ضَوَابِطُ بِنَاءِ الْأُسْرَةِ وَسُبُلُ الْحِفَاظِ عَلَيْهَا

ضَوَابِطُ بِنَاءِ الْأُسْرَةِ وَسُبُلُ الْحِفَاظِ عَلَيْهَا

((ضَوَابِطُ بِنَاءِ الْأُسْرَةِ وَسُبُلُ الْحِفَاظِ عَلَيْهَا))

إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ.

وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ, وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ.

أَمَّا بَعْدُ:

فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.

أَمَّا بَعْدُ:

((كُلُّ صُوَرِ الْحَيَاةِ فِي مَرْضَاةِ اللهِ عِبَادَةٌ))

فَقَدْ بَيَّنَ لَنَا رَبُّنَا -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- فِي كِتَابِهِ الْمَجِيدِ أَنَّ الْإِنْسَانَ دَخِيلٌ فِي هَذَا الْكَوْنِ وَلَيْسَ بِأَصِيلٍ، وَأَنَّ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- أَوْجَدَهُ لِوَظِيفَةٍ يُؤَدِّيهَا وَغَايَةٍ يَتَغَيَّاهَا، وَبَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ الْغَايَةَ، وَحَدَّدَ الطَّرِيقَةَ الْمُوصِلَةَ إِلَيْهَا، فَمَنْ سَلَكَ تِلْكَ الطَّرِيقَ وَصَلَ إِلَى الْغَايَةِ، وَكَانَ مِنَ الْفَائِزِينَ، وَأَمَّا مَنْ تَنَكَّبَ الطَّرِيقَ الْمُسْتَقِيمَ، وَلَمْ يَمْشِ عَلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَصِلُ إِلَى الْغَايَةِ الَّتِي جَعَلَهَا اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ غَايَةً لِوُجُودِهِ وَنِهَايَةً لِأَمْرِهِ.

اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- خَلَقَنَا لِعِبَادَتِهِ، وَالْعِبَادَةُ: لَفْظٌ جَامِعٌ لِكُلِّ مَا يُحِبُّهُ اللهُ وَيَرْضَاهُ مِنَ الْأَقْوَالِ وَالْأَعْمَالِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ، وَبِهَذَا التَّعْرِيفِ الَّذِي عَرَّفَ بِهِ شَيْخُ الْإِسْلَامِ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- الْعِبَادَةَ تَدْخُلُ كُلُّ الْإِرَادَاتِ وَكُلُّ الْأَقْوَالِ وَكُلُّ الْأَفْعَالِ فِي الْعِبَادَةِ إِذَا كَانَتْ فِي مَرْضَاةِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-.

الصَّمْتُ عَمَّا لَا يَلِيقُ عِبَادَةٌ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

وَبَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ أَشْكَالًا مِنَ الْعِبَادَاتِ لَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ؛ إِفْرَاغُكَ مِنْ دَلْوِكَ فِي دَلْوِ أَخِيكَ لَكَ صَدَقَةٌ، تَنْحِيَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ هَذِهِ مِنْ شُعَبِ الْإِيمَانِ، وَلَكَ بِهَا صَدَقَةٌ؛ حَتَّى إِنَّ رَجُلًا وَجَدَ شَجَرَةً قَدِ اعْتَرَضَتِ الطَّرِيقَ فَنَحَّاهَا، فَغَفَرَ اللهُ لَهُ، وَآخَرُ -كَمَا بَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ- نَحَّى غُصْنَ شَوْكٍ عَنِ الطَّرِيقِ، فَمَا رَفَعَ ظَهْرَهُ وَلَا اسْتَقَامَ صُلْبُهُ حَتَّى غَفَرَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- لَهُ.

بَلْ بَيَّنَ لَنَا النَّبِيُّ ﷺ: ((أَنَّ امْرَأَةً بَغِيًّا دَخَلَتِ الْجَنَّةَ فِي كَلْبٍ سَقَتْهُ، وَكَانَتْ قَدْ عَطِشَتْ عَطَشًا شَدِيدًا، وَبَلَغَ مِنْهَا الْعَطَشُ مَبَالِغَهُ، فَلَمَّا وَجَدَتْ بِئْرًا شَرِبَتْ مِنْهُ، ثُمَّ صَعِدَتْ فَوَجَدَتْ كَلْبًا يَلْهَثُ.. يَأْكُلُ الثَّرَى مِنْ شِدَّةِ الْعَطَشِ، فَقَالَتْ: لَقَدْ بَلَغَ الْعَطَشُ مِنْ هَذَا الْكَلْبِ مِثْلَ الَّذِي بَلَغَ مِنِّي، فَخَلَعَتْ خُفَّهَا.. مُوقَهَا، فَجَعَلَتْهُ بَيْنَ أَسْنَانِهَا، ثُمَّ نَزَلَتِ الْبِئْرَ، فَمَلَئَتْهُ مَاءًا، ثُمَّ صَعِدَتْ، فَقَرَّبَتْهُ إِلَى الْكَلْبِ فَشَرِبَ؛ فَغَفَرَ اللهُ -تَعَالَى- لَهَا)).

وَفِي الْمُقَابِلِ ((دَخَلَتِ امْرَأَةٌ النَّارَ فِي هِرَّةٍ حَبَسَتْهَا، لَا هِيَ أَطْعَمَتْهَا، وَلَا هِيَ أَطْلَقَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ)).

فَالْعِبَادَةُ تَشْمَلُ جَمِيعَ صُوَرِ الْحَيَاةِ؛ مِنْ ظَاهِرٍ وَبَاطِنٍ، وَمِنْ قَوْلٍ وَفِعْلٍ، مِنْ إِرَادَةٍ وَنِيَّةٍ، وَكُلُّ ذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مُرْتَكِزًا فِي حِسِّ الْمُسْلِمِ، وَأَنْ يَكُونَ وَاعِيًا لِمَا يَأْتِي وَمَا يَدَعُ، وَمَا يَقُولُ وَمَا عَنْهُ يَصْمُتُ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ الَّتِي لَا يَخْلُو مِنْهَا الْكَائِنُ الْإِنْسَانِيُّ.

لَا شَكَّ أَنَّ أَعْظَمَ أَمْرٍ يَنْبَغِي عَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يُرَاعِيَهُ هُوَ الْأَمْرُ الَّذِي خَلَقَهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ لِأَجْلِهِ، وَأَوْجَدَهُ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لِتَحْقِيقِهِ، وَهُوَ عِبَادَةُ اللهِ وَحْدَهُ؛ لِأَنَّ اللهَ -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ- لَمَّا ذَكَرَ خَلْقَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَخْبَرَ أَنَّهُ مَا خَلَقَهُمَا إِلَّا لِيَعْبُدُوهُ، إِلَّا لِيُوَحِّدُوهُ، إِلَّا لِيَتَّقُوهُ، إِلَّا لِيَأْخُذُوا بِمَنْهَجِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ فِي كُلِّ مَا آتَاهُمُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ بِهِ مِنْ أَمْرٍ، وَيَنْتَهُوا عَمَّا نَهَاهُمُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ عَنْهُ مِمَّا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ كِتَابًا وَسُنَّةً.

وَلَا شَكَّ أَنَّ تَحْقِيقَ هَذَا الْأَمْرِ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ خَلَقَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ، وَالَّذِي مِنْ أَجْلِهِ خَلَقَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ الْخَلْقَ، وَنَصَبَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ هَذَا الْكَوْنَ قَائِمًا مُشَاهَدًا يَدُلُّ عَلَى عَظَمَةِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَحِكْمَتِهِ وَقُدْرَتِهِ، وَتَفَرُّدِهِ وَصَمَدَانِيَّتِهِ، لَا شَكَّ أَنَّ هَذَا التَّحَقُّقَ مِنْ هَذَا الَّذِي أَرَادَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ مِنْ خَلْقِهِ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ أَمْرٌ يَسِيرٌ عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللهُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ اللهَ -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ- لَا يُكَلِّفُ إِلَّا بِمَا يُسْتَطَاعُ، لَا يُكَلِّفُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا، وَلَا يُرِيدُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ لِلنَّاسِ عُسْرًا وَلَا حَرَجًا، وَإِنَّمَا رَفَعَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ عَنِ النَّاسِ الْحَرَجِ، فَالْأَمْرُ سَهْلٌ قَرِيبٌ مِنْ قَرِيبٍ.

((قَضِيَّتَانِ مَحْسُومَتَانِ: الْأَجَلُ وَالرِّزْقُ))

النَّبِيُّ ﷺ أَنْزَلَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- عَلَيْهِ الْقُرْآنَ يُوَضِّحُ لَنَا هَذِهِ الْحَقَائِقَ؛ مِنْ أَجْلِ أَنْ نُؤَدِّيَ الْوَظِيفَةَ الَّتِي لِأَجْلِهَا أَوْجَدَنَا اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ، {مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُّرِيدُ} [الإسراء: 18].

وَتَأَمَّلْ فِي قَوْلِ رَبِّكَ -جَلَّ وَعَلَا-: {مَا نَشَاءُ}، لَا (مَا يَشَاءُ)، وَكَذَا فِي قَوْلِهِ -جَلَّ وَعَلَا-: {لِمَن نُّرِيدُ}، لَا (لِمَنْ يُرِيدُ)، فَهُوَ عَلَى خَطَأٍ فِي تَعْجِيلِ مَا يَشَاءُ مِنْ أَمْرِ هَذِهِ الدُّنْيَا الْعَاجِلَةِ.

وَالنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: ((إِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ -وَهُوَ جِبْرِيلُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-- نَفَثَ فِي رُوعِي -وَالنَّفْثُ: نَفْخٌ بِرِيقٍ يَسِيرٍ، فَهُوَ فَوْقَ النَّفْخِ وَدُونَ التَّفْلِ-، إِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ نَفَثَ فِي رُوعِي أَنَّ أَحَدَكُمْ لَنْ يَمُوتَ حَتَّى يَسْتَكْمِلَ أَجَلَهُ وَرِزْقَهُ؛ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ؛ فَإِنَّهُ لَنْ تَمُوتَ نَفْسٌ حَتَّى تَسْتَكْمِلَ أَجَلَهَا وَرِزْقَهَا))، ثُمَّ بَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ قَضِيَّةً عَظِيمَةً مِنَ الْقَضَايَا الْإِيمَانِيَّةِ: ((وَلَا يَحْمِلَنَّكُمُ اسْتِبْطَاءُ الرِّزْقِ عَلَى أَنْ تَطْلُبُوهُ بِمَعْصِيَةِ اللهِ؛ فَإِنَّ مَا عِنْدَ اللهِ -تَعَالَى- لَا يُنَالُ إِلَّا بِطَاعَتِهِ)).

فَبَيَّنَ لَنَا نَبِيُّنَا ﷺ أَنَّ الْإِنْسَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَكُونَ مُرْتَكِزًا عَلَى أَصْلٍ أَصِيلٍ؛ يَعْلَمُ أَنَّ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ؛ وَلَكِنَّهُ مَعَ هَذِهِ الْمَشِيئَةِ الْمُطْلَقَةِ، وَإِذَا مَا أَرَادَ شَيْئًا كَانَ، وَإِذَا لَمْ يَشَأْهُ لَمْ يَكُنْ إِلَّا أَنَّ هَذِهِ الْأَفْعَالَ وَهَذِهِ التُّرُوكَ الَّتِي تَكُونُ مِنْ رَبِّنَا -جَلَّ وَعَلَا- فَإِنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْحِكْمَةِ، فَاللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ عَلَى مُقْتَضَى حِكْمَتِهِ، فَهَذِهِ مِنَ الْأُمُورِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي بَيَّنَهَا لَنَا نَبِيُّنَا ﷺ، ((فَإِنَّ مَا عِنْدَ اللهِ لَا يُنَالُ إِلَّا بِطَاعَتِهِ)).

فَمَهْمَا أَرَادَ الْإِنْسَانُ مِنْ رَبِّهِ خَيْرًا يُوصِلُهُ إِلَيْهِ فَإِنَّهُ لَنْ يَنَالَهُ وَلَنْ يَتَحَصَّلَ عَلَيْهِ إِلَّا مِنْ طَرِيقِ الطَّاعَةِ للهِ -جَلَّ وَعَلَا-.

وَالنَّبِيُّ ﷺ يُخْبِرُنَا -أَيْضًا- أَنَّهُ: ((مَنْ كَانَتِ الْآخِرَةُ هَمَّهُ؛ جَمَعَ اللهُ شَمْلَهُ، وَجَعَلَ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ، وَمَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ؛ فَرَّقَ اللهُ عَلَيْهِ شَمْلَهُ، وَجَعَلَ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا مَا كَتَبَ الله لَهُ)).

((دِينُ الْإِسْلَامِ الْعَظِيمِ هُوَ أَعْظَمُ النِّعَمِ))

اللهُ -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ وَتَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ- أَرْسَلَ إِلَيْنَا نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا ﷺ بِدِينٍ كَامِلٍ شَامِلٍ، بِدِينٍ عَظِيمٍ لَا يُدَانِيهِ دِينٌ، وَلَا تُقَارِبُهُ مِلَّةٌ وَلَا نِحْلَةٌ.

دِينُ الْإِسْلَامِ الْعَظِيمِ هُوَ أَعْظَمُ نِعْمَةٍ يَمُنُّ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ بِهَا عَلَى الْخَلْقِ، وَلَوْلَا الدِّينُ فِي الْأَرْضِ مَا كَانَتْ هُنَاكَ رِعَايَةٌ لِعِرْضٍ وَلَا شَرَفٍ، وَلَا كَانَتْ هُنَاكَ رِعَايَةٌ لِحُرْمَةِ مَالٍ وَلَا دَمٍ وَلَا نَفْسٍ، وَلَكِنْ كُلُّ مَا فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ مِنْ صِيَانَةٍ لِهَذِهِ الْحُقُوقِ إِنَّمَا هُوَ بِسَبَبِ دِينِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الَّذِي أَنْزَلَهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ عَلَى النَّاسِ فِي الْأَرْضِ بِوَاسِطَةِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ حَتَّى خَتَمَهُمْ مُحَمَّدٌ ﷺ، فَجَاءَ بِالدِّينِ الْحَقِّ.

دِينُ الْإِسْلَامِ الْعَظِيمِ -عِبَادَ اللهِ- هُوَ أَعْظَمُ نِعْمَةٍ يَمُنُّ بِهَا رَبُّكَ عَلَيْكَ؛ فَاعْرِفْ لِرَبِّكَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- هَذِهِ الْيَدَ الْعَظِيمَةَ الَّتِي جَعَلَهَا عِنْدَكَ، وَاحْمَدِ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ أَنْ خَلَقَكَ مُسْلِمًا، وَأَنْ جَعَلَكَ مُوَحِّدًا، وَأَنْ جَعَلَكَ مِنْ أُمَّةٍ هِيَ خَيْرُ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ.

إِذَا مَا اسْتَيْقَظْتَ مِنْ نَوْمِكَ فَاحْمَدِ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ أَنْ أَبْقَاكَ لِتُسَبِّحَهُ وَتَحْمَدَهُ وَتُهَلِّلَهُ؛ لِكَيْ تَظَلَّ النِّعْمَةُ مَوْصُولَةً دَائِمًا وَأَبَدًا فِي نَفْسِكَ، وَلَا تَغِيبُ أَبَدًا عَنْ بَالِكَ بِحَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ.

احْمَدُوا اللهَ -عِبَادَ اللهِ- عَلَى نِعْمَةِ الْإِسْلَامِ الْعَظِيمِ؛ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ هُوَ الَّذِي ضَبَطَ لَنَا مَقَادِيرَ الْأَشْيَاءِ بِتَعَامُلَاتِهَا.

فَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الَّذِي جَعَلَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ.

فَالْإِسْلَامُ هُوَ الَّذِي يَحْفَظُ الشَّرَفَ، وَالْإِسْلَامُ هُوَ الَّذِي  يَحْفَظُ الْعِرْضَ وَيَصُونُهُ، وَالْإِسْلَامُ هُوَ الَّذِي يَحْفَظُ حُرْمَةَ الْمَالِ وَحُرْمَةَ الدَّمِ، الْإِسْلَامُ الْعَظِيمُ هُوَ أَعْظَمُ نِعْمَةٍ يَمُنُّ اللهُ  رَبُّ الْعَالَمِينَ بِهَا عَلَى عَبْدٍ.

((التَّآخِي وَالتَّآلُفُ مِنْ أَعْظَمِ الْمَقَاصِدِ فِي الْإِسْلَامِ))

مِنَ الْمَقَاصِدِ الْعَظِيمَةِ فِي دِينِ اللهِ -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ-، وَمِمَّا جَاءَ بِهِ نَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ ﷺ: نَزْعُ الْخِلَافِ وَرَفْعُ الشِّقَاقِ، فَلَا تَجِدُ أَمْرًا مِنَ الْأُمُورِ يُؤَدِّي إِلَى نِزَاعٍ.. وَلَا تَجِدُ أَمْرًا مِنَ الْأُمُورِ يُؤَدِّي إِلَى خِلَافٍ إِلَّا وَالدِّينُ يَسُدُّ الْمَنَافِذَ الَّتِي تُؤَدِّي إِلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ الْعَظِيمَ اعْتَبَرَ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ جَمِيعَهَا جَسَدًا وَاحِدًا، وَالرَّسُولُ ﷺ أَخْبَرَ أَنَّ الْإِنْسَانَ الْمُسْلِمَ فِي ذَاتِ الْمُجْتَمَعِ الْمُسْلِمِ هُوَ كَالْعُضْوِ فِي الْجَسَدِ، يَسْعَدُ بِسَعَادَتِهِ، وَيَشْقَى بِشَقَائِهِ، فَيَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ: ((مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ كَمَثَلِ الْجَسَدِ الْوَاحِدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى)).

وَاللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ أَخْبَرَ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ أَنَّهُ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ، يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا، وَيُؤَازِرُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَيَعُودُ بَعْضُهُ بِالْفَضْلِ وَالْخَيْرِ عَلَى بَعْضٍ.

وَالرَّسُولُ ﷺ أَخْبَرَ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَى صِحَّتِهِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ)).

وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى يُبَيِّنُ لَنَا نَبِيُّنَا ﷺ أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَبْلُغُ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ إِلَّا إِذَا أَتَى بِشَرْطٍ بَيَّنَهُ هُوَ فِي حَدِيثِهِ الصَّحِيحِ، فَقَالَ: ((لَا يَبْلُغُ عَبْدٌ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ حَتَّى يُحِبَّ لِلنَّاسِ مَا يُحِبُّهُ لِنَفْسِهِ)).

وَلِذَلِكَ يَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ أَنْ يَسْأَلَ نَفْسَهُ هَذَا السُّؤَالَ: هَلْ أَنَا أُحِبُّ لِأَخِي -لِأَخِي الْمُسْلِمِ بِإِطْلَاقِ، لَيْسَ الْأَخَ مِنَ الْعَصَبِ، وَلَيْسَ الْأَخَ الَّذِي هُوَ مِنَ النَّسَبِ، وَلَيْسَ الْأَخَ الَّذِي يُمْكِنُ أَنْ يَمُتَّ لِلْإِنْسَانِ بِقَرَابَةٍ وَلَا رَحِمٍ، وَإِنَّمَا الْأَخُ بِإِطْلَاقِ الْأَخِ فِي دِينِ الْإِسْلَامِ الْعَظِيمِ- هَلْ يُحِبُّ الْإِنْسَانُ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ؟!!

وَهَلْ يَحْرِصُ الْإِنْسَانُ عَلَى إِيصَالِ الْخَيْرِ إِلَى غَيْرِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ كَمَا يَحْرِصُ عَلَى تَحْصِيلِ الْخَيْرِ لِنَفْسِهِ؟!!

إِنْ كَانَتِ الْإِجَابَةُ بِنَعَمْ؛ فَالرَّسُولُ ﷺ بَشَّرَ مَنْ حَصَّلَ هَذَا الْأَمْرَ الْعَظِيمَ بِأَنَّهُ قَدْ حَصَّلَ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ، وَأَنَّهُ مُؤْمِنٌ حَقًّا بِشَهَادَةِ الْمُخْتَارِ الْمُصْطَفَى ﷺ: ((لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ))، ((لَا يَبْلُغُ الْعَبْدُ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ حَتَّى يُحِبَّ لِلنَّاسِ مَا يُحِبُّهُ لِنَفْسِهِ)).

وَالرَّسُولُ ﷺ بَيَّنَ لَنَا أَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ إِنَّمَا تَنْبُعُ مِنَ الْقَلْبِ فِي بَدْءِ الْأَمْرِ، فَإِذَا مَا اسْتَقَامَ هَذَا الْقَلْبُ، وَإِذَا مَا صَلَحَتْ هَذِهِ الْمُضْغَةُ؛ صَلَحَتْ سَائِرُ الْجَوَارِحِ، وَصَلَحَتِ الْحَيَاةُ تَبَعًا، وَأَمَّا إِذَا فَسَدَتِ الْقُلُوبُ وَتَنَافَرَتْ فَلَا بُدَّ أَنْ يُؤَدِّيَ ذَلِكَ إِلَى التَّنَافُرِ فِي الْحَيَاةِ؛ وَلِذَلِكَ تَعْسُرُ الْحَيَاةُ جِدًّا؛ لِأَنَّ الْأَنَانِيَةَ إِذَا مَا وُجِدَتْ فِي كَوْنِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَظَنَّ كُلُّ إِنْسَانٍ أَنَّهُ إِنَّمَا يُحَصِّلُ الْخَيْرَ لِنَفْسِهِ بِمَعْزِلٍ عَنْ إِخْوَانِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، لَا يُبَالِي بِهِمْ، وَلَا يَلْتَفِتُ إِلَى مَصَالِحِهِمْ؛ فَإِنَّ الْحَيَاةَ لَا بُدَّ أَنْ تَفْسَدَ فَسَادًا     ذَرِيعًا جِدًّا، وَإِذَا فَسَدَتِ الْحَيَاةُ تَعَسَّرَتْ، وَتَعَسَّرَتْ سُبُلُ الْمَعِيشَةِ، وَأَمَّا إِذَا كَانَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ آخِذًا بِيَدِ بَعْضٍ، وَإِذَا كَانَ الْمُسْلِمُونَ كَالْجَسَدِ الْوَاحِدِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا، يَتَرَاحَمُونَ، وَيَتَآزَرُونَ، وَيَتَعَاوَنُون، وَيَتَآلَفُونَ، وَيَتَنَاصَحُونَ؛ فَأَبْشِرْ بِمُجْتَمَعٍ هُوَ أَسْعَدُ مُجْتَمَعٍ خُلِقَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ قَطُّ، كَمَا كَانَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ الْمُخْتَارِ ﷺ.

وَالرَّسُولُ ﷺ لَمَّا أَخْبَرَنَا عَنْ صَلَاحِ الْقُلُوبِ كَشَرْطٍ لِصَلَاحِ الْأَعْمَالِ، وَكَشَرْطٍ لِصَلَاحِ الْجَوَارِحِ، وَبِالتَّبَعِ كَشَرْطٍ لِصَلَاحِ الْمُجْتَمَعَاتِ؛ بَيَّنَ لَنَا أَنَّ اللهَ -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ- يُعَامِلُ النَّاسَ عَلَى قَدْرِ نِيَّاتِهِمْ.

وَالنَّبِيُّ ﷺ فِي حَدِيثٍ ثَابِتٍ صَحِيحٍ عَنْهُ ﷺ أَخْبَرَ أَنَّ رَبَّنَا -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- يُعَامِلُ الْخَلْقَ مُعَامَلَةً دَقِيقَةً جِدًّا عَلَى حَسَبِ مَا يُعَامِلُونَ خَلْقَهُ فِي هَذَا الْكَوْنِ، فَإِذَا أَرَدْتَ أَنْ يُحْسِنَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ إِلَيْكَ فَأَحْسِنْ إِلَى النَّاسِ، إِذَا أَرَدْتَ أَنْ يَرْحَمَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ فَارْحَمْ خَلْقَ اللهِ، وَهَذَا نَصُّ نَبِيِّكَ ﷺ: ((مَنْ لَا يَرْحَمْ لَا يُرْحَمْ)).

وَالرَّجُلُ الَّذِي جَاءَ فَوَجَدَ النَّبِيَّ ﷺ يُقَبِّلُ حَسَنًا أَوْ حُسَيْنًا، وَقَدْ ضَمَّهُ إِلَى صَدْرِهِ وَقَرَّبَهُ إِلَيْهِ؛ قَالَ لَهُ: ((إِنَّ لِي عَشْرَةً مِنَ الْوَلَدِ مَا قَبَّلْتُ مِنْهُمْ أَحَدًا)).

فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((أَوَأَمْلِكُ أَنْ نَزَعَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَةَ مِنْ قَلْبِكَ؟!! مَنْ لَا يَرْحَمْ لَا يُرْحَمْ)).

وَيَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ: ((الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ)).

عَلَى حَسَبِ مُعَامَلَتِكَ لِخَلْقِ اللهِ فِي الْأَرْضِ يُعَامِلُكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ، فَإِذَا رَحِمْتَ النَّاسَ، وَإِذَا مَا رَحِمْتَ الْمَخْلُوقَاتِ؛ رَحِمَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ دُنْيَا وَآخِرَةً، وَإِذَا أَحْسَنْتَ إِلَى خَلْقِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ فِي دُنْيَا اللهِ؛ رَحِمَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَأَحْسَنَ إِلَيْكَ دُنْيَا وَآخِرَةً.

يُخْبِرُنَا النَّبِيُّ ﷺ عَنْ حَالَةٍ مِنْ حَالَاتِ فَسَادِ الْقَلْبِ.. فَسَادِ الْبَاطِنِ.. فَسَادِ الضَّمِيرِ، وَكَيْفَ أَنَّ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ يُعَامِلُ النَّاسَ عَلَى حَسَبِ ضَمَائِرِهِمْ، وَعَلَى حَسَبِ وَقَدْرِ نِيَّاتِهِمْ، فَقَالَ: ((كَانَ رَجُلٌ يَبِيعُ خَمْرًا فِي سَفِينَةٍ، وَكَانَ يَشُوبُ الْخَمْرَ بِالْمَاءِ -فَحَتَّى الْخَمْرُ كَانَ يَغُشُّهَا عَلَى شَارِبِيهَا وَمُشْتَرِيهَا!!-، قَالَ: وَكَانَ قَدِ اشْتَرَى قِرْدًا فَهُوَ مَعَهُ عَلَى السَّفِينَةِ)).

فَكَانَ هَذَا الْغَشَّاشُ حَتَّى فِي الْخَمْرِ.. فِي الْمُسْكِرِ.. فِيمَا حَرَّمَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ يُحَصِّلُ الْمَالَ الْحَرَامَ مِنْ وَجْهَيْنِ بَعْضُهُمَا أَسْوَأُ مِنْ بَعْضٍ.

فَالرَّسُولُ ﷺ أَخْبَرَ أَنَّ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ أَلْهَمَ هَذَا الْقِرْدَ أَنْ يَخْطِفَ كِيسَ دَنَانِيرِ الرَّجُلِ، ثُمَّ صَعِدَ سَارِيَةَ السَّفِينَةِ عَلَى خَشَبَةٍ مَنْصُوبَةٍ فِي الشِّرَاعِ فِيهَا، ثُمَّ فَتَحَ الْقِرْدُ -أَعَزَّكَ اللهُ- الْكِيسَ -كِيسَ دَنَانِيرِ هَذَا الرَّجُلِ الْغَشَّاشِ-، وَأَخَذَ دِرْهَمًا رَمَاهُ عَلَى السَّفِينَةِ، وَدِرْهَمًا يَرْمِيهِ فِي الْبَحْرِ، يَأْخُذُ دِرْهَمًا يَرْمِيهِ عَلَى السَّفِينَةِ، وَدِرْهَمًا يَرْمِيهِ فِي الْبَحْرِ، حَتَّى جَعَلَهَا بِنِصْفَيْنِ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ.

مَا مِنْ أَمْرٍ مِنْ أُمُورِ النِّزَاعِ يَعْرِضُ لَنَا فِي عِبَادَاتِنَا، وَلَا فِي مُعَامَلَاتِنَا، وَلَا فِي أَخْلَاقِنَا، وَلَا فِي حَيَاتِنَا، وَلَا فِي مُسْتَوَيَاتِ تَعَامُلِنَا الْمُخْتَلِفَةِ؛ سَوَاءٌ كَانَ عَلَى حَسَبِ تَعَامُلِ الرَّجُلِ مَعَ امْرَأَتِهِ، أَوْ تَعَامُلِ الرَّجُلِ مَعَ أَخِيهِ وَأَهْلِهِ، أَوْ تَعَامُلِ الرَّجُلِ مَعَ جِيرَانِهِ، أَوْ تَعَامُلِ الرَّجُلِ مَعَ مُجْتَمَعِهِ، أَوْ تَعَامُلِ الرَّجُلِ مَعَ الْمُخَالِفِ فِي دِينِهِ، أَوْ تَعَامُلِ الرَّجُلِ مَعَ الْحَيَوَانَاتِ وَالنَّبَاتَاتِ وَالْجَمَادَاتِ فِي دُنْيَا اللهِ إِلَّا وَلِلْإِسْلَامِ الْعَظِيمِ فِيهِ مَقَالٌ.

((الزَّوَاجُ عِبَادَةٌ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ))

فِي تَعْرِيفِ الْعِبَادَةِ -الَّذِي مَرَّ- يَكُونُ الزَّوَاجُ عِبَادَةً للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ مِنْ أَجَلِّ الْعِبَادَاتِ.

وَمَعْلُومٌ أَنَّ الزَّوَاجَ تَعْتَوِرُهُ الْأَحْكَامُ التَّكْلِيفِيَّةُ الْخَمْسَةُ، فَأَحْيَانًا يَكُونُ وَاجِبًا فِي حَقِّ رَجُلٍ بِعَيْنِهِ، وَأَحْيَانًا يَكُونُ مَنْدُوبًا، وَأَحْيَانًا يَكُونُ مُبَاحًا مُسْتَوِيَ الطَّرَفَيْنِ، وَأَحْيَانًا يَكُونُ مَكْرُوهًا، وَأَحْيَانًا يَكُونُ حَرَامًا، يَعْنِي: إِذَا لَمْ يَكُنْ قَادِرًا عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِالزَّوَاجِ، لَيْسَتْ عِنْدَهُ الْبَاءَةُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالزَّوْجَةِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِالْإِنْفَاقِ عَلَى بَيْتِهِ وَبَيْتِهَا؛ فَهَذَا إِذَا لَمْ يَكُنْ قَادِرًا عَلَى ذَلِكَ وَتَزَوَّجَ فَقَدْ وَقَعَ فِي حَرَامٍ طَالَمَا أَنَّهُ لَا يَخْشَى الْعَنَتَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ الْبَاءَةَ، لَا يَجِدُ ذَلِكَ فِي نَفْسِهِ.

وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ زَوَاجُهُ مَعَ عَدَمِ خَشْيَةِ الْعَنَتِ يُؤَثِّرُ تَأْثِيرًا خَطِيرًا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِحُقُوقٍ وَوَاجِبَاتٍ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَطَّلِعَ بِهَا؛ كَأَنْ يَكُونَ لَهُ أَبَوَانِ كَبِيرَانِ لَا يَقُومُ عَلَى شَأْنِهِمَا سِوَاهُ، وَهُوَ عَلَى يَقِينٍ مِنْ أَنَّهُ إِذَا تَزَوَّجَ ضَيَّعَهُمَا، وَهُوَ لَا يَخْشَى الْعَنَتَ وَالْوُقُوعَ فِي الزِّنَى؛ فَزَوَاجُ مِثْلِ هَذَا حَرَامٌ عَلَيْهِ، وَقَدْ وَقَعَ فِي حَرَامٍ؛ لِأَنَّهُ ضَيَّعَ الْحُقُوقَ.

فَالنَّبِيُّ ﷺ فَصَّلَ لَنَا هَذِهِ الْأُمُورَ وَوَضَّحَهَا: ((يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ! مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ؛ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ؛ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ))؛ يَعْنِي: أَنَّهُ قَاطِعٌ لِلشَّهْوَةِ، فَلَا تَقَعُ عِنْدَهُ الْغُلْمَةُ، وَلَا يَجِدُ فِي نَفْسِهِ الشَّبَقَ الَّذِي رُبَّمَا دَعَاهُ إِلَى الْوُقُوعِ فِي الْفَاحِشَةِ -عِيَاذًا بِاللهِ وَلِيَاذًا بِجَنَابِهِ الرَّحِيمِ-.

فَهَذَا الْأَمْرُ -عَلَى الْفَرَحِ الَّذِي فِيهِ لِأَنَّهُ مِنَ الْأَقْدَارِ الْمُوَاتِيَةِ الَّتِي تُلَائِمُ الْعَبْدَ، وَالَّتِي يُحِبُّهَا الْعَبْدُ- فَهَذَا وَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ إِلَّا إِنَّهُ عِبَادَةٌ للهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- إِذَا مَا صَلَحَتِ النِّيَّةُ، وَعَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يَسْتَحْضِرَ النِّيَّةَ فِي كُلِّ شَيْءٍ؛ حَتَّى إِنَّ الْأُمُورَ الْمُبَاحَةَ تَنْقَلِبُ مِنْ عَادَاتٍ إِلَى عِبَادَاتٍ عَلَى حَسَبِ النِّيَّةِ الصَّالِحَةِ.

فَالْإِنْسَانُ يُمْكِنُ أَنْ يُحَوِّلَ الْحَيَاةَ كُلَّهَا إِلَى عِبَادَةٍ للهِ -جَلَّ وَعَلَا-؛ حَتَّى فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِمَصِيرِ الْكَائِنِ الْإِنْسَانِيِّ فِي الْحَيَاةِ؛ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِطَعَامِهِ وَشَرَابِهِ -وَلَا غِنَى لَهُ عَنْهُمَا-، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِمَنَامِهِ وَهُوَ مُضْطَرٌّ إِلَى النَّوْمِ حَتْمًا، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ، فَهَذِهِ عَادَاتٌ، وَهَذِهِ تَقَعُ مِنَ الْكَائِنِ الْإِنْسَانِيِّ، وَتَقَعُ مِنْ سَائِرِ الْأَحْيَاءِ، فَالْأَحْيَاءُ جَمِيعُهَا تَتَنَاسَلُ وَتَتَكَاثَرُ عَلَى صُوَرٍ حَدَّدَهَا اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- لِأَنْوَاعِهَا، مِنَ الْكَائِنَاتِ وَحِيدَةِ الْخَلِيَّةِ وَالَّتِي تَنْقَسِمُ نَوَاتُهَا إِلَى قِسْمَيْنِ، ثُمَّ تَصِيرُ كَائِنَيْنِ، إِلَى الْإِنْسَانِ فِي أَعْلَى قِمَّةِ السُّلَّمِ فِي خَلْقِ الْأَحْيَاءِ، فَهَذَا الْإِنْسَانُ يُحَوِّلُ الْعَادَاتِ الَّتِي يَشْتَرِكُ فِيهَا مَعَ جَمِيعِ الْأَحْيَاءِ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ إِلَى عِبَادَاتٍ بِالنِّيَّةِ الصَّالِحَةِ.

فَإِنَّهُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ فَإِنَّهُ يَسْتَحْضِرُ نِيَّةً صَالِحَةً؛ حَتَّى لَوْ كَانَتِ النِّيَّةُ تَلَذُّذَهُ بِأَكْلِهِ، إِذَا عَرَفَ نِعْمَةَ الْمُنْعِمِ، وَجَعَلَ شُكْرَهُ قَائِمًا للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الَّذِي أَقْدَرَهُ عَلَى تَحْصِيلِهَا، وَعَلَى تَسْوِيَتِهَا، وَعَلَى تَنَاوُلِهَا؛ فَمَا أَكْثَرَ الَّذِينَ لَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَتَنَاوَلُوا الطَّعَامَ الْبَتَّةَ، وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ يُحْرَمُ مِنْ أُمُورٍ بِأَمْرِ مُدَاوِيهِ، لَوْ أَنَّهُ أَقْبَلَ عَلَيْهَا لَأَصَابَهُ الْمَرَضُ وَاشْتَدَّ عَلَيْهِ، وَرُبَّمَا مَاتَ بِسَبَبِ أَكْلَةٍ وَاحِدَةٍ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ.

فَالْإِنْسَانُ يَحْمَدُ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- وَيَشْكُرُهُ عَلَى النِّعْمَةِ، {فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَىٰ طَعَامِهِ}، هَذَا الْمَرْءُ يَنْظُرُ إِلَى طَعَامِهِ يَتَأَمَّلُ فِيهِ، وَفِي تَسْوِيَتِهِ عَلَى هَذَا النَّحْوِ الَّذِي جَعَلَهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ حَتَّى صَارَ سَائِغًا يُمْكِنُ أَنْ يُبْتَلَعَ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُهْضَمَ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُنْتَفَعَ بِهِ، فَهَذِهِ نِيَّةٌ.

ثُمَّ إِنَّهُ يَتَقَوَّى بِذَلِكَ الطَّعَامِ -وَنِيَّتُهُ حَاضِرَةٌ- مِنْ أَجْلِ أَنْ يَقُومَ بِوَظِيفَتِهِ فِي الْكَوْنِ مِنْ عِبَادَةِ رَبِّهِ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ طَاقَةٍ، وَهَذِهِ الطَّاقَةُ إِنَّمَا يَتَحَصَّلُ عَلَيْهَا مِنْ طَعَامِهِ وَشَرَابِهِ.

وَكَذَلِكَ فَإِنَّهُ يَنْوِي بِذَلِكَ التَّقَوِّيَ عَلَى الضَّرْبِ فِي الْأَرْضِ لِطَلَبِ الرِّزْقِ لِنَفْسِهِ وَمَنْ يَعُولُ، وَهَذَا -أَيْضًا- مِنَ الْعِبَادَاتِ الْعَظِيمَةِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: ((كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ)).

فَبَيَّنَ لَنَا أَنَّ هَذَا مِمَّا أَوْجَبَهُ اللهُ عَلَى الْعَائِلِ، وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَسِيرَ فِيهِ سَيْرًا حَثِيثًا مِنْ غَيْرِ أَنْ يُضَيِّعَ مَا للهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- عَلَيْهِ.

فَإِذَا مَا اسْتَحْضَرَ نِيَّةً فِي هَذَا الْأَمْرِ الَّذِي يَأْتِيهِ كُلُّ إِنْسَانٍ؛ بَلْ تُقْبِلُ عَلَيْهِ جَمِيعُ الْكَائِنَاتِ بِصُوَرٍ مُخْتَلِفَاتٍ عَلَى حَسَبِ دَرَجَتِهَا فِي سُلَّمِ الْوُجُودِ؛ هَذَا الْأَمْرُ يَصِيرُ عِبَادَةً للهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-.

وَكَذَلِكَ مَا يَتَعَلَّقُ بِالنِّكَاحِ..

((جُمْلَةٌ مِنَ النِّيَّاتِ لِمَنْ أَرَادَ الزَّوَاجَ))

يَنْبَغِي لِلْإِنْسَانِ إِذَا أَرَادَ الزَّوَاجَ أَنْ يَنْوِيَ جُمْلَةً مِنَ النِّيَّاتِ لَا بُدَّ مِنَ اسْتِحْضَارِهَا؛ حَتَّى يُبَارَكَ لَهُ فِي زَوَاجِهِ، وَحَتَّى يُعْقِبَ مِنْهُ مَا تَقَرُّ بِهِ عَيْنُهُ مِنَ الذُّرِّيَّةِ الصَّالِحَةِ الْمُوَحِّدَةِ الَّتِي تَكُونُ امْتِدَادًا لَهُ بَعْدَ الْمَمَاتِ، وَتَكُونُ عُمْقًا لَهُ فِي الْمَمَاتِ وَقَدْ فَارَقَ الْحَيَاةَ، ((أَوْ وَلَدٌ صَالِحٌ يَدْعُو لَهُ))، وَقَدْ مَاتَ هُوَ، ((إِذَا مَاتَ ابنُ آدم انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ))، وَذَكَرَ النَّبِيُّ الْوَلَدَ الصَّالِحَ.

فَهَذِهِ النِّيَّاتُ الْمُجْتَمِعَةُ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ حَاضِرَةً، وَأَنْ يَكُونَ الْإِنْسَانُ نَاوِيًا لَهَا بِعَزْمٍ وَتَأْكِيدٍ وَتَشْدِيدٍ، كَمَا قَالَ سُفْيَانُ: ((مَا عَالَجْتُ شَيْئًا هُوَ أَشَدُّ عَلَيَّ مِنْ نِيَّتِي)).

وَقَالَ سَلَفُنَا: ((كَانُوا يُعَلِّمُونَنَا النِّيَّةَ كَمَا يُعَلِّمُونَنَا السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ)).

فَالْمَرْءُ يَسْأَلُ نَفْسَهُ: لِمَاذَا تَتَزَوَّجُ؟

الْحَيَوَانَاتُ تَتَنَاسَلُ تَتَنَاكَحُ، الْحَيَوَانَاتُ تَفْعَلُ ذَلِكَ عَلَى اخْتِلَافِ أَصْنَافِهَا، وَالْإِنْسَانُ يَفْعَلُ ذَلِكَ، الْكَافِرُ يَفْعَلُهُ؛ فَهَلْ عِنْدَهُ نِيَّةٌ؟ أَمْ إِنَّهُ يُرِيدُ تَحْصِيلَ الشَّهْوَةِ لَا يَتَعَدَّى هَذَا الْمَقْصِدَ؟!!

هَذِهِ كُلُّهَا لَيْسَتْ لَنَا، الَّذِي لَنَا -نَحْنُ الْمُسْلِمِينَ- شَيْءٌ بَيَّنَهُ لَنَا رَبُّنَا، وَوَضَّحَهُ لَنَا نَبِيُّنَا ﷺ، جَعَلَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- الْكَائِنَاتِ زَوْجِيَّةَ الْوُجُودِ، {وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ}.

فَجَعَلَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ الْكَائِنَاتِ مَبْنِيَّةً فِي وُجُودِهَا عَلَى الزَّوْجِيَّةِ؛ حَتَّى فِي تِلْكَ الْأُمُورِ الْجَمَادِيَّةِ؛ فَالْكَهْرُبَاءُ فِيهَا مُوجَبٌ وَسَالِبٌ، وَكَذَلِكَ الْمَغْنَاطِيسِيَّةُ فِيهَا -كَذَلِكَ- هَذِهِ الزَّوْجِيَّةُ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ الَّتِي تَكُونُ فِي قَاعِ سُلَّمِ الْوُجُودِ.

ثُمَّ إِنَّ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- تَفَرَّدَ بِالْوَحْدَانِيَّةِ وَالْأَحَدِيَّةِ وَحْدَهُ.

فَهَذِهِ سُنَّةُ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- فِي خَلْقِهِ، وَفِي خَلْقِ هَذَا الْكَائِنِ الْإِنْسَانِيِّ؛ أَنَّ وُجُودَهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الزَّوْجِيَّةِ.

فَيَنْوِي الْإِنْسَانُ عِنْدَ إِرَادَةِ الزَّوَاجِ أَنْ يَأْتِيَ بِسُنَّةِ اللهِ الَّتِي جَعَلَهَا اللهُ فِي كَوْنِهِ فِي الْجِنْسِ الْإِنْسَانِيِّ، فَهَذِهِ سُنَّةٌ إِلَهِيَّةٌ رَبَّانِيَّةٌ، وَكَذَلِكَ هِيَ سُنَّةٌ نَبَوِيَّةٌ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ أَكْثَرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَزْوَاجًا، وَهُوَ ﷺ الَّذِي قَالَ: ((تَنَاسَلُوا تَكَاثَرُوا؛ فَإِنِّي مُبَاهٍ بِكُمُ الْأُمَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)).

فَرَغَّبَ النَّبِيُّ ﷺ الْقَادِرَ عَلَى الزَّوَاجِ فِي الزَّوَاجِ؛ لِيُعْقِبَ نَسْلًا صَالِحًا مُوَحِّدًا مُتَسَنِّنًا يَحْمِلُ رَايَةَ الْإِسْلَامِ، يُدَافِعُ عَنْهُ، وَيُكَافِحُ دُونَهُ، وَيُبَلِّغُهُ، وَيَزِيدُ الْمُسْلِمُونَ فَرْدًا مُسْلِمًا صَالِحًا وَاعِيًا، يَزِيدُ بِهِ الْإِسْلَامُ بَيَاضًا وَإِشْرَاقًا وَنَهْضَةً.

فَالنَّبِيُّ ﷺ جَعَلَ ذَلِكَ مِنْ سُنَّتِهِ، يَقُولُ: ((الزَّوَاجُ سُنَّتِي؛ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي)).

فَبَيَّنَ ﷺ أَنَّهُ سُنَّةٌ نَبَوِيَّةٌ، فَيَنْوِي الرَّجُلُ إِذَا أَرَادَ الزَّوَاجَ -بِعَزْمٍ وَتَصْمِيمٍ- أَنْ يُحَقِّقَ السُّنَّةَ النَّبَوِيَّةَ، كَمَا أَنَّهُ نَوَى تَحْقِيقَ السُّنَّةِ الْكَوْنِيَّةِ.. نَوَى تَحْقِيقَ السُّنَّةِ الْكَوْنِيَّةِ الرَّبَّانِيَّةِ، وَكَذَا يَنْوِي تَحْقِيقَ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ الرَّسُولِيَّةِ.

ثُمَّ إِنَّهُ يُعِفُّ نَفْسَهُ فَيَنْوِي ذَلِكَ، وَتَعِفُّ بِهِ وَاحِدَةٌ مِنْ بَنَاتِ الْمُسْلِمِينَ.

وَيَقْصِدُ -مَعَ هَذَا كُلِّهِ- الذُّرِّيَّةَ الصَّالِحَةَ الْمُوَحِّدَةَ الْمُتَسَنِّنَةَ، وَيَقْصِدُ -مَعَ هَذَا كُلِّهِ- أَنْ يُحَصِّلَ فِي بَيْتِهِ امْرَأَةً صَالِحَةً مُسْلِمَةً مُتَعَفِّفَةً تُعِينُهُ عَلَى أَمْرِ دِينِهِ وَدُنْيَاهُ، وَنِعْمَ الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ إِذَا مَا جَعَلَهَا اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ فَاهِمَةً وَوَاعِيَةً لِحَقِيقَةِ دَوْرِهَا فِي بَيْتِ زَوْجِهَا؛ لِأَنَّ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- لَمْ يَفْرِضْ عَلَى النِّسَاءِ الْجِهَادَ؛ جِهَادُهُنَّ الْحَجُّ، وَلَمْ يَفْرِضْ عَلَيْهِنَّ صَلَاةَ الْجَمَاعَةِ فِي الْمَسْجِدِ، وَإِنَّمَا جَعَلَ الْفُرُوضَ الَّتِي تُنَاطُ بِأَعْنَاقِهِنَّ سِوَى مَا يَتَعَلَّقُ بِالرِّجَالِ، وَلِكُلٍّ وَظِيفَةٌ، وَلَا تَتَدَاخَلُ هَذِهِ الْوَظَائِفُ إِذَا مَا كَانَتْ خَاصَّةً بِكُلٍّ مِنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ.

فَالنَّبِيُّ ﷺ يُبَيِّنُ أَنَّ الْمَرْأَةَ الصَّالِحَةَ هِيَ خَيْرُ مَا يُؤْتَاهُ الْعَبْدُ بَعْدَ الْإِيمَانِ، وَأَيْضًا النَّبِيُّ ﷺ يُبَيِّنُ لِلْمَرْأَةِ الصَّالِحَةِ الْمُسْلِمَةِ وَظِيفَتَهَا فِي الزَّوَاجِ، فَيَقُولُ مُبَيِّنًا الْوَظِيفَةَ فِي ذَلِكَ وَفِي الْحَيَاةِ جُمْلَةً: ((إِذَا صَلَّتْ خَمْسَهَا، وَصَامَتْ شَهْرَهَا، وَأَطَاعَتْ بَعْلَهَا، وَحَفِظَتْ فَرْجَهَا؛ دَخَلَتْ جَنَّةَ رَبِّهَا)).

فَهَذِهِ هِيَ الْأُمُورُ الَّتِي تُنَاطُ بِهَا.

وَمَعْلُومٌ أَنَّ الزَّوَاجَ رِقٌّ؛ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ لِمَنْ يَجْعَلُ كَرِيمَتَهُ، لِأَنَّ الزَّوَاجَ فِي حَقِيقَةِ أَمْرِهِ إِنَّمَا هُوَ كَالرِّقِّ سَوَاءً بِسَوَاءٍ؛ لِذَلِكَ قَالَ الْعُلَمَاءُ كَالْفُضَيْلِ وَغَيْرِهِ: ((مَنْ زَوَّجَ ابْنَتَهُ أَوْ كَرِيمَتَهُ مِنْ مُبْتَدِعٍ فَقَدْ قَطَعَ رَحِمَهُ)).

وَالنَّبِيُّ ﷺ يُحَدِّدُ الْمُوَاصَفَاتِ الَّتِي يَنْبَغِي أَنْ تَتَوَفَّرَ فِي هَذَا وَفِي هَذِهِ، وَيَجْعَلُ ذَلِكَ عَلَى لَوْنٍ مِنْ أَلْوَانِ التَّقَابُلِ، مَعَ مَا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ مِنْ خَصَائِصَ وَوَظَائِفَ.

فَعَلَيْنَا أَنْ نَجْتَهِدَ فِي تَحْصِيلِ هَذِهِ النِّيَّةِ.

وَيَجِبُ عَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ تَكُونَ نِيَّتُهُ حَاضِرَةً، وَأَنْ يَتَّقِيَ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ الَّذِي خَلَقَهُ فِيمَا آتَاهُ وَأَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِ؛ فَإِنَّ هَذَا الزَّوَاجَ مِنْ أَعْظَمِ مَا يَمُنُّ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- عَلَى الْعَبْدِ إِذَا كَانَ عَلَى وَفْقِ هَذِهِ النِّيَّاتِ الصَّالِحَةِ، وَيَسَّرَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- فِيهِ الْأَمْرَ؛ فَإِنَّ الْبَيْتَ جَعَلَهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ سَكَنًا، فَالْعَوَاصِفُ الْعَاصِفَاتُ وَالْمِحَنُ الْمُدْلَهِمَّاتُ الَّتِي يَلْقَاهَا الرَّجُلُ فِي الْحَيَاةِ، وَمَا يَجِدُهُ مِنَ الْمُنَازَعَةِ، وَمِنَ الْجُحُودِ وَالْعِنَادِ، وَمَا أَشْبَهَ فِي حَرَكَةِ حَيَاتِهِ؛ هَذَا كُلُّهُ يُخْلَعُ عَلَى عَتَبَةِ بَابِ دَارِهِ، ثُمَّ يَدْخُلُ بَيْتَهُ فَيَجِدُ السَّكَنَ مِنْ بَعْدِ الِاضْطِرَابِ، وَالْهُدُوءَ مِنْ بَعْدِ هَذَا الَّذِي وَقَعَ مِنَ الْقَلَقِ وَغَيْرِهِ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ الَّتِي لَا بُدَّ مِنْهَا فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ.

فَعَلَيْنَا أَنْ نَتَّقِيَ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ؛ أَنْ نَتَّقِيَ اللهَ فِي أَنْفُسِنَا، وَأَنْ يَتَّقِيَ الرَّجُلُ رَبَّهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- فِي امْرَأَتِهِ؛ فَإِنَّ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- هُوَ الَّذِي أَحَلَّهَا لَهُ، وَهُوَ الَّذِي مَكَّنَهُ مِنْ أُمُورٍ لَا يَسْتَطِيعُ الْأَبُ وَلَا الْأَخُ النَّظَرَ إِلَيْهَا، فَجَعَلَ ذَلِكَ عَلَى هَذِهِ الْحُرْمَةِ الْعَظِيمَةِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالزَّوْجَيْنِ.

وَالنَّبِيُّ ﷺ يُبَيِّنُ ((أَنَّ مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ إِثْمًا الرَّجُلُ يُفْضِي إِلَى الْمَرْأَةِ، وَالْمَرْأَةُ تُفْضِي إِلَى الرَّجُلِ -يَعْنِي: الزَّوْجَ وَالزَّوْجَةَ-، ثُمَّ يَنْشُرُ كُلٌّ مِنْهُمَا سِرَّ صَاحِبِهِ)).

هَذِهِ أُمُورٌ مَكْتُومَةٌ؛ بَلْ هِيَ مَدْفُونَةٌ، لَيْسَ فِيهَا كَلَامٌ مَهْمَا كَانَ الْإِلْحَاحُ عَلَى مِثْلِهَا، فَيَتَّقِي الْإِنْسَانُ رَبَّهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- فِي هَذَا، وَيَتَّقِي اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ فِي مَطْعَمِهِ، وَفِي مَشْرَبِهِ، وَفِي مَلْبَسِهِ، وَفِيمَا يَأْتِي بِهِ مِنْ زِينَةِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْسِهِ أَوْ لِزَوْجِهِ، وَلْيَكُنْ ذَلِكَ مِنَ الْحَلَالِ الصِّرْفِ.

وَكَانَتِ الْوَاحِدَةُ مِنْ نِسَاءِ السَّلَفِ إِذَا أَرَادَ زَوْجُهَا أَنْ يَخْرُجَ طَالِبًا الرِّزْقَ تَعَلَّقَتْ بِثِيَابِهِ تَقُولُ لَهُ: ((اتَّقِ اللهَ فِينَا! وَلَا تُطْعِمْنَا إِلَّا مِنَ الْحَلَالِ الصِّرْفِ؛ فَإِنَّنَا نَحْثُو التُّرَابَ نَسْتَفُّهُ وَلَا نَأْكُلُ مِمَّا فِيهِ شُبْهَةٌ؛ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ مِنْ حَرَامٍ)).

وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا مَا أَتَى بِالْحَرَامِ فَأَكَلَتْهُ الْمَرْأَةُ، ثُمَّ تَخَلَّقَ فِي بَطْنِهَا جَنِينٌ؛ فَهَذَا الْجَنِينُ إِنَّمَا يُغَذَّى مِنْ هَذَا الْغِذَاءِ الَّذِي تَنَاوَلَتْهُ، وَهَذَا الْغِذَاءُ حَرَامٌ، فَهَذَا وَلَدُ حَرَامٍ، تَوَلَّدَ مِنْ حَرَامٍ، وَنَمَى فِي بَطْنِ أُمِّهِ مِنَ الْحَرَامِ؛ فَأَنَّى يَصْلُحُ مِثْلُ هَذَا؟!!

وَعَلَى الْإِنْسَانِ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ أَهْلَهُ أَنْ يَقُولَ مَا أَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ: ((بِسْمِ اللهِ، اللهم جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ، وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا، فَإِذَا كَانَ بَيْنَهُمَا فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ وَلَدٌ لَمْ يَمَسَّهُ الشَّيْطَانُ)) كَمَا قَالَ الرَّسُولُ.

فَلَا يَظْلِمُ الْمَرْءُ نَفْسَهُ بِسُوءِ الِاخْتِيَارِ، وَلَا يَظْلِمُ نَفْسَهُ بِإِطْعَامِ الْحَرَامِ، وَلَا يَظْلِمُ نَفْسَهُ وَوَلَدَهُ بِاسْمٍ لَا يَكُونُ مَطْرُوقًا يَجْعَلُهُ سُخْرِيَةً مِنَ النَّاسِ فِي كُلِّ مَجَالٍ وَفِي كُلِّ مَكَانٍ.

وَيَنْبَغِي لِلْمَرْءِ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ كَمَا يَجِبُ عَلَى وَلَدِهِ أَنْ يَبَرَّهُ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ هُوَ -أَيْضًا- أَنْ يَبَرَّ أَبَاهُ، وَقَدِ اشْتَكَى رَجُلٌ إِلَى عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- عُقُوقَ وَلَدِهِ، فَأَتَى بِهِ عُمَرُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- وَقَالَ لَهُ: ((لِمَ تَعُقُّ أَبَاكَ؟)).

فَقَالَ: ((هُوَ عَقَّنِي قَبْلَ أَنْ أَعُقَّهُ)).

قَالَ: ((كَيْفَ ذَلِكَ؟!!)).

قَالَ: ((لَمْ يُحْسِنِ اخْتِيَارَ أُمِّي، وَإِنَّمَا أَتَى بِهَا يَهُودِيَّةً لِمَجُوسِيٍّ، كَانَتْ تَعْمَلُ رَاقِصَةً أَوْ مَا أَشْبَهَ عِنْدَ مَجُوسِيٍّ، وَأَمَّا هِيَ فَكَانَتْ عَلَى دِينِ الْيَهُودِ، فَلَمْ يُحْسِنِ اخْتِيَارَ أُمِّي)).

 هَذَا مِنْ حَقِّ الْوَلَدِ، وَلَا يَقِفُ مِثْلُ هَذَا عِنْدَ حُدُودِ النَّظَرِ، بِمَعْنَى أَنَّ الْإِنْسَانَ يَتَأَمَّلُ فِي الْمَرْأَةِ فَتُعْجِبُهُ، فَيُقْبِلُ عَلَيْهَا وَيَتَمَسَّكُ بِهَا، وَتَكُونُ كَخَضْرَاءِ الدِّمَنِ، وَالْحَدِيثُ لَا يَصِحُّ؛ وَلَكِنْ أَنَا أَسْتَعْمِلُ الْمُصْطَلَحَ، أَسْتَعْمِلُ هَذِهِ اللُّغَةَ، تَكُونُ كَخَضْرَاءِ الدِّمَنِ؛ فَإِنَّهَا -حِينَئِذٍ- لَا تَكُونُ صَالِحَةً، وَسَيَظْهَرُ مِنْهَا بَعْدَ حِينٍ مَا انْطَوَتْ عَلَيْهِ مِنْ أَصْلٍ مَا يَزَالُ دَسِيسَةً فِي قَلْبِهَا حَتَّى يَظْهَرَ فِي لَفْظِهَا وَلِسَانِهَا، وَفِي حَرَكَاتِهَا وَسَكَنَاتِهَا؛ وَلِذَلِكَ اخْتَارَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- امْرَأَةً كَانَتْ عَوْرَاءَ، وَكَانَ قَدْ أَرْسَلَ خَاطِبَةً تَخْطِبُ لَهُ أُخْتَهَا، وَكَانَتْ هَذِهِ الثَّانِيَةُ تَسْمَعُ، كَانَتْ وَاقِفَةً، فَقَالَ: اذْهَبْ فَاخْطِبْ هَذِهِ لِي، وَتَزَوَّجَهَا الْإِمَامُ -رَحِمَهُ اللهُ-، وَرُزِقَ مِنْهَا أَئِمَّةً -رَحِمَهُمَا اللهُ تَعَالَى رَحْمَةً وَاسِعَةً-.

الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَزَوْجُهُ بَعْدَ سَبْعَةِ أَعْوَامٍ تَقُولُ لَهُ: ((يَا ابْنَ عَمِّ! هَلْ رَابَكَ مِنِّي شَيْءٌ؟))؛ هَلْ وَجَدْتَ فِي نَفْسِكَ مَوْجِدَةً عَلَيَّ فِي شَيْءٍ أَتَيْتُ بِهِ لَمْ أَلْتَفِتْ إِلَيْهِ؟!! بَعْدَ سَبْعِ سَنَوَاتٍ..

يَقُولُ لَهَا الْإِمَامُ -رَحِمَهُ اللهُ وَرَحِمَهَا-: ((لَا، لَمْ أَجِدْ فِي نَفْسِي عَلَيْكِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنَّ نَعْلَكِ هَذِهِ تَصِرُّ))، هَذَا مَا يَجِدُهُ عَلَيْهَا بَعْدَ سَبْعَةِ أَعْوَامٍ -فَرَحِمَهُ اللهُ وَرَحِمَهَا-.

فَعَلَيْنَا أَنْ نَنْظُرَ فِي هَذِهِ الْمَعَانِي، وَأَنْ نَعْلَمَ أَنَّ الزَّوَاجَ بَيْنَ أَهْلِ السُّنَّةِ مَفْخَرَةٌ وَعِزٌّ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَتَمَسَّكَ بِهِ الْمُسْلِمُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَجْعَلُ الْأُمُورَ قَرِيبَةً فِي تَنَاوُلِهَا وَفِي تَحْقِيقِهَا وَفِي مَآلَاتِهَا، وَفِي حَلِّ مَشَاكِلِهَا، إِذَا كَانَتِ الْأُمُورُ كُلُّهَا تَنْتَهِي عِنْدَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ بِفَهْمِ الصَّحَابَةِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ؛ فَحَيَّهَلَّا عَلَى مِثْلِ هَذَا، وَأَيْنَ يَجِدُ الْإِنْسَانُ مَرْجِعًا كَهَذَا يَرْجِعُ إِلَيْهِ عِنْدَ النِّزَاعِ وَالْخِلَافِ؟!!

نَحْنُ إِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُؤَسِّسَ بَيْتًا مُسْلِمًا فَعَلَيْنَا أَنْ نَتَوَخَّى الْحِرْصَ وَالْحَذَرَ فِي الِاخْتِيَارِ عَلَى الْجَانِبَيْنِ.

فَإِذَا مَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَعَلَيْنَا أَنْ نُخْلِصَ نِيَّاتِنَا للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، أَنْ نُنَفِّذَ سُنَّةَ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الْكَوْنِيَّةَ فِي كَوْنِهِ وَخَلْقِهِ، وَأَنْ نُنَفِّذَ سُنَّةَ النَّبِيِّ ﷺ فِي دِينِهِ وَشَرْعِهِ، وَأَنْ يُحَصِّلَ الْمَرْءُ فِي بَيْتِهِ فَتَاةً صَالِحَةً طَيِّبَةَ الْأَعْرَاقِ طَيِّبَةَ الْمَحْتِدِ، تُعِينُهُ عَلَى أَمْرِ دِينِهِ، وَتُسَاعِدُهُ عَلَى أَمْرِ آخِرَتِهِ؛ مِنْ أَجْلِ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((رَحِمَ اللهُ رَجُلًا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَأَيْقَظَ امْرَأَتَهُ، فَإِنْ قَامَتْ وَإِلَّا نَضَحَ فِي وَجْهِهَا الْمَاءَ، وَرَحِمَ اللهُ امْرَأَةً قَامَتْ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّتْ، ثُمَّ أَيْقَظَتْ زَوْجَهَا -يَعْنِي: لِيُصَلِّيَ-، فَإِنْ قَامَ وَإِلَّا نَضَحَتْ فِي وَجْهِهِ الْمَاءَ)).

انْظُرْ إِلَى هَذَا  الْعُشِّ الْهَادِئِ الدَّافِئِ الْحَنُونِ، فِيهِ هَذِهِ الْأَطْيَافُ مِنْ ظِلَالِ الْحُبِّ الْإِسْلَامِيِّ الْعَظِيمِ، فِيهِ هَذِهِ الْمَوَدَّةُ الْمُتَفَجِّرَةُ مِنْ حَنَايَا الْقُلُوبِ عَمَلًا مُبَارَكًا في دُنْيَا اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

أَيُّ إِخْلَاصٍ وَأَيُّ مَحَبَّةٍ، قِيَامٌ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ الْآخِرِ.

ثُمَّ لَا يَسْتَأْثِرُ الْمَرْءُ بِالْخَيْرِ لِنَفْسِهِ، وَإِنَّمَا يُحِبُّهُ لِأَهْلِهِ وَزَوْجِهِ، فَإِذَا مَا أَيْقَظَهَا فَلَمْ تَقُمْ غَمَسَ يَدَهُ فِي الْمَاءِ، ثُمَّ نَضَحَ فِي وَجْهِهَا الْمَاءَ، يَتَنَاثَرُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ الْحَبِيبِ بِهَذَا الْمَاءِ الدَّافِئِ؛ مِنْ أَجْلِ أَنْ يَكُونَ مُوَصِّلًا لِرِسَالَةٍ إِلَى الْقَلْبِ؛ مِنْ أَجْلِ أَنْ يَنْتَبِهَ الْجَسَدُ لِلْقِيَامِ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

هَذِهِ هِيَ الْبُيُوتُ الَّتِي يُرِيدُهَا اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ لِلْمُسْلِمِينَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ، لَا الَّتِي يَنْدَفِعُ فِي جَوَانِبِهَا السُّخْطُ، وَلَا الَّتِي يَنْفَجِرُ فِي حَنَايَاهَا هَذَا السَّخَفُ السَّخِيفُ مِنْ مَعْصِيَاتِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ فِي كُلِّ حِينٍ وَآنٍ.

((الزَّوَاجُ سَبِيلُ بِنَاءِ الْأُسْرَةِ فِي الْإِسْلَامِ))

إِنَّ وُجُودَ الْكِيَانِ الْأُسَرِيِّ فِي حَيَاةِ الْإِنْسَانِ مِنْ أَعْظَمِ نِعَمِ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ-، وَقَدِ امْتَنَّ اللهُ -سُبْحَانَهُ- عَلَى عِبَادِهِ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ فِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ، حَيْثُ يَقُولُ الْحَقُّ -سُبْحَانَهُ-: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ ۚ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ} [النحل: 72].

((يُخْبِرُ -تَعَالَى- عَنْ مِنَّتِهِ الْعَظِيمَةِ عَلَى عِبَادِهِ، حَيْثُ جَعَلَ لَهُمْ أَزْوَاجًا لِيَسْكُنُوا إِلَيْهَا، وَجَعَلَ لَهُمْ مِنْ أَزْوَاجِهِمْ أَوْلَادًا تَقَرُّ بِهِمْ أَعْيُنُهُمْ وَيَخْدِمُونَهُمْ، وَيَقْضُونَ حَوَائِجَهُمْ، وَيَنْتَفِعُونَ بِهِمْ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ، وَرَزَقَهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ مِنْ جَمِيعِ الْمَآكِلِ وَالْمُشَارِبِ وَالنِّعَمِ الظَّاهِرَةِ الَّتِي لَا يَقْدِرُ الْعِبَادُ أَنْ يُحْصُوهَا.

{أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ} أَيْ: أَيُؤْمِنُونَ بِالْبَاطِلِ الَّذِي لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا ثُمَّ أَوْجَدَهُ اللَّهُ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ وُجُودِهِ سِوَى الْعَدَمِ؟!! فَلَا تَخْلُقُ، وَلَا تَرْزُقُ، وَلَا تُدَبِّرُ مِنَ الْأَمْرِ شَيْئًا، وَهَذَا عَامٌّ لِكُلِّ مَا عُبِدَ مِنْ دُونِ اللَّهِ؛ فَإِنَّهَا بَاطِلَةٌ؛ فَكَيْفَ يَتَّخِذُهَا الْمُشْرِكُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ؟!!

{وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ}: يَجْحَدُونَهَا وَيَسْتَعِينُونَ بِهَا عَلَى مَعَاصِي اللَّهِ وَالْكُفْرِ بِهِ، هَلْ هَذَا إِلَّا مِنْ أَظْلَمِ الظُّلْمِ وَأَفْجَرِ الْفُجُورِ وَأَسْفَهِ السَّفَهِ؟!!)).

((الْأَصْلُ فِي مَشْرُوعِيَّةِ النِّكَاحِ: الْكِتَابُ، وَالسُّنَّةُ، وَالْإِجْمَاعُ.

أَمَّا الْكِتَابُ؛ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: {فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِنَ النسَاءِ} [النساء: 3].

وَأَمَّا السُّنَّةُ؛ فَآثَارٌ كَثِيرَةٌ؛ قَوْلِيَّةٌ، وَفِعْلِيَّةٌ، وَتَقْرِيرِيَّةٌ، وَمِنْهَا حَدِيثُ النَّبِيِّ ﷺ: ((يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ! مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ؛ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ؛ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ)).

وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى مَشْرُوعِيَّتِهِ، وَقَدْ حَثَّ عَلَيْهِ الشَّارِعُ الْحَكِيمُ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ الْفَوَائِدِ الْجَلِيلَةِ، وَيَدْفَعُ بِهِ مِنَ الْمَفَاسِدِ الْجَسِيمَةِ؛ فَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ} [النور: 32]. وَهَذَا أَمْرٌ.

وَقَالَ: {فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ} [البقرة: 232]. وَهَذَا نَهْيٌ.

وَقَالَ ﷺ: ((النِّكَاحُ سُنَّتِي؛ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي)).

وَقَالَ: ((تَنَاكَحُوا تَكْثُرُوا؛ فَإِنِّي مُبَاهٍ بِكُمُ الْأُمَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)))).

((مَنَافِعُ وَثَمَرَاتُ الزَّوَاجِ وَتَأْسِيسِ الْأُسْرَةِ))

الْأُسْرَةُ هِيَ نَوَاةُ الْمُجْتَمَعِ، وَحِصْنُ الدِّفَاعِ الْأَوَّلِ عَنْهُ؛ لِذَلِكَ اهْتَمَّ الْإِسْلَامُ بِبِنَائِهَا بِنَاءً قَوِيًّا مُتَمَاسِكًا، بِمَا يُحَقِّقُ الْمَوَدَّةَ وَالرَّحْمَةَ بَيْنَ جَمِيعِ أَفْرَادِهَا، فَيَعُمَّ الْأَمْنُ وَالِاسْتِقْرَارُ لِلْمُجَتَمَعِ كُلِّهِ، حَيْثُ جَاءَتِ الشَّرِيعَةُ الْإِسْلَامِيَّةُ بِضَرُورَةِ انْتِقَاءِ شَرِيكِ الْحَيَاةِ بِعِنَايَةٍ فَائِقَةٍ، تُؤَدِّي إِلَى اسْتِقْرَارِ الْحَيَاةِ الزَّوْجِيَّةِ، كَمَا نَبَّهَتْ عَلَى أَهَمِّيَّةِ تَحَقُّقِ الْقُدْرَةِ عَلَى تَحَمُّلِ مَسْؤُولِيَّةِ الْأُسْرَةِ بِكُلِّ جَوَانِبِهَا الْمَالِيَّةِ وَالِاجْتِمَاعِيَّةِ وَالنَّفْسِيَّةِ.

((يَتَرَتَّبُ عَلَى الزَّوَاجِ مِنَ الْمَنَافِعِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي تَعُودُ عَلَى الزَّوْجَيْنِ، وَالْأَوْلَادِ، وَالْمُجْتَمَعِ، وَالدِّينِ بِالْمَصَالِحِ الْكَثِيرَةِ.

فَمِنْ ذَلِكَ: مَا فِيهِ مِنْ تَحْصِينِ فَرْجَيِ الزَّوْجَيْنِ، وَقَصْرُ كُلٍّ مِنْهُمَا بِهَذَا الْعَهْدِ نَظَرَهُ عَلَى صَاحِبِهِ عَنِ الْخِلَّانِ وَالْخَلِيلَاتِ.

وَمِنْ ذَلِكَ: مَا فِي النِّكَاحِ مِنْ تَكْثِيرِ الْأُمَّةِ بِالتَّنَاسُلِ لِيَكْثُرَ عِبَادُ اللهِ -تَعَالَى- وَأَتْبَاعُ نَبِيِّهِ ﷺ، فَتَتَحَقَّقُ الْمُبَاهَاةُ، وَيَتَسَاعَدُوا عَلَى أَعْمَالِ الْحَيَاةِ.

وَمِنْهَا: حِفْظُ الْأَنْسَابِ الَّتِي يَحْصُلُ بِهَا التَّعَارُفُ، وَالتَّآلُفُ، وَالتَّعَاوُنُ، وَالتَّنَاصُرُ.

وَلَوْلَا عَقْدُ النِّكَاحِ وَحِفْظُ الْفُرُوجِ بِهِ لَضَاعَتِ الْأَنْسَابُ، وَلَأَصْبَحَتِ الْحَيَاةُ فَوْضَى؛ لَا وِرَاثَةَ، وَلَا حُقُوقَ، وَلَا أُصُولَ، وَلَا فُرُوعَ.

وَمِنْهَا: مَا يَحْصُلُ بِالزَّوَاجِ مِنَ الْأُلْفَةِ وَالْمَوَدَّةِ وَالرَّحْمَةِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ؛ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ شَرِيكٍ فِي حَيَاتِهِ يُشَاطِرُهُ هُمُومَهُ وَغُمُومَهُ، وَيُشَارِكُهُ فِي أَفْرَاحِهِ وَسُرُورِهِ.

وَفِي عَقْدِ الزَّوَاجِ سِرٌّ إِلَهِيٌّ عَظِيمٌ يَتِمُّ عِنْدَ عَقْدِهِ -إِذَا قَدَّرَ اللهُ الْأُلْفَةَ-، فَيَحْصُلُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ مِنْ مَعَانِي الْوُدِّ وَالرَّحْمَةِ مَا لَا يَحْصُلُ بَيْنَ الصَّدِيقَيْنِ أَوِ الْقَرِيبَيْنِ إِلَّا بَعْدَ الْخُلْطَةِ الطَّوِيلَةِ.

وَإِلَى هَذَا الْمَعْنَى أَشَارَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- بِقَوْلِهِ: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الروم: 21].

وَمِنْهَا: مَا يَحْصُلُ فِي اجْتِمَاعِ الزَّوْجَيْنِ مِنْ قِيَامِ الْبَيْتِ وَالْأُسْرَةِ الَّذِي هُوَ نَوَاةُ قِيَامِ الْمُجْتَمَعِ وَصَلَاحِهِ.

فَالزَّوْجُ يَكِدُّ وَيَكْدَحُ وَيَتَكَسَّبُ، فَيُنْفِقُ وَيَعُولُ، وَالْمَرْأَةُ تُدَبِّرُ الْمَنْزِلَ، وَتُنَظِّمُ الْمَعِيشَةَ، وَتُرَبِّي الْأَطْفَالَ، وَتَقُومُ بِشُؤُونِهِمْ؛ وَبِهَذَا تَسْتَقِيمُ الْأَحْوَالُ، وَتَنْتَظِمُ الْأُمُورُ.

وَبِهَذَا تَعْلَمُ أَنَّ لِلْمَرْأَةِ فِي بَيْتِهَا عَمَلًا كَبِيرًا لَا يَقِلُّ عَنْ عَمَلِ الرَّجُلِ فِي خَارِجِهِ، وَأَنَّهَا إِذَا أَحَسَّتِ الْقِيَامَ بِمَا نِيطَ بِهَا فَقَدْ أَدَّتْ لِلْمُجْتَمَعِ كُلِّهِ خَدَمَاتٍ كَبِيرَةً جَلِيلَةً.

فَتَبَيَّنَ أَنَّ الَّذِينَ يُرِيدُونَ إِخْرَاجَهَا مِنْ بَيْتِهَا وَمَقَرِّ عَمَلِهَا لِتُشَارِكَ الرَّجُلَ فِي عَمَلِهِ قَدْ ضَلُّوا عَنْ مَعْرِفَةِ مَصَالِحِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا ضَلَالًا بَعِيدًا.

وَفَوَائِدُ النِّكَاحِ لَا تُحْصِيهَا الْأَقْلَامُ، وَلَا تُحِيطُ بِهَا الْأَفْهَامُ؛ لِأَنَّهُ نِظَامٌ شَرْعِيٌّ إِلَهِيٌّ سُنَّ لِيُحَقِّقَ مَصَالِحَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى)).

((جُمْلَةٌ مِنْ سُبُلِ الْحِفَاظِ عَلَى الْأُسْرَةِ))

إِنَّ الْإِسْلَامَ يَحْرِصُ كُلَّ الْحِرْصِ عَلَى الْحِفَاظِ عَلَى كِيَانِ الْأُسْرَةِ مُتَرَابِطَةً مُتَآلِفَةً قَائِمَةً عَلَى الْعَقِيدَةِ الصَّحِيحَةِ، وَالْأَخْلَاقِ الْإِسْلَامِيَّةِ الْفَاضِلَةِ، وَالْحُبِّ وَالِاحْتِرَامِ، وَالتَّقْدِيرِ الْمُتَبَادَلِ، قَالَ تَعَالَى: {هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ} [البقرة: 187].

وَيَقُولُ -سُبْحَانَهُ-: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 228].

(({وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} أَيْ: وَلِلنِّسَاءِ عَلَى بُعُولَتِهِنَّ مِنَ الْحُقُوقِ وَاللَّوَازِمِ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ لِأَزْوَاجِهِنَّ مِنَ الْحُقُوقِ اللَّازِمَةِ وَالْمُسْتَحَبَّةِ.

وَمَرْجِعُ الْحُقُوقِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ يَرْجِعُ إِلَى الْمَعْرُوفِ؛ وَهُوَ: الْعَادَةُ الْجَارِيَةُ فِي ذَلِكَ الْبَلَدِ وَذَلِكَ الزَّمَانِ مِنْ مِثْلِهَا لِمِثْلِهِ، وَيَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ الْأَزْمِنَةِ وَالْأَمْكِنَةِ وَالْأَحْوَالِ وَالْأَشْخَاصِ وَالْعَوَائِدِ)).

وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((أَلَا وَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلِنِسَائِكُمْ عَلَيْكُمْ حَقًّا)).

فَالْأَمْرُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ قَائِمٌ عَلَى السَّكَنِ وَالْمَوَدَّةِ وَالرَّحْمَةِ، وَالْحُقُوقِ وَالْوَاجِبَاتِ الْمُتَبَادَلَةِ.

((لِلزَّوَاجِ وَتَأْسِيسِ الْأُسْرَةِ آدَابٌ وَحُدُودٌ لَا بُدَّ مِنْ مُرَاعَاتِهَا وَالْقِيَامِ بِهَا مِنَ الْجَانِبَيْنِ؛ لِتَتِمَّ بِهِ النِّعْمَةُ، وَتَتَحَقَّقَ السَّعَادَةُ، وَيَصْفُوَ الْعَيْشُ، وَهِيَ أَنْ يَقُومَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الزَّوْجَيْنِ بِمَا لِصَاحِبِهِ مِنْ حُقُوقٍ، وَيُرَاعِيَ مَا لَهُ مِنْ وَاجِبَاتٍ.

فَمِنَ الزَّوْجِ الْقِيَامُ بِالْإِنْفَاقِ، وَمَا يَسْتَحِقُّ مِنْ كِسْوَةٍ وَمَسْكَنٍ بِالْمَعْرُوفِ، وَأَنْ يَكُونَ طَيِّبَ النَّفْسِ، وَأَنْ يُحْسِنَ الْعِشْرَةَ بِاللُّطْفِ وَاللِّينِ، وَالْبَشَاشَةِ وَالْأُنْسِ، وَحُسْنِ الصُّحْبَةِ.

وَعَلَيْهَا أَنْ تَقُومَ بِخِدْمَتِهِ وَإِصْلَاحِ بَيْتِهِ، وَتَدْبِيرِ مَنْزِلِهِ وَنَفَقَتِهِ، وَتُحْسِنَ إِلَى أَبْنَائِهِ وَتُرَبِّيَهُمْ، وَتَحْفَظَهُ فِي نَفْسِهَا وَبَيْتِهِ وَمَالِهِ، وَأَنْ تُقَابِلَهُ بِالطَّلَاقَةِ وَالْبَشَاشَةِ، وَتُهَيِّئَ لَهُ أَسْبَابَ رَاحَتِهِ، وَتُدْخِلَ عَلَى نَفْسِهِ السُّرُورَ؛ لِيَجِدَ فِي بَيْتِهِ السَّعَادَةَ وَالِانْشِرَاحَ وَالرَّاحَةَ بَعْدَ نَصَبِ الْعَمَلِ وَتَعَبِهِ.

فَإِذَا قَامَ كُلٌّ مِنَ الزَّوْجَيْنِ بِمَا لِصَاحِبِهِ مِنَ الْحُقُوقِ وَالْوَاجِبَاتِ؛ صَارَتْ حَيَاتُهُمَا سَعِيدَةً، وَاجْتِمَاعُهُمَا حَمِيدًا، وَرَفْرَفَ عَلَى بَيْتِهِمَا السُّرُورُ وَالْحُبُورُ، وَنَشَأَ الْأَطْفَالُ فِي هَذَا الْجَوِّ الْهَادِئِ الْوَادِعِ، فَشَبُّوا عَلَى كَرَمِ الطِّبَاعِ، وَحُسْنِ الشَّمَائِلِ، وَلَطِيفِ الْأَخْلَاقِ.

وَهَذَا النِّكَاحُ الَّذِى أَتَيْنَا عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَوَائِدِهِ، ثُمَّ ذَكَرْنَا مَا يُحَقِّقُ مِنَ السَّعَادَةِ هُوَ النِّكَاحُ الشَّرْعِيُّ الْإِسْلَامِيُّ الَّذِى يَكْفُلُ صَلَاحَ الْبَشَرِ، وَعَمَارَ الْكَوْنِ، وَسَعَادَةَ الدَّارَيْنِ.

فَإِنْ لَمْ يُحَقِّقِ الْمَطْلُوبَ فَإِنَّ النُّظُمَ الْإِلَهِيَّةَ الَّتِي أُمِرَ بِهَا وَحثَّ عَلَيْهَا لَمْ تُرَاعَ فِيهِ، وَبِهَذَا يُدْرَكُ سُمُوُّ الدِّينِ، وَجَلِيلُ أَهْدَافِهِ وَمَقَاصِدِهِ)).

 ((تَرْبِيَةُ الْأَبْنَاءِ عَلَى الِاقْتِدَاءِ بِهَذِهِ النَّمَاذِجِ))

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ! لَقَدْ تَأَكَّدَتْ عِنَايَةُ الشَّرِيعَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ بِتَرْبِيَةِ الْأَبْنَاءِ تَرْبِيَةً سَلِيمَةً، وَإِشْعَارِهِمْ بِمَسْؤُولِيَّتِهِمْ تِجَاهَ دِينِهِمْ، وَمُجْتَمَعِهِمْ، وَوَطَنِهِمْ، مِمَّا يُؤَسِّسُ لِبِنَاءِ أُسْرَةٍ قَوِيَّةٍ سَوِيَّةٍ، مِنْ خِلَالِ غَرْسِ أُصُولِ الْعَقِيدَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ وَالْقِيَمِ الدِّينِيَّةِ فِي نُفُوسِ الْأَبْنَاءِ، وَتَرْبِيَتِهِمْ عَلَى الِاقْتِدَاءِ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَصَحْبِهِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ-؛ فَهُمْ أَمَانَةٌ فِي أَعْنَاقِ الْوَالِدَيْنِ، حَيْثُ يَقُولُ الْحَقُّ سُبْحَانَهُ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} [التحريم: 6].

((أَيْ: يَا مَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِالْإِيمَانِ! قُومُوا بِلَوَازِمِهِ وَشُرُوطِهِ، فَـ {قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} مَوْصُوفَةً بِهَذِهِ الْأَوْصَافِ الْفَظِيعَةِ، وَوِقَايَةُ الْأَنْفُسِ بِإِلْزَامِهَا أَمْرَ اللَّهِ، وَالْقِيَامِ بِأَمْرِهِ امْتِثَالًا وَنَهْيِهِ اجْتِنَابًا، وَالتَّوْبَةِ عَمَّا يَسْخَطُ اللَّهُ وَيُوجِبُ الْعَذَابَ، وَوِقَايَةُ الْأَهْلِ وَالْأَوْلَادِ؛ بِتَأْدِيبِهِمْ، وَتَعْلِيمِهِمْ، وَإِجْبَارِهِمْ عَلَى أَمْرِ اللَّهِ، فَلَا يَسْلَمُ الْعَبْدُ إِلَّا إِذَا قَامَ بِمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ فِي نَفْسِهِ وَفِيمَنْ تَحْتَ وِلَايَتِهِ مِنَ الزَّوْجَاتِ وَالْأَوْلَادِ وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ هُوَ تَحْتَ وِلَايَتِهِ وَتَصَرُّفِهِ.

وَوَصَفَ اللَّهُ النَّارَ بِهَذِهِ الْأَوْصَافِ؛ لِيَزْجُرَ عِبَادَهُ عَنِ التَّهَاوُنِ بِأَمْرِهِ فَقَالَ: {وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ}، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ})).

وَيَقُولُ نَبِيُّنَا ﷺ: ((إِنَّ اللَّهَ سَائِلٌ كُلَّ رَاعٍ عَمَّا اسْتَرْعَاهُ، أَحَفِظَ أَمْ ضَيَّعَ، حَتَّى يَسْأَلَ الرَّجُلَ عَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ)).

كَمَا أَنَّ صَلَاحَ الذُّرِّيَّةِ يَكُونُ قُرَّةَ عَيْنٍ لِلْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، حَيْثُ يَقُولُ -سُبْحَانَهُ-: {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} [الفرقان: 74].

(({وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا} أَيْ: قُرَنَائِنَا مِنْ أَصْحَابٍ وَأَقْرَانٍ وَزَوْجَاتٍ، {وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ} أَيْ: تَقَرُّ بِهِمْ أَعْيُنُنَا، وَإِذَا اسْتَقْرَأْنَا حَالَهُمْ وَصِفَاتِهِمْ عَرَفْنَا مِنْ هِمَمِهِمْ وَعُلُوِّ مَرْتَبَتِهِمْ أَنَّهُمْ لَا تَقَرُّ أَعْيُنُهُمْ حَتَّى يَرَوْهُمْ مُطِيعِينَ لِرَبِّهِمْ، عَالِمِينَ عَامِلِينَ، وَهَذَا كَمَا أَنَّهُ دُعَاءٌ لِأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ فِي صَلَاحِهِمْ فَإِنَّهُ دُعَاءٌ لِأَنْفُسِهِمْ؛ لِأَنَّ نَفْعَهُ يَعُودُ عَلَيْهِمْ؛ وَلِهَذَا جَعَلُوا ذَلِكَ هِبَةً لَهُمْ فَقَالُوا: هَبْ لَنَا؛ بَلْ دُعَاؤُهُمْ يَعُودُ إِلَى نَفْعِ عُمُومِ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّ بِصَلَاحِ مَنْ ذُكِرَ يَكُونُ سَبَبًا لِصَلَاحِ كَثِيرٍ مِمَّنْ يَتَعَلَّقُ بِهِمْ وَيَنْتَفِعُ بِهِمْ.

{وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} أَيْ: أَوْصِلْنَا يَا رَبَّنَا إِلَى هَذِهِ الدَّرَجَةِ الْعَالِيَةِ؛ دَرَجَةِ الصِّدِّيقِينَ وَالْكُمَّلِ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، وَهِيَ دَرَجَةُ الْإِمَامَةِ فِي الدِّينِ، وَأَنْ يَكُونُوا قُدْوَةً لِلْمُتَّقِينَ فِي أَقْوَالِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ، يُقْتَدَى بِأَفْعَالِهِمْ، وَيُطْمَئَنُّ لِأَقْوَالِهِمْ، وَيَسِيرُ أَهْلُ الْخَيْرِ خَلْفَهُمْ فَيَهْدُونَ وَيَهْتَدُونَ.

وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الدُّعَاءَ بِبُلُوغِ شَيْءٍ دُعَاءٌ بِمَا لَا يَتِمُّ إِلَّا بِهِ، وَهَذِهِ الدَّرَجَةُ -دَرَجَةُ الْإِمَامَةِ فِي الدِّينِ- لَا تَتِمُّ إِلَّا بِالصَّبْرِ وَالْيَقِينِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ}، فَهَذَا الدُّعَاءُ يَسْتَلْزِمُ مِنَ الْأَعْمَالِ وَالصَّبْرِ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ، وَعَنْ مَعْصِيَتِهِ، وَعَلَى أَقْدَارِهِ الْمُؤْلِمَةِ، وَمِنَ الْعِلْمِ التَّامِّ الَّذِي يُوصِلُ صَاحِبَهُ إِلَى دَرَجَةِ الْيَقِينِ خَيْرًا كَثِيرًا وَعَطَاءً جَزِيلًا، وَأَنْ يَكُونُوا فِي أَعْلَى مَا يُمْكِنُ مِنْ دَرَجَاتِ الْخَلْقِ بَعْدَ الرُّسُلِ)).

إِنَّ جِيلَ تَأْسِيسِ الدَّعْوَةِ الصَّحِيحَةِ إِلى دِينِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَيْسَتْ لَهُمْ دُنْيَا فِي الْحَقِيقَةِ، وَإِنَّمَا هُمْ مُقْبِلُونَ عَلَى اللهِ رَبِّ العَالَمِينَ؛ أَمًّا وَقَصْدًا، وَكَانَتْ هَذِهِ الْحَالُ هِيَ الْغَالِبَةَ عَلَى أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ مِنَ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ -رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ-.

عَلَيْنَا -عِبَادَ اللهِ- أَنْ نَقِفَ عَلَى رَأْسِ طَرِيقِنَا مُتَأَمِّلِينَ، وَعَلَيْنَا أَنْ نَخْتَارَ إِمَّا الدُّنْيَا وَإِمَّا الْآَخِرَةِ، وَالْجِيلُ الَّذِى يَحْمِلُ حِمْلًا صَادِقًا أَمِينًا يُؤَدِّيهَا إِلَى الْأَجْيَالِ مِنْ بَعْدُ، يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ جِيلًا أَمِينًا بِحَقٍّ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، مُتَقَلِّلًا مِنَ الدُّنْيَا لَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهَا وَلَا يُعَوِّلُ عَلَيْهَا، وَلَكِنْ كَمَا قَالَ رَبُّنَا -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ- فِي كِتَابِهِ الْعَظِيمِ {وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ} [ص: 24].

جِيلُ التّأْسِيسِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ وَاعِيًا، الْجِيلُ الَّذِى يَعْرِضُ الْإِسْلَامَ عَلَى حَقِيقَتِهِ مُنِيرًا مُشْرِقًا.

النَّبِيُّ ﷺ لَمَّا دَعَا إِلَى الْإِسْلَامِ الْعَظِيمِ تَبِعَهُ مَنْ تَبِعَهُ مِمَّنْ هَدَاهُمْ إِلَى دِينِ الْإِسْلَامِ الْعَظِيمِ؛ فَكَانَ مَاذَا؟

كَانَ أَنْ طَلَّقُوا الدُّنْيَا مِنْ أَجْلِ الدِّينِ، وَكَانَ أَنْ أَقْبَلُوا عَلَى الْآخِرَةِ، وَأَدْبَرُوا عَنِ الدُّنْيَا، وَكَانَ أَنْ عَرَفُوا وَظِيفَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ، وَأَنَّ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ لَمْ يَخْلُقْهُمْ فِي الْحَيَاةِ لِيُخَلِّدُوا فِيهَا، وَإِنَّمَا مِنْ أَجْلِ أَنْ يَسْتَعْمِرُوهَا للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَمِنْ أَجْلِ أَنْ يُحَقِّقُوا الْعِبَادَةَ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَحْدَهُ، لِكَيْ يَكُونَ نُطْقُهُمْ ذِكْرًا وَصَمْتُهُمْ عِبْرَةً، وَمِنْ أَجْلِ أَنْ يَتَفَكَّرُوا فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَمِنْ أَجْلِ أَنْ يُحَصِّلُوا الْمَالَ مِنَ الْحَلَالِ لِيَضَعُوهُ فِي الْحَلَالِ بِنِيَّةٍ صَالِحَةٍ مُوَفَّقَةٍ مِنْ عِنْدِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

كَانَ أَنْ هَدَى اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ أُولَئِكَ الْقَوْمَ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَوَضَعُوا الْمُعَادَلَةَ عَلَى النَّحْوِ الصَّحِيحِ، وَوَزَنُوهَا وَزْنًا صَحِيحًا مُتْقَنًا، وَعَلِمُوا أَنَّ الْحَيَاةَ إِنَّمَا هِيَ سَرَابٌ وَوَهْمٌ، وَأَنَّهَا إِنَّمَا تَكُونُ كَهَذَا الْبَرْقِ الْخَاطِفِ، أَوْ كَالرِّيحِ الْعَاصِفِ، أَوْ هِيَ كَسَاعَةٍ مِنْ زَمَانٍ سَرْعَانَ مَا تَنْقَضِي!!

فَكَانَ أَنْ أَقْبَلُوا عَلَى دِينِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَبَذَلُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ؛ لِأَنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنْهُمْ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ.

وَهَذَا شَابٌّ مِنْ أُولَئِكَ الشَّبَابِ الَّذِينَ تَبِعُوا مُحَمَّدًا ﷺ؛ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ الَّذِي فَتَحَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ بِهِ الْمَدِينَةَ النَّبَوِيَّةَ مِنْ غَيْرِ سَيْفٍ وَلَا قِتَالٍ، بِالْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، وَيَكْفِي أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ فِي مِيزَانِ حَسَنَاتِ مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ حَسَنَاتِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ الَّذِي اهْتَزَّ عَرْشُ الرَّحْمَنِ لِمَوْتِهِ، وَالَّذِي قَالَ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ: ((شَهِدَ جَنَازَتَهُ سَبْعُونَ أَلْفًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ))، فَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَسِيرُ فِي جَنَازَتِهِ عَلَى أَطْرَافِ أَصَابِعِهِ.

هَذَا الَّذِي كُلَّمَا حَفَرُوا شَيْئًا مِنْ قَبْرِهِ وَأَخْرَجُوا تُرَابَهُ تَضَوَّعَتِ الْمَدِينَةُ بِرِيحِ الْمِسْكِ الْأَذْفَرِ مِنْ طِيبِ مَا جَعَلَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ فِي حُفْرَتِهِ؛ هَذَا بِحَسَنَاِتِهِ فِي مِيزَانِ حَسَنَاتِ مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ.

كَانَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ -وَمَا زَالَ شَابًّا بَعْدُ- يَسْتَجْلِبُ لَهُ أَبَوَاهُ الثِّيَابَ مِنْ مِصْرَ وَمِنَ الْيَمَنِ يُؤْتَى بِهَا إِلَى مَكَّةَ -زَادَهَا اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ شَرَفًا-، وَكَانَ طِيبُهُ يُعْرَفُ عَلَى مَبْعَدَةٍ، فَإِذَا مَا كَانَ فِي شَارِعٍ لَمَّا يَبْدُوا لِلنَّاظِرِ بَعْدُ يَهِلُّ عَلَى الْحَاضِرِينَ عَبِيرُ طِيبِهِ، فَيَقُولُونَ: مُصْعَبٌ قَادِمٌ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-.

كُلُّ هَذَا قَبْلَ إِسْلَامِهِ!!

وَكَانَ أَبَوَاهُ يَغْذُوَانِهِ السَّمْنَ وَالْعَسَلَ، وَكَانَ مُرَفَّهًا جِدًّا، فَلَمَّا أَنْ آمَنَ بِاللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَتَبِعَ مُحَمَّدًا ﷺ لَفِظَهُ أَبَوَاهُ، فَوَجَدَ شَظَفَ الْعَيْشِ؛ حَتَّى كَانَ يَتَمَنْطَقُ بِإِهَابِ كَبْشٍ، يَأْتِي بِإِهَابِ الْكَبْشِ فَيَجْعَلُهُ سَاتِرًا لِعَوْرَتِهِ وَحِزَامًا عَلَى وَسَطِهِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-.

رَآهُ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ الْعَسِرَةِ، فَلَمَّا أَنْ كَانَ قَادِمًا وَالنَّبِيُّ ﷺ مَعَ أَصْحَابِهِ ﷺ وَ-رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- قال النبيُّ: ((لَقَدْ رَأَيْتُ هَذَا بَيْنَ أَبَوَيْهِ يَغْذُوَانِهِ السَّمْنَ وَالْعَسَلَ، وَحُبُّ اللهِ وَرَسُولِهِ أَوْصَلَهُ إِلَى مَا تَرَوْنَ)).

فَالنَّبِيُّ ﷺ يَشْهَدُ لَهُ بِهَذَا الْأَمْرِ الْعَظِيمِ.

وَلَمَّا أَنْ مَاتَ شَهِيدًا -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، وَأَرَادُوا أَنْ يُوَارُوهُ فِي حُفْرَتِهِ؛ لَمْ يَجِدُوا عَلَيْهِ إِلَّا ثَوْبًا قَصِيرًا، فكَانَ كَفَنَهُ.

كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُغَطِّيَ وَجْهَهُ بَدَتْ رِجْلَاهُ، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُغَطِّيَ رِجْلَيْهِ بَدَا وَجْهُهُ، فَجَعَلَ الثَّوْبَ عَلَى وَجْهِهِ، وَأَتَى بِشَيْءٍ مِنَ الْإِذْخِرِ -وَهُوَ حَشِيشٌ غَضٌّ فِي مَدِينَةِ الرَّسُولِ ﷺ- فَجَعَلَهُ عَلَى قَدَمَيْهِ.

النَّبِيُّ ﷺ يَحْتَاجُ دِينُهُ إِلَى أَمْثَالِ هَذِهِ النَّمَاذِجِ الطَّيِّبَةِ، تَبِيعُ الدُّنْيَا مِنْ أَجْلِ أَنْ تُقْبِلَ عَلَى اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ؛ لِأَنَّ الدُّنْيَا مُنْقَضِيَةٌ، وَهِيَ وَهْمٌ زَائِلٌ، وَخَيَالٌ حَائِلٌ، وَهِيَ طَيْفٌ عَابِرٌ، وَهِيَ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُحَصِّلَهَا مِثْلُ الَّذِي أَرَادَ أَنْ يَقْبِضَ عَلَى الْمَاءِ، فَخَانَتْهُ فُرُوجُ الْأَصَابِعِ.

((صِفَاتُ الْأُسْرَةِ الْمُسْلِمَةِ الْقَوِيَّةِ فِي كَلِمَةٍ جَامِعَةٍ))

إِنَّ الْبُيُوتَ الْمُلْتَزِمَةَ فِي الْأَرْضِ بِتَوْحِيدِ اللهِ وَاتِّبَاعِ رَسُولِهِ كَأَنَّهَا مِنْ رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ، وَأَمَّا الْبُيُوتُ الَّتِي تَتَخَطَّى حُدُودَ الشَّرْعِ وَلَا تَلْتَزِمُ بِأَحْكَامِهِ، وَلَا تَتْبَعُ سُنَنَ رَسُولِهِ ﷺ، فَهَذِهِ مَبَاءَاتُ الشَّيْطَانِ تَكْثُرُ فِيهَا النِّزَاعَاتُ، وَتَدِبُّ فِيهَا الْخِلَافَاتُ، وَالَّذِي يَعْصِمُ مِنْ هَذَا كُلِّهِ هُوَ طَاعَةُ رَبُّ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَاتِ وَطَاعَةِ رَسُولِهِ ﷺ.

رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا..

وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى وَآلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ.

المصدر

ضَوَابِطُ بِنَاءِ الْأُسْرَةِ وَسُبُلُ الْحِفَاظِ عَلَيْهَا

التعليقات


خطب مفرغة قد تعجبك


  ثورة الغلابة أم ثورة الديابة؟!
  ((دُرُوسٌ وَعِظَاتٌ مِنْ تَفْسِيرِ الْآيَاتِ)) الدَّرْسُ الرَّابِعُ ((فِي كُلِّ مِحْنَةٍ مِنْحَةٌ))
  الْبِنَاءُ الِاقْتِصَادِيُّ السَّدِيدُ وَأَثَرُهُ فِي اسْتِقْرَارِ الْمُجْتَمَعِ
  تَرْبِيَةُ الْأَوْلَادِ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّة وَحُقُوقُهُمْ فِي الْإِسْلَامِ
  وَحْدَةُ الْوَطَنِ سَبِيلُ قُوَّتِهِ
  دَوْرُ الشَّبَابِ فِي بِنَاءِ الْأُمَّةِ الْمِصْرِيَّةِ وَالْإِسْلَامِيَّةِ
  سُنَنُ العِيدِ وَآدَابُهُ
  مواعظ رمضانية - الجزء الأول
  عيد الفطر لعام 1437هـ .. اتقوا الظلم
  فَضْلُ الشَّهَادَةِ وَوَاجِبُنَا نَحْوَ أُسَرِ الشُّهَدَاءِ
  • شارك

نبذة عن الموقع

موقع تفريغات العلامة رسلان ، موقع يحتوي على العشرات من الخطب والمحاضرات والمقاطع المفرغة لفضيلة الشيخ العلامة أبي عبدالله محمد بن سعيد رسلان-حفظه الله- . كما يعلن القائمون على صفحة وموقع تفريغات العلامة رسلان -حفظه الله- أن التفريغات للخطب ليست هي الشكل النهائي عند الطباعة، ولكن نحن نفرغ خطب الشيخ حفظه الله ونجتهد في نشرها ليستفيد منها طلاب العلم والدعاة على منهاج النبوة في كل أنحاء الدنيا، ونؤكد على أنَّ الخطب غير مُخرَّجة بشكل كامل كما يحدث في خطب الشيخ العلامة رسلان المطبوعة وليست الكتب المنشورة على الصفحة والموقع هي النسخة النهائية لكتب الشيخ التي تُطبع...وهذه الكتب ما هي إلا تفريغ لخطب الشيخ، غير أنَّ كتب الشيخ التي تُطبع تُراجع من الشيخ -حفظه الله- وتُخرج. والتفريغ عملٌ بشريٌ، ونحن نجتهد في مراجعة التفريغات مراجعة جيدة، فإذا وقع خطأ أو شكل الخطب كما نخرجها -إنما نُحاسب نحن عليها والخطأ يُنسب لنا وليس للشيخ -حفظه الله-.

الحقوق محفوظة لكل مسلم موقع تفريغات العلامة رسلان