أَعْمَالُ وَفَضَائِلُ الْعَشْرِ الْأُوَلِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ

أَعْمَالُ وَفَضَائِلُ الْعَشْرِ الْأُوَلِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ

((أَعْمَالُ وَفَضَائِلُ الْعَشْرِ الْأُوَلِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ))

الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ هُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ صَلَاةً وَسَلَامًا دَائِمَيْنِ مُتَلَازِمَيْنِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

أَمَّا بَعْدُ:

((عَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ مَوْسِمٌ عَظِيمٌ مِنْ مَوَاسِمِ الطَّاعَاتِ))

فَقَدْ فَاضَلَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- بَيْنَ مَخْلُوقَاتِهِ، وَرَفَعَ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ دَرَجَاتٍ؛ فَفَضَّلَ بَعْضَ الْأَيَّامِ وَالشُّهُورِ عَلَى بَعْضٍ، فَجَعَلَ الْأَيَّامَ الْعَشْرَ الْأُوَلَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ أَفْضَلَ أَيَّامِ الدُّنْيَا، وَجَعَلَ أَفْضَلَهَا يَوْمَ النَّحْرِ، وَجَعَلَ أَفْضَلَ أَيَّامِ الْأُسْبُوعِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَأَفْضَلَ اللَّيَالِي لَيَالِيَ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، وَأَفْضَلُهَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ.

وَللهِ فِي أَيَّامِ الدَّهْرِ نَفَحَاتٌ وَهِبَاتٌ يَمْتَنُّ بِهَا عَلَى عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ، وَمِنْهَا: الْعَشْرُ الْأُوَلُ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ؛ فَهِيَ مَوْسِمٌ عَظِيمٌ مِنْ مَوَاسِمِ الطَّاعَاتِ يَتَرَقَّبُهُ الْمُؤْمِنُونَ، وَيَشْتَاقُ إِلَيْهِ عِبَادُ اللهِ الْمُوَحِّدُونَ؛ رَفْعًا لِلدَّرَجَاتِ، وَسَدًّا لِلْخَلَلِ، وَاسْتِدْرَاكًا لِلنَّقْصِ، وَتَعْوِيضًا لِمَا فَاتَ؛ فَلْنَجْتَهِدْ فِيهَا، وَلْنَلْتَمِسْ رَحَمَاتِ رَبِّ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتِ.

 

((الْعَشْرُ الْأُوَلُ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ أَفْضَلُ أَيَّامِ الدُّنْيَا))

الْعَشْرُ الْأُوَلُ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ أَفْضَلُ أَيَّامِ الدُّنْيَا عَلَى الْإِطْلَاقِ؛ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنْهُ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ الْعَشْرِ)).

قَالُوا: ((وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ؟)).

قَالَ: ((وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ؛ إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ وَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ)). أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَه، وَأَحْمَدُ.

وَفِي رِوَايَةٍ: ((مَا الْعَمَلُ فِي أَيَّامٍ أَفْضَلُ)).

وَفِي رِوَايَةٍ: ((أَرْجَى)).

وَفِي رِوَايَةٍ: ((أَزْكَى)).

وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى فَضْلِ أَيَّامِ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ عَلَى غَيْرِهَا مِنْ أَيَّامِ السَّنَةِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ شَهِدَ بِأَنَّهَا أَفْضَلُ أَيَّامِ الدُّنْيَا، وَلِأَنَّهُ حَثَّ عَلَى الْعَمَلِ الصَّالِحِ فِيهَا.

وَفِيهِ: دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ كُلَّ عَمَلٍ صَالِحٍ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ فَهُوَ أَحَبُّ إِلَى اللهِ -تَعَالَى- مِنْهُ فِي غَيْرِهَا.

وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى فَضْلِ الْعَمَلِ الصَّالِحِ فِيهَا وَكَثْرَةِ ثَوَابِهِ، وَأَنَّ جَمِيعَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ تُضَاعَفُ فِي الْعَشْرِ مِنْ غَيْرِ اسْتِثْنَاءِ شَيْءٍ مِنْهَا.

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((مَا مِنْ عَمَلٍ أَزْكَى عِنْدَ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ- وَلَا أَعْظَمُ أَجْرًا مِنْ خَيْرٍ يَعْمَلُهُ فِي عَشْرِ الْأَضْحَى)).

قِيلَ: ((وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ؟)).

قَالَ: ((وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ-؛ إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ)). رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ.

((نِعْمَةُ إِدْرَاكِ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ وَالِاجْتِهَادُ فِي الطَّاعَاتِ))

إِنَّ إِدْرَاكَ هَذِهِ الْعَشْرِ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ مِنْ نِعَمِ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا- عَلَى عَبْدِهِ؛ لِأَنَّهُ يُدْرِكُ مَوْسِمًا مِنْ مَوَاسِمِ الطَّاعَةِ الَّتِي تَكُونُ عَوْنًا لِلْمُسْلِمِ -بِتَوْفِيقِ اللهِ- عَلَى تَحْصِيلِ الثَّوَابِ، وَاغْتِنَامِ الْأَجْرِ.

فَعَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَسْتَشْعِرَ هَذِهِ النِّعْمَةَ، وَيَسْتَحْضِرَ عِظَمَ أَجْرِ الْعَمَلِ فِيهَا، وَيَغْتَنِمَ الْأَوْقَاتَ، وَأَنْ يُظْهِرَ لِهَذِهِ الْعَشْرِ مَزِيَّةً عَلَى غَيْرِهَا مِنْ مَزِيدِ الطَّاعَاتِ.

وَهَذَا شَأْنُ سَلَفِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، كَمَا قَالَ أَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((كَانُوا يُعَظِّمُونَ ثَلَاثَ عَشَرَاتٍ: الْعَشْرَ الْأَخِيرَ مِنْ رَمَضَانَ، وَالْعَشْرَ الْأَوَّلَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَالْعَشْرَ الْأَوَّلَ مِنَ الْمُحَرَّمِ)).

((وَكَانَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ اجْتَهَدَ اجْتِهَادًا شَدِيدًا؛ حَتَّى مَا يَكَادُ يَقْدِرُ عَلَيْهِ)).

فَاتَّقُوا اللهَ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى إِنْعَامِهِ عَلَيْكُمْ بِمَوَاسِمِ الْخَيْرِ وَالطَّاعَاتِ، وَاغْتَنِمُوهَا بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ وَاجْتِنَابِ الْمَعْصِيَاتِ؛ فَإِنَّمَا عُمُرُ الْعَبْدِ مَا بَذَلَهُ فِي صَالِحِ الْأَعْمَالِ، وَتَقَرَّبَ فِيهِ إِلَى ذِي الْكَرَمِ وَالْجَلَالِ؛ أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ تَمْضِي اللَّيَالِي وَالْأَيَّامُ حَتَّى يَأْتِيَ الْإِنْسَانَ أَجَلُهُ؟! فَحِينَئِذٍ يَنْدَمُ حِينَ لَا يَنْفَعُ النَّدَمُ وَالْإِهْمَالُ.

فَاغْتَنِمُوا -رَحِمَكُمُ اللهُ- هَذِهِ الْأَيَّامَ الْمَعْلُومَاتِ الَّتِي أَقْسَمَ اللهُ بِهَا فِي مُحْكَمِ الْآيَاتِ، وَتَمَيَّزَتْ بِفَضْلِ الطَّاعَاتِ فِيهَا عَلَى جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ، كَمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-: ((مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ)) يَعْنِي: الْعَشْرَ.

قَالُوا: ((يَا رَسُولَ اللهِ! وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ)).

قَالَ: ((وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ؛ إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، ثُمَّ لَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ)).

وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ((مَا مِنْ أَيَّامٍ أَعْظَمُ عِنْدَ اللهِ وَلَا أَحَبُّ إِلَيْهِ الْعَمَلُ فِيهِنَّ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ الْعَشْرِ؛ فَأَكْثِرُوا فِيهِنَّ مِنَ التَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ وَالتَّحْمِيدِ)). أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ.

فَأَكْثِرُوا فِيهِنَّ مِنْ قَوْل: ((اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، وَللهِ الْحَمْدُ)).

أَكْثِرُوا مِنْ هَذَا الذِّكْرِ فِي الْبُيُوتِ وَالْأَسْوَاقِ وَالطُّرُقَاتِ، وَارْفَعُوا بِذَلِكَ أَصْوَاتَكُمْ؛ تَعْظِيمًا للهِ، وَإِظْهَارًا لِلشَّعَائِرِ، وَلِتَشْهَدَ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا سَمِعَتْ يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ.

وَأَكْثِرُوا فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ مِنَ الصَّدَقَةِ، وَالْمَعْرُوفِ، وَالْإِحْسَانِ، وَفِعْلِ الطَّاعَاتِ كُلِّهَا؛ مِنَ الصَّلَاةِ، وَالصِّيَامِ، وَتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ.

فَهَذِهِ أَوْقَاتُ مُضَاعَفَةِ الْحَسَنَاتِ!

وَهَذِهِ أَوْقَاتُ إِجَابَةِ الدَّعَوَاتِ!

هَذِهِ أَوْقَاتُ الْفَضَائِلِ الْإِلَهِيَّةِ وَالنَّفَحَاتِ!

هَذِهِ أَوْقَاتُ الِاسْتِقَامَةِ مِنَ الْخَطَايَا وَالسَّيِّئَاتِ!

هَذِهِ أَيَّامُ الِاعْتِبَارِ، وَرَفْعِ الْحَوَائِجِ إِلَى اللهِ وَالشِّكَايَاتِ!

هَذِهِ أَيَّامُ ازْدِحَامِ الْوَافِدِينَ إِلَى بَيْتِ اللهِ مِنْ جَمِيعِ الْجِهَاتِ، يَسْلُكُونَ الطُّرُقَ جَوًّا وَبَرًّا وَبَحْرًا لِلْوُصُولِ إِلَى تِلْكَ الْمَشَاعِرِ الْمُعَظَّمَاتِ!

هَذِهِ أَيَّامُ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ، وَضَجِيجِ الْأَصْوَاتِ بِالدَّعَوَاتِ!

هَذِهِ مَوَاسِمُ الْأَرْبَاحِ لِذَوِي الْهِمَمِ الْعَالِيَةِ وَالتِّجَارَاتِ!

فَخُذُوا -رَحِمَكُمُ اللهُ تَعَالَى- مِنْ فَضَائِلِهَا بِحَظٍّ وَافِرٍ، وَإِيَّاكُمْ وَالتَّفْرِيطَ وَالْإِهْمَالَ؛ فَالْمُفَرِّطُ خَاسِرٌ!

((سُنَّةُ التَّكْبِيرِ فِي الْعَشْرِ وَأَيَّامِ الْعِيدِ))

((كَانَ ابْنُ عُمَرَ وَأَبُو هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- يَخْرُجَانِ إِلَى السُّوقِ فِي أَيَّامِ الْعَشْرِ يُكَبِّرَانِ، وَيُكَبِّرُ النَّاسُ بِتَكْبِيرِهِمَا)).

يَقُولُ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((أَدْرَكْتُ النَّاسَ وَإِنَّهُمْ لَيُكَبِّرُونَ فِي الْعَشْرِ حَتَّى كُنْتُ أُشَبِّهُهُ بِالْأَمْوَاجِ مِنْ كَثْرَتِهَا)).

وَالتَّكْبِيرُ نَوْعَانِ: مُطْلَقٌ، وَمُقَيَّدٌ.

* أَمَّا التَّكْبِيرُ الْمُطْلَقُ: فَيَكُونُ فِي جَمِيعِ أَيَّامِ الْعَشْرِ، وَيَنْتَهِي مَعَ آخِرِ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَيَكُونُ التَّكْبِيرُ الْمُطْلَقُ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ وَالْأَحْوَالِ وَالْأَمَاكِنِ، وَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ يَجُوزُ فِيهِ ذِكْرُ اللهِ -تَعَالَى-، يَجْهَرُ بِذَلِكَ الْمُسْلِمُ وَيَرْفَعُ بِهِ صَوْتَهُ، قَالَ تَعَالَى: {وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ} [الحج: 28].

* وَالتَّكْبِيرُ الْمُقَيَّدُ بِأَدْبَارِ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ يَبْدَأُ مِنْ فَجْرِ يَوْمِ عَرَفَةَ لِغَيْرِ الْحَاجِّ، وَأَمَّا لِلْحُجَّاجِ فَمِنْ ظُهْرِ يَوْمِ النَّحْرِ، وَيَنْتَهِي بَعْدَ عَصْرِ ثَالِثِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ.

وَالْعُمْدَةُ فِي تَوْقِيتِ التَّكْبِيرِ الْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ: مَا وَرَدَ مِنْ آثَارٍ مُتَنَوِّعَةٍ عَنْ صَحَابَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَالسَّلَفِ.

وَمِنْ أَشْهَرِ صِيَغِ التَّكْبِيرِ الْوَارِدَةِ فِي الْآثَارِ: ((اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، وَللهِ الْحَمْدُ)).

وَالْأَمْرُ فِي هَذَا وَاسِعٌ.

((فَضْلُ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ فِي الْعَشْرِ وَمُضَاعَفَةُ ثَوَابِهَا))

فَرَائِضُ الْأَعْمَالِ فِي هَذِهِ الْعَشْرِ أَفْضَلُ مِنَ الْفَرَائِضِ فِي غَيْرِهَا، وَمُضَاعَفَتُهَا أَكْثَرُ، وَالنَّوَافِلُ فِيهَا أَفْضَلُ مِنَ النَّوَافِلِ فِي غَيْرِهَا؛ لَكِنَّ نَوَافِلَ الْعَشْرِ لَيْسَتْ أَفْضَلَ مِنْ فَرَائِضِ غَيْرِهَا، فَالصَّلَاةُ فِي هَذِهِ الْعَشْرِ أَفْضَلُ مِنَ الصَّلَاةِ فِي سَائِرِ السَّنَةِ، وَكَذَا الصَّوْمُ، وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ، وَالذِّكْرُ، وَالدُّعَاءُ وَالتَّضَرُّعُ إِلَى اللهِ، وَبِرُّ الْوَالِدَيْنِ، وَصِلَةُ الرَّحِمِ، وَقَضَاءُ حَوَائِجِ النَّاسِ، وَزِيَارَةُ الْمَرْضَى، وَاتِّبَاعُ الْجَنَائِزِ، وَالْإِحْسَانُ إِلَى الْجَارِ، وَإِطْعَامُ الطَّعَامِ، وَالْأَعْمَالُ الَّتِي يَتَعَدَّى نَفْعُهَا، وَهَكَذَا.

وَفَضْلُ الْعَشْرِ وَالْعَمَلِ فِيهَا يَعُمُّ النَّهَارَ وَاللَّيْلَ؛ لَكِنَّ لَيَالِيَ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ أَفْضَلُ مِنْ لَيَالِي عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ؛ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى لَيْلَةِ الْقَدْرِ.

وَأَيَّامُ الْعَشْرِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ أَفْضَلُ؛ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى يَوْمِ النَّحْرِ، وَيَوْمِ عَرَفَةَ، وَيَوْمِ التَّرْوِيَةِ، وَيَوْمُ النَّحْرِ أَفْضَلُ أَيَّامِ الْعَامِ.

وَتَجْتَمِعُ فِي هَذِهِ الْعَشْرِ أَنْوَاعٌ مِنَ الْعِبَادَاتِ الْعَظِيمَةِ لَا تَجْتَمِعُ فِي غَيْرِهَا، وَهِيَ الْحَجُّ، وَالْأُضْحِيَةُ، بِالْإِضَافَةِ إِلَى الصَّلَاةِ، وَالصِّيَامِ، وَالصَّدَقَةِ.

((فَضَائِلُ الْعَشْرِ الْأُوَلِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ وَدَلَائِلُهَا))

* مِنْ فَضْلِ الْعَشْرِ: أَنَّ اللهَ أَقْسَمَ بِلَيَالِيهَا الْفَاضِلَةِ، قَالَ تَعَالَى: {وَالْفَجْرِ (1) وَلَيَالٍ عَشْرٍ} [الفجر: 1-2].

((وَاللَّيَالِي الْعَشْرُ: هِيَ عَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ فِي قَوْلِ جُمْهُورِ الْمُفَسِّرِينَ مِنَ السَّلَفِ وَغَيْرِهِمْ)).

* وَمِنْ فَضْلِ الْعَشْرِ: أَنَّهَا الْأَيَّامُ الْمَعْلُومَاتُ الْمُبَارَكَاتُ الَّتِي شَرَعَ اللهُ -تَعَالَى- ذِكْرَهُ فِيهَا عَلَى مَا رَزَقَ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ، كَمَا قَالَ: {لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ} [الحج: 28].

وَالْأَيَّامُ الْمَعْلُومَاتُ: هِيَ أَيَّامُ الْعَشْرِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ وَأَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ.

وَهَذِهِ الْعَشْرُ هِيَ خَاتِمَةُ الْأَشْهُرِ الْمَعْلُومَاتِ -أَشْهُرِ الْحَجِّ-، الَّتِي قَالَ -تَعَالَى- فِيهَا: (({الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ} [البقرة: 197]، وَهِيَ شَوَّالٌ، وَذُو الْقِعْدَةِ، وَعَشْرٌ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، كَمَا رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ؛ كَعُمَرَ وَابْنِهِ عَبْدِ اللهِ، وَعَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ، وَغَيْرِهِمْ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ التَّابِعِينَ)).

* وَمِنْ فَضَائِلِ الْعَشْرِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَرَ بِكَثْرَةِ ذِكْرِ اللهِ -تَعَالَى- فِيهَا؛ مِنَ التَّسْبِيحِ، وَالتَّحْمِيدِ، وَالتَّهْلِيلِ، وَالتَّكْبِيرِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ((مَا مِنْ أَيَّامٍ أَعْظَمُ عِنْدَ اللهِ وَلَا أَحَبُّ إِلَيْهِ الْعَمَلُ فِيهِنَّ مِنْ أَيَّامِ الْعَشْرِ؛ فَأَكْثِرُوا فِيهِنَّ مِنَ التَّهْلِيلِ وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّسْبِيحِ وَالتَّكْبِيرِ)). أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ.

((كَانَ ابْنُ عُمَرَ وَأَبُو هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- يَخْرُجَانِ إِلَى السُّوقِ فِي أَيَّامِ الْعَشْرِ يُكَبِّرَانِ، وَيُكَبِّرُ النَّاسُ بِتَكْبِيرِهِمَا)).

* وَفِي الْعَشْرِ الْمُبَارَكَةِ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ، وَيَوْمُ مُزْدَلِفَةَ، وَيَوْمُ عَرَفَةَ الَّذِي أَنْزَلَ اللهُ فِيهِ قَوْلَهُ: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3]، وَهُوَ الْيَوْمُ الَّذِي أَقْسَمَ بِهِ رَبُّنَا -جَلَّ وَعَلَا- مَعَ يَوْمِ النَّحْرِ، فَقَالَ: {وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ} [الفجر: 3]: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-: ((الْوَتْرُ: يَوْمُ عَرَفَةَ، وَالشَّفْعُ: يَوْمُ الذَّبْحِ)).

عَنْ عَائِشَةَ (ض1) قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَإِنَّهُ لَيَدْنُو ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمُ الْمَلَائِكَةَ فَيَقُولُ: مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ؟)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

وَلَمَّا سُئِلَ الرَّسُولُ ﷺ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ قَالَ: ((يُكَفِّرُ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ وَالْبَاقِيَةَ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

فَمِنْ فَضْلِ الْعَشْرِ: أَنَّ فِيهَا يَوْمَ عَرَفَةَ الَّذِي أَكْمَلَ اللهُ -تَعَالَى- فِيهِ الدِّينَ، وَأَتَمَّ النِّعْمَةَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3].

وَصَوْمُ يَوْمِ عَرَفَةَ لِغَيْرِ الْحَاجِّ سُنَّةٌ نَبَوِيَّةٌ وَغَنِيمَةٌ كُبْرَى؛ فَهُوَ يُكَفِّرُ ذُنُوبَ سَنَتَيْنِ؛ فَاحْرِصْ أَنْ تَغْرُبَ سَيِّئَاتُكَ يَوْمَ عَرَفَةَ مَعَ غُرُوبِ شَمْسِهِ!

عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: ((أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ)).

فَقَالَ: ((يُكَفِّرُ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ وَالْبَاقِيَةَ)).

الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى فَضْلِ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَجَزِيلِ ثَوَابِهِ عِنْدَ اللهِ؛ حَيْثُ إِنَّ صِيَامَهُ يُكَفِّرُ ذُنُوبَ سَنَتَيْنِ، وَإِنَّمَا يُسْتَحَبُّ صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ لِأَهْلِ الْأَمْصَارِ، أَمَّا الْحَاجُّ فَلَا يُسَنُّ لَهُ صِيَامُهُ، بَلْ يُفْطِرُ تَأَسِّيًا بِالنَّبِيِّ ﷺ.

فَعَلَى الْمُسْلِمِ الْمُقِيمِ غَيْرِ الْحَاجِّ أَنْ يَحْرِصَ عَلَى صِيَامِ هَذَا الْيَوْمِ الْعَظِيمِ؛ اغْتِنَامًا لِلْأَجْرِ، وَإِذَا وَافَقَ يَوْمُ عَرَفَةَ يَوْمَ جُمُعَةٍ فَإِنَّهُ يُصَامُ، وَأَمَّا مَا وَرَدَ مِنَ النَّهْيِ عَنْ إِفْرَادِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فِي الصَّوْمِ فَإِنَّمَا هُوَ لِذَاتِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، وَأَمَّا يَوْمُ عَرَفَةَ فَإِنَّمَا يُصَامُ لِهَذَا الْمَعْنَى؛ وَافَقَ الْجُمُعَةَ أَمْ لَمْ يُوَافِقْهَا، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْجُمُعَةَ غَيْرُ مَقْصُودَةٍ.

وَالذُّنُوبُ الَّتِي تُكَفَّرُ بِصِيَامِ يَوْمِ عَرَفَةَ هِيَ الصَّغَائِرُ، وَأَمَّا الْكَبَائِرُ كَالزِّنَا، وَأَكْلِ الرِّبَا، وَالسِّحْرِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ؛ فَلَا تُكَفِّرُهَا الْأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ، بَلْ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ تَوْبَةٍ، أَوْ إِقَامَةِ الْحَدِّ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَدٌّ، وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ.

عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَحْرِصَ عَلَى الدُّعَاءِ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ؛ اغْتِنَامًا لِفَضْلِهِ، وَرَجَاءً لِلْإِجَابَةِ؛ فَإِنَّ دُعَاءَ الصَّائِمِ مُسْتَجَابٌ، وَإِذَا دَعَا عِنْدَ الْإِفْطَارِ فَمَا أَقْرَبَ الْإِجَابَةَ، وَمَا أَحْرَى الْقَبُولَ!

* مِنْ فَضْلِ الْعَشْرِ: أَنَّ فِيهَا يَوْمَ النَّحْرِ، وَهُوَ يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ، وَهُوَ أَعْظَمُ الْأَيَّامِ عِنْدَ اللهِ -تَعَالَى- كَمَا فِي الْحَدِيثِ: ((إِنَّ أَعْظَمَ الْأَيَّامِ عِنْدَ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- يَوْمُ النَّحْرِ، ثُمَّ يَوْمُ الْقَرِّ)). أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ.

وَيَوْمُ الْقَرِّ هُوَ الْيَوْمُ الَّذِي يَلِي يَوْمَ النَّحْرِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّ النَّاسَ يَقَرُّونَ فِيهِ بِمِنَى بَعْدَ أَنْ فَرَغُوا مِنْ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ وَالنَّحْرِ وَاسْتَرَاحُوا.

((فَضْلُ الْعَمَلِ الصَّالِحِ وَالصِّيَامِ فِي عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ))

الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِي هَذِهِ الْعَشْرِ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهِ؛ لِشَرَفِ الزَّمَانِ بِالنِّسْبَةِ لِأَهْلِ الْأَمْصَارِ، وَشَرَفِ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ لِحُجَّاجِ بَيْتِ اللهِ الْحَرَامِ.

يُسْتَحَبُّ صِيَامُ تِسْعِ ذِي الْحِجَّةِ أَوْ مَا تَيَسَّرَ مِنْهَا، وَقَدْ جَاءَ صَوْمُهَا فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ، وَثَبَتَتْ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ.

وَالصِّيَامُ كَفَّارَةٌ لِلْخَطِيئَاتِ، وَجُنَّةٌ مِنَ النَّارِ وَالسَّيِّئَاتِ؛ ((مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللهِ بَاعَدَ اللهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

((عَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ بِدَايَةٌ جَدِيدَةٌ لِعَهْدٍ مَعَ اللهِ))

مَنْ عَرَفَ مَا يَطْلُبُ هَانَ عَلَيْهِ مَا يَبْذُلُ!

((أَلَا إِنَّ سِلْعَةَ اللهِ غَالِيَةٌ، أَلَا إِنَّ سِلْعَةَ اللهِ الْجَنَّةُ))؛ فَلْنُبَادِرْ إِلَى الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، وَلْنَتُبْ إِلَى اللهِ -تَعَالَى- تَوْبَةً نَصُوحًا-؛ بِتَرْكِ الذُّنُوبِ وَالسَّيِّئَاتِ وَالْإِقْلَاعِ عَنْهَا، وَالنَّدَمِ عَلَيْهَا، وَالْعَزْمِ عَلَى عَدَمِ الْعَوْدَةِ، مَعَ رَدِّ الْمَظَالِمِ إِلَى أَهْلِهَا إِنْ كَانَ الذَّنْبُ مُتَعَلِّقًا بِآدَمِيٍّ.

وَلْنَجْعَلْ هَذِهِ الْعَشْرَ بِدَايَةً جَدِيدَةً لِعَهْدٍ مَعَ اللهِ، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} [التحريم: 8].

وَصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ أَجمَعِينَ.

***

 

الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ

الْحَمْدُ للهِ وَحْدَهُ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ.

أَمَّا بَعْدُ:

((فَضْلُ الْأُضْحِيَةِ وَأَحْكَامُهَا))

فَاتَّقُوا اللهَ -تَعَالَى-، وَتَقَرَّبُوا إِلَيْهِ بِذَبْحِ الْأَضَاحِي؛ فَإِنَّهُ سُنَّةُ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ وَنَبِيِّكُمْ مُحَمَّدٍ -عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-، فَمُنْذُ هَاجَرَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ وَهُوَ يُضَحِّي حَتَّى مَاتَ، وَكَانَ يُضَحِّي عَنْ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ.

فَضَحُّوا -أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ- عَنْ أَنْفُسِكُمْ وَعَنْ أَهْلِيكُمْ؛ تَعَبُّدًا للهِ -تَعَالَى-، وَاتِّبَاعًا لِسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ.

وَالْوَاحِدَةُ تَكْفِي الرَّجُلَ وَأَهْلَ بَيْتِهِ الْأَحْيَاءَ وَالْأَمْوَاتَ -وَفَضْلُ اللهِ وَاسِعٌ-.

وَلَا تَحْرِمُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ الْأُضْحِيَةِ بِجَعْلِهَا لِغَيْرِكُمْ؛ فَإِنَّ بَعْضَ النَّاسِ يُضَحِّي مِنْ عِنْدِهِ، وَيَجْعَلُ ثَوَابَهَا لِلْمَيِّتِينَ مِنْ أَقَارِبِهِ، وَيَحْرِمُ نَفْسَهُ وَالْأَحْيَاءَ مِنْ أَهْلِهِ مِنْ ثَوَابِهَا، وَهَذَا حِرْمَانٌ وَقُصُورُ نَظَرٍ؛ فَإِنَّ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ ﷺ أُسْوَةً حَسَنَةً، وَقَدْ كَانَ يُضَحِّي عَنْهُ وَعَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ.

وَالْأُضْحِيَةُ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ؛ إِمَّا مِنَ الْإِبِلِ، أَوِ الْبَقَرِ، أَوِ الضَّأْنِ، أَوِ الْمَعْزِ، عَلَى اخْتِلَافِ أَصْنَافِهَا.

وَلَا تُجْزِئُ الْأُضْحِيَةُ إِلَّا بِشَرْطَيْنِ:

الْأَوَّلُ: أَنْ تَبْلُغَ السِّنَّ الْمُعْتَبَرَ شَرْعًا.

وَالثَّانِي: أَنْ تَكُونَ سَلِيمَةً مِنَ الْعُيُوبِ الَّتِي تَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ.

فَأَمَّا السِّنُّ: فَفِي الْإِبِلِ خَمْسُ سِنِينَ، وَفِي الْبَقَرِ سَنَتَانِ، وَفِي الْمَعْزِ سَنَةٌ، وَفِي الضَّأْنِ نِصْفُ سَنَةٍ.

أَمَّا الْعُيُوبُ الَّتِي تَمْنَعُ مِنَ الْإِجْزَاءِ؛ فَقَدْ بَيَّنَهَا النَّبِيُّ ﷺ حَيْثُ قَالَ: ((أَرْبَعٌ لَا تَجُوزُ فِي الْأَضَاحِيِّ: الْعَرْجَاءُ الْبَيِّنُ ظَلْعُهَا، وَالْعَوْرَاءُ الْبَيِّنُ عَوَرُهَا، وَالْمَرِيضَةُ الْبَيِّنُ مَرَضُهَا، وَالْعَجْفَاءُ الَّتِي لَا تُنْقِي)).

فَالْعَرَجُ الْبَيِّنُ: هُوَ الَّذِي لَا تَسْتَطِيعُ الْبَهِيمَةُ مَعَهُ مُعَانَقَةَ وَمُصَاحَبَةَ الصَّحِيحَاتِ.

وَالْعَوَرُ الْبَيِّنُ: هُوَ الَّذِي تَبْرُزُ مَعَهُ الْعَيْنُ أَوْ تَنْخَسِفُ، فَأَمَّا إِذَا كَانَتْ لَا تُبْصِرُ بِهَا وَلَكِنْ لَا يَتَبَيَّنُ الْعَوَرُ فِيهَا فَإِنَّهَا تُجْزِئُ؛ وَلَكِنَّهَا تُكْرَهُ.

وَالْمَرَضُ الْبَيِّنُ: هُوَ الَّذِي يَظْهَرُ أَثَرُهُ عَلَى الْبَهِيمَةِ؛ إِمَّا فِي أَكْلِهَا، وَإِمَّا فِي مَشْيِهَا، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَحْوَالِهَا.

وَمِنَ الْأَمْرَاضِ الْبَيِّنَةِ: الْجَرَبُ؛ سَوَاءٌ كَانَ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا، فَأَمَّا الْمَرَضُ الْيَسِيرُ الَّذِي لَا يَظْهَرُ أَثَرُهُ عَلَى الْبَهِيمَةِ فَإِنَّهُ لَا يَمْنَعُ؛ وَلَكِنَّ السَّلَامَةَ مِنْهُ أَفْضَلُ.

وَالْعَجَفُ: الْهُزَالُ، فَإِذَا كَانَتِ الْبَهِيمَةُ هَزِيلَةً لَيْسَ فِي عِظَامِهَا مُخٌّ فَإِنَّهَا لَا تُجْزِئُ فِي الْأُضْحِيَةِ.

فَهَذِهِ هِيَ الْعُيُوبُ الَّتِي تَمْنَعُ مِنَ الْإِجْزَاءِ.

وَهُنَاكَ عُيُوبٌ أُخْرَى لَا تَمْنَعُ مِنَ الْإِجْزَاءِ؛ لَكِنَّهَا تُوجِبُ الْكَرَاهَةَ؛ كَقَطْعِ الْأُذُنِ وَشَقِّهَا، وَكَسْرِ الْقَرْنِ، أَوْ سُقُوطِ الثَّنَايَا أَوْ غَيْرِهَا مِنَ الْأَسْنَانِ، فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّ؛ لَكِنْ كُلَّمَا كَانَتِ الْأُضْحِيَةُ أَكْمَلَ فِي ذَاتِهَا وَصِفَاتِهَا فَهِيَ أَفْضَلُ.

وَالْخَصِيُّ وَالْفَحْلُ سَوَاءٌ، كِلَاهُمَا قَدْ ضَحَّى بِهِ النَّبِيُّ ﷺ؛ لَكِنْ إِنْ تَمَيَّزَ أَحَدُهُمَا بِطِيبِ لَحْمٍ أَوْ كِبَرِ جِسْمٍ كَانَ أَفْضَلَ مِنْ هَذِهِ النَّاحِيَةِ.

الْوَاحِدُ مِنَ الضَّأْنِ أَوِ الْمَعْزِ أَفْضَلُ مِنْ سُبُعِ الْبَدَنَةِ أَوِ الْبَقَرَةِ، وَسُبُعُ الْبَدَنَةِ أَوِ الْبَقَرَةِ يَقُومُ مَقَامَ الشَّاةِ فِي الْإِجْزَاءِ، فَيَجُوزُ أَنْ يُشْرِكَ فِي ثَوَابِهِ مَا شَاءَ وَمَنْ شَاءَ، كَمَا يَجُوزُ أَنْ يُشْرِكَ فِي ثَوَابِ الشَّاةِ مَنْ شَاءَ.

وَمَنْ كَانَ يُحْسِنُ الذَّبْحَ فَلْيَذْبَحْ أُضْحِيَتَهُ بِيَدِهِ، وَمَنْ كَانَ لَا يُحْسِنُ فَلْيَحْضُرْ عِنْدَ ذَبْحِهَا؛ فَذَاكَ أَفْضَلُ، فَإِنْ ذُبِحَتْ لَهُ وَهُوَ غَيْرُ حَاضِرٍ أَجْزَأَتْ، وَإِنْ ذَبَحَهَا إِنْسَانٌ يَظُنُّ أَنَّهَا أُضْحِيَتُهُ فَتَبَيَّنَ أَنَّهَا لِغَيْرِهِ؛ أَجْزَأَتْ لِصَاحِبِهَا لَا لِذَابِحِهَا، يَعْنِي: لَوْ كَانَ عِنْدَهُ فِي الْبَيْتِ عِدَّةُ ضَحَايَا، فَجَاءَ شَخْصٌ فَأَخَذَ وَاحِدَةً يَظُنُّهَا أُضْحِيَّتَهُ، فَلَمَّا ذَبَحَهَا تَبَيَّنَ أَنَّهَا أُضْحِيَةُ شَخْصٍ آخَرَ؛ فَإِنَّهَا تُجْزِئُ عَنْ صَاحِبِهَا الَّتِي هِيَ لَهُ، وَيَأْخُذُ صَاحِبُهَا لَحْمَهَا، كَأَنَّ هَذَا الذَّابِحَ صَارَ وَكِيلًا لَهُ.

اعْلَمُوا -رَحِمَكُمُ اللهُ- أَنَّ الْأُضْحِيَةَ عِبَادَةٌ مِنْ أَجَلِّ الطَّاعَاتِ، وَأَنَّ الْمَقْصُودَ بِهَا التَّقَرُّبُ إِلَى رَبِّ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتِ بِذَبْحِهَا، لَيْسَ الْمَقْصُودُ بِالْأُضْحِيَةِ مُجَرَّدَ اللَّحْمِ، وَلَوْ كَانَ هَذَا هُوَ الْمَقْصُودَ لَأَمْكَنَ الْإِنْسَانَ أَنْ يَشْتَرِيَ لَحْمًا وَيَجْعَلَهُ أُضْحِيَةً، وَلَأَجْزَأَ كُلُّ مَا يُذْبَحُ، مَعَ أَنَّ الْأُضْحِيَّةَ مُقَيَّدَةٌ بِجِنْسٍ وَسِنٍّ وَوَقْتٍ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَإِنَّ ذَبْحَهَا أَفْضَلُ مِنَ الصَّدَقَةِ بِثَمَنِهَا، فَإِذَا كَانَ عِنْدَ شَخْصٍ ثَمَنُ الْأُضْحِيَّةِ وَسَأَلَ: أَيُّمَا أَفْضَلُ؛ أَتَصَدَّقُ بِهِ، أَوْ أَشْتَرِي أَضْحِيَّةً أُضَحِّي بِهَا؟

فَالْأَفْضَلُ أَنْ يَشْتَرِيَ أُضْحِيَّةً يُضَحِّي بِهَا.

{قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ ۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} [الأنعام: 162-163].

((بِنَاءُ السِّيرَةِ الطَّيِّبَةِ وَهَدْمُهَا!))

اعْلَمُوا -عِبَادَ اللهِ- أَنَّ السِّيرَةَ الطَّيِّبَةَ تَحْتَاجُ عُمُرًا كَامِلًا لِبِنَائِهَا؛ لَكِنَّهَا لَا تَحْتَاجُ أَكْثَرَ مِنْ ثَانِيَةٍ لِهَدْمِهَا.

السِّيرَةُ الطَّيِّبَةُ تَحْتَاجُ عُمُرًا كَامِلًا لِبِنَائِهَا؛ لَكِنَّهَا لَا تَحْتَاجُ أَكْثَرَ مِنْ ثَانِيَةٍ لِهَدْمِهَا.

أَسْأَلُ اللهَ أَنْ يُثَبِّتَنَا، وَأَنْ يُوَفِّقَنَا، وَأَنْ يُحْسِنَ خِتَامَنَا، وَأَنْ يَتَقَبَّلَ مِنَّا.

وَصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ أَجمَعِينَ.

المصدر: أَعْمَالُ وَفَضَائِلُ الْعَشْرِ الْأُوَلِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ

التعليقات


خطب مفرغة قد تعجبك


  الْحَيَاءُ مِنَ اللهِ وَمِنَ الْخَلْقِ وَمِنَ النَّفْسِ شِيمَةُ الْكِرَامِ وَفِطْرَةٌ إِنْسَانِيَّةٌ سَوِيَّةٌ
  فَضْلُ العَشْرِ الأَوَاخِرِ ولَيلَةِ القَدْرِ وَأَحْكَامُ زَكَاةِ الفِطْرِ
  إلى أهل المغرب الحبيب
  إِلَى أَهْلِ الْجَزَائِرِ الْحَبِيبَة
  الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ كِتَابُ رَحْمَةٍ لِلْعَالَمِينَ
  أَمَانَةُ الْعَامِلِ وَالصَّانِعِ وَإِتْقَانُهُمَا
  الْبِرُّ بِالْأَوْطَانِ مِنْ شَمَائِلِ الْإِيمَانِ
  ((مِنْ دُرُوسِ شَهْرِ رَمَضَانَ)) رَمَضَان 1444هـ
  الْحَذَرُ وَالْيَقَظَةُ وَالْإِعْدَادُ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ
  حسْنُ الْعِشْرَةِ وَحِفْظُهَا
  • شارك

نبذة عن الموقع

موقع تفريغات العلامة رسلان ، موقع يحتوي على العشرات من الخطب والمحاضرات والمقاطع المفرغة لفضيلة الشيخ العلامة أبي عبدالله محمد بن سعيد رسلان-حفظه الله- . كما يعلن القائمون على صفحة وموقع تفريغات العلامة رسلان -حفظه الله- أن التفريغات للخطب ليست هي الشكل النهائي عند الطباعة، ولكن نحن نفرغ خطب الشيخ حفظه الله ونجتهد في نشرها ليستفيد منها طلاب العلم والدعاة على منهاج النبوة في كل أنحاء الدنيا، ونؤكد على أنَّ الخطب غير مُخرَّجة بشكل كامل كما يحدث في خطب الشيخ العلامة رسلان المطبوعة وليست الكتب المنشورة على الصفحة والموقع هي النسخة النهائية لكتب الشيخ التي تُطبع...وهذه الكتب ما هي إلا تفريغ لخطب الشيخ، غير أنَّ كتب الشيخ التي تُطبع تُراجع من الشيخ -حفظه الله- وتُخرج. والتفريغ عملٌ بشريٌ، ونحن نجتهد في مراجعة التفريغات مراجعة جيدة، فإذا وقع خطأ أو شكل الخطب كما نخرجها -إنما نُحاسب نحن عليها والخطأ يُنسب لنا وليس للشيخ -حفظه الله-.

الحقوق محفوظة لكل مسلم موقع تفريغات العلامة رسلان