مَفْهُومُ عَهْدِ الْأَمَانِ فِي الْعَصْرِ الْحَاضِرِ

مَفْهُومُ عَهْدِ الْأَمَانِ فِي الْعَصْرِ الْحَاضِرِ

((مَفْهُومُ عَهْدِ الْأَمَانِ فِي الْعَصْرِ الْحَاضِرِ))

إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ.

وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ, وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ.

أَمَّا بَعْدُ:

فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.

أَمَّا بَعْدُ:

((الْإِسْلَامُ دِينُ الْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَالرَّحْمَةِ وَالسَّلَامِ))

فَالْإِسْلَامُ هُوَ دِينُ الْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ؛ دِينُ الْعَدْلِ الَّذِي أَمَرَ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَعْدِلُوا مَعَ إِخْوَانِهِمْ وَغَيْرِ إِخْوَانِهِمْ, أَمَرَهُمْ أَنْ يَلْتَزِمُوا الْعَدْلَ فِي جَمِيعِ حَيَاتِهِمْ وَأَنْ يُحْسِنُوا إِلَى النَّاسِ, قَالَ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النحل: 90].

النَّبِيُّ ﷺ بُعِثَ بِدِينِ السَّلَامِ، بِدِينِ الرَّحْمَةِ، بِالدِّينِ الْعَظِيمِ الَّذِي يُؤَلِّفُ وَيُجَمِّعُ، وَلَا يُنَفِّرُ وَلَا يُفَرِّقُ، هُوَ دِينُ الْحَقِّ، دِينُ اللهِ.

 ((الْإِسْلَامُ دِينُ الْوَفَاءِ بِالْعُهُودِ وَالْعُقُودِ))

إِنَّ مِنَ الْأَخْلَاقِ الْإِنْسَانِيَّةِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي تَعَارَفَ أَصْحَابُ الْعُقُولِ السَّلِيمَةِ عَلَى احْتِرَامِهَا وَتَقْدِيرِهَا وَتَعْظِيمِ مَنْ أَتَى بِهَا.. إِنَّ مِنْ تِلْكَ الْأَخْلَاقِ: خُلُقَ الْوَفَاءِ.

وَلِلْوَفَاءِ أَنْوَاعٌ عَدِيدَةٌ بِاعْتِبَارِ الْمُوفَى بِهِ؛ فَهِيَ قَدْ تَكُونُ وَفَاءً بِالْعَهْدِ، وَقَدْ تَكُونُ وَفَاءً بِالْعَقْدِ أَوِ الْمِيثَاقِ، وَقَدْ تَكُونُ وَفَاءً بِالْوَعْدِ.

((الْوَفَاءُ بِالْعَهْدِ: إِتَمَامُهُ وَعَدَمُ نَقْضِ حِفْظِهِ، وَيَتَطَابَقُ مِنْ ثَمَّ صِدْقُ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ جَمِيعًا)).

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-: «الْعُهُودُ مَا أَحَلَّ اللهُ، وَمَا حَرَّمَ، وَمَا فَرَضَ، وَمَا حَدَّ فِي الْقُرْآنِ كُلِّهِ».

أَمَّا الْوَفَاءُ بِالْعَقْدِ: ((فَالْمُرَادُ بِهِ إِمَّا الْعَهْدُ، وَبِذَلِكَ يَتَطَابَقُ مَعَ النَّوْعِ الَّذِي سَبَقَ، وَقِيلَ: الْعُقُودُ هِيَ أَوْكَدُ الْعُهُودِ، وَقِيلَ: هِيَ عُهُودُ الْإِيمَانِ وَالْقُرْآنِ، وَقِيلَ: هِيَ مَا يَتَعَاقَدُهُ النَّاسُ فِيمَا بَيْنَهُمْ)).

أَمَّا الْوَفَاءُ بِالْوَعْدِ: فَالْمُرَادُ بِهِ أَنْ يَصْبِرَ الْإِنْسَانُ عَلَى أَدَاءِ مَا يَعِدُ بِهِ الْغَيْرَ وَيَبْذُلُهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ وَيَرْهَنُهُ بِهِ لِسَانُهُ، حَتَّى وَإِنْ أَضَرَّ بِهِ ذَلِكَ، وَقَدْ مَرَّ أَنَّهُ: كُلَّمَا أَضَرَّ بِهِ الدُّخُولُ تَحْتَ مَا حَكَمَ بِهِ عَلَى نَفْسِهِ كَانَ ذَلِكَ أَبْلَغَ فِي الْوَفَاءِ)).

قَالَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة: 1].

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ صَدَّقُوا اللهَ وَاتَّبَعُوا رَسُولَهُ! نَفِّذُوا ارْتِبَاطَاتِكُمُ الَّتِي عَقَدْتُمُوهَا مَعَ رَبِّكُمْ بِسَبَبِ إِيمَانِكُمْ، وَالْعُقُودَ الَّتِي عَقَدْتُمُوهَا مَعَ أَنْفُسِكُمْ بِسَبَبِ حَلِفِكُمْ وَنَذْرِكُمْ عَلَى أَلَّا تَفْعَلُوا فِعْلًا أَوْ تَكُفُّوا عَنْ فِعْلٍ، وَالْعُقُودَ الَّتِي عَقَدَهَا بَعْضُكُمْ مَعَ بَعْضٍ بِإِرَادَتِهِ وَاخْتِيَارِهِ؛ مِن بَيْعٍ، وَإِجَارَةٍ، وَرَهْنٍ، وَشَرِكَةٍ، وَمُضَارَبَةٍ، وَزَوَاجٍ، وَنَحْوِهَا، فَالْتَزِمُوا بِهَا، وَبِالْعُقُودِ الَّتِي تَعْقِدُهَا الدَّوْلَةُ الْمُسْلِمَةُ مَعَ غَيْرِهَا مِنَ الدُّوَلِ فِي السِّلْمِ وَالْحَرْبِ.

وَكَمَا أَمَرَ دِينُنَا الْحَنِيفُ بِالْوَفَاءِ بِالْعُقُودِ وَالْعُهُودِ حَذَّرَنَا مِنْ نَقْضِهَا، وَنَهَانَا عَنْ عَدَمِ الْوَفَاءِ بِهَا؛ فَالْوَفَاءُ بِالْعُهُودِ تَعْظِيمٌ لِلهِ، وَعَدَمُ الْوَفَاءِ بِهَا عَدَمُ تَعْظِيمٍ لَهُ؛ فَهُوَ قَدْحٌ فِي التَّوْحِيدِ، قَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلَا تَنقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا ۚ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ} [النحل:91].

{وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ}: بِالِالْتِزَامِ بِمُوجِبِهِ؛ مِنْ عُقُودِ الْبَيْعَةِ، وَالْأَيْمَانِ، وَغَيْرِهَا.

{وَلَا تَنقُضُوا الْأَيْمَانَ}؛ أَيْ: أَيْمَانَ الْبَيْعَةِ، أَوْ مُطْلَقَ الْأَيْمَانِ.

{بَعْدَ تَوْكِيدِهَا}: بَعْدَ تَوْثِيقِهَا بِذِكْرِ اللهِ تَعَالَى.

{وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا}؛ أَيْ: شَاهِدًا عَلَيْكُمْ بِتِلْكَ الْبَيْعَةِ.

{إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ}: مِنْ نَقْضِ الْأَيْمَانِ وَالْعُهُودِ؛ وَهَذَا تَهْدِيدٌ.

وَمَعْنَى الْآيَةِ: يَأْمُرُ -تَعَالى- بِالْوَفَاءِ بِالْعُهُودِ وَالْمَوَاثِيقِ، وَالْمُحَافَظَةِ عَلَى الْأَيْمَانِ الْمُؤَكَّدَةِ بِذِكْرِهِ؛ لِأَنَّهُمْ بِذَلِكَ جَعَلُوهُ -سُبْحَانَهُ- شَاهِدًا وَرَقِيبًا عَلَيْهِمْ، وَهُوَ -سُبْحَانَهُ- يَعْلَمُ أَفْعَالَهُمْ وَتَصَرُّفَاتِهِمْ، وَسَيُجَازِيهِمْ عَلَيْهَا.

وَالْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الْوَفَاءِ بِالْعُهُودِ، وَمِنْهَا مَا يَجْرِي بَيْنَ النَّاسِ؛ مِنْ إِعْطَاءِ الذِّمَّةِ، فَإِنَّهَا يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهَا؛ لِأَنَّهَا فَرْدٌ مِنْ أَفْرَادِ مَعْنَى الْآيَةِ».

وَقَالَ اللهُ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-: {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا} [الإسراء: 34].

وَأَوْفُوا بِأَوَامِرِ اللهِ وَنَوَاهِيهِ، وَمَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الْعِبَادِ مِنْ مَوَاثِيقَ اتَّفَقْتُمْ عَلَيْهَا بِلَا نَقْضٍ وَلَا إِخْلَافٍ وَلَا نَقْصٍ، إِنَّ مُعْطِيَ الْعَهْدِ كَانَ مَسْئُولًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ اللهِ عَنْ حِفْظِهِ وَالْوَفَاءِ بِهِ.

وَقَدْ أَخْبَرَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- أَنَّ مَنْ وَفَّى بِحُقُوقِه -سُبْحَانَهُ- وَحُقُوقِ خَلْقِهِ؛ فَإِنَّ هَذَا هُوَ الْمُتَّقِي الصَّادِقُ فِي إِيمَانِهِ وَأَعْمَالِهِ وَأَخْلَاقِهِ، وَاللَّهُ يُحِبُّهُ، قَالَ تَعَالَى: {بَلَىٰ مَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ وَاتَّقَىٰ فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 76].

فَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِ اللهِ الَّذِي عَهِدَ إِلَيْهِ فِي التَّوْرَاةِ؛ مِنَ الْإِيمَانِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، وَبِالْقُرْآنِ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْهِ، وَبِأَدَاءِ الْأَمَانَةِ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَاتَّقَى الْكُفْرَ وَالْخِيَانَةَ وَنَقْضَ الْعَهْدِ؛ فَإِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ الْمُمْتَثِلِينَ لِأَوَامِرِهِ وَالْمُجْتَنِبِينَ لِنَوَاهِيهِ، وَيُثِيبُهُمْ عَلَى تَقْوَاهُمْ، وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ؛ لِأَنَّ مَنْ أَحَبَّهُ اللهُ أَكْرَمَهُ وَأَدْخَلَهُ فِي رَحْمَتِهِ.

وَقَالَ تَعَالَى: {وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا ۖ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ ۗ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} [البقرة: 177].

الْبِرُّ الْجَامِعُ لِأَعْمَالِ الْخَيْرِ الْمُقَرِّبَةِ إِلَى اللهِ وَالْمُؤَدِّيَةِ إِلَى جَنَّتِهِ بِرُّ مَنْ تَحَقَّقَ بِمَرْتَبَةِ التَّقْوَى أَوَّلًا.. وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا اللهَ أَوِ النَّاسَ.

وَأَخُصُّ بِالْمَدْحِ الصَّابِرِينَ فِي الْفَقْرِ وَالْجُوعِ وَالْمَصَائِبِ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَحِينَ شِدَّةِ الْقِتَالِ فِي سَبِيلِ اللهِ، فَالَّذِينَ ارْتَقَوْا بِصَبْرِهِمْ إِلَى مَرْتَبَةِ الْبِرِّ، أُولَئِكَ الْمُتَّصِفُونَ بِهَذِهِ الْأَوْصَافِ هُمُ الَّذِينَ صَدَقُوا فِي إِيمَانِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ وَأَخْلَاقِهِمْ، وَأُولَئِكَ هُمُ الَّذِينَ اتَّقَوْا عِقَابَ اللهِ فَتَجَنَّبُوا مَعَاصِيه.

وَبَيَّنَ اللهُ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- أَنَّ أَهْلَ الْوَفَاءِ بِعُقُودِهِمْ وَعُهُودِهِمْ وَمَوَاثِيقِهِمْ مِنْ أَصْحَابِ الْأَجْرِ الْعَظِيمِ وَوَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ، فَقَالَ -سُبْحَانَهُ-: {وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُّكْرَمُونَ} [المعارج: 32 - 35].

وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ مُرَاعُونَ حَافِظُونَ، مُجْتَهِدُونَ عَلَى أَدَائِهَا وَالْوَفَاءِ بِهَا، وَهَذَا شَامِلٌ لِجَمِيعِ الْأَمَانَاتِ الَّتِي بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ الْخَلْقِ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَسْرَارِ.

وَكَذَلِكَ الْعَهْدُ.. شَامِلٌ لِلْعَهْدِ الَّذِي عَاهَدَ عَلَيْهِ اللهَ، وَالْعَهْدِ الَّذِي عَاهَدَ الْخَلْقَ عَلَيْهِ؛ فَإِنَّ الْعَهْدَ يُسْأَلُ عَنْهُ الْعَبْدُ: هَلْ قَامَ بِهِ وَوَفَّاهُ؟ أَمْ رَفَضَهُ وَخَانَهُ فَلَمْ يَقُمْ بِهِ؟

وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ إِلَّا بِمَا يَعْلَمُونَهُ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا نَقْصٍ وَلَا كِتْمَانٍ، وَلَا يُحَابِي فِيهَا قَرِيبًا وَلَا صَدِيقًا وَنَحْوَهُ، فَيَكُونُ الْقَصْدُ بِإِقَامَتِهَا وَجْهَ اللهِ.

وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ بِالْمُدَاوَمَةِ عَلَيْهَا عَلَى أَكْمَلِ الْوُجُوهِ، أُولَئِكَ الْمَوْصُوفُونَ بِتِلْكَ الصِّفَاتِ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ؛ أَيْ أَوْصَلَ اللهُ لَهُمْ مِنَ الْكَرَامَةِ وَالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ، وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ.

وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَنْ أَوْفَىٰ بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} [الفتح: 10].

وَمَنْ أَتَمَّ الْعَمَلَ بِكُلِّ مَا عَاهَدَ عَلَيْهِ اللهُ فِي مُبَايَعَتِهِ الَّتِي بَايَعَ عَلَيْهَا فَسَيُعْطِيهِ اللهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ أَجْرًا عَظِيمًا فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْجَنَّةُ.

النَّبِيُّ ﷺ أَمَرَ بِالْوَفَاءِ وَأَعْلَى مِنْ قِيمَتِهِ، وَحَذَّرَ مِنَ الْخِيَانَةِ وَالْغَدْرِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَلَّةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَلَّةٌ مِنْ نِفَاقٍ حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: (( الْمُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ، إِلَّا شَرْطًا أَحَلَّ حَرَامًا أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا)).

وَعِنْدَ الشَّيْخَيْنِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((إِنَّ الْغَادِرَ يُنْصَبُ لَهُ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُقَالُ: هَذِهِ غَدْرَةُ فُلَانٍ)).

النَّبِيُّ ﷺ عَلَّمَ الدُّنْيَا الْوَفَاءَ.

 

((مَفْهُومُ عَهْدِ الْأَمَانِ فِي الْعَصْرِ الْحَاضِرِ))

إِنَّ مِنْ جُمْلَةِ الْعُهُودِ الَّتِي أَمَرَ دِينُنَا الْحَنِيفُ بِالْتِزَامِهَا، وَأَكَّدَ عَلَى وُجُوبِ الِالْتِزَامِ بِهَا وَعَدَمِ نَقْضِهَا ((عَهْدَ الْأَمَانِ))؛ فَمَا هُوَ مَفْهُومُ عَهْدِ الْأَمَانِ فِي الْعَصْرِ الْحَاضِرِ؟

وَهَلْ تُعَدُّ تَأْشِيرَةُ الدُّخُولِ إِلَى الْبَلَدِ عَقْدَ أَمَانٍ؟

تَأْشِيرَةُ الدُّخُولِ الَّتِي يُشْتَرَطُ تَوَفُّرُهَا لِدُخُولِ أَيِّ أَجْنَبِيٍّ لِبَلَدٍ غَيْرِ بَلَدِهِ، تُمَثِّلُ فِي حَقِيقَةِ الْأَمْرِ عَقْدًا يُشْبِهُ عَقْدَ الْأَمَانِ بِمَعْنَاهُ الشَّرْعِيِّ، لَا سِيِّمَا لَوْ كَانَتْ هَذِهِ التَّأْشِيرَةُ صَادِرَةً بِنَاءً عَلَى دَعْوَةٍ مُقَدَّمَةٍ مِنْ مُسْلِمٍ لِأَجْنَبِيٍّ؛ لِزِيَارَةِ بِلَادِ الْإِسْلَامِ، أَوْ لِلْعَمَلِ بِهَا.

وَلَا يَشُكُّ أَحَدٌ فِي أَنَّ السَّائِحَ أَوِ الْأَجْنَبِيَّ عِنْدَمَا يُقْبِلُ بِمِثْلِ هَذِهِ الدَّعْوَةِ, عِنْدَمَا يَحْصُلُ عَلَى تَأْشِيرَةِ الدُّخُولِ يَعْتَبِرُ نَفْسَهُ آمِنًا عَلَى نَفْسِهِ وَمَالِهِ, وَلَا يُتَصَوَّرُ قَبُولُهُ لِلْمَجِيءِ إِذَا عَلِمَ أَنَّ هَذِهِ التَّأْشِيرَةَ لَا تَعْنِي شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ -أَيْ: مِنْ تَأْمِينِهِ عَلَى نَفْسِهِ وَمَالِهِ وَعِرْضِهِ-.

وَالْأَمَانُ هُوَ: عَهْدٌ بِالسَّلَامَةِ مِنَ الْأَذَى؛ بِأَنْ تُؤَمِّنَ غَيْرَكَ أَوْ أَنْ يُؤَمِّنَكَ غَيْرُكَ، وَهُوَ تَعَهُّدٌ بِعَدَمِ لُحُوقِ الضَّرَرِ مِنْ جِهَتِكَ إِلَيْهِ, وَلَا مِنْ جِهَتِهِ إِلَيْكَ.

وَفِي الِاصْطِلَاحِ: هُوَ عَقْدٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْمُشْرِكِ عَلَى الْحَصَانَةِ مِنْ لُحُوقِ الضَّرَرِ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا لِلْآخَرِ، وَلَا مِمَّنْ وَرَاءَهُ إِلَّا بِحَقِّهِ.

وَدَلِيلُهُ قَوْلُ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ} [التَّوْبَة: 6].

وَفِي «الصَّحِيحَيْنِ»: «ذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ، يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ» .

وَمَنْحُ الْأَمَانِ مِنْ حَقِّ كُلِّ مُسْلِمٍ؛ شَرِيفًا أَوْ وَضِيعًا, فَيَصِحُّ مِنَ الْإِمَامِ, وَمِنْ آحَادِ النَّاسِ رَجُلًا كَانَ أَوِ امْرَأَةً, وَفِي صِحَّةِ أَمَانِ الْعَبْدِ وَالصَّبِيِّ خِلَافٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ, وَلَا يَصِحُّ عَقْدُ الْأَمَانِ مِنْ مَجْنُونٍ وَنَحْوِهِ.

يَقُولُ ابْنُ قُدَامَةَ -رَحِمَهُ اللهُ- : «وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْأَمَانَ إِذَا أُعْطِيَ لِأَهْلِ الْحَرْبِ حَرُمَ قَتْلُهُمْ وَمَالُهُمْ وَالتَّعَرُّضُ لَهُمْ، وَيَصِحُّ -يَعْنِي: عَقْدَ الْأَمَانِ- مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ بَالِغٍ عَاقِلٍ مُخْتَارٍ، ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى, حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا.

وَبِهَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَابْنُ الْقَاسِمِ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-.

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ: لَا يَصِحُّ أَمَانُ الْعَبْدِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَأْذُونًا لَهُ فِي الْقِتَالِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْجِهَادُ، فَلَا يَصِحُّ أَمَانُهُ كَالصَّبِيِّ؛ وَلِأَنَّهُ مَجْلُوبٌ مِنْ دَارِ الْكُفْرِ، فَلَا يُؤْمَنُ أَنْ يَنْظُرَ فِي تَقْدِيمِ مَصْلَحَتِهِمْ.

وَلَنَا مَا رُوِيَ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «ذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ، يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ، فَمَنْ أَخْفَرَ مُسْلِمًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ».

يَعْنِي: إِذَا اسْتَقْدَمَ صَاحِبُ عَمَلٍ -فَرْدًا كَانَ أَوْ شَرِكَةً- بَعْضَ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ لِلْعَمَلِ فِي بِلَادِهِ، ثُمَّ دَخَلَ بِتَأْشِيرَةٍ لِلدُّخُولِ صَحِيحَةٍ؛ فَهَذَا عَقْدُ أَمَانٍ، فَمَنْ أَخْفَرَ ذِمَّتَهُ؛ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ.. كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ.

وَعَنْ أُمِّ هَانِئٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي أَجَرْتُ أَحْمَائِي وَأَغْلَقْتُ عَلَيْهِمْ، وَإِنَّ ابْنَ أُمِّي أَرَادَ قَتْلَهُمْ.

فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمَّ هَانِئٍ، إنَّمَا يُجْيرُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَدْنَاهُمْ» . وَهَذَا الْحَدِيثُ فِي «الصَّحِيحَيْنِ».

وَيَصِحُّ أَمَانُ الْإِمَامِ دُونَ قُيُودٍ، أَمَّا آحَادُ الْمُسْلِمِينَ فَأَمَانُهُمْ لِلْوَاحِدِ، أَوَ لِلْعَشَرَةِ، أَوْ لِلْقَافِلَةِ الصَّغِيرَةِ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ؛ وَفِي هَذَا يَقُولُ ابْنُ قُدَامَةَ : «وَيَصِحُّ أَمَانُ الْإِمَامِ لِجَمِيعِ الْكُفَّارِ وَآحَادِهِمْ; لِأَنَّ وِلَايَتَهُ عَامَّةٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَيَصِحُّ أَمَانُ الْأَمِيرِ لِمَنْ أُقِيمَ بِإِزَائِهِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَأَمَّا فِي حَقِّ غَيْرِهِمْ فَهُوَ كَآحَادِ الْمُسْلِمِينَ، لِأَنَّ وِلَايَتَهُ عَلَى قِتَالِ أُولَئِكَ دُونَ غَيْرِهِمْ.

وَيَصِحُّ أَمَانُ آحَادِ الْمُسْلِمِينَ لِلْوَاحِدِ، وَللْعَشَرَةِ، وَالْقَافِلَةِ الصَّغِيرَةِ، وَالْحِصْنِ الصَّغِيرِ; لِأَنَّ عُمَرَ -رضي الله عنه- أَجَازَ أَمَانَ الْعَبْدِ لِأَهْلِ الْحِصْنِ؛ وَلَا يَصِحُّ أَمَانُهُ لِأَهْلِ بَلْدَةٍ وَجَمْعٍ كَثِيرٍ; لِأَنَّ ذَلِكَ يُفْضِي إلَى تَعْطِيلِ الْجِهَادِ، وَالِافْتِيَاتِ عَلَى الْإِمَامِ».

إِذَا انْعَقَدَ الْأَمَانُ صَارَتْ لِلْحَرْبِيِّ -لِلْمُقَاتِلِ، لِلْمُحَارِبِ-؛ إِذَا انْعَقَدَ لَهُ الْأَمَانُ صَارَتْ لَهُ حَصَانَةٌ مِنْ إِلْحَاقِ الضَّرَرِ بِهِ، سَوَاءٌ مِنَ الْمُسْلِمِ الَّذِي أَمَّنَهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَوْ مِنَ الذِّمِّيِّينَ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «فَمَنْ أَخْفَرَ مُسْلِمًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ، وَالْمَلائِكَةِ، وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لا يَقْبَلُ اللهُ مِنْهُ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا» .

قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ : «الْأَمَانُ إذَا أُعْطِيَ أَهْلَ الْحَرْبِ، حَرُمَ قَتْلُهُمْ وَمَالُهُمْ وَالتَّعَرُّضُ لَهُمْ».

فَعِنْدَمَا نَنْظُرُ فِي الْأَحْكَامِ السَّابِقَةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْأَمَانِ؛ نَجِدُ تَشَابُهًا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْأَحْكَامِ الْمُتَرَتِّبَةِ عَلَى تَأْشِيرَةِ الدُّخُولِ، سَوَاءٌ فِي تَحْدِيدِ الْجِهَةِ الَّتِي يُمْكِنُ صُدُورُ أَيٍّ مِنْهَا عَنْهَا، أَوْ فِي حُدُودِ حَقِّ كُلِّ جِهَةٍ فِي مَنْحِ الْأَمَانِ أَوِ التَّأْشِيرَةِ، أَوْ مِنْ حَيْثُ الْأَثَرُ الْمُتَرَتِّبُ عَلَى ذَلِكَ؛ مِنْ عِصْمَةِ الدَّمِ وَالْمَالِ وَالْحَصَانَةِ، وَمِنْ تَعَمُّدِ إِلْحَاقِ الضَّرَرِ بِمَنْ صَدَرَ بِحَقِّهِ الْأَمَانُ، أَوْ حَصَلَ عَلَى التَّأْشِيرَةِ.

أَمَّا كَوْنُ تَأْشِيرَةِ الدُّخُولِ الْيَوْمَ تُمَثِّلُ شُبْهَةَ أَمَانٍ تَمْنَعُ مِنْ إِبَاحَةِ قَتْلِ الْأَجَانِبِ وَالسُّيَّاحِ -يَعْنِي: حَتَّى لَوْ قَالُوا: لَا يُعَدُّ أَمَانًا!-، فَيُقَالُ: شُبْهَةُ أَمَانٍ، وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا الْحُكْمُ نَفْسُهُ، فَالْعِبْرَةُ فِي انْعِقَادِ الْأَمَانِ بِمَا يَفْهَمُهُ مَنْ يَطْلُبُ الْأَمَانَ.

وَلَا يَجُوزُ قَتْلُ الْأَجْنَبِيِّ وَالسَّائِحِ إِذَا دَخَلَ الْبِلَادَ بِأَمَانٍ غَيْرِ صَحِيحٍ، فَإِذَا دَخَلَ الْأَجْنَبِيُّ أَوِ السَّائِحُ بِلَادَ الْمُسْلِمِينَ بِأَمَانٍ يَظُنُّهُ صَحِيحًا وَهُوَ غَيْرُ ذَلِكَ، فَلَا يَجُوزُ قَتْلُهُ، وَإنَّمَا يَجِبُ رَدُّهُ إِلَى مَأْمَنِهِ، أَوْ أنْ يُقِرَّ الْإِمَامُ مِثْلَ هَذَا الْأَمَانِ، وَفِي كُلِّ هَذِهِ الْأَحْوَالِ لَا يَصِحُّ قَتْلُهُ.

فَإِذَا اعْتَبَرْنَا أَنَّ تَأْشِيرَةَ الدُّخُولِ لَا تُمَثِّلُ أَمَانًا صَحِيحًا، فَعَلَى كُلِّ أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ: لَا يَصِحُّ قَتْلُ الْأَجَانِبِ وَالسُّيَّاحِ الَّذِينَ دَخَلُوا بِهَا الْبِلَادَ -أَيْ بِتِلْكَ التَّأْشِيرَةِ-، وَاعْتَقَدُوا صِحَّتَهَا، سَوَاءٌ أَكَانَتْ مَمْنُوحَةً لَهُمْ مِمَّنْ يَصِحُّ أَمَانُهُ أَوْ مِمَّنْ لَا يَصِحُّ أَمَانُهُ.

وَبِنَاءً عَلَى كُلِّ مَا سَبَقَ ذِكْرُهُ: فَإِنَّ اعْتِبَارَ تَأْشِيرَةِ الدُّخُولِ بِمَثَابَةِ الْأَمَانِ أَوْ تُمَثِّلُ شُبْهَةَ أَمَانٍ يَمْنَعُ اسْتِهْدَافَ الْأَجَانِبِ بِالقَتْلِ، وَهَذَا أَمْرٌ ثَابِتٌ؛ انْطِلَاقًا مِنْ كَوْنِهَا أَكْثَرَ دَلَالَةً عَلَى الْأَمَانِ مِنْ كَثِيرٍ مِنَ الصُّوَرِ الَّتِي اعْتَبَرَهَا الفُقَهَاءُ دَلِيلًا عَلَى انْعِقَادِ الْأَمَانِ.

بِالْإِضَافَةِ إِلَى أَنَّ الْعِبْرَةَ فِي انْعِقَادِ الْأَمَانِ بِمَا يَفْهَمُهُ الْأَجْنَبِيُّ, وَإِذَا اعْتَبَرْنَا أَنَّ تَأْشِيرَةَ الدُّخُولِ لَا تُعَدُّ أَمَانًا صَحِيحًا، فَالْوَاجِبُ الرَّاجِحُ رَدُّهُمْ إِلَى مَأْمَنِهِمْ.

((أَصْنَافُ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ

وَحُقُوقُهُمْ فِي دِيَارِ الْإِسْلَامِ))

أَصْنَافُ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ فِي دِيَارِ الْإِسْلَامِ:

*الصِّنْفُ الْأَوَّلُ: هُمُ المُوَاطِنُونَ مِنْ غَيرِ المُسْلِمِينَ؛ جَاءَ فِي كِتَابِ الْخَلِيفَةِ الرَّاشِدِ الصِّدِّيقِ أَبِي بَكْرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- لِأَهْلِ نَجْرَانَ: «بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.. هَذَا مَا كَتَبَ بِهِ عَبْدُ اللهِ أَبُو بَكْرٍ خَلِيفَةُ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ رَسُولِ اللهِ ﷺ لِأَهْلِ نَجْرَانَ.

أَجَارَهُمْ بِجِوَارِ اللَّهِ، وَذِمَّةِ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَنْفُسِهِمْ, وَأَرْضِهِمْ, وَمِلَّتِهِمْ, وَأَمْوَالِهِمْ, وَحَاشِيَتِهِمْ, وَعِبَادَتِهِمْ, وَغَائِبِهِمْ, وَشَاهِدِهِمْ, وَأَسَاقِفَتِهِمْ, وَرُهْبَانِهِمْ, وَبِيَعِهِمْ, وَكُلِّ مَا تَحْتَ أَيْدِيهِمْ مِنْ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ، لا يَخْسَرُونَ وَلا يُعْسِرُونَ» .

وَكَذَلِكَ مَا جَاءَ فِي وَصِيَّةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- حِينَ وَفَاتِهِ لِلْخَلِيفَةِ مِنْ بَعْدِهِ، كَمَا أَخْرَجَ ذَلِكَ البُخَارِيُّ فِي «الصَّحِيحِ فِي كِتَابِ الْمَنَاقِبِ» : «وَأُوصِيهِ -يَعْنِي بِذَلِكَ: الْخَلِيفَةَ مِنْ بَعْدِهِ- بِذِمَّةِ اللَّهِ، وَذِمَّةِ رَسُولِهِ ﷺ؛ أَنْ يُوَفِّيَ لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ، وَأَنْ يُقَاتَلَ مِنْ وَرَائِهِمْ، وَلا يُكَلَّفُوا إِلَّا طَاقَتَهُمْ».

*وَأَمَّا الصِّنْفُ الثَّانِي مِنْ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ فِي دِيَارِ الْإِسْلَامِ وَبِلَادِهِ: فَهُمُ المُسْتَأْمَنُونَ:

وَهُمْ غَيْرُ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْوَافِدِينَ إِلَى بِلَادِ الْإِسْلَامِ لِعَمَلٍ أَوْ نَحْوِهِ؛ حَيْثُ يُعَرِّفُهُمُ الْفُقَهَاءُ الْمُسْلِمُونَ بِـ(الْمُسْتَأْمَنِينَ).

وَلِهَذَيْنِ الصِّنْفَيْنِ حُقُوقٌ عَامَّةٌ، وَلِكُلِّ صِنْفٍ مِنْهُمَا حُقُوقٌ خَاصَّةٌ.

*الْحُقُوقُ الْعَامَّةُ لِغَيْرِ الْمُسْلِمِينَ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ:

فَأَمَّا الْحُقُوقُ الْعَامَّةُ لِغَيْرِ الْمُسْلِمِينَ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ فَإِنَّهُ: لَمْ تَقْتَصِرِ الشَّرِيعَةُ الْإِسْلَامِيَّةُ عَلَى إِسْبَاغِ الْحُقُوقِ عَلَى أَهْلِهَا الْمُؤْمِنِينَ بِالْإِسْلَامِ، بَلْ إِنَّ مِمَّا يُمَيِّزُ الشَّرِيعَةَ عَنْ غَيْرِهَا أَنَّهَا قَدْ أَشْرَكَتْ غَيْرَ الْمُسْلِمِينَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْحُقُوقِ الْعَامَّةِ، وَهُوَ مَا لَمْ يَنَلْهُ الْإِنْسَانُ فِي دِينٍ آخَرَ، وَلَا فِي نُظُمٍ أُخْرَى.

وَالْحُقُوقُ الْعَامَّةُ لِغَيْرِ الْمُسْلِمِينَ كَثِيرَةٌ؛ مِنْهَا:

*حَقُّهُمْ فِي حِفْظِ كَرَامَتِهِمُ الْإِنْسَانِيَّةِ.

*وَحَقُّهُمْ فِي مُعْتَقَدِهِمْ.

*وَحَقُّهُمْ فِي الْتِزَامِ شَرْعِهِمْ.

*وَحَقُّهُمْ فِي حِفْظِ دِمَائِهِمْ.

*وَحَقُّهُمْ فِي حِفْظِ أَمْوَالِهِمْ وَأَعْرَاضِهِمْ.

*وَحَقُّهُمْ فِي الْحِمَايَةِ مِنَ الِاعْتِدَاءِ.

*وَحَقُّهُمْ فِي الْمُعَامَلَةِ الْحَسَنَةِ.

*وَحَقُّهُمْ فِي التَّكَافُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ.

وَكُلُّ ذَلِكَ دَلَّتْ عَلَيْهِ نُصُوصُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَتَرْجَمَهُ عَمَلِيًّا مَا كَانَ مِنْ صَنِيعِ الْخُلَفَاءِ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ مِمَّنْ الْتَزَمَ دِينَ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- وَسَارَ عَلَى نَهْجِ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ.

فَمَا أَبْشَعَ وَأَعْظَمَ جَرِيمَةَ مَنْ تَجَرَّأَ عَلَى حُرُمَاتِ اللهِ، وَظَلَمَ عِبَادَهُ، وَأَخَافَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُقِيمِينَ بَيْنَهُمْ!!

فَوْيَلٌ لَهُ! ثُمَّ وَيْلٌ لَهُ مِنْ عَذَابِ اللهِ تَعَالَى وَنِقْمَتِهِ، وَمِنْ دَعْوَةٍ تُحِيطُ بِهِ! وَنَسْأَلُ اللهَ أَنْ يَكْشِفَ سِتْرَهُ، وَأَنْ يَفْضَحَ أَمْرَهُ.

*عِصْمَةُ كُلِّ نَفْسٍ بِالْإِيمَانِ أَوْ بِالْأَمَانِ:

إِنَّ النَّفْسَ الْمَعْصُومَةَ فِي حُكْمِ شَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ هِيَ: كُلُّ مُسْلِمٍ، وَكُلُّ مَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ أَمَانٌ.

فَهَذِهِ مَعْصُومَةٌ بِالْإِيمَانِ، وَهَذِهِ مَعْصُومَةٌ بِالْأَمَانِ، قَالَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا- فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} [النِّسَاء: 93].

وَقَالَ -سُبْحَانَهُ- فِي حَقِّ الذِّمِّيِّ فِي حُكْمِ قَتْلِ الْخَطَأِ، لَا فِي حُكْمِ قَتْلِهِ عَمْدًا: {وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ} [النِّسَاء: 92].

فَإِذَا كَانَ الذِّمِّيُّ الَّذِي لَهُ أَمَانٌ إِذَا قُتِلَ خَطَأً فِيهِ الدِّيَةُ وَالْكَفَّارَةُ، فَكَيْفَ إِذَا قُتِلَ عَمْدًا؟!!

إِنَّ الْجَرِيمَةَ تَكُونُ أَعْظَمَ، وَإِنَّ الْإِثْمَ يَكُونُ أَكْبَرَ؛ وَقَدْ صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ كَمَا فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- الَّذِي أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي «الصَّحِيحِ» : «مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرَحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ».

فَلَا يَجُوزُ التَّعرُّضُ لِمُسْتَأْمَنٍ بِأَذًى، فَضْلًا عَنْ قَتْلِهِ، وَهَذَا وَعِيدٌ شَدِيدٌ لِمَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا وَمُسْتَأْمَنًا، وَهُوَ كَبِيرَةٌ مِنَ الْكَبَائِرِ الْمُتَوَعَّدِ عَلَيْهَا بِعَدَمِ دُخُولِ الْقَاتِلِ الْجَنَّةَ.

قَتْلُ الْمُعَاهَدِ وَالْمُسْتَأمَنِ حَرَامٌ؛ فَقَدْ وَرَدَ الْوَعِيدُ الشَّدِيدُ فِي ذَلِكَ، فَعِنْدَ البُخَارِيِّ فِي «الصَّحِيحِ» مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَتَلَ نَفْسًا مُعَاهَدًا لَمْ يَرَحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا تُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا». أَوْرَدَهُ البُخَارِيُّ هَكَذَا «فِي كِتَابِ الْجِزْيَةِ، بَابِ إِثْمِ مَنْ قَتَلَ ذِمِّيًّا بِغَيْرِ جُرْمٍ» ، وَأَوْرَدَهُ فِي «كِتَابِ الدِّيَاتِ، فِي بَابِ إِثْمِ مَنْ قَتَلَ ذِمِّيًّا بِغَيْرِ جُرْمٍ»  وَلَفْظُهُ: «مَنْ قَتَلَ نَفْسًا مُعَاهَدًا لَمْ يَرَحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا».

وَأَمَّا قَتْلُ الْمُعَاهَدِ خَطَأً، فَقَدْ أَوْجَبَ اللهُ -تَعَالَى- فِيهِ الدِّيَةَ وَالْكَفَّارَةَ، قَالَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللّهِ وَكَانَ اللّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} [النساء: 92].

لَقَدْ رَسَّخَ النَّبِيُّ ﷺ لِقِيَمِ الْوَفَاءِ بِالْعُقُودِ وَالْعُهُودِ وَالْمَوَاثِيقِ بِقَوْلِهِ وَفِعْلِهِ ﷺ؛ فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- أَنَّ هِرَقْلَ سَأَلَ أَبَا سُفْيَانَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ((هَلْ يَغْدِرُ؟

فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ -وَكَانَ آنَذَاكَ مُشْرِكًا-: لَا.

فَقَالَ هِرَقْلُ: وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ لَا تَغْدِرُ)). أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ.

وَعَنْ أَبِي رَافِعٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: ((بَعَثَتْنِي قُرَيْشٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَلَمَّا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ أُلْقِيَ فِي قَلْبِي الْإِسْلَامُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! وَاللهِ لَا أَرْجِعُ إِلَيْهِمْ أَبَدًا.

فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((إِنِّي لَا أَخِيسُ بِالْعَهْدِ -أَيْ: لَا أَنْقُضُهُ- وَلَا أَحْبِسُ الْبُرُدَ -أَيِ: الرُّسُلَ- وَلَكِنِ ارْجِعْ إِلَيْهِمْ؛ فَإِنْ كَانَ فِي نَفْسِكَ الَّذِي بِنَفْسِكَ الْآنَ فَارْجِعْ)).

قَالَ: فَذَهَبْتُ، ثُمَّ أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَأَسْلَمْتُ)). أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ.

وَعَنْ حُذَيْفَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: مَا مَنَعَنِي أَنْ أَشْهَدَ بَدْرًا إِلَّا أَنِّي خَرَجْتُ أَنَا وَأَبِي حُسَيْلٌ، قَالَ: فَأَخَذَنَا كُفَّارُ قُرَيْشٍ، قَالُوا: إِنَّكُمْ تُرِيدُونَ مُحَمَّدًا!

فَقُلْنَا: مَا نُرِيدُهُ، مَا نُرِيدُ إِلَّا الْمَدِينَةَ.

فَأَخَذُوا مِنَّا عَهْدَ اللهِ وَمِيثَاقَهُ لَنَنْصَرِفَنَّ إِلَى الْمَدِينَةِ وَلَا نُقَاتِلُ مَعَهُ.

فَأَتَيْنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ فَأَخْبَرْنَاهُ، فَقَالَ: ((انْصَرِفَا، نَفِي لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ، وَنَسْتَعِينُ اللهَ عَلَيْهِمْ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

وَلَمْ يُؤْثَرْ أَبَدًا -وَلَا يَكُونُ.. وَحَاشَاهُ!- عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ غَدْرٌ وَلَا خِيَانَةٌ؛ لَا قَبْلَ الْبِعْثَةِ وَلَا بَعْدَهَا، شَهِدَ بِذَلِكَ أَعْدَاؤُهُ وَأَوْلِيَاؤُهُ.

وَقَدْ عَاهَدَ النَّبِيُّ ﷺ يَهُودَ الْمَدِينَةِ حِينَ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَوَفَّى لَهُمْ، وَكَانُوا هُمُ الَّذِينَ نَقَضُوا الْعَهْدَ وَغَدَرُوا، وَعَاهَدَ كُفَّارَ قُرَيْشٍ وَوَفَّى لَهُمْ، حَتَّى كَانُوا هُمُ الَّذِينَ نَقَضُوا الْعَهْدَ وَغَدَرُوا.

النَّبِيُّ ﷺ مُعَلِّمُ البَشَرِيَّةِ الوَفَاءَ..

فَوَفَاؤُهُ وَفَاؤُهُ ﷺ.

وَإِذَا صُحِبْتَ رَأَى الْوَفَاءَ مُجَسَّمًا = فِي بُرْدِكَ الْأَصْحَابُ وَالْخُلَطَاءُ

وَإِذَا أَخَذْتَ الْعَهْدَ أَوْ أَعْطَيْتَهُ = فَجَمِيعُ عَهْدِكَ ذِمَّةٌ وَوَفَاءُ

 ((الْوَفَاءُ بِعَهْدِ الْأَمَانِ فِي الْبِلَادِ غَيْرِ الْإِسْلَامِيَّةِ))

إِنَّ شَرِيعَةَ الْإِسْلَامِ شَرِيعَةُ عَدْلٍ، وَاللهُ أَمَرَ بِالْعَدْلِ مَعَ الْأَعْدَاءِ، وَنَهَى أَنْ تَحْمِلَنَا الْعَدَاوَةُ عَلَى اسْتِبَاحَةِ كُلِّ حَرَامٍ مِنْهُمْ، أَوِ انْتِقَاصِ حُقُوقِهِمْ.

قَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُوا} [المائدة: 2].

قَالَ الْعَلَّامَةُ السَّعْدِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ-: ((أَيْ لَا يَحْمِلَنَّكُمْ بُغْضُ قَوْمٍ وَعَدَاوَتُهُمْ وَاعْتِدَاؤُهُمْ عَلَيْكُمْ، حَيْثُ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ عَلَى الِاعْتِدَاءِ عَلَيْهِمْ؛ طَلَبًا لِلِاشْتِفَاءِ مِنْهُمْ، فَإِنَّ الْعَبْدَ عَلَيْهِ أَنْ يَلْتَزِمَ أَمْرَ اللهِ، وَيَسْلُكَ طَرِيقَ الْعَدْلِ وَلَوْ جُنِيَ عَلَيْهِ أَوْ ظُلِمَ أَوِ اعْتُدِيَ عَلَيْهِ، فَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَكْذِبَ عَلَى مَنْ كَذَبَ عَلَيْهِ، أَوْ يَخُونَ مَنْ خَانَهُ)).

لَقَدْ غَالَى بَعْضُ الشَّبَابِ وَحَمَّلُوا أَنْفُسَهُمْ مَا لَا طَاقَةَ لَهُمْ بِهِ، وَخَرَجُوا حَامِلِينَ السِّلَاحَ عَلَى دُوَلٍ قَوِيَّةٍ ذَاتِ شَوْكَةٍ وَمَنَعَةٍ؛ تَمْلِكُ مِنْ أَسْبَابِ الْقُوَّةِ الْبَشَرِيَّةِ وَالْعَسْكَرِيَّةِ وَالِاقْتِصَادِيَّةِ وَالْإِعْلَامِيَّةِ وَالسِّيَاسِيَّةِ مَا يَجْعَلُ هَؤُلَاءِ الشَّبَابَ فَرِيسَةً سَهْلَةَ الِالْتِهَامِ، وَيَنْتُجُ عَنْ قِتَالِهِمْ هَذَا مِنَ الْمَفَاسِدِ وَالْمَصَائِبِ الْكَثِيرَةِ مَا لَا يُحْصَى.

وَيُقْتَلُ الْعَدَدُ الْكَبِيرُ مِنَ الطَّرَفَيْنِ، وَيُحْبَسُ الْجَمُّ الْغَفِيرُ مِنْهُمْ وَيُشَرَّدُ الْبَاقِي فِي جَنَبَاتِ الْأَرْضِ، وَيَعُودُ الضَّرَرُ الْأَعْظَمُ عَلَى أُسَرِهِمْ وَذَوِيهِمْ، وَتَنْطَفِئُ هَذِهِ الشُّعْلَةُ سَرِيعًا؛ مُخَلِّفَةً وَرَاءَهَا كُلَّ هَذِهِ الْمَفَاسِدِ دُونَ تَحْقِيقِ أَيِّ نَوْعٍ مِنَ الْمَصَالِحِ!!

وَلَوْ فَكَّرَ هَؤُلَاءِ الشَّبَابُ قَلِيلًا لَعَلِمُوا أَنَّهُ: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286]، وَلَعَلِمُوا أَنَّ اللهَ لَمْ يَجْعَلْ عَلَيْهِمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ، وَأَنَّ اللهَ يُرِيدُ بِهِمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِهِمُ الْعُسْرَ.

وَإِذَا كَانَ الذِّمِّيُّ الَّذِي لَهُ أَمَانٌ إِذَا قُتِلَ خَطَأً فِيهِ الدِّيَةُ وَالْكَفَّارَةُ، فَكَيْفَ إِذَا قُتِلَ عَمْدًا؟!!

إِنَّ الْجَرِيمَةَ تَكُونُ أَعْظَمَ، وَإِنَّ الْإِثْمَ يَكُونُ أَكْبَرَ، وَقَدْ صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ -كَمَا فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو الَّذِي أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي ((صَحِيحِهِ))-: ((مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرَحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ)) .

فَلَا يَجُوزُ التَّعَرُّضُ لِمُسْتَأْمَنٍ بِأَذًى؛ فَضْلًا عَنْ قَتْلِهِ؛ فَإِنَّهُمْ أَمَّنُوهُمْ -أَعْطَوْهُمُ الْأَمَانَ؛ وَهُوَ جَوَازُ دُخُولِ بِلَادِهِمْ، فَاسْتَأْمَنُوهُمْ-؛ فَخَانُوهُمْ وَغَدَرُوا بِهِمْ مِنْ غَيْرِ مَا مُوجِبٍ، وَمِنْ غَيْرِ مَا نَتِيجَةٍ وَلَا مَصْلَحَةٍ، بَلْ إِنَّ الشُّرُورَ الَّتِي تَقَعُ بِسَبَبِ أَمْثَالِ هَذِهِ الْأَعْمَالِ لَا يُحْصِيهَا إِلَّا اللهُ، وَكَمْ مِنْ بَرِيءٍ يَصِيرُ مُذْنِبًا!!

وَكَمْ مِنْ مُؤْمِنٍ يَتَعَرَّضُ لِلْفِتْنَةِ!!

وَكَمْ مِنْ حُرَّةٍ يُهْتَكُ عِرْضُهَا!!

وَكَمْ مِنْ مُصْحَفٍ يُحْرَقُ وَيُدَاسُ بِالْأَقْدَامِ!!

وَكَمْ مِنْ مَسْجِدٍ يُهَدَّمُ وَيُحَرَّقُ!!

إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مَعْلُومٌ مِنَ النَّتَائِجِ الْمُتَرَتِّبَةِ عَلَى أَمْثَالِ هَذِهِ الْأَعْمَالِ الطَّائِشَةِ الَّتِي إِنَّمَا بُنِيَتْ عَلَى الْغَدْرِ وَالْخِيَانَةِ وَالْخَدِيعَةِ.

فَلَا يَجُوزُ التَّعَرُّضُ لِمُسْتَأْمَنٍ بِأَذًى؛ فَضْلًا عَنْ قَتْلِهِ.

إِنَّ الْأَعْمَالَ الْإِجْرَامِيَّةَ -فِي الْبِلَادِ غَيْرِ الْإِسْلَامِيَّةِ الَّتِي تَمْنَحُ عَهْدَ الْأَمَانِ- تَتَضَمَّنُ أَنْوَاعًا مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ فِي الْإِسْلَامِ بِالضَّرُورَةِ:

مِنْ غَدْرٍ وَخِيَانَةٍ وَبَغْيٍ وَعُدْوَانٍ وَإِجْرَامٍ آثِمٍ وَتَرْوِيعٍ لِلْمُسْلِمِينَ وَلِغَيْرِ الْمُسْلِمِينَ، وَكُلُّ هَذِهِ قَبَائِحُ مُنْكَرَةٌ يَأْبَاهَا وَيُبْغِضُهَا اللهُ، وَيَأْبَاهَا وَيُبْغِضُهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَيَأْبَاهَا وَيُبْغِضُهَا الْمُؤْمِنُونَ.

فَالْإِسْلَامُ بَرِيءٌ مِنْ هَذِهِ الْأَعْمَالِ وَأَمْثَالِهَا، وَهَكَذَا كُلُّ مُسْلِمٍ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ هُوَ بَرِيءٌ مِنْهُ، وَإِنَّمَا هُوَ تَصَرُّفٌ مِنْ أَصْحَابِ فِكْرٍ مُنْحَرِفٍ وَعَقِيدَةٍ ضَالَّةٍ فَاسِدَةٍ، وَيَحْمِلُ إِثْمَهُ، وَيَحْمِلُ جُرْمَهُ.. وَلَا يُحْتَسَبُ عَمَلُهُ عَلَى الْإِسْلَامِ وَلَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ الْمُهْتَدِينَ بِهَدْيِ الْإِسْلَامِ الْعَظِيمِ، الْمُعْتَصِمِينَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، الْمُتَمَسِّكِينَ بِحَبْلِ اللهِ الْمَتِينِ.. يَحْمِلُ إِثْمَهُ وَيَحْمِلُ جُرْمَهُ مَنْ فَعَلَهُ وَمَنْ قَامَ بِهِ.

وَقَدْ رَأَى الْعَالَمُ كُلُّهُ -لَمْ يَرَهُ الْمُسْلِمُونَ وَحْدَهُمْ- كَيْفَ أَنَّ هَدْمَ بِنَايَتَيْنِ أَدَّى إِلَّى تَدْمِيرِ دَوْلَتَيْنِ، فَإِنَّهُ لَمَّا قَامَ مَنْ قَامَ بِتَدْمِيرِ بِنَايَتَيْنِ فِي ((أَمرِيكَا))؛ قَامُوا بِتَدْمِيرِ ((أَفْغَانِسْتَانَ)) وَبِتَدْمِيرِ ((الْعِرَاقِ))، فَهَدَمُوا بِنَايَتَيْنِ؛ فَهَدَمُوا لِلْمُسْلِمِينَ وَقَوَّضُوا دَعَائِمَ دَوْلَتَيْنِ!!

فَمَا الَّذِي أَفَادَهُ الْمُسْلِمُونَ مِنْ مِثْلِ هَذَا؟!!

هَذَا يَجُرُّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ شَرًّا كَبِيرًا كَثِيرًا، وَيَأْخُذُهُ الْكُفَّارُ لِلِانْقِضَاضِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَتَدْمِيرِ بِلَادِهِمْ، وَهَذَا الَّذِي اتَّخَذَهُ الْكُفَّارُ سَبَبًا لِهَدْمِ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّهُمْ يَصِفُونَ الْإِسْلَامَ بِأَنَّهُ دِينُ إِرْهَابٍ وَقَتْلٍ، وَقَدْ أَخَذُوا ذَلِكَ مِنْ مِثْلِ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ وَمِنْ غَيْرِهَا وَمِنْ لَا شَيْءَ.

وَاللهُ -جَلَّ وَعَلَا- أَمَرَ بِجِهَادِ الْكُفَّارِ تَحْتَ وِلَايَةٍ مِنْ وِلَايَاتِ الْمُسْلِمِينَ، أَمَّا التَّفْجِيرُ وَالتَّدْمِيرُ وَالْقَتْلُ وَالتَّخْرِيبُ فَهَذَا مِمَّا يَنْهَى عَنْهُ الْإِسْلَامُ الْعَظِيمُ؛ لِأَنَّهُ يُسَبِّبُ شَرًّا عَلَى الْمُسْلِمِينَ قَبْلَ غَيْرِهِمْ، وَلِأَنَّهُ مَضَرَّةٌ مَحْضَةٌ بِدُونِ فَائِدَةٍ.

إِنَّ احْتِرَامَ دِمَاءِ النَّاسِ وَاحْتِرَامَ أَمْوَالِهِمْ أَمْرٌ قَرَّرَتْهُ شَرِيعَةُ الْإِسْلَامِ، وَحُرْمَةُ الدِّمَاءِ وَالْأَمْوَالِ مِمَّا اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ شَرَائِعُ اللهِ كُلُّهَا، وَأَكْمَلُهَا شَرِيعَةُ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ .

فَاحْتِرَامُ الْأَمْوَالِ وَالدِّمَاءِ أَمْرٌ مَطْلُوبٌ شَرْعًا، وَالسَّعْيُ فِي جَلْبِ الْمَصَائِبِ عَلَى الْأُمَّةِ إِنَّمَا يَصْدُرُ مِنْ أُنَاسٍ فَهِمُوا الْإِسْلَامَ عَلَى غَيْرِ فَهْمِهِ الشَّرْعِيِّ الصَّحِيحِ، وَجَاءَهُمُ الشَّيْطَانُ وَزَيَّنَ لَهُمُ الْبَاطِلَ فَظَنُّوهُ حَقًّا، وَذَلِكَ مِنْ قُصُورِ الْإِيمَانِ وَالْعِلْمِ، قَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} [فاطر: 8].

وَمَا أَرَادُوهُ إِلَّا لِكَيْدِ الْأُمَّةِ وَالنَّيْلِ مِنْهَا، وَزَعْزَعَةِ دُوَلِ الْإِسْلَامِ، وَمَحَبَّةِ إِظْهَارِ الْفَوْضَى حَتَّى فِي بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ، فَهَؤُلَاءِ جَهَلَةٌ خُدِعُوا وَغُرِّرَ بِهِمْ، وَلَيْسَ عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ مَا يَحْمِلُهُمْ عَلَى اتِّقَاءِ هَذِهِ الْمَصَائِبِ الْعَظِيمَةِ وَلَا مِنَ الْعَقْلِ، هَذَا إِنْ كَانُوا مِنَ الْمُسْلِمِينَ.

وَأَمَّا إِنْ كَانُوا مِنْ أَعْدَاءِ الْأُمَّةِ؛ فَأَعْدَاءُ الْأُمَّةِ سَاعُونَ فِي الْإِضْرَارِ بِالْأُمَّةِ بِكُلِّ مَا أُوتُوا؛ بِالْمَكَائِدِ مِنْ قِيلَ وَقَالَ وَأَرَاجِيفَ وَإِشَاعَاتٍ بَاطِلَةٍ، وَمِنْ إِيحَاءٍ لِضِعَافِ الْبَصَائِرِ لِيَسْتَغِلُّوهُمْ فِي بَاطِلِهِمْ، وَلِيَجْعَلُوهُمْ سَبَبًا لِحُصُولِ مَا يَحْصُلُ مِنَ النَّكَبَاتِ لِلْأُمَّةِ.

فَالْيَقَظَةُ وَالِانْتِبَاهُ وَاجِبَانِ لِمَعْرِفَةِ مُخَطَّطَاتِ أَعْدَاءِ الْإِسْلَامِ، وَلْيَكُنِ الْمُسْلِمُونَ عَلَى حَذَرٍ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ أَعْدَاءَ اللهِ لَا يُرِيدُونَ لَنَا نُصْحًا، إِنَّمَا يُحِبُّونَ أَنْ يُوقِعُوا بَيْنَنَا الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ.

فَلْيَحْذَرِ الْمُسْلِمُ أَنْ يَكُونَ مَطِيَّةً لِأَعْدَائِهِ؛ يُوَجِّهُهُ الْأَعْدَاءُ كَيْفَ شَاءُوا، وَلْيَكُنْ عَلَى ثِقَةٍ بِدِينِهِ، وَلْيَسْتَقِمْ عَلَى الْخَيْرِ، وَلْيَتَعَاوَنِ الْمُسْلِمُونَ جَمِيعًا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى، وَلْيَحْذَرِ الْمُسْلِمُ مِنْ أَنْ يَكُونَ عَوْنًا لِكُلِّ مُجْرِمٍ وَلِكُلِّ مُفْسِدٍ، فَإِنَّهَا تُخِلُّ بِالْأَمَانَةِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي حَمَّلَهَا اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ كُلَّ مُسْلِمٍ وَكُلَّ مُؤْمِنٍ.

النُّصُوصُ الْقُرْآنِيَّةُ وَالنُّصُوصُ النَّبَوِيَّةُ الدَّالَّةُ عَلَى وُجُوبِ احْتِرَامِ الْمُسْلِمِينَ فِي دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، وَكَذَلِكَ الْكُفَّارُ الَّذِينَ لَهُمْ ذِمَّةٌ أَوْ عَهْدٌ أَوْ أَمَانٌ، وَاحْتِرَامُ هَؤُلَاءِ الْمُعَاهَدِينَ وَالْمُسْتَأْمَنِينَ وَالذِّمِّيِّينَ دَلَّتْ عَلَيْهِ نُصُوصُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَهُوَ مِنْ مَحَاسِنِ الدِّينِ الْإِسْلَامِيِّ الْعَظِيمِ، وَهُوَ مِنَ الْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ: {إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا} [الإسراء: 34].

نَسْأَلُ اللهَ أَنْ يَهْدِيَنَا، وَأَنْ يَهْدِيَ الشَّارِدِينَ، وَأَنْ يَرُدَّ الْجَمِيعَ إِلَى الْحَقِّ، إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.

وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ.

المصدر:مَفْهُومُ عَهْدِ الْأَمَانِ فِي الْعَصْرِ الْحَاضِرِ

التعليقات


خطب مفرغة قد تعجبك


  خوارج العصر والتكفير
  طَلَاقَةُ الْقُدْرَةِ الْإِلَهِيَّةِ فِي الْعَطَاءِ وَالْمَنْعِ
  فَضَائِلُ الِاسْتِغْفَارِ
  الرد على الملحدين:تحديد الصلة بين المدنية الحديثة والإسلام، وبيان أن العلم الحديث قرآني في موضوعه
  دُرُوسٌ مُهِمَّةٌ لِعُمُومِ المُسْلِمِينَ فِي رَمَضَانَ
  كَيْفَ نَسْتَمْطِرُ الرَّحَمَاتِ الرَّبَّانِيَّةَ؟
  بيان للمصريين عامة وللدعاة خاصة
  مَرَاحِلُ وَسِمَاتُ بِنَاءِ الشَّخْصِيَّةِ فِي السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ
  دُرُوسٌ مِنَ الْإِسْرَاءِ وَالْمِعْرَاجِ
  الْجيْشُ الْمِصْرِيُّ الْأَبِيُّ وَشَيْخُ الْحَدَّادِيَّةِ
  • شارك

نبذة عن الموقع

موقع تفريغات العلامة رسلان ، موقع يحتوي على العشرات من الخطب والمحاضرات والمقاطع المفرغة لفضيلة الشيخ العلامة أبي عبدالله محمد بن سعيد رسلان-حفظه الله- . كما يعلن القائمون على صفحة وموقع تفريغات العلامة رسلان -حفظه الله- أن التفريغات للخطب ليست هي الشكل النهائي عند الطباعة، ولكن نحن نفرغ خطب الشيخ حفظه الله ونجتهد في نشرها ليستفيد منها طلاب العلم والدعاة على منهاج النبوة في كل أنحاء الدنيا، ونؤكد على أنَّ الخطب غير مُخرَّجة بشكل كامل كما يحدث في خطب الشيخ العلامة رسلان المطبوعة وليست الكتب المنشورة على الصفحة والموقع هي النسخة النهائية لكتب الشيخ التي تُطبع...وهذه الكتب ما هي إلا تفريغ لخطب الشيخ، غير أنَّ كتب الشيخ التي تُطبع تُراجع من الشيخ -حفظه الله- وتُخرج. والتفريغ عملٌ بشريٌ، ونحن نجتهد في مراجعة التفريغات مراجعة جيدة، فإذا وقع خطأ أو شكل الخطب كما نخرجها -إنما نُحاسب نحن عليها والخطأ يُنسب لنا وليس للشيخ -حفظه الله-.

الحقوق محفوظة لكل مسلم موقع تفريغات العلامة رسلان