الْبِنَاءُ الِاقْتِصَادِيُّ السَّدِيدُ وَأَثَرُهُ فِي اسْتِقْرَارِ الْمُجْتَمَعِ

الْبِنَاءُ الِاقْتِصَادِيُّ السَّدِيدُ وَأَثَرُهُ فِي اسْتِقْرَارِ الْمُجْتَمَعِ

((الْبِنَاءُ الِاقْتِصَادِيُّ السَّدِيدُ وَأَثَرُهُ فِي اسْتِقْرَارِ الْمُجْتَمَعِ))

إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ.

أَمَّا بَعْدُ:

فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.

أَمَّا بَعْدُ:

((نِظَامٌ مُحْكَمٌ لِلْمُعَامَلَاتِ الِاقْتِصَادِيَّةِ فِي الْإِسْلَامِ))

((فَقَدْ بَيَّنَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- عَلَاقَةَ الْعَبْدِ بِرَبِّهِ، وَاتِّصَالَهُ بِهِ، وَآدَابَهُ مَعَهُ، وَكَذَلِكَ بَيَّنَ أَنْوَاعَ التَّصَرُّفَاتِ؛ كَالْبَيْعِ، وَالْإِجَارَةِ، وَالشَّرِكَةِ، وَالْعُقُودِ الْخَيْرِيَّةِ مِنَ الْأَوْقَافِ، وَالْوَصَايَا، وَالْهَدَايَا.

وَبَيَّنَ أَحْكَامَ النِّكَاحِ وَالْعَلَاقَاتِ الزَّوْجِيَّةَ؛ مِنَ الشُّرُوطِ، وَالْعِشْرَةِ، وَالنَّفَقَاتِ، وَالْفُرْقَةِ الزَّوْجِيَّةِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِآدَابِ الزَّوَاجِ وَأَحْكَامِهِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِالْعِدَدِ وَمُتَعَلَّقَاتِهَا.

ثُمَّ مَا تُحْفَظُ بِهِ النَّفْسُ مِنْ عُقُوبَةِ الْجِنَايَاتِ؛ كَالْقِصَاصِ، وَالدِّيَاتِ، وَالْحُدُودِ، ثُمَّ فِي تَطْبِيقِ هَذِهِ الْأَحْكَامِ وَفِي تَنْفِيذِهَا مِنْ أَبْوَابِ الْقَضَاءِ وَأَحْكَامِهِ.

نَظَّمَ الْإِسْلَامُ الْعَلَاقَاتِ بَيْنَ النَّاسِ فِي أَسْوَاقِهِمْ، وَمَزَارِعِهِمْ، وَأَسْفَارِهِمْ، وَبُيُوتِهِمْ، وَشَوَارِعِهِمْ، وَلَمْ يَدَعْ شَيْئًا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ فِي شُئُونِهِمُ الْحَيَاتِيَّةِ إِلَّا أَحْصَاهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا، وَبَيَّنَهُ بِأَعْدَلِ نِظَامٍ، وَأَحْسَنِ تَرْتِيبٍ، وَأَتَمِّ تَفْصِيلٍ.

وَالنَّاسُ يَحْتَاجُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضِ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ كَمَا قَالُوا مَدَنِيٌّ بِطَبْعِهِ؛ يَحْتَاجُ إِلَى صَاحِبِهِ، وَصَاحِبُهُ مُحْتَاجٌ إِلَيْهِ، وَلَا يَعِيشُ وَحْدَهُ، فَكَانَ لَا بُدَّ مِنْ قَانُونٍ رَبَّانِيٍّ فِيهِ الْعَدْلُ وَفِيهِ الْحِكْمَةُ يَسُنُّ لِلنَّاسِ طُرُقَ الْمُعَامَلَاتِ وَإِلَّا حَلَّتِ الْفَوْضَى، وَانْتَشَرَتِ الرَّذَائِلُ، وَتَفَاقَمَ الشَّرُّ، وَأَصْبَحَتْ وَسَائِلُ الْحَيَاةِ وَسَائِلَ لِلدَّمَارِ وَالْهَلَاكِ.

وَبِسَنِّ هَذِهِ النُّظُمِ وَوَضْعِ تِلْكَ الشَّرَائِعِ مِنْ لَدُنْ رَبِّنَا الْحَكِيمِ الْعَلِيمِ بِهَا يَتَبَيَّنُ مَا فِي الْإِسْلَامِ الْعَظِيمِ مِنَ الْحِكَمِ الظَّاهِرَةِ، وَمِنَ الْأُمُورِ الْبَاهِرَةِ، مِمَّا يَدْعُو إِلَى الرَّغْبَةِ فِي الْعَمَلِ، وَمَحَبَّةِ الْكَسْبِ بِأَنْوَاعِ التَّصَرُّفَاتِ الْمُبَاحَةِ؛ حِفْظًا لِلنَّفْسِ، وَإِعْمَارًا لِلْكَوْنِ.

فَدِينُ الْإِسْلَامِ الْعَظِيمِ هُوَ دِينُ الْحَرَكَةِ النَّافِعَةِ، وَالنَّشَاطِ الْمُتَوَثِّبِ، وَالْعَمَلِ الدَّؤُوبِ، يَحُثُّ الْإِسْلَامُ عَلَى ذَلِكَ وَيَأْمُرُ بِهِ، وَيَجْعَلُهُ نَوْعًا مِنَ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، وَيَعُدُّهُ قِسْمًا مِنَ الْعِبَادَاتِ.

الْإِسْلَامُ يَكْرَهُ الْكَسَلَ وَالْخُمُولَ، وَيَكْرَهُ الِاتِّكَالَ عَلَى الْغَيْرِ، قَالَ تَعَالَى: {وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} [النجم: 39]، وَقَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الجمعة: 10].

وَالْإِسْلَامُ بِمَا شَرَعَهُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- فِيهِ مِنْ هَذِهِ الْأَحْكَامِ الَّتِي سَنَّ بِهَا الْمُعَامَلَاتِ وَغَيْرَهَا، وَبَيَّنَ آدَابَهَا؛ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ بِالْقِسْطِ وَالْعَدْلِ، وَوَجَّهَ كُلَّ ذِي طَبْعٍ إِلَى مَا يُلَائِمُهُ مِنَ الْأَعْمَالِ؛ لِيَعْمُرَ الْكَوْنُ لِلْقِيَامِ بِشَتَّى طُرُقِ الْحَيَاةِ الْمُبَاحَةِ مِنْ غَيْرِ جَوْرٍ وَلَا ظُلْمٍ، وَلَا اعْتِدَاءٍ وَلَا هَضْمٍ.

ثُمَّ بَعْدَ هَذَا يَأْتِي بَعْضُ النَّاسِ مِمَّنْ لَا يَدْرِي مَا يَخْرُجُ مِنْ رَأْسِهِ فَيَرْمِي الْإِسْلَامَ بِأَنَّهُ قَصَّرَ فِي بَيَانِ مَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مِنْ نِظَامٍ عَادِلٍ يَكْفِي الْحَيَاةَ الْمَدَنِيَّةَ وَالتَّقَدُّمَ الْحَضَارِيَّ؛ فَيَقُولُونَ: لَا بُدَّ مِنَ اسْتِبْدَالِ الشَّرِيعَةِ، أَوْ لَا بُدَّ مِنْ تَطْعِيمِهَا بِشَيْءٍ مِنَ الْقَوَانِينِ الْبَشَرِيَّةِ الْوَضْعِيَّةِ!!

يُرِيدُونَ بِذَلِكَ حُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ الَّذِي تَحْيَا عَلَيْهِ الْوُحُوشُ الضَّارِيَةُ مِنْ أَعْدَاءِ الْبَشَرِ الَّذِينَ سَفَكُوا الدِّمَاءَ، وَقَتَلُوا الْأَبْرِيَاءَ، وَأَيَّمُوا النِّسَاءَ، وَأَيْتَمُوا الصِّغَارَ، وَآذَوُا الضُّعَفَاءَ، وَأَكَلُوا أَمْوَالَ الْفُقَرَاءِ، وَاسْتَرَقُّوا الشُّعُوبَ بِحُكْمِ الطَّاغُوتِ وَشَرِيعَةِ الْغَابِ.

فَكُلُّ هَؤُلَاءِ مِمَّنْ يُعَادِي دِينَ الْإِسْلَامِ الْعَظِيمِ، وَيَرْمِيهِ بِأَنَّهُ لَيْسَ بِصَالِحٍ لِأَنْ يَحْيَا عَلَى نُظُمِهِ وَشَرَائِعِهِ النَّاسُ، هَؤُلَاءِ جَمِيعًا يَجْهَلُونَ هَذَا كُلَّهُ، أَوْ يَعْلَمُونَهُ وَيُحَارِبُونَ الْإِسْلَامَ؛ لِأَنَّهُمْ يَكْرَهُونَ الدِّينَ، وَمَنْ أَنْزَلَهُ، وَمَنْ جَاءَ بِهِ، وَمَنْ تَمَسَّكَ بِهِ.

هَؤُلَاءِ يَأْتُونَ بِبَعْضِ النُّظُمِ الْجَائِرَةِ وَالْأَحْكَامِ الظَّالِمَةِ، قَدْ تَكُونُ مُلَائِمَةً لِأَحْوَالِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ فِي الْجُمْلَةِ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-؛ مِنْهُمْ مَنْ يَدَّعِي أَنَّ الْحَيَاةَ مَادَّةٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الدِّينِ وَالْحَيَاةِ تَفْرِيقًا حَاسِمًا، وَجَعَلُوا مَا لِقَيْصَرَ لِقَيْصَرَ وَمَا لِلَّهِ لِلَّهِ!!

أَمَّا شَرِيعَةُ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-.. وَأَمَّا مَا أَنْزَلَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا- عَلَى نَبِيِّهِ ﷺ؛ فَإِنَّمَا سَنَّ مَا فِيهِ مِنَ الْأَحْكَامِ مَنْ خَلَقَ الْبَشَرَ وَمَنْ هُوَ عَلِيمٌ بِأَحْوَالِهِمْ فِي حَاضِرِهِمْ وَمُسْتَقْبَلِهِمْ؛ لِيَكُونَ النِّظَامُ عَلَى أَفْضَلِ مَا يَكُونُ، صَالِحًا لِكُلِّ أَحَدٍ مِنْ غَيْرِ مَا ظُلْمٍ وَلَا حَيْفٍ وَلَا جَوْرٍ.

وَاللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- أَخْبَرَنَا فِي كِتَابِهِ الْمَجِيدِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة: 50]؛ فَبَيَّنَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- فِي هَذَا الِاسْتِفْهَامِ الْإِنْكَارِيِّ وَالْغَرَضُ مِنْهُ التَّقْرِيرُ: {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا

لَا أَحَدَ؛ يَعْنِي لَا أَحَدَ هُوَ أَحْسَنُ حُكْمًا مِنَ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- فِيمَا شَرَعَ لِخَلْقِهِ» .

((لَمَّا كَانَ الْعَبْدُ لَا يَسْتَغْنِي عَمَّا فِي يَدِ صَاحِبِهِ وَصَاحِبُهُ لَا يَسْتَغْنِي عَمَّا فِي يَدِهِ شَرَعَ اللهُ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- التَّوَصُّلَ إِلَى مَا فِي يَدِ الْغَيْرِ بِطَرِيقَةِ الْبَيْعِ الَّتِي هِيَ الْمُعَاوَضَةُ؛ فَهَذَا النِّظَامُ تَطْمَئِنُّ إِلَيْهِ النَّفْسُ؛ لِأَنَّ الَّذِي شَرَعَهُ هُوَ الْعَلِيمُ بِحَنَايَا الصُّدُورِ، وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ الْإِنْسَانَ وَيَعْلَمُ مَا يُصْلِحُهُ.

وَلَمَّا كَانَ الْبَيْعُ يَتَضَمَّنُ أَنْوَاعًا مِنَ الْبُيُوعِ؛ جَعَلَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- لِتِلْكَ الْبُيُوعِ أَحْكَامًا؛ حَتَّى لَا يَصِلَ الضَّرَرُ مِنَ الْفَرْدِ إِلَى الْمُجْتَمَعِ أَوْ مِنَ الْمُجْتَمَعِ إِلَى الْفَرْدِ.

وَقَرَّرَ الشَّارِعُ ﷺ أَحْكَامَ الْخِيَارِ، وَالسَّلَفِ، وَالْهِبَةِ، وَالْوَصِيَّةِ، وَالشَّرِكَةِ، وَالْإِجَارَةِ، وَالْمُضَارَبَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَأَبَاحَ أَشْيَاءَ مِنَ الْبَيْعِ لِمَا فِيهَا مِنَ الْمَصْلَحَةِ، وَمَنَعَ أَشْيَاءَ لِمَا يَعْلَمُ فِيهَا مِنَ الْمَضَرَّةِ؛ إِمَّا أَنْ تَكُونَ الْمَضَرَّةُ وَاقِعَةً عَلَى الْفَرْدِ، وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ وَاقِعَةً عَلَى الْمُجْتَمَعِ، أَوْ تَكُونَ وَاقِعَةً عَلَى الْفَرْدِ وَالْمُجْتَمَعِ مَعًا.

وَاللهُ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- ذُو الْحِكْمَةِ الْبَالِغَةِ؛ فَمَا شَرَعَ فَفِيهِ ضَمَانُ الْمَصْلَحَةِ، وَمَا نَهَى عَنْهُ وَمَا لَمْ يَشْرَعْهُ فَإِنَّمَا ذَلِكَ لِدَفْعِ مَضَرَّةٍ حَقِيقِيَّةٍ أَوْ مُتَوَقَّعَةً، وَلِذَلِكَ يَقُولُ رَبُّنَا -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [ البقرة: 275 ]» .

فَبَيَّنَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- حِلَّ الْبَيْعِ، وَهَذَا -كَمَا تَرَى- فِي الْقُرْآنِ الْمَجِيدِ.

((وَدَلَّتِ السُّنَّةُ -أَيْضًا- عَلَى جَوَازِ الْبَيْعِ وَحِلِّهِ إِذَا تَوَفَّرَتْ فِيهِ الشُّرُوطُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا)) .

وَالْإِجْمَاعُ مُنْعَقِدٌ عَلَى جَوَازِ الْبَيْعِ، وَالْبَيْعُ -أَيْضًا- يَقْتَضِيهِ الْقِيَاسُ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إِلَيْهِ، فَلَا يَتَحَصَّلُ الْإِنْسَانُ عَلَى مَا يَحْتَاجُهُ إِذَا كَانَ فِي يَدِ غَيْرِهِ إِلَّا عَنْ طَرِيقِ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّ النَّاسَ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَسْتَغْنِيَ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ، وَقَدْ أَقَامَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- كُلَّ إِنْسَانٍ فِيمَا يُحْسِنُهُ، وَجَعَلَ لِلْإِنْسَانِ مَلَكَاتٍ، فَكُلٌّ يَأْتِي بِمَا يَسَّرَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- لَهُ، وَغَيْرُهُ يَحْتَاجُ إِلَى مَا يُنْتِجُهُ أَوْ مَا يُحْسِنُهُ، وَهُوَ يَحْتَاجُ إِلَى مَا يُنْتِجُهُ غَيْرُهُ وَإِلَى مَا يُحْسِنُهُ.

فَشَرَعَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- تِلْكَ الْعُقُودَ وَالْمُعَامَلَاتِ؛ مِنْ أَجْلِ أَنْ يَجْعَلَ النَّاسَ مُتَوَصِّلِينَ إِلَى مَا فِي أَيْدِي غَيْرِهِمْ بِطَرِيقَةٍ لَا إِيذَاءَ فِيهَا وَلَا ضَرَرَ، فَتَحْفَظُ الْمُجْتَمَعَ كُلَّهُ، وَتَحْفَظُ الْأَفْرَادَ فِي طَلَبِهِمْ لِلسَّعْيِ، وَكَذَلِكَ فِي كَسْبِهِمْ)) .

 ((الْأُصُولُ الْعَامَّةُ لِلْمُعَامَلَاتِ الِاقْتِصَادِيَّةِ فِي الْإِسْلَامِ))

إِنَّ الشَّرِيعَةَ الْإِسْلَامِيَّةَ تُنَظِّمُ الْمُعَامَلَاتِ بَيْنَ الْخَالِقِ وَالْمَخْلُوقِ، وَبَيْنَ الْمَخْلُوقِينَ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ، وَتَنْظِيمُهَا لِلْمُعَامَلَةِ بَيْنَ الْمَخْلُوقِينَ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ مِنْ أَهَمِّ الْأُمُورِ؛ لِأَنَّهُ لَوْلَا ذَلِكَ لَأَكَلَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَلَاعْتَدَى النَّاسُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، فَكَانَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَمِنْ مُقْتَضَى عَدْلِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- أَنْ تُنَظَّمَ الْمُعَامَلَاتُ بَيْنَ الْخَلْقِ؛ لِئَلَّا تَرْجِعَ إِلَى الْأَهْوَاءِ وَالْعُدْوَانِ.

وَالْمُعَامَلَاتُ الِاقْتِصَادِيَّةُ فِي الْإِسْلَامِ لَهَا أُصُولٌ وَضَوَابِطُ؛ مِنْهَا:

*أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْمُعَامَلَاتِ وَالتِّجَارَاتِ الْحِلُّ وَالْإِبَاحَةُ؛ ((فيَنْبَغِي أَنْ نَفْهَمَ قَاعِدَةً جَلِيلَةً؛ هَذِهِ الْقَاعِدَةُ تَحُدُّ لَنَا الْمُعَامَلَاتِ الْمُبَاحَةَ، وَتُبَيِّنُ لَنَا الضَّوَابِطَ الَّتِي تُحِيطُ بِجَمِيعِ الْمُعَامَلَاتِ الْمُحَرَّمَةِ، وَتُرَدُّ إِلَيْهَا جَمِيعُ الْجُزْئِيَّاتِ، وَهَذِهِ الْقَاعِدَةُ هِيَ: ((أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْمُعَامَلَاتِ وَأَنْوَاعِ التِّجَارَاتِ وَالْمَكَاسِبِ الْحِلُّ وَالْإِبَاحَةُ))؛ فَلَا يُمْنَعُ مِنْهَا إِلَّا مَا حَرَّمَهُ اللهُ أَوْ حَرَّمَهُ رَسُولُهُ ﷺ.

فَمَنْ حَرَّمَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ مُطَالَبٌ بِالدَّلِيلِ؛ لِأَنَّهُ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ، وَالْأَصْلُ الْحِلُّ وَالْجَوَازُ، وَبِهَذَا يُعْلَمُ يُسْرُ الشَّرِيعَةِ وَسَعَتُهَا وَصَلَاحِيَتُهَا لِكُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ.

يُعْلَمُ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِالشَّرِيعَةِ الْجَامِدَةِ الَّتِي لَا تُرَاعِي مَصَالِحَ النَّاسِ وَلَا مُقْتَضَيَاتِ الْبَشَرِ، بَلْ جَعَلَهَا اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- مُلَائِمَةً لِذَلِكَ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَفِي كُلِّ مَكَانٍ.

هَذِهِ الْقَاعِدَةُ قَاعِدَةٌ مُطَّرِدَةٌ، وَمَبْنَاهَا عَلَى الْعَدْلِ وَالْقِسْطِ، وَعَلَى مُرَاعَاةِ مَصَالِحِ الطَّرَفَيْنِ، لَا تَخْرُجُ الْمُعَامَلَةُ عَنْ هَذَا الْأَصْلِ الْعَظِيمِ مِنَ الْإِبَاحَةِ إِلَى التَّحْرِيمِ إِلَّا لِمَا يَقْتَرِنُ بِهَا مِنْ مَحْظُورٍ يَرْجِعُ إِلَى ظُلْمِ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ كَالرِّبَا، وَالْغَرَرِ، وَالْجَهَالَةِ، وَالْخِدَاعِ، وَالتَّغْرِيرِ، فَهَذَا ظُلْمٌ، وَلِذَلِكَ يُحْظَرُ -حِينَئِذٍ- مَا يَكُونُ مِنْ ذَلِكَ التَّعَامُلِ، وَالْأَصْلُ الْحِلُّ إِلَّا إِذَا جَاءَ الْحَاظِرُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمُعَامَلَاتِ.

وَالْحَكِيمُ الرَّحِيمُ أَرْسَلَ نَبِيَّهُ الْكَرِيمَ ﷺ بِكُلِّ مَا فِيهِ صَلَاحٌ، وَحَذَّرَ مِنْ كُلِّ مَا فِيهِ فَسَادٌ وَطَلَاحٌ)).

 ((قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [ البقرة: 275 ].

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [آل عمران: 130].

وَقَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ ۚ وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء: 29].

اشْتَمَلَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ الْكَرِيمَاتُ عَلَى أَحْكَامٍ جَمَّةٍ وَفَوَائِدَ مُهِمَّةٍ؛ مِنْهَا: أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْبُيُوعِ وَالْمُعَامَلَاتِ وَالتِّجَارَاتِ كُلِّهَا الْحِلُّ وَالْإِطْلَاقُ، كَمَا هُوَ صَرِيحُ هَذِهِ الْآيَاتِ، لَا فَرْقَ بَيْنَ تِجَارَةِ الْإِدَارَةِ الَّتِي يُدِيرُهَا التُّجَّارُ بَيْنَهُمْ، هَذَا يَأْخَذُ الْعِوَضَ، وَهَذَا يُعْطِي الْمُعَوَّضَ، وَلَا بَيْنَ التِّجَارَةِ فِي الدُّيُونِ الْحَالِّ ثَمَنُهَا، الْمُؤَجَّلِ مُثَمَّنُهَا كَالسَّلَمِ، وَبَيْعِ السِّلَعِ بِأَثْمَانٍ مُؤَجَّلَةٍ؛ لِعُمُومِ قَوْلِهِ: {إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ} [البقرة: 282].

وَلَا بَيْنَ تِجَارَةِ التَّرَبُّصِ وَالِانْتِظَارِ؛ بِأَنْ يَشْتَرِيَ السِّلَعَ فِي أَوْقَاتِ رُخْصِهَا، وَيَنْتَظِرَ بِهَا الْفُرَصَ مِنْ مَوَاسِمَ وَغَيْرِهَا، وَلَا بَيْنَ التِّجَارَةِ بِالتَّصْدِيرِ وَالتَّوْرِيدِ مِنْ مَحَلٍّ إِلَى آخَرَ، وَلَا بَيْنَ التِّجَارَةِ وَالتَّكَسُّبِ أَفْرَادًا وَمُشْتَرِكِينَ؛ فَكُلُّ هَذِهِ الْأَنْوَاعُ وَمَا يَتْبَعُهَا قَدْ أَبَاحَهَا الشَّارِعُ وَأَطْلَقَهَا لِعِبَادِهِ؛ رَحْمَةً بِهِمْ، وَقِيَامًا لِمَصَالِحِهِمْ، وَدَفْعًا لِلْأَضْرَارِ عَنْهُمْ، وَكُلُّهَا جَائِزَةٌ بِمَا يَقْتَرِنُ بِهَا وَيَتْبَعُهَا مِنْ شُرُوطٍ وَوَثَائِقَ وَنَحْوِهَا إِذَا سَلِمَتْ مِنَ الْمَحَاذِيرِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي نَبَّهَ اللهُ عَلَيْهَا وَرَسُولُهُ.

يَدْخُلُ فِي هَذَا الْعُمُومِ جَمِيعُ أَجْنَاسِ الْمَبِيعَاتِ وَأَنْوَاعِهَا وَأَفْرَادِهَا؛ مِنْ عَقَارَاتٍ، وَحَيَوَانَاتٍ، وَأَمْتِعَةٍ، وَأَطْعِمَةٍ، وَأَوَانٍ، وَأَشْرِبَةٍ، وَأَكْسِيَةٍ وَفُرُشٍ وَغَيْرِهَا، وَكُلُّهَا لَا بُدَّ أَنْ تَقْتَرِنَ بِهَذَا الشَّرْطِ الَّذِي ذَكَرَهُ اللهُ، وَهُوَ التَّرَاضِي بَيْنَ الْمُتَعَاوِضَيْنِ، الرِّضَا الصَّادِرَ عَنْ مَعْرِفَةٍ، وَأَمَّا السَّفِيهُ وَالْمَجْنُونُ وَمَنْ لَا يُعْتَبَرُ كَلَامُهُ فَوَلِيُّهُ يَقُومُ مَقَامَهُ فِي مُعَامَلَاتِهِ)) .

*وَمِنْ أَعْظَمِ الْأُصُولِ الْوَاجِبَةِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي حَيَاتِهِمْ الِاقْتِصَادِيَّةِ: طَلَبُ الْحَلَالِ وَاجْتِنَابُ الْحَرَامِ؛ فَإِنَّ اللهَ -جَلَّ وَعَلَا- سَوَّى بَيْنَ الْمُرْسَلِينَ وَالْمُؤْمِنِينَ فِي وُجُوبِ الْأَكْلِ مِنَ الْحَلَالِ وَاجْتِنَابِ الْحَرَامِ؛ فَقَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} [المُؤْمِنُون: 51].

وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ كَمَا أَخْرَجَ ذَلِكَ مُسْلِمٌ فِي ((صَحِيحِهِ)) مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: ((إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا)) .

وَقَالَ تَعَالَى: {وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 188].

وَلَا يَأْكُلْ بَعْضُكُمْ مَالَ بَعْضٍ دُونَ وَجْهٍ مِنَ الْحَقِّ، كَالْيَمِينِ الْكَاذِبَةِ، وَالْغَصْبِ، وَالسَّرِقَةِ، وَالْغِشِّ، وَالتَّغْرِيرِ، وَالرِّبَا، وَنَحْوِ ذَلِكَ.

فَلَا يَسْتَحِلَّ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ إِلَّا لِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ الَّتِي شَرَعَهَا اللهُ؛ كَالْمِيرَاثِ وَالْهِبَةِ، وَالْعَقْدِ الصَّحِيحِ الْمُبِيحِ لِلْمِلْكِ.

وَلَا يُنَازِعْ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فِي الْمَالِ وَهُوَ مُبْطِلٌ، وَيَرْفَعْ إِلَى الْحَاكِمِ أَوِ الْقَاضِي لِيَحْكُمَ لَهُ، وَيَنْتَزِعَ مِنْ أَخِيهِ مَالَهُ بِشَهَادَةٍ بَاطِلَةٍ، أَوْ بَيِّنَةٍ كَاذِبَةٍ، أَوْ رِشْوَةٍ خَبِيثَةٍ، وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ تَحْرِيمَ ذَلِكَ عَلَيْكُمْ.

فَإِنَّ أَكْلَ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ مُحَرَّمٌ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ، فَلْيَمْتَثِلْ كُلُّ عَبْدٍ أَمْرَ اللهِ بِاجْتِنَابِ أَكْلِ الْأَمْوَالِ بِالْبَاطِلِ؛ فَإِنَّهُ مُحَرَّمٌ بِكُلِّ حَالٍ، لَا يُبَاحُ فِي وَقْتٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ.

وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: ((إِنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلى الْجَنَّةِ كُلَّ لَحْمٍ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ))، «كُلُّ لَحْمٍ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ، فَالنَّارُ أَوْلَى بِهِ».

*وَمِنَ الْأُصُولِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي أَسَّسَ عَلَيْهَا الْإِسْلَامُ الْمُعَامَلَاتِ الِاقْتِصَادِيَّةَ: التَّرَاضِي، ((قَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ} [النساء: 29].

وَمَعْنَى: {تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ}؛ أَيْ: تِجَارَةً صَادِرَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ.

وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّمَا الْبَيْعُ عَنْ تَرَاضٍ».

وَالنَّظَرُ الصَّحِيحُ يَقْتَضِي ذَلِكَ -أَيْضًا-؛ لِأَنَّنَا لَوْ لَمْ نَشْتَرِطِ التَّرَاضِيَ لَأَصْبَحَ النَّاسُ يَأْكُلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَكُلُّ إِنْسَانٍ يَرْغَبُ فِي سِلْعَةٍ عِنْدَ شَخْصٍ يَذْهَبُ إِلَيْهِ وَيَقُولُ لَهُ: اشْتَرَيْتُهَا مِنْكَ بِكَذَا قَهْرًا عَلَيْكَ، وَهَذَا يُؤَدِّي إِلَى الْفَوْضَى وَالشَّغْبِ وَالْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ)) .

*وَمِنَ الْأُصُولِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي أَسَّسَ عَلَيْهَا الْإِسْلَامُ الْمُعَامَلَاتِ الِاقْتِصَادِيَّةَ: تَوْثِيقُهَا؛ بِكِتَابَةِ الْعُقُودِ وَالْإِشْهَادِ عَلَيْهَا، قَالَ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ} إِلَى قَوْلِهِ: {وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [البقرة: 282].

((فِي آيَةِ الدَّيْنِ مِنَ الْفَوَائِدِ: الْأَمْرُ بِكِتَابَةِ الْمُعَامَلَاتِ وَالْإِشْهَادِ عَلَيْهَا، وَأَنْ يَكُونَ الْكَاتِبُ عَدْلًا عَارِفًا بِالْكِتَابَةِ وَبِمَا يَنْبَغِي أَنْ يَكْتُبَ; وَهَذَا الْأَمْرُ لِلنَّدْبِ وَالِاسْتِحْبَابِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ، إِلَّا إِذَا وَجَبَ حِفْظُ الْمَالِ، وَكَانَ عَلَى دَيْنٍ مُؤَجَّلٍ أَوْ غَيْرِ مَقْبُوضٍ؛ فَإِنَّهُ لَا يَتِمُّ حِفْظُهُ إِلَّا بِذَلِكَ -بِكِتَابَةِ الْمُعَامَلَةِ-، وَمَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ.

وَتَدُلُّ الْآيَةُ عَلَى أَنَّ الْإِقْرَارَ مِنْ أَعْظَمِ الطُّرُقِ الَّتِي تَثْبُتُ بِهَا الْحُقُوقُ فِي الذِّمَمِ، كَمَا يَثْبُتُ فِيهَا بَرَاءَةُ الذِّمَمِ الْمُشْتَغِلَةِ بِالْحُقُوقِ إِذَا أَقَرَّ مَنْ لَهُ الْحَقُّ بِالْإِقْبَاضِ أَوِ الْإِبْرَاءِ الْمُعْتَبَرِ، وَأَنَّهُ لَا يُعْذَرُ مَنْ أَقَرَّ لَوِ ادَّعَى الْغَلَطَ أَوِ الْكَذِبَ وَنَحْوَهُ.

وَفِي آيَةِ الدَّيْنِ: الْإِرْشَادُ إِلَى حِفْظِ الْحُقُوقِ بِالْإِشْهَادِ وَالْكِتَابَةِ وَالرَّهْنِ إِذَا احْتِيجَ إِلَيْهِ فِي سَفَرٍ أَوْ غَيْرِهِ.

وَفِي آيَةِ الدَّيْنِ: بَيَانُ الْحِكْمَةِ الْعَظِيمَةِ فِي هَذِهِ الْإِرْشَادَاتِ مِنَ الرَّبِّ فِي حِفْظِ الْمُعَامَلَاتِ، وَأَنَّ ذَلِكَ صَلَاحٌ لِلْعِبَادِ فِي مُعَامَلَاتِهِمْ، وَأَنْ تَكُونَ جَارِيَةً عَلَى الْقِسْطِ، وَأَنَّهَا تَقْطَعُ الْخُصُومَاتِ وَتَرْفَعُ الْمُنَازَعَاتِ، وَتُبْرِئُ الذِّمَمَ، وَتَمْنَعُ الظَّالِمَ مِنْ ظُلْمِهِ، فَلِهَذَا قَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا} [البقرة: 282].

فَكَمْ حَصَلَ بِهَذِهِ الْوَثَائِقِ الَّتِي أَرْشَدَ اللهُ إِلَيْهَا مِنْ مَصَالِحَ عَظِيمَةٍ، وَكَمِ انْدَفَعَ بِهَا مِنْ مَفَاسِدَ وَشُرُورٍ كَثِيرَةٍ، فَسُبْحَانَ مَنْ جَعَلَ شَرْعَهُ صَلَاحًا لِدِينِ الْعِبَادِ وَدُنْيَاهُمْ!

وَفِيهَا: أَنَّهُ كَمَا أَنَّهُ مِنَ الْعُلُومِ النَّافِعَةِ تَعْلِيمُ الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْعِبَادَاتِ وَالْمُعَامَلَاتِ؛ فَمِنْهُ -أَيْضًا- تَعْلِيمُ الْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْمُعَامَلَاتِ، فَإِنَّ اللهَ حَفِظَ عَلَى الْعِبَادِ أُمُورَ دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ، وَكِتَابُهُ الْعَظِيمُ فِيهِ تِبْيَانُ كُلِّ شَيْءٍ.

وَفِي الْآيَةِ: أَنَّهُ يَجُوزُ التَّعَامُلُ بِغَيْرِ وَثِيقَةٍ، بَلْ بِمُجَرَّدِ الِاسْتِئْمَانِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ} [البقرة: 283].

وَلَكِنْ فِي هَذِهِ الْحَالِ تَتَوَقَّفُ الثِّقَةُ عَلَى التَّقْوَى وَالْخَوْفِ مِنَ اللهِ، وَإِلَّا فَصَاحِبُ الْحَقِّ مُخَاطِرٌ، فَلِهَذَا وَعَظَ اللهُ مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ أَنْ يُؤَدِّيَ أَمَانَتَهُ.

وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا أَنَّ مَنْ عَامَلَكَ وَرَضِيَ بِأَمَانَتِكَ وَوَثِقَ فِيكَ أَنَّهُ قَدْ فَعَلَ مَعَكَ مَعْرُوفًا، وَرَآكَ مَوْضِعَ الثِّقَةِ وَالْأَمَانَةِ; فَيَتَأَكَّدُ عَلَيْكَ أَدَاءُ الْأَمَانَةِ مِنَ الْجِهَتَيْنِ: أَدَاءً لِحَقِّ اللهِ، وَوَفَاءً بِحَقِّ مَنْ وَثِقَ فِيكَ، وَمُكَافَأَةً لَهُ)) .

*وَمِنَ الْأُصُولِ -أَيْضًا- الَّتِي أَسَّسَهَا الْإِسْلَامُ الْعَظِيمُ فِي حَيَاةِ النَّاسِ الِاقْتِصَادِيَّةِ: الْوَفَاءُ بِالْعُقُودِ؛ قَالَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة: 1].

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ صَدَّقُوا اللهَ وَاتَّبَعُوا رَسُولَهُ! نَفِّذُوا ارْتِبَاطَاتِكُمُ الَّتِي عَقَدْتُمُوهَا مَعَ رَبِّكُمْ بِسَبَبِ إِيمَانِكُمْ، وَالْعُقُودَ الَّتِي عَقَدْتُمُوهَا مَعَ أَنْفُسِكُمْ بِسَبَبِ حَلْفِكُمْ وَنَذْرِكُمْ عَلَى أَلَّا تَفْعَلُوا فِعْلًا أَوْ تَكُفُّوا عَنْ فِعْلٍ، وَالْعُقُودَ الَّتِي عَقَدَهَا بَعْضُكُمْ مَعَ بَعْضٍ بِإِرَادَتِهِ وَاخْتِيَارِهِ؛ مِن بَيْعٍ، وَإِجَارَةٍ، وَرَهْنٍ، وَشَرِكَةٍ، وَمُضَارَبَةٍ، وَزَوَاجٍ وَنَحْوِهَا، فَالْتَزِمُوا بِهَا، وَبِالْعُقُودِ الَّتِي تَعْقِدُهَا الدَّوْلَةُ الْمُسْلِمَةُ مَعَ غَيْرِهَا مِنَ الدُّوَلِ فِي السِّلْمِ وَالْحَرْبِ.

وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَلَّةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَلَّةٌ مِنْ نِفَاقٍ حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَعِنْدَ الشَّيْخَيْنِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((إِنَّ الْغَادِرَ يُنْصَبُ لَهُ لِوَاءٌ يِوَمَ الْقِيَامَةِ، فَيُقَالُ: هَذِهِ غَدْرَةُ فُلَانٍ)).

وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: ((اضْمَنُوا لِي سِتًّا مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَضْمَنْ لَكُمُ الْجَنَّةَ: اصْدُقُوا إِذَا حَدَّثْتُمْ، وَأَوْفُوا إِذَا وَعَدْتُمْ، وَأَدُّوا إِذَا اؤْتُمِنْتُمْ، وَاحْفَظُوا فُرُوجَكُمْ، وَغُضُّوا أَبْصَارَكُمْ، وَكُفُّوا أَيْدِيَكُمْ)).

فَمِمَّا يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ -عِبَادَ اللهِ- الْعُقُودُ بَيْنَ النَّاسِ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ؛ كَعُقُودِ الشَّرِكَاتِ وَسَائِرِ الْمُعَامَلَاتِ التِّجِارِيَّةِ؛ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا؛ فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَذَبَا وَكَتَمَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا)).

وَالْإِخْلَالُ بِمُقْتَضَيَاتِ الْعُقُودِ أَكْلٌ لِلسُّحْتِ، وَأَكْلٌ لِأَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ؛ وَأَكْلُ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ مُحَرَّمٌ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ، قَالَ تَعَالَى: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 188].

*وَمِنَ الْأُصُولِ الْوَاجِبِ الْتِزَامُهَا فِي الْمُعَامَلَاتِ الِاقْتِصَادِيَّةِ: الصِّدْقُ وَالْأَمَانَةُ؛ فَقَدْ رَغَّبَ النَّبِيُّ ﷺ التُّجَّارَ فِي الصِّدْقِ، وَرَهَّبَهُمْ مِنَ الْكَذِبِ وَمِنَ الْحَلِفِ وَإِنْ كَانُوا صَادِقِينَ؛ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «التَّاجِرُ الصَّدُوقُ الْأَمِينُ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: «حَدِيثٌ حَسَنٌ»، وَقَالَ الْأَلْبَانيُّ: «صَحِيحٌ لِغَيْرِهِ».

وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَلَفْظُهُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «التَّاجِرُ الْأَمِينُ الصَّدُوقُ الْمُسْلِمُ مَعَ الشُّهَدَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».

وَعِنْدَ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا؛ فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَذَبَا وَكَتَمَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا)).

((الْبَيِّعَانِ: الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي، أُطْلِقَ عَلَيْهِمَا اسْمُ الْبَيْعِ مِنْ بَابِ التَّغْلِيبِ؛ كَمَا يُقَالُ الْقَمَرَانِ لِلشَّمْسِ وَالْقَمَرِ، وَكَمَا يُقَالُ الْعُمَرَانِ لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-)).

وَفِي الْحَدِيثِ: «الحَلِفُ مَنْفَقَةٌ لِلسِّلْعَةِ مَمْحَقَةٌ لِلْكَسْبِ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.

وَعَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ رِفَاعَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّهُ خَرَجَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَى الْمُصَلَّى؛ فَرَأَى النَّاسَ يَتَبَايَعُونَ، فَقَالَ: «يَا مَعْشَرَ التُّجَّارِ! ».

فَاسْتَجَابُوا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَرَفَعُوا أَعْنَاقَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ إِلَيْهِ، فَقَالَ: «إِنَّ التُّجَّارَ يُبْعَثُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فُجَّارًا، إِلَّا مَنِ اتَّقَى اللهَ وَبَرَّ وَصَدَقَ». أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ.

وَمِنْ أَعْظَمِ ثَمَرَاتِ الصِّدْقِ فِي الْمُعَامَلَاتِ التِّجَارِيَّةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ الْبَرَكَةُ فِيهَا؛ ((فَصِدْقُ الْمُتَبَايِعِينَ يُحِلُّ الْبَرَكَةَ فِي بَيْعِهِمْ، كَمَا أَنَّ كَذِبَهُمْ يَمْحَقُ بَرَكَةَ بَيْعِهِمْ)) .

*وَمِنْ أَعْظَمِ الْأُصُولِ الْوَاجِبِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ الْأَخْذُ بِهَا فِي مُعَامَلَاتِهِمُ الْمَالِيَّةِ: السَّمَاحَةُ؛ فَالنَّبِيُّ ﷺ رَغَّبَ فِي السَّمَاحَةِ فِي البَيْعِ وَالشِّرَاءِ، وَحُسْنِ التَّقَاضِي وَالْقَضَاءِ؛ فَعَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللهِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «رَحِمَ اللهُ رَجُلًا سَمْحًا إِذَا بَاعَ، سَمْحًا إِذَا اشْتَرَى، سَمْحًا إِذَا اقْتَضَى». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ كَانَ هَيِّنًا لَيِّنًا قَرِيبًا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ». رَوَاهُ الحَاكِمُ وَقَالَ: ((صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ))، وَهُوَ صَحِيحٌ لِغَيْرِهِ.

((جُمْلَةٌ مِنْ سُبُلِ الِارْتِقَاءِ بِالِاقْتِصَادِ))

إِنَّ الِاقْتِصَادَ الْقَوِيَّ مِنْ أَهَمِّ دَعَائِمِ الدَّوْلَةِ وَرَكَائِزِهَا الْأَسَاسِيَّةِ الَّتِي لَا تَقُومُ وَلَا تُبْنَى إِلَّا بِهَا.

إِنَّ الْمَالَ مِنْ نِعَمِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- إِذَا كَانَ مِنْ حَلَالٍ، وَصُرِّفَ فِي طَاعَةِ اللهِ؛ لِأَنَّ الْمَالَ وَالْوَلَدَ لَا يَنْفَعَانِ إِنْ لَمْ يُعِينَا عَلَى طَاعَةِ اللهِ، كَمَا قَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُم بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا} [سبأ: 37].

وَالْعَبْدُ يَنْبَغِي لَهُ إِذَا أَعْجَبَهُ شَيْءٌ مِنْ مَالِهِ أَوْ وَلَدِهِ؛ أَنْ يُضِيفَ النِّعْمَةَ إِلَى مُولِيهَا وَمُسْدِيهَا، وَأَنْ يَقُولَ: {مَا شَاء اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ} [الكهف: 39]؛ لِيَكُونَ شَاكِرًا لِلهِ مُتَسَبِّبًا لِبَقَاءِ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِ، لِقَوْلِهِ: {وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ} [الكهف: 39].

قَالَ تَعَالَى: {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [الكهف: 46].

الْمَالُ الْكَثِيرُ الْوَفِيرُ، وَالْبَنُونَ الْكَثِيرُونَ؛ زِينَةُ هَذِهِ الدُّنْيَا الْفَانِيَةِ.

وَجَعَلَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- الرِّزْقَ بِالْمَالِ الْكَثِيرِ مِنْ ثَمَرَاتِ قُرْبَةٍ مِنْ أَعْظَمِ الْقُرُبَاتِ وَهِيَ التَّوْبَةُ وَالِاسْتِغْفَارُ؛ قَالَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا} [نوح: 10-12].

فَقُلْتُ -يَعْنِي نُوحًا -عَلَيْهِ السَّلَامُ-- لِقَوْمِي: اطْلُبُوا مِنْ رَبِّكُمْ أَنْ يَغْفِرَ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ بِتَوْبَتِكُمْ عَمَّا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ كُفْرٍ وَفُسُوقٍ، إِنَّهُ كَانَ -وَلَمْ يَزَلْ- كَثِيرَ الْمَغْفِرَةِ لِذُنُوبِ مَنْ يَرْجِعُ إِلَيْهِ مِنْ عِبَادِهِ بِالْإِيمَانِ وَالطَّاعَةِ.

إِنْ تُؤْمِنُوا وَتُسْلِّمُوا، وَتَسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ، وَتَتُوبُوا إِلَيْهِ؛ يُرْسِلْ عَلَى أَرْضِكُمْ وَبِلَادِكُمْ مَاءَ السَّمَاءِ كَثِيرًا مُتَتَابِعًا فِي مَنَافِعِكُمْ وَسُقْيَاكُمْ، وَيُكَثِّرْ أَمْوَالَكُمْ وَأَوْلَادَكُمْ، وَيَجْعَلْ لَكُمْ بَسَاتِينَ تَنْعَمُونَ بِجَمَالِهَا وَثِمَارِهَا، وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا جَارِيَةً؛ لِإِمْتَاعِ نُفُوسِكُمْ وَأَعْيُنِكُمْ، وَلِسُقْيَا الْأَشْجَارِ وَالزُّرُوعِ.

 ((وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ؛ رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ الْقُرْآنَ فَهُوَ يَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللهُ مَالًا فَهُوَ يُنْفِقُهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ)) ؛ فَجَعَلَ الْغِنَى مَعَ الْإِنْفَاقِ بِمَنْزِلَةِ الْقُرْآنِ مَعَ الْقِيَامِ بِهِ.

وَقَدْ سَمَّى -سُبْحَانَهُ- الْمَالَ خَيْرًا فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِهِ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ}، وَقَوْلِهِ: {وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ} [العاديات: 8]، وَأَخْبَرَ رَسُولُ اللهِ ((أَنَّ الْخَيْرَ لَا يَأْتِي إِلَّا بِالْخَيْرِ)) ، وَإِنَّمَا يَأْتِي بِالشَّرِّ مَعْصِيَةُ اللهِ فِي الْخَيْرِ؛ لَا نَفْسُهُ.

وَأَعْلَمَ اللهُ -سُبْحَانَهُ- أَنَّهُ جَعَلَ الْمَالَ قِوَامًا لِلْأَنْفُسِ، وَأَمَرَ بِحِفْظِهَا، وَنَهَى أَنْ يُؤْتَى السُّفَهَاءَ مِنَ النِّسَاءِ وَالْأَوْلَادِ وَغَيْرِهِمْ، وَمَدَحَهُ النَّبِيُّ بِقَوْلِهِ: ((نِعْمَ الْمَالُ الصَّالِحُ مَعَ الْمَرْءِ الصَّالِحِ)) .

وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: ((لَا خَيْرَ فِيمَنْ لَا يُرِيدُ جَمْعَ الْمَالِ مِنْ حِلِّهِ، يَكُفُّ بِهِ وَجْهَهُ عَنِ النَّاسِ، وَيَصِلُ بِهِ رَحِمَهُ، وَيُعْطِي حَقَّهُ)) .

وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ السَّبِيعِيُّ: ((كَانُوا يَرَوْنَ السَّعَةَ عَوْنًا عَلَى الدِّينِ)) .

وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ: ((نِعْمَ الْعَوْنُ عَلَى التُّقَى الْغِنَى)) .

وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: ((الْمَالُ فِي زِمَانِنَا هَذَا سِلَاحُ الْمُؤْمِنِ)) .

وَقَالَ يُوسُفُ بْنُ أَسْبَاطٍ: ((مَا كَانَ الْمَالُ فِي زَمَانٍ مُنْذُ خُلِقَتِ الدُّنْيَا أَنْفَعَ مِنْهُ فِي هَذَا الزَّمَانِ)) ، وَالْخَيْرُ كَالْخَيْلِ؛ لِرَجُلٍ أَجْرٌ، وَلِرَجُلٍ سِتْرٌ، وَعَلَى رَجُلٍ وِزْرٌ.

وَقَدْ جَعَلَ اللهُ -سُبْحَانَهُ- الْمَالَ سَبَبًا لِحِفْظِ الْبَدَنِ، وَحِفْظُهُ سَبَبٌ لِحِفْظِ النَّفْسِ الَّتِي هِيَ مَحَلُّ مَعْرِفَةِ اللهِ، وَالْإِيمَانِ بِهِ، وَتَصْدِيقِ رُسُلِهِ، وَمَحَبَّتِهِ، وَالْإِنَابَةِ إِلَيْهِ؛ فَهُوَ سَبَبُ عِمَارَةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.

وَإِنَّمَا يُذَمُّ مِنْهُ مَا اسْتُخْرِجَ مِنْ غَيْرِ وَجْهِهِ، وَصُرِفَ فِي غَيْرِ حَقِّهِ، وَاسْتَعْبَدَ صَاحِبَهُ، وَمَلَكَ قَلْبَهُ، وَشَغَلَهُ عَنِ اللهِ وَالدَّارِ الْآخِرَةِ، فَيُذَمُّ مِنْهُ مَا يَتَوَسَّلُ بِهِ صَاحِبُهُ إِلَى الْمَقَاصِدِ الْفَاسِدَةِ أَوْ شَغَلَهُ عَنِ الْمَقَاصِدِ الْمَحْمُودَةِ، فَالذَّمُّ لِلْجَاعِلِ لَا لِلْمَجْعُولِ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، تَعِسَ عَبْدُ الدِّرْهَمِ)) ؛ فَذَمَّ عَبْدَهُمَا دُونَهُمَا)) .

 ((مِنْ سُبُلِ الْبِنَاءِ الِاقْتِصَادِيِّ السَّدِيدِ: التَّخْطِيطُ))

إِنَّ الْأُمَمَ الَّتِي لَا تَمْلِكُ وَلَا تُنْتِجُ قُوتَهَا، وَغِذَاءَهَا، وَكِسَاءَهَا، وَدَوَاءَهَا، وَسِلَاحَهَا؛ لَا تَمْلِكُ أَمْرَهَا، وَلَا إِرَادَتَهَا، وَلَا كَلِمَتَهَا، وَلَا عِزَّتَهَا، وَلَا كَرَامَتَهَا؛ فَالتَّنْمِيَةُ الِاقْتِصَادِيَّةُ أَمْرٌ مَحْمُودٌ شَرْعًا، وَلَهَا سُبُلٌ وَطُرُقٌ شَتَّى..

إِنَّ مِنْ سُبُلِ الْبِنَاءِ الِاقْتِصَادِيِّ السَّدِيدِ: التَّخْطِيطَ الزِّرَاعِيَّ وَالتَّمْوِينِيَّ؛ قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ (43) قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ (44) وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُم بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ (45) يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (46) قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تَأْكُلُونَ (47) ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ (48) ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ} [يوسف: 43-49].

وَقَالَ مَلِكُ مِصْرَ: إِنِّي رَأَيْتُ فِي مَنَامِي سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ وَسَبْعَ بَقَرَاتٍ فِي غَايَةِ الْهُزَالِ، فَابْتَلَعَتِ الْعِجَافُ السِّمَانَ، وَدَخَلْنَ فِي بُطُونِهِنَّ، وَلَمْ يُرَ مِنْهُنَّ شَيْءٌ، وَلَمْ يَتَبَيَّنْ عَلَى الْهَزِيلَاتِ مِنْهَا شَيْءٌ، وَرَأَيْتُ سَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ قَدِ انْعَقَدَ حَبُّهَا، وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ أُخَرَ يَابِسَاتٍ قَدِ اسْتُحْصِدَتْ، فَالْتَوَتِ الْيَابِسَاتُ عَلَى الْخُضْرِ حَتَّى عَلَوْنَ عَلَيْهَا، وَلَمْ يَبْقَ مِنْ قُدْرَتِهَا شَيْءٌ.

يَا أَيُّهَا السَّادَةُ وَالْكُبَرَاءُ! يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ! أَخْبِرُونِي بِتَأْوِيلِ رُؤْيَايَ الْخَطِيرَةِ وَعَبِّرُوهَا لِي، وَاذْكُرُوا بُعْدَهَا الْوَاقِعِيَّ فِي هَذَا الْكَوْنِ، إِنْ كُنْتُمْ تُحْسِنُونَ عِلْمَ الْعِبَارَةِ وَتَفْسِيرَ رُمُوزِ الْأَحْلَامِ.

قَالَ الْمَلَأُ مِنَ السَّحَرَةِ وَالْكَهَنَةِ وَالْمُعَبِّرِينَ مُجِيبِينَ الْمَلِكَ: رُؤْيَاكَ هَذِهِ أَخْلَاطٌ مُشْتَبِهَةٌ، وَمَنَامَاتٌ مُتَدَاخِلَةٌ بَاطِلَةٌ، وَمَا نَحْنُ بِتَفْسِيرِ الْمَنَامَاتِ بِعَالِمِينَ.

وَقَالَ السَّاقِي الَّذِي نَجَا مِنَ الْقَتْلِ بَعْدَ هَلَاكِ صَاحِبِهِ الْخَبَّازِ، وَتَذَكَّرَ قَوْلَ يُوسُفَ بَعْدَ مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ مِنَ الزَّمَنِ: {اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ} [يوسف: 42]، قَالَ: أَنَا أُخْبِرُكُمْ بِتَأْوِيلِ هَذِهِ الرُّؤْيَا، إِذْ أَسْتَفْتِي فِيهَا السَّجِينَ الْعِبْرَانِيَّ الَّذِي كُنْتُ مُصَاحِبًا لَهُ فِي سِجْنِ رَئِيسِ الشُّرْطَةِ، فَأَرْسِلْنِي أَيُّهَا الْمَلِكُ إِلَى السِّجْنِ، فَفِيهِ رَجُلٌ عَالِمٌ يُعَبِّرُ الرُّؤْيَا، فَأَرْسَلَهُ، فَأَتَى السِّجْنَ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَيْهِ قَالَ لَهُ: يَا يُوسُفُ، أَيُّهَا الْعَظِيمُ الصِّدْقِ فِي كَلَامِكَ وَتَأْوِيلِكَ وَسُلُوكِكَ وَتَصَرُّفَاتِكَ وَصُحْبَتِكَ، فَسِّرْ لَنَا رُؤْيَا مَا رَأَى، سَبْعُ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعُ بَقَرَاتٍ هَزِيلَاتٍ، وَرَأَى سَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ، فَإِنَّ الْمَلِكَ رَأَى هَذِهِ الرُّؤْيَا، لَعَلِّي أَرْجِعُ بِتَأْوِيلِ هَذِهِ الرُّؤْيَا إِلَى الْمَلِكِ وَجَمَاعَتِهِ لِيَعْلَمُوا تَأْوِيلَ مَا سَأَلْتُكَ عَنْهُ، وَلِيَعْلَمُوا مَكَانَتَكَ وَفَضْلَكَ.

لَمْ يَشْتَرِطْ شَيْئًا، وَإِنَّمَا مَضَى فِي تَعْبِيرِ الرُّؤْيَا، كَانَ مِنَ الْمُمْكِنِ لَوْ كَانَ سِوَاهُ لَقَالَ: لَا أُعَبِّرُ لَكُمُ الرُّؤْيَا حَتَّى أَخْرُجَ مِنْ هَذَا الْحَبْسِ، أَوْ حَتَّى يُرَدَّ إِلَيَّ حَقِّي.. إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا أَفَادَهُمْ وَأَرَادَ نَفْعَهُمْ.

قَالَ يُوسُفُ مُعَبِّرًا لِتِلْكَ الرُّؤْيَا الَّتِي تُشِيرُ إِلَى الْوَضْعِ الزِّرَاعِيِّ وَالِاقْتِصَادِيِّ وَالْمَالِيِّ خِلَالَ الْخَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً الْقَادِمَةِ، بِمَا فِيهَا مِنْ رَخَاءٍ، ثُمَّ قَحْطٍ، ثُمَّ غَوْثٍ: ازْرَعُوا سَبْعَ سِنِينَ بِجِدٍّ وَاجْتِهَادٍ مِنْ غَيْرِ فُتُورٍ عَلَى عَادَتِكُمُ الْمُسْتَمِرَّةِ فِي الزِّرَاعَةِ، فَمَا حَصَدْتُمْ مِنَ الْحِنْطَةِ فَاتْرُكُوهُ فِي سُنْبُلِهِ؛ لِئَلَّا يَفْسُدَ وَيَقَعَ فِيهِ السُّوسُ، وَاحْفَظُوا أَكْثَرَهُ لِوَقْتِ الْحَاجَةِ، إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَهُ مِنَ الْحُبُوبِ.

ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ الدَّأَبِ فِي الزِّرَاعَةِ -زِرَاعَةِ الْأَقْوَاتِ وَادِّخَارِهَا- طَوَالَ السِّنِينَ السَّبْعِ الْمُخْصِبَةِ، يَأْتِي سَبْعُ سِنِينَ مُجْدِبَةٌ، تَكُونُ مُمْحِلَةً شَدِيدَةً عَلَى النَّاسِ، يَأْكُلُ النَّاسُ وَتَأْكُلُ مَوَاشِيهِمْ فِيهَا مَا زَرَعْتُمْ وَادَّخَرْتُمْ لَهُنَّ مِنَ الطَّعَامِ فِي سَنَوَاتِ الْخِصْبِ، إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَحْفَظُونَهُ وَتَدَّخِرُونَهُ؛ احْتِيَاطًا لِلطَّوَارِئِ الْمُلْجِئَةِ الَّتِي قَدْ يُسْمَحُ فِيهَا بِالْأَخْذِ مِنَ الِاحْتِيَاطِيِّ بِمَقَادِيرِ الضَّرُورَةِ.

{ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ}، لَيْسَ فِي الرُّؤْيَا الَّتِي رَآهَا الْمَلِكُ أَدْنَى إِشَارَةٍ إِلَى عَامِ الْغَوْثِ هَذَا، فَهَذَا التَّأْوِيلُ عَلَّمَهُ اللهُ إِيَّاهُ، فِيهَا سَبْعٌ مِنَ السَّنَوَاتِ -كَمَا أَوَّلَ- يَكُونُ فِيهَا الْخِصْبُ، ثُمَّ سَبْعٌ مِنَ السَّنَوَاتِ يَكُونُ فِيهَا الْجَدْبُ، وَلَيْسَ فِي الرُّؤْيَا أَدْنَى إِشَارَةٍ إِلَى عَامِ الْغَوْثِ هَذَا.

ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ هَذِهِ السِّنِينَ الْمُجْدِبَةِ عَامٌ تَرْجِعُ فِيهِ تَصَارِيفُ الْكَوْنِ إِلَى مِثْلِ مَا كَانَتْ عَلَيْهِ قَبْلَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَفِيهِ تَنْزِلُ الْأَمْطَارُ النَّافِعَةُ الَّتِي يُنْبِتُ اللهُ بِهَا الزُّرُوعَ، وَفِيهَا يَعْصِرُونَ مَا شَأْنُهُ أَنْ يُعْصَرَ مِنْ نَحْوِ الْعِنَبِ وَالزَّيْتُونِ وَالْقَصَبِ، وَتَكْثُرُ النِّعَمُ عَلَى النَّاسِ.

لَمْ يَكْتَفِ يُوسُفُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- بِتَعْبِيرِ الرُّؤْيَا، بَلْ بَادَرَ فَوَضَعَ لَهُمْ خُطَّةَ عَمَلٍ لِمُوَاجَهَةِ سَنَوَاتِ الْقَحْطِ وَالْجَفَافِ، وَهِيَ خُطَّةٌ اقْتِصَادِيَّةٌ تَتَنَاوَلُ الْحَيَاةَ الزِّرَاعِيَّةَ وَالتَّمْوِينِيَّةَ لِلْأُمَّةِ خِلَالَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً تَأْتِي عَلَى اسْتِقْلَالٍ.

((مِنْ سُبُلِ التَّنْمِيَةِ الِاقْتِصَادِيَّةِ:

الِاجْتِهَادُ فِي الْعَمَلِ وَالْإِنْتَاجِ))

إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ السُّبُلِ وَأَفْضَلِ الْوَسَائِلِ لِتَنْمِيَةِ الِاقْتِصَادِ الْقَوْمِيِّ: الِاجْتِهَادَ فِي الْعَمَلِ وَالْإِنْتَاجِ مَعَ الْإِتْقَانِ وَالِابْتِكَارِ، فَالْعَمَلُ وَالْإِنْتَاجُ مَطْلَبٌ شَرْعِيٌّ وَوَاجِبٌ وَطَنِيٌّ، فَقَدْ أَمَرَ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- بِالسَّعْيِ فِي الْأَرْضِ عَقِبَ أَدَاءِ حَقِّ اللهِ تَعَالَى؛ قَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللهِ} [الجمعة: ١٠].

يَعْنِي: فَإِذَا فُرِغَ مِنْ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ، فَتَفَرَّقُوا فِي الْأَرْضِ لِلتِّجَارَةِ وَالتَّصَرُّفِ فِي حَوَائِجِكُمْ وَمَطَالِبِ حَيَاتِكُمْ، وَمَصَالِحِ دُنْيَاكُمْ، وَاطْلُبُوا رِزْقَ اللهِ بِأَنَاةٍ وَرِفْقٍ، مَعَ صَبْرٍ وَكَدْحٍ، وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا فِي جَمِيعِ أَحْوَالِكُمْ رَغْبَةً فِي الْفَوْزِ بِخَيْرَيِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.

*وَجَعَلَ اللهُ الْأَرْضَ مُنْقَادَةً لِلْبَشَرِ، وَسَخَّرَ لَهُمُ الْمَخْلُوقَاتِ الْمُخْتَلِفَةَ؛ مِنْ أَجْلِ حِرَاثَةِ الْأَرْضِ وَزِرَاعَتِهَا وَتَعْمِيرِهَا، وَمِنْ أَجْلِ تَرْقِيَةِ الْحَيَاةِ؛ قَالَ تَعَالَى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} [الملك: 15].

اللهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مُنْقَادَةً سَهْلَةً مُطَوَّعَةً، تَحْرُثُونَهَا وَتَزْرَعُونَهَا، وَتَسْتَخْرِجُونَ كُنُوزَهَا، وَتَنْتَفِعُونَ مِنْ طَاقَاتِهَا وَخَصَائِصِ عَنَاصِرِهَا، فَامْشُوا فِي جَوَانِبِهَا وَأَطْرَافِهَا وَنَوَاحِيهَا مَشْيًا رَفِيقًا لِتَحْصِيلِ مَطَالِبِ الْحَيَاةِ، وَكُلُوا مِمَّا خَلَقَهُ اللهُ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ، وَاكْتَسِبُوا الرِّزْقَ مِمَّا أَحَلَّ اللهُ -تَعَالَى- لَكُمْ، وَتَذَكَّرُوا يَوْمَ الْحِسَابِ، وَإِلَيْهِ وَحْدَهُ تُبْعَثُونَ مِنْ قُبُورِكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِلْحِسَابِ وَفَصْلِ الْقَضَاءِ وَتَنْفِيذِ الْجَزَاءِ.

وَالنَّبِيُّ ﷺ حَثَّ عَلَى الْعَمَلِ وَإِعْمَارِ الْأَرْضِ إِلَى آخِرِ لَحْظَةٍ فِي الْحَيَاةِ؛ فَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ «إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَفِي يَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ، فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَلَّا تَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَغْرِسْهَا». وَالْحَدِيثُ صَحِيحٌ، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ.

وَ«فَسِيلَةٌ»: هِيَ النَّخْلَةُ الصَّغِيرَةُ.

هَذَا فِيهِ مُبَالَغَةٌ فِي الْحَثِّ عَلَى غَرْسِ الْأَشْجَارِ وَحَفْرِ الْأَنْهَارِ؛ لِتَبْقَى هَذِهِ الدَّارُ عَامِرَةً إِلَى آخِرِ أَمَدِهَا الْمَحْدُودِ الْمَعْلُومِ عِنْدَ خَالِقِهَا، فَكَمَا غَرَسَ لَكَ غَيْرُكَ فَانْتَفَعْتَ بِهِ، فَاغْرِسْ أَنْتَ لِمَنْ يَجِيءُ بَعْدَكَ لِيَنْتَفِعَ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَبْقَ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا صُبَابَةٌ، وَذَلِكَ بِهَذَا الْقَصْدِ لَا يُنَافِي الزُّهْدَ وَالتَّقَلُّلَ مِنَ الدُّنْيَا.

وَالنَّبِيُّ ﷺ ذَكَرَ أَحَادِيثَ فِي اسْتِثْمَارِ الْأَرْضِ وَزَرْعِهَا، وَالْحَثِّ عَلَى ذَلِكَ، وَلَا أَدَلَّ عَلَى الْحَضِّ عَلَى الِاسْتِثْمَارِ مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الْكَرِيمَةِ، كَمَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي مَعَنَا؛ فَإِنَّ فِيهِ تَرْغِيبًا عَظِيمًا عَلَى اغْتِنَامِ آخِرِ فُرْصَةٍ مِنَ الْحَيَاةِ فِي سَبِيلِ زَرْعِ مَا يَنْتَفِعُ بِهِ النَّاسُ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَيُجْرَى لَهُ أَجْرُهُ، وَتُكْتَبُ لَهُ صَدَقَتُهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.

قَوْلُهُ: «فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَلَّا تَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَغْرِسْهَا»، وَهَذَا -كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ- يَتَطَلَّبُ زَمَانًا مَمْدُودًا لِكَيْ يَتَحَصَّلَ الْمَرْءُ عَلَى نَتِيجَتِهِ وعَائِدِهِ؛ لِأَنَّ النَّخْلَةَ يَسْتَمِرُّ نُمُوُّهَا حَتَّى إِثْمَارِهَا سَنَوَاتٍ، وَمَعَ ذَلِكَ فَالنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: «إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَفِي يَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ، فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَلَّا تَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَغْرِسْهَا».

مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَنْتَفِعْ بِهَا يَقِينًا حِينَئِذٍ، وَلَكِنَّهُ ﷺ يَحُثُّ عَلَى غَرْسِ الْأَشْجَارِ وَحَفْرِ الْأَنْهَارِ، وَعَلى الْعَمَلِ الصَّالِحِ النَّافِعِ بِصِفَةٍ عَامَّةٍ، وَإِنْ ظَهَرَتْ نَتَائِجُهُ وَعَوَاقِبُهُ عَلَى الْمَدَى الْبَعِيدِ، وَكَانَتْ نَتَائِجُهُ وَثِمَارُهُ بَطِيئَةً جِدًّا.

فِي هَذَا الْحَدِيثِ: التَّرْغِيبُ الْعَظِيمُ عَلَى اغْتِنَامِ آخِرِ فُرْصَةٍ مِنَ الْحَيَاةِ فِي سَبِيلِ زَرْعِ مَا يَنْتَفِعُ بِهِ النَّاسُ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَيُجْرَى لَهُ أَجْرُهُ وَتُكْتَبُ لَهُ صَدَقَتُهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَالْحَثُّ عَلَى الطَّاعَةِ إِلَى آخِرِ لَحْظَةٍ مِنَ الْحَيَاةِ.

وَالنَّبِيُّ ﷺ بَيَّنَ لِلْأُمَّةِ ضَرُورَةَ الْعَمَلِ، عَامِلِينَ بِقَاعِدَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ؛ هُمَا: التَّوَكُّلُ عَلَى اللهِ، وَالْأَخْذُ بِالْأَسْبَابِ؛ فَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخطَّابِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- -فِيمَا أَخْرَجَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَغَيْرُهُمْ، بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ- عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: «أَمَا إِنَّكُمْ لَوْ تَوَكَّلْتُم عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ، لَرَزَقَكُمُ اللَّهُ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ؛ تَغْدُو خِمَاصًا، وَتَعُودُ بِطَانًا».

فَبَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ فِي هَذَا الْحَدِيثِ قَاعِدَتَيْنِ كَبِيرَتَيْنِ فِي أَصْلِ هَذَا الدِّينِ:

*الْأُولَى: هِيَ قَاعِدَةُ التَّوَكُّلِ.

*وَالثَّانِيَةُ: قَاعِدَةُ الْأَخْذِ بِالْأَسْبَابِ.

وَالْحَدِيثُ يُفْهَمُ فَهْمًا مَضْبُوطًا، وَلَا عُذْرَ لِأَحَدٍ فِي فَهْمِهِ عَلَى هَذَا النَّحْوِ الْمَغْلُوطِ؛ لِأَنَّ الْحَدِيثَ بِنَفْسِهِ فِيهِ الدَّلَالَةُ عَلَى وُجُوبِ الْأَخْذِ بِالْأَسْبَابِ، فَإِنَّ الطَّيْرَ فِي الْوُكُنَاتِ وَفِي الْأَعْشَاشِ لَا تَبْقَى فِي أَعْشَاشِهَا، وَإِنَّمَا تُبَكِّرُ فِي الذَّهَابِ لِالْتِقَاطِ رِزْقِهَا.

يَقُولُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَوْ تَوَكَّلْتُمْ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ، لَرَزَقَكُمُ اللَّهُ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ، تَغْدُو...»؛ وَالْغُدُوُّ: هُوَ الْخُرُوجُ فِي بُكْرَةِ النَّهَارِ، فَتَغْدُو هَذِهِ الطُّيُورُ مِنْ أَعْشَاشِهَا وَوُكُنَاتِهَا مِنْ أَجْلِ الْتِقَاطِ رِزقِهَا، مُبَكِّرَةً مَعَ خُيُوطِ الْفَجْرِ الْأَوَّلِ، سَاعِيَةً فِي أَرْضِ اللهِ، لَكِنَّهَا لَا تَحْمِلُ لِرِزْقِهَا هَمًّا، وَاللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- يَرْزُقُهَا كَمَا رَزَقَهَا الْحَيَاةَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْيَا أَحَدٌ مِنْ غَيْرِ رِزْقٍ.

وَالْحَيَاةُ وَالْأَجَلُ يَرْتَبِطَانِ بِالرِّزْقِ ارْتِبَاطًا مُبَاشِرًا، بِحَيْثُ إِنَّهُ لَا يَحْيَا كَائِنٌ حَيٌّ بِغَيْرِ رِزْقٍ، يَقُولُ النَّاسُ: «فُلَانٌ حَيٌّ يُرْزَقُ»، وَلَنْ تَجِدَ أَبَدًا أَنَّ فُلَانًا حَيٌّ لَا يُرْزَقُ، فَارْتِبَاطُ الْأَجَلِ بِالرِّزْقِ أَمْرٌ حَتْمِيٌّ بِصَيْرُورَةٍ تَمْضِي إِلَى الْمَوْتِ، وَحِينَئِذٍ لَا أَجَلَ وَلَا رِزْقَ.

فَالنَّبِيُّ ﷺ يُبَيِّنُ لَنَا أَنَّ الطُّيُورَ تَغْدُو مُبَكِّرَةً مِنْ أَعْشَاشِهَا، تَطْلُبُ رِزْقَهَا، تَلْتَقِطُهُ فِي جَنَبَاتِ الْأَرْضِ، لَا تَحْمِلُ لَهُ هَمًّا، «خِمَاصًا»: جَمْعُ أَخْمَصَ، وَهَذَهِ الْحَوَاصِلُ الْخُمْصُ قَدِ الْتَزَقَتْ لُحُومُهَا بِبَعْضِهَا، بِحَيْثُ إِنَّهَا لَا تَحْوِي شَيْئًا، «تَغْدُو خِمَاصًا، وَتَعُودُ بِطَانًا» وَقَدِ امْتَلَأَتْ بُطُونُهَا وَحَوَاصِلُهَا، مِنْ أَيْنَ؟!!

مِنْ رِزْقِ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا-.

هَلْ قَدَّرَتْ لِذَلِكَ تَقْدِيرًا؟!!

هَلْ وَضَعَتْ لَهُ خُطَّةً لِلْعَمَلِ مِنْ أَجْلِ اكْتِسَابِهِ؟!!

إِنَّمَا أَخَذَتْ بِالْأَسْبَابِ، فَلَا بُدَّ مِنَ الْأَخْذِ بِالْأَسْبَابِ مَعَ التَّوَكُّلِ عَلَى رَبِّ الْأَسْبَابِ، بِحَيْثُ إِنَّ الْإِنْسَانَ يَخْرُجُ مِنْ قَيْدِ الرُّبُوبِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ فِيهِ مَدْخَلٌ، وَيَدْخُلُ فِي أَسْرِ الْعُبُودِيَّةِ، فَهَذَا هُوَ التَّوَكُّلُ، أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنَ الرُّبُوبِيَّةِ، لَا يَدَّعِي رِزْقًا، وَلَا يَدَّعِي حَوْلًا وَلَا حِيلَةً؛ لِأَنَّ اللهَ هُوَ خَالِقُهُ وَهُوَ رَازِقُهُ، وَهُوَ مَالِكُ أَمْرِهِ، وَنَاصِيتُهُ بِيَدِهِ.

وَهُوَ يَفْعَلُ بِهِ مَا يَشَاءُ عَلَى مُقْتَضَى حِكْمَتِهِ، وَلَا رَادَّ لِقَضَائِهِ فِيهِ، وَلَا رَادَّ لِحُكْمِهِ فِيهِ، يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ وَيَحْكُمُ بِمَا يُرِيدُ، وَأَمَّا الْأَخْذُ بِالْأَسْبَابِ فَهَذَا مَوْكُولٌ إِلَى الْعَبْدِ، وَلَا يُعَوِّلُ الْمَرْءُ عَلَى السَّبَبِ؛ لِأَنَّ النَّاسَ يَأْخُذُونَ كَثِيرًا بِالْأَسْبَابِ وَلَا يُحَصِّلُونَ شَيْئًا مِنَ النَّتَائِجِ.

وَلْنَعْلَمْ جَمِيعًا أَنَّ هَذَا الْكَوْنَ عَامِرٌ بِالْكَائِنَاتِ الَّتِي لَا يُحْصِيهَا إِلَّا اللهُ، وَكُلُّهَا مَرْزُوقٌ مِنْ رِزْقِ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا-، وَهُوَ أَمْرٌ عِنْدَمَا يَتَأَمَّلُ الْمَرْءُ فِيهِ يَكَادُ عَقْلُهُ يَذْهَبُ مِنْهُ، فَعَلَيْكَ أَنْ تَتَصَوَّرَ -مَثَلًا- وَأَنْ تَعْلَمَ أَنَّ الْكَائِنَاتِ الْبَحْرِيَّةَ الَّتِي تَحْيَا فِي الْبِحَارِ وَالْمُحِيطَاتِ هِيَ أَكْثَرُ عَدَدًا مِنَ الْكَائِنَاتِ الْبَرِّيَّةِ بِمَا لَا يُقَاسُ، وَكُلُّهَا مَرْزُوقَةٌ، وَلِكُلٍّ مِنْهَا دَوْرَةُ حَيَاةٍ، تُولَدُ بِالْمِيلَادِ الَّذِي قَدَّرَهُ اللهُ، ثُمَّ تَمْضِي فِي حَيَاتِهَا بِرِزْقٍ مِنْ طَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ أَوْ تَغْذِيَةٍ أَوْ نَفَسٍ أَوْ إِخْرَاجٍ، تَتَكَاثَرُ أَوْ لَا تَتَكَاثَرُ، ثُمَّ يَنْتَهِي أَجَلُهَا عِنْدَ حَدٍّ حَدَّدَهُ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، وَمَسَارِبُهَا فِي الْحَيَاةِ مَحْسُوبَةٌ.

((مِنْ سُبُلِ التَّنْمِيَةِ الِاقْتِصَادِيَّةِ:

الِاسْتِثْمَارُ وَإِقَامَةُ الْمَشْرُوعَاتِ))

وَمِنْ سُبُلِ بِنَاءِ الِاقْتِصَادِ الْقَوِيِّ فِي هَذِهِ الْحِقْبَةِ: سَعْيُ رِجَالِ الْأَعْمَالِ الْمُخْلِصِينَ الْوَطَنِيِّينَ لِاسْتِثْمَارِ أَمْوَالِهِمْ فِي بَلَدِهِمْ، وَتَوْفِيرِ فُرَصِ الْعَمَلِ لِأَبْنَاءِ هَذَا الْوَطَنِ الْجَمِيلِ.

وَيَنْبَغِي الِاجْتِهَادُ فِي اخْتِيَارِ مَنْ يَتَّصِفُ بِالْقُوَّةِ وَالْأَمَانَةِ، وَالْكَفَاءَةِ وَالْحِفْظِ لِلْعَمَلِ فِي الْمَشْرُوعَاتِ وَالْمَصَانِعِ وَالْإِدَارَاتِ؛ قَالَ اللهُ تَعَالَى: {إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ} [القصص: 26].

وَقَالَ يُوسُفُ: {اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ ۖ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} [يوسف: 55].

يُؤْخَذُ مِنْ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُتَخَيَّرَ فِي الْإِجَارَاتِ وَالْجِعَالَاتِ وَالْأَمَانَاتِ وَالْوِلَايَاتِ كُلِّهَا -كَبِيرَةً كَانَتْ أَوْ صَغِيرَةً- مَنْ جَمَعَ الْوَصْفَيْنِ: الْقُوَّةَ عَلَى ذَلِكَ الْعَمَلِ، وَالْكَفَاءَةَ وَالْحِفْظَ وَتَوَابِعَ ذَلِكَ مِنْ جَمِيعِ مَا تَقُومُ بِهِ الْأَعْمَالُ.

وَالْأَمْرُ الثَّانِي: الْأَمَانَةُ؛ فَبِالْأَمَانَةِ تَتِمُّ بِهِ الثِّقَةُ، وَيُعْلَمُ نُصْحُهُ وَبَذْلُهُ الْوَاجِبُ، وَبِالْكَفَاءَةِ وَالْقُوَّةِ يَحْصُلُ الْعَمَلُ وَيَتِمُّ وَيُتْقَنُ، فَإِنْ وَجَدَ الْجَامِعَ لِلْوَصْفَيْنِ عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ فَلْيَسْتَمْسِكْ بِغَرْزِهِ، وَإِلَّا اكْتُفِيَ بِالْأَمْثَلِ فَالْأَمْثَلِ، وَنَقْصُ الْأَعْمَالِ كُلِّهَا مِنَ الْإِخْلَالِ بِالْوَصْفَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا.

((مِنْ سُبُلِ بِنَاءِ الِاقْتِصَادِ السَّدِيدِ:

التَّرْشِيدُ فِي الِاسْتِهْلَاكِ))

إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ سُبُلِ بِنَاءِ الِاقْتِصَادِ الْقَوِيِّ: التَّرْشِيدَ فِي الِاسْتِهْلَاكِ، وَعَدَمَ الْإِسْرَافِ وَالتَّبْذِيرِ؛ قَالَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: {وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأنعام: 141].

وَلَا تُجَاوِزُوا الْحَدَّ بِإِنْفَاقِ الْمَالِ وَأَكْلِ الطَّعَامِ وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ إِنَّهُ -سُبْحَانَهُ- لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ الْمُتَجَاوِزِينَ الْحَدَّ فِي كُلِّ شَيْءٍ؛ لِأَنَّ الْإِسْرَافَ يُوصِلُ إِلَى الْوُقُوعِ فِي الْمَضَارِّ وَالْمَهَالِكِ، أَوِ الظُّلْمِ وَالتَّحْرِيفِ فِي الدِّينِ.

فَمِنْ فَوَائِدِ هَذِهِ الْآيَةِ: التَّمَتُّعُ بِالطَّيِّبَاتِ مَعَ عَدَمِ الْإِسْرَافِ وَمُجَاوَزَةِ الْحَدِّ فِي الْأَكْلِ وَالْإِنْفَاقِ.

وَاللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- أَمَرَنَا بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ مِمَّا رَزَقَنَا مِنَ الطَّيِّبَاتِ، مَعَ عَدَمِ الْإِسْرَافِ فِي ذَلِكَ، فَإِنَّ السَّرَفَ يُبْغِضُهُ اللَّهُ، وَيَضُرُّ بَدَنَ الْإِنْسَانِ وَمَعِيشَتَهُ؛ قَالَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأعراف: 31].

يَا بَنِي آدَمَ! كُلُوا وَاشْرَبُوا مَا أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ، لَا تُسْرِفُوا بِتَجَاوُزِ الْحَدِّ فِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ إِلَى مَا يُؤْذِي أَوْ يَضُرُّ؛ إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ مَنْ أَسْرَفَ فِي الْمَأْكُولِ وَالْمَشْرُوبِ وَالْمَلْبُوسِ وَغَيْرِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْإِسْرَافَ يُوصِلُ إِلَى الْوُقُوعِ فِي الْمَضَارِّ وَالْمَهَالِكِ، أَوِ الظُّلْمِ وَالتَّحْرِيفِ ِفي الدِّينِ.

وَمَنْ جَعَلَ نَفْسَهُ بِإِرَادَتِهِ فِي زُمْرَةِ الَّذِينَ لَا يُحِبُّهُمُ اللهُ، فَقَدْ جَعَلَهَا عُرْضَةً لِنِقْمَتِهِ وَعَذَابِهِ الشَّدِيدِ.

وَعَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- قَالَتْ: ((مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ مُنْذُ قَدِمَ الْمَدِينَةَ مِنْ طَعَامِ بُرٍّ ثَلَاثَ لَيَالٍ تِبَاعًا حَتَّى قُبِضَ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

الْمُسْلِمُ يَأْكُلُ مِنْ رِزْقِ رَبِّهِ الْحَلَالِ الطَّيِّبِ, وَلَا يُكْثِرُ مِنَ الْأَكْلِ؛ فَعَنِ ابْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((الْكَافِرُ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ, وَالْمُؤْمِنُ يَأْكُلُ فِي مِعًى وَاحِدٍ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: ((طَعَامُ الْوَاحِدِ يَكْفِي الِاثْنَيْنِ, وَطَعَامُ الِاثْنَيْنِ يَكْفِي الْأَرْبَعَةَ, وَطَعَامُ الْأَرْبَعَةِ يَكْفِي الثَّمَانِيَةَ)). أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.

وَعَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَتَجَنَّبَ الشِّبَعَ الْمُفْرِطَ؛ لِقَوْلِ الرَّسُولِ: ((مَا مَلَأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنِهِ, بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ لُقَيْمَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ, فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ؛ فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ, وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ, وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ)) .

الْمُسْلِمُ يَنْظُرُ إِلَى الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ بِاعْتِبَارِهِمَا وَسِيلَةً إِلَى غَيْرِهِمَا, لَا غَايَةً مَقْصُودَةً لِذَاتِهَا, فَهُوَ يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ مِنْ أَجْلِ الْمُحَافَظَةِ عَلَى سَلَامَةِ بَدَنِهِ الَّذِي بِهِ يُمْكِنُهُ أَنْ يَعْبُدَ رَبَّهُ الْعِبَادَةَ الَّتِي تُؤَهِّلُهُ لِكَرَامَةِ الدَّارِ الْآخِرَةِ وَسَعَادَتِهَا.

فَلَيْسَ الْمُسْلِمُ يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ لِذَاتِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَشَهْوَتِهِمَا؛ فَلِذَا هُوَ لَوْ لَمْ يَجُعْ لَمْ يَأْكُلْ, وَلَوْ لَمْ يَعْطَشْ لَمْ يَشْرَبْ.

وَقَالَ رَبُّنَا -جَلَّ وَعَلَا-: {وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا} [الإسراء: 26-27].

وَلَا تُنْفِقْ مَالَكَ فِي الْمَعْصِيَةِ، أَوْ عَلَى وَجْهِ الْإِسْرَافِ وَالْعَبَثِ؛ إِنْفَاقًا فِي غَيْرِ حَقِّهِ، يَحْكُمُ عَلَيْهِ أَهْلُ الْعَقْلِ وَالرُّشْدِ بِأَنَّهُ مِنَ التَّبْذِيرِ.

إِنَّ الْمُنْفِقِينَ أَمْوَالَهُمْ فِي مَعَاصِي اللهِ؛ كَانُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيَاطِينِ وَأَصْدِقَاءَهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ يُطِيعُونَهُمْ فِيمَا يَأْمُرُونَهُمْ بِهِ مِنَ الْإِسْرَافِ وَالتَّبْذِيرِ، وَفِيمَا يَسْتَدْرِجُونَهُمْ مِنَ الْمُبَاحَاتِ إِلَى الْمَكْرُوهَاتِ، فَإِلَى الْمُحَرَّمَاتِ الصُّغْرَى، فَإِلَى الْكَبَائِرِ الْكُبْرَى، ثُمَّ إِلَى الْكُفْرِ -وَالْعِيَاذُ بِاللهِ-.

وَكَانَ الشَّيْطَانُ شَدِيدَ الْجُحُودِ لِنِعْمَةِ رَبِّهِ، فَمَا يَنْبَغِي أَنْ يُطَاعَ؛ لِأَنَّهُ يَدْعُو إِلَى مِثْلِ عَمَلِهِ.

وَفِي السُّنَّةِ: الْحَثُّ عَلَى الِاعْتِدَالِ وَالتَّرْشِيدِ فِي الْإِنْفَاقِ، وَالْمَنْعُ مِنَ الْإِسْرَافِ وَالتَّبْذِيرِ؛ فَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((كُلْ وَاشْرَبْ، وَالْبَسْ وَتَصَدَّقْ، مِنْ غَيْرِ سَرَفٍ وَلَا مَخِيلَةٍ)) . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ فِي ((صَحِيحِ الْجَامِعِ وَغَيْرِهِ)).

هَذَا الْحَدِيثُ مُشْتَمِلٌ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْمَالِ فِي الْأُمُورِ النَّافِعَةِ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا، وَتَجَنُّبِ الْأُمُورِ الضَّارَّةِ.

وَذَلِكَ أَنَّ اللهَ -تَعَالَى- جَعَلَ الْمَالَ قِوَامًا لِلْعِبَادِ، بِهِ تَقُومُ أَحْوَالُهُمُ الْخَاصَّةُ وَالْعَامَّةُ، الدِّينِيَّةُ وَالدُّنْيَوِيَّةُ.

وَقَدْ أَرْشَدَ اللهُ وَرَسُولُهُ فِيهِ -اسْتِخْرَاجًا وَاسْتِعْمَالًا، وَتَدْبِيرًا وَتَصْرِيفًا- إِلَى أَحْسَنِ الطُّرُقِ وَأَنْفَعِهَا، وَأَحْسَنِهَا عَاقِبَةً: حَالًا وَمَآلًا.

أَرْشَدَ فِيهِ إِلَى السَّعْيِ فِي تَحْصِيلِهِ بِالْأَسْبَابِ الْمُبَاحَةِ وَالنَّافِعَةِ، وَأَنْ يَكُونَ الطَّلَبُ جَمِيلًا، وَلَا كَسَلَ مَعَهُ وَلَا فُتُورَ، وَلَا انْهِمَاكَ فِي تَحْصِيلِهِ انْهِمَاكًا يُخِلُّ بِحَالَةِ الْإِنْسَانِ.

وَأَنْ يَتَجَنَّبَ مِنَ الْمَكَاسِبِ الْمُحَرَّمَةِ وَالرَّدِيئَةِ، ثُمَّ إِذَا تَحَصَّلَ سَعَى الْإِنْسَانُ فِي حِفْظِهِ وَاسْتِعْمَالِهِ بِالْمَعْرُوفِ، بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَاللِّبَاسِ، وَالْأُمُورِ الْمُحْتَاجِ إِلَيْهَا، هُوَ وَمَنْ يَتَّصِلُ بِهِ مِنْ زَوْجَةٍ وَأَوْلَادٍ وَغَيْرِهِمْ، مِنْ غَيْرِ تَقْتِيرٍ وَلَا تَبْذِيرٍ.

وَكَذَلِكَ إِذَا أَخْرَجَهُ لِلْغَيْرِ فَيُخْرِجُهُ فِي الطُّرُقِ الَّتِي تَنْفَعُهُ، وَيَبْقَى لَهُ ثَوَابُهَا وَخَيْرُهَا، كَالصَّدَقَةِ عَلَى الْمُحْتَاجِ مِنَ الْأَقَارِبِ وَالْجِيرَانِ وَنَحْوِهِمْ، وَكَالْإِهْدَاءِ وَالدَّعَوَاتِ الَّتِي جَرَى الْعُرْفُ بِهَا.

وَكُلُّ ذَلِكَ مُعَلَّقٌ بِعَدَمِ الْإِسْرَافِ، وَقَصْدِ الْفَخْرِ وَالْخُيَلَاءِ، كَمَا قَيَّدَهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فِي أَنْ يَكُونَ الْإِنْسَانُ آتِيًا بِكُلِّ الْمَذْكُورِ مِنَ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ، وَاللُّبْسِ وَالتَّصَدُّقِ مِنْ غَيْرِ سَرَفٍ وَلَا مَخِيلَةٍ، وَكَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} [ الفرقان: 67].

فَهَذَا هُوَ الْعَدْلُ فِي تَدْبِيرِ الْمَالِ: أَنْ يَكُونَ قَوَامًا بَيْنَ رُتْبَتَيِ الْبُخْلِ وَالتَّبْذِيرِ، وَبِذَلِكَ تَقُومُ الْأُمُورُ وَتَتِمُّ، وَمَا سِوَى هَذَا، فَإِثْمٌ وَضَرَرٌ، وَنَقْصٌ فِي الْعَقْلِ وَالْحَالِ.

فَلَا حَرَجَ عَلَى الْمَرْءِ أَنْ يَأْكُلَ وَيَشْرَبَ، وَأَنْ يَلْبَسَ وَيَتَصَدَّقَ مَا دَامَ قَدْ حَصَّلَهُ مِنَ الْحَلَالِ، وَمَا دَامَ فِي إِنْفَاقِهِ فِي أَكْلِهِ وَشُرْبِهِ وَلِبَاسِهِ وَصَدَقَتِهِ؛ يَأْتِي مَا يَأْتِي مِنْ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ إِسْرَافٍ وَتَبْذِيرٍ، وَمِنْ غَيْرِ عُجْبٍ وَلَا مَخِيلَةٍ كَمَا أَرْشَدَ إِلَى ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَكَمَا بَيَّنَتْ نُصُوصُ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} [الفرقان: 67].

فَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى الِاعْتِدَالِ فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَأَنْ يَكُونَ الْإِنْسَانُ عَلَى الْقَصْدِ مِنْ غَيْرِ مَا خُرُوجٍ عَنْ دِينِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- بِغُلُوٍّ، وَمِنْ دُونِ وُقُوعٍ دُونَ دِينِ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- بِجَفَاءٍ، بَلْ يَكُونُ الْمَرْءُ عَلَى الْقَصْدِ فِي ذَلِكَ، وَهَذَا مَا جَاءَ بِهِ الدِّينُ الْأَغَرُّ.

*وَنَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ إِضَاعَةِ الْمَالِ، فَبَوَّبَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ- فِي ((الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ)) بَابًا فَقَالَ: ((بَابٌ: السَّرَفُ فِي الْمَالِ))، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ يَرْضَى لَكُمْ ثَلَاثًا، وَيَسْخَطُ لَكُمْ ثَلَاثًا؛ يَرْضَى لَكُمْ: أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا، وَأَنْ تُنَاصِحُوا مَنْ وَلَّاهُ اللَّهُ أَمْرَكُمْ، وَيَكْرَهُ لَكُمْ: قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ». وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي «صَحِيحِهِ».

«السَّرَفُ فِي الْمَالِ»: هُوَ تَجَاوُزُ الْحَدِّ؛ بِأَنْ يَصْرِفَهُ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ، أَوْ أَنْ يَزِيدَ فِي الْإِنْفَاقِ عَلَى قَدْرِهِ.

قَالَ ﷺ: «يَكْرَهُ لَكُمْ.. -وَذَكَرَ-: إِضَاعَةَ الْمَالِ»: هُوَ صَرْفُهُ فِي غَيْرِ وُجُوهِهِ الشَّرْعِيَّةِ، أَوْ تَعْرِيضُهُ لِلتَّلَفِ، أَوْ تَعْطِيلُهُ وَتَرْكُ الْقِيَامِ عَلَيْهِ، أَوْ إِعْطَاءُ الدَّيْنِ دُونَ إِشْهَادٍ لِغَيْرِ الْمَوْثُوقِ بِهِ.

وَسَبَبُ النَّهْيِ أَنَّهُ إِفْسَادٌ، وَاللهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ؛ وَلِأَنَّهُ إِذَا أَضَاعَهُ تَعَرَّضَ لِمَا فِي أَيْدِي النَّاسِ، وَلِأَنَّ فِي حِفْظِهِ مَالَهُ مَصْلَحَةَ دُنْيَاهُ، وَمَصْلَحَةَ دِينِهِ.

وَمَصْلَحَةُ دُنْيَاهُ صَلَاحٌ لِأَمْرِ دِينِهِ؛ لِأَنَّهُ يَتَفَرَّغُ حِينَئِذٍ لِأَمْرِ الدِّينِ.

فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْعَظِيمِ: النَّهْيُ عَنْ إِضَاعَةِ الْمَالِ، وَفِي الْمَالِ قُوَّةُ الْفَرْدِ وَالْأُمَّةِ، وَفِي هَذَا الْمَالِ بِنَاءُ اقْتِصَادِ دَوْلَةِ الْإِسْلَامِ.

((مِنْ سُبُلِ تَنْمِيَةِ الِاقْتِصَادِ الْقَوْمِيِّ:

وَفَاءُ الْمُوَاطِنِينَ بِالْتِزَامَاتِهِمْ تِجَاهَ وَطَنِهِمْ))

إِنَّ مِنْ أَهَمِّ عَوَامِلِ وَأُسُسِ الْبِنَاءِ الِاقْتِصَادِيِّ السَّدِيدِ: وَفَاءَ الْمُوَاطِنِينَ بِالْتِزَامَاتِهِمْ تِجَاهَ وَطَنِهِمْ، وَالتَّخَلُّصَ مِنَ الرُّوحِ الِاتِّكَالِيَّةِ مِنْ مُحَاوَلَةِ الْحُصُولِ عَلَى الْخِدْمَاتِ دُونَ أَدَاءِ مَا يُقَابِلُهَا، أَوْ مُحَاوَلَةِ الْحُصُولِ عَلَيْهَا دُونَ قِيمَتِهَا الْحَقِيقِيَّةِ.

قَالَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة: 1].

وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ، إِلَّا شَرْطًا أَحَلَّ حَرَامًا أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا)) .

((مِنْ أَعْظَمِ سُبُلِ بِنَاءِ الِاقْتِصَادِ السَّدِيدِ:

اجْتِنَابُ الْمُعَامَلَاتِ الِاقْتِصَادِيَّةِ الْمُحَرَّمَةِ))

عِبَادَ اللهِ! إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ سُبُلِ بِنَاءِ اقْتِصَادٍ قَوِيٍّ: الْبُعْدَ عَنْ كُلِّ الْمُعَامَلَاتِ الِاقْتِصَادِيَّةِ الَّتِي حَرَّمَهَا الْإِسْلَامُ الْعَظِيمُ؛ فَإِنَّ فَسَادَ الْمُعَامَلَاتِ الِاقْتِصَادِيَّةِ سَبَبُ تَدْمِيرِ الِاقْتِصَادِ وَهَلَاكِ الْمُجْتَمَعِ.

((وَالْمُعَامَلَاتُ الْمُحَرَّمَةُ تَرْجِعُ إِلَى ضَوَابِطَ؛ أَعْظَمُهَا الثَّلَاثَةُ الْآتِيَةُ:

*الرِّبَا بِأَنْوَاعِهِ الثَّلَاثَةِ؛ رِبَا الْفَضْلِ، وَرِبَا النَّسِيئَةِ، وَرِبَا الْقَرْضِ، فَالرِّبَا بِأَنْوَاعِهِ مُحَرَّمٌ.

*الْجَهَالَةُ وَالْغَرَرُ.

*الْخِدَاعُ وَالتَّغْرِيرُ)) .

الْمُعَامَلَاتُ الْمُحَرَّمَةُ تَرْجِعُ إِلَى هَذِهِ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ، وَهِيَ أَعْظَمُ الضَّوَابِطِ الَّتِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا تَحْرِيمُ الْعُقُودِ.

 ((فَأَعْظَمُ الْمَحَاذِيرِ الْمَانِعَةِ مِنْ صِحَّةِ الْمُعَامَلَاتِ: الرِّبَا، وَالْغَرَرُ، وَالظُّلْمُ.

فَالرِّبَا الَّذِي حَرَّمَهُ اللهُ وَرَسُولُهُ يَدْخُلُ فِيهِ (رِبَا الْفَضْلِ)، وَهُوَ بَيْعُ الْمَكِيلِ بِالْمَكِيلِ مِنْ جِنْسِهِ مُتَفَاضِلًا، وَبَيْعُ الْمَوْزُونِ بِالْمَوْزُونِ مِنْ جِنْسِهِ مُتَفَاضِلًا، وَيُشْتَرَطُ فِي هَذَا النَّوْعِ فِي حِلِّهِ مَا شَرَطَ الشَّارِعُ، وَهُوَ التَّمَاثُلُ بَيْنَ الْمَبِيعَيْنِ بِمِعْيَارِهِ الشَّرْعِيِّ، مَكِيلًا كَانَ أَوْ مَوْزُونًا، وَالْقَبْضُ لِلْعِوَضَيْنِ قَبْلَ التَّفَرُّقِ.. مِثْلًا بِمِثْلٍ، يَدًا بِيَدٍ.

وَ(رِبَا النَّسِيئَةِ): وَهُوَ بَيْعُ الْمَكِيلِ بِالْمَكِيلِ إِلَى أَجَلٍ، أَوْ غَيْرَ مَقْبُوضٍ -وَلَوْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ-، وَبَيْعُ الْمَوْزُونِ بِالْمَوْزُونِ إِلَى أَجَلٍ أَوْ بِلَا قَبْضٍ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ هَذَا السَّلَمُ.

وَأَشَدُّ أَنْوَاعِ هَذَا النَّوْعِ قَلْبُ الدُّيُونِ فِي الذِّمَمِ، وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ: {لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً} [آل عمران: 130].

وَذَلِكَ إِذَا حَلَّ مَا فِي ذِمَّةِ الْمَدِينِ قَالَ لَهُ الْغَرِيمُ: ((إِمَّا أَنْ تَقْضِيَنِي دَيْنِي، وَإِمَّا أَنْ تَزِيدَ فِي ذِمَّتِكِ))؛ فَيَتَضَاعَفُ مَا فِي ذِمَّةِ الْمُعْسِرِ أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً بِلَا نَفْعٍ وَلَا انْتِفَاعٍ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُعْسِرَ قَدْ أَوْجَبَ اللهُ عَلَى غَرِيمِهِ إِنْظَارَهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} [البقرة: 280].

وَسَوَاءٌ كَانَ قَلْبُ الدَّيْنِ الْمَذْكُورُ صَرِيحًا أَوْ يَتَحَيَّلُ عَلَيْهِ بِحِيلَةٍ لَيْسَتْ مَقْصُودَةً، وَإِنَّمَا يُرَادُ بِهَا التَّوَصُّلُ إِلَى مُضَاعَفَةِ مَا فِي ذِمَّةِ الْغَرِيمِ؛ فَهَذَا الَّذِي قَدْ تَوَعَّدَهُ اللهُ بِهَذَا الْوَعِيدِ الشَّدِيدِ، وَأَنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ مِنْ قُبُورِهِمْ إِلَى بَعْثِهِمْ وَنُشُورِهِمْ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ؛ أَيْ: مِنَ الْجُنُونِ، فَيَقُومُونَ مَرْعُوبِينَ مُنْزَعِجِينَ قَدِ اخْتَلَّتْ حَرَكَاتُهُمْ لِمَا يَعْلَمُونَ مَا أَمَامَهُمْ مِنَ الْقَلَاقِلِ وَالْأَهْوَالِ الْمُزْعِجَةِ وَالْعُقُوبَاتِ لِأَكَلَةِ الرِّبَا.

وَقَدْ آذَنَهُمُ اللهُ بِمُحَارَبَتِهِ وَمُحَارَبَةِ رَسُولِهِ إِذَا لَمْ يَتُوبُوا، وَمَنْ كَانَ مُحَارِبًا لِلهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّهُ مَخْذُولٌ، وَإِنَّ عَوَاقِبَهُ وَخِيمَةٌ، وَإِنِ اسْتُدْرِجَ فِي وَقْتٍ فَآخِرُ أَمْرِهِ الْمَحْقُ وَالْبَوَارُ، قَالَ تَعَالَى: {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ} [البقرة: 276]، {وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِندَ اللَّهِ} [الروم: 39].

فَالْمُرَابِي يَأْخُذُهُ الْأَمْنُ وَالْغُرُورُ الْحَاضِرُ، وَلَا يَدْرِي مَا خُبِئَ لَهُ فِي مُسْتَقْبَلِ أَمْرِهِ، وَأَنَّ اللهَ سَيَجْمَعُ لَهُ بَيْنَ عُقُوبَاتِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، إِلَّا إِنْ تَابَ وَأَنَابَ، فَإِذَا تَابَ فَلَهُ مَا سَلَفَ، وَأَمَّا الْعُقُودُ الْحَاضِرَةُ فَالزِّيَادَةُ لَا تَحِلُّ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَنْزِلَ عَلَى رَأْسِ مَالِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ} بِأَخْذِ الزِّيَادَةِ، {وَلَا تُظْلَمُونَ} بِأَخْذِ بَعْضِ رُءُوسِ أَمْوَالِكُمْ.

وَمِنْ أَنْوَاعِ الرِّبَا: الْقَرْضُ الَّذِي يَجُرُّ نَفْعًا; فَإِنَّ الْقَرْضَ مِنَ الْإِحْسَانِ وَالْمَرَافِقِ بَيْنَ الْعِبَادِ، فَإِذَا دَخَلَتْهُ الْمُعَاوَضَةُ وَشَرَطَ الْمُقْرِضُ عَلَى الْمُقْتَرِضُ رَدَّ خَيْرٍ مِنْهُ بِالصِّفَةِ أَوِ بِالْمِقْدَارِ، أَوْ شَرَطَ نَفْعًا أَوْ مُحَابَاةً فِي مُعَاوَضَةٍ أُخْرَى فَهُوَ مِنَ الرِّبَا؛ لِأَنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ دَرَاهِمُ بِدَرَاهِمَ مُؤَخَّرَةٍ، وَالرِّبْحُ ذَلِكَ النَّفْعُ الْمَشْرُوطُ.

فَاللهُ -تَعَالَى- وَعَظَ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ تَعَاطِي الرِّبَا كُلِّهِ وَالْمُعَامَلَةِ بِهِ، وَأَنْ يَكْتَفُوا بِالْمَكَاسِبِ الطَّيِّبَةِ الَّتِي فِيهَا الْبَرَكَةُ وَصَلَاحُ الدِّينِ وَالدُّنْيَا، وَفِيهَا تَزْكُو الْأَخْلَاقُ، وَيَحْصُلُ الِاعْتِبْارُ، وَحُسْنُ الْمُعَامَلَةِ، وَالصِّدْقُ، وَالْعَدْلُ، وَأَدَاءُ الْحُقُوقِ، وَالسَّلَامَةُ مِنْ جَمِيعِ التَّبِعَاتِ.

وَمِنَ الْمَحَاذِيرِ فِي الْمُعَامَلَاتِ مَحْذُورُ الْمَيْسِرِ وَالْغَرَرِ؛ فَإِنَّ اللهَ حَرَّمَ فِي كِتَابِهِ الْمَيْسِرَ، وَقَرَنَهُ بِالْخَمْرِ، وَذَكَرَ مَضَارَّ ذَلِكَ وَمَفَاسِدَهُ.

وَالْمَيْسِرُ يَدْخُلُ فِي الْمُعَامَلَاتِ كَمَا يَدْخُلُ فِي الْمُغَالَبَاتِ، فَكَمَا أَنَّ الْمُرَاهَنَاتِ وَالْمُقَامَرَاتِ وَتَوَابِعَهَا مِنَ الْمَيْسِرِ؛ فَالْبُيُوعُ الَّتِي فِيهَا غَرَرٌ وَمُخَاطَرَاتٌ وَجَهَالَاتٌ دَاخِلَةٌ فِي الْمَيْسِرِ.

وَلِهَذَا قَالَ ﷺ كَلِمَةً جَامِعَةً: «نَهَى عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ» كَمَا فِي ((صَحِيحِ مُسْلِمٍ)) ، فَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ بَيْعُ الْحَمْلِ فِي الْبَطْنِ، وَبَيْعُ الْآبِقِ وَالشَّارِدِ، وَالشَّيْءُ الَّذِي لَمْ يُرَ وَلَمْ يُوصَفْ، وَدَخَلَ فِيهِ بَيْعُ الْمَلَامَسَةِ وَالْمُنَابَذَةِ، وَجَمِيعُ الْعُقُودِ الَّتِي فِيهَا جَهَالَةٌ بَيِّنَةٌ دَاخِلَةٌ فِي ذَلِكَ -أَيْضًا-؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ أَحَدَ الْمُتَعَامِلَيْنَ إِمَّا أَنْ يَغْنَمَ، وَإِمَّا أَنْ يَغْرَمَ، وَهَذَا مُخَالِفٌ لِمَقَاصِدِ الْمُعَاوَضَاتِ الَّتِي يُقْصَدُ أَنْ يَكُونَ الْعِوَضُ فِي مُقَابَلَةِ الْمُعَوَّضِ عَلَى وَجْهٍ يَسْتَوِي فِيهِ عِلْمُ الْمُتَعَاوِضَيْنِ، فَإِذَا جُهِلَ الثَّمَنُ أَوِ الْمُثَمَّنُ، أَوْ كَانَ الْأَجَلُ فِي الدُّيُونِ غَيْرَ مُسَمًّى وَلَا مَعْلُومٍ دَخَلَ هَذَا فِي بَيْعِ الْغَرَرِ وَالْمَيْسِرِ الَّذِي زَجَرَ اللهُ عَنْهُ.

وَمِنَ الْمَحَاذِيرِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا فِي الْمُعَامَلَاتِ: الظُّلْمُ، وَالْغِشُّ، وَالتَّدْلِيسُ، وَبَخْسُ الْمَكَايِيلِ وَالْمَوَازِينِ، وَبَخْسُ الْحُقُوقِ أَخْذًا وَإِعْطَاءً؛ بِأَنْ يَأْخُذَ أَكْثَرَ مِمَّا لَهُ، أَوْ يُعْطِيَ أَقَلَّ مِمَّا عَلَيْهِ، فَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ الْمُحَرَّمَاتِ، وَقَدْ تَوَعَّدَ اللهُ عَلَيْهِ بِالْعُقُوبَاتِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَأَهْلَكَ أُمَّةً عَظِيمَةً بِسَبَبِ هَذِهِ الْمُعَامَلَةِ الْخَبِيثَةِ، وَهَذِهِ الْمُعَامَلَاتُ الْمُحَرَّمَةُ تَدْخُلُ فِي قَوْلِهِ: {لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ} [النساء: 29]، كَمَا يَدْخُلُ فِيهِ الْغَصْبُ وَالسَّرِقَةُ وَنَحْوُهُمَا)) .

عِبَادَ اللهِ! ((إِنَّ مَعْصِيَةَ اللهِ -تَعَالَى- تُزِيلُ النِّعَمَ، وَتُحِلُّ النِّقَمَ، وَمَا زَالَتْ عَنِ الْعَبْدِ نِعْمَةٌ إِلَّا بِذَنْبٍ، وَلَا حَلَّتْ بِهِ نِقْمَةٌ إِلَّا بِذَنْبٍ، كَمَا قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: «مَا نَزَلَ بَلَاءٌ إِلَّا بِذَنْبٍ، وَلَا رُفِعَ إِلَّا بِتَوْبَةٍ»» .

وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ فِي ((سُنَنِهِ))  مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالعِينَةِ، وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ البَقَرِ، وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ، وَتَرَكْتُمُ الجِهَادَ، سَلَّطَ اللهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا لَا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ». وَالْحَدِيثُ حَدِيثٌ صَحِيحٌ، صَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ فِي ((صَحِيحِ سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ))، وَفِي ((السِّلْسِلَةِ الصَّحِيحَةِ))، وَفِي غَيْرِهِمَا.

((إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالعِينَةِ)): وَهِيَ السِّلْعَةُ تَدْخُلُ بَيْنَ أَخْذٍ وَعَطَاءٍ، ثُمَّ تَخْرُجُ مَعَ زِيَادَةٍ فِي نَظِيرِ الْأَجَلِ بِلَا مُقَابِلٍ، وَهِيَ حِيلَةٌ مِنَ الْحِيَلِ يَأْخُذُ بِهَا مَنْ يُرِيدُ أَنْ يَأْكُلَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ، يَشْتَرِي سِلْعَةً بِأَلْفٍ إِلَى أَجَلٍ، ثُمَّ يَشْتَرِيهَا مِمَّنْ بَاعَهَا لَهُ بِثَمَانِمِائَةٍ -مَثَلًا- نَقْدًا فِي الْحَالِ، فَيَأْخُذُ ثَمَانِمِائَةٍ وَيَبْقَى فِي ذِمَّتِهِ أَلْفٌ، فَدَخَلَتِ السِّلْعَةُ وَخَرَجَتْ -حِيلَةً- مِنْ أَجْلِ تَحْلِيلِ الرِّبَا، وَهَيْهَاتَ!!

إِذَا فَسَدَتْ حَيَاتُكُمْ الِاقْتِصَادِيَّةُ، ((إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالعِينَةِ))..

((وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ البَقَرِ)): فَصِرْتُمْ تَابِعِينَ حَتَّى لِلْبَقَرِ، وَانْحَطَّتْ هِمَمُكُمْ، ((وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ، وَتَرَكْتُمُ الجِهَادَ، سَلَّطَ اللهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا لَا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ)).

فَجَعَلَ رَفْعَ الذُّلِّ مَرْهُونًا بِالرُّجُوعِ إِلَى الدِّينِ، فَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ الدِّينِ الْمَرْجُوعِ إِلَيْهِ، وَمَعْرِفَةِ كَيْفِيَّةِ الرُّجُوعِ إِلَيْهِ.

قَدْ يَعْرِفُ الْإِنْسَانُ الدِّينَ الْمَرْجُوعَ إِلَيْهِ، وَلَكِنَّهُ لَا يَسْلُكُ إِلَى هَذَا الدِّينِ السَّبِيلَ الَّتِي تُوصِلُ إِلَيْهِ، فَلَا يَكُونُ مُحْسِنًا وَلَا يُرْفَعُ الذُّلُّ عَنْهُ، وَإِنَّمَا لَا بُدَّ مِنَ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ، فَلَا بُدَّ مْنْ مَعْرِفَةِ الدِّينِ الْمَرْجُوعِ إِلَيْهِ وَمَعْرِفَةِ السَّبِيلِ الْمُوصِلَةِ إِلَيْهِ.

فَإِذَا تَحَصَّلَ الْمُجْتَمَعُ عَلَى هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ، فَرَجَعَ إِلَى دِينِ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا-؛ رَفَعَ اللهُ مَا سَلَّطَ عَلَيْهِ مِنَ الذُّلِّ حَتَّى يَعُودَ إِلَى عِزِّهِ وَعِزَّتِهِ، وَرِفْعَتِهِ وَسُؤْدُدِهِ وَمَجْدِهِ.

قَالَ رَبُّنَا -جَلَّ وَعَلَا-: {وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ} [الشورى: 30].

وَقَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الأنفال: 53].

فَأَخْبَرَ -تَعَالَى- أَنَّهُ لَا يُغَيِّرُ نِعَمَهُ الَّتِي أَنْعَمَ بِهَا عَلَى أَحَدٍ حَتَّى يَكُونَ هُوَ الَّذِي يُغَيِّرُ مَا بِنَفْسِهِ، فَيُغَيِّرُ طَاعَةَ اللهِ بِمَعْصِيَتِهِ، وَشُكْرَ اللهِ بِكُفْرِهِ، وَأَسْبَابَ رِضَاهُ -تَعَالَى- بِأَسْبَابِ سَخَطِهِ، فَإِذَا غَيَّرَ غُيِّرَ عَلَيْهِ جَزَاءً وِفَاقًا -وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ-.

فَمَنْ صَفَّى صُفِّيَ لَهُ، وَمَنْ كَدَّرَ كُدِّرَ عَلَيْهِ، وَمَنْ شَابَ شِيبَ لَهُ، فَمَنْ أَحْسَنَ أُحْسِنَ إِلَيْهِ، وَعَلَى مَنْ أَسَاءَ السُّوأَى -وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ-.

 ((ثَمَرَاتُ الِاقْتِصَادِ الْقَوِيِّ عَلَى الْمُجْتَمَعِ الْمُسْلِمِ))

إِنَّ الِاقْتِصَادَ الْقَوِيَّ يُمَكِّنُ الدُّوَلَ مِنَ الْوَفَاءِ بِالْتِزَامَاتِهَا الْمَحَلِّيَّةِ وَالدَّوْلِيَّةِ وَتَوْفِيرِ حَيَاةٍ كَرِيمَةٍ لِمُوَاطِنِيهَا.

((لَقَدْ مَدَحَ اللهُ -سُبْحَانَهُ- فِي كِتَابِهِ أَعْمَالًا وَأَثْنَى عَلَى أَصْحَابِهَا، وَلَا تَحْصُلُ إِلَّا بِالْغِنَى كَالزَّكَاةِ وَالْإِنْفَاقِ فِي وُجُوهِ الْبِرِّ وَالْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ بِالْمَالِ، وَتَجْهِيزِ الْغُزَاةِ، وَإِعَانَةِ الْمَحَاوِيجِ، وَفَكِّ الرِّقَابِ، وَالْإِطْعَامِ فِي زَمَنِ الْمَسْغَبَةِ.

وَنَفْعُ الْغَنِيِّ بِمَالِهِ يَكُونُ فِي نُصْرَةِ دِينِ اللهِ، وَإِعْلَاءِ كَلِمَتِهِ، وَكَسْرِ أَعْدَائِهِ.

وَهَذَا الصِّدِّيقُ وَشِرَاؤُهُ الْمُعَذَّبِينَ فِي اللهِ، وَإِعْتَاقُهُمْ، وَإِنْفَاقُهُ عَلَى نُصْرَةِ الْإِسْلَامِ حِينَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((مَا نَفَعَنِي مَالُ أَحَدٍ مَا نَفَعَنِي مَالُ أَبِي بَكْرٍ)) .

وَإِنْفَاقُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ تِلْكَ النَّفَقَاتِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي قَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ فِي بَعْضِهَا: ((مَا ضَرَّ عُثْمَانَ مَا فَعَلَ بَعْدَ الْيَوْمِ))، ثُمَّ قَالَ: ((غَفَرَ اللهُ لَكَ يَا عُثْمَانُ مَا أَسْرَرْتَ وَمَا أَعْلَنْتَ وَمَا أَخْفَيْتَ وَمَا أَبْدَيْتَ)) .

وَقَدْ ذَكَرَ اللهُ -سُبْحَانَهُ- أَصْنَافَ السُّعَدَاءِ؛ فَبَدَأَ بِالْمُتَصَدِّقِينَ أَوَّلَهُمْ فَقَالَ تَعَالَى: {إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ * وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ} [الحديد: 18، 19].

فَهَؤُلَاءِ أَصْنَافُ السُّعَدَاءِ، وَمَقَدَّمُوهُمُ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ.

وَفِي الصَّدَقَةِ فَوَائِدُ وَمَنَافِعُ لَا يُحْصِيهَا إِلَّا اللهُ؛ فَمِنْهَا: أَنَّهَا تَقِي مَصَارِعَ السُّوءِ، وَتَدْفَعُ الْبَلَاءَ حَتَّى إِنَّهَا لَتَدْفَعُ عَنِ الظَّالِمِ.

قَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعَيُّ: ((وَكَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ الصَّدَقَةَ تَدْفَعُ عَنِ الرَّجُلِ الظُّلُومَ، وَتُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ، وَتَحْفَظُ الْمَالَ، وَتَجْلِبُ الرِّزْقَ، وَتُفْرِحُ الْقَلْبَ، وَتُوجِبُ الثِّقَةَ بِاللهِ وَحُسْنَ الظَّنِّ بِهِ كَمَا أَنَّ الْبُخْلَ سُوءُ الظَّنِّ بِاللهِ.

وَتُرْغِمُ الشَّيْطَانَ -يَعْنِي الصَّدَقَةَ-، وَتُزَكِّي النَّفْسَ وَتُنَمِّيهَا، وَتُحَبِّبُ الْعَبْدَ إِلَى اللهِ وَإِلَى خَلْقِهِ، وَتَسْتُرُ عَلَيْهِ كُلَّ عَيْبٍ، كَمَا أَنَّ الْبُخْلَ يُغَطِّيَ عَلَيْهِ كُلَّ حَسَنَةٍ، وَتَزِيدُ فِي الْعُمُرِ، وَتَسْتَجْلِبُ أَدْعِيَةَ النَّاسِ وَمَحْبَّتَهُمْ.

((وَتَدْفَعُ عَنْ صَاحِبِهَا عَذَابَ الْقَبْرِ، وَتَكُونُ عَلَيْهِ ظِلًّا يَوْمَ الْقِيَامَةِ)) .

وَتَشْفَعُ لَهُ عِنْدَ اللهِ، وَتُهَوِّنُ عَلَيْهِ شَدَائِدَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَتَدْعُوهُ إِلَى سَائِرِ أَعْمَالِ الْبِرِّ فَلَا تَسْتَعْصِي عَلَيْهِ، وَفَوَائِدُهَا وَمَنَافِعُهَا أَضْعَافُ ذَلِكَ.

وَيَكْفِي فِي فَضْلِ النَّفْعِ الْمُتَعَدِّي بِالْمَالِ أَنَّ الْجَزَاءَ عَلَيْهِ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ، ((فَمَنْ كَسَى مُؤْمِنًا كَسَاهُ اللهُ مِنْ حُلَلِ الْجَنَّةِ، وَمَنْ أَشْبَعَ جَائِعًا أَشْبَعَهُ اللهُ مِنْ ثِمَارِ الْجَنَّةِ، وَمَنْ سَقَى ظَمْآنًا سَقَاهُ اللهُ مِنْ شَرَابِ الْجَنَّةِ)) ، ((وَمَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً أَعْتَقَ اللهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنَ النَّارِ حَتَّى فَرْجَهُ بِفَرْجِهِ)) .

((وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَاللهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ)) .

وَمِنْ فَوَائِدِ الْمَالِ أَنَّهُ قِوَامُ الْعِبَادَاتِ وَالطَّاعَاتِ، وَبِهِ قَامَ سُوقُ بِرِّ الْحَجِّ وَالْجِهَادِ، وَبِهِ حَصَلَ الْإِنْفَاقُ الْوَاجِبُ وَالْمُسْتَحَبُّ، وَبِهِ حَصَلَتْ قُرُبَاتُ الْعِتْقِ، وَالْوَقْفِ، وَبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ، وَالْقَنَاطِرِ، وَغَيْرِهَا.

وَبِالْمَالِ يُتَوَصَّلُ إِلَى النِّكَاحِ الَّذِى هُوَ أَفْضَلُ مِنَ التَّخَلِّي لِنَوَافِلِ الْعِبَادَةِ، وَعَلَيْهِ قَامَ سُوقُ الْمُرُوءَةِ، وَبِالْمَالِ ظَهَرَتْ صِفَةُ الْجُودِ وَالسَّخَاءِ، وَبِالْمَالِ وُقِيَتِ الْأَعْرَاضُ، وَبِالْمَالِ اكْتُسِبَ الْإِخْوَانُ وَالْأَصْدِقَاءُ، وَبِالْمَالِ تَوَصَّلَ الْأَبْرَارُ إِلَى الدَّرَجَاتِ الْعُلَى وَمُرَافَقَةِ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ، فَالْمَالُ مِرْقَاةٌ يُصْعَدُ بِهَا إِلَى أَعْلَى غُرَفِ الْجَنَّةِ، وَيُهْبَطُ مِنْهَا إِلَى أَسْفَلِ سَافِلِينَ، وَهُوَ مُقِيمُ مَجْدِ الْمَاجِدِ، كَمَا أَنَّ بَعْضَ السَّلَفِ يَقُولُ: ((لَا مَجْدَ إِلَّا بِفَعَالٍ، وَلَا فَعَالَ إِلَّا بِمَالٍ)) .

وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَقُولُ: ((اللَّهُمَّ إِنِّي مِنْ عِبَادِكَ الَّذِينَ لَا يُصْلِحُهُمْ إِلَّا الْغِنَى)) .

وَالْمَالُ مِنْ أَسْبَابِ رِضَا اللهِ عَنِ الْعَبْدِ، كَمَا كَانَ مِنْ أَسْبَابِ سَخَطِهِ عَلَيْهِ.

وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللهِ عَنْ إِضَاعَةِ الْمَالِ ، وَأَخْبَرَ ((أَنَّ تَرْكَ الرَّجُلِ وَرَثَتَهُ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ لَهُ مِنْ تَرْكِهِمْ فُقَرَاءَ.. وَأَخْبَرَ: أَنَّ صَاحِبَ الْمَالِ لَنْ يُنْفِقَ نَفَقَةً يَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللهِ إِلَّا ازْدَادَ بِهَا دَرَجَةً وَرِفْعَةً)) .

وَقَدِ اسْتَعَاذَ رَسُولُ اللهِ مِنَ الْفَقْرِ، وَقَرَنَ الْفَقْرَ بِالْكُفْرِ، فَقَالَ: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكُفْرِ وَالْفَقْرِ)) .

فَإِنَّ الْخَيْرَ نَوْعَانِ؛ خَيْرُ الْآخِرَةِ وَالْكُفْرُ يُضَادُّهُ، وَخَيْرُ الدُّنْيَا وَالْفَقْرُ يُضَادُّهُ، فَالْفَقْرُ سَبَبُ عَذَابِ الدُّنْيَا، وَالْكُفْرُ سَبَبُ عَذَابِ الْآخِرَةِ)) .

إِنَّ قُوَّةَ اقْتِصَادِ الدَّوْلَةِ وَأَفْرَادِهَا يُثْمِرُ زِيَادَةً فِي أَمْوَالِ الزَّكَاةِ، وَمِنْ فَوَائِدِ الزَّكَاةِ: أَنَّهَا تَجْعَلُ الْمُجْتَمَعَ الْإِسْلَامِيَّ كَأَنَّهُ أُسْرَةٌ وَاحِدَةٌ، يُضْفِي فِيهِ الْقَادِرُ عَلَى الْعَاجِزِ، وَالْغَنِيُّ عَلَى الْمُعْسِرِ، فَتُصْبِحُ حِينَئِذٍ أُخُوَّةُ الْإِسْلَامِ ظَاهِرَةً، وَيُصْبِحُ الْإِنْسَانُ يَشْعُرُ بِأَنَّ لَهُ إِخْوَةً يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُحْسِنَ إِلَيْهِمْ كَمَا أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْهِ، {وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ} [القصص: 77]، فَتُصْبِحُ الْأُمَّةُ الْإِسْلَامِيَّةُ وَكَأَنَّهَا أُسْرَةٌ وَاحِدَةٌ، وَهَذَا مَا يُعْرَفُ عِنْدَ الْمُعَاصِرِينَ بِالتَّكَافُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ.

وَالزَّكَاةُ هِيَ خَيْرُ مَا يَكُونُ لِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ يُؤَدِّي بِهَا فَرِيضَةً وَيَنْفَعُ إِخْوَانَهُ.

وَمِنْ ثَمَرَاتِ الزَّكَاةِ وَفَوَائِدِهَا: أَنَّ الزَّكَاةَ تُطْفِئُ حَرَارَةَ ثَوْرَةِ الْفُقَرَاءِ؛ لِأَنَّ الْفَقِيرَ قَدْ يَغِيظُهُ أَنْ يَجِدَ هَذَا الرَّجُلَ يَرْكَبُ مَا شَاءَ مِنَ الْمَرَاكِبِ، وَيَسْكُنُ مَا شَاءَ مِنْ الْقُصُورِ، وَيَأْكُلُ مَا يَشْتَهِي مِنَ الطَّعَامِ.

وَأَمَّا هَذَا الْفَقِيرُ؛ فَلَا يَرْكَبُ إِلَّا رِجْلَيْهِ، وَلَا يَنَامُ إِلَّا عَلَى الْأَسْمَالِ وَمَا أَشْبَهَ؛ لَا شَكَّ أَنَّهُ يَجِدُ فِي نَفْسِهِ شَيْئًا، فَإِذَا جَادَ الْأَغْنِيَاءُ عَلَى الْفُقَرَاءِ؛ كَسَرُوا ثَوْرَتَهُمْ، وَهَدَّأُوا غَضْبَتَهُمْ، وَقَالُوا لَنَا إِخْوَةٌ يَعْرِفُونَنَا فِي الشِّدَّةِ، فَيَأْلَفُونَ الْأَغْنِيَاءَ وَيُحِبُّونَهُمْ.

وَمِنْ ثَمَرَاتِ الزَّكَاةِ: أَنَّهَا تَمْنَعُ الْجَرَائِمَ الْمَالِيَّةَ، كَالسَّرِقَاتِ وَالنَّهْبِ وَالسَّطْوِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْفُقَرَاءَ يَأْتِيهِمْ مَا يَسُدُّ شَيْئًا مِنْ حَاجَتِهِمْ، وَيَعْذِرُونَ الْأَغْنِيَاءَ لِكَوْنِهِمْ يُعْطُونَهُمْ مِنْ مَالِهِمْ، يُعْطُونَ رُبُوعَ الْعُشْرِ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْعُرُوضِ، وَالْعُشْرَ أَوْ نِصْفَهُ فِي الْحُبُوبِ وَالثِّمَارِ.

وَفِي الْمَوَاشِي يُعْطُونَهُمْ نِسْبَةً كَبِيرَةً، فَيَرَوْنَ أَنَّهُمْ مُحْسِنُونَ إِلَيْهِمْ فَلَا يَعْتَدُونَ عَلَيْهِمْ.

إِنَّ الِاسْتِغْفَارَ سَبَبٌ لِحُصُولِ الْخَيْرَاتِ، وَنُزُولِ الْبَرَكَاتِ، وَتَفْرِيجِ الْكُرُبَاتِ، وَالْإِخْرَاجِ مِنَ الْمُلِمَّاتِ.

نَسْأَلُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ أَنْ يَجْعَلَ الدُّنْيَا فِي أَيْدِينَا لَا فِي قُلُوبِنَا، وَأَنْ يَقِيَنَا شُحَّ أنْفُسِنَا، إِنَّهُ هُوَ الْجَوَادُ الْكَرِيمُ.

وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ.

 

المصدر: الْبِنَاءُ الِاقْتِصَادِيُّ السَّدِيدُ وَأَثَرُهُ فِي اسْتِقْرَارِ الْمُجْتَمَعِ

التعليقات


خطب مفرغة قد تعجبك


  حُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ وَذَوِي الْأَرْحَامِ
  فَرَائِضُ الْإِسْلَامِ غَايَاتُهَا وَمَقَاصِدُهَا
  حُسْنُ الْخَاتِمَةِ بَيْنَ الِاجْتِهَادِ وَالتَّوْفِيقِ
  خُطُورَةُ الْمُخَدِّرَاتِ وَالْإِدْمَانِ عَلَى الْفَرْدِ وَالْمُجْتَمَعِ
  عَالَمِيَّةُ الرِّسَالَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ كَمَا يَجِبُ أَنْ نَفْهَمَهَا
  إِيمَانُ وَوَحْدَةُ الْأُمَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ سَبِيلُ عِزَّتِهَا وَحِمَايَةِ مُقَدَّسَاتِهَا
  التَّضْحِيَةُ مِنْ أَجْلِ الأَوْطَانِ وَمُرَاعَاةُ المَصْلَحَةِ العُلْيَا لِلْأُمَّةِ
  حُقُوقُ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ وَحُرْمَةُ قَتْلِ السَّائِحِينَ وَالْمَدَنِيِّينَ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ
  الدِّينُ وَالْإِنْسَانُ
  الاحتفال بالمولد النبوي
  • شارك

نبذة عن الموقع

موقع تفريغات العلامة رسلان ، موقع يحتوي على العشرات من الخطب والمحاضرات والمقاطع المفرغة لفضيلة الشيخ العلامة أبي عبدالله محمد بن سعيد رسلان-حفظه الله- . كما يعلن القائمون على صفحة وموقع تفريغات العلامة رسلان -حفظه الله- أن التفريغات للخطب ليست هي الشكل النهائي عند الطباعة، ولكن نحن نفرغ خطب الشيخ حفظه الله ونجتهد في نشرها ليستفيد منها طلاب العلم والدعاة على منهاج النبوة في كل أنحاء الدنيا، ونؤكد على أنَّ الخطب غير مُخرَّجة بشكل كامل كما يحدث في خطب الشيخ العلامة رسلان المطبوعة وليست الكتب المنشورة على الصفحة والموقع هي النسخة النهائية لكتب الشيخ التي تُطبع...وهذه الكتب ما هي إلا تفريغ لخطب الشيخ، غير أنَّ كتب الشيخ التي تُطبع تُراجع من الشيخ -حفظه الله- وتُخرج. والتفريغ عملٌ بشريٌ، ونحن نجتهد في مراجعة التفريغات مراجعة جيدة، فإذا وقع خطأ أو شكل الخطب كما نخرجها -إنما نُحاسب نحن عليها والخطأ يُنسب لنا وليس للشيخ -حفظه الله-.

الحقوق محفوظة لكل مسلم موقع تفريغات العلامة رسلان