عِنَايَةُ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ بِالْقِيَمِ الْأَخْلَاقِيَّةِ

عِنَايَةُ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ بِالْقِيَمِ الْأَخْلَاقِيَّةِ

((عِنَايَةُ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ بِالْقِيَمِ الْأَخْلَاقِيَّةِ))

إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ.

وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ.

أَمَّا بَعْدُ:

فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.

أَمَّا بَعْدُ:


((مِنَّةُ الْقُرْآنِ وَشَرَفُ حَمَلَتِهِ))

فَإِنَّ الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ أَكْبَرُ مِنَنِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ؛ بَلْ عَلَى الْبَشَرِيَّةِ كُلِّهَا، وَقَدِ امْتَنَّ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- عَلَى نَبِيِّهِ ﷺ وَعَلَى قَوْمِهِ، وَذَكَرَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- فِي كِتَابِهِ الْعَظِيمِ أَنَّ الْقُرْآنَ رِفْعَةٌ وَسُؤْدَدٌ وَفَخْرٌ وَفَخَارٌ لِنَبِيِّ هَذِهِ الْأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَلِهَذِهِ الْأُمَّةِ، {وَإِنَّهُ لِذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ}؛ وَإِنَّهُ لَفَخَارٌ وَشَرَفٌ وَسُؤْدَدٌ وَعِزَّةٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ؛ لِأَنَّ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ أَنْزَلَ الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ هِدَايَةً وَنُورًا.

الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ بَيَّنَ لَنَا نَبِيُّنَا ﷺ أَنَّ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِهِ؛ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ اللهِ، يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: ((إِنَّ للهِ أَهْلِينَ مِنَ النَّاسِ)).

قِيلَ: مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟

قَالَ: ((أَهْلُ الْقُرْآنِ هُمْ أَهْلُ اللهِ وَخَاصَّتُهُ)).

فَأَهْلُ الْقُرْآنِ الَّذِينَ يُحِلُّونَ حَلَالَهُ، وَيُحَرِّمُونَ حَرَامَهُ، وَيُقِيمُونَ حُرُوفَهُ، وَيَتَدَبَّرُونَ فِي مَعَانِيهِ، وَيَتَأَمَّلُونَ فِي مَبَانِيهِ، وَيَعْمَلُونَ بِمَا فِيهِ هُمْ أَهْلُ اللهِ وَخَاصَّتُهُ.

وَبَيَّنَ الرَّسُولُ ﷺ أَنَّ الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ يَرْفَعُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- بِهِ فِي الْحَيَاةِ، وَيُقَدِّمُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- بِهِ بَعْدَ الْوَفَاةِ، وَيَرْفَعُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ بِهِ الدَّرَجَاتِ وَالْمَنَازِلَ فِي الْجَنَّةِ.

يَقُولُ الرَّسُولُ ﷺ: ((يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللهِ)).

فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ الْقُرْآنَ مُقَدِّمًا لِصَاحِبِهِ فِي أَشْرَفِ الْمَوَاطِنِ فِي الْحَيَاةِ وَفِي الْعِبَادَةِ؛ إِذْ جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ أَقْرَأَ الْقَوْمِ وَأَحْسَنَهُمْ قِرَاءَةً، وَأَفْقَهَهُمْ فِقْهًا، وَأَعْظَمَهُمْ عِلْمًا؛ جَعَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ إِمَامَهُمْ فِي أَشْرَفِ عِبَادَةٍ يَتَقَرَّبُ بِهَا الْخَلْقُ إِلَى خَالِقِهِمْ، وَيَتَعَبَّدُ بِهَا النَّاسُ لِمَعْبُودِهِمُ الْأَعْلَى، ((يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللهِ)).

وَذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ وَفَعَلَ، وَأَتَى مِنْهُ ﷺ أَقْوَالٌ وَأَفْعَالٌ تُقَدِّمُ بِالْقُرْآنِ فِي الْقُبُورِ؛ لِأَنَّ الرَّسُولَ ﷺ عِنْدَمَا أَرَادَ أَنْ يَدْفِنَ شُهَدَاءَ أُحُدٍ.. وَكَانُوا كَثْرَةً -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ-؛ كَانُوا سَبْعِينَ مِنَ الشُّهَدَاءِ الصَّالِحِينَ، وَمِنْ أَتْبَاعِ النَّبِيِّ الْأَمِينِ ﷺ، وَكَانَ فِي الْحَالِ قِلَّةٌ، وَكَانَ فِي الشَّأْنِ فَقْرٌ وَعَالَةٌ وَعَيْلَةٌ، فَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْفِنَ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ؛ سَأَلَ عَنْ أَكْثَرِهِمْ حَمْلًا لِكِتَابِ اللهِ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-، فَقَدَّمَهُ فِي الْقَبْرِ، فَقَدَّمَ الْقُرْآنُ صَاحِبَهُ فِي الْقَبْرِ بَعْدَ إِذْ كَانَ مُقَدِّمًا لَهُ فِي الْحَيَاةِ.

وَأَمَّا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ فَإِنَّ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- يَجْعَلُ الْقُرْآنَ إِمَامًا لِحَامِلِيهِ، وَالْآخِذِينَ بِمَا فِيهِ، وَالَّذِينُ يُحِلُّونَ حَلَالَهُ، وَيُحَرِّمُونَ حَرَامَهُ، وَيَفْقَهُونَ مَعَانِيَهِ، جَعَلَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- الْقُرْآنَ عَلَى الصِّرَاطِ إِمَامًا، كَمَا جَعَلَهُ فِي الْقَبْرِ مُدَافِعًا عَنْ صَاحِبِهِ؛ إِذْ كَانَ يُوقِظُهُ آنَاءَ اللَّيْلِ، وَيُقِضُّ مَضْجَعَهُ بِاللَّيْلِ، فَلَا يَجْعَلُ لَهُ إِلَى الْمَنَامِ سَبِيلًا، وَلَا إِلَى الْغُمْضِ بِاللَّيْلِ طَرِيقًا، بَلْ كَانَ الْقُرْآنُ فِي الْحَيَاةِ يُقِيمُ صَاحِبَهُ، وَيَؤُزُّ حَامِلَهُ؛ لِأَجْلِ أَنْ يَقُومَ بِهِ تَالِيًا أَمَامَ رَبِّهِ -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ-، صَافًّا قَدَمَيْهِ فِي أَجْوَافِ اللَّيَالِي، مُتَبَتِّلًا للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، مُرَتِّلًا مُنِيبًا.

فَجَعَلَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ الْقُرْآنَ مُدَافِعًا عَنْ صَاحِبِهِ فِي الْقَبْرِ، وَإِمَامًا لَهُ عَلَى الصِّرَاطِ، وَنُورًا يَهْتَدِي بِهِ فِي الظُّلُمَاتِ.

ثُمَّ أَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ اللهَ -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ- يَرْفَعُ صَاحِبَ الْقُرْآنِ وَحَامِلَهُ، وَمَنْ كَانَ بِهِ عَالِمًا، وَلَهُ تَالِيًا، وَلِآيَاتِهِ ذَاكِرًا.. يَرْفَعُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ بِالْقُرْآنِ صَاحِبَهُ مَنَازِلَ فِي الْجَنَّاتِ، كَمَا أَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ سَيِّدُ الْكَائِنَاتِ، فَقَالَ: إِنَّهُ «يُقَالُ لِصَاحِبِ الْقُرْآنِ: اقْرَأْ، وَارْتَقِ، وَرَتِّلْ كَمَا كُنْتَ تُرَتِّلُ فِي الدُّنْيَا، فَإِنَّ مَنْزِلَتَكَ عِنْدَ آخِرِ آيَةٍ تَقْرَؤُهَا».

بَلْ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لِلدَّلَالَةِ عَلَى شَرَفِ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ بَيَّنَ لَنَا فِي وَاقِعَةٍ أَخْرَجَهَا الشَّيْخَانِ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي ((صَحِيحَيْهِمَا)) عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ إِلَى الرَّسُولِ ﷺ، تَهَبُ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَتْ: ((يَا رَسُولَ اللهِ! جِئْتُ لِأَهَبَ لَكَ نَفْسِي)).

قَالَ سَهْلٌ: ((فَصَعَّدَ فِيهَا النَّبِيُّ ﷺ الْبَصَرَ وَصَوَّبَهُ))؛ يَعْنِي: كَمَا يَفْعَلُ الْخَاطِبُ إِذَا مَا أَرَادَ أَنْ يَخْطِبَ فَتَاةً، وَأَنْ يَتَزَوَّجَ امْرَأَةً؛ فَإِنَّهُ مِمَّا أَحَلَّهُ لَهُ الشَّرْعُ: أَنْ يَنْظُرَ إِلَى وَجْهِهَا وَكَفَّيْهَا، وَأَنْ يَبْحَثَ عَمَّا عَسَى أَنْ يُؤْدِمَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ بِهِ بَيْنَهُمَا، وَأَنْ يُدِيمَ الْعِشْرَةَ بِهِ بَيْنَهُمَا؛ بَلْ إِنَّ الرَّسُولَ ﷺ دَلَّ بَعْضَ أَصْحَابِهِ عَلَى أَمْرٍ، فَقَالَ: ((انْظُرْ إِلَيْهَا؛ فَإِنَّ فِي أَعْيُنِ الْأَنْصَارِ شَيْئًا))؛ فَدَلَّهُ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى أَمْرٍ يَنْبَغِي أَنْ يَعْلَمَهُ، فَإِذَا مَا كَانَ مِنْهُ عَلَى بَيِّنَةٍ؛ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يَتَمَلْمَلَ مِنْهُ، وَلَا أَنْ يَشْكُوَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَقَرَّ ذَلِكَ وَأَخَذَ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ.

جَاءَتِ الْمَرْأَةُ إِلَى الرَّسُولِ ﷺ تَهَبُ نَفْسَهَا لَهُ، فَنَظَرَ إِلَيْهَا النَّبِيُّ ﷺ، وَصَعَّدَ فِيهَا النَّظَرَ وَصَوَّبَهُ وَسَكَتَ، وَالنَّبِيُّ ﷺ هُوَ أَعْظَمُ الْخَلْقِ حَيَاءً، وَكَانَ أَشَدَّ حَيَاءً مِنَ الْعَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا، وَالنَّبِيُّ ﷺ لَمْ يَشَأْ أَنْ يَقْبَلَهَا، وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يُوَاجِهَهَا بِالرَّفْضِ؛ حَتَّى لَا يَكْسِرَ خَاطِرَهَا، وَإِنَّمَا سَكَتَ النَّبِيُّ ﷺ؛ عَسَى أَنْ تَفْهَمَ مِنْ سُكُوتِهِ أَمْرًا، فَتَمْضِيَ لِشَأْنِهَا، وَتَنْطَلِقَ لِطِيَّتِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ تُعَوِّلَ عَلَى إِجَابَةٍ مِنْهُ فِيهَا رَفْضٌ يَكْسِرُ الْخَاطِرَ وَيُزْعِجُ الْبَالَ، فَلَمَّا لَمْ يُجِبْهَا بِشَيْءٍ؛ قَعَدَتْ، فَلَمَّا طَالَ الْمَجْلِسُ؛ قَالَ رَجُلٌ: ((يَا رَسُولَ اللهِ! إِنْ لَمْ تَكُنْ لَكَ فِيهَا حَاجَةٌ فَزَوِّجْنِيهَا)).

فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِهَذَا الرَّجُلِ: ((اذْهَبْ فَالْتَمِسْ شَيْئًا لِيَكُونَ مَهْرًا لَهَا)).

فَذَهَبَ الرَّجُلُ وَعَادَ؛ فَقَالَ: ((لَمْ أَجِدْ شَيْئًا يَا رَسُولَ اللهِ)).

فَقَالَ: ((اذْهَبْ فَالْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ)).

فَذَهَبَ الرَّجُلُ ثُمَّ عَادَ، فَقَالَ: ((وَلَا خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ يَا رَسُولَ اللهِ؛ وَلَكِنْ هَذَا إِزَارِي -وَالْإِزَارُ: هُوَ مَا يُوَارِي السَّوْأَةَ، كَمَا يَكُونُ فِي حَالِ الْمُعْتَمِرِ وَالْحَاجِّ؛ فَأَمَّا مَا يَكُونُ فِي أَعْلَى الْجَسَدِ أَوْ بِنِصْفِهِ الْأَعْلَى فَهُوَ الرِّدَاءُ، وَأَمَّا مَا يَكُونُ فِي أَسْفَلِ الْجَسَدِ فَهُوَ الْإِزَارُ-، فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا رَسُولَ اللهِ! هَذَا إِزَارِي أَقْسِمُهُ بَيْنِي وَبَيْنَهَا نِصْفَيْنِ!!)).

فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((مَا تَفْعَلُ بِإِزَارِكَ؟! إِنْ لَبِسَتْهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ مِنْهُ شَيْءٌ، وَإِنْ لَبِسْتَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا مِنْهُ شَيْءٌ؛ وَلَكِنْ مَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ؟)).

فَقَالَ: ((مَعِي سُورَةُ كَذَا وَسُورَةُ كَذَا)).

قَالَ: ((تَحْفَظُهُنَّ عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ؟)).

فَقَالَ: ((نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ)).

فَزَوَّجَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِمَا مَعَهُ مِنَ الْقُرْآنِ.

الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ أَعْظَمُ مِنَّةٍ مَنَّ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- بِهَا عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ؛ لِأَنَّ فِيهِ أُصُولَ الْإِيمَانِ، وَلِأَنَّ بِهِ أَرْكَانَ الْإِسْلَامِ؛ وَلِأَنَّ الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ هُوَ الْمَنْهَجُ، وَهُوَ الَّذِي جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ.


((الْقُرْآنُ مُعْجِزَةٌ))

شَيْءٌ آخَرُ -وَهُوَ جَلِيلٌ عَظِيمٌ-؛ وَهُوَ أَنَّ الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ كَلَامُ اللهِ، كَمَا نَصَّ عَلَى ذَلِكَ رَبُّنَا -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ- فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ: {وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ}.

فَبَيَّنَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- أَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ كَلَامُهُ، وَكَلَامُ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِهِ، وَصِفَاتُ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- عَلَى قَدْرِ ذَاتِهِ؛ وَلِذَلِكَ كَانَ أَكْبَرُ وَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ الْإِعْجَازِ فِي الْقُرْآنِ: أَنَّهُ رَبَّانِيُّ الْمَصْدَرِ، فِي الْقُرْآنِ إِعْجَازٌ تَشْرِيعِيٌّ، وَإِعْجَازٌ بَيَانِيٌّ، وَإِعْجَازٌ عِلْمِيٌّ، وَإِعْجَازٌ طِبِّيٌّ، وَإِعْجَازٌ قَانُونِيٌّ، وَإِعْجَازٌ اجْتِمَاعِيٌّ، وَفِيهِ مَا شِئْتَ مِنْ تِلْكَ الْوُجُوهِ الَّتِي يَتَصَرَّفُ الْعُلَمَاءُ فِي بَيَانِهَا، وَيَتَفَنَّنُونَ فِي تَوْضِيحِهَا.

فِي الْقُرْآنِ مِنْ وُجُوهِ الْإِعْجَازِ مَا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللهُ؛ وَلَكِنْ عَلَى رَأْسِ هَذِهِ الْقَائِمَةِ فِي الْإِعْجَازِ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِالْقُرْآنِ الْعَظِيمِ: أَعْجَزَ الْبَشَرَ؛ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ أَقْصَرِ سُورَةٍ مِنْهُ.

عَلَى رَأْسِ الْإِعْجَازِ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ: أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-؛ وَلِذَلِكَ كُلُّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَحَدَّى الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ، وَأَنْ يُعَارِضَهُ، وَأَنْ يَأْتِيَ بِمِثْلِهِ؛ مَاذَا يَقُولُ الْمِسْكِينُ؟!!

اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ لِأَنَّهُ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَظِيمُ، وَالرَّزَّاقُ الْكَرِيمُ، وَهُوَ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَهُوَ الَّذِي إِذَا أَرَادَ شَيْئًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ: (كُنْ) فَيَكُونُ.

اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ هَذَا الْقُرْآنَ، وَهُوَ كَلَامُهُ، اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ لِأَنَّهُ رَبُّ الْقُوَى وَالْقُدَرِ، وَاللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ هُوَ خَالِقُ الْخَلْقِ وَفَاطِرُ الْبَشَرِ؛ لِأَنَّ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- هُوَ الْخَلَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ، وَهُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ، وَهُوَ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- يَقُولُ لِلشَّيْءِ: (كُنْ) فَيَكُونُ، يَقُولُ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ: خَلَقْتُ وَفَطَرْتُ، وَبَرَأْتُ وَسَوَّيْتُ وَأَنْشَأْتُ، وَأَوْجَدْتُ مِنَ الْعَدَمِ.

الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ رَبَّانِيُّ الْمَصْدَرِ؛ يَعْنِي: لِأَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَمِنْ كَلَامِ خَالِقِ الْقُوَى وَالْقُدَرِ؛ وَلِذَلِكَ تَجِدُ الْإِعْجَازَ مُتَأَلِّقًا فِي هَذَا الْأَمْرِ خَاصَّةً، وَأَمَّا الَّذِي يُعَارِضُ؛ فَمَاذَا يَقُولُ؟!!

إِذَا أَرَادَ بَشَرٌ أَنْ يُعَارِضَ الْقُرْآنَ؛ فَمَاذَا يَقُولُ؟!!

اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ يَقُولُ: خَلَقْتُ؛ فَمَنِ الَّذِي يَجْرُؤُ عَلَى أَنْ يَقُولَ: خَلَقْتُ؟!!

وَاللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ يَقُولُ: فَطَرْتُ؛ فَمَنِ الَّذِي يَجْرُؤُ عَلَى أَنْ يَقُولَ: فَطَرْتُ؟!!

يَقُولُ: سَوَّيْتُ وَأَنْشَأْتُ وَبَرَأْتُ، وَجَعَلْتُ السَّمَاوَاتِ مَرْفُوعَاتٍ بِلَا عَمَدٍ، وَجَعَلْتُ الْأَرْضَ مَبْسُوطَةً لَا يُدْرِكُ الطَّرْفُ مِنْهَا أَمَدًا، وَجَعَلْتُ الْبِحَارَ زَاخِرَاتٍ بِأَمْوَاهِهَا وَأَمْوَاجِهَا، وَالْجِبَالَ مَنْصُوبَاتٍ شَامِخَاتٍ بِذُرَاهَا وَأَعْلَامِهَا، وَجَعَلْتُ الْبِحَارَ مَبْسُوطَاتٍ، عَلَيْهَا السُّفُنُ تَمْخُرُ فِيهَا كَالْأَعْلَامِ.. كَالْجِبَالِ!!

يَقُولُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ مَا يَشَاءُ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْخَلَّاقُ، وَهُوَ الرَّزَّاقُ، وَالَّذِي يُعَارِضُ الْقُرْآنَ؛ مَاذَا يَقُولُ؟!!

قَالَ رَبُّنَا -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} [الإسراء: 88].

قُلْ يَا رَسُولَ اللهِ لِأَئِمَّةِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ تَوَهَّمُوا أَنَّ الْقُرْآنَ مِنْ صُنْعِكَ، وَحَاوَلُوا إِغْرَاءَكَ بِتَبْدِيلِ مَا كَرِهُوا مِنَ الْقُرْآنِ، قُلْ لَهُمْ: أُقْسِمُ لَكُمْ لَئِنْ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ فِي إِعْجَازِهِ الْبَيَانِيِّ وَالْعِلْمِيِّ وَالتَّشْرِيعِيِّ وَفِي سَائِرِ وُجُوهِ إِعْجَازِهِ؛ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى ذَلِكَ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ مُعِينًا.

((جُمْلَةٌ مِنْ أَوْصَافِ الْقُرْآنِ الْعَامَّةِ الْجَامِعَةِ))

((لَقَدْ وَصَفَ اللهُ كِتَابَهُ بِأَوْصَافٍ جَلِيلَةٍ عَظِيمَةٍ تَنْطَبِقُ عَلَى جَمِيعِهِ، وَتَدُلُّ أَكْبَرَ دَلَالَةٍ عَلَى أَنَّهُ الْأَصْلُ وَالْأَسَاسُ لِجَمِيعِ الْعُلُومِ النَّافِعَةِ، وَالْفُنُونِ الْمُرْشِدَةِ لِخَيْرَيِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.

وَصَفَهُ بِالْهُدَى وَالرُّشْدِ، وَالْفُرْقَانِ، وَأَنَّهُ مُبِينٌ وَتِبْيَانٌ لِكُلِّ شَيْءٍ؛ فَهُوَ فِي نَفْسِهِ هُدًى، وَيَهْدِي الْخَلْقَ لِجَمِيعِ مَا يَحْتَاجُونَهُ مِنْ أُمُورِ دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ، وَيُرْشِدُهُمْ إِلَى كُلِّ طَرِيقٍ نَافِعٍ، وَيُفَرِّقُ لَهُمْ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَالْهُدَى وَالضَّلَالِ، وَبَيْنَ أَهْلِ السَّعَادَةِ وَالشَّقَاوَةِ بِذِكْرِ أَوْصَافِ الْفَرِيقَيْنِ.

وَفِي الْقُرْآنِ بَيَانُ الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ بِذِكْرِ أَدِلَّتِهَا النَّقْلِيَّةِ وَالْعَقْلِيَّةِ، فَوَصَفَهُ بِهَذِهِ الْأَوْصَافِ الْمُطْلَقَةِ الْعَامَّةِ الَّتِي لَا يَشِذُّ عَنْهَا شَيْءٌ فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ.

وَقَيَّدَ هِدَايَتَهُ فِي بَعْضِ الْآيَاتِ بِعِدَّةِ قُيُودٍ: قَيَّدَ هِدَايَتَهُ بِأَنَّهُ هُدًى لِلْمُؤْمِنِينَ الْمُتَّقِينَ؛ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ، وَيَتَفَكَّرُونَ، وَلِمَنْ قَصْدُهُ الْحَقُّ، وَهَذَا بَيَانٌ مِنْهُ -تَعَالَى- لِشَرْطِ هِدَايَتِهِ؛ وَهُوَ أَنَّ الْمَحَلَّ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ قَابِلًا وَعَامِلًا، فَلَا بُدَّ لِهِدَايَتِهِ مِنْ عَقْلٍ وَتَفْكِيرٍ وَتَدَبُّرٍ لِآيَاتِهِ؛ فَالْمُعْرِضُ الَّذِي لَا يَتَفَكَّرُ وَلَا يَتَدَبَّرُ آيَاتِهِ لَا يَنْتَفِعُ بِهِ، وَمَنْ لَيْسَ قَصْدُهُ الْحَقَّ، وَلَا غَرَضَ لَهُ فِي الرَّشَادِ، بَلْ قَصْدُهُ فَاسِدٌ، وَقَدْ وَطَّنَ نَفْسَهُ عَلَى مُقَاوَمَتِهِ وَمُعَارَضَتِهِ، لَيْسَ لَهُ مِنْ هِدَايَتِهِ نَصِيبٌ؛ فَالْأَوَّلُ حُرِمَ هِدَايَتَهُ لِفَقْدِ الشَّرْطِ، وَالثَّانِي لِوُجُودِ الْمَانِعِ؛ فَأَمَّا مَنْ أَقْبَلَ عَلَيْهِ، وَتَفَكَّرَ فِي مَعَانِيهِ، وَتَدَبَّرَهَا بِحُسْنِ فَهْمٍ، وَحُسْنِ قَصْدٍ، وَسَلِمَ مِنَ الْهَوَى؛ فَإِنَّهُ يَهْتَدِي بِهِ إِلَى كُلِّ مَطْلُوبٍ، وَيَنَالُ بِهِ كُلَّ غَايَةٍ جَلِيلَةٍ وَمَرْغُوبٍ.

وَوَصَفَهُ بِأَنَّهُ رَحْمَةٌ، وَهِيَ الْخَيْرُ الدِّينِيُّ وَالدُّنْيَوِيُّ وَالْأُخْرَوِيُّ الْمُتَرَتِّبُ عَلَى الِاهْتِدَاءِ بِالْقُرْآنِ، فَكُلُّ مَنْ كَانَ أَعْظَمَ اهْتِدَاءً بِهِ؛ فَلَهُ مِنَ الرَّحْمَةِ وَالْخَيْرِ وَالسَّعَادَةِ وَالْفَلَاحِ بِحَسَبِ ذَلِكَ.

وَوَصَفَهُ بِأَنَّهُ نُورٌ؛ وَذَلِكَ لِبَيَانِهِ وَتَوْضِيحِهِ الْعُلُومَ النَّافِعَةَ، وَالْمَعَانِيَ الْكَامِلَةَ، وَأَنَّ بِهِ يَخْرُجُ الْعَبْدُ مِنْ جَمِيعِ الظُّلُمَاتِ -ظُلُمَاتِ الْجَهْلِ، وَالْكُفْرِ، وَالْمَعَاصِي، وَالشَّقَاءِ- إِلَى نُورِ الْعِلْمِ، وَالْيَقِينِ، وَالْإِيمَانِ، وَالطَّاعَةِ، وَالرَّشَادِ الْمُتَنَوِّعِ.

وَوَصَفَهُ بِأَنَّهُ شِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ، وَذَلِكَ يَشْمَلُ جَمِيعَ أَمْرَاضِ الْقُلُوبِ؛ فَالْقُرْآنُ يُوَضِّحُ أَمْرَاضَ الْقُلُوبِ وَيُشَخِّصُهَا، وَيُرْشِدُ الْعِبَادَ إِلَى كُلِّ وَسِيلَةٍ يَحْصُلُ بِهَا زَوَالُهَا وَشِفَاؤُهَا، فَيَذْكُرُ لَهُمْ أَمْرَاضَ الْجَهْلِ وَالشُّكُوكِ وَالْحَيْرَةِ، وَأَسْبَابَ ذَلِكَ، وَيُرْشِدُهُمْ إِلَى قَلْعِهَا بِالْعُلُومِ النَّافِعَةِ وَالْيَقِينِ الصَّادِقِ، وَسُلُوكِ الطُّرُقِ الصَّحِيحَةِ الْمُزِيلَةِ لِهَذِهِ الْعِلَلِ، وَيَذْكُرُ لَهُمْ أَمْرَاضَ الشَّهَوَاتِ وَالْغَيِّ، وَيُبَيِّنُ لَهُمْ أَسْبَابَهَا وَعَلَامَاتِهَا وَآثَارَهَا الضَّارَّةَ، وَيَذْكُرُ لَهُمْ مَا بِهِ تُعَالَجُ؛ مِنَ الْمَوَاعِظِ وَالتَّذَكُّرِ، وَالتَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ، وَالْمُقَابَلَةِ بَيْنَ الْأُمُورِ، وَتَرْجِيحِ مَا تَرَجَّحَتْ مَصْلَحَتُهُ الْعَاجِلَةُ وَالْآجِلَةُ.

وَوَصَفَهُ بِأَنَّهُ كُلَّهُ مُحْكَمٌ، وَكُلَّهُ مُتَشَابِهٌ فِي الْحُسْنِ، وَبَعْضُهُ مُتَشَابِهٌ مِنْ وَجْهٍ، مُحْكَمٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ.

فَأَمَّا وَصْفُهُ فِي عِدَّةِ آيَاتٍ أَنَّهُ كُلَّهُ مُحْكَمٌ؛ فَلِبَلَاغَتِهِ وَبَيَانِهِ التَّامِّ، وَاشْتِمَالِهِ عَلَى غَايَةِ الْحِكْمَةِ فِي تَنْزِيلِ الْأُمُورِ مَنَازِلَهَا، وَوَضْعِهَا مَوَاضِعَهَا، وَأَنَّهُ مُتَّفِقٌ غَيْرُ مُخْتَلِفٍ، لَيْسَ فِيهِ اخْتِلَافٌ وَلَا تَنَاقُضٌ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ.

وَأَمَّا حُسْنُهُ؛ فَلِمَا فِيهِ مِنَ الْبَيَانِ التَّامِّ لِجَمِيعِ الْحَقَائِقِ، وَلِأَنَّهُ بَيَّنَ أَحْسَنَ الْمَعَانِي النَّافِعَةِ فِي الْعَقَائِدِ وَالْأَخْلَاقِ وَالْآدَابِ وَالْأَعْمَالِ، فَهِيَ فِي غَايَةِ الْحُسْنِ لَفْظًا وَمَعْنًى، وَآثَارُهَا أَحْسَنُ الْآثَارِ، وَكُلُّ هَذِهِ الْمَعَانِي الْمُثَنَّاةِ فِي الْقُرْآنِ يَشْهَدُ بَعْضُهَا لِبَعْضٍ فِي الْحُسْنِ وَالْكَمَالِ، وَيُصَدِّقُ بَعْضُهَا بَعْضًا.

وَأَمَّا وَصْفُهُ بِأَنَّ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ، وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ؛ فَالْمُتَشَابِهَاتُ هِيَ الَّتِي يَقَعُ الْإِشْكَالُ فِي دَلَالَتِهَا؛ لِسَبَبٍ مِنَ الْأَسْبَابِ اللَّفْظِيَّةِ وَالْعِبَارَاتِ الْمُرَكَّبَةِ، فَأَمَرَ اللهُ بِرَدِّهَا إِلَى الْمُحْكَمَاتِ الْوَاضِحَةِ، بَيِّنَةِ الْمَعَانِي، الَّتِي هِيَ نَصٌّ فِي الْمُرَادِ؛ فَإِذَا رُدَّتِ الْمُتَشَابِهَاتُ إِلَى الْمُحْكَمَاتِ؛ صَارَتْ كُلُّهَا مُحْكَمَاتٍ، وَزَالَ الشَّكُّ وَالْإِشْكَالُ، وَحَصَلَ الْبَيَانُ لِلْهُدَى مِنَ الضَّلَالِ.

وَوَصَفَهُ بِأَنَّهُ كُلَّهُ صَلَاحٌ، وَيَهْدِي إِلَى الْإِصْلَاحِ، وَإِلَى أَقْوَمِ الْأُمُورِ وَأَرْشَدِهَا، وَأَنْفَعِهَا فِي كُلِّ شَيْءٍ مِنْ دُونِ اسْتِثْنَاءٍ، وَهَذَا الْوَصْفُ الْمُحِيطُ لَا يَخْرُجُ عَنْهُ شَيْءٌ، فَهُوَ إِصْلَاحٌ لِلْعَقَائِدِ وَالْقُلُوبِ، وَلِلْأَخْلَاقِ وَالْأَعْمَالِ، وَيَهْدِي إِلَى كُلِّ صَلَاحٍ دِينِيٍّ وَدُنْيَوِيٍّ؛ بِحَيْثُ تَقُومُ بِهِ الْأُمُورُ، وَتَعْتَدِلُ بِهِ الْأَحْوَالُ، وَيَحْصُلُ بِهِ الْكَمَالُ الْمُتَنَوِّعُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ بِالْإِرْشَادِ إِلَى كُلِّ وَسِيلَةٍ نَافِعَةٍ تُؤَدِّي إِلَى الْمَقَاصِدِ وَالْغَايَاتِ الْمَطْلُوبَةِ، فَلَا سَبِيلَ إِلَى الْهِدَايَةِ وَالصَّلَاحِ وَالْإِصْلَاحِ لِجَمِيعِ الْأُمُورِ إِلَّا بِسُلُوكِ الطُّرُقِ الَّتِي أَرْشَدَ إِلَيْهَا الْقُرْآنُ، وَحَثَّ الْعِبَادَ عَلَيْهَا.

إِنَّ الْقُرْآنَ الْكَرِيمَ كِتَابُ تَعْلِيمٍ يُزِيلُ الْجَهَالَاتِ الْمُتَنَوِّعَةَ، وَكِتَابُ تَرْبِيَةٍ يُقَوِّمُ الْأَخْلَاقَ وَالْأَعْمَالَ، فَهُوَ يُعَلِّمُ، وَيُقَوِّمُ، وَيُهَذِّبُ، وَيُؤَدِّبُ بِأَعْلَى مَا يَكُونُ مِنَ الطُّرُقِ الَّتِي لَا يُمْكِنُ لِلْحُكَمَاءِ وَالْعُقَلَاءِ أَنْ يَقْتَرِحُوا مِثْلَهَا، وَلَا مَا يُقَارِبُهَا)).

((عِنَايَةُ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ بِالْأَخْلَاقِ))

عِبَادَ اللهِ! إِنَّ كِتَابَ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- فِيهِ الْأَمْرُ بِالتَّقْوَى، وَفِيهِ النَّهْيُ عَنِ الرَّذَائِلِ، وَالْحَثُّ عَلَى الْفَضَائِلِ، وَفِيهِ التَّخْوِيفُ بِالنَّارِ، وَالتَّرْغِيبُ فِي الْجَنَّةِ، وَفِي مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَمَحَاسِنِ الْأَعْمَالِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَفْهَمُهُ كُلُّ أَحَدٍ، فَهَذَا عَطَاءُ الْقُرْآنِ الْمَجِيدِ لِكُلِّ مَنْ سَمِعَهُ أَوْ تَلَاهُ.

قَالَ رَبُّنَا -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا} [الإسراء: 9].

إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ الْقَرِيبَ مِنْكُمْ، الَّذِي يُتْلَى عَلَيْكُمْ لَهُ وَظَائِفُ كُبْرَى؛ مِنْهَا: أَنَّهُ يَدُلُّ وَيُرْشِدُ إِلَى الطَّرِيقَةِ الَّتِي هِيَ أَقْرَبُ إِلَى الِاعْتِدَالِ الْكَامِلِ فِي كُلِّ سُلُوكٍ بَشَرِيٍّ، وَيُبَشِّرُ الْقُرْآنُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا صَحِيحًا صَادِقًا الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ بِأَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا يَنَالُونَهُ فِي الْجَنَّةِ.

وَقَالَ اللهُ -تَعَالَى-: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} [الأعراف: 199].

هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ جَامِعَةٌ لِمَعَانِي حُسْنِ الْخُلُقِ مَعَ النَّاسِ، وَمَا يَنْبَغِي لِلْعَبْدِ سُلُوكُهُ فِي مُعَامَلَتِهِمْ وَمُعَاشَرَتِهِمْ، فَأَمَرَ -تَعَالَى- بِأَخْذِ {الْعَفْو}: وَهُوَ مَا سَمَحَتْ بِهِ أَنْفُسُهُمْ، وَسَهُلَتْ بِهِ أَخْلَاقُهُمْ مِنَ الْأَعْمَالِ وَالْأَخْلَاقِ؛ بَلْ يَقْبَلُ مَا سَهُلَ، وَلَا يَكُلِّفُهُمْ مَا لَا تَسْمَحُ بِهِ طَبَائِعُهُمْ، وَلَا مَا لَا يُطِيقُونَ، بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يَشْكُرَ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ مَا قَابَلَهُ بِهِ مِنْ قَوْلٍ وَعَمَلٍ وَخُلُقٍ جَمِيلٍ، وَمَا هُوَ دُونَ ذَلِكَ، وَيَتَجَاوَزَ عَنْ تَقْصِيرِهِمْ، وَيَغُضَّ طَرْفَهُ عَنْ نَقْصِهِمْ، وَعَمَّا أَتَوْا بِهِ وَعَامَلُوهُ بِهِ مِنَ النَّقْصِ، وَلَا يَتَكَبَّرَ عَلَى صَغِيرٍ لِصِغَرِهِ، وَلَا نَاقِصِ الْعَقْلِ لِنَقْصِهِ، وَلَا الْفَقِيرِ لِفَقْرِهِ، بَلْ يُعَامِلُ الْجَمِيعَ بِاللُّطْفِ، وَمَا تَقْتَضِيهِ الْحَالُ الْحَاضِرَةُ، وَبِمَا تَنْشَرِحُ لَهُ صُدُورُهُمْ، وَيُوَقِّرُ الْكَبِيرَ، وَيَحْنُو عَلَى الصَّغِيرِ، وَيُجَامِلُ النَّظِيرَ.

{وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ}: وَهُوَ كُلُّ قَوْلٍ حَسَنٍ وَفِعْلٍ جَمِيلٍ وَخُلُقٍ كَامِلٍ لِلْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ، فَاجْعَلْ مَا يَأْتِي إِلَى النَّاسِ مِنْكَ: إِمَّا تَعْلِيمَ عِلْمٍ دِينِيٍّ أَوْ دُنْيَوِيٍّ، أَوْ نَصِيحَةً، أَوْ حَثًّا لَهُمْ عَلَى خَيْرٍ؛ مِنْ عِبَادَةِ اللهِ، وَصِلَةِ رَحِمٍ، وَبِرِّ الْوَالِدَيْنِ، وَإِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ، أَوْ رَأْيٍ مُصِيبٍ، أَوْ مُعَاوَنَةٍ عَلَى بِرٍّ وَتَقْوَى، أَوْ زَجْرٍ عَنْ قَبِيحٍ، أَوْ إِرْشَادٍ إِلَى مَصْلَحَةٍ دِينِيَّةٍ أَوْ دُنْيَوِيَّةٍ، أَوْ تَحْذِيرٍ مِنْ ضِدِّ ذَلِكَ.

وَلَمَّا كَانَ الْعَبْدُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ أَذِيَّةِ الْجَاهِلِينَ لَهُ بِالْقَوْلِ أَوْ بِالْفِعْلِ؛ أَمَرَ اللهُ بِالْإِعْرَاضِ عَنْهُمْ، وَعَدَمِ مُقَابَلَةِ الْجَاهِلِينَ بِجَهْلِهِمْ، فَمَنْ آذَاكَ بِقَوْلِهِ أَوْ فِعْلِهِ فَلَا تُؤْذِهِ، وَمَنْ حَرَمَكَ فَلَا تَحْرِمْهُ، وَمَنْ قَطَعَكَ فَصِلْهُ، وَمَنْ ظَلَمَكَ فَاعْدِلْ فِيهِ، فَبِذَلِكَ يَحْصُلُ لَكَ مِنَ الثَّوَابِ مِنَ اللهِ، وَمِنْ رَاحَةِ الْقَلْبِ وَسُكُونِهِ، وَمِنَ السَّلَامَةِ مِنَ الْجَاهِلِينَ، وَمِنَ انْقِلَابِ الْعَدُوِّ صَدِيقًا، وَمِنَ التَّبَوُّءِ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ أَعْلَاهَا.. أَكْبَرُ حَظٍّ وَأَوْفَرُ نَصِيبٍ، قَالَ تَعَالَى: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} [ فصلت: 34-35].

فِي هَذِهِ الْآيَاتِ الْهُدَى وَالشِّفَاءُ وَالْخَيْرُ كُلُّهُ.

وَبَيَّنَ رَبُّنَا -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- عَلَامَاتِ حُسْنِ الْخُلُقِ فِي الْقُرْآنِ؛ فَقَدْ تَشْتَبِهُ الْمَسَالِكُ، وَتَتَشَابَهُ الدُّرُوبُ، وَتَضِلُّ الْأَفْهَامُ، وَتَزِلُّ الْأَقْدَامُ، وَتَعْظُمُ حَاجَةُ الْعَبْدِ إِلَى عَلَامَةٍ يَعْرِفُ بِهَا حُسْنَ الْخُلُقِ وُجُودًا وَعَدَمًا، وَتَحْصِيلًا وَفَقْدًا؛ بِحَيْثُ إِنَّهُ مَنْ أَشْكَلَ عَلَيْهِ حَالُهُ؛ عَرَضَ نَفْسَهُ عَلَى تِلْكَ الْعَلَامَةِ، فَعَرَفَ أَيْنَ يَكُونُ مِنْ حُسْنِ الْخُلُقِ وَسُوئِهِ.

إِيرَادُ جُمْلَةٍ مِنْ ذَلِكَ تُعْلِمُ الْعَبْدَ آيَةَ حُسْنِ الْخُلُقِ:

قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (63) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (64) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (65) إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (66) وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (67) وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (69) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (70) وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا (71) وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا (72) وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا (73) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (74)} [الفرقان: 63-74].

فَدُونَكَ الْمِيزَانَ الَّذِي يَزِنُ بِهِ الْعَبْدُ خُلُقَهُ؛ فَلْتَعْرِضْ عَلَيْهِ نَفْسَكَ، ثُمَّ فَلْتُنْزِلْهَا بَعْدُ حَيْثُ هِيَ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ وَلَا إِفْرَاطٍ.

وَالْقُرْآنُ سَبَبٌ فِي تَزْكِيَةِ نَفْسِ الْمُسْلِمِ؛ فَإِنَّ مِمَّا تَزْكُو بِهِ النَّفْسُ، وَيَزِيدُ بِهِ الْإِيمَانُ: الْأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ، وَقَدْ جَعَلَهَا اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ مَوْصُولَةً، وَجَعَلَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ لِهَذِهِ الْعِبَادَاتِ الَّتِي افْتَرَضَ عَلَيْنَا، وَالَّتِي نَدَبَ إِلَيْهَا نَبِيُّنَا ﷺ؛ جَعَلَ لَهَا مَرْدُودًا فِي تَزْكِيَةِ النَّفْسِ، وَفِي تَطْهِيرِهَا، وَبُعْدِهَا عَمَّا يُشِينُهَا دُنْيَا وَآخِرَةً.

وَمَا تَقَرَّبَ الْعَبْدُ بِشَيْءٍ إِلَى اللهِ بِمِثْلِ كَلَامِهِ، الْقُرْآنُ كَلَامُ اللهِ، وَكَلَامُ اللهِ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِهِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْقُرْآنِ وَكَلَامِ النَّاسِ كَالْفَرْقِ بَيْنَ الْخَالِقِ وَالْمَخْلُوقِ، فَمَنْ قَدَّرَ الْقُرْآنَ قَدْرَهُ، وَمَنْ أَقْبَلَ عَلَيْهِ فَأَشْبَعَ بِهِ قَلْبَهُ وَنَفْسَهُ؛ زَكَّاهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ.

وَقَدْ حَرَّمَ الْقُرْآنُ كُلَّ مَا يُضَادُّ الْأَخْلَاقَ الْفَاضِلَةَ، قَالَ تَعَالَى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} [الأعراف: 33].

حَرَّمَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ، وَالْفَوَاحِشَ؛ كَالزِّنَا، وَاللِّوَاطِ، وَإِتْيَانِ النِّسَاءِ النِّسَاءَ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا حَرَّمَهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ مِنْ تِلْكَ الْفَوَاحِشِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِالْأَبْدَانِ ظَاهِرًا، وَحَرَّمَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ مَا بَطَنَ مِنَ الْفَوَاحِشِ -أَيْضًا-؛ مِنَ النِّفَاقِ، وَمِنَ الْحِقْدِ وَالْحَسَدِ، وَالْغِلِّ وَالضَّغِينَةِ، وَمِنَ الْعُجْبِ، وَمِنْ مَحَبَّةِ الْمَحْمَدَةِ وَالسُّمْعَةِ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْقُلُوبِ.

وَوَصَفَ رَبُّنَا -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- عِبَادَ الرَّحْمَنِ بِأَنَّهُمْ لَا يَتَّصِفُونَ بِالصِّفَاتِ الْمَرْذُولَةِ وَالْخِصَالِ الْمَشِينَةِ، {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَٰهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (69) إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا (70) وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللهِ مَتَابًا (71) وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا (72) وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا} [الفرقان: 68-73].

{وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَٰهًا آخَرَ}؛ لَا دُعَاءَ عِبَادَةٍ وَلَا دُعَاءَ مَسْأَلَةٍ، بَلْ يَعْبُدُونَهُ وَحْدَهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ، مُقْبِلِينَ عَلَيْهِ، مُعْرِضِينَ عَمَّا سِوَاهُ، {وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ}: وَهِيَ نَفْسُ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ الْمُعَاهَدِ، {إِلَّا بِالْحَقِّ}: كَقَتْلِ النَّفْسِ بِالنَّفْسِ، وَالزَّانِي الْمُحْصَنِ، وَالتَّارِكِ لِدِينِهِ الْمُفَارِقِ لِلْجَمَاعَةِ، {وَلَا يَزْنُونَ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ} الْمَذْكُورَ؛ مِنَ الشِّرْكِ بِاللهِ، وَقَتْلِ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ، وَالزِّنَا؛ {يَلْقَ أَثَامًا (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ}؛ أَيْ: فِي الْعَذَابِ، {مُهَانًا}.

فَالْوَعِيدُ بِالْخُلُودِ لِمَنْ فَعَلَهَا كُلَّهَا ثَابِتٌ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ، وَكَذَلِكَ لِمَنْ أَشْرَكَ بِاللهِ، وَكَذَلِكَ الْوَعِيدُ بِالْعَذَابِ الشَّدِيدِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ؛ لِكَوْنِهَا كُلِّهَا مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ، وَأَمَّا خُلُودُ الْقَاتِلِ بِغَيْرِ حَقٍّ وَالزَّانِي فِي الْعَذَابِ؛ فَقَدْ دَلَّتِ النُّصُوصُ الْقُرْآنِيَّةُ وَتَوَاتَرَتِ الْأَحَادِيثُ النَّبَوِيَّةُ أَنَّ جَمِيعَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِنْ دَخَلُوا النَّارَ فَسَيْخْرُجُونَ مِنْهَا، وَلَا يَخْلُدُ فِيهَا مُؤْمِنٌ؛ فَإِنَّ الْإِيمَانَ الْكَامِلَ يَمْنَعُ مِنْ دُخُولِ النَّارِ، وَمُطْلَقَ الْإِيمَانِ وَلَوْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ يَمْنَعُ مِنَ الْخُلُودِ فِيهَا.

نَصَّ اللهُ عَلَى ثَلَاثَةِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ؛ لِأَنَّهَا أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ، وَفَسَادُهَا كَبِيرٌ، فَالشِّرْكُ فِيهِ فَسَادُ الْأَدْيَانِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَالْقَتْلُ فِيهِ فَسَادُ الْأَبْدَانِ، وَالزِّنَا فِيهِ فَسَادُ الْأَعْرَاضِ، {إِلَّا مَن تَابَ} عَنْ هَذِهِ الْمَعَاصِي وَغَيْرِهَا بِأَنْ أَقْلَعَ عَنْهَا فِي الْحَالِ، وَنَدِمَ عَلَى فِعْلِهَا، وَعَزَمَ عَزْمًا جَازِمًا أَلَّا يَعُودَ، {وَآمَنَ}: بِاللهِ إِيمَانًا صَحِيحًا يَقْتَضِي فِعْلَ الْوَاجِبَاتِ، وَتَرْكَ الْمُحَرَّمَاتِ، {وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا}: فَيَدْخُلُ فِيهِ جَمِيعُ الصَّالِحَاتِ؛ مِنْ وَاجِبٍ وَمُسْتَحَبٍّ.

{فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ}: بِأَنْ يُوَفِّقَهُمْ لِلْخَيْرِ، فَتُبَدَّلَ أَقْوَالُهُمْ وَأَفْعَالُهُمُ الَّتِي كَانَتْ مُسْتَعِدَّةً لِفِعْلِ السَّيِّئَاتِ.. تَتَبَدَّلُ حَسَنَاتٍ، فَيَتَبَدَّلُ شِرْكُهُمْ إِيمَانًا، وَمَعْصِيَتُهُمْ طَاعَةً، وَتَتَبَدَّلُ نَفْسُ السَّيِّئَاتِ الَّتِي عَمِلُوهَا، ثُمَّ أَحْدَثُوا عَنْ كُلِّ ذَنْبٍ مِنْهَا تَوْبَةً وَنَدَمًا وَإِنَابَةً وَطَاعَةً للهِ؛ تُبَدَّلُ حَسَنَاتٍ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْآيَةِ.

وَوَرَدَ فِيهِ حَدِيثُ الرَّجُلِ الَّذِي حَاسَبَهُ اللهُ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِ، فَعَدَّدَهَا عَلَيْهِ؛ ثُمَّ أَبْدَلَ مَكَانَ كُلِّ سَيِّئَةٍ حَسَنَةً..، وَهُوَ حَدِيثُ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((إِنِّي لَأَعْلَمُ آخِرَ أَهْلِ الْجنَّةِ دُخُولًا الْجَنَّةَ، وَآخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنَ النَّارِ؛ رَجُلٌ يُؤْتَى بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُقَالُ: اعْرِضُوا عَلَيْهِ صِغَارَ ذُنُوبِهِ، وَارْفَعُوا عَنْهُ كِبَارَهَا، فَتُعْرَضُ عَلَيْهِ صِغَارُ ذُنُوبِهِ، فَيُقَالُ لَهُ: عَمِلْتَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا؛ كَذَا وَكَذَا، فَيَقُولُ: نَعَمْ، لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُنْكِرَ، وَهُوَ مُشْفِقٌ مِنْ كِبَارِ ذُنُوبِهِ أَنْ تُعْرَضَ عَلَيْهِ، فَيُقَالُ لَهُ: فَإِنَّ لَكَ مَكَانَ كُلِّ سَيِّئَةٍ حَسَنَةً، فَيَقُولُ: رَبِّ عَمِلْتُ أَشْيَاءَ لَا أَرَاهَا هَاهُنَا))؛ لَمَّا رَأَى أَنَّ صِغَارَ الذُّنُوبِ تُبَدَّلُ حَسَنَاتٍ؛ قَالَ: وَأَيْنَ كِبَارُهَا؟!!

قَالَ أَبُو ذَرٍّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: ((فَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ ﷺ)).

كَانَ يُشْفِقُ مِنْهَا أَوَّلًا، فَلَمَّا وَجَدَ الْأَمْرَ عَلَى هَذَا الْكَرَمِ وَهَذَا الْعَطَاءِ؛ قَالَ: ((يَا رَبِّ! إِنِّي عَمِلْتُ أَشْيَاءَ لَا أَرَاهَا هُنَا))؛ يَعْنِي: كِبَارَ ذُنُوبِهِ.

{وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا}: لِمَنْ تَابَ، يَغْفِرُ ذُنُوبَهُ كُلَّهَا، {رَّحِيمًا} بِعِبَادِهِ؛ إِذْ دَعَاهُمْ إِلَى التَّوْبَةِ بَعْدَ مُبَارَزَتِهِ بِالْعَظَائِمِ؛ ثُمَّ وَفَّقَهُمْ لَهَا، ثُمَّ قَبِلَهَا مِنْهُمْ.

{وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللهِ مَتَابًا}؛ أَيْ: فَلْيَعْلَمْ أَنَّ تَوْبَتَهُ فِي غَايَةِ الْكَمَالِ؛ لِأَنَّهَا رُجُوعٌ إِلَى الطَّرِيقِ الْمُوصِلِ إِلَى اللهِ، الَّذِي هُوَ عَيْنُ سَعَادَةِ الْعَبْدِ وَفَلَاحِهِ؛ فَلْيُخْلِصْ فِيهَا، وَلْيُخَلِّصْهَا مِنْ شَوَائِبِ الْأَغْرَاضِ الْفَاسِدَةِ.

وَالْمَقْصُودُ مِنْ هَذَا: الْحَثُّ عَلَى تَكْمِيلِ التَّوْبَةِ، وَأَنْ تَكُونَ عَلَى أَكْمَلِ الْوُجُوهِ وَأَجَلِّهَا؛ لِتَحْصُلَ لَهُ ثَمَرَاتُهَا الْجَلِيلَةُ.

{وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ أَيْ: لَا يَحْضُرُونَ الزُّورَ؛ أَيِ: الْقَوْلَ الْمُحَرَّمَ وَالْفِعْلَ الْمُحَرَّمَ، فَيَجْتَنِبُونَ جَمِيعَ الْمَجَالِسِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى كُلِّ قَوْلٍ وَفِعْلٍ مُحَرَّمٍ؛ كَالْخَوْضِ فِي آيَاتِ اللهِ بِالْبَاطِلِ، وَالْجَدَلِ الْبَاطِلِ، وَالْغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ، وَالسَّبِّ وَالْقَذْفِ، وَالِاسْتِهْزَاءِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ، وَالْغِنَاءِ الْمُحَرَّمِ، وَفَرْشِ الْحَرِيرِ وَالصُّوَرِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَإِذَا كَانُوا لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ؛ فَإِنَّهُمْ مِنْ بَابِ أَوْلَى لَا يَفْعَلُونَهُ وَلَا يَقُولُونَهُ؛ وَشَهَادَةُ الزُّورِ دَاخِلَةٌ فِي قَوْلِ الزُّورِ.

{وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ} [الفرقان: 72]؛ وَهُوَ الْكَلَامُ الَّذِي لَا فَائِدَةَ فِيهِ دِينِيَّةً وَلَا دُنْيَوِيَّةً؛ كَكَلَامِ السُّفَهَاءِ وَنَحْوِهِمْ، {مَرُّوا كِرَامًا} [ الفرقان: 72]؛ أَيْ: نَزَّهُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَكْرَمُوهَا عَنِ الْخَوْضِ فِيهِ، وَرَأَوْهُ سَفَهًا مُنَافِيًا لِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ.

وَفِي قَوْلِهِ: {وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ} إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُمْ لَا يَقْصِدُونَ حُضُورَهُ وَلَا سَمَاعَهُ، وَلَكِنْ يَحْصُلُ ذَلِكَ بِغَيْرِ قَصْدٍ، فَيُكْرِمُونَ أَنْفُسَهُمْ عَنْهُ.

((جُمْلَةٌ مِنَ الْأَخْلَاقِ الَّتِي اعْتَنَى بِهَا الْقُرْآنُ))

الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ كِتَابُ تَعْلِيمٍ وَإِرْشَادٍ، وَكِتَابُ تَرْبِيَةٍ عَلَى أَكْمَلِ الْأَخْلَاقِ، وَأَحْسَنِ الْآدَابِ، وَأَسْمَى الْأَوْصَافِ، وَحَثَّ عَلَيْهَا بِكُلِّ وَسِيلَةٍ، وَزَجَرَ عَنْ ضِدِّهَا.

وَلَا يُوجَدُ خُلُقٌ كَامِلٌ إِلَّا وَقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ، وَلَا أَدَبٌ حَمِيدٌ إِلَّا وَقَدْ دَعَا إِلَيْهِ وَبَيَّنَهُ.

وَالْأَخْلَاقُ الْكَامِلَةُ وَالْآدَابُ السَّامِيَةُ تَجْعَلُ صَاحِبَهَا مُسْتَقِيمَ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ، مُعْتَدِلَ الْأَحْوَالِ، مُكْتَمِلَ الْأَوْصَافِ الْحَسَنَةِ، طَاهِرَ الْقَلْبِ نَقِيَّهُ مِنْ كُلِّ دَرَنٍ وَآفَةٍ وَنَقْصٍ، قَوِيَّ الْقَلْبِ، مُتَوَجِّهًا قَلْبُهُ إِلَى أَعْلَى الْأُمُورِ وَأَنْفَعِهَا، قَائِمًا بِالْحُقُوقِ الْوَاجِبَةِ وَالْمُسْتَحَبَّةِ، مَحْمُودًا عِنْدَ اللهِ وَعِنْدَ خَلْقِهِ، قَدْ حَازَ الشَّرف وَالِاعْتِبَارَ الْحَقِيقِيَّ، وَسَلِمَ مِنْ كُلِّ دَنَسٍ وَآفَةٍ، قَدْ تَوَاطَأَ ظَاهِرُهُ وَبَاطِنُهُ عَلَى الِاسْتِقَامَةِ، وَسُلُوكِ طَرِيقِ الْفَلَاحِ.

وَعُلُوُّ مَكَانَةِ الْمُتَخَلِّقِ بِأَخْلَاقِ الْقُرْآنِ وَآدَابِهِ لَا يَمْتَرِي فِيهِ مَنْ لَهُ أَدْنَى مُسْكَةٍ مِنْ عَقْلٍ؛ لِأَنَّ الْعَقْلَ مِنْ أَكْبَرِ الشَّوَاهِدِ عَلَى حُسْنِ مَا جَاءَ بِهِ الشَّرْعُ.

وَلِهَذَا يُنَبِّهُ اللهُ أُولِي الْعُقُولِ وَالْأَلْبَابِ، وَيُوَجِّهُ إِلَيْهِمُ الْخِطَابَ؛ لِأَنَّه كُلَّمَا كَمُلَ عَقْلُ الْإِنْسَانِ؛ عَرَفَ كَمَالَ مَا جَاءَ بِهِ الشَّرْعُ، وَأَنَّهُ يَسْتَحِيلُ وُجُودُ قَانُونٍ أَوْ نِظَامٍ أَوْ غَيْرِهِمَا يُقَارِبُ مَا جَاءَ بِهِ الْقُرْآنُ كَمَالًا وَفَضْلًا، وَرِفْعَةً وَعُلُوًّا وَنَزَاهَةً، وَيُعْرَفُ ذَلِكَ بِتَتَبُّعِ مَا جَاءَ بِهِ الْقُرْآنُ.

((مِنْ أَخْلَاقِ الْقُرْآنِ: الْحَثُّ عَلَى الْإِخْلَاصِ))

مِنْ أَخْلَاقِ الْقُرْآنِ وَآدَابِهِ الَّتِي فَاقَتْ جَمِيعَ الْأَخْلَاقِ: الْحَثُّ عَلَى الْإِخْلَاصِ للهِ فِي الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ، وَالْإِنَابَةُ إِلَى اللهِ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ، كَمَا أَمَرَ اللهُ بِالْإِخْلَاصِ فِي آيَاتٍ عَدِيدَةٍ، وَأَثْنَى عَلَى الْمُخْلِصِينَ وَالْمُنِيبِينَ إِلَيْهِ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُمُ الْمُنْتَفِعُونَ بِالْآيَاتِ.

فَالْإِنَابَةُ هِيَ انْجِذَابُ الْقَلْبِ وَإِقْبَالُهُ التَّامُّ عَلَى اللهِ، وَيَتَحَقَّقُ ذَلِكَ بِالْإِخْلَاصِ للهِ فِي كُلِّ مَا يَأْتِي الْعَبْدُ وَمَا يَذَرُ؛ فِي مُعَامَلَتِهِ للهِ وَالْقِيَامِ بِعُبُودِيَّتِهِ، وَفِي مُعَامَلَتِهِ لِلْخَلْقِ وَالْقِيَامِ بِحُقُوقِهِمْ.

فَأَصْلُ اسْتِقَامَةِ الْقَلْبِ بِهَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ؛ فَإِنَّ الْمُنِيبَ الْمُخْلِصَ للهِ -تَعَالَى- قَدِ اسْتَقَامَ عَلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، وَقَدْ تَوَاطَأَ ظَاهِرُهُ وَبَاطِنُهُ عَلَى الْخَيْرِ الْمَحْضِ، وَقَدْ سَهُلَتْ عَلَيْهِ الْأَعْمَالُ بِمَا فِي قَلْبِهِ مِنْ قُوَّةِ الْإِنَابَةِ، وَمَا يَرْجُو مِنْ رَبِّهِ مِنْ جَزِيلِ الثَّوَابِ.

وَلَا يَخْفَى أَنَّ النَّصِيحَةَ الَّتِي هِيَ الدِّينُ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ» ثَلَاثًا -أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ غَيْرِ تَكْرَارٍ، وَالتَّكْرَارُ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ، وَالنَّسَائِيِّ؛ لَا يُمْكِنُ وُجُودُهَا وَلَا تَمَامُهَا إِلَّا بِهَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ، فَالْمُنِيبُ الْمُخْلِصُ للهِ لَا تَجِدُهُ إِلَّا نَاصِحًا للهِ وَلِرَسُولِهِ، وَلِكِتَابِهِ، وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ.

قَالَ تَعَالَى: {وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ} [الزمر: 54].

وَقَالَ تَعَالَى: {مُنِيبِينَ إِلَيْهِ} [الروم: 31].

وَقَالَ تَعَالَى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ} [سبأ: 9].

{وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ } [ق: 33].

وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البينة: 5]، {أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ } [الزمر: 3].

وَقَالَ فِي وَصْفِ النَّبِيِّ ﷺ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ أَفْضَلِ هَذِهِ الْأُمَّةِ: {يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا} [المائدة: 2].

وَقَالَ تَعَالَى: {لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 114].

فَالْمُخْلِصُ للهِ قَدْ عَلَّقَ قَلْبَهُ بِأَكْمَلِ مَا تَعَلَّقَتْ بِهِ الْقُلُوبُ؛ مِنْ رِضْوَانِ رَبِّهِ، وَطَلَبِ ثَوَابِهِ، وَعَمِلَ عَلَى هَذَا الْمَقْصِدِ الْأَعْلَى؛ فَهَانَتْ عَلَيْهِ الْمَشَقَّاتُ، وَسَهُلَتْ عَلَيْهِ النَّفَقَاتُ، وَسَمَحَتْ نَفْسُهُ بِأَدَاءِ الْحُقُوقِ كَامِلَةً مُوَفَّرَةً، وَعَلِمَ أَنَّهُ قَدْ تَعَوَّضَ عَمَّا فَقَدَهُ أَفْضَلَ الْأَعْوَاضِ، وَأَجْزَلَ الثَّوَابِ، وَخَيْرَ الْغَنَائِمِ.

وَأَيْضًا مِنْ ثَمَرَاتِ الْإِخْلَاصِ: أَنَّهُ يَمْنَعُ مَنْعًا بَاتًّا مِنْ قَصْدِ مُرَاءَاةِ النَّاسِ، وَطَلَبِ مَحْمَدَتِهِمْ، وَالْهَرَبِ مِنْ ذَمِّهِمْ، وَالْعَمَلِ لِأَجْلِهِمْ، وَالْوُقُوفِ عِنْدَ رِضَاهُمْ وَسَخَطِهِمْ، وَالتَّقَيُّدِ بِإِرَادَتِهِمْ وَمُرَادِهِمْ، وَهَذَا هُوَ الْحُرِّيَّةُ الصَّحِيحَةُ؛ أَلَّا يَكُونَ الْقَلْبُ مُتَقَيِّدًا مُتَعَلِّقًا بِأَحَدٍ مِنَ الْخَلْقِ.

وَمِنْ ثَمَرَاتِ الْإِخْلَاصِ: أَنَّ الْعَمَلَ الْقَلِيلَ مِنَ الْمُخْلِصِ يُعَادِلُ الْأَعْمَالَ الْكَثِيرَةَ مِنْ غَيْرِهِ، وَأَنَّ ((أَسْعَدَ النَّاسِ بِشَفَاعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ مَنْ قَالَ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ» خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ». أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، وَأَنَّهُ أَحَدُ السَّبْعَةِ الَّذِينَ يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ؛ ((رَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللهِ، اجْتَمَعَا عَلَيْهِ، وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ))، كَمَا فِي حَدِيثِ ((الصَّحِيحَيْنِ)).

وَأَنَّ الْمُخْلِصَ يَصْرِفُ اللهُ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ مَا لَا يَصْرِفُهُ عَنْ غَيْرِهِ، قَالَ -تَعَالَى- عَنْ يُوسُفَ: {كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ} [يوسف: 24]، قُرِئَ بِكَسْر اللَّامِ وَفَتْحِهَا -الْمُخْلَصِينَ والْمُخْلِصِينَ، وَهُمَا مُتَلَازِمَتَانِ؛ لِأَنَّ اللهَ -تَعَالَى- لِإِخْلَاصِهِمْ جَعَلَهُمْ مِنَ الْمُخْلَصِينَ.

فَالْمُخْلَصُونَ هُمْ خُلَاصَةُ الْخَلْقِ وَصَفْوَتُهُمْ، وَهَلْ يُوجَدُ أَكْمَلُ مِمَّنْ خَلُصَتْ إِرَادَتُهُمْ وَمَقَاصِدُهُمْ للهِ وَحْدَهُ؟!! طَلَبًا لِرِضَاهُ وَثَوَابِهِ، وَتَفَرَّعَتْ أَعْمَالُهُمُ الظَّاهِرَةُ وَالْبَاطِنَةُ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ الطَّيِّبِ الْجَلِيلِ، وَ{مَثَلُ كَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا} [إبراهيم: 24، 25].

وَمِنْ ثَمَرَاتِ الْإِخْلَاصِ الطَّيِّبَةِ: أَنَّ الْمُخْلِصَ إِذَا عَمِلَ مَعَ النَّاسِ إِحْسَانًا قَوْلِيًّا، أَوْ فِعْلِيًّا، أَوْ مَالِيًّا، أَوْ غَيْرَهُ؛ لَمْ يُبَالِ بِجَزَائِهِمْ وَلَا شُكْرِهِمْ؛ لِأَنَّهُ عَامَلَ اللهَ -تَعَالَى-، وَاللهُ لَا يُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا، وَلَا يَثْنِي عَزْمَهُ وَنَشَاطَهُ قِلَّةُ شُكْرِهِمْ لَهُ، فَقَدْ قَالَ -تَعَالَى- فِي حَقِّ الْمُخْلِصِينَ: {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا} [الإنسان: 9].

خُلُقُ الْإِخْلَاصِ هُوَ أَصْلُ الْأَخْلَاقِ وَعُظْمُهَا..


((التَّوَكُّلُ عَلَى اللهِ وَالِاسْتِعَانَةُ بِهِ))

التَّوَكُّلُ عَلَى اللهِ وَالِاسْتِعَانَةُ بِهِ خُلُقٌ جَلِيلٌ يَضْطَرُّ إِلَيْهِ الْعَبْدُ فِي أُمُورِهِ كُلِّهَا؛ دِينِيِّهَا وَدُنْيَوِيِّهَا؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ اللهُ -تَعَالَى- قَدْ أَعْطَى الْعَبْدَ قُدْرَةً وَإِرَادَةً تَقَعُ بِهَا أَفْعَالُهُ الِاخْتِيَارِيَّةُ، وَلَمْ يُجْبِرْهُ عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا؛ فَإِنَّهُ لَا حَوْلَ لَهُ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ، فَإِذَا اعْتَمَدَ بِقَلْبِهِ اعْتِمَادًا كُلِّيًّا قَوِيًّا عَلَى رَبِّهِ فِي تَحْصِيلِ وَتَكْمِيلِ مَا يُرِيدُ فِعْلَهُ مِنْ أُمُورِ دِينِهِ وَدُنْيَاهُ، وَوَثِقَ بِهِ؛ أَعَانَهُ وَقَوَّى إِرَادَتَهُ وَقُدْرَتَهُ، وَيَسَّرَ لَهُ الْأَمْرَ الَّذِي قَصَدَهُ، وَصَرَفَ عَنْهُ الْمَوَانِعَ أَوْ خَفَّفَهَا، وَتَضَاعَفَتْ قُوَّةُ الْعَبْدِ وَازْدَادَتْ قُدْرَتُهُ؛ لِأَنَّهُ اسْتَمَدَّ وَاسْتَمَاحَ مِنْ قُوَّةِ اللهِ الَّتِي لَا تَنْفَدُ وَلَا تَبِيدُ.

وَالتَّوَكُّلُ الْحَقِيقِيُّ يَطْرُدُ عَنِ الْعَبْدِ الْكَسَلَ، وَيُوجِبُ لَهُ النَّشَاطَ التَّامَّ عَلَى الْأَمْرِ الَّذِي تَوَكَّلَ عَلَى اللهِ فِيهِ، وَلَا يَتَصَاعَبُ شَاقًّا، وَلَا يَسْتَثْقِلُ أَيَّ عَمَلٍ، وَلَا يَيْأَسُ مِنَ النَّجَاحِ وَحُصُولِ مَطْلُوبِهِ، عَكْسَ مَا يَظُنُّهُ بَعْضُ الْمُنْحَرِفِينَ الَّذِينَ لَمْ يَفْهَمُوا مَعْنَى التَّوَكُّلِ، أَوْ فَهِمُوهُ؛ لَكِنَّ إِنْكَارَ الْقَدَرِ وَالْقَضَاءِ صَرَفَهُمْ عَنِ الْحَقِّ، فَحَسِبُوا أَنَّ التَّوَكُّلَ يُضْعِفُ الْهِمَّةَ وَالْإِرَادَةَ، وَأَسَاؤُوا غَايَةَ الْإِسَاءَةِ حَيْثُ ظَنُّوا بِرَبِّهِمُ الظَّنَّ السَّوْءَ؛ فَإِنَّ اللهَ أَمَرَ بِالتَّوَكُّلِ فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُ مِنْ لَوَازِمِ الْإِيمَانِ، وَوَعَدَ الْمُتَوَكِّلِينَ الْكِفَايَةَ وَحُصُولَ الْمَطْلُوبِ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُ يُحِبُّهُمْ، وَأَنَّهُ لَا يَتِمُّ الدِّينُ إِلَّا بِهِ، وَلَا تَتِمُّ الْأُمُورُ إِلَّا بِهِ، فَالدِّينُ وَالدُّنْيَا مُفْتَقِرَاتٌ إِلَى التَّوَكُّلِ.

قَالَ تَعَالَى: {وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [المائدة: 23].

{فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ} [هود: 123].

{فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ} [التوبة: 129].

{عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا} [الأعراف: 89].

{وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} [الطلاق: 3].

{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5].

وَلِلتَّوَكُّلِ فَوَائِدُ عَظِيمَةٌ:

مِنْهَا: أَنَّهُ لَا يَتِمُّ الْإِيمَانُ وَالدِّينُ إِلَّا بِهِ، وَكَذَلِكَ لَا تَتِمُّ الْأَقْوَالُ وَالْأَفْعَالُ وَالْإِرَادَاتُ إِلَّا بِهِ.

وَمِنْهَا: أَنَّ مَنْ تَوَكَّلَ عَلَى اللهِ كَفَاهُ، فَإِذَا وَعَدَ اللهُ عَبْدًا بِالْكِفَايَةِ إِذَا تَوَكَّلَ عَلَيْهِ؛ عُلِمَ أَنَّ مَا يَحْصُلُ مِنَ الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ، وَأَحْوَالِ الرِّزْقِ وَغَيْرِهَا بِالتَّوَكُّلِ أَعْظَمُ بِكَثِيرٍ مِمَّا يَحْصُلُ -إِنْ حَصَلَ- إِذَا انْقَطَعَ قَلْبُ الْعَبْدِ مِنَ التَّوَكُّلِ.

وَمِنْهَا: أَنَّ التَّوَكُّلَ عَلَى اللهِ أَكْبَرُ سَبَبٍ لِتَيْسِيرِ الْأَمْرِ الَّذِي تُوكِّلَ عَلَيْهِ فِيهِ وَتَكْمِيلِهِ وَتَتْمِيمِهِ، وَدَفْعِ الْمَوَانِعِ الْحَائِلَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ تَكْمِيلِهِ.

وَمِنْهَا: أَنَّ الْمُتَوَكِّلَ عَلَى اللهِ قَدْ عَلِمَ أَنَّهُ اعْتَمَدَ فِي تَوَكُّلِهِ، وَاسْتَنَدَ إِلَى مَنْ جَمِيعُ الْأُمُورِ كُلِّهَا فِي مُلْكِهِ، وَتَحْتَ تَصْرِيفِهِ وَتَدْبِيرِهِ، وَمِنْ جُمْلَتِهَا: فِعْلُ الْعَبْدِ، فَكُلَّمَا فَتَرَتْ هِمَّتُهُ، وَضَعُفَ نَشَاطُهُ؛ أَمَدَّهُ هَذَا التَّوَكُّلُ بِقُوَّةٍ إِلَى قُوَّتِهِ، وَقَدْ وَثِقَ بِكِفَايَةِ رَبِّهِ، وَالْوُثُوقُ وَالطَّمَعُ فِي حُصُولِ الْمَطْلُوبِ لَا شَكَّ أَنَّهُ مِنْ أَعْظَمِ الْأَسْبَابِ الْبَاعِثَةِ عَلَى الْأَعْمَالِ الْمُرَغِّبَةِ فِيهَا، وَهَذَا أَمْرٌ مُشَاهَدٌ مَعْلُومٌ.

وَمِنْهَا: أَنَّ الْمُتَوَكِّلَ عَلَى اللهِ حَقِيقَةً قَدْ أَبْدَى الِافْتِقَارَ التَّامَّ إِلَى رَبِّهِ، وَتَبَرَّأَ مِنْ حَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ، وَلَمْ يُعْجَبْ بِشَيْءٍ مِنْ عَمَلِهِ، وَلَمْ يَتَّكِلْ عَلَى نَفْسِهِ؛ لِعِلْمِهِ أَنَّهَا ضَعِيفَةٌ مَهِينَةٌ، سَرِيعَةُ الِانْحِلَالِ بَلْ لَجَأَ فِي ذَلِكَ إِلَى رَبِّهِ، مُسْتَعِينًا بِهِ فِي حُصُولِ مَطْلُوبِهِ.

وَهَذَا هُوَ الْغِنَى الْحَقِيقِيُّ؛ لِأَنَّهُ اسْتَغْنَى بِرَبِّهِ وَكِفَايَتِهِ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ قَدْ أَبْدَى غَايَةَ الْمَجْهُودِ؛ فَتَبَيَّنَ أَنَّ التَّوَكُّلَ لَا يُنَافِي الْقِيَامَ بِالْأَسْبَابِ الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ، بَلْ تَمَامُهُ بِفِعْلِهَا بِقُوَّةٍ صَادِقَةٍ وَهِمَّةٍ عَلِيَّةٍ، مُعْتَمِدَةٍ عَلَى قُوَّةِ الْقَوِيِّ الْعَزِيزِ.

هَذِهِ الْأَخْلَاقُ الْمُسْتَنْبَطَةُ الْمُسْتَخْرَجَةُ مِنْ كِتَابِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- هِيَ عِبَادَاتٌ؛ فَإِنَّ الْإِخْلَاصَ هُوَ رُوحُ الْأَعْمَالِ كُلِّهَا، وَلَا يُقْبَلُ الْعَمَلُ الَّذِي لَا إِخْلَاصَ فِيهِ؛ بَلْ هُوَ أَوَّلُ شَرْطَيِ الْقَبُولِ: الْإِخْلَاصُ وَالْمُتَابَعَةُ، فَعِبَادَةُ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- بِالْإِخْلَاصِ أَجَلُّ عِبَادَةٍ، فَهَذَا مِنَ الْعِبَادَاتِ الْعَظِيمَةِ؛ بَلْ هُوَ رَأْسُهَا.

وَالتَّوَكُّلُ مِنْ عِبَادَاتِ الْقُلُوبِ، وَعَلَى الْمَرْءِ أَنْ يَتَأَمَّلَ فِيهِ، فَهَذِهِ الْأَخْلَاقُ الْمُسْتَنْبَطَةُ مِنْ كِتَابِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-؛ إِنَّمَا هِيَ مِمَّا يَنْفِي عَنِ الْقَلْبِ آفَاتِهِ، فَإِذَا أَرَادَ الْإِنْسَانُ تَزْكِيَةَ قَلْبِهِ وَرُوحِهِ؛ فَعَلَيْهِ أَنْ يَتَأَمَّلَ فِي هَذِهِ الْأَخْلَاقِ!


((النَّصِيحَةُ))

أَخْبَرَ ﷺ أَنَّ ((الدِّينَ النَّصِيحَةُ))، كَرَّرَهَا ثَلَاثًا -كَمَا عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ، وَالنَّسَائِيِّ، وَعِنْدَ مُسْلِمٍ بِالْإِفْرَادِ-، وَفَسَّرَهَا بِأَنَّهَا: ((النَّصِيحَةُ للهِ، وَلِكِتَابِهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَعَامَّتِهِمْ)).

وَأَخْبَرَ -تَعَالَى- أَنَّ النَّصِيحَةَ طَرِيقَةُ أَنْبِيَائِهِ وَأَصْفِيَائِهِ، وَأَخْبَرَ أَنَّ الْحَرَجَ مَنْفِيٌّ عَمَّنْ نَصَحَ للهِ وَلِرَسُولِهِ.

فَالنَّصِيحَةُ للهِ: هِيَ الْقِيَامُ التَّامُّ بِحُقُوقِهِ؛ عِلْمًا وَعَمَلًا، وَدَعْوَةً وَتَنْفِيذًا.

وَالنَّصِيحَةُ لِكِتَابِهِ: الِاجْتِهَادُ فِي مَعْرِفَةِ أَلْفَاظِهِ وَمَعَانِيهِ، وَالْعَمَلُ بِهِ، وَالدَّعْوَةُ لِذَلِكَ.

وَالنَّصِيحَةُ لِرَسُولِهِ: الْإِيمَانُ بِهِ، وَمَحَبَّتُهُ، وَاتِّبَاعُهُ، وَنَصْرُ سُنَّتِهِ، وَتَقْدِيمُ هَدْيِهِ عَلَى هَدْيِ كُلِّ أَحَدٍ، وَالِاجْتِهَادُ فِي كُلِّ مَا يُحِبُّهُ.

وَالنَّصِيحَةُ لِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ: أَنْ يُحِبَّ لَهُمُ الْخَيْرَ، وَيَكْرَهَ لَهُمُ الشَّرَّ، وَيَسْعَى فِي ذَلِكَ بِحَسَبِ مَقْدُورِهِ، فَيُعَلِّمَ جَاهِلَهُمْ، وَيُرْشِدَ مُنْحَرِفَهُمْ، وَيُذَكِّرَ غَافِلَهُمْ، وَيَعِظَ مُعْرِضَهُمْ وَمُعَارِضَهُمْ، وَيَدْعُوَ إِلَى سَبِيلِ رَبِّهِ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ، وَالْمُجَادَلَةِ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، وَيَسْلُكُ مَعَ ذَلِكَ كُلَّ طَرِيقٍ فِيهِ صَلَاحٌ لِإِخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ، وَيَسْعَى فِي تَأْلِيفِ ذَاتِ بَيْنِهِمْ، وَفِي إِرْشَادِهِمْ عَلَى اخْتِلَافِ طَبَقَاتِهِمْ؛ لِمَصَالِحِ دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ، كُلُّ أَحَدٍ عَلَى حَسَبِ حَالِهِ.

وَلِلنَّصِيحَةِ فَوَائِدُ عَظِيمَةٌ:

مِنْهَا: أَنَّ الدِّينَ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِهَا؛ بَلْ هِيَ الدِّينُ -أَيْ: مُعْظَمُهُ-، كَمَا ذَكَرَهُ ﷺ.

وَمِنْهَا: أَنَّ النَّاصِحَ للهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلِكِتَابِهِ، وَلِلْخَلْقِ؛ نَفْسُ عَمَلِ قَلْبِهِ هَـذَا، وَاسْتِعْدَادِهِ، وَتَهْيِئَتِهِ لِلنَّصِيحَةِ مِنْ أَكْبَرِ الْأَعْمَالِ الْمُقَرِّبَةِ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَمَا تَقَرَّبَ أَحَدٌ إِلَى اللهِ بِمِثْلِ تَوْطِينِ النَّفْسِ عَلَى النَّصِيحَةِ الشَّرْعِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ، فَالنَّاصِحُ فِي عِبَادَةٍ مُسْتَمِرَّةٍ إِنْ قَامَ أَوْ قَعَدَ، أَوْ عَمِلَ، أَوْ تَرَكَ الْعَمَلَ.

وَمِنَ الْفَوَائِدِ الْعَظِيمَةِ: أَنَّ مَنْ عَجِزَ عَنِ الْعَمَلِ الدِّينِيِّ إِذَا كَانَ نَاصِحًا للهِ وَلِرَسُولِهِ، نَاوِيًا الْخَيْرَ إِذَا تَيَسَّرَ لَهُ؛ فَإِنَّهُ لَا حَرَجَ عَلَيْهِ، وَيُشَارِكُ الْعَامِلِينَ فِي عَمَلِهِمْ، فَـ((إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ)).

وَمِنْهَا: أَنَّ اللهَ يُيَسِّرُ لِلنَّاصِحِ الصَّادِقِ أُمُورًا لَا تَخْطُرُ لَهُ عَلَى بَالٍ، وَأَنَّ السَّاعِيَ فِي نَفْعِ الْمُسْلِمِينَ إِذَا كَانَ قَصْدُهُ النَّصِيحَةَ؛ فَإِنَّهُ يُفْلِحُ وَيَنْجَحُ، فَإِنْ تَمَّ مَا سَعَى لَهُ فِعْلًا -وَهُوَ الْغَالِبُ-؛ وَإِلَّا تَمَّ أَجْرُهُ، فَمَنْ عَجَزَ عَنْ بَعْضِ عَمَلٍ قَدْ شَرَعَ فِيهِ؛ تَمَّمَ لَهُ ذَلِكَ الْعَمَل؛ قَالَ تَعَالَى: {وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللهِ} [النساء: 100].

وَمِنْهَا: السَّلَامَةُ مِنَ الْغِشِّ؛ فَإِنَّ مَنْ غَشَّ الْمُسْلِمِينَ فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ؛ فَلَيْسَ مِنْهُمْ، وَالْغِشُّ مِنْ أَشْنَعِ الْخِصَالِ الْقَبِيحَةِ فِي حَقِّ الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ، وَالْمُخَالِفِ وَالْمُوَافِقِ.

فَهَذَا الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ يَدْعُو إِلَى هَذَا الْخُلُقِ الَّذِي هُوَ أَفْضَلُ الْأَخْلَاقِ، وَهُوَ النَّصِيحَةُ الَّتِي أُسِّسَ عَلَيْهَا دِينُ الْإِسْلَامِ، وَقَامَ عَلَيْهَا بُنْيَانُهُ، وَبَانَ بِهَا فَضْلُهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ؛ فَإِنَّ النُّصْحَ لِكُلِّ أَحَدٍ مَحْمُودٌ شَرْعًا وَعَقْلًا وَفِطْرَةً، وَضِدُّهُ قَبِيحٌ شَرْعًا وَعَقْلًا وَفِطْرَةً.

وَيُمْكِنُ أَنْ تَسْتَدِلَّ عَلَى النَّصِيحَةِ مِنْ كِتَابِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- بِسُورَةِ الْعَصْرِ: {وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ} [العصر: 3].

فَهَذِهِ هِيَ!

وَاعْلَمْ أَنَّ شَرْطَ النَّصِيحَةِ: الْإِخْلَاصُ، لَيْسَ شَرْطَ النَّصِيحَةِ الْقَبُولُ؛ بِمَعْنَى أَنَّ شَرْطَ النَّصِيحَةِ: أَنْ تُخْلِصَ لِلْمَنْصُوحِ، وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ النَّصِيحَةِ أَنْ يَقْبَلَ مِنْكَ الْمَنْصُوحُ؛ وَلَكِنْ أَدِّ مَا عَلَيْكَ وَلَا عَلَيْكَ؛ لِأَنَّ أَقْوَامًا يَخْلِطُونَ بَيْنَ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ؛ بَيْنَ الْإِخْلَاصِ وَالْقَبُولِ، فَيَنْصَحُ عَلَى شَرْطِ الْقَبُولِ، فَإِذَا لَمْ يَقْبَلِ الْمَنْصُوحُ؛ غَضِبَ، وَإِنَّمَا يَغْضَبُ لِنَفْسِهِ!!


((الصِّدْقُ فِي الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ وَجَمِيعِ الْأَحْوَالِ))

لَقَدْ أَمَرَ اللهُ بِالصِّدْقِ، وَمَدَحَ الصَّادِقِينَ، وَأَخْبَرَ أَنَّ الصِّدْقَ يَنْفَعُ أَهْلَهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَأَنَّ لَهُمُ الْمَغْفِرَةَ وَالْأَجْرَ الْعَظِيمَ.

قَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} [التوبة: 119].

وَقَالَ: {وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} [الزمر: 33].

وَقَالَ: {فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ} [محمد: 21].

وَقَالَ: {هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ} [المائدة: 119].

وَالْآيَاتُ فِي مَدْحِ الصِّدْقِ كَثِيرَةٌ جِدًّا.

الْكَذِبُ لَيْسَ مِنَ الْمُرُوءَةِ، الرَّجُلُ إِذَا كَانَ رَجُلًا؛ لَا يَكْذِبُ وَلَوْ كَانَ كَافِرًا، تَذْكُرُونَ قِصَّةَ أَبِي سُفْيَانَ مَعَ هِرَقْلَ.. لِأَنَّهُ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَسْتَنْطِقَهُ -وَكَانَ هِرَقْلُ حَكِيمًا-، لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَسْتَنْطِقَ أَبَا سُفْيَانَ، وَقَدْ عَلِمَ أَنَّهُ مِمَّنْ يُعَادِي وَيُعَانِدُ رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَأَتَى بِهِ فَقَدَّمَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَجَعَلَ مَنْ كَانَ مَعَهُ فِي تِلْكَ السَّفْرَةِ مِنْ وَرَائِهِ -أَيْ: مِنْ وَرَاءِ أَبِي سُفْيَانَ-، يَرَاهُمْ هِرَقْلُ وَيَرَوْنَهُ، وَلَا يَرَاهُمْ أَبُو سُفْيَانَ، ثُمَّ قَالَ لِلْمُتَرْجِمِ: ((قُلْ لَهُمْ إِنِّي سَائِلُهُ عَنْ أُمُورٍ، فَإِنْ كَذَبَنِي فَأَشِيرُوا إِلَيَّ)).. لِأَنَّهُمْ لَوْ كَانُوا تَحْتَ عَيْنَيْهِ؛ لَرُبَّمَا هَابُوهُ أَوِ اسْتَحْيَوْا مِنْهُ، فَلَوْ كَذَبَ مَرَّرُوا كَذِبَهُ؛ وَلَكِنْ إِذَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ؛ فَمَا أَيْسَرَ أَنْ يُشِيرَ الْوَاحِدُ مِنْهُمْ وَلَوْ بِرَأْسِهِ.. وَلَوْ بِإِيمَاءَةٍ خَفِيفَةٍ.

فَلَمَّا سُئِلَ؛ لَمْ يَأْتِ إِلَّا بِالصِّدْقِ، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَزِيدَ شَيْئًا قَالَ: ((وَنَحْنُ مَعَهُ فِي مُوَادَعَةٍ، فَلَا نَدْرِ مَا وَقَعَ مِنْهُ)).

قَالَ: ((وَاللهِ! مَا اسْتَطَعْتُ أَنْ أَزِيدَ إِلَّا هَذِهِ، وَلَوْ لَا خَوْفَ أَنْ يُؤْثَرَ عَنِّي كَذِبَةٌ لَفَعَلْتُ!!)).

وَهُوَ كَافِرٌ لَمْ يَكُنْ قَدْ أَسْلَمَ بَعْدُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-.

وَلَكِنْ يُقَالُ: الرَّجُلُ يَكْذِبُ؟!! هُنَاكَ رَجُلٌ يَكْذِبُ؟!!

الرَّجُلُ لَا يَكْذِبُ، لَا أَقُولُ: الْمُسْلِمُ، الرَّجُلُ لَا يَكْذِبُ!!

الصِّدْقُ يَهْدِي إِلَى كُلِّ بِرٍّ وَخَيْرٍ، كَمَا أَنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى كُلِّ شَرٍّ وَفُجُورٍ.

وَالصَّادِقُ حَبِيبٌ إِلَى اللهِ، حَبِيبٌ إِلَى عِبَادِ اللهِ، مُعْتَبَرٌ فِي شَرَفِ دِينِهِ وَدُنْيَاهُ؛ بَلْ عُنْوَانُ الشَّرَفِ وَالِاعْتِبَارِ وَعُلُوِّ الْمَنْزِلَةِ: الصِّدْقُ.

وَلِذَلِكَ كَانَ وَصْفَ رَسُولِ اللهِ قَبْلَ أَنْ يُنَبَّأَ قَبْلَ الرِّسَالَةِ، كَانَ نَعْتُهُ الصَّادِقَ الْأَمِينَ ﷺ.

قَالُوا: ((مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ كَذِبًا قَطُّ)).

قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَامٍ: ((فَلَمَّا نَظَرْتُ فِي وَجْهِهِ؛ عَرَفْتُ أَنَّ وَجْهَهُ لَيْسَ بِوَجْهِ كَذَّابٍ)).

وَلِلصِّدْقِ فَوَائِدُ عَظِيمَةٌ؛ مِنْهَا: امْتِثَالُ أَمْرِ اللهِ، وَحُصُولُ الْأَجْرِ وَالثَّوَابِ الْعَظِيمِ وَالْمَغْفِرَةِ، وَأَنَّ الصَّادِقَ يَنْتَفِعُ بِصِدْقِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَأَنَّهُ يَدْعُو إِلَى الْبِرِّ، وَالْبِرُّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَلَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ صِدِّيقًا فِي أَعْلَى الدَّرَجَاتِ وَأَرْفَعِ الْمَقَامَاتِ.

وَمَنْ عُرِفَ تَحَرِّيهِ لِلصِّدْقِ؛ ارْتَفَعَ مَقَامُهُ عِنْدَ الْخَلْقِ، كَمَا كَانَ مُرْتَفِعًا عِنْدَ الْخَالِقِ، وَاطْمَأَنَّ النَّاسُ لِأَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ، وَصَارَ لَهُ مَرْتَبَةٌ عَالِيَةٌ فِي الشَّرَفِ، وَحُسْنِ الِاعْتِبَارِ، وَالثَّنَاءِ الْجَمِيلِ، وَأَمِنَ النَّاسُ مِنْ بَوَائِقِهِ وَمَكْرِهِ وَغَدْرِهِ.

فَفِي جَمِيعِ الْمَقَامَاتِ الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ لَا تَجِدُ الصَّادِقَ إِلَّا فِي الذِّرْوَةِ الْعُلْيَا، إِنْ كَانَ فِي مَقَامِ الْإِفْتَاءِ وَالتَّعْلِيمِ وَالْإِرْشَادِ؛ لَمْ يَعْدِلِ النَّاسُ بِقَوْلِهِ لِقَوْلِ أَحَدٍ، وَاطْمَأَنُّوا إِلَى إِرْشَادَاتِهِ وَتَعْلِيمِهِ وَتَفْهِيمِهِ، لِأَنَّهُ مُؤَسَّسٌ عَلَى الصِّدْقِ، وَإِنْ شَهِدَ شَهَادَةً عَامَّةً أَوْ شَهَادَةً خَاصَّةً؛ ثَبَتَتِ الْأَحْكَامُ بِشَهَادَتِهِ، وَإِنْ أَخْبَرَ بِخَبَرٍ خَاصٍّ أَوْ عَامٍّ؛ وَثِقَ النَّاسُ لِخَبَرِهِ، وَعَظَّمُوهُ وَاحْتَرَمُوهُ؛ حَتَّى لَوْ أَخْطَأَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ لَوَجَدُوا لَهُ مَحْمَلًا صَالِحًا، وَإِنْ عَامَلَ النَّاسَ مُعَامَلَةً دُنْيَوِيَّةً بِبَيْعٍ، أَوْ شِرَاءٍ، أَوْ إِجَارَةٍ، أَوْ تِجَارَةٍ، أَوْ حَقٍّ مِنَ الْحُقُوقِ الْكَبِيرَةِ وَالصَّغِيرَةِ؛ تَسَابَقَ النَّاسُ إِلَى مُعَامَلَتِهِ، وَاطْمَأَنُّوا لِذَلِكَ غَيْرَ مُرْتَابِينَ.

وَحَسْبُكَ بِهَذَا الْخُلُقِ الَّذِي يَخْضَعُ لِحُسْنِهِ وَكَمَالِهِ أَلِبَّاءُ الرِّجَالِ، وَيَعْتَرِفُ بِكَمَالِهِ أَهْلُ الْفَضْلِ وَالْكَمَالِ، فَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْبَرَاهِينِ عَلَى صِدْقِ الرَّسُولِ، وَكَمَالِ مَا جَاءَ بِهِ مِنْ هَذَا الدِّينِ الْقَيِّمِ الَّذِي هَذَا الْخُلُقُ الْعَظِيمُ مِنْ أَخْلَاقِهِ، وَكُلُّ أَخْلَاقِهِ عَلَى هَذَا النَّمَطِ، وَاللهُ -تَعَالَى- أَعْلَمُ.

((الشَّجَاعَةُ))

الشَّجَاعَةُ خُلُقٌ عَظِيمٌ قَدْ أَمَرَ اللهُ بِهِ فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ، وَهِيَ آيَاتُ الْجِهَادِ كُلُّهَا، وَأَثْنَى عَلَى أَهْلِهِ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُ طَرِيقُ الرُّسُلِ وَسَادَاتِ الْخَلْقِ، وَنَهَى عَنْ ضِدِّهِ، وَهُوَ الْجُبْنُ، وَالْفَشَلُ، وَالْخَوْفُ مِنَ الْخَلْقِ فِي سَبِيلِ جِهَادِ الدَّعْوَةِ، وَفِي سَبِيلِ جِهَادِ السِّلَاحِ.

وَهَذَا الْخُلُقُ الْجَلِيلُ -يَعْنِي: الشَّجَاعَةَ- قَدْ يَكُونُ غَرِيزَةً مَعَ الْعَبْدِ، وَيَتَقَوَّى بِمُوجِبَاتِ الْإِيمَانِ، وَقَدْ يَحْتَاجُ الْعَبْدُ إِلَى التَّمَرُّنِ عَلَيْهِ، وَسُلُوكِ الطُّرُقِ الْمُعِينَةِ عَلَى ذَلِكَ.

فَالشَّجَاعَةُ قُوَّةُ الْقَلْبِ وَثَبَاتُهُ، وَطُمَأْنِينَتُهُ فِي الْمَقَامَاتِ الْمُهِمَّةِ، وَالْأَحْوَالِ الْحَرِجَةِ، وَكُلٌّ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ؛ وَخُصُوصًا الرُّؤَسَاءُ الَّذِينَ تُنَاطُ بِهِمُ الْمُهِمَّاتُ وَالْأُمُورُ، فَحَاجَتُهُمْ إِلَى هَذَا الْخُلُقِ -خُلُقِ الشَّجَاعَةِ- ضَرُورِيَّةٌ.

وَقَدْ دَعَا الْقُرْآنُ إِلَيْهِ، وَدَعَا إِلَى كُلِّ وَسِيلَةٍ تُعِينُ عَلَيْهِ، فَأَمَرَ بِخَوْفِهِ وَحْدَهُ، وَأَلَّا يَخْشَى الْعَبْدُ الْخَلْقَ، فَمَتَى قَصَرَ الْعَبْدُ خَوْفَهُ عَلَى اللهِ وَحْدَهُ، وَعَلِمَ أَنَّ الْخَلْقَ لَنْ يَقْدِرُوا عَلَى نَفْعِهِ وَلَا ضَرِّهِ إِلَّا بِمَشِيئَةِ اللهِ؛ قَوِيَ قَلْبُهُ، ثُمَّ إِذَا تَوَكَّلَ عَلَى اللهِ، وَقَوَّى اعْتِمَادَهُ عَلَيْهِ؛ ازْدَادَتْ قُوَّةُ قَلْبِهِ، كَمَا قَالَ -تَعَالَى- عَنْ خِيَارِ الْخَلْقِ: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} [آل عمران: 173].

ثُمَّ إِذَا عَلِمَ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الْقُوَّةِ فِي الدِّينِ وَالشَّجَاعَةِ مِنَ الْأَجْرِ وَالثَّوَابِ؛ ازْدَادَتْ قُوَّتُهُ، وَتَضَاعَفَتْ شَجَاعَتُهُ، كَمَا نَبَّهَ اللهُ عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ بِقَوْلِهِ: {إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ} [النساء: 104].

وَكُلَّمَا تَأَمَّلَ الْخَلْقَ، وَعَرَفَ أَحْوَالَهُمْ وَصِفَاتِهِمْ، وَأَنَّهُمْ لَيْسَ عِنْدَهُمْ شَيْءٌ مِنَ النَّفْعِ، وَلَا مِنَ النُّصْرَةِ وَالدَّفْعِ، وَأَنَّ مَدْحَهُمْ لَا يُغْنِي عَنِ الْعَبْدِ شَيْئًا، وَذَمَّهُمْ لَا يَضُرُّهُ شَيْئًا، وَأَنَّهُمْ مَعَ ذَلِكَ لَا يُرِيدُونَ لَكَ الْخَيْرَ إِلَّا لِمَصَالِحِهِمْ؛ عَرَفَ أَنَّ تَعْلِيقَ الْقَلْبِ بِهِمْ -خَوْفًا وَهَيْبَةً وَخَشْيَةً، وَرَغَبًا وَرَهَبًا- ضَائِعٌ؛ بَلْ ضَارٌّ، وَأَنَّهُ يَتَعَيَّنُ عَلَى الْعَبْدِ أَنْ يُعَلِّقَ خَوْفَهَ وَرَجَاءَهُ وَطَمَعَهُ وَخَشْيَتَهُ بِاللهِ وَحْدَهُ، الَّذِي عِنْدَهُ كُلُّ شَيْءٍ، وَهُوَ الَّذِي يُرِيدُ لَكَ الْخَيْرَ مِنْ حَيْثُ لَا تُرِيدُهُ لِنَفْسِكَ، وَيَعْلَمُ مِنْ مَصَالِحِكَ مَا لَا تَعْلَمُ، وَيُوصِلُ إِلَيْكَ مِنْهَا مَا لَا تَقْدِرُ عَلَيْهِ وَلَا تُرِيدُهُ.

وَمِنْ دَوَاعِي الشَّجَاعَةِ: أَنْ يَعْرِفَ الْعَبْدُ أَنَّ الْجُبْنَ مَرَضٌ وَضَعْفٌ فِي الْقَلْبِ، يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ التَّقَاعُدُ عَنِ الْمَصَالِحِ، وَتَفْوِيتُ الْمَنَافِعِ، وَيُسَلَّطُ عَلَيْهِ الضُّعَفَاءُ، وَيَتَشَبَّهُ صَاحِبُهُ بِالْخَفِرَاتِ مِنَ النِّسَاءِ.

وَمِنْ فَوَائِدِ الشَّجَاعَةِ: امْتِثَالُ أَمْرِ اللهِ وَأَمْرِ رَسُولِهِ، وَالِاتِّصَافُ بِأَوْصَافِ أَهْلِ الْبَصَائِرِ مِنْ أُولِي الْأَلْبَابِ.

وَمِنْ فَوَائِدِ ذَلِكَ: أَنَّهُ بِحَسَبِ قُوَّةِ الْقَلْبِ يُنْزِلُ اللهُ عَلَيْهِ مِنَ الْمَعُونَةِ وَالسَّكِينَةِ مَا يَكُونُ أَكْبَرَ وَسِيلَةٍ لِإِدْرَاكِ الْمَطَالِبِ، وَالنَّجَاةِ مِنَ الْمَصَاعِبِ وَالْمَتَاعِبِ.

وَمِنْ فَوَائِدِهِ: أَنَّهُ يَتَمَكَّنُ صَاحِبُهُ مِنْ إِرْشَادِ الْخَلْقِ وَنَفْعِهِمْ -عَلَى اخْتِلَافِ طَبَقَاتِهِمْ- بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ، وَأَمَّا الْجَبَانُ؛ فَإِنَّهُ يَفُوتُهُ خَيْرٌ كَثِيرٌ، وَتَمْنَعُهُ الْهَيْبَةُ مِنْ بَرَكَةِ عِلْمِهِ، وَإِرْشَادِهِ وَنُصْحِهِ لِلْعِبَادِ.

وَمِنْ فَوَائِدِ الشَّجَاعَةِ: أَنَّ الشَّجَاعَةَ تُنْجِي الْعَبْدَ مِنْ كَثِيرٍ مِنَ الشَّدَائِدِ، وَتُوجِبُ لَهُ السَّكِينَةَ إِذَا مَرَّتِ النَّوَائِبُ وَالْمَصَائِبُ، فَيُقَابِلُهَا بِمَا يُحِبُّهُ اللهُ مِنَ الصَّبْرِ وَالثَّبَاتِ وَاحْتِسَابِ الْأَجْرِ.

وَأَمَّا الْجَبَانُ؛ فَإِنَّهُ إِذَا اعْتَرَتْهُ هَذِهِ الْأُمُورُ؛ انْمَاعَ وَذَهَلَ عَنْ مَصَالِحِهِ، وَتَنَوَّعَتْ بِهِ الْأَفْكَارُ الضَّارَّةُ، فَعَمِلَتْ مَعَهُ الْمَصَائِبُ وَالشَّدَائِدُ عَمَلَهَا الْأَلِيمَ، وَفَوَّتَتْهُ الْخَيْرَاتِ وَالثَّوَابَ الْجَسِيمَ.

وَيَنْبَغِي لَنَا أَنْ نُفَرِّقَ بَيْنَ مَا يَكُونُ جُبْنًا، وَمَا يَكُونُ حَيَاءً؛ ((فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ أَشَدَّ حَيَاءً مِنَ الْعَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا))، وَكَانَ ﷺ يُرَغِّبُ فِي هَذَا الْخُلُقِ؛ حَتَّى ذَكَرَ أَنَّ الْحَيَاءَ هُوَ خُلُقُ الْإِسْلَامِ، ((فَلِكُلِّ دِينٍ خُلُقٌ، وَخُلُقُ الْإِسْلَامِ الْحَيَاءُ)).

وَذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ الْحَيَاءَ شُعْبَةٌ مِنْ شُعَبِ الْإِيمَانِ؛ بَلْ ذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ الْحَيَاءَ مُفْرِدًا إِيَّاهُ لَمَّا ذَكَرَ تَعْدَادَ شُعَبِ الْإِيمَانِ مُجْمَلَةً، ((الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ أَوْ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً، أَعْلَاهَا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَدْنَاهَا: إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ)).

وَلَمَّا رَأَى النَّبِيُّ ﷺ بَعْضَ أَصْحَابِهِ يَعِظُ أَخَاهُ فِي الْحَيَاءِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: إِنَّ الْحَيَاءَ يَقْعُدُ بِكَ عَنْ تَحْصِيلِ كَثِيرٍ مِنْ فَوَائِدِكَ وَأُمُورِكَ، فَكَأَنَّهُ كَانَ يَنْصَحُهُ فِي ذَلِكَ وَيَعِظُهُ بِهِ، فَقَالَ الرَّسُولُ ﷺ: ((دَعْهُ؛ فَإِنَّ الْحَيَاءَ مِنَ الْإِيمَانِ))، ((الْحَيَاءُ لَا يَأْتِي إِلَّا بِخَيْرٍ)).

فَبَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ هَذَا الْخُلُقَ الْعَظِيمَ -وَهُوَ خُلُقُ الْحَيَاءِ- لَا يَأْتِي إِلَّا بِخَيْرٍ، فَفَرْقٌ كَبِيرٌ بَيْنَ الْخَوَرِ وَالضَّعْفِ وَالْعَجْزِ مِنْ جَانِبٍ، وَالْحَيَاءِ الْمَحْمُودِ مِنْ جَانِبٍ آخَرَ.

وَهَذَا الْخُلُقُ الْحَمِيدُ -يَعْنِي: خُلُقَ الشَّجَاعَةِ- مِنْ جُمْلَةِ الْأَخْلَاقِ الْفَاضِلَةِ الَّتِي تَتَوَلَّدُ مِنْ هَذَا الْخُلُقِ الْجَامِعِ، وَهُوَ: الصَّبْرُ.

((الصَّبْرُ))

الصَّبْرُ هُوَ الْأَسَاسُ الْأَكْبَرُ لِكُلِّ خُلُقٍ جَمِيلٍ، وَالتَّنَزُّهِ عَنْ كُلِّ خُلُقٍ رَذِيلٍ، وَهُوَ: حَبْسُ النَّفْسِ عَلَى مَا تَكْرَهُ، وَعَلَى خِلَافِ مُرَادِهَا؛ طَلَبًا لِرِضَا اللهِ وَثَوَابِهِ، وَيَدْخُلُ فِيهِ الصَّبْرُ عَلَى طَاعَةِ اللهِ، وَعَنْ مَعْصِيَتِهِ، وَعَلَى أَقْدَارِ اللهِ الْمُؤْلِمَةِ، فَلَا تَتِمُّ هَذِهِ الْأُمُورُ الثَّلَاثَةُ الَّتِي تَجْمَعُ الدِّينَ كُلَّهُ إِلَّا بِالصَّبْرِ.

فَالطَّاعَاتُ -خَصُوصًا الطَّاعَاتُ الشَّاقَّةُ؛ كَالْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَالْعِبَادَاتِ الْمُسْتَمِرَّةِ؛ كَطَلَبِ الْعِلْمِ، وَالْمُدَاوَمَةِ عَلَى الْأَقْوَالِ النَّافِعَةِ وَالْأَفْعَالِ النَّافِعَةِ- لَا تَتِمُّ إِلَّا بِالصَّبْرِ عَلَيْهَا، وَتَمْرِينِ النَّفْسِ عَلَى الِاسْتِمْرَارِ عَلَيْهَا، وَمُلَازَمَتِهَا وَمُرَابَطَتِهَا، وَإِذَا ضَعُفَ الصَّبْرُ؛ ضَعُفَتْ هَذِهِ الْأَفْعَالُ، وَرُبَّمَا انْقَطَعَتْ.

وَكَذَلِكَ كَفُّ النَّفْسِ عَنِ الْمَعَاصِي؛ وَخُصُوصًا الْمَعَاصِي الَّتِي فِي النَّفْسِ دَاعٍ قَوِيٌّ إِلَيْهَا؛ لَا يَتِمُّ التَّرْكُ إِلَّا بِالصَّبْرِ وَالْمُصَابَرَةِ عَلَى مُخَالَفَةِ الْهَوَى، وَتَحَمُّلِ مَرَارَتِهِ.

وَكَذَلِكَ الْمَصَائِبُ حِينَ تَنْزِلُ بِالْعَبْدِ، وَيُرِيدُ أَنْ يُقَابِلَهَا بِالرِّضَا وَالشُّكْرِ وَالْحَمْدِ للهِ عَلَى ذَلِكَ؛ لَا يَتِمُّ ذَلِكَ إِلَّا بِالصَّبْرِ وَاحْتِسَابِ الْأَجْرِ، وَمَتَى مَرَّنَ الْعَبْدُ نَفْسَهُ عَلَى الصَّبْرِ، وَوَطَّنَهَا عَلَى تَحَمُّلِ الْمَشَاقِّ وَالْمَصَاعِبِ، وَجَدَّ وَاجْتَهَدَ فِي تَكْمِيلِ ذَلِكَ؛ صَارَتْ عَاقِبَتُهُ الْفَلَاحَ وَالنَّجَاحَ.

وَقَلَّ مَنْ جَدَّ فِي أَمْرٍ تَطَلَّبَهُ=وَاسْتَصْحَبَ الصَّبْرَ إِلَّا فَازَ بِالظَّفَرِ

وَهَذَا الْأَمْرُ لَوْ أَنَّ الْإِنْسَانَ نَظَرَ إِلَيْهِ نَظْرَةً عَاقِلَةً؛ لَعَلِمَ أَنَّ الْعَوَاقِبَ الْجَمِيلَةَ تَحْفِزُ الْإِنْسَانَ عَلَى الْوُصُولِ إِلَيْهَا، مُتَحَمِّلًا لِلْمَشَاقِّ الَّتِي تَكُونُ دُونَهَا.

فَقُلْتُ لَهَا يَا عَزُّ كُلُّ مُصِيبَةٍ إِذَا=وُطِّنَتْ يَوْمًا لَهَا النَّفْسُ ذَلَّتِ

وَكُنْتُ كَذِي رِجْلَيْنِ رِجْلٍ سَلِيمَةٍ=وَرِجْلٍ رَمَى فِيهَا الزَّمَانُ فَشَلَّتِ

وَكُنْتُ كَذَاتِ الظَّلْعِ لَمَّا تَحَامَلَتْ=عَلَى ظَلْعِهَا بَعْدَ الْعِثَارِ اسْتَقَلَّتِ

وَقَدْ أَمَرَ اللهُ بِالصَّبْرِ، وَأَثْنَى عَلَى الصَّابِرِينَ، وَأَخْبَرَ أَنَّ لَهُمُ الْمَنَازِلَ الْعَالِيَةَ وَالْكَرَامَاتِ الْغَالِيَةَ فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُمْ يُوَفَّوْنَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ.

وَحَسْبُكَ مِنْ خُلُقٍ يُسَهِّلُ عَلَى الْعَبْدِ مَشَقَّةَ الطَّاعَاتِ، وَيُهَوِّنُ عَلَيْهِ تَرْكَ مَا تَهْوَاهُ النُّفُوسُ مِنَ الْمُخَالَفَاتِ، وَيُسَلِّيهِ عَنِ الْمُصِيبَاتِ، وَيَمُدُّ الْأَخْلَاقَ الْجَمِيلَةَ كُلَّهَا، وَيَكُونُ لَهَا كَالْأَسَاسِ لِلْبُنْيَانِ.

وَمَتَى عَلِمَ الْعَبْدُ مَا فِي الطَّاعَاتِ مِنَ الْخَيْرَاتِ الْعَاجِلَةِ وَالْآجِلَةِ، وَمَا فِي الْمَعَاصِي مِنَ الْأَضْرَارِ الْعَاجِلَةِ وَالْآجِلَةِ، وَمَا فِي الصَّبْرِ عَلَى الْمَصَائِبِ مِنَ الثَّوَابِ الْجَزِيلِ، وَالْأَجْرِ الْجَمِيلِ؛ سَهُلَ الصَّبْرُ عَلَى النَّفْسِ، وَرُبَّمَا أَتَتْ بِهِ مُنْقَادَةً مُسْتَحْلِيَةً لِثَمَرَاتِهِ.

وَإِذَا كَانَ أَهْلُ الدُّنْيَا يَهُونُ عَلَيْهِمُ الصَّبْرُ عَلَى الْمَشَقَّاتِ الْعَظِيمَةِ لِتَحْصِيلِ حُطَامِهَا؛ فَكَيْفَ لَا يَهُونُ عَلَى الْمُؤْمِنِ الْمُوَفَّقِ الصَّبْرُ عَلَى مَا يُحِبُّهُ اللهُ لِحُصُولِ ثَمَرَاتِهِ؟!!

وَمَتَى صَبَرَ الْعَبْدُ للهِ مُخْلِصًا فِي صَبْرِهِ؛ كَانَ اللهُ مَعَهُ، فَإِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ بِالْعَوْنِ، وَالتَّوْفِيقِ، وَالتَّأْيِيدِ، وَالتَّسْدِيدِ.

((الْعِلْمُ))

لَقَدْ أَمَرَ اللهُ بِتَعَلُّمِ جَمِيعِ الْعُلُومِ النَّافِعَةِ؛ لَاسِيَّمَا عِلْمُ مَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ، الَّذِي يَجْمَعُ كُلَّ عِلْمٍ نَافِعٍ، وَأَمَرَ بِسُؤَالِ أَهْلِ الْعِلْمِ لِمَنْ لَمْ يَعْلَمْ.

وَأَخْبَرَ بِرِفْعَتِهِمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَأَنَّهُمْ سَادَاتُ الْخَلْقِ فِي دُنْيَاهُمْ وَأُخْرَاهُمْ، وَأَئِمَّتُهُمُ الَّذِينَ بِهِمْ يَقْتَدُونَ، وَعَلَى آثَارِهِمْ يَهْتَدُونَ، وَعَلَى طَرِيقَتِهِمِ يَسْلُكُونَ.

فَالْعِلْمُ يَقْصُرُ التَّعْبِيرُ عَنْ كُنْهِ فَضْلِهِ، وَعُلُوِّ مَرْتَبَتِهِ، وَيَكْفِي فِي هَذَا أَنَّ جَمِيعَ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ وَالْإِرَادَاتِ مُتَوَقِّفَةٌ فِي صِحَّتِهَا وَفَسَادِهَا، وَكَمَالِهَا وَنَقْصِهَا، وَفِي جَمِيعِ صِفَاتِهَا عَلَى الْعِلْمِ، مَا حَكَمَ بِهِ الْعِلْمُ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ كَمَا قَالَ، وَإِنَّ الْعِلْمَ نُورٌ لِلصُّدُورِ وَحَيَاةٌ لِلْقُلُوبِ، بِهِ يُعْرَفُ اللهُ، وَبِهِ يُعْبَدُ، وَبِهِ يُعْرَفُ الْحَلَالُ مِنَ الْحَرَامِ، وَالطَّيِّبُ مِنَ الْخَبِيثِ، وَبِهِ يُمَيَّزُ بَيْنَ الْأَبْرَارِ وَالْفُجَّارِ، وَأَهْلِ الْجَنَّةِ وَأَهْلِ النَّارِ.

وَالْعِلْمُ يُقَوِّمُ مَا اعْوَجَّ مِنَ الصِّفَاتِ، وَيُكْمِلُ مَا نَقُصَ مِنَ الْكَمَالَاتِ، وَيَسُدُّ الْخَلَلَ، وَيُصْلِحُ الْعَمَلَ، وَبِهِ صَلَاحُ الدِّينِ وَالدُّنْيَا، وَبِضِدِّهِ فَسَادُ ذَلِكَ وَنَقْصُهُ.

الْعِلْمُ مِيرَاثُ الرَّسُولِ، ((وَالْعُلَمَاءُ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ؛ فَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا إِلَّا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَ بِهِ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ))، وَلَوْ لَا الْعِلْمُ لَكَانَ النَّاسُ كَالْبَهَائِمِ، وَالْحَاجَةُ إِلَى الْعِلْمِ أَعْظَمُ مِنَ الْحَاجَةِ إِلَى الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ.

وَلَكِنَّ النَّاسَ فِي غَفْلَةٍ عَنْ هَذَا الْأَمْرِ الْكَبِيرِ، فَلَيْسُوا فِيهِ يَتَنَافَسُونَ، وَلَا عَلَيْهِ يُقْبِلُونَ؛ لِأَنَّهُ غَايَةٌ تَنْقَطِعُ دُونَهَا الْأَعْنَاقُ، وَلِأَنَّهُ يُبْذَلُ فِي سَبِيلِهِ كُلُّ غَالٍ وَنَفِيسٍ!!

الْعُلُومُ النَّافِعَةُ هِيَ الْعُلُومُ الشَّرْعِيَّةُ، وَمَا أَعَانَ عَلَيْهَا مِنْ عُلُومِ الْعَرَبِيَّةِ بِأَنْوَاعِهَا،

وَمِنَ الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ: تَعَلُّمُ الْفُنُونِ الْمُعِينَةِ عَلَى الدِّينِ، وَعَلَى قُوَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَعَلَى الِاسْتِعْدَادِ لِلْأَعْدَاءِ؛ لِلْمُقَاوَمَةِ وَالْمُدَافَعَةِ؛ فَإِنَّهَا دَاخِلَةٌ فِي الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ، فَكُلُّ أَمْرٍ أَمَرَ بِهِ الشَّارِعُ وَهُوَ يَتَوَقَّفُ عَلَى أُمُورٍ؛ كَانَتْ مَأْمُورًا بِهَا.

فَمَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ.

((التَّوَسُّطُ فِي كُلِّ الْأُمُورِ وَالِاعْتِدَالُ وَالِاقْتِصَادُ))

التَّوَسُّطُ فِي كُلِّ الْأُمُورِ وَالِاعْتِدَالُ وَالِاقْتِصَادُ خُلُقٌ مِنَ الْخُلُقِ الْجَمِيلِ النَّبِيلِ.

هَذَا الْخُلُقُ الْجَلِيلُ قَدْ دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ عَامَّةٍ وَخَاصَّةٍ:

فَمِنَ الْعَامَّةِ: الْأَمْرُ بِالْعَدْلِ وَالْقِسْطِ فِي عِدَّةِ آيَاتٍ، وَالْإِخْبَارُ بِأَنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ وَسَطٌ، وَذَلِكَ فِي كُلِّ أُمُورِهَا، فَهُمْ وَسَطٌ فِي الْإِيمَانِ بِالْأَنْبِيَاءِ وَالْقِيَامِ بِحُقُوقِهِمْ بَيْنَ مَنْ غَلَوْا فِيهِمْ؛ حَتَّى جَعَلُوا لَهُمْ أَوْ لِبَعْضِهِمْ مِنْ حُقُوقِ اللهِ الْخَاصَّةِ مَا جَعَلُوهُ مِنَ الْغُلُوِّ فِيهِمْ، وَالْعِبَادَةِ لَهُمْ، وَبَيْنَ مَنْ جَفَوْهُمْ، فَكَفَرُوا بِبَعْضِهِمْ، أَوْ لَمْ يَقُومُوا بِحَقِّهِمْ.

وَهَذِهِ الْأُمَّةُ -وَللهِ الْحَمْدُ- آمَنَتْ بِكُلِّ رَسُولٍ أَرْسَلَهُ اللهُ، وَاعْتَرَفَتْ بِجَمِيعِ مَا فَضَّلَهُمُ اللهُ بِهِ، وَخَصَّهُمْ بِهِ مِنَ الْمَزَايَا وَالْخَصَائِصِ الَّتِي جَعَلَتْهُمْ أَرْفَعَ الْخَلْقِ فِي كُلِّ صِفَةِ كَمَالٍ، وَلَمْ يَغْلُوا فِيهِمْ -أَيْ: فِي الْمُرْسَلِينَ-.

وَهَذِهِ الْأُمَّةُ وَسَط بَيْنَ مَنْ حَرَّمَ الطَّيِّبَاتِ؛ مِنَ الرُّهْبَانِ الْمُتَعَبِّدَةِ وَالْمُشْرِكِينَ، الَّذِينَ حَرَّمُوا مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ اتِّبَاعًا لِخُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ، وَبَيْنَ مَنِ اسْتَحَلَّ الْمُحَرَّمَاتِ وَالْخَبَائِثَ؛ بَلِ اتَّبَعُوا -يَعْنِي: هَذِهِ الْأُمَّةَ- النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ، وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ، وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ.

وَقَدْ أَمَرَ اللهُ بِالتَّوَسُّطِ وَالِاعْتِدَالِ فِي النَّفَقَاتِ فِي قَوْلِهِ: {وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا} [الإسراء: 26].

{وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا} [الإسراء: 29].

وَأَثْنَى عَلَى الْمُتَوَسِّطِينَ، فَقَالَ: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} [الفرقان: 67]، وَهَذَا يَشْمَلُ النَّفَقَةَ عَلَى النَّفْسِ، وَالْأَهْلِ، وَالْعِيَالِ، وَالْمَمَالِيكِ مِنَ الْآدَمِيِّينَ وَالْبَهَائِمِ فِي جَمِيعِ وُجُوهِ الْإِنْفَاقِ؛ فَإِنَّ هَذِهِ الْحَالَ فِيهَا اعْتِدَالُ خَلْقِ الْإِنْسَانِ وَكَمَالُ حِكْمَتِهِ؛ حَيْثُ قَامَ بِالْوَاجِبَاتِ وَبِمَا يَنْبَغِي، وَتَرَكَ مَا لَا يَنْبَغِي.

وَمِنْ فَوَائِدِ ذَلِكَ أَيْضًا: أَنَّ فِي الِاعْتِدَالِ سِرَّ بَرَكَةٍ، وَمَا عَالَ مَنِ اقْتَصَدَ، وَأَنَّهُ يَمْنَعُ الْعَبْدَ النَّدَمَ؛ فَإِنَّ الْمُسْرِفَ فِي الْإِنْفَاقِ إِذَا أَمْلَقَ وَاحْتَاجَ؛ لَعِبَتْ بِهِ الْحَسَرَاتُ، وَجَعَلَ يَقُولُ بِلِسَانِ مَقَالِهِ أَوْ لِسَانِ حَالِهِ: يَا لَيْتَنِي لَمْ أَفْعَلْ ذَلِكَ!

وَأَمَّا الْمُقْتَصِدُ؛ فَإِنَّهُ لَا يَنْدَمُ الْعَاقِلُ عَلَى نَفَقَةٍ وَضَعَهَا فِي مَحَلِّهَا، وَأَقَامَ بِهَا وَاجِبًا مِنَ الْوَاجِبَاتِ، أَوْ سَدَّ بِهَا حَاجَةً مِنَ الْحَاجَاتِ؛ فَإِنَّ الْمَالَ لَا يُقْصَدُ إِلَّا لِمِثْلِ هَذِهِ الْحَالَةِ.

وَأَيْضًا؛ فَإِنَّ الْمُسْرِفَ فِي النَّفَقَاتِ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مُتْرَفًا، مُعْتَادًا أُمُورًا إِذَا عَجَزَ عَنْهَا؛ شَقَّ عَلَيْهِ الْأَمْرُ مَشَقَّةً كَبِيرَةً، وَكَبُرَ عَلَيْهِ الصَّبْرُ، وَثَقُلَ عَلَيْهِ حَمْلُهُ، بِخِلَافِ الْمُعْتَدِلِ؛ فَإِنَّهُ سَالِمٌ مِنْ هَذِهِ الْحَالَةِ.

وَأَيْضًا؛ فَإِنَّ الِاعْتِدَالَ فِي النَّفَقَةِ أَحَدُ قِسْمَيِ الرُّشْدِ، فَالرُّشْدُ الَّذِي هُوَ مَعْرِفَةُ تَدْبِيرِ الدُّنْيَا: أَنْ يَعْرِفَ الطُّرُقَ الَّتِي يُحَصِّلُهَا فِيهَا، فَيَسْلُكُ النَّافِعَ مِنْهَا، ثُمَّ إِذَا حَصَلَتْ؛ عَرَفَ كَيْفَ يَصْرِفُهَا وَيَبْذُلُهَا، وَعَلِمَ التَّدْبِيرَ مِنَ الْعُلُومِ النَّافِعَةِ دِينًا وَدُنْيَا، وَشَرْعًا وَعَقْلًا.


((الْإِحْسَانُ وَالْعَفْوُ))

وَمِنَ الْأَخْلَاقِ الْمُسْتَنْبَطَةِ مِنَ الْقُرْآنِ: الْإِحْسَانُ وَالْعَفْوُ، فَـ((كَمْ فِي كِتَابِ اللهِ مِنَ الْحَثِّ عَلَى الْإِحْسَانِ إِلَى الْخَلْقِ، وَأَنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ، وَيَجْزِيهِمُ الْحُسْنَى عَلَى إِحْسَانِهِمْ، وَيَأْمُرُ بِالْعَفْوِ وَالصَّفْحِ عَنِ الزَّلَّاتِ وَالْإِسَاءَاتِ، وَأَنَّ ذَلِكَ مِنْ أَعْظَمِ الْحَسَنَاتِ.

فَالْإِحْسَانُ: هُوَ بَذْلُ الْمَعْرُوفِ الْقَوْلِيِّ وَالْفِعْلِيِّ وَالْمَالِيِّ إِلَى الْخَلْقِ، فَأَعْظَمُ الْإِحْسَانِ تَعْلِيمُ الْجَاهِلِينَ، وَإِرْشَادُ الضَّالِّينَ، وَالنَّصِيحَةُ لِجَمِيعِ الْعَالَمِينَ.

وَمِنَ الْإِحْسَانِ: إِعَانَةُ الْمُحْتَاجِينَ، وَإِغَاثَةُ الْمَلْهُوفِينَ، وَإِزَالَةُ ضَرَرِ الْمُضْطَرِّينَ، وَمُسَاعَدَةُ ذَوِي الْحَاجَاتِ عَلَى حَوَائِجِهِمْ، وَبَذْلُ الْجَاهِ وَالشَّفَاعَةِ لِلنَّاسِ فِي الْأُمُورِ الَّتِي تَنْفَعُهُمْ.

وَمِنَ الْإِحْسَانِ الْمَالِيِّ: جَمِيعُ الصَّدَقَاتِ الْمَالِيَّةِ؛ سَوَاءٌ كَانَتْ عَلَى الْمُحْتَاجِينَ، أَوْ عَلَى الْمَشَارِيعِ الدِّينِيَّةِ الْعَامُّ نَفْعُهَا.

وَمِنَ الْإِحْسَانِ: الْهَدَايَا وَالْهِبَاتُ لِلْأَغْنِيَاءِ وَالْفُقَرَاءِ؛ خُصُوصًا لِلْأَقَارِبِ وَالْجِيرَانِ، وَمَنْ لَهُمْ حَقٌّ عَلَى الْإِنْسَانِ؛ مِنْ صَاحِبٍ، وَمُعَامِلٍ، وَغَيْرِهِمْ.

وَمِنْ أَعْظَمِ أَنْوَاعِ الْإِحْسَانِ: الْعَفْوُ عَنِ الْمُخْطِئِينَ الْمُسِيئِينَ، وَالْإِغْضَاءُ عَنْ زَلَّاتِهِمْ، وَالْعَفْوُ عَنْ هَفَوَاتِهِمْ.

وَلِلْإِحْسَانِ بِوُجُوهِهِ كُلِّهَا فَوَائِدُ لَا تُحْصَى.

مِنْهَا: حُصُولُ مَحَبَّةِ اللهِ لِلْمُحْسِنِينَ الَّتِي هِيَ أَعْلَى مَا يَنَالُهُ الْعَبْدُ.

وَمِنْهَا: حُصُولُ الْجَزَاءِ الْكَامِلِ، قَالَ تَعَالَى: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى} [يونس: 26]، وَقَالَ: {هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ} [الرحمن: 60].

فَالْجَزَاءُ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ، فَكَمَا أَحْسَنُوا إِلَى عِبَادِ اللهِ؛ أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْهِمْ، وَأَعْطَاهُمْ أَفْضَلَ مَا يُعْطِي أَوْلِيَاءَهُ مِنَ الْجَزَاءِ الْأَوْفَى الْأَكْمَلِ.

وَمِنْهَا: أَنَّ هَذَا مِنْ أَكْبَرِ أَسْبَابِ مَحَبَّةِ الْخَلْقِ لِلْمُحْسِنِ؛ مَنْ وَصَلَ إِلَيْهِ إِحْسَانُهُ، وَمَنْ لَمْ يَصِلْ إِلَيْهِ، وَهَذَا مِنْ أَكْبَرِ أَسْبَابِ ثَنَائِهِمْ عَلَيْهِ، وَكَثْرَةِ أَدْعِيَتِهِمْ لَهُ، وَذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الْمُتَنَافَسِ فِيهَا.

وَمِنْهَا: أَنَّهُ يَسْتَفِيدُ بِذَلِكَ سُرُورَ الْقَلْبِ وَرَاحَتَهُ وَطُمَأْنِينَتَهُ؛ لَاسِيَّمَا إِحْسَانُ الْعَفْوِ؛ فَإِنَّهُ إِذَا عَفَا عَمَّنْ ظَلَمَهُ وَأَسَاءَ إِلَيْهِ؛ زَالَ أَثَرُ ذَلِكَ عَنْ قَلْبِهِ، وَعَلِمَ أَنَّهُ اكْتَسَبَ عَنْ ذَلِكَ مِنْ رَبِّهِ أَفْضَلَ جَزَاءٍ وَأَعْظَمَ ثَوَابٍ.

وَأَيْضًا: فَمَنْ عَفَا عَنْ عِبَادِ اللهِ؛ عَفَا اللهُ عَنْهُ، وَمَنْ سَامَحَهُمْ سَامَحَهُ اللهُ.

وَمِنْ أَفْضَلِ الْإِحْسَانِ الَّذِي يَتَمَكَّنُ بِهِ الْمُوَفَّقُ مِنْ مُعَامَلَةِ النَّاسِ عَلَى اخْتِلَافِ طَبَقَاتِهِم: الْبَشَاشَةُ، وَحُسْنُ الْخُلُقِ مَعَهُمْ، وَمُعَاشَرَتُهُمْ بِاللُّطْفِ وَالْكَرَمِ، وَإِبْدَاءُ كُلِّ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْ إِدْخَالِ السُّرُورِ عَلَيْهِمْ؛ وَخُصُوصًا الْأَقَارِبُ، وَالْأَصْحَابُ، وَنَحْوُهُمْ مِمَّنْ يَتَأَكَّدُ حَقُّهُمْ عَلَى الْعَبْدِ، وَ((إِنَّ الْعَبْدَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ دَرَجَةَ الصَّائِمِ الْقَائِمِ)).


((حُسْنُ الْخُلُقِ))

حُسْنُ الْخُلُقِ هُوَ مَادَّةُ الْأَخْلَاقِ الْجَمِيلَةِ كُلِّهَا، وَقَدِ اتَّفَقَ الشَّرْعُ وَالْعَقْلُ عَلَى حُسْنِهِ، وَرِفْعَةِ قَدْرِهِ، وَعُلُوِّ مَرْتَبَتِهِ، وَمَدَارُهُ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} [الأعراف: 199]؛ أَيْ: خُذْ مَا تَيَسَّرَ وَعُفِيَ وَتَسَهَّلَ مِنْ أَخْلَاقِ النَّاسِ، وَلَا تُطَالِبْهُمْ بِمَا لَا تَقْتَضِيهِ طِبَاعُهُمْ، وَلَا تَسْمَحُ بِهِ أَخْلَاقُهُمْ، هَذَا فِيمَا يَأْتِيكَ مِنْهُمْ.

وَأَدُلُّكَ عَلَى طَرِيقَةٍ تُرِيحُكَ فِي مُعَامَلَةِ الْخَلْقِ: لَا تَنْتَظِرْ مِنْهُمْ إِحْسَانًا، تَوَقَّعْ دَائِمًا مِنَ الْخَلْقِ الْإِسَاءَةَ، فَإِذَا أَتَتِ الْإِسَاءَةُ فَقَدْ تَوَقَّعْتَهَا؛ وَحِينَئِذٍ فَلَنْ تُفَاجِئَكَ، وَإِذَا أَحْسَنُوا فَإِنَّكَ تَعْرِفُ لَهُمُ الْقَدْرَ الْكَبِيرَ حِينَئِذٍ، فَتَقُولُ: أَحْسَنُوا مِنْ حَيْثُ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُسِيئُوا؛ فَحِينَئِذٍ تَرْفَعُ مَقَامَهُمْ عِنْدَكَ، وَيَحْلَوْلُ الْمُرُّ مِنْهُمْ فِي حَلْقِكَ، وَاللهُ الْمُسْتَعَانُ.

أَمَّا إِذَا تَوَقَّعْتَ مِنْهُمُ الْإِحْسَانَ، فَجَاءَتِ الْإِسَاءَةُ؛ فَسَتَجِدُ أَمْرًا إِدًّا لَا تَتَحَمَّلُهُ، وَلَا تَقْوَى عَلَيْهِ!!

وَأَمَّا مَا تَأْتِي إِلَيْهِمْ أَنْتَ؛ فَالْأَمْرُ بِالْعُرْفِ، وَهُوَ نُصْحُهُمْ وَأَمْرُهُمْ بِكُلِّ مُسْتَحْسَنٍ شَرْعًا وَعَقْلًا وَفِطْرَةً، وَأَعْرِضْ عَمَّنْ جَهِلَ عَلَيْكَ بِقَوْلِهِ أَوْ فِعْلِهِ، فَلِلَّهِ مَا أَحْلَى هَذِهِ الْأَخْلَاقِ، وَمَا أجْمَعَهَا لِكُلِّ خَيْرٍ!

وَقَالَ تَعَالَى: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} [فصلت: 35].

وَيَمُدُّهُ الصَّبْرُ وَالْحِلْمُ وَسَعَةُ الْعَقْلِ، وَفَضْلُ هَذَا الْخُلُقِ وَمَرْتَبَتُهُ فَوْقَ مَا يَصِفُهُ الْوَاصِفُ.

وَمِنْ فَوَائِدِ هَذَا الْمَقَامِ الْجَلِيلِ: أَنَّ صَاحِبَهُ مُسْتَرِيحُ الْقَلْبِ، مُطْمَئِنُّ النَّفْسِ، قَدْ وَطَّنَ نَفْسَهُ عَلَى مَا يُصِيبُهُ مِنَ النَّاسِ مِنَ الْأَذَى؛ لِأَنَّ إِسَاءَةَ الْخَلْقِ إِلَيْكَ تَمَامًا كَالْحَرِّ وَالْبَرْدِ، فَأَنْتَ إِذَا مَا اشْتَدَّ الْحَرُّ؛ مَنْ تَلُومُ؟!! هَذَا أَمْرٌ لَا بُدَّ أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ بِنَصِيبٍ، وَكَذَلِكَ إِذَا مَا أَصَابَتْكَ الْبُرُودَةُ؛ فَمَنْ تَلُومُ؟!! وَلَا بُدَّ أَنْ تَأْخُذَ مِنْ ذَلِكَ بِنَصِيبٍ، فَكَذَلِكَ مَا يَنَالُكَ مِنْ أَذَى الْخَلْقِ.

وَقَدْ وَطَّنَ نَفْسَهُ -أَيْضًا- عَلَى إِيصَالِ النَّفْعِ إِلَيْهِمْ بِكُلِّ مَقْدُورِهِ، وَقَدْ تَمَكَّنَ مِنْ إِرْضَاءِ الْكَبِيرِ وَالصَّغِيرِ وَالنَّظِيرِ، وَقَدْ تَحَمَّلَ مَنْ لَا تَحْمِلُهُ مِنْ ثِقَلِهِ الْجِبَالُ، وَقَدْ خَفَّتْ عَنْهُ الْأَثْقَالُ، وَقَدِ انْقَلَبَ عَدُوُّهُ صَدِيقًا حَمِيمًا، وَقَدْ أَمِنَ مِنْ فَلَتَاتِ الْجَاهِلِينَ، وَمَضَرَّةِ الْأَعْدَاءِ أَجْمَعِينَ، وَقَدْ سَهُلَ عَلَيْهِ مَطْلُوبُهُ مِنَ النَّاسِ، وَتَيَسَّرَ لَهُ نُصْحُهُمْ وَإِرْشَادُهُمْ، وَالِاقْتِدَاءُ بِنَبِيِّهِ فِي قَوْلِهِ -تَعَالَى- فِي وَصْفِهِ: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران: 159] الْآيَةَ.

((الَّرْحَمَةُ))

خُلُقُ الرَّحْمَةِ يَتَوَلَّدُ عَنْ حُسْنِ الْخُلُقِ، وَهِيَ: رِقَّةُ الْقَلْبِ وَصَفْوُهُ وَرَحْمَتُهُ لِلْخَلْقِ، وَزَوَالُ قَسْوَتِهِ وَغِلْظَتِهِ، وَهُوَ مِنْ أَخْلَاقِ صَفْوَةِ الْخَلْقِ.

قَالَ تَعَالَى: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 128].

فَرَأْفَتُهُ ﷺ وَرَحْمَتُهُ لَا يُقَارِبُهُ فِيهَا أَحَدٌ مِنَ الْخَلْقِ، وَهَذِهِ الرَّأْفَةُ وَالرَّحْمَةُ ظَهَرَتْ آثَارُهَا فِي مُعَامَلَتِهِ لِلْخَلْقِ، وَلَا تُنَافِي هَذِهِ الرَّحْمَةُ قُوَّةَ الْقَلْبِ وَصَبْرَهُ؛ فَقَدْ كَانَ ﷺ أَصْبَرَ الْخَلْقِ، وَأَشْجَعَهُمْ، وَأَقْوَاهُمْ قَلْبًا مَعَ كَمَالِ رَحْمَتِهِ.

فَقُوَّةُ الْقَلْبِ.. مِنْ آثَارِهَا: الصَّبْرُ وَالْحِلْمُ، وَالشَّجَاعَةُ الْقَوْلِيَّةُ وَالْفِعْلِيَّةُ، وَالْقِيَامُ التَّامُّ بِأَمْرِ اللهِ، وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ.

وَرَحْمَةُ الْقَلْبِ.. مِنْ آثَارِهَا: الشَّفَقَةُ وَالْحُنُوُّ، وَالنَّصِيحَةُ، وَبَذْلُ الْإِحْسَانِ الْمُتَنَوِّعِ، فَأَيُّ أَخْلَاقٍ تُقَارِبُ هَذِهِ الْأَخْلَاقَ السَّامِيَةَ الْجَمِيلَةَ؟!! فَقُوَّةُ الْقَلْبِ وَشَجَاعَتُهُ تَنْفِي الضَّعْفَ وَالْخَوَرَ، وَرَحْمَتُهُ تَنْفِي الْقَسْوَةَ وَالْغِلْظَةَ وَالشَّرَاسَةَ.

وَهَذَا هُوَ السَّوَاءُ النَّفْسِيُّ؛ بِمَعْنَى: أَنْ يَكُونَ مُتَوَازِنًا فِي كُلِّ هَذِهِ الْأَخْلَاقِ، لَا يَمِيلُ مَعَ أَحَدِهَا مَيْلًا، وَإِنَّمَا تَتَوَازَنُ عِنْدَهُ تَوَازُنًا عَجِيبًا؛ حَتَّى يَصِيرَ عَلَى هَذَا النَّحْوِ الْمَوْصُوفِ.

وَهَذِهِ الْأَخْلَاقُ الْجَمِيلَةُ وَإِنْ كَانَتْ مِنْ عِلْمِ الْأَخْلَاقِ وَالتَّرْبِيَةِ عَلَى أَحْسَنِهَا؛ فَإِنَّهَا -أَيْضًا- دَاخِلَةٌ فِي عِلْمِ التَّوْحِيدِ، كَمَا دَخَلَ فِيهِ الْخَوْفُ، وَالرَّجَاءُ، وَالدُّعَاءُ، وَغَيْرُهَا.

فَهِيَ مِنْ جِهَةِ التَّعَبُّدِ للهِ -تَعَالَى- بِهَا وَالتَّقَرُّبِ إِلَيْهِ دَاخِلَةٌ فِي عِلْمِ التَّوْحِيدِ، وَمِنْ جِهَةٍِ تَكْمِيلِهَا لِلْعَبْدِ، وَتَرْقِيَتِهَا لِأَخْلَاقِهِ، وَتَهْذِيبِ النُّفُوسِ وَتَزْكِيَتِهَا.. دَاخِلَةٌ فِي عِلْمِ الْأَخْلَاقِ.

وَهَذَا أَعْظَمُ الْبَرَاهِينِ عَلَى رِسَالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَعَلَى أَنَّ مَا جَاءَ بِهِ مِنَ الْقُرْآنِ وَالدِّينِ هُوَ الْحَقُّ الَّذِي لَا رُقِيَّ وَلَا عُلُوَّ وَلَا كَمَالَ وَلَا سَعَادَةَ إِلَّا بِهِ، وَأَنَّهُ هُوَ الْهُدَى الْعِلْمِيُّ الْإِرْشَادِيُّ، وَالْهُدَى الْعَمَلِيُّ، وَالتَّرْبِيَةُ النَّافِعَةُ، وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

فَهَذِهِ هِيَ أُمَّاتُ الْأَخْلَاقِ، وَيَنْشَعِبُ عَنْهَا وَيُبْنَى عَلَيْهَا كَثِيرٌ مِنَ الْأَخْلَاقِ الَّتِي تَتَفَرَّعُ عَنْ تِلْكَ الْأُصُولِ؛ وَلَكِنْ هَذِهِ أُصُولُهَا، وَيَكْفِي مِنَ الْقِلَادَةِ مَا أَحَاطَ بِالْعُنُقِ.

((دُرُوسٌ قُرْآنِيَّةٌ مِنْ أَخْلَاقِ سَادَةِ الْبَشَرِ))

لَقَدِ اعْتَنَى الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ بِتَقْدِيمِ الْأُسْوَةِ وَالْقُدْوَةِ فِي حُسْنِ الْخُلُقِ، وَحَثَّ عَلَى الِاقْتِدَاءِ بِأَفْعَالِهِمْ، وَالِائْتِسَاءِ بِأَخْلَاقِهِمْ، وَالتَّمَسُّكِ بِمُثُلِهِمْ وَقِيَمِهِمْ، وَأُسْوَةُ الْبَشَرِ هُمُ الْأَنْبِيَاءُ وَالْمُرْسَلُونَ -صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ-، قَالَ رَبُّنَا -جَلَّ وَعَلَا-: {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21].

لَقَدْ كَانَ لَكُمْ -أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ- فِي أَقْوَالِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَفْعَالِهِ وَأَخْلَاقِهِ، وَثِقَتِهِ بِاللهِ، وَثَبَاتِهِ فِي الشَّدَائِدِ وَالْمِحَنِ، وَصَبْرِهِ عَلَى الْمَكَارِهِ، وَقِتَالِهِ بِنَفْسِهِ، وَكُلِّ جُزْئِيَّاتِ سُلُوكِهِ فِي الْحَيَاةِ.. لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِ قُدْوَةٌ صَالِحَةٌ، وَخَصْلَةٌ حَسَنَةٌ مِنْ حَقِّهَا أَنْ يُؤْتَسَى وَيُقْتَدَى بِهَا لِمَنْ كَانَ يُؤَمِّلُ مُرْتَقِبًا ثَوَابَ اللهِ، وَيَرْجُو السَّعَادَةَ الْخَالِدَةَ يَوْمَ الدِّينِ، وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا فِي جَمِيعِ الْمَوَاطِنِ بِالسَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ.

وَقَالَ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ-: {أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۖ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} [الأنعام: 90].

أُولَئِكَ النَّبِيُّونَ هُمُ الْمَخْصُوصُونَ بِالْهِدَايَةِ؛ فَاتَّبِعْ يَا رَسُولَ اللهِ هُدَاهُمْ، وَاسْلُكْ سَبِيلَهُمْ.

لَقَدْ حَوَّلَ النَّبِيُّ ﷺ بِأَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ وَأَحْوَالِهِ تَعَالِيمَ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ إِلَى وَاقِعٍ مَلْمُوسٍ؛ فَتَقُولُ فِيهِ عَائِشَةُ لِتَصِفَ خُلُقَهُ عِنْدَمَا قِيلَ: مَا كَانَ خُلُقُ رَسُولِ اللهِ ﷺ؟

تَقُولُ: ((كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ ﷺ)).

الَّذِي يَدْعُو إِلَى أَمْرٍ يَتَخَلَّفُ عَنِ الْوُصُولِ إِلَى غَايَتِهِ عَلَى حَسَبِ تَخَلُّفِهِ بِأَخْذِهِ بِمَا يَدْعُو إِلَيْهِ.

الْإِسْلَامُ قِيَمٌ وَمُثُلٌ وَأَخْلَاقٌ وَمَبَادِئُ عِظَامٌ فِي السَّمَاءِ؛ بَلْ إِنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، يُحْيِي بِهِ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ مَوَاتَ الْأَنْفُسِ.

النَّبِيُّ ﷺ جَاءَ بِهَذَا كُلِّهِ، وَكُلُّ دَاعٍ إِلَى هَذَا كُلِّهِ بِجُمْلَتِهِ وَتَفْصِيلِهِ يَقَعُ دُونَ الْغَايَةِ عَلَى حَسَبِ تَخَلُّفِهِ عَنِ الْأَخْذِ بِمَا يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ أَخْلَاقِ الْإِسْلَامِ الْعَظِيمِ وَمِنْ مَبَادِئِهِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ قَدْ جَاءَ بِالْمَنْهَجِ وَهُوَ الْمَنْهَجُ فِي عَيْنِ الْوَقْتِ ﷺ.

وَلِذَا تَعْجَبُ الْعَجَبَ كُلَّهُ عِنْدَمَا تَتَأَمَّلُ فِي مُعْجِزَةِ النَّبِيِّ ﷺ الْكُبْرَى، وَفِي آيَتِهِ الْعُظْمَى.. فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، هُوَ الْمُعْجِزَةُ الْبَاقِيَةُ عَلَى الدَّهْرِ، هُوَ الْآيَةُ الْخَالِدَةُ عَلَى وَجْهِ الزَّمَانِ، لَا تَحُولُ وَلَا تَزُولُ، وَلَا تَتَبَدَّلُ وَلَا تُحَرَّفُ وَلَا تُشَوَّهُ، وَلَا يُنْقَصُ مِنْهَا وَلَا يُزَادُ فِيهَا.

تَعْجَبُ! كُلُّ نَبِيٍّ جَاءَ قَبْلَ النَّبِيِّ ﷺ يَأْتِي بِمَنْهَجٍ يَدْعُو إِلَيْهِ، وَمُعْجِزَةٍ تَقُومُ بُرْهَانًا عَلَى مَنْهَجِهِ؛ إِلَّا مُحَمَّدًا، يَأْتِي بِمَنْهَجٍ هُوَ عَيْنُ الْمُعْجِزَةِ، وَبِمُعْجِزَةٍ هِيَ عَيْنُ الْمَنْهَجِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ إِلَّا لِمُحَمَّدٍ ﷺ.

مُعْجِزَتُهُ الْكُبْرَى مَنْهَجُهُ، وَمَنْهَجُهُ الْأَعْظَمُ مُعْجِزَتُهُ الْكُبْرَى، مَنْهَجٌ فِي مُعْجِزَةٍ، وَمُعْجِزَةٌ فِي مَنْهَجٍ، وَالرَّسُولُ قَائِمٌ بِالْمُعْجِزَةِ وَالْمَنْهَجِ فِي شَخْصِهِ وَذَاتِهِ فِي آنٍ، بِأَبِي هُوَ وَأُمِّي وَنَفْسِي ﷺ.

وَقَالَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: {وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ (3) وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 3-4].

((وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا عَظِيمًا -كَمَا يُفِيدُهُ التَّنْكِيرُ- غَيْرَ مَقْطُوعٍ، بَلْ هُوَ دَائِمٌ مُسْتَمِرٌّ؛ وَذَلِكَ لِمَا أَسْلَفَهُ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، وَالْأَخْلَاقِ الْكَامِلَةِ، وَالْهِدَايَةِ إِلَى كُلِّ خَيْرٍ؛ وَلِهَذَا قَالَ: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ}؛ أَيْ: عَلِيًّا بِهِ، مُسْتَعْلِيًا بِخُلُقِكَ الَّذِي مَنَّ اللهُ عَلَيْكَ بِهِ.

وَحَاصِلُ خُلُقِهِ الْعَظِيمِ: مَا فَسَّرَتْهُ بِهِ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- لِمَنْ سَأَلَهَا عَنْهُ، فَقَالَتْ: ((كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ)).

وَذَلِكَ نَحْوُ قَوْلِهِ -تَعَالَى- لَهُ: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ}، وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنتَ لَهُمْ} الْآيَةَ، {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ} الْآيَةَ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ الدَّالَّاتِ عَلَى اتِّصَافِهِ ﷺ بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، وَالْآيَاتِ الْحَاثَّاتِ عَلَى كُلِّ خُلُقٍ جَمِيلٍ؛ فَكَانَ لَهُ مِنْهَا أَكْمَلُهَا وَأَجَلُّهَا، وَهُوَ فِي كُلِّ خَصْلَةٍ مِنْهَا فِي الذُّرْوَةِ الْعُلْيَا.

فَكَانَ ﷺ سَهْلًا لَيِّنًا، قَرِيبًا مِنَ النَّاسِ، مُجِيبًا لِدَعْوَةِ مَنْ دَعَاهُ، قَاضِيًا لِحَاجَةِ مَنِ اسْتَقْضَاهُ، جَابِرًا لِقَلْبِ مَنْ سَأَلَهُ، لَا يَحْرِمُهُ وَلَا يَرُدُّهُ خَائِبًا، وَإِذَا أَرَادَ أَصْحَابُهُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- مِنْهُ أَمْرًا؛ وَافَقَهُمْ عَلَيْهِ وَتَابَعَهُمْ فِيهِ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَحْذُورٌ.

وَإِنْ عَزَمَ عَلَى أَمْرٍ؛ لَمْ يَسْتَبِدَّ بِهِ دُونَهُمْ، بَلْ يُشَاوِرُهُمْ وَيُؤَامِرُهُمْ، وَكَانَ يَقْبَلُ مِنْ مُحْسِنِهِمْ، وَيَعْفُو عَنْ مُسِيئِهِمْ.

وَلَمْ يَكُنْ يُعَاشِرُ جَلِيسًا لَهُ إِلَّا أَتَمَّ عِشْرَةً وَأَحْسَنَهَا، فَكَانَ لَا يَعْبَسُ فِي وَجْهِهِ، وَلَا يُغْلِظُ عَلَيْهِ فِي مَقَالِهِ، وَلَا يَطْوِي عَنْهُ بِشْرَهُ، وَلَا يُمْسِكُ عَلَيْهِ فَلَتَاتِ لِسَانِهِ، وَلَا يُؤَاخِذُهُ بِمَا يَصْدُرُ مِنْهُ مِنْ جَفْوَةٍ، بَلْ يُحْسِنُ إِلَيْهِ غَايَةَ الْإِحْسَانِ، وَيَحْتَمِلُهُ غَايَةَ الِاحْتِمَالِ ﷺ)).

* وَأَثْنَى اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- عَلَى إِبْرَاهِيمَ أَنَّهُ أَتَى رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ، قَالَ تَعَالَى: {يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الشعراء: 88-89].

وَالْجَامِعُ لِمَعْنَاهُ: أَنَّهُ سَلِيمٌ مِنَ الشُّرُورِ كُلِّهَا وَمِنْ أَسْبَابِهَا، مَلْآنُ مِنَ الْخَيْرِ وَالْبِرِّ وَالْكَرَمِ، سَلِيمٌ مِنَ الشُّبُهَاتِ الْقَادِحَةِ فِي الْعِلْمِ وَالْيَقِينِ، وَمِنَ الشَّهَوَاتِ الْحَائِلَةِ بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ كَمَالِهِ، سَلِيمٌ مِنَ الْكِبْرِ، وَمِنَ الرِّيَاءِ، وَالشِّقَاقِ، وَالنِّفَاقِ، وَسُوءِ الْأَخْلَاقِ، وَسَلِيمٌ مِنَ الْغِلِّ وَالْحِقْدِ، مَلْآنُ بِالتَّوْحِيدِ وَالْإِيمَانِ، وَالتَّوَاضُعِ لِلْحَقِّ وَلِلْخَلْقِ، وَالنَّصِيحَةِ لِلْمُسْلِمِينَ، وَالرَّغْبَةِ فِي عُبُودِيَّةِ اللهِ، وَفِي نَفْعِ عِبَادِ اللهِ.

* وَمِنْ فَوَائِدِ قِصَّةِ مُوسَى -عَلَيْهِ السَّلَامُ-: أَنَّ الرَّحْمَةَ وَالْإِحْسَانَ إِلَى الْخَلْقِ -مَنْ عَرَفَهُ الْعَبْدُ وَمَنْ لَا يَعْرِفُهُ- مِنْ أَخْلَاقِ الْأَنْبِيَاءِ، وَأَنَّ مِنْ جُمْلَةِ الْإِحْسَانِ: الْإِعَانَةَ عَلَى سَقْيِ الْمَاشِيَةِ؛ وَخُصُوصًا إِعَانَةُ الْعَاجِزِ، كَمَا فَعَلَ مُوسَى مَعَ ابْنَتَيْ صَاحِبِ مَدْيَنَ حِينَ سَقَى لَهُمَا لَمَّا رَآهُمَا عَاجِزَتَيْنِ عَنْ سَقْيِ مَاشِيَتِهِمَا قَبْلَ صُدُورِ الرُّعَاةِ.

قَالَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ (22) وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ (23) فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (24)} [القصص: 22-24].

{وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ} أَيْ: قَصَدَ نَحْوَهَا مَاضِيًا إِلَيْهَا، وَكَانَ مُوسَى قَدْ خَرَجَ خَائِفًا بِلَا ظَهْرٍ وَلَا حِذَاءٍ وَلَا زَادٍ، وَكَانَتْ مَدْيَنُ عَلَى مَسِيرَةِ ثَمَانِيَةِ أَيَّامٍ مِنْ مِصْرَ، {قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ} أَيْ: قَصْدَ الطَّرِيقِ إِلَى مَدْيَنَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَهُوَ أَوَّلُ ابْتِلَاءٍ مِنَ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ- لِمُوسَى -عَلَيْهِ السَّلَامُ-.

{وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ}: وَهُوَ بِئْرٌ كَانُوا يَسْقُونَ مِنْهَا مَوَاشِيَهُمْ، {وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً}: أَيْ: جَمَاعَةً {مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ}: مَوَاشِيَهُمْ، {وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ} يَعْنِي: سِوَى الْجَمَاعَةِ {امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ} يَعْنِي: تَحْبِسَانِ وَتَمْنَعَانِ أَغْنَامَهُمَا عَنِ الْمَاءِ حَتَّى يَفْرُغَ النَّاسُ، وَتَخْلُوَ لَهُمُ الْبِئْرُ.

{قَالَ} يَعْنِي: مُوسَى لِلْمَرْأَتَيْنِ {مَا خَطْبُكُمَا}: مَا شَأْنُكُمَا؛ لَا تَسْقِيَانِ مَوَاشِيَكُمَا مَعَ النَّاسِ؟

{قَالَتَا لا نَسْقِي} أَغْنَامَنَا {حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ} أَيْ: حَتَّى يَصْرِفُوا هُمْ مَوَاشِيَهُمْ عَنِ الْمَاءِ.

وَمَعْنَى الْآيَةِ: لَا نَسْقِي مَوَاشِيَنَا حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ؛ لِأَنَّا امْرَأَتَانِ لَا نُطِيقُ أَنْ نَسْقِيَ، وَلَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نُزَاحِمَ الرِّجَالَ، فَإِذَا صَدَرُوا سَقَيْنَا مَوَاشِيَنَا مَا أَفْضَلَتْ مَوَاشِيهِمْ فِي الْحَوْضِ {وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ} لَا يَقْدِرُ أَنْ يَسْقِيَ مَوَاشِيَهُ؛ فَلِذَلِكَ احْتَجْنَا نَحْنُ إِلَى سَقْيِ الْغَنَمِ.

فَلَمَّا سَمِعَ مُوسَى قَوْلَهُمَا؛ رَحِمَهُمَا، فَاقْتَلَعَ صَخْرَةً مِنْ رَأْسِ بِئْرٍ أُخْرَى كَانَتْ بِقُرْبِهِمَا، لَا يُطِيقُ رَفْعَهَا إِلَّا جَمَاعَةٌ مِنَ النَّاسِ، {فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ} ظِلِّ شَجَرَةٍ، فَجَلَسَ فِي ظِلِّهَا مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ وَهُوَ جَائِعٌ، {فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنـزلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ} طَعَامٍ، {فَقِير} يَقُولُ: {إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ} أَيْ: طَعَامٍ، فَقِيرٌ مُحْتَاجٌ، كَانَ يَطْلُبُ الطَّعَامَ لِجُوعِهِ.

* وَمِنْ فَوَائِدِ قِصَّةِ يُوسُفَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- الْمُتَعَلِّقَةِ بِحُسْنِ الْخُلُقِ: مَا مَنَّ اللهُ بِهِ عَلَى يُوسُفَ مِنَ الْعِلْمِ وَالْحِلْمِ، وَالْأَخْلَاقِ الْكَامِلَةِ، وَالدَّعْوَةِ إِلَى اللهِ وَإِلَى دِينِهِ، وَعَفْوِهِ عَنْ إِخْوَتِهِ الْخَاطِئِينَ عَفْوًا بَادَرَهُمْ بِهِ، وَتَمَّمَ ذَلِكَ بِأَنْ أَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ لَا يُثَرِّبُ عَلَيْهِمْ بَعْدَ هَذَا الْعَفْوِ، ثُمَّ بِرُّهُ الْعَظِيمُ بِأَبِيهِ وَأُمِّهِ، وَإِحْسَانُهُ عَلَى إِخْوَتِهِ، وَإِحْسَانُهُ عَلَى عُمُومِ الْخَلْقِ، كَمَا هُوَ بَيِّنٌ فِي سِيرَتِهِ وَقِصَّتِهِ.

قَالَ رَبُّنَا -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- حِكَايَةً عَنْ يُوسُفَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-: {قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (92)} [يوسف: 92].

((قَالَ لَهُمْ يُوسُفُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- -كَرَمًا وَجُودًا-: {لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ}؛ أَيْ: لَا أُثَرِّبُ عَلَيْكُمْ، وَلَا أَلُومُكُمْ، {يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ}.

فَسَمَحَ لَهُمْ سَمَاحًا تَامًّا، مِنْ غَيْرِ تَعْيِيرٍ لَهُمْ عَلَى ذِكْرِ الذَّنْبِ السَّابِقِ، وَدَعَا لَهُمْ بِالْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ، وَهَذَا نِهَايَةُ الْإِحْسَانِ الَّذِي لَا يَتَأَتَّى إِلَّا مِنْ خَوَاصِّ الْخَلْقِ، وَخِيَارِ الْمُصْطَفَيْنَ».

((دَرْسٌ قُرْآنِيٌّ لِلدُّعَاةِ فِي حُسْنِ الْخُلُقِ))

إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ جَمِيعَهُمْ بُعِثُوا بِالْإِصْلَاحِ وَالصَّلَاحِ، وَنَهَوُا عَنِ الشُّرُورِ وَالْفَسَادِ؛ فَكُلُّ صَلَاحٍ وَإِصْلَاحٍ دِينِيٍّ وَدُنْيَوِيٍّ فَهُوَ مِنْ دِينِ الْأَنْبِيَاءِ؛ وَخُصُوصًا إِمَامَهُمْ وَخَاتَمَهُمْ مُحَمَّدٌ ﷺ؛ فَإِنَّهُ أَبْدَى وَأَعَادَ فِي هَذَا الْأَصْلِ، وَوَضَعَ لِلْخَلْقِ الْأُصُولَ النَّافِعَةَ الَّتِي يَجْرُونَ عَلَيْهَا فِي الْأُمُورِ الْعَادِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ، كَمَا وَضَعَ لَهُمُ الْأُصُولَ فِي الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ.

وَأَنَّهُ كَمَا أَنَّ عَلَى الْعَبْدِ السَّعْيَ وَالِاجْتِهَادَ فِي فِعْلِ الصَّلَاحِ وَالْإِصْلَاحِ؛ فَعَلَيْهِ أَنْ يَسْتَمِدَّ الْعَوْنَ مِنْ رَبِّهِ عَلَى ذَلِكَ، وَأَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ وَلَا عَلَى تَكْمِيلِهِ إِلَّا بِاللهِ -عَزَّ وَجَلَّ-؛ لِقَوْلِ شُعَيْبٍ: {إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} [هود: 88].

وَمِنْ فَوَائِدِ قِصَّةِ شُعَيْبٍ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-: أنَّ الدَّاعِيَ إِلَى اللهِ يَحْتَاجُ إِلَى الْحِلْمِ، وَحُسْنِ الْخُلُقِ، وَمُقَابَلَةِ الْمُسِيئِينَ بِأَقْوَالِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ بِضِدِّ ذَلِكَ، وَأَلَّا يُحْبِطَهُ أَذَى الْخَلْقِ، وَلَا يَصُدَّهُ عَنْ شَيْءٍ مِنْ دَعْوَتِهِ.

وَهَذَا الْخُلُقُ كَمَالُهُ لِلرُّسُلِ -صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ وَسَلَّمَ-، فَانْظُرْ إِلَى شُعَيْبٍ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- وَحُسْنِ خُلُقِهِ مَعَ قَوْمِهِ، وَدَعْوَتِهِ لَهُمْ بِكُلِّ طَرِيقٍ، وَهُمْ يُسْمِعُونَهُ الْأَقْوَالَ السَّيِّئَةَ، وَيُقَابِلُونَهُ الْمُقَابَلَةَ الْفِعْلِيَّةَ، وَهُوَ ﷺ يَحْلُمُ عَلَيْهِمْ وَيَصْفَحُ، وَيَتَكَلَّمُ مَعَهُمْ كَلَامَ مَنْ لَمْ يَصْدُرْ مِنْهُمْ لَهُ وَلَا فِي حَقِّهِ إِلَّا الْإِحْسَانُ.

وَيُهَوِّنُ هَذَا الْأَمْرَ أَنَّ هَذَا خُلُقٌ مَنْ ظَفِرَ بِهِ وَحَازَهُ؛ فَقَدْ فَازَ بِالْحَظِّ الْعَظِيمِ، وَأَنَّ لِصَاحِبِهِ عِنْدَ اللهِ الْمَقَامَاتِ الْعَالِيَةَ وَالنَّعِيمَ الْمُقِيمَ.

وَيُهَوِّنُهُ أَنَّهُ يُعَالِجُ أُمَمًا قَدْ طُبِعُوا عَلَى أَخْلَاقٍ إِزَالَتُهَا وَقَلْعُهَا أَصْعَبُ مِنْ قَلْعِ الْجِبَالِ الرَّوَاسِي، وَمَرَنُوا عَلَى عَقَائِدَ وَمَذَاهِبَ بَذَلُوا فِيهَا الْأَمْوَالَ وَالْأَرْوَاحَ، وَقَدَّمُوهَا عَلَى جَمِيعِ الْمُهِمَّاتِ عِنْدَهُمْ؛ أَفَتَظَنُّ مَعَ هَذَا أَنَّ أَمْثَالَ هَؤُلَاءِ يَقْتَنِعُونَ بِمُجَرَّدِ الْقَوْلِ بِأَنَّ هَذِهِ مَذَاهِبُ بَاطِلَةٌ وَأَقْوَالٌ فَاسِدَةٌ؟!!

أَمْ تَحْسَبُهُمْ يَغْتَفِرُونَ لِمَنْ نَالَهَا بِسُوءٍ؟!!

كَلَّا وَاللهِ، إِنَّ هَؤُلَاءِ يَحْتَاجُونَ إِلَى مُعَالَجَاتٍ مُتَنَوِّعَةٍ بِالطُّرُقِ الَّتِي دَعَتْ إِلَيْهَا الرُّسُلُ، يُذَكِّرُونَ بِنِعَمِ اللهِ، وَأَنَّ الَّذِي تَفَرَّدَ بِالنِّعَمِ يَتَعَيَّنُ أَنْ يُفْرَدَ بِالْعِبَادَةِ، وَيُذْكَرُ لَهُمْ مِنْ تَفَاصِيلِ النِّعَمِ مَا لَا يُعَدُّ وَلَا يُحْصَى، وَيُذَكَّرُونَ بِمَا فِي مَذَاهِبِهِمْ مِنَ الزَّيْغِ وَالْفَسَادِ وَالِاضْطِرَابِ، وَالتَّنَاقُضِ الْمُزَلْزِلِ لِلْعَقَائِدِ، الدَّاعِي إِلَى تَرْكِهَا.

وَيُذَكَّرُونَ بِمَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنْ أَيَّامِ اللهِ وَوَقَائِعِهِ بِالْأُمَمِ الْمُكَذِّبَةِ لِلرُّسُلِ، الْمُنْكِرَةِ لِلتَّوْحِيدِ، وَيُذَكَّرُونَ بِمَا فِي الْإِيمَانِ بِاللهِ وَتَوْحِيدِهِ وَدِينِهِ مِنَ الْمَحَاسِنِ وَالْمَصَالِحِ وَالْمَنَافِعِ الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ، الْجَاذِبَةِ لِلْقُلُوبِ، الْمُسَهِّلَةِ لِكُلِّ مَطْلُوبٍ.

وَمَعَ هَذَا كُلِّهِ فَيَحْتَاجُ الْخَلْقُ إِلَى الْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ، وَبَذْلِ الْمَعْرُوفِ لَهُمْ، وَأَقَلُّ ذَلِكَ الصَّبْرُ عَلَى أَذَاهُمْ، وَتَحَمَّلُ مَا يَصْدُرُ مِنْهُمْ، وَلِينُ الْكَلَامِ مَعَهُمْ، وَسُلُوكُ كُلِّ سَبِيلِ حِكْمَةٍ مَعَهُمْ، وَالتَّنَقُّلُ مَعَهُمْ فِي الْأُمُورِ بِالِاكْتِفَاءِ بِبَعْضِ مَا تَسْمَحُ بِهِ أَنْفُسُهُمْ؛ لِيَسْتَدْرِجَ بِهِمْ إِلَى تَكْمِيلِهِ، وَالْبُدَاءَةُ بِالْأَهَمِّ فَالْأَهَمِّ، وَأَعْظَمُهُمْ قِيَامًا بِهَذِهِ الْأُمُورِ وَغَيْرِهَا: سَيِّدُهُمْ وَخَاتَمَهُمْ وَإِمَامُ الْخَلْقِ عَلَى الْإِطْلَاقِ مُحَمَّدٌ ﷺ.

((الْقُرْآنُ مِنْهَاجُ الْمُسْلِمِ فِي الْحَيَاةِ))

عِبَادَ اللهِ! لَقَدْ أَكْرَمَنَا اللهُ -تَعَالَى- بِإِنْزَالِ القُرْآنِ الحَكِيمِ؛ لِيُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ، وَجَعَلَهُ -تَعَالَى- مُبَاركًا، وَمَوعِظَةً، وَهِدَايَةً، وَشِفَاءً لِمَا فِي الصُّدُورِ، وَوَصَفَهُ اللهُ -تَعَالَى- بِالكَرِيمِ، وَأَقْسَمَ بِقَسَمٍ عَظِيمٍ عَلَى ذَلِكَ فَقَال: {فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76) إِنَّهُ لَقُرْءَانٌ كَرِيمٌ} [الواقعة: 75-77].

اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ جَعَلَ الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ مِنْهَاجًا وَمَنْهَجًا؛ وَلِذَلِكَ لَمْ يَتَعَامَلْ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ مَعَ الْقُرْآنِ كَمَا نَتَعَامَلُ، عُمَرُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- حَمَلَ الْبَقَرَةَ -سُورَةَ الْبَقَرَةِ- فِي عَشْرِ سِنِينَ، وَابْنُ عُمَرَ حَفِظَ الْبَقَرَةَ -حَمَلَهَا- فِي ثَمَانِيَةِ أَعْوَامٍ، مَعَ أَنَّهُ كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يَجْلِسَ الْمَجْلِسَ الْوَاحِدَ، فَيَسْمَعُ الْخُطْبَةَ الطَّوِيلَةَ، وَيَسْمَعُ الْقَصِيدَةَ الْمُتَطَاوِلَةَ، يَحْفَظُ ذَلِكَ مِنَ الْمَرَّةِ الْأُولَى سَمَاعًا مِنْ غَيْرِ مَا إِعَادَةٍ وَلَا تَكْرَارٍ، وَهُمْ مُحِبُّونَ لِلْقُرْآنِ حُبًّا جَمًّا، وَمَعَ ذَلِكَ يَتَعَلَّمُونَ الْقُرْآنَ، وَيَتَعَلَّمُونَ فِقْهَ الْقُرْآنِ، وَيَتَعَلَّمُونَ مَعَانِيَ الْقُرْآنِ، وَيَعْمَلُونَ بِالْقُرْآنِ، وَيُطَبِّقُونَ الْقُرْآنَ، وَيُنَفِّذُونَ الْقُرْآنَ.

وَلِذَلِكَ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ الْإِمَامُ -عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ-: ((إِنَّ فِي الْقُرْآنِ سُورَةً لَوْ أَخَذَ بِهَا الْخَلْقُ لَكَفَتْهُمْ: {وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [العصر: 1-3])).

وَهَذِهِ السُّورَةُ مَعَ أَنَّهَا قَلِيلَةُ عَدَدِ الْكَلِمَاتِ؛ إِلَّا أَنَّهَا غَزِيرَةُ الْمَعَانِي جِدًّا؛ حَتَّى إِنَّهَا مَنْهَجُ حَيَاةٍ؛ لِأَنَّ الْمَنْهَجَ الَّذِي يَسِيرُ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ بَيَّنَتْهُ هَذِهِ السُّورَةُ أَجْلَى بَيَانٍ وَأَوْضَحَ بَيَانٍ، وَلَمْ تَجْعَلْ لِلْإِنْسَانِ فِي مَنْهَجِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ مَدْخَلًا، وَإِنَّمَا رَسَمَتِ الْحُدُودَ، وَوَضَّحَتِ الْمَعَالِمَ، وَبَيَّنَتِ الطَّرِيقَ.

فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَعُودَ إِلَى دِينِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ؛ فَدُونَهُ سُورَةَ الْعَصْرِ، كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ الْإِمَامُ..

* مَعْرِفَةُ الْحَقِّ بِدَلِيلِهِ: {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا}.

* وَالْعَمَلُ بِهِ: {وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}.

* وَالدَّعْوَةُ إِلَيْهِ: {وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ}.

* وَالصَّبْرُ عَلَيْهِ: {وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}.

هَذَا هُوَ الْمَنْهَجُ؛ لِأَنَّ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ جَعَلَ الْمَعْرَكَةَ الدَّائِرَةَ بَيْنَ الْبَشَرِ تَدُورُ عَلَى كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ هِيَ مِحْوَرُ الْمَعْرَكَةِ؛ كَلِمَةِ: ((لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ))؛ وَلِذَلِكَ كُلُّ الَّذِينَ أَرَادُوا أَنْ يُصْلِحُوا، وَكُلُّ الَّذِينَ جَاءُوا بِمَنَاهِجَ إِصْلَاحِيَّةٍ يُرِيدُونَ أَنْ يُصْلِحُوا أَحْوَالَ الْبَشَرِ فِي أَرْضِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- مِنْ بَعْدِ مَا حُيُودٍ وَابْتِعَادٍ عَنْ دِينِ اللهِ وَمَنْهَجِ اللهِ.. كُلُّ الَّذِينَ أَرَادُوا أَنْ يُصْلِحُوا بَعِيدًا عَنْ مَنْهَجٍ اعْتِقَادِيٍّ ثَابِتٍ رَاسِخٍ وَاضِحٍ شَامِخٍ ظَاهِرٍ لِكُلِّ أَحَدٍ؛ فَإِنَّهُمْ يَسِيرُونَ عَلَى غَيْرِ سَبِيلٍ!!

وَمَا مِنْ فِرْقَةٍ وَلَا جَمَاعَةٍ، وَمَا مِنْ مُصْلِحٍ يُرِيدُ أَنْ يُصْلِحَ.. لَا يَأْتِي بِالْمَنْهَجِ الِاعْتِقَادِيِّ الْوَاضِحِ، يَكُونُ وَاضِحًا.. لِأَنَّ عَلَيْهِ تَدُورُ الْمَعْرَكَةُ، وَالنَّبِيُّ ﷺ عَلَى أَيِّ شَيْءٍ دَارَ الْقِتَالُ مَعَهُ؟!!

الرَّسُولُ ﷺ مِنْ أَوْسَطِ قُرَيْشٍ نَسَبًا، وَمِنْ أَعْظَمِهِمْ أَرُومَةً، وَمِنْ أَفْضَلِهِمْ فَضْلًا، وَأَكْرَمِهِمْ كَرَمًا ﷺ، وَكَانُوا يُلَقِّبُونَهُ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ بِالَّذِي أَتَى بِهِ مِنْ أَمْرِ اللهِ.. يُلَقِّبُونَهُ بِالصَّادِقِ الْأَمِينِ، فَلَمَّا جَاءَ بِمَا جَاءَ بِهِ؛ كَذَّبُوهُ وَعَانَدُوهُ، مَا الَّذِي جَاءَ بِهِ؟!!

يَقُولُونَ: {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَٰهًا وَاحِدًا ۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ}؛ أَجَعَلَ الْآلِهَةَ كُلَّهَا يَعْبُدُونَهَا مِنْ دُونِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ؛ أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا؟!!

هَذَا هُوَ حَرْفُ الْمَعْرَكَةِ، وَهَذَا هُوَ الْمِحْوَرُ الَّذِي يَدُورُ عَلَيْهِ الصِّرَاعُ، وَهَذَا هُوَ بَدْءُ الْبَدْءِ فِي الْإِصْلَاحِ، فِي أَيِّ إِصْلَاحٍ، عَلَى أَيِّ مَدَارٍ مِنْ مَدَارَاتِ الْإِصْلَاحِ سِرْتَ، وَفِي أَيِّ وِجْهَةٍ مِنْ وِجْهَاتِ الْإِصْلَاحِ يَمَّمْتَ وَأَمَّمْتَ؛ لَا بُدَّ أَنْ تَأْتِيَ بِهَذَا الْأَصْلِ؛ وَإِلَّا فَهُوَ عَمَلٌ مِنْ غَيْرِ طَائِلٍ.

وَتَجْمِيعُ النَّاسِ مِنْ أَيِّ سَبِيلٍ وَعَلَى أَيِّ صُورَةٍ لِكَيْ يَكُونُوا مَحْشُورِينَ فِي كُتْلَةٍ فِي مَجْمُوعَةٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ هُنَالِكَ مَنْهَجٌ اعْتِقَادِيٌّ وَاضِحٌ؛ فَكُلُّ هَذَا عَبَثٌ، وَكُلُّ هَذَا إِلَى اخْتِلَافٍ وَإِلَى زَوَالٍ.

النَّبِيُّ ﷺ بُعِثَ فِي قَوْمٍ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْهَوَى مِنْ دُونِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، يَقُولُ أَبُو رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيُّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- صَاحِبُ النَّبِيِّ ﷺ كَمَا فِي ((صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ)) -عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ-، يَقُولُ: «كُنَّا نَعْبُدُ الحَجَرَ، فَإِذَا وَجَدْنَا حَجَرًا هُوَ أَخْيَرُ مِنْهُ أَلْقَيْنَاهُ، وَأَخَذْنَا الآخَرَ، فَإِذَا لَمْ نَجِدْ حَجَرًا جَمَعْنَا جُثْوَةً مِنْ تُرَابٍ، ثُمَّ جِئْنَا بِالشَّاةِ فَحَلَبْنَاهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُفْنَا بِهِ، فَإِذَا دَخَلَ شَهْرُ رَجَبٍ قُلْنَا: مُنَصِّلُ الأَسِنَّةِ، فَلَا نَدَعُ رُمْحًا فِيهِ حَدِيدَةٌ، وَلَا سَهْمًا فِيهِ حَدِيدَةٌ، إِلَّا نَزَعْنَاهُ وَأَلْقَيْنَاهُ شَهْرَ رَجَبٍ».

كُنَّا إِذَا رَأَيْنَا حَجَرًا فَأَعْجَبَنَا اتَّخَذْنَاهُ إِلَهًا، فَإِذَا وَجَدْنَا خَيْرًا مِنْهُ اسْتَبْدَلْنَاهُ بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ، فَإِذَا لَمْ نَجِدْ حَجَرًا نَعْبُدُهُ.. نُقَدِّسُهُ.. نَحْتَرِمُهُ.. نُقَدِّرُهُ.. نَسْجُدُ لَهُ وَنَحْفِدُ وَنَسْعَى إِلَيْهِ وَنَرْكُضُ.. إِذَا لَمْ نَجِدْ شَيْئًا عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ مِنَ الْحِجَارَةِ الَّتِي تُعْجِبُ الْعَيْنَ وَتَسُرُّ النَّفْسَ؛ جَعَلْنَا كَوْمَةً مِنْ تُرَابٍ، وَأَتَيْنَا بِشَاةٍ فَحَلَبْنَاهَا عَلَى التُّرَابِ، ثُمَّ اتَّخَذْنَا ذَلِكَ إِلَهًا نَعْبُدُهُ مِنْ دُونِ اللهِ!!.

جَاءَ النَّبِيُّ ﷺ فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ الَّذِي يَسْتَحِقُّ الْعِبَادَةَ هُوَ اللهُ، وَأَنَّ الَّذِي يَسْتَحِقُّ التَّقْدِيسَ هُوَ اللهُ، وَأَنَّهُ إِذَا أَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَذْبَحَ؛ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَذْبَحَ إِلَّا للهِ، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَحْلِفَ؛ فَلَا يَحْلِفَنَّ إِلَّا بِاللهِ، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَحُجَّ وَأَنْ يَطُوفَ؛ فَلَا يَطُوفَنَّ وَلَا يَحُجَّنَّ إِلَّا إِلَى بَيْتِ اللهِ، وَلَا يَطُوفَنَّ إِلَّا بِبَيْتِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

بَيَّنَ النَّبِيُّ الْكَرِيمُ ﷺ أَنَّ الْقَلْبَ يَنْبَغِي أَنْ يُصْرَفَ جَمِيعُهُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَنْ يَعُودَ الْمَرْءُ بِكُلِّهِ إِلَى رَبِّهِ؛ لِأَنَّ اللهَ قَدْ خَلَقَهُ بِكُلِّهِ، وَمَا دَامَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- لَمْ يُشَارِكْهُ فِي خَلْقِكَ أَحَدٌ؛ فَمِنَ الْعَيْبِ الْمَعِيبِ أَنْ تَصْرِفَ شَيْئًا مِنَ الْعِبَادَةِ لِغَيْرِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لِغَيْرِ الَّذِي فَطَرَكَ وَخَلَقَكَ، وَمِنَ الْعَدَمِ أَنْشَاكَ وَبَرَأَكَ، وَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ، وَأَحْسَنَ صُورَتَكَ، وَمَا دَامَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- لَمْ يُشَارِكْهُ فِي رِزْقِكَ أَحَدٌ؛ فَلَا يَجُوزُ -بَلْ هُوَ مَعِيبٌ جِدًّا؛ بَلْ قَبِيحٌ جِدًّا- أَنْ تَأْكُلَ خَيْرَهُ وَتَعْبُدَ غَيْرَهُ.

حَرْفُ الْمَسْأَلَةِ إِنَّمَا كَانَ يَدُورُ عَلَى هَذَا الْأَمْرِ -عَلَى أَمْرِ الْعَقِيدَةِ.. عَلَى التَّوْحِيدِ-؛ وَلِذَلِكَ لَا تَجِدُ الصَّلَاةَ قَدْ فُرِضَتْ عَلَى النَّحْوِ الَّذِي قَدْ فُرِضَ عَلَيْنَا وَعَلَى نَبِيِّنَا ﷺ وَالصَّحَابَةِ مِنْ قَبْلِنَا فِي لَيْلَةِ الْإِسْرَاءِ وَالْمِعْرَاجِ.. لَمْ تُفْرَضْ إِلَّا فِي السَّنَةِ الْعَاشِرَةِ مِنْ بَعْثَةِ الرَّسُولِ ﷺ، وَإِنَّمَا كَانَتِ الصَّلَاةُ عَلَى نَحْوٍ جَاءَ بِهِ إِبْرَاهِيمُ الْخَلِيلُ -عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَأَزْكَى التَّسْلِيمِ-، رَكْعَتَانِ بِالْعَشِيِّ وَرَكْعَتَانِ بِالْغَدَاةِ، فَلَمَّا كَانَتْ تِلْكَ اللَّيْلَةُ الْمُبَارَكَةُ لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ؛ فُرِضَتِ الصَّلَاةُ عَلَى النَّحْوِ الَّذِي هُوَ مَفْرُوضٌ عَلَيْهِ الْآنَ، تَأَخَّرَتْ كَثِيرًا.. عَشْرَ سَنَوَاتٍ.

وَأَمَّا الزَّكَاةُ؛ فَلَا زَكَاةَ فِي مَكَّةَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُونَ فِي مَكَّةَ نِصَابًا، وَلَا يَحُولُ عَلَى النِّصَابِ إِنْ مُلِكَ حَوْلٌ، وَإِنَّمَا هُمْ فِي عَوَزٍ.. فِي فَقْرٍ؛ مَاذَا كَانُوا يَصْنَعُونَ؟!!

يَأْكُلُونَ لِحَاءَ الشَّجَرِ، وَيُضْطَرُّونَ بِالْمُقَاطَعَةِ الِاقْتِصَادِيَّةِ مِنْ كُفَّارِ قُرَيْشٍ لِلدُّخُولِ فِي الشِّعْبِ -شِعْبِ أَبِي طَالِبٍ-، وَإِنَّهُمْ لِيَتَقَمَّمُونَ فِيهِ؛ لِكَيْ يَسُدَّ الْوَاحِدُ مِنْهُمُ الْجُوعَةَ، يَقُولُ سَعْدُ بْنُ مَالِكٍ -سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ--: «لَمَّا أَصَابَنَا الْبَلَاءُ صَبَرْنَا لَهُ، وَلَقَدْ رَأَيْتُنِي مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِمَكَّةَ خَرَجْتُ مِنَ اللَّيْلِ أَبُولُ، وَإِذَا أَنَا أَسْمَعُ بِقَعْقَعَةِ شَيْءٍ تَحْتَ بَوْلِي، فَإِذَا قِطْعَةُ جِلْدِ بَعِيرٍ، فَأَخَذْتُهَا فَغَسَلْتُهَا ثُمَّ أَحْرَقْتُهَا فَوَضَعْتُهَا بَيْنَ حَجَرَيْنِ، ثُمَّ اسْتَفَفْتُهَا وَشَرِبْتُ عَلَيْهَا مِنَ الْمَاءِ، فَقَوِيتُ عَلَيْهَا ثَلَاثًا».

خَرَجْتُ لَيْلَةً أَقْضِي حَاجَتِي أَبُولُ، فَسَمِعْتُ حِسًّا هُنَالِكَ تَحْتَ وَقْعِ الْبَوْلِ، فَتَحَسَّسْتُ فَتَجَسَّسْتُ، فَإِذَا هِيَ قِطْعَةٌ مِنْ جِلْدِ بَعِيرٍ، فَأَخَذْتُهَا فَغَسَلْتُهَا فَأَحْرَقْتُهَا شَيْئًا، ثُمَّ جَعَلْتُهَا حَتَّى تُسْتَفَّ اسْتِفَافًا شَيْئًا فَتِيتًا، ثُمَّ اسْتَفَفْتُهَا.

وَكَانُوا فِي الْغَزَوَاتِ -كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ- حَتَّى بَعْدَ أَنْ هَاجَرُوا وَصَارَتْ دَوْلَةً؛ إِلَّا إِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَحْرِصُونَ عَلَى مَتَاعِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا.

فَهَذِهِ أُمَّةٌ مَبْعُوثَةٌ بِرِسَالَةٍ، وَمَبْعُوثَةٌ بِمَنْهَجٍ، وَمَبْعُوثَةٌ بِطَرِيقِ حَيَاةٍ يَنْبَغِي أَنْ يُرْسَمَ لِيُسْلَكَ.

هَذِهِ أُمَّةٌ لَمْ يَخْلُقْهَا اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَلَمْ يَدَّخِرْهَا لِآخِرِ الزَّمَانِ مِنْ أَجْلِ أَنْ تَأْكُلَ لِتَسْمَنَ!!

عِبَادَ اللهِ! إِذَا مَا جَاءَ الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ بِآيَاتِهِ؛ فَإِنَّمَا هِيَ أَوَامِرُ تَأْتِي مِنَ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَدَلَالَاتٌ عَلَى الطَّرِيقِ، وَمَعَالِمُ وَصِوًى فِي طَرِيقِ الْحَيَاةِ يَنْبَغِي أَنْ تُلْتَزَمَ، وَيَنْبَغِي أَنْ تُحْتَرَمَ، وَيَنْبَغِي أَنْ تُؤَمَّ وَأَنْ يُقْصَدَ إِلَيْهَا، أَمَّا أَنْ يُهْدَرَ بِالْقُرْآنِ فِي الْأَشْدَاقِ، وَأَنْ يُحْمَلَ عَلَى صَفْحَاتِ الْقُلُوبِ مِنْ غَيْرِ فِقْهٍ وَلَا وَعْيٍ، مِنْ غَيْرِ مَا احْتِرَامٍ وَلَا الْتِزَامٍ، مِنْ غَيْرِ مَا تَطْبِيقٍ وَلَا عَمَلٍ؛ فَإِنَّهُ يَكُونُ حُجَّةً لَاعِنًا لِمَنْ حَمَلَهُ وَهُوَ لَهُ حَامِلٌ، وَكَمْ مِنْ قَارِئٍ لِلْقُرْآنِ وَالْقُرْآنُ يَلْعَنُهُ؟! {أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} [هود: 18]، وَهُوَ مِنْ أَظْلَمِ الظَّالِمِينَ.

إِنَّمَا نَزَلَ الْقُرْآنُ لِيُلْتَزَمَ..

((كَيْفَ تَعْرِفُ قَدْرَكَ عِنْدَ اللهِ؟!!))

عِبَادَ اللهِ! إِنَّ الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ هُوَ كَلَامُ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَكَلَامُ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ صِفَةُ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَإِذَا كُنْتَ تُحِبُّ أَنْ تَعْرِفَ قَدْرَكَ عِنْدَ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ فَانْظُرْ فِي قَدْرِ الْقُرْآنِ عِنْدَكَ؛ لِأَنَّهُ صِفَةُ اللهِ وَكَلَامُهُ، فَإِنْ كَانَ لِلْقُرْآنِ عِنْدَكَ قَدْرٌ فَلَكَ عِنْدَ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ مِنَ الْقَدْرِ بِحَسَبِهِ.

وَيَا حُزْنَاهُ وَيَا حَسْرَتَاهُ عَلَى مَنْ تَعْلُو بِهِ السُّنُونُ وَيَتَقَدَّمُ بِهِ الْعُمُرُ ثُمَّ هُوَ بَعْدُ لَا يَحْوِي صَدْرَهُ شَيْئًا مِنْ كِتَابِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

نَسْأَلُ اللهَ أَنْ يُعَلِّمَنَا وَأَنْ يُحَلِّمَنَا وَأَنْ يُؤْتِيَنَا الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ.

اللَّهُمَّ آتِنَا الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ، وَافْتَحْ لَنَا فِيهِ فَتْحًا مُبَارَكًا.

اللَّهُمَّ افْتَحْ لَنَا فِي الْقُرْآنِ فَتْحًا مُبَارَكًا، اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ قَائِدًا لَنَا إِلَى الْجَنَّةِ وَلَا تَجْعَلْهُ سَائِقًا لَنَا إِلَى النَّارِ.

اللَّهُمَّ اجْعَلِ الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ رَبِيعَ قُلُوبِنَا وَنُورَ صُدُورِنَا وَجَلَاءَ أَحْزَانِنَا وَذَهَابَ غُمُومِنَا وَكَشْفَ هُمُومِنَا.

اللَّهُمَّ ذَكِّرْنَا مِنْهُ مَا نُسِّينَا وَعَلِّمْنَا مِنْهُ مَا جَهِلْنَا.

اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا قَائِمِينَ بِهِ عَلَى النَّحْوِ الَّذِي يُرْضِيكَ آنَاءَ اللَّيْلِ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ.

اللَّهُمَّ افْتَحْ لَنَا فِي الْقُرْآنِ فَتْحًا مُبَارَكًا.

اللَّهُمَّ حَمِّلْنَا كِتَابَكَ الْمَجِيدَ، فَهِّمْنَا الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ، مَسِّكْنَا كِتَابَكَ الْمَجِيدَ، جُهَّالٌ فَعَلِّمْنَا، اللَّهُمَّ أَذْهِبْ عَنَّا جَهَالَتَنَا وَارْفَعْ عَنَّا جَهْلَنَا، اكْشِفْ عَنَّا حِجَابَنَا، أَزِلْ عَنَّا غِشَاوَتَنَا.

اللَّهُمَّ لَيِّنْ قُلُوبَنَا بِالْقُرْآنِ الْعَظِيمِ.

اللَّهُمَّ أَطْلِقْ أَلْسِنَتَنَا بِالْقُرْآنِ الْعَظِيمِ.

اللَّهُمَّ أَنِرْ بُيُوتَنَا بِالْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، وَأَنِرْ قُبُورَنَا بِالْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، وَأَنِرْ لَنَا صِرَاطَنَا بِالْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، اجْعَلْهُ لَنَا فِي الْقُبُورِ شَفِيعًا، وَعَلَى الصِّرَاطِ نُورًا وَإِمَامًا، وَعَنِ النِّيرَانِ حَاجِزًا وَحِجَابًا.

اللَّهُمَّ أَجِرْنَا مِنَ النَّارِ، حَمِّلْنَا كِتَابَكَ الْمَجِيدَ، لَا تَرُدَّنَا خَائِبِينَ يَارَبَّ الْعَالَمِينَ وَيَا أَرْحَمَ الْأَرْحَمِينَ وَيَا أَكْرَمَ الْأَكْرَمِينَ وَيَاذَا الْقُوَّةِ الْمَتِينُ وَيَا نَصِيرَ الْمُسْتَضْعَفِينَ.

وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ.

المصدر:عِنَايَةُ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ بِالْقِيَمِ الْأَخْلَاقِيَّةِ

التعليقات


خطب مفرغة قد تعجبك


  الزَّكَاةُ وَالصَّدَقَاتُ وَدَوْرُهُمَا فِي التَّنْمِيَةِ الْمُجْتَمَعِيَّةِ
  أُمَّةُ اقْرَأْ.. أُمَّةُ أَتْقِنْ..بَيْنَ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ وَعُلَمَاءِ الْفِتْنَةِ
  إِنْسَانِيَّةُ الْحَضَارَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ
  حَيَاةُ النَّبِيِّ ﷺ أُنْمُوذَجٌ تَطْبِيقِيٌّ لِصَحِيحِ الْإِسْلَامِ
  المد الشيعي في مصر
  دعوة الإخوان للتوبة في رمضان
  خرافات الشيعة في عاشوراء
  رَمَضَانُ شَهْرُ الْإِيمَانِ وَصِنَاعَةِ الرِّجَالِ
  الرد على الملحدين:تتمة أسباب انتشار الإلحاد في العصر الحديث، وبيان شرك الملحدين
  فَضَائِلُ الْعَشْرِ وَمَفْهُومُ الْعَمَلِ الصَّالِحِ
  • شارك

نبذة عن الموقع

موقع تفريغات العلامة رسلان ، موقع يحتوي على العشرات من الخطب والمحاضرات والمقاطع المفرغة لفضيلة الشيخ العلامة أبي عبدالله محمد بن سعيد رسلان-حفظه الله- . كما يعلن القائمون على صفحة وموقع تفريغات العلامة رسلان -حفظه الله- أن التفريغات للخطب ليست هي الشكل النهائي عند الطباعة، ولكن نحن نفرغ خطب الشيخ حفظه الله ونجتهد في نشرها ليستفيد منها طلاب العلم والدعاة على منهاج النبوة في كل أنحاء الدنيا، ونؤكد على أنَّ الخطب غير مُخرَّجة بشكل كامل كما يحدث في خطب الشيخ العلامة رسلان المطبوعة وليست الكتب المنشورة على الصفحة والموقع هي النسخة النهائية لكتب الشيخ التي تُطبع...وهذه الكتب ما هي إلا تفريغ لخطب الشيخ، غير أنَّ كتب الشيخ التي تُطبع تُراجع من الشيخ -حفظه الله- وتُخرج. والتفريغ عملٌ بشريٌ، ونحن نجتهد في مراجعة التفريغات مراجعة جيدة، فإذا وقع خطأ أو شكل الخطب كما نخرجها -إنما نُحاسب نحن عليها والخطأ يُنسب لنا وليس للشيخ -حفظه الله-.

الحقوق محفوظة لكل مسلم موقع تفريغات العلامة رسلان