رَمَضَانُ شَهْرُ الطَّاعَاتِ

رَمَضَانُ شَهْرُ الطَّاعَاتِ

((رَمَضَانُ شَهْرُ الطَّاعَاتِ))

إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّـهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّـهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ.

أَمَّا بَعْدُ:

فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّـهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.

أَمَّا بَعْدُ:

((جُمْلَةٌ مِنْ فَوَائِدِ الصِّيَامِ وَبَيَانُ حِكْمَتِهِ))

فَإِنَّ لِلصِّيَامِ فَوَائِدَ عَظِيمَةً كَثِيرَةً وَمُتَنَوِّعَةً يَنَالُهَا الْمُسْلِمُ الَّذِي يَصُومُ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، مِنْهَا:

* بُلُوغُ التَّقْوَى؛ فَقَدْ قَالَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183].

وَالتَّقْوَى: اسْمٌ جَامِعٌ لِكُلِّ مَا يُحِبُّهُ اللهُ وَيَرْضَاهُ مِنْ فِعْلِ الْمَحْبُوبَاتِ وَتَرْكِ الْمَنْهِيَّاتِ.

فَمَنْ لَمْ يَتَّقِ اللهَ فِي رَمَضَانَ، وَلَمْ يَتَغَيَّرْ سُلُوكُهُ إِلَى مَا يُحِبُّهُ اللهُ، وَظَلَّ يَرْتَكِبُ الْمُحَرَّمَاتِ وَهُوَ صَائِمٌ؛ فَهَذَا يَتَحَقَّقُ فِيهِ قَوْلُ رَسُولِ اللهِ ﷺ: ((رُبَّ صَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ صِيَامِهِ الْجُوعُ وَالْعَطَشُ، وَرُبَّ قَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ قِيَامِهِ السَّهَرُ)).

* وَمِنْ فَوَائِدِ الصِّيَامِ: تَحْقِيقُ أَصْلٍ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ وَأَحَدِ أَرْكَانِهِ؛ فَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالْحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

* وَمِنْهَا: التَّقَرُّبُ إِلَى اللهِ -جَلَّ وَعَلَا- بِتَرْكِ الْمُحَرَّمَاتِ؛ كَقَوْلِ الزُّورِ، وَهُوَ: كُلُّ كَلَامٍ وَفِعْلٍ مُحَرَّمٍ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ للهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ)). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

وَكَتَرْكِ الْمُحَرَّمَاتِ لِعَارِضِ الصَّوْمِ، وَهِيَ الْمُفَطِّرَاتُ، وَكَتَرْكِ الشَّهَوَاتِ؛ كَالْجِمَاعِ وَدَوَاعِيهِ، أَوِ النَّظَرِ وَالِاسْتِمْتَاعِ بِالْمُحَرَّمَاتِ.

* وَلِلصِّيَامِ مِنَ الْفَوَائِدِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ:

-شُعُورُ النَّاسِ أَنَّهُمْ أُمَّةٌ وَاحِدَةٌ، يَأْكُلُونَ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، وَيُمْسِكُونَ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ.

-وَيَشْعُرُ الْغَنِيُّ بِنِعْمَةِ اللهِ عَلَيْهِ؛ فَيَعْطِفُ عَلَى الْفَقِيرِ.

-وَيُقَلِّلُ الصِّيَامُ فِي الْمُجْتَمَعِ مِنْ مَزَالِقِ وَوَسَاوِسِ الشَّيْطَانِ لِلصَّائِمِينَ.

* وَمِنْ فَوَائِدِهِ: الْأَجْرُ الْعَظِيمُ، كَمَا فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ -فِيمَا يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّ الْعِزَّةِ -عَزَّ وَجَلَّ--: ((كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصَّوْمَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ)).

* وَالصِّيَامُ لَا رِيَاءَ فِيهِ، قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((الصَّوْمُ لَا رِيَاءَ فِيهِ)).

وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((جَمِيعُ الْعِبَادَاتِ تَظْهَرُ بِفِعْلِهَا، وَقَلَّ أَنْ يَسْلَمَ مَا يَظْهَرُ مِنْ شَوْبٍ، بِخِلَافِ الصَّوْمِ)).

* وَرَمَضَانُ شَهْرُ الصَّبْرِ؛ فَفِي رَمَضَانَ صَبْرٌ عَنِ الشَّهَوَاتِ، صَبْرٌ عَنِ الْمَلَذَّاتِ، وَصَبْرٌ عَلَى الطَّاعَاتِ، وَصَبْرٌ عَلَى أَقْدَارِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- غَيْرِ الْمُوَاتِيَةِ، وَعَلَى قَدْرِ الصَّبْرِ يَأْتِي الْأَجْرُ، كَمَا قَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر: 10].

* وَمِنْ فَوَائِدِهِ: مَغْفِرَةُ الذُّنُوبِ؛ فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: ((الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتُنِبَتِ الْكَبَائِرُ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

* وَالصَّوْمُ مَانِعٌ مِنَ الرَّذَائِلِ؛ فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: ((الصِّيَامُ جُنَّةٌ)) أَيْ: وِقَايَةٌ، وَمِنْهُ الْمِجَنُّ الَّذِي يَجْعَلُهُ الْمُحَارِبُ عَلَى صَدْرِهِ؛ لِيَقِيَهُ مِنْ وَقْعِ النَّبْلِ، وَضَرْبِ السَّيْفِ، وَالْإِصَابَةِ بِالسِّهَامِ، ((فَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَجْهَلْ، وَإِنِ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ، إِنِّي صَائِمٌ)). أَخْرَجَاهُ فِي ((الصَّحِيحَيْنِ)).

وَالنَّبِيُّ ﷺ أَمَرَ الصَّائِمَ بِحِفْظِ جَوَارِحِهِ؛ فَقَالَ ﷺ -كَمَا فِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ--: ((إِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَصْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ)).

وَكَذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي ((صَحِيحِهِ)) مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ للهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ -أَيْ: يَتْرُكَ- طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ)).

فَالصَّائِمُ مَأْمُورٌ بِحِفْظِ اللِّسَانِ وَحِفْظِ الْجَوَارِحِ، وَالْمُرَادُ بِهِ: أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الصَّائِمِ أَنْ يَتَجَنَّبَ كُلَّ قَوْلٍ مُحَرَّمٍ، وَكُلَّ فِعْلٍ مُحَرَّمٍ؛ لِأَنَّ اللهَ -تَعَالَى- إِنَّمَا فَرَضَ الصِّيَامَ مِنْ أَجْلِ التَّقْوَى، كَمَا قَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183] أَيْ: مِنْ أَجْلِ أَنْ تَتَّقُوا اللهَ -عَزَّ وَجَلَّ-، وَتَجْتَنبُوا مَحَارِمَهُ.

وَلَا يُرِيدُ اللهُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ يُضَيِّقَ عَلَيْهِمْ بِتَرْكِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالشَّهْوَةِ، وَلَكِنْ يُرِيدُ أَنْ يَمْتَثِلُوا أَمْرَهُ وَيَجْتَنِبُوا نَوَاهِيَهُ؛ حَتَّى يَكُونَ الصِّيَامُ مَدْرَسَةً يَتَعَوَّدُونَ فِيهَا عَلَى تَرْكِ الْمُحَرَّمَاتِ، وَعَلَى الْقِيَامِ بِالْوَاجِبَاتِ.

وَإِذَا كَانَ شَهْرٌ كَامِلٌ يَمُرُّ بِالْإِنْسَانِ وَهُوَ مُحَافِظٌ عَلَى دِينِهِ، تَارِكٌ لِلْمُحَرَّمِ، وَهُوَ مُرَاقِبٌ لِلَحْظِهِ وَلَفْظِهِ وَأُذُنِهِ وَحَرَكَةِ جَوَارِحِهِ؛ بَلْ وَإِرَادَةِ وَشَهْوَةِ قَلْبِهِ؛ إِذَا كَانَ شَهْرٌ كَامِلٌ يَمُرُّ عَلَى الْإِنْسَانِ وَهُوَ بِتِلْكَ الْحَالِ فَإِنَّ ذَلِكَ سَوْفَ يُغَيِّرُ مِنْ مَجْرَى حَيَاتِهِ.

لِهَذَا بَيَّنَ اللهُ -تَعَالَى- الْحِكْمَةَ فِي ذَلِكَ بِأَنَّهَا التَّقْوَى، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((إِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَفْسُقْ -يَعْنِي: لَا يَفْعَلْ فِعْلًا مُحَرَّمًا، وَلَا يَقُلْ قَوْلًا مُحَرَّمًا- فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ -يَعْنِي: صَارَ يَعِيبُهُ وَيَشْتِمُهُ- أَوْ قَاتَلَهُ؛ فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ))؛ حَتَّى يَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ الْعَجْزَ عَنِ الْمُدَافَعَةِ، وَيُبَيِّنَ لِصَاحِبِهِ أَنَّهُ لَوْلَا الصِّيَامُ لَقَابَلْتُكَ بِمِثْلِ مَا فَعَلْتَ بِي، فَيَبْقَى عَزِيزًا لَا ذَلِيلًا، وَلَكِنَّهُ عِزٌّ هُوَ ذُلُّ الْعُبُودِيَّةِ للهِ -عَزَّ وَجَلَّ-، وَهُوَ طَاعَةٌ للهِ -جَلَّ وَعَلَا-.

وَكَذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ -يَعْنِي: الْقَوْلَ الْمُحَرَّمَ- وَالْعَمَلَ بِهِ -يَعْنِي: بِالْمُحَرَّمِ- وَالْجَهْلَ -كَمَا فِي لَفْظٍ آخَرَ؛ يَعْنِي: الْعُدْوَانَ عَلَى النَّاسِ، يَعْنِي: السَّفَهَ عَلَيْهِمْ، يَعْنِي: شَتْمَهُمْ، يَعْنِي: الطَّيْشَ وَالْخِفَّةَ فِي مُعَامَلَتِهِمْ-؛ فَلَيْسَ للهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ)): فَلَيْسَ للهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَتْرُكَ الْإِنْسَانُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ.

هَذَا لَيْسَ بِالْمَقْصُودِ الْأَوَّلِ، وَإِنَّمَا هُوَ مَقْصُودٌ لِغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- يُرَبِّي النَّفْسَ الْإِنْسَانِيَّةَ بِمِثْلِ هَذَا الْحِرْمَانِ وَتِلْكَ الْمُرَاقَبَةِ مِنْ أَجْلِ أَنْ تَتَحَصَّلَ عَلَى الثَّمَرَةِ.

وَثَمَرَاتُ الْعِبَادَاتِ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ مَلْحُوظَةً عِنْدَ الْإِتْيَانِ بِالْعِبَادَاتِ، وَقَلَّ أَنْ تَجِدَ عِبَادَةً فَرَضَهَا اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- عَلَى خَلْقِهِ إِلَّا وَبَيَّنَ بِعَقِبِ فَرْضِيَّتِهَا الْحِكْمَةَ مِنْهَا مِمَّا يَفْهَمُهُ النَّاسُ.

{إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ} [العنكبوت: 45]: فَدَلَّنَا عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ نَاهِيَةً عَنِ الْفَحْشَاءِ، كَافَّةً عَنِ الْمُنْكَرِ.

وَمَفْهُومُهُ: أَنَّ مَنْ لَمْ يَنْتَهِ عَنْ ذَلِكَ فَهُوَ لَمْ يُصَلِّ حَقِيقَةً.

وَكَذَلِكَ: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا} [التوبة: 103]: فَالصَّدَقَةُ تَطْهِيرٌ وَتَزْكِيَةٌ، فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَلْحُوظًا عِنْدَ الْإِتْيَانِ بِهَا.

وَكَذَلِكَ فِي الصِّيَامِ: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}: فَجَعَلَ التَّقْوَى ثَمَرَةً وَنَتِيجَةً، فَلَيْسَ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ بِحِرْمَانِ الْعَبْدِ مِنْهُ وَمَنْعِهِ مِنَ الْإِقْبَالِ عَلَيْهِ وَالتَّنَاوُلِ لَهُ بِمَقْصُودٍ لِذَاتِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ حَصِيلَةٌ لِامْتِثَالِ الْبَاطِنِ الَّذِي يَدْعُو الْعَبْدَ إِلَى الْبُعْدِ عَمَّا حَرَّمَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-؛ وَإِلَّا فَإِنَّ الْمَرْءَ يَخْلُو وَيُمْكِنُ أَنْ يُقْبِلَ عَلَى الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالشَّهْوَةِ، وَلَا يَرَاهُ إِلَّا اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ-.

قَالَ: ((فَلَيْسَ للهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ))؛ لِأَنَّ اللهَ -تَعَالَى- إِنَّمَا أَوْجَبَ الصِّيَامَ لِأَهَمِّ شَيْءٍ، وَهُوَ تَرْكُ الْمُحَرَّمَاتِ، وَالْقِيَامُ بِالْوَاجِبَاتِ.

((هَدْيُ الرَّسُولِ ﷺ فِي الصِّيَامِ))

بَيَّنَ الْإِمَامُ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ -رَحِمَهُ اللهُ- هَدْيَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي الصِّيَامِ فَقَالَ: ((لَمَّا كَانَ الْمَقْصُودُ مِنَ الصِّيَامِ حَبْسَ النَّفْسِ عَنِ الشَّهَوَاتِ، وَفِطَامَهَا عَنِ الْمَأْلُوفَاتِ، وَتَعْدِيلَ قُوَّتِهَا الشَّهْوَانِيَّةِ؛ لِتَسْتَعِدَّ لِطَلَبِ مَا فِيهِ غَايَةُ سَعَادَتِهَا وَنَعِيمِهَا، وَقَبُولِ مَا تَزْكُو بِهِ مِمَّا فِيهِ حَيَاتُهَا الْأَبَدِيَّةُ، وَيَكْسِرُ الْجُوعُ وَالظَّمَأُ مِنْ حِدَّتِهَا وَسَوْرَتِهَا، وَيُذَكِّرُهَا بِحَالِ الْأَكْبَادِ الْجَائِعَةِ مِنَ الْمَسَاكِينِ.

وَيُضَيِّقُ مَجَارِيَ الشَّيْطَانِ مِنَ الْعَبْدِ بِتَضْيِيقِ مَجَارِي الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَيَحْبِسُ قُوَى الْأَعْضَاءِ عَنِ اسْتِرْسَالِهَا لِحُكْمِ الطَّبِيعَةِ فِيمَا يَضُرُّهَا فِي مَعَاشِهَا وَمَعَادِهَا، وَيُسَكِّنُ كُلَّ عُضْوٍ مِنْهَا وَكُلَّ قُوَّةٍ عَنْ جِمَاحِهِ، وَتُلْجَمُ بِلِجَامِهِ؛ فَالصَّوْمُ لِجَامُ الْمُتَّقِينَ، وَجُنَّةُ الْمُحَارِبِينَ، وَرِيَاضَةُ الْأَبْرَارِ وَالْمُقَرَّبِينَ، وَهُوَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْأَعْمَالِ؛ فَإِنَّ الصَّائِمَ لَا يَفْعَلُ شَيْئًا، وَإِنَّمَا يَتْرُكُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ وَشَرَابَهُ مِنْ أَجْلِ مَعْبُودِهِ، فَهُوَ تَرْكُ مَحْبُوبَاتِ النَّفْسِ وَتَلَذُّذَاتِهَا إِيثَارًا لِمَحَبَّةِ اللَّهِ وَمَرْضَاتِهِ.

وَهُوَ سِرٌّ بَيْنَ الْعَبْدِ وَرَبِّهِ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ سِوَاهُ، وَالْعِبَادُ قَدْ يَطَّلِعُونَ مِنْهُ عَلَى تَرْكِ الْمُفَطِّرَاتِ الظَّاهِرَةِ، وَأَمَّا كَوْنُهُ تَرَكَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِ مَعْبُودِهِ؛ فَهُوَ أَمْرٌ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ بَشَرٌ، وَذَلِكَ حَقِيقَةُ الصَّوْمِ)).

فَالصَّوْمُ: كَفٌّ أَوْ إِمْسَاكٌ أَوْ تَرْكٌ بِنِيَّةٍ، هَذِهِ النِّيَّةُ هِيَ رُكْنُهُ، ثُمَّ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا بَعْدَ ذَلِكَ مَا يَتَرَتَّبُ مِنَ الْإِمْسَاكِ عَنِ الْمُفَطِّرَاتِ.

لَوْ أَنَّ إِنْسَانًا فَسَخَ النِّيَّةَ، وَفَسْخُ النِّيَّةِ أَمْرٌ بَاطِنٌ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ إِلَّا اللهُ، يَعْنِي: لَوْ أَنَّهُ عَزَمَ عَزْمًا أَكِيدًا عَلَى أَنْ يَشْرَبَ، أَوْ عَلَى أَنْ يَأْكُلَ وَلَمْ يَفْعَلْ فَقَدْ أَفْطَرَ، مَعَ أَنَّهُ مَا زَالَ مُمْسِكًا لَمْ يَطْعَمْ وَلَمْ يَشْرَبْ، وَلَكِنَّهُ فَسَخَ النِّيَّةَ؛ فَالَّذِي يُصَلِّي بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- ثُمَّ يَفْسَخُ النِّيَّةَ فِي الصَّلَاةِ؛ هَذَا وَإِنْ بَقِيَ قَائِمًا قَاعِدًا رَاكِعًا سَاجِدًا فَمَا هُوَ بِمُصَلٍّ، وَكَذَلِكَ الصِّيَامُ، فَهَذَا أَمْرٌ كَبِيرٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الصِّيَامِ عَمَلٌ، وَإِنَّمَا فِي الصِّيَامِ كَفٌّ وَإِمْسَاكٌ رُكِّبَا عَلَى نِيَّةٍ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-.

قَالَ الْإِمَامُ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((وَلِلصَّوْمِ تَأْثِيرٌ عَجِيبٌ فِي حِفْظِ الْجَوَارِحِ الظَّاهِرَةِ وَالْقُوَى الْبَاطِنَةِ، وَحِمْيَتِهَا عَنِ التَّخْلِيطِ الْجَالِبِ لَهَا الْمَوَادَّ الْفَاسِدَةَ الَّتِي إِذَا اسْتَوْلَتْ عَلَيْهَا أَفْسَدَتْهَا، وَاسْتِفْرَاغِ الْمَوَادِّ الرَّدِيئَةِ الْمَانِعَةِ لَهَا مِنْ صِحَّتِهَا؛ فَالصَّوْمُ يَحْفَظُ عَلَى الْقَلْبِ وَالْجَوَارِحِ صِحَّتَهَا، وَيُعِيدُ إِلَيْهَا مَا اسْتَلَبَتْهُ مِنْهَا أَيْدِي الشَّهَوَاتِ، فَهُوَ مِنْ أَكْبَرِ الْعَوْنِ عَلَى التَّقْوَى، كَمَا قَالَ تَعَالَى : {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [ الْبَقَرَةِ 183]، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((الصَّوْمُ جُنَّةٌ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَأَمَرَ مَنِ اشْتَدَّتْ عَلَيْهِ شَهْوَةُ النِّكَاحِ وَلَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى النِّكَاحِ بِالصِّيَامِ، وَجَعَلَهُ وِجَاءَ هَذِهِ الشَّهْوَةِ، كَمَا فِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَى صِحَّتِهِ.

وَالْمَقْصُودُ أَنَّ مَصَالِحَ الصَّوْمِ لَمَّا كَانَتْ مَشْهُودَةً بِالْعُقُولِ السَّلِيمَةِ وَالْفِطَرِ الْمُسْتَقِيمَةِ؛ شَرَعَهُ اللَّهُ لِعِبَادِهِ رَحْمَةً بِهِمْ، وَإِحْسَانًا إِلَيْهِمْ، وَحِمْيَةً لَهُمْ وَجُنَّةً.

وَكَانَ هَدْيُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الصِّيَامِ أَكْمَلَ الْهَدْيِ، وَأَعْظَمَ تَحْصِيلٍ لِلْمَقْصُودِ، وَأَسْهَلَهُ عَلَى النُّفُوسِ.

وَلَمَّا كَانَ فَطْمُ النُّفُوسِ عَنْ مَأْلُوفَاتِهَا وَشَهَوَاتِهَا مِنْ أَشَقِّ الْأُمُورِ وَأَصْعَبِهَا؛ تَأَخَّرَ فَرْضُ الصِّيَامِ إِلَى وَسَطِ الْإِسْلَامِ بَعْدَ الْهِجْرَةِ، لَمَّا تَوَطَّنَتِ النُّفُوسُ عَلَى التَّوْحِيدِ وَالصَّلَاةِ، وَأَلِفَتْ أَوَامِرَ الْقُرْآنِ، فَنُقِلَتْ إِلَيْهِ بِالتَّدْرِيجِ، وَكَانَ فَرْضُهُ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ (2هـ)، فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ صَامَ تِسْعَ رَمَضَانَاتٍ.

وَكَانَ لِلصَّوْمِ رُتَبٌ ثَلَاثٌ:

-إِحْدَاهَا: إِيجَابُهُ بِوَصْفِ التَّخْيِيرِ.

وَالثَّانِيَةُ: تَحَتُّمُهُ؛ لَكِنْ كَانَ الصَّائِمُ إِذَا نَامَ قَبْلَ أَنْ يَطْعَمَ حَرُمَ عَلَيْهِ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ إِلَى اللَّيْلَةِ الْقَابِلَةِ -يَعْنِي: إِذَا كَانَ صَائِمًا، ثُمَّ غَرَبَتِ الشَّمْسُ فَنَامَ قَبْلَ أَنْ يَطْعَمَ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وَلَوْ قَرِيبًا مِنْ بَدْءِ نَوْمِهِ؛ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ أَوْ يَشْرَبَ إِلَى الْغُرُوبِ مِنَ الْيَوْمِ التَّالِي-، فَنُسِخَ ذَلِكَ بِالرُّتْبَةِ الثَّالِثَةِ، وَهِيَ الَّتِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهَا الشَّرْعُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ)).

هَذِهِ الرُّتْبَةُ الثَّانِيَةُ فِيهَا حَدِيثُ الْبُخَارِيِّ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: ((كَانَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ إِذَا كَانَ الرَّجُلُ صَائِمًا فَحَضَرَ الْإِفْطَارُ، فَنَامَ قَبْلَ أَنْ يُفْطِرَ؛ لَمْ يَأْكُلْ لَيْلَتَهُ وَلَا يَوْمَهُ -أَيِ: التَّالِيَ- حَتَّى يُمْسِيَ، وَإِنَّ قَيْسَ بْنَ صِرْمَةَ الْأَنْصَارِيَّ كَانَ صَائِمًا، فَلَمَّا حَضَرَ الْإِفْطَارُ أَتَى امْرَأَتَهُ فَقَالَ لَهَا: ((أَعِنْدَكِ طَعَامٌ؟)).

قَالَتْ: ((لَا، وَلَكِنْ أَنْطَلِقُ فَأَطْلُبُ لَكَ)).

وَكَانَ يَوْمَهُ يَعْمَلُ، فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ -يَعْنِي: حَتَّى تَأْتِيَ امْرَأَتُهُ بِمَا يُفْطِرُ عَلَيْهِ، وَهَذَا يَدُلُّكَ عَلَى أَنَّهُمْ مَا كَانُوا يَتَكَلَّفُونَ لِلَّذِي يَتَكَلَّفُ لَهُ الْيَوْمَ النَّاسُ، فَهَذِهِ امْرَأَةٌ مِنَ الصَّحَابِيَّاتِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُنَّ-، وَيَأْتِي زَوْجُهَا مِنْ أَجْلِ أَنْ يَطْعَمَ عِنْدَهَا، مِنْ أَجْلِ أَنْ يُفْطِرَ، فَلَا يَجِدُ عِنْدَهَا شَيْئًا-، تَقُولُ: ((وَلَكِنْ أَنْطَلِقُ فَأَطْلُبُ لَكَ))، وَكَانَ يَوْمَهُ يَعْمَلُ، فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ، فَجَاءَتْهُ امْرَأَتُهُ، فَلَمَّا رَأَتْهُ -أَيْ: نَائِمًا- قَالَتْ: ((خَيْبَةٌ لَكَ)).

فَلَمَّا انْتَصَفَ النَّهَارُ غُشِيَ عَلَيْهِ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، فَنَزَلَتِ الْآيَةُ: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَائِكُمْ}، فَفَرِحُوا بِهَا فَرَحًا شَدِيدًا، وَنَزَلَتْ: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ} [البقرة: 187]))، ثُمَّ اسْتَقَرَّ الْأَمْرُ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.

((وَكَانَ مِنْ هَدْيِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ: الْإِكْثَارُ مِنْ أَنْوَاعِ الْعِبَادَاتِ، ((فَكَانَ جِبْرِيلُ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- يُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ فِي رَمَضَانَ، وَكَانَ إِذَا لَقِيَهُ جِبْرِيلُ كَانَ أَجْوَدَ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ، وَكَانَ ﷺ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَأَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ))، يُكْثِرُ فِيهِ مِنَ الصَّدَقَةِ وَالْإِحْسَانِ، وَتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ، وَالصَّلَاةِ، وَالذِّكْرِ، وَالِاعْتِكَافِ.

وَكَانَ يَخُصُّ رَمَضَانَ مِنَ الْعِبَادَةِ بِمَا لَا يَخُصُّ غَيْرَهُ بِهِ مِنَ الشُّهُورِ؛ حَتَّى إِنَّهُ كَانَ لَيُوَاصِلُ فِيهِ أَحْيَانًا لِيُوَفِّرَ سَاعَاتِ لَيْلِهِ وَنَهَارِهِ عَلَى الْعِبَادَةِ، وَكَانَ يَنْهَى أَصْحَابَهُ عَنِ الْوِصَالِ، فَيَقُولُونَ لَهُ: ((إِنَّكَ تُوَاصِلُ))، فَيَقُولُ: ((لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ، إِنِّي أَبِيتُ -وَفِي رِوَايَةٍ: إِنِّي أَظَلُّ- عِنْدَ رَبِّي يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِي)). وَالْحَدِيثُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَذَا الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ الْمَذْكُورَيْنِ عَلَى قَوْلَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ طَعَامٌ وَشَرَابٌ حِسِّيٌّ لِلْفَمِ، قَالُوا: وَهَذِهِ حَقِيقَةُ اللَّفْظِ، وَلَا مُوجِبَ لِلْعُدُولِ عَنْهَا.

الثَّانِي: أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ مَا يُغَذِّيهِ اللَّهُ بِهِ مِنْ مَعَارِفِهِ، وَمَا يَفِيضُ بِهِ عَلَى قَلْبِهِ مِنْ لَذَّةِ مُنَاجَاتِهِ، وَقُرَّةِ عَيْنِهِ بِقُرْبِهِ، وَتَنَعُّمِهِ بِحُبِّهِ، وَالشَّوْقِ إِلَيْهِ، وَتَوَابِعِ ذَلِكَ مِنَ الْأَحْوَالِ الَّتِي هِيَ غِذَاءُ الْقُلُوبِ، وَنَعِيمُ الْأَرْوَاحِ، وَقُرَّةُ الْعَيْنِ، وَبَهْجَةُ النُّفُوسِ وَالرُّوحِ وَالْقَلْبِ بِمَا هُوَ أَعْظَمُ غِذَاءٍ وَأَجْوَدُهُ وَأَنْفَعُهُ، وَقَدْ يَقْوَى هَذَا الْغِذَاءُ حَتَّى يُغْنِيَ عَنْ غِذَاءِ الْأَجْسَامِ مُدَّةً مِنَ الزَّمَانِ، كَمَا قِيلَ:

لَهَا أَحَادِيثُ مِنْ ذِكْرَاكَ تَشْغَلُهَا    =   عَنِ الشَّرَابِ وَتُلْهِيهَا عَنِ الزَّادِ   

 لَهَا بِوَجْهِكَ نُورٌ تَسْتَضِيءُ بِهِ     =  وَمِنْ حَدِيثِكَ فِي أَعْقَابِهَا حَادِي   

 إِذَا شَكَتْ مِنْ كَلَالِ السَّيْرِ أَوْعَدَهَا   = رَوْحَ الْقُدُومِ فَتَحْيَا عِنْدَ مِيعَادِ

وَمَنْ لَهُ أَدْنَى تَجْرِبَةٍ وَشَوْقٍ يَعْلَمُ اسْتِغْنَاءَ الْجِسْمِ بِغِذَاءِ الْقَلْبِ وَالرُّوحِ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الْغِذَاءِ الْحَيَوَانِيِّ؛ وَلَا سِيَّمَا الْمَسْرُورُ الْفَرْحَانُ، الظَّافِرُ بِمَطْلُوبِهِ، الَّذِي قَدْ قَرَّتْ عَيْنُهُ بِمَحْبُوبِهِ، وَتَنَعَّمَ بِقُرْبِهِ وَالرِّضَا عَنْهُ، وَأَلْطَافُ مَحْبُوبِهِ وَهَدَايَاهُ وَتُحَفُهُ تَصِلُ إِلَيْهِ كُلَّ وَقْتٍ، وَمَحْبُوبُهُ حَفِيٌّ بِهِ، مُعْتَنٍ بِأَمْرِهِ، مُكْرِمٌ لَهُ غَايَةَ الْإِكْرَامِ مَعَ الْمَحَبَّةِ التَّامَّةِ لَهُ، أَفَلَيْسَ فِي هَذَا أَعْظَمُ غِذَاءٍ لِهَذَا الْمُحِبِّ؟!

فَكَيْفَ بِالْحَبِيبِ الَّذِي لَا شَيْءَ أَجَلُّ مِنْهُ، وَلَا أَعْظَمُ وَلَا أَجْمَلُ وَلَا أَكْرَمُ، وَلَا أَعْظَمُ إِحْسَانًا إِذَا امْتَلَأَ قَلْبُ الْمُحِبِّ بِحُبِّهِ، وَمَلَكَ حُبُّهُ جَمِيعَ أَجْزَاءِ قَلْبِهِ وَجَوَارِحِهِ، وَتَمَكَّنَ حُبُّهُ مِنْهُ أَعْظَمَ تَمَكُّنٍ، وَهَذَا حَالُهُ مَعَ حَبِيبِهِ؛ أَفَلَيْسَ هَذَا الْمُحِبُّ عِنْدَ حَبِيبِهِ يُطْعِمُهُ وَيَسْقِيهِ لَيْلًا وَنَهَارًا؟! وَلِهَذَا قَالَ: ((إِنِّي أَظَلُّ عِنْدَ رَبِّي يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِي)).

وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ طَعَامًا وَشَرَابًا لِلْفَمِ لَمَا كَانَ صَائِمًا؛ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ مُوَاصِلًا، وَأَيْضًا فَلَوْ كَانَ ذَلِكَ فِي اللَّيْلِ لَمْ يَكُنْ مُوَاصِلًا، وَلَقَالَ لِأَصْحَابِهِ -إِذْ قَالُوا لَهُ: ((إِنَّكَ تُوَاصِلُ))-: (لَسْتُ أُوَاصِلُ)، وَلَمْ يَقُلْ: ((لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ))، بَلْ أَقَرَّهُمْ عَلَى نِسْبَةِ الْوِصَالِ إِلَيْهِ، وَقَطَعَ الْإِلْحَاقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ بِمَا بَيَّنَهُ مِنَ الْفَارِقِ، كَمَا فِي ((صَحِيحِ مُسْلِمٍ)) مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ: ((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَاصَلَ فِي رَمَضَانَ فَوَاصَلَ النَّاسُ، فَنَهَاهُمْ، فَقِيلَ لَهُ: ((أَنْتَ تُوَاصِلُ)).

فَقَالَ: ((إِنِّي لَسْتُ مِثْلَكُمْ، إِنِّي أُطْعَمُ وَأُسْقَى)).

وَسِيَاقُ الْبُخَارِيِّ لِهَذَا الْحَدِيثِ: ((نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْوِصَالِ، فَقَالُوا: ((إِنَّكَ تُوَاصِلُ)). فَقَالَ: ((إِنِّي لَسْتُ مِثْلَكُمْ، إِنِّي أُطْعَمُ وَأُسْقَى)).

وَفِي ((الصَّحِيحَيْنِ)) مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: ((نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْوِصَالِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ: ((إِنَّكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ تُوَاصِلُ))، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ((وَأَيُّكُمْ مِثْلِي؟! إِنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي)).

وَأَيْضًا: فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا نَهَاهُمْ عَنِ الْوِصَالِ فَأَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا؛ وَاصَلَ بِهِمْ يَوْمًا، ثُمَّ يَوْمًا، ثُمَّ رَأَوُا الْهِلَالَ فَقَالَ: ((لَوْ تَأَخَّرَ الْهِلَالُ لَزِدْتُكُمْ))؛ كَالْمُنَكِّلِ لَهُمْ حِينَ أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا عَنِ الْوِصَالِ)). أَخْرَجَاهُ فِي ((الصَّحِيحَيْنِ)).

وَفِي لَفْظٍ آخَرَ: ((لَوْ مُدَّ لَنَا الشَّهْرُ لَوَاصَلْنَا وِصَالًا يَدَعُ الْمُتَعَمِّقُونَ تَعَمُّقَهُمْ، إِنِّي لَسْتُ مِثْلَكُمْ، أَوْ قَالَ: إِنَّكُمْ لَسْتُمْ مِثْلِي؛ فَإِنِّي أَظَلُّ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي)). وَهِيَ عِنْدَ مُسْلِمٍ فِي ((الصَّحِيحِ)).

فَأَخْبَرَ أَنَّهُ يُطْعَمُ وَيُسْقَى مَعَ كَوْنِهِ مُوَاصِلًا، وَقَدْ فَعَلَ فِعْلَهُمْ مُنَكِّلًا بِهِمْ مُعَجِّزًا لَهُمْ، فَلَوْ كَانَ يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ لَمَا كَانَ ذَلِكَ تَنْكِيلًا وَلَا تَعْجِيزًا، بَلْ وَلَا وِصَالًا، وَهَذَا -بِحَمْدِ اللَّهِ- وَاضِحٌ.

وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْوِصَالِ، وَمَعْنَاهُ: أَلَّا تُفْطِرَ، وَأَلَّا تَتَسَحَّرَ، بَلْ أَنْ تَظَلَّ مُمْسِكًا، فَنَهَى عَنِ الْوِصَالِ؛ رَحْمَةً لِلْأُمَّةِ، وَأَذِنَ فِيهِ إِلَى السَّحَرِ -بِمَعْنَى: أَلَّا يَأْكُلَ وَلَا يَشْرَبَ إِذَا دَخَلَ الْمَغْرِبُ، وَإِنَّمَا يَظَلُّ مُمْسِكًا إِلَى السَّحَرِ-.

فِي ((صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ)) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: ((لَا تُوَاصِلُوا، فَأَيُّكُمْ أَرَادَ أَنْ يُوَاصِلَ فَلْيُوَاصِلْ إِلَى السَّحَرِ)) )).

النَّبِيُّ ﷺ بَيَّنَ لَنَا فِي الْأَحَادِيثِ الَّتِي مَرَّتْ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْوِصَالِ أَنَّ الْعَبْدَ إِذَا أَقْبَلَ عَلَى رَبِّهِ، وَاسْتَفْرَغَ مَا فِي ضَمِيرِهِ وَنَفْسِهِ، وَأَقْبَلَ بِكُلِّيَّتِهِ وَجَمْعِيَّتِهِ عَلَى إِلَهِهِ وَمَوْلَاهُ؛ فَإِنَّ اللهَ -جَلَّ وَعَلَا- يُمِدُّهُ بِمَا يَكُونُ لَا عَوْنًا لَهُ فَقَطْ، وَإِنَّمَا يَكُونُ كَافِيًا لَهُ، وَسَادًّا لَهُ عَمَّا يَقُومُ بِهِ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ، وَذَلِكَ مِمَّا يُفِيضُهُ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا- عَلَى قَلْبِهِ وَنَفْسِهِ، وَعَلَى ضَمِيرِهِ وَرُوحِهِ مِمَّا يُغْنِيهِ عَنِ الزَّادِ، وَمِمَّا يَكْفِيهِ عَنِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى حَلَاوَةِ الْقُرْبِ، وَإِلَى عَذْبِ الْمُنَاجَاةِ، وَأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمَقْصُودُ، وَمَنْ لَمْ يُحَصِّلْهُ.. مَنْ لَمْ يَذُقْهُ فَهُوَ الْمَحْرُومُ حَقًّا.

((رَمَضَانُ فُرْصَةٌ عَظِيمَةٌ لِلتَّوْبَةِ))

فِي هَذَا الشَّهْرِ الَّذِي أَنْزَلَ اللهُ فِيهِ كِتَابَهُ وَفَرَضَ صِيَامَهُ فُرْصَةٌ عَظِيمَةٌ لِلتَّوْبَةِ مِنَ الْآثَامِ وَالذُّنُوبِ، وَالْأَوْبَةِ وَالْإِنَابَةِ إِلَى عَلَّامِ الْغُيُوبِ، وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ الْمِنَنِ؛ فَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ نِعَمِ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ- أَنْ فَتَحَ بَابَ التَّوْبَةِ، وَجَعَلَهُ فَجْرًا تَبْدَأُ مَعَهُ رِحْلَةُ الْعَوْدَةِ بِقُلُوبٍ مُنْكَسِرَةٍ، وَدُمُوعٍ مُنْسَكِبَةٍ، وَجِبَاهٍ خَاضِعَةٍ.

قَالَ تَعَالَى: {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الحجر: 49].

وَقَالَ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} [البقرة: 222].

وَقَالَ تَعَالَى -حَاثًّا عَلَى التَّوْبَةِ وَالرُّجُوعِ وَالْأَوْبَةِ-: {وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [النور: 31].

وَصَحَّ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: ((إِنَّ اللهَ يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا)). أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي ((صَحِيحِهِ)).

وَهَذَا نَبِيُّ الرَّحْمَةِ ﷺ -وَقَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ- يَقُولُ: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ! تُوبُوا إِلَى اللهِ؛ فَإِنِّي أَتُوبُ فِي الْيَوْمِ إِلَيْهِ مِائَةَ مَرَّةٍ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

وَتَأَمَّلْ فَضْلَ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ- عَلَى التَّائِبِ الْعَائِدِ، كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ)). أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَه، وَالْبَيْهَقِيُّ، وَحَسَّنَهُ الْأَلْبَانِيُّ فِي ((صَحِيحِ سُنَنِ ابْنِ مَاجَه)).

رَمَضَانُ فُرْصَةٌ عَظِيمَةٌ لِلتَّوْبَةِ لِمَنْ صَدَقَ مَعَ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ-؛ فَلْيَحْذَرِ الْعَبْدُ أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ رَغِمَ أَنْفُهُ، وَخَسِرَ هَذِهِ الْفُرْصَةَ الْعَظِيمَةَ؛ فَعَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: ((رَغِمَ أَنْفُ مَنْ أَدْرَكَهُ رَمَضَانُ فَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ)). أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالْحَاكِمُ، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ.

فَعَلَى الْعَبْدِ أَنْ يَحْذَرَ الْهَوَى وَمُلْهِيَاتِ النَّفْسِ؛ فَإِنَّ الرَّسُولَ ﷺ يَقُولُ: ((كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ أَبَى)) أَيْ: إِلَّا مَنْ رَفَضَ وَامْتَنَعَ.

قِيلَ: ((يَا رَسُولَ اللهِ! وَمَنْ يَأْبَى؟)).

قَالَ: ((مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى)). أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي ((الصَّحِيحِ)).

وَهَذَا الْحَدِيثُ بِشَارَةٌ عَظِيمَةٌ جِدًّا لِلْمُسْلِمِينَ بِالْجَنَّةِ إِلَّا صِنْفًا وَاحِدًا ذَكَرَهُ الرَّسُولُ ﷺ فِيهِ، وَهُوَ الَّذِي لَا يَدْخُلُهَا لَا زُهْدًا فِيهَا، وَإِنَّمَا جَهْلًا بِالطَّرِيقِ الْمُوصِلَةِ إِلَيْهَا، هَذَا الصِّنْفُ هُوَ الَّذِي يَعْصِي رَسُولَ اللهِ ﷺ.

فَعَلَيْنَا أَنْ نَجِدَّ فِي التَّوْبَةِ، وَأَنْ نُسَارِعَ إِلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِلْعَبْدِ مُسْتَرَاحٌ إِلَّا تَحْتَ شَجَرَةِ طُوبَى، وَلَا لِلْمُحِبِّ قَرَارٌ إِلَّا يَوْمَ الْمَزِيدِ؛ فَعَلَيْنَا أَنْ نُسَارِعَ إِلَى التَّوْبَةِ، وَأَنْ نَهُبَّ مِنَ الْغَفْلَةِ، وَأَنْ نَعْلَمَ أَنَّ خَيْرَ أَيَّامِنَا يَوْمُ الْعَوْدَةِ إِلَى رَبِّنَا -عَزَّ وَجَلَّ-، فَلْنَصْدُقْ فِي ذَلِكَ السَّيْرَ، وَلْنَتَأَمَّلْ فِي حَدِيثِ الرَّسُولِ ﷺ: ((لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلَاةٍ، فَانْفَلَتَتْ وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَأَيِسَ مِنْهَا، فَأَتَى شَجَرَةً، فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا وَقَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ هُوَ بِهَا قَائِمَةً عِنْدَهُ، فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا، ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ: اللهم أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ، أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

قَالَ يَحْيَى بْنُ مُعَاذٍ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((مِنْ أَعْظَمِ الِاغْتِرَارِ عِنْدِي: التَّمَادِي فِي الذُّنُوبِ مَعَ رَجَاءِ الْعَفْوِ مِنْ غَيْرِ نَدَامَةٍ، وَتَوَقُّعُ الْقُرْبِ مِنَ اللهِ -تَعَالَى- بِغَيْرِ طَاعَةٍ، وَانْتِظَارُ زَرْعِ الْجَنَّةِ بِبَذْرِ النَّارِ، وَطَلَبُ دَارِ الْمُطِيعِينَ بِالْمَعَاصِي، وَانْتِظَارُ الْجَزَاءِ بِغَيْرِ عَمَلٍ، وَالتَّمَنِّي عَلَى اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ- مَعَ التَّفْرِيطِ، وَمَنْ أَحَبَّ الْجَنَّةَ انْقَطَعَ عَنِ الشَّهَوَاتِ، وَمَنْ خَافَ النَّارَ انْصَرَفَ عَنِ السَّيِّئَاتِ)).

وَقَالَ الْحَسَنُ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((إِنَّ قَوْمًا أَلْهَتْهُمْ أَمَانِيُّ الْمَغْفِرَةِ حَتَّى خَرَجُوا مِنَ الدُّنْيَا بِغَيْرِ تَوْبَةٍ، يَقُولُ أَحَدُهُمْ: إِنِّي أُحْسِنُ الظَّنَّ بِرَبِّي، وَكَذَبَ، لَوْ أَحْسَنَ الظَّنَّ لَأَحْسَنَ الْعَمَلَ)).

وَقَالَ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((إِنَّ الْمُؤْمِنَ قَوَّامٌ عَلَى نَفْسِهِ، يُحَاسِبُ نَفْسَهُ للهِ -عَزَّ وَجَلَّ-، وَإِنَّمَا خَفَّ الْحِسَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى قَوْمٍ حَاسَبُوا أَنْفُسَهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَإِنَّمَا شَقَّ الْحِسَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى قَوْمٍ أَخَذُوا هَذَا الْأَمْرَ مِنْ غَيْرِ مُحَاسَبَةٍ، إِنَّ الْمُؤْمِنَ يَفْجَؤُهُ الشَّيْءُ يُعْجِبُهُ فَيَقُولُ: وَاللهِ! إِنِّي لَأَشْتَهِيكَ، وَإِنَّكَ لَمِنْ حَاجَتِي؛ وَلَكِنْ -وَاللهِ- مَا مِنْ صِلَةٍ إِلَيْكَ، هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ! حِيلَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ، وَيُفْرِطُ مِنْهُ الشَّيْءُ فَيَرْجِعُ إِلَى نَفْسِهِ فَيَقُولُ: مَا أَرَدْتُ إِلَى هَذَا؟!! مَا لِي وَلِهَذَا؟!! وَاللهِ! لَا أَعُودُ لِهَذَا أَبَدًا إِنْ شَاءَ اللهُ، إِنَّ الْمُؤْمِنِينَ قَوْمٌ أَوْثَقَهُمْ -أَيْ: قَيَّدَهُمُ- الْقُرْآنُ، وَحَالَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ هَلَكَتِهِمْ، إِنَّ الْمُؤْمِنَ أَسِيرٌ فِي الدُّنْيَا يَسْعَى فِي فَكَاكِ رَقَبَتِهِ، لَا يَأْمَنُ شَيْئًا حَتَّى يَلْقَى اللهَ -عَزَّ وَجَلَّ-، وَيَعْلَمُ أَنَّهُ مَأْخُوذٌ عَلَيْهِ فِي سَمْعِهِ وَبَصَرِهِ وَلِسَانِهِ وَجَوَارِحِهِ)).

إِنَّ جِهَادَ النَّفْسِ جِهَادٌ طَوِيلٌ، وَطَرِيقٌ مَحْفُوفٌ بِالْمَكَارِهِ، مَذَاقُهُ مُرٌّ، وَمَلْمَسُهُ خَشِنٌ؛ فَعَلَيْكَ بِالسَّيْرِ فِي رِكَابِ التَّائِبِينَ حَتَّى تَحُطَّ رَحْلَكَ فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ مَعَ الْأَبْرَارِ الْمُؤْمِنِينَ.

قَالَ حَاتِمٌ الْأَصَمُّ: ((مَنْ خَلَا قَلْبُهُ مِنْ ذِكْرِ أَخْطَارٍ أَرْبَعَةٍ فَهُوَ مُغْتَرٌّ، فَلَا يَأْمَنُ مِنَ الشَّقَاءِ:

الْأَوَّلُ مِنَ الْأَخْطَارِ: خَطَرُ يَوْمِ الْمِيثَاقِ حِينَ قَالَ: هَؤُلَاءِ فِي الْجَنَّةِ وَلَا أُبَالِي، وَهَؤُلَاءِ فِي النَّارِ وَلَا أُبَالِي، فَلَا يَعْلَمُ فِي أَيِّ الْفَرِيقَيْنِ كَانَ -هَلْ تَعْلَمُ فِي أَيِّ الْفَرِيقَيْنِ أَنْتَ عِنْدَمَا قَالَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا- يَوْمَ الْمِيثَاقِ: هَؤُلَاءِ فِي الْجَنَّةِ وَلَا أُبَالِي، وَهَؤُلَاءِ فِي النَّارِ وَلَا أُبَالِي؟- وَالثَّانِي: حِينَ خُلِقَ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ، فَنَادَى الْمَلَكُ بِالشَّقَاوَةِ وَالسَّعَادَةِ: ((وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ))، وَلَا يَدْرِي أَمِنَ الْأَشْقِيَاءِ هُوَ أَمْ مِنَ السُّعَدَاءِ.

الثَّالِثُ: ذِكْرُ هَوْلِ الْمَطْلَعِ، فَلَا يَدْرِي أَيُبَشَّرُ بِرِضَا اللهِ أَمْ بِسَخَطِهِ.

الرَّابِعُ: يَوْمَ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا، فَلَا يَدْرِي أَيَّ الطَّرِيقَيْنِ يُسْلَكُ بِهِ؛ أَإِلَى الْجَنَّةِ أَمْ إِلَى النَّارِ)).

قَالَ الْحَسَنُ: ((يَا ابْنَ آدَمَ! إِنَّكَ تَمُوتُ وَحْدَكَ))؛ لَنْ تَمُوتَ جَمَاعَةً وَإِنْ كُنْتَ مُرْتَبِطًا بِمَنِ ارْتَبَطْتَ بِهِ فِي الْحَيَاةِ، وَلَكِنْ إِنَّكَ تَمُوتُ وَحْدَكَ.

فَيَنْبَغِي لِكُلِّ ذِي لُبٍّ وَفِطْنَةٍ أَنْ يَحْذَرَ عَوَاقِبَ الْمَعَاصِي؛ لِأَنَّهُ يَمُوتُ وَحْدَهُ، وَيُحَاسَبُ وَحْدَهُ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ الْآدَمِيِّينَ وَبَيْنَ اللهِ -تَعَالَى- قَرَابَةٌ وَلَا رَحِمٌ، وَإِنَّمَا هُوَ قَائِمٌ بِالْقِسْطِ، حَاكِمٌ بِالْعَدْلِ، وَإِنْ كَانَ حِلْمُهُ يَسَعُ الذَّنْبَ؛ وَإِلَّا فَإِنَّهُ -تَعَالَى- إِذَا شَاءَ عَفَا، وَإِذَا شَاءَ عَذَّبَ، وَإِذَا شَاءَ أَخَذَ بِالْيَسِيرِ؛ فَالْحَذَرَ الْحَذَرَ -عِبَادَ اللهِ-.

كُلُّنَا أَصْحَابُ ذُنُوبٍ وَآثَامٍ، لَيْسَ مِنَّا مَنْ هُوَ مَعْصُومٌ؛ وَلَكِنَّ خَيْرَنَا مَنْ يُسَارِعُ إِلَى التَّوْبَةِ، وَيُبَادِرُ إِلَى الْعَوْدَةِ، تَحُثُّهُ الْخُطَى، وَتُسْرِعُ بِهِ الدَّمْعَةُ، وَتَحُثُّهُ الْأَوْبَةُ إِلَى اللهِ -جَلَّ وَعَلَا- طَالِبًا لِلْعَفْوِ وَالْغُفْرَانِ، يُعِينُهُ أَهْلُ الْخَيْرِ وَرُفَقَاءُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ؛ فَإِنَّهُ مِنْ وَاجِبِ الْأُخُوَّةِ فِي اللهِ عَدَمُ تَرْكِ الْعَاصِي يَسْتَمِرُّ فِي مَعْصِيَتِهِ، بَلْ يُحَاطُ بِإِخْوَانِهِ، وَيُذَكَّرُ وَيُنَبَّهُ، وَلَا يُهْمَلُ وَيُتْرَكُ فَيَضِلُّ وَيَشْقَى، أَرَأَيْتَ إِنْ نَزَلَ بِهِ مَرَضٌ أَوْ شَأْنٌ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا كَيْفَ تَكُونُ مَعَهُ، كَيْفَ تُعِينُهُ؟! فَالْآخِرَةُ أَوْلَى وَأَبْقَى.

لَوْ تَفَقَّدَ كُلُّ مُسْلِمٍ أَخَاهُ وَقَرِيبَهُ وَجَارَهُ لَصَلَحَتِ الْحَالُ وَاسْتَقَامَتِ الْأُمُورُ؛ خَاصَّةً فِي هَذَا الشَّهْرِ الْعَظِيمِ.

قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((رَأَيْتُ الْخَلْقَ كُلَّهُمْ فِي صَفِّ مُحَارَبَةٍ، وَالشَّيَاطِينُ يَرْمُونَهُمْ بِنَبْلِ الْهَوَى، وَيَضْرِبُونَهُمْ بِأَسْيَافِ اللَّذَّةِ، فَأَمَّا الْمُخَلِّطُونَ فَصَرْعَى مِنْ أَوَّلِ وَقْتِ اللِّقَاءِ، وَأَمَّا الْمُتَّقُونَ -جَعَلَنَا اللهُ مِنْهُمْ- فَفِي جَهْدٍ جَهِيدٍ مِنَ الْمُجَاهَدَةِ، فَلَا بُدَّ مَعَ طُولِ الْوُقُوفِ فِي الْمُحَارَبَةِ مِنْ جِرَاحٍ، فَهُمْ يُجْرَحُونَ وَيُدَاوَوْنَ؛ إِلَّا أَنَّهُمْ مِنَ الْقَتْلِ مَحْفُوظُونَ، بَلْ إِنَّ الْجِرَاحَةَ فِي الْوَجْهِ شَيْنٌ بَاقٍ؛ فَلْيَحْذَرْ ذَلِكَ الْمُجَاهِدُونَ)).

قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((الذَّنْبُ الَّذِي يَضُرُّ صَاحِبَهُ هُوَ مَا لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ تَوْبَةٌ، فَأَمَّا الذَّنْبُ الَّذِي حَصَلَتْ مِنْهُ التَّوْبَةُ فَقَدْ يَكُونُ صَاحِبُهُ بَعْدَ التَّوْبَةِ أَفْضَلَ مِنْهُ قَبْلَ مُوَاقَعَتِهِ)).

عَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يَتُوبَ تَوْبَةً نَصُوحًا؛ لِيَتُوبَ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- عَلَيْهِ، وَأَنْ يَسْتَغْفِرَ اللهَ -جَلَّ وَعَلَا-، يَقُولُ رَبُّنَا -جَلَّ وَعَلَا- مُبَيِّنًا أَنَّ الْإِنْسَانَ رَهِينُ عَمَلِهِ: ((يَا عِبَادِي! إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا عَلَيْكُمْ، ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللهَ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ)). أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي ((صَحِيحِهِ)).

((رَمَضَانُ شَهْرُ الطَّاعَاتِ))

عِبَادَ اللهِ! رَمَضَانُ شَهْرٌ مُبَارَكٌ اجْتَمَعَتْ فِيهِ أَنْوَاعُ الْعِبَادَاتِ وَالطَّاعَاتِ الَّتِي لَا تَكَادُ تَجْتَمِعُ جَمِيعًا فِي غَيْرِهِ مِنَ الْأَوْقَاتِ؛ صِيَامٌ، وَقِيَامٌ، وَاعْتِكَافٌ، وَزَكَاةٌ، وَصَدَقَةُ فِطْرٍ، وَتِلَاوَةُ قُرْآنٍ، وَ((عُمْرَةٌ فِي رَمَضَانَ تَعْدِلُ حَجَّةً)) كَمَا فِي ((صَحِيحَيِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ)).

وَهَذِهِ الْعِبَادَاتُ وَالطَّاعَاتُ قَلَّمَا تَجْتَمِعُ فِي شَخْصٍ وَاحِدٍ فِي غَيْرِ رَمَضَانَ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَأَلَ أَصْحَابَهُ يَوْمًا: ((مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ صَائِمًا؟)).

فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: ((أَنَا)).

فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((فَمَنْ تَبِعَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ جَنَازَةً؟)).

قَالَ أَبُو بَكْرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: ((أَنَا)).

قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((فَمَنْ أَطْعَمَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ مِسْكِينًا؟)).

قَالَ أَبُو بَكْرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: ((أَنَا)).

 قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((فَمَنْ عَادَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ مَرِيضًا؟)).

قَالَ أَبُو بَكْرٍ: ((أَنَا)).

 فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ((مَا اجْتَمَعْنَ فِي امْرِئٍ إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي ((صَحِيحِهِ)).

فَهَذَا الْحَدِيثُ دَالٌّ عَلَى اجْتِمَاعِ الْفَضَائِلِ كُلِّهَا فِي أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، وَعَلَى اسْتِبَاقِهِ لِلْخَيْرَاتِ، وَلَمْ يُشَارِكْ أَحَدٌ أَبَا بَكْرٍ يَوْمَهَا فِيمَا كَانَ مُتَلَبِّسًا بِهِ مِنَ الطَّاعَاتِ وَالْعِبَادَاتِ.

النَّاسُ طَبَقَاتٌ فِي عِبَادَاتِهِمْ وَطَاعَاتِهِمْ بِحَسَبِ مَا هَيَّئَهُمُ اللهُ لَهُ، وَبِحَسَبِ مَا يُزَاوِلُونَهُ مِنْ مُجَاهَدَةِ أَنْفُسِهِمْ لِحَمْلِهَا عَلَى أَصْنَافِ الْعِبَادَاتِ، وَالسَّعِيدُ مَنْ ضَرَبَ فِي كُلِّ عِبَادَةٍ بِسَهْمٍ.

وَهَذَا الْإِمَامُ مَالِكٌ -رَحِمَهُ اللهُ- إِمَامُ دَارِ الْهِجْرَةِ كَتَبَ إِلَيْهِ الْعُمَرِيُّ كِتَابًا -وَمَالِكٌ -رَحِمَهُ اللهُ- كَتَبَ اللهُ لَهُ الْقَبُولَ الْعَظِيمَ، وَلَمْ يَكُنْ مَشْهُورًا -رَحِمَهُ اللهُ- بِكَثِيرِ صِيَامٍ وَلَا صَلَاةٍ؛ لَكِنَّهُ قَدْ بَذَلَ نَفْسَهُ لِلتَّدْرِيسِ وَنَشْرِ الْعِلْمِ-، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عَبْدُ اللهِ الْعُمَرِيُّ الْعَابِدُ الزَّاهِدُ يَعِظُهُ وَيَنْصَحُهُ فِي ذَلِكَ، وَيَحُثُّهُ عَلَى كَثْرَةِ الْعِبَادَةِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ الْإِمَامُ مَالِكٌ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((إِنَّ اللهَ قَسَمَ الْأَعْمَالَ كَمَا قَسَمَ الْأَرْزَاقَ، فَرُبَّ رَجُلٍ فُتِحَ لَهُ فِي الصَّدَقَةِ وَلَمْ يُفْتَحْ لَهُ فِي الصَّلَاةِ، وَرُبَّ رَجُلٍ فُتِحَ لَهُ فِي الصَّلَاةِ وَلَمْ يُفْتَحْ لَهُ فِي الصَّدَقَةِ، وَرُبَّ رَجُلٍ فُتِحَ لَهُ فِي الصَّوْمِ وَلَمْ يُفْتَحْ لَهُ فِي الصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ، وَمَا أَظُنُّ مَا أَنَا فِيهِ بِدُونِ مَا أَنْتَ فِيهِ)).

وَمَا قَالَهُ الْإِمَامُ مَالِكٌ -رَحِمَهُ اللهُ- هُوَ عَيْنُ الْوَاقِعِ وَالصَّوَابِ؛ فَاللهُ -جَلَّ وَعَلَا- قَسَمَ الْأَعْمَالَ كَمَا قَسَمَ الْأَرْزَاقَ، فَكَمَا أَنَّنَا نَجِدُ فِي الْوَاقِعِ غَنِيًّا وَفَقِيرًا؛ فَكَذَلِكَ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- طَبَعَ بَعْضَ خَلْقِهِ عَلَى حُبِّ الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ؛ كَالصَّلَاةِ، وَالصِّيَامِ، فَتَجِدُهَا يَسِيرَةً عَلَيْهِ، يُقْبِلُ عَلَيْهَا مَا لَا يُقْبِلُ عَلَى بَذْلِ الْمَالِ وَإِنْفَاقِهِ فِي وُجُوهِ الْبِرِّ، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ هُوَ بِضِدِّ ذَلِكَ تَمَامًا، تَرَى يَدَهُ مُنْبَسِطَةً جِدًّا بِبَذْلِ الْمَالِ، يُبَادِرُ إِلَى بَذْلِهِ فِي وُجُوهِ الْخَيْرِ، وَكُلَّمَا عَلِمَ بِحَاجَةِ مُسْلِمٍ بَادَرَ إِلَى قَضَائِهَا وَهُوَ طَيِّبُ النَّفْسِ، مُنْشَرِحُ الصَّدْرِ بِهَذِهِ النَّفَقَةِ، وَرُبَّمَا لَا تَجِدُ لَهُ هَذَا النَّشَاطَ فِي نَوَافِلِ الصِّيَامِ وَالصَّلَاةِ، فَهَذِهِ مِنَحٌ إِلَهِيَّةٌ.

فَأَوْرَدَ الْإِمَامُ مَالِكٌ -رَحِمَهُ اللهُ- هَذِهِ الْحَقِيقَةَ؛ لِنُقَوِّمَ النَّاسَ وَفْقَ مِعْيَارِ الْعَدْلِ وَالْإِنْصَافِ، وَلِنَعْرِفَ لِكُلِّ صَاحِبِ طَاعَةٍ فَضْلَهُ.

قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ -رَحِمَهُ اللهُ- لِلْعُمَرِيِّ: ((وَمَا أَظُنُّ مَا أَنَا فِيهِ بِدُونِ -أَيْ: بِأَقَلَّ- مِمَّا أَنْتَ فِيهِ)).

وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ مَالِكٌ -رَحِمَهُ اللهُ- قَالَهُ عَلَى سَبِيلِ التَّوَاضُعِ؛ وَإِلَّا فَلَا شَكَّ أَنَّ مَا كَانَ عَلَيْهِ مَالِكٌ -رَحِمَهُ اللهُ- مِنْ نَشْرِ الْعِلْمِ أَنَّهُ كَانَ أَفْضَلَ مِنْ تَأَلُّهِ الْعُمَرِيِّ فِي نَفْسِهِ، فَعِبَادَاتُ الْعُمَرِيِّ وَطَاعَاتُهُ ثَمَرَتُهَا وَعَائِدَتُهَا خَاصَّةٌ بِهِ نَفْسِهِ، وَنَشْرُ الْعِلْمِ الَّذِي مَارَسَهُ الْإِمَامُ مَالِكٌ ثَمَرَتُهُ وَمَصْلَحَتُهُ مُتَعَدِّيَةٌ لِكُلِّ الْمُسْلِمِينَ؛ بَلْ مَا زَالَ الْمُسْلِمُونَ يَسْتَفِيدُونَ مِنْ عُلُومِهِ -رَحِمَهُ اللهُ- الَّتِي نَشَرَهَا، وَتَوَارَثَتْهَا الْأُمَّةُ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا.

رَمَضَانُ مَدْرَسَةٌ فِي التَّرْبِيَةِ عَلَى الْقِيَامِ بِأَنْوَاعِ الْعِبَادَاتِ وَالطَّاعَاتِ، وَمُدَاوَمَةُ فِعْلِهَا شَهْرًا كَامِلًا لَا شَكَّ أَنَّهَا دُرْبَةٌ مُهِمَّةٌ وَمُنَاسِبَةٌ لِلُزُومِهَا بَعْدَ ذَلِكَ، بِحَيْثُ تَكُونُ سَجِيَّةً لِلْمُسْلِمِ؛ مِنْ صِيَامٍ، وَقِيَامٍ، وَتِلَاوَةِ قُرْآنٍ.

قَالَ رَجُلٌ لِحَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((الرَّجُلُ يُحَبَّبُ إِلَيْهِ الصَّلَاةُ، وَآخَرُ يُحَبَّبُ إِلَيْهِ الْجِهَادُ))، وَعَدَّدَ خِصَالًا مِنْ خِصَالِ الْخَيْرِ.

فَقَالَ: ((هَذِهِ كُلُّهَا طُرُقٌ إِلَى اللهِ أُحِبُّ أَنْ تُعْمَرَ)).

وَلَعَلَّ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ إِدْرَاكِ هَذِهِ الطَّاعَاتِ: دُعَاءَ اللهِ أَنْ يَجْعَلَهُ مِنَ السَّابِقِينَ لِلْخَيْرَاتِ، وَمِنَ الْمُقِيمِينَ لِأَنْوَاعِ الطَّاعَاتِ، وَصِدْقُ الِالْتِجَاءِ إِلَى اللهِ يَفْتَحُ مَا انْغَلَقَ مِنَ الْأَبْوَابِ، وَيُيَسِّرُ الْعَسِيرَ، {وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ} [الأعراف: 43].

كَمَا أَنَّ أَدَاءَ الْعِبَادَاتِ عَلَى وَجْهِ التَّلَذُّذِ بِهَا وَتَحْقِيقِ الْعُبُودِيَّةِ وَالشُّكْرِ للهِ لَا عَلَى سَبِيلِ إِبْرَاءِ الذِّمَّةِ فَقَطْ هُوَ مِنْ أَعْظَمِ أَسْرَارِ لُزُومِ أَنْوَاعِ الطَّاعَاتِ؛ لِذَلِكَ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ))، وَكَانَ يَأْمُرُ مُؤَذِّنَهُ أَنْ يُنَادِيَ بِالصَّلَاةِ، وَيَقُولُ: ((أَرِحْنَا بِالصَّلَاةِ يَا بِلَالُ)). كَمَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي ((مُسْنَدِهِ)) بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ.

((وَكَانَ -صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ- يَقُومُ اللَّيْلَ حَتَّى تَتَفَطَّرَ قَدَمَاهُ، وَهُوَ الَّذِي غَفَرَ اللهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، فَيَقُولُ: ((أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا!)). كَمَا فِي ((الصَّحِيحَيْنِ)).

لِذَلِكَ قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((وَمَنْ كَانَتْ قُرَّةُ عَيْنِهِ فِي الصَّلَاةِ لَمْ يَجِدْ لَهَا مَشَقَّةً وَلَا نَصَبًا)).

وَالْعِبَادَةُ وَالطَّاعَةُ لَوْ لَمْ تَكُنْ مِنْ سَجَايَاكَ فَمَعَ الدُّرْبَةِ وَالْمُزَاوَلَةِ لَهَا وَالصَّبْرِ عَلَيْهَا يُيَسِّرُهَا اللهُ بَعْدَ ذَلِكَ حَتَّى تَأْلَفَهَا، وَتَقَرَّ عَيْنُكَ بِهَا؛ لِذَلِكَ قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: ((عَالَجْتُ قِيَامَ اللَّيْلِ سَنَةً، وَتَنَعَّمْتُ بِهِ عِشْرِينَ سَنَةً))، وَفِي رِوَايَةٍ: ((كَابَدْتُ قِيَامَ اللَّيْلِ عِشْرِينَ سَنَةً، وَتَنَعَّمْتُ بِهِ عِشْرِينَ سَنَةً)).

فَالْحَاصِلُ؛ أَنَّ الْجَوَارِحَ تَنْطَبِعُ بِمَا عَوَّدْتَهَا عَلَيْهِ، قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ طَرْخَانَ التَّيْمِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((إِنَّ الْعَيْنَ إِذَا عَوَّدْتَهَا النَّوْمَ اعْتَادَتْ، وَإِذَا عَوَّدَتْهَا السَّهَرَ اعْتَادَتْ)).

وَالنَّاسُ فِي الْحَقِيقَةِ فِيهِمْ حُبٌّ لِلْخَيْرِ؛ لَكِنَّ الْكَسَلَ وَمَا اسْتَرْوَحُوا إِلَيْهِ مِنَ الدَّعَةِ وَالرَّاحَةِ قَطَعَ عَلَيْهِمْ أَبْوَابًا مِنَ الطَّاعَاتِ وَالْعِبَادَاتِ.

فَالْبَعْضُ إِنَّمَا يُؤْتَى مِنْ هِمَّتِهِ الضَّعِيفَةِ؛ لِذَلِكَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَعَوَّذُ بِاللهِ مِنَ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، كَمَا فِي ((صَحِيحَيِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ)) مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-؛ لِأَنَّ الْعَجْزَ وَالْكَسَلَ قَاطِعَانِ عَنْ كُلِّ خَيْرٍ، كَمَا أَنَّ الْعَزِيمَةَ جَالِبَةٌ لِكُلِّ خَيْرٍ.

فَلْيَحْذَرِ الْمُسْلِمُ مِنَ الصَّوَارِفِ الَّتِي تَصُدُّهُ عَنْ طَاعَةِ اللهِ، وَكَثِيرٌ مِنْهَا يَرْجِعُ إِلَى التَّوَسُّعِ فِي الْمُبَاحَاتِ، وَالْفُضُولِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ.

قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((أَكْثَرُ الْمَعَاصِي إِنَّمَا تَوَلُّدُهَا مِنْ فُضُولِ الْكَلَامِ وَالنَّظَرِ، وَهُمَا أَوْسَعُ مَدَاخِلِ الشَّيْطَانِ؛ فَإِنَّ جَارِحَتَيْهِمَا لَا يَمَلَّانِ وَلَا يَسْأَمَانِ، بِخِلَافِ شَهْوَةِ الْبَطْنِ؛ فَإِنَّهُ إِذَا امْتَلَأَ لَمْ يَبْقَ فِيهِ إِرَادَةٌ لِلطَّعَامِ، وَأَمَّا الْعَيْنُ وَاللِّسَانُ فَلَوْ تُرِكَا لَمْ يَفْتُرَا مِنَ النَّظَرِ وَالْكَلَامِ، فَجِنَايَتُهُمَا مُتَّسِعَةُ الْأَطْرَافِ، كَثِيرَةُ الشُّعَبِ، عَظِيمَةُ الْآفَاتِ، وَكَانَ السَّلَفُ يُحَذِّرُونَ مِنْ فُضُولِ النَّظَرِ كَمَا يُحَذِّرُونَ مِنْ فُضُولِ الْكَلَامِ، وَكَانُوا يَقُولُونَ: مَا شَيْءٌ أَحْوَجَ إِلَى طُولِ سَجْنٍ مِنْ لِسَانٍ.

وَأَمَّا فُضُولُ الطَّعَامِ فَهُوَ دَاعٍ إِلَى أَنْوَاعٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الشَّرِّ؛ فَإِنَّهُ يُحَرِّكُ الْجَوَارِحَ إِلَى الْمَعَاصِي، وَيُثَقِّلُهَا عَنِ الطَّاعَاتِ، وَحَسْبُكَ بِهَذَيْنِ شَرًّا؛ فَكَمْ مِنْ مَعْصِيَةٍ جَلَبَهَا الشِّبَعُ وَفُضُولُ الطَّعَامِ، وَكَمْ مِنْ طَاعَةٍ حَالَ دُونَهَا، فَمَنْ وُقِيَ شَرَّ بَطْنِهِ فَقَدْ وُقِيَ شَرًّا عَظِيمًا، وَالشَّيْطَانُ أَعْظَمُ مَا يَتَحَكَّمُ مِنَ الْإِنْسَانِ إِذَا مَلَأَ بَطْنَهُ مِنَ الطَّعَامِ؛ وَلِهَذَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((مَا مَلَأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ))، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي التَّمَلِّي مِنَ الطَّعَامِ إِلَّا أَنَّهُ يَدْعُو إِلَى الْغَفْلَةِ عَنْ ذِكْرِ اللهِ -تَعَالَى-، وَإِذَا غَفَلَ الْقَلْبُ عَنْ ذِكْرِ اللهِ سَاعَةً وَاحِدَةً جَثَمَ عَلَيْهِ الشَّيْطَانُ، وَوَعَدَهُ وَمَنَّاهُ وَشَهَّاهُ، وَهَامَ بِهِ فِي كُلِّ وَادٍ؛ فَإِنَّ النَّفْسَ إِذَا شَبِعَتْ تَحَرَّكَتْ وَجَالَتْ وَطَافَتْ عَلَى أَبْوَابِ الشَّهَوَاتِ، وَإِذَا جَاعَتْ سَكَنَتْ وَخَشَعَتْ وَذَلَّتْ.

 وَأَمَّا فُضُولُ الْمُخَالَطَةِ فَهِيَ الدَّاءُ الْعُضَالُ الْجَالِبُ لِكُلِّ شَرٍّ، وَكَمْ سَلَبَتِ الْمُخَالَطَةُ وَالْمُعَاشَرَةُ مِنْ نِعْمَةٍ، وَكَمْ غَرَسَتْ فِي الْقَلْبِ مِنْ حَزَازَاتٍ تَزُولُ الْجِبَالُ الرَّاسِيَاتُ وَهِيَ فِي الْقُلُوبِ لَا تَزُولُ؛ فَفُضُولُ الْمُخَالَطَةِ فِيهِ خَسَارَةُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَإِنَّمَا يَنْبَغِي لِلعَبْدِ أَنْ يَأْخُذَ مِنَ الْمُخَالَطَةِ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ)).

مِنْ خَصَائِصِ رَمَضَانَ وَفَضَائِلِهِ -وَمَا أَكْثَرَهَا-: أَنَّهُ شَهْرٌ تُصَفَّدُ فِيهِ الشَّيَاطِينُ -أَيْ: تُغَلُّ بِالْأَغْلَالِ وَتُسْجَنُ-؛ مَنْعًا لَهَا عَنْ إِغْوَاءِ الْمُؤْمِنِينَ الصَّائِمِينَ، وَالتَّسْوِيلِ لَهُمْ، وَذَلِكَ لِإِرَاحَةِ أَفْكَارِهِمْ وَنُفُوسِهِمْ مِنْ وَسَاوِسِ الشَّيَاطِينِ وَلَمَّاتِهِمْ؛ حَتَّى يَقُومُوا بِالصِّيَامِ وَسَائِرِ عِبَادَاتِ هَذَا الشَّهْرِ وَأَخْلَاقِهِ وَآدَابِهِ، وَقَدْ أَرَاحَهُمُ اللهُ مِنَ إِحْدَى عَقَبَاتِ الِامْتِحَانِ فِي ظُرُوفِ هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا؛ وَهِيَ عَقَبَةُ الْوَسَاوِسِ وَالنَّزْغَاتِ الَّتِي تُحَاوِلُ إِغْوَاءَهُمْ بِإِيحَاءَاتٍ تَصِلُ إِلَى صُدُورِهِمْ، وَتُهَيِّجُ مَرَاكِزَ شَهْوَاتِهِمْ وَأَهْوَائِهِمْ دُونَ أَنْ يَكُونَ لِلشَّيَاطِينِ سُلْطَانٌ عَلَيْهِمْ.

إِنَّ سَلَامَةَ الصَّدْرِ لِلْمُسْلِمِينَ أَمْرٌ مَطْلُوبٌ، وَهِيَ مَطْلُوبَةٌ فِي هَذَا الشَّهْرِ خَاصَّةً؛ بِأَنْ يَسْعَى الْمُسْلِمُ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ، وَأَنْ يَرْمُقَ أَحْوَالَهُ، وَأَنْ يُقْبِلَ عَلَيْهِ سَادًّا خَلَّتَهُ، سَادًّا جَوْعَتَهُ، سَاتِرًا عَوْرَتَهُ، كَمَا أَرْشَدَ إِلَى ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ.

عَنِ ابْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: ((الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يُسْلِمُهُ، مَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللهُ عَنْهُ بِهَا كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)). وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا -لَا فَضَحَهُ!!- سَتَرَهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. أَخْرَجَاهُ فِي ((الصَّحِيحَيْنِ)).

((وَمَنْ مَشَى مَعَ مَظْلُومٍ حَتَّى يُثْبِتَ لَهُ حَقَّهُ ثَبَّتَ اللهُ قَدَمَيْهِ عَلَى الصِّرَاطِ يَوْمَ تَزُولُ الْأَقْدَامُ)). وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ حَسَنَةٌ لِغَيْرِهَا.

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ فِي الدُّنْيَا يَسَّرَ اللهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ عَلَى مُسْلِمٍ فِي الدُّنْيَا سَتَرَ اللهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَاللهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ)). أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.

وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((إِنَّ للهِ عِنْدَ أَقْوَامٍ نِعَمًا أَقَرَّهَا عِنْدَهُمْ مَا كَانُوا فِي حَوَائِجِ الْمُسْلِمِينَ مَا لَمْ يَمَلُّوهُمْ، فَإِذَا مَلُّوهُمْ نَقَلَهَا إِلَى غَيْرِهِمْ)). رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَهُوَ حَسَنٌ لِغَيْرِهِ.

وَتَأَمَّلْ مَعِي هَذِهِ الْأَحَادِيثَ، وَاخْشَعْ عِنْدَهَا مَلِيًّا، ((إِنَّ للهِ عِنْدَ أَقْوَامٍ نِعَمًا أَقَرَّهَا عِنْدَهُمْ مَا كَانُوا فِي حَوَائِجِ الْمُسْلِمِينَ مَا لَمْ يَمَلُّوهُمْ -أَيْ: مَا لَمْ يَمَلُّوا الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ يَسْأَلُونَ الْحَوَائِجَ-، فَإِذَا مَلُّوهُمْ نَقَلَهَا -أَيْ: تِلْكَ النِّعَمَ- إِلَى غَيْرِهِمْ)).

عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((إِنَّ للهِ أَقْوَامًا اخْتَصَّهُمْ بِالنِّعَمِ لِمَنَافِعِ الْعِبَادِ، يُقِرُّهُمْ فِيهَا مَا بَذَلُوهَا، فَإِذَا مَنَعُوهَا نَزَعَهَا مِنْهُمْ، فَحَوَّلَهَا إِلَى غَيْرِهِمْ)). رَوَاهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي ((الْكَبِيرِ))، وَ((الْأَوْسَطِ))، وَهُوَ حَسَنٌ لِغَيْرِهِ.

فَاحْذَرْ!

نَسْأَلُ اللهَ -عَزَّ وَجَلَّ- أَنْ يُعِيذَنَا مِنْ زَوَالِ نِعْمَتِهِ، وَفُجَاءَةِ نِقْمَتِهِ، وَتَحَوُّلِ عَافِيَتِهِ، وَجَمِيعِ سَخَطِهِ.

وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((مَا مِنْ عَبْدٍ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ نِعْمَةً فَأَسْبَغَهَا عَلَيْهِ، ثُمَّ جَعَلَ مِنْ حَوَائِجِ النَّاسِ إِلَيْهِ فَتَبَرَّمَ -أَيْ: تَضَجَّرَ وَتَمَلْمَلَ-؛ فَقَدْ عَرَّضَ تِلْكَ النِّعْمَةَ لِلزَّوَالِ)). رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ كَمَا قَالَ الْمُنْذِرِيُّ، وَحَسَّنَهُ الْأَلْبَانِيُّ.

وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: ((لَا يَزَالُ اللهُ فِي حَاجَةِ الْعَبْدِ مَا دَامَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ)). رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَهُوَ صَحِيحٌ لِغَيْرِهِ.

وَعَنْ أَبِي مُوسَى -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ((عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ)).

قِيلَ: ((أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ يَجِدْ؟)).

قَالَ: ((يَعْتَمِلُ بِيَدِهِ فَيَنْفَعُ نَفْسَهُ وَيَتَصَدَّقُ)).

قَالَ: ((أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ؟)).

قَالَ: ((يُعِينُ ذَا الْحَاجَةِ وَالْمَلْهُوفَ -أَوْ: ذَا الْحَاجَةِ الْمَلْهُوفَ)).

قَالَ: قِيلَ لَهُ: ((أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ؟)).

قَالَ: ((يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ أَوِ الْخَيْرِ)).

قَالَ: ((أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ يَفْعَلْ؟)).

قَالَ: ((يُمْسِكُ عَنِ الشَّرِّ؛ فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ)).

فَهَلْ بَعْدَ هَذِهِ مِنْ شَيْءٍ؟!! هَذَا أَمْرٌ سَلْبِيٌّ، لَيْسَ فِيهِ عَطَاءٌ وَلَا بَذْلٌ، وَإِنَّمَا هُوَ مَحْضُ الْإِمْسَاكِ وَالْكَفِّ.

قَالَ: ((يُمْسِكُ عَنِ الشَّرِّ؛ فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ)). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ.

وَعَنْ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- يَرْفَعُهُ: ((أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ إِدْخَالُ السُّرُورِ عَلَى الْمُؤْمِنِ؛ كَسَوْتَ عَوْرَتَهُ، أَوْ أَشْبَعْتَ جَوْعَتَهُ، أَوْ قَضَيْتَ لَهُ حَاجَةً)). رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي ((الْأَوْسَطِ))، وَهُوَ صَحِيحٌ لِغَيْرِهِ.

وَرَوَاهُ أَبُو الشَّيْخِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَلَفْظُهُ: ((أَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ- سُرُورٌ تُدْخِلُهُ عَلَى مُسْلِمٍ، أَوْ تَكْشِفُ عَنْهُ كُرْبَةً، أَوْ تَطْرُدُ عَنْهُ جُوعًا، أَوْ تَقْضِي عَنْهُ دَيْنًا)). وَهُوَ حَسَنٌ لِغَيْرِهِ.

وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-: أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: ((يَا رَسُولَ اللهِ! أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ؟ وَأَيُّ الْأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ؟)).

قَالَ: ((أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى اللهِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ، وَأَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ- سُرُورٌ تُدْخِلُهُ عَلَى مُسْلِمٍ، تَكْشِفُ عَنْهُ كُرْبَةً، أَوْ تَقْضِي عَنْهُ دَيْنًا، أَوْ تَطْرُدُ عَنْهُ جُوعًا، وَلَأَنْ أَمْشِيَ مَعَ أَخٍ فِي حَاجَةٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَعْتَكِفَ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ -يَعْنِي: مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ.. مَسْجِدَ النَّبِيِّ- أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَعْتَكِفَ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ شَهْرًا، وَمَنْ كَظَمَ غَيْظَهُ وَلَوْ شَاءَ أَنْ يُمْضِيَهُ أَمْضَاهُ؛ مَلَأَ اللهُ قَلْبَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رِضًا، وَمَنْ مَشَى مَعَ أَخِيهِ فِي حَاجَةٍ حَتَّى يَقْضِيَهَا لَهُ؛ ثَبَّتَ اللهُ قَدَمَيْهِ يَوْمَ تَزُولُ الْأَقْدَامُ)). رَوَاهُ الْأَصْبَهَانِيُّ وَاللَّفْظُ لَهُ، وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا، وَهُوَ حَسَنٌ لِغَيْرِهِ.

عَنْ أَبِي أُمَامَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: ((مَنْ شَفَعَ شَفَاعَةً لِأَحَدٍ فَأُهْدِيَ لَهُ هَدِيَّةٌ عَلَيْهَا فَقَبِلَهَا -أَيْ: أُهْدِيَ لَهُ هَدِيَّةٌ عَلَى شَفَاعَتِهِ-؛ فَقَدْ أَتَى بَابًا عَظِيمًا مِنْ أَبْوَابِ الرِّبَا)) يَعْنِي: أَنْ تَكُونَ شَفَاعَتُكَ لِأَخِيكَ للهِ، وَأَنْ يَكُونَ بَذْلُكَ وَعَطَاؤُكَ وَحِيَاطَتُكَ لَهُ للهِ، لَا لِطَلَبِ شَيْءٍ عِنْدَهُ تُرِيدُ أَنْ تُحَصِّلَهُ بِمَا تَبْذُلُهُ وَبِمَا تُعْطِيهِ.

فَرَسُولُ اللهِ ﷺ بَيَّنَ لَنَا خَيْرَ الْخَلْقِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: ((أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ))؛ أَحَبُّهُمْ إِلَى اللهِ أَنْفَعُهُمْ لِلْخَلْقِ، وَكَذَلِكَ أَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللهِ أَنْ تُدْخِلَ السُّرُورَ عَلَى الْمُسْلِمِ، أَنْ تَسُدَّ جَوْعَتَهُ، أَنْ تَسْتُرَ عَوْرَتَهُ، أَنْ تُفَرِّجَ كُرْبَتَهُ، أَنْ تَقْضِيَ دَيْنَهُ، أَنْ تَمْشِيَ مَعَهُ فِي حَاجَةٍ؛ فَكُلُّ ذَلِكَ مِنْ أَحَبِّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللهِ -جَلَّ وَعَلَا-.

عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ: ((أَيُّ الْإِسْلَامِ خَيْرٌ؟)).

قَالَ: ((تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ)). أَخْرَجَاهُ فِي ((الصَّحِيحَيْنِ)).

مِنَ الْأَعْمَالِ الْعَظِيمَةِ فِي هَذَا الشَّهْرِ: إِطْعَامُ الطَّعَامِ، وَسَقْيُ الْمَاءِ، فَهَذَا كُلُّهُ مِمَّا يَسْتَهِينُ بِهِ النَّاسُ، وَهُوَ عَظِيمُ الْأَثَرِ دُنْيَا وَآخِرَةً.

عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((اعْبُدُوا الرَّحْمَنَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَأَفْشُوا السَّلَامَ؛ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: ((حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ))، وَهُوَ صَحِيحٌ لِغَيْرِهِ.

وَعَنْهُ -أَيْضًا- عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: ((إِنَّ فِي الْجَنَّةِ غُرَفًا يُرَى ظَاهِرُهَا مِنْ بَاطِنِهَا، وَبَاطِنُهَا مِنْ ظَاهِرِهَا)) يَعْنِي: مِنْ شِدَّةِ صَفَائِهَا.

فَقَالَ أَبُو مَالِكٍ الْأَشْعَرِيُّ: ((لِمَنْ هَذَا يَا رَسُولَ اللهِ؟)).

قَالَ: ((لِمَنْ أَطَابَ الْكَلَامَ، وَأَطْعَمَ الطَّعَامَ، وَبَاتَ قَائِمًا وَالنَّاسُ نِيَامٌ)). رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي ((الْكَبِيرِ)) بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، وَالْحَاكِمُ وَقَالَ: ((صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِهِمَا))، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ.

وَعَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((إِنَّ فِي الْجَنَّةِ غُرَفًا يُرَى ظَاهِرُهَا مِنْ بَاطِنِهَا، وَبَاطِنُهَا مِنْ ظَاهِرِهَا، أَعَدَّهَا اللهُ لِمَنْ أَطْعَمَ الطَّعَامَ، وَأَفْشَى السَّلَامَ، وَصَلَّى بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ)). رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَهُوَ صَحِيحٌ لِغَيْرِهِ.

فَهَذَا كُلُّهُ يَتَعَلَّقُ بِإِطْعَامِ الطَّعَامِ، بِطِيبِ الْكَلَامِ، وَهُوَ لَا يُكَلِّفُكَ شَيْئًا، لَا، بَلْ يُكَلِّفُكَ الْكَثِيرَ؛ لِأَنَّ اللِّسَانَ بِكَلَامِهِ وَاسْتِقَامَتِهِ فَرْعٌ عَنِ الْقَلْبِ، فَإِنِ اسْتَقَامَ الْقَلْبُ اسْتَقَامَ اللِّسَانُ، وَإِنْ كَانَ الْقَلْبُ طَيِّبًا طَابَ الْكَلَامُ، وَإِذَا كَانَ الْقَلْبُ خَبِيثًا خَبُثَ الْمَنْطِقُ وَاللِّسَانُ؛ فَلَيْسَ بِيَسِيرٍ إِلَّا عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللهُ عَلَيْهِ.

النَّبِيُّ ﷺ جَاءَهُ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: ((يَا رَسُولَ اللهِ! عَلِّمْنِي عَمَلًا يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ)).

قَالَ: ((إِنْ كُنْتَ أَقْصَرْتَ الْخُطْبَةَ -يَعْنِي: أَنَّ سُؤَالَهُ عَلَى وَجَازَتِهِ إِلَّا أَنَّ لَهُ مَعْنًى عَظِيمًا-، لَقَدْ أَعْرَضْتَ الْمَسَأَلَةَ، أَعْتِقِ النَّسَمَةَ، وَفُكَّ الرَّقَبَةَ، فَإِنْ لَمْ تُطِقْ ذَلِكَ فَأَطْعِمِ الْجَائِعَ، وَاسْقِ الظَّمْآنَ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ صَائِمًا؟)).

فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: ((أَنَا)).

فَقَالَ: ((فَمَنْ تَبِعَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ جَنَازَةً؟)).

قَالَ أَبُو بَكْرٍ: ((أَنَا)).

قَالَ: ((فَمَنْ أَطْعَمَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ مِسْكِينًا؟)).

قَالَ أَبُو بَكْرٍ: ((أَنَا)).

 قَالَ: ((فَمَنْ عَادَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ مَرِيضًا؟)).

قَالَ أَبُو بَكْرٍ: ((أَنَا)).

 فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ((مَا اجْتَمَعَتْ هَذِهِ الْخِصَالُ قَطُّ فِي رَجُلٍ فِي يَوْمٍ إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي ((صَحِيحِهِ)).

وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، عَنْ أَبِيهِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟)).

قَالَ: ((إِدْخَالُكَ السُّرُورَ عَلَى مُسْلِمٍ؛ أَشْبَعْتَ جَوْعَتَهُ، أَوْ كَسَوْتَ عَوْرَتَهُ، أَوْ قَضَيْتَ لَهُ حَاجَةً)). رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي ((الْأَوْسَطِ))، وَهُوَ حَسَنٌ لِغَيْرِهِ.

وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-: ((أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: ((إِنِّي أَنْزِعُ فِي حَوْضِي -يَعْنِي: بِالدَّلْوِ مِنَ الْبِئْرِ، فَيَنْزِعُ بِهَا مَاءً-، حَتَّى إِذَا مَلَأْتُهُ -أَيِ: الْحَوْضَ- لِإِبِلِي وَرَدَ عَلَيَّ الْبَعِيرُ لِغَيْرِي فَسَقَيْتُهُ؛ فَهَلْ فِي ذَلِكَ مِنْ أَجْرٍ؟)).

فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((فِي كُلِّ ذَاتِ كَبِدٍ حَرَّى أَجْرٌ)).

فَكَيْفَ بِالْمُسْلِمِ؟!!

((إِذَا كَانَتِ الْبَغِيُّ قَدْ سَقَتْ كَلْبًا كَانَ يَلْهَثُ يَأْكُلُ الثَّرَى مِنْ شِدَّةِ الْعَطَشِ، فَأَخَذَتْ مُوقَهَا -أَيْ: خُفَّهَا- فَجَعَلَتْهُ بَيْنَ أَسْنَانِهَا، وَنَزَلَتِ الْبِئْرَ إِلَى الْمَاءِ، ثُمَّ صَعِدَتْ، فَقَدَّمَتْهُ إِلَى الْكَلْبِ فَسَقَتْهُ، فَشَكَرَ اللهُ لَهَا، فَغَفَرَ لَهَا)).

 فَإِذَا كَانَتِ الْبَغِيُّ قَدْ سَقَتِ الْكَلْبَ فَشَكَرَ اللهُ لَهَا فَغَفَرَ لَهَا؛ فَكَيْفَ بِالْمُسْلِمِ الَّذِي يَسْقِي الْمُسْلِمَ؟!!

قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْحَرُّ، فَوَجَدَ بِئْرًا فَنَزَلَ فِيهَا فَشَرِبَ ثُمَّ خَرَجَ، فَإِذَا كَلْبٌ يَلْهَثُ يَأْكُلُ الثَّرَى مِنَ الْعَطَشِ، فَقَالَ الرَّجُلُ: لَقَدْ بَلَغَ هَذَا الْكَلْبَ مِنَ الْعَطَشِ مِثْلُ الَّذِي كَانَ بَلَغَ مِنِّي، فَنَزَلَ الْبِئْرَ فَمَلَأَ خُفَّهُ، ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ حَتَّى  رَقِيَ فَسَقَى الْكَلْبَ، فَشَكَرَ اللهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ)).  قَالُوا: ((يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّ لَنَا فِي الْبَهَائِمِ أَجْرًا؟)).

فَقَالَ: ((فِي كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ)). أَخْرَجَاهُ فِي ((الصَّحِيحَيْنِ)).

النَّبِيُّ ﷺ بَيَّنَ مَا يَبْقَى لَكَ بَعْدَ مَوْتِكَ، فَقَالَ: ((سَبْعٌ يَجْرِي لِلْعَبْدِ أَجْرُهُنَّ وَهُوَ فِي قَبْرِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ..)).

الَّذِي ذَكَرَهُ النَّبِيُّ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي يَحْفَظُهُ كَثِيرٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ؛ وَلَكِنْ هُنَا زِيَادَةٌ: ((سَبْعٌ يَجْرِي لِلْعَبْدِ أَجْرُهُنَّ وَهُوَ فِي قَبْرِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ: مَنْ عَلَّمَ عِلْمًا، أَوْ كَرَى نَهْرًا، أَوْ حَفَرَ بِئْرًا، أَوْ غَرَسَ نَخْلًا، أَوْ بَنَى مَسْجِدًا، أَوْ وَرَّثَ مُصْحَفًا، أَوْ تَرَكَ وَلَدًا يَسْتَغْفِرُ لَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ)).

يَقُولُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((لَيْسَ صَدَقَةٌ أَعْظَمَ أَجْرًا مِنَ الْمَاءِ)). رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ لِغَيْرِهِ.

وَسَعْدٌ -هُوَ ابْنُ عُبَادَةَ- لَمَّا مَاتَتْ أُمُّهُ، وَأَرَادَ أَنْ يَتَصَدَّقَ عَنْهَا؛ دَلَّهُ الرَّسُولُ ﷺ عَلَى الْمَاءِ، قَالَ سَعْدٌ: ((إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ يَا رَسُولَ اللهِ؛ فَأَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟)).

قَالَ: ((الْمَاءُ)).

فَحَفَرَ بِئْرًا وَقَالَ: ((هَذِهِ لِأُمِّ سَعْدٍ)).

((أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟)).

((سَقْيُ الْمَاءِ)).

وَتَأَمَّلْ فِيمَا قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِيمَا يَحْكِي عَنِ الْحَاكِمِ أَبِي عَبْدِ اللهِ -رَحِمَهُ اللهُ-؛ ((فَإِنَّهُ قَرِحَ وَجْهُهُ -يَعْنِي: وَجْهَ الْحَاكِمِ أَصَابَتْهُ الْقُرَحُ-، وَعَالَجَهُ بِأَنْوَاعِ الْمُعَالَجَةِ، فَلَمْ يَذْهَبْ، وَبَقِيَ فِيهِ قَرِيبًا مِنْ سَنَةٍ، فَسَأَلَ الْأُسْتَاذَ الْإِمَامَ أَبَا عُثْمَانَ الصَّابُونِيَّ -وَهُوَ مُؤَلِّفُ ((عَقِيدَةِ السَّلَفِ))-؛ سَأَلَهُ أَنْ يَدْعُوَ لَهُ فِي مَجْلِسِهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَدَعَا لَهُ، وَأَكْثَرَ النَّاسُ التَّأْمِينَ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى أَلْقَتِ امْرَأَةٌ فِي الْمَجْلِسِ رُقْعَةً؛ لِأَنَّهَا عَادَتْ إِلَى بَيْتِهَا، وَاجْتَهَدَتْ فِي الدُّعَاءِ لِلْحَاكِمِ أَبِي عَبْدِ اللهِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَرَأَتْ فِي مَنَامِهَا رَسُولَ اللهِ ﷺ كَأَنَّهُ يَقُولُ لَهَا: قُولِي لِأَبِي عَبْدِ اللهِ يُوسعُ الْمَاءَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ.

قَالَتْ: فَجِئْتُ بِالرُّقْعَةِ إِلَى الْحَاكِمِ، فَأَمَرَ بِسِقَايَةٍ بُنِيَتْ عَلَى بَابِ دَارِهِ، وَحِينَ فَرَغُوا مِنْ بِنَائِهَا أَمَرَ بِصَبِّ الْمَاءِ فِيهَا، وَطَرْحِ الْجَمْدِ فِي الْمَاءِ لِيُبَرِّدَهُ، وَأَخَذَ النَّاسُ فِي الشُّرْبِ، فَمَا مَرَّ عَلَيْهِ أُسْبُوعٌ حَتَّى ظَهَرَ الشِّفَاءُ، وَزَالَتْ تِلْكَ الْقُرُوحُ، وَعَادَ وَجْهُهُ إِلَى أَحْسَنِ مَا كَانَ، وَعَاشَ بَعْدَ ذَلِكَ سِنِينَ)).

مَا أَعْظَمَ سَقْيَ الْمَاءِ!

فَالْتَفِتُوا إِلَى هَذِهِ الصَّدَقَةِ الْعَظِيمَةِ -عِبَادَ اللهِ-، وَشَارِكُوا فِيهَا.

وَاللهُ يَرْعَاكُمْ وَيَتَوَلَّاكُمْ، وَيُسَدِّدُ عَلَى طَرِيقِ الْحَقِّ خُطَاكُمْ، وَهُوَ -تَعَالَى- نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ.

((وَسَائِلُ سَلَامَةِ الْقَلْبِ))

لَا سَلَامَةَ لِلْقَلْبِ حَتَّى يَسْلَمَ مِنْ خَمْسَةِ أَشْيَاء:

-مِنْ شِرْكٍ يُنَاقِضُ التَّوْحِيدَ.

-وَبِدْعَةٍ تُنَاقِضُ السُّنَّةَ.

-وَشَهْوَةٍ تُخَالِفُ الْأَمْرَ.

-وَغَفْلَةٍ تُنَاقِضُ الذِّكْرَ.

-وَهَوَى نَفْسٍ يُنَاقِضُ التَّجَرُّدَ مِنْ شَهَوَاتِ الدُّنْيَا.

وَهَذِهِ الْخَمْسُ حُجُبٌ عَنِ اللهِ -تَعَالَى-، لَا بُدَّ لِلْمُسْلِمِ مِنَ التَّخَلُّصِ مِنْهَا بِالِاسْتِعَانَةِ بِاللهِ -عَزَّ وَجَلَّ-.

((هَلْ نُؤْثِرُ الْجَنَّةَ عَلَى النَّارِ؟!!))

أَمَا -وَاللهِ- إِنِّي لَأَعْجَبُ مِنْ حَالِي وَمِنْ حَالِ غَيْرِي؛ فِي أَيِّ شَيْءٍ؟!

فِي أَمْرٍ غَرِيبٍ، وَهُوَ مَلْحُوظٌ لِكُلِّ مَنْ آتَاهُ اللهُ بَصَرًا؛ فَضْلًا عَنْ بَصِيرَةٍ، وَهُوَ: أَنَّ أَحَدَنَا يُؤْثِرُ الظِّلَّ عَلَى الشَّمْسِ، وَلَا يُؤْثِرُ الْجَنَّةَ عَلَى النَّارِ!

أَنَّ أَحَدَنَا يُؤْثِرُ الظِّلَّ عَلَى الشَّمْسِ؛ يُفَضِّلُ الظِّلَّ عَلَى الشَّمْسِ، وَمَنِ الَّذِي يُفَضِّلُ الشَّمْسَ عَلَى الظِّلِّ؟!! وَمَعَ ذَلِكَ فَمَنِ الَّذِي يُفَضِّلُ الْجَنَّةَ عَلَى النَّارِ؟!!

لَا بِالدَّعْوَى؛ فَإِنَّ الدَّعَاوَى عَرِيضَةٌ، وَلَكِنْ بِالْعَمَلِ، بِالْإِخْلَاصِ وَالنِّيَّةِ، وَبِالْإِقْبَالِ عَلَى اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَبِإِحْسَانِ الْعَمَلِ وَصِدْقِهِ؛ بِكَوْنِهِ للهِ عَلَى مَا جَاءَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ.

فَتَأَمَّلْ فِي هَذِهِ! أَنْتَ تُؤْثِرُ الظِّلَّ عَلَى الشَّمْسِ؛ فَهَلْ تُؤْثِرُ الْجَنَّةَ عَلَى النَّارِ؟!!

وَأَيْنَ الشَّمْسُ بِحَرِّهَا مِنْ حَرِّ جَهَنَّمَ؟!!

قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((نَارُكُمْ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ)).

قَالُوا: ((يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنْ كَانَتْ لَكَافِيَةً))؛ يَعْنُونَ نَارَ الدُّنْيَا، إِنْ كَانَتْ لَكَافِيَةً فِي الْعَذَابِ.

قَالَ: ((فُضِّلَتْ -أَيْ: زَادَتْ نَارُ الْآخِرَةِ- عَلَيْهِنَّ بِتِسْعَةٍ وَسِتِّينَ جُزْءًا، كُلُّهُنَّ مِثْلُ حَرِّهَا)).

نَسْأَلُ اللهَ السَّلَامَةَ وَالْعَافِيَةَ.

وَمَعَ ذَلِكَ فَيُفَضِّلُ الْوَاحِدُ مِنَّا وَيُؤْثِرُ الظِّلَّ عَلَى الشَّمْسِ، وَلَا يُفَضِّلُ الْجَنَّةَ عَلَى النَّارِ؛ بِصِدْقِ النِّيَّةِ، وَضَبْطِ الْمَنْطِقِ وَحَرَكَةِ الْجَوَارِحِ عَلَى مُقْتَضَى مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ.

نَسْأَلُ اللهَ أَنْ يُوقِظَنَا مِنْ غَفْلَتِنَا، وَأَنْ يُحْسِنَ إِلَيْنَا، وَأَنْ يُفْضِلَ عَلَيْنَا.

وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى الْبَشِيرِ النَّذِيرِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ.

المصدر: رَمَضَانُ شَهْرُ الطَّاعَاتِ

التعليقات


خطب مفرغة قد تعجبك


  فَضَائِلُ الِاسْتِغْفَارِ
  الصائمون المفلسون
  الدِّفَاعُ عَنِ الْوَطَنِ الْإِسْلَامِيِّ وَمَنْزِلَةُ الْمَسَاجِدِ وَوُجُوبُ حِمَايَتِهَا فِي الْإِسْلَامِ
  الْمِيثَاقُ الْغَلِيظُ وَضَرُورَةُ الْحِفَاظِ عَلَيْهِ
  مَفْهُومُ الْعِرْضِ وَالشَّرَفِ
  بل انتصر الإسلام على السيف
  أَكْلُ السُّحْتِ وَسُوءُ عَاقِبَتِهِ فِي ​الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ
  صِفَاتُ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ
  بيان للمصريين عامة وللدعاة خاصة
  اللجان النوعية والثورة المسلحة
  • شارك

نبذة عن الموقع

موقع تفريغات العلامة رسلان ، موقع يحتوي على العشرات من الخطب والمحاضرات والمقاطع المفرغة لفضيلة الشيخ العلامة أبي عبدالله محمد بن سعيد رسلان-حفظه الله- . كما يعلن القائمون على صفحة وموقع تفريغات العلامة رسلان -حفظه الله- أن التفريغات للخطب ليست هي الشكل النهائي عند الطباعة، ولكن نحن نفرغ خطب الشيخ حفظه الله ونجتهد في نشرها ليستفيد منها طلاب العلم والدعاة على منهاج النبوة في كل أنحاء الدنيا، ونؤكد على أنَّ الخطب غير مُخرَّجة بشكل كامل كما يحدث في خطب الشيخ العلامة رسلان المطبوعة وليست الكتب المنشورة على الصفحة والموقع هي النسخة النهائية لكتب الشيخ التي تُطبع...وهذه الكتب ما هي إلا تفريغ لخطب الشيخ، غير أنَّ كتب الشيخ التي تُطبع تُراجع من الشيخ -حفظه الله- وتُخرج. والتفريغ عملٌ بشريٌ، ونحن نجتهد في مراجعة التفريغات مراجعة جيدة، فإذا وقع خطأ أو شكل الخطب كما نخرجها -إنما نُحاسب نحن عليها والخطأ يُنسب لنا وليس للشيخ -حفظه الله-.

الحقوق محفوظة لكل مسلم موقع تفريغات العلامة رسلان