الْأَسْبَابُ الظَّاهِرَةُ وَالْبَاطِنَةُ لِرَفْعِ الْبَلَاءِ وَوُجُوبُ طَاعَةِ وَلِيِّ الْأَمْرِ

الْأَسْبَابُ الظَّاهِرَةُ وَالْبَاطِنَةُ لِرَفْعِ الْبَلَاءِ وَوُجُوبُ طَاعَةِ وَلِيِّ الْأَمْرِ

((الْأَسْبَابُ الظَّاهِرَةُ وَالْبَاطِنَةُ لِرَفْعِ الْبَلَاءِ

وَوُجُوبُ طَاعَةِ وَلِيِّ الْأَمْرِ))

إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّه نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ.

وَأَشْهَدُ أَلَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ.

أَمَّا بَعْدُ:

فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.

أَمَّا بَعْدُ:

((الِابْتِلَاءُ مِنْ سُنَنِ اللهِ فِي الْخَلْقِ))

فَإِنَّ قَاعِدَةَ الْحَيَاةِ الَّتِي بُنِيَتْ عَلَيْهَا الْحَيَاةُ أَنَّهَا دَارُ مِحْنَةٍ وَابْتِلَاءٍ، لَا دَارُ سَعَادَةٍ وَرَخَاءٍ.

وَاللهُ خَلَقَ الْخَلْقَ لِكَيْ يَمْتَحِنَهُمْ: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ} [محمد: 31].

وَلَنُعَامِلَنَّكُمْ -أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ مُعَامَلَةَ الْمُخْتَبِرِ لَكُمْ، وَنَأْمُرَكُمْ بِالْجِهَادِ حَتَّى يَتَمَيَّزَ الْمُجَاهِدُونَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ بِحَسَبِ دَرَجَاتِهِمْ وَمَرَاتِبِهِمْ مِنْ غَيْرِ الْمُجَاهِدِينَ، وَيَتَبَيَّنَ الصَّابِرُونَ عَلَى اخْتِلَافِ دَرَجَاتِهِمْ وَمَرَاتِبِهِمْ مِنْ غَيْرِ الصَّابِرِينَ ذَوِي الْهَلَعِ وَالْجَزَعِ.

وَنُظْهِرَ أَخْبَارَكُمْ وَنَكْشِفَهَا؛ لِيَتَبَيَّنَ مَنْ يَأْبَى الْقِتَالَ وَلَا يَصْبِرُ عَلَى الْجِهَادِ.

وَقَالَ تَعَالَى: {إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا * إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا}.

{لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا ۚ وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [آل عمران: 186].

وَاللهِ لَتُخْتَبَرُنَّ -أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ- فَتَقَعَ عَلَيْكُمُ الْمِحَنُ فِي الْأَمْوَالِ بِالنُّقْصَانِ مِنْهَا، وَبِالْجَوَائِحِ تَنْزِلُ بِهَا، وَفِي الْأُنْفُسِ بِالْمَصَائِبِ وَالْأَمْرَاضِ وَالْقَتْلِ وَفَقْدِ الْأَقَارِبِ وَالْأَحِبَّةِ، وَذَلِكَ حَتَّى يَتَمَيَّزَ الصَّادِقُ مِنْ غَيْرِهِ.

{وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} [البقرة: 155-157].

يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ: ((أَشَدُّ النَّاسِ بَلَاءً الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الصَّالِحُونَ، ثُمَّ الْأَمْثَلُ -أَيِ: الْأَفْضَلُ- فَالْأَمْثَلُ، يُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى قَدْرِ دِينِهِ، فَإِذَا كَانَ فِي دِينِهِ صَلَابَةٌ زِيدَ فِي ابْتِلَائِهِ)) .

وَيَقُولُ ﷺ: ((مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُصِبْ مِنْهُ)) . أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي ((صَحِيحِهِ)).

قَاعِدَةُ الْحَيَاةِ الَّتِي بُنِيَتْ عَلَيْهَا الْحَيَاةُ الْمِحْنَةُ وَالِابْتِلَاءُ، لَا السَّعَادَةُ وَالرَّخَاءُ.

((أَسْبَابُ نُزُولِ الْبَلَاءِ))

عِبَادَ اللهِ! إِنَّهُ مَا نَزَلَ بَلَاءٌ إِلَّا بِذَنْبٍ، وَلَا رُفِعَ إِلَّا بِتَوْبَةٍ؛ فَإِنَّ أَعْدَى أَعْدَاءِ النِّعَمِ الْمَعَاصِي وَالذُّنُوبَ؛ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا ارْتَكَبَ الْمَعْصِيَةَ -وَاللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- هُوَ الْحَلِيمُ السِّتِّيرُ-؛ فَإِنَّ اللهَ لَا يُبَادِرُ بِالْعُقُوبَةِ، وَلَكِنْ إِذَا تَمَادَى الْعَبْدُ فِي الْمَعْصِيَةِ؛ فَإِذَا رَحِمَهُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- عَاقَبَهُ وَأَنْزَلَ بِهِ بَلَاءً فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا؛ حَتَّي لَا يَلْقَى ذَلِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَهْمَا وَقَعَ مِنْ أَمْرٍ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، فَإِنَّهُ فِي خِفَّتِهِ وَخِفَّةِ وَقْعِهِ لَا يُقَارَنُ بِمَا يَكُونُ فِي الْآخِرَةِ، نَسْأَلُ اللهَ السَّلَامَةَ وَالْعَافِيَةَ.

فَعَلَى الْإِنْسَانِ إِذَا ابْتُلِيَ بِمُصِيبَةٍ أَوْ نَزَلَ بِهِ بَلَاءٌ، أَوْ آتَاهُ مَا يَكْرَهُ؛ أَنْ يُسَارِعَ بِاتِّهَامِ نَفْسِهِ، وَأَنْ يَطْرَحَ نَفْسَهُ عَلَى عَتَبَاتِ رَحْمَةِ رَبِّهِ، وَأَنْ يَتَّهِمَ نَفْسَهُ؛ فَيَقُولُ: أَنْتِ السَّبَبُ فِيمَا نَزَلَ بِي وَحَلَّ بِي مِنَ الْبَلَاءِ وَالْعُقُوبَةِ، وَإِنْ لَمْ يَرْحَمْنِي رَبِّي -جَلَّ وَعَلَا-، وَإِنْ لَمْ يَكْشِفْ عَنِّي مَا بِي؛ فَلَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللهِ مَهْمَا بَلَغَ أَنْ يَكْشِفَ مَا نَزَلَ.

إِنَّنَا لَيَنْبَغِي عَلَيْنَا أَنْ نُفَتِّشَ فِي أَنْفُسِنَا، وَأَنْ نَجْتَهِدَ فِي النَّظَرِ فِي طُوِيَّاتِنَا، فَإِنَّ الْإِنْسَانَ رُبَّمَا انْطَوَى عَلَى دَسِيسَةٍ وَهُوَ لَا يَدْرِي، وَرُبَّمَا اعْتَقَدَ أَنَّهُ يُحْسِنُ صُنْعًا وَهُوَ مُسِيءٌ فِي حَقِيقَةِ الْأَمْرِ، وَاللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ، وَهُوَ الْحَلِيمُ السِّتِّيرُ.

وَكَمْ مِنْ مِحْنَةٍ فِي طَيِّهَا مِنْحَةٌ، وَكَمْ مِنْ نِقْمَةٍ ظَاهِرَةٍ فِي بَاطِنِهَا نِعْمَةٌ؛ لِأَنَّ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- هُوَ الَّذِي يُقَدِّرُ الْأَشْيَاءَ، وَيُدَبِّرُ الْأُمُورَ، وَالْعَبْدُ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُهُ، وَإِنَّمَا هُوَ عَاجِزٌ ذَلِيلٌ لِرَبِّهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-.

((اللهم إِنِّي عَبْدُكَ ابْنُ عَبْدِكَ، ابْنُ أَمَتِكَ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ، سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ، أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ رَبِيعَ قَلْبِي، وَنُورَ صَدْرِي، وَجَلَاءَ حُزْنِي، وَذَهَابَ غَمِّي وَهَمِّي)).

قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((مَا قَالَهُنَّ يَعْنِي: هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ، يَعْنِي هَذَا الْحَدِيثَ-، مَا قَالَهُنَّ عَبْدٌ إِلَّا فَرَّجَ اللهُ كَرْبَهُ، وَأَزَالَ هَمَّهُ، وَأَبْدَلَهُ بِحُزْنِهِ فَرَحًا)).

قَالَ الصَّحَابَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ-: أَفَلَا نَتَعَلَّمُهُنَّ يَا رَسُولَ اللهِ؟

قَالَ: ((يَنْبَغِي لِمَنْ سَمِعَهُنَّ أَنْ يَتَعَلَّمَهُنَّ)).

فَإِذَا نَزَلَ بِكَ مَا لَا يُلَائِمُكَ، وَحَلَّ بِكَ مَا لَا يُوَائِمُكَ، وَجَاءَكَ مَا تَكْرَهُهُ؛ فَافْزَعْ إِلَى اتِّهَامِ نَفْسِكَ: {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَٰذَا ۖ قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ}.

فَهَؤُلَاءِ الصَّحَابَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- -وَهُمْ أَفْضَلُ الْخَلْقِ عَلَى الْإِطْلَاقِ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ بَعْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ- لَمَّا وَقَعَتِ الْكَسْرَةُ فِي أُحُدٍ بِسَبَبِ مُخَالَفَةِ الرُّمَاةِ لِأَمْرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، قَالَ: ((الْزَمُوا الْجَبَلَ، وَلَا تَنْزِلُوا عَنْهُ وَلَوْ رَأَيْتُمُ الْعَدُوَّ يَرْكَبُ أَكْتَافَنَا)).

فَلَمَّا جَاءَ النَّصْرُ بَادِئَ ذِي بَدْءٍ، وَأَخَذَ الصَّحَابَةُ فِي السَّاحَةِ يَجْمَعُونَ الْغَنَائِمَ، اعْتَقَدَ الصَّحَابَةُ الرُّمَاةُ عَلَى جَبَلِ أُحُدٍ أَنَّ الْأَمْرَ قَدِ انْقَضَى وَأَنَّ الْمَعْرَكَةَ قَدِ انْتَهَتْ، فَتَرَكُوا مَوَاقِعَهُمْ إِلَّا مَنْ ثَبَتَ، وَهُوَ يَنْهَاهُمْ وَيَأْمُرُهُمْ بِأَنْ يَظَلُّوا فِي مَوَاقِعِهِمْ؛ فَكَانَتْ هَذِهِ الْمُخَالَفَةُ لِأَمْرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ سَبَبًا فِي قَتْلِ سَبْعِينَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَوَقَعَ النَّبِيُّ ﷺ فِي حُفْرَةٍ مِنَ الْحُفَرِ الَّتِي أَعَدَّهَا أَبُو عَامِرٍ الْفَاسِقُ، وَجَعَلَ عَلَى كُلِّ حُفْرَةٍ شَيْئًا يَسِيرًا مِنَ النَّخِيلِ أَوْ مَا أَشْبَهَ، وَجَعَلَ عَلَيْهِ الرِّمَالَ، فَمَنْ مَرَّ وَقَعَ، فَوَقَعَ رَسُولُ اللهِ، فَجُحِشَ جَنْبُهُ أَيْ: جُرِحَ فِي جَنْبِهِ-، وَكُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ، وَدَخَلَتْ حَلْقَةٌ مِنْ حَلْقَاتِ الْمِغْفَرِ فِي وَجْنَتِهِ، فَمَا خَرَجَتْ إِلَّا بِنَزْعِ بَعْضِ أَسْنَانِ مَنْ حَاوَلَ نَزْعَهَا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: قُتِلَ مُحَمَّدٌ.. قُتِلَ مُحَمَّدٌ ﷺ!!

وَقُتِلَ سَبْعُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ الْمَأْمُونِ، وَأَخَذَ الصَّحَابَةُ يَقُولُونَ: أَنَّى هَذَا؟!! كَيْفَ يَقَعُ لَنَا هَذَا وَهُمُ الْمُشْرِكُونَ وَنَحْنُ الْمُسْلِمُونَ، وَهُمُ الْكَافِرُونَ وَنَحْنُ الْمُؤْمِنُونَ؟!!

فَأَنْزَلَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- قَوْلَهُ: {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ} بِقَتْلِ سَبْعِينَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ الْأَمِينِ ﷺ، وَكَانُوا قَدْ قَتَلُوا فِي بَدْرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ سَبْعِينَ وَأَسَرُوا سَبْعِينَ {قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا}؛ فَنَزَّلَ الْأَسْرَى مَنْزِلَةَ الْمَقْتُولِينَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ  {قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَٰذَا ۖ قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ}.

فَإِذَا أَصَابَ الْإِنْسَانَ مَا يَكْرَهُ فَهُوَ السَّبَبُ، هُوَ الَّذِي اسْتَجْلَبَ الْبَلَاءَ، لَا يَلُومَنَّ أَحَدًا، بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يَلُومَ نَفْسَهُ، وَأَنْ يَنْحَى بِاللَّائِمَةِ عَلَى ذَاتِهِ، وَأَنْ يُحْدِثَ للهِ تَوْبَةً.

وَيَنْبَغِي لَكَ عَبْدَ اللهِ- أَنْ تَعْلَمَ أَنَّهُ إِذَا تَوَاتَرَتْ وَتَتَابَعَتْ عَلَيْكَ النِّقَمُ فَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا لَا يُكْشَفُ إِلَّا بِالتَّوْبَةِ وَالْفَزَعِ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفُورِ الرَّحِيمِ، وَإِذَا تَوَالَتْ عَلَيْك النِّعَمُ وَأَنْتَ مُقِيمٌ عَلَى الْمَعْصِيَةِ فَاحْذَرْ فَإِنَّمَا هُوَ اسْتِدْرَاجٌ.

((الْأَسْبَابُ الظَّاهِرَةُ لِرَفْعِ الْبَلَاءِ))

لَقَدْ جَعَلَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- لِرَفْعِ الْبَلَاءِ أَسْبَابًا ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً، أَمَّا الْأَسْبَابُ الظَّاهِرَةُ الَّتِي يَجِبُ الْأَخْذُ بِأَقْصَى دَرَجَةٍ مِنْهَا هِيَ أَسْبَابُ أَهْلِ الِاخْتِصَاصِ، وَتَنْفِيذُ التَّوْجِيهَاتِ الَّتِي تَصْدُرُ عَنْ مُؤَسَّسَاتِ الدَّوْلَةِ الرَّسْمِيَّةِ، فَطَاعَةُ وَلِيِّ الْأَمْرِ وَمَنْ يُفَوِّضُهُ أَوْ يَنُوبُ عَنْهُ مِنْ مُؤَسَّسَاتِ الدَّوْلَةِ الْوَطَنِيَّةِ وَاجِبَةٌ، قَالَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: قَالَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء: 59].

وَهُمُ الْوُلَاةُ وَالْأُمَرَاءُ، ذَهَبَ إِلَى ذَلِكَ جَمَاهِيرُ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ وَالْمُفَسِّرِينَ وَالْفُقَهَاءِ، وَذَهَبَ إِلَى ذَلِكَ غَيْرُهم أَيْضًا.

وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: ((عَلَى الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ إِلَّا أَنْ يُؤْمَرَ بِمَعْصِيَةٍ، فَإِنْ أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ)). أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.

وقال -جَلَّ وَعَلَا-: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43].

*إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الْأَسْبَابِ الظَّاهِرَةِ لِرَفْعِ الْبَلَاءِ وَالْوَبَاءِ وَالطَّاعُونِ: مُحَارَبَةَ الْفَوَاحِشِ، وَالْقَضَاءَ عَلَى أَسْبَابِهَا وَوَسَائِلِهَا؛ فَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ مَاجَهْ، وَالْحَاكِمُ، وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- قَالَ: أَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِوَجْهِهِ، فَقَالَ: ((يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ! خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ- وَأَعُوذُ بِاللهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ -وَذَكَرَ ﷺ مِنْهَا-: لَمْ تَظْهَرِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا إِلَّا فَشَا فِيهِمُ الطَّاعُونُ وَالْأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلَافِهِمُ الَّذِينَ مَضَوْا)).

فَحُدُودُ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ يَنْبَغِي أَلَّا تُعْتَدَى، وَمَحَارِمُ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ يَنْبَغِي أَلَّا تُنْتَهَكَ وَإِلَّا فَهُوَ الدَّمَارُ وَهُوَ الْخَرَابُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ قَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُ ((إِذَا  ظَهَرَ الزِّنَا وَالرِّبَا فِي قَرْيَةٍ فَقَدْ أَحَلُّوا -أَيْ: أَنْزَلُوا- بِأَنْفُسِهِمْ عَذَابَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)).

فَيَنْبَغِي عَلَيْنَا أَنْ نَعُودَ مِنْ قَرِيبٍ، وَأَنْ نَفْزَعَ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَنْ نَتْرُكَ الْمَعَاصِيَ جَانِبًا، وَأَنْ نُغَادِرَ هَذَا الْفُحْشَ الْفَاحِشَ الَّذِي تَعَجُّ بِهِ الدُّنْيَا.

*وَمِنَ الْأَسْبَابِ الظَّاهِرَةِ لِرَفْعِ الْبَلَاءِ: الْعِنَايَةُ بِالنَّظَافَةِ؛ فَقَدْ عُنِيَ الْإِسْلَامُ بِالنَّظَافَةِ، وَجَعَلَهَا ضَرُورَةً شَرْعِيَّةً لِحِمَايَةِ الْإِنْسَانِ مِنَ الْأَمْرَاضِ وَالْأَضْرَارِ، وَهِيَ صُورَةٌ مِنْ صُوَرِ الْأَخْذِ بِالْأَسْبَابِ الَّتِي أَمَرَ بِهَا دِينُنَا الْحَنِيفُ، حَيْثُ يَقُولُ نَبِيُّنَا ﷺ: ((احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللهِ، وَلَا تَعْجِزْ)).

فَيَنْبَغِي الْأَخْذُ بِالْأَسْبَابِ، وَاتِّبَاعُ كُلِّ الطُّرُقِ الْوِقَائِيَّةِ وَالْإِرْشَادَاتِ الصِّحِّيَّةِ، وَالِاهْتِمَامُ بِكُلِّ أَنْوَاعِ النَّظَافَةِ؛ الْبَدَنِ، وَالثِّيَابِ، وَالْمَكَانِ، وَالطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَدِينُ الْإِسْلَامِ الْعَظِيمِ هُوَ دِينُ الطَّهَارَةِ، دِينُ طَهَارَةِ الْبَاطِنِ وَالظَّاهِرِ عَلَى السَّوَاءِ.

قَالَ رَبُّنَا -جَلَّ وَعَلَا-: {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَاللهُ يُحِبُّ المُطَّهِّرِينَ} [التوبة: 108].

وَقَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [المائدة: 6].

فَمِنْ فُرُوضِ الْوُضُوءِ: غَسْلُ الْيَدَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ، وَمِنْ سُنَنِ الْوُضُوءِ: غَسْلُ الْكَفَّيْنِ فِي أَوَّلِ الْوُضُوءِ؛ لِحَدِيثِ عُثْمَانَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- فِي صِفَةِ وُضُوءِ النَّبِيِّ ﷺ: ((فَأَفْرَغَ عَلَى كَفَّيْهِ ثَلَاثَ مِرَارٍ فَغَسَلَهَا)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، إِلَّا إِذَا كَانَ مُسْتَيْقِظًا مِنْ نَوْمٍ؛ فَإِنَّهُ يَجِبُ غَسْلُهُمَا ثَلَاثًا عَلَى الصَّحِيحِ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهُمَا فِي الْإِنَاءِ؛ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ، فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا؛ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَغَسْلُ الْوَجْهِ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْوُضُوءِ؛ لِقَوْلِ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} [المائدة: 6].

وَمِنَ الْوَجْهِ: الْمَضْمَضَةُ، وَالِاسْتِنْشَاقُ، وَالِاسْتِنْثَارُ؛ لِأَنَّ اللهَ -جَلَّ وَعَلَا- أَمَرَ بِغَسْلِ الْوَجْهِ، وَالْفَمِ وَالْأَنْفِ مِنَ الْوَجْهِ.

وَالنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ فِي كَلِمَةٍ جَامِعَةٍ: ((الطُّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ)).

النَّظَافَةُ شَطْرُ الدِّينِ.

وَقَالَ ﷺ: ((إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ)).

وَقَدْ حَضَّ الْإِسْلَامُ عَلَى نَظَافَةِ الْأَمَاكِنِ الْخَاصَّةِ وَالْعَامَّةِ؛ فَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا تَشَبَّهُوا بِالْيَهُودِ؛ نَظِّفُوا أَفْنِيَتَكُمْ».

وَالْأَمْرُ بِالنَّظَافَةِ لَمْ يَقِفْ عِنْدَ حَدِّ الْأَمْرِ بِالنَّظَافَةِ الشَّخْصِيَّةِ، أَوْ نَظَافَةِ الْمَسَاجِدِ وَالْبُيُوتِ، بَلْ وَصَلَ الْأَمْرُ إِلَى التَّوْجِيهِ بِتَنْظِيفِ الْبِيئَةِ الَّتِي يَعِيشُ فِيهَا الْإِنْسَانُ وَيَتَفَاعَلُ مَعَهَا.

قَدْ تَكُونُ هَذِهِ الْبِيئَةُ طَرِيقَهُ الَّذِي يَسِيرُ فِيهِ، أَوْ مَدْرَسَتَهُ أَوْ جَامِعَتَهُ الَّتِي يَتَعَلَّمُ فِيهَا، أَوْ مَكَانًا عَامًّا يَقْضِي مِنْ خِلَالِهِ مَصَالِحَهُ، أَوْ يَتَنَزَّهُ فِيهِ.

وَقَدْ عُنِيَ الْإِسْلَامُ عِنَايَةً خَاصَّةً بِتَنْظِيفِ الطُّرُقِ وَالْأَمَاكِنِ الْعَامَّةِ، وَإِزَالَةِ الْأَذَى عَنْهَا، وَجَعَلَهَا بَابًا وَاسِعًا مِنْ أَبْوَابِ الْخَيْرِ؛ فَإِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ، وَإِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الْأَمَاكِنِ الْعَامَّةِ صَدَقَةٌ.

عِنْدَنَا فِي الدِّينِ أَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَقْضِيَ حَاجَتَهُ؛ لَا يَسْتَعْمِلُ يَمِينَهُ، هِيَ لِسَلَامِهِ.. لِطَعَامِهِ.. لِأَخْذِهِ وَعَطَائِهِ، لِهَذِهِ الْأُمُورِ الشَّرِيفَةِ، وَأَمَّا الْيُسْرَى؛ فَإِنَّهَا تَكُونُ لِمَا يُبَاشَرُ مِنْ أَلْوَانِ النَّجَاسَاتِ وَغَيْرِهَا.

*تَحْرِيمُ الْإِضْرَارِ بِالْآخَرِينَ:

عِبَادَ اللهِ! إِنَّ هَذَا الْإِنْسَانَ إِنَّمَا هُوَ مِلْكٌ لِلهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، لَمْ يَخْلُقْهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ عَبَثًا، وَلَمْ يَسْتَخْلِفْهُ فِي الْبَاطِلِ، وَلَنْ يَتْرُكَهُ سُدًى، وَلَمْ يَجْعَلْهُ حُرًّا فِي تَصَرُّفَاتِهِ يَتَصَرَّفُ فِي نَفْسِهِ كَيْفَمَا يَشَاءُ، بَلْ أَوْجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَحْمِيَ نَفْسَهُ، وَأَنْ يَصُونَهَا مِنْ كُلِّ أَوْجُهِ الْهَلَاكِ، وَأَنْ يَصْرِفَ عَنْهَا كُلَّ مَظَاهِرِ الْإِضْرَارِ، قَالَ تَعَالَى: {وَلاَ تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء: 29].

وَقَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [البقرة : 195].

وَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الْإِضْرَارِ بِالْمُسْلِمِينَ؛ فَيَحْرُمُ عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يُدْخِلَ النَّفْعَ عَلَى نَفْسِهِ، وَيُدْخِلَ الضَّرَرَ عَلَى غَيْرِهِ بِسَبَبِ ذَلِكَ؛ فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ سَعْدِ بْنِ مَالِكِ بْنِ سِنَانٍ الْخُدْرِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: ((لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ)) . رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ.

عِبَادَ اللهِ! هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ قَوَاعِدِ الْإِسْلَامِ، وَظَاهِرُهُ تَحْرِيمُ سَائِرِ أَنْوَاعِ الضَّرَرِ إِلَّا لِدَلِيلٍ، فَيَحْرُمُ عَلَيْكَ أَنْ تُدْخِلَ النَّفْعَ عَلَى نَفْسِكَ، وَتُدْخِلَ الضَّرَرَ عَلَى غَيْرِكَ بِسَبَبِ ذَلِكَ.

فَهَذَا أَصْلٌ عَظِيمٌ مِنْ أُصُولِ دِينِ الْإِسْلَامِ الْكَرِيمِ.

 ((لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ))؛ فَيَجِبُ اتِّبَاعُ كُلِّ الْإِجْرَاءَاتِ الِاحْتِرَازِيَّةِ لِلْوِقَايَةِ مِنَ انْتِشَارِ الْأَمْرَاضِ وَالْأَوْبِئَةِ، وَمِنْ ذَلِكَ مَنْعُ التَّقْبِيلِ وَالْمُعَانَقَةِ، وَالْبُعْدُ عَنِ التَّجمُّعَاتِ؛ اللِّقَاءُ عِنْدَنَا نَحْنُ لَا يَمْشِي عَلَى السُّنَّةِ، لَوْ أَنَّنَا الْتَزَمْنَا بِهِ؛ لَوَفَّرَ اللهُ عَلَيْنَا كَثِيرًا مِنَ الْخَطَرِ بِالْأَسْبَابِ الشَّرْعِيَّةِ، اعْتَادَ الْمِصْرِيُّونَ خَاصَّةً أَنَّ الْوَاحِدَ مِنْهُمْ إِذَا لَقِيَ أَخَاهُ؛ يَحْتَضِنُهُ وَيَلْتَزِمُهُ، وَيُرَبِّطُ عَلَى كَتِفِيهِ، وَيَظَلُّ كَذَلِكَ رُبَّمَا زَمَنًا يَطُولُ!! هَذَا لَيْسَ مِنَ السُّنَّة، هَذَا إِنَّمَا يَكُونُ إِذَا قَدِمَ الْقَادِمُ مِنَ السَّفَرِ.

كَانَ الصَّحَابَةُ إِذَا تَلَاقَوْا تَصَافَحُوا، وَأَمَّا الرَّجُلُ فَقَدْ يَلْقَى الرَّجُلَ فِي الْيَوْمِ خَمْسَ مَرَّاتٍ أَوْ يَزِيدُ، وَكُلَّمَا قَابَلَهُ احْتَضَنَهُ، وَنَفَثَ فِي وَجْهِهِ، وَنَفَخَ فِي جَوْفِهِ، وَنَقَلَ إِلَيْهِ مَا عِنْدَهُ!! وَهَذَا لَيْسَ مِنَ الدِّينِ فِي شَيْءٍ، لَيْسَ هَذَا مِنَ السُّنَّةِ فِي شَيْءٍ، الْتَزِمْ بِهَذَا إِنِ اسْتَطَعْتَ، هَذِهِ عَادَةٌ مَرْذُولَةٌ، وَلَيْسَتْ هِيَ مِنَ الدِّينِ فِي قَبِيلٍ وَلَا دَبِيرٍ.

أُمُورٌ كَثِيرَةٌ؛ إِذَا مَا أَرَدْتَ أَنْ تَشْرَبَ؛ الْتَزِمِ السُّنَّةَ، النَّبِيُّ ﷺ لَا يَنْفُخُ فِي الْإِنَاءِ، وَكَانَ ﷺ يَشْرَبُ عَلَى ثَلَاثِ مَرَّاتٍ، يُسَمِّي وَيَشْرَبُ، وَلَا يَتَنَفَّسُ فِي الْإِنَاءِ، ثُمَّ يَحْمَدُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ، وَيُكَرِّرُ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ رُبَّمَا يَكُونُ عَطِشًا وَيَحْتَاجُ إِلَى رِيٍّ، فَلَا يَكْفِيهِ أَن يَشْرَبَ مَرَّةً وَاحِدَةً إِلَّا بِالنَّفْخِ فِي الْإِنَاءِ، فَوَفَّرَ اللهُ عَلَيْهِ ذَلِكَ بِسُنَّةِ النَّبِيِّ سَيِّدِ الْأَنْبِيَاءِ ﷺ.

وَمِنَ الْأَسْبَابِ الْوَاقِيَةِ -بِإِذْنِ اللهِ- مِنَ الْعَدْوَى: مُرَاعَاةُ آدَابِ الْعُطَاسِ الَّتِي عَلَّمَنَاهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَمِنْهَا وَضْعُ الْيَدِ أَوِ الثَّوْبِ عَلَى الْفَمِ عِنْدَ الْعُطَاسِ؛ فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ إِذَا عَطَسَ؛ وَضَعَ يَدَهُ أَوْ ثَوْبَهُ عَلَى فِيهِ، وَخَفَضَ أَوْ غَضَّ بِهَا صَوْتَهُ». أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ.

فَعَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَتَّبِعَ النَّبِيَّ ﷺ فِي هَذَا الْهَدْيِ الْكَرِيمِ، فَإِذَا عَطَسَ؛ وَضَعَ يَدَهُ أَوْ ثَوْبَهُ عَلَى فِيهِ، وَخَفَضَ أَوْ غَضَّ بِهَا صَوْتَهُ.

عِنْدَنَا فِي دِينِ الْإِسْلَامِ الْعَظِيمِ مَا يُغْنِينَا لَوْ أَخَذْنَا بِتَعَالِيمِهِ عَنْ إِرْشَادَاتِ مُنَظَّمَةِ الصِّحَّةِ الْعَالَمِيَّةِ، وَعَنْ إِرْشَادَاتِ وَزَارَاتِ الصِّحَّةِ فِي كُلِّ رُبُوعِ الْأَرْضِ، عِنْدَنَا فِي دِينِ الْإِسْلَامِ الْعَظِيمِ مَا يَحْمِينَا اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ بِهِ مِنِ انْتِقَالِ هَذِهِ الْعَدْوَى عَلَى النَّحْوِ الَّذِي تَنْتَقِلُ بِهِ.

*وَمِنْ سُبُلِ تَجَنُّبِ التَّعَرُّضِ لِلْوَبَاءِ: تَغْطِيَةُ الْإِنَاءِ، وَإِيكَاءُ السِّقَاءِ؛ فَخُذْ هَذَا الْأَمْرَ مِنْ أَوَامِرِ نَبِيِّكَ ﷺ، وَتَأَمَّلْ فِيهِ مَلِيًّا، وَاخْشَعْ عِنْدَهُ: عَنْ جَابِرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: ((غَطُّوا الْإِنَاءَ، وَأَوْكُوا السِّقَاءَ -أَيْ: شُدُّوا رَأْسَ الْوِعَاءِ بِالْوِكَاءِ وَهُوَ الرِّبَاطُ الَّذِي يُرْبَطُ بِهِ- غَطُّوا الْإِنَاءَ، وَأَوْكُوا السِّقَاءَ، وَأَطْفِئُوا السِّرَاجَ، وَأَغْلِقُوا الْبَابَ؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَحُلُّ سِقَاءً، وَلاَ يَفْتَحُ بَابًا، وَلَا يَكْشِفُ إِنَاءً، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَحَدُكُمْ إِلاَّ أَنْ يَعْرُضَ عَلَى إِنَائِهِ عُودًا وَيَذْكُرَ اسْمَ اللَّهِ فَلْيَفْعَلْ؛ فَإِنَّ الْفُوَيْسِقَةَ -يَعْنِي الْفَأْرَةَ- تُضْرِمُ عَلَى أَهْلِ الْبَيْتِ بَيْتَهُمْ)). أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.

غَطُّوا الْإِنَاءَ؛ فَإِنَّهُ لَا يَبْقَى إِنَاءٌ مَكْشُوفٌ فِي بَيْتِ مُسْلِمٍ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَبْقَى، وَلَوْ أَنْ يَعْرُضَ عَلَيْهِ عُودًا، كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((وَلَوْ أَنْ يَعْرُضَ -أَيْ: أَنْ يَسْتَعْرِضَ عَلَى فَمِ الْإِنَاءِ مِنْ فَوْقِهِ عُودًا- وَلَوْ أَنْ يَعْرُضَ عَلَى إِنَائِهِ عُودًا وَيَذْكُرَ اسْمَ اللَّهِ- فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إِلَّا ذَلِكَ فَلْيَفْعَلْ-))؛ لِمَاذَا؟

قَالَ: ((لِأَنَّ بَلَاءً يَنْزِلُ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً فِي لَيْلَةٍ مِنَ اللَّيَالِي؛ لَا يَدَعُ إِنَاءً مَكْشُوفًا إِلَّا نَزَلَ فِيهِ)).

فَلِمَاذَا تُعَرِّضُ نَفْسَكَ لِاسْتِجْلَابِ الْبَلَاءِ؟!!

فَالْجَاهِلُ الْأَحْمَقُ هُوَ الَّذِي يَجْعَلُ إِنَاءَهُ مَصْيَدَةً لِلْبَلَاءِ النَّازِلِ.

لِمَاذَا لَا تُغَطِّيهِ كَمَا أَمَرَ الرَّسُولُ ﷺ؟!!

قَالَ: ((غَطُّوا الْإِنَاءَ، وَأَوْكُوا السِّقَاءَ))؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا وَقَعَ فِيهِ مَا يَذْهَبُ بِهِ جُمْلَةً، فَإِنَّكَ بَعْدَ ذَلِكَ تَسْتَقْذِرُهُ، أَوْ وَقَعَ فِيهِ مَا يَضُرُّكَ.

((وَأَوْكُوا السِّقَاءَ، وَأَطْفِئُوا السِّرَاجَ)): لِأَنَّ النَّارَ عَدُوٌّ لَكُمْ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ.

وَفِي رِوَايَةٍ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- عَنِ النَّبِيِّ : ((غَطُّوا الْإِنَاءَ وَأَوْكُوا السِّقَاءَ؛ فَإِنَّ فِي السَّنَةِ لَيْلَةً يَنْزِلُ فِيهَا وَبَاءٌ لَا يَمُرُّ بِإِنَاءٍ لَيْسَ عَلَيْهِ غِطَاءٌ أَوْ سِقَاءٍ لَيْسَ عَلَيْهِ وِكَاءٌ، إِلَّا نَزَلَ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ الْوَبَاءِ)). الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي ((صَحِيحِهِ)).

*وَمِنْ سُبُلِ رَفْعِ الْبَلَايَا وَالرَّزَايَا: صَنَائِعُ الْمَعْرُوفِ؛ فَإِنَّ صَنَائِعَ الْمَعْرُوفِ تَقِي مَصَارِعَ السُّوءِ، وَأَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا كَانَ مُحْسِنًا قَوْلًا وَفِعْلًا وَاعْتِقَادًا؛ حَفِظَهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ عِنْدَ نُزُولِ الْمُلِمَّاتِ.

فَصَنَائِعُ الْمَعْرُوفِ تَقِي مَصَارِعَ السُّوءِ..

*وَمِنَ الْوَسَائِلِ الشَّرْعِيَّةِ الْمُهِمَّةِ لِمَنْعِ انْتِشَارِ الْعَدْوَى وَالْوَبَاءِ: الْحَجْرُ الصِّحِّيُّ؛ فَأَمَّا مَا يَفْعَلُهُ الْمُسْلِمُ إِذَا وَقَعَ الطَّاعُونُ فِي بَلَدٍ؛ فَعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((الطَّاعُونُ رِجْزٌ أُرْسِلَ عَلَى طَائِفَةٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَوْ عَلَى مَنْ كَانَ  قَبْلَكُمْ، فَإِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَهَذَا مَا وَصَلَ إِلَيْهِ النَّاسُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَمْرَاضِ الْمُعْدِيَةِ وَمَا أَشْبَهَ؛ فَإِنَّهُمْ يُدَنْدِنُونَ حَوْلَ (الْحَجْرِ الصِّحِّيِّ) وَأَمْثَالِ هَذِهِ الْأُمُورِ، وَلَكِنَّ النَّبِيَّ ﷺ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ بِأَخْصَرِ عِبَارَةٍ وَأَوْضَحِ بَيَانٍ: ((فَإِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ))؛ أَيْ: بِذَلِكَ الدَّاءِ، وَالْعُلَمَاءُ يَقُولُونَ: إِنَّ الطَّاعُونَ يَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ دَاءٍ يَصِيرُ وَبَائِيًّا، فَلَا يَتَوَقَّفُونَ عِنْدَ حُدُودِ الطَّاعُونِ بِالْمَعْنَى الطِّبِّيِّ؛ لِأَنَّ لَهُ مَا يُسَبِّبُهُ، وَلَهُ أَعْرَاضُهُ، وَلَهُ عِلَاجُهُ بِالْمَعْنَى الطِّبِّيِّ، فَيَكُونُ مُحَدَّدًا.. قَالُوا: وَلَكِنَّ ذَلِكَ يَشْمَلُ كُلَّ دَاءٍ يَصِيرُ دَاءً وَبَائِيًّا.

فَالنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: ((فَإِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ))؛ يَعْنِي: عَافَاكَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- مِنْهُ وَأَنْتَ فِي أَرْضٍ فِيهَا عَافِيَةٌ، فَلَا تَقْدَمْ عَلَى أَرْضٍ قَدْ ظَهَرَ فِيهَا الْوَبَاءُ، قَالَ: ((وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ))؛ هَذَا يَدُلُّنَا عَلَى أَنَّ الْإِنْسَانَ يَنْبَغِي عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ حَسَنَ التَّوَكُّلِ عَلَى اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَلَّنَا هَاهُنَا عَلَى أَمْرٍ عَقَدِيٍّ، فَقَالَ: ((فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ))، وَيَتَرَتَّبُ عَلَى هَذَا أَمْرٌ طِبِّيٌّ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَكُونُ حَامِلًا لِلْمَرَضِ وَلَمْ تَظْهَرْ أَعْرَاضُهُ عَلَيْهِ بَعْدُ، ثُمَّ تَظْهَرُ تِلْكَ الْأَعْرَاضُ بَعْدَ حِينٍ، فَيَكُونُ صَحِيحًا فِي الظَّاهِرِ، فَيَعْتَقِدُ أَنَّهُ لَمْ يُصَبْ وَيَكُونُ مُصَابًا، فَيَتَحَرَّكُ بِهَذَا الْمَرَضِ حَتَّى يَنْشُرَهُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَرُبَّمَا دَخَلَ بَلَدًا فِي عَافِيَةٍ؛ فَكَانَ سَبَبًا لِانْتِشَارِ الْوَبَاءِ فِيهَا، وَلَكِنَّ النَّبِيَّ ﷺ  يُرْجِعُ ذَلِكَ إِلَى حُسْنِ الْمُعْتَقَدِ وَالتَّوَكُّلِ عَلَى اللهِ، ((وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ)). الْحَدِيثُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

((جُمْلَةٌ مِنَ الْأَسْبَابِ الْبَاطِنَةِ لِرَفْعِ الْبَلَاءِ))

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ! كَمَا أَنَّهُ ثَمَّةَ أَسْبَابٌ ظَاهِرَةٌ لِرَفْعِ الْبَلَاءِ؛ فَهُنَاكَ أَسْبَابٌ بَاطِنَةٌ يَجِبُ الْتِمَاسُهَا وَتَحْقِيقُهَا، وَأَعْظَمُهَا: تَحْقِيقُ التَّوْحِيدِ؛ فَمِنْ فَضَائِلِ التَّوْحِيدِ: أَنَّهُ السَّبَبُ الْأَعْظَمُ لِتَفْرِيجِ كُرُبَاتِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَدَفْعِ عُقُوبَتِهِمَا؛ فَإِنَّ اللهَ -تَعَالَى- يَغْفِرُ لِلْمُخْلِصِينَ الذُّنُوبَ، وَيُعَافِيهِمْ مِنَ الْبَلَاءِ، وَيَكْشِفُ عَنْهُمُ الْكُرُبَاتِ مَا لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ مَعَ غَيْرِهِمْ؛ كَمَا فِي حَدِيثِ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ آوَاهُمُ الْمَبِيتُ إِلَى الْغَارِ، وَأَطْبَقَتْ عَلَيْهِمُ الصَّخْرَةُ، فَتَوَسَّلُوا إِلَى رَبِّهِمْ بِخَالِصِ أَعْمَالِهِمْ؛ فَفَرَّجَ عَنْهُمْ وَخَرَجُوا يَمْشُونَ. وَالْحَدِيثُ فِي «الصَّحِيحَيْنِ».

فَاللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- يَغْفِرُ لِلْمُخْلِصِينَ الذُّنُوبَ، وَيُعَافِيهِمْ مِنَ الْبَلَاءِ، وَيَكْشِفُ عَنْهُمُ الْكُرُبَاتِ مَا لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ مَعَ غَيْرِهِمْ.

«فَالتَّوْحِيدُ مَلْجَأُ الطَّالِبِينَ، وَمَفْزَعُ الْهَارِبِينَ، وَنَجَاةُ الْمَكْرُوبِينَ، وَغِيَاثُ الْمَلْهُوفِينَ، وَحَقِيقَتُهُ: إِفْرَادُ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ بِالْمَحَبَّةِ وَالْإِجْلَالِ وَالتَّعْظِيمِ، وَالذُّلِّ وَالْخُضُوعِ» .

*وَمِنَ الْأَسْبَابِ الْبَاطِنَةِ لِرَفْعِ الْبَلَاءِ: مَعْرِفَةُ حَقِيقَةِ الْعَدْوَى وَالْوَبَاءِ، وَالِاسْتِعَانَةُ بِاللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- عَلَى رَفْعِهِ وَدَفْعِهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((لَا عَدْوَى، وَلَا صَفَرَ، وَلَا هَامَةَ)).

فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ: ((يَا رَسُولَ اللهِ! فَمَا بَالُ إِبِلِي تَكُونُ فِي الرَّمْلِ كَأَنَّهَا الظِّبَاءُ، فَيَأْتِي الْبَعِيرُ الْأَجْرَبُ، فَيَدْخُلُ بَيْنَهَا فَيُجْرِبُهَا؟!!)).

فَقَالَ ﷺ: ((فَمَنْ أَعْدَى الْأَوَّلَ؟!!)).

وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ، وَيُعْجِبُنِي الْفَأْلُ)).

قَالُوا: ((وَمَا الْفَأْلُ؟)).

قَالَ: ((كَلِمَةٌ طَيِّبَةٌ)).

فَهَذَانِ الْحَدِيثَانِ الْمُتَّفَقُ عَلَى صِحَّتِهِمَا مُعَارَضَانِ مِنَ الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((لَا يُورِدَنَّ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ)).

فِي تِلْكَ الْأَحَادِيثِ الشَّرِيفَةِ بَيَّنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِلْعَرَبِ وَلِلنَّاسِ كَافَّةً؛ أَنَّ الْعَدْوَى وَحْدَهَا أَوِ الْمَيِكْرُوب وَحْدَهُ لَيْسَ هُوَ السَّبَبُ فِي حُصُولِ الْمَرَضِ، وَأَنَّ هُنَاكَ أَسْبَابًا أُخْرَى بِيَدِ اللهِ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-، إِنْ شَاءَ صَرَفَهَا، وَإِنْ شَاءَ جَمَعَهَا؛ فَكَانَ الْمَرَضُ وَكَانَتِ الْعَدْوَى، أَمَّا الِاعْتِقَادُ بِأَنَّ هَذَا الْمَيِكْرُوب هُوَ سَبَبُ الْمَرَضِ الْوَحِيدُ، وَأَنَّ الْعَدْوَى هِيَ سَبَبُ الْمَرَضِ الْوَحِيدُ؛ فَهُوَ:

أَوَّلًا: جَهْلٌ بِحَقَائِقِ الْأَشْيَاءِ.

ثَانِيًا: جَهْلٌ بِقُدْرَةِ الْخَالِقِ -عَزَّ وَجَلَّ-.

ثَالِثًا: تَعْظِيمٌ لِلْأَسْبَابِ الظَّاهِرَةِ، فَيَتَّكِلُ عَلَيْهَا الْمَرْءُ، وَبِذَلِكَ يَخْرُجُ مِنْ دَائِرَةِ التَّوْحِيدِ إِلَى دَائِرَةِ الشِّرْكِ بِاللهِ تَعَالَى، فَيَرَى الْأَسْبَابَ الظَّاهِرَةَ، وَلَا يَرَى سَبَبَهَا الْحَقِيقِيَّ، وَهُوَ اللهُ -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ وَتَعَالَتْ حِكْمَتُهُ-، فَيَضِلُّ كَمَا ضَلَّ السَّابِقُونَ مِنْ عَرَبٍ وَمِنْ عَجَمٍ، وَكَمَا ضَلَّ اللَّاحِقُونَ وَالْمُعَاصِرُونَ مِنْ ذَوِي الْكَلِمَاتِ الرَّنَّانَةِ وَالْأَلْفَاظِ الْبَرَّاقَةِ، الَّتِي يَخْدَعُونَ بِهَا النَّاسَ عَنِ الْحَقِيقَةِ، وَمَا يَخْدَعُونَ بِهَا إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ!!

وَلَا بُدَّ إِذَنْ مِنَ الِالْتِفَاتِ إِلَى الْمُسَبِّبِ الْأَوَّلِ، كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِلْأَعْرَابِيِّ: ((فَمَنْ أَعْدَى الْأَوَّلَ؟!)).

وَبِذَلِكَ تُرَدُّ الْأُمُورُ كُلُّهَا إِلَى اللهِ الْوَاحِدِ الْأَحَدِ، الْمُتَصَرِّفِ فِي كَوْنِهِ وَعِبَادِهِ كَمَا يَشَاءُ؛ بِالصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ، وَبِالْعَدْوَى وَالْمُقَاوَمَةِ.

فَلَا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَتَوَكَّلَ أَوْ يَعْتَمِدَ عَلَى أَحَدٍ غَيْرِ اللهِ، وَمَعَ ذَلِكَ عَلَيْهِ أَنْ يَتَّخِذَ الْأَسْبَابَ، وَيَعْلَمَ أَنَّهَا مَرْبُوبَةٌ مَقْهُورَةٌ بِيَدِ بَارِئِهَا وَخَالِقِهَا.

وَقَدْ جَاءَتِ الْأَحَادِيثُ النَّبَوِيَّةُ الشَّرِيفَةِ مُوَضِّحَةً ذَلِكَ فِي أَبْلَغِ عِبَارَةٍ وَأَجْمَلِ بَيَانٍ، فَقَالَ ﷺ: ((لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ، وَلَا هَامَةَ وَلَا صَفَرَ، وَفِرَّ مِنَ الْمَجْذُومِ فِرَارَكَ مِنَ الْأَسَدِ))؛ لَا عَدْوَى بِذَاتِهَا، وَمَعَ هَذَا لَا بُدَّ مِنَ الْأَخْذِ بِالْأَسْبَابِ وَالِاحْتِيَاطِ؛ أَنْ يَفِرَّ الْمَرْءُ مِنَ الْمَجْذُومِ وَ((لَا يُورِدُ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ))، وَلَا يَحْتَكُّ الْمَرِيضُ بِالصَّحِيحِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ أَدْعَى لِانْتِقَالِ الْمَرَضِ بِقَدَرِ اللهِ تَعَالَى.

فَالْعَدْوَى بِذَاتِهَا لَيْسَتْ فَاعِلَةً، وَالْفَاعِلُ الْحَقِيقِيُّ هُوَ اللهُ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-، وَهَذَا لَا يُنَافِي الْأَخْذَ بِالْأَسْبَابِ، وَتَجَنُّبَ أَسْبَابِ الدَّاءِ، وَإِنَّمَا الْأَخْذُ بِالْأَسْبَابِ مَعَ الْعِلْمِ أَنَّهَا لَيْسَتْ فَاعِلَةً بِذَاتِهَا، وَإِنَّمَا هِيَ مَرْبُوبَةٌ مَقْهُورَةٌ، يُصَرِّفُهَا خَالِقُهَا كَيْفَ يَشَاءُ، هُوَ الْحَقُّ الَّذِي لَا مِرْيَةَ فِيهِ، وَهُوَ فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ يَقُومُ بِالْأَسْبَابِ فِي عَالَمِ الْأَسْبَابِ؛ دُونَ أَنْ يَغْفُلَ لَحْظَةً وَاحِدَةً عَنْ خَالِقِ الْأَسْبَابِ، وَعَنْ خَالِقِ الدَّاءِ وَالدَّوَاءِ، الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ الدَّاءَ دَوَاءً، وَالدَّوَاءَ دَاءً.

فَعَلَى الْعَبْدِ أَنْ يَسْتَعِينَ بِاللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- فِي رَفْعِ الْبَلَاءِ وَدَفْعِهِ، قَالَ تَعَالَى: { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5]؛ نَطْلُبُ عَوْنَكَ لَنَا عَلَى طَاعَتِكَ وَعَلَى كُلِّ مَا يُهِمُّ الْعَبْدَ مِنْ أُمُورِ دِينِهِ وَدُنْيَاهُ.

*وَمِنْ أَعْظَمِ الْأَسْبَابِ الْبَاطِنَةِ لِرَفْعِ الْبَلَاءِ: التَّوَكُّلُ عَلَى اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، قَالَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [المائدة: 23].

وَقَالَ: {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} [الطلاق: 3].

التَّوَكُّلُ: هُوَ صِدْقُ اعْتِمَادِ الْقَلْبِ عَلَى اللَّهِ -جَلَّ وَعَلَا- فِي اسْتِجْلَابِ الْمَصَالِحِ، وَدَفْعِ الْمَضَارِّ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَكِلَةُ الْأُمُورِ كُلِّهَا إِلَيْهِ، وَتَحْقِيقُ الْإِيمَانِ بِأَنَّهُ لَا يُعْطِي وَلَا يَمْنَعُ وَلَا يَضُرُّ وَلَا يَنْفَعُ سِوَاهُ.

قَالَ ابْنُ عُثَيْمِينَ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((وَإِذَا صَدَقَ الْعَبْدُ فِي اعْتِمَادِهِ عَلَى اللهِ -تَعَالَى-؛ كَفَاهُ اللهُ -تَعَالَى- مَا أَهَمَّهُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ}؛ أَيْ: كَافِيهِ، ثُمَّ طَمْأَنَ الْمُتَوَكِّلَ بِقَوْلِهِ: {إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ} [الطلاق: 3]، فَلَا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ أَرَادَهُ)).

فَحَقِيقَةُ التَّوَكُّلِ: أَنْ يَعْتَمِدَ الْعَبْدُ عَلَى اللهِ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- اعْتِمَادًا صَادِقًا فِي مَصَالِحِ دِينِهِ وَدُنْيَاهُ، مَعَ فِعْلِ الْأَسْبَابِ الْمَأْذُونِ فِيهَا، هَذِهِ حَقِيقَةُ التَّوَكُّلِ.

وَأَمَّا تَرْكُ الْأَسْبَابِ؛ فَذَلِكَ طَعْنٌ فِي الشَّرِيعَةِ الَّتِي أَمَرَتْ بِالْأَخْذِ بِالْأَسْبَابِ، وَكَذَلِكَ الِاعْتِمَادُ عَلَى الْأَسْبَابِ شِرْكٌ.

عِبَادَ اللهِ! إِنَّ الْأَخْذَ بِالْأَسْبَابِ لَا يُنَافِي التَّوَكُّلَ، بَلْ هُوَ مِنْهَا، قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((التَّوَكُّلُ مِنْ أَعْظَمِ الْأَسْبَابِ الَّتِي يَحْصُلُ بِهَا الْمَطْلُوبُ، وَيَنْدَفِعُ بِهَا الْمَكْرُوهُ؛ فَمَنْ أَنْكَرَ الْأَسْبَابَ لَمْ يَسْتَقِمْ مِنْهُ التَّوَكُّلُ، وَلَكِنْ مِنْ تَمَامِ التَّوَكُّلِ عَدَمُ الرُّكُونِ إِلَى الْأَسْبَابِ، وَقَطْعُ عَلَاقَةِ الْقَلْبِ بِهَا، فَيَكُونُ حَالُ الْقَلْبِ قِيَامَهُ بِاللهِ لَا بِهَا، وَحَالُ الْبَدَنِ قِيَامَهُ بِالْأَسْبَابِ.

فَالْأَسْبَابُ مَحَلُّ حِكْمَةِ اللهِ وَأَمْرِهِ وَنَهْيِهِ، وَالتَّوَكُّلُ مُتَعَلِّقٌ بِرُبُوبِيَّتِهِ وَقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ، فَلَا تَقُومُ عُبُودِيَّةُ الْأَسْبَابِ إِلَّا عَلَى سَاقِ التَّوَكُّلِ، وَلَا يَقُومُ سَاقُ التَّوَكُّلِ إِلَّا عَلَى قَدَمِ الْعُبُودِيَّةِ)).

وَالْأَخْذُ بِالْأَسْبَابِ مَعَ تَفْوِيضِ أَمْرِ النَّجَاحِ إِلَى اللهِ -جَلَّ وَعَلَا-، وَالثِّقَةِ بِأَنَّهُ -تَعَالَى- لَا يُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا، هُوَ مِنَ التَّوَكُّلِ الْمَأْمُورِ بِهِ، أَمَّا الْقُعُودُ عَنِ الْأَسْبَابِ وَعَدَمِ السَّعْيِ فَلَيْسَ مِنَ التَّوَكُّلِ فِي شَيْءٍ، وَإِنَّمَا هُوَ اتِّكِالٌ أَوْ تَوَاكُلٌ حَذَّرَنَا مِنْهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَنَهَى عَنِ الْأَسْبَابِ الْمُؤَدِّيَةِ إِلَيْهِ.

وَهَذَا نَبِيُّكُمْ ﷺ كَمَا رَوَى عَنْهُ التِّرْمِذِيُّ فِي ((جَامِعِهِ))، عَنْ أَنَسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى الرَّسُولِ ﷺ عَلَى نَاقَةٍ فَقَالَ: ((يَا رسولَ اللهِ! أَدَعُهَا وَأَتَوَكَّلُ؟))؛ يَعْنِي: أُطْلِقُهَا -أَتْرُكُهَا- بِلَا قَيْدٍ وَلَا زِمَامٍ وَلَا خِطَامٍ مُتَوَكِّلًا، قَالَ: ((أَدَعُهَا وَأَتَوَكَّلُ؟)).

فَقَالَ الرَّسُولُ ﷺ: ((لَا، بَلِ اعْقِلْهَا وَتَوَكَّلْ)).

فَالرَّسُولُ ﷺ يَجْمَعُ الْأَمْرَيْنِ هَاهُنَا فِي قَرَنٍ وَاحِدٍ، فِي زِمَامٍ وَاحِدٍ، يَجْمَعُ النَّبِيُّ ﷺ أَمْرَ الْيَقِينِ بِالتَّوَكُّلِ عَلَى اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَهُوَ أَمْرٌ غَيْبِيٌّ تُكِنُّهُ الصُّدُورُ وَتَطْوِيهِ الْقُلُوبُ، وَأَمْرُ هَذِهِ الْحَيَاةِ الظَّاهِرَةِ بِأَسْبَابِهَا؛ لِأَنَّ اللهَ -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ- رَبَّى هَذِهِ الْأُمَّةَ عَلَى الْمَنْهَجِ الْأَعْدَلِ، فَكَانَتْ بِتَرْبِيَةِ نَبِيِّهَا ﷺ أُمَّةً عَادِلَةً تُقِيمُ الْعَدْلَ فِي التَّوَازُنِ بَيْنَ كُلِّ الْأُمُورِ الَّتِي تَتَنَاقَضُ ظَاهِرًا.

هَذَا الدِّينُ الْعَظِيمُ أَتَى بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ، يُقِيمُ الْمَعْدَلَةَ فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَيَحْفَظُ لَنَا هَذَا التَّوَازُنَ الْمُبْهِرَ الْمُدْهِشَ بَيْنَ الْأُمُورِ الَّتِي تَتَنَاقَضُ ظَاهِرًا وَتَتَنَافَرُ بَادِيًا، وَهِيَ فِي حَقِيقَةِ الْأَمْرِ قَائِمَةٌ عَلَى لَوْنٍ مِنَ الِانْسِجَامِ لَا تَنَافُرَ فِيهِ وَلَا اخْتِلَالَ.

وَهَذَا النَّبِيُّ ﷺ يَأْتِيهِ هَذَا الْأَعْرَابِيُّ وَقَدْ ظَنَّ أَنَّ الْأَمْرَ إِذَا مَا كَانَ مَوْكُولًا لِلهِ، مُلْقًى بَيْنَ يَدَيْ رَحَمَاتِ جَنَبَاتِ رَبِّنَا -جَلَّ وَعَلَا- فَإِنَّهُ -حِينَئِذٍ- لَا عَلَيْهِ إِذَا مَا أَطْلَقَ تِلْكَ الدَّابَّةَ كَيْفَمَا اتُّفِقَ مِنْ غَيْرِ مَا زِمَامٍ وَلَا قَيْدٍ وَلَا خِطَامٍ مَا دَامَ مُتَوَكِّلًا بَاطِنًا، وَلَكِنَّ النَّبِيَّ ﷺ يُعِيدُ الْأَمْرَ إِلَى نِصَابِهِ، وَيَأْخُذُ بِيَدِ الرَّجُلِ مِنْ أَجْلِ أَنْ يَأْخُذَ فِي الدُّنْيَا بِأَسْبَابِهِ، فَيَقُولُ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: ((بَلِ اعْقِلْهَا وَتَوَكَّلْ)).

فَلَمْ يَنْفِ الرَّسُولُ ﷺ التَّوَكُّلَ عَنِ الْآخِذِينَ بِالْأَسْبَابِ ظَاهِرًا، بَلْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَكْبَرَ الْمُتَوَكِّلِينَ حَقًّا وَصِدْقًا، وَكَانَ ﷺ لَا يَدَعُ الْأَخْذَ بِالْأَسْبَابِ أَبَدًا.

*وَمِنْ أَسْبَابِ رَفْعِ الْبَلَاءِ: دُعَاءُ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، وَصِدْقُ اللُّجْأِ إِلَيْهِ، وَالْإِقْبَالُ عَلَيْهِ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- عِنْدَ نُزُولِ الْمِحَنِ، قال تعالى: {فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا} [الأنعام: 43].

فَهَلَّا تَذَلَّلُوا لَنَا حِينَ جَاءَهُمْ عَذَابُنَا التَّأْدِيبِيُّ الْجَزَائِيُّ!!

وَقَالَ رَبُّنَا -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: {فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ} [الذاريات: 50].

لَقَدْ أَمَرَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ بِالْفِرَارِ إِلَيْهِ؛ أَيِ: الْفِرَارِ مِمَّا يَكْرَهُهُ اللهُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، إِلَى مَا يُحِبُّهُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا.

فَمَنِ اسْتَكْمَلَ هَذِهِ الْأُمُورَ، فَقَدِ اسْتَكْمَلَ الدِّينَ كُلَّهُ، وَزَالَ عَنْهُ الْمَرْهُوبُ، وَحَصَلَ لَهُ غَايَةُ الْمُرَادِ وَالْمَطْلُوبِ.

وَكُلُّ مَنْ خِفْتَ مِنْهُ فَرَرْتَ مِنْهُ إِلَّا اللهَ تَعَالَى؛ فَإِنَّهُ بِحَسَبِ الْخَوْفِ مِنْهُ يَكُونُ الْفِرَارُ إِلَيْهِ.

وَيَدْعُو الْعَبْدُ رَبَّهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- مُتَذَلِّلًا إِلَيْهِ أَنْ يَرْفَعَ عَنْهُ وَعَنْ وَطَنِهِ وَأُمَّتِهِ الْبَلَاءَ وَالْوَبَاءَ.. يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، يَا بَدِيعَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ؛ اغْفِرْ لَنَا الذُّنُوبَ الَّتِي تُحِلُّ النِّقَمَ، وَاغْفِرْ لَنَا الذُّنُوبَ الَّتِي تُغَيِّرُ النِّعَمَ، وَاغْفِرْ لَنَا الذُّنُوبَ الَّتِي تُورِثُ النَّدَمَ، وَاغْفِرْ لَنَا الذُّنُوبَ الَّتِي تَحْبِسُ الْقِسَمَ، وَاغْفِرْ لَنَا الذُّنُوبَ الَّتِي تَهْتِكُ الْعِصَمَ، وَاغْفِرْ لَنَا الذُّنُوبَ الَّتِي تُنْزِلُ الْبَلَاءَ، وَاغْفِرْ لَنَا الذُّنُوبَ الَّتِي تُعَجِّلُ الْفَنَاءَ، وَاغْفِرْ لَنَا الذُّنُوبَ الَّتِي تُدِيلُ الْأَعْدَاءَ، وَاغْفِرْ لَنَا الذُّنُوبَ الَّتِي تَقْطَعُ الرَّجَاءَ، وَاغْفِرْ لَنَا الذُّنُوبَ الَّتِي تَرُدُّ الدُّعَاءَ، وَاغْفِرْ لَنَا الذُّنُوبَ الَّتِي تُمْسِكُ غَيْثَ السَّمَاءِ، وَاغْفِرْ لَنَا الذُّنُوبَ الَّتِي تُظْلِمُ الْهَوَاءَ، وَاغْفِرْ لَنَا الذُّنُوبَ الَّتِي تَكْشِفُ الْغِطَاءَ.

عُبَيْدُكَ بِفِنَائِكَ، مُسَيْكِينُكَ بِفِنَائِكَ، فَقِيرُكَ بِفِنَائِكَ، سَائِلٌ بِفِنَائِكَ، كُنْتَ وَتَكُونُ، وَأَنْتَ حَيٌّ قَيُّومٌ، تَنَامُ الْعُيُونُ، وَتَنْكَدِرُ النُّجُومُ، وَأَنْتَ حَيٌّ قَيُّومٌ، لَا تَأْخُذُكَ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ.

اللهم إنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنْ زَوَالِ نِعْمَتِكَ، وَفُجَاءَةِ نِقْمَتِكَ، وَتَحوُّلِ عَافِيَتِكَ، وَجَميعِ سَخَطِكَ.

قَالَ ﷺ: ((سَلُوا اللهَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ -اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ-؛ فَإِنَّ أَحَدًا لَمْ يُعْطَ بَعْدَ الْيَقِينِ خَيْرًا مِنَ الْعَافِيَةِ)) . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ.

وَأَبُو بَكْرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- يَقُومُ حَيْثُ قَامَ رَسُولُ اللهِ، وَيَبْكِي كَمَا بَكَى!!

عَنْ أَنَسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَيُّ الدُّعَاءِ أَفْضَلُ؟

قَالَ: ((سَلِ اللهَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ)).

ثُمَّ أَتَاهُ الْغَدَاةَ فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ! أَيُّ الدُّعَاءِ أَفْضَلُ؟

قَالَ: ((سَلِ اللهَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ)) . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي ((الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ))، وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ فِي ((صَحِيحِ الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ)).

*وَمِنْ أَعْظَمِ سُبُلِ رَفْعِ الْبَلَاءِ وَالْوَبَاءِ: التَّوْبَةُ إِلَى اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ-، فَإِنَّ مَعْصِيَةَ اللهِ -تَعَالَى- تُزِيلُ النِّعَمَ، وَتُحِلُّ النِّقَمَ، وَمَا زَالَتْ عَنِ الْعَبْدِ نِعْمَةٌ إِلَّا بِذَنْبٍ، وَلَا حَلَّتْ بِهِ نِقْمَةٌ إِلَّا بِذَنْبٍ، كَمَا قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: «مَا نَزَلَ بَلَاءٌ إِلَّا بِذَنْبٍ، وَلَا رُفِعَ إِلَّا بِتَوْبَةٍ».

وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ فِي ((سُنَنِهِ)) مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالعِينَةِ، وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ البَقَرِ، وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ، وَتَرَكْتُمُ الجِهَادَ، سَلَّطَ اللهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا لَا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ». وَالْحَدِيثُ حَدِيثٌ صَحِيحٌ، صَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ فِي ((صَحِيحِ سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ))، وَفِي ((السِّلْسِلَةِ الصَّحِيحَةِ))، وَفِي غَيْرِهِمَا.

قَالَ رَبُّنَا -جَلَّ وَعَلَا-: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} [الشورى: 30].

وَقَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الأنفال: 53].

فَأَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُ لَا يُغَيِّرُ نِعَمَهُ الَّتِي أَنْعَمَ بِهَا عَلَى أَحَدٍ حَتَّى يَكُونَ هُوَ الَّذِي يُغَيِّرُ مَا بِنَفْسِهِ.

وَقَالَ رَبُّنَا -جَلَّ وَعَلَا-: {ظَهَرَ الفَسَادُ فِي البَرِّ وَالبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الروم: 41].

الْفَسَادُ الْمَذْكُورُ فِي الْآيَةِ الْمُرَادُ بِهِ الذُّنُوبُ وَمُوجِبَاتُهَا، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُه تَعَالَى: {لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا}؛ فَهَذَا حَالُنَا!!

{لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا}، وَإِنَّمَا أَذَاقَنَا الشَّيْءَ الْيَسِيرَ مِنْ أَعْمَالِنَا، وَلَوْ أَذَاقَنَا كُلَّ أَعْمَالِنَا لَمَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ.

وَكُلَّمَا أَحْدَثَ الْعِبَادُ ذَنْبًا، أَحْدَثَ اللهُ لَهُمْ عُقُوبَةً؛ فَالْمَعَاصِي تُحْدِثْ فِي الْأَرْضِ أَنْوَاعًا مِنَ الْفَسَادِ؛ فِي الْمِيَاهِ، وَفِي الْهَوَاءِ، وَفِي الزَّرْعِ وَالثِّمَارِ، وَالْمَسَاكِنِ وَالنُّفُوسِ، وَالتَّصَوُّرَاتِ وَحَرَكَةِ الْحَيَاةِ.

{ظَهَرَ الفَسَادُ فِي البَرِّ وَالبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}.

{وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ}.

إِنَّ اللهَ تَعَالَى جَعَلَ لِكُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا، وَجَعَلَ الْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ سَبَبًا لِنِقْمَتِهِ وَعَذَابِهِ وَحُلُولِ عِقَابِهِ عَلَى الْبِلَادِ وَالْعِبَادِ، قَالَ تَعَالَى: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا القَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا} [الإسراء: 16].

أَيْ أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا أَمْرًا قَدَرِيًّا، فَإِنَّ اللهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ، وَقِيلَ: سَخَرَّهُمْ إِلَى فِعْلِ الْفَوَاحِشِ، فَاسْتَحَقُّوا الْعَذَابَ، وَقِيلَ: أَمَرْنَاهُمْ بِالطَّاعَاتِ فَفَعَلُوا الْفَوَاحِشَ، فَاسْتَحَقُّوا الْعِقَابَ {فَحَقَّ عَلَيْهَا القَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا}.

إِنَّ النَّاسَ إِذَا خَالَفُوا أَمْرَ اللهِ؛ هَانُوا عَلَيْهِ، فَلَمَّا هَانُوا عَلَيْهِ تَرَكَهُمْ، وَمَنْ تَرَكَهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ فَهُوَ أَعْظَمُ عُقُوبَةٍ وَأَكْبَرِهَا، إِذْ إِنَّ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ إِذَا أَحَاطَ الْعَبْدَ بِكَلَاءَتِهِ وَحِفْظِهِ وَرِعَايَتِهِ؛ فَقَدْ شَمَلَهُ بِرَحْمَتِهِ.

وَإِذَا تَخَلَّى اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ عَنِ الْعَبْدِ صَارَ فِي الضَّلَالِ فِي كُلِّ وَادٍ، ثُمَّ إِنَّ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ التَّنْغِيصِ فِي الْمَعِيشَةِ الضَّنْكِ مَا وَصَفَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ فِي كِتَابِهِ الْعَظِيمِ، وَهَذِهِ حَيَاةُ النَّكَدِ الصِّرْفِ.

قَالَ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرعد: 11].

إِنَّ اللهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ أُخْرَى مُنَاقِضَةٍ لِلْأُولَى حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ، فَإِنْ غَيَّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ مِنْ سَيِّئٍ إِلَى حَسَنٍ؛ غَيَّرَ اللهُ أَحْوَالَهُمْ مِنْ سَيِّئٍ إِلَى حَسَنٍ، وَإِنْ غَيَّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ مِنْ حَسَنٍ إِلَى قَبِيحٍ؛ غَيَّرَ اللهُ أَحْوَالَهُمْ، وَأَحَلَّ بِهِمْ نِقْمَتَهُ.

*وَمِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ رَفْعِ الْبَلَاءِ وَالْوَبَاءِ: ذِكْرُ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ-؛ فَالذِّكْرُ مَنْشُورُ الْوِلَايَةِ الَّذِي مِنْ أُعْطِيَهُ اتَّصَلَ وَمَنْ مُنِعَهُ عُزِلَ، وَهُوَ قُوتُ قُلُوبِ السَّائِرِينَ الَّذِي مَتَى فَارَقَهَا صَارَتِ الْأَجْسَادُ لَهَا قُبُورًا، وَعِمَارَةُ دِيَارِهِمْ فَمَتَى تَعَطَّلَتْ عَنْهُ صَارَتْ بُورًا، وَهُوَ سِلَاحُهُمُ الَّذِي يُقَاتِلُونَ بِهِ قُطَّاعَ الطَّرِيقِ، وَمَاؤُهُمُ الَّذِي يُطْفِئُونَ بِهِ الْتِهَابَ الطَّرِيقِ، وَدَوَاءُ أَسْقَامِهِمُ الَّذِي مَتَى فَارَقَهُمُ انْتَكَسَتْ مِنْهُمُ الْقُلُوبُ، وَالسَّبَبُ الْوَاصِلُ وَالْعَلَاقَةُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ عَلَّامِ الْغُيُوبِ.

إِذَا مَرِضْنَا تَدَاوِينَا بِذِكْرِكُمُ ... وَنَتْرُكُ الذِّكْرَ أَحْيَانًا فَنَنْتَكِسُ

بِهِ يَسْتَدْفِعُونَ الْآفَاتِ، وَيَسْتَكْشِفُونَ الْكُرُبَاتِ، وَتَهُونُ عَلَيْهِمْ بِهِ الْمُصِيبَاتُ، إِذَا أَظَلَّهُمُ الْبَلَاءُ فَإِلَيْهِ مَلْجَؤُهُمْ، وَإِذَا نَزَلَتْ بِهِمُ النَّوَازِلُ فَإِلَيْهِ مَفْزَعُهُمْ.

فَعَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يُحَصِّنَ نَفْسَهُ بِذِكْرِ اللهِ تَعَالَى؛ فَقَدْ ((شَرَعَ الْإِسْلَامُ لِلْمُسْلِمِ أَذْكَارًا كَثِيرَةً مُسْتَغْرِقَةً كُلَّ أَوْقَاتِهِ فِي لَيْلِهِ وَنَهَارِهِ، فِي صَبَاحِهِ وَمَسَائِهِ؛ فَيَنْبَغِي أَنْ يَبْقَى العَبْدُ مُرْتَبِطًا فِي كُلِّ لَحْظَةٍ بِخَالِقِهِ، يَحْتَمِي مِنْ كُلِّ شَرٍّ بِحِمَاهُ، وَيَتَحَصَّنُ بِعَظَمَتِهِ وَأَسْمَائِهِ، وَيَسْتَعِينُ بِهِ عَلَى أُمُورِ دِينِهِ وَدُنْيَاهُ)).

وَأَذْكَارُ الصَّبَاحِ وَالْمَسَاءِ فِيهَا مِمَّا دَلَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ نَجَاةٌ مِنَ الْحَسَدِ، وَمِنَ السِّحْرِ، وَمِنْ فَجْأَةِ الْبَلَاءِ يُصِيبُ الْإِنْسَانَ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَكْرَهُهُ، مَنْ قَالَهَا إِذَا أَصْبَحَ وَإِذَا أَمْسَى فَإِنَّهُ لَا يَزَالُ فِي عَافِيَةٍ، وَلَا يُصِيبُهُ بَلَاءٌ، ((بِسْمِ اللهِ الَّذِي لَا يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ مَنْ قَالَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ إِذَا أَصْبَحَ، وَثَلَاثَ مَرَّاتٍ إِذَا أَمْسْى يَعْنِي: بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَبَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، إِذَا أَصْبَحَ وَإِذَا أَمْسَى، فِي جُمْلَةٍ مِنْ أَذْكَارِ الصَّبَاحِ وَالْمَسَاءِ-، مَنْ قَالَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ لَمْ تُصِبْهُ فَجْأَةُ بَلَاءٍ إِذَا قَالَهَا صَبَاحًا حَتَّى يُمْسِي، وَإِذَا قَالَهَا مَسَاءً حَتَّى يُصْبِحَ)).

أَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ أَبِيهِ عُثْمَانَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَكَانَ أَبَانُ قَدْ أُصِيبَ بِالْفَالِجِ -وَهُوَ الشَّلَلُ-، فَكَانَ مَشْلُولًا، فَلَمَّا جَلَسَ فِي مَجْلِسِِ الْعِلْمِ فَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ؛ نَظَرَ إِلَيْهِ بَعْضُ الْحَاضِرِينَ النَّظَرَ الشَّزْرَ، نَظَرَ الْمُسْتَفْهِمِ الْمُتَعَجِّبِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ هَذَا كَمَا تَقُولُ فَأَنْتَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ -لِأَنَّهُ كَانَ مُصَابًا بِالشَّلَلِ-، فَهُوَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنَّهُ يَرْوِي وَيَدُلُّ عَلَى مَا لَا يَقُولُهُ وَلَا يَفْعَلُهُ، وَكَفَى بِهَذَا مَقْتًا عِنْدَ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- أَنْ يَقُولَ مَا لَا يَفْعَلْ، وَأَنْ يَدُلَّ النَّاسَ عَلَى الْخَيْرِ وَلَا يَأْتِي بِهِ، وَأَنْ يُحَذِّرَهُمْ مِنَ الشَّرِّ وَيَتَوَرَّطُ فِيهِ، فَهَذَا هُوَ الْأَمْرُ الْأَوَّلُ.

الْأَمْرُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ قَدْ كَذَبَ عَلَى عُثْمَانَ وَأَتَى بِهَذَا مِنْ كِيسِهِ -مِنْ تَأْلِيفِهِ-، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَى هَذَا الْمُسْتَفْهِمِ الْمُسْتَعْجِبِ؛ عَلِمَ مَا يَدُورُ فِي نَفْسِهِ مِنْ شَوَاهِدِ أَحْوَالِهِ، فَقَالَ: ((وَاللهِ مَا كَذَبْتُ عَلَى عُثْمَانَ، وَلَا كَذَبَ عُثْمَانُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَلَكِنِّي فِي الْيَوْمِ الَّذِي أَصَابَنِي فِيهِ هَذَا الْفَالِجُ يَعْنِي: الشَّلَلُ-، غَضِبْتُ فَلَمْ أَقُلْهَا، فَأَصَابَنِي مَا أَصَابَنِي)).

((مَنْ قَالَ: بِسْمِ اللهِ الَّذِي لَا يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ لَمْ تُصِبْهُ فَجْأَةُ بَلَاءٍ حَتَّى يُصْبِحَ، وَمَنْ قَالَهَا حِينَ يُصْبِحُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ لَمْ تُصِبْهُ فَجْأَةُ بَلَاءٍ حَتَّى يُمْسِي)). أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَه.

وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- قَالَ: لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَعُ هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ إِذَا أَصْبَحَ وَإذا أَمْسَى: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي دِينِي وَدُنْيَايَ وَأَهْلِي وَمَالِي، اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِي وَآمِنْ رَوْعَاتِي، اللَّهُمَّ احْفَظْنِي مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ وَمِنْ خَلْفِي وَعَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمَالِي وَمِنْ فَوْقِي وَأَعُوذُ بِعَظَمَتِكَ مِنْ أَنْ أُغْتَالَ مِنْ تحتي)). أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَه.

وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((مَنْ قَرَأَ الْآيَتَيْنِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

كَمَا أَنَّ هُنَاكَ أَذْكَارًا تُقَالُ عِنْدَ الْخُرُوجِ مِنَ الْبَيْتِ وَعِنْدَ دُخُولِهِ؛ حَيْثُ يَقُولُ نَبِيُّنَا ﷺ ((منَ قَالَ -يَعْنِي: إِذَا خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ-: بِسْمِ اللهِ، تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ.. يُقَالُ لَهُ: كُفِيتَ، وَوُقِيتَ، وَهُدِيتَ، وَتَنَحَّى عَنْهُ الشَّيْطَانُ، فَيَقُولُ لِشَيْطَانٍ آخَرَ: كَيْفَ لَكَ بِرَجُلٍ قَدْ هُدِيَ وَكُفِيَ وَوُقِيَ؟!!)). خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: ((حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ)).

وَعَنْ خَوْلَةَ بِنْتِ حَكِيمٍ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقَولَ: «مَنْ نَزَلَ مَنْزِلاً فقَالَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ؛ فَإِنَّ مَنْ قَالَهَا لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ حَتَّى يَرْتَحِلَ مِنْ مَنْزِلِهِ الَّذِي قَالَهَا فِيهِ)).

وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((دَعْوَةُ أَخِي ذِي النُّونِ مَا دَعَا بِهَا مَكْرُوبٌ إِلَّا فَرَّجَ اللهُ عَنْهُ: ((لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ)). الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ فِي غَيْرِ مَا مَوْضِعٍ.

قَالَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: {وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (88)} [الأنبياء: 87-88].

فَاسْتَجَبْنَا لَهُ دُعَاءَهُ، وَخَلَّصْنَاهُ مِنْ تِلْكَ الظُّلُمَاتِ، وَقَدَّرْنَا أَنْ يَلْفِظَهُ الْحُوتُ عَلَى الْيَابِسَةِ قَرِيبًا مِنْ شَاطِئِ الْبَحْرِ، فَفَعَلَ.

وَمِثْلُ هَذَا التَّخْلِيصِ مِنَ الْغَمِّ، نُخَلِّصُ سَائِرَ الْمُؤْمِنِينَ الصَّادِقِينَ كَامِلِي الْإِيمَانِ مِنَ الْكُرُوبِ، ضِمْنَ سُنَّتِنَا فِي تَصَارِيفِنَا بِعِبَادِنَا إِذَا دَعَوْنَا وَاسْتَغَاثُوا بِنَا.

أُمُورٌ كَثِيرَةٌ -أَيُّهَا الْأَحِبَّةُ- لَوْ أَنَّنَا الْتَزَمْنَا بِهَا مِنْ كِتَابِ رَبِّنَا وَسُنَّةِ نَبِيِّنَا؛ لَحَفِظَنَا اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ فِي دِينِنَا قَبْلَ دُنْيَانَا، وَهَذَا هُوَ الْحِفْظُ الصَّحِيحُ؛ حَتَّى يَحْتَاطَ الْمَرْءُ لِقَلْبِهِ، وَحَتَّى لَا يَنْفُذَ إِلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الْإِرَادَاتِ الشِّرْكِيَّةِ.. بِخَوْفٍ شِرْكِيٍّ؛ لِأَنَّ الْمَخَافَةَ الْحَقَّةَ إِنَّمَا هِيَ مِنَ اللهِ وَحْدَهُ، وَمَنْ صَحَّحَ لَمْ يَخَفْ مِنْ أَحَدٍ، وَلَا يَخَافُ الرَّجُلُ مِنْ دُونِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ أَحَدًا إِلَّا لِمَرَضٍ فِي قَلْبِهِ.

))التَّرَاحُمُ فِي الْمِحَنِ وَالْأَزْمَاتِ وَرِسَالَةٌ إِلَى التُّجَّارِ((

إِنَّ الْمِحَنَ وَالْأَزْمَاتِ هِيَ الَّتِي تُظْهِرُ مَعَادِنَ النَّاسِ وَحَقِيقَةَ أَخْلَاقِهِمْ؛ فَعَلَيْنَا جَمِيعًا أَنْ نَتَرَاحَمَ فِيمَا بَيْنَنَا، وَأَنْ نَبْتَعِدَ عَنِ الْأَثَرَةِ وَالْأَنَانِيَةِ، وَعَنْ كُلِّ أَنْوَاعِ الِاحْتِكَارِ، فَاحْتِكَارُ السِّلَعِ حَرَامٌ لَا يَجُوزُ، وَقَدْ نَهَى عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ؛ فَعَنْ مَعْمَرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: ((لَا يَحْتَكِرُ إِلَّا خَاطِئٌ)). أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي ((صَحِيحِهِ)).

فَرَهَّبَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الِاحْتِكَارِ.

وَالِاحْتِكَارُ: هُوَ شِرَاءُ الشَّيْءِ وَحَبْسُهُ لِيَقِلَّ بَيْنَ النَّاسِ؛ فَيَغْلُوَ سِعْرُهُ، وَيُصِيبَهُمْ بِسَبَبِ ذَلِكَ الضَّرَرُ.

وَالِاحْتِكَارُ حَرَّمَهُ الشَّارِعُ وَنَهَى عَنْهُ؛ لِمَا فِيهِ مِنَ الجَشَعِ، وَالطَّمَعِ، وَسُوءِ الخُلُقِ، وَالتَّضْيِيقِ عَلَى النَّاسِ.

رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ مَعْمَرٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنِ احْتَكَرَ فَهُوَ خَاطِئٌ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَفِي رِوَايَةٍ: «لَا يَحْتَكِرُ إِلَّا خَاطِئٌ»، وَالخَاطِئُ: الآثِمُ، وَالمَعْنَى: لا يَجْتَرِئُ عَلَى هَذَا الفِعْلِ الشَّنِيعِ إِلَّا مَنِ اعْتَادَ المَعْصِيَةَ.

إِنَّ الأُمَّةَ تُعَانِي فِي هَذَا الوَقْتِ مِنْ هَذَا الدَّاءِ الوَبِيلِ الَّذِي حَرَّمَهُ الشَّرْعُ الشَّرِيفُ، وَنَدَّدَ النَّبِيُّ ﷺ بِمَنْ فَعَلَهُ؛ وَهُوَ الِاحْتِكَارُ.

فَلْيَتَّقِ اللهَ أَقْوَامٌ لَا يَنْظُرُونَ إِلَى مَآلَاتِ الْأُمُورِ، وَلْيَحْرِصُوا عَلَى أَنْ يُرْضُوا اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، وَلْيَعْلَمُوا أَنَّ كُلَّ لَحْمٍ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ فَالنَّارُ أَوْلَى بِهِ.

وَعَلَيْهِمْ أَنْ يَتَّقُوا اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- فِي دِينِهِمْ، وَفِي إِخْوَانِهِمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ!!

 عَلَيْهِمْ أَنْ يَتَّقُوا اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، وَأَنْ يَفِيئُوا إِلَيْهِ، وَأَنْ يَخْرُجُوا مِنْ مَعَاصِيهِمْ، بِالْإِقْبَالِ عَلَى اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، وَبَذْلِ مَا فِي أَيْدِيهِمْ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ -وَهُوَ عَلَى عَكْسِ مَا يَفْعَلُونَ-: «مَنْ كَانَ عِنْدَهُ فَضْلُ زَادٍ، فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا زَادَ لَهُ، مَنْ كَانَ عِنْدَهُ فَضْلُ ظَهْرٍ، فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا ظَهْرَ لَهُ، مَنْ كَانَ عِنْدَهُ فَضْلُ ثَوْبٍ، فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا ثَوْبَ لَهُ»، فَمَا زَالَ يُعَدِّدُ مِنْ أَصْنَافِ الفَضْلِ، حَتَّى ظَنَّ الصَّحَابَةُ أَنَّهُ لَا حَقَّ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ فِي الْفَضْلِ؛ يَعْنِي فِي الزِّيَادَةِ عَمَّا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ مِنْ ثِيَابٍ أَوْ طَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ أَوْ مَرْكُوبٍ أَوْ مَا أَشْبَهَ.

إِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فِي الْمُوَاسَاةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، فَكَيْفَ بِهَذَا الْعَمَلِ الشَّنِيعِ: وَهُوَ احْتِكَارُ مُتَطَلَّبَاتِ الْمُسْلِمِينَ وَحَبْسُهَا حَتَّى يَغْلُوَ سِعْرُهَا وَثَمَنُهَا مِنْ أَجْلِ أَنْ يَتَكَسَّبُوا بِمُسْتَقْبَلِ بَلَدِهِمُ الْمُسْلِمِ، حَتَّى يَنْهَارَ وَحَتَّى تَضْمَحِلَّ قُوَى الْإِسْلَامِ فِيهِ؟!! فَهَذِهِ خِيَانَةٌ عُظْمَى.

لَقَدْ أَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِعُلُوِّ مَنْزِلَةِ التَّاجِرِ الصَّدُوقِ الْأَمِينِ وَرِفْعَةِ دَرَجَتِهِ»؛ فَرَغَّبَ النَّبِيُّ ﷺ التُّجَّارَ فِي الصِّدْقِ، وَرَهَّبَهُمْ مِنَ الْكَذِبِ وَمِنَ الْحَلِفِ وَإِنْ كَانُوا صَادِقِينَ؛ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «التَّاجِرُ الصَّدُوقُ الْأَمِينُ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: «حَدِيثٌ حَسَنٌ»، وَقَالَ الْأَلْبَانيُّ: «صَحِيحٌ لِغَيْرِهِ».

وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَلَفْظُهُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «التَّاجِرُ الْأَمِينُ الصَّدُوقُ الْمُسْلِمُ مَعَ الشُّهَدَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». وَهُوَ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

حَضَّ النَّبِيُّ ﷺ التُّجَّارَ عَلَى الصِّدْقِ وَعَلَى الْأَمَانَةِ، وَحَذَّرَهُمْ مِنَ الْكَذِبِ وَالْخِيَانَةِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْبِيئَةَ وَالزَّمَانَ الَّذِي نَعِيشُ يُمَهِّدَانِ لِمَا يُسَمَّى بِالْغِنَى عَنْ طَرِيقِ أَسَالِيبِ تُجَّارِ الْحُرُوبِ، فَفِي مِثْلِ هَذَا الْوَقْتِ وَهَذِهِ الْبِيئَةِ وَهَذِهِ الْأَحْوَالِ الَّتِي قَدَّرَهَا اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- يَغْتَنِي كَثِيرٌ مِمَّنْ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخِيَانَةِ وَالْغِشِّ وَالِاحْتِكَارِ، يَأْخُذُونَ السِّلَعَ ثُمَّ يَحْتَكِرُونَهَا؛ يَعْنِي يُغَيِّبُونَهَا وَلَا يُظِهرُونَهَا، حَتَّى إِذَا شَحَّتْ فِي الْأَسْوَاقِ وَعَلَا ثَمَنُهَا وَغَلَا؛ فَإِنَّهُمْ يُخرِجُونَهَا لِإِحْدَاثِ هَذَا الْغَلَاءِ الَّذِي تَرَوْنَ وَتَسْمَعُونَ وَتُعَانُونَ.

قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا يَحْتَكِرُ إِلَّا خَاطِئٌ».

فَالَّذِي يَحْتَكِرُ السِّلَعَ، وَيُضَيِّقُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ؛ يُضَيِّقُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- عَلَيْهِ، وَمَهْمَا جَمَعَ فَإِنَّهُ سَيُحَاسَبُ عَلَيْهِ فِي الْآخِرَةِ إِنْ لَمْ يُؤَاخَذْ بِهِ فِي الدُّنْيَا؛ مِنْ مَرَضٍ يَمْحَقُ مَا عِنْدَهُ؛ لِأَنَّ هَذَا الَّذِي أَخَذَ بِهِ وَإِنْ كَانَ مَنْفَقَةً لِلسِّلْعَةِ -يَعْنِي جَالِبًا لِارْتِفَاعِ السِّعْرِ لَهَا- إِلَّا أَنَّهُ مَمْحَقَةٌ لِلْبَرَكَةِ، فَلَا يَبْقَى عِنْدَهُ شَيْءٌ، فَكُلُّ هَذَا مِمَّا يُبَهْرَجُ بِهِ أَمَامَ الْعَيْنِ وَهُوَ مِنْ فِعْلِ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ.

عَلَيْنَا أَنْ نَتَّقِيَ اللهَ فِي دِينِنَا وَفِي بَلَدِنَا؛ فَإِنَّهَا عَلَى شَفَا، ثَبَّتَهَا اللهُ وَحَفِظَهَا وَحَمَاهَا، وَهُوَ الْبَرُّ الْجَوَادُ الرَّحِيمُ.

 ((خُطُورَةُ الشَّائِعَاتِ فِي الْمِحَنِ وَالْأَزْمَاتِ))

وَمِمَّا يَنْبَغِي عَلَيْنَا فِي الْمِحَنِ وَالنَّوَازِلِ: عَدَمُ الْمُشَارَكَةِ فِي بَثِّ الشَّائِعَاتِ الْمُغْرِضَةِ، وَمُجَانَبَةُ الْإِشَاعَاتِ الَّتِي تُفْسِدُ وَلَا تُصْلِحُ وَتَهْدِمُ وَلَا تَبْنِي، وَمَنْ نَظَرَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ خَاصَّةً، وَفِي التَّارِيخِ عَامَّةً؛ يَعْلَمُ يَقِينًا مَا لِلشَّائِعَاتِ مِنْ خَطَرٍ عَظِيمٍ، وَأَثَرٍ بَلِيغٍ، فَالشَّائِعَاتُ تُعْتَبَرُ مِنْ أَخْطَرِ الْأَسْلِحَةِ الْفَتَّاكَةِ وَالْمُدَمِّرَةِ لِلْمُجْتَمَعَاتِ وَالْأَشْخَاصِ.

وَكَمْ أَقْلَقَتِ الْإِشَاعَةُ مِنْ أَبْرِيَاءَ، وَحَطَّمَتْ عُظَمَاءَ، وَهَزَمَتْ مِنْ جُيُوشٍ، وَهَدَمَتْ مِنْ وَشَائِجَ، وَتَسَبَّبَتْ فِي جَرَائِمَ، وَفَكَّكَتْ مِنْ عَلَاقَاتٍ وَصَدَاقَاتٍ، وَأَخَّرَتْ مِنْ سَيْرِ أَقْوَامٍ!!

وَأَثَرُ الشَّائِعَاتِ سَيِّئٌ جِدُّ سَيِّئٍ، وَيَنْتُجُ عَنْهَا غَالِبًا آثَارٌ أُخْرَى أَسْوَءُ مِنْهَا!!

 ((اسْتِحْبَابُ التَّبْشِيرِ وَالْفَأْلِ فِي الْمِحَنِ وَالنَّوَازِلِ))

وَمِمَّا يَنْبَغِي عَلَيْنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِالْكَلَامِ الطَّيِّبِ، وَأَنْ نُبَشِّرَ النَّاسَ وَنُطَمْئِنَهُمْ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمِحَنِ؛ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا بَعَثَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ فِي بَعْضِ أَمْرِهِ؛ قَالَ: ((بَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا، وَيَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا، وَسَكِّنُوا وَلَا تُنَفِّرُوا)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ، وَيُعْجِبُنِي الْفَأْلُ)).

قَالُوا: ((وَمَا الْفَأْلُ؟)).

قَالَ: ((كَلِمَةٌ طَيِّبَةٌ)).

قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((تَدَاوَوْا؛ فَإِنَ اللهَ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلَّا وَضَعَ لَهُ دَوَاءً غَيْرَ دَاءٍ وَاحِدٍ الْهَرَمُ)). وَهَذَا الْحَدِيثُ الثَّابِتُ الصَّحِيحُ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَه.

وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُ فِي ((صَحِيحِهِ)) بِسَنَدِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((مَا أَنْزَلَ اللهُ دَاءً إِلَّا أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً)).

وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ فِي ((صَحِيحِهِ)) بِسَنَدِهِ عَنْ جَابِرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ؛ فَإِذَا أُصِيبَ دَوَاءُ الدَّاءِ بَرَأَ بِإِذْنِ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ- )).

 ((الْوَسَائِلُ الْمُعِينَةُ عَلَى الصَّبْرِ عِنْدَ الْبَلَاءِ))

قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ -رَحِمَهُ اللهُ- فِي بَيَانِ الْأُمُورِ الَّتِي إِذَا أَخَذَ الْعَبْدُ بِهَا حَصَّلَ الصَّبْرَ عِنْدَ الْبَلَاءِ، قَالَ: ((وَالصَّبْرُ عَلَى الْبَلَاءِ يَنْشَأُ مِنْ أَسْبَابٍ عَدِيدَةٍ:

أَحَدُهَا: شُهُودُ جَزَائِهَا وَثَوَابِهَا.

الثَّانِي: شُهُودُ تَكْفِيرِهَا لِلسَّيِّئَاتِ وَمَحْوِهَا لَهَا.

الثَّالِثُ: شُهُودُ الْقَدَرِ السَّابِقِ الْجَارِي بِهَا، وَأَنَّهَا مُقَدَّرَةٌ فِي أُمِّ الْكِتَابِ قَبْلَ أَنْ يُخْلَقَ؛ فَلَا بُدَّ مِنْهَا، فَجَزَعُهُ عِنْدَ وُقُوعِ الْبَلَاءِ عَلَيْهِ لَا يَزِيدُهُ إِلَّا بَلَاءً.

الرَّابِعُ: شُهُودُهُ حَقَّ اللهِ عَلَيْهِ فِي تِلْكَ الْبَلْوَى، وَوَاجِبُهُ فِيهَا الصَّبْرُ بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ الْأُمَّةِ.

الْخَامِسُ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي يَنْشَأُ مِنَ الْأَخْذِ بِهَا الصَّبْرُ عِنْدَ وُقُوعِ الْبَلَاءِ: شُهُودُ تَرَتُّبِهَا عَلَيْهِ بِذَنْبِهِ؛ كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} [الشورى: 30].

فَهَذَا عَامٌّ فِي كُلِّ مُصِيبَةٍ دَقِيقَةٍ وَجَلِيلَةٍ، فَشُغْلُهُ شُهُودُ هَذَا السَّبَبِ بِالِاسْتِغْفَارِ الَّذِى هُوَ أَعْظَمُ الْأَسْبَابِ فِي دَفْعِ تِلْكَ الْمُصِيبَةِ.

َالوسائل المعينة على الصبر عند البلاء))(المحاضرة الأولى: مفهوم الحياة والابتلاء) - السَّادِسُ: أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ اللهَ قَدِ ارْتَضَاهَا لَهُ وَاخْتَارَهَا وَقَسَمَهَا، وَأَنَّ الْعُبُودِيَّةَ تَقْتَضِي رِضَاهُ بِمَا رَضِيَ بِهِ سَيِّدُهُ وَمَوْلَاهُ؛ فَإِنْ لَمْ يُوَفِّ قَدْرَ الْمَقَامِ حَقَّهُ فَهُوَ لِضَعْفِهِ، فَلْيَنْزِلْ إِلَى مَقَامِ الصَّبْرِ عَلَيْهَا، فَإِنْ نَزَلَ عَنْهُ نَزَلَ إِلَى مَقَامِ الظُّلْمِ وَتَعَدِّي الْحَقِّ.

السَّابِعُ: أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ هَذِهِ الْمُصِيبَةَ هِيَ دَوَاءٌ نَافِعٌ سَاقَهُ إِلَيْهِ الطَّبِيبُ الْعَلِيمُ بِمَصْلَحَتِهِ، الرَّحِيمُ بِهِ، فَلْيَصْبِرْ عَلَى تَجَرُّعِ هَذَا الدَّوَاءِ، وَلَا يَتَقَيَّأْهُ بِتَسَخُّطِهِ وَشَكْوَاهُ فَيَذْهَبَ نَفْعُهُ بَاطِلًا.

الثَّامِنُ مِنَ الْأَسْبَابِ: أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ فِي عُقْبَى هَذَا الدَّوَاءِ مِنَ الشِّفَاءِ وَالْعَافِيَةِ وَالصِّحَّةِ وَزَوَالِ الْأَلَمِ مَا لَمْ يَحْصُلْ بِدُونِ ذَلِكَ الدَّوَاءِ الْمُرِّ، فَإِذَا طَالَعَتْ نَفْسُهُ كَرَاهَةَ هَذَا الدَّوَاءِ وَمَرَارَتَهُ فَلْيَنْظُرْ إِلَى عَاقِبَتِهِ وَحُسْنِ تَأْثِيرِهِ.

قَالَ تَعَالَى: {وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُم وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 216].

وَقَالَ تَعَالَى: {فَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيئًا وَيَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} [النساء: 19] وَفِي مِثْلِ هَذَا قَوْلُ الْقَائِلِ:

لَعَلَّ عَتْبَكَ مَحْمُودٌ عَوَاقِبُهُ=وَرُبَّمَا صَحَّتِ الْأَجْسَامُ بِالْعِلَلِ

التَّاسِعُ مِنَ الْأَسْبَابِ: أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ الْمُصِيبَةَ مَا جَاءَتْ لِتُهْلِكَهُ وَتَقْتُلَهُ، وَإِنَّمَا جَاءَتْ لِتَمْتَحِنَ صَبْرَهُ وَتَبْتَلِيَهُ.

الْعَاشِرُ مِنَ الْأَسْبَابِ الَّتِي مَتَى أَخَذَ الْعَبْدُ بِهَا آتَاهُ اللهُ الصَّبْرَ وَالثَّبَاتَ عِنْدَ الْبَلَاءِ: أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ اللهَ يُرَبِّي عَبْدَهُ عَلَى السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ، وَالنِّعْمَةِ وَالْبَلَاءِ، فَيَسْتَخْرِجُ مِنْهُ عُبُودِيَّتَهُ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ.

فَهَذِهِ الْأَسْبَابُ وَنَحْوُهَا تُثْمِرُ الصَّبْرَ عَلَى الْبَلَاءِ، فَإِنْ قَوِيَتْ أَثْمَرَتِ الرِّضَا وَالشُّكْرَ.

فَنَسْأَلُ اللهَ أَنْ يَسْتُرَنَا بِعَافِيَتِهِ، وَلَا يَفْضَحْنَا بِابْتِلَائِهِ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ، وَهُوَ الْمَنَّانُ الْكَرِيمُ)).

مَبْنَى الْأَمْرِ -إِذَنْ- عَلَى الْمَشَقَّةِ وَالِاخْتِبَارِ وَالْمِحْنَةِ.

((وَمَنْ فَكَّرَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَنَالُ وَاحِدًا مِنْهُمَا إِلَّا بِمَشَقَّةٍ)) .

فَلْيَتَحَمَّلِ الْمَشَقَّةَ لِخَيْرِهِمَا وَأَبْقَاهُمَا.

 ((فَيَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ أَن يُوَطِّنَ نَفْسَهُ عَلَى الصَّبْرِ، وَأَن يَعْلَمَ أنَّ مَا حَصَلَ مِنَ الْمُرَادِ فَلُطْفٌ، وَمَا لَمْ يَحْصُلْ فَعَلَى أَصْلِ الْخَلْقِ وَالْجِبِلَّةِ لِلدُّنْيَا؛ كَمَا قِيلَ:

طُبِعَتْ عَلَى كَدَرٍ وَأَنْتَ تُرِيدُهَا=صَفْوًا مِنَ الْأَقْذَاءِ وَالْأكْدَارِ

وَمُكَلِّفُ الْأَيَّامِ ضِدَّ طِبَاعِهَا=مُتَطَلِّبٌ فِي الْمَاءِ جَذْوَةَ نَارِ

وَهَاهُنَا تَتَبَيَّنُ قُوَّةُ الْإِيمَانِ وَضَعْفُهُ، فَلْيَسْتَعْمِلِ الْمُؤْمِنُ مِنْ أَدْوِيَةِ هَذَا الْمَرَضِ التَّسْلِيمَ لِلْمَالِكِ وَالتَّحْكِيمَ لِحِكْمَتِهِ، وَلْيَقُلْ: قَدْ قِيلَ لِسَيِّدِ الْكُلِّ: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ}، ثُمَّ لِيُسَلِّ نَفْسَهُ بِأَنَّ الْمَنْعَ لَيْسَ عَنْ بُخْلٍ، وَإِنَّمَا هُوَ لِمَصْلَحَةٍ لَا يَعْلَمُهَا، وَلِيُؤْجَرَ الصَّابِرُ عَنْ أغْرَاضِهِ، وَلْيَعْلَمَ اللهُ الَذِينَ سَلَّمُوا وَرَضُوا، وَأَنَّ زَمَنَ الِابْتِلَاءِ مِقْدَارٌ يَسِيرٌ، وَأَنَّ الْأَغْرَاضَ مُدَّخَرَةٌ تُلْقَى بَعْدَ قَلِيلٍ، وَكَأَنَّهُ بِالظُّلْمَةِ قَدِ انْجَلَتِ، وَبِفَجْرِ الْأَجْرِ قَدْ طَلَعَ.

وَمَتَى ارْتَقَى فَهْمُهُ إِلَى أَنَّ مَا جَرَى مُرَادُ الْحَقِّ -سُبْحَانَهُ- اقْتَضَى إِيمَانُهُ أَنْ يُرِيدَ مَا يُرِيدُ وَيَرْضَى بِمَا يُقَدِّرُ، إِذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ كَانَ خَارِجًا عَنْ حَقِيقَةِ الْعُبُودِيَةِ فِي الْمَعْنَى، وَهَذَا أَصْلٌ يَنْبَغِي أَن يُتَأَمَّلَ وَيُعْمَلَ بِهِ فِي كُلِّ غَرَضٍ انْعَكَسَ)).

 ((وَاجِبُ الْعَبْدِ عِنْدَ الِابْتِلَاءِ))

عِبَادَ اللهِ! لَمَّا كَانَ الْأَمْرُ امْتِحَانًا وَاخْتِبَارًا فَقَدْ وَجَبَ الْحَذَرُ وَتَأَكَّدَتِ الْحَيْطَةُ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا كَانَ عَائِشًا بِهَذِهِ النَّفْسِيَّةِ.. نَفْسِيَّةِ الْمُحِسِّ الْمُدْرِكِ الْمُتَيَقِّنِ بِأَنَّهُ مُبْتَلًى بِكُلِّ حَالَةٍ مِنْ حَالَاتِهِ فِي الْحَيَاةِ، فَإِذَا أُصِيبَ بِالسَّرَّاءِ فَهُوَ فِي حَالَةِ ابْتِلَاءٍ بِالسَّرَّاءِ، وَإِذَا أُصِيبَ بِالضَّرَّاءِ فَهُوَ فِي حَالَةِ ابْتِلَاءٍ بِالضَّرَّاءِ، وَكَذَلِكَ إِذَا مَا وَاقَعَ الْمَعْصِيَةَ فَهُوَ فِي حَالَةِ ابْتِلَاءٍ بِالْمَعَاصِي وَالسَّيِّئَاتِ، وَإِذَا وَفَّقَهُ اللهُ إِلَى الطَّاعَةِ فَهُوَ فِي حَالَةِ ابْتِلَاءٍ بِالطَّاعَاتِ وَالْحَسَنَاتِ.

الْإِنْسَانُ فِي حَالَةِ ابْتِلَاءٍ دَائِمًا، لَا يَخْلُو الْإِنْسَانُ مِنْ حَالَةِ الِابْتِلَاءِ إِلَّا إِذَا تَوَفَّاهُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-.

الْعَبْدُ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ فِي طَبَقَةٍ مِنْ طَبَقَاتٍ ثَلَاثٍ:

فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ فِي عَافِيَةٍ وَنِعْمَةٍ وَسِتْرٍ؛ فَحَقُّ ذَلِكَ الشُّكْرُ.

وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ فِي ابْتِلَاءٍ وَشِدَّةٍ وَمِحْنَةٍ؛ فَحَقُّ ذَلِكَ الصَّبْرُ.

وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ فِي ذَنْبٍ وَخَطِيئَةٍ؛ فَحَقُّ ذَلِكَ التَّوْبَةُ وَالِاسْتِغْفَارُ.

وَمَقَادِيرُ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- الَّتِي يُجْرِيهَا عَلَى عِبَادِهِ فِي أَرْضِهِ إِمَّا أَنْ تَكُونَ مُلَائِمَةً لِلْعَبْدِ، وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ غَيْرَ مُلَائِمَةٍ لِلْعَبْدِ، فَإِنَّ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- يَبْتَلِي بِالْخَيْرِ وَالشَّرِّ، وَيَبْتَلِي اللهُ -جَلَّ وَعَلَا- بِالنِّعْمَةِ وَالنِّقْمَةِ، وَيَبْتَلِي اللهُ -جَلَّ وَعَلَا- بِالصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ، وَيَبْتَلِي اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ بِالْغِنَى وَالْفَقْرِ.

وَلَا يَخْلُو الْعَبْدُ مِنْ أَنْ يَكُونَ فِي طَبَقَةٍ مِنَ الطَّبَقَاتِ الثَّلَاثِ.

قَدْ يَكُونُ الْعَبْدُ فِي بَلَاءٍ وَشِدَّةٍ وَمِحْنَةٍ؛ فَحَقُّ ذَلِكَ الصَّبْرُ، وَالصَّبْرُ لَا يَكُونُ صَبْرًا شَرْعِيًّا إِلَّا إِذَا تَحَقَّقَتْ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَرْكَانٍ:

أَنْ يَحْبِسَ الْقَلْبَ عَنْ الِاعْتِرَاضِ عَلَى الْمَقْدُورِ اعْتِرَاضًا بَاطِنًا.

وَأَنْ يُمْسِكَ اللِّسَانَ عَنْ الِاعْتِرَاضِ عَلَى مَقْدُورِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- لَفْظًا ظَاهِرًا.

وَأَنْ يَحْبِسَ الْجَوَارِحَ عَنِ الْإِتْيَانِ بِمَا يُغْضِبُ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-

فَيَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ الْإِيمَانُ بِالْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ؛ قَالَ تَعَالَى: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [القمر: 49]

وَلِلْإِيمَانِ بِالْقَدَرِ ثَمَرَاتٌ جَلِيلَةٌ، مِنْهَا:

الْأُولَى: الِاعْتِمَادُ عَلَى اللهِ -تَعَالَى- عِنْدَ فِعْلِ الْأَسْبَابِ؛ بِحَيْثُ لَا يَعْتَمِدُ عَلَى السَّبَبِ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ بِقَدَرِ اللهِ -تَعَالَى-.

الثَّانِيَةُ: أَلَّا يُعْجَبَ الْمَرْءُ بِنَفْسِهِ عِنْدَ حُصُولِ مُرَادِهِ؛ لِأَنَّ حُصُولَهُ نِعْمَةٌ مِنَ اللهِ -تَعَالَى- بِمَا قَدَّرَهُ مِنْ أَسْبَابِ الْخَيْرِ وَالنَّجَاحِ، وَإِعْجَابُهُ بِنَفْسِهِ يُنْسِيهِ شُكْرَ هَذِهِ النِّعْمَةِ.

الثَّالِثَةُ: الطُّمَأْنِينَةُ وَالرَّاحَةُ النَّفْسِيَّةُ بِمَا يَجْرِي عَلَيْهِ مِنْ أَقْدَارِ اللهِ -تَعَالَى-، فَلَا يَقْلَقُ بِفَوَاتِ مَحْبُوبٍ، أَوْ حُصُولِ مَكْرُوهٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ بِقَدَرِ اللهِ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَهُوَ كَائِنٌ لَا مَحَالَةَ، وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: {مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22) لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} [الحديد: 22- 23].

وَيَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ: «عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ! إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ: إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

فَالْمُؤْمِنُ يَرَى ذَلِكَ فِي كُلِّ حِينٍ وَحَالٍ، وَفِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ، فَيَبُوءُ للهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- بِنِعْمَتِهِ عَلَيْهِ، شَاكِرًا رَبَّهُ -جَلَّ وَعَلَا-، وَإِذَا وَقَعَ فِي ذَنْبٍ؛ اسْتَغْفَرَ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، وَلَمْ يَحْتَجَّ بِالْقَدَرِ.

وَإِنَّمَا يُذْكَرُ الْقَدَرُ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ، لَا يُذْكَرُ الْقَدَرُ عِنْدَ الْمَعْصِيَةِ.

أَمَّا عِنْدَ الذَّنْبِ وَعِنْدَ الْمَعْصِيَةِ؛ فَالِاسْتِغْفَارُ، وَالتَّوْبَةُ، وَالْخُشُوعُ، وَالْإِنَابَةُ، وَالْعَوْدَةُ إِلَى اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَلَا يُذْكَرُ الْقَدَرُ عِنْدَ الْمَعْصِيَةِ، يَحْتَجُّ الْعَبْدُ بِالْقَدَرِ عِنْدَ وُقُوعِهِ فِي الْمَعَاصِي، هَذَا لَيْسَ مِمَّا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ، وَلَكِنْ يُذْكَرُ الْقَدَرُ عِنْدَ وُقُوعِ الْمُصِيبَةِ، كَمَا قَالَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: {مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22) لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} [الحديد: 22- 23].

فَإِذَا وقَعَ عَلَى الْعَبْدِ مَا يَكْرَهُهُ مِنَ الْأَقْدَارِ غَيْرِ الْمُوَاتِيَةِ؛ فَإِنَّهُ -حِينَئِذٍ- يَفْزَعُ إِلَى رَبِّهِ حَامِدًا، وَشَاكِرًا، وَمُنِيبًا، وَمُخْبِتًا، وَخَاشِعًا، وَيَسْأَلُ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- أَنْ يُعَوِّضَهُ خَيْرًا فِيمَا أَصَابَهُ بِهِ، وَأَنْ يُثَبِّتَهُ عَلَى الْإِيمَانِ الْحَقِّ.

الْمُسْلِمُ يَعْلَمُ يَقِينًا أَنَّ أَمْثَالَ هَذِهِ الْأَوْبِئَةِ تَأْخُذُ حُكْمَ الطَّاعُونِ إِذَا وَقَعَ فِي بَلَدٍ؛ فَلَا يَجُوزُ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُفَارِقَهُ، وَإِذَا وَقَعَ فِي بَلَدٍ وَالْمُسْلِمُ خَارِجَهُ؛ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَدْخُلَهُ، وَمَنْ مَاتَ بِهِ كَانَ شَهِيدًا، هَذَا هُوَ الْمُسْلِمُ؛ أَمَّا تِلْكَ الْجِيَفُ الَّتِي لَا تُؤْمِنُ بِالْمَعَادِ، وَالَّتِي لَا تُثْبِتُ وُجُودَ خَالِقٍ لِلْكَوْنِ مِنَ الشُّيُوعِيِّينَ وَأَضْرَابِهِمْ مِنَ الْمُلْحِدِينَ؛ فَهَؤُلَاءِ الْحَيَاةُ عِنْدَهُمْ تَنْتَهِي بِمُجَرَّدِ الْمَمَاتِ، فَهُمْ يَخَافُونَ وَيَحْرِصُونَ عَلَى الْحَيَاةِ.

أَمَّا الْمُسْلِمُ؛ فَمُعَاذٌ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- لَمَّا وَقَعَ الطَّاعُونُ بِالشَّامِ -وَهُوَ طَاعُونُ عَمْوَاسَ-، فَأُصِيبَ وَطُعِنَ، وَكَانَ أَمِيرًا عَلَى الْجَيْشِ هُنَاكَ، فَكَانَ يُقَبِّلُ الْبَثْرَةَ الَّتِي وَقَعَتْ بِهَا الْإِصَابَةُ، وَيَضَعُهَا عَلَى عَيْنَيْهِ، وَيَقُولُ: ((اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ حَظَّ آلِ مُعَاذٍ مِنْ هَذَا مُعَاذًا))، وَأُصِيبَ وَلَدُهُ؛ لِأَنَّ الطَّاعُونَ شَهَادَةٌ.

قَالَ ﷺ: ((وَمَنْ مَاتَ مَطْعُونًا أَيْ: بِالطَّاعُونِ- فَهُوَ شَهِيدٌ)).

وَقَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر: 10].

 ((الْأَمْرُ كُلُّهُ للهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- ))

عِبَادَ اللهِ! قَالَ رَبُّكُمْ -جَلَّ وَعَلَا-: {قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ} [آل عمران: 154].

الْأَمْرُ يَشْمَلُ الْأَمْرَ الْقَدَرِيَّ وَالْأَمْرَ الشَّرْعِيَّ؛ فَجَمِيعُ الْأَشْيَاءِ بِقَضَاءِ اللهِ وَقَدَرِهِ؛ فَإِنْ قَامَ بِقَلْبِ الْعَبْدِ شَاهِدٌ مِنَ الرُّبُوبِيَّةِ وَالْقَيُّومِيَّةِ؛ رَأَى أَنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ للهِ، لَيْسَ لِأَحَدٍ مَعَهُ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ {مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ {2} يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ} [فاطر: 2-3].

{وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [يونس: 107].

{وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ} [الزمر: 38].

نَسْأَلُ اللهَ أَنْ يَحْفَظَنَا، وَيَحْفَظَ وَطَنَنَا وَجَمِيعَ أَوْطَانِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَنْ يَهْدِيَنَا لِلْحَقِّ وَإِلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ.

نَسْأَلُ اللهَ أَنْ يَسْتَعْمَلَنَا وَلَا يَسْتَبْدَلَنَا، وَنَسْأَلَ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْنَا، وَأَنْ يُحْسِنَ خِتَامَنَا إِنَّهُ -تَعَالَى- عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، إِنَّهُ -تَعَالَى- هُوَ الْبَرُّ الْكَرِيمُ، وَالْجَوَادُ الرَّحِيمُ.

أَسْأَلُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ أَنْ يَجْبُرَ كَسْرَنَا، وَأَنْ يُصْلِحَ أَمْرَنَا، وَأَنْ يُحْسِنَ عَاقِبَتَنَا، وَأَنْ يُثَبِّتَ أَقْدَامَنَا، وَأَنْ يَهْدِيَ قُلُوبَنَا، وَأَنْ يُسَدِّدَ أَلْسِنَتَنَا، وَأَنْ يُحْسِنَ خِتَامَنَا، اللهم أَحْسِنْ خِتَامَنَا يَا أَكْرَمَ الْأَكْرَمِينَ وَيَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.

المصدر: الْأَسْبَابُ الظَّاهِرَةُ وَالْبَاطِنَةُ لِرَفْعِ الْبَلَاءِ وَوُجُوبُ طَاعَةِ وَلِيِّ الْأَمْرِ

التعليقات


خطب مفرغة قد تعجبك


  فروضُ الكِفَايَات ودَوْرُهَا في تحقيقِ التَّوَازُنِ المُجْتَمَعِيِّ
  حِمَايَةُ الْأَوْطَانِ بَيْنَ فَرْضِ الْعَيْنِ وَفَرْضِ الْكِفَايَةِ
  اسْتِقْبَالُ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ بِالْوَفَاءِ بِالْحُقُوقِ وَتَحَرِّي الْحَلَالِ
  الرد على الملحدين:الأدلة على وجود الله عز وجل 2
  تَحْوِيلُ الْقِبْلَةِ.. دُرُوسٌ وَعِبَرٌ
  الأسماء والصفات أصل العلم
  نَبْذُ الْإِسْلَامِ لِلْعُنْفِ وَالْعُنْصُرِيَّةِ وَالْكَرَاهِيَةِ
  إلى أهل المغرب الحبيب
  مَفْهُومُ الْعَمَلِ الصَّالِحِ وَالْعَمَلِ السَّيِّءِ
  وا خوفاه على مصر !!
  • شارك

نبذة عن الموقع

موقع تفريغات العلامة رسلان ، موقع يحتوي على العشرات من الخطب والمحاضرات والمقاطع المفرغة لفضيلة الشيخ العلامة أبي عبدالله محمد بن سعيد رسلان-حفظه الله- . كما يعلن القائمون على صفحة وموقع تفريغات العلامة رسلان -حفظه الله- أن التفريغات للخطب ليست هي الشكل النهائي عند الطباعة، ولكن نحن نفرغ خطب الشيخ حفظه الله ونجتهد في نشرها ليستفيد منها طلاب العلم والدعاة على منهاج النبوة في كل أنحاء الدنيا، ونؤكد على أنَّ الخطب غير مُخرَّجة بشكل كامل كما يحدث في خطب الشيخ العلامة رسلان المطبوعة وليست الكتب المنشورة على الصفحة والموقع هي النسخة النهائية لكتب الشيخ التي تُطبع...وهذه الكتب ما هي إلا تفريغ لخطب الشيخ، غير أنَّ كتب الشيخ التي تُطبع تُراجع من الشيخ -حفظه الله- وتُخرج. والتفريغ عملٌ بشريٌ، ونحن نجتهد في مراجعة التفريغات مراجعة جيدة، فإذا وقع خطأ أو شكل الخطب كما نخرجها -إنما نُحاسب نحن عليها والخطأ يُنسب لنا وليس للشيخ -حفظه الله-.

الحقوق محفوظة لكل مسلم موقع تفريغات العلامة رسلان