قِيمَةُ الْوَقْتِ وَالْغِشُّ فِي الِامْتِحَانَاتِ

قِيمَةُ الْوَقْتِ وَالْغِشُّ فِي الِامْتِحَانَاتِ

((قِيمَةُ الْوَقْتِ وَالْغِشُّ فِي الِامْتِحَانَاتِ))

إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّه مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ.

أَمَّا بَعْدُ:

فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.

أَمَّا بَعْدُ:

((نِعْمَةُ الزَّمَنِ مِنْ أَجَلِّ أُصُولِ النِّعَمِ))

((فَإِنَّ لِلنِّعَمِ أُصُولًا وَفُرُوعًا.

فَمِنْ فُرُوعِ النِّعَمِ -مَثَلًا-: الْبَسْطَةُ فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَالْمَالِ، وَالْمُحَافَظَةُ عَلَى نَوَافِلِ الْعِبَادَاتِ، وَمَا إِلَى ذَلِكَ مِنَ الْآدَابِ وَالسُّنَنِ وَالْمُسْتَحَبَّاتِ وَبَعْضِ الْوَاجِبَاتِ، فَكُلُّ أُولَئِكَ مِنْ فُرُوعِ النِّعَمِ، وَمَا أَجَلَّهَا مِنْ فُرُوعٍ عِنْدَ عَارِفِيهَا.

وَأَمَّا أُصُولُ النِّعَمِ فَكَثِيرَةٌ -أَيْضًا- لَا تُحْصَى..

وَأَوَّلُ أُصُولِ النِّعَمِ: الْإِيمَانُ بِاللهِ -تَعَالَى- وَبِمَا جَاءَ مِنْ عِنْدِهِ.

وَنِعْمَةُ الصِّحَّةِ وَالْعَافِيَةِ.

وَنِعْمَةُ الْعِلْمِ؛ فَتَحْصِيلُهُ نِعْمَةٌ، وَالِانْتِفَاعُ بِهِ نِعْمَةٌ، وَالنَّفْعُ بِهِ نِعْمَةٌ، وَتَخْلِيدُهُ وَنَقْلُهُ لِلْأَجْيَالِ الْمُقْبِلَةِ نِعْمَةٌ، وَنَشْرُهُ فِي النَّاسِ نِعْمَةٌ، وَهَكَذَا.

وَمِنْ أُصُولِ النِّعَمِ -أَيْضًا-، بَلْ مِنْ أَجَلِّ أُصُولِهَا وَأَغْلَاهَا وَأَعْلَاهَا: نِعْمَةُ الزَّمَنِ.

فَالزَّمَنُ هُوَ عُمُرُ الْحَيَاةِ، وَمَيْدَانُ وُجُودِ الْإِنْسَانِ، وَسَاحَةُ ظِلِّهِ وَبَقَائِهِ وَنَفْعِهِ وَانْتِفَاعِهِ)).

((دَلَائِلُ أَهَمِّيَّةِ الْوَقْتِ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ))

((وَقَدْ عَرَضَ الْقُرْآنُ الْمَجِيدُ وَالسُّنَّةُ الْمُشَرَّفَةُ لِلزَّمَنِ قِيمَةً وَأَهَمِّيَّةً وَأَوْجُهَ انْتِفَاعٍ وَأَثَرًا، وَأَنَّهُ مِنْ عَظِيمِ نِعَمِ اللهِ الَّتِي أَنْعَمَ بِهَا -سُبْحَانَهُ-.

قَالَ -تَعَالَى- فِي بَيَانِ هَذِهِ النِّعْمَةِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي هِيَ مِنْ أُصُولِ النِّعَمِ: {وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ۖ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [النحل: 12].

وَقَالَ -جَلَّ شَأْنُهُ-: {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ ۖ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِّتَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ ۚ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا} [الإسراء: 12].

وَقَالَ تَعَالَى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا} [الفرقان: 62].

أَيْ: يُخْلِفُ كُلٌّ مِنْهُمَا الْآخَرَ؛ بِأَنْ يَقُومَ مَقَامَهُ فِيمَا يَنْبَغِي أَنْ يُعْمَلَ فِيهِ.

وَلِبَيَانِ مَزِيدِ أَهَمِّيَّةِ الزَّمَنِ وَأَثَرِهِ نَجِدُ رَبَّنَا -جَلَّ وَعَلَا- يُقْسِمُ بِأَجْزَاءٍ مِنْهُ فِي مَطَالِعِ سُوَرٍ عَدِيدَةٍ، فَيُقْسِمُ -تَعَالَى- بِالْفَجْرِ: {وَالْفَجْرِ (1) وَلَيَالٍ عَشْرٍ} [الفجر: 1-2].

وَيُقْسِمُ -تَعَالَى- بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ: {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ (1) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّ} [الليل: 1-2].

وَيُقْسِمُ -سُبْحَانَهُ- بِالضُّحَى: {وَالضُّحَىٰ (1) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ} [الضحى: 1-2].

وَقَسَمُهُ -سُبْحَانَهُ- بِأَجْزَاءِ الزَّمَنِ تِلْكَ كَانَ لَفْتًا لِلْأَنْظَارِ نَحْوَهَا؛ لِعَظِيمِ دَلَالَتِهَا عَلَيْهِ، وَلِجَلِيلِ مَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنْ مَنَافِعَ وَآثَارٍ)).

بَلْ إِنَّ اللهَ -تَعَالَى- أَقْسَمَ بِالزَّمَنِ نَفْسِهِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [العصر: 1-3].

وَالْعَصْرُ: هُوَ الزَّمَنُ عَلَى قَوْلِ أَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ، وَهُوَ الرَّاجِحُ كَمَا يَقُولُ ابْنُ الْقَيِّمِ -رَحِمَهُ اللهُ-، مُضِيفًا أَنَّ تَسْمِيَةَ الدَّهْرِ عَصْرًا أَمْرٌ مَعْرُوفٌ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ، وَبِهِ قَالَ تُرْجُمَانُ الْقُرْآنِ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ، وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَالْفَرَّاءُ، وَابْنُ قُتَيْبَةَ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الطَّبَرِيِّ.

قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ -رَحِمَهُ اللهُ- فِي بَيَانِ الْحِكْمَةِ مِنَ الْقَسَمِ بِالْعَصْرِ: ((أَقْسَمَ -سُبْحَانَهُ- بِالْعَصْرِ؛ لِمَكَانِ الْعِبْرَةِ وَالْآيَةِ فِيهِ؛ فَإِنَّ مُرُورَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ عَلَى تَقْدِيرٍ قَدَّرَهُ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ الْغَفَّارُ مُنْتَظِمٌ لِمَصَالِحِ الْعَالَمِ عَلَى أَكْمَلِ تَرْتِيبٍ وَنِظَامٍ، وَتَعَاقُبُهُمَا وَاعْتِدَالُهُمَا تَارَةً، وَأَخْذُ أَحَدِهِمَا مِنْ صَاحِبِهِ تَارَةً، وَاخْتِلَافُهُمَا فِي الضَّوْءِ وَالظَّلَامِ، وَالْحَرِّ وَالْبَرْدِ، وَانْتِشَارِ الْحَيَوَانِ وَسُكُونِهِ، وَانْقِسَامِ الْعَصْرِ إِلَى الْقُرُونِ وَالسِّنِينَ وَالْأَشْهُرِ وَالْأَيَّامِ وَالسَّاعَاتِ وَمَا دُونَهَا آيَةٌ مِنْ آيَاتِ الرَّبِّ -تَعَالَى-، وَبُرْهَانٌ مِنْ بَرَاهِينِ قُدْرَتِهِ وَحِكْمَتِهِ.

فَأَقْسَمَ -تَعَالَى- بِالْعَصْرِ الَّذِي هُوَ زَمَانُ أَفْعَالِ الْإِنْسَانِ وَمَحَلُّهَا عَلَى عَاقِبَةِ تِلْكَ الْأَفْعَالِ وَجَزَائِهَا، وَنَبَّهَ بِالْمَبْدَأِ وَهُوَ خَلْقُ الزَّمَانِ وَالْفَاعِلِينَ وَأَفْعَالِهِمْ عَلَى الْمَعَادِ، وَأَنَّ قُدْرَتَهُ كَمَا لَمْ تَقْصُرْ عَنِ الْمَبْدَأِ لَمْ تَقْصُرْ عَنِ الْمَعَادِ، وَأَنَّ حِكْمَتَهُ الَّتِي اقْتَضَتْ خَلْقَ الزَّمَانِ وَخَلْقَ الْفَاعِلِينَ وَأَفْعَالَهُمْ، وَجَعَلَهَا قِسْمَيْنِ خَيْرًا وَشَرًّا تَأْبَى أَنْ يُسَوِّيَ بَيْنَهُمْ، وَأَلَّا يُجَازِيَ الْمُحْسِنَ بِإِحْسَانِهِ وَالْمُسِيءَ بِإِسَاءَتِهِ، وَأَنْ يَجْعَلَ النَّوْعَيْنِ رَابِحَيْنِ أَوْ خَاسِرَيْنِ.

بَلِ الْإِنْسَانُ مِنْ حَيْثُ هُوَ إِنْسَانٌ خَاسِرٌ إِلَّا مَنْ رَحِمَهُ اللهُ فَهَدَاهُ وَوَفَّقَهُ لِلْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ فِي نَفْسِهِ وَأَمْرِ غَيْرِهِ بِهِ، وَهَذَا نَظِيرُ رَدِّهِ الْإِنْسَانَ إِلَى أَسْفَلَ سَافِلِينَ، وَاسْتِثْنَاءِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ هَؤُلَاءِ الْمَرْدُودِينَ)).

وَمِنَ الْحِكْمَةِ فِي قَسَمِ الْمَوْلَى -سُبْحَانَهُ- بِالْعَصْرِ الَّذِي هُوَ الزَّمَنُ أَلَّا شَيْءَ أَنْفَسُ مِنَ الْعُمُرِ.

وَفِي تَخْصِيصِ الْقَسَمِ بِهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْإِنْسَانَ يُضِيفُ الْمَكَارِهَ وَالنَّوَائِبَ إِلَيْهِ، وَيُحِيلُ شَقَاءَهُ وَخُسْرَانَهُ عَلَيْهِ، فَإِقْسَامُ اللهِ -تَعَالَى- بِهِ دَلِيلٌ عَلَى شَرَفِهِ، وَأَنَّ الشَّقَاءَ وَالْخُسْرَانَ إِنَّمَا لَزِمَ الْإِنْسَانَ لِعَيْبٍ فِي الْإِنْسَانِ لَا فِي الدَّهْرِ.

وَمِنْ وُجُوهِ عَظَمَةِ الْعَصْرِ الَّذِي هُوَ الزَّمَنُ أَنَّ الدَّهْرَ مُشْتَمِلٌ عَلَى الْأَعَاجِيبِ؛ لِأَنَّهُ يَحْصُلُ فِيهِ السَّرَّاءُ وَالضَّرَّاءُ، وَالصِّحَّةُ وَالسَّقَمُ، وَالْغِنَى وَالْفَقْرُ، فَلَوْ ضَيَّعْتُ أَلْفَ سَنَةٍ ثُمَّ تُبْتُ فِي اللَّمْحَةِ الْأَخِيرَةِ مِنَ الْعُمُرِ بَقِيتَ فِي الْجَنَّةِ أَبَدَ الْآبِدِينَ، فَعَلِمْتَ -حِينَئِذٍ- أَنَّ أَشْرَفَ الْأَشْيَاءِ حَيَاتُكَ فِي هَذِهِ اللَّمْحَةِ، فَكَانَ الدَّهْرُ وَالزَّمَانُ مِنْ جُمْلَةِ أُصُولِ النِّعَمِ.

إِنَّ الزَّمَانَ أَغْلَى وَأَشْرَفُ مِنَ الْمَكَانِ، فَلَمَّا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ الْقَسَمُ بِالْعَصْرِ قَسَمًا بِأَشْرَفِ النِّصْفَيْنِ مِنْ مُلْكِ اللهِ وَمَلَكُوتِهِ.

إِنَّهُ -تَعَالَى- ذَكَرَ الْعَصْرَ الَّذِي بِمُضِيِّهِ يَنْتَقِصُ عُمُرُكَ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي مُقَابَلَتِهِ كَسْبٌ صَارَ ذَلِكَ النُّقْصَانُ عَيْنَ الْخُسْرَانِ.

عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ أَرْبَعِ خِصَالٍ؛ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ شَبَابِهِ فِيمَا أَبْلَاهُ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَا أَنْفَقَهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ مَاذَا عَمِلَ فِيهِ)). أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي ((الْكَبِيرِ))، وَالْبَزَّارُ، وَهُوَ صَحِيحٌ بِشَوَاهِدِهِ.

لَنْ تَزُولَ قَدَمَا الْعَبْدِ فِي ذَلِكَ الْمَوْقِفِ حَتَّى يُحَاسَبَ عَنْ مُدَّةِ أَجَلِهِ؛ فِيمَا صَرَفَهُ بِعَامَّةٍ، وَعَمَّا فَعَلَ بِزَمَانِهِ وَقْتَ شَبَابِهِ بِخَاصَّةٍ؛ فَإِنَّ فِيهِ أَكْثَرَ الْعَطَاءِ وَأَمْضَاهُ، وَهُوَ تَخْصِيصٌ بَعْدَ تَعْمِيمٍ؛ لِأَنَّ تَمَكُّنَ الْإِنْسَانِ مِنَ الزَّمَنِ فِي وَقْتِ الشَّبَابِ أَعْظَمُ وَآكَدُ وَأَثْمَرُ مِنْ طَرَفَيِ الْعُمُرِ حَيْثُ ضَعْفُ الطُّفُولَةِ وَضَعْفُ الشَّيْخُوخَةِ.

وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ)). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

النِّعْمَةُ: مَا يَتَنَعَّمُ بِهِ الْإِنْسَانُ وَيَسْتَلِذُّهُ، وَالْغَبْنُ: أَنْ يَشْتَرِيَ بِأَضْعَافِ الثَّمَنِ، أَوْ يَبِيعَ بِدُونِ ثَمَنِ الْمِثْلِ، فَمَنْ صَحَّ بَدَنُهُ، وَتَفَرَّغَ مِنَ الْأَشْغَالِ الْعَائِقَةِ، وَلَمْ يَسْعَ لِصَلَاحِ آخِرَتِهِ فَهُوَ كَالْمَغْبُونِ فِي الْبَيْعِ.

وَالْمَقْصُودُ: بَيَانُ أَنَّ غَالِبَ النَّاسِ لَا يَنْتَفِعُونَ بِالصِّحَّةِ وَلَا بِالْفَرَاغِ، بَلْ يَصْرِفُونَهُمَا فِي غَيْرِ مَحَالِّهِمَا، فَيَصِيرُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي حَقِّهِمْ وَبَالًا، وَلَوْ أَنَّهُمْ صَرَفُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي مَحَلِّهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ أَيَّ خَيْرٍ.

وَأَشَارَ ﷺ بِقَوْلِهِ: ((كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ)): إِلَى أَنَّ الَّذِي يُوَفَّقُ لِذَلِكَ قَلِيلٌ، فَالْمُوَفَّقُ الْعَاقِلُ مَنْ عَرَفَ كَيْفَ يَسْتَفِيدُ مِنْ فَرَاغِهِ وَمِنْ صِحَّتِهِ، وَيَضَعُهُمَا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يُحَقِّقُ لَهُ وَلِلْبَشَرِيَّةِ جَمْعَاءَ السَّعَادَةَ فِي الدَّارَيْنِ، فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَهُوَ الْمَغْبُوطُ، وَإِلَّا فَإِنَّهُ هُوَ الْمَغْبُونُ الْخَاسِرُ، فَالصِّحَّةُ يَعْقُبُهَا السَّقَمُ، وَالْفَرَاغُ يَعْقُبُهُ الشُّغُلُ، وَالصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ رَأْسُ مَالِ الْإِنْسَانِ، فَإِمَّا أَنْ يُحْسِنَ اسْتِثْمَارَهُ فَيَرْبَحَ مَعَ سَلَامَةِ رَأْسِ الْمَالِ، وَإِمَّا أَنْ يُسِيءَ اسْتِعْمَالَهُ فَيَخْسَرَ مَعَ ضَيَاعِ رَأْسِ الْمَالِ، وَبِالتَّالِي ضَيَاعِهِ هُوَ وَخُسْرَانِهِ.

لِذَلِكَ يَقُولُ الرَّسُولُ ﷺ: ((اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ؛ شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغُلِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ)). أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي ((الشُّعَبِ))، وَالْحَاكِمُ، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ.

((خَطَرَ الْفَرَاغِ عَلَى الْإِنْسَانِ))

((إِنَّ الصِّحَّةَ وَالْفَرَاغَ وَالْمَالَ الْبَابُ الَّذِي تَلِجُ مِنْهُ الشَّهَوَاتُ الْمُسْتَحْكَمَاتُ، وَيَتَرَبَّعُ فِي فِنَائِهَا الْهَوَى الْجَامِحُ، فَيَأْتِي عَلَى صَاحِبِهِ، وَقَدْ صَدَقَ مَنْ قَالَ: مِنَ الْفَرَاغِ تَكُونُ الصَّبْوَةُ!)).

وَكَمْ كَانَ أَبُو الْعَتَاهِيَةِ مُوَفَّقًا عِنْدَمَا سَأَلَهُ سُلَيْمَانُ ابْنُ أَبِي شَيْخٍ بِقَوْلِهِ: ((أَيُّ شِعْرٍ قُلْتَهُ أَجْوَدُ وَأَعْجَبُ إِلَيْكَ؟)).

قَالَ: قَوْلِي:

إِنَّ الشَّبَابَ وَالْفَرَاغَ وَالْجِدَةْ    =   مَفْسَدَةٌ لِلْعَقْلِ أَيُّ مَفْسَدَةْ

وَالْفَرَاغُ هُوَ غِيَابُ الْهَدَفِ وَالْعَمَلِ، وَإِذَا خَلَا الْإِنْسَانُ مِنَ الْعَمَلِ امْتَلَأَ غَالِبًا يَوْمُهُ بِالتَّفَاهَاتِ أَوِ الشَّهَوَاتُ أَوِ الْوَسَاوِسُِ وَالْخَطَرَاتُ، فَيَلْجَأُ إِلَى إِدْمَانِ الْمِيدْيَا وَالْأَلْعَابِ الْإِلِكْتُرُونِيَّةِ، وَالْقِيلِ وَالْقَالِ، إِلَى أَنْ يَقْتُلَهُ الْإِحْبَاطُ وَالْمَلَلُ وَالْيَأْسُ، وَمِنْ هُنَا يَأْتِي الْفَسَادُ، فَالْإِنْسَانُ لَمْ يُخْلَقْ عَبَثًا، وَلَا لَيَعِيشَ فَارِغًا بِلَا هَدَفٍ، لِذَلِكَ قَالُوا: نَفْسُكَ إِنْ لَمْ تَشْغَلْهَا بِالْحَقِّ شَغَلَتْكَ بِالْبَاطِلِ.

قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: ((إِنِّي لَأَكْرَهُ الرَّجُلَ أَنْ أَرَاهُ فَارِغًا، لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ عَمَلِ الدُّنْيَا وَلَا مِنْ عَمَلِ الْآخِرَةِ)).

((ارْتِبَاطُ قِيمَةِ الزَّمَنِ بِالْغَايَةِ مِنَ الْخَلْقِ))

((إِنَّ إِدْرَاكَ قِيمَةِ الزَّمَنِ فِي حَيَاةِ الْإِنْسَانِ يَتَوَقَّفُ ابْتِدَاءً عَلَى مَعْرِفَتِهِ بِالْغَايَةِ الَّتِي مِنْ أَجْلِهَا خَلَقَهُ اللهُ الرَّحِيمُ الرَّحْمَنُ، وَمَدَى تَحَقُّقِهِ بِتِلْكَ الْغَايَةِ.

وَلَا شَكَّ أَنَّ الْعَاقِلَ يُدْرِكُ -لَيْسَ بَعْدَ طُولِ النَّظَرِ- أَنَّهُ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْكَوْنُ بِقَوَانِينِهِ الْمُحْكَمَةِ الْمُتَوَازِنَةِ، وَمَا بَثَّ فِيهِ -تَعَالَى- مِنْ أَنْوَاعِ الْمَخْلُوقَاتِ وَالْأَحْيَاءِ قَدْ أُوجِدَ عَبَثًا أَوْ لَهْوًا أَوْ ضَرْبًا مِنَ الْبَاطِلِ دُونَمَا غَايَةٍ أَوْ مَقْصِدٍ.

وَيَلْفِتُ الْقُرْآنُ الْمَجِيدُ الْأَنْظَارَ نَحْوَ ذَلِكَ؛ فَفِيهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ۚ ذَٰلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (27) أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ} [ص: 27-28].

{ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (38) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (39) إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ} [الدخان: 38-40].

{أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (115) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ} [المؤمنون: 115-116].

وَقَدْ بَيَّنَ -تَعَالَى جَلَّ شَأْنُهُ- الْغَايَةَ الَّتِي مِنْ أَجْلِهَا خُلِقَ الْإِنْسَانُ، فَقَالَ -جَلَّ مِنْ قَائِلٍ-: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 30].

إِنَّهُ خَلَقَ الْإِنْسَانَ؛ لِيَكُونَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ، وَعَبْدًا فِي هَذَا الْكَوْنِ، فَسَخَّرَ لَهُ سَائِرَ مَظَاهِرِ الْكَوْنِ وَمَوْجُودَاتِهِ، وَصَيَّرَهَا فِي خِدْمَةِ الْإِنْسَانِ.

{أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً} [لقمان: 20].

{وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ۖ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [النحل: 12].

{وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [النحل: 14].

وَلِلَفْظِ التَّسْخِيرِ فِي الْآيَاتِ مِنَ الْإِيحَاءِ وَالْوَقْعِ فِي النَّفْسِ مَا لَا يُوجَدُ فِي سِوَاهُ؛ فَفِيهِ مَعْنَى الْقَهْرِ وَالْإِذْلَالِ وَالِانْقِيَادِ، وَالتَّهْيِئَةِ لِمَا يُرَادَ مِنَ الِانْتِفَاعِ.

جَعَلَهُ -تَعَالَى- خَلِيفَةً، وَسَخَّرَ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ، ثُمَّ أَوْكَلَ إِلَيْهِ عِمَارَةَ الْأَرْضِ، وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ تَعَالَى: {هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} [هود: 61].

هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ عُمَّارَهَا وَسُكَّانَهَا، فَالِاسْتِفْعَالُ: بِمَعْنَى الْإِفْعَالِ، يُقَالُ: أَعْمَرْتُهُ الْأَرْضَ وَاسْتَعْمَرْتُهُ إِذَا جَعَلْتَهُ عَامِرَهَا، وَفَوَّضْتَ إِلَيْهِ عِمَارَتَهَا.

وَاسْتَدَلَّ بِالْآيَةِ عَلَى أَنَّ عِمَارَةَ الْأَرْضِ وَاجِبَةٌ لِهَذَا الطَّلَبِ، فَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} أَيْ: أَمَرَكُمْ بِعِمَارَتِهَا.

وَقَاعِدَةُ هَذَا الِاسْتِخْلَافِ فِي الْأَرْضِ وَأَسَاسُ تِلْكَ الْعِمَارَةِ الْعُبُودِيَّةُ للهِ -عَزَّ وَجَلَّ-، {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ (57) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} [الذاريات: 56-58].

وَمِنْ ثَمَّ كَانَ النِّدَاءُ الْأَوَّلُ لِكُلِّ رَسُولٍ: {يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف: 59]؛ لِأَنَّ رِسَالَتَهُمْ (سلم 3) إِنَّمَا كَانَتْ لِإِبْلَاغِ هَذِهِ الْغَايَةِ وَالتَّحَقُّقِ بِهَا.

{وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 25].

وَالْعِبَادَةُ كَمَا جَاءَ بِهَا الْقُرْآنُ الْمَجِيدُ وَالسُّنَّةُ الْمُطَهَّرَةُ، وَكَمَا فَهِمَهَا خَيْرُ الْقُرُونِ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ تَشْمَلُ الدِّينَ كُلَّهُ، تَشْمَلُ الْحَيَاةَ كُلَّهَا، تَشْمَلُ كِيَانَ الْإِنْسَانِ كُلَّهُ ظَاهِرَهُ وَبَاطِنَهُ.

كَمَا قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((الْعِبَادَةُ: اسْمٌ جَامِعٌ لِكُلِّ مَا يُحِبُّهُ اللهُ وَيَرْضَاهُ مِنَ الْأَقْوَالِ وَالْأَعْمَالِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ)).

بَلْ إِنَّ: ((مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ عِبَادَهُ مِنَ الْأَسْبَابِ فَهُوَ عِبَادَةٌ)).

بِدُونِ هَذَا الْمَفْهُومِ الْجَامِعِ لِلْعِبَادَةِ لَا يُمْكِنُ لِلْمَرْءِ أَنْ يُدْرِكَ قِيمَةَ الزَّمَنِ وَأَهَمِّيَّتَهُ، وَبِالتَّالِي أَنْ يَغْتَنِمَهُ، وَيُوَجِّهَهُ نَحْوَ الْإِعْمَارِ لِلْأَرْضِ كَمَا شَاءَ اللهُ -تَعَالَى- وَأَرَادَ.

إِنَّ إِدْرَاكَ الْإِنْسَانِ لِقِيمَةِ عُمُرِهِ لَيْسَ إِلَّا إِدْرَاكًا لِوُجُودِهِ وَإِنْسَانِيَّتِهِ وَوَظِيفَتِهِ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ)).

 ((وَقْتُ الْإِنْسَانِ هُوَ عُمُرُهُ الْحَقِيقِيُّ))

وَالزَّمَنُ هُوَ أَجَلُّ وَأَشْرَفُ مَا يُحَصِّلُهُ الْعُقَلَاءُ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ؛ لِأَنَّ الزَّمَنَ هُوَ الْعُمُرُ الْإِنْسَانِيُّ، هُوَ الْحَيَاةُ الَّتِي تَبْدَأُ مِنْ لَحْظَةِ الْمِيلَادِ وَتَنْتَهِي بِسَاعَةِ الْمَوْتِ.

قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((وَقْتُ الْإِنْسَانِ هُوَ عُمُرُهُ فِي الْحَقِيقَةِ، وَهُوَ مَادَّةُ حَيَاتِهِ الْأَبَدِيَّةِ فِي النَّعِيمِ الْمُقِيمِ، وَمَادَّةُ مَعِيشَتِهِ الضَّنْكِ فِي الْعَذَابِ الْأَلِيمِ، وَهُوَ يَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ، فَمَا كَانَ مِنْ وَقْتِهِ للهِ وَبِاللهِ فَهُوَ حَيَاتُهُ وَعُمُرُهُ، وَغَيْرُ ذَلِكَ لَيْسَ مَحْسُوبًا مِنْ حَيَاتِهِ وَإِنْ عَاشَ فِيهِ عَيْشَ الْبَهَائِمِ، فَإِذَا قَطَعَ وَقْتَهُ فِي الْغَفْلَةِ وَالسَّهْوِ وَالْأَمَانِيِّ الْبَاطِلَةِ، وَكَانَ خَيْرَ مَا قَطَعَهُ بِهِ النَّوْمُ وَالْبَطَالَةُ؛ فَمَوْتُ هَذَا خَيْرٌ لَهُ مِنْ حَيَاتِهِ!)).

وَقَدْ أَشَارَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ- إِلَى هَذَا الْمَعْنَى فَقَالَ: ((يَا ابْنَ آدَمَ! إِنَّمَا أَنْتَ أَيَّامٌ، كُلَّمَا ذَهَبَ يَوْمٌ ذَهَبَ بَعْضُكَ)).

وَكَأَنِّي بِهِ -رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ- عِنْدَمَا اخْتَارَ الْأَيَّامَ عَلَى السِّنِينَ: ((إِنَّمَا أَنْتَ أَيَّامٌ)) يُشِيرُ إِلَى قِصَرِ الْعُمُرِ، وَطُولِ السَّفَرِ، وَبُعْدِ الشُّقَّةِ، مِمَّا يَسْتَدْعِي أَنْ يَكُونَ الْمَرْءُ أَلْصَقَ بِعُمُرِهِ، ضَنِينًا بِاللَّحَظَاتِ مِنْهُ فَضْلًا عَنِ السَّاعَاتِ وَالْأَيَّامِ، وَكُلَّمَا ازْدَادَ إِدْرَاكُ الْمَرْءِ بِالْغَايَةِ الَّتِي مِنْ أَجْلِهَا خُلِقَ ازْدَادَ اغْتِنَامًا لِزَمَنِهِ، وَبِالتَّالِي كَانَ أَقْرَبَ لِتِلْكَ الْغَايَةِ، وَأَكْثَرَ تَحَقُّقًا بِهَا.

((إِدْرَاكُ الْعُقَلَاءِ أَهَمِّيَّةَ الْوَقْتِ وَاغْتِنَامُهُ))

إِنَّ الزَّمَنَ يُسَاوِي عَطَاءَ الْإِنْسَانِ، وَحَصَادَ عُمُرِهِ، يُسَاوِي الْيَدَ الَّتِي سَتَحْمِلُ كِتَابَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُمْنَى تَكُونُ أَوْ يُسْرَى، وَمِنْ ثَمَّ يَقُولُ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: ((أَدْرَكْتُ أَقْوَامًا كَانَ أَحَدُهُمْ أَشَحَّ عَلَى عُمُرِهِ مِنْهُ عَلَى دِرْهَمِهِ)).

((أَشَحَّ بِعُمُرِهِ))؛ لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ الْعُمُرَ إِنْ ضَاعَ فَاتَ وَلَمْ يُعَوَّضْ، وَأَنَّ الدِّرْهَمَ إِنِ ارْتَحَلَ يَوْمًا حَلَّ فِي آخَرَ، ((أَشَحَّ بِعُمُرِهِ))؛ لِأَنَّهُ أَدْرَكَ أَنَّ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ يَعْمَلَانِ فِيهِ، فَلْيَعْمَلْ هُوَ فِيهِمَا، مُعَمِّرًا مُسْتَثْمِرًا.

قَالَ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكَاتِبُ الْبُسْتِيُّ: ((إِذَا مَا مَضَى يَوْمٌ وَلَمْ أَصْطَنِعْ يَدًا، وَلَمْ أَقْتَبِسْ عِلْمًا فَمَا هُوَ مِنْ عُمُرِي!)).

((فَالْعَاقِلُ الْمُوَفَّقُ مَنْ أَدْرَكَ حَقِيقَةَ ذَلِكَ، فَاغْتَنَمَ عُمُرَهُ فِي عِلْمٍ نَافِعٍ يَحْفَظُهُ، وَيَحْفَظُ الْأُمَّةَ مِنْ نَفْسِهَا وَمِنْ عَدُوِّهَا، وَيَجْعَلُهَا أُمَّةً يَدُهَا هِيَ الْعُلْيَا، وَلَيْسَتْ هِيَ السُّفْلَى، فِي جِهَادٍ مُبَارَكٍ؛ قَلَمًا، وَلِسَانًا، وَسِنَانًا، فِي أَمْرٍ بِمَعْرُوفٍ وَنَهْيٍ عَنْ مُنْكَرٍ، فِي تَرْبِيَةٍ لِعُقُولٍ وَأَفْئِدَةٍ وَأَحَاسِيسَ تَنْفَعُ النَّاسَ، وَتَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ؛ لِتُؤْتِيَ أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا)).

((ظُلْمُ الْمَرْءِ نَفْسَهُ بِتَضْيِيعِ وَقْتِهِ!))

((إِنَّ مَنْ أَمْضَى يَوْمَهُ فِي غَيْرِ حَقٍّ قَضَاهُ، أَوْ فَرْضٍ أَدَّاهُ، أَوْ مَجْدٍ أَثَّلَهُ، أَوْ حَمْدٍ حَصَّلَهُ، أَوْ خَيْرٍ أَسَّسَهُ، أَوْ عِلْمٍ اقْتَبَسَهُ؛ فَقَدْ عَقَّ يَوْمَهُ، وَظَلَمَ نَفْسَهُ!

وَظُلْمُهُ هَذَا يَتَحَسَّسُهُ أَشَدَّ مَا يَكُونُ عِنْدَ سَاعَةِ احْتِضَارِهِ، عِنْدَمَا يَرَاهُ قَدْ أَوْدَى بِهِ إِلَى الْخُسْرَانِ الْمُبِينِ، فَيَتَمَنَّى عَلَى اللهِ أَنْ يُؤَخَّرَ حَتَّى يُصْلِحَ مَا أَفْسَدَ، وَيَتَدَارَكَ مَا فَاتَ، وَأَنَّى لَهُ أَنْ يُمْهَلَ، وَقَدْ تَحَتَّمَ الْأَجَلُ، وَنَزَلَ الْمَوْتُ فِي سَاحَتِهِ، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (9) وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ (10) وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا ۚ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [المنافقون: 9-11])).

هَذَا أَحَدُ مَوَاقِفِ ظُلْمِ الْإِنْسَانِ لِنَفْسِهِ.

وَثَانٍ لَيْسَ عَنْهُ بِبَعِيدٍ: ذَلِكَ عِنْدَمَا يَرَى نَفْسَهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَقَدْ أَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ، فَيُنَادِي مَعَ أَقْرَانِهِ الْمُصَفَّدِينَ بِالْأَغْلَالِ: {رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ}.

فَيَأْتِي الْجَوَابُ مَصْحُوبًا بِالتَّقْرِيعِ الْمُجْهِزِ: {أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ ۖ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ} [فاطر: 37].

لَقَدْ كَانَتْ أَعْمَارُكُمُ الَّتِي وَهَبْنَاكُمْ إِيَّاهَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَذَكَّرَ وَيَتَفَكَّرَ وَيَعْمَلَ صَالِحًا، لِذَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((أَعْذَرَ اللهُ -يَعْنِي: أَزَالَ عُذْرَهُ- أَعْذَرَ اللهُ إِلَى امْرِئٍ أَخَّرَ أَجَلَهُ حَتَّى بَلَّغَهُ سِتِّينَ سَنَةً)).

وَلَمَّا كَانَ هَذَا هُوَ الْعُمُرُ الَّذِي يَعْذِرُ اللهُ -تَعَالَى- إِلَى عِبَادِهِ كَانَ هُوَ الْغَالِبَ عَلَى أَعْمَارِ هَذِهِ الْأُمَّةِ؛ فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((أَعْمَارُ أُمَّتِي مَا بَيْنَ سِتِّينَ إِلَى سَبْعِينَ، وَأَقَلُّهُمْ مَنْ يَجُوزُ ذَلِكَ)). أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ.

((حِرْصُ السَّلَفِ الشَّدِيدُ عَلَى الْوَقْتِ))

لَقَدْ عَاشَ سَلَفُنَا -رَحِمَهُمُ اللهُ- فِي هَذَا الْهَدْيِ الْجَامِعِ، وَأَخَذَ مِنْهُمْ كُلَّ مَأْخَذٍ؛ فَكَانُوا مِنْ أَحْرَصِ النَّاسِ عَلَى عُمُرٍ، وَمِنْ أَكْثَرِهِمُ اغْتِنَامًا لِزَمَنٍ، وَأَعْمَلِهِمْ فِيهِ، فَكَانَ الْحَصَادُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ فُتُوحًا، وَعُلُومًا وَمَعَارِفَ، وَمَدَنِيَّةً، وَهَدْيًا وَرَحْمَةً، وَعَدْلًا وَتُقًى وَزَهَادَةً، ضَمَّتْهُا أَعْظَمُ حَضَارَةٍ فِي تَارِيخِ الْبَشَرِيَّةِ وَأَمْيَزُهَا.

وَأَوَّلُ وَاجِبٍ عَلَى الْإِنْسَانِ الْمُسْلِمِ نَحْوَ وَقْتِهِ أَنْ يُحَافِظَ عَلَيْهِ كَمَا يُحَافِظُ عَلَى مَالِهِ بَلْ أَكْثَرَ، وَأَنْ يَحْرِصَ عَلَى الِاسْتِفَادَةِ مِنْ وَقْتِهِ كُلِّهِ فِيمَا يَنْفَعُهُ فِي دِينِهِ وَدُنْيَاهُ، وَمَا يَعُودُ عَلَى أُمَّتِهِ بِالْخَيْرِ وَالسَّعَادَةِ وَالنَّمَاءِ الرُّوحِيِّ وَالْمَادِّيِّ.

كَانَ سَلَفُنَا أَحْرَصَ مَا يَكُونُونَ عَلَى أَوْقَاتِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا أَعْرَفَ النَّاسِ بِقِيمَتِهَا.

وَمِنْ هُنَا كَانَ حِرْصُهُمُ الْبَالِغُ عَلَى عِمَارَةِ أَوْقَاتِهِمْ بِالْعَمَلِ الدَّائِمِ، وَالْحَذَرِ مِنْ أَنْ يَضِيعَ شَيْءٌ مِنْهُ فِي غَيْرِ جَدْوَى.

قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: ((إِنَّ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ يَعْمَلَانِ فِيكَ، فَاعْمَلْ فِيهِمَا)).

وَكَانُوا يَقُولُونَ: ((مِنْ عَلَامَةِ الْمَقْتِ إِضَاعَةُ الْوَقْتِ)).

وَيَقُولُونَ: ((الْوَقْتُ سَيْفٌ إِنْ لَمْ تَقْطَعْهُ قَطَعَكَ)).

وَكَانُوا يُحَاوِلُونَ دَائِمًا التَّرَقِّيَ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ أَحْسَنَ مِنْهَا، بِحَيْثُ يَكُونُ يَوْمُ أَحَدِهِمْ أَفْضَلَ مِنْ أَمْسِهِ، وَهَذِهِ فِي غَدِهِ تَكُونُ أَفْضَلَ مِنْ يَوْمِهِ، وَلِذَلِكَ قَالَ قَائِلُهُمْ: ((مَنْ كَانَ يَوْمُهُ كَأَمْسِهِ فَهُوَ مَغْبُونٌ، وَمَنْ كَانَ يَوْمُهُ شَرًّا مِنْ أَمْسِهِ فَهُوَ مَلْعُونٌ!)).

وَكَانُوا يَحْرِصُونَ كُلَّ الْحِرْصِ عَلَى أَلَّا يَمُرَّ يَوْمٌ أَوْ بَعْضُ يَوْمٍ أَوْ بُرْهَةٌ مِنَ الزَّمَانِ -وَإِنْ قَصُرَتْ- دُونَ أَنْ يَتَزَوَّدُوا مِنْهَا بِعِلْمٍ نَافِعٍ أَوْ عَمَلٍ صَالِحٍ، أَوْ مُجَاهَدَةٍ لِلنَّفْسِ، أَوْ إِسْدَاءِ نَفْعٍ إِلَى الْغَيْرِ، حَتَّى لَا تَتَسَرَّبَ الْأَعْمَارُ سُدًى، وَحَتَّى لَا تَضِيعَ هَبَاءً، وَتَذْهَبَ جُفَاءً وَهُمْ لَا يَشْعَرُونَ.

كَانُوا يَعْتَبِرُونَ مِنْ كُفْرَانِ النِّعْمَةِ وَمِنَ الْعُقُوقِ لِلزَّمَنِ أَنْ يَمْضِيَ يَوْمٌ لَا يَسْتَفِيدُونَ مِنْهُ لِأَنْفُسِهِمْ، وَلَا لِلْحَيَاةِ مِنْ حَوْلِهِمْ؛ نُمُوًّا فِي الْمَعْرِفَةِ، وَنُمُوًّا فِي الْإِيمَانِ، وَنُمُوًّا فِي عَمَلِ الصَّالِحَاتِ.

قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: ((مَا نَدِمْتُ عَلَى شَيْءٍ نَدَمِي عَلَى يَوْمٍ غَرَبَتْ شَمْسُهُ، نَقَصَ فِيهِ أَجَلِي، وَلَمْ يَزِدْ فِيهِ عَمَلِي)).

وَقَالَ آخَرُ: ((كُلُّ يَوْمٍ يَمُرُّ بِي لَا أَزْدَادُ فِيهِ عِلْمًا يُقَرِّبُنِي مِنَ اللهِ -تَعَالَى- فَلَا بُورِكَ لِي فِي طُلُوعِ شَمْسِ ذَلِكَ الْيَوْمِ!)).

قَالَ الشَّاعِرُ:

إِذَا مَرَّ بِي يَوْمٌ وَلَمْ أَقْتَبِسْ هُدًى      =      وَلَمْ أَسْتَفِدْ عِلْمًا فَمَا ذَاكَ مِنْ عُمُرِي

((رَبْطُ الْعِبَادَاتِ بِأَوْقَاتٍ مُحَدَدَّةٍ))

وَمِنْ حِكْمَةِ اللهِ -تَعَالَى- أَنْ رَبَطَ الْعِبَادَاتِ كُلَّهَا بِأَوْقَاتٍ مُحَدَّدَةٍ.

قَالَ تَعَالَى: {إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا} [النساء: 103].

فَالصَّلَاةُ لَهَا مَوَاقِيتٌ مُحَدَّدَةٌ يَجِبُ اسْتِثْمَارُهَا وَعَدَمُ تَضْيِيعِهَا.

وَقَالَ تَعَالَى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ} [البقرة: 197].

وَقَالَ -تَعَالَى- عَنِ الصَّوْمِ: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 185].

وَقَالَ ﷺ: ((لَا زَكَاةَ فِي مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ)). أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَه، وَالْبَزَّارُ، وَالْبَيْهَقِيُّ، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ.

((اغْتِنَامُ الْوَقْتِ مَعَ إِتْقَانِ الْعَمَلِ وَالتَّأَنِّي))

وَقَدْ يَظُنُّ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ اغْتِنَامَ الْوَقْتِ مَعْنَاهُ الْعَجَلَةُ فِي أَدَاءِ الْمَهَامِّ وَلَوْ بِلَا إِتْقَانٍ، وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ؛ فَالْإِتْقَانُ هَدَفٌ، وَالْوَقْتُ أَحَدُ وَسَائِلِهِ.

وَقَدْ أَمَرَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا- الْإِنْسَانَ أَنْ يُرَوِّضَ جِبَّلَتَهُ وَطَبِيعَتَهُ الَّتِي جُبِلَ عَلَيْهَا، فَلَا يَتَعَجَّلُ، بَلْ يَتَأَمَّلُ وَيَتَدَبَّرُ قَبْلَ اتِّخَاذِ الْقَرَارَاتِ.

قَالَ تَعَالَى: {خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ ۚ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ} [الأنبياء: 37].

وَأَنْكَرَ -تَعَالَى- عَلَى الْمُتَعَجِّلِينَ، فَقَالَ -سُبْحَانَهُ-: {وَكَانَ الْإِنسَانُ عَجُولًا} [الإسراء: 11].

وَقَالَ -تَعَالَى- لِنَبِيِّهِ ﷺ: {وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ} [طه: 114].

وَقَالَ -تَعَالَى- لِنَبِيِّهِ ﷺ: {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (17) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ} [القيامة: 16-18].

وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ.

 

((الْغِشُّ فِي الِامْتِحَانَاتِ))

الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ هُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ صَلَاةً وَسَلَامًا دَائِمَيْنِ مُتَلَازِمَيْنِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

أَمَّا بَعْدُ:

((الْغِشُّ فِي الِامْتِحَانَاتِ سُلُوكٌ سَلْبِيٌّ خَطِيرٌ))

فَعَلَيْنَا أَنْ نَجْتَهِدَ فِي مَعْرِفَةِ الْحَقِّ، وَفِي اتِّبَاعِ الْحَقِّ.

وَمِنْ ذَلِكَ: تَصْحِيحُ كَثِيرٍ مِنَ الْمَفَاهِيمِ الْخَاطِئَةِ فِي حَيَاتِنَا، وَمِنْهَا: التَّهْوِينُ مِنَ الْغِشِّ فِي الِامْتِحَانَاتِ.

فَالْغِشُّ فِي الِامْتِحَانَاتِ يُمَثِّلُ وَاحِدًا مِنْ أَكْثَرِ السُّلُوكِيَّاتِ السَّلْبِيَّةِ انْتِشَارًا فِي الْبِيئَاتِ التَّعْلِيمِيَّةِ عَلَى اخْتِلَافِ مَرَاحِلِهَا.

وَتَكْمُنُ خُطُورَةُ هَذَا السُّلُوكِ فِي كَوْنِهِ لَا يَقْتَصِرُ عَلَى مُجَرَّدِ تَجَاوُزِ اخْتِبَارَاتٍ دِرَاسِيَّةً، بَلْ يُؤَسِّسُ لِمَنْظُومَةٍ فِكْرِيَّةٍ مُشَوَّهَةٍ تَقُومُ عَلَى الْخِدَاعِ، وَانْتِهَاكِ الْأَمَانَةِ، وَتَفْرِيغِ التَّعْلِيمِ مِنْ جَوْهَرِهِ، مِمَّا يُؤَدِّي إِلَى إِضْعَافِ الْبِنْيَةِ الْأَخْلَاقِيَّةِ وَالْمَعْرِفِيَّةِ فِي الْمُجْتَمَعِ.

إِنَّهُ فِي وَقْتِ الشِّدَّةِ وَالْأَزْمَاتِ تَظْهَرُ الْأَخْلَاقُ السَّيِّئَةُ وَالْخِصَالُ الرَّدِيئَةُ مِنْ أَصْحَابِ الطَّمَعِ وَالْجَشَعِ، وَمِنْ تِلْكَ الْأَخْلَاقِ الْغِشُّ.

((أَشْنَعُ الْغِشِّ غِشُّ الْمُسْلِمِينَ فِي دِينِهِمْ))

وَأَكْبَرُ أَنْوَاعِ الْغِشِّ وَأَشْنَعُ صُوَرِهِ: غِشُّ الْمُسْلِمِينَ فِي دِينِهِمْ وَعَقِيدَتِهِمْ؛ فَالنَّصِيحَةُ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ هِيَ الدِّينُ، ((الدِّينُ النَّصِيحَةُ)). كَمَا أَخْرَجَ مُسْلِمٌ فِي ((الصَّحِيحِ)).

قَالَ الْإِمَامُ الْبَرْبَهَارِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ- فِي ((شَرْحِ السُّنَّةِ)):  ((وَلَا يَحِلُّ أَنْ تَكْتُمَ النَّصِيحَةَ لِلْمُسْلِمِينَ بَرَّهُمْ وَفَاجِرَهُمْ فِي أَمْرِ الدِّينِ، فَمَنْ كَتَمَ فَقَدْ غَشَّ الْمُسْلِمِينَ، وَمَنْ غَشَّ الْمُسْلِمِينَ فَقَدْ غَشَّ الدِّينَ، وَمَنْ غَشَّ الدِّينَ فَقَدْ خَانَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ)).  

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: ((مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلَاحَ فَلَيْسَ مِنَّا، وَمَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ: ((مَرَّ علَى صُبْرَةِ طَعامٍ، فأدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا، فَنَالَتْ أَصَابِعُهُ بَلَلًا فَقَالَ: ((مَا هَذَا يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ؟!)).

قَالَ: ((أَصَابَتْهُ السَّمَاءُ يَا رَسُولَ اللهِ)).

قَالَ: ((أَفَلَا جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ؛ كَيْ يَرَاهُ النَّاسُ، مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

وَالصُّبْرَةُ: الْكَوْمَةُ الْمَجْمُوعَةُ مِنَ الطَّعَامِ.

وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: ((لَيْسَ مِنِّي))، وَفِي رِوَايَةٍ: ((لَيْسَ مِنَّا)): الْإِخْبَارُ أَنَّ الْغَاشَّ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ صِفَةِ الْإِيمَانِ؛ فَإِنَّ صِفَتَهُمُ التَّنَاصُحُ فِي الدِّينِ.

 قَالَ الطِّيبِيُّ: ((لَمْ يُرِدْ نَفْيَهُ عَنِ الْإسْلامِ بَلْ نَفْيَ خُلُقِهِ عَنْ أَخْلاقِ الْمُسْلِمينَ)).

((سَعَةُ مَفْهُومِ الْغِشِّ))

فَمَفْهُومُ الْغِشِّ وَاسِعٌ؛ فَلَيْسَ مُقْتَصِرًا عَلَى الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ فَحَسْبُ، بَلِ الْغِشُّ أَعَمُّ وَأَشْمَلُ مِنْ ذَلِكَ.

وَإِنَّهُ كَذَلِكَ لَيَكُونُ فِي الزَّوَاجِ، كَمَا يَكُونُ فِي الِامْتِحَانِ بِإِبْرَازِ الْجَاهِلِ فِي صُورَةِ الْعَالَمِ أَمَامَ الْمُصَحِّحِينَ، وَبِإْبْرَازِ الْمُفْلِسِينَ وَالْمُهْمِلِينَ فِي صُورَةِ الْأَذْكِيَاءِ الْمُجِدِّينَ، كَمَا يَكُونُ الْغِشُّ فِي الْوَظَائِفِ الْعَامَّةِ وَالْأَعْمَالِ الْخَاصَّةِ وَفِي كُلِّ الْمُعَامَلَاتِ بِإِخْفَاءِ الْقُبْحِ وَإِبْرَازِ الْحُسْنِ غَيْرِ الْحَقِيقِيِّ عَلَى سَبِيلِ التَّغْرِيرِ وَالْخِدَاعِ.

وَإِنَّمَا قُرِنَ الْغِشُّ بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ؛ لِأَنَّهُ أَكْثَرُ مَا يَكُونُ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، وَالْمَعْصِيَةُ الْمُتَعَدِّيَةُ أَعْظَمُ عُقُوبَةً وَخَطَرًا مِنَ الْمَعْصِيَةِ الْقَاصِرَةِ.

((مَخَاطِرُ الْغِشِّ فِي الِامْتِحَانَاتِ وَآثَارُهَا السَّلْبِيَّةُ))

وَالْغِشُّ فِي الِامْتِحَانَاتِ يَتَعَدَّى ضَرَرُهُ لِلْغَيْرِ، حَيْثُ يُضْعِفُ مُسْتَوَى التَّعْلِيمِ، وَتَفْقِدُ الشَّهَادَاتُ مِصْدَاقِيَّتَهَا،  وَيَخْرُجُ لِلْمُجْتَمَعِ جَهَلَةٌ يَحْمِلُونَ شَهَادَةَ زُورٍ، وَمِنْ ثَمَّ يُؤَثِّرُ سَلْبًا عَلَى أَدَاءِ الْخِرِّيِجينَ مُسْتَقْبَلًا فِي مَجَالَاتِ الْحَيَاةِ كَافَّةً، بَلْ يُنَافِسُونَ الْفُضَلَاءَ الْمُجِدِّينَ الَّذِينَ أَسْهَرُوا لَيْلَهُمْ، وَقَطَعُوا أَيَّامَهُمْ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ، مِمَّا يُضَيِّعُ فُرَصَهُمْ، وَمِنْ ثُمَّ تَتَعَطَّلُ مَصَالِحُ الْأَوْطَانِ.

((الِامْتِحَانَاتُ أَمَانَةٌ وَحُكْمٌ))

وَقَدْ قَالَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ۚ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا} [النساء: 58].

وَقَالَ تَعَالَى: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} [الأحزاب: 72].

الْأَمَانَةُ: مَسْؤُولِيَّةٌ عَظِيمَةٌ وَعِبْءٌ ثَقِيلٌ أَبَتْ عَنْ حَمْلِهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَالْجِبَالُ، وَلَكِنَّ الْإِنْسَانَ بِمَا أَعْطَاهُ اللهُ مِنْ عَقْلٍ وَتَصَرُّفٍ هُوَ الَّذِي تَحَمَّلَهَا، {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَا} [الأعراف: 172].

وَقَالَ تَعَالَى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} [الروم: 30].

إِنَّ الْأَمَانَةَ الْتِزَامٌ بِالْقِيَامِ بِحَقِّ اللهِ..

الْأَمَانَةُ عِبَادَةُ اللهِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي شَرَعَهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ..

الْتِزَامٌ بِالْقِيَامِ بِحُقُوقِ النَّاسِ مِنْ غَيْرِ تَقْصِيرٍ كَمَا تُحِبُّ أَنْ يَقُومُوا بِحُقُوقِكَ مِنْ غَيْرِ تَقْصِيرٍ.

وَنَحْنُ بَنِي الْإِنْسَانِ قَدْ تَحَمَّلْنَا الْأَمَانَةَ وَحُمِّلَنَاهَا عَلَى عَوَاتِقِنَا، وَالْتَزَمْنَا بِمَسْؤُولِيَّاتِهَا، وَسَنُسْأَلُ عَنْهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَا لَيْتَ شِعْرِي مَا هُوَ الْجَوَابُ؟!!

إِنَّ اللهَ أَمَرَنَا أَنْ نُؤَدِّيَ الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا، وَأَمَرَنَا إِذَا حَكَمْنَا بَيْنَ النَّاسِ أَنْ نَحْكُمَ بِالْعَدْلِ.

وَالِاخْتِبَارَاتُ أَمَانَةٌ وَحُكْمٌ؛ فَهِيَ أَمَانَةٌ حِينَ وَضْعِ الْأَسْئِلَةِ، وَحِينَ الْمُرَاقَبَةِ، وَحِينَ التَّصْحِيحِ.

أَمَانَةٌ حِينَ وَضْعِ الْأَسْئِلَةِ عَلَى وَاضِعِيهَا، أَنْ يُرَاعُوا الْأَمَانَةَ فِيهَا، بِحَيْثُ تَكُونُ عَلَى مُسْتَوَى الطَّلَبَةِ، الْمُسْتَوَى الَّذِي يُبَيِّنُ مَدَى تَحْصِيلِ الطَّالِبِ فِي عَامِ دِرَاسَتِهِ، بِحَيْثُ لَا تَكُونُ سَهْلَةً لَا تَكْشِفُ عَنْ تَحْصِيلٍ، وَلَا صَعْبَةً تُؤَدِّي إِلَى تَعْجِيزٍ.

وَالِاخْتِبَارَاتُ أَمَانَةٌ حِينَ الْمُرَاقَبَةِ؛ فَعَلَى الْمُرَاقِبِ أَنْ يُؤَدِّيَ هَذِهِ الْأَمَانَةَ الَّتِي ائْتَمَنَتْهُ عَلَيْهِ إِدَارَةُ الْمَدْرَسَةِ، وَمَنْ وَرَاءَهَا مِنْ وَزَارَةٍ أَوْ رِئَاسَةٍ، وَمِنْ فَوْقِهَا الدَّوْلَةُ، بَلِ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا الْمُجْتَمَعُ كُلُّهُ.

عَلَى الْمُرَاقِبِ أَنْ يَكُونَ يَقِظًا مُسْتَعْمِلًا حَوَاسَّهُ السَّمْعِيَّةَ وَالْبَصَرِيَّةَ وَالْفِكْرِيَّةَ؛ يَسْمَعُ وَيَنْظُرُ وَيَسْتَنْتِجُ مِنَ الْمَلَامِحِ وَالْإِشَارَاتِ.

عَلَى الْمُرَاقِبِ أَنْ يَكُونَ قَوِيًّا يَمْنَعُ أَيَّ طَالِبٍ مِنَ الْغِشِّ أَوْ مُحَاوَلَةِ الْغِشِّ؛ لِأَنَّ تَمْكِينَ الطَّالِبِ مِنَ الْغِشِّ غِشٌّ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنَّا)).

وَتَمْكِينُ الطَّالِبِ مِنَ الْغِشِّ ظُلْمٌ لِزُمَلَائِهِ الْحَرِيصِينَ عَلَى الْعِلْمِ الْمُخْلِصِينَ فِي طَلَبِهِ الَّذِينَ يَرَوْنَ مِنَ الْعَيْبِ أَنْ يَنَالُوا دَرَجَةَ النَّجَاحِ بِالطُّرُقِ الْمُلْتَوِيَةِ، فَإِذَا مَكَّنَ الْمُرَاقِبُ أَحَدًا مِنَ الْمُهْمِلِينَ مِنَ الْغِشِّ، فَأَخَذَ دَرَجَةَ نَجَاحٍ يَتَقَدَّمُ بِهَا عَلَى الْحَرِيصِينَ الْمُخْلِصِينَ كَانَ ذَلِكَ ظُلْمًا لَهُمْ، وَكَانَ ذَلِكَ ظُلْمًا لِلطَّالِبِ الْغَاشِّ نَفْسِهِ، حَيْثُ انْخَدَعَ بِدَرَجَةِ نَجَاحٍ وَهْمِيَّةٍ وَلَمْ يَحْصُلْ بِهَا وَلَمْ يُحَصِّلْ ثَقَافَةً وَلَا عِلْمًا، لَيْسَ لَهُ مِنْ عِلْمِهِ سِوَى وَرَقَةٍ يَحْمِلُهَا فِي جَيْبِهِ، وَإِذَا بَحَثْتَ مَعَهُ فِي أَدْنَى مَسْألَةٍ مِمَّا دَرَسَهُ لَمْ تَحْصُلْ مِنْهُ عَلَى خَيْرٍ.

وَتَمْكِينُ الطَّالِبِ مِنَ الْغِشِّ خِيَانَةٌ لِإدَارَةِ الْمَدْرَسَةِ، وَلِلْوَزَارَةِ، أَوِ الرِّئَاسَةِ الَّتِي مِنْ وَرَائِهَا خِيَانَةٌ لِلدَّوْلَةِ، وَخِيَانَةٌ لِلْمُجْتَمِعِ كُلِّهِ.

وَتَمْكِينُ الطَّالِبِ أَوْ تَلْقِينُهُ الْجَوَابَ بِتَصْرِيحٍ أَوْ تَلْمِيحٍ ظُلْمٌ لِلْمُجْتَمَعِ كُلِّهِ، حَيْثُ تَكُونُ ثَقَافَتُهُ ثَقَافَةً مُهَلْهَلَةً يَظْهَرُ فَشَلُهَا عِنْدَ دُخُولِ مَيَادِينِ السَّبْقِ، وَنَبْقَى دَائِمًا فِي تَأَخُّرٍ وَحَاجَةٍ إِلَى غَيْرِنَا؛ لِأَنَّ مَنْ نَجَحَ بِطَرِيقِ الْغِشِّ لَا يُمْكِنُ إِذَا رَجَعَ الأَمْرُ إِلَى اخْتِبَارِهِ أَنْ يَدْخُلَ مَجَالَ التَّعْلِيمِ وَالتَّثْقِيفِ؛ لِعِلْمِهِ أَنَّهُ فَاشِلٌ فِيهِ.       

 وَتَمْكِينُ الطَّالِبِ مِنَ الْغِشِّ يَكُونُ خِيَانَةً وَظُلْمًا مِنَ النَّاحِيَةِ الْعِلْمِيَّةِ، وَهُوَ كَذَلِكَ خِيَانَةٌ وَظُلْمٌ مِنَ النَّاحِيَةِ التَّرْبَوِيَّةِ؛ لِأَنَّ الطَّالِبَ يَسْتَهِينُ بِالْغِشِّ وَيَهُونُ عَلَيْهِ، وَيُرَبِّي أَجْيَالَ الْمُسْتَقْبَلِ عَلَى ذَلِكَ، ((وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ)).

إِنَّ عَلَى الْمُرَاقِبِ أَلَّا يُرَاعِيَ شَرِيفًا لِشَرَفِهِ، وَلَا قَرِيبًا لِقَرَابَتِهِ، وَلَا غَنِيًّا لِمَالِهِ، إِنَّ عَلَيْهِ أَنْ يُرَاقِبَ اللهَ -جَلَّ وَعَلَا- الَّذِي يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ، عَلَيْهِ أَنْ يُؤَدِّيَ الْأَمَانَةَ الَّتِي تَحَمَّلَهَا؛ لِأَنَّهُ مَسْؤُولٌ عَنْهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا} [الطلاق: 4].   

وَإِذَا كَانَتِ الِاخْتِبَارَاتُ أَمَانَةً فَهِيَ -أَيْضًا- حُكْمٌ؛ فَالْمُعَلِّمُ الَّذِي يُقَلِّلُ دَرَجَاتِ أَجْوِبَةِ الطَّلَبَةِ، وَيُقَلِّلُ دَرَجَاتِ سُلُوكِهِمْ هُوَ حَاكِمٌ بَيْنَهُمْ؛ لِأَنَّ أَجْوِبَتَهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ بِمَنْزِلَةِ حُجَجِ الْخَصْمَيْنِ بَيْنَ يَدَيِ الْقَاضِي؛ فَإِنَّهُ إِذَا أَعْطَى طَالِبًا دَرَجَاتٍ أَكْثَرَ مِمَّا يَسْتَحِقُّ فَمَعْنَاهُ أَنَّهُ حَكَمَ لَهُ بِالْفَضْلِ عَلَى غَيْرِهِ مَعَ قُصُورِهِ، وَهَذَا جَوْرٌ فِي الْحُكْمِ، وَإِذَا كَانَ لَا يَرْضَى أَنْ يُقَدَّمَ عَلَى وَلَدِهِ مَنْ هُوَ دُونَهُ فَكَيْفَ يَرْضَاهُ لِأَوْلَادِ النَّاسِ!

إِنَّ مِنَ الْأَسَاتِذَةِ مَنْ لَا يَتَّقِ اللهَ فِي تَقْدِيرِ دَرَجَاتِ الطَّلَبَةِ، فَيُعْطِي أَحَدَهُمْ مَا لَا يَسْتَحِقُّ؛ إِمَّا لِأَنَّهُ ابْنُ صَدِيقِهِ، أَوِ ابْنُ شَخْصٍ ذِي شَرَفٍ أَوْ مَالٍ، وَيَمْنَعُ بَعْضَهُمْ مَا يَسْتَحِقُّ؛ إِمَّا لِعَدَاوَةٍ شَخْصِيَّةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الطَّالِبِ، أَوْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِيهِ، أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَسْبَابِ، وَهَذَا كُلُّهُ خِلَافُ الْحُكْمِ بِالْعَدْلِ الَّذِي أَمَرَ اللهُ بِهِ وَرَسُولُهُ، فَإِقَامَةُ الْعَدْلِ وَاجِبَةٌ بِكُلِّ حَالٍ عَلَى مَنْ تُحِبُّ وَعَلَى مَنْ لَا تُحِبُّ، فَمَنِ اسْتَحَقَّ شَيْئًا وَجَبَ إِعْطَاؤُهُ إِيَّاهُ، وَمَنْ لَا يَسْتَحِقًّ شَيْئًا وَجَبَ حِرْمَانُهُ مِنْهُ. 

((أَرْسَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَبْدَ اللهِ بْنَ رَوَاحَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- إِلَى الْيَهُودِ فِي خَيْبَرَ؛ لِيَخْرُصَ عَلَيْهِمُ الثِّمَارَ وَالزُّرُوعَ، وَلِيُضَمِّنَهُمْ مَا لِلْمُسْلِمِينَ مِنْهَا، فَأَرَادَ الْيَهُودُ أَنْ يُعْطُوهُ رِشْوَةً، فَقَالَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ: ((تُطْعِمُونَنِي السُّحْتَ، وَاللهِ! لَقَدْ جِئْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيِّ -يَعْنِي: رَسُولَ اللهِ ﷺ-، وِلَأَنْتُمْ أَبْغَضُ إِلَيَّ مِنْ عَدَدِكُمْ مِنَ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ، وَلَا يَحْمِلُنِي بُغْضِي لَكُمْ وَحُبِّي إِيَّاهُ أَلَّا أَعْدِلَ بَيْنَكُمْ)).

فَقَالُوا: ((بِهَذَا قَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ)).  

((عَاقِبَةُ الْغَاشِّ فِي الِامْتِحَانَاتِ))

إِنَّ الْإِسْلَامَ يُرَبِّي الْإِنْسَانَ عَلَى الْوُضُوحِ وَالصَّفَاءِ، وَالْجِدِّ وَالتَّعَبِ، وَالصِّدْقِ، وَلَا يُرَبِّيهِ عَلَى الْبَطَالَةِ وَالْكَسَلِ وَالِاعْتِمَادِ عَلَى الْغَيْرِ فِي السَّعْيِ وَتَرْكِ الْأَخْذِ بِالْأَسْبَابِ.

بَيْنَمَا الَّذِي يَغُشُّ فِي الِامْتِحَانِ يُوَدُّ النَّجَاحَ وَالتَّفَوُّقَ وَالْوُصُولَ إِلَى الْقِمَّةِ عَلَى حِسَابِ الْآخَرِينَ؛ فَهُوَ لَمْ يَطْلُبِ الْعِلْمَ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللهِ، وَلِذَا كَانَ جَزَاؤُهُ مِنْ جِنْسِ عَمَلِهِ، فَهُوَ مَحْرُومُ التَّوْفِيقِ، مَحْرُومُ الْمَدَدِ وَالْعَوْنِ، وَيُبْتَلَى بِمَحْقِ الْبَرَكَةِ فِي حَيَاتِهِ، بَلْ مَا يَتَحَصَّلُ عَلَيْهِ مِنْ وَظِيفَةٍ أَوْ مَالٍ يُعَدُّ أَكْلًا لِلْحَرَامِ، فَضْلًا عَمَّا يَنْتَظِرُهُ فِي الْآخِرَةِ؛ فَعَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: ((مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ لِيُجَارِيَ بِهِ الْعُلَمَاءَ، أَوْ لِيُمَارِيَ بِهِ السُّفَهَاءَ، أَوْ يَصْرِفَ بِهِ وُجُوهَ النَّاسِ إِلَيْهِ؛ أَدْخَلَهُ اللهُ النَّارَ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَه، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ.

وَصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ أَجمَعِينَ.

المصدر: قِيمَةُ الْوَقْتِ وَالْغِشُّ فِي الِامْتِحَانَاتِ

التعليقات


خطب مفرغة قد تعجبك


  مَا صَحَّ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ
  الدَّعْوَةُ إِلَى اللهِ سَفِينَةُ النَّجَاةِ
  الرد على الملحدين:الأدلة على وجود الله عز وجل 1
  خُطُورَةُ الْمُخَدِّرَاتِ وَالْإِدْمَانِ عَلَى الْفَرْدِ وَالْمُجْتَمَعِ
  مُوَاجَهَةُ الْفَسَادِ.. مَسْؤُولِيَّةٌ دِينِيَّةٌ وَوَطَنِيَّةٌ وَمُجْتَمَعِيَّةٌ
  من آفات اللسان: الكلام فيما لا يعني
  تَضَرُّعٌ وَمُنَاجَاةٌ
  مع سيد قطب رحمه الله
  زكاة الحبوب والثمار
  الْأَوْطَانُ لَيْسَتْ حَفْنَةً مِنْ تُرَابٍ
  • شارك

نبذة عن الموقع

موقع تفريغات العلامة رسلان ، موقع يحتوي على العشرات من الخطب والمحاضرات والمقاطع المفرغة لفضيلة الشيخ العلامة أبي عبدالله محمد بن سعيد رسلان-حفظه الله- . كما يعلن القائمون على صفحة وموقع تفريغات العلامة رسلان -حفظه الله- أن التفريغات للخطب ليست هي الشكل النهائي عند الطباعة، ولكن نحن نفرغ خطب الشيخ حفظه الله ونجتهد في نشرها ليستفيد منها طلاب العلم والدعاة على منهاج النبوة في كل أنحاء الدنيا، ونؤكد على أنَّ الخطب غير مُخرَّجة بشكل كامل كما يحدث في خطب الشيخ العلامة رسلان المطبوعة وليست الكتب المنشورة على الصفحة والموقع هي النسخة النهائية لكتب الشيخ التي تُطبع...وهذه الكتب ما هي إلا تفريغ لخطب الشيخ، غير أنَّ كتب الشيخ التي تُطبع تُراجع من الشيخ -حفظه الله- وتُخرج. والتفريغ عملٌ بشريٌ، ونحن نجتهد في مراجعة التفريغات مراجعة جيدة، فإذا وقع خطأ أو شكل الخطب كما نخرجها -إنما نُحاسب نحن عليها والخطأ يُنسب لنا وليس للشيخ -حفظه الله-.

الحقوق محفوظة لكل مسلم موقع تفريغات العلامة رسلان