النُّصُوصُ الشَّرْعِيَّةُ بَيْنَ الْفَهْمِ الصَّحِيحِ وَسُوءِ التَّأْوِيلِ

النُّصُوصُ الشَّرْعِيَّةُ بَيْنَ الْفَهْمِ الصَّحِيحِ وَسُوءِ التَّأْوِيلِ

((النُّصُوصُ الشَّرْعِيَّةُ

بَيْنَ الْفَهْمِ الصَّحِيحِ وَسُوءِ التَّأْوِيلِ))

إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّـه مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ.

أَمَّا بَعْدُ:

فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.

أَمَّا بَعْدُ:

((الْإِسْلَامُ دِينُ الْعِلْمِ))

فَالْإِسْلَامُ لَا يُمَاثِلُهُ فِي دَفْعِ أَتْبَاعِهِ وَمُعْتَنِقِيهِ نَحْوَ الْعِلْمِ وَالِاسْتِزَادَةِ مِنْ بُحُورِهِ أَيُّ دِينٍ آخَرَ.

إِنَّهُ الدِّينُ الَّذِي كَانَتْ أَوَّلَ لَبِنَةٍ فِي بِنَائِهِ كَلِمَةُ: (اقْرَأْ)، ثُمَّ وَضَعَ النَّاسَ عَامَّةً وَأَتْبَاعَهُ الدَّارِسِينَ لِكِتَابِهِ الْكَرِيمِ بِصُورَةٍ خَاصَّةٍ أَمَامَ مَشَاهِدِ الْكَوْنِ؛ بِسَمَائِهِ وَكَوَاكِبِهِ، وَشَمْسِهِ وَقَمَرِهِ، وَغُيُومِهِ وَأَمْطَارِهِ، وَبِحَارِهِ وَجِبَالِهِ وَأَنْهَارِهِ، وَنَبَاتِهِ وَحَيَوَانِهِ وَإِنْسَانِهِ، وَشَجَّعَهُمْ عَلَى الْبَحْثِ وَالدِّرَاسَةِ لِكَشْفِ قَوَانِينِ الْكَوْنِ وَمَعْرِفَةِ أَسْرَارِهِ، {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ۚ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [العنكبوت: 20].

وَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ طَلَبَ الْعِلْمِ فَرِيضَةً عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، وَأَوْجَبَ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا أَوْ مُتَعَلِّمًا.

وَفِي فَتْرَةٍ قَصِيرَةٍ مِنَ الزَّمَنِ بَعْدَ انْتِشَارِ الْإِسْلَامِ انْحَسَرَتْ مَوْجَةُ الْأُمِّيَّةِ وَالْجَهْلِ، وَارْتَفَعَتْ مَنَارَاتُ الْعِلْمِ، حَيْثُ وَصَلَ الْإِسْلَامُ وَحَلَّ الْمُسْلِمُونَ؛ فَمِنْ (سَمَرْقَنْد) وَ(بُخَارَى) شَرْقًا إِلَى (قُرْطُبَةَ) وَ(طُلَيْطِلَةَ) غَرْبًا لَا نَجِدُ مَدِينَةً وَلَا قَرْيَةً إِلَّا وَفِيهَا الْمَدَارِسُ وَالْكَتَاتِيبُ وَحَلْقَاتُ الْعِلْمِ وَالْمَكْتَبَاتُ، وَأَعْدَادٌ كَبِيرَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَطُلَّابِ الْعِلْمِ، وَكَانَتْ تَرْتَفِعُ مَكَانَةُ الْإِنْسَانِ بِعِلْمِهِ حَتَّى وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مُسْلِمًا، وَالْأَمْثِلَةُ عَلَى ذَلِكَ لَا حَصْرَ لَهَا.

طَبِيعَةُ الْإِسْلَامِ الِاعْتِمَادُ عَلَى الْعِلْمِ، وَتَحْكِيمُ الْعَقْلِ، وَعِنْدَهُ أَنَّ مَنْزِلَةَ الْعَالِمِ فَوْقَ مَنْزِلَةِ الْعَابِدِ.

وَفِي الْقُرْآنِ الْمَجِيدِ أَكْثَرُ مِنْ سَبْعِ مِائَةِ آيَةٍ تَحُثُّ عَلَى الْعِلْمِ وَالنَّظَرِ فِي الْكَوْنِ، وَفِي السُّنَّةِ الثَّابِتَةِ الْمُشَرَّفَةِ الْكَثِيرُ مِنْ ذَلِكَ -أَيْضًا-.

ثُمَّ إِنَّ الَّذِينَ يَقْرَأُونَ تَارِيخَ الْعَرَبِ الْمُسْلِمِينَ وَيَعُونَهُ يَذْكُرُونَ أَنَّ هَارُونَ الرَّشِيدَ لَمْ يَكُنْ يَنْظُرُ إِلَى الْبَلَدِ الَّذِي عَاشَ فِيهِ الْعَالِمُ، لَمْ يَكُنْ يَنْظُرُ إِلَّا إِلَى مَكَانَتِهِ مِنَ الْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ.

((نِعْمَةُ الْفَهْمِ الصَّحِيحِ وَأَهَمِّيَّتُهُ))

إِنَّ صِحَّةَ الْفَهْمِ وَسَلَامَةَ الْقَصْدِ مِنْ أَعْظَمِ نِعَمِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- عَلَى عَبْدِهِ، بَلْ هُمَا أَجَلُّ نِعَمِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- عَلَى الْعَبْدِ بَعْدَ نِعْمَةِ الْإِسْلَامِ الْعَظِيمِ.

وَصِحَّةُ الْفَهْمِ وَسَلَامَةُ الْقَصْدِ هُمَا سَاقَا الْإِسْلَامِ؛ عَلَيْهِمَا يَقُومُ، وَعَلَيْهِمَا يَرْتَكِزُ.

وَبِصِحَّةِ الْفَهْمِ يُنَجِّي اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- الْعَبْدَ مِنْ سَبِيلِ الضَّالِّينَ، وَأَمَّا بِسَلَامَةِ الْقَصْدِ فَيُنَجِّيهِ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- مِنْ سَبِيلِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ.

وَبِصِحَّةِ الْفَهْمِ وَسَلَامَةِ الْقَصْدِ يَكُونُ الْعَبْدُ مِنَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- عَلَيْهِمْ وَهَدَاهُمْ وَأَرْشَدَهُمْ إِلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ الَّذِي أَمَرَنَا اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- أَنْ نَسْأَلَهُ بِأَنْ يُنْعِمَ عَلَيْنَا بِالْهِدَايَةِ إِلَيْهِ كَمَا أَنْعَمَ عَلَى الَّذِينَ هَدَاهُمْ إِلَيْهِ، نَطْلُبُ مِنْهُ -سُبْحَانَهُ- ذَلِكَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ فِي كُلِّ صَلَاةٍ.

صِحَّةُ الْفَهْمِ وَسَلَامَةُ الْقَصْدِ أَعْظَمُ نِعْمَةٍ أَنْعَمَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- بِهَا عَلَى عَبْدِهِ بَعْدَ نِعْمَةِ الْإِسْلَامِ؛ إِذْ وَفَّقَهُ اللهُ إِلَيْهِ، وَشَرَحَ صَدْرَهُ لَهُ، وَثَبَّتَهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ عَلَيْهِ.

وَصِحَّةُ الْفَهْمِ نِعْمَةٌ مِنْ نِعَمِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- عَلَى عَبْدِهِ، وَمِنَّةٌ وَنُورٌ يَقْذِفُهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ فِي قَلْبِ عَبْدِهِ مِمَّنْ أَنْعَمَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- عَلَيْهِمْ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ الْعَظِيمَةِ، وَبِهَا تَفَاوَتَتْ سُبُلُ الْعُلَمَاءِ وَاخْتَلَفَتْ مَنَاهِجُهُمْ؛ فَعُدَّ أَلْفٌ بِوَاحِدٍ.

وَنُورٌ يَقْذِفُهُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- فِي قَلْبِ مَنْ أَحَبَّ مِنْ عِبَادِهِ، وَهِيَ مِنَّةٌ مَمْنُونَةٌ وَنِعْمَةٌ مُنْعَمٌ بِهَا عَلَى مَنْ شَاءَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- أَنْ يَمُنَّ عَلَيْهِ وَأَنْ يُنْعِمَ إِلَيْهِ، وَأَنْ يُحْسِنَ إِلَيْهِ دُنْيَا وَآخِرَةً.

أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-: ((أَنَّ عُمَرَ الْفَارُوقَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- كَانَ يُقَرِّبُهُ وَيُدْخِلُهُ مَجْلِسَهُ الْخَاصَّ -مَجْلِسَ مَشُورَتِهِ مَعَ الْأَشْيَاخِ مِنْ قُرَيْشٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَأَهْلِ بَدْرٍ-، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وَقَالُوا: هَذَا مِثْلُ أَبْنَائِنَا! فَكَيْفَ يَدْخُلُ مَعَنَا، وَيَجْلِسُ فِي مِثْلِ مَجْلِسِنَا؟!!)).

وَعَلِمَ ذَلِكَ عُمَرُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، قَالَ: فَقَالَ لِي يَوْمًا: ((احْضُرْ مَجْلِسَنَا)).

قَالَ: ((فَعَلِمْتُ أَنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ أَنْ يُرِيَهُمْ)).

فَلَمَّا اسْتَتَمَّ الْمَجْلِسُ وَفِيهِ ابْنُ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-؛ أَقْبَلَ عُمَرُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- عَلَى مَنْ حَضَرَ مِنَ الْأَشْيَاخِ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَأَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: ((مَا تَقُولُونَ فِي قَوْلِ اللهِ جَلَّتْ قُدْرَتُهُ: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} [النصر: 1]؟)).

فَمِنْ قَائِلٍ: ((إِنَّ اللهَ -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ- أَمَرَ نَبِيَّهُ ﷺ إِذَا أَنْعَمَ عَلَيْهِ بِالنَّصْرِ أَنْ يَسْتَغْفِرَ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- وَأَنْ يُسَبِّحَ بِحَمْدِهِ، وَمِنْ سَاكِتٍ لَا يَنْبِسُ بِبِنْتِ شَفَةٍ)).

قَالَ: فَأَقْبَلَ عَلَيَّ عُمَرُ فَقَالَ: ((مَا تَقُولُ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ؟)).

قَالَ: قُلْتُ: ((هُوَ نَعْيُ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَهُوَ إِعْلَامٌ بِدُنُوِّ أَجَلِهِ، أَخْبَرَهُ اللهُ -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ- إِذَا فَتَحَ عَلَيْهِ الْفُتُوحَ وَأَعَزَّهُ بِفَتْحِ مَكَّةَ أَنْ يُكْثِرَ مِنَ الِاسْتِغْفَارِ وَالتَّسْبِيحِ بِحَمْدِهِ -سُبْحَانَهُ-، وَجَعَلَ ذَلِكَ عَلَامَةً عَلَى دُنُوِّ أَجَلِهِ وَاقْتِرَابِ نِهَايَةِ عُمُرِهِ)).

فَقَالَ عُمَرُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: ((لَا أَعْلَمُ مِنْهَا غَيْرَ مَا عَلِمْتَ)).

لَا أَعْلَمُ مِنْهَا سِوَى مَا عَلِمْتَ.. لَا عِلْمَ لِي بِشَيْءٍ فَوْقَ الَّذِي قُلْتَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ الشَّرِيفَةِ الَّتِي أَنْزَلَهَا اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ.

فَمِنْ أَيْنَ أَتَى ابْنُ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- بِهَذَا الْفَهْمِ الْخَاصِّ وَلَيْسَ هُنَالِكَ مِنْ دَلَالَةٍ ظَاهِرَةٍ وَلَا بَاطِنَةٍ عَلَى الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ فِي هَذَا الْفَهْمِ فِي قَوْلِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- لِنَبِيِّهِ ﷺ: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (2) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ ۚ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا} [النصر: 1-3].

لَيْسَ فِي الْآيَاتِ فِي ظَاهِرِهَا مَا يَدُلُّ دَلَالَةً خَاصَّةً عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ ابْنُ عَبَّاسٍ مِنْ فَهْمِهِ بِالنُّورِ الَّذِي قَذَفَهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ فِي قَلْبِهِ مِنْ صِحَّةِ الْفَهْمِ وَجَوْدَتِهِ بِهَذِهِ الْمِنَّةِ الْمَمْنُونَةِ مِنَ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- عَلَى تُرْجُمَانِ الْقُرْآنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِدَعْوَةِ النَّبِيِّ ﷺ لَهُ.

وَصَدَّقَ الْفَارُوقُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مِنْ هَذَا التَّأْوِيلِ.. مِنْ هَذَا التَّفْسِيرِ، بَلْ إِنَّهُ أَقَرَّ بِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ فِي الْآيَاتِ فَوْقَ الَّذِي ذَكَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ شَيْئًا.

وَأَمَّا الصَّحَابَةُ الْآخَرُونَ -وَهُمْ أَطْوَلُ مُلَازَمَةٍ لِلنَّبِيِّ الْمَأْمُونِ ﷺ- فَلَمْ يَقْذِفْ رَبُّنَا -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ- فِي قُلُوبِهِمْ وَلَا فِي قَلْبِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِثْلَ مَا قَذَفَ فِي قَلْبِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ جَمِيعًا- تِجَاهَ مَا سَأَلَ عُمَرُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- مِنْ تَأْوِيلٍ لِهَذِهِ الْآيَاتِ الْمُشَرَّفَاتِ فِي سُورَةِ النَّصْرِ.

صِحَّةُ الْفَهْمِ.. وَهَذَا الْفَهْمُ لَهُ أَدَوَاتٌ بَيَّنَهَا لَنَا رَبُّنَا -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ- فِي كِتَابِهِ الْعَظِيمِ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۙ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [النحل: 78].

فَذَكَرَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ، وَذَكَرَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- الْفُؤَادَ، وَالْقُرْآنُ جَارٍ عَلَى ذِكْرِ الْفُؤَادِ وَالْقَلْبِ عَلَى أَنَّهُ مَجْمَعُ الْإِدْرَاكِ، وَعَلَى أَنَّهُ مَنَاطُ الْفَهْمِ والْمَعْرِفَةِ عَنِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- وَعَنْ رَسُولِهِ ﷺ.

فَبَيَّنَ لَنَا رَبُّنَا -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ- أَنَّ النَّاسَ جَمِيعًا يَسْتَوُونَ؛ عَالِمَهُمْ وَجَاهِلَهُمْ، وَكَاتِبَهُمْ وَقَارِئَهُمْ، وَأُمِّيَّهُمْ وَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ بَالِغًا الْمَبَالِغَ فِي الْمَعْرِفَةِ وَالتَّثَبُّتِ وَالتَّحْقِيقِ، وَمَنْ كَانَ بَالِغًا الْمَدَارِكَ فِي غَيْرِ ذَلِكَ وَضِدِّهِ، وَمَعَ ذَلِكَ يَخْرُجُونَ مَخْرَجًا وَاحِدًا: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ} جَمِيعًا.

ثُمَّ ذَكَرَ اللهُ -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ- مِنَّتَهُ عَلَى خَلْقِهِ وَمَا مَيَّزَهُمُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ بِهِ مِنْ أَدَوَاتِ الْفَهْمِ وَوَسَائِلِ الْإِدْرَاكِ وَطَرَائِقِ الْمَعْرِفَةِ؛ فَقَالَ اللهُ جَلَّتْ قُدْرَتُهُ: {وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ}؛ مِنْ أَجْلِ أَنْ يُكَلِّفَكُمُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- وَأَنْ يَأْمُرَكُمْ وَيَنْهَاكُمْ {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}.

وَمَعْلُومٌ أَنَّ الشُّكْرَ يَرْتَكِزُ عَلَى أُمُورٍ بِأَرْكَانٍ إِذَا مَا أَتَى بِهَا الْمَرْءُ عُدَّ شَاكِرًا، وَإِذَا لَمْ يَأْتِ بِهَا جَمِيعِهَا عُدَّ جَاحِدًا، وَإِلَّا فَنَقْصٌ بِحَسَبِ مَا نَقَصَ.

فَأَمَّا مَدَارُ أَرْكَانِ الشُّكْرِ فَهِيَ تَدُورُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَرْكَانٍ:

أَنْ يَعْتَرِفَ الْإِنْسَانُ بِالنِّعْمَةِ بَاطِنًا.

وَأَنْ يُقِرَّ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ بِالثَّنَاءِ عَلَيْهِ بِهَا -يَعْنِي: بِمَا أَنْعَمَ عَلَيْهِ مِنْ تِلْكَ النِّعْمَةِ- بِاللِّسَانِ ظَاهِرًا.

ثُمَّ الْأَمْرُ الْكَبِيرُ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ كَثِيرٌ مِنَ الْحُيُودِ عَنْ شُكْرِ رَبِّنَا الْمَعْبُودِ فِي هَذَا الْأَمْرِ الْخَطِيرِ الَّذِي أَنْعَمَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ بِهِ عَلَى عِبَادِهِ مِنْ نِعَمٍ مُتَوَالِيَاتٍ لَا حَصْرَ لَهَا وَلَا عَدَّ، وَلَكِنْ لَا تُصَرَّفُ فِيمَا يَنْبَغِي أَنْ تُصَرَّفَ فِيهِ؛ فَلَا يَصِيرُ الشُّكْرُ -حِينَئِذٍ- إِلَّا جُحُودًا وَنُكْرَانًا وَاتِّهَامًا للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ظَاهِرًا وَحَالًا بِأَنَّهُ مَا أَنْعَمَ عَلَى الْعَبْدِ بِشَيْءٍ يَسْتَوْجِبُ الشُّكْرَانَ.

لَا بُدَّ أَنْ يُقِرَّ الْمَرْءُ بِالنِّعْمَةِ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ مُعْتَرِفًا بِهَا بَاطِنًا، وَأَنْ يَلْهَجَ عَلَى اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ بِالثَّنَاءِ عَلَيْهِ بِهَا -يَعْنِي: بِمَا أَنْعَمَ عَلَيْهِ مِنَ النِّعَمِ- بِاللِّسَانِ ظَاهِرًا، وَأَنْ يُصَرِّفَهَا فِي مَرْضَاةِ الَّذِي أَنْعَمَ بِهَا عَلَيْهِ وَأَسْدَاهَا إِلَيْهِ.

فَإِذَا اعْتَرَفَ الْمَرْءُ بِالنِّعْمَةِ بَاطِنًا، وَلَهَجَ بِالثَّنَاءِ عَلَى اللهِ -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ- بِهَا بِالنُّطْقِ ظَاهِرًا، وَلَمْ يُصَرِّفِ النِّعْمَةَ فِي شُكْرِ مَنْ أَنْعَمَ عَلَيْهِ بِهَا عَلَى النَّحْوِ الَّذِي طَلَبَ مِنْهُ أَنْ يَجْعَلَهَا فِيهِ فَهُوَ جَاحِدٌ نَاكِرٌ غَيْرُ شَاكِرٍ.

{وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۙ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}، وَأَنْتُمْ لَمْ تَشْكُرُوا إِلَّا مَنِ اعْتَرَفْتُمْ بِوُجُودِهِ بَدْءًا، ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ لَهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ عَلَيْكُمْ ثَانِيًا، ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ لَهُ بِأُلُوهِيَّتِهِ لَكُمْ بِتَصْرِيفِ عِبَادَتِكُمْ لَهُ وَقَصْرِهَا عَلَيْهِ ثَالِثًا، ثُمَّ إِنَّهُ -حِينَئِذٍ- يَكُونُ مُسْتَحْوِذًا لِجَمِيعِ صِفَاتِ الْكَمَالِ وَالْجَلَالِ وَالْجَمَالِ مِنْ جَمِيعِ أَقْطَارِهَا.

وَإِذَنْ؛ فَهَذَا تَوْحِيدٌ خَالِصٌ يَجْعَلُهُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- فِي هَذِهِ الْكَلِمَةِ الْفَذَّةِ الْمُفْرَدَةِ: {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}.

وَشُكْرُ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ عَلَى (السَّمْعِ) بِأَنْ يَعْتَرِفَ الْمَرْءُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ بَاطِنًا، وَأَنْ يَلْهَجَ بِالثَّنَاءِ عَلَيْهِ بِهَا ظَاهِرًا بِالنُّطْقِ لِسَانًا، ثُمَّ أَنْ يُصَرِّفَهَا فِيمَا يَنْبَغِي أَنْ تُصَرَّفَ فِيهِ عَلَى حَسَبِ قَانُونِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ فِي شَرْعِهِ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ ﷺ، وَكَذَلِكَ (الْبَصَرُ وَالْفُؤَادُ).

قَالَ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ-: {قُلِ انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [يونس: 101].

قُلْ يَا رَسُولَ اللهِ لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَسْأَلُونَكَ الْآيَاتِ: انْظُرُوا بِقُلُوبِكُمْ نَظَرَ اعْتِبَارٍ وَتَذَكُّرٍ وَتَدَبُّرٍ: مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مِنَ الْآيَاتِ التَّكْوِينِيَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ؛ فَإِذَا نَظَرْتُمْ هَذَا النَّظَرَ التَّدَبُّرِيَّ تَحَقَّقْتُمْ مِنْ صِدْقِ رَسُولِكُمْ فِيمَا جَاءَكُمْ بِهِ عَنْ رَبِّكُمْ.

وَقَالَ تَعَالَى: {إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ} [الأنعام: 36].

لَا يَسْتَجِيبُ لِدَعْوَةِ الْحَقِّ إِلَّا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ لَدَيِّهِمُ اسْتِعْدَادٌ لِأَنْ يَسْمَعُوا سَمَاعًا وَاعِيًا وَاصِلًا إِلَى مَدَارِكِهِمْ.

وَقَالَ رَبُّنَا -جَلَّ وَعَلَا-: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ} [الأنعام: 50].

قُلْ يَا رَسُولَ اللهِ: هَلْ يَسْتَوِي الْجَاهِلُ بِحَقَائِقِ الدِّينِ الرَّبَّانِيَّةِ، وَالْعَالِمُ بِحَقَائِقِ الدِّينِ الرَّبَّانِيَّةِ؟!! أَفَقَدْتُمْ مَا وَهَبْنَاكُمْ مِنْ عَقْلٍ فَلَا تَتَفَكَّرُونَ أَنَّهُمَا لَا يَسْتَوِيَانِ؟!!

وَحَثَّ اللهُ عَلَى الْوَعْيِ وَالْإِدْرَاكِ، وَأَثْنَى عَلَى أَهْلِهِ؛ فَقَالَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: {إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ (11) لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ} [الحاقة: 11-12].

وَمِنْ جُمْلَةِ هَؤُلَاءِ -الَّذِينَ عَاقَبَهُمُ اللهُ لِكُفْرِهِمْ وَتَكْذِيبِهِمْ- قَوْمُ نُوحٍ؛ أَغْرَقَهُمُ اللَّهُ فِي الْيَمِّ حِينَ طَغَى الْمَاءُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ وَعَلَا عَلَى مَوَاضِعِهَا الرَّفِيعَةِ.

وَامْتَنَّ اللَّهُ عَلَى الْخَلْقِ الْمَوْجُودِينَ بِعْدَهُمْ أَنْ حَمَلَهُمْ {فِي الْجَارِيَةِ} -وَهِيَ السَّفِينَةُ- فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمُ الَّذِينَ نَجَّاهُمُ اللَّهُ.

فَاحْمَدُوا اللَّهَ، وَاشْكُرُوا الَّذِي نَجَّاكُمْ حِينَ أَهْلَكَ الطَّاغِينَ، وَاعْتَبِرُوا بِآيَاتِهِ الدَّالَّةِ عَلَى تَوْحِيدِهِ، وَلِهَذَا قَالَ: {لِنَجْعَلَهَا}؛ أَيِ: الْجَارِيَةَ، وَالْمُرَادُ جِنْسُهَا، {لَكُمْ تَذْكِرَةً} تُذَكِّرُكُمْ أَوَّلَ سَفِينَةٍ صُنِعَتْ، وَمَا قِصَّتُهَا، وَكَيْفَ نَجَّى اللَّهُ عَلَيْهَا مَنْ آمَنَ بِهِ وَاتَّبَعَ رَسُولَهُ، وَكَيْفَ أَهْلَكَ أَهْلَ الْأَرْضِ كُلَّهُمْ، فَإِنَّ جِنْسَ الشَّيْءِ مُذَكِّرٌ بِأَصْلِهِ.

{وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ}؛ أَيْ: يَعْقِلُهَا أُولُو الْأَلْبَابِ، وَيَعْرِفُونَ الْمَقْصُودَ مِنْهَا وَوَجْهَ الْآيَةِ بِهَا، وَهَذَا بِخِلَافِ أَهْلِ الْإِعْرَاضِ وَالْغَفْلَةِ وَأَهْلِ الْبَلَادَةِ وَعَدَمِ الْفِطْنَةِ، فَإِنَّهُمْ لَيْسَ لَهُمُ انْتِفَاعٌ بِآيَاتِ اللَّهِ لِعَدَمِ وَعْيِهِمْ عَنِ اللَّهِ، وَلِعَدَمِ تَفَكُّرِهِمْ فِي آيَاتِ اللهِ.

وَحَثَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى الْفِقْهِ وَالْفَهْمِ الصَّحِيحِ، قَالَ ﷺ: ((نَضَّرَ اللهُ عَبْدًا سَمِعَ مَقَالَتِي فَحَفِظَهَا وَوَعَاهَا، وَبَلَّغَهَا مَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَا فِقْهَ لَهُ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ)) . أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ.

فَفِي قَوْلِهِ ﷺ: ((فَحَفِظَهَا وَوَعَاهَا)).. إِشَارَةٌ إِلَى الْحِفْظِ السَّلِيمِ وَالْفَهْمِ الْمُسْتَقِيمِ.

وَفِي قَوْلِهِ ﷺ: ((وَبَلَّغَهَا مَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا)).. إِشَارَةٌ إِلَى أَدَاءِ الْكَلَامِ بنَصِّهِ، ((وَبَلَّغَهَا مَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا)).

وَفِي قَوْلِهِ ﷺ: ((فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَا فِقْهَ لَهُ)).. إِشَارَةٌ إِلَى صَاحِبِ الْفَهْمِ الضَّعِيفِ.

وَفِي قَوْلِهِ ﷺ: ((وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ)).. إِشَارَةٌ إِلَى تَفَاوُتِ الْأَفْهَامِ, وَأَنَّ سَامِعَ الْخَبَرِ قَدْ يَسْتَنْبِطُ مِمَّا سَمِعَ مَا لَمْ يَسْتَنْبِطْهُ الرَّاوِي الَّذِي نَقَلَ الْكَلَامَ.

هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ جَوَامِعِ كَلِمِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ.

إِنَّ التَّفَقُّهَ فِي الدِّينِ مِنْ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ، وَمِنْ أَطْيَبِ الْخِصَالِ.

وَقَدْ دَلَّتِ النُّصُوصُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَلَى فَضْلِهِ وَالْحَثِّ عَلَيْهِ:

مِنْ ذَلِكَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة: 122].

وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَى صِحَّتِهِ: «مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ».

هَذَا فِيهِ حَثٌّ عَلَى التَّفَقُّهِ فِي الدِّينِ بِإِجْمَالٍ.. الْفِقْهُ فِي الدِّينِ فِي لِسَانِ النَّبِيِّ الْأَمِينِ ﷺ يَشْمَلُ الْفَهْمَ فِي الدِّينِ كُلِّهِ، لَا فِي الْأَحْكَامِ الْعَمَلِيَّةِ فَقَطْ، وَإِنَّمَا يَشْمَلُ الِاعْتِقَادَ، وَالْعِبَادَةَ، وَالْمُعَامَلَةَ، وَيَشْمَلُ الْأَخْلَاقَ وَالسُّلُوكَ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِدِينِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

رَتَّبَ النَّبِيُّ ﷺ الْخَيْرَ كُلَّهُ عَلَى الْفِقْهِ فِي الدِّينِ، وَهَذَا مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَهَمِّيَّتِهِ، وَعِظَمِ شَأْنِهِ، وَعُلُوِّ مَنْزِلَتِهِ.

قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «النَّاسُ مَعَادِنُ، خِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الْإِسْلَامِ إِذَا فَقِهُوا». هَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

«إِذَا فَقِهُوا»: إِذَا صَارُوا فُقَهَاءَ.

فَالْفِقْهُ فِي الدِّينِ مَنْزِلَتُهُ فِي الْإِسْلَامِ عَظِيمَةٌ، وَدَرَجَتُهُ فِي الثَّوَابِ كَبِيرَةٌ؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ إِذَا تَفَقَّهَ فِي أُمُورِ دِينِهِ، وَعَرَفَ مَا لَهُ وَمَا عَلَيْهِ مِنْ حُقُوقٍ وَوَاجِبَاتٍ، إِذَا تَفَقَّهَ فِي الدِّينِ وَعَرَفَ ذَلِكَ؛ عَبَدَ رَبَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَبَصِيرَةٍ، وَيُوَفَّقُ لِلْخَيْرِ وَالسَّعَادَةِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.

((قِيمَةُ الْعَقْلِ فِي فَهْمِ النُّصُوصِ الشَّرْعِيَّةِ))

إِنَّ الْعَقْلَ الَّذِي أَنْعَمَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ بِهِ عَلَى الْعُقَلَاءِ مِنْ بَنِي آدَمَ هُوَ مَنَاطُ التَّكْلِيفِ، فَإِذَا ذَهَبَ الْعَقْلُ سَقَطَ التَّكْلِيفُ، فَالنَّائِمُ يُرْفَعُ عَنْهُ الْقَلَمُ؛ لِأَنَّهُ لَا أَهْلِيَّةَ لَهُ وَهُوَ غَيْرُ مَسْؤُولٍ، وَكَذَلِكَ الَّذِي لَمْ يَحْتَلِمْ بَعْدُ -صَغِيرًا- فَهَذَا رُفِعَ عَنْهُ الْقَلَمُ، وَلَا أَهْلِيَّةَ لَهُ وَهُوَ غَيْرُ مَسْؤُولٍ، وَالْمَجْنُونُ رُفِعَ عَنْهُ الْقَلَمُ حَتَّى يُفِيقَ.

وَإِذَنْ؛ فَهَذَا الْعَقْلُ مَنَاطُ التَّكْلِيفِ، وَإِذَا مَا رُفِعَ الْعَقْلُ سَقَطَ التَّكْلِيفُ، هُمَا أَمْرَانِ لَا بُدَّ أَنْ يُوجَدَا مَعًا؛ وَإِلَّا فَإِنَّهُمَا يَرْتَفِعَانِ مَعًا.

وَإِذَنْ؛ فَلَهُ أَهَمِّيَّتُهُ فِي دِينِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

وَهَذَا دِينٌ لَا يَجْعَلُ النَّاسَ فِي الْحَيَاةِ حَيَارَى يَسِيرُونَ فِي الْأَرْضِ سُكَارَى، وَإِنَّمَا يَحْفَظُ عَلَيْهِمْ عُقُولَهُمْ، وَيَلْتَزِمُهُمْ عَلَى جَادَّةِ الطَّرِيقِ وَسَوائِهِ؛ مِنْ أَجْلِ أَنْ يَكُونُوا مُحَقِّقِينَ فِي الْحَيَاةِ لِعُبُودِيَّتِهِمْ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ بِاخْتِيَارِهِمْ، فَيَمُدُّهُمُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ -حِينَئِذٍ- بِالْهِدَايَةِ، وَبِمَدَدٍ مِنْ عِنْدِهِ.

هَذَا الدِّينُ دِينٌ يَحْتَرِمُ الْعَقْلَ؛ بَلْ إِنَّهُ يَقُودُ الْقَلْبَ بِزِمَامِ الْعَقْلِ؛ مِنْ أَجْلِ أَنْ يُقِيمَهُ عَلَى جَادَّةِ الْإِيمَانِ الْحَقِّ، وَالتَّسْلِيمِ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

وَدَوْرُ الْعَقْلِ مُنْحَسِمٌ مُنْحَصِرٌ فِي قَانُونٍ: إِنَّهُ يُعْمَلُ فِي الْقَضِيَّةِ الْأُولَى عَلَى رَأْسِ الطَّرِيقِ، فَإِذَا أَسْلَمْتَ فَلَا يَجُوزُ بَعْدَ إِسْلَامِكَ وَإِيمَانِكَ وَتَسْلِيمِكَ أَنْ تُعْمِلَ الْعَقْلَ فِي النُّصُوصِ قَبُولًا وَرَدًّا، لِلْعَقْلِ مَجَالُهُ، فَإِذَا مَا سَلَّمَ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُرَاجِعَ، وَإِلَّا فَلَوْ رَاجَعَ الْعَقْلُ مَرَّةً أُخْرَى بَعْدَ التَّسْلِيمِ فِي أَصْلِ الْقَضِيَّةِ فَإِنَّهُ يَكُونُ قَدْ رَاجَعَ فِي أَصْلِ الْقَضِيَّةِ، وَلَا يَسْتَقِيمُ، تَنَاقُضٌ؛ لَا يَجُوزُ، أَنْتَ سَلَّمْتَ وَأَنْتَ عَلَى رَأْسِ الطَّرِيقِ: {فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} [الكهف: 29]، {وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ} [فصلت: 46].

الْأَمْرُ وَاضِحٌ كَالشَّمْسِ فِي رَائِعَةِ الضُّحَى مِنْ غَيْرِ مَا غَيْمٍ وَلَا سَحَابٍ تُدْرِكُهَا الْأَعْيُنُ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا مِنْ عُشُوٍّ، وَلَيْسَ بِهَا مِنْ عَمًى، وَلَا دُونَهَا ضَبَابٌ، هَذِهِ الْأَعْيُنُ الَّتِي لَيْسَتْ بِرُمْدٍ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَسْتَجْلِيَ حَقِيقَةَ الدِّينِ بِالْفِطْرَةِ الْعَقْلِيَّةِ لَا عَلَى الْفِطْرَةِ الْمَنْطِقِيَّةِ.

وَعَلَى رَأْسِ الطَّرِيقِ يَخْتَارُ الْمَرْءُ طَرِيقَهُ؛ هُمَا طَرِيقَانِ؛ وَهَدَى اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ الْإِنْسَانَ النَّجْدَيْنِ؛ طَرِيقَ الْحَقِّ وَطَرِيقَ الْبَاطِلِ، طَرِيقَ الْهُدَى وَطَرِيقَ الضَّلَالِ، فَإِذَا مَا سِرْتَ فِي طَرِيقِ الْحَقِّ فَاخْتَرَتْهُ فَكَيْفَ تُرَاجِعُ مَرَّةً أُخْرَى فِي أَصْلِ الْقَضِيَّةِ فِي أَصْلِ الِاخْتِيَارِ؟! هَذَا تَنَاقُضٌ لَا يَحْسُنُ بِالْعُقَلَاءِ، وَلَا يَجْمُلُ وَلَا يَكُونُ عِنْدَ عَاقِلٍ أَبَدًا.

((دَعَائِمُ الْفَهْمِ الصَّحِيحِ لِلنُّصُوصِ الشَّرْعِيَّةِ))

إِنَّ صِحَّةَ الْفَهْمِ لِنُصُوصِ الْوَحْيَيْنِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ تَكَادُ تَكُونُ تَرْجَمَةً حَرْفِيَّةً لِمُرَادِ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا-.

وَكُلَّمَا كَانَ فَهْمُ الْمُسْتَدِلِّ صَحِيحًا كُلَّمَا كَانَ أَقْرَبَ لِحُكْمِ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا- وَلِمُرَادِ الشَّارِعِ الْحَكِيمِ.

وَلَقَدْ جَرَّ سُوءُ الْفَهْمِ عَلَى أَهْلِ الْأَهْوَاءِ وَالْبِدَعِ نَتَائِجَ خَطِيرَةً، بِرَغْمِ مَا كَانُوا يَتَمَتَّعُونَ بِهِ مِنْ ذَكَاءٍ شَدِيدٍ وَفِطْنَةٍ عَجِيبَةٍ.

فَصِحَّةُ الْفَهْمِ نِعْمَةٌ مِنَ اللهِ، بِجَانِبِ كَوْنِهَا مَلَكَةً تَحْتَاجُ لِصَقْلٍ وَتَدْرِيبٍ، وَالِالْتِزَامِ بِضَوَابِطِ عِلْمِيَّةٍ تَعْصِمُ مِنَ الِانْحِرَافِ عَنِ الصِّرَاطِ الْقَوِيمِ وَالنَّهْجِ الْمُسْتَقِيمِ؛ وَلِهَذَا كَانَ خَيْرُ مَا تُفْهَمُ بِهِ النُّصُوصُ الشَّرْعِيَّةُ هُوَ فَهْمُ الصَّحَابَةِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ-؛ فَالصَّحَابَةُ هُمْ حَوَارِيُّو الرَّسُولِ ﷺ؛ وَلِذَلِكَ فَهْمُ أَكْثَرُ فَهْمًا لِرِسَالَتِهِ مِنْ غَيْرِهِمْ.

قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَا مِنْ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللهُ فِي أُمَّةٍ قَبْلِي إِلَّا كَانَ لَهُ مِنْ أُمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ وَأَصْحَابٌ، يَأْخُذُونَ بِسُنَّتِهِ، وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ، ثُمَّ إِنَّهَا تَخْلُفُ مِنْ بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ، وَيَفْعَلُونَ مَا لَا يُؤْمَرُونَ، فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الْإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

ثُمَّ إِنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا يَسْأَلُونَ عَمَّا يُشْكِلُ عَلَيْهِمْ، رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ فِي ((كِتَابِ الْعِلْمِ)) عَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا-: ((أَنَّهَا كَانَتْ لَا تَسْمَعُ شَيْئًا لَا تَعْرِفُهُ إِلَّا رَاجَعَتْ فِيهِ حَتَّى تَعْرِفَهُ)).

وَبِهَذَا يُعْرَفُ أَنَّ مَا يَنْقَدِحُ فِي ذِهْنِ الْإِنْسَانِ مِنْ مَسَائِلَ لَمْ يَسْأَلْ عَنْهَا الصَّحَابَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- مَعَ حَاجَتِهِمْ إِلَيْهَا وَوُقُوعُ دَوَاعِيهَا عِنْدَهُمْ.. إِذَا انْقَدَحَ فِي ذِهْنِ الْإِنْسَانِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَلْيَعْلَمْ أَنَّ هَذَا مِنْ تَلْبِيسِ الشَّيْطَانِ.

فَالْأَمْرُ الْوَاجِبُ هُوَ أَنْ يَقِفَ الدَّاعِي حَيْثُ وَقَفَ الصَّحَابَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ-، وَلْيَعْلَمْ أَنَّ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- مَا تَرَكَ شَيْئًا مِمَّا نَحْتَاجُ إِلَيْهِ نَسْيًا مَنْسِيًّا.

وَالصُّحْبَةُ لَهَا فَضَائِلُ عَظِيمَةٌ: قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: «إِنَّ اللهَ نَظَرَ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ فَوَجَدَ قَلْبَ مُحَمَّدٍ ﷺ خَيْرَ قُلُوبِ الْعِبَادِ، فَاصْطَفَاهُ لِنَفْسِهِ، فَابْتَعَثَهُ بِرِسَالَتِهِ، ثُمَّ نَظَرَ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ بَعْدَ قَلْبِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَوَجَدَ قُلُوبَ أَصْحَابِهِ خَيْرَ قُلُوبِ الْعِبَادِ، فَجَعَلَهُمْ وُزَرَاءَ نَبِيِّهِ، يُقَاتِلُونَ عَلَى دِينِهِ، فَمَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللهِ حَسَنٌ، وَمَا رَأَوْهُ سَيِّئًا فَهُوَ عِنْدَ اللهِ سَيْءٌ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ.

وَقَالَ قَتَادَةُ -رَحِمَهُ اللهُ- فِي قَوْلِ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} [سبأ: 6]، قَالَ: «أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ ».

فَلَا بُدَّ مِنْ فَهْمِ النُّصُوصِ بِفَهْمِ الصَّحَابَةِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ-.

وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ الْكِتَابُ الْعَزِيزُ وَالسُّنَّةُ الْمُشَرَّفَةُ.

فَفِي الْكِتَابِ الْعَزِيزِ: قَوْلُ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة: 143].

وَالْوَسَطُ: الْخِيَارُ الْعُدُولُ؛ فَالصَّحَابَةُ خَيْرُ الْأُمَّةِ، وَأَعْدَلُهَا فِي أَقْوَالِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ وَإِرَادَاتِهِمْ وَنِيَّاتِهِمْ، وَبِهَذَا اسْتَحَقُّوا أَنْ يَكُونُوا شُهَدَاءَ لِلرُّسُلِ عَلَى أُمَمِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.

وَقَالَ تَعَالَى: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۗ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم ۚ مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ} [آل عمران: 110].

وَالْأَدِلَّةُ مِنَ السُّنَّةِ عَلَى ذَلِكَ كَثِيرَةٌ: مِنْهَا: قَوْلُ الرَّسُولِ ﷺ: «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ..». الْحَدِيثَ، وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَالْعُمُومُ فِي الْحَدِيثِ يَقْتَضِي عُمُومَ الْخَيْرِيَّةِ فِي الِاعْتِقَادِ وَالْفَهْمِ وَالْعَمَلِ. 

وَقَدْ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ -أَيْضًا- الْإِجْمَاعُ وَأَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ:

قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ -رَحِمَهُ اللهُ-: «اتِّفَاقُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ مِنْ جَمِيعِ الطَّوَائِفِ عَلَى أَنَّ خَيْرَ قُرُونِ هَذِهِ الْأُمَّةِ فِي الْأَعْمَالِ وَالْأَقْوَالِ وَالِاعْتِقَادِ وَغَيْرِهَا مِنْ كُلِّ فَضِيلَةٍ الْقَرْنُ الْأَوَّلُ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، وَأَنَّهُمْ أَفْضَلُ مِنَ الْخَلَفِ فِي كُلِّ فَضِيلَةٍ مِنْ عِلْمٍ وَإِيمَانٍ، وَعَقْلٍ وَدِينٍ وَبَيَانٍ، وَعِبَادَةٍ، وَأَنَّهُمْ أَوْلَى بِالْبَيَانِ لِكُلِّ مُشْكِلٍ؛ فَهَذَا لَا يَدْفَعُهُ إِلَّا مَنْ كَابَرَ الْمَعْلُومَ بِالضَّرُورَةِ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ، وَأَضَلَّهُ اللهُ عَلَى عِلْمٍ».

وَأَمَّا أَقْوَالُ سَلَفِ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَعُلَمَائِهَا:

فَقَدْ قَالَ حُذَيْفَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: «اتَّقُوا اللهَ يَا مَعْشَرَ الْقُرَّاءِ! خُذُوا طَرِيقَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، وَاللهِ! لَئِنِ اسْتَقَمْتُمْ فَقَدْ سُبِقْتُمْ سَبْقًا بَعِيدًا ،وَلَئِنْ تَرَكْتُمُوهُ يَمِينًا وَشِمَالًا لَقَدْ ضَلَلْتُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا».

وَعَنْ عَبَّادِ بْنِ الْعَوَّامِ قَالَ: ((قَدِمَ عَلَيْنَا شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللهِ مُنْذُ نَحْوِ خَمْسِينَ سَنَةً فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ! إِنَّ عِنْدَنَا قَوْمًا مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ يُنْكِرُونَ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ)) يَعْنِي: أَحَادِيثَ الصِّفَاتِ.

قَالَ: ((فَحَدَّثَنِي بِنَحْوٍ مِنْ عَشْرَةِ أَحَادِيثَ فِي هَذَا، وَقَالَ: ((أَمَّا نَحْنُ فَقَدْ أَخَذْنَا دِينَنَا عَنِ التَّابِعِينَ عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَهُمْ عَمَّنْ أَخَذُوا؟!)). أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي ((الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ)) بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ.

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ- فِي ((رِسَالَتِهِ)): «هُمْ -يَعْنِي: الصَّحَابَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ-- فَوْقَنَا فِي كُلِّ عِلْمٍ وَعَقْلٍ وَدِينٍ وَفَضْلٍ، وَفِي كُلِّ سَبَبٍ يُنَالُ بِهِ عِلْمٌ أَوْ يُدْرَكُ بِهِ هُدًى، وَرَأْيُهُمْ لَنَا خَيْرٌ مِنْ رَأْيِنَا لِأَنْفُسِنَا».

وَقَالَ أَحْمَدُ -رَحِمَهُ اللهُ-: «أُصُولُ أَهْلِ السُّنَّةِ عِنْدَنَا: التَّمَسُّكُ بِمَا كَانَ عَلَيْهِ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَالِاقْتِدَاءُ بِهِمْ، وَتَرْكُ الْبِدَعِ».

وَقَالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ -رَحِمَهُ اللهُ-: «وَأَصْلُ وُقُوعِ أَهْلِ الضَّلَالِ فِي مِثْلِ هَذَا التَّحْرِيفِ الْإِعْرَاضُ عَنْ فَهْمِ كِتَابِ اللهِ -تَعَالَى- كَمَا فَهِمَهُ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ، وَمُعَارَضَةُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ بِمَا يُنَاقِضُهُ».

وَقَالَ الشَّاطِبِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((سُّنَّةُ الصَّحَابَةِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- سُنَّةٌ يُعْمَلُ عَلَيْهَا وَيُرْجَعُ إِلَيْهَا، وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى ذَلِكَ أُمُورٌ:

* ثَنَاءُ اللهِ عَلَيْهِمْ: قَالَ تَعَالَى: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۗ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم ۚ مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ} [آل عمران: 110].

* وَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ مِنَ الْأَمْرِ بِاتِّبَاعِهِمْ، وَأَنَّ سُنَّتَهُمْ فِي طَلَبِ الِاتِّبَاعِ كَسُنَّةِ النَّبِيِّ ﷺ، كَقَوْلِهِ ﷺ: «فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ».

* وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ قَدَّمُوا الصَّحَابَةَ عِنْدَ تَرْجِيحِ الْأَقَاوِيلِ؛ فَقَدْ جَعَلَ طَائِفَةٌ قَوْلَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ حُجَّةً وَدَلِيلًا، وَبَعْضُهُمْ عَدَّ قَوْلَ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ دَلِيلًا، وَبَعْضُهُمْ يَعُدُّ قَوْلَ الصَّحَابَةِ عَلَى الْإِطْلَاقِ حُجَّةً وَدَلِيلًا، وَلِكُلِّ قَوْلٍ مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ مُتَعَلَّقٌ مِنَ السُّنَّةِ)).

وَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ -أَيْضًا- الْعَقْلُ:

قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ -رَحِمَهُ اللهُ-: «مِنَ الْمُحَالِ أَنْ تَكُونَ الْقُرُونُ الْفَاضِلَةُ -الْقَرْنُ الَّذِي بُعِثَ فِيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ- مُحَالٌ أَنَّهُمْ كَانُوا غَيْرَ عَالِمِينَ، وَغَيْرَ قَائِلِينَ فِي هَذَا الْبَابِ بِالْحَقِّ الْمُبِينِ؛ لِأَنَّ ضِدَّ ذَلِكَ؛ إِمَّا عَدَمُ الْعِلْمِ وَالْقَوْلِ، وَإِمَّا اعْتِقَادُ نَقِيضِ الْحَقِّ، وَقَوْلُ خِلَافِ الصِّدْقِ، وَكِلَاهُمَا مُمْتَنَعٌ -لِأَنَّ فِي هَذَا طَعْنًا مُبَطَّنًا فِي اللهِ -تَعَالَى- وَرَسُولِهِ ﷺ؛ أَمَّا الطَّعْنُ فِي اللهِ -تَعَالَى- فَأَنَّهُ لَمْ يُحْسِنِ اخْتِيَارَ أَصْحَابِ نَبِيِّهِ ﷺ، وَأَمَّا الطَّعْنُ فِي النَّبِيِّ ﷺ فَلِأَنَّهُ لَمْ يُعَلِّمْ أَصْحَابَهُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ-، فَهَذَا وَهَذَا مُمْتَنِعٌ-.

أَمَّا الْقَوْلُ الْأَوَّلُ: (غَيْرُ عَالِمِينَ)؛ فَلِأَنَّ مَنْ فِي قَلْبِهِ حَيَاةٌ، وَطَلَبٌ لِلْعِلْمِ، أَوْ نُهْمَةٌ فِي الْعِبَادَةِ، يَكُونُ الْبَحْثُ عَنْ هَذَا الْبَابِ، وَالسُّؤَالُ عَنْهُ، وَمَعْرِفَةُ الْحَقِّ فِيهِ أَكْبَرَ مَقَاصِدِهِ وَأَعْظَمَ مَطَالِبِهِ، وَلَيْسَتِ النُّفُوسُ الصَّحِيحَةُ إِلَى شَيْءٍ أَشْوَقَ مِنْهَا إِلَى مَعْرِفَةِ هَذَا الْأَمْرِ، وَهَذَا أَمْرٌ مَعْلُومٌ بِالْفِطْرَةِ الْوَجْدِيَّةِ؛ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ مَعَ قِيَامِ هَذَا الْمُقْتَضَى -الَّذِي هُوَ مِنْ أَقْوَى الْمُقْتَضَيَاتِ- أَنْ يَتَخَلَّفَ عَنْهُ مُقْتَضَاهُ فِي أُولَئِكَ السَّادَةِ فِي مَجْمُوعِ عُصُورِهِمْ؟! هَذَا لَا يَكَادُ يَقَعُ فِي أَبْلَدِ الْخَلْقِ، وَأَشَدِّهِمْ إِعْرَاضًا عَنِ اللهِ، وَأَعْظَمِهِمُ انْكِبَابًا عَلَى طَلَبِ الدُّنْيَا، وَغَفْلَةً عَنْ ذِكْرِ اللهِ -تَعَالَى-؛ فَكَيْفَ يَقَعُ فِي أُوَلَئِكَ؟!

الْقَوْلُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونُوا مُعْتَقِدِينَ فِي هَذَا غَيْرَ الْحَقِّ، أَوْ لَا يَقُولُونَ بِهِ؛ فَهَذَا لَا يَعْتَقِدُهُ مُسْلِمٌ وَلَا عَاقِلٌ عَرَفَ حَالَ الْقَوْمِ».

فَالصَّحَابَةُ أَفْقَهُ الْأُمَّةِ، أَبَرُّهَا قُلُوبًا، وَأَعْمَقُهَا عِلْمًا، وَأَقَلُّهَا تَكَلُّفًا، وَأَصَحُّهَا قَصْدًا، وَأَكْمَلُهَا فِطْرَةً، وَأَتَمُّهَا إِدْرَاكًا، وَأَصْفَاهَا أَذْهَانًا، شَاهَدُوا التَّنْزِيلَ، وَعَرَفُوا التَّأْوِيلَ، وَفَهِمُوا مَقَاصِدَ الرَّسُولِ ﷺ، وَلَيْسَ مَنْ سَمِعَ وَعَلِمَ وَرَأَى حَالَ الْمُتَكَلِّمِ كَمَنْ كَانَ غَائِبًا لَمْ يَرَ وَلَمْ يَسْمَعْ، أَوْ سَمِعَ وَعَلِمَ بِوَاسِطَةٍ أَوْ وَسَائِطَ كَثِيرَةٍ.

وَعَلَيْهِ؛ فَالرُّجُوعُ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ مِنَ الدِّينِ وَالْعِلْمِ مُتَعَيَّنٌ -قَطْعًا- عَلَى مَنْ جَاءَ بَعْدَهُمْ مِمَّنْ لَمْ يَشْرَكْهُمْ فِي تِلْكَ الْفَضِيلَةِ.

وَالصَّحَابَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- أَعْلَمُ النَّاسِ بِلُغَةِ الْقُرْآنِ الْمَجِيدِ، هُمْ أَعْلَمُ بِلُغَةِ الْقُرْآنِ مِنْ غَيْرِهِمْ؛ فَقَدْ نَزَلَ الْقُرْآنُ الْمَجِيدُ بِلِسَانِ الْعَرَبِ، جَارِيًا عَلَى مَعْهُودِهِمْ فِي الْكَلَامِ، وَعَادَتِهِمْ فِي الْخِطَابِ؛ فَكُلُّ مَنْ كَانَ مِنْ لِسَانِ الْعَرَبِ مُتَمَكِّنًا كَانَ لِلْقُرْآنِ أَشَدَّ فَهْمًا وَأَحْسَنَ إِدْرَاكًا، وَلَا يُعْلَمُ أَحَدٌ أَفْصَحَ لِسَانًا، وَأَشَدَّ بَيَانًا، وَأَقْوَمَ خِطَابًا مِنْ أَهْلِ الْقُرُونِ الْأُولَى الْمُفَضَّلَةِ، وَأَوْلَاهُمْ فِي هَذَا الْفَضْلِ وَالسَّبْقِ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ.

وَالصَّحَابَةُ أَعْلَمُ النَّاسِ بِتَفْسِيرِ الْقُرْآنِ؛ نَظَرًا لِتَمَكُّنِهِمْ -وَكَذَا التَّابِعُونَ- مِنَ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ، وَهِيَ لُغَةُ الْقُرْآنِ، وَكَذَلِكَ لِمُشَاهَدَتِهِمُ التَّنْزِيلَ، وَسَمَاعِهِمُ التَّأْوِيلَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ، فَكَانَ فَهْمُهُمْ لَهُ أَرْسَخَ، وَإِدْرَاكُهُمْ لِمَعَانِيهِ أَعْمَقَ مِنْ غَيْرِهِمْ مِمَّنْ جَاءَ بَعْدَهُمْ، فَمَا فَهِمَهُ الصَّحَابَةُ وَالسَّلَفُ مِنَ الْقُرْآنِ أَوْلَى أَنْ يُصَارَ إِلَيْهِ مِمَّا فَهِمَهُ مَنْ بَعْدَهُمْ؛ إِذِ اتَّفَقَتْ كَلِمَتُهُمْ فِي بَابِ مَعْرِفَةِ اللهِ -تَعَالَى- وَمَعْرِفَةِ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مَسَائِلِ الِاعْتِقَادِ وَالْأُصُولِ.

وَلَا يُحْفَظُ عَنْهُمْ فِي ذَلِكَ خِلَافٌ مَشْهُورٌ وَلَا شَاذٌّ؛ وَلِهَذَا كَانَ مِنْ أَحْسَنِ طُرُقِ تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ الْمَجِيدِ تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ بِالْقُرْآنِ، ثُمَّ بِالسُّنَّةِ، ثُمَّ بِأَقْوَالِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، بَلْ إِنَّ طَائِفَةً مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ جَعَلَ تَفْسِيرَ الصَّحَابِيِّ فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ.

قَالَ الْحَاكِمُ -رَحِمَهُ اللهُ- فِي ((مُسْتَدْرَكِهِ)): ((لِيَعْلَمْ طَالِبُ هَذَا الْعِلْمِ أَنَّ تَفْسِيرَ الصَّحَابِيِّ الَّذِي شَهِدَ الْوَحْيَ وَالتَّنْزِيلَ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ حَدِيثٌ مُسْنَدٌ، وَذَلِكَ لِمَا عُرِفَ عَنْهُمْ مِنْ تَوَقِّي الْقَوْلِ فِي الْقُرْآنِ بِغَيْرِ عِلْمٍ)).

وَنَصَّ الْإِمَامُ أَحْمَدُ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((عَلَى أَنَّهُ يُرْجَعُ إِلَى الْوَاحِدِ مِنَ الصَّحَابَةِ فِي تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ إِذَا لَمْ يُخَالِفْهُ غَيْرُهُ مِنْهُمْ)) أَيْ: مِنَ الصَّحَابَةِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ-.

وَلَا تَجِدُ كِتَابًا مِنْ كُتُبِ السَّلَفِ وَمَنْ عَلَى طَرِيقَتِهِمْ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ إِلَّا وَيَذْكُرُونَ فِيهِ أَقْوَالَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَأَئِمَّةِ الْهُدَى، وَيُفَسِّرُونَ بِهَا الْقُرْآنَ وَالْحَدِيثَ، وَيَسْتَدِلُّونَ بِهَا عَلَى مَنْ خَالَفَهُمْ، وَيَعْتَصِمُونَ بِهَا فِي مَعْرِفَةِ الْحَقِّ وَالصَّوَابِ.

وَمَا يُوجَدُ مِنَ اخْتِلَافٍ بَيْنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فِي تَفْسِيرِ بَعْضِ الْحُرُوفِ فَأَكْثَرُهُ اخْتِلَافُ تَنَوُّعٍ، لَا اخْتِلَافُ تَضَادٍّ، فَتَارَةً يَصِفُونَ الشَّيْءَ الْوَاحِدَ بِصِفَاتٍ مُتَنَوِّعَةٍ، وَتَارَةً يَذْكُرُ كُلٌّ مِنْهُمْ مِنَ الْحَرْفِ الْمُفَسَّرِ نَوْعًا أَوْ شَخْصًا عَلَى سَبِيلِ الْمِثَالِ لَا الْحَصْرِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُعَبِّرُ عَنِ الشَّيْءِ بِلَازِمِهِ أَوْ بِنَظِيرِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَنُصُّ عَلَيْهِ بِعَيْنِهِ، يَحْسَبُهَا مَنْ لَا عِلْمَ عِنْدَهُ اخْتِلَافًا، فَيَحْكِيهَا أَقْوَاًلا، وَهِيَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ.

أَمَّا اخْتِلَافُ التَّضَادِّ فَقَلِيلٌ، وَمِنْ أَسْبَابِهِ خَفَاءُ بَعْضِ الْعِلْمِ عَلَى بَعْضِهِمْ؛ فَإِنَّ الصَّحَابَةَ لَيْسَ كُلُّ فَرْدٍ مِنْهُمْ تَلَقَّى مِنَ النَّبِيِّ ﷺ بِلَا وَاسِطَةٍ جَمِيعَ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، بَلْ كَانَ بَعْضُهُمْ يَأْخُذُ عَنْ بَعْضٍ، وَيَشْهَدُ بَعْضُهُمْ فِي غَيْبَةِ بَعْضٍ، وَيَنْسَى هَذَا بَعْضَ مَا حَفِظَهُ صَاحِبُهُ.

فَلَا بُدَّ مِنَ الِالْتِزَامِ بِفَهْمِ السَّلَفِ عِنْدَ النَّظَرِ فِي نُصُوصِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.

وَلِذَلِكَ فَوَائِدُ عَظِيمَةٌ:

* مِنْهَا: أَنَّ فَهْمَ السَّلَفِ عَاصِمٌ مِنَ التَّفَرُّقِ وَالِاخْتِلَافِ، قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لِابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-: ((كَيْفَ تَخْتَلِفُ هَذِهِ الْأُمَّةُ وَنَبِيُّهَا وَاحِدٌ، وَقِبْلَتُهَا وَاحِدَةٌ؟)).

فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: ((يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! إِنَّمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْقُرْآنُ فَقَرَأْنَاهُ وَعَلِمْنَا فِيمَنْ نَزَلَ، وَإِنَّهُ سَيَكُونُ بَعْدَنَا أَقْوَامٌ يَقْرَأُونَ الْقُرْآنَ وَلَا يَدْرُونَ فِيمَنْ نَزَلَ، فَيَكُونُ لَهُمْ فِيهِ رَأْيٌ، فَإِذَا كَانَ لَهُمْ فِيهِ رَأْيٌ اخْتَلَفُوا، فَإِذَا اخْتَلَفُوا اقْتَتَلُوا)).

* الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ مِنْ فَوَائِدِ الِالْتِزَامِ بِفَهْمِ السَّلَفِ: النَّظَرُ فِي عَمَلِ السَّلَفِ وَفَهْمِهِمْ لِلدَّلِيلِ؛ لِأَنَّهُ شَاهِدٌ عَلَى صِحَّةِ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ وَمُصَدِّقٌ لَهُ؛ فَعَمَلُ السَّلَفِ بِالدَّلِيلِ مُخَلِّصٌ لَهُ مِنْ شَوَائِبِ الِاحْتِمَالَاتِ الْمُقَدَّرَةِ، قَاطِعٌ بِوَجْهٍ مُعَيَّنٍ، وَمُبَيِّنٌ لِلْمُجْمَلِ، وَرَافِعٌ لِلْإِشْكَالِ، وَدَافِعٌ لِلْإِيهَامِ.

* الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: السُّكُوتُ عَمَّا سَكَتَ عَنْهُ السَّلَفُ؛ فَكُلُّ مَا سَكَتَ عَنْهُ الصَّحَابَةُ وَالسَّلَفُ وَتَكَلَّمَ فِيهِ الْخَلَفُ -وَذَلِكَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِمَسَائِلِ الِاعْتِقَادِ وَالْإِيمَانِ- كَانَ السُّكُوتُ فِيهِ أَوْلَى وَأَلْيَقَ، وَلَمْ يَأْتِ فِيهِ الْخَلَفُ إِلَّا بِبَاطِلٍ مِنَ الْقَوْلِ وَزُورٍ.

* الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: حَسْمُ مَادَّةِ الِابْتِدَاعِ وَالضَّلَالِ؛ لِأَنَّ كَثِيرًا مِنْ فِرَقِ الضَّلَالِ يَتَعَلَّقُ بِبَعْضِ ظَوَاهِرِ النُّصُوصِ، فَيُوَجِّهُهَا لَيًّا وَتَحْرِيفًا لِنُصْرَةِ مَذْهَبِهِ، وَلِتَأْيِيدِ بِدْعَتِهِ، وَفَهْمُ السَّلَفِ لِهَذِهِ النُّصُوصِ هُوَ الْفَيْصَلُ، هُوَ الْحَقُّ، وَلَيْسَ دُونَهُ إِلَّا الضَّلَالُ وَالشِّقَاقُ.

قَالَ تَعَالَى: {فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا ۖ وَّإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ ۖ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ ۚ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [البقرة: 137].

* الْفَائِدَةُ الْخَامِسَةُ: اسْتِعْمَالُ السَّلَفِ وَأَهْلِ السُّنَّةِ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ فِي الرَّدِّ عَلَى الْخُصُومِ، وَلِذَلِكَ نَمُوذُجٌ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- يَوْمَ أَنْ نَاظَرَهُمْ: ((جِئْتُمْ مِنْ عِنْدَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَلَيْسَ فِيكُمْ مِنْهُمْ أَحَدٌ، وَمِنْ عِنْدِ ابْنِ عَمِّ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَعَلَيْهِمْ نَزَلَ الْقُرْآنُ وَهُمْ أَعْلَمُ بِتَأْوِيلِهِ)).

خُلَاصَةُ هَذِهِ الْفَوَائِدِ: بَيَانُ أَنَّ أَهْلَ الْبِدَعِ لَيْسَ فِيهِمْ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَأَنَّ كُلَّ فِرْقَةٍ أَوْ طَائِفَةٍ أَوْ مَذْهَبٍ لَيْسَ فِيهِمْ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ أَوْ عَلَى مَذْهَبِ الصَّحَابَةِ وَطَرِيقَتِهِمْ فِي الدِّيَانَةِ؛ فَهُمْ عَلَى ضَلَالَةٍ اجْتَمَعُوا، وَعَلَى بِدْعَةٍ أَسَّسُوا.

وَالِانْحِيَازُ إِلَى جَانِبِ الصَّحَابَةِ -أَيْ: مَذْهَبِهِمْ- وَالتَّمَسُّكُ بِطَرِيقَتِهِمْ هُوَ عَيْنُ الْفَلَاحِ وَأَسَاسُ النَّجَاةِ.

كَذَلِكَ أَنْ يَحْتَجَّ الْمُحْتَجُّ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ بِمَا كَانَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ، وَلَيْسَ الْعَكْسُ.

وَالصَّحَابَةُ أَعْلَمُ بِتَأْوِيلِ الْقُرْآنِ؛ وَذَلِكَ لِمُشَاهَدَتِهِمْ نُزُولَهُ، وَمُعَايَنَتِهِمْ وَقَائِعَهُ؛ فَفَهْمُهُمْ لَهُ وَفِقْهُهُمْ فِيهِ مُقَدَّمٌ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ مِمَّنْ هُوَ دُونَهُمْ.

وَأَصْحَابُ الْبِدَعِ هُمُ الَّذِينَ انْشَقُّوا عَنِ الْجَمَاعَةِ الْحَقِّ، وَهُمُ الَّذِينَ اعْتَزَلُوا النَّاسَ.

وَعَدَمُ الِالْتِزَامِ بِمَنْهَجِ الصَّحَابَةِ فِيهِ افْتِئَاتٌ عَلَيْهِمْ.

فَمَنْ هَذَا الَّذِي يُقَدِّمُ فَهْمَهُ عَلَى فَهْمِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ حَبْرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَتُرْجَمانِ الْقُرْآنِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ-؟!!

مَنِ الَّذِي يُقَدِّمُ فَهْمَهُ عَلَى فَهْمِهِمْ؟!!

أَوْ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْمُؤَولِّينَ مِنَ الْخَلَفِ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ بِصِفَاتِ اللهِ مِنَ الصَّحَابَةِ؟!!

وَتَأَمَّلْ قَوْلَ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: ((لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا أَتَاهُمُ الْعِلْمُ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَمِنْ أَكَابِرِهِمْ -أَيْ: مِنْ أَكَابِرِ النَّاسِ فِي الْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ-، فَإِذَا جَاءَ الْعِلْمُ مِنْ قِبَلِ أَصَاغِرِهِمْ فَذَاكَ حِينَ هَلَكُوا)).

فَلَا بُدَّ مِنْ فَهْمِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ بِفَهْمِ الصَّحَابَةِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ.

وَهَذَا مِنْ أَكْبَرِ أُصُولِ وَقَوَاعِدِ مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ وَمَنْهَجِ السَّلَفِ مَنْهَجِ الصَّحَابَةِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ.

((أَهَمِّيَّةُ فَهْمِ النُّصُوصِ فِي الْإِفْتَاءِ وَالِاجْتِهَادِ))

إِنَّ أَهَمِّيَّةَ مَعْرِفَةِ النُّصُوصِ الشَّرْعِيَّةِ وَفَهْمِهَا فَهْمًا صَحِيحًا تَبْدُو بِصُورَةٍ وَاضِحَةٍ جَلِيَّةٍ فِي شُرُوطِ الِاجْتِهَادِ وَشُرُوطِ جَوَازِ الْفَتْوَى؛ فَـ الِاجْتِهَادُ: بَذْلُ الْجُهْدِ لِإِدْرَاكِ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ.

وَالْمُجْتَهِدُ: مَنْ بَذَلَ جُهْدَهُ لِذَلِكَ.

لِلِاجْتِهَادِ شُرُوطٌ مِنْهَا:

* أَنْ يَعْلَمَ مِنَ الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي اجْتِهَادِهِ، كَآيَاتِ الْأَحْكَامِ وَأَحَادِيثِهَا.

* أَنْ يَعْرِفَ مَا يَتَعَلَّقُ بِصِحَّةِ الْحَدِيثِ وَضَعْفِهِ، كَمَعْرِفَةِ الْإِسْنَادِ وَرِجَالِهِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ.

* أَنْ يَعْرِفَ النَّاسِخَ وَالْمَنْسُوخَ وَمَوَاقِعَ الْإِجْمَاعِ؛ حَتَّى لَا يَحْكُمَ بِمَنْسُوخٍ أَوْ مُخَالِفٍ لِلْإِجْمَاعِ.

* أَنْ يَعْرِفَ مِنَ الْأَدِلَّةِ مَا يَخْتَلِفُ بِهِ الْحُكْمُ؛ مِنْ تَخْصِيصٍ، أَوْ تَقْيِيدٍ، أَوْ نَحْوِهِ؛ حَتَّى لَا يَحْكُمَ بِمَا يُخَالِفُ ذَلِكَ.

* أَنْ يَعْرِفَ مِنَ اللُّغَةِ وَأُصُولِ الْفِقْهِ مَا يَتَعَلَّقُ بِدَلَالَاتِ الْأَلْفَاظِ، كَالْعَامِّ وَالْخَاصِّ، وَالْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ، وَالْمُجْمَلِ وَالْمُبَيَّنِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ لِيَحْكُمَ بِمَا تَقْتَضِيهِ تِلْكَ الدَّلَالَاتُ.

* أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ قُدْرَةٌ يَتَمَكَّنُ بِهَا مِنَ اسْتِنْبَاطِ الْأَحْكَامِ مِنْ أَدِلَّتِهَا.

وَالِاجْتِهَادُ قَدْ يَتَجَزَّأُ فَيَكُونُ فِي بَابٍ وَاحِدٍ مِنْ أَبْوَابِ الْعِلْمِ، أَوْ فِي مَسْأَلَةٍ مِنْ مَسَائِلِهِ.

وَيَلْزَمُ الْمُجْتَهِدَ أَنْ يَبْذُلَ جُهْدَهُ فِي مَعْرِفَةِ الْحَقِّ، ثُمَّ يَحْكُمُ بِمَا ظَهَرَ لَهُ، فَإِنْ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ: أَجْرٌ عَلَى اجْتِهَادِهِ، وَأَجْرٌ عَلَى إِصَابَةِ الْحَقِّ؛ لِأَنَّ فِي إِصَابَةِ الْحَقِّ إِظْهَارًا لَهُ وَعَمَلًا بِهِ، وَإِنْ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ وَاحِدٌ، وَالْخَطَأُ مَغْفُورٌ لَهُ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ: «إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ».

وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ الْحُكْمُ وَجَبَ عَلَيْهِ التَّوَقُّفُ، وَجَازَ التَّقْلِيدُ -حِينَئِذٍ- لِلضَّرُورَةِ.

وَيُشْتَرَطُ لِجَوَازِ الْفَتْوَى شُرُوطٌ، مِنْهَا:

* أَنْ يَكُونَ الْمُفْتِي عَارِفًا بِالْحُكْمِ يَقِينًا، أَوْ ظَنًّا رَاجِحًا، وَإِلَّا وَجَبَ عَلَيْهِ التَّوَقُّفُ.

* أَنْ يَتَصَوَّرَ السُّؤُالَ تَصَوُّرًا تَامًّا؛ لِيَتَمَكَّنَ مِنَ الْحُكْمِ عَلَيْهِ؛ فَإِنَّ الْحُكْمَ عَلَى الشَّيْءِ فَرْعٌ عَنْ تَصَوُّرِهِ.

فَإِذَا أُشْكِلَ عَلَيْهِ مَعْنَى كَلَامِ الْمُسْتَفْتِي سَأَلَهُ عَنْهُ، وَإِنْ كَانَ يَحْتَاجُ إِلَى تَفْصِيلٍ اسْتَفْصَلَهُ، أَوْ ذَكَرَ التَّفْصِيلَ فِي الْجَوَابِ.

* أَنْ يَكُونَ هَادِئَ الْبَالِ؛ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ تَصَوُّرِ الْمَسْأَلَةِ وَتَطْبِيقِهَا عَلَى الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ، فَلَا يُفْتِي حَالَ انْشِغَالِ فِكْرِهِ بِغَضَبٍ أَوْ هَمٍّ أَوْ مَلَلٍ، أَوْ غَيْرِهَا.

((التَّسْلِيمُ للهِ وَلِرَسُولِهِ وَرَدُّ الْمُتَشَابِهِ إِلَى عَالِمِهِ))

إِنَّهُ مَا سَلِمَ فِي دِينِهِ إِلَّا مَنْ سَلَّمَ للهِ -عَزَّ وَجَلَّ- وَلِرَسُولِهِ ﷺ، وَرَدَّ عِلْمَ مَا اشْتَبَهُ عَلَيْهِ إِلَى عَالِمِهِ، أَيْ: سَلَّمَ لِنُصُوصِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَلَمْ يَعْتَرِضْ عَلَيْهَا بِالشُّكُوكِ وَالشُّبَهِ وَالتَّأْوِيلَاتِ الْفَاسِدَةِ.

فَالْوَاجِبُ كَمَالُ التَّسْلِيمِ لِلرَّسُولِ ﷺ، وَالِانْقِيَادُ لِأَمْرِهِ، وَتَلَقِّي خَبَرِهِ بِالْقَبُولِ وَالتَّصْدِيقِ، دُونَ أَنْ نُعَارِضَهُ بِخَيَالٍ بَاطِلٍ نُسَمِّيهِ مَعْقُولًا، أَوْ نَحْمِلُهُ شُبْهَةً أَوْ شَكًّا، أَوْ نُقَدِّمُ عَلَيْهِ آرَاءَ الرِّجَالِ وَزُبَالَةَ أَذْهَانِهِمْ.

فَنُوَحِّدُهُ بِالتَّحْكِيمِ وَالتَّسْلِيمِ وَالِانْقِيَادِ وَالْإِذْعَانِ، كَمَا نُوَحِّد الْمُرْسِلَ بِالْعِبَادَةِ وَالْخُضُوعِ وَالذُّلِّ وَالْإِنَابَةِ وَالتَّوَكُّلِ.

فَهُمَا تَوْحِيدَانِ لَا نَجَاةَ لِلْعَبْدِ مِنْ عَذَابِ اللهِ إِلَّا بِهِمَا: تَوْحِيدُ الْمُرْسِلِ، وَتَوْحِيدِ مُتَابَعَةِ الرَّسُولِ، فَلَا نُحَاكِمُ إِلَى غَيْرِهِ، وَلَا نَرْضَى بِحُكْمِ غَيْرِهِ، وَلَا نُوقِفُ تَنْفِيذَ أَمْرِهِ وَتَصْدِيقَ خَبَرِهِ عَلَى عَرْضِهِ عَلَى قَوْلِ شَيْخِهِ وَإِمَامِهِ وَذَوِي مَذْهَبِهِ وَطَائِفَتِهِ وَمَنْ يُعَظِّمُهُ، فَإِنْ أَذِنُوا لَهُ نَفَّذَهُ وَقَبِلَ خَبَرَهُ، وَإِلَّا فَإِنْ طَلَبَ السَّلَامَةَ فَوَّضَهُ إِلَيْهِمْ وَأَعْرَضَ عَنْ أَمْرِهِ وَخَبَرِهِ، وَإِلَّا حَرَّفَهُ عَنْ مَوَاضِعِهِ، وَسَمَّى تَحْرِيفَهُ تَأْوِيلًا وَحَمْلًا، فَقَالَ: نُؤَوِّلُهُ وَنَحْمِلُهُ.

فَلَأَنْ يَلْقَى الْعَبْدُ رَبَّهُ بِكُلِّ ذَنْبٍ -مَا خَلَا الْإِشْرَاكِ بِاللهِ- خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَلْقَاهُ بِهَذِهِ الْحَالِ!

بَلْ إِذَا بَلَغَهُ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ يَعُدُّ نَفْسَهُ كَأَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَهَلْ يَسُوغُ أَنْ يُؤَخِّرُ قَبُولَهُ وَالْعَمَلَ بِهِ حَتَّى يَعْرِضَهُ عَلَى رَأْيِ فُلَانٍ وَكَلَامِهِ وَمَذْهَبِهِ؟! بَلْ كَانَ الْفَرْضُ الْمُبَادَرَةَ إِلَى امْتِثَالِهِ، مِنْ غَيْرِ الْتِفَاتٍ إِلَى سِوَاهُ، وَلَا يَسْتَشْكِلُ قَوْلَهُ لِمُخَالَفَتِهِ رَأْيِ فُلَانٍ، بَلْ يَسْتَشْكِلُ الْآرَاءَ لِقَوْلِهِ، وَلَا يُعَارِضُ نَصَّهُ بِقِيَاسٍ، بَلْ نَهْدِرُ الْأَقْيِسَةَ، وَنَتَلَقَّى نُصُوصَهُ، وَلَا نُحَرِّفُ كَلَامَهْ عَنْ حَقِيقَتِهِ لِخَيَالٍ يُسَمِّيهِ أَصْحَابُهُ مَعْقُولًا، نَعَمْ هُوَ مَجْهُولٌ، وَعَنِ الصَّوَابِ مَعْزُولٌ!

عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: ((لَقَدْ جَلَسْتُ أَنَا وَأَخِي مَجْلِسًا مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِهِ حُمْرَ النَّعَمِ، أَقْبَلْتُ أَنَا وَأَخِي، وَإِذَا مَشْيَخَةٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ جُلُوسٌ عِنْدَ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِهِ، فَكَرِهْنَا أَنْ نُفَرِّقَ بَيْنَهُمْ، فَجَلَسْنَا حَجْرَةً؛ إِذْ ذَكَرُوا آيَةً مِنَ الْقُرْآنِ، فَتَمَارَوْا فِيهَا، حَتَّى ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمْ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مُغْضَبًا، قَدِ احْمَرَّ وَجْهُهُ، يَرْمِيهِمْ بِالتُّرَابِ، وَيَقُولُ: ((مَهْلًا يَا قَوْمِ! بِهَذَا أُهْلِكَتِ الْأُمَمُ مِنْ قَبْلِكُمْ بِاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، وَضَرْبِهِمُ الْكُتُبَ بَعْضَهَا بِبَعْضٍ، إِنَّ الْقُرْآنَ لَمْ يَنْزِلْ يُكَذِّبُ بَعْضُهُ بَعْضًا، بَلْ يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا، فَمَا عَرَفْتُمْ مِنْهُ فَاعْمَلُوا بِهِ، وَمَا جَهِلْتُمْ مِنْهُ فَرُدُّوهُ إِلَى عَالِمِهِ)).

وَلَا شَكَّ أَنَّ اللهَ قَدْ حَرَّمَ الْقَوْلَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، قَالَ تَعَالَى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ} [الأعراف: ٣٣].

وَقَالَ تَعَالَى: {وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} [الإسراء: ٣٦].

فَعَلَى الْعَبْدِ أَنْ يَجْعَلَ مَا بَعَثَ اللهُ بِهِ رُسُلَهُ، وَأَنْزَلَ بِهِ كُتُبَهُ هُوَ الْحَقُّ الَّذِي يَجِبُ اتِّبَاعُهُ، فَيُصَدِّقُ بِأَنَّهُ حَقٌّ وَصِدْقٌ، وَمَا سِوَاهُ مِنْ كَلَامِ سَائِرِ النَّاسِ يَعْرِضُهُ عَلَيْهِ، فَإِنْ وَافَقَهُ فَهُوَ حَقٌّ، وَإِنْ خَالَفَهُ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ: هَلْ خَالَفَهُ أَوْ وَافَقَهُ، يَكُونُ ذَلِكَ الْكَلَامُ مُجْمَلًا لَا يَعْرِفُ مُرَادَ صَاحِبِهِ، أَوْ قَدْ عَرَفَ مُرَادَهُ لَكِنْ لَمْ يَعْرِفْ هَلْ جَاءَ الرَّسُولُ بِتَصْدِيقِهِ أَوْ بِتَكْذِيبِهِ فَإِنَّهُ يُمْسِكُ عَنْهُ، وَلَا يَتَكَلَّمُ إِلَّا بِعِلْمٍ، وَالْعِلْمُ مَا قَامَ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ، وَالنَّافِعُ مِنْهُ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ، وَقَدْ يَكُونُ عِلْمٌ مِنْ غَيْرِ الرَّسُولِ، لَكِنْ فِي الْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ، مِثْلِ الطِّبِّ وَالْحِسَابِ وَالْفِلَاحَةِ، وَأَمَّا الْأُمُورُ الْإِلَهِيَّةُ وَالْمَعَارِفُ الدِّينِيَّةُ، فَهَذِهِ الْعِلْمُ فِيهَا مَا أُخِذَ عَنِ الرَّسُولِ لَا غَيْرَ.

وَلَا يَثْبُتُ إِسْلَامُ مَنْ لَمْ يُسَلِّمْ لِنُصُوصِ الْوَحْيَيْنِ، وَيَنْقَادُ إِلَيْهَا، وَلَا يَعْتَرِضُ عَلَيْهَا، وَلَا يُعَارِضُهَا بِرَأْيِهِ وَمَعْقُولِهِ وَقِيَاسِهِ.

رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنِ الْإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ -رَحِمَهُ اللهُ- أَنَّهُ قَالَ: ((مِنَ اللهِ الرِّسَالَةُ، وَمِنَ الرَّسُولِ الْبَلَاغُ، وَعَلَيْنَا التَّسْلِيمُ)).

وَهَذَا كَلَامٌ جَامِعٌ نَافِعٌ.

((مَوْقِفُ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ وَالزَّائِغِينَ مِنَ الْمُتَشَابِهِ))

يَتَنَوَّعُ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ بِاعْتِبَارِ الْإِحْكَامِ وَالتَّشَابُهِ إِلَى ثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ:

النَّوْعُ الْأَوَّلُ: الْإِحْكَامُ الْعَامُّ الَّذِي وُصِفَ بِهِ الْقُرْآنُ كُلُّهُ، مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى: {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} [هود: ١].

وَقَوْلِهِ: {الر ۚ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ} [يونس: ١].

وَقَوْلِهِ: {وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ} [الزخرف: ٤].

وَمَعْنَى هَذَا الْإِحْكَامِ: الْإِتْقَانُ وَالْجَوْدَةُ فِي أَلْفَاظِهِ وَمَعَانِيهِ، فَهُوَ فِي غَايَةِ الْفَصَاحَةِ وَالْبَلَاغَةِ، أَخْبَارُهُ كُلُّهَا صِدْقٌ نَافِعَةٌ، لَيْسَ فِيهَا كَذِبٌ وَلَا تَنَاقُضَ، وَلَا لَغْوٌ لَا خَيْرَ فِيهِ، وَأَحْكَامُهُ كُلُّهَا عَدْلٌ، وَحِكَمُهُ لَيْسَ فِيهَا جَوْرٌ وَلَا تَعَارُضَ وَلَا حُكْمُ سَفِيهٍ.

النَّوْعُ الثَّانِي: التَّشَابُهُ الْعَامُّ الَّذِي وُصِفَ بِهِ الْقُرْآنُ كُلُّهُ، مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ} [الزمر: ٢٣].

وَمَعْنَى هَذَا التَّشَابُهِ: أَنَّ الْقُرْآنَ كُلَّهُ يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا فِي الْكَمَالِ وَالْجَوْدَةِ وَالْغَايَاتِ الْحَمِيدَةِ، {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء: ٨٢].

النَّوْعُ الثَّالِثُ: الْإِحْكَامُ الْخَاصُّ بِبَعْضِهِ، وَالتَّشَابُهُ الْخَاصُّ بِبَعْضِهِ، مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى: {هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ۖ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} [آل عمران: ٧].

وَمَعْنَى هَذَا الْإِحْكَامِ: أَنْ يَكُونَ مَعْنَى الْآيَةِ وَاضِحًا جَلِيًّا، لَا خَفَاءَ فِيهِ، مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا} [الحجرات: ١٣].

وَقَوْلِهِ: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: ٢١].

وَقَوْلِهِ: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} [البقرة: ٢٧٥].

وَقَوْلِهِ: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} [المائدة: ٣].

وَأَمْثَالُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ.

وَمَعْنَى هَذَا التَّشَابُهِ: أَنْ يَكُونَ مَعْنَى الْآيَةِ مُشْتَبِهًا خَفِيًّا بِحَيْثُ يَتَوَهَّمُ مِنْهُ الْوَاهِمُ مَا لَا يَلِيقُ بِاللهِ -تَعَالَى-، أَوْ كِتَابِهِ، أَوْ رَسُولِهِ، وَيَفْهَمُ مِنْهُ الْعَالِمُ الرَّاسِخُ فِي الْعِلْمِ خِلَافَ ذَلِكَ.

إِنَّ مَوْقِفَ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ مِنَ الْمُتَشَابِهِ وَمَوْقِفَ الزَّائِغِينَ مِنْهُ بَيَّنَهُ اللهُ -تَعَالَى-:

فَقَالَ فِي الزَّائِغِينَ: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} [آل عمران: ٧].

وَقَالَ فِي الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ: {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا} [آل عمران: ٧].

فَالزَّائِغُونَ يَتَّخِذُونَ مِنْ هَذِهِ الْآيَاتِ الْمُشْتَبِهَاتِ وَسِيلَةً لِلطَّعْنِ فِي كِتَابِ اللهِ، وَفِتْنَةِ النَّاسِ عَنْهُ، وَتَأْوِيلِهِ لِغَيْرِ مَا أَرَادَ اللهُ -تَعَالَى- بِهِ، فَيَضِلُّونَ وَيُضِلُّونَ.

وَأَمَّا الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يُؤْمِنُونَ بِأَنَّ مَا جَاءَ فِي كِتَابِ اللهِ -تَعَالَى- فَهُوَ حَقٌّ وَلَيْسَ فِيهِ اخْتِلَافٌ وَلَا تَنَاقُضَ؛ لِأَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللهِ، {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء: ٨٢]، وَمَا جَاءَ مُشْتَبِهًا رَدُّوهُ إِلَى الْمُحْكَمِ؛ لِيَكُونَ الْجَمِيعُ مُحْكَمًا.

وَالتَّشَابُهُ الْوَاقِعُ فِي الْقُرْآنِ نَوْعَانِ:

أَحَدُهُمَا: حَقِيقِيٌّ، وَهُوَ مَا لَا يُمْكِنُ أَنْ يَعْلَمَهُ الْبَشَرُ، كَحَقَائِقِ صِفَاتِ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ-، فَإِنَّنَا -وَإِنْ كُنَّا نَعْلَمُ مَعَانِيَ هَذِهِ الصِّفَاتِ-، لَكِنَّنَا لَا نُدْرِكُ حَقَائِقَهَا وَكَيْفِيَّتَهَا؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} [طه: ١١٠]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ ۖ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الأنعام: ١٠٣].

وَلِهَذَا ((لِمَا سُئِلَ الْإِمَامُ مَالِكٌ -رَحِمَهُ اللهُ- عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: ٥]، كَيْفَ اسْتَوَى؟ قَالَ: الِاسْتِوَاءُ غَيْرُ مَجْهُولٍ، وَالْكَيْفُ غَيْرُ مَعْقُولٍ، وَالْإِيمَانُ بِهِ وَاجِبٌ، وَالسُّؤَالُ عَنْهُ بِدْعَةٌ))، وَهَذَا النَّوْعُ لَا يُسْأَلُ عَنِ اسْتِكْشَافِهِ؛ لِتَعَذُّرِ الْوُصُولِ إِلَيْهِ.

النَّوْعُ الثَّانِي: نِسْبِيٌّ، وَهُوَ مَا يَكُونُ مُشْتَبِهًا عَلَى بَعْضِ النَّاسِ دُونَ بَعْضٍ، فَيَكُونُ مَعْلُومًا لِلرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ دُونَ غَيْرِهِمْ.

وَهَذَا النَّوْعُ يُسْأَلُ عَنِ اسْتِكْشَافِهِ وَبَيَانِهِ؛ لِإِمْكَانِ الْوُصُولِ إِلَيْهِ؛ إِذْ لَا يُوجَدُ فِي الْقُرْآنِ شَيْءٌ لَا يَتَبَيَّنُ مَعْنَاهُ لِأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ.

قَالَ اللهُ تَعَالَى: {هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ} [آل عمران: ١٣٨].

وَقَالَ: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} [النحل: ٨٩].

وَقَالَ: {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ} [القيامة: ١٨].

وَقَالَ: {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} [القيامة: ١٩].

وَقَالَ: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا} [النساء: ١٧٤].

وَأَمْثِلَةُ هَذَا النَّوْعِ كَثِيرَةٌ، مِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: ١١]، حَيْثُ اشْتُبِهَ عَلَى أَهْلِ التَّعْطِيلِ، فَفَهِمُوا مِنْهُ انْتِفَاءَ الصِّفَاتِ عَنِ اللهِ -تَعَالَى-، وَادَّعَوْا أَنَّ ثُبُوتَهَا يَسْتَلْزِمُ الْمُمَاثَلَةَ، وَأَعْرَضُوا عَنِ الْآيَاتِ الْكَثِيرَةِ الدَّالَّةِ عَلَى ثُبُوتِ الصِّفَاتِ لَهُ، وَأَنَّ إِثْبَاتَ أَصْلِ الْمَعْنَى لَا يَسْتَلْزِمُ الْمُمَاثَلَةَ.

وَمِنْهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} [النساء: ٩٣].

حَيْثُ اشْتُبِهَ عَلَى الْوَعِيدِيَّةِ، فَفَهِمُوا مِنْهُ أَنَّ قَاتِلَ الْمُؤْمِنِ عَمْدًا مُخَلَّدٌ فِي النَّارِ، وَطَرَدُوا ذَلِكَ فِي جَمِيعِ أَصْحَابِ الْكَبَائِرِ، وَأَعْرَضُوا عَنِ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّ كُلَّ ذَنْبٍ دُونَ الشِّرْكِ فَهُوَ تَحْتَ مَشِيئَةِ اللهِ -تَعَالَى-.

وَمِنْهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ۗ إِنَّ ذَٰلِكَ فِي كِتَابٍ ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} [الحج: ٧٠]، حَيْثُ اشْتُبِهَ عَلَى الْجَبْرِيَّةِ، فَفَهِمُوا مِنْهُ أَنَّ الْعَبْدَ مَجْبُورٌ عَلَى عَمَلِهِ، وَادَّعَوْا أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ إِرَادَةٌ وَلَا قُدْرَةٌ عَلَيْهِ، وَأَعْرَضُوا عَنِ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّ لِلْعَبْدِ إِرَادَةً وَقُدْرَةً، وَأَنَّ فِعْلَ الْعَبْدِ نَوْعَانِ: اخْتِيَارِيٌّ، وَغَيْرُ اخْتِيَارِيٍّ.

وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ أَصْحَابُ الْعُقُولِ يَعْرِفُونَ كَيْفَ يُخْرِجُونَ هَذِهِ الْآيَاتِ الْمُتَشَابِهَةَ إِلَى مَعْنًى يَتَلَاءَمُ مَعَ الْآيَاتِ الْأُخْرَى، فَيَبْقَى الْقُرْآنُ كُلُّهُ مُحْكَمًا لَا اشْتِبَاهَ فِيهِ.

((جِنَايَة التَّأْوِيلِ الْفَاسِدِ عَلَى الدِّينِ وَأَهْلِهِ))

التَّأْوِيلُ قِسْمَانِ: صَحِيحٌ مَقْبُولٌ، وَفَاسِدٌ مَرْدُودٌ.

* فَالصَّحِيحُ: مَا دَلَّ عَلَيْهِ دَلِيلٌ صَحِيحٌ، كَتَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} إِلَى مَعْنَى: وَاسْأَلْ أَهْلَ الْقَرْيَةِ؛ لِأَنَّ الْقَرْيَةَ نَفْسَهَا لَا يُمْكِنُ تَوْجِيهُ السُّؤَالِ إِلَيْهَا.

* وَالْفَاسِدُ: مَا لَيْسَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ صَحِيحٌ، كَتَأْوِيلِ الْمُعَطِّلَةِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه:٥] إِلَى مَعْنَى: اسْتَوْلَى، وَالصَّوَابُ: أَنَّ مَعْنَاهُ الْعُلُوُّ وَالِاسْتِقْرَارُ مِنْ غَيْرِ تَكْيِيفٍ وَلَا تَمْثِيلٍ.

قَالَ شَارِحُ الطَّحَاوِيَّةِ عَنِ التَّأْوِيلِ الْفَاسِدِ وَجِنَايَتِهِ عَلَى الدِّينِ وَأَهْلِهِ: ((وَهَذَا الَّذِي أَفْسَدَ الدُّنْيَا وَالدِّينَ، وَهَكَذَا فَعَلَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى فِي نُصُوصِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، وَحَذَّرَنَا اللَّهُ أَنْ نَفْعَلَ مِثْلَهُمْ، وَأَبَى الْمُبْطِلُونَ إِلَّا سُلُوكَ سَبِيلِهِمْ.

وَكَمْ جَنَى التَّأْوِيلُ الْفَاسِدُ  عَلَى الدِّينِ وَأَهْلِهِ مِنْ جِنَايَةٍ!

فَهَلْ قُتِلَ عُثْمَانُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- إِلَّا بِالتَّأْوِيلِ الْفَاسِدِ؟!

وَكَذَا مَا جَرَى فِي يَوْمِ الْجَمَلِ، وَصِفِّينَ، وَمَقْتَلِ الْحُسَيْنِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، وَالْحَرَّةِ؟!

وَهَلْ خَرَجَتِ الْخَوَارِجُ، وَاعْتَزَلَتِ الْمُعْتَزِلَةُ، وَرَفَضَتِ الرَّوَافِضُ، وَافْتَرَقَتِ الْأُمَّةُ عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً إِلَّا بِالتَّأْوِيلِ الْفَاسِدِ؟!

إِنَّ التَّأْوِيلُ الْفَاسِدَ لِلنُّصُوصِ الشَّرْعِيَّةِ يَنْعَكِسُ أَثَرُهُ الْمُدَمِّرُ عَلَى الْمُجْتَمَعِ وَالْأُمَّةِ؛ إِذْ يُثِيرُ الْفُرْقَةَ، وَيُغَذِّي الِاخْتِلَافَ بَيْنَ النَّاسِ، فَمَنْ حَمَلَ النَّصَّ عَلَى غَيْرِ مَقْصِدِهِ، أَوْ فَسَّرَه وَفْقَ هَوَاهُ؛ أَصْبَحَ سَبَبًا لِلِاخْتِلَافِ، وَتَشَتُّتِ الصُّفُوفِ، وَازْدِيَادِ النِّزَاعَاتِ، وَقَدْ يَحْمِلُ التَّأْوِيلُ الْفَاسِدُ صَاحِبَهُ عَلَى تَكْفِيرِ خُصُومِهِ؛ فَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-: ((لَمَّا اجْتَمَعَتِ الْحَرُورِيَّةُ -وَهُمْ طَائِفَةٌ مِنَ الْخَوَارِجِ، خَرَجُوا عَلَى عَلِيٍّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، وَنَزَلُوا حَرُورَاءَ، وَهُوَ مَوْضِعٌ بِالْقُرْبِ مِنَ الْكُوفَةِ، فَنُسِبُوا إِلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ- لَمَّا اجْتَمَعَتِ الْحُرُورِيَّةُ يَخْرُجُونَ عَلَى عَلِيٍّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، قَالَ: ((جَعَلَ يَأْتِيهِ الرَّجُلُ، فَيَقُولُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! الْقَوْمُ خَارِجُونَ عَلَيْكَ)).

فَيَقُولُ: ((دَعْهُمْ حَتَّى يَخْرُجُوا)).

فَلَمَّا كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ قُلْتُ -وَالْقَائِلُ ابْنُ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-- قَالَ: قُلْتُ: ((يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! أَبْرِدْ بِالصَّلَاةِ -وَالْإِبْرَادُ بِالظُّهْرِ هُوَ تَأْخِيرُهَا حَتَّى يُتَمَكَّنَ مِنَ الْمَشْيِ فِي الْفَيْحِ- قَالَ: أَبْرِدْ بِالصَّلَاةِ فَلَا تَفُتْنِي حَتَّى آتِيَ الْقَوْمَ.

قَالَ: فَدَخَلْتُ عَلَيْهِمْ وَهُمْ قَائِلُونَ -مِنَ الْقَيْلُولَةِ- فَإِذَا هُمْ مُسْهَمَةٌ وُجُوهُهُمْ مِنَ السَّهَرِ -أَيْ مُتَغَيِّرَةٌ وُجُوهُهُمْ مِنَ السَّهَرِ- قَدْ أَثَّرَ السُّجُودُ فِي جِبَاهِهِمْ، كَأَنَّ أَيْدِيَهُمْ ثَفِنُ الْإِبِلِ -وَالثِّفِنُ: جَمْعُ ثَفِنَةٍ وَهِيَ مَا وَلِيَ الْأَرْضَ مِنْ كُلِّ ذَاتِ أَرْبَعٍ إِذَا بَرَكَتْ، كَالرُّكْبَتَيْنِ وَغَيْرِهِمَا، وَيَحْصُلُ فِيهِمَا غِلَظٌ مِنْ أَثَرِ الْبُرُوكِ- عَلَيْهِمْ قُمُصٌ مُرَحَّضَةٌ -أَيْ: مَغْسُولَةٌ-)).

فَقَالُوا: ((مَا جَاءَ بِكَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، وَمَا هَذِهِ الْحُلَّةُ عَلَيْكَ؟)).

قَالَ: قُلْتُ: ((مَا تَعِيبُونَ هَذِهِ؛ فَلَقَدْ رَأَيْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ أَحْسَنَ مَا يَكُونُ مِنْ ثِيَابٍ الْيَمَنِيَّةِ، ثُمَّ قَرَأْتُ هَذِهِ الْآيَةَ: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ} [الأعراف: 32])).

فَقَالُوا: ((مَا جَاءَ بِكَ؟)).

قَالَ: قُلْتُ: ((جِئْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَلَيْسَ فِيكُمْ مِنْهُمْ أَحَدٌ، وَمِنْ عِنْدِ ابْنِ عَمِّ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَعَلَيْهِمْ نَزَلَ الْقُرْآنُ، وَهُمْ أَعْلَمُ بِتَأْوِيلِهِ، جِئْتُ؛ لِأُبُلِّغَهُمْ عَنْكُمْ، وَلِأُبَلِّغَكُمْ عَنْهُمْ)).

فَقَالَ بَعْضُهُمْ: ((لَا تُخَاصِمُوا قُرَيْشًا، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولَ: {بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ} [الزخرف: 58])).

فَقَالَ بَعْضُهُمْ: ((بَلَى فَلْنُكَلِّمْهُ)).

قَالَ: ((فَكَلَّمَنِي مِنْهُمْ رَجَلَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ)).

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-: ((مَاذَا نَقِمْتُمْ عَلَيْهِ -أَيْ: عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- -؟)).

قَالُوا: ((ثَلَاثًا)).

قَالَ: ((فَقُلْتُ مَا هُنَّ؟)).

قَالُوا: ((حَكَّمَ الرِّجَالَ فِي أَمْرِ اللهِ، وَاللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- يَقُولُ: {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ} [يوسف: 40])).

قَالَ: قُلْتُ: ((هَذِهِ وَاحِدَةٌ، وَمَاذَا أَيْضًا؟)).

قَالُوا: ((فَإِنَّهُ قَاتَلَ فَلَمْ يَسْبِ وَلَمْ يَغنَمْ -يُرِيدُونَ يَوْمَ الْجَمَلِ-، فَلَإنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ مَا حَلَّ قِتَالُهُمْ، وَلِإِنْ كَانُوا كَافِرِينَ لَقَدْ حَلَّ قِتَالُهُمْ وَسَبْيُهُمْ)).

قَالَ: قُلْتُ: ((وَمَاذَا أَيْضًا؟)).

قَالُوا: ((وَمَحَا نَفْسَهُ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَهُوَ أَمِيرُ الْكَافِرِينَ)).

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-:  قُلْتُ: ((أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مَا يَنقُضُ قَوْلَكُمْ هَذَا، أَتْرْجِعُونَ؟)).

قَالُوا: ((وَمَا لَنَا لَا نَرْجِعُ؟)).

قَالَ: قُلْتُ: ((أَمَّا قَوْلُكُمْ: حَكَّمَ الرِّجَالَ فِي أَمْرِ اللهِ، فَإِنَّ اللهَ -عَزَّ وَجَلَّ- قَالَ فِي كِتَابِهِ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ ۚ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ} [المائدة: 95].

وَقَالَ فِي الْمَرْأَةِ وَزَوْجِهَا: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا} [النساء: 35].

فَصَيَّرَ اللهُ -تَعَالَى- ذَلِكَ إِلَى حُكْمِ الرِّجَالِ، فَنَشَدْتُكُمُ اللهَ أَتْعَلَمُونَ حُكْمَ الرِّجَالِ فِي دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَفِي إِصْلَاحِ ذَاتِ بَيْنِهِمْ أَفْضَلُ أَوْ فِي دَمِ أَرْنَبٍ ثَمَنُهَا رُبُعُ دِرْهَمٍ، وَفِي بُضْعِ امْرَأَةٍ؟)).

قَالُوا: ((بَلَى، هَذَا أَفْضَلُ)).

قَالَ: ((أَخَرَجْتُ مِنْ هَذِهِ؟)).

قَالُوا: ((نَعَمْ)).

قَالَ: ((وَأَمَّا قَوْلُكُمْ: قَاتَلَ فَلَمْ يَسْبِ وَلَمْ يَغْنَمْ، أَفَتَسْبُونَ أُمَّكُمْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا-؟

فَإِنْ قُلْتُمْ: نَسْبِيهَا، فَنَسْتَحِلَّ مِنْهَا مَا نَسْتَحِلُّ مِنْ غَيْرِهَا فَقَدْ كَفَرْتُمْ، وَإِنْ قُلْتُمْ لَيْسَتْ بِأُمِّنَا فَقَدْ كَفَرْتُمْ، فَأَنْتُمْ تَتَرَدَّدُونَ بَيْنَ ضَلَالَتَيْنِ، أَخَرَجْتُ مِنْ هَذَا؟)).

قَالُوا: ((بَلَى)).

قَالَ: ((وَأَمَّا قَوْلُكُمْ: مَحَا نَفْسَهُ مِنْ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، فَأَنَا آتِيكُمْ بِمَنْ تَرْضَوْنَ، إِنَّ نَبِيَّ اللهِ ﷺ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ، حِينَ صَالَحَ أَبَا سُفْيَانَ وَسُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((اُكْتُبْ يَا عَلِيُّ، هَذَا مَا صَالَحَ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ)).

فَقَالَ أَبُو سُفْيَان وَسُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو: ((مَا نَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ، وَلَوْ نَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ مَا قَاتَلْنَاكَ)).

قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي رَسُولُكَ، امْحُ يَا عَلِيُّ، وَاكْتُبْ: هَذَا مَا صَالَحَ عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ)).

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-: ((فَرَجَعَ مِنْهُمْ أَلْفَانِ، وَبَقِيَ بَقِيَّتُهُمْ، فَخَرَجُوا فَقُتِلُوا أَجْمَعُونَ)). أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مُخْتَصَرًا، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي ((السُّنَنِ))، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي ((الْمُصَنَّفِ))، وَالنَّسَائِىُّ فِي ((تَهْذِيبِ خَصَائِصِ الْإِمَامِ عَلِىٍّ)) -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-.

فَرَجَعَ مِنْهُمْ أَلْفَانِ، وَظَلَّ بَقِيَّتُهُمْ عَلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ؛ مِنْ مُعْتَقَدِهِمُ الْفَاسِدِ، وَمَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ مِلَّتِهِمُ الْفَاجِرَةِ؛ إِذْ يُكَفِّرُونَ أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ، وَيَخْرُجُونَ عَلَى الْأُمَّةِ بِالْأَسْيَافِ، يَسْتَحِلُّونَ الْفُرُوجَ، وَيَسْتَعْمِرُونَ الدِّيَارَ، وَيَنْهَبُونَ الْأَمْوَالَ، وَيَسْتَحِلُّونَ دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ دُونَ دِمَاءِ غَيْرِهِمْ، فَإِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ!

مِنْ أَيْنَ جَاءَ الْخَلَلُ هَاهُنَا؟!

مِنْ هَذِهِ النِّعْمَةِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي فُقِدَتْ، وَمِنْ هَذِهِ النِّقْمَةِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي حَلَّتْ مِنَ الْحُمْقِ وَالْجَهَالَةِ، مِنَ الِانْدِفَاعِ وَالطَّيْشِ، مِنْ عَدَمِ تَقْدِيرِ الْأُمُورِ عَلَى وَجْهِهَا الصَّحِيحِ فِي مَحَلِّهَا الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ تَتَنَزَّلَ عَلَيْهِ، مِنْ ذَلِكَ التَّصَلُّبِ الَّذِي يُصِيبُ قُلُوبًا وَعُقُولًا، فَتَعْمَى عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ!

((حُكْمُ أَهْلِ التَّأْوِيلِ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ))

((إِنْ قَالَ قَائِلٌ: هَلْ تُكَفِّرُونَ أَهْلَ التَّأْوِيلِ أَوْ تُفَسِّقُونَهُمْ؟

قُلْنَا: الْحُكْمُ بِالتَّكْفِيرِ وَالتَّفْسِيقِ لَيْسَ إِلَيْنَا، بَلْ هُوَ إِلَى اللهِ -تَعَالَى- وَرَسُولِهِ ﷺ؛ فَهُوَ مِنَ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي مَرَدُّهَا إِلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، فَيَجِبُ التَّثَبُّتُ فِيهِ غَايَةَ التَّثَبُّتِ، فَلَا يُكَفَّرُ وَلَا يُفَسَّقُ إِلَّا مَنْ دَلَّ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ عَلَى كُفْرِهِ أَوْ فِسْقِهِ.

وَالْأَصْلُ فِي الْمُسْلِمِ الظَّاهِرِ الْعَدَالَةِ بَقَاءُ إِسْلَامِهِ وَبَقَاءُ عَدَالَتِهِ، حَتَّى يَتَحَقَّقَ زَوَالُ ذَلِكَ عَنْهُ بِمُقْتَضَى الدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ، وَلَا يَجُوزُ التَّسَاهُلُ فِي تَكْفِيرِهِ أَوْ تَفْسِيقِهِ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ مَحْذُورَيْنِ عَظِيمَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: افْتِرَاءُ الْكَذِبِ عَلَى اللهِ -تَعَالَى- فِي الْحُكْمِ وَعَلَى الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ فِي الْوَصْفِ الَّذِي نَبَزَهُ بِهِ.

الثَّانِي: الْوُقُوعُ فِيمَا نَبَزَ بِهِ أَخَاهُ إِنْ كَانَ سَالِمًا مِنْهُ؛ فَفِي ((صَحِيحِ مُسْلِمٍ)) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ((إِذَا كَفَّرَ الرَّجُلُ أَخَاهُ فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا)).

وَفِي رِوَايَةٍ: ((إِنْ كَانَ كَمَا قَالَ، وَإِلَّا رَجَعَتْ عَلَيْهِ)).

وَعند الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي ذَرٍّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ((وَمَنْ دَعَا رَجُلًا بِالْكُفْرِ، أَوْ قَالَ عَدُوُّ اللهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ إِلَّا حَارَ عَلَيْهِ)).

وَعَلَى هَذَا فَيَجِبُ قَبْلَ الْحُكْمِ عَلَى الْمُسْلِمِ بِكُفْرٍ أَوْ فِسْقٍ أَنْ يَنْظُرَ فِي أَمْرَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: دَلَالَةُ الْكِتَابِ أَوِ السُّنَّةِ عَلَى أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ أَوِ الْفِعْلَ مُوجِبٌ لِلْكُفْرِ أَوِ الْفِسْقِ.

الثَّانِي: انْطِبَاقُ هَذَا الْحُكْمِ عَلَى الْقَائِلِ الْمُعَيَّنِ أَوِ الْفَاعِلِ الْمُعَيَّنِ، بِحَيْثُ تَتِمُّ شُرُوطُ التَّكْفِيرِ أَوِ التَّفْسِيقِ فِي حَقِّهِ، وَتَنْتَفِي الْمَوَانِعُ.

وَمِنْ أَهَمِّ الشُّرُوطِ: أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِمُخَالَفَتِهِ الَّتِي أَوْجَبَتْ أَنْ يَكُونَ كَافِرًا أَوْ فَاسِقًا؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: 115].

وَقَوْلِهِ: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّىٰ يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (115) إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ يُحْيِي وَيُمِيتُ ۚ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ} [التوبة: 115-116].

 وَلِهَذَا قَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ: ((لَا يَكْفُرُ جَاحِدُ الْفَرَائِضِ إِذَا كَانَ حَدِيثَ عَهْدٍ بِإِسْلَامٍ حَتَّى يُبَيَّنَ لَهُ)).

وَمِنَ الْمَوَانِعِ: أَنْ يَقَعَ مَا يُوجِبُ الْكُفْرَ أَوِ الْفِسْقَ بِغَيْرِ إِرَادَةٍ مِنْهُ، وَلِذَلِكَ صُوَرٌ:

* مِنْهَا: أَنْ يُكْرَهُ عَلَى ذَلِكَ؛ فَيَفْعَلُهُ لِدَاعِي الْإِكْرَاهِ، لَا اطْمِئْنَانًا بِهِ، فَلَا يُكَفَّرُ -حِينَئِذٍ-؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَٰكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النحل: 106].

* وَمِنْهَا: أَنْ يُغْلَقَ عَلَيْهِ فِكْرُهُ فَلَا يَدْرِي مَا يَقُولُ؛ لِشِدَّةِ فَرَحٍ أَوْ حُزْنٍ أَوْ خَوْفٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ.

وَدَلِيلُهُ مَا ثَبَتَ فِي ((صَحِيحِ مُسْلِمٍ)) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((للهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ مِنْ أَحَدِكُمْ، كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلَاةٍ، فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَأَيِسَ مِنْهَا، فَأَتَى شَجَرَةً فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا، قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذَا هُوَ بِهَا قَائِمَةً عِنْدَهُ، فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا، ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ: اللهم أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ، أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ)).

قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((وَأَمَّا التَّكْفِيرُ؛ فَالصَّوَابُ: أَنَّ مَنِ اجْتَهَدَ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَقَصَدَ الْحَقَّ، فَأَخْطَأَ لَمْ يُكَفَّرْ، بَلْ يُغْفَرُ لَهُ خَطَؤُهُ، وَمَنْ تَبَيَّنَ لَهُ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ، فَشَاقَّ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى، وَاتَّبَعَ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ فَهُوَ كَافِرٌ، وَمَنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ، وَقَصَّرَ فِي طَلَبِ الْحَقِّ، وَتَكَلَّمَ بِلَا عِلْمٍ، فَهُوَ عَاصٍ مُذْنِبٍ، ثُمَّ قَدْ يَكُونَ فَاسِقًا، وَقَدْ يَكُونُ لَهُ حَسَنَاتٌ تَرْجَحُ عَلَى سَيِّئَاتِهِ)).

وَقَالَ: ((هَذَا، مَعَ أَنِّي دَائِمًا وَمَنْ جَالَسَنِي يَعْلَمُ ذَلِكَ مِنِّي، أَنِّي مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ نَهْيًا عَنْ أَنْ يُنْسَبَ مُعَيَّنٌ إِلَى تَكْفِيرٍ وَتَفْسِيقٍ وَمَعْصِيَةٍ، إِلَّا إِذَا عُلِمَ أَنَّهُ قَدْ قَامَتْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ الرِّسَالِيَّةُ الَّتِي مَنْ خَالَفَهَا كَانَ كَافِرًا تَارَةً، وَفَاسِقًا أُخْرَى، وَعَاصِيًا أُخْرَى، وَأَنِّي أُقَرِّرُ: أَنَّ اللهَ قَدْ غَفَرَ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ خَطَأَهَا، وَذَلِكَ يَعُمُّ الْخَطَأَ فِي الْمَسَائِلِ الْخَبَرِيَّةِ الْقَوْلِيَّةِ، وَالْمَسَائِلِ الْعَمَلِيَّةِ.

وَمَا زَالَ السَّلَفُ يَتَنَازَعُونَ فِي كَثِيرٍ مِنْ هَذِهِ الْمَسَائِلِ، وَلَمْ يَشْهَدْ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَلَى أَحَدٍ لَا بِكُفْرٍ وَلَا بِفِسْقٍ وَلَا بِمَعْصِيَةٍ)).

وَذَكَرَ أَمْثِلَةً، ثُمَّ قَالَ: ((وَكُنْتُ أُبَيِّنُ أَنَّ مَا نُقِلَ عَنِ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ مِنْ إِطْلَاقِ الْقَوْلِ بِتَكْفِيرِ مَنْ يَقُولُ كَذَا وَكَذَا؛ فَهُوَ -أَيْضًا- حَقٌّ، لَكِنْ يَجِبُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ الْإِطْلَاقِ وَالتَّعْيِينِ)).

إِلَى أَنْ قَالَ: ((وَالتَّكْفِيرُ هُوَ مِنَ الْوَعِيدِ؛ فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ الْقَوْلُ تَكْذِيبًا لِمَا قَالَهُ الرَّسُولُ ﷺ، لَكِنْ قَدْ يَكُونُ الرَّجُلُ حَدِيثَ عَهْدٍ بِإِسْلَامٍ، أَوْ نَشَأَ بِبَادِيَةٍ بَعِيدَةٍ، وَمِثْلُ هَذَا لَا يُكَفَّرُ بِجَحْدِ مَا يَجْحَدُهُ حَتَّى تَقُومَ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ، وَقَدْ يَكُونُ الرَّجُلُ لَمْ يَسْمَعْ تِلْكَ النُّصُوصَ، أَوْ سَمِعَهَا وَلَمْ تَثْبُتْ عِنْدَهُ، أَوْ عَارَضَهَا عِنْدَهُ مُعَارِضٌ آخَرُ أَوْجَبَ تَأْوِيلَهَا، وَإِنْ كَانَ مُخْطِئًا.

وَكُنْتُ دَائِمًا أَذْكُرُ الْحَدِيثَ الَّذِي فِي ((الصَّحِيحَيْنِ)) فِي الرَّجُلِ الَّذِي قَالَ: ((إِذَا أَنَا مِتُّ فَأَحْرِقُونِي، ثُمَّ اسْحَقُونِي، ثُمَّ ذَرُّونِي فْي الْيَمِّ، فَوَاللهِ! لَئِنْ قَدَرَ اللهُ عَلَيَّ لَيُعَذَّبَنِّي عَذَابًا مَا عَذَّبَهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ، فَفَعَلُوا بِهِ ذَلِكَ، فَقَالَ اللهُ: مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا فَعَلْتَ؟ قَالَ: خَشْيَتُكَ، فَغَفَرَ لَهُ)).

فَهَذَا رَجُلٌ شَكَّ فِي قُدْرَةِ اللهِ وَفِي إِعَادَتِهِ إِذَا ذُرِّيَ، بَلِ اعْتَقَدَ أَنَّهُ لَا يُعَادُ، وَهَذَا كُفْرٌ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، لَكِنْ كَانَ جَاهِلًا لَا يَعْلَمُ ذَلِكَ، وَكَانَ مُؤْمِنًا يَخَافُ اللهَ أَنْ يُعَاقِبَهُ، فَغُفِرَ لَهُ بِذَلِكَ.

وَالْمُتَأَوِّلُ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ الْحَرِيصُ عَلَى مُتَابَعَةِ الرَّسُولِ ﷺ أَوْلَى بِالْمَغْفِرَةِ مِنْ مِثْلِ هَذَا)).

وَبِهَذَا عُلِمَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْقَوْلِ وَالْقَائِلِ، وَبَيْنَ الْفِعْلِ وَالْفَاعِلِ، فَلْيَسَ كُلُّ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ يَكُونُ فِسْقًا أَوْ كُفْرًا يُحْكَمُ عَلَى قَائِلِهِ أَوْ فَاعِلِهِ بِذَلِكَ.

قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((وَأَصْلُ ذَلِكَ: أَنَّ الْمَقَالَةَ الَّتِي هِيَ كُفْرٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ يُقَالُ هِيَ كُفْرُ قَوْلًا يُطْلَقُ، كَمَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ الدَّلَائِلُ الشَّرْعِيَّةُ، فَإِنَّ الْإِيمَانَ مِنَ الْأَحْكَامِ الْمُتَلَقَّاةِ عَنِ اللهِ وَرَسُولِهِ ﷺ، لَيْسَ ذَلِكَ مِمَّا يَحْكُمُ فِيهِ النَّاسُ بِظُنُونِهِمْ وَأَهْوَائِهِمْ.

وَلَا يَجِبُ أَنْ يُحْكَمَ فِي كُلِّ شَخْصٍ قَالَ ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَافِرٌ حَتَّى يَثْبُتَ فِي حَقِّهِ شُرُوطُ التَّكْفِيرِ وَتَنْتَفِي مَوَانِعُهُ، مِثْلُ مَنْ قَالَ: إِنَّ الْخَمْرَ أَوِ الرِّبَا حَلَالٌ؛ لِقُرْبِ عَهْدِهِ بِالْإِسْلَامِ، أَوْ لِنُشُوئِهِ فِي بَادِيَةٍ بَعِيدَةٍ، أَوْ سَمِعَ كَلَامًا أَنْكَرَهُ وَلَمْ يَعْتَقِدْ أَنَّهُ مِنَ الْقُرْآنِ، وَلَا أَنَّهُ مِنْ أَحَادِيثِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، كَمَا كَانَ بَعْضُ السَّلَفِ يُنْكِرُ أَشْيَاءَ حَتَّى يَثْبُتَ عِنْدَهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَهَا)).

إِلَى أَنْ قَالَ: ((فَإِنَّ هَؤُلَاءِ لَا يَكْفُرُونَ حَتَّى تَقُومَ عَلَيْهِمُ الْحُجَّةُ بِالرِّسَالَةِ، كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: {لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} [النساء: 65]، وَقَدْ عَفَا اللهُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَنِ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ)).

وَبِهَذَا عُلِمَ أَنَّ الْمَقَالَةَ أَوِ الْفِعْلَةَ قَدْ تَكُونُ كُفْرًا أَوْ فِسْقًا، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْقَائِمُ بِهَا كَافِرًا أَوْ فَاسِقًا، إِمَّا لِانْتِفَاءِ شَرْطِ التَّكْفِيرِ أَوِ التَّفْسِيقِ، أَوْ وُجُودِ مَانِعٍ شَرْعِيٍّ يَمْنَعُ مِنْهُ.

وَمَنْ تَبَيَّنَ لَهُ الْحَقُّ فَأَصَرَّ عَلَى مُخَالَفَتِهِ تَبَعًا لِاعْتِقَادٍ كَانَ يَعْتَقِدُهُ، أَوْ مَتْبُوعٍ كَانَ يُعَظِّمُهُ، أَوْ دُنْيَا كَانَ يُؤْثِرُهَا؛ فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ مَا تَقْتَضِيهِ تِلْكَ الْمُخَالَفَةُ مِنْ كُفْرٍ أَوْ فُسُوقٍ.

فَعَلَى الْمُؤْمِنِ أَنْ يَبْنِيَ مُعْتَقَدَهُ وَعَمَلَهُ عَلَى كِتَابِ اللهِ -تَعَالَى- وَسُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ، فَيَجْعَلُهُمَا إِمَامًا لَهُ، يَسْتَضِيءُ بِنُورِهِمَا، وَيَسِيرُ عَلَى مِنْهَاجِهِمَا؛ فَإِنَّ ذَلِكَ هُوَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ الَّذِي أَمَرَ اللهُ -تَعَالَى- بِهِ فِي قَوْلِهِ: {وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الأنعام: 153].

وَلْيَحْذَرْ مَا يَسْلُكُهُ بَعْضُ النَّاسِ مِنْ كَوْنِهِ يَبْنِي مُعْتَقَدَهُ أَوْ عَمَلَهُ عَلَى مَذْهَبٍ مُعَيَّنٍ، فَإِذَا رَأَى نُصُوصَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَلَى خِلَافِهِ حَاوَلَ صَرْفَ هَذِهِ النُّصُوصِ إِلَى مَا يُوَافِقُ ذَلِكَ الْمَذْهَبَ عَلَى وُجُوهٍ مُتَعَسِّفَةٍ، فَيَجْعَلُ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ تَابِعَيْنِ لَا مَتْبُوعَيْنِ، وَمَا سِوَاهُمَا إِمَامًا لَا تَابِعًا، وَهَذِهِ طَرِيقٌ مِنْ طُرُقِ أَصْحَابِ الْهَوَى، لَا أَتْبَاعِ الْهُدَى، وَقَدْ ذَمَّ اللهُ هَذِهِ الطَّرِيقَ فِي قَوْلِهِ: {وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ ۚ بَلْ أَتَيْنَاهُم بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم مُّعْرِضُونَ} [المؤمنون: 71].

وَالنَّاظِرُ فِي مَسَالِكِ النَّاسِ فِي هَذَا الْبَابِ يَرَى الْعَجَبَ الْعُجَابَ، وَيَعْرِفَ شِدَّةَ افْتِقَارِهِ إِلَى اللُّجُوءِ إِلَى رَبِّهِ فِي سُؤَالِ الْهِدَايَةِ وَالثَّبَاتِ عَلَى الْحَقِّ، وَالِاسْتِعَاذَةِ مِنَ الضَّلَالِ وَالِانْحِرَافِ.

وَمَنْ سَأَلَ اللهَ -تَعَالَى- بِصِدْقٍ وَافْتِقَارٍ إِلَيْهِ، عَالِمًا بِغِنَى رَبِّهِ عَنْهُ، وَافْتِقَارِهِ هُوَ إِلَى رَبِّهِ؛ فَهُوَ حَرِيٌّ أَنْ يَسْتَجِيبَ اللهُ -تَعَالَى- سُؤْلَهُ، يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} [البقرة: 186].

فَنَسْأَلُ اللهَ -تَعَالَى- أَنْ يَجْعَلَنَا مِمَّنْ رَأَى الْحَقَّ حَقًّا وَاتَّبَعَهُ، وَرَأَى الْبَاطِلَ بَاطِلًا وَاجْتَنَبَهُ، وَأَنْ يَجْعَلَنَا هُدَاةً مُهْتَدِينَ، وَصُلَحَاءَ مُصْلِحِينَ، وَأَلَّا يُزِيغَ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا، وَيَهَبَ لَنَا مِنْهُ رَحْمَةً إِنَّهُ هُوَ الْوَهَّابُ)).  

((الْفَهْمُ فَوْقَ الْعِلْمِ))

لَقَدْ أَخْبَرَنَا الرَّسُولُ ﷺ -كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي ((الصَّحِيحَيْنِ))- عَنْ قِصَّةٍ وَقَعَتْ لِنَبِيِّ اللهِ دَاوُدَ وَنَبِيِّ اللهِ سُلَيْمَانَ -عَلَيْهِمَا وَعَلَى نَبِيِّنَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَأَزْكَى التَّسْلِيمِ- قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((بَيْنَمَا امْرَأَتَانِ مَعَهُمَا ابْنَاهُمَا، جَاءَ الذِّئْبُ فَذَهَبَ بْابْنِ إِحْدَاهُمَا، فَقَالَتْ هَذِهِ لِصَاحِبَتِهَا: إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكَ، وَقَالَتِ الْأُخْرَى: إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكَ، فَتَحَاكَمَتَا إِلَى دَاوُدَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-، فَقَضَىَ بِهِ لِلْكُبْرَى، فَخَرَجَتَا إِلَى سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ فَأَخْبَرَتَاهُ، فَقَالَ: ائْتُونِي بِالسِّكِّينِ -يَقُولُ لِخَاصَّتِهِ وَأَعْوَانِهِ وَأَصْحَابِهِ-  ائْتُونِي بِالسِّكِّينِ أَشُقُّهُ بَيْنَهُمَا، فَقَالَتِ الصُّغْرَى: لَا تَفْعَلْ -يَرْحَمْكَ اللهُ-، هُوَ ابْنُهَا، فَقَضَى بِهِ لِلصُّغْرَى)).

فَهَذَا الْفَهْمُ لَمْ يُؤْتَهُ أَبُوهُ دَاوُدُ، وَآتَاهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ سُلَيْمَانَ.

وَفِي قِصَّةٍ أُخْرَى مَذْكُورَةٍ فِي كِتَابِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ: {وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ} [الأنبياء: 78]، يَقُولُ رَبُّنَا -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ-: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ}، وَحَتَّى لَا يَظُنَّ أَحَدٌ أَنَّ الْفَهْمَ الَّذِي آتَاهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ سُلَيْمَانَ وَلَمْ يُؤْتِهِ دَاوُدَ مِمَّا يَضَعُ مِنْ قَدْرِ دَاوُدَ عَقَّبَ رَبُّنَا -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ- عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: {وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا} [الأنبياء: 79]: نُبُوَّةً وَفَهْمًا.

آتَى اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْفَهْمَ سُلَيْمَانَ، وَلَمْ يُؤْتِهِ دَاوُدَ -عَلَيْهِمَا وَعَلَى نَبِيِّنَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَأَزْكَى التَّسْلِيمِ-.

{وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ} يَعْنِي: فِي الزَّرْعِ، {إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ}: وَالنَّفْشُ: هُوَ الرَّعْيُ لَيْلًا، وَالْهَمْلُ: هُوَ الرَّعْيُ بِالنَّهَارِ.

فَعَلَى أَهْلِ الزُّرُوعِ أَنْ يَحْفَظُوا زُرُوعَهُمْ نَهَارًا، فَلَوْ وَقَعَتِ الْأَغْنَامُ عَلَى الزُّرُوعِ بِالنَّهَارِ لَمْ يُضَمَّنْ أَصْحَابُهَا، وَأَمَّا إِذَا مَا أَهْمَلُوهَا فَأُطْلِقَتْ بِلَيْلٍ فَنَفَشَتْ فِي الزَّرْعِ فَأَتْلَفَتْهُ فَهُمْ ضَامِنُونَ.

يَقُولُ ابْنُ جَرِيرٍ -رَحِمَهُ اللهُ- فِي ((تَفْسِيرِهِ)): ((قَضَي دَاوُدُ بِالْغَنَمِ لِأَصْحَابِ الْحَرْثِ، فَخَرَجَ الرِّعَاءُ الْكِلَابُ، فَقَالَ سُلَيْمَانُ: كَيْفَ قَضَى بَيْنَكُمْ؟ فَأَخْبَرُوهُ، فَقَالَ: لَوْ وَافَيْتُ أَمْرَكُمْ لَقَضَيْتُ بِغَيْرِ هَذَا، فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ دَاوُدُ، فَدَعَاهُ فَقَالَ: كَيْفَ تَقْضِي بَيْنَهُمْ؟ قَالَ: أَدْفَعُ الْغَنَمَ إِلَى أَصْحَابِ الْحَرْثِ، فَيَكُونُ لَهُمْ أَوْلَادُهَا وَأَلْبَانُهَا وَسِلَاؤُهَا وَمَنَافِعُهَا، وَيَبْذُرُ أَصْحَابُ الْغَنَمِ لِأَهْلِ الْحَرْثِ مِثْلَ حَرْثِهِمْ، فَإِذَا بَلَغَ الْحَرْثُ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ؛ أَخَذَ أَصْحَابُ الْحَرْثِ الْحَرْثَ، وَرَدُّوا الْغَنَمَ إِلَى أَصْحَابِهَا)).

إِنَّ دَاوُدَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- قَضَى بِالْغَنَمِ لِأَصْحَابِ الزَّرْعِ قَوْلًا وَاحِدًا، فَخَرَجَ أَصْحَابُ الْغَنَمِ بِكِلَابِهِمْ وَفَقَدُوا أَغْنَامَهُمْ، فَقَالَ سُلَيْمَانُ: إِنَّ الْقَضِيَّةَ عَلَى غَيْرِ هَذَا النَّحْوِ.. عَلَى غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ، فَقَالَ دَاوُدَ: كَيْفَ، وَبِمَ تَقْضِي؟

قَالَ: إِنَّمَا أَقْضِي بِالْغَنَمِ لِأَصْحَابِ الزَّرْعِ يُفِيدُونَ مِنْ أَصْوَافِهَا وَأَلْبَانِهَا وَنَتَاجِهَا حَتَّى يُصْلِحَ أَصْحَابُ الْغَنَمِ زَرْعَ أَصْحَابِ الزَّرْعِ، وَحَتَّى يَعُودَ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ فِي ذَاتِ الْيَوْمِ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ الْإِتْلَافُ مِنَ الْغَنَمِ مِنْ أَصْحَابِ الْغَنَمِ لِهَذَا الزَّرْعِ بِأَصْحَابِ الزَّرْعِ، فَقَضَى دَاوُدَ بِذَلِكَ.

{فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ} [الأنبياء: 79].

فَالْفَهْمُ عَزِيزٌ جِدًّا.

وَهَذَا دَاوُدَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- نَبِيٌّ يُوحَى إِلَيْهِ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا -جَلَّ وَعَلَا-، وَآتَى اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْفَهْمَ سُلَيْمَانَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- وَهُوَ وَلَدُهُ، وَلَمْ يُؤْتِ الْفَهْمَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِعَيْنِهَا دَاوُدَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-، وَلَا فِي قِصَّةِ الصَّحِيحَيْنِ، إِنَّمَا آتَى اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ الْفَهْمَ سُلَيْمَانَ هَاهُنَا؛ لِكَيْ يَدُلَّنَا عَلَى أَنَّ الْفَهْمَ شَيْءٌ فَوْقَ الْعِلْمِ، وَأَنَّ الرَّجُلَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مُتَضَلِّعًا بِالْعِلْمِ وَهُوَ أَحْمَقُ مِنَ الْحَمَاقَةِ ذَاتِهَا، ثُمَّ إِنَّهُ يَكُونُ عَامِلَ إِفْسَادٍ فِي مُجْتَمَعِهِ، وَدَاعِيَةَ فُرْقَةٍ فِي أَهْلِهِ وَوَطَنِهِ، ثُمَّ إِنَّهُ لَا يَتَأَتَّى مِنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ يَخْرُجُ عَنِ النَّهْجِ، وَلَا يَسْتَقِيمُ عَلَى الْجَادَّةِ، وَيُقَدِّمُ هَوَى نَفْسِهِ عَلَى مَصْلَحَةِ دِينِ رَبِّهِ، وَلَا يَسْتَقِيمُ عَلَى دِينِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالْأَصْلُ أَنْ يَذِلَّ الْقَلْب وَأَنْ يَخْضَعَ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

عِبَادَ اللهِ! اسْتَقِيمُوا عَلَى نَهْجِ النَّبِيِّ، وَاتَّبِعُوا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ ﷺ؛ حَتَّى لَا تَضِلُّوا وَلَا تَنْحَرِفُوا!

فَاللهم ارْزُقْنَا الْفَهْمَ السَّدِيدَ، وَارْزُقْنَا الْإِخْلَاصَ لِوَجْهِكَ يَا كَرِيمُ.

وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ.

المصدر: النُّصُوصُ الشَّرْعِيَّةُ بَيْنَ الْفَهْمِ الصَّحِيحِ وَسُوءِ التَّأْوِيلِ

التعليقات


خطب مفرغة قد تعجبك


  الْأَمَل
  الرد على شبهات أنصار بيت المقدس
  النَّبِيُّ الْقُدْوَةُ مُعَلِّمًا وَمُرَبِّيًا
  الْإِسْلَامُ وَالْعِلْمُ
  الْبِنَاءُ الِاقْتِصَادِيُّ السَّدِيدُ وَأَثَرُهُ فِي اسْتِقْرَارِ الْمُجْتَمَعِ
  ذِكْرُ اللهِ فِي رَمَضَانَ
  مَنْزِلَةُ الشُّهَدَاءِ عِنْدَ رَبِّهِمْ
  عَلَامَ تَبِيعُ الْجَنَّةَ؟!!
  خُطُورَةُ الْمُخَدِّرَاتِ وَالْإِدْمَانِ عَلَى الْفَرْدِ وَالْمُجْتَمَعِ
  حَقُّ الْوَطَنِ وَالْمُشَارَكَةُ فِي بِنَائِهِ
  • شارك

نبذة عن الموقع

موقع تفريغات العلامة رسلان ، موقع يحتوي على العشرات من الخطب والمحاضرات والمقاطع المفرغة لفضيلة الشيخ العلامة أبي عبدالله محمد بن سعيد رسلان-حفظه الله- . كما يعلن القائمون على صفحة وموقع تفريغات العلامة رسلان -حفظه الله- أن التفريغات للخطب ليست هي الشكل النهائي عند الطباعة، ولكن نحن نفرغ خطب الشيخ حفظه الله ونجتهد في نشرها ليستفيد منها طلاب العلم والدعاة على منهاج النبوة في كل أنحاء الدنيا، ونؤكد على أنَّ الخطب غير مُخرَّجة بشكل كامل كما يحدث في خطب الشيخ العلامة رسلان المطبوعة وليست الكتب المنشورة على الصفحة والموقع هي النسخة النهائية لكتب الشيخ التي تُطبع...وهذه الكتب ما هي إلا تفريغ لخطب الشيخ، غير أنَّ كتب الشيخ التي تُطبع تُراجع من الشيخ -حفظه الله- وتُخرج. والتفريغ عملٌ بشريٌ، ونحن نجتهد في مراجعة التفريغات مراجعة جيدة، فإذا وقع خطأ أو شكل الخطب كما نخرجها -إنما نُحاسب نحن عليها والخطأ يُنسب لنا وليس للشيخ -حفظه الله-.

الحقوق محفوظة لكل مسلم موقع تفريغات العلامة رسلان