((وَاذْكُرُوا اللهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ))
إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّـهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّـهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ.
أَمَّا بَعْدُ:
فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّـهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.
أَمَّا بَعْدُ:
((قَصْدُ الْبَيْتِ فَرْضٌ وَقُرْبَةٌ عَظِيمَةٌ))
فَمَوَاسِمُ الْخَيْرَاتِ تَتَجَدَّدُ عَلَى الْعِبَادِ فَضْلًا مِنَ اللهِ وَكَرَمًا؛ فَمَا إِنْ تَنْقَضِي شَعِيرَةٌ إِلَّا وَتَلِيهَا عِبَادَةٌ أُخْرَى.
وَهَا هِيَ طَلَائِعُ الْحُجَّاجِ وَقَدْ أَمَّتْ بَيْتَ اللهِ الْعَتِيقَ، مُلَبِّينَ دَعْوَةَ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- بِأَمْرِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- لَهُ: {وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ} [الحج: 27].
قَصْدُ الْبَيْتِ فَرْضٌ وَقُرْبَةٌ، قَالَ ﷺ: ((أَيُّهَا النَّاسُ! قَدْ فَرَضَ اللهُ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ فَحُجُّوا)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
الْحَجُّ عِبَادَةٌ فِي الْإِسْلَامِ عَظِيمَةٌ؛ فَهُوَ أَحَدُ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ، وَمِنْ أَجَلِّ الطَّاعَاتِ وَأَحَبِّهَا إِلَى اللهِ -جَلَّ وَعَلَا-.
سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ: ((أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟)).
قَالَ: ((إِيمَانٌ بِاللهِ)).
قِيلَ: ((ثُمَّ مَاذَا؟)).
قَالَ: ((الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ)).
قِيلَ: ((ثُمَّ مَاذَا؟)).
قَالَ: ((حَجٌّ مَبْرُورٌ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
((مِنْ فَضَائِلِ الْحَجِّ وَثَمَرَاتِهِ))
* بِالْحَجِّ مَحْوُ أَدْرَانِ الذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا، قَالَ ﷺ: ((الْحَجُّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
* وَهُوَ طُهْرَةٌ لِأَهْلِهِ وَنَقَاءٌ، قَالَ ﷺ: ((مَنْ حَجَّ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيْوَمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
فَالْحَجُّ طُهْرَةٌ لِأَهْلِهِ وَنَقَاءٌ.
* وَبِالْحُجَّاجِ يُبَاهِي اللهُ مَلَائِكَتَهُ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَإِنَّهُ لَيَدْنُو، ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمُ الْمَلَائِكَةَ فَيَقُولُ: مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَلَيْسَ لِلْمُخْلِصِ فِي حَجِّهِ جَزَاءٌ إِلَّا الْجَنَّةُ، قَالَ ﷺ: ((الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الْجَنَّةُ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
* الْحَجُّ مَجْمَعُ الْإِسْلَامِ الْأَعْظَمُ، يَرْبِطُ حَاضِرَ الْمُسْلِمِينَ بِمَاضِيهِمْ؛ لِيَعِيشَ الْعِبَادُ أُمَّةً وَاحِدَةً، مُسْتَمْسِكِينَ بِدِينِهِمْ، وَلَا طَرِيقَ لِذَلِكَ إِلَّا بِالِاعْتِصَامِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَالسَّيْرِ عَلَى مَنْهَجِ سَلَفِ الْأُمَّةِ.
* فِي الْحَجِّ تَتَلَاشَى فَوَاصِلُ الْأَجْنَاسِ وَاللُّغَاتِ وَالْأَلْوَانِ، وَيَبْقَى مِيزَانُ التَّفَاضُلِ وَهُوَ التَّقْوَى، {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13].
((خَيْرُ زَادِ الْحَجِيجِ))
وَخَيْرُ زَادٍ يَصْحَبُهُ الْحُجَّاجُ فِي نُسُكِهِمْ هُوَ التَّقْوَى، قَالَ -سُبْحَانَهُ-: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ ۚ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ} [البقرة: 197].
وَمَنْ أَمَّ الْبَيْتَ فَحَرِيٌّ بِهِ أَنْ يَلْزَمَ وَرَعًا يَحْجِزُهُ عَنِ الْمَعَاصِي، وَحِلْمًا يَكُفُّهُ عَنِ الْغَضَبِ، وَحُسْنَ عِشْرَةٍ لِمَنْ يَصْحَبُ.
((التَّوْحِيدُ شِعَارُ الْحَجِّ))
وَأَعْظَمُ مَا يَتَقَرَّبُ بِهِ الْعِبَادُ فِي حَجِّهِمْ إِظْهَارُ التَّوْحِيدِ فِي مَنَاسِكِهِمْ، وَإِخْلَاصُ الْأَعْمَالِ للهِ فِي قُرُبَاتِهِمْ.
قَالَ -سُبْحَانَهُ-: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: 196].
وَإِعْلَانُ وَحْدَانِيَّةِ اللهِ فِي الْحَجِّ شِعَارُ أَهْلِهِ، وَبِهِ شَرَفُهُمْ، ((لَبَّيْكَ اللهم لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ، لَبَّيْكَ إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَمَنْ حَجَّ مُوقِنًا بِلِقَاءِ رَبِّهِ فَلْيَتَمَسَّكْ بِتَوْحِيدِ اللهِ وَإِفْرَادِهِ بِالْعِبَادَةِ حَتَّى الْمَمَاتِ.
قَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف: 110].
وَتَكْبِيرُ اللهِ وَتَعْظِيمُهُ أَنِيسُ الْحُجَّاجِ؛ فِي طَوَافِهِمْ، وَسَعْيِهِمْ، وَرَمْيِهِمْ، وَنَحْرِهِمْ، وَفِي لَيْلِهِمْ وَنَهَارِهِمْ؛ لِتَبْقَى الْقُلُوبُ مُتَعَلِّقَةً بِاللهِ، نَقِيَّةً عَنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ.
((الْحَجُّ دَرْسٌ فِي تَحْقِيقِ اتِّبَاعِ الرَّسُولِ ﷺ ))
الْحَجُّ دَرْسٌ فِي تَحْقِيقِ الِاتِّبَاعِ وَالتَّأَسِّي بِالنَّبِيِّ ﷺ؛ فَلَا نُسُكَ وَلَا عِبَادَةَ إِلَّا بِمَا وَافَقَ هَدْيَهُ.
قَالَ ﷺ: ((لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ؛ فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَحُجُّ بَعْدَ حَجَّتِي هَذِهِ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَالِاتِّبَاعُ دَلِيلُ الصِّدْقِ وَالْإِيمَانِ وَالْمَحَبَّةِ، قَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [آل عمران: 31].
وَكُلُّ عِبَادَةٍ عَلَى خِلَافِ هَدْيِهِ ﷺ فَإِنَّ اللهَ لَا يَقْبَلُهَا، قَالَ ﷺ: ((مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
((ذِكْرُ اللهِ رُوحُ الْحَجِّ))
وَمِنْ مَقَاصِدِ الْحَجِّ الْعُظْمَى: إِقَامَةُ ذِكْرِ اللهِ، وَالْإِكْثَارُ مِنْهُ؛ فَذِكْرُ اللهِ -تَعَالَى- يُصَاحِبُ الْحُجَّاجَ كُلَّمَا أَقَامُوا أَوِ ارْتَحَلُوا، وَإِذَا هَبِطُوا أَوْ صَعِدُوا، وَلَا يَزَالُ مُرَافِقًا لَهُمْ حَتَّى انْقِضَاءِ نُسُكِهِمْ.
قَالَ تَعَالَى: {فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا} [البقرة: 200].
وَأَفْضَلُ الْحُجَّاجِ أَكْثَرُهُمْ للهِ ذِكْرًا..
أَفْضَلُ الْحُجَّاجِ أَكْثَرُهُمْ للهِ ذِكْرًا.
مِنْ مَنَافِعِ الْحَجِّ: إِقَامَةُ ذِكْرِ اللهِ.. مِنْ أَعْظَمِ مَقَاصِدِ الْحَجِّ وَأَهَمِّهَا: إِقَامَةُ ذِكْرِ اللهِ -تَعَالَى-.
وَيَلْحَظُ التَّالِي لِآيَاتِ الْمَنَاسِكِ تَكْرَارَ الْأَمْرِ بِذِكْرِ اللهِ عَقِيبَ كُلِّ مَنْسَكٍ.
قَالَ تَعَالَى: {فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ ۖ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (198) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (199) فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا} [البقرة: 198-200].
وَقَالَ تَعَالَى: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ} [البقرة: 203].
وَقَالَ -سُبْحَانَهُ-: {وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ} [الحج: 28].
وَقَالَ تَعَالَى: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا لِّيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ} [الحج: 34].
وَقَالَ تَعَالَى: {كَذَٰلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ ۗ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ} [الحج: 37].
وَقَالَ ﷺ: ((أَفْضَلُ الْحَجِّ الْعَجُّ وَالثَّجُّ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ.
وَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-: ((كُنْ عَجَّاجًا ثَجَّاجًا)). رَوَاهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ.
وَ ((الْعَجُّ)): رَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ.
وَ ((الثَّجُّ)): إِهْرَاقُ دَمِ الْهَدْيِ.
فَيَنْبَغِي لِمَنْ تَلَبَّسَ بِهَذِهِ الْمَنَاسِكِ أَنْ يَسْتَشْعِرَ هَذَا الْمَعْنَى الْجَلِيلَ، وَأَنْ يَلْهَجَ لِسَانُهُ بِذِكْرِ اللهِ، وَتَكْبِيرِهِ، وَاسْتِغْفَارِهِ، وَدُعَائِهِ كَمَا أَمَرَ؛ فَإِنَّ اللهَ يُحِبُّ أَنْ يُذْكَرَ اسْمُهُ.
وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ يَنْهَمِكُ فِي أَدَاءِ الْمَنَاسِكِ بِبَدَنِهِ وَقَلْبِهِ غَافِلٌ وَلِسَانُهُ عَاطِلٌ.
كَمَا يَنْبَغِي لِمَنْ أَكْرَمَهُ اللهُ بِإِقَامَةِ ذِكْرِهِ فَي الْحَجِّ أَنْ يَحْفَظَ الدَّرْسَ، فَإِذَا حَفِظَهُ رَجَعَ ذَاكِرًا شَاكِرًا حَامِدًا مُهَلِّلًا مُكَبِّرًا، لَا يَزَالُ لِسَانُهُ رَطْبًا بِذِكْرِ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا- فِي جَمِيعِ تَقَلُّبَاتِهِ وَفِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِ، فَالذِّكْرُ جِمَاعُ الْخَيْرِ، وَمَنْبَعُ الْفَضَائِلِ.
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنُ بُسْرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: ((أَتَى النَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ فَقَالَ: ((يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّ شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ قَدْ كَثُرَتْ عَلَيْنَا فَبَابٌ نَتَمَسَّكُ بِهِ جَامِعٌ)).
قَالَ: ((لَا يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبًا مِنْ ذِكْرِ اللهِ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَه، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
فَمِنْ أَعْظَمِ الدُّرُوسِ وَمِنْ أَكْبَرِ الْمَنَافِعِ فِي الْحَجِّ أَنْ يَقُومَ الْحَاجُّ أَثْنَاءَ الْمَنَاسِكِ بِذِكْرِ اللهِ كَثِيرًا، وَأَنْ يَعِيَ الدَّرْسَ؛ حَتَّى يَلْزَمَ الذِّكْرَ بَعْدَ أَنْ يَعُودَ، حَتَّى يَصِيرَ ذَاكِرًا، شَاكِرًا حَامِدًا، مُهَلِّلًا، مُكَبِّرًا مَا دَامَ نَفَسُهُ يَصْعَدُ، وَاللهُ -تَعَالَى- الْمُوَفِّقُ.
مِنْ مَنَافِعِ الْحَجِّ الْمُدَاوَمَةُ عَلَى ذِكْرِ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا-؛ فَالْمُتَأَمِّلُ فِي عِبَادَةِ الْحَجِّ يَسْتَفِيدُ مِنْهَا دَرْسًا عَظِيمًا، أَلَا وَهُوَ: الْمُدَاوَمَةُ عَلَى ذِكْرِ اللهِ -تَعَالَى-، بَلْ إِنَّ رُوحَ الْحَجِّ وَمَقْصُودَهُ هُوَ ذِكْرُ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا-.
إِذَا تَبَيَّنَ هَذَا عَلِمَ الْعَبْدُ أَنَّ لِلذِّكْرِ مَنْزِلَةً عَظِيمَةً عِنْدَ اللهِ -تَعَالَى-، وَأَنَّ مَقْصُودَ الْعِبَادَاتِ كُلِّهَا هُوَ ذِكْرُ اللهِ -تَعَالَى-.
وَالْحَجُّ مَدْرَسَةٌ عَظِيمَةٌ لِتَعَلُّقِ الْقَلْبِ بِذِكْرِ اللهِ.
إِنَّ مِنَ الدُّرُوسِ الَّتِي نَتَعَلَّمُهَا مِنَ الْحَجِّ: مَا يَتَعَلَّقُ بِدُعَاءِ رَبِّنَا -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- وَذِكْرِهِ.
وَمَعْلُومٌ مَا لِلذِّكْرِ مِنَ الْفَضْلِ, وَأَنَّ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- يُقَرِّبُ الذَّاكِرِينَ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى لَا يَذْكُرُهُ ذَاكِرٌ إِلَّا ذَكَرَهُ اللهُ تَعَالَى قَبْلَ ذِكْرِهِ إِيَّاهُ؛ فَإِذَا ذَكَرَ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- فِي مَلَأٍ ذَكَرَهُ اللهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُ.
فَكُلُّ ذَاكِرٍ للهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- فَهُوَ مَحْفُوفٌ ذِكْرُهُ بِذِكْرَيْنِ؛ بِذِكْرٍ قَبْلَهُ وَبِذِكْرٍ بَعْدَهُ, فَيَذْكُرُهُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- مُوَفِّقًا إِيَّاهُ لِذِكْرِهِ, وَمُقَدِّرًا إِيَّاهُ عَلَيْهِ, فَإِذَا ذَكَرَ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ فِي مَلَأٍ ذَكَرَهُ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا- فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُ.
وَالنَّبِيُّ ﷺ بَيَّنَ فَضْلَ الذِّكْرِ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْمَوَاضِعِ, ((وَالنَّبِيُّ ﷺ كَانَ يَذْكُرُ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ))، كَمَا قَالَتْ عَائِشَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا-.
وَأَمَّا الدُّعَاءُ: ((فَإِنَّ الدُّعَاءَ هُوَ الْعِبَادَةُ))، كَمَا صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ.
وَفِي الْحَجِّ -فِي أَمَاكِنَ سِتَّةٍ- كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَسْتَعْلِنُ بِالدُّعَاءِ وَيُطِيلُهُ جِدًّا, فَمَعْلُومٌ أَنَّهُ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ شَرَعَ النَّبِيُّ ﷺ جَمْعَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ جَمْعَ تَقْدِيمٍ مَعَ الْقَصْرِ؛ وَذَلِكَ مِنْ أَجْلِ أَنْ تَمْتَدَّ الْمُدَّةُ الزَّمَنِيَّةُ بَعْدَ ذَلِكَ؛ أَيْ مِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعَصْرِ مَجْمُوعَةً مَقْصُورَةً مَعَ الظُّهْرِ لِتَمْتَدَّ الْمُدَّةُ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ لِلذِّكْرِ وَلِلدُّعَاءِ, وَالِابْتِهَالِ وَالرَّجَاءِ, وَالتَّوَجُّهِ إِلَى رَبِّ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ بِإِنَابَةٍ وَإِخْلَاصٍ, سَائِلِينَ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- حَوَائِجَهُمْ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِأَمْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ, وَإِنَّهُ لَيَدْنُو -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-.
وَفِي وَقْتِ النُّزُولِ الْإِلَهِيِّ يَرْحَمُ اللهُ مَنْ يَشَاءُ, وَيُعْطِي اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ مَنْ يُرِيدُ, وَيَتَفَضَّلُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ عَلَى مَنْ يَتَكَرَّمُ عَلَيْهِ كَمَا فِي النُّزُولِ الْإِلَهِيِّ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ فِي الثُّلُثِ الْأَخِيرِ مِنَ اللَّيْلِ, فَإِنَّهُ تَعَالَى يَنْزِلُ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا وَيَقُولُ -جَلَّ وَعَلَا-: ((أَلَا هَلْ مِنْ تَائِبٍ فَأَتُوبَ عَلَيْهِ؟ أَلَا هَلْ مِنْ سَائِلٍ حَاجَةٍ فَأُعْطِيَهُ إِيَّاهَا؟ أَلَا هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ فَأَغْفِرَ لَهُ؟))، حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ.
فَالنَّبِيُّ ﷺ كَانَ بَعْدَ أَنْ يُصَلِّيَ الْعَصْرَ مَجْمُوعَةً مَقْصُورَةً مَعَ الظُّهْرِ يَتَوَجَّهُ إِلَى الصَّخْرَاتِ, وَيَتَوَجَّهُ إِلَى قِبْلَةِ الْمُسْلِمِينَ رَافِعًا يَدَيْهِ دَاعِيًا إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ؛ فَهَذَا مَوْطِنٌ.
ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ, بَعْدَ أَنْ يُصَلِّيَ الْفَجْرَ إِلَى أَنْ يُسْفِرَ جِدًّا -يَعْنِي: الصُّبْحَ-, يَدْعُو اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- بِمَا شَاءَ.
ثُمَّ يَدْفَعُ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى مِنًى؛ مِنْ أَجْلِ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ الْكُبْرَى.
وَكَذَلِكَ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدْعُو رَبَّهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ عِنْدَ رَمْيِ الْجَمَرَاتِ, وَكَانَ يَبْدَأُ بِالْجَمْرَةِ الصُّغْرَى, فَكَانَ يَرْمِي بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ, ثُمَّ يَتَوَجَّهُ إِلَى الْقِبْلَةِ دَاعِيًا اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- دُعَاءً طَوِيلًا؛ قَالَ الْعُلَمَاءُ: ((كَمِثْلِ قِرَاءَةِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ)) .
ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَرْمِي الْجَمْرَةَ الْوُسْطَى بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ مُكَبِّرًا, ثُمَّ يَتَوَجَّهُ إِلَى الْقِبْلَةِ دَاعِيًا رَبَّهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- دُعَاءً طَوِيلًا, ثُمَّ يَرْمِي جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ وَهِيَ الْجَمْرَةُ الْكُبْرَى وَلَا يَدْعُو بَعْدَهَا.
فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ مَوَاطِنَ.
ثُمَّ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَدْعُو رَبَّهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- عِنْدَ الصَّفَا وَعِنْدَ الْمَرْوَةِ بِالدُّعَاءِ الْمَعْرُوفِ عَنْهُ ﷺ؛ فَهَذِهِ سِتَّةُ مَوَاطِنَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَدْعُو فِيهَا رَبَّهُ دُعَاءً طَوِيلًا طَيِّبًا.
وَأَمَّا الذِّكْرُ: فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَخْبَرَنَا ((أَنَّ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ -وَهِيَ يَوْمُ الْقَرِّ, وَالْيَوْمُ الثَّانِيَ عَشَرَ, وَالْيَوْمُ الثَّالِثَ عَشَرَ- أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرٍ للهِ -جَلَّ وَعَلَا-)) .
وَكَانَ عُمَرُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- يُكَبِّرُ فِي قُبَّتِهِ بِمِنًى فَيُكَبِّرُ أَهْلُ الْمَسْجِدِ, فَإِذَا سَمِعَهُمْ مَنْ بِخَارِجِ الْمَسْجِدِ؛ كَبَّرَ أَهْلُ الْأَسْوَاقِ حَتَّى تَرْتَجَّ مِنًى تَكْبِيرًا للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ عَلَى مَا هَدَاهُمْ, وَعَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ, وَاللهُ أَكْبَرُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ, وَاللهُ أَكْبَرُ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ, اللهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، وَالْحَمْدُ للهِ كَثِيرًا.
عَلَّمَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ نَتَوَجَّهَ إِلَى رَبِّنَا -جَلَّ وَعَلَا- بِالدُّعَاءِ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ, وَاللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ سَمَّى الدُّعَاءَ فِي كِتَابِهِ عِبَادَةً فَقَالَ: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي}؛ أَيْ: عَنْ دُعَائِي {سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} [غافر: 60]؛ أَذِلَّةً صَاغِرِينَ.
((فَالدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ)) ، كَمَا صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ.
* وَأَمَرَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- بِذِكْرِهِ سُبْحَانَهُ حَتَّى بَعْدَ قَضَاءِ الْمَنَاسِكِ؛ فَقَالَ رَبُّنَا -جَلَّ وَعَلَا-: {فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللهَ كَذِكْرِكُمْ آَبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا} [البقرة: 200].
فَإِذَا فَرَغْتُمْ مِنْ حَجِّكُمْ وَعِبَادَتِكُمْ، وَذَبَحْتُمْ ذَبَائِحَكُمْ -بَعْدَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَالِاسْتِقْرَارِ بِمِنًى- فَاذْكُرُوا اللهَ بِالتَّحْمِيدِ، وَالتَّمْجِيدِ، وَالتَّهْلِيلِ، وَالتَّكْبِيرِ، وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ مِثْلَ ذِكْرِكُمْ مَفَاخِرَ آبَائِكُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، بَلْ أَكْثَرَ ذِكْرًا؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُسْتَحِقُّ لِلذِّكْرِ وَالْحَمْدِ مُطْلَقًا.
((وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ))
قَالَ رَبُّنَا -جَلَّ وَعَلَا-: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ} [البقرة: 203].
وَاذْكُرُوا اللهَ بِالتَّوْحِيدِ وَالتَّعْظِيمِ وَالتَّكْبِيرِ فِي أَدْبَارِ الصَّلَوَاتِ، وَعِنْدَ رَمْيِ الْجَمَرَاتِ، وَعِنْدَ ذَبْحِ الْهَدَايَا وَالْأَضَاحِي فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ الْمَعْدُودَاتِ؛ وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ؛ الْحَادِيَ عَشَرَ وَالثَّانِيَ عَشَرَ وَالثَّالِثَ عَشَرَ مِنْ شَهْرِ ذِي الْحِجَّةِ.
((قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-: ((الْأَيَّامُ الْمَعْدُودَاتُ: أَيَّامُ التَّشْرِيقِ، وَالْأَيَّامُ الْمَعْلُومَاتُ: أَيَّامُ الْعَشْرِ)).
وَقَالَ عِكْرَمَةُ: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ} يَعْنِي: التَّكْبِيرَ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ بَعْدَ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ: اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ)).
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((يَوْمُ عَرَفَةَ وَيَوْمُ النَّحْرِ وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ عِيدُنَا أَهْلَ الْإِسْلَامِ، وَهِيَ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ)))).
((وَيَدْخُلُ فِي ذِكْرِ اللهِ فِيهَا ذِكْرُهُ عِنْدَ رَمْيِ الْجِمَارِ، وَعِنْدَ الذَّبْحِ، وَالذِّكْرُ الْمُقَيَّدُ عَقِبَ الْفَرَائِضِ، بَلْ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إِنَّهُ يُسْتَحَبُّ فِيهَا التَّكْبِيرُ الْمُطْلَقُ كَالْعَشْرِ، وَلَيْسَ بِبَعِيدٍ)).
أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرٍ للهِ -عَزَّ وَجَلَّ-:
أَخْرَجَ الْإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي ((صَحِيحِهِ)) بِسَنَدِهِ عَنْ أَبِي نُبَيْشَةَ الْهُذَلِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرٍ للهِ -عَزَّ وَجَلَّ-)).
وَفِي رِوَايَةٍ لِلنَّسَائِيِّ: ((لَا تَصُومُوا هَذِهِ الْأَيَّامَ -يَعْنِي: أَيَّامَ التَّشْرِيقِ-؛ فَإِنَّهَا أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرٍ للهِ -عَزَّ وَجَلَّ-)).
وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ: هِيَ الْيَوْمُ الْحَادِيَ عَشَرَ وَالثَّانِيَ عَشَرَ وَالثَّالِثَ عَشَرَ، هِيَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ.
الْحِكْمَةُ فِي الْأَمْرِ بِعَدَمِ صِيَامِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ:
وَقَدْ قَالَ الْعُلَمَاءُ: إِنَّ مِنَ الْحِكْمَةِ فِي الْأَمْرِ بِعَدَمِ صِيَامِهَا أَنَّ الْمَزُورَ الْكَرِيمَ لَا يُجِيعُ أَضْيَافَهُ، وَالْحَجِيجُ ضُيُوفُ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-؛ فَاللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- أَمَرَ نَبِيَّهُ بِأَنْ يَنْهَى الْحَجِيجَ وَكَذَلِكَ سَائِرَ الْأُمَّةِ عَنْ صِيَامِ هَذِهِ الْأَيَّامِ، وَيَتَوَجَّهُ هَذَا إِلَى الْحَجِيجِ: ((لَا تَصُومُوا هَذِهِ الْأَيَّامَ؛ فَإِنَّهَا أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرٍ للهِ -عَزَّ وَجَلَّ-)).
وَفِي رِوَايَةٍ: ((أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَصَلَاةٍ)).
سَبَبُ تَسْمِيَةِ هَذِهِ الْأَيَّامِ بِأَيَّامِ التَّشْرِيقِ:
سُمِّيَتْ هَذِهِ الْأَيَّامُ بِـ(أَيَّامِ التَّشْرِيقِ) لِسَبَبَيْنِ:
السَّبَبُ الْأَوَّلُ: أَنَّ الْحُجَّاجَ فِي يَوْمِ النَّحْرِ يَبْدَءُونَ بَعْدَ أَنْ يُفِيضُوا مِنَ (الْمُزْدَلِفَةِ) بَعْدَ أَنْ يُسْفِرَ النَّهَارُ جِدًّا فَيُفِيضُونَ إِلَى (مِنَى) مِنْ أَجْلِ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ الْكُبْرَى، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَنْحَرُونَ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مَعَ شُرُوقِ الشَّمْسِ.. فَيَكُونُ النَّحْرُ مَعَ الشُّرُوقِ، فَسُمِّيَتْ بِأَيَّامِ التَّشْرِيقِ لِهَذَا.
السَّبَبُ الثَّانِي: قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: إِنَّمَا سُمِّيَتْ بِـ(أَيَّامِ التَّشْرِيقِ)؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا ذَبَحُوا الْهَدَايَا أَخَذُوا اللَّحْمَ فَعَلَّقُوهُ فِي مُوَاجَهَةِ الشَّمْسِ تُشْرِقُ مِنْ جِهَةِ الشَّرْقِ، فَهُوَ تَشْرِيقٌ لِلَّحْمِ؛ مِنْ أَجْلِ تَجْفِيفِهِ، وَهِيَ وَسِيلَةٌ مِنْ وَسَائِلِ الْحِفْظِ لِلْأَغْذِيَةِ.. التَّجْفِيفُ.
فَسُمِّيَتْ هَذِهِ الْأَيَّامُ لِأَجْلِ تَشْرِيقِ اللَّحْمِ وَتَجْفِيفِهِ مِنْ أَجْلِ حِفْظِهِ.. سُمِّيَتْ بِأَيَّامِ التَّشْرِيقِ.
أَعْظَمُ الْأَيَّامِ عِنْدَ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- يَوْمُ النَّحْرِ ثُمَّ يَوْمُ الْقَرِّ:
يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ: ((أَعْظَمُ الْأَيَّامِ عِنْدَ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- يَوْمُ النَّحْرِ ثُمَّ يَوْمُ الْقَرِّ)).
((يَوْمُ الْقَرِّ)): هُوَ الْيَوْمُ الْحَادِيَ عَشَرَ.. الْيَوْمُ الثَّانِي لِيَوْمِ النَّحْرِ.. الْيَوْمُ الَّذِي يَلِي يَوْمَ النَّحْرِ هُوَ يَوْمُ الْقَرِّ، الْحُجَّاجُ يَقَرُّونَ فِي (مِنَى) ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، ذَلِكَ لِمَنْ تَأَخَّرَ؛ فَلِمَاذَا سُمِّيَ الْيَوْمُ الْحَادِيَ عَشَرَ وَحْدَهُ بِيَوْمِ الْقَرِّ؟
الْحُجَّاجُ فِي يَوْمِ الْعِيدِ يَأْتُونَ بِمُعْظَمِ الْمَنَاسِكِ؛ فَإِنَّهُمْ يُفِيضُونَ مِنَ (الْمُزْدَلِفَةِ) مِنَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ إِلَى (مِنَى) يَرْجُمُونَ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ الْكُبْرَى، ثُمَّ يَنْحَرُونَ الْهَدَايَا، ثُمَّ يَحْلِقُونَ رُؤُوسَهُمْ، ثُمَّ يَذْهَبُونَ إِلَى مَكَّةَ مِنْ أَجْلِ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ بِالطَّوَافِ حَوْلَ الْبَيْتِ الْحَرَامِ وَالسَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ يَرْجِعُونَ إِلَى (مِنَى) فَيَقَرُّونَ فِيهَا فِي الْيَوْمِ الْعَاشِرِ فِي لَيْلَةِ الْحَادِي عَشَرَ يَقَرُّونَ فِي الْيَوْمِ الْحَادِي عَشَرَ.
سُمِّيَ بِيَوْمِ الْقَرِّ؛ لِأَنَّهُ لَا نَفْرَ فِيهِ، لِأَنَّ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- ذَكَرَ هَذِهِ الْأَيَّامَ -أَيَّامَ التَّشْرِيقِ- فِي قَوْلِهِ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ} [البقرة: 203]: هِيَ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ الثَّلَاثَةُ، وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ، وَهِيَ الْأَيَّامُ الْمَعْدُودَاتُ فِي قَوْلِ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ ۚ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ لِمَنِ اتَّقَىٰ} [البقرة: 203].
فِي الْيَوْمِ الثَّانِي عَشَرَ يَجُوزُ لِلْحَاجِّ إِذَا مَا كَانَ الزَّوَالُ أَنْ يَرْجُمَ الْجَمْرَاتِ الثَّلَاثَ ثُمَّ يَنْصَرِفُ مِنْ مِنَى، يَذْهَبُ إِلَى مَكَّةَ يَطُوفُ طَوَافَ الْوَدَاعِ، ثُمَّ يَنْطَلِقُ إِلَى أَهْلِهِ، أَوْ يَذْهَبُ إِلَى مَدِينَةِ الرَّسُولِ ﷺ؛ لِأَنَّ الْمَنَاسِكَ بِذَلِكَ قَدِ انْتَهَتْ، وَإِذَا تَأَخَّرَ فَإِنَّهُ يَبْقَى الْيَوْمَ الثَّانِي عَشَرَ، وَأَمَّا فِي الْيَوْمِ الثَّالِثَ عَشَرَ فَإِنَّهُ يَرْجُمُ ثُمَّ يَذْهَبُ، فَيَقُولُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ ۚ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ لِمَنِ اتَّقَىٰ}.
أَمَّا الْيَوْمُ الْحَادِي عَشَرَ فَلَا نَفْرَ فِيهِ؛ فَهُوَ يَوْمُ الْقَرِّ.
يَقُولُ الرَّسُولُ ﷺ: ((أَعْظَمُ الْأَيَّامِ عِنْدَ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ- يَوْمُ النَّحْرِ -وَهُوَ الْيَوْمُ الْعَاشِرُ يَوْمُ الْعِيدِ- ثُمَّ يَوْمُ الْقَرِّ)).
ذِكْرُ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ:
هَذِهِ الْأَيَّامُ كَمَا قَالَ الرَّسُولُ ﷺ: ((أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرٍ للهِ -عَزَّ وَجَلَّ-)).
وَهَذَا الذِّكْرُ الَّذِي ذُكِرَ فِي هَذَا الْقَوْلِ النَّبَوِيِّ الْكَرِيمِ.. هَذَا الذِّكْرُ يَقُولُ الْعُلَمَاءُ: إِنَّهُ ذِكْرٌ مُقَيَّدٌ، وَهُوَ ذِكْرُ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- بِتَكْبِيرِهِ وَتَهْلِيلِهِ وَتَحْمِيدِهِ بِعَقِبِ الصَّلَوَاتِ؛ فَهَذَا ذِكْرٌ مُقَيَّدٌ.. مُقَيَّدٌ بِالصَّلَوَاتِ، سَوَاءٌ كَانَتِ الصَّلَوَاتُ فَرْضًا أَمْ كَانَتْ نَافِلَةً، وَبَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُ: إِنَّ الْمُقَيَّدَ إِنَّمَا هُوَ مَخْصُوصٌ بِالْفَرَائِضِ، فَهَذَا ذِكْرٌ مُقَيَّدٌ، بَعْدَ أَنْ يَفْرُغَ الْمُصَلِّي مِنْ صَلَاتِهِ فَإِنَّهُ يَذْكُرُ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- يُكَبِّرُهُ وَيُهَلِّلُهُ وَيَحْمَدُهُ.
وَالذِّكْرُ الْمُطْلَقُ فَإِنَّهُ يَكُونُ فِي الْبُيُوتِ، يَكُونُ فِي الطُّرُقَاتِ، يَكُونُ فِي الْمَحَالِّ، يَكُونُ فِي كُلِّ مَكَانٍ، يَذْكُرُونَ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، {فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا} [البقرة: 200].
فَاللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ يَأْمُرُنَا بِأَنْ نَذْكُرَهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-؛ إِذَا مَا فَرَغَ الْحَجِيجُ مِنْ أَدَاءِ الْمَنَاسِكِ يَأْمُرُهُمُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ بِالذِّكْرِ.
وَكَذَلِكَ شَرَعَ لَنَا النَّبِيُّ ﷺ أَنْ نَذْكُرَ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ ذِكْرًا مُقَيَّدًا بِعَقِبِ الصَّلَوَاتِ؛ وَهُوَ مِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الصُّبْحِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ إِلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، فَالذِّكْرُ الْمُقَيَّدُ بِعَقِبِ الصَّلَوَاتِ يَبْدَأُ مِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الصُّبْحِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ وَيَنْتَهِي بِصَلَاةِ الْعَصْرِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ؛ لِأَنَّ الْيَوْمَ إِنَّمَا يَبْدَأُ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ، لِذَلِكَ كَانَ آخِرُ الذِّكْرِ الْمُقَيَّدِ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ بَعْدَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ لَكَانَ مِنَ الْيَوْمِ الرَّابِعَ عَشَرَ؛ لِأَنَّ اللَّيْلَ إِنَّمَا تَلْحَقُ بِيَوْمِهَا؛ بِمَعْنَى: أَنَّنَا فِي رَمَضَانَ إِذَا مَا ثَبَتَتْ رُؤْيَةُ الْهِلَالِ أَوْ أَتْمَمْنَا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا لِشَعْبَانَ فَقَدْ دَخَلَ رَمَضَانُ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ، فَنَقُومُ لِنُصَلِّيَ صَلَاةَ التَّرَاوِيحِ، هَذَا رَمَضَانُ.
فَإِذَنِ؛ الْيَوْمُ فِي الشَّرْعِ إِنَّمَا يَبْدَأُ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ؛ لِذَلِكَ كَانَ التَّكْبِيرُ الْمُقَيَّدُ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ مُنْتَهِيًا بِصَلَاةِ الْعَصْرِ مِنَ الْيَوْمِ الثَّالِثَ عَشَرَ وَهُوَ رَابِعُ أَيَّامِ الْعِيدِ.
هَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالذِّكْرِ الْمُقَيَّدِ.
الذِّكْرُ الْمُطْلَقُ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ وَفِي غَيْرِ هَذِهِ الْأَيَّامِ.
شَيْءٌ آخَرُ: أَنَّ أَيَّامَ الذَّبْحِ تَمْتَدُّ -أَيْضًا- مِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعَصْرِ؛ يَعْنِي: لَا تَنْتَهِي مَعَ الذِّكْرِ الْمُقَيَّدِ، وَإِنَّمَا لَكَ أَنْ تَذْبَحَ الْأُضْحِيَّةَ فِي يَوْمِ الْعِيدِ بَعْدَ أَنْ يَفْرُغَ الْإِمَامُ مِنَ الصَّلَاةِ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ تَنْتَظِرَ حَتَّى تَسْمَعَ الْخُطْبَةَ، ثُمَّ تَشْرَعُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي تَقْدِيمِ الْقُرْبَانِ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ بِذَبْحِ الْأُضْحِيَّةِ للهِ -جَلَّ وَعَلَا-، تَذْبَحُ فِي يَوْمِ الْعِيدِ، وَفِي الْيَوْمِ الْحَادِي عَشَرَ، وَفِي الْيَوْمِ الثَّانِي عَشَرَ، وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثَ عَشَرَ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ.
فَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ كُلُّهَا مَنْحَرٌ يَذْبَحُ فِيهَا الْإِنْسَانُ وَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ.
الذَّبْحُ فِي يَوْمِ الْعِيدِ أَفْضَلُ مِنَ الذَّبْحِ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي، وَالثَّانِي خَيْرٌ مِنَ الثَّالِثِ؛ لِلتَّعْجِيلِ بِالطَّاعَةِ؛ لِأَنَّ الْمَرْءَ لَا يَضْمَنُ حَيَاتَهُ.
وَالذَّبْحُ بِالنَّهَارِ خَيْرٌ مِنَ الذَّبْحِ بِاللَّيْلِ، حَتَّى إِنَّ الْإِمَامَ يَذْبَحُ فِي الْمُصَلَّى كَمَا كَانَ يَفْعَلُ الرَّسُولُ ﷺ.
هَذِهِ الْأَيَّامُ الْعَظِيمَةُ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرٍ للهِ -عَزَّ وَجَلَّ-، فِيهَا خَيْرُ الْأَيَّامِ عِنْدَ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- يَوْمُ النَّحْرِ، ثُمَّ يَوْمُ الْقَرِّ وَهُوَ الْحَادِي عَشَرَ، فَعَلَيْنَا أَلَّا نَظْلِمَ فِيهَا أَنْفُسَنَا، وَأَنْ نَجْتَهِدَ فِيهَا فِي الذِّكْرِ وَفِي الدُّعَاءِ وَفِي التَّقَرُّبِ إِلَى رَبِّ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ، عَسَى اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ أَنْ يُذِيبَ قَسْوَةَ قُلُوبِنَا، لِأَنَّ فِي الْقُلُوبِ قَسَاوَةً لَا تُذِيبُهَا إِلَّا الْأَذْكَارُ، فِي الْقَلْبِ قَسْوَةٌ لَا يُذِيبُ هَذِهِ الْقَسْوَةَ سِوَى ذِكْرِ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا-، وَالَّذِي لَا يُدْمِنُ الذِّكْرَ لَا يَضْمَنُ أَلَّا يَقْسُوَ قَلْبُهُ، {فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ} [الزمر: 22].
فَذِكْرُ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- أَعْظَمُ مَا يُعِينُ عَلَى خُشُوعِ الْقَلْبِ وَتَوَجُّهِهِ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ؛ لِذَلِكَ أَمَرَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ بِذِكْرِهِ ذِكْرًا كَثِيرًا، فَأَمَرَ بِإِقَامِ الصَّلَاةِ وَبِإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَلَكِنْ لَمْ يَقُلْ: صَلُّوا كَثِيرًا، وَلَا: زَكُّوا كَثِيرًا، وَلَا: صُومُوا كَثِيرًا، وَلَكِنْ فِي ذِكْرِهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- قَالَ: {اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (41) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الأحزاب: 41-42].
فَأَمَرَ بِإِكْثَارِ الذِّكْرِ، ((وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَذْكُرُ اللهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ)).
{يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ} [آل عمران: 191].
هَؤُلَاءِ هُمْ أَصْحَابُ الْعُقُولِ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ إِلَى فَهْمِ مَا يَنْفَعُهُمْ دُنْيَا وَآخِرَةً، وَتَحْصِيلِ مَا بِهِ سَعَادَتُهُمْ وَنَجَاتُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ، فَهُمْ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ.
حَتَّى إِنَّ الْعُلَمَاءَ يَقُولُونَ: إِنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا نَامَ عَلَى الْهَيْئَةِ النَّبَوِيَّةِ؛ لِأَنَّ النَّوْمَ لَهُ هَيْئَةٌ نَبَوِيَّةٌ، كُلُّ أَمْرٍ مِنَ الْأُمُورِ حَتَّى قَضَاءِ الْحَاجَةِ لَهُ هَيْئَةٌ نَبَوِيَّةٌ بَيَّنَهَا الرَّسُولُ ﷺ، فَالْمَرْءُ لَا يَكْشِفُ عَنْ سَوْءَتِهِ وَعَوْرَتِهِ إِلَّا عِنْدَ قُرْبِهِ مِنَ الْأَرْضِ؛ حَيَاءً مِنَ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَيُخَمِّرُ رَأْسَهُ بِثَوْبِهِ حَيَاءً مِنَ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَيَعْتَمِدُ عَلَى قَدَمِهِ الْيُسْرَى، وَيَرْفَعُ عَقِبَ قَدَمِهِ الْيُمْنَى، فَحِينَئِذٍ تَكُونُ الْأَحْشَاءُ مُنْصَبَّةً إِلَى جِهَةِ الْيَسَارِ، وَفِيهَا الْقَوْلُونُ الْحَوْضِيُّ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ تُدْفَعُ الْفَضَلَاتُ، وَهَذَا مُسَاعِدٌ جِدًّا عَلَى دَفْعِهَا وَتَسْهِيلِ قَضَاءِ ذَلِكَ -بِفَضْلِ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا--.
((كَانَ عَلِيٌّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ فَقَضَى حَاجَتَهُ ثُمَّ خَرَجَ يَقُولُ: يَا لَهَا مِنْ نِعْمَةٍ لَوْ قَدَرَهَا النَّاسُ قَدْرَهَا))؛ مِنَ النِّعَمِ الْجَلِيلَةِ!
فَذِكْرُ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- عِنْدَ النَّوْمِ؛ يَنَامُ عَلَى وُضُوءٍ، يَنَامُ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ فِي بَدْءِ النَّوْمِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ لَا حَرَجَ أَنْ يَنَامَ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْسَرِ، أَنْ يَنَامَ عَلَى ظَهْرِهِ، وَلَكِنْ لَا يَنَامُ عَلَى بَطْنِهِ؛ فَإِنَّهَا نَوْمَةٌ يَكْرَهُهَا اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-، وَنَهَى عَنْهَا الرَّسُولُ ﷺ.
يَضَعُ رَاحَتَهُ الْيُمْنَى -كَفَّهُ- تَحْتَ خَدِّهِ الْأَيْمَنِ، يَأْتِي بِالْأَذْكَارِ -أَذْكَارِ النَّوْمِ-، فَإِذَا أَخَذَ النَّوْمُ بِمَعَاقِدِ عَيْنَيْهِ فَنَامَ فَاسْتَيْقَظَ فَذَكَرَ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ كَانَ مَا بَيْنَ الذِّكْرَيْنِ ذِكْرًا مَكْتُوبًا لَهُ فِي صَحِيفَةِ حَسَنَاتِهِ وَمَحْسُوبًا لَهُ، مَعَ أَنَّهُ كَانَ نَائِمًا؛ لِأَنَّ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ هُوَ الْجَوَادُ الْكَرِيمُ، لَا يَتَعَاظَمُهُ عَطَاءٌ.
يَقُولُ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَمَّا تَتَمَتَّعُ بِهِ مِنَ الْأَكْلِ وَمِنَ الشُّرْبِ يَقُولُ: ((إنَّ اللَّهَ لَيَرْضَى عَنِ الْعَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الْأَكْلَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا، أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا)).
وَيَكُونُ الْأَكْلُ صَدَقَةً عَلَيْهِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ -جَلَّ وَعَلَا-.
لَا تُضَيِّعُوا هَذِهِ الْأَيَّامَ وَحَافِظُوا عَلَى أَعْمَارِكُمْ!
هَذِهِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرٍ للهِ -جَلَّ وَعَلَا-؛ فَيَنْبَغِي عَلَيْنَا أَنْ نَلْتَزِمَ الْمَنْهَجَ النَّبَوِيَّ، وَأَنْ نَتَّقِيَ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- فِي أَعْمَارِنَا؛ فَإِنَّ الْأَيَّامَ تَمُرُّ.. لَا أَقُولُ مَرَّ السَّحَابِ، فَهَذَا بَطِيءٌ، وَلَكِنَّهَا كَلَمْعِ الْبَرْقِ، الْعُمُرُ يَنْقَضِي، وَقِسْ مَا هُوَ آتٍ عَلَى مَا مَضَى!
مِنَّا مَنْ عَاشَ فَوْقَ النِّصْفِ قَرْنٍ، وَمِنَّا مَنْ تَجَاوَزَ ذَلِكَ بِعَقْدٍ أَوْ عَقْدَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةِ عُقُودٍ، فَيَكُونُ فِي أَوَّلِ عَقْدِ التِّسْعِينَ الْعَقْدِ التَّاسِعِ مِنْ عُمُرِهِ، أَوْ فِي الثَّمَانِينَ، أَوْ مَا دُونَ ذَلِكَ، قِسْ هَذَا الَّذِي مَرَّ؛ لِأَنَّكَ لَوْ سُئِلْتَ عَنْهُ لَقُلْتَ: إِنَّمَا مَرَّ عَلَيَّ كَغَمْضِ الْعَيْنِ، أَوْ رَفْعِ الْجَفْنِ، لَقَدْ مَرَّ سَرِيعًا، فَقِسْ مَا أَتَى وَلَنْ يَكُونَ كَمَا مَضَى؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: ((أَعْمَارُ أُمَّتِي مَا بَيْنَ السِّتِّينَ وَالسَّبْعِينَ، وَأَقَلُّهُمْ مَنْ يَجُوزُ ذَلِكَ)).
مَا عِنْدَ اللهِ لَا يُنَالُ إِلَّا بِطَاعَتِهِ:
هَذَا الدِّينُ الْعَظِيمُ وَضَعَ لَنَا حُدُودًا لِكُلِّ شَيْءٍ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ مَأْمُورٌ مِنْ قِبَلِ مَنْ يَعْبُدُهُ.. لِأَنَّ الْعَبْدَ مَأْمُورٌ مِنْ قِبَلِ سَيِّدِهِ، لَيْسَ حُرًّا يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ، فَالسَّيِّدُ.. فَالْمَعْبُودُ.. فَالْإِلَهُ الْحَقُّ وَضَعَ فِي هَذَا الدِّينِ حُدُودًا لِكُلِّ شَيْءٍ، حَتَّى فِي الْفَرَحِ، الْفَرَحُ لَا يَكُونُ أَشَرًا وَلَا بَطَرًا وَلَا طُغْيَانًا وَلَا مَعْصِيَةً للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَإِنْ وَقَعَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ نُزِعَتِ الْبَرَكَةُ، وَلَا تَأْتِي الْبَرَكَةُ إِلَّا بِطَاعَةِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَطَاعَةِ رَسُولِهِ ﷺ.
وَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ كَثِيرٌ مِنَ النُّصُوصِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ؛ مِنْهَا: قَوْلُ الرَّسُولِ: ((مَا عِنْدَ اللهِ لَا يُنَالُ إِلَّا بِطَاعَتِهِ)).
اجْعَلْ هَذَا الْقَانُونَ مِنْكَ دَائِمًا عَلَى ذُكْرٍ.. مَا عِنْدَ اللهِ مِنَ الْخَيْرِ، مِنَ الْفَضْلِ، مِنَ الْغِنَى، مِنَ السَّتْرِ، مِنْ نَجَابَةِ الذُّرِّيَّةِ، مِنَ الْحِفْظِ وَالْكَلَاءَةِ فِي الْأَهْلِ وَالْمَالِ وَالْوَلَدِ، فِي التَّوْفِيقِ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ، وَفِي الْعِبَادَةِ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، ((مَا عِنْدَ اللهِ لَا يُنَالُ إِلَّا بِطَاعَتِهِ)).
وَاللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ أَخْفَى رِضَاهُ فِي طَاعَتِهِ، كَمَا أَخْفَى سَخَطَهُ فِي مَعْصِيَتِهِ، وَالْعَبْدُ رُبَّمَا أَذْنَبَ ذَنْبًا وَاحِدًا سَقَطَ بِهِ مِنْ عَيْنِ اللهِ.
يَقُولُ الرَّسُولُ ﷺ: ((وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا..)).
وَفِي رِوَايَةٍ: ((يُضْحِكُ بِهَا جُلَسَاءَهُ))، كَمَا يَقُولُ السُّفَهَاءُ: إِنَّ الْقَافِيَةَ قَدْ حَبَكَتْ!
فَرُبَّمَا أَتَى بِالْكَلِمَةِ.. يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ: ((إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ -تَعَالَى- لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ)).
وَفِي رِوَايَةٍ: ((إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مَا يَتَبَيَّنُ فِيهَا يَزِلُّ بِهَا إِلَى النَّارِ أَبْعَدَ مِمَّا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ)).
وَفِي رِوَايَةٍ: ((وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ مَا كَانَ يَظُنُّ أَنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ يَكْتُبُ اللَّهُ لَهُ بِهَا سَخَطَهُ إِلَى يَوْمِ يَلْقَاهُ)).
وَفِي الْمُقَابِلِ: ((إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ -تَعَالَى- مَا كَانَ يَظُنُّ أَنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ يَكْتُبُ اللَّهُ لَهُ بِهَا رِضْوَانَهُ إِلَى يَوْمِ يَلْقَاهُ))، يُدْخِلُهُ اللهُ بِهَا الْجَنَّةَ.
((لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا))، فَإِيَّاكَ أَنْ تَحْتَقِرَ ذَنْبًا، لَا تَنْظُرْ إِلَى حَقَارَةِ الذَّنْبِ، وَإِنَّمَا انْظُرْ إِلَى عَظَمَةِ مَنْ أَذْنَبْتَ وَخَرَجْتَ عَلَى قَانُونِهِ وَمِنْهَاجِهِ.
اشْغَلْ نَفْسَكَ بِنَفْسِكَ!
وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّد، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ.
***
التَّرَابُطُ الْأُسَرِيُّ
|
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ هُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ صَلَاةً وَسَلَامًا دَائِمَيْنِ مُتَلَازِمَيْنِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ:
((أَسَاسُ الْبُيُوتِ السَّعِيدَةِ التَّوْحِيدُ وَالِاتِّبَاعُ))
فَإِنَّ الْبُيُوتَ الْمُلْتَزِمَةَ بِتَوْحِيدِ اللهِ وَاتِّبَاعِ رَسُولِهِ كَأَنَّهَا مِنْ رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ، وَأَمَّا الْبُيُوتُ الَّتِي تَتَخَطَّى حُدُودَ الشَّرْعِ، وَلَا تَلْتَزِمُ بِأَحْكَامِ اللهِ -تَعَالَى-، وَلَا تَتَّبِعُ سُنَنَ رَسُولِهِ ﷺ فَهِيَ مَبَاءَاتُ الشَّيْطَانِ، تَكْثُرُ فِيهَا النِّزَاعَاتُ، وَتَدِبُّ فِيهَا الْخِلَافَاتُ.
وَالَّذِي يَعْصِمُ مِنْ هَذَا كُلِّهِ هُوَ اتِّبَاعُ الرَّسُولِ ﷺ فِيمَا أَمَرَ بِهِ مِنْ طَاعَةِ رَبِّ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتِ؛ فَفِي ذَلِكَ الْخَلَاصُ مِنْ كُلِّ شَرٍّ، وَاسْتِجْلَابُ كُلِّ خَيْرٍ.
((الزَّوَاجُ مِنْ آيَاتِ اللهِ الْكُبْرَى وَنِعَمِهِ الْعَظِيمَةِ))
إِنَّ مِنْ نِعَمِ اللهِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي أَسْدَاهَا إِلَيْنَا رَبُّنَا الْكَرِيمُ -جَلَّ جَلَالُهُ- نِعْمَةَ الزَّوَاجِ، نِعْمَةَ اقْتِرَانِ الذَّكَرِ بِالْأُنْثَى بِالرِّبَاطِ الشَّرْعِيِّ وَالْمِيثَاقِ الْغَلِيظِ، وَتَأْسِيسِ الْأُسْرَةِ، بَلْ إِنَّ الزَّوَاجَ آيَةٌ مِنْ آيَاتِ اللهِ -تَعَالَى- الْكُبْرَى الَّتِي تَدُلُّ عَلَى كَمَالِ عَظَمَتِهِ وَتَمَامِ حِكْمَتِهِ.
قَالَ تَعَالَى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الروم: 21].
فَالْعَلَاقَةُ الزَّوْجِيَّةُ عَلَاقَةٌ خَاصَّةٌ وَمُمَيَّزَةٌ، وَعَقْدُ الزَّوَاجِ عَقْدٌ فَرِيدٌ وَرِبَاطٌ كَرِيمٌ، جَعَلَ الْإِسْلَامُ لَهُ مَكَانَةً عَالِيَةً وَمَنْزِلَةً سَامِيَةً، حَتَّى قَالَ الرَّسُولُ ﷺ: ((إِنَّ أَحَقَّ الشُّرُوطِ أَنْ تُوفُوا بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
((الْوَسَائِلُ الشَّرْعِيَّةُ لِلتَّرَابُطِ الْأُسَرِيِّ))
وَلَمَّا كَانَ الزَّوَاجُ وَتَأْسِيسُ الْأُسْرَةِ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ السَّامِيَةِ فَقَدْ شَرَعَ اللهُ -سُبْحَانَهُ- لِلزَّوْجَيْنِ أَحْكَامًا، وَجَعَلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْآخَرِ حُقُوقًا؛ حَتَّى تَسِيرَ حَيَاتُهُمَا فِي غَايَةِ الْمَوَدَّةِ وَالْوِئَامِ.
* فَعَلَى الزَّوْجَيْنِ أَنْ يَتَطَاوَعَا وَلَا يَخْتَلِفَا.
* وَأَنْ يَتَذَاكَرَا وَيَتَنَاصَحَا بِطَاعَةِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، فَيَتَّبِعَا الْأَحْكَامَ الشَّرْعِيَّةَ الثَّابِتَةَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَلَا يُقَدِّمَا عَلَيْهَا عَادَةً مَوْرُوثَةً أَوْ هَوًى مُتَّبَعًا.
قَالَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزاب: 36].
* وَعَلَى الزَّوْجَيْنِ -كَذَلِكَ- أَنْ يَلْتَزِمَ كُلٌّ مِنْهُمَا بِمَا فَرَضَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- عَلَيْهِ مِنْ حَقٍّ لِلْآخَرِ؛ فَبِهَذَا تَقُومُ الْأُسْرَةُ عَلَى أَسَاسٍ مَتِينٍ، وَتَمْضِي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ.
* وَالْأُسْرَةُ هِيَ نَوَاةُ الْمُجْتَمَعِ، وَحِصْنُ الدِّفَاعِ الْأَوَّلِ عَنْهُ، لِذَلِكَ اهْتَمَّ الْإِسْلَامُ بِبِنَائِهَا بِنَاءً قَوِيًّا مُتَمَاسِكًا بِمَا يُحَقِّقُ الْمَوَدَّةَ وَالرَّحْمَةَ بَيْنَ جَمِيعِ أَفْرَادِهَا، فَيَعُمُّ الْأَمْنُ وَالِاسْتِقْرَارُ الْمُجْتَمَعَ كُلَّهُ، حَيْثُ جَاءَتِ الشَّرِيعَةُ بِضَرُورَةِ انْتِقَاءِ شَرِيكِ الْحَيَاةِ بِعِنَايَةٍ فَائِقَةٍ، مِمَّا يُؤَدِّي إِلَى اسْتِمْرَارِ الْحَيَاةِ الزَّوْجِيَّةِ.
* كَمَا نَبَّهَتِ الشَّرِيعَةُ عَلَى أَهَمِّيَّةِ تَحَقُّقِ الْقُدْرَةِ عَلَى تَحَمُّلِ مَسْؤُولِيَّةِ الْأُسْرَةِ بِكُلِّ جَوَانِبِهَا الْمَالِيَّةِ وَالِاجْتِمَاعِيَّةِ وَالنَّفْسِيَّةِ.
* وَإِذَا عَرَفَ الزَّوْجَانِ هَذِهِ الْحُقُوقَ وَعَمِلَا بِهَا؛ بَنَيَا أُسْرَةً صَالِحَةً مُسْتَقِرَّةً، وَأَحْيَاهُمَا اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- حَيَاةً مِلْؤُهَا الْهَنَاءُ وَالسَّعَادَةُ، وَكَانَ لَهُمَا الْجَزَاءُ الْأَوْفَى عِنْدَ اللهِ -تَعَالَى-، كَمَا قَالَ -سُبْحَانَهُ-: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النحل: 97]، وَكَانَ مِنْ ثَمَرَاتِ ذَلِكَ ذُرِّيَّةٌ تَقِيَّةٌ نَقِيَّةٌ مُوَحِّدَةٌ صَالِحَةٌ.
* وَقَدْ تَأَكَّدَتْ عِنَايَةُ الشَّرِيعَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ بِتَرْبِيَةِ الْأَبْنَاءِ تَرْبِيَةً سَلِيمَةً، وَإِشْعَارِهِمْ بِمَسْؤُولِيَّتِهِمْ تِجَاهَ دِينِهِمْ وَمُجْتَمَعِهِمْ وَوَطَنِهِمْ، مِمَّا يُؤَسِّسُ لِبِنَاءِ أُسْرَةٍ قَوِيَّةٍ سَوِيَّةٍ مِنْ خِلَالِ غَرْسِ أُصُولِ الْعَقِيدَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ وَالْقِيَمِ الدِّينِيَّةِ فِي نُفُوسِ الْأَبْنَاءِ، وَتَرْبِيَتِهِمْ عَلَى الِاقْتِدَاءِ بِخَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ وَصَفْوَةِ الْمُرْسَلِينَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ وَصَحْبِهِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ-.
فَالْأَبْنَاءُ أَمَانَةٌ فِي أَعْنَاقِ وَالِدِيهِمْ، حَيْثُ يَقُولُ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} [التحريم: 6].
وَصَلَاحُ الذُّرِّيَّةِ قُرَّةُ عَيْنٍ لِلْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، كَمَا قَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} [الفرقان: 74].
((سِرٌّ إِلَهِيٌّ عَظِيمٌ فِي عَقْدِ الزَّوَاجِ))
وَلَوْلَا عَقْدُ النِّكَاحِ وَحِفْظُ الْفُرُوجِ لَضَاعَتِ الْأَنْسَابُ، وَلَأَصْبَحَتِ الْحَيَاةُ فَوْضَى؛ لَا وِرَاثَةَ، وَلَا حُقُوقَ، وَلَا أُصُولَ وَلَا فُرُوعَ.
وَفِي عَقْدِ الزَّوَاجِ سِرٌّ إِلَهِيٌّ عَظِيمٌ يَتِمُّ عِنْدَ عَقْدِهِ -إِذَا قَدَّرَ اللهُ- الْأُلْفَةُ، فَيَحْصُلُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ مِنْ مَعَانِي الْوُدِّ وَالرَّحْمَةِ مَا لَا يَحْصُلُ بَيْنَ الصَّدِيقَيْنِ أَوِ الْقَرِيبَيْنِ إِلَّا بَعْدَ الْخُلْطَةِ الطَّوِيلَةِ.
وَإِلَى هَذَا الْمَعْنَى أَشَارَ رَبُّنَا -جَلَّ وَعَلَا- بِقَوْلِهِ: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الروم: 21].
((حِرْصُ الْإِسْلَامِ عَلَى التَّرَابُطِ الْأُسَرِيِّ))
الْإِسْلَامُ حَرِيصٌ كُلَّ الْحِرْصِ عَلَى الْحِفَاظِ عَلَى كِيَانِ الْأُسْرَةِ مُتَرَابِطَةً مُتَآلِفَةً، قَائِمَةً عَلَى الْعَقِيدَةِ الصَّحِيحَةِ، وَالْأَخْلَاقِ الْإِسْلَامِيَّةِ الْفَاضِلَةِ، وَالْحُبِّ وَالْوُدِّ، وَالِاحْتِرَامِ وَالتَّقْدِيرِ الْمُتَبَادَلِ.
قَالَ تَعَالَى: {هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ} [البقرة: 187].
وَقَالَ -سُبْحَانَهُ-: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 228].
أَيْ: وَلِلنِّسَاءِ عَلَى بُعُولِتِهِنَّ مِنَ الْحُقُوقِ وَاللَّوَازِمِ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ لِأَزْوَاجِهِنَّ مِنَ الْحُقُوقِ اللَّازِمَةِ وَالْمُسْتَحَبَّةِ.
وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((أَلَا وَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلِنِسَائِكُمْ عَلَيْكُمْ حَقًّا)). أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ.
فَالْأَمْرُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ قَائِمٌ عَلَى السَّكَنِ وَالْمَوَدَّةِ وَالرَّحْمَةِ، وَالْحُقُوقِ وَالْوَاجِبَاتِ الْمُتَبَادَلَةِ.
((مِنْ سُبُلِ التَّرَابُطِ الْأُسَرِيِّ:
رِعَايَةُ الزَّوْجَيْنِ الْحُقُوقَ وَالْوَاجِبَاتِ))
لِلزَّوَاجِ وَتَأْسِيسِ الْأُسْرَةِ آدَابٌ وَحُدُودٌ لَا بُدَّ مِنْ مُرَاعَاتِهَا، وَالْقِيَامِ بِهَا مِنَ الْجَانِبَيْنِ؛ لِتَتِمَّ بِهِ النِّعْمَةُ، وَتَتَحَقَّقَ بِهِ السَّعَادَةُ، وَيَصْفُوَ بِهِ الْعَيْشُ.
وَهِيَ: أَنْ يَقُومَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الزَّوْجَيْنِ بِمَا لِصَاحِبِهِ مِنْ حُقُوقٍ، وَيُرَاعِي مَا لَهُ مِنْ وَاجِبَاتٍ.
فَمِنَ الزَّوْجِ:
* الْقِيَامُ بِالْإِنْفَاقِ، وَمَا يُسْتَحَقُّ مِنْ كِسَوْةٍ وَمَسْكَنٍ بِالْمَعْرُوفِ.
* وَأَنْ يَكُونَ طَيِّبَ النَّفْسِ.
* وَأَنْ يُحْسِنَ الْعِشْرَةَ بِاللُّطْفِ وَاللِّينِ، وَالْبَشَاشَةِ وَالْأُنْسِ، وَحُسْنِ الصُّحْبَةِ.
وَعَلَى الزَّوْجَةِ:
* أَنْ تَقُومَ بِخِدْمَتِهِ.
* وَإِصْلَاحِ بَيْتِهِ، وَتَدْبِيرِ مَنْزِلِهِ وَنَفَقَتِهِ.
* وَتُحْسِنَ إِلَى أَبْنَائِهِ وَتُرَبِّيَهُمْ.
* وَتَحْفَظَهُ فِي نَفْسِهَا وَبَيْتِهِ وَمَالِهِ.
* وَأَنْ تُقَابِلَهُ بِالطَّلَاقَةِ وَالْبَشَاشَةِ، وَتُهَيِّءَ لَهُ أَسْبَابَ الرَّاحَةِ، وَتُدْخِلَ عَلَى نَفْسِهِ السُّرُورَ؛ لِيَجِدَ فِي بَيْتِهِ السَّعَادَةَ وَالِانْشِرَاحَ وَالرَّاحَةَ بَعْدَ نَصَبِ الْعَمَلِ وَتَعَبِهِ.
فَإِذَا قَامَ كُلٌّ مِنَ الزَّوْجَيْنِ بِمَا لِصَاحِبِهِ مِنَ الْحُقُوقِ وَالْوَاجِبَاتِ صَارَتْ حَيَاتُهُمَا سَعِيدَةً، وَاجْتِمَاعُهُمَا حَمِيدًا، وَرَفْرَفَ عَلَى بَيْتِهِمَا السُّرُورُ وَالْحُبُورُ، وَنَشَأَ الْأَطْفَالُ فِي هَذَا الْجَوِّ الْهَادِئِ الْوَادِعِ، فَشَبُّوا عَلَى كَرَمِ الطِّبَاعِ، وَحُسْنِ الشَّمَائِلِ، وَلَطِيفِ الْأَخْلَاقِ.
وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ.
المصدر: وَاذْكُرُوا اللهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ