تَكَالِيفُ الزَّوَاجِ بَيْنَ الْمُبَالَغَةِ وَالِاعْتِدَالِ

تَكَالِيفُ الزَّوَاجِ بَيْنَ الْمُبَالَغَةِ وَالِاعْتِدَالِ

((تَكَالِيفُ الزَّوَاجِ بَيْنَ الْمُبَالَغَةِ وَالِاعْتِدَالِ))

إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّـهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّـهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ.

أَمَّا بَعْدُ:

فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّـهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.

أَمَّا بَعْدُ:

((الْأُسْرَةُ نَوَاةُ الْمُجْتَمَعِ وَأَسَاسُهُ))

فَإِنَّ اللهَ -جَلَّ وَعَلَا- جَعَلَ الْأُسْرَةَ نَوَاةَ الْمُجْتَمَعِ وَأَسَاسَهُ، وَبِهَا يَظْهَرُ صَلَاحُهُ وَفَسَادُهُ؛ إِذْ كُلُّهُمْ فِي سَفِينَةٍ وَاحِدَةٍ وَحَيَاةٍ مُشْتَرَكَةٍ، لَا يَنْفَصِلُ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ، بَلِ الْأَثَرُ يُصِيبُ الْجَمِيعَ، وَالنَّتِيجَةُ تَكُونُ عَامَّةً، كَمَا أَوْضَحَ النَّبِيُّ الْكَرِيمُ ﷺ هَذَا الْمَعْنَى الْعَظِيمَ بِأَرْوَعِ مِثَالٍ وَأَحْسَنِ مَقَالٍ حِينَ قَالَ: ((مَثَلُ الْقَائِمِ فِي حُدُودِ اللهِ وَالْوَاقِعِ فِيهَا كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا -أَيِ: اقْتَرَعُوا- عَلَى سَفِينَةٍ، فَصَارَ بَعْضُهُمْ أَعْلَاهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، وَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا -أَيْ: مِنَ الْمَاءِ- مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ، فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا، فَإِنْ تَرَكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ -أَيْ: مَنَعُوهُمْ مِنْ خَرْقِ السَّفِينَةِ- نَجَوْا وَنَجَوْا جَمِيعًا)). أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ.

وَقَالَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-: {ومن آياته وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الروم: 21].

(({وَمِنْ آيَاتِهِ}: الدَّالَّةِ عَلَى رَحْمَتِهِ وَعِنَايَتِهِ بِعِبَادِهِ وَحِكْمَتِهِ الْعَظِيمَةِ وَعِلْمِهِ الْمُحِيطِ، {أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا}: تُنَاسِبُكُمْ وَتُنَاسِبُونَهُنَّ، {لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً}: بِمَا رَتَّبَ عَلَى الزَّوَاجِ مِنَ الْأَسْبَابِ الْجَالِبَةِ لِلْمَوَدَّةِ وَالرَّحْمَةِ.

فَحَصَلَ بِالزَّوْجَةِ الِاسْتِمْتَاعُ وَاللَّذَّةُ وَالْمَنْفَعَةُ بِوُجُودِ الْأَوْلَادِ وَتَرْبِيَتِهِمْ، وَالسُّكُونُ إِلَيْهَا، فَلَا تَجِدُ بَيْنَ أَحَدٍ -فِي الْغَالِبِ- مِثْلَ مَا بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ مِنَ الْمَوَدَّةِ وَالرَّحْمَةِ، {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}: يُعْمِلُونَ أَفْكَارَهُمْ، وَيَتَدَبَّرُونَ فِي آيَاتِ اللهِ، وَيَنْتَقِلُونَ مِنْ شَيْءٍ إِلَى شَيْءٍ)).

إِنَّ الْأُسْرَةَ أَسَاسُ الْمُجْتَمَعِ وَنَوَاةُ بِنَائِهِ، وَبِتَمَاسُكِهَا وَاسْتِقْرَارِهَا يَكُونُ تَمَاسُكُ الْمُجْتَمَعِ وَاسْتِقْرَارُهُ؛ لِذَلِكَ عُنِيَ الْإِسْلَامُ بِبِنَاءِ الْأُسْرَةِ عِنَايَةً كَبِيرَةً بِمَا يُحَقَّقُ السَّكَنَ وَالْمَوَدَّةَ وَالرَّحْمَةَ بَيْنَ جَمِيعِ أَفْرَادِهَا.

قَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {ومن آياته وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الروم: 21].

(({ومن آياته وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا}: كَمَا قَالَ -تَعَالَى- فِي أَوَّلِ سُورَةِ النِّسَاءِ: {وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا}: مِنْ جِنْسِكُمْ مِنْ بَنِي آدَمَ، وَقِيلَ: خَلَقَ حَوَّاءَ مِنْ ضِلَعِ آدَمَ، {لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً} أَيْ: وُدًّا وَتَرَاحُمًا وَشَفَقَةً، فَجَعَلَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ الْمَوَدَّةَ وَالرَّحْمَةَ، فَهُمَا يَتَوَادَّانِ وَيَتَرَاحَمَانِ، وَمَا مِنْ شَيْءٍ هُوَ أَحَبُّ إِلَى أَحَدِهِمَا مِنَ الْآخَرِ مِنْ غَيْرِ مَا رَحِمٍ بَيْنَهُمَا، (إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}: فِي عَظَمَةِ اللهِ وَفِي قُدْرَتِهِ)).

((نِعْمَةُ الزَّوَاجِ مِنْ أَعْظَمِ نِعَمِ اللهِ))

وَمِنْ نِعْمَةِ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا- أَنْ جَعَلَ الزَّوْجَةَ سَكَنًا وَمَأْوًى لِزَوْجِهَا، وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا الْأُنْسَ وَالطُّمَأْنِينَةَ.

قَالَ رَبُّنَا -جَلَّ وَعَلَا-: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا} [الأعراف: 189].

هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ -أَيُّهَا النَّاسُ- مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ آدَمُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-، وَجَعَلَ مِنْ نَوْعِ هَذِهِ النَّفْسِ الْوَاحِدَةِ زَوْجَهَا تُشَارِكُهُ فِي الْخَصَائِصِ وَالطَّبَائِعِ الْبَشَرِيَّةِ؛ لِيَأْنَسَ بِهَا، وَيَأْوِيَ إِلَيْهَا.

وَجَعَلَ اللهُ -تَعَالَى- بِالزَّوَاجِ سِتْرًا وَدِفْئًا وَحِفْظًا بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ.

قَالَ تَعَالَى: {هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ} [البقرة: 187].

هُنَّ كَاللِّبَاسِ السَّاتِرِ لَكُمْ، وَأَنْتُمْ كَاللِّبَاسِ السَّاتِرِ لَهُنَّ؛ لِمَا يَكُونُ بَيْنَكُمَا -أَيُّهَا الزَّوْجَانِ- مِنْ مُبَاشَرَةِ الْجَسَدِ بِالْجَسَدِ، وَتَلَاصُقِهِمَا وَتَدَاخُلِهِمَا، وَإِحَاطَةِ كُلٍّ مِنْهُمَا بِصَاحِبِهِ، وَطُولِ مُلَازَمَتِهِ لَهُ، مَعَ مَا فِي كُلٍّ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ مِنْ سَتْرٍ وَدِفْءٍ وَحِفْظٍ.

إِنَّ مِنَ النِّعَمِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي أَسْدَاهَا إِلَيْنَا رَبُّنَا -جَلَّ وَعَلَا- نِعْمَةَ الزَّوَاجِ، نِعْمَةَ اقْتِرَانِ الذَّكَرِ بِالْأُنْثَى بِالرِّبَاطِ الشَّرْعِيِّ وَالْمِيثَاقِ الْغَلِيظِ، بَلْ إِنَّ الزَّوَاجَ آيَةٌ مِنْ آيَاتِ اللهِ -تَعَالَى- الْكُبْرَى الَّتِي تَدُلُّ عَلَى كَمَالِ عَظَمَتِهِ وَوَسِيعِ حِكْمَتِهِ.

قَالَ تَعَالَى: {ومن آياته وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الروم: 21].

فَالْعَلَاقَةُ الزَّوْجِيَّةُ عَلَاقَةٌ خَاصَّةٌ وَمُمَيَّزَةٌ، وَعَقْدُ الزَّوَاجِ عَقْدٌ فَرِيدٌ وَرِبَاطٌ كَرِيمٌ، جَعَلَ الْإِسْلَامُ لَهُ مَكَانَةً عَالِيَةً وَمَنْزِلَةً سَامِيَةً، حَتَّى قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((إِنَّ أَحَقَّ الشُّرُوطِ أَنْ تُوفُوا بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

((الْتِزَامُ الزَّوْجَيْنِ الْحُقُوقَ وَالْوَاجِبَاتِ))

وَلَمَّا كَانَ الزَّوَاجُ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ وَالْقَدَاسَةِ فَقَدْ شَرَعَ الْمَوْلَى -جَلَّ وَعَلَا- لِلزَّوْجَيْنِ أَحْكَامًا، وَجَعَلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْآخَرِ حُقُوقًا، حَتَّى تَسِيرَ حَيَاتُهُمَا مِنَ الْمَوَدَّةِ فِي غَايَةٍ، وَمِنَ الْوِئَامِ فِي نِهَايَةٍ؛ فَعَلَى الزَّوْجَيْنِ أَنْ يَتَطَاوَعَا، وَلَا يَخْتَلِفَا، وَأَنْ يَتَذَاكَرَا وَيَتَنَاصَحَا بِطَاعَةِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، فَيَتَّبِعَا جَمِيعًا الْأَحْكَامَ الشَّرْعِيَّةَ الثَّابِتَةَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَلَا يُقَدِّمَا عَلَيْهَا عَادَةً مَوْرُوثَةً وَلَا هَوًى مُتَّبَعًا.

قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا} [الأحزاب: 36].

وَعَلَى الزَّوْجَيْنِ أَنْ يَلْتَزِمَ كُلٌّ مِنْهُمَا بِمَا فَرَضَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- عَلَيْهِ مِنْ حَقٍّ لِلْآخَرِ، وَنَسْتَطِيعُ أَنْ نُلَخِّصَ هَذِهِ الْحُقُوقَ فِيمَا بَيَّنَهُ لَنَا رَبُّنَا وَمَا سَنَّهُ لَنَا نَبِيُّنَا ﷺ.

((جُمْلَةٌ مِنْ حُقُوقِ الزَّوْجَةِ))

فَلِلزَّوْجَةِ عَلَى زَوْجِهَا حَقٌّ وَاجِبٌ بَيَّنَهُ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا- وَرَسُولُهُ ﷺ.

قَالَ رَبُّنَا -جَلَّ وَعَلَا-: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء: 19].

((وَهَذَا يَشْمَلُ الْمُعَاشَرَةَ الْقَوْلِيَّةَ وَالْفِعْلِيَّةَ؛ فَعَلَى الزَّوْجِ أَنْ يُعَاشِرَ زَوْجَتَهُ بِالْمَعْرُوفِ:

- مِنَ الصُّحْبَةِ الْجَمِيلَةِ.

- وَكَفِّ الْأَذَى.

- وَبَذْلِ الْإِحْسَانِ.

- وَحُسْنِ الْمُعَامَلَةِ.

- وَعَلَيْهِ أَنْ يُدْخِلَ فِي ذَلِكَ الْإِحْسَانِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالنَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ وَنَحْوِهِمَا، فَيَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ لِزَوْجَتِهِ الْمَعْرُوفُ مِنْ مِثْلِهِ لِمِثْلِهَا فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ، وَهَذَا يَتَفَاوَتُ بِتَفَاوُتِ الْأَحْوَالِ.

{فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} [النساء: 19].

أَيْ: يَنْبَغِي لَكُمْ -أَيُّهَا الْأَزْوَاجُ- أَنْ تُمْسِكُوا زَوْجَاتِكُمْ مَعَ الْكَرَاهَةِ لَهُنَّ؛ فَإِنَّ فِي ذَلِكَ خَيْرًا كَثِيرًا؛ مِنْ ذَلِكَ:

- امْتِثَالُ أَمْرِ اللهِ.

- وَقَبُولُ وَصِيَّتِهِ الَّتِي فِيهَا سَعَادَةُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.

- وَمِنْهَا: أَنَّ إِجْبَارَهُ نَفْسَهُ مَعَ عَدَمِ مَحَبَّتِهِ لَهَا فِيهَا مُجَاهَدَةُ النَّفْسِ، وَالتَّخَلُّقُ بِالْأَخْلَاقِ الْجَمِيلَةِ.

- وَرُبَّمَا أَنَّ الْكَرَاهَةَ تَزُولُ، وَتَخْلُفُهَا الْمَحَبَّةُ، كَمَا هُوَ الْوَاقِعُ فِي ذَلِكَ.

- وَرُبَّمَا رُزِقَ مِنْهَا وَلَدًا صَالِحًا نَفَعَ وَالِدَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.

وَهَذَا كُلُّهُ مَعَ الْإِمْكَانِ فِي الْإِمْسَاكِ وَعَدَمِ الْمَحْظُورِ، فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ مِنَ الْفِرَاقِ وَلَيْسَ لِلْإِمْسَاكِ مَحَلٌّ فَلَيْسَ الْإِمْسَاكُ بِلَازِمٍ، بَلْ مَتَى أَرَدْتُمُ {اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ} أَيْ: مَتَى أَرَدْتُمْ تَطْلِيقَ زَوْجَةٍ وَتَزَوُّجَ أُخْرَى فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي ذَلِكَ وَلَا حَرَجَ، وَلَكِنْ إِذَا آتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ، أَيِ: الْمُفَارَقَةَ أَوِ الَّتِي تَزَوَّجَهَا {قِنْطَارًا} أَيْ: مَالًا كَثِيرًا {فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا}، بَلْ وَفِّرُوهُ لَهُنَّ، وَلَا تَمْطُلُوا بِهِنَّ)).

عَنْ مَيْمُونٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((أَيُّمَا رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَلَى مَا قَلَّ مِنَ الْمَهْرِ أَوْ كَثُرَ لَيْسَ فِي نَفْسِهِ أَنْ يُؤَدِّيَ إِلَيْهَا حَقَّهَا، خَدَعَهَا، فَمَاتَ وَلَمْ يُؤَدِّ إِلَيْهَا حَقَّهَا؛ لَقِيَ اللهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَهُوَ زَانٍ)). الْحَدِيثَ. أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي ((الْأَوْسَطِ)) وَ((الصَّغِيرِ)) بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ.

وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: ((كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، الْإِمَامُ رَاعٍ وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْؤُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالْخَادِمُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا، وَخِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِمْ)). أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

وَعَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي)). أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ.

وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((إِنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ، فَإِنْ أَقَمْتَهَا كَسَرْتَهَا، فَدَارِهَا تَعِشْ بِهَا)). أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ.

وَعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قُلْتُ: ((يَا رَسُولَ اللهِ! مَا حَقُّ زَوْجَةِ أَحَدِنَا عَلَيْهِ؟)).

قَالَ: ((أَنْ تُطْعِمَهَا إِذَا طَعِمْتَ، وَتَكْسُوَهَا إِذَا اكْتَسَيْتَ، وَلَا تَضْرِبِ الْوَجْهَ وَلَا تُقَبِّحْ، وَلَا تَهْجُرْ إِلَّا فِي الْبَيْتِ)). أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ حِبَّانَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ.

((نَصِيحَةُ أُمٍّ لِابْنَتِهَا الْمُقْبِلَةِ عَلَى الزَّوَاجِ))

وَهَذِهِ نَصِيحَةُ أُمٍّ لِابْنَتِهَا وَهِيَ مُقْبِلَةٌ عَلَى الزَّوَاجِ، فِيهَا مِنْ أَسْبَابِ حُصُولِ السَّكَنِ وَالْمَوَدَّةِ مَا فِيهَا.

قَالَتْ أُمَامَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ لِابْنَتِهَا حِينَ أَرَادُوا أَنْ يَحْمِلُوهَا إِلَى زَوْجِهَا: ((أَيْ بُنَيَّةُ! إِنَّ الْوَصِيَّةَ لَوْ تُرِكَتْ لِفَضْلِ أَدَبٍ تُرِكَتْ لِذَلِكَ مِنْكِ، وَلَكِنَّهَا تَذْكِرَةٌ لِلْغَافِلِ، وَمَعُونَةٌ لِلْعَاقِلِ، وَلَوْ أَنَّ امْرَأةً اسْتَغْنَتْ عَنِ الزَّوْجِ لِغِنَى أَبَوَيْهَا وَشِدَّةِ حَاجَتِهِمَا إِلَيْهَا كُنْتِ أَغْنَى النَّاسِ عَنْهُ، وَلَكِنَّ النِّسَاءَ لِلرِّجَالِ خُلِقْنَ، وَلَهُنَّ خُلِقَ الرِّجَالُ.

أَيْ بُنَيَّةُ! إِنَّكِ فَارَقْتِ الْجَوَّ الَّذِي مِنْهُ خَرَجْتِ، وَخَلَّفْتِ الْعُشَّ الَّذِي فِيهِ دَرَجْتِ إِلَى وَكْرٍ لَمْ تَعْرِفِيهِ، وَقَرِينٍ لَمْ تَأْلَفِيهِ، فَأَصْبَحَ بِمِلْكِهِ عَلَيْكِ رَقِيبًا وَمَلِيكًا؛ فَكُونِي لَهُ أَمَةً يَكُنْ لَكِ عَبْدًا وَشِيكًا.

يَا بُنَيَّةُ! احْمِلي عَنِّي عَشْرَ خِصَالٍ يَكُنَّ لَكِ ذُخْرًا وَذِكْرًا: الصُّحْبَةُ بِالْقَنَاعَةِ، وَالْمُعَاشَرَةُ بِحُسْنِ السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَالتَّعَهُّدُ لِمَوْقِعِ عَيْنَيْهِ، وَالتَّفَقُّدُ لِمَوْضِعِ أَنْفِهِ، فَلَا تَقَعُ عَيْنَاهُ مِنْكِ عَلَى قَبِيحٍ، وَلَا يَشَمُّ مِنْكِ إِلَّا أَطْيبَ رِيحٍ، وَالْكُحْلُ أَحْسَنُ الْحُسْنِ، وَالْمَاءُ أَطْيَبُ الطِّيبِ الْمَفْقُودِ، وَالتَّعَهُّدُ لِوَقْتِ طَعَامِهِ، وَالْهُدُوءُ عَنْهُ حِينَ مَنَامِهِ؛ فَإِنَّ حَرَارَةَ الْجُوعِ مَلْهَبَةٌ، وَتَنْغِيصَ النَّوْمِ مَبْغَضَةٌ.

وَالِاحْتِفَاظُ بِبَيْتِهِ وَمَالِهِ، وَالْإِرْعَاءُ عَلَى نَفْسِهِ وَحَشَمِهِ وَعِيَالِهِ؛ فَإِنَّ الِاحْتِفَاظَ بِالْمَالِ حُسْنُ التَّقْدِيرِ، وَالْإِرْعَاءَ عَلَى الْعِيَالِ وَالْحَشَمِ حُسْنُ التَّدْبِيرِ.

وَلَا تُفْشِي لَهُ سِرًّا، وَلَا تَعْصِي لَهُ أَمْرًا؛ فَإِنَّكِ إِنْ أَفْشَيْتِ سِرَّهُ لَمْ تَأْمَنِي غَدْرَهُ، وَإِنْ عَصَيْتِ أَمْرَهُ أَوْغَرْتِ صَدْرَهُ، ثُمَّ اتَّقي مَعَ ذَلِكَ الْفَرَحَ إِنْ كَانَ تَرِحًا، وَالِاكْتِئَابَ عِنْدَهُ إِنْ كَانَ فَرِحًا، فَإِنَّ الْخَصْلَةَ الْأُولَى مِنَ التَّقْصِيرِ، وَالثَّانِيَةَ مِنَ التَّكْدِيرِ.

وَكُونِي أَشَدَّ مَا تَكُونِينَ لَهُ إِعْظَامًا يَكُنْ أَشَدَّ مَا يَكُونُ لَكِ إِكْرَامًا، وَأَشَدَّ مَا تَكُونِينَ لَهُ مُوَافَقَةً يَكُنْ أَطْوَلَ مَا تَكُونِينَ لَهُ مُرَافَقَةً.

وَاعْلَمِي أَنَّكِ لَا تَصِلِينَ إِلَى مَا تُحِبِّينَ حَتَّى تُؤْثِرِي رِضَاهُ عَلَى رِضَاكِ، وَهَوَاهُ عَلَى هَوَاكِ فِيمَا أَحْبَبْتِ وَكَرِهْتِ، وَاللهُ يَخِيرُ لَكِ..».

فَحُمِلَتْ إِلَيْهِ -أَيْ: إِلَى زَوْجِهَا-، فَعَظُمَ مَوْقِعُهَا مِنْهُ، وَوَلَدَتْ لَهُ الْمُلُوكَ السَّبْعَةَ الَّذِينَ مَلَكُوا بَعْدَهُ الْيَمَنَ)).

((أَخْطَاءٌ لِلنِّسَاءِ سَبِيلٌ لِلْفِتْنَةِ))

* كَثِيرٌ مِنَ النِّسَاءِ يَسْتُرْنَ وُجُوهَهُنَّ بِسِتْرٍ رَقِيقٍ لَا يَمْنَعُ مِنْ رُؤْيَةِ الْوَجْهِ مِنْ وَرَائِهِ، وَبَعْضُهُنَّ يَشْدُدْنَ الْغِطَاءَ عَلَى الْوَجْهِ حَتَّى تَبْرُزَ مَلَامِحُ وَجْهِهَا؛ أَنْفُهَا وَجَبْهَتُهَا وَوَجْنَتَاهَا!

وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ مُحَذِّرًا أُمَّتَهُ عَنْ مِثْلِ هَذَا الْعَمَلِ: ((صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا بَعْدُ؛ قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ -يَعْنِي: بِهِمُ الظَّلَمَةَ الَّذِينَ يَضْرِبُونَ النَّاسَ بِغَيْرِ حَقٍّ-، وَالصِّنْفُ الثَّانِي: نِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ، مَائِلَاتٌ مُمِيلَاتٌ، رُؤُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ، لَا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ، وَلَا يَجِدْنَ رِيحَهَا، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

وَصَفَ النَّبِيُّ ﷺ هَؤُلَاءِ الصِّنْفَ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي مِنْ أَهْلِ النَّارِ بِأَنَّهُنَّ: ((كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ)) يَعْنِي: أَنَّ عَلَيْهِنَّ كِسْوَةً، لَكِنَّهَا لَا تُفِيدُ وَلَا تَسْتُرُ؛ إِمَّا لِكَوْنِ الثِّيَابِ قَصِيرَةً لَا تَسْتُرُ مَا يَجِبُ سَتْرُهُ مِنَ الْجِسْمِ، وَإِمَّا لِكَوْنِهَا خَفِيفَةً يُرَى الْجِلْدُ مِنْ وَرَائِهَا، وَإِمَّا لِكَوْنِهَا ضَيِّقَةً يَتَبَيَّنُ مِنْ وَرَائِهَا مَقَاطِعُ جِسْمِ الْمَرْأَةِ، فَمَنِ اكْتَسَتْ بِمِثْلِ هَذِهِ الْأَصْنَافِ فَهِيَ كَاسِيَةٌ عَارِيَةٌ، وَهَذِهِ لِبْسَةُ نِسَاءِ أَهْلِ النَّارِ.

وَوَصَفَهُنَّ النَّبِيُّ ﷺ بِصِفَةٍ أُخْرَى: ((مَائِلَاتٌ مُميِلَاتٌ)) أَيْ: مَائِلَاتٌ عَنِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، وَعَنْ طَرِيقِ الدِّينِ وَالْحَيَاءِ، فَلَا حَيَاءَ عِنْدَهُنَّ وَلَا دِينَ، ((مُمِيلَاتٌ)) أَيْ: فَاتِنَاتٌ غَيْرَهُنَّ حَتَّى يَمِيلَ عَنِ الطَّرِيقِ، وَذَلِكَ بِمَا عَلَيْهِنَّ مِنْ لِبَاسِ التَّبَرُّجِ وَالطِّيبِ وَغَيْرِهَا مِنْ أَسْبَابِ الْفِتْنَةِ.

وَوَصَفَهُنَّ النَّبِيُّ ﷺ بِصِفَةٍ ثَالِثَةٍ بِأَنَّ: ((رُؤُوسَهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ)) أَيْ: كَأْسْنِمَةِ الْإِبِلِ الْبُخْتِ؛ لِأَنَّهُنَّ يَجْمَعْنَ شُعُورَهُنَّ عَلَى رُؤُوسِهِنَّ حَتَّى يَصِيرَ كَسَنَامِ الْبَعِيرِ مُعَرْبِدًا عَلَى رَأْسِهَا.

* إِنَّ مِنْ أَسْبَابِ الْفِتَنِ كَثْرَةَ خُرُوجِ النِّسَاءِ إِلَى الْأسْوَاقِ وَغَيْرِهَا؛ فَالنَّبِيُّ ﷺ قَالَ لِلنِّسَاءِ: ((بُيُوتُهُنَّ خَيْرٌ لَهُنَّ)). أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ.

يَقُولُ ذَلِكَ لِلنِّسَاءِ اللَّاتِي يَأْتِينَ إِلَى الْمَسْجِدِ، ((بُيُوتُهُنَّ خَيْرٌ لَهُنَّ))، فَكَيْفَ بِاللَّوَاتِي يَخْرُجْنَ إِلَى الْأَسْوَاقِ وَغَيْرِهَا؟! لَيْسَ لَهُنَّ غَرَضٌ إِلَّا التَّفَرُّجَ، أَوْ شِرَاءَ مَا لَا حَاجَةَ لَهُّنَّ بِهِ، وَمَا يُمْكِنُ أَنْ يَشْتَرِيَهُ الرَّجُلُ وَالصَّغِيرُ.

إِنَّ لُزُومَ الْمَرْأَةِ بَيْتَهَا أَسْتَرُ لَهَا، وَأَحْفَظُ لَهَا مِنَ الْفِتَنِ، وَأَقْوَمُ لِدِينِهَا، إِلَّا إِذَا كَانَ الْخُرُوجُ لِحَاجَةٍ أَوْ مَصْلَحَةٍ.

* وَاخْتِلَاطُ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ وَمُكَالَمَتُهُنَّ إِيَّاهُمْ إِذَا كَانُوا غَيْرَ مَحَارِمَ لَهُنَّ قَدْ يُؤَدِّي إِلَى شَرٍّ وَفِتْنَةٍ.

قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِلنِّسَاءِ وَقَدِ اخْتَلَطَ الرِّجَالُ بِالنِّسَاءِ فِي الطَّرِيقِ، وَقَدْ خَرَجَ هَؤُلَاءِ جَمِيعًا مِنَ الْمَسْجِدِ، فَقَالَ لِلنِّسْوَةِ: ((اسْتَأْخِرْنَ؛ فَلَيْسَ لَكُنَّ أَنْ تَحْقُقْنَ الطَّرِيقَ -أَيْ: أَنْ تَسِرْنَ فِي وَسَطِ الطَّرِيقِ-، عَلَيْكُنَّ بِحَافَاتِ الطَّرِيقِ)). أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ.

فَكَانَتِ الْمَرْأَةُ تَدْنُو، أَيْ: تَقْرُبُ مِنَ الْجِدَارِ حَتَّى إِنَّ ثَوْبَهَا لَيَتَعَلَّقُ بِالْجِدَارِ مِنْ قُرْبِهَا مِنْهُ.

((جُمْلَةٌ مِنْ حُقُوقِ الزَّوْجِ))

عِبَادَ اللهِ! فَكَمَا أَنَّ لِلزَّوْجَةِ عَلَى زَوْجِهَا حَقًّا فَلِلزَّوْجِ عَلَى زَوْجَتِهِ حَقًّا وَاجِبًا.

عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((إِذَا صَلَّتِ الْمَرْأَةُ خَمْسَهَا، وَصَامَتْ شَهْرَهَا، وَحَفِظَتْ فَرْجَهَا، وَأَطَاعَتْ زَوْجَهَا؛ قِيلَ لَهَا: ادْخُلِي الْجَنَّةَ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ شِئْتِ)). أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالطَّبَرَانِيُّ، بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ.

وَعَنْ حُصَيْنِ بْنِ مُحْصِنٍ: ((أَنَّ عَمَّةً لَهُ أَتَتَ النَّبِيَّ ﷺ فِي حَاجَةٍ، فَفَرَغَتْ مِنْ حَاجَتِهَا، فَقَالَ لَهَا: ((أَذَاتُ زَوْجٍ أَنْتِ؟)).

قَالَتْ: ((نَعَمْ)).

قَالَ: ((كَيْفَ أَنْتِ لَهُ؟)).

قَالَتْ: ((مَا آلُوهُ إِلَّا مَا عَجَزْتُ عَنْهُ)).

قَالَ: ((فَانْظُرِي أَيْنَ أَنْتَ مِنْهُ فَإِنَّهُ هُوَ جَنَّتُكِ وَنَارُكِ)). أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالْحَاكِمُ، بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ.

وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: ((أَتَى رَجُلٌ بِابْنَتِهِ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: ((إِنَّ ابْنَتِي هَذِهِ أَبَتْ -أَيْ: رَفَضَتْ- أَنْ تَتَزَوَّجَ)).

فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((أَطِيعِي أَبَاكِ)).

فَقَالَتْ: ((وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ! لَا أَتَزَوَّجُ حَتَّى تُخْبِرَنِي مَا حَقُّ الزَّوْجِ عَلَى زَوْجَتِهِ)).

قَالَ: ((حَقُّ الزَّوْجِ عَلَى زَوْجَتِهِ لَوْ كَانَتْ بِهِ قُرْحَةٌ فَلَحَسَتْهَا أَوِ انْتَثَرَ مِنْخَرَاهُ صَدِيدًا أَوْ دَمًا ثُمَّ ابْتَلَعَتْهُ مَا أَدَّتْ حَقَّهُ)).

قَالَتْ: ((وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا)).

فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((لَا تُنْكِحُوهُنَّ -أَيْ: لَا تُزَوِّجُوهُنَّ- إِلَّا بِإِذْنِهِنَّ)). أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَقَالَ الْأَلْبَانِيُّ: ((حَسَنٌ صَحِيحٌ)).

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: ((جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، قَالَتْ: ((أَنَا فُلَانَةُ بِنْتُ فُلَانٍ)).

قَالَ: ((قَدْ عَرَفْتُكِ، فَمَا حَاجَتُكِ؟)).

قَالَتْ: ((حَاجَتِي أَنَّ ابْنَ عَمِّي فُلَانٌ الْعَابِدُ)).

قَالَ: ((قَدْ عَرَفْتُهُ)).

قَالَتْ: ((يَخْطُبُنِي؛ فَأَخْبِرْنِي مَا حَقُّ الزَّوْجِ عَلَى الزَّوْجَةِ، فَإِنْ كَانَ شَيْئًا أُطِيقُهُ -أَيْ: أَتَحَمَّلُهُ وَأَسْتَطِيعُهُ- تَزَوَّجْتُهُ)).

قَالَ: ((مِنْ حَقِّهِ -وَمِنْ هَاهُنَا لِلتَّبْعِيضِ- مِنْ حَقِّهِ لَوْ سَالَ مِنْخَرَاهُ دَمًا وَقَيْحًا، فَلَحَسَتْهُ بِلِسَانِهَا مَا أَدَّتْ حَقَّهُ، وَلَوْ كَانَ يَنْبَغِي لِبَشَرٍ أَنْ يَسْجُدَ لِبَشَرٍ لَأَمَرْتُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا إِذَا دَخَلَ عَلَيْهَا؛ لِمَا فَضَّلَهُ اللهُ عَلَيْهَا)).

قَالَتْ: ((وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ! لَا أَتَزَوَّجُ مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا)). أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ، وَالْحَاكِمُ، وَهُوَ صَحِيحٌ لِغَيْرِهِ.

وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: ((كَانَ أَهْلُ بَيْتٍ مِنَ الْأَنْصَارِ لَهُمْ جَمَلٌ يَسْنُونَ عَلَيْهِ -أَيْ: يَسْتَقُونَ الْمَاءَ عَلَيْهِ مِنَ الْبِئْرِ-، وَإِنَّهُ -أَيِ: الْجَمَلُ- اسْتَصْعَبَ عَلَيْهِمْ، فَمَنَعَهُمْ ظَهْرَهُ، وَإِنَّ الْأَنْصَارَ جَاءُوا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالُوا: ((إِنَّهُ لَنَا جَمَلٌ نَسْنِي عَلَيْهِ، وَإِنَّهُ اسْتَصْعَبَ عَلَيْنَا، وَمَنَعَنَا ظَهْرَهُ، وَقَدْ عَطِشَ الزَّرْعُ وَالنَّخْلُ)).

فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِأَصْحَابِهِ: ((قُومُوا))، فَقَامُوا، فَدَخَلَ الْحَائِطَ -أَيِ: الْبُسْتَانَ-، وَالْجَمَلُ فِي نَاحِيَةٍ، فَمَشَى النَّبِيُّ ﷺ نَحْوَهُ، فَقَالَ الْأَنْصَارُ: ((يَا رَسُولَ اللهِ! قَدْ صَارَ -أَيِ: الْجَمَلُ- مِثْلَ الْكَلْبِ الْكَلِبِ، نَخَافُ عَلَيْكَ صَوْلَتَهُ)).

قَالَ: ((لَيْسَ عَلَيَّ مِنْهُ بَأْسٌ)).

فَلَمَّا نَظَرَ الْجَمَلُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ أَقْبَلَ نَحْوَهُ، حَتَّى خَرَّ سَاجِدًا بَيْنَ يَدَيْهِ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِنَاصِيَتِهِ أَذَلَّ مَا كَانَتْ قَطُّ، حَتَّى أَدْخَلَهُ فِي الْعَمَلِ، فَقَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ: ((يَا رَسُولَ اللهِ! هَذَا بَهِيمَةٌ لَا يَعْقِلُ يَسْجُدُ لَكَ، وَنَحْنُ نَعْقِلُ فَنَحْنُ أَحَقُّ أَنْ نَسْجُدَ لَكَ)).

قَالَ: ((لَا يَصْلُحُ لِبَشَرٍ أَنْ يَسْجُدَ لِبَشَرٍ، وَلَوْ صَلُحَ لِبَشَرٍ أَنْ يَسْجُدَ لِبَشَرٍ لَأَمَرْتُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا؛ لِعِظَمِ حَقِّهِ عَلَيْهَا، لَوْ كَانَ مِنْ قَدَمِهِ إِلَى مَفْرِقِ رَأْسِهِ قُرْحَةٌ تَنْبَجِسُ بِالْقَيْحِ وَالصَّدِيدِ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَتْهُ فَلَحَسَتْهُ مَا أَدَّتْ حَقَّهُ)). أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالْبَزَّارُ، بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ.

وَعَنِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: ((لَمَّا قَدِمَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ مِنَ الشَّامِ سَجَدَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((مَا هَذَا؟)).

قَالَ: ((يَا رَسُولَ اللهِ! قَدِمْتُ الشَّامَ فَوَجَدْتُهُمْ يَسْجُدُونَ لِبَطَارِقَتِهِمْ وَأَسَاقِفَتِهِمْ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَفْعَلَ ذَلِكَ بِكَ)).

قَالَ: ((فَلَا تَفْعَلْ؛ فَإِنِّي لَوْ أَمَرْتُ شَيْئًا أَنْ يَسْجُدَ لِشَيْءٍ لَأَمَرْتُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! لَا تُؤَدِّي الْمَرْأَةُ حَقَّ رَبِّهَا حَتَّى تُؤَدِّيَ حَقَّ زَوْجِهَا)). رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه، وَابْنُ حِبَّانَ فِي ((صَحِيحِهِ)) وَاللَّفْظُ لَهُ، وَهُوَ صَحِيحٌ.

وَلَفْظُ ابْنِ مَاجَه: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((فَلَا تَفْعَلُوا؛ فَإِنِّي لَوْ كُنْتُ آمِرًا أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لِغَيْرِ اللهِ لَأَمَرْتُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ! لَا تُؤَدِّي الْمَرْأَةُ حَقَّ رَبِّهَا حَتَّى تُؤَدِّيَ حَقَّ زَوْجِهَا، وَلَوْ سَأَلَهَا نَفْسَهَا وَهِيَ عَلَى قَتَبٍ لَمْ تَمْنَعْهُ)). وَالْحَدِيثُ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

وَرَوَى الْحَاكِمُ الْمَرْفُوعَ مِنْهُ مِنْ حَدِيثِ مُعَاذٍ، وَلَفْظُهُ: قَالَ: ((لَوْ أَمَرْتُ أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لِأَحَدٍ لَأَمَرْتُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا؛ مِنْ عِظَمِ حَقِّهِ عَلَيْهَا، وَلَا تَجِدُ امْرَأَةٌ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ حَتَّى تُؤَدِّيَ حَقَّ زَوْجِهَا، وَلَوْ سَأَلَهَا نَفْسَهَا وَهِيَ عَلَى ظَهْرِ قَتَبٍ)). وَهُوَ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((لَوْ كُنْتُ آمِرًا أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لِأَحَدٍ لَأَمَرْتُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا)) ). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَهُوَ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِرِجَالِكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ؟)).

قُلْنَا: ((بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ)).

قَالَ: ((النَّبِيُّ فِي الْجَنَّةِ، وَالصِّدِّيقُ فِي الْجَنَّةِ، وَالرَّجُلُ يَزُورُ أَخَاهُ فِي نَاحِيَةِ الْمَصْرِ لَا يَزُورُهُ إِلَّا للهِ فِي الْجَنَّةِ، أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِنِسَائِكُمْ فِي الْجَنَّةِ؟)).

قُلْنَا: ((بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ)).

قَالَ: ((كُلُّ وَدُودٍ وَلُودٍ، إِذَا غَضِبَتْ أَوْ أُسِيءَ إِلَيْهَا، أَوْ غَضِبَ زَوْجُهَا قَالَتْ: هَذِهِ يَدِي فِي يَدِكَ لَا أَكْتَحِلُ بِغُمْضٍ حَتَّى تَرْضَى)). أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: ((لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ أَنْ تَصُومَ وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ، وَلَا تَأْذَنَ فِي بَيْتِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((الْمَرْأَةُ لَا تُؤَدِّي حَقَّ اللهِ حَتَّى تُؤَدِّيَ حَقَّ زَوْجِهَا، حَتَّى لَوْ سَأَلَهَا وَهِيَ عَلَى ظَهْرِ قَتَبٍ لَمْ تَمْنَعْهُ نَفْسَهَا)). أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ.

وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: ((لَا يَنْظُرُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- إِلَى امْرَأَةٍ لَا تَشْكُرُ لِزَوْجِهَا، وَهِيَ لَا تَسْتَغْنِي عَنْهُ)). أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، وَالْبَزَّارُ، وَالْحَاكِمُ، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ.

وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((لَا تُؤْذِي امْرَأَةٌ زَوْجَهَا فِي الدُّنْيَا إِلَّا قَالَتْ زَوْجَتُهُ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ: لَا تُؤْذِيهِ قَاتَلَكِ اللهُ؛ فَإِنَّمَا هُوَ عِنْدَكِ دَخِيلٌ يُوشِكُ أَنْ يُفَارِقَكِ إِلَيْنَا)). أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَه، بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ.

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((إِذَا دَعَا الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ إِلَى فِرَاشِهِ، فَلَمْ تَأْتِهِ، فَبَاتَ غَضْبَانَ عَلَيْهَا، لَعَنَتْهَا الْمَلَائِكَةُ حَتَّى تُصْبِحَ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! مَا مِنْ رَجُلٍ يَدْعُو امْرَأَتَهُ إِلَى فِرَاشِهَا، فَتَأْبَى عَلَيْهِ إِلَّا إِذَا كَانَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ سَاخِطًا عَلَيْهَا حَتَّى يَرْضَى عَنْهَا)).

وَفِي رِوَايَةٍ: ((إِذَا بَاتَتِ الْمَرْأَةُ هَاجِرَةً فِرَاشَ زَوْجِهَا لَعَنَتْهَا الْمَلَائِكَةُ حَتَّى تُصْبِحَ)).

وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((اثْنَانِ لَا تُجَاوِزُ صَلَاتُهُمَا رُؤُوسَهُمَا؛ عَبْدٌ أَبَقَ -أَيْ: هَرَبَ- مِنْ مَوَالِيهِ حَتَّى يَرْجِعَ، وَامْرَأَةٌ عَصَتْ زَوْجَهَا حَتَّى تَرْجِعَ)). أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَالْحَاكِمُ، بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ.

وَعَنْ بُرَيْدَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((لَيْسَ مِنَّا مَنْ حَلَفَ بِالْأَمَانَةِ، وَمَنْ خَبَّبَ -أَيْ: خَدَعَ وَأَفْسَدَ- عَلَى امْرِئٍ زَوْجَتَهُ أَوْ مَمْلُوكَهُ فَلَيْسَ مِنَّا)). أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالْبَزَّارُ، وَابْنُ حِبَّانَ، بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ.

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((لَيْسَ مِنَّا مَنْ خَبَّبَ -أَيْ: أَفْسَدَ وَخَدَعَ- امْرَأَةً عَلَى زَوْجِهَا أَوْ عَبْدًا عَلَى سَيِّدِهِ)). أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ.

وَفِي رِوَايَةٍ لِلنَّسَائِيِّ وَابْنِ حِبَّانَ: ((مَنْ خَبَّبَ عَبْدًا عَلَى أَهْلِهِ فَلَيْسَ مِنَّا، وَمَنْ أَفْسَدَ امْرَأَةً عَلَى زَوْجِهَا فَلَيْسَ مِنَّا)).

وَعَنْ جَابِرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((إِنَّ إِبْلِيسَ يَضَعُ عَرْشَهُ عَلَى الْمَاءِ، ثُمَّ يَبْعَثُ سَرَايَاهُ، فَأَدْنَاهُمْ مِنْهُ مَنْزِلَةً أَعْظَمُهُمْ فِتْنَةً، يَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ: فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا، فَيَقُولُ لَهُ إِبْلِيسُ: مَا صَنَعْتَ شَيْئًا، ثُمَّ يَجِيءُ فَيَقُولُ: مَا تَرَكْتُهُ حَتَّى فَرَّقْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ، فَيُدْنِيهِ -أَيْ: يُقَرِّبُهُ إِبْلِيسُ- مِنْهُ وَيَقُولُ: نِعْمَ أَنْتَ، فَيَلْتَزِمُهُ)). أخرجه مسلم في ((الصحيح)).

عَنْ ثَوْبَانَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((أَيُّمَا امْرَأَةٍ سَأَلَتْ زَوْجَهَا طَلَاقَهَا مِنْ غَيْرِ بَأْسٍ فَحَرَامٌ عَلَيْهَا رَائِحَةُ الْجَنَّةِ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَه، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي حَدِيثٍ قَالَ: ((وَإِنَّ الْمُخْتَلِعَاتِ وَالْمُنْتَزِعَاتِ هُنَّ الْمُنَافِقَاتُ، وَمَا مِنِ امْرَأَةٍ تَسْأَلُ زَوْجَهَا الطَّلَاقَ مِنْ غَيْرِ بَأْسٍ فَتَجِدُ رِيحَ الْجَنَّةِ، أَوْ قَالَ: رَائِحَةَ الْجَنَّةِ)). وَالْحَدِيثُ حَدِيثٌ صَحِيحٌ.

إِذَنْ؛ لِعِظَمِ مَسْؤُولِيَّةِ الْمَرْأَةِ فَالصَّالِحَةُ فِي النِّسَاءِ كَالْغُرَابِ الْأَعْصَمِ!

عَنْ عُمَارَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ قَالَ: ((بَيْنَمَا نَحْنُ مَعَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ؛ فَإِذَا نَحْنُ بِامْرَأَةٍ عَلَيْهَا حَبَائِرُ لَهَا وَخَوَاتِيمُ، وَقَدْ بَسَطَتْ يَدَهَا عَلَى الْهَوْدَجِ، فَقَالَ -أَيْ: قَالَ عَمْرُو -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ--: ((بَيْنَمَا نَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي هَذَا الشِّعْبِ -وَالشِّعْبُ: طَرِيقٌ بَيْنَ جَبَلَيْنِ-؛ إِذْ قَالَ ﷺ -أَيْ: لِمَنْ كَانَ مَعَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَمِنْهُمْ عَمْرُو رَاوِي الْحَدِيثِ-: ((انْظُرُوا هَلْ تَرَوْنَ شَيْئًا؟!)).

فَقُلْنَا: ((نَرَى غِرْبَانًا فِيهَا غُرَابٌ أَعْصَمُ، أَحْمَرُ الْمِنْقَارِ وَالرِّجْلَيْنِ!)).

وَهَذَا نَادِرٌ فِي الْغِرْبَانِ جِدًّا!

فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَنْ كَانَ مِنْهُنَّ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فِي الْغِرْبَانِ)). أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو يَعْلَى، وَالْحَاكِمُ، بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ.

فَنَسْأَلُ اللهَ أَنْ يُصْلِحَ أَحْوَالَنَا أَجْمَعِينَ.

((تَكَالِيفُ الزَّوَاجِ بَيْنَ الْمُبَالَغَةِ وَالِاعْتِدَالِ))

إِنَّ الزَّوَاجَ هُوَ الْوَسِيلَةُ الشَّرْعِيَّةُ الْوَحِيدَةُ لِحِفْظِ الْعُنْصُرِ الْبَشَرِيِّ مِنَ الِانْقِرَاضِ، هُوَ سُنَّةٌ إِلَهِيَّةٌ، وَغَرِيزَةٌ طَبِيعِيَّةٌ، طَبَعَهَا اللهُ -تَعَالَى- فِي نُفُوسِ الْبَشَرِ، وَأَوْجَدَ لَهَا ضَوَابِطَ تَضْبِطُهَا وَتُنَظِّمُ سَيْرَهَا.

وَقَدْ جَعَلَ -تَعَالَى- الْمَهْرَ حُكْمًا مِنْ أَحْكَامِ الزَّوَاجِ، وَأَثَرًا مِنْ آثَارِهِ، وَلَمْ يَجْعَلِ الْمَهْرَ رُكْنًا وَلَا شَرْطًا لِلزَّوَاجِ، وَهُوَ مَبْلَغٌ مِنَ الْمَالِ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ يَدْفَعُهُ الزَّوْجُ لِزَوْجَتِهِ عِنْدَمَا يُرِيدُ الزَّوَاجَ مِنْهَا، كَرَمْزٍ لِتَكْرِيمِهَا وَإِعْزَازِهَا وَإِشْعَارِهَا بِرَغْبَتِهِ فِيهَا.

وَمِنَ السُّنَّةِ تَخْفِيفُ الْمَهْرِ وَتَسْهِيلُ أَمْرِ الزَّوَاجِ؛ لِكَيْ يَكْثُرَ الْمُتَزَوِّجُونَ، وَيَزْدَادَ عَدَدُ الْمُسْلِمِينَ، وَتَقْوَى شَوْكَتُهُمْ، وَتَرْتَفِعَ رَايَتُهُمْ.

وَتُكْرَهُ الْمُغَالَاةُ فِيهِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَعُودُ عَلَى الْفَرْدِ وَالْمُجْتَمَعِ إِلَّا بِالْخَرَابِ وَالدَّمَارِ، وَلَا تَتَنَاسَبُ مَعَ الْمَنْهَجِ الْإِسْلَامِيِّ الصَّحِيحِ الَّذِي يَدْعُو إِلَى التَّيْسِيرِ فِي كُلِّ شَيْءٍ، لَكِنَّ بَعْضَ النَّاسِ قَدِ انْحَرَفَ عَنْ هَذَا الْمَنْهَجِ، وَاعْتَبَرَ الْمَرْأَةَ نَوْعًا مِنَ السِّلَعِ الَّتِي تُبَاعُ وَتُشْتَرَى، وَالرَّابِحُ مَنْ يَدْفَعُ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِ فِيهَا، نَاسِينَ أَوْ مُتَنَاسِينَ مَا يَدْعُو إِلَيْهِ الْإِسْلَامُ مِنَ اخْتِيَارٍ لِلْخُلُقِ وَالدِّينِ وَالْقِيَمِ الْإِسْلَامِيَّةِ الْحَمِيدَةِ.

وَالْمُغَالَاةُ فِي تَكَالِيفِ الزَّوَاجِ إِحْدَى سِمَاتِ هَذَا الْعَصْرِ، الَّذِي تَكَاثَرَتْ فِيهِ الْمُظَاهِرُ، وَتَعَاظَمَتْ فِيهِ الْأَعْبَاءُ، وَتَحَوَّلَ فِيهِ الزَّوَاجُ -وَهُوَ آيَةٌ مِنْ آيَاتِ السَّكِينَةِ وَالْمَوَدَّةِ- مِنْ بَابٍ لِلطُّمَأْنِينَةِ إِلَى ظَاهِرَةٍ مُثْقَلَةٍ بِالدُّيُونِ وَالْهُمُومِ، فَلَمْ تَعُدِ الْعَقَبَةُ فِي الزَّوَاجِ الْآنَ فِي ضَعْفِ الرَّغْبَةِ، وَلَا فِي غِيَابِ الْقِيَمِ، بَلْ فِي مُغَالَاةٍ أَنْهَكَتِ الشَّبَابَ، وَقُيُودٍ اجْتِمَاعِيَّةٍ فُرِضَتْ بِاسْمِ الْعُرْفِ وَالتَّفَاخُرِ، حَتَّى صَارَ الْحَلَالُ عَسِيرًا، فَتَعَطَّلَ بِنَاءُ بُيُوتٍ، وَتَأَخَّرَ الزَّوَاجُ، وَامْتَدَّ الْقَلَقُ فِي النُّفُوسِ، وَارْتَفَعَتْ نِسَبُ الْعُنُوسَةِ، وَاهْتَزَّ الْبِنَاءُ الِاجْتِمَاعِيُّ الَّذِي لَا يَقُومُ إِلَّا عَلَى الْأُسَرِ الْمُسْتَقِرَّةِ.

وَأَعْظَمُ النِّكَاحِ بَرَكَةً أَيْسَرُهُ، وَقَدْ نَهَى الْإِسْلَامُ عَنِ الْإِسْرَافِ وَالتَّبْذِيرِ، فَقَالَ تَعَالَى: {وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأعراف: 31].

وَهَذَا مَهْرُ ابْنَةِ سَيِّدِ وَلَدِ آدَمَ ﷺ، وَهِيَ مِنْ أَفْضَلِ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا-، كَانَ مَهْرُهَا دِرْعًا لَا تُسَاوِي أَرْبَعَةَ دَرَاهِمَ، وَجَهَّزَهَا النَّبِيُّ ﷺ بِقَطِيفَةٍ وَقِرْبَةٍ وَوِسَادَةٍ أَدَمٍ مَحْشَوَةٍ مِنَ الْإِذْخِرِ؛ فَقَدْ تَزَوَّجَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- فَاطِمَةَ بِنْتَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- فِي السَّنَةِ الْأُولَى مِنَ الْهِجْرَةِ، وَبَنَى بِهَا -أَيْ: دَخَلَ بِهَا- فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ عَقِبَ وَقْعَةِ بَدْرٍ.

عَنْ عِلِيٍّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: ((خُطِبَتْ فَاطِمَةُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَتْ مَوْلَاةٌ لِي: هَلْ عَلِمْتَ أَنَّ فَاطِمَةَ قَدْ خُطِبَتْ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ؟)).

قُلْتُ: ((لَا)).

قَالَتْ: ((قَدْ خُطِبَتْ، فَمَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَأْتِيَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَيُزَوِّجَكَ؟)).

فَقُلْتُ: ((وَعِنْدِي شَيْءٌ أَتَزَوَّجُ بِهِ؟)).

فَقَالَتْ: ((إِنَّكَ إِنْ جِئْتَ رَسُولَ اللهِ ﷺ زَوَّجَكَ)).

قَالَ: ((فَوَاللهِ! مَا زَالَتْ تُرَجِّينِي حَتَّى دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَلَمَّا أَنْ قَعَدْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ أُفْحِمْتُ، فَوَاللهِ! مَا اسْتَطَعْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ؛ جَلَالَةً وَهَيْبَةً)).

فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((مَا جَاءَ بِكَ أَلَكَ حَاجَةٌ؟)).

((فَسَكَتُّ)).

فَقَالَ: ((لَعَلَّكَ جِئْتَ تَخْطُبُ فَاطِمَةَ؟)).

فَقُلْتُ: ((نَعَمْ)).

فَقَالَ: ((وَهَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ تَسْتَحِلُّهَا بِهِ؟)).

فَقُلْتُ: ((لَا وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ)).

فَقَالَ: ((مَا فَعَلَتْ دِرْعٌ سَلَّحْتُكَهَا، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! إِنَّهَا لَحَطِيمَةٌ مَا قِيمَتُهَا أَرْبَعَةُ دَرَاهِمَ)).

فَقُلْتُ: ((عِنْدِي)) أَيْ: هَذِهِ الدِّرْعُ.

فَقَالَ: ((قَدْ زَوَّجْتُكُمَا، فَابْعَثْ إِلَيْهَا بِهَا فَاسْتَحِلَّهَا بِهَا؛ فَإِنَّهَا كَانَتْ لِصَدَاقِ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللهِ ﷺ )). أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي ((الدَّلَائِلِ)) بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ.

وَعَنْ عَلِيٍّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: ((جَهَّزَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَاطِمَةَ فِي خَمِيلٍ وَقِرْبَةٍ -وَالْخَمِيلُ: الْقَطِيفَةُ-، وَوِسَادَةُ أَدَمٍ-أَيْ: جِلْدٍ- حَشْوُهَا إِذْخِرٌ)). أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي ((الْمُسْنَدِ))، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالْبَيْهَقِيُّ، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ.

((مِنْ مَظَاهِرِ الْمُبَالَغَةِ فِي تَكَالِيفِ الزَّوَاجِ))

وَمِنْ جُمْلَةِ هَذَا الْإِسْرَافِ: مَا يَتَكَلَّفُهُ الْأَهْلُ فِي أَمْرِ الزَّوَاجِ مِنْ أَعْبَاءٍ تَزِيدُ عَنْ طَاقَتِهِمْ، دَفَعَ إِلَيْهَا التَّمَسُّكُ بِالْأَعْرَافِ وَالْعَادَاتِ، فَالْوَلَائِمُ الْبَاذِخَةُ، وَالْمَظَاهِرُ الْمُتَكَلَّفَةُ فِي إِعْدَادِ مَسْكَنِ الزَّوْجِيَّةِ وَأَثَاثِهِ وَفَرْشِهِ، وَالْمُبَالَغَةُ فِي تَكَالِيفِ حَفْلِ الزِّفَافِ؛ لَيْسَتْ مِنْ مَقَاصِدِ الزَّوَاجِ، بَلْ تُحَوِّلُهُ إِلَى عِبْءٍ اجْتِمَاعِيٍّ لَا طَاقَةَ لِأَحَدٍ بِهِ.

وَمِنْ هُنَا وَجَّهَ الْإِسْلَامُ الْمُجْتَمَعَ إِلَى تَجَنُّبِ ثَقَافَةِ التَّكَلُّفِ، وَذَمَّ الْإِسْرَافَ، وَرَفَعَ الْحَرَجَ عَنِ الْمُقْبِلِينَ عَلَى الزَّوَاجِ.

وَمِنْ مَظَاهِرِ الْمُبَالَغَةِ فِي تَكَالِيفِ الزَّوَاجِ: الْمُغَالَاةُ فِي الْمُهُورِ، هُوَ أَمْرٌ مِنَ الْخُطُورَةِ بِمَكَانٍ؛ إِذْ إِنَّ بَعْضَ الْبِيئَاتِ تَعُدُّ الْمُغَالَاةَ فِي الْمُهُورِ نَوْعًا مِنْ أَنْوَاعِ تَعْزِيزِ الْمَرْأَةِ وَتَقْدِيرِهَا، حَتَّى يُضْطَرَّ الشَّبَابُ إِلَى الِاسْتِدَانَةِ مِنْ أَجْلِ الْمَهْرِ وَحْدَهُ، فَضْلًا عَنْ تَكَالِيفِ الزَّوَاجِ الْأُخْرَى بِمَا فِيهِ مِنَ الْمُبَالَغَةِ، لَكِنَّ الْإِسْلَامَ نَظَرَ إِلَى أَمْرِ الْمُهُورِ مِنْ نَاحِيَةٍ اجْتِمَاعِيَّةٍ يَحْفَظُ عَلَى الْمَرْأَةِ كَرَامَتَهَا، وَلَا يَجْعَلُ مِنَ الْمَهْرِ فِي الْوَقْتِ ذَاتِهِ عَقَبَةً لَا يَسْتَطِيعُ تَجَاوُزَهَا الشَّبَابُ فِي بِنَاءِ أُسْرَةٍ جَدِيدَةٍ.

وَالْإِسْرَافُ فِي حَفْلَاتِ الزَّوَاجِ مِنْ أَبْرَزِ مَظَاهِرِ الْمُبَالَغَةِ فِي تَكَالِيفِ الزَّوَاجِ، حَيْثُ تَحَوَّلَتْ هَذِهِ الْمُنَاسَبَةُ مِنْ إِعْلَانٍ يَسِيرٍ لِلْفَرَحِ إِلَى مَظَاهِرَ فَاخِرَةٍ تَتَّسِمُ بِالْبَذَخِ وَالتَّكَلُّفِ؛ مِنْ قَاعَاتٍ، وَوَلَائِمَ، وَزِينَةٍ، وَمَظَاهِرَ لَا ضَرُورَةَ لَهَا.

وَقَدْ نَهَى الْإِسْلَامُ عَنِ الْإِسْرَافِ صَرَاحَةً؛ لِمَا فِيهِ مِنْ إِضَاعَةٍ لِلْمَالٍ، وَإِرْهَاقٍ لِلْأُسْرَةِ دُونَ فَائِدَةٍ حَقِيقِيَّةٍ.

((بَعْضُ آثَارِ الْمُغَالَاةِ فِي تَكَالِيفِ الزَّوَاجِ))

وَمِنْ آثَارِ الْمُغَالَاةِ فِي تَكَالِيفِ الزَّوَاجِ: ارْتِفَاعُ نِسْبَةِ تَأَخُّرِ الزَّوَاجِ؛ لِعُزُوفِ الشَّبَابِ عَنِ الزَّوَاجِ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ أَعْبَاءٍ تَفُوقُ طَاقَتَهُ وَقُدْرَتَهُ الْمَالِيَّةَ، وَلِزِيَادَةِ مُتَطَلَّبَاتِ الْبَنَاتِ الَّتِي تَسْتَلْزِمُ قُدْرَةَ الشَّابِّ الْمَالِيَّةَ وَاسْتِطَاعَتَهُ لِأَنْ يَفِيَ بِوَاجِبَاتِ الزَّوَاجِ وَتَكَالِيفِهِ فِي صُورَةٍ لَائِقَةٍ.

وَمِنْ آثَارِ الْمُغَالَاةِ: الِاسْتِدَانَةُ؛ نَظَرًا لِزِيَادَةِ التَّكَالِيفِ، فَيُضْطَرُّ الزَّوْجُ لِأَنْ يَسْتَدِينَ لِكَيْ يَفِيَ بِهَذِهِ التَّكَالِيفِ، وَفِي الْمُقَابِلِ -أَيْضًا- تُضْطَرُّ بَعْضُ الْأُسَرُ لِلِاسْتِدَانَةِ لِلْأَمْرِ نَفْسِهِ.

وَمِنَ الْآثَارِ: تَهْدِيدُ التَّمَاسُكِ الْمُجْتَمَعِيِّ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ شُرِعَ الزَّوَاجُ؛ فَارْتِفَاعُ التَّكَالِيفِ -لَا مَحَالَةَ- سَيُؤَدِّي إِلَى انْهِيَارِ هَذَا التَّمَاسُكِ؛ نَظَرًا لِكَثْرَةِ الْأَعْبَاءِ وَالدُّيُونِ.

وَمِنَ الْآثَارِ الْخَطِيرَةِ: الِانْحِلَالُ الْقِيَمِيُّ وَالْأَخْلَاقِيُّ، فَلَا شَكَّ أَنَّ تَعْسِيرَ الْحَلَالِ سَيَفْتَحُ بَابًا مِنَ الِانْحِلَالِ الْقِيَمِيِّ وَالْأَخْلَاقِيِّ وَبَابًا مِنَ الْحَرَامِ، يَجْنَي أَشْوَاكَهُ مُجْتَمَعٌ آثَرَ الْمَظَاهِرَ عَلَى الْمَقَاصِدِ، وَآثَرَ التَّفَاخُرَ عَلَى الِاعْتِدَالِ وَالتَّوَسُّطِ.

هَدَانَا اللهُ أَجْمَعِينَ لِمَا يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ.

وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ.

المصدر: تَكَالِيفُ الزَّوَاجِ بَيْنَ الْمُبَالَغَةِ وَالِاعْتِدَالِ

التعليقات


خطب مفرغة قد تعجبك


  نصيحة للشباب مع بداية العام الدراسي
  تَطْبِيقَاتُ حُسْنِ الْخُلُقِ
  مظاهر التوحيد في عبادة الحج
  مِنْ مَظَاهِرِ الْعَظَمَةِ فِي الشَّرِيعَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ السَّمَاحَةُ وَالتَّيْسِيرُ
  الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ كِتَابُ رَحْمَةٍ لِلْعَالَمِينَ
  الدِّفَاعُ عَنِ الْوَطَنِ الْإِسْلَامِيِّ وَمَنْزِلَةُ الْمَسَاجِدِ وَوُجُوبُ حِمَايَتِهَا فِي الْإِسْلَامِ
  التَّضْحِيَةُ لِأَجْلِ الْوَطَنِ سَبِيلُ الشُّرَفَاءِ وَالْعُظَمَاءِ الْأَوْفِيَاءِ
  أَيَّامُ اللهِ فِي رَمَضَانَ
  مَعَالِمُ الرَّحْمَةِ فِي خُطْبَةِ الْوَدَاعِ
  السُّخْرِيَةُ وَأَثَرُهَا الْمُدَمِّرُ عَلَى الْفَرْدِ وَالْمُجْتَمَعِ
  • شارك

نبذة عن الموقع

موقع تفريغات العلامة رسلان ، موقع يحتوي على العشرات من الخطب والمحاضرات والمقاطع المفرغة لفضيلة الشيخ العلامة أبي عبدالله محمد بن سعيد رسلان-حفظه الله- . كما يعلن القائمون على صفحة وموقع تفريغات العلامة رسلان -حفظه الله- أن التفريغات للخطب ليست هي الشكل النهائي عند الطباعة، ولكن نحن نفرغ خطب الشيخ حفظه الله ونجتهد في نشرها ليستفيد منها طلاب العلم والدعاة على منهاج النبوة في كل أنحاء الدنيا، ونؤكد على أنَّ الخطب غير مُخرَّجة بشكل كامل كما يحدث في خطب الشيخ العلامة رسلان المطبوعة وليست الكتب المنشورة على الصفحة والموقع هي النسخة النهائية لكتب الشيخ التي تُطبع...وهذه الكتب ما هي إلا تفريغ لخطب الشيخ، غير أنَّ كتب الشيخ التي تُطبع تُراجع من الشيخ -حفظه الله- وتُخرج. والتفريغ عملٌ بشريٌ، ونحن نجتهد في مراجعة التفريغات مراجعة جيدة، فإذا وقع خطأ أو شكل الخطب كما نخرجها -إنما نُحاسب نحن عليها والخطأ يُنسب لنا وليس للشيخ -حفظه الله-.

الحقوق محفوظة لكل مسلم موقع تفريغات العلامة رسلان