((قِيمَةُ الِاحْتِرَامِ))
إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّه مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ.
أَمَّا بَعْدُ:
فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.
أَمَّا بَعْدُ:
((نَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ ﷺ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي الْأَخْلَاقِ))
فَقَدْ كان نَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ ﷺ الْمَثَلَ الْأَعْلَى فِي الْقِيَمِ النَّبِيلَةِ وَالْأَخْلَاقِ الْعَظِيمَةِ.
لَقَدْ كَانَ إِمَامُ الْأَنْبِيَاءِ ﷺ فِي حُسْنِ الْخُلُقِ عَلَى الْقِمَّةِ الشَّامِخَةِ، وَفَوْقَ النِّهَايَةِ وَالْمُنْتَهَى؛ فَكَانَ كَمَا قَالَ عَنْهُ رَبُّهُ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4].
وَهُوَ ﷺ مَعَ ذَلِكَ لَا يَنْفَكُّ يَدْعُو رَبَّهُ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ بِقَوْلِهِ: ((اللهم اهْدِنِي لِأَحْسَنِ الْأَخْلَاقِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَهْدِي لِأَحْسَنِهَا إِلَّا أَنْتَ، وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَهَا، لَا يَصْرِفُ عَنِّي سَيِّئَهَا إِلَّا أَنْتَ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ عَلِيٍّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-.
يَطْلُبُ ﷺ مِنْ رَبِّهِ أَنْ يُرْشِدَهُ لِصَوَابِ الْأَخْلَاقِ، وَيُوِّفَقَهُ لِلتَّخَلُّقِ بِهِ، وَأَنْ يَصْرِفَ عَنْهُ قَبِيحَ الْأَخْلَاقِ وَمَذْمُومَ الصِّفَاتِ، وَيُبْعِدَ ذَلِكَ عَنْهُ، مَعَ أَنَّهُ ﷺ عَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ، وَمَعَ أَنَّ خُلُقَهُ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ.
((تَخْلُو الْحَيَاةُ مِنَ الْقِيمَةِ إِذَا خَلَتْ مِنَ الْقِيَمِ!))
إِنَّ الْحَيَاةَ تَخْلُو مِنَ الْقِيمَةِ إِذَا خَلَتْ مِنَ الْقِيَمِ، فَتَصِيرُ عَدِيمَةَ الْمَعْنَى إِذَا خَلَتْ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا مِنَ الْمُثُلِ.
إِنَّ الْحَيَاةَ لَا تَصِحُّ حَقًّا، وَلَا يَسْتَقِيمُ أَمْرُهَا عَلَى الْجَادَّةِ صِدْقًا إِلَّا إِذَا كَانَتْ صَادِرَةً مِنْ نَبْعِ الْقِيَمِ، قَائِمَةً عَلَى أَسَاسٍ مِنَ الْمُثُلِ.
تَخْلُو الْحَيَاةُ مِنَ الْقِيمَةِ إِذَا خَلَتِ الْحَيَاةُ مِنَ الْقِيَمِ!
وَقَدْ عَلَّمَنَا دِينُنَا كِتَابًا وَسُنَّةً؛ فَأَرْشَدَنَا رَبُّنَا فِي كِتَابِهِ الْعَظِيمِ، وَبَيَّنَ لَنَا نَبِيُّهُ الْكَرِيمُ فِي سُنَّتِهِ الشَّرِيفَةِ هَذَا الْأَصْلَ، الَّذِي لَا تَسْتَقِيمُ الْحَيَاةُ إِلَّا بِهِ، وَلَا تَقُومُ الْحَيَاةُ إِلَّا عَلَيْهِ.
((فَضْلُ حُسْنِ الْخُلُقِ وَفَوَائِدُهُ))
((وَحُسْنُ الْخُلُقِ هُوَ مَادَّةُ الْأَخْلَاقِ الْجَمِيلَةِ كُلِّهَا، وَقَدِ اتَّفَقَ الشَّرْعُ وَالْعَقْلُ عَلَى حُسْنِهِ، وَرِفْعَةِ قَدْرِهِ، وَعُلُوِّ مَرْتَبَتِهِ، وَمَدَارُهُ عَلَى قَوْلِ رَبِّنَا -جَلَّ وَعَلَا-: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} [الأعراف: 199].
أَيْ: خُذْ مَا تَيَسَّرَ وَعُفِيَ وَتَسَهَّلَ مِنْ أَخْلَاقِ النَّاسِ، وَلَا تُطَالِبْهُمْ بِمَا لَا تَقْتَضِيهِ طِبَاعُهُمْ، وَلَا تَسْمَحُ بِهِ أَخْلَاقُهُمْ، فَهَذَا فِيمَا يَأْتِيكَ مِنْهُمْ.
وَأَمَّا مَا تَأْتِي إِلَيْهِمْ؛ فَالْأَمْرُ بِالْعُرْفِ، وَهُوَ نُصْحُهُمْ وَأَمْرُهُمْ بِكُلِّ مُسْتَحْسَنٍ شَرْعًا وَعَقْلًا وَفِطْرَةً، وَأَعْرِضْ عَمَّنْ جَهِلَ عَلَيْكَ بِقَوْلِهِ أَوْ فِعْلِهِ، فَلَلهِ مَا أَحْلَى هَذِهِ الْأَخْلَاقَ! وَمَا أَجْمَعَهَا لِكُلِّ خَيْرٍ!
قَالَ تَعَالَى: {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} [فصلت: 34-35] .
وَيُمِدُّهُ الصَّبْرَ وَالْحِلْمَ وَسَعَةَ الْعَقْلِ.
وَفَضْلُ هَذَا الْخُلُقِ وَمَرْتَبَتُهُ فَوْقَ مَا يَصِفُهُ الْوَاصِفُونَ.
وَمِنْ فَوَائِدِ هَذَا الْمَقَامِ الْجَلِيلِ -مَقَامِ حُسْنِ الْخُلُقِ-: أَنَّ صَاحِبَهُ مُسْتَرِيحُ الْقَلْبِ، مُطْمَئِنُّ النَّفْسِ قَدْ وَطَّنَ نَفْسَهُ عَلَى مَا يُصِيبُهُ مِنَ النَّاسِ مِنَ الْأَذَى، وَقَدْ وَطَّنَ نَفْسَهُ -أَيْضًا- عَلَى إِيصَالِ النَّفْعِ إِلَيْهِمْ بِكُلِّ مَقْدُورِهِ، وَقَدْ تَمَكَّنَ مِنْ إِرْضَاءِ الْكَبِيرِ وَالصَّغِيرِ وَالنَّظِيرِ، وَقَدْ تَحَمَّلَ مَا لَا تَحْمِلُهُ مِنْ ثِقِلِهِ الْجِبَالُ، وَقَدْ خَفَّتْ عَنْهُ الْأَثْقَالُ، وَقَدِ انْقَلَبَ عَدُوُّهُ صَدِيقًا حَمِيمًا، وَقَدْ أَمِنَ مِنْ فَلْتَاتِ الْجَاهِلِينَ وَمَضَرَّةِ الْأَعْدَاءِ أَجْمَعِينَ، وَقَدْ سَهُلَ عَلَيْهِ مَطْلُوبُهُ مِنَ النَّاسِ، وَتَيَسَّرَ لَهُ نُصْحُهُمْ وَإِرْشَادُهُمْ وَالِاقْتِدَاءُ بِنَبِيِّهِ ﷺ فِي قَوْلِهِ -تَعَالَى- فِي وَصْفِهِ: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران: 159])).
((النَّبِيُّ ﷺ أُنْمُوذَجٌ عَمَلِيٌّ فِي حُسْنِ الْخُلُقِ))
وَلِرَسُولِ اللهِ ﷺ الْكَعْبُ الْأَعْلَى، وَالْقِدْحُ الْمُعَلَّى فِي الْأَخْلَاقِ؛ إِذْ كَانَ مَهْوَى أَفْئِدَةِ الرِّجَالِ بِعَظِيمِ أَخْلَاقِهِ وَكَرِيمِ سَجَايَاهُ، وَأَصَالَةِ مَعْدِنِهِ، وَنُبْلِ شَمَائِلِهِ، كَأَنَّ الْأَخْلَاقَ كُلَّهَا قَدْ جُمِعَتْ فِيهِ وَحْدَهُ، حَتَّى نَعَتَهُ رَبُّهُ الْعَظِيمُ بِقَوْلِهِ الْكَرِيمِ: {وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4].
هَذَا خَادِمُهُ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- يَقُولُ: ((خَدَمْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَشْرَ سِنِينَ، فَمَا قَالَ لِي أُفٍّ قَطُّ، وَمَا قَالَ لِشَيْءٍ صَنَعْتُهُ لِمَ صَنَعْتَهُ، وَلَا لِشَيْءٍ تَرَكْتُهُ لِمَ تَرَكْتَهُ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَحْسَنَ النَّاسِ خُلُقًا)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
((وَقَدْ بَالَ الْأَعْرَابِيُّ فِي الْمَسْجِدِ -مَسْجِدِ النَّبِيِّ-، فَثَارَ إِلَيْهِ النَّاسُ؛ لِيَقَعُوا بِهِ، فَقَالَ لَهُمْ ﷺ: ((دَعُوهُ، وَأَهْرِيقُوا عَلَيْهِ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ أَوْ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ، فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ، وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ)). أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ.
وَهُوَ ﷺ صَاحِبُ الرِّفْقِ وَاللِّينِ، وَالسَّكِينَةِ وَالتَّوَاضُعِ، وَالْعَفْوِ وَالصَّفْحِ، وَالْحِلْمِ وَالْكَرَمِ؛ فَقَدْ عَفَا عَنْ قُرَيْشٍ حِينَ فَتَحَ اللهُ عَلَى يَدَيْهِ مَكَّةَ الْمُكَرَّمَةَ، وَهُمُ الَّذِينَ تَفَنَّنُوا فِي إِيذَائِهِ، وَالسُّخْرِيَةِ بِدِينِهِ، وَاضْطِهَادِ أَصْحَابِهِ وَأَتْبَاعِهِ.
وَلَمَّا عَرَضَ عَلَيْهِ مَلَكُ الْجِبَالِ أَنْ يُطْبِقَ عَلَى مَنْ آذَاهُ الْأَخْشَبَيْنِ -أَيِ: الْجَبَلَيْنِ-؛ عُقُوبَةً لَهُمْ، أَبَى صَاحِبُ الْخُلُقِ الْكَرِيمِ ذَلِكَ، وَقَالَ: ((بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا)). كَمَا فِي ((الصَّحِيحَيْنِ)).
وَعَلَى مِثْلِ هَذَا سَارَ أَصْحَابُهُ الْكِرَامُ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ، حَتَّى فَتَحُوا الْبِلَادَ وَقُلُوبَ الْعِبَادِ بِأَخْلَاقِهِمُ الْفَاضِلَةِ وَآدَابِهِمُ الْكَامِلَةِ.
وَقَدْ صَدَقَ مَنْ قَالَ:
فَإِذَا رُزِقْتَ خَلِيقَةً مَحْمُودَةً = فَقَدِ اصْطَفَاكَ مُقَسِّمُ الْأَرْزَاقِ
فَالنَّاسُ هَذَا حَظُّهُ مَالٌ وَذَا = عِلْمٌ وَذَاكَ مَكَارِمُ الْأَخْلَاقِ.
((الْمُؤْمِنُ صَاحِبُ قِيَمٍ وَرِسَالَةٍ))
وَالْمُؤْمِنُ لَا يَرْضَى أَنْ يَعِيشَ عَلَى هَامِشِ الْحَيَاةِ، وَلَا أَنْ يَحْيَا بِلَا قِيَمٍ، وَإِنَّمَا هُوَ صَاحِبُ رِسَالَةٍ يُتَرْجِمُهَا عَمَلًا وَسُلُوكًا، يَرَاهُ النَّاسُ فِي أَرْضِ الْوَاقِعِ صِدْقًا وَعَمَلًا، وَقَوْلًا وَعَدْلًا، وَيَلْتَمِسُونَهُ شِيَمًا وَقِيَمًا.
يَمْتَثِلُ فِي مَبْدَأِ الْأَقْوَالِ بِقَوْلِ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} [البقرة: 83].
وَيَمْتَثِلُ فِي مَبْدَأِ الْأَفْعَالِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} [فصلت: 34].
((قِيمَةُ الِاحْتِرَامِ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ))
إِنَّ الْإِسْلَامَ دِينٌ يَحْتَرِمُ الْإِنْسَانَ، وَيَدْعُو إِلَى احْتِرَامِ الْإِنْسَانِ وَتَكْرِيمِهِ، وَقَدْ أَكْثَرَ اللهُ -تَعَالَى- فِي الْقُرْآنِ فِي بَيَانِ ذَلِكَ الِاحْتِرَامِ، وَالْحَثِّ عَلَيْهِ، وَالتَّرْغِيبِ فِيهِ، أَمَرَ اللهُ -تَعَالَى- فِي كِتَابِهِ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْآيَاتِ بِاسْتِعْمَالِ الْأَدَبِ وَالِاحْتِرَامِ فِي التَّعَامُلِ مَعَ الْخَلْقِ.
قَالَ رَبُّنَا -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ-: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} [البقرة: 83].
فَأَمَرَ اللهُ (تب) بِالْإِحْسَانِ إِلَى النَّاسِ عُمُومًا، فَقَالَ -سُبْحَانَهُ-: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا}.
((وَمِنَ الْقَوْلِ الْحَسَنِ: أَمْرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ، وَنَهْيُهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَتَعْلِيمُهُمُ الْعِلْمَ، وَبَذْلُ السَّلَامِ، وَالْبَشَاشَةُ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ كُلِّ كَلَامٍ طَيِّبٍ)).
أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ بِسَنَدَيْهِمَا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ)).
فَقَالَ رَجُلٌ: ((يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً)).
فَقَالَ ﷺ: ((إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ، وَغَمْطُ النَّاسِ)).
((بِرُّ الْوَالِدَيْنِ وَاحْتِرَامُهُمَا فِي الْإِسْلَامِ))
وِلَقَدْ أَكَّدَ الْإِسْلَامُ عَلَى ضَرُورَةِ بِرِّ الْوَالِدَيْنِ وَاحْتِرَامِهِمَا، وَالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمَا، وَالِاعْتِنَاءِ بِهِمَا.
وَمِنْ ذَلِكَ: قَوْلُهُ -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ-: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [البقرة: 83]..
{وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} أَيْ: أَحْسِنُوا بِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا، وَهَذَا يَعُمُّ كُلَّ إِحْسَانٍ قَوْلِيٍّ وَفِعْلِيٍّ مِمَّا فِيهِ إِحْسَانٌ إِلَيْهِمَا، وَفِيهِ النَّهْيُ عَنِ الْإِسَاءَةِ إِلَى الْوَالِدَيْنِ، وَفِيهِ النَّهْيُ عَنْ عَدَمِ الْإِحْسَانِ وَعَدَمِ الْإِسَاءَةِ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ الْإِحْسَانُ، وَالْأَمْرُ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ، وَلِلْإِحْسَانِ ضِدَّانِ: الْإِسَاءَةُ، وَهِيَ أَعْظَمُ جُرْمًا، وَتَرْكُ الْإِحْسَانِ بِدُونِ إِسَاءَةٍ، وَهَذَا مُحَرَّمٌ، لَكِنْ لَا يَجِبُ أَنْ يُلْحَقَ بِالْأَوَّلِ.
وَكَذَا يُقَالُ فِي صِلَةِ الْأَقَارِبِ، وَالْيَتَامَى، وَالْمَسَاكِينِ.
وَتَفَاصِيلُ الْإِحْسَانِ لَا تَنْحَصِرُ بِالْعَدِّ، بَلْ تَكُونُ بِالْحَدِّ.
وقد قال تعالى: {وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} [الإسراء: 23-24].
((احْتِرَامُ الْعَالِمِ وَالْوَفَاءُ بِحَقِّهِ))
وَمِنْ أَرْقَى صُوَرِ الِاحْتِرَامِ: احْتِرَامُ الْعَالِمِ وَتَوْقِيرُهُ، وَالتَّوَاضُعُ لَهُ، وَالْوَفَاءُ بِحَقِّهِ، لَا سِيَّمَا أَنَّ الْإِسْلَامَ قَدْ أَعْلَى قَدْرَهُ وَكَرَّمَهُ، حَيْثُ قَرَنَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا- شَهَادَتَهُ وَشَهَادَةَ الْمَلَائِكَةِ بِشَهَادَةِ الْعُلَمَاءِ؛ فَقَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ ۚ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [آل عمران: 18].
وَقَالَ -تَعَالَى- فِي شَرَفِ الْعِلْمِ لِنَبِيِّهِ ﷺ: {وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا} [طه: 114].
فَلَوْ كَانَ شَيْءٌ أَشْرَفَ مِنَ الْعِلْمِ لَأَمَرَ اللهُ -تَعَالَى- نَبِيَّهُ ﷺ أَنْ يَسْأَلَهُ الْمَزِيدَ مِنْهُ كَمَا أَمَرَهُ أَنْ يَسْتَزِيدَهُ مِنَ الْعِلْمِ.
وَقَالَ تَعَالَى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} [المجادلة: 11].
وَلَا يُنَالُ الْعِلْمُ إِلَّا بِإِلْقَاءِ السَّمْعِ مَعَ التَّوَاضُعِ؛ فَعَنِ الشَّعْبِيِّ -رَحِمَهُ اللهُ- قَالَ: ((صَلَّى زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ عَلَى جِنَازَةٍ، ثُمَّ قُرِّبَتْ لَهُ بَغْلَةٌ لِيَرْكَبَهَا، فَجَاءَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَأَخَذَ بِرِكَابِهِ، فَقَالَ لَهُ زَيْدٌ: ((خَلِّ عَنْهُ يَا ابْنَ عَمِّ رَسُولِ اللهِ ﷺ )).
فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ((هَكَذَا يُفْعَلُ بِالْعُلَمَاءِ وَالْكُبَرَاءِ)).
وَقَدْ كَانَ السَّلَفُ -رَحِمَهُمُ اللهُ- يُعَظِّمُونَ مَنْ يَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمْ تَعْظِيمًا شَدِيدًا.
((احْتِرَامُ وُلَاةِ الْأُمُورِ))
وَمِنْ صُوَرِ الِاحْتِرَامِ: احْتِرَامُ وُلَاةِ الْأُمُورِ؛ فَالْحَاكِمُ لَهُ حُقُوقٌ وَاجِبَةٌ لَهُ أَوْجَبَهَا اللهُ -تَعَالَى- فِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ وَعَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ الْأَمِينِ ﷺ.
حُقُوقُ الْإِمَامِ حُقُوقٌ نَصَّ اللهُ -تَعَالَى- عَلَيْهَا فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ، وَنَصَّ عَلَيْهَا النَّبِيُّ ﷺ فِي سُنَّتِهِ الْمُطَهَّرَةِ؛ وَذَلِكَ لِيَعْلَمَ الْمُسْلِمُ أَنَّ هَذِهِ الْحُقُوقَ مِنَ الْأَهَمِّيَّةِ فِي غَايَةٍ، وَمِنَ الْخُطُورَةِ فِي نِهَايَةٍ؛ فَالْقِيَامُ بِهَا حَتْمٌ، لَا يُسْمَحُ بِالتَّقْصِيرِ فِيهَا، وَمَنْ قَصَّرَ فَقَدْ رَتَّبَ الشَّرْعُ الْمُطَهَّرُ لَهُ عُقُوبَاتٍ زَاجِرَةً، مِنْهَا عُقُوبَاتٌ تَتَعَلَّقُ بِالدُّنْيَا، وَمِنْهَا عُقُوبَاتٌ فِي الْآخِرَةِ.
وَمِمَّا يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ لِإِمَامِهِ: تَوْقِيرُهُ وَاحْتِرَامُهُ، وَهَذَا الْحَقُّ رَعَاهُ الشَّارِعُ الْحَكِيمُ بِأَنْ أَمَرَ بِهِ -أَيْضًا-، وَنَهَى عَنْ ضِدِّهِ؛ فَنَهَى عَنْ سَبِّ الْأَئِمَّةِ وَإِهَانَتِهِمْ.
وَقَصْدُ الشَّارِعِ مِنْ ذَلِكَ مَا أَشَارَ إِلَيْهِ الْقَرَافِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ- فِي كِتَابِهِ: ((الذَّخِيرَةِ)) حَيْثُ قَالَ: ((قَاعِدَةٌ: ضَبْطُ الْمَصَالِحِ الْعَامَّة وَاجِبٌ، وَلَا تَنْضَبِطُ الْمَصَالِحُ الْعَامَّةُ إِلَّا بِعَظَمَةِ الْأَئِمَّةِ فِي نَفْسِ الرَّعِيَّةِ، وَمَتَى اخْتَلَفَتْ عَلَيْهِمْ أَوْ أُهِينُوا تَعَذَّرَتِ الْمَصْلَحَةُ)).
وَقَدْ سَبَقَهُ إِلَى ذَلِكَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ التُّسْتَرِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ- عِنْدَمَا قَالَ: ((لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَظَّمُوا السُّلْطَانَ وَالْعُلَمَاءَ، فَإِنْ عَظَّمُوا هَذَيْنِ أَصْلَحَ اللهُ دُنْيَاهُمْ وَأُخْرَاهُمْ، وَإِنِ اسْتَخَفُّوا بِهَذَيْنِ أَفْسَدُوا دُنْيَاهُمْ وَأُخْرَاهُمْ)).
فَالشَّارِعُ الْحَكِيمُ إِنَّمَا رَاعَى هَذَا الْأَمْرَ؛ لِأَنَّ الْمَسْؤُولِيَّاتِ عَلَى الْإِمَامِ كَثِيرَةٌ وَثَقِيلَةٌ، وَلَا يُمْكِنُ لَهُ أَنْ يَقُومَ بِذَلِكَ عَلَى الْوَجْهِ الصَّحِيحِ إِلَّا إِذَا كَانَتِ النُّفُوسُ مُوَطَّنَةً عَلَى احْتِرَامِهِ وَتَوْقِيرِهِ، وَإِذَا كَانَتْ كَذَلِكَ كَانَتْ مَوْعُودَةً بِالْأَجْرِ عَلَيْهِ، مُتَوَعَّدَةً بِالْوِزْرِ إِنْ خَالَفَتْ ذَلِكَ.
أَمَّا الْأَمْرُ بِتَوْقِيرِ الْإِمَامِ فَقَدْ جَاءَتْ بِهِ نُصُوصٌ نَبَوِيَّةٌ شَرِيفَةٌ كَثِيرَةٌ، وَعَقَدَ كِبَارُ الْعُلَمَاءِ فِي مُؤَلَّفَاتِهِمْ أَبْوَابًا خَاصَّةً بِذَلِكَ.
((احْتِرَامُ الْكَبِيرِ فِي الْإِسْلَامِ))
وَلَقَدْ أَعْطَى الْإِسْلَامُ الْكَبِيرَ حَقَّهُ مِنَ الشَّرَفِ وَالتَّقْدِيرِ وَالتَّوْقِيرِ؛ لِمَا خُصَّ بِهِ مِنَ السَّبْقِ فِي الْوُجُودِ، وَتَجْرِبَةِ الْأُمُورِ.
وَإِجْلَالُ الْكَبِيرِ هُوَ حَقُّ سِنِّهِ؛ لِكَوْنِهِ تَقَلَّبَ فِي الْعُبُودِيَّةِ للهِ فِي أَمَدٍ طَوِيلٍ.
وَرَحْمَةُ الصَّغِيرِ؛ لِأَنَّ اللهَ -تَعَالَى- رَفَعَ عَنْهُ التَّكْلِيفَ.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا، وَيَعْرِفْ حَقَّ كَبِيرِنَا؛ فَلَيْسَ مِنَّا)). أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَالْحَاكِمُ، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: ((مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا، وَيُجِلَّ كَبِيرَنَا؛ فَلَيْسَ مِنَّا)). أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي ((الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ))، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي ((الْكَبِيرِ))، وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ أَجمَعِينَ.
الْحَمْدُ للهِ وَحْدَهُ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ.
أَمَّا بَعْدُ:
((النَّهْيُ عَنِ الْإِسَاءَةِ إِلَى الِاحْتِرَامِ بَيْنَ الْإِخْوَةِ))
فَقَدْ نَهَى -تَعَالَى- الْمُؤْمِنِينَ عَنْ كُلِّ مَا يَخْدِشُ الْأُخُوَّةَ، وَعَنْ كُلِّ مَا يُسِئُ إِلَى التَّقْدِيرِ وَالِاحْتِرَامِ بَيْنَ الْإِخْوَةِ؛ فَنَهَى أَنْ يَعِيبَ أَحَدٌ أَحَدًا، وَنَهَى عَنِ التَّنَابُزِ بِالْأَلْقَابِ، وَعَنِ الظَّنِّ السَّيِّءِ، وَعَنِ الْغِيبَةِ، وَالتَّجَسُّسِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَقَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ ۖ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ۖ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ ۚ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (11) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ۖ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ} [الحجرات: 11-12].
وَقَالَ تَعَالَى: {وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا} [الإسراء: 53].
وَقَالَ تَعَالَى: {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} [فصلت: 34].
وَقَالَ تَعَالَى: {وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا} [الفرقان: 63].
((الْمِيزَانُ الْحَقُّ فِي الْحُكْمِ عَلَى النَّاسِ))
إِنَّ الْمِيزَانَ عِنْدَ اللهِ يَخْتَلِفُ عَنِ الْمَوَازِينِ عِنْدَ النَّاسِ؛ فَكَثِيرًا مَا يَقِيسُ النَّاسُ بَعْضَهُمْ بَعْضًا بِمَوَازِينِ الدُّنْيَا؛ مِنَ الْجَاهِ، وَالْمَالِ، وَالسُّلْطَانِ، أَمَّا الْمِيزَانُ عِنْدَ اللهِ فَهُوَ بِقُرْبِ الْعَبْدِ إِلَيْهِ وَبِتَقْوَاهُ، قَالَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13].
وَقَدْ ظَهَرَ جَلِيًّا مِيزَانُ النَّبِيِّ ﷺ فِي حُكْمِهِ عَلَى النَّاسِ، وَبَانَ كَيْفَ كَانَ ﷺ يَحْتَرِمُ الضُّعَفَاءَ، وَيَنْظُرُ إِلَيْهِمْ نَظْرَةَ التَّقْدِيرِ، إِذَا كَانُوا عَلَى الْعَقِيدَةِ الصَّحِيحَةِ وَالْأَخْلَاقِ الْحَسَنَةِ؛ فَقَدْ مَرَّ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ رَجُلٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((مَا تَقُولُونَ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟)).
قَالُوا: ((رَأْيَكَ فِي هَذَا، نَقُولُ: هَذَا مِنْ أَشْرَافِ النَّاسِ، هَذَا حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ يُخَطَّبَ، وَإِنْ شَفَعَ أَنْ يُشَفَّعَ، وَإِنْ قَالَ أَنْ يُسْمَعَ لِقَوْلِهِ)).
فَسَكَتَ النَّبِيُّ ﷺ.
وَمَرَّ رَجُلٌ آخَرُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((مَا تَقُولُونَ فِي هَذَا؟)).
قَالُوا: نَقُولُ: ((وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ! هَذَا مِنْ فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ، هَذَا حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ لَمْ يُنْكَحْ، وَإِنْ شَفَعَ لَمْ يُشَفَّعْ، وَإِنْ قَالَ لَا يُسْمَعْ لِقَوْلِهِ)).
فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((لَهَذَا خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الْأَرْضِ مِثْلَ هَذَا)). أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَه، وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ فِي ((صَحِيحِ سُنَنِ ابْنِ مَاجَه)).
((التَّحْذِيرُ مِنْ أَمْرَيْنِ لَهُمَا عَوَاقِبُ سُوءٍ))
((فَحَذَارِ حَذَارِ مِنْ أَمْرَيْنِ لَهُمَا عَوَاقِبُ سُوءٍ:
أَحَدُهُمَا: رَدُّ الْحَقِّ لِمُخَالَفَتِهِ هَوَاكَ؛ فَإِنَّكَ تُعَاقَبُ بِتَقْلِيبِ الْقَلْبِ، وَرَدِّ مَا يَرِدُ عَلَيْكَ مِنَ الْحَقِّ رَأْسًا، وَلَا تَقْبَلُهُ إِلَّا إِذَا بَرَزَ فِي قَالَبِ هَوَاكَ.
قَالَ تَعَالَى: {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ} [الأنعام: ١١٠] فَعَاقَبَهُمْ عَلَى رَدِّ الْحَقِّ أَوَّلَ مَرَّةٍ بِأَنْ قَلَّبَ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ.
وَالْأَمْرُ الثَّانِي: التَّهَاوُنُ بِالْأَمْرِ إِذَا حَضَرَ وَقْتُهُ؛ فَإِنَّكَ إِنْ تَهَاوَنْتَ بِهِ ثَبَّطَكَ اللهُ وَأَقْعَدَكَ عَنْ مَرَاضِيهِ وَأَوَامِرِه؛ عُقُوبَةً لَكَ.
قَالَ تَعَالَى: {فَإِن رَّجَعَكَ اللَّهُ إِلَىٰ طَائِفَةٍ مِّنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُل لَّن تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَن تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا ۖ إِنَّكُمْ رَضِيتُم بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ} [التوبة: ٨٣].
فَمَنْ سَلِمَ مِنْ هَاتَيْنِ الْآفَتَيْنِ وَالْبَلِيَّتَيْنِ الْعَظِيمَتَيْنِ فَلْتَهْنِهِ السَّلَامَةُ)).
((التَّحْذِيرُ مِنْ (أَنَا) وَ (لِي) وَ (عِنْدِي)!))
((فَلْيَحْذَرِ الْمَرْءُ كُلَّ الْحَذَرِ مِنْ طُغْيَانِ (أَنَا) وَ (لِي) وَ (عِنْدِي)؛ فَإِنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ الثَّلَاثَةَ ابْتُلِيَ بِهَا إِبْلِيسُ وَفِرْعَوْنُ وَقَارُونُ، فَـ {أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ} [الأعراف: 12] لِإِبْلِيسَ، وَ {لِي مُلْكُ مِصْرَ} [الزخرف: 51] لِفِرْعَوْنَ، وَ {إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي} [القصص: 78] لِقَارُونَ.
وَأَحْسَنُ مَا وُضِعَتْ (أَنَا) فِي قَوْلِ الْعَبْدِ: أَنَا الْعَبْدُ الْمُذْنِبُ، الْمُخْطِئُ، الْمُسْتَغْفِرُ، الْمُعْتَرِفُ، وَنَحْوَهُ.
وَ (لِي) فِي قَوْلِهِ: لِيَ الذَّنْبُ، وَلِيَ الْجُرْمُ، وَلِيَ الْمَسْكَنَةُ، وَلِيَ الْفَقْرُ وَالذُّلُّ.
وَ «عِنْدِي» فِي قَوْلِهِ: «اغْفِرْ لِي جِدِّي وَهَزْلِي، وَخَطَئِي وَعَمْدِي، وَكُلُّ ذَلِكَ عِنْدِي»)).
((النِّعَمُ وَالْمِحَنُ ابْتِلَاءٌ مِنَ اللهِ وَامْتِحَانٌ))
((فَالنِّعَمُ ابْتِلَاءٌ مِنَ اللهِ وَامْتِحَانٌ، يَظْهَرُ بِهِ شُكْرُ الشَّكُورِ وَكُفْرُ الْكَفُورِ، كَمَا أَنَّ الْمِحَنَ بَلْوَى مِنْهُ -سُبْحَانَهُ-؛ فَهُوَ يَبْتَلِي بِالنِّعَمِ كَمَا يَبْتَلِي بِالْمَصَائِبِ.
قَالَ تَعَالَى: {فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (١٦) كَلَّا} [الفجر: ١٥ - ١٧].
أَيْ: لَيْسَ كُلُّ مَنْ وَسَّعْتُ عَلَيْهِ وَأَكْرَمْتُهُ وَنَعَّمْتُهُ يَكُونُ ذَلِكَ إِكْرَامًا مِنِّي لَهُ، وَلَا كُلُّ مَنْ ضَيَّقْتُ عَلَيْهِ رِزْقَهُ وَابْتَلَيْتُهُ يَكُونُ ذَلِكَ إِهَانَةً مِنِّي لَهُ)).
((اصْبِر لِكُلِّ مُصِيبَةٍ وَتَجَلَّدِ!))
اصْبِرْ لِكُلِّ مُصِيبَةٍ وَتَجَلَّدِ = وَاعْلَمْ بِأَنَّ الْمَرْءَ غَيْرُ مُخَلَّدِ
أَوَ مَا تَرَى أَنَّ الْمَصَائِبَ جَمَّةٌ = وَتَرَى الْمَنِيَّةَ لِلْعِبَادِ بِمَرْصَدِ
مَنْ لَمْ يُصَبْ مِمَّنْ تَرَى بِمُصيبَةٍ = هَذَا قَبِيلٌ لَسْتَ فِيهِ بِأَوْحَدِ
وَإِذَا أَتَتْكَ مُصِيبَةٌ تَشْجَى بِهَا = فَاذْكُرْ مُصَابَكَ فِي النَّبِيِّ مُحَمَّدِ
ﷺ
وَصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ أَجمَعِينَ.
((التَّبَرُّعُ بِالدَّمِ حَيَاةٌ))
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ هُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ صَلَاةً وَسَلَامًا دَائِمَيْنِ مُتَلَازِمَيْنِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ:
((حِفْظُ النَّفْسِ مِنْ مَقَاصِدِ الدِّينِ الْعُظْمَى))
فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ بُعِثَ بِأُصُولِ تَشْرِيعٍ جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ عِنْدِ اللَّطِيفِ الْخَبِيرِ {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِير} [الملك: 14]؟!!
بَلَى، يَعْلَمُ.
اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ يَعْلَمُ مَا يَصْلُحُ عَلَيْهِ النَّاسُ، وَمَا يُصْلِحُ النَّاسَ، فَشَرَّعَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ بِحِكْمَتِهِ شَرْعًا حَكِيمًا، لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّطِيفِ الْخَبِيرِ.
جَاءَ النَّبِيُّ ﷺ بِهَذَا الشَّرْعِ الْخَاتَمِ الْحَكِيمِ، لَيْسَ فِيهِ خَلَلٌ، وَلَيْسَتْ بِهِ ثُغْرَةٌ يُمْكِنُ أَنْ يَنْفُذَ إِلَيْهَا أَحَدٌ بِعَقْلٍ أَبَدًا؛ فَيَسْتَدْرِكَ عَلَيْهَا مُسْتَدْرِكٌ بِحَالٍ أَبَدًا؛ لِأَنَّهُ شَرْعٌ تَامٌّ كَامِلٌ، كَمَا قَالَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ فِي مُحْكَمِ التَّنْزِيلِ: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 4].
وَالْعُلَمَاءُ -رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِمْ- يَقُولُونَ: مَقَاصِدُ التَّشْرِيعِ ثَلَاثَةٌ، لَا يَخْرُجُ عَنْهَا مَقْصِدٌ مِنْ مَقَاصِدِ التَّشْرِيعِ:
1- الضَّرُورِيَّاتُ.
2- وَالْحَاجِيَّاتُ.
3- وَالتَّحْسِينِيَّاتُ.
فَأَمَّا الضَّرُورِيَّاتُ: فَهِيَ الَّتِي لَا تَسْتَقِيمُ حَيَاةُ النَّاسِ وَلَا آخِرَتُهُمْ إِلَّا بِهَا وَعَلَيْهَا؛ بِحَيْثُ لَوِ اخْتَلَّ وَاحِدٌ مِنْ تِلْكَ الضَّرُورِيَّاتِ؛ فَسَدَتْ عَلَى النَّاسِ حَيَاتُهُمْ، وَحَصَّلُوا الْخِزْيَ فِيهَا، وَفَسَدَتْ عَلَى النَّاسِ آخِرَتُهُمْ، وَحَصَّلُوا النَّارَ فِيهَا -عِيَاذًا بِاللهِ وَلِيَاذًا بِجَنَابِهِ الرَّحِيمِ-.
ثُمَّ حَصَرَ الْعُلَمَاءُ -رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِمْ- هَذِهِ الضَّرُورِيَّاتِ فِي ضَرُورِيَّاتٍ خَمْسٍ.. ضَرُورِيَّاتٍ خَمْسٍ تَحْصُرُ هَذِهِ الْأُمُورَ الَّتِي لَا يَسْتَغْنِي عَنْهَا النَّاسُ، لَا فِي دِينٍ وَلَا دُنْيَا، وَهِيَ:
1- الدِّينُ.
2- وَالنَّفْسُ.
3- وَالنَّسْلُ.
4- وَالْمَالُ.
5- وَالْعَقْلُ.
ثُمَّ يُبَيِّنُ لَنَا عُلَمَاؤُنَا -رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِمْ- هَذِهِ الْأَشْيَاءَ عَلَى وَجْهِهَا الصِّحِيحِ، فَيَقُولُونَ: إِنَّ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ يَأْتِي بِمَا يُقِيمُ تِلْكَ الضَّرُورِيَّاتِ، ثُمَّ إِنَّ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ يَأْخُذُ عَلَى أَيْدِي النَّاسِ؛ أَنْ يُفْسِدُوا شَيْئًا مِنْ تِلْكَ الضَّرُورِيَّاتِ، فَيَشْرَعُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ أَرْكَانَ الْإِسْلَامِ.
يَشْرَعُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ لَنَا الشَّهَادَتَيْنِ، وَالصَّلَاةَ، وَالزَّكَاةَ، وَالْحَجَّ، وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الْأَرْكَانِ، وَغَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ أَرْكَانِ الْإِيمَانِ.
فَهَذَا هُوَ الدِّينُ، ثُمَّ يَحْفَظُهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ، فَيَشْرَعُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ الْجِهَادَ؛ لِحِفَاظِهِ، وَيَشْرَعُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ حَدَّ الرِّدَّةِ؛ لِحِفَاظِ الدِّينِ.
وَيَشْرَعُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ لَنَا حِفْظَ النَّفْسِ، وَيَحُوطُهَا اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ بِسِيَاجٍ، فَيَجْعَلُ الْقِصَاصَ وَالدِّيَاتِ؛ مِنْ أَجْلِ أَيِّ اعْتِدَاءٍ عَلَى النَّفْسِ.
وَيَشْرَعُ لَنَا رَبُّنَا لِحِفْظِ الضَّرُورِيِّ مِنَ الْمَالِ قَطْعَ الْيَدِ عِنْدَ اسْتِيفَاءِ أَرْكَانِ حَدِّ السَّرِقَةِ، وَيَشْرَعُ لَنَا تَضْمِينَ الْوَلِيِّ عِنْدَمَا يُفْسِدُ غَيْرُ ذِي عَقْلٍ مَالًا مُحْتَرَمًا مَمْلُوكًا مُقَوَّمًا فِي دِينِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
وَيَشْرَعُ لَنَا أَنْ نَحْفَظَ الدِّينَ، وَالنَّسْلَ، وَالْعَقْلَ؛ بِأَنْ يَجْعَلَ حَدَّ الشُّرْبِ قَائِمًا؛ بِحَيْثُ الَّذِي يَغْتَالُ الْعَقْلَ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ دُونَهُ سَدٌّ لَا يُنْفَذُ مِنْهُ.
هَذِهِ الضَّرُورَاتُ لَيْسَتْ سَوَاءً، فَلَيْسَ الَّذِي يُفْسِدُ فِي الدِّينِ كَالَّذِي يَعْدُو عَلَى الْأَنْفُسِ، كَالَّذِي يَعْدُو عَلَى الْأَمْوَالِ، كَالَّذِي يَعْدُو عَلَى الْأَعْرَاضِ.
هَذِهِ الضَّرُورَاتُ لَيْسَتْ جُمْلَةً وَاحِدَةً عَلَى سَوَاءٍ، وَهِيَ فِي أَنْفُسِهَا فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا لَيْسَتْ سَوَاءً.
فَفِي ضَرُورَةِ الدِّينِ لَيْسَتِ الشَّهَادَتَانِ كَمَا يَأْتِي دُونَهُمَا بَعْدُ؛ مِنَ الصَّلَاةِ، أَوِ الزَّكَاةِ، أَوِ الْحَجِّ، أَوِ الصَّوْمِ، أَوْ مَا دُونَ ذَلِكَ.
وَلَيْسَتِ الصَّلَاةُ كَالزَّكَاةِ، أَمْرٌ كَانَ مِنْ رَبِّكَ مَقْضِيًّا، لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ كُلُّهُ عَلَى سَوَاءٍ فِي دِينِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
* ثُمَّ يَشْرَعُ لَنَا رَبُّنَا -جَلَّ وَعَلَا- أَمْرَ الْحَاجِيَّاتِ: وَهِيَ الَّتِي إِذَا فَقَدَهَا النَّاسُ؛ أَصَابَهُمْ مِنَ الْمَشَقَّةِ فِي حَيَاتِهِمْ مَا يَجْعَلُ الْحَيَاةَ غَيْرَ يَسِيرَةٍ؛ وَلَكِنْ لَا يَنْهَدِمُ بِفَقْدِهَا حَيَاةٌ.
فَهَذِهِ الْحَاجِيَّاتُ شَرَعَهَا لَنَا رَبُّنَا -جَلَّ وَعَلَا-.
* ثُمَّ تَأْتِي التَّحْسِينِيَّاتُ بَعْدُ؛ لِكَيْ تَجْعَلَ الْحَيَاةَ رَغْدَةً عَلَى وَتِيرَةٍ سَهْلَةٍ يَسِيرَةٍ مُتَقَبَّلَةٍ عِنْدَ ذَوِي الْفِطَرِ الْمُسْتَقِيمَةِ، وَذَلِكَ كُلُّهُ مِنْ فَضْلِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
أَمَرَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ بِحِفْظِ النَّفْسِ، وَبِحِفْظِ الْعَقْلِ، وَبِحِفْظِ الْمَالِ، وَبِحِفْظِ الْعِرْضِ، وَأَمَرَ بِحِفْظِ الْدِّينِ، وَبِهِ يُحْفَظُ هَذَا كُلُّهُ.
وَلا صَلَاحَ لِلْإِنْسَانِ فِي الْحَيَاةِ إِلَّا بِالْحِفَاظِ عَلَى هَذِهِ الْضَّرُورَاتِ، وَمَا وَرَاءَهَا إِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنَ الْحَاجِيَّاتِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنَ الْتَّحْسِينِيَّاتِ.
((التَّبَرُّعُ بِالدَّمِ حَيَاةٌ))
إِنَّ التَّبَرُّعَ بِالدَّمِ إِجْرَاءٌ طِبِّيٌّ تَطَوُّعِيٌّ، يَتِمُّ بِنَقْلِ الدَّمِ أَوْ أَحَدِ مُرَكَّبَاتِهِ مِنْ شَخْصٍ سَلِيمٍ مُعَافًى إِلَى شَخْصٍ مَرِيضٍ يَحْتَاجُ لِلدَّمِ.
إِنَّ التَّبَرُّعَ بِالدَّمِ حَيَاةٌ؛ فَقَدْ تَكُونُ نُقْطَةُ دَمٍ مِنْكَ سَبَبًا فِي إِنْقَاذِ حَيَاةِ إِنْسَانٍ -بِإِذْنِ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا--، قال الله -جَلَّ وَعَلَا-: {وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} [المائدة: 32].
وَمَنْ أَحْيَا نَفْسًا؛ أَنْقَذَ إِنْسَانًا كَانَ مُشْرِفًا عَلَى الْهَلَاكِ فَكَأَنَّمَا نَجَّى جَمِيعَ النَّاسِ، وَالْحِفَاظُ عَلَى حُرْمَةِ إِنْسَانٍ وَاحِدٍ حِفَاظًا عَلَى حُرُمَاتِ النَّاسِ كُلِّهَا.
وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يُسْلِمُهُ، مَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللهُ عَنْهُ بِهَا كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ». هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ.
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- -كَمَا فِي «صَحِيحِ مُسْلِمٍ»- وَغَيْرِهِ: «مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ فِي الدُّنْيَا يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ عَلَى مُسْلِمٍ فِي الدُّنْيَا سَتَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ».
وَصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ أَجمَعِينَ.
المصدر: قِيمَةُ الِاحْتِرَامِ