مَاذَا بَعْدَ الْحَجِّ؟

مَاذَا بَعْدَ الْحَجِّ؟

مَاذَا بَعْدَ الْحَجِّ؟

إنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّـهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّـهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ.

وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّـهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ.

أَمَّا بَعْدُ:

فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّـهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.

أَمَّا بَعْدُ:

((حَجَّةُ النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ أَعْوَامٍ مِنْ مُفَارَقَتِهِ مَكَّةَ))

فَإِنَّ الرَّسُولَ ﷺ أَخْرَجَهُ قَوْمُهُ مِنْ بَلَدِهِ وَبَلَدِ آبَائِهِ، فَخَرَجَ ﷺ طَرِيدًا وَحِيدًا إِلَّا مَا كَانَ مِمَّنْ سَانَدَ رَسُولَ اللهِ ﷺ مِنَ الْبَشَرِ.

وَمَا مَرَّتْ أَعْوَامٌ كَثِيرَةٌ حَتَّى عَادَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى بَلَدِهِ وَبَلَدِ آبَائِهِ وَأَجْدَادِهِ، إِلَى الْبَلَدِ الْحَرَامِ وَالْبَيْتِ الْحَرَامِ وَالْكَعْبَةِ الْمُشَرَّفَةِ، عَادَ النَّبِيُّ ﷺ حَاجًّا وَمُعْتَمِرًا فِي مِائَةٍ وَعِشْرِينَ أَلْفًا، وَمَا مَرَّ مِنَ الزَّمَانِ إِلَّا لَحْظَةٌ أَوْ كَلَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ بِأَعْوَامٍ لَا تَبْلُغُ شَيْئًا فِي عُمُرِ الزَّمَانِ، وَعَادَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى الْبَلَدِ الْحَرَامِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْكَعْبَةِ الْمُشَرَّفَةِ حَاجًّا وَمُعْتَمِرًا عَلَيْهِ ثِيَابُ إِحْرَامِهِ، وَقَدْ سَاقَ عَلِيٌّ هَدْيَهُ ﷺ، فَكَانَتْ آيَةً بَاهِرَةً وَعَلَامَةً ظَاهِرَةً لَا يَقْوَى عَلَيْهَا إِلَّا اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ.

أَعَزَّ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ نَبِيَّهُ ﷺ، وَنَصَرَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ حِزْبَهُ، وَأَعْلَى اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ كَلِمَتَهُ فِي الْخَافِقَيْنِ، وَعَادَ النَّبِيُّ ﷺ يَسُوقُ عَلِيٌّ هَدْيَهُ.

وَالنَّبِيُّ ﷺ قَرَّبَ مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ هَدْيًا إِلَى اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَقُرْبَانًا، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ أَخَذَ النَّبِيُّ ﷺ رُمْحَهُ وَأَقْبَلَ عَلَى هَدْيِهِ يُرِيدُ أَنْ يَنْحَرَهُ، وَالْإِبِلُ تُنْحَرُ قَائِمَةً -كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ-، فَكَانَتِ الْإِبِلُ تَتَسَابَقُ تُقَدِّمُ أَعْنَاقَهَا إِلَى الرَّسُولِ ﷺ؛ لِتَحْظَى بِطَعْنَةٍ مِنْ رُمْحِهِ ﷺ، إِبِلٌ تَعْشَقُ الْمَوْتَ عَلَى يَدِ خَيْرِ الْبَرِيَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ!!

تَتَسَابَقُ تَمُدُّ أَعْنَاقَهَا إِلَى الَّذِي حَرَّرَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ عَلَى يَدَيْهِ الْإِنْسَانَ مِنَ الْخُرَافَةِ وَالْوَهْمِ، وَأَقَامَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ الْبَشَرِيَّةَ بِمَنْهَجِهِ عَلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، تَمُدُّ أَعْنَاقَهَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ لِتَحْظَى بِطَعْنَةٍ.. وَلَوْ بِطَعْنَةٍ مِنْ رُمْحِ رَسُولِ اللهِ ﷺ.

وَكَانَ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ ﷺ قَائِمًا عَلَى صَعِيدِ عَرَفَاتٍ، فَسَمِعَ صَوْتًا وَانْتَهَى إِلَى مَسْمَعَيْهِ جَلَبَةٌ وَلَغَطٌ، فَقَالَ: ((مَا الشَّأْنُ؟)).

فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! هَذَا رَجُلٌ حَاجٌّ مُحْرِمٌ فِي ثِيَابِ إِحْرَامِهِ فِي صَعِيدِ عَرَفَاتٍ قَدْ وَقَصَتْهُ دَابَّتُهُ -وَقَصَتْهُ نَاقَتُهُ: يَعْنِي أَوْقَعَتْهُ عَلَى رَأْسِهِ فَدُقَّ عُنُقُهُ فَمَاتَ-، فَاجْتَمَعَ حَوْلَهُ الْخَلْقُ، فَمَا تَرَى يَا رَسُولَ اللهِ ﷺ؟

فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْ إِحْرَامِهِ، وَلَا تُمِسُّوهُ طِيبًا، وَلَا تُخَمِّرُوا وَجْهَهُ -يَعْنِي: لَا تُغَطُّوا وَجْهَهُ-؛ فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا)).

النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَشْغُولُونَ بِأَحْوَالِهِمْ، فِي الْعَرَقِ عَلَى حَسَبِ حَالِهِمْ، كَمَا أَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ، وَهَذَا يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا، فِي عَرَصَاتِ الْقِيَامَةِ يَقُولُ: ((لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ)).

قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((لَا تُخَمِّرُوا وَجْهَهُ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْ إِحْرَامِهِ، وَلَا تُمِسُّوهُ طِيبًا، وَاغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا)).


((دُرُوسٌ وَأَخْلَاقٌ مُسْتَفَادَةٌ مِنْ عِبَادَةِ الْحَجِّ))

إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَخْبَرَنَا عَنْ دُرُوسٍ بَاهِرَاتٍ فِي هَذِهِ الْعِبَادَةِ الْعَظِيمَةِ مِنْ عِبَادَاتِ دِينِ الْإِسْلَامِ الْحَنِيفِ.

وَهَذِهِ الْعِبَادَةُ الْجَلِيلَةُ مَدْرَسَةٌ لَا تَنْقَضِي دُرُوسُهَا، وَلَا تَنْتَهِي الِاسْتِفَادَةُ مِنْ مَعَالِمِهَا.

* مِنْ دُرُوسِ عِبَادَةِ الْحَجِّ: تَعَلُّمُ إِخْلَاصِ النِّيَّةِ: هَذِهِ الْعِبَادَةُ الْعَظِيمَةُ تُعَلِّمُ الْإِنْسَانَ إِخْلَاصَ النِّيَّةِ لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ}؛ لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ.

مِنَ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ الَّذِي يَنْوِي فِيهِ الْحَاجُّ عَاقِدًا نِيَّتَهُ عَلَى الرَّحِيلِ.. نَعَمْ عَلَى الرَّحِيلِ، فَرُبَّمَا لَا يَعُودُ، مِنَ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ يَأْمُرُهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُطِيبَ النَّفَقَةَ؛ لِأَنَّ مُسْلِمًا -رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ- فِيمَا يَرْوِيهِ أَبُو هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا الطَّيِّبَ، وَإِنَّ اللهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، فَقَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا ۖ إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} [المؤمنون: 51]، وَقَالَ اللهُ -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} [البقرة: 172].

ثُمَّ ذَكَرَ الرَّسُولُ ﷺ ((الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ))؛ تَشَعَّثَ شَعْرُ رَأْسِهِ، وَاغْبَرَّتْ بَشَرَتُهُ، وَوَجَدَ مِنْ عَذَابِ وَعَنَاءِ السَّفَرِ مَا اللهُ بِهِ عَلِيمٌ، ((يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ يَقُولُ: يَا رَبِّ، يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ؛ فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ)) كَمَا قَالَ النَّبِيُّ الْهُمَامُ ﷺ.

مِنَ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ الَّذِي يُرِيدُ فِيهِ الْإِنْسَانُ أَنْ يَحُجَّ إِلَى بَيْتِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ؛ عَلَيْهِ أَنْ يُخْلِصَ نِيَّتَهُ لِلهِ -جَلَّ وَعَلَا-، فَالْحَجُّ يُعَلِّمُ الْمُسْلِمَ كَيْفَ يُخْلِصُ النِّيَّةَ لِلهِ، وَكَيْفَ يَأْتِي بِالْعَمَلِ عَلَى مُرَادِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَنْ يُطِيبَ النَّفَقَةَ، وَأَنْ يُحَصِّلَ مِنْ حَلَالٍ، أَلَّا يَكُونَ آكِلًا إِلَّا مِنْ وَجْهٍ صَحِيحٍ شَرَعَهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ، وَارْتَضَاهُ النَّبِيُّ الْكَرِيمُ ﷺ.

* مِنْ دُرُوسِ الْحَجِّ الْعَظِيمَةِ: حُسْنُ الْخُلُقِ وَضَبْطُ الْأَلْسِنَةِ: النَّبِيُّ ﷺ عَلَّمَنَا أَنَّ ((مَنْ حَجَّ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ؛ رَجَعَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ)).

النَّبِيُّ ﷺ يُعَلِّمُنَا كَيْفَ يَضْبِطُ الْإِنْسَانُ لِسَانَهُ، كَيْفَ يَسْتَطِيعُ الْإِنْسَانُ أَنْ يَكُونَ مُتَحَكِّمًا فِي جَوَارِحِهِ، يَقُولُ الرَّسُولُ ﷺ: ((مَنْ حَجَّ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ؛ رَجَعَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ)).

يُولَدُ وِلَادَةً جَدِيدَةً فِي هَذِهِ الْعِبَادَةِ الْعَظِيمَةِ، فَيَعُودُ مِنْ هُنَاكَ وَلَا ذَنْبَ لَهُ كَمَا أَخْبَرَ الرَّسُولُ ﷺ.

وَاللِّسَانُ جَارِحٌ جِدًّا، وَاللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ مَنَعَ فِي الْحَجِّ فِي الْإِحْرَامِ مِنْ إِرَاقَةِ الدِّمَاءِ وَمِنْ إِسَالَتِهَا، اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ حَرَّمَ عَلَى الْمُحْرِمِ صَيْدَ الْبَرِّ مَا دَامَ مُحْرِمًا، وَاللِّسَانُ يَجْرَحُ أَشَدَّ مِمَّا تَجْرَحُ السِّكِّينُ؛ لِذَلِكَ يَأْمُرُنَا الرَّسُولُ ﷺ بِضَبْطِ اللِّسَانِ، بِإِمْسَاكِ مَعَانِي الْكَلَامِ؛ حَتَّى لَا تَقَعَ الْكَلِمَةُ إِلَّا عَلَى وَجْهِهَا الصَّحِيحِ، وَكَذَلِكَ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ.

اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ فِي الْقُرْآنِ الْمَجِيدِ أَمَرَنَا أَنَّهُ إِذَا مَا نَوَى الْوَاحِدُ مِنَّا الْحَجَّ إِلَى بَيْتِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الْحَرَامِ {فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} [البقرة: 197].

اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ فِي الْقُرْآنِ الْمَجِيدِ أَمَرَنَا بِأَنْ نَكُونَ ضَابِطِينَ لِأَلْسِنَتِنَا، وَأَلَّا نَجْعَلَ ذَلِكَ السَّبُعَ خَارِجًا مِنْ قَفَصِهِ مُلْتَهِمًا لِحَسَنَاتِنَا، كَمَا أَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ؛ لِأَنَّ الرَّسُولَ ﷺ أَخْبَرَ أَصْحَابَهُ يَوْمًا سَائِلًا إِيَّاهُمْ: ((أَتَدْرُونَ مِنَ الْمُفْلِسُ؟)).

فَقَالُوا: الْمُفْلِسُ مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا دِينَارَ.

قَالَ: ((لَا، الْمُفْلِسُ مَنْ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ وَأَعْمَالٍ صَالِحَاتٍ؛ وَلَكِنْ يَأْتِي وَقَدْ ضَرَبَ هَذَا، وَشَتَمَ هَذَا، وَاعْتَدَى عَلَى هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، فَيَأْخُذُ هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، حَتَّى إِذَا فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِهِمْ فَطُرِحَ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ)).

* مِنْ دُرُوسِ الْحَجِّ الْجَلِيلَةِ: طِيبُ الْكَلَامِ وَإِطْعَامُ الطَّعَامِ: النَّبِيُّ ﷺ عَلَّمَنَا فِي هَذِهِ الْفَرِيضَةِ الْعَظِيمَةِ أَحْوَالًا جَلِيلَةً وَدُرُوسًا عَظِيمَةً؛ أَمَرَنَا النَّبِيُّ ﷺ بِطِيبِ الْكَلَامِ، وَإِطْعَامِ الطَّعَامِ؛ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، وَلَيْسَ لِلْحَجَّةِ الْمَبْرُورَةِ مِنْ جَزَاءٍ إِلَّا الْجَنَّةُ)).

قَالَ ﷺ: «الْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الْجَنَّةَ».

قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! مَا بِرُّ الْحَجِّ؟

كَيْفَ يَكُونُ الْحَجُّ مَبْرُورًا مَقْبُولًا عِنْدَ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا-.

قَالَ: «إِطْعَامُ الطَّعَامِ، وَطِيبُ الْكَلَامِ».

وفي رواية: «إِطْعَامُ الطَّعَامِ، وَإِفْشَاءُ السَّلَامِ».

وَهُوَ أَوَّلُ مَدْلُولٍ عَلَيْهِ فِي مَدِينَةِ النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ الْهِجْرَةِ؛ لِأَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ سَلَامٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- -وَلَمْ يَكُنْ قَدْ أَسْلَمَ بَعْدُ، كَانَ مَا زَالَ عَلَى يَهُودِيَّتِهِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-- ((لَمَّا دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ -زَادَهَا اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ تَعْظِيمًا وَتَشْرِيفًا- انْجَفَلَ النَّاسُ إِلَيْهِ -يَعْنِي: خَرَجَ النَّاسُ جَمِيعًا يَلْقَوْنَ رَسُولَ اللهِ ﷺ-.

قَالَ: وَكُنْتُ فِيمَنْ ذَهَبَ لِيَرَى رَسُولَ اللهِ ﷺ.

قَالَ: فَنَظَرْتُ إِلَى وَجْهِهِ ﷺ، فَعَلِمْتُ أَنَّ وَجْهَهُ لَيْسَ بِوَجْهِ كَذَّابٍ ﷺ.

وَكَانَ أَوَّلَ مَا سَمِعْتُهُ مِنَ الرَّسُولِ ﷺ بَعْدَ أَنْ دَخَلَ الْمَدِينَةَ: أَنْ قَالَ ﷺ: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ! أَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَأَفْشُوا السَّلَامَ، وَأَطِيبُوا الْكَلَامَ، وَصَلُّوا بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ؛ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ)).

* مِنْ دُرُوسِ الْحَجِّ الْعَظِيمَةِ: بَيَانُ عِظَمِ حُرْمَةِ الدِّمَاءِ وَالْأَمْوَالِ وَالْأَعْرَاضِ: النَّبِيُّ ﷺ كَانَ يَوْمًا فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، فَنَظَرَ إِلَى الْكَعْبَةِ الْمُشَرَّفَةِ ثُمَّ قَالَ: ((مَا أَطْيَبَكِ وَأَطْيَبَ رِيحَكِ! مَا أَعْظَمَكِ وَأَعْظَمَ حُرْمَتَكِ! وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَحُرْمَةُ الْمُؤْمِنِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ حُرْمَةً مِنْكِ)).

النَّبِيُّ ﷺ يَدُلُّ عَلَى حُرْمَةِ الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ عِنْدَ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَنَّهَا أَعْظَمُ عِنْدَ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ حُرْمَةً مِنَ الْكَعْبَةِ الْمُشَرَّفَةِ فِي حُرْمَتِهَا عِنْدَ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

النَّبِيُّ ﷺ يَدُلُّنَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْعَظِيمِ عَلَى أَنَّهُ لَوْ أَنَّ رَجُلًا قَامَ فَأَخَذَ فَأْسَهُ أَوْ مِعْوَلَهُ فَاسْتَقْبَلَ الْكَعْبَةَ الْمُشَرَّفَةَ فَنَقَضَهَا حَجَرًا حَجَرًا؛ لَكَانَ ذَلِكَ فِي الْحُرْمَةِ أَهْوَنَ عِنْدَ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ مِنْ نَقْضِ بُنْيَانِ عَبْدٍ مُسْلِمٍ، مِنَ الِاعْتِدَاءِ عَلَى عَبْدٍ مُسْلِمٍ بِالْقَتْلِ وَإِرَاقَةِ دِمَاهُ.

النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: ((لَوْ أَنَّ أَهْلَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ اشْتَرَكُوا فِي دَمِ عَبْدٍ مُسْلِمٍ؛ لَكَبَّهُمُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ فِي النَّارِ)).

الرَّسُولُ ﷺ كَانَتْ حَجَّتُهُ حَجَّةَ الْوَدَاعِ، وَفِيهَا أَرْسَى ﷺ قَوَاعِدَ عَظِيمَةً جِدًّا، ((كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ، دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ)).

الرَّسُولُ ﷺ يَقُولُ فِي هَذِهِ الْحَجَّةِ الْعَظِيمَةِ، فِي هَذَا الْمُؤْتَمَرِ الْعَظِيمِ، فِي هَذَا الْجَمْعِ الْجَلِيلِ، فِي الْحَجَّةِ الْيَتِيمَةِ الْمُفْرَدَةِ الَّتِي حَجَّهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ، ((كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ، دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ)).

لَا يَجُوزُ بِحَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ أَبَدًا أَنْ يُطْلِقَ الْإِنْسَانُ لِسَانَهُ فِي أَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا أَنْ تَمْتَدَّ يَدُهُ بِأَذِيَّةٍ عَلَى وَاحِدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا أَنْ يَعْتَدِيَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ، ((كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ، دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ)).

فَالرَّسُولُ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ يُعَلِّمُ الْأُمَّةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ دَرْسًا عَظِيمًا جَلِيلًا، يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ فِي خُطْبَتِهِ الْجَامِعَةِ، يَقُولُ لَهُمْ: «أَتَدْرُونَ أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟».

قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ.

قَالَ: «أَلَيْسَ يَوْمَ النَّحْرِ؟».

قُلْنَا: بَلَى.

قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟».

قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ.

فَقَالَ: «أَلَيْسَ ذُو الحَجَّةِ؟».

قُلْنَا: بَلَى.

قَالَ «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟».

قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ.

قَالَ «أَلَيْسَتْ بِالْبَلْدَةِ الحَرَامِ؟».

قُلْنَا: بَلَى.

قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، إِلَى يَوْمِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟».

قَالُوا: نَعَمْ.

قَالَ: «اللَّهُمَّ اشْهَدْ، فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الغَائِبَ، فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ، فَلَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا، يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ».

* مِنْ دُرُوسِ الْحَجِّ الْعَظِيمَةِ: التَّوَاضُعُ وَمُجَانَبَةُ إِيذَاءِ الْمُسْلِمِينَ: الرَّسُولُ ﷺ يُبَيِّنُ لَنَا هَذِهِ الدُّرُوسَ الَّتِي كَانَتْ فِي الْبَلَدِ الْحَرَامِ، وَالرَّسُولُ ﷺ فِي هَذِهِ الْحَجَّةِ تَأْتِي مِنْهُ أَفْعَالٌ يُفَسِّرُهَا الْعُلَمَاءُ مِنْ بَعْدُ.

لَمَّا سَاقَ عَلِيٌّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- هَدْيَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ، اسْتَقْبَلَ الرَّسُولُ ﷺ هَدْيَهُ فَنَحَرَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ، ثُمَّ أَعْطَى الرُّمْحَ عَلِيًّا -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- فَنَحَرَ الْبَقِيَّةَ مِنْ هَدْيِ النَّبِيِّ ﷺ.

الرَّسُولُ ﷺ مَاتَ بَعْدَ أَحَدٍ وَثَمَانِينَ يَوْمًا مِنْ يَوْمِ عَرَفَاتٍ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، يَقُولُ الْعُلَمَاءُ: إِنَّ الرَّسُولَ ﷺ مَاتَ وَلَهُ مِنَ الْعُمْرِ ثَلَاثٌ وَسِتُّونَ عَامًا بِعَدَدِ الْإِبِلِ الَّتِي نَحَرَهَا مِنْ هَدْيِهِ ﷺ -بِأَبِي هُوَ وَأُمِّي وَنَفْسِي ﷺ-.

الرَّسُولُ ﷺ يُعَلِّمُنَا دُرُوسًا بَاهِرَاتٍ، يَقُولُ لِعُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: ((يَا عُمَرُ! إِنَّ بِكَ فَضْلَ قُوَّةٍ، فَلَا تُزَاحِمْ عَلَى الْحَجَرِ، لَا تُؤْذِ الْمُسْلِمِينَ)).

النَّبِيُّ ﷺ هُوَ نَفْسُهُ ﷺ الَّذِي دَلَّ عَلَى أَنَّ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ مِنْ أَحْجَارِ الْجَنَّةِ، وَأَنَّهُ لَوْلَا مَا دَنَّسَهُ مِنْ خَطَايَا الْمُشْرِكِينَ؛ لَكَانَ عَلَى حَالِهِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا أَبْيَضَ مِنَ الثَّلْجِ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ.

يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ لِعُمَرَ: ((لَا تُزَاحِمْ عَلَى الْحَجَرِ، وَلَا تُؤْذِ الْمُسْلِمِينَ))؛ لِأَنَّ أَذِيَّةَ الْمُسْلِمِ أَمْرٌ عَظِيمٌ، وَالنَّبِيُّ ﷺ اسْتَلَمَ الْحَجَرَ وَقَبَّلَهُ.

هُنَا تُسْكَبُ الْعَبَرَاتُ!

هُنَا تَسِيلُ الدُّمُوعُ!

هُنَا تَرِقُّ الْأَنْفُسُ وَتَصْفُو الْأَرْوَاحُ!

هُنَا يَتَجَرَّدُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُنْيَاهُ، وَيَسْتَعْلِي الْإِنْسَانُ عَلَى وَاقِعِهِ!

هُنَا يَسْمُو الْإِنْسَانُ فَوْقَ مَادِّيَّةِ الْعَالَمِ إِلَى رُوحَانِيَّةِ الْقُلُوبِ!

هَذَا الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ خَرَجَتْ فِرْقَةٌ مَارِقَةٌ عَلَى دِينِ الْإِسْلَامِ فَسَرَقَتْهُ، وَحُطِّمَ تَحْطِيمًا، تَكَسَّرَ إِلَى أَجْزَاءٍ، وَأَرَادُوا أَنْ يَنْقِلُوهُ -وَهُمُ الْقَرَامِطَةُ- إِلَى (الْأَحْسَاءِ) إِلَى (هَجَرَ)، فَكَانُوا كُلَّمَا حَمَلُوهُ عَلَى بَعِيرٍ مَشَى خَطَوَاتٍ ثُمَّ مَاتَ، فَمَا وَصَلَ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي يُرِيدُونَ أَنْ يُوَصِّلُوهَ إِلَيْهِ إِلَّا بَعْدَ أَنْ مَاتَ سَبْعُمِائَةِ بَعِيرٍ، وَظَلَّ هُنَالِكَ أَعْوَامًا مُتَطَاوِلَاتٍ، فَلَمَّا أَرَادُوا أَنْ يُعِيدُوهُ عَادَ بِهِ بَعِيرٌ مَا أَصَابَهُ مِنْ ضُرٍّ!!.

اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ أَنْزَلَ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ أَبْيَضَ مِنَ الثَّلْجِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ يُعَلِّمُنَا فِي الْحَجِّ دُرُوسًا بَاهِرَاتٍ كَمَا قَالَ عَلِيٌّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: ((لَوْ كَانَ الدِّينُ بِالرَّأْيِ؛ لَكَانَ الْمَسْحُ عَلَى بَاطِنِ الْخُفِّ أَوْلَى مِنَ الْمَسْحِ عَلَى ظَاهِرِهِ))، وَلَكِنِ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ غَيْبٌ لَمْ تَرَهُ الْأَعْيُنُ، وَالنَّبِيُّ ﷺ بِالنِّسْبَةِ لَنَا نَحْنُ غَيْبٌ لَمْ تَرَهُ الْأَعْيُنُ.

وَاللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ وَتَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ- يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ وَيَحْكُمُ بِمَا يُرِيدُ، اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ يَأْمُرُ بِالْأَمْرِ مِنَ السَّمَاءِ يُبَلِّغُهُ نَبِيَّهُ ﷺ، وَهُوَ دَرْسٌ جَلِيلٌ مِنْ دُرُوسِ الْحَجِّ مِنَ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ بِإِخْلَاصِ النِّيَّةِ؛ إِيمَانًا بِاللهِ الَّذِي فَرَضَ الْحَجَّ فَرِيضَةً مَاضِيَةً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَإِيمَانًا بِالنَّبِيِّ الَّذِي بَلَّغَ عَنْ رَبِّهِ -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ- مَا أَمَرَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ بِهِ خَلْقَهُ، وَإِيمَانًا بِالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ عَلَى قَلْبِ نَبِيِّهِ ﷺ، وَإِيمَانًا بِوَعْدِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ عَلَى هَذِهِ الْعِبَادَةِ الْعَظِيمَةِ بِالْأَجْرِ الْجَزِيلِ وَالْفَضْلِ الْعَمِيمِ، ((رَجَعَ كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ)).

وَالنَّبِيُّ ﷺ يُعَلِّمُ الْأُمَّةَ فِي الْحَجِّ دُرُوسًا مَاضِيَاتٍ؛ لَمَّا كَانَ فِي يَوْمِ النَّحْرِ دَعَا رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ يُدْعَى مَعْمَرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: ((يَا مَعْمَرُ! أَلَدَيْكَ مُوسَى؟)).

فَقَالَ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ.

فَقَالَ: ((ائْتِ بِهَا وَاحْلِقْ لِي رَأْسِي)).

وَنَاوَلَ مَعْمَرًا -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- شِقَّ رَأْسِهِ -جَانِبَ رَأْسِهِ- الْأَيْمَنَ، وَأَخَذَ مَعْمَرٌ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- يَحْلِقُ شَعْرَ رَسُولِ اللهِ ﷺ.

كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَلْطَفَ الْخَلْقِ!

كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَرْحَمَ النَّاسِ!

كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَعْذَبَ الْخَلْقِ لَفْظًا، وَأَحَنَّ الْخَلْقِ حَنَانًا ﷺ!

أَخَذَ يُدَاعِبُ مَعْمَرًا وَهُوَ يَحْلِقُ رَأْسَهُ ﷺ، فَقَالَ: ((يَا مَعْمَرُ! أَلَا تَرَى إِلَى رَأْسِ رَسُولِ اللهِ ﷺ بَيْنَ يَدَيْكَ وَالْمُوسَى فِي يَدَيْكَ؟!!)).

هَذَا هُوَ سِلَاحُكَ فِي يَدِكَ، وَهَذِهِ رَأْسُ رَسُولِ اللهِ ﷺ بَيْنَ يَدَيْكَ!

فَقَالَ: وَاللهِ إِنَّهَا لِنِعْمَةٌ كُبْرَى يَا رَسُولَ اللهِ ﷺ.

فَرَغَ مَعْمَرٌ مِنْ حَلْقِ نِصْفِ رَأْسِ رَسُولِ اللهِ ﷺ الْأَيْمَنِ، وَأَخَذَ النَّبِيُّ ﷺ الشَّعْرَ الْمَحْلُوقَ ثُمَّ آتَاهَ أَصْحَابَهُ وَقَالَ: ((فَرِّقُوهُ بَيْنَكُمْ)) ﷺ، فَكَادُوا أَنْ يَتَقَاتَلُوا عَلَيْهِ، كُلٌّ يُرِيدُ أَنْ يَحْظَى بِشَعْرَةٍ مِنْ شَعْرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ؛ مَحَبَّةً لَا وَثَنِيَّةً، لَا عِبَادَةً لِلذَّاتِ وَلَا عِبَادَةً لِلْأَشْيَاءِ، وَإِنَّمَا مَحَبَّةً لِسَيِّدِ الْكَائِنَاتِ ﷺ، فَكَادُوا أَنْ يَتَقَاتَلُوا عَلَى شَعْرِ رَسُولِ اللهِ، ثُمَّ حَلَقَ نِصْفَهُ الْأَيْسَرَ، فَقَالَ: ((أَيْنَ أَبُو طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيُّ؟)).

فَقَالَ: أَنَا ذَا يَا رَسُولَ اللهِ، فَنَاوَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ الشَّعْرَ كُلَّهُ، فَذَهَبَ بِهَا أَبُو طَلْحَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-.

* مِنْ أَعْظَمِ دُرُوسِ الْحَجِّ: إِعْلَانُ مَبْدَأِ الْمُسَاوَاةِ، وَاجْتِمَاعُ الْمُسْلِمِينَ وَوَحْدَتُهُمْ: اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ جَعَلَ لَنَا فِي هَذَا الْحَجِّ دُرُوسًا وَعِبَرًا؛ مِنْ ذَلِكَ: أَنَّكَ تَجِدُ هَذِهِ الْأُمَّةَ الْمَرْحُومَةَ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ هُنَاكَ عَلَى الصَّعِيدِ فِي ثِيَابِ الْإِحْرَامِ كَأَنَّهَا الْأَكْفَانُ لَا تَرَى إِلَّا الْبَيَاضَ هُنَاكَ، وَالْقَوْمُ قَدْ أَقْبَلُوا عَلَى اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ فِي عَشِيَّةِ عَرَفَةَ، ((إِنَّ اللَّهَ -عَزَّ وَجَلَّ- -كَمَا أَخْبَرَ ﷺ عَنْهُ -جَلَّ وَعَلَا-- يُبَاهِي مَلَائِكَتَهُ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ بِأَهْلِ عَرَفَةَ، فَيَقُولُ: انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي أَتَوْنِي شُعْثًا غُبْرًا)).

لِأَيِّ شَيْءٍ جَاءُوا؟

يُبَاهِي رَبُّنَا -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ- بِالْحُجَّاجِ بِالْحَجِيجِ عَلَى صَعِيدِ عَرَفَاتٍ مَلَائِكَةَ السَّمَاءِ، أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ قُلْتُمْ فِيهِمْ سَلَفًا: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} [البقرة: 30].

فَكَمْ مِنْ نَبِيٍّ، وَكَمْ مِنْ رَسُولٍ، وَكَمْ مِنْ صَالِحٍ، وَكَمْ مِنْ وَلِيٍّ، وَكَمْ مِنْ مُقَرَّبٍ، وَكَمْ مِنْ عَالِمٍ، وَكَمْ مِنْ مُتَعَلِّمٍ يَخْرُجُ مِنْ صُلْبِ آدَمَ إِلَى أَنْ يَرِثَ اللهُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا، يُبَاهِي اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ بِهِمُ الْمَلَائِكَةَ، كَأَنَّمَا يَرُدُّ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ عَلَيْهِمْ مَقَالَتَهُمُ الَّتِي قَالُوهَا يَوْمَ أَنْ قَالَ لَهُمْ: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} [البقرة: 30].

هُنَاكَ عَلَى صَعِيدِ عَرَفَاتٍ تَنْتَهِي وَتَنْمَحِي جَمِيعُ الْخِلَافَاتِ!

هُنَاكَ عَلَى صَعِيدِ عَرَفَاتٍ زِيٌّ وَاحِدٌ بِلَحْنٍ وَاحِدٍ وَإِنْ تَبَايَنَتِ اللُّغَاتُ!

((وَسُبْحَانَ الَّذِي وَسِعَ سَمْعُهُ الْأَصْوَاتَ كُلَّهَا)) كَمَا قَالَتْ عَائِشَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا-!!.

وَكَمْ مِنْ أَسْوَدَ وَأَحْمَرَ وَكَمْ مِنْ أَبْيَضَ وَأَصْفَرَ، كُلُّ هَؤُلَاءِ جَاءُوا بِلُغَاتٍ مُخْتَلِفَاتٍ وَأَلْسُنٍ مُتَبَايِنَاتٍ، الْجَمِيعُ يُقْبِلُ عَلَى رَبِّنَا -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ-!

وَكَمْ مِنْ طَالِبٍ مِنَ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ مَطْلَبًا لَا يَطْلُبُهُ سِوَاهُ!

وَكَمْ مِنْ مُقْبِلٍ عَلَى اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ بِذَوْبِ الْقَلْبِ بِحَنَايَا الْكَبِدِ!

كَمْ مِنْ مُقْبِلٍ عَلَى اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ تَائِبٍ لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ!

أُمَّةٌ وَاحِدَةٌ تَذُوبُ خِلَافَاتُهَا عِنْدَ الْعَمَلِ، وَتَتَمَزَّقُ مِزَقًا وَتَتَبَدَّدُ بِدَدًا عِنْدَمَا لَا تُقْبِلُ عَلَى الْعَمَلِ وَتَكْتَفِي بِالْكَلَامِ.

إِنَّ اللهَ -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ- يَجْعَلُ النَّشِيدَ الْأَعْظَمَ فِي صَعِيدِ عَرَفَاتٍ كَمَا نَشَدَهُ النَّبِيُّ ﷺ وَأَتَى بِهِ: ((لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)).

نَسْأَلُ اللهَ -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ وَتَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ- أَنْ يَجْمَعَنَا جَمِيعًا مِنْ قَابِلٍ عَلَى صَعِيدِ عَرَفَاتٍ، وَأَنْ يَحْمِلَنَا إِلَى بَلَدِهِ الْحَرَامِ حُجَّاجًا وَمُعْتَمِرِينَ، إِنَّهُ وَلِيُّ ذَلِكَ وَالْقَادِرُ عَلَيْهِ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.

* مِنْ دُرُوسِ عِبَادَةِ الْحَجِّ الْعَظِيمَةِ: تَذَكُّرُ الْآخِرَةِ، وَاحْتِسَابُ الْجَهْدِ وَالنَّفَقَاتِ الْمَبْذُولَةِ فِي سَبِيلِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: لَا بُدَّ أَنْ يَنْظُرَ الْإِنْسَانُ فِي مَطْلَعِ سُورَةِ الْحَجِّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكْنُ عَبَثًا أَنْ يَذْكُرَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ الْقِيَامَةَ فِي مَطْلَعِ السُّورَةِ الَّتِي سُمِّيَتْ بِهَذِهِ الْفَرِيضَةِ الْجَلِيلَةِ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا مَا تَأَمَّلَ فِي فَرِيضَةِ الْحَجِّ وَجَدَ أَنَّ فِيهَا كَثِيرًا مِنَ الشَّجَنِ؛ الْإِنْسَانُ فِيهَا مُوَدِّعٌ لِأَهْلِهِ، مُوَدِّعٌ لِرِفَاقِهِ، مُوَدِّعٌ لِذَوِيهِ، خَارِجٌ مُتْجَرِّدًا مِنْ دُنْيَاهُ، مُسَافِرٌ إِلَى اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

الْإِنْسَانُ يَذْهَبُ وَرُبَّمَا لَا يَعُودُ، الْإِنْسَانُ يَخْرُجُ مِنْ دُنْيَاهُ إِلَى قِطْعَةٍ مِنَ الْعَذَابِ.. إِلَى السَّفَرِ، كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ: ((السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنَ الْعَذَابِ)).

الْإِنْسَانُ يُنْفِقُ فِي الْحَجِّ، وَالرَّسُولُ ﷺ يَقُولُ: ((وَأَجْرُكَ عَلَى قَدْرِ نَصَبِكَ وَنَفَقَتِكَ)).

أَجْرُكَ فِي الْحَجِّ عَلَى قَدْرِ نَصَبِكَ، عَلَى قَدْرِ تَعَبِكَ، عَلَى قَدْرِ الْمَشَقَّةِ الَّتِي تَقَعُ عَلَى عَاتِقِكَ عَلَى أُمِّ رَأْسِكَ فِي الْحَجِّ، أَجْرُكَ فِي الْحَجِّ عَلَى قَدْرِ نَصَبِكَ وَنَفَقَتِكَ، وَعَلَى قَدْرِ إِنْفَاقِكَ وَبَذْلِكَ.

الرَّسُولُ ﷺ عِنْدَمَا أَمَرَنَا بِذَلِكَ؛ وَعَدَنَا عَلَيْهِ مَوْعِدًا حَسَنًا جَلِيلًا، يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ: ((وَاتِرُوا.. تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ؛ فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الْفَقْرَ وَالذُّنُوبَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ)).

إِنَّ نَفَقَتَكَ لَا تُنْقِصُ مِنْ مَالِكَ شَيْئًا..

يُعَلِّمُكَ الْبَذْلَ -أَيِ: الْحَجُّ-، وَيُعَلِّمُكَ الْإِنْفَاقَ -أَيِ: الْحَجُّ-، وَيُعَلِّمُكَ الْجُودَ، كَمَا قَالَ الرَّسُولُ ﷺ: ((بِرُّ الْحَجِّ طِيبُ الْكَلَامِ وَإِطْعَامُ الطَّعَامِ)).

الرَّسُولُ ﷺ يَدْعُونَا إِلَى قَبْضِ الْيَدِ؟!!

لَا، بَلْ إِلَى بَسْطِهَا ﷺ، إِلَى الْجُودِ وَإِلَى السَّخَاءِ وَإِلَى الْعَطَاءِ فِي هَذِهِ الرِّحْلَةِ؛ لِكَيْ يَعُودَ الْإِنْسَانُ جَدِيدًا عَلَى وَاقِعِهِ، نَافِعًا لِإِخْوَانِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، كَمَا قَالَ الرَّسُولُ ﷺ: ((رَجَعَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ)).

* مِنْ أَعْظَمِ وَأَجَلِّ دُرُوسِ الْحَجِّ: رَبْطُ مَاضِي الْأُمَّةِ بِحَاضِرِهَا: إِنَّ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ يَرْبِطُ مَاضِيَ الْأُمَّةِ بِحَاضِرِهَا بِمُسْتَقْبَلِهَا؛ لِأَنَّ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ أُمَّةٌ وَاحِدَةٌ، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ تَذْهَبُ إِلَى هُنَالِكَ تَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، لِأَجْلِ أَيِّ شَيْءٍ؟

لِأَنَّ أُمَّنَا الْبَرَّةَ الْبَارَّةَ كَانَتْ تَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ؛ مِنْ أَجْلِ أَنْ تَبْحَثَ عَنِ الْمَاءِ لِابْنِهَا إِسْمَاعِيلَ -عَلَيْهِ وَعَلىَ نَبِيِّنَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَأَزْكَى التَّسْلِيمِ-.

هُنَالِكَ نَسْتَلِمُ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ، وَنُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ عِنْدَ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ، وَنَتَأَمَّلُ فِي تِلْكَ الْمَنَاسِكِ، بَلْ إِنَّنَا نَرْجُمُ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ، ثُمَّ نَرْجُمُ الَّتِي تَلِيهَا فَالَّتِي تَلِيهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ -كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ-؛ إِحْيَاءً لِسُنَّةِ إِبْرَاهِيمَ كَمَا فِي الْحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «إِنَّ جِبْرِيلَ ذَهَبَ بِإِبْرَاهِيمَ إِلَى جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، فَعَرَضَ لَهُ الشَّيْطَانُ، فَرَمَاهُ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، فَسَاخَ فِي الْأَرْضِ، ثُمَّ أَتَى بِهِ الْجَمْرَةَ الْوُسْطَى، فَعَرَضَ لَهُ الشَّيْطَانُ، فَرَمَاهُ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، فَسَاخَ فِي الْأَرْضِ، ثُمَّ أَتَى بِهِ الْجَمْرَةَ الْقُصْوَى، فَعَرَضَ لَهُ الشَّيْطَانُ، فَرَمَاهُ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، فَسَاخَ فِي الْأَرْضِ))، فَهَكَذَا تَفْعَلُونَ إِحْيَاءً لِسُنَّةِ إِبْرَاهِيمَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-.

بَلْ هَذِهِ الضَّحَايَا الَّتِي نُقَرِّبُهَا قُرْبَانًا لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.. هَذِهِ الضَّحَايَا إِحْيَاءٌ لِسُنَّةِ إِبْرَاهِيمَ فِي ذَلِكَ الْفِدَاءِ الْعَظِيمِ الَّذِي فَدَى اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ بِهِ إِسْمَاعِيلَ.

وَمِنْ دُرُوسِ الْحَجِّ الْعَظِيمَةِ: التَّسْلِيمُ الْمُطْلَقُ لِلهِ مَعَ الْأَخْذِ بِالْأَسْبَابِ؛ فَإِنَّ الْمَشَاعِرَ وَمَوَاضِعَ الْأَنْسَاكِ -فِي الْحَجِّ- مِنْ جُمْلَةِ الْحِكَمِ فِيهَا؛ أَنَّ فِيهَا تَذْكِيرَاتٍ بِمَقَامَاتِ الْخَلِيلِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فِي عِبَادَاتِ رَبِّهِمْ، وَإِيمَانًا بِاللهِ وَرُسُلِهِ، وَحَثًّا عَلَى الِاقْتِدَاءِ بِهِمْ فِي كُلِّ أَحْوَالِهِمُ الدِّينِيَّةِ، وَكُلُّ أَحْوَالِ الرُّسُلِ دِينِيَّةٌ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} [البقرة: 125].

لَمَّا تَمَّ بُنْيَانُ الْبَيْتِ، وَتَمَّ لِلْخَلِيلِ هَذَا الْأَثَرُ الْجَلِيلُ؛ أَمَرَهُ اللهُ أَنْ يَدْعُوَ النَّاسَ وَيُؤَذِّنَ فِيهِمْ بِحَجِّ هَذَا الْبَيْتِ، فَجَعَلَ يَدْعُو النَّاسَ وَهُمْ يَفِدُونَ إِلَى هَذَا الْبَيْتِ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ؛ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ دُنْيَاهُمْ وَأُخْرَاهُمْ وَيَسْعَدُوا، وَلِيَزُولَ عَنْهُمْ شَقَاؤُهُمْ.

وَفِي هَذِهِ الْأَثْنَاءِ حِينَ تَمَكَّنَ حُبُّ إِسْمَاعِيلَ مِنْ قَلْبِهِ، وَأَرَادَ اللهُ أَنْ يَمْتَحِنَ خَلِيلَهُ إِبْرَاهِيمَ لِتَقْدِيمِ مَحَبَّةِ رَبِّهِ وَخُلَّتِهِ الَّتِي لَا تَقْبَلُ الْمُشَارَكَةَ وَالْمُزَاحَمَةَ، فَأَمَرَهُ فِي الْمَنَامِ أَنْ يَذْبَحَ إِسْمَاعِيلَ، وَرُؤْيَا الْأَنْبِيَاءِ وَحْيٌ مِنَ اللهِ، فَقَالَ لِإِسْمَاعِيلَ: {إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ}.

{فَلَمَّا أَسْلَمَا}؛ أَيْ: خَضَعَا لِأَمْرِ اللهِ، وَانْقَادَا لِأَمْرِهِ تَعَالَى، وَوَطَّنَا أَنْفُسَهُمَا عَلَى هَذَا الْأَمْرِ الْمُزْعِجِ الَّذِي لَا تَكَادُ النُّفُوسُ تَصْبِرُ عَلَى عُشْرِ مِعْشَارِهِ.

{وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ}، نَزَلَ الْفَرَجُ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، {وَنَادَيْنَاهُ أَن يَا إِبْرَاهِيمُ - قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا} [الصافات: 102 -105].

فَحَصَلَ تَوْطِينُ النَّفْسِ عَلَى هَذِهِ الْمِحْنَةِ وَالْبَلْوَى الشَّاقَّةِ الْمُزْعِجَةِ، وَحَصَلَتِ الْمُقَدِّمَاتُ وَالْجَزْمُ الْمُصَمِّمُ، وَتَمَّ لَهُمَا الْأَجْرُ وَالثَّوَابُ، وَحَصَلَ لَهُمَا الشَّرَفُ وَالْقُرْبُ وَالزُّلْفَى مِنَ اللهِ، وَمَا ذَلِكَ مِنْ أَلْطَافِ الرَّبِ بِعَزِيزٍ، قَالَ تَعَالَى: {إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} [الصافات: 105 -107].

وَأيُّ ذِبْحٍ أَعْظَمُ مِنْ كَوْنِهِ حَصَلَ بِهِ مَقْصُودُ هَذِهِ الْعِبَادَةِ الَّتِي لَا يُشْبِهُهَا عِبَادَةٌ، وَصَارَ سُنَّةً فِي عَقِبِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ يُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللهِ، وَيُدْرَكُ بِهِ ثَوَابُهُ وَرِضَاهُ: {وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ * سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ} [الصافات: 108 و109].

ثُمَّ إِنَّ اللهَ أَتَمَّ النِّعْمَةَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَرَحِمَ زَوْجْتَهُ سَارَّةَ عَلَى الْكِبَرِ وَالْعُقْمِ وَالْيَأْسِ بِالبِشَارَةِ بِالِابْنِ الْجَلِيلِ وَهُوَ إِسْحَاقُ، وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبُ.

وَهَذَا نَبِيُّكُمْ ﷺ قَالَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: ((خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ))، وَإِنَّ مَا أَتَى بِهِ النَّبِيُّ ﷺ يَنْبَغِي أَنْ يُلْتَزَمَ؛ لِأَنَّ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ جَعَلَهُ حُجَّةً عَلَى خَلْقِهِ فِي أَرْضِهِ، وَهُوَ خَاتَمُ الْمُرْسَلِينَ -صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ-.

وَاللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ جَعَلَ الْإِيمَانَ فِي هَذَا الْأَمْرِ بَادِيًا، فَإِنَّ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ بِمُقْتَضَى عَقْدِ الْإِيمَانِ يَقُولُ لِلْعَبْدِ: اتْرُكْ أَهْلَكَ.

فَيَقُولُ: نَعَمْ.

يَقُولُ لِلْعَبْدِ: غَادِرْ وَطَنَكَ.

فَيَقُولُ: نَعَمْ.

يَقُولُ لِلْعَبْدِ: اخْلَعْ ثَوْبَكَ.

فَيَقُولُ: نَعَمْ.

يَقُولُ لِلْعَبْدِ: طُفْ بِالْبَيْتِ سَبْعًا.

فَيَقُولُ: نَعَمْ.

يَقُولُ لِلْعَبْدِ: اسْعَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ سَبْعًا.

فَيَقُولُ: نَعَمْ.

يَقُولُ لِلْعَبْدِ: انْحَرْ هَدْيَكَ.

يَقُولُ: نَعَمْ.

يَقُولُ لِلْعَبْدِ: احْلِقْ رَأْسَكَ.

يَقُولُ: نَعَمْ.

يَجْعَلُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ الْأَمْرَ هَكَذَا، وَعَلَى اسْتِجَابَةٍ مِنْ عَبْدِهِ هَكَذَا.

عِبَادَ اللهِ! ((إِذَا طَلَعَتْ شَمْسُ التَّوْحِيدِ وَبَاشَرَتْ جَوَانِبَهَا الْأَرْوَاحُ، وَنُورَهَا الْبَصَائِرُ؛ تَجَلَّتْ بِهَا ظُلُمَاتُ النَّفْسِ وَالطَّبْعِ؛ وَتَحَرَّكَتْ بِهَا الْأَرْوَاحُ فِي طَلَبِ مَنْ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ، فَسَافَرَ الْقَلْبُ فِي بَيْدَاءِ الْأَمْرِ، وَنَزَلَ مَنَازِلَ الْعُبُودِيَّةِ مَنْزِلًا مَنْزِلًا، فَهُوَ يَنْتَقِلُ مِنْ عِبَادَةٍ إِلَى عِبَادَةٍ، مُقِيمٌ عَلَى مَعْبُودٍ وَاحِدٍ.

فَلَا تَزَالُ شَوَاهِدُ الصِّفَاتِ قَائِمَةً بِقَلْبِهِ، تُوقِظُهُ إِذَا رَقَدَ، وَتُذَكِّرُهُ إِذَا غَفَلَ، وَتَحْدُو بِهِ إِذَا سَارَ، وَتُقِيمُهُ إِذَا قَعَدَ، إِنْ قَامَ بِقَلْبِهِ شَاهِدٌ مِنَ الرُّبُوبِيَّةِ وَالْقَيُّومِيَّةِ رَأَى أَنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلهِ، لَيْسَ لِأَحَدٍ مَعَهُ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ, {مَّا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا ۖ وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (2) يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ۚ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ۚ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ} [فاطر: 2-3].

{وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [يونس: 107].

{وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ} [الزمر: 38]».

قَالَ تَعَالَى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا} [الأحزاب: 36].

عِبَادَ اللهِ! فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ الْعَظِيمَةِ الطَّيِّبَةِ يَنْبَغِي عَلَيْنَا أَنْ نَتُوبَ إِلَى اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، عَسَى اللهُ -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ- أَنْ يَرْفَعَ الْكَرْبَ عَنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَعَسَى اللهُ -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ وَتَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ- أَنْ يُؤَلِّفَ بَيْنَ قُلُوبِ أَبْنَائِهَا، وَأَنْ يَجْمَعَ شَمْلَهَا، وَأَنْ يُوَحِّدَ صُفُوفَهَا، وَأَنْ يَرْفَعَ رَايَتَهَا.


((مِيلَادٌ بَعْدَ الْحَجِّ))

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ! إِنَّ الْحَجَّ يُعَلِّمُ الْإِنْسَانَ كَيْفَ يُولَدُ مِنْ جَدِيدٍ؛ لِأَنَّ اللهَ -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ- يُعِيدُ الْمَرْءَ مِنْ تِلْكَ الرِّحْلَةِ جَدِيدًا عَلَى وَاقِعِهِ، جَدِيدًا عَلَى مُجْتَمَعِهِ، مَغْفُورًا لَهُ، قَدْ نَقَّى اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ صَفْحَتَهُ، فَعَلَى الْمَرْءِ أَنْ يَكُونَ مُرْتَبِطًا بِذَلِكَ عَلَى قَدْرِ وُسْعِهِ وَاسْتِطَاعَتِهِ.

عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: فَلَمَّا جَعَلَ اللهُ الْإِسْلَامَ فِي قَلْبِي، أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقُلْتُ: ابْسُطْ يَمِينَكَ فَلْأُبَايِعْكَ، فَبَسَطَ يَمِينَهُ.

قَالَ: فَقَبَضْتُ يَدِي.

قَالَ: ((مَا لَكَ يَا عَمْرُو؟))

قَالَ: قُلْتُ: أَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِطَ.

قَالَ: ((تَشْتَرِطُ بِمَاذَا؟))

قُلْتُ: أَنْ يُغْفَرَ لِي.

قَالَ: ((أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ، وَأَنَّ الْهِجْرَةَ تَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهَا، وَأَنَّ الْحَجَّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ؟)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((مَنْ حَجَّ هَذَا الْبَيْتَ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

إِنَّ الْحَجَّ مَدْرَسَةٌ لَا تُقَدِّمُ فِيهَا قُرْبَانًا لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ بُدْنًا تُنْحَرُ فَقَطْ، وَإِنَّمَا تَذْبَحُ عَلَى مَذَابِحِ الْقُرْبِ لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ خِصَالًا سَيِّئَاتٍ، وَتَعُودُ وَقَدْ طَلَّقْتَ صِفَاتٍ رَذِيلَاتٍ، تَأْتِي وَقَدِ اغْتَسَلْتَ، أَلَمْ يَقُلْهَا النَّبِيُّ ﷺ؟ وَأَنْتَ إِذَا مَا طُفْتَ بِالْبَيْتِ؛ يَعْنِي: طَوَافَ الرُّكْنِ.. بَعْدَ الْحَلْقِ.. بَعْدَ التَّقْصِيرِ.. بَعْدَ النَّحْرِ.

النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: ((إِنَّكَ إِذَا مَا طُفْتَ بِالْبَيْتِ عِنْدَئِذٍ؛ جَاءَ الْمَلَكُ؛ لِأَنَّكَ تَطُوفُ وَلَا ذَنْبَ لَكَ فَيَجْعَلُ يَدَهُ -يَدًا مَلَائِكِيَّةً طَاهِرَةً لَمْ تُدَنَّسْ قَطُّ بِمَعْصِيَةٍ- ثُمَّ دُعَاءٌ بِإِرْشَادٍ خَرَجَ خَبَرًا عَلَى سَبِيلِ الْإِنْشَاءِ، وَالْمَعْنِيُّ بِهِ الدُّعَاءُ مِنْ بَعْدِ الْإِخْبَارِ، يَقُولُ الْمَلَكُ كَمَا قَالَ الْمُخْتَارُ ﷺ: ((اعْمَلْ فِيمَا تَسْتَقْبِلُ))؛ يَعْنِي: احْذَرْ فِيمَا هُوَ آتٍ، لَقَدْ عُدْتَ بِصَفْحَةٍ بَيْضَاءَ لَا دَنَسَ فِيهَا وَلَا تَلَوُّثَ، فَحَذَارِ! حَذَارِ ثُمَّ حَذَارِ أَنْ تُلَوِّثَهَا! حَذَارِ ثُمَّ حَذَارِ أَنْ يُكْتَبَ فِيهَا شَيْءٌ بِقَلَمِ الْمَعْصِيَاتِ.

يَقُولُ لَكَ الْمَلَكُ وَيَدُهُ بَيْنَ كَتِفَيْكَ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ.. وَأَحْسَبُ أَنَّ أَحَدًا وَصَلَ إِلَى هَذَا الْمَقَامِ وَعَادَ مَغْفُورًا لَهُ؛ لَا بُدَّ أَنْ يَجِدَ مَسَّ يَدِ الْمَلَكِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ؛ صِدْقًا وَيَقِينًا عَلَى كَلَامِ النَّبِيِّ ﷺ: ((اعْمَلْ فِيمَا تَسْتَقْبِلُ فَقَدْ غُفِرَ لَكَ مَا مَضَى)).

إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ عِنْدَمَا كَانَ يُسْأَلُ ﷺ عَمَّا يُقَدَّمُ وَيُؤَخَّرُ؛ يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ: ((افْعَلْ وَلَا حَرَجَ)) ﷺ فِيمَا نَصَّ عَلَيْهِ.

النَّبِيُّ ﷺ يَدُلُّنَا عَلَى أَنَّ هَذَا الْحَجَّ مَدْرَسَةُ الْإِسْلَامِ الْكُبْرَى، يَتَعَلَّمُ فِيهَا الْمَرْءُ دُرُوسًا لَا يُمْكِنُ أَنْ يُحَصِّلَهَا قَاعِدًا.

الرَّسُولُ ﷺ يَقُولُ -فِيمَا يَقُولُهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ صَحِيحًا- يَقُولُ رَبُّنَا -جَلَّ وَعَلَا- فِيمَا أَخْبَرَ عَنْهُ نَبِيُّهُ ﷺ: ((إِنَّ عَبْدًا وَسَّعْتُ عَلَيْهِ فِي رِزْقِهِ وَصَحَّحْتُ لَهُ فِي بَدَنِهِ تَمُرُّ عَلَيْهِ خَمْسَةٌ -يَعْنِي: خَمْسَةُ أَعْوَامٍ- لَا يَفِدُ عَلَيَّ فِيهَا -يَعْنِي: الْبَيْتَ- هُوَ مَحْرُومٌ)).

النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: ((تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ؛ فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الْفَقْرَ وَالذُّنُوبَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ)).

لَا يُنْقِصُ مِنْ مَالِكَ شَيْئًا، بَلْ يَزِيدُ.

هَذَا الْمُؤْتَمَرُ السَّنَوِيُّ الْعَظِيمُ لَا تَجِدُ لَهُ مَثِيلًا فِي دِينٍ، وَلَا تَجِدُ لَهُ مَثِيلًا فِي مِلَّةٍ أَبَدًا.

هَذَا الْمُؤْتَمَرُ السَّنَوِيُّ الْعَظِيمُ لَا يُمْكِنُ أَنْ تُنَظِّمَهُ حُكُومَةٌ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ تُنَظِّمَهُ سُلْطَةٌ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُنَظِّمَهُ إِلَّا صَاحِبُ الْقُوَى وَالْقُدَرِ.

اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ فِيهِ هُوَ الْحَافِظُ، وَكَمْ مِنْ خَارِجٍ مِنْ بَيْتِهِ مُخَلِّفًا أَهْلَهُ وَذَوِيهِ، وَكَمْ مِنْ خَارِجٍ إِلَى اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ مُخْلِصًا وَغَيْرَ مُخْلِصٍ، وَكَمْ مِنْ قَائِمٍ عَلَى صَعِيدِ عَرَفَاتٍ يَدْعُو اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ وَيَغْفُلُ عَنْ دُعَائِهِ كَمَا بَيَّنَ لَنَا نَبِيُّنَا ﷺ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَذَلِكَ، كَمْ مِنْ قَائِمٍ هُنَاكَ وَقَاعِدٍ، وَكَمْ مِنْ بَاكٍ هُنَاكَ وَضَاحِكٍ!

وَهَذَا الْمُؤْتَمَرُ قَدْ حُشِدَ فِيهِ النَّاسُ لَا يُمْكِنُ بِحَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ أَنْ تَجِدَ لَهُ مَثِيلًا، وَلَا يُمْكِنُ لِلْمُرَاقِبِ لِلْأُمَّةِ يُرِيدُ أَنْ يَعْلَمَ عِزَّهَا مِنْ ذُلِّهَا، يُرِيدُ أَنْ يَعْلَمَ رِفْعَتَهَا مِنْ ضَعَتِهَا، يُرِيدُ أَنْ يَعْلَمَ سَدَادَهَا وَرُشْدَهَا مِنْ ضَيْعَتِهَا وَعَيْبَتِهَا، يُرِيدُ أَنْ يَعْلَمَ غِنَاهَا مِنْ فَقْرِهَا، يُرِيدُ أَنْ يَعْلَمَ تَجَمُّعَهَا مِنْ تَفَرُّقِهَا، لَا يُمْكِنُ لِمُرَاقِبٍ يُرِيدُ أَنْ يَعْلَمَ ذَلِكَ وَلَا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَعْلَمَهُ عَلَى وَجْهِهِ إِلَّا إِذَا كَانَ مُرَاقِبًا لِهَذَا الْوَفْدِ الْوَافِدِ وَالْحَشْدِ الْحَاشِدِ فِي هَذَا الْمَوْكِبِ السَّنَوِيِّ الْعَظِيمِ، فِي هَذَا الْمُؤْتَمَرِ الْإِسْلَامِيِّ الْكَبِيرِ الَّذِي يَأْتِي فِيهِ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ بِوَفْدِهِ، دَعَاهُمْ فَلَبَّوْا كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ، دَعَاهُمْ وَكَتَبَ لَهُمْ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ الَّتِي سَبَقَتْ.. كَتَبَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ فِيمَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- فِيمَا لَهُ حُكْمُ الرَّفْعِ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ قَدْ قَالَهُ مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ -رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى أَبِيهِ-: ((أَنَّهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ يُكْتَبُ وَفْدُ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ))، يُكْتَبُ مَنْ يَحُجُّ فِي قَابِلٍ، يُكْتَبُ مَنْ يَحُجُّ فِي الْعَامِ الَّذِي يَلِي وَمَنْ يَعْتَمِرُ وَمَنْ يَفِدُ عَلَى اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَخْذًا مِنْ كِتَابِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ {فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} [البقرة: 197]؛ لِأَنَّ النَّاسَ فِي حَالَاتِهِمُ الْعَادِيَّةِ لَا يُطِيقُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، لِأَنَّ النَّاسَ فِي حِلِّهِمْ لَا فِي تَرْحَالِهِمْ، فِي إِقَامَتِهِمْ لَا فِي ظَعْنِهِمْ، فِي حَالِ وُجْدِهِمْ لَا فِي حَالِ إِعْدَامِهِمْ وَفَقْرِهِمْ، النَّاسُ فِي حَالِ إِقَامَتِهِمْ لَا فِي حَالِ غُرْبَتِهِمْ، النَّاسُ فِي حَالٍ لَا تَتَكَدَّرُ فِيهَا بَلَابِلُهُمْ وَلَا يَتَكَدَّرُ فِيهَا بَالُهُمْ، النَّاسُ مَعَ إِقَامَتِهِمْ لَا يُطِيقُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَتَضِيقُ أَخْلَاقُ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ؛ فَكَيْفَ إِذَا اجْتَمَعَتْ تِلْكَ الْمَلَايِينُ -وَرَبُّكَ أَعْلَمُ- فِي هَذَا الْمَكَانِ الضَّيِّقِ؟!!

وَمَكَّةُ ضَيِّقَةٌ يُوَسِّعُهَا اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ كَيْفَ شَاءَ عَلَى مَنْ شَاءَ بِمَا يَشَاءُ وَإِلَى مَا يَشَاءُ، يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، {بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ} [إبراهيم: 37] كَمَا قَالَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ حِكَايَةً عَنْ إِبْرَاهِيمَ.

اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ يَجْعَلُ هَذَا الْحَشْدَ الْحَاشِدَ وَالْوَفْدَ الْوَافِدَ فِي تِلْكَ الْبُقْعَةِ الضَّيِّقَةِ ظَاهِرًا، أَجْسَادٌ مُتَلَاصِقَاتٌ، عَرَقٌ يَسِيلُ، وَرَوَائِحُ تَفُوحُ، شُعُورٌ مُشَعَّثَةٌ، ثِيَابٌ مُتَرَهِّلَةٌ، وَلَا ثِيَابَ هُنَاكَ بَلْ قُلْ أَكْفَانٌ، اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ يَجْمَعُ هَؤُلَاءِ، وَكَمْ فِي كُلِّ قَلْبٍ مِنَ الْخَوَاطِرِ الَّتِي لَا يُحْصِيهَا إِلَّا اللهُ، وَلَكِنْ مَنْ يُرَاقِبُهَا وَمَنْ يُحْصِيهَا؟!! إِنَّهُ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ.

وَكَمْ مِنْ دَاعٍ بِمُخْتَلَفِ اللُّغَاتِ عِنْدَمَا يَقُومُ عَلَى صَعِيدِ عَرَفَاتٍ وَرَبُّكَ -جَلَّ وَعَلَا- يَسْمَعُ هَؤُلَاءِ جَمِيعًا، وَاللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ يُجِيبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَحْرِمُ مَنْ يَشَاءُ، وَالْوَاقِفُ هُنَالِكَ يَرْقُبُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ حَقًّا إِذَا كَانَ قَدْ خَرَجَ لِلهِ صِدْقًا، حَجَّ لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ كَمَا فَعَلَ الْمُتَقَدِّمُونَ السَّالِفُونَ -رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ-؛ الْوَاحِدُ مِنْهُمْ كَانَ يَقُولُ فِي صَعِيدِ عَرَفَاتٍ -وَهُوَ يَسْتَشْرِفُ مِنْ أَجْلِ أَنْ يَنْظُرَ عَلَى الْمَدَى، ((... وَقَدْ سَالَتْ بِأَعْنَاقِ الْمَطِيِّ الْأَبَاطِحُ))، هُوَ يَنْظُرُ فَلَا يَجِدُ إِلَّا رُءُوسًا قَدِ ارْتَفَعَتْ وَعُيُونًا هَاطِلَاتٍ بِالدُّمُوعِ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ إِلَّا نَشِيجًا عُلْوِيًّا يُحِبُّهُ اللهُ وَيَرْضَاهُ، فَيَتَّهِمُ نَفْسَهُ وَإِنَّهُ لِمَنَ السَّابِقِينَ -إِنْ شَاءَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ- يَقُولُ لِنَفْسِهِ بَاكِيًا نَاشِجًا: ((لَوْلا أَنِّي فِيهِمْ لَرَجَوْتُ أَنْ يُغْفَرَ لَهُمْ!!)).

لَوْلَا أَنِّي فِيهِمْ، لَوْلَا أَنِّي قَدْ دَنَّسْتُ جَمْعَهُمْ، لَوْلَا أَنِّي قَدْ كَدَّرْتُ اجْتِمَاعَهُمْ، يُلْقِي عَلَى نَفْسِهِ بِاللَّائِمَةِ، يَرْقُبُ سَيِّئَاتِهِ، وَهَلْ هُنَاكَ مَنْ لَا سَيِّئَةَ لَهُ حَاشَا الْمَعْصُومَ ﷺ؟!!

لَا يَذْهَبُ الْمَرْءُ هُنَاكَ إِلَّا مِنْ أَجْلِ أَنْ يَعُودَ كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ، وَلِذَلِكَ يَأْتِي الْحَلْقُ، وَيَدْعُو النَّبِيُّ ﷺ لِلْمُحَلِّقِينَ ثَلَاثًا وَلِلْمُقَصِّرِينَ وَاحِدَةً، مَا الْحِكْمَةُ الَّتِي يُمْكِنُ أَنْ تَتَبَدَّى مِنْ ذَلِكَ؟

هُوَ يَحْلِقُ فِي يَوْمِ النَّحْرِ إِذَا مَا كَانَ مُتَنَسِّكًا حَاجًّا عَابِدًا لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَمَّا خَدَمُ الْبَيْتِ الَّذِينَ لَمْ يَنْوُوا وَلَمْ يُهِلُّوا فَلَيْسُوا بِذَا، وَأَمَّا الَّذِي يَذْهَبُ حَاجًّا يَحْلِقُ رَأْسَهُ، وَتَلْحَظُ فِيهِ مَلْحَظًا عَجِيبًا، أَلَا تَعْلَمُ أَنَّ سُنَّةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّ الْغُلَامَ إِذَا مَا وُلِدَ فَإِنَّهُ فِي يَوْمِ سَابِعِهِ تُنْحَرُ عَنْهُ عَقِيقَتُهُ وَتُذْبَحُ، تُذْبَحُ عَنْهُ الْعَقِيقَةُ فِي يَوْمِ سَابِعِهِ وَيُحْلَقُ رَأْسُهُ وَيُسَمَّى، فَأَمَّا التَّسْمِيَةُ قَبْلَ السَّابِعِ فَجَائِزَةٌ.

وَأَمَّا السُّنَّةُ فَأَنْ تَكُونَ التَّسْمِيَةُ فِي السَّابِعِ لِحَدِيثِ رَسُولِ اللهِ، فَكَأَنَّهُ لَمْ يُكْتَبْ فِي سِجِلِّ الْأَحْيَاءِ كَائِنًا يُمْكِنُ أَنْ يُنَادَى وَيُسَمَّى إِلَى فِي يَوْمِ السَّابِعِ يَوْمَ يُذْبَحُ عَنْهُ عَقِيقَتُهُ وَيَوْمَ أَنْ تُرَاقَ الدِّمَاءُ، وَكَذَلِكَ يَكُونُ الْحَجُّ مَوْلُودًا الْوِلَادَةَ الثَّالِثَةَ؛ لِأَنَّ الْوِلَادَةَ الثَّانِيَةَ تَكُونُ يَوْمَ أَنْ تَعِيَ مَعْنَى الْإِسْلَامِ الْعَظِيمِ، وَأَنْ تَقُولَ وَأَنْتَ مُكَلَّفٌ عَلَى رَأْسِ التَّكْلِيفِ بِالْإِرَادَةِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ، فَتُولَدُ عَلَى يَدَيْ مُحَمَّدٍ ﷺ وِلَادَةَ النُّورِ وَوِلَادَةَ الصَّفَاءِ، ثُمَّ تَأْتِي وِلَادَةُ الْعُمُرِ كُلِّهِ عِنْدَمَا تَذْهَبُ إِلَى هُنَاكَ.

يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ: فَإِذَا مَا طُفْتَ طَوَافَ الرُّكْنِ؛ يَعْنِي إِذَا مَا طُفْتَ فِي يَوْمِ النَّحْرِ لَعَلَّكَ تَكُونُ قَدْ ذَبَحْتَ فَكَأَنَّمَا قَدْ ذُبِحَ عَنْكَ يَوْمَ سَابِعِكَ بِمِيلَادِكَ عَقِيقَتُكَ وَسَالَتِ الدِّمَاءُ، فَأَنْتَ تَذْبَحُ هَدْيَكَ تَقَرُّبًا إِلَى اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، تَطُوفُ بِالْبَيْتِ مِنْ أَجْلِ أَنْ تَدْخُلَ فِي مَنْظُومَةِ الْكَوْنِ الطَّائِعِ الْعَابِدِ لِلهِ، وَيُبَشِّرُكَ الْمَلَكُ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، ثُمَّ تُحْلَقُ عَنْكَ شُعُورُكَ.

وَالنَّبِيُّ ﷺ أَمَرَ وَلِيَّ الْجَارِيَةِ وَوَلِيَّ الْغُلَامِ أَنْ يَذْبَحَ عَنْهُ فِي يَوْمِ سَابِعِهِ وَأَنْ يُسَمِّيَهُ، وَكَأَنَّ الْمَلَكَ يُسَمِّيكَ فِي يَوْمِ النَّحْرِ مِنْ أَجْلِ الْوِلَادَةِ الْأَخِيرَةِ الَّتِي إِذَا مَا مِتَّ بَعْدَهَا فَأَنْتَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِيمَنْ مَاتَ مُحْرِمًا، عِنْدَمَا يَضَعُ الْيَدَ بَيْنَ كَتِفَيْهِ: ((اعْمَلْ فِيمَا تَسْتَقْبِلُ فَقَدْ غُفِرَ لَكَ مَا مَضَى)).

اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ كَأَنَّمَا يُسَمِّيكَ بِتَسْمِيَةِ الْمَلَكِ فِي هَذِهِ الْوِلَادَةِ الْجَدِيدَةِ، وَعِنْدَئِذٍ تَحْلِقُ رَأْسَكَ كَمَا حُلِقَ عَنْكَ فِي سَابِعِكَ.

مَلَامِحُ وَعِظَاتٌ وَعِبَرٌ بَاهِرَاتٌ، وَلَوْ أَنَّكَ تَأَمَّلْتَ فِي الْعِبَادَاتِ الَّتِي فَرَضَهَا اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ فَتَجِدُ فِيهَا مِنَ الْحِكَمِ الْخَفِيَّاتِ وَالْبَادِيَاتِ مَا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا رَبُّ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّ الْكَرِيمَ أَكْرَمَ الْأَكْرَمِينَ -سُبْحَانَهُ- لَا يَجْعَلُ تِلْكَ الْعِبَادَاتِ ضَرْبَةَ لَازِبٍ؛ بِمَعْنَى أَنْ تُؤَدِّيَهَا وَلَا تَنْظُرَ إِلَى أَجْرٍ عَلَيْهَا، لِأَنَّهُ لَا شُكْرَ عَلَى وَاجِبٍ كَمَا يَقُولُونَ، وَهَذَا تَكْلِيفٌ كَلَّفَكَهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ فَعَلَيْكَ أَنْ تَأْتِيَ بِهِ، وَأَنْتَ إِذَا فَعَلْتَ مَا أَنْتَ مُكَلَّفٌ بِهِ؛ فَأَيُّ شُكْرٍ تَتَحَصَّلُ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ؟ الْأَصْلُ أَنَّكَ تَأْتِي بِمَا كُلِّفْتَ بِهِ وَبِمَا هُوَ وَاجِبٌ عَلَيْكَ، كَمَا أَنَّكَ تَأْكُلُ اللُّقْمَةَ وَتَشْرَبُ الشَّرْبَةَ؛ أَتُشْكَرُ وَتُحْمَدُ عَلَى أَنَّكَ أَكَلْتَ وَشَرِبْتَ؟!!

فَهَذَا وَاجِبٌ عَلَيْكَ أَنْ تَأْتِيَ بِهِ وَإِلَّا كُنْتَ قَاتِلًا لِنَفْسِكَ جُوعًا، فَأَنْتَ إِذَا مَا أَتَيْتَ بِالْعِبَادَاتِ لَا يَجْعَلُهَا رَبُّ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتِ ضَرْبَةَ لَازِبٍ، وَإِنَّمَا يَجْعَلُهَا رَبُّنَا -جَلَّ وَعَلَا- عَطِيَّةً مِنْ عَطَايَاهُ الَّتِي لَا حَدَّ لَهَا، ((الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمْعَةُ إِلَى الْجُمْعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ، مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ)).

يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ: إِنَّ اللهَ يُعْطِي وَإِنَّ اللهَ يَجُودُ، إِنَّ اللهَ -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ- عِنْدَمَا تَحُجُّ إِلَى بَيْتِهِ الْحَرَامِ لَا تَرْجِعُ مِنْ عِنْدِ رَبِّكَ -جَلَّ وَعَلَا- وَأَنْتَ عَلَيْهِ وَافِدٌ مِنْ غَيْرِ عَطِيَّةِ الْقُرْبِ لِلْقُرْبِ مِنْ بَعْدِ أَنْ يُقَرِّبَكَ، مِنْ بَعْدِ أَنْ يُزِيلَ عَنْكَ هَمَّكَ وَحُزْنَكَ وَتَرَحَكَ، مِنْ بَعْدِ أَنْ يُزِيلَ عَنْكَ غَمَّكَ وَكُرَبَكَ، مِنْ بَعْدِ أَنْ يُعِيدَكَ كَيَوْمَ وَلَدَتْكَ أُمُّكَ، وَمَاذَا تُرِيدُ بَعْدُ إِلَّا اسْتِقَامَةَ اللِّسَانِ وَاسْتِقَامَةَ الْجَنَانِ، وَاسْتِقَامَةَ الْقَدَمِ عَلَى الصِّرَاطِ صِرَاطِ النَّبِيِّ الْعَدْنَانِ ﷺ.

يَا لَهُ مِنْ دِينٍ لَوْ كَانَ لَهُ رِجَالٌ!!


((حَالُ الْمُسْلِمِ بَعْدَ أَدَاءِ مَنَاسِكِ الْحَجِّ))

عِبَادَ اللهِ! يَنْبَغِي لِلْحَاجِّ أَنْ يَسْتَشْعِرَ نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْهِ بِأَدَاءِ فَرِيضَةِ الْحَجِّ، وَمِنْ شُكْرِ النِّعْمَةِ أَنْ يَسْتَمِرَّ عَلَى الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، وَأَنْ يَسْتَقِيمَ عَلَى طَاعَةِ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ- وَدَوَامِ مُرَاقَبَتِهِ، يَقُولُ -سُبْحَانَهُ-: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [هود: 112].

فَالْزَمْ يَا رَسُولَ اللهِ النَّهْجَ الْمُسْتَقِيمَ الْمُتَوَسِّطَ بَيْنَ طَرَفَيِ الْإِفْرَاطِ وَالتَّفْرِيطِ، وَاثْبُتْ عَلَى دِينِ رَبِّكَ وَالْعَمَلِ بِهِ وَالدُّعَاءِ إِلَيْهِ أَنْتَ وَمَنْ آمَنَ مَعَكَ مِنْ أُمَّتِكَ.

وَلَا تُجَاوِزُوا مَا حُدِّدَ لَكُمْ بِإِفْرَاطٍ أَوْ تَفْرِيطٍ، إِنَّهُ -سُبْحَانَهُ- بَصِيرٌ -دَوَامًا- بِكُلِّ مَا تَعْمَلُونَ فِي حَيَاتِكُمْ، وَسَيُعَاقِبُ الْمُتَجَاوِزِينَ حُدُودَهُ بِعَدْلِهِ.

وَعَنْ أَبِي عَمْرٍو -وَقِيلَ: أَبِي عَمْرَةَ- سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! قُلْ لِي فِي الْإِسْلَامِ قَوْلًا لَا أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَدًا غَيْرَكَ.

قَالَ ﷺ: «قُلْ آمَنْتُ بِاللَّهِ، ثُمَّ اسْتَقِمْ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

((ثُمَّ اسْتَقِمْ))؛ مَعْنَاهُ: أَيِ اسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ مُمْتَثِلًا أَمْرَ اللهِ، مُجْتَنِبًا نَهْيَهُ)).

إِنَّ مِنْ عُقُوبَةِ السَّيِّئَةِ: السَّيِّئَةَ بَعْدَهَا، وَمِنْ ثَوَابِ الْحَسَنَةِ: الْحَسَنَةُ بَعْدَهَا.

إِنَّ الْعَبْدَ الْمُسْلِمَ يَعْبُدُ رَبَّهُ إِلَى آخِرِ نَفَسٍ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ ((مَنْ كَانَ آخِرَ كَلَامِهِ مِنَ الدُّنْيَا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؛ دَخَلَ الْجَنَّةَ)).

إِلَى آخِرِ لَحْظَةٍ -إِلَى الْغَرْغَرَةِ- عِبَادَةٌ لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ}؛ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْمَوْتُ.

وَقَالَ تَعَالَى: {فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ} [الشرح: ٧-٨].

فَإِذَا فَرَغْتَ مِنْ عَمَلٍ نَافِعٍ مُفِيدٍ يُقَرِّبُكَ إِلَى اللهِ؛ فَاجْتَهِدْ فِي عَمَلٍ نَافِعٍ جَدِيدٍ، وَأَتْعِب نَفْسَكَ فِيهِ، وَلَا تُخْلِ وَقْتًا مِنْ أَوْقَاتِكَ فَارِغًا، وَلَا تَرْكَنْ إِلَى الرَّاحَةِ وَالدَّعَةِ، وَإِلَى رَبِّكَ وَحْدَهُ فَتَضَرَّعْ، وَاجْعَلْ رَغْبَتَكَ إِلَى اللهِ تَعَالَى فِي جَمِيعِ مَطَالِبِ دُنْيَاكَ وَآخِرَتِكَ، وَتَرَفَّع عَمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ، فَهُوَ وَحْدَهُ الْقَادِرُ عَلَى إِجَابَتِكَ وَإِسْعَافِكَ.

فَالْعِبَادَةُ لَا تَنْقَطِعُ أَبَدًا.

وَالنَّبِيُّ ﷺ كَانَ عَمَلُهُ دِيمَةً، كَانَ عَمَلُهُ دَائِمًا لَا يَنْقَطِعُ، وَأَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ.

* إِنَّ أَدَاءِ مَنَاسِكِ الْحَجِّ لَيْسَ نِهَايَةَ الطَّاعَاتِ، بَلْ هُنَاكَ كَثِيرٌ مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَاتِ، كَالْإِكْثَارِ مِنَ النَّوَافِلِ بَعْدَ أَدَاءِ الْفَرَائِضِ؛ كَمَا قَالَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-: ((وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَدَاءِ مَا افْتَرَضْتُهُ عَلَيْهِ، وَلَا يَزَالُ الْعَبْدُ يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَلَئِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ -وَهَذَا فِي تَحْصِيلِ الْمَحْبُوبِ- وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ -وَهَذَا فِي الْوِقَايَةِ مِنَ الْمَرْهُوبِ-)).

فَعَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يُكْثِرَ مِنَ النَّوَافِلِ تَقَرُّبًا إِلَى اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

إِنَّ الْمُدَاوَمَةَ عَلَى طَاعَةِ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ- وَحُسْنَ مُرَاقَبَتِهِ مِنْ أَسْبَابِ حُسْنِ الْخَاتِمَةِ؛ قَالَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ (30) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ۖ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (31) نُزُلًا مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ} [فصلت: 30-32].

{إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [الأحقاف: 13].

وَعَدَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ مَنْ آمَنَ بِهِ، وَاسْتَقَامَ عَلَى الطَّرِيقَةِ.. وَعَدَهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ هَذَا الْوَعْدَ الْحَقَّ الَّذِي لَا يَتَخَلَّفُ؛ بِتَثْبِيتٍ فِي الْحَيَاةِ، وَثَوَابٍ بَعْدَ الْمَمَاتِ.

{تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا}: عِنْدَ قَبْضِ أَرْوَاحِهِمْ؛ لَا تَخَافُوا مِمَّا أَنْتُمْ مُقْدِمُونَ مُقْبِلُونَ عَلَيْهِ، وَلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا خَلَّفْتُمْ وَرَاءَكُمْ مِنَ الْأَهْلِ وَالْوَلَدِ، سَيَحْفَظُكُمُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ فِيهِ؛ {تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ}.

فَالْمُسْلِمُ يَنْبَغِي عَلَيْهِ أَنْ يَحْرِصَ عَلَى حُسْنِ الْخَاتِمَةِ؛ فَالرَّسُولُ ﷺ كَانَ يُكْثِرُ أَنْ يَدْعُوَ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ بِهَذَا الدُّعَاءِ: ((اللَّهُمَّ يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قُلُوبَنَا عَلَى دِينِكَ)).

يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ فِي أَكْثَرِ مَا يَدْعُو بِهِ رَبَّهُ -جَلَّ وَعَلَا-: ((اللَّهُمَّ يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ! ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ)).

يَقُولُ أَنَسٌ: فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّا قَدْ آمَنَّا بِكَ، وَصَدَّقْنَا بِمَا جِئْتَ بِهِ مِنَ الْهُدَى وَالنُّورِ مِنْ عِنْدِ رَبِّكَ؛ أَفَتَخْشَى عَلَيْنَا؟)).

فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((إِنَّمَا قُلُوبُ الْخَلْقِ جَمِيعًا بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ يُقَلِّبُهَا كَيْفَ يَشَاءُ)).

فَالنَّبِيُّ ﷺ يَدْعُو رَبَّهُ بِهَذَا الدُّعَاءِ، وَالنَّبِيُّ هُوَ النَّبِيُّ ﷺ.

((اللَّهُمَّ يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ! ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ)).

وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: ((اللَّهُمَّ يَا مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ! صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ)).

فَالنَّبِيُّ ﷺ يُبَيِّنُ لَنَا أَنَّ قُلُوبَ الْخَلْقِ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ، وَأَنَّكَ لَا تَدْرِي بِمَا سَبَقَ الْكِتَابُ عَلَيْكَ؛ أَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَمْ مِنْ أَهْلِ النَّارِ؟

نَسْأَلُ اللهَ السَّلَامَةَ وَالْعَافِيَةَ.

وَلِذَلِكَ كَانَ سُفْيَانُ -رَحِمَهُ اللهُ- يَسْأَلُ النَّاسَ كَثِيرًا، يَقُولُ: هَلْ بَكَيْتَ عَلَى سَابِقِ عِلْمِ اللهِ فِيكَ؟

فَيَقُولُ لَهُ الْقَائِلُ: تَرَكْتَنِي لَا أَفْرَحُ مِنْ بَعْدِهَا أَبَدًا.

وَكَانَ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ -رَحِمَهُ اللهُ- يَقُومُ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ -جَلَّ وَعَلَا- بَاكِيًا، وَيَقُولُ: ((يَا رَبِّ! قَدْ عَلِمْتَ أَهْلَ الْجَنَّةِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَفِي أَيِّ الْفَرِيقَيْنِ كُتِبَ مَالِكٌ؟

وَيَبْكِي بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ -جَلَّ وَعَلَا- عَلَى سَابِقِ عِلْمِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ فِيهِ)).

وَفِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ: ((إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالْخَوَاتِيمِ)). وَهُوَ فِي ((الصَّحِيحَيْنِ)) مِنْ رِوَايَةِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: ((إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِخَوَاتِيمِهَا)).

وَيَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ: ((مَثَلُ الْأَعْمَالِ كَمَثَلِ الْإِنَاءِ؛ إِذَا طَابَ أَعْلَاهُ طَابَ أَسْفَلُهُ، وَإِذَا خَبُثَ أَعْلَاهُ خَبُثَ أَسْفَلُهُ)).

* مِنْ أَعْظَمِ آثَارِ الْحَجِّ: الِاسْتِقَامَةُ عَلَى التَّوْحِيدِ الْحَقِّ؛ فَالْحَجُّ مَيْدَانٌ فَسِيحٌ مِنْ مَيَادِينِ غَرْسِ الْعَقِيدَةِ فِي الْقُلُوبِ.

وَمِنْ خِلَالِ النَّظَرِ إِلَى الْآيَاتِ الَّتِي ذَكَرَتِ الْحَجَّ, أَوِ الَّتِي تُؤَدَّى فِيهَا فَرِيضَةُ الْحَجِّ؛ نَجِدُ أَنَّ اللهَ تَعَالَى رَكَّزَ عَلَى تِبْيَانِ التَّوْحِيدِ وَأَمَرَ بِهِ فِي مَوَاقِفَ كَثِيرَةٍ، وَآيَاتٍ عِدَّةٍ.

فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى هَيَّأَ تِلْكَ الْبُقْعَةَ الْمُبَارَكَةَ، وَطَهَّرَهَا مِنَ الشِّرْكِ؛ إِعْلَانًا بِأَنَّ التَّوْحِيدَ هُوَ شِعَارُ الْحَجِّ, وَشِعَارُ الْأَمَاكِنِ الَّتِي يُؤَدَّى فِيهَا الْحَجُّ, وَقَدْ أَمَرَ اللهُ تَعَالَى إِبْرَاهِيمَ بِبِنَاءِ الْكَعْبَةِ عَلَى التَّوْحِيدِ, وَأَمَرَهُ بِتَطْهِيرِهَا مِنَ الشِّرْكِ.

قَالَ تَعَالَى: {وَعَهِدْنَا إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} [البقرة: 125].

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لَّا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} [الحج: 26].

النَّبِيُّ ﷺ دَلَّنَا عَلَى عِظَمِ هَذِهِ الشَّعِيرَةِ وَهَذِهِ الْفَرِيضَةِ الْجَلِيلَةِ الَّتِي كَانَتْ لِلْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِهِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَأْتِ بِبِدْعٍ مِنَ الْأَمْرِ، وَإِنَّمَا جَاءَ النَّبِيُّ ﷺ بِالدَّعْوَةِ الَّتِي جَاءَ بِهَا الْأَنْبِيَاءُ وَالْمُرْسَلُونَ مِنْ قَبْلِهِ، وَهِيَ الدَّعْوَةُ إِلَى تَوْحِيدِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-.

وَالْحَجُّ مِنْ أَجْلَى مَجَالِي تَوْحِيدِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، فَإِنَّ الْإِنْسَانَ يَنْسَلِخُ مِنْ مَأْلُوفِ عَادَاتِهِ، وَيَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ إِخْوَانِهِ وَأَحِبَّائِهِ؛ ضَارِبًا فِي أَرْضِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، قَاصِدًا بَيْتَهُ الْحَرَامَ؛ تَلْبِيَةً لِمَا أَمَرَهُ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ بِهِ، آتِيًا بِإِعْلَانِ الْعُبُودِيَّةِ لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَحْدَهُ: ((لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ)): إِجَابَةً مِنْ بَعْدِ إِجَابَةٍ، ((لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ))، وَهُوَ اسْتِعْلَانٌ بِالْبَرَاءَةِ مِنْ كُلِّ مَعْبُودٍ سِوَى اللهِ، وَهُوَ الْإِقْرَارُ بِالْعَمَلِ وَالْقَوْلِ وَالنِّيَّةِ لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ بِالتَّوْحِيدِ وَحْدَهُ لَا إِلَهَ غَيْرُهُ.

((لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ، لَبَّيْكَ إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ)).

فَفِي هَذَا -كَمَا تَرَى- أَعْظَمُ مَا يَكُونُ مِنْ إِعْلَانِ الْعُبُودِيَّةِ لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ بِتَوْحِيدِ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا-.

«وَهَذِهِ الْكَعْبَةُ الَّتِي كَانَتْ وَلَا تَزَالُ مَحَطَّ أَشْوَاقِ الْأُمَمِ الْعَظِيمَةِ مِنَ النَّاسِ مِنْذُ بَنَاهَا إِبْرَاهِيمُ وَإِسْمَاعِيلُ -عَلَيْهِمَا السَّلَامُ- بِأَمْرِ اللهِ تَعَالَى.

إِنَّ حُجَّاجًا لَا يُحصَوْنَ وَلَا يُعَدُّونَ قَدْ بَذَلُوا تَضْحِيَاتٍ عَظِيمَةً عَبْرَ الْعُصُورِ لِلْوُصُولِ إِلَى هَذِهِ الْمَحَجَّةِ -يَعْنِي الْكَعْبَةَ الْمُشَرَّفَةَ-، فَمَاتَ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ عَلَى الطَّرِيقِ، وَبَلَغَهَا كَثِيرُونَ مِنْهُمْ بَعْدَ مَشَقَّةٍ كُبْرَى وَفِي أَعْيُنِهِمْ جَمِيعًا كَانَ ذَلِكَ الْمَبْنَى الْمُرَبَّعُ ذُرْوَةَ آمَالِهِمْ وَغَايةَ أَحْلَامِهِمْ».

«لَيْسَ مِنْ أَجْلِ الَّتِي لَا تُحِسُّ وَلَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، وَلَكِنْ مِنْ أَجْلِ اللهِ».

هَذِهِ حَقِيقَةُ التَّوْحِيدِ.

فَهُوَ الَّذِي كَرَّمَهَا، وَهُوَ الَّذِي أَقَامَهَا أَوْ رَفَعَهَا وَشَرَّفَهَا، وَهُوَ الَّذِي فَرَضَ الْحَجَّ إِلَيْهَا، فَمِنْ أَجْلِ اللهِ وَحْدَهُ سَعْيُهُمْ وَكِفَاحُهُمْ وَعَنَاؤُهُمْ وَتَعَبُهُمْ، بَلْ وَمَوْتُهُمْ عَلَى الطَّرِيقِ.

فَالتَّوْحِيدُ هُوَ شِعَارُ الْحَجِّ, وَالْحَجُّ تَتَبَدَّى فِيهِ فِي كُلِّ مَظَاهِرِهِ, وَأَقْوَالِهِ, وَأَعْمَالِهِ, وَحَرَكَاتِهِ, وَسَكَنَاتِهِ تَوْحِيدُ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا-.

وَهُوَ تَدْرِيبٌ عَمَلَيٌّ عَلَى تَوْحِيدِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ, وَإِخْلَاصِ النِّيَّةِ لِلهِ تَعَالَى وَحْدَهُ, وَعَلَى قَصْدِهِ لَا قَصْدِ سِوَاهُ بِالْعِبَادَةِ, مَعَ إِفْرَادِهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- فِي الْقَصْدِ وَالنِّيَّةِ بِكُلِّ عِبَادَةٍ, وَبِكُلِّ حَرَكَةٍ وَسَكَنَةٍ, وَبِكُلِّ إِنْفَاقٍ, وَبِكُلِّ سَفَرٍ, وَبِكُلِّ حَلٍّ وَتَرْحَالٍ؛ كُلُّ ذَلِكَ لِلهِ -جَلَّ وَعَلَا-, {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ}؛ لِا لِسِوَاهُ.

* كَمَا يَنْبَغِي لِلْحَاجِّ أَنْ يَظْهَرَ أَثَرُ حَجِّهِ فِي حُسْنِ خُلُقِهِ وَمُعَامَلَاتِهِ، قَالَ تَعَالَى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} [البقرة: 197].

وَقْتُ الْحَجِّ أَشْهَرٌ مَعْلُومَاتٌ وَهِيَ: ((شَوَّالٌ، وَذُو الْقَعْدَةِ، وَعَشْرٌ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ))؛ لِأَنَّ أَرْكَانَ الْحَجِّ تُسْتَوْفَى فِيهَا، وَتُؤْخَذُ الْأُهْبَةُ لَهُ فِيهَا، وَيُحْرَمُ بِهِ -أَيْ بِالْحَجِّ فِيهَا-، فَمَنْ أَلْزَمَ نَفْسَهُ وَأَوْجَبَ عَلَيْهَا فِي الْأَشْهُرِ الْمَعْلُومَاتِ الْحَجَّ بِالْإِحْرَامِ؛ فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ الْجِمَاعُ وَمُقَدِّمَاتُهُ الْقَوْلِيَّةُ وَالْفِعْلِيَّةُ، وَتَحْرُمُ عَلَيْهِ الْمَعَاصِي وَالْمِرَاءُ وَالْمُخَاصَمَةُ، فَإِذَا كُنْتُمْ قَدْ تَنَزَّهَتُمْ فِي حَجِّكُمْ عَنْ كُلِّ شَرٍّ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمُ اجْتَمَعْتُمْ لِعَمَلِ الْخَيْرِ، فَتَنَافَسُوا فِيهِ، وَتَبَادَلُوا النَّفْعَ، وَاعْمَلُوا عَلَى مَا يُقَوِّي جَمْعَكُمْ، وَيُزِيلُ الضُّرَّ عَنْكُمْ، وَيَدْفَعُ عَنْكُمْ كَيْدَ الْكَائِدِينَ.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((مَنْ حَجَّ هَذَا الْبَيْتَ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ، رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الْجَنَّةَ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

لَقَدْ أَمَرَ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- بِالْإِحْسَانِ إِلَى النَّاسِ عُمُومًا فَقَالَ: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا}؛ وَمِنَ الْقَوْلِ الْحَسَنِ أَمْرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ، وَنَهْيُهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَتَعْلِيمُهُمُ الْعِلْمَ، وَبَذْلُ السَّلَامِ، وَالْبَشَاشَةُ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ كُلِّ كَلَامٍ طَيِّبٍ.

قَالَ تَعَالَى: {وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} [البقرة: 177].

الْبِرُّ يَدْخُلُ فِيهِ جَمِيعُ الطَّاعَاتِ الْبَاطِنَةِ؛ كَالْإِيمَانِ بِاللَّهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالطَّاعَاتُ الظَّاهِرَةُ؛ كَإِنْفَاقِ الْأَمْوَالِ فِيمَا يُحِبُّهُ اللَّهُ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ، وَالصَّبْرِ عَلَى الْأَقْدَارِ؛ كَالْمَرَضِ وَالْفَقْرِ، وَعَلَى الطَّاعَاتِ؛ كَالصَّبْرِ عِنْدَ لِقَاءِ الْعَدُوِّ.

* وَالْحَجُّ يُعَلِّمُ الْمُسْلِمَ التَّوَاضَعَ؛ فَالنَّبِيُّ ﷺ كَانَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ مِثَالًا لِلتَّوَاضُعِ شَاخِصًا، مِثَالًا لِلْبُعْدِ عَنِ الْكِبْرِ وَالْعُجْبِ مَاثِلًا وَقَائِمًا -صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ-.

وَإِذَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ قَالَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ»، فَإِنَّ مَا أَتَى بِهِ النَّبِيُّ ﷺ يَنْبَغِي أَنْ يُلْتَزَمَ؛ لِأَنَّ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ جَعَلَهُ حُجَّةً عَلَى خَلْقِهِ فِي أَرْضِهِ، وَهُوَ خَاتَمُ الْمُرْسَلِينَ -صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ-.

كَانَ النَّبِيُّ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ مِثَالًا لِلْعَبْدِ الْقَانِتِ الْمُنِيبِ: «لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، فَقُولُوا: عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ ﷺ».

فَحَقَّقَ الْعُبُودِيَّةَ لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، سُلُوكًا وَتَطْبِيقًا وَعَمَلًا، وَكَانَ لِلهِ مُتَوَاضِعًا.

نَحَرَ بِيَدِهِ الشَّرِيفَةِ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ بَدَنَةً، نَحَرَهَا بِيَدِهِ الشَّرِيفَةِ، وَكَانَ يُمْكِنُ أَنْ يُنِيبَ وَأَنْ يُوَكِّلَ، وَلَكِنْ نَحَرَ بِيَدِهِ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ، قَالَ الْعُلَمَاءُ: كَأَنَّمَا كَانَتْ إِشَارَةً إِلَى عُمُرِهِ الشَّرِيفِ؛ إِذْ عَاشَ ثَلَاثَةً وَسِتِّينَ عَامًا ﷺ، وَوَكَّلَ عَلِيًّا -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- في نَحْرِ تَمَامِ الْمِائَةِ، ثُمَّ أَكَلَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ هَدْيِهِ كَمَا يَأْكُلُ الْحَجِيجُ، مُتَوَاضِعًا لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

فَعَلَى الْحَاجِّ أَنْ يَكُونَ مُتَوَاضِعًا، وَأَنْ يَكُونَ وَجِلًا؛ فَقَدْ مَدَحَ اللهُ أَهْلَ الخَوْفِ فِي كِتَابِهِ وَأَثْنَى عَلَيْهِمْ فَقَالَ: {إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ} إلى قَوْلِهِ: {أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ} [المؤمنون: 57-61].

عَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! قَوْلُ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ} [المؤمنون: 60]، أَهُوَ الَّذِي يَزْنِي وَيَشْرَبُ الْخَمْرَ وَيَسْرِقُ؟

قَالَ: «لَا يَا ابْنَةَ الصِّدِّيقِ، وَلَكِنَّهُ الرَّجُلُ يَصُومُ وَيُصَلِّي وَيَتَصَدَّقُ، وَيَخَافُ أَلَّا يُقْبَلَ مِنْهُ». أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

وَالْإِنْسَانُ إِذَا لَمْ يَخَفْ رَبَّهُ اتَّبَعَ هَوَاهُ، وَأَمَّا إِذَا خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ نَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى؛ كَمَا قَالَ اللهُ.

* فَلْيَجْتَهِدِ الْعَبْدُ فِي الطَّاعَاتِ، وَلْيَحْذَرْ مِنَ الْعُجْبِ فَإِنَّهُ مِنَ الْمُهْلِكَاتِ، ((إِنَّ اللهَ إِذَا أَرَادَ بِعَبْدٍ خَيْرًا فَتَحَ لَهُ مِنْ أَبْوَابِ التَّوْبَةِ وَالنَّدَمِ، وَالِانْكِسَارِ، وَالذُّلِّ وَالِافْتِقَارِ، وَالِاسْتِعَانَةِ بِهِ، وَصِدْقِ اللَّجْأِ إِلَيْهِ، وَدَوَامِ التَّضَرُّعِ وَالدُّعَاءِ وَالتَّقَرُّبِ إِلَيْهِ بِمَا أَمْكَنَ مِنَ الْحَسَنَاتِ مَا تَكُونُ تِلْكَ السَّيِّئةُ الَّتِي وَقَعَ فِيهَا وَالَّتِي اقْتَرَفَهَا سَبَبَ رَحْمَتِهِ، حَتَّى يَقُولَ عَدُوُّ اللهِ: يَا لَيْتَنِي تَرَكْتُهُ وَلَمْ أُوقِعْهُ!

وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ بَعْضِ السَّلَفِ: إِنَّ الْعَبْدَ لَيَعْمَلُ الذَّنْبَ يَدْخُلُ بِهِ الْجَنَّةَ، وَيَعْمَلُ الْحَسَنَةَ يَدْخُلُ بِهَا النَّارَ.

قَالُوا: كَيْفَ؟!!

قَالَ: يَعْمَلُ الذَّنْبَ فَلَا يَزَالُ نُصْبَ عَيْنَيْهِ خَائِفًا مِنْهُ مُشْفِقًا، وَجِلًا بَاكِيًا، نَادِمًا مُسْتَعْبِرًا، مُسْتَحِيًا مِنْ رَبِّهِ -جَلَّ وَعَلَا-، نَاكِسَ الرَّأْسِ بَيْنَ يَدَيْهِ، مُنْكَسِرَ الْقَلْبِ لَهُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ الذَّنْبُ أَنْفَعَ لَهُ مِنْ طَاعَاتٍ كَثِيرَةٍ بِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ الَّتِي بِهَا سَعَادَةُ الْعَبْدِ وَفَلَاحُهُ، حَتَّى يَكُونَ ذَلِكَ الذَّنْبُ سَبَبَ دُخُولِهِ الْجَنَّةَ، وَيَفْعَلُ الْحَسَنَةَ فَمَا يَزَالُ يَمُنُّ بِهَا عَلَى رَبِّهِ، وَيَتَكَبَّرُ بِهَا، وَيَرَى نَفْسَهُ، وَيُعْجَبُ بِهَا، وَيَسْتَطِيلُ بِهَا، وَيَقُولُ: فَعَلْتُ وَفَعَلْتُ، فَيُورِثُهُ مِنَ الْعُجْبِ وَالْكِبْرِ وَالْفَخْرِ وَالِاسْتِطَالَةِ مَا يَكُونُ سَبَبَ هَلَاكِهِ.

فَإِذَا أَرَادَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا- بِهَذَا الْمِسْكِينِ خَيْرًا ابْتَلَاهُ بِأَمْرٍ يَكْسَرُهُ بِهِ، وَيُذِلُّ بِهِ عُنُقَهُ، وَيُصَغِّرُ بِهِ نَفْسَهُ عِنْدَهُ، وَإِنْ أَرَادَ بِهِ غَيْرَ ذَلِكَ خَلَّاهُ وَعُجْبَهُ وَكِبْرَهُ، وَهَذَا هُوَ الْخِذْلَانُ الْمُوْجِبُ لِهَلَاكِهِ)).

أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ، وَوَافَقَهُ الذَّهَبِيُّ، وَالْحَدِيثُ فِيهِ ضَعْفٌ، وَلَكِنْ لَهُ شَوَاهِدُ يَتَقَوَّى بِهَا؛ فَيَرْتَقِي بِهَا إِلَى دَرَجَةِ الْحَسَنِ لِغَيْرِهِ: عَنْ أَبِي أُمَيَّةَ الشَّعْبَانِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيَّ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا ثَعْلَبَةََ كَيْفَ تَقُولُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: {عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ} [المائدة: 105]؟!!

قَالَ: أَمَا وَاللَّهِ، لَقَدْ سَأَلْتَ عَنْهَا خَبِيرًا.

سَأَلْتُ عَنْهَا رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَقَالَ:((بَلِ ائْتَمِرُوا بِالْمَعْرُوفِ، وَتَنَاهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ، حَتَّى إِذَا رَأَيْتُمْ شُحًّا مُطَاعًا، وَهَوًى مُتَّبَعًا، وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً، وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ، فَعَلَيْكَ -يَعْنِي بِنَفْسِكَ-، وَدَعْ عَنْكَ الْعَوَامَّ؛ فَإِنَّ وَرَاءَكُمْ أَيَّامَ الصَّبْرِ، الصَّبْرُ فِيهِنَّ مِثْلُ قَبْضٍ عَلَى الْجَمْرِ، لِلْعَامِلِ فِيهِنَّ أَجْرُ خَمْسِينَ رَجُلًا يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِهِ)).

قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُبَارَكِ -كَمَا فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ-: وَزَادَنِي غَيْرُهُ:

قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْهُمْ؟!

قَالَ:((أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْكُمْ)).

عِبَادَ اللهِ! {وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ} [البقرة: 197].

وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمُهُ اللهُ، فَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، وَهُوَ الَّذِي يُثِيبُكُمْ عَلَيْهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَتَزَوَّدُوا بِالتَّقْوَى لِمَعَادِكُمْ عِنْدَمَا تَرْحَلُونَ عَنِ الدُّنْيَا بِالْمَوْتِ، فَإِنَّ أَفْضَلَ زَادٍ يَتَزَوَّدُ الْإِنْسَانُ بِهِ إِلَى دَارِ الْآخِرَةِ هُوَ تَقْوَى اللهِ تَعَالَى، بِالْتِزَامِ أَحْكَامِ شَرِيعَتِهِ، وَالْعَمَلِ بِطَاعَتِهِ الَّذِي يُوصِلُ إِلَى النَّعِيمِ الْمُقِيمِ فِي الْجَنَّةِ.

وَخَافُوا عِقَابِي، وَالْتَزِمُوا بِشَرِيعَتِي، وَاشْتَغِلُوا بِعِبَادَتِي يَا ذَوِي الْعُقُولِ الْوَاعِيَةِ الدَّرَّاكَةِ الَّتِي تَعْقِلُ الْمَعَارِفَ فَتُمْسِكُ بِهَا، وَتَعْقِلُ النُّفُوسَ عَنِ اتِّبَاعِ الْهَوَى وَالشَّهَوَاتِ.

اللَّهُمَّ احْمِلْنَا إِلَى بَلَدِكَ الْحَرَامِ حُجَّاجًا وَمُعْتَمِرِينَ، وَمُقِيمِينَ مُزَاوِرِينَ، يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ وَيَا أَكْرَمَ الْأَكْرَمِينَ.

وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ أَجمَعِينَ.

 

المصدر:مَاذَا بَعْدَ الْحَجِّ؟

التعليقات


خطب مفرغة قد تعجبك


  باب الفتح الأعظم
  فَرِيضَةُ الزَّكَاةِ وَأَثَرُهَا فِي التَّكَافُلِ وَالتَّوَازُنِ الْمُجْتَمَعِيِّ
  بِرُّ الْأُمِّ سَبِيلُ الْبَرَكَةِ فِي الدُّنْيَا وَالرَّحْمَةِ فِي الْآخِرَةِ
  الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ وَأَثَرُهُ فِي زِيَادَةِ الْإِيمَانِ وَتَرْسِيخِ الْقِيَمِ الْأَخْلَاقِيَّةِ
  الإشاعات وهدم المجتمعات
  حَاجَتُنَا إِلَى الدِّينِ الرَّشِيدِ وَمُحَاسَبَةُ النَّفْسِ
  إِلَى أَهْلِ الْجَزَائِرِ الْحَبِيبَة
  الْإِسْلَامُ مَصْدَرُ السَّعَادَةِ وَالصَّلَاحِ لِلْعَالَمِ
  السير إلى الله والدار الآخرة
  سُبُلُ بِنَاءِ الْأُمَمِ وَدَوْرُ الْفَرْدِ فِيهَا
  • شارك

نبذة عن الموقع

موقع تفريغات العلامة رسلان ، موقع يحتوي على العشرات من الخطب والمحاضرات والمقاطع المفرغة لفضيلة الشيخ العلامة أبي عبدالله محمد بن سعيد رسلان-حفظه الله- . كما يعلن القائمون على صفحة وموقع تفريغات العلامة رسلان -حفظه الله- أن التفريغات للخطب ليست هي الشكل النهائي عند الطباعة، ولكن نحن نفرغ خطب الشيخ حفظه الله ونجتهد في نشرها ليستفيد منها طلاب العلم والدعاة على منهاج النبوة في كل أنحاء الدنيا، ونؤكد على أنَّ الخطب غير مُخرَّجة بشكل كامل كما يحدث في خطب الشيخ العلامة رسلان المطبوعة وليست الكتب المنشورة على الصفحة والموقع هي النسخة النهائية لكتب الشيخ التي تُطبع...وهذه الكتب ما هي إلا تفريغ لخطب الشيخ، غير أنَّ كتب الشيخ التي تُطبع تُراجع من الشيخ -حفظه الله- وتُخرج. والتفريغ عملٌ بشريٌ، ونحن نجتهد في مراجعة التفريغات مراجعة جيدة، فإذا وقع خطأ أو شكل الخطب كما نخرجها -إنما نُحاسب نحن عليها والخطأ يُنسب لنا وليس للشيخ -حفظه الله-.

الحقوق محفوظة لكل مسلم موقع تفريغات العلامة رسلان