ أَوَامِرِهِمَا، وَالتَّكَبُّرُ عَلَيْهِمَا، وَالتَّأَفُّفُ مِنْ قَضَاءِ حَوَائِجِهِمَا ضَرْبٌ مِنَ الْكِبْرِ وَالْعُقُوقِ، مُتَوَعَّدٌ صَاحِبُهُ بِدُخُولِ النَّارِ.
((التَّوَاضُعُ لِلدِّينِ وَالْحَقِّ))
فَتَوَاضَعْ لِلدِّينِ، وَلَا تُعَارِضْهُ بِرَأْيٍ أَوْ هَوًى، وَلَا تُعْرِضْ عَنْ تَعَلُّمِهِ وَالْعَمَلِ بِهِ، وَمَنْ أَسْدَى لَكَ نُصْحًا فَاقْبَلْهُ، وَاشْكُرْ قَائِلَهُ، وَمَنْ أَمَرَكَ بِمَعْرُوفٍ أَوْ نَهَاكَ عَنْ مُنْكَرٍ فَامْتَثِلْ لِرُشْدِهِ، فَالْحَظْوَةُ فِي التَّوَاضُعِ لِلطَّاعَةِ.
قَالَ الْفُضَيْلُ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((التَّوَاضُعُ: أَنْ تَخْضَعَ لِلْحَقِّ وَتَنْقَادَ لَهُ)).
وَقَالَ رَجُلٌ لِمَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ: ((اتَّقِ اللهَ))، فَوَضَعَ خَدَّهُ عَلَى الْأَرْضِ))، لَمَّا قَالَ لَهُ اتَّقِ اللهَ.
((تَوَاضُعُ الْمُعَلِّمِ وَالْمُتَعَلِّمِ))
وَالْمُعَلِّمُ وَالْمُتَعَلِّمُ يَتَوَاضَعَانِ لِبَعْضِهِمَا، مَعَ تَوْقِيرِ الْمُعَلِّمِ.
وَقَدْ كَانَ شَيْخُ الْمُحَدِّثِينَ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ- يُقْرِئُ الصِّبْيَانَ الْقُرْآنَ فِي الْأَلْوَاحِ، مَعَ جَلَالَةِ قَدْرِهِ، وَعُلُوِّ مَنْزِلَتِهِ!
((التَّوَاضُعُ لِلْمَرْضَى وَالْفُقَرَاءِ))
وَتَوَاضَعْ لِلْمَرْضَى بِعِيَادَتِهِمْ، وَالْوُقُوفِ بِجَانِبِهِمْ، وَكَشْفِ كُرْبَتِهِمْ، وَتَذْكِيرِهِمْ بِالِاحْتِسَابِ وَالرِّضَا وَالصَّبْرِ عَلَى الْقَضَاءِ.
وَأَلِنْ جَانِبَكَ لِذَوِي الْفَقْرِ وَالْمَسْكَنَةِ، وَتَصَفَّحْ وُجُوهَ الْفُقَرَاءِ وَالْمَحَاوِيجِ، وَذَوِي التَّعَفُّفِ وَالْحَيَاءِ فِي الطَّلَبِ، وَوَاسِهِمْ مِنْ مَالِكَ، وَتَوَاضَعْ لَهُمْ فِي حَسَبِكَ.
قَالَ بِشْرُ بْنُ الْحَارِثِ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((مَا رَأَيْتُ أَحْسَنَ مِنْ غَنِيٍّ جَالِسٍ بَيْنَ يَدَيْ فَقِيرٍ)).
{تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا ۚ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [القصص: 83].
إِنَّ اللهَ -تَعَالَى- يُحِبُّ تَوَاضُعَ الْعَبْدِ عِنْدَ أَمْرِهِ امْتِثَالًا، وَعِنْدَ نَهْيِهِ اجْتِنَابًا، وَالشَّرَفُ يُنَالُ بِالْخُضُوعِ وَالِاسْتِكَانَةِ للهِ، وَالتَّوَاضُعِ لِلْمُسْلِمِينَ، وَلِينِ الْجَانِبِ لَهُمْ، وَاحْتِمَالِ الْأَذَى مِنْهُمْ، وَالصَّبْرِ عَلَيْهِمْ.
قَالَ -سُبْحَانَهُ-: {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ} [الحجر: 88].
كُلُّ ذَلِكَ مَعَ التَّشَاغُلِ بِتِلَاوَةِ كِتَابِ اللهِ، وَالنَّظَرِ فِي أَحَادِيثِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، مَعَ حُسْنِ الْخُلُقِ، وَبَذْلِ الْمَعْرُوفِ، وَكَفِّ الْأَذَى، وَتَرْكِ الْغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ.
وَعَامِلِ النَّاسَ مُعَامَلَةَ إِيثَارٍ، لَا مُعَامَلَةَ اسْتِئْثَارٍ.
((مَنْ هُوَ الْمُتَوَاضِعُ؟))
الْمُتَوَاضِعُ: مَنْ إِذَا رَأَى أَحَدًا قَالَ: هَذَا أَفْضَلُ مِنِّي.
قَالَ الشَّافِعِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((أَرْفَعُ النَّاسِ قَدْرًا مَنْ لَا يَرَى قَدْرَهُ، وَأَكْبَرُ النَّاسِ فَضْلًا مَنْ لَا يَرَى فَضْلَهُ)).
وَإِذَا أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْكَ بِنِعْمَةٍ فَاسْتَقْبِلْهَا بِالشُّكْرِ وَالِاسْتِكَانَةِ.
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُبَارَكِ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((رَأْسُ التَّوَاضُعِ أَنْ تَضَعَ نَفْسَكَ عِنْدَ مَنْ هُوَ دُونَكَ فِي نِعْمَةِ الدُّنْيَا، حَتَّى تُعْلِمَهُ أَنْ لَيْسَ لَكَ بِدُنْيَاكَ عَلَيْهِ فَضْلٌ)).
الْمُتَوَاضِعُ مُنْكَسِرُ الْقَلْبِ للهِ، خَافِضُ جَنَاحِ الذُّلِّ وَالرَّحْمَةِ لِعِبَادِ اللهِ، لَا يَرَى لَهُ عِنْدَ أَحَدٍ حَقًّا، بَلْ يَرَى الْفَضْلَ لِلنَّاسِ عَلَيْهِ.
((إِذَا عَرَفَ الرَّجُلُ نَفْسَهُ فَمَا يَنْفَعُهُ كَلَامَ النَّاسِ!))
كَانَ أَحْمَدُ -رَحِمَهُ اللهُ- -عَلَى جَلَالَتِهِ وَإِمَامَتِهِ- مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ تَوَاضُعًا، قَالَ عَارِمٌ أَبُو النُّعْمَانِ: ((وَضَعَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عِنْدِي نَفَقَتَهُ، فَكَانَ يَجِيءُ فَيَأْخُذُ مِنْهَا حَاجَتَهُ، فَقُلْتُ لَهُ يَوْمًا: ((يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ! بَلَغَنِي أَنَّكَ مِنَ الْعَرَبِ)).
فَقَالَ: ((يَا أَبَا النُّعْمَانِ! نَحْنُ قَوْمٌ مَسَاكِينُ)).
فَلَمْ يَزَلْ يُدَافِعُنِي حَتَّى خَرَجَ وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا)).
يَعْنِي: هُوَ يَقُولُ لَهُ: ((بَلَغَنِي أَنَّكَ مِنَ الْعَرَبِ))، وَهُوَ يَقُولُ: ((نَحْنُ قَوْمٌ مَسَاكِينُ، نَحْنُ قَوْمٌ مَسَاكِينُ!)).
قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْمَرْوَزِيُّ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللهِ: ((إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ يُدْعَى لَكَ فِي جَمِيعِ الْأَمْصَارِ)).
فَقَالَ: ((يَا أَبَا بَكْرٍ! إِذَا عَرَفَ الرَّجُلُ نَفْسَهُ فَمَا يَنْفَعُهُ كَلَامُ النَّاسِ!)).
إِذَا عَرَفَ الرَّجُلُ نَفْسَهُ فَمَا يَنْفَعُهُ كَلَامُ النَّاسِ!
إِذَا عَرَفَ الرَّجُلُ نَفْسَهُ فَمَا يَنْفَعُهُ كَلَامُ النَّاسِ!
أَسْأَلُ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- أَنْ يُصْلِحَ قُلُوبَنَا، وَأَنْ يُقِيمَهَا عَلَى طَاعَتِهِ، وَأَنْ يُخَلِّصَنَا مِنْ آفَاتِ الْقُلُوبِ كُلِّهَا، وَأَنْ يَرْزُقَنَا الْإِخْلَاصَ وَالْقَبُولَ.
وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ.
المصدر: كُنْ رَاضِيًا وَإِيَّاكَ وَالتَّبَاهِي!