تاريخ النشر الجمعة,08 ذو القعدة 1439 / 20 يوليو 2018

تفريغ خطبة مِنْ مَعَانِي ((لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ)) فِي الْقُرْآنِ


((مِنْ مَعَانِي ((لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ)) فِي الْقُرْآنِ))

إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُه، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَلَّا إِلهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ.

أَمَّا بَعْدُ:

فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.

أَمَّا بَعْدُ:

((التَّوْحِيدُ هُوَ أَصْلُ الْعِبَادَةِ وَقِوَامُهَا))

فَأَوَّلُ مَا يَجِبُ عَلَى العِبَادِ: مَعرِفَةُ الأَمرِ الَّذِي خَلَقَهُمُ اللهُ لَهُ، وَأَخَذَ عَلَيهِمُ المِيثَاقَ بِهِ، وَأَرسَلَ بِهِ رُسُلَهُ إِلَيهِم، وَأَنزَلَ بِهِ كُتُبَهُ عَلَيهِم، وَلِأَجلِهِ خُلِقَتِ الدُّنيَا وَالآخِرَةُ، وَالجَنَّةُ وَالنَّارُ.

وَبِهِ حَقَّت الحَاقَّةُ، وَوَقَعَتِ الوَاقِعَةُ، وَفِي شَأنِهِ تُنصَبُ المَوَازِينُ، وَتَتَطَايَرُ الصُّحُفُ، وَفِيهِ تَكُونُ الشَّقَاوَةُ وَالسَّعَادَةُ، وَعَلَى حَسَبِهِ تُقَسَّمُ الأَنوَارُ،  {وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ} [النور: 40].

وَقَد أَخْبَرَنَا اللهُ تَعَالَى أنَّهُ مَا خَلَقَنَا إلَّا لِعِبَادَتِهِ، وَالعِبَادَةُ هِي: ((اسْمٌ جَامِعٌ لِكُلِّ مَا يُحِبُّهُ اللهُ وَيَرْضَاهُ مِنَ الأقوَالِ وَالأعمَالِ الظَّاهِرَةِ وَالبَاطِنَةِ)).

وَأَصْلُ العِبَادَةِ وَقِوَامُهَا الَّذِي لَا قِوَامَ لَهَا بِدُونِهِ هُو التَّوحِيدُ الَّذِي أُرسِلَتْ بِهِ الرُّسُلُ، وَأُنزِلَتْ بِهِ الكُتُبُ، وَمِن أَجْلِهِ أُمِرَ بالجِهَادِ، وَفُرِضَ عَلَى كُلِّ فَرْدٍ مِن الأفْرَادِ، وَلأجْلِهِ خُلِقَتِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ، وَالجَنَّةُ وَالنَّارُ.

((الْجَامِعُ لِلتَّوْحِيدِ كَلِمَةُ ((لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ)) ))

عِبَادَ اللهِ! إِنَّ الجَامِعَ لِلتَّوْحِيدِ كَلِمَةٌ خَفِيفَةُ اللَّفْظِ، وَاسِعَةُ المَعْنَى، جَلِيلَةُ القَدْرِ، وَهِي: ((لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ)).

كَلِمَةُ الشَّهَادَةِ، وَمفتَاحُ دَارِ السَّعَادَةِ، فَهِي أَصْلُ الدِّينِ وَأَسَاسُهُ، وَرَأسُ أَمْرِهِ، وَسَاقُ شَجَرَتِهِ، وَعَمُودُ فُسْطَاطِهِ، وَبَقِيَّةُ الأركَانِ وَالفَرَائِضِ مُتَفَرِّعَةٌ عَنْهَا، مُتَشَعِّبَةٌ مِنْهَا، مُكَمِّلَاتٌ لَهَا، مُقَيَّدَةٌ بالتِزَامِ مَعْنَاهَا وَالعَمَلِِ بمُقتَضَاهَا.

وَهَذَا الأَمرُ الذِي خَلَقَهُمُ اللهُ لِأَجلِهِ، بَيَّنَهُ سُبحَانَهُ فِي قَولِهِ: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56].

وَقَد أَوجَبَ اللهُ عَلَى المُكَلَّفِ شَهَادَةَ أَن ((لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ))، وَالعَمَلَ بِهَا، قَالَ تَعَالَى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ} [محمد: 19].

وَكُلُّ رَسُولٍ خَاطَبَ قَومَهُ أَوَّلَ مَا خَاطَبَهُم بِقَولِهِ: {اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف: 59].

وَبِالنَّفي وَالإِثبَاتِ فِي الكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ ((لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ)) بَعَثَ اللهُ الرُّسُلَ، وَهِيَ أَوَّلُ دَعوَتِهِم لِأَقوَامِهِم {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36].

وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 25].

وَمِن أَجلِ هَذِهِ الكَلِمَةِ خَلَقَ اللهُ الجِنَّ وَالإِنسَ، وَمِن أَجلِ هَذِهِ الكَلِمَةِ خَلَقَ اللهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرضَ، وَمِن أَجلِهَا افتَرَقَ النَّاسُ إِلَى فَرِيقَينِ: فَرِيقٍ فِي الجَنَّةِ وَفَرِيقٍ فِي السَّعِيرِ.

((مَعَانِي كَلِمَةِ ((لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ)) فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ))

*عِبَادَ اللهِ! كَلِمَةُ ((لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ)) هِيَ كَلِمَةُ الإِخلَاصِ؛ لِأَنَّهَا تَنفِي الشِّركَ بِاللهِ -عَزَّ وَجَلَّ-، وَتُثبِتُ العِبَادَةَ لَهُ وَحدَهُ سُبحَانَهُ.

فَهِيَ كَلِمَةُ الإِخلَاصِ؛ إِخلَاصِ التَّوحِيدِ، وَإِخلَاصِ العِبَادَةِ، وَتَجَنُّبِ الشِّركِ بِاللهِ تَعَالَى.

*وَهِيَ كَلِمَةُ التَّقوَى، كَمَا قَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: {إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَىٰ وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا ۚ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} [الفتح: 26].

وَ{كَلِمَةَ التَّقْوَىٰ}: هِيَ ((لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ)).

*وَهِيَ العُروَةُ الوُثقَى، قَالَ تَعَالَى: {فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 256].

*وَهِي العَهْدُ الَّذِي ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى فِي قَولِهِ: {لَّا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَٰنِ عَهْدًا} [مريم: 87].

*وَهِي الحَسَنَةُ الَّتِي ذَكَرَ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- فِي قَوْلِهِ: {مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَهُم مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ} [النمل: 89].

*وَهِي كَلِمَةُ الحَقِّ الَّتِي ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى فِي قَولِهِ: {إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [الزخرف: 86].

*وَهِي كَلِمَةُ التَّقْوَى الَّتِي ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى فِي قَولِهِ: {وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَىٰ وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا} [الفتح: 26].

*وَهِي المَثَلُ الأعْلَى الَّذِي ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى فِي قَولِهِ: {وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَىٰ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [الروم: 27].

*وَهِي الحُسْنَى الَّتِي ذَكَرَ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ-فِي قَولِهِ: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَاتَّقَىٰ * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَىٰ * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ} [الليل: 5-7].

*وَهِي القَولُ الثَّابِتُ الَّذِي قَالَ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ-: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ} [إبراهيم: 27].

وَعَنْهَا يَسْأَلُ اللهُ الرُّسُلَ وأُمَمَهُم، حَيْثُ يَقُولُ تَعَالَى: {فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ} [الأعراف: 6].

فَيَقُولُ للرُّسُلِ: {مَاذَا أُجِبْتُمْ} [المائدة: 109]؟

وَيَقُولُ للأُمَمِ: {مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ} [القصص: 65]؟

فـ ((لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ)): كَلِمَةُ الإِخلَاصِ، وَكَلِمَةُ التَّقوَى، وَهِيَ العُروَةُ الوُثقَى، وَهِيَ الكَلِمَةُ الفَارِقَةُ بَينَ الكُفرِ وَالإِيمَانِ.

(( ((لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ)) اعْتِقَادٌ وَقَوْلٌ وَعَمَلٌ))

عِبَادَ اللهِ! لَا بُدَّ مِنَ اعتِقَادِ مَعنَى ((لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ))  مَعَ التَّلَفُّظِ بِهَا، وَالعَملِ بِلَوَازِمِهَا.

فَلَيسَ المُرَادُ قَولَهَا بِاللِّسَانِ مَعَ الجَهلِ بِمَعنَاهَا، وَلَيسَ ذَلِكَ بِمُغْنٍ شَيْئًا إِذَا لَمْ يَعمَلْ بِلَوَازِمِهَا، فَإِنَّ المُنَافِقِينَ يَقُولُونَهَا وَهُم تَحْتَ الكُفَّارِ فِي الدَّرْكِ الأَسفَلِ مِنَ النَّارِ، مَعَ كَونِهِم -أَيِ المُنَافِقِينَ- يُصَلُّونَ، وَيَتَصَدَّقُونَ، وَيَصُومُونَ، وَقَد يَحُجُّونَ.

فَالمُرَادُ اعتِقَادُ القَلْبِ، وَنُطقُ اللِّسَانِ، وَالعَمَلُ بِمُقتَضَى ((لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ)).

وَذَلِكَ بِإِخلَاصِ العِبَادَةِ للهِ تَعَالَى، وَتَركِ عِبَادَةِ مَا سِوَاهُ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-.

فـ((لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ)) كَلِمَةُ نُطقٍ، وعِلمٍ، وَعَمَلٍ.  

فَأَكْثِرُوا مِنَ الذِّكْرِ بِهَا -عِبَادَ اللهِ-، وتَمَسَّكُوا بِهَا، عَسَى اللهُ أَنْ يَقْبِضَنَا عَلَيْهَا؛ إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ.

وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ أَجمَعِينَ.

الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ

الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَشْهَدُ أَلَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ هُوَ يَتَوَلَّى الصَالِحِينَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ , صَلَاةً وَسَلَامًا دَائِمَيْنِ مُتَلَازِمَيْنِ إِلَى يَومِ الدِّينِ.

أَمَّا بَعْدُ:

 ((مِنْ فَضَائِلِ ((لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ)) ))

فَـ ((لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ)) سَبَبٌ لِدُخُولِ الْجَنَّةِ، وَالنَّجَاةِ مِنَ النَّارِ، وَمُقْتَضٍ لِذَلِكَ، وَلَكِنَّ الْمُقْتَضِيَ لَا يَعْمَلُ عَمَلَهُ إِلَّا بِاسْتِجْمَاعِ شُرُوطِهِ، وَانْتِفَاءِ مَوَانِعِهِ، فَقَدْ يَتَخَلَّفُ عَنْهُ مُقْتَضَاهُ لِفَوَاتِ شَرْطٍ مِنْ شُرُوطِهِ، أَوْ لِوُجُودِ مَانِعٍ، وَلِهَذَا قِيلَ لِلْحَسَنِ: ((إِنَّ نَاسًا يَقُولُونَ: مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ.

فَقَالَ: مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَأَدَّى حَقَّهَا وَفَرْضَهَا؛ دَخَلَ الْجَنَّةَ)).

وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ لِمَنْ سَأَلَهُ: ((أَلَيْسَ ((لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ)) مِفْتَاحَ الْجَنَّةِ؟

قَالَ: بَلَى؛ وَلَكِنْ مَا مِنْ مِفْتَاحٍ إِلَّا وَلَهُ أَسْنَانٌ، فَإِنْ جِئْتَ بِمِفْتَاحٍ لَا أَسْنَانَ لَهُ؛ لَمْ يَفْتَحْ لَكَ، وَإِنْ جِئْتَ بِمِفْتَاحٍ لَهُ أَسْنَانٌ؛ فُتِحَ لَكَ)) .

فَـ((لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ)) اشْتَمَلَتْ عَلَى نَفْيٍ وَإِثْبَاتٍ، فَنَفَتِ الْإِلَهِيَّةَ عَنْ كُلِّ مَا سِوَى اللهِ تَعَالَى، فَكُلُّ مَا سِوَاهُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَالْأَنْبِيَاءِ -فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِمْ-؛ فَلَيْسَ بِإِلَهٍ، وَلَا لَهُ مِنَ الْعِبَادَةِ شَيْءٌ.

وَأَثْبَتَتْ ((لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ)) الْإِلَهِيَّةَ للهِ وَحْدَهُ، بِمَعْنَى: أَنَّ الْعَبْدَ لَا يَأْلَهُ غَيْرَهُ، أَيْ: لَا يَقْصِدُهُ بِشَيْءٍ مِنَ التَّأَلُّهِ، وَهُوَ تَعَلُّقُ الْقَلْبِ الَّذِي يُوجِبُ قَصْدَهُ بِشَيْءٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْعِبَادَةِ؛ كَالدُّعَاءِ، وَالذَّبْحِ، وَالنَّذْرِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ.

وَبِالْجُمْلَةِ؛ فَلَا يَأْلَهُ إِلَّا اللهَ؛ أَيْ: لَا يَعْبُدُ إِلَّا هُوَ، فَمَنْ قَالَ هَذِهِ الْكَلِمَةَ: ((لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ)) عَارِفًا لِمَعْنَاهَا، عَامِلًا بِمُقْتَضَاهَا؛ مِنْ نَفْيِ الشِّرْكِ وَإِثْبَاتِ الْوَحْدَانِيَّةِ للهِ، مَعَ الِاعْتِقَادِ الْجَازِمِ لِمَا تَضَمَّنَتْهُ مِنْ ذَلِكَ وَالْعَمَلِ بِهِ؛ فَهَذَا هُوَ الْمُسْلِمُ حَقًّا.

 فَإِنْ عَمِلَ بِهَا ظَاهِرًا مِنْ غَيْرِ اعْتِقَادٍ فَهُوَ الْمُنَافِقُ، وَإِنْ عَمِلَ بِخِلَافِهَا مِنَ الشِّرْكِ؛ فَهُوَ الْكَافِرُ وَلَوْ قَالَهَا، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُنَافِقِينَ يَعْمَلُونَ بِهَا ظَاهِرًا وَهُمْ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ؟!!

عَلَيْكَ أَنْ تُحَقِّقَ تَوْحِيدَكَ؛ فَلَيْسَ عَمَلٌ بِنَافِعِكَ إِذَا لَمْ يَكُنْ تَوْحِيدُكَ مُحَقَّقًا، كَمَا لَوْ أَنَّكَ صَلَّيْتَ بِدُونِ طُهُورٍ؛ فَإِنَّ صَلَاتَكَ لَا تُعَدُّ صَلَاةً فِي مِيزَانِ الشَّرْعِ، وَكَذَا مَهْمَا أَتَيْتَ بِهِ مِنْ عَمَلٍ صَالِحٍ تَتَزَلَّفُ بِهِ إِلَى اللهِ -جَلَّ وَعَلَا- مَعَ الشِّرْكِ؛ فَإِنَّهُ حَابِطٌ مَرْدُودٌ عَلَى فَاعِلِهِ.

نَسْأَلُ اللهَ -جَلَّ وَعَلَا- بِأَسْمَائِهِ الحُسْنَى، وَصِفَاتِهِ المُثْلَى أَنْ يَجْعَلَ آخِرَ كَلَامِنَا ((لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ))، وَأَنْ يَقْبِضَنَا عَلَيْهَا، وَأَنْ يَحْشُرَنَا فِي زُمْرَةِ أَهْلِهَا، وَأَنْ يَجْمَعَنَا مَعَ نَبِيِّنَا ﷺ فِي الفِرْدَوْسِ الأَعْلَى مِنَ الجَنَّةِ.

وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ أَجمَعِينَ.

التعليقات


خطب قد تعجبك


  • شارك

نبذة عن الموقع

موقع تفريغات العلامة رسلان ، موقع يحتوي على العشرات من الخطب والمحاضرات والمقاطع المفرغة لفضيلة الشيخ العلامة أبي عبدالله محمد بن سعيد رسلان-حفظه الله- . كما يعلن القائمون على صفحة وموقع تفريغات العلامة رسلان -حفظه الله- أن التفريغات للخطب ليست هي الشكل النهائي عند الطباعة، ولكن نحن نفرغ خطب الشيخ حفظه الله ونجتهد في نشرها ليستفيد منها طلاب العلم والدعاة على منهاج النبوة في كل أنحاء الدنيا، ونؤكد على أنَّ الخطب غير مُخرَّجة بشكل كامل كما يحدث في خطب الشيخ العلامة رسلان المطبوعة وليست الكتب المنشورة على الصفحة والموقع هي النسخة النهائية لكتب الشيخ التي تُطبع...وهذه الكتب ما هي إلا تفريغ لخطب الشيخ، غير أنَّ كتب الشيخ التي تُطبع تُراجع من الشيخ -حفظه الله- وتُخرج. والتفريغ عملٌ بشريٌ، ونحن نجتهد في مراجعة التفريغات مراجعة جيدة، فإذا وقع خطأ أو شكل الخطب كما نخرجها -إنما نُحاسب نحن عليها والخطأ يُنسب لنا وليس للشيخ -حفظه الله-.

الحقوق محفوظة لكل مسلم موقع تفريغات العلامة رسلان